بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على محمد واله (وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل) قال ابو الحسن على ابن الحسن بن احمد بن ابى حريصه: بعد حمد الله بمحامده كلها، والثناء عليه بمدائحه وفضلها، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى وآله الاتقياء: هذا كتاب الاحكام الذى صنفه والفه الامام الهادى إلى الحق يحيى ابن الحسين عليه وعلى آبائه السلام حسب ما قال، إذ قال: فرأينا ان نضع كتابا مستقصى، فيه أصول ما يحتاج إليه من الحلال والحرام، مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله ليعمل به ويتكل عليه من ذكرنا، قال أبو الحسن: وإنى وجدت في هذا الكتاب أبوابا متفرقة، وعن مواضعها نادة في خلال الابواب غير المشاكلة لها غير مرتبة، ولقد سألني غير واحد ما باله لم ينظمه نسقا واحدا، ويتبع كل فن منه فنا؟ فأجبته بأن امره رضى الله عنه كان أشهر وأدل من أن يغبى عذره في ذلك، إذ كان حلس فرسه، وضجيع سيفه ليلا ونهار الاحياء دين الله، وإنفاذ أمره جاهدا مجتهدا، لا يكاد تؤيه دار ولا يلزمه قرار، وكلما وجد فيقه أو اغتنم في أيامه فرصة أثبت الفصل من كتابه، ورسم الباب من أبوابه، إذ كان رحمة الله عليه إنما ألفه خشيك الذي ذكر في الفصل الذي يقول فيه: فنظرنا في أمورنا وأمور من نخلفه من بعدنا فإنه رضي الله عنه إنما جعله جزءا من دينه وبعض مفترضاته، ليهدي به حائرا أو يرد به عن البينات جائرا، سالكا في ذلك سبيل من أخذ الله عليه ميثاقه، لتبيننه للناس ولا
[ 28 ]
تكتمونه، فكان لا يكاد يتم ذلك الفصل حتى ينجم منتهك لحرمات الله سبحانه، أو جاحد لكتابه، يروم إطفاء نوره ودرس آياته، فيخلي ما هو فيه من ذلك صارفا وجهه بل باذلا مهجته دون دين الله تعالى أن يبتك، وعن حرماته أن تنتهك، ومع ذلك لا ينفك من سائل متفهم، أو باحث مسترشد، أو سائل متعنت. ولقد حدثنى من رحمه الله أنه شاهده في يوم من أيام حروبه بنجران وأن سائلا يسأله من لدن أن أمر بإسراج فرسه، إلى أن استوي في متنه، إلي أن زحف إلي عدوه، وهو يجيبه، فلما تراءي الجمعان وألح عليه ذلك الانسان، أنشد هذه الابيات من شعر الغروي: ويل الشجي من الخلي فانه نصب الفؤاد بشجوه مغموم وتري الخلى قرير عين لاهيا وعلى الشجي كآبة وهموم ويقول مالك لا تقول مقالتي ولسان ذا طلق وذا مكظوم فيجيبه عن المسألة بباب، ويفهمه ذلك بأوسع جواب، ليبالغ في هدايته، ويوسع في تعريفه، ثم يرسم عنه ذلك الجواب في غير موضعه، ويقرن بغير فنه، ناسقا ذلك على ما معه من الاصول المتقدمة في أول كتابه، فخشيت إذ ذاك أن يفزع إليه ذو النازلة، أو يرومه باغي الفائدة، فتغبى عنه فايدته إذا هو طلبها في كتابه، أو تأملها في فنها المعبر عنها، فيظن أن مؤلفها رضي الله عنه أغفلها تاركا، وأطرحها من تصنيفه جانبا، فألحقت كل فن ببابه، وأتبعت كل فرع بأصله، مع أني ما زدت في ذلك حرفا، ولا نقصت من معناه شيئا، وأني ذلك! وإنما به وبآبائه عليهم السلام اهتدينا، وبهم طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله
اقتدينا، ومن بحور نتائجهم وبرائكهم ارتوينا، نسأل الله فوزا بمرافقة نبيه المصطفى وآله الاتقياء، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.
[ 29 ]
مبتدأ كتاب الاحكام
[ 31 ]
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا الحسن بن أحمد بن محمد (1) الضهري *، قال: حدثنا محمد بن الفتح بن يوسف قال: قرأت هذا الكتاب على محمد بن الهادي إلي الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه وسألته أروي عنك ما قرأت عليك؟ قال: نعم. قال محمد بن يحيى: قال يحيى بن الحسين بن القاسم بن ابراهيم بن اسمعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه وعلي آبائه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا تراه العيون، ولا تحيط به الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا يجزي أنعمه العاملون (2)، المحمود على السراء والضراء والشدة والرخاء، الذي ليس له حدينال، ولا شبه تضرب له به الامثال، وهو ذو القوة والقدرة والمحال، الذي دنا فنأى، وأحاطبا لاشياء علما وخبرا، وفطرها كيف شاء فطرا، فلم يمتنع من مفطوراتها عليه سبحانه
(1) في نسخة محمد بن أبي الفتح. (2) في نسخة العاملون. * بالضاد نسبة إلى وادي ضهر وهو واد قريب من صنعاء وقد نص الكتاب بأن وادي ضهر يكتب بالضاد لا بالظاء كما هو المشهور في غيره
[ 32 ]
مفطور، ولم يستتر عنه من محجوبات سرائرها مستور، بل علمه بما سيكون من كل مكون كعلمه بما كان وظهر وتبين، لا يخفى عليه شئ مما تنطوي عليه الجوانح والقلوب، ولا يحتجب عنه شئ من خفيات الغيوب، الذي نبتت بأمره الاشجار، واستقلت بقدرته الاقطار، وزخرت بقوته البحار، وهطلت بمشيته الامطار. وأشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا، أقولها تعبدا لله سبحنه ورقا، مقالة مخلص من العباد قايل صدقا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله برسالاته فبلغ ما أمر بتبليغه، وجهد لربه ونصح لامته، وعبد إلهه حتى أتاه اليقين، جاهدا مجتهدا ناصحا صابرا محتسبا متعبدا، حتى أقام دعوة الحق، وأظهر كلمة الصدق، ووحد الله جهارا، وعبده ليلا ونهارا، ثم قبضه الله إليه وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وشكر أمره، فعليه أفضل صلوة المصلين، وعلى أهل بيته الطيبين. ثم نقول من بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلوة والسلام على محمد وعلى آله: أما بعد فإنا نظرنا في أمورنا وأمور من نخلفه من بعدنا، من أولادنا واخواننا، وأهل مقالتنا، ممن يميل إلى آل الرسول صلى الله عليه وعليهم ويتعلق بحبلهم، ويتمسك بدينهم، وينتحل ولايتهم، ويقول بما أوجب الله عزوجل عليه من تفضيلهم، فلما أن نظرنا في ذلك علمنا أنا ميتون، والى الله صائرون، ومن دار الغرور خارجون، وإلى دار المجازات آيبون، وإلى المناقشة والحساب راجعون، من جاء بالحسنة
فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون،
[ 33 ]
وعلمنا ما قد زخرفه بعض الجهلة المخالفين لآل الرسول عليهم السلام، المدعين للعلم والتمام، وقالوا فيه بأهوائهم، وتركوا الاقتداء بعلمائهم الذين أمرهم الله بالاقتداء بهم، من أهل بيت نبيهم، الذين أمروا بقصدهم وسؤالهم، وذلك قول الله سبحانه: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (3) وأهل الذكر فهم آل محمد، الذين أنزل الله عليهم الكتاب، وهدوا به إلى القول بالصواب، فرفضوا آل الرسول ظلما وطغيانا، وأبدوا لله في ذلك خلافا وعصيانا، وقالوا في كل نازلة نزلت من حلال أو حرام بأهوائهم، اجتراء على ذي الجلال والاكرام وتعمدا في ذلك لخلاف آل محمد عليهم السلام، وجنبوا في كثير من أقاويلهم عن الكتاب والسنة والمعقول، فتبارك الله ذو الجلال والطول ثم لم يقتصروا على ذلك، حتى كفروا من لم يكن كذلك، فكلهم يدعوا الجهال إليه، ويزعم لهم أن الصواب في يديه، وهو مجنب عن الحق حاير عن طريق الصدق يعند عن الحق والهدى، ويتبع الغي والهوى، قد صدوا عن الله عباده وأظهر وجهارا عناده، وأزاحوا الحق عن مغرسه الذي اختاره الله له، فجعله سبحنه وركبه لعلمه به فيه، وبنى دعائم الدين عليه، وذلك قوله عزوجل: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (4) ويقول: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) (5) ويقول: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (6) فرأينا أن نضع كتابا مستقصى،، فيه أصول ما يحتاج إليه من الحلال والحرام، مما جاء به السول عليه السلام، ليعمل به ويتكل
عليه من ذكرنا، ولا يلتفت إلى ما في ايدي الجهلة الضلال، أهل التكمه في المحال مذوي البغي والايغال. فكان أول ما ينبغي لنا أن نذكره، ونصفه وندل عليه ونشرحه، توحيد ربنا، والقول بالحق في خالقنا، فقلنا: إن أول ما ينبغي لمن أراد التخلص من الهلكة والدخول في باب النجاة، أن يعلم أن الله واحد أحد، ليس له ند ولا شبيه ولا نظير، وأنه سبحنه على خلاف ما يتوهم المتوهمون، أو يظن المتظننون (7)، فينفي عنه جل جلاله عن أن يحويه قول، أو يناله شبه خلقه، وكل ما كان فيهم ولهم من الادوات والآلات من الايدي والارجل والوجوه والشفاه، والالسن والاسماع والابعاض والاعين، حتى يخرج من قلبه، ويصح في عقله وعقده، أنه بخلاف ما ذكرنا من خلقه، ويعلم أن لكل ما ذكر الله من ذلك في نفسه معنى وتأويلا معروفا عند أهل التنزيل الذين أو تمنوا عليه، وأمروا بالقيام فيه والدعاء إليه، وقد فسرنا جميع ما يحتاج إليه من ذلك في كتاب التوحيد، الذي وضعناه لمن أراد معرفة الله من العبيد، فإذا علم ذلك، وصح عنده كذلك، ونفى عن الله تعالى شبه خلقه، ما عظم منه وما صغر وما دق منه وما كبر، وجب عليه أن يعلم ان ألله سبحانه وعزوجل عن كل شأن شأنه عدل في جميع أفعاله، وأنه برئ من مقالة الجاهلين، متقدس عن ظلم المظلومين، بعيد عن القضاء بالفساد للمفسدين، متعال عن الرضى بمعاصي العاصين، برئ من أفعال العباد، غير مدخل لعباده في الفساد، ولا مخرج لهم من الخير والرشاد، وكيف يجوز ذلك على
حكيم، أو يكون من صفة رحيم، فتعالى الله عن ذلك وتقدس عن أن
ص 34 (7) في نسخة المبطلون.
[ 35 ]
يكون كذلك، وكيف يقضي بالمعاصي، وهو ينهى عنها، ويذم العاصين ويأمر بالطاعة ويشكر المطيعين، ولو كان كذلك لما سمى ولا دعا أحدا ممن خلق بالعصيان، بل كانوا كلهم عنده في حد الطاعة والايمان، إذ قوله الصدق وفعله الحق، لانه كان لو قضى بالفجور والكفر على الكافرين، وبالتقى والايمان على المؤمنين، لكان كل عباده لامره سبحانه مطيعين، ولقضائه منفذين، وفي ارادته ساعين، ولما كان يوجد في الخلق ذو عصيان، بل كان كلهم ذا طاعة لله وايمان، فإذا علم أن الله سبحانه لا يقضي بالفواحش والمنكر، ولا يشاء غير ما به من الطاعة أمر، وفي ذلك ما يقول ذو الجلال والطول: (أن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون) (8) ويقول (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (9) وجب عليه أن يعلم أن كل ما وعدو أوعد الواحد ذو الجلال الصمد حق لامرية فيه، ولا لبس من الحساب والحشر، وما أعد الله للمؤمنين من الثواب، وأعد للكافرين من العقاب، وأن من دخل الجنة أو النار، من الابرار والفجار، فأنه غير خارج من أيهما صار إليها، وحل بفعله فيها، أبد الابد، لا ما يقول الجاهلون: من خروج المعذبين من العذاب المهين، إلى دار المتقين، ومحل المؤمنين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: (خالدين فيها أبدا) (10) ويقول عزوجل: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم
بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) (11) ففي كل ذلك يخبر أن كل من
دخل النار فهو مقيم فيها غير خارج منها، من بعد مصيره إليها، فنعوذ بالله من الجهل والعمى، ونسأله العون والهدى، فإنه ولي كل نعماء، ودافع كل الاسواء. فإذا عرف ذلك واعتقده، فقد صحت له معرفة خالقه، وصار بأذن الله بالله من العارفين، وله سبحانه من الموحدين، القائلين على الله بالحق واليقين. فحينئذ يجب عليه أن يعلم أن كل ما جاء به الرسول عليه السلام، وشرعه من حلال أو حرام، أو سنة وكدها، وعلى الامة فرضها - فرض من ذي الجلال والاكرام، لقوله الله سبحنه: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (12) وقوله عزوجل: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (13) وأنه لم يفرض ولم يقل من الامور صغيرا ولا كبيرا إلا وهو الله رضا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد نصح لله في عباده، وأصلح جاهدا له في بلاده، حتى قبضه الله إليه راضيا عنه، قابلا لذلك منه وأنه لم يترك الامة في عميا من أمرها، بل قد أوضح لها جميع أسبابها، ودلها على أبواب نجاتها، وشرع لها ما تحتاج إليه من أمورها بالدلالات النيرات، والعلامات الواضحات، والاشارات الكافيات، والاقاويل الصادقات. (ليهلك من هلك عن
بينة ويحيى من حيي عن بينة وأن الله لسميع عليم) (14). فأذا فهم ذلك، وكان في ضمير قلبه كذلك، وجب عليه أن يعرف ويفهم، ويعتقد ويعلم، أن ولاية أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه (15) واجبة على جميع المسلمين فرض من الله
ص 36 (12) الحشر 7. (13) التغابن 12. (14) الانفال 42. (15) في نسخة عليه السلام.
[ 37 ]
رب العالمين، ولا ينجو أحد من عذاب الرحمن، ولا يتم له اسم الايمان، حتى يعتقد ذلك بايقن الايقان، لان الله سبحانه يقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون) (16) فكان ذلك أمير المؤمنين رحمة الله عليه، (17) دون جميع المسلمين، إذ كان المتصدق في صلاته، المؤدي لما يقربه من ربه من زكاته، وفيه ما يقول الرحمن فيما نزل من واضح القرآن (والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم) (18) فكان السابق إلى ربه غير مسبوق، وفيه ما يقول تبارك وتعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) (19) فكان الهادي إلى الحق غير مهدى، والداعي إلى الصراط السوي، والسالك طريق الرسول الزكي، ومن سبق إلى الله، وكان الهادي إلى غامض أحكام كتاب الله، فهو أحق بالامامة، لان أسبقهم أهداهم، واهداهم أتقاهم، وأتقاهم خيرهم، وخيرهم بكل خير أولاهم، وما جاء له من
الذكر الجميل في واضح التنزيل فكثير غير قليل، وفيه انزل الله على رسوله بغدير خم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس) (20) فوقف صلى الله عليه وآله وسلم وقطع سيره، ولم يستجز أن يتقدم خطوة واحدة، حتى ينفذ ما عزم به عليه في علي عليه السلام، فنزل تحت الدوحة مكانه وجمع الناس ثم قال: (يا أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا:
ص 37 (16) المائدة 55. (17) وفي نسخة عليه السلام. (18) الواقعة 10 - 12. (19) يونس 35. (20) المائدة 67.
[ 38 ]
بلى يارسول الله فقال: اللهم اشهد، ثم قال: اللهم اشهد، ثم قال: فمن كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره)، وفيه يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وفي ذلك دليل على أنه قد أوجب له ما كان يجب لهرون مع موسى ما خلا النبؤة. وهرون صلى الله عليه فقد كان يستحق مقام موسى، وكان شريكه في كل أمره، وكان أولى الناس بمقامه، وفى ذلك ما يقول موسى عليه السلام حين سأل ذاالجلال والاكرام فقال: (واجعل لى وزيرا من أهلى هرون اخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) (21) فقال الله سبحانه قد أوتيت سؤلك
يا موسى) (22) فاعطاه الله سؤله في إشراكه لهرون في أمر موسى، فمن أنكر أن يكون علي أولى الناس بمقام الرسول صلى الله عليه وآله فقد رد كتاب الله ذي الجلال والاكرام والطول، وأبطل قول رب العالمين، وخالف في ذلك ما نطق به الكتاب المبين، وأخرج هارون من أمر موسى كله، وأكذب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله، وأبطل ما حكم به في أمير المؤمنين، فلابد أن يكون من كذب بهذين المعنيين في دين الله فاجرا، وعند جميع المسلمين كافرا. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن إمامة علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أفرض هي من الله؟ فقال: كذلك نقول وكذلك يقول العلماء من آل الرسول عليه وعلى آله السلام، قولا واحدا لا يختلفون فيه. لسبقه إلى الايمان بالله، ولما كان عليه من العلم بأحكام الله، وأعلم العباد بالله
ص 38 (21) طه 29. (22) طه 36.
[ 39 ]
أخشاهم الله. كما قال الله سبحنه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) (23) فأخشاهم أهداهم، وأهداهم أتقاهم، وقد قال الله سبحانه: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) (24) وقال تبارك وتعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم) (25) فأسبق المؤمنين إلى ربه أولاهم جميعا به، وأدناهم إليه وأكرمهم عليه. وأكرم العباد على الله ربه أولاهم جميعا به، وأدناهم إليه وأكرمهم عليه. وأكرم العباد على الله ألاهم بالامامة في دين الله، وهذا بين والحمد لله لكل مرتاد طالب في
علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، لا يجهله ألا متجاهل جائر ولا ينكر الحق فيه إلا ألد مكابر. حدثنى أبى عن أبيه أنه سئل عن من حارب أمير المؤمنين؟ وعمن تخلف عنه في حربه فلم يكن معه ولا عليه؟ فقال: من حاربه فهو حرب لله ولرسوله، ومن قعد عنه بغير إذنه فضال هالك في دينه. وحدثني أبي عن أبيه أنه سئل عمن يشتم أمير المؤمنين، أو قذفه استخفافا بالفضل وأهله، وجهلا بما جعل الله لامير المؤمنين عليه السلام من فضله؟ فقال: يحكم عليه الامام بما يرى ويكون بشتمه إياه فاسقا كافرا، فأذا فهم ولاية أمير المؤمنين عليه السلام واعتقدها، وقال في كل الامور سرا وعلانية بها، وجب عليه التفضيل والاعتقاد، والقول بإمامة الحسن والحسين الامامين الطاهرين، سبطي الرسول المفضلين، اللذين أشار إليهما الرسول، ودل عليهما، وافترض الله سبحانه حبهما، وحب من كان مثلهما في فعلهما من ذريتهما، حين
يقول لرسوله صلى الله عليه وآله: (قل لا اسألكم عليه أجرا ألا المودة في القربى) (26) ويقول: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (27) ويقول في جدهما وأبيهما وأمهما وفيهما: (أن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا - ألى قوله - فمن شاء
اتخذ إلى ربه سبيلا) (28)، وفيهما ما يقول الرسول عليه السلام: كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما)، فهما ابناه وولداه بفرض الله وحكمه، وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى في ابراهيم صلى الله عليه: (ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكرياء ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) (29) فذكر أن عيسى من ذرية ابراهيم، كما موسى وهرون من ذريته، وإنما جعله الله ولده وذريته بولادة مريم، وكان سواء عنده سبحانه في معنى الولادة والقرابة ولادة الابن وولادة البنت، إذ قد أجرى موسى وعيسى مجرى واحدا من أبراهيم صلى الله عليه، ويقول بالرسول صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة "، ويقول الرسول عليه السلام: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن الطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ويقول صلى الله عليه وآله: " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبهانجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى "، ويقول صلى الله عليه وآله: " ما أحبنا أهل البيت أحد
فزلت به قدم الا ثبتته قدم حتى ينجيه الله يوم القيامة " وفيهم يقول: ب " النجوم أمان لاهل السماء، فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لاهل الارض، فإذا ذهب أهل بيتي من الارض، أتى أهل الارض ما يوعدون ".
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أولئك الصالحون من آله صلى الله عليه وعليهم أجمعين وما جاء لهم من الذكر الجميل، في كتاب الله ذي الجلال والاكرام، وما قاله فيهم الرسول عليه السلام، مما يطول به الكتاب، وتتصل به الاقاويل في كل الاسباب، مما يجزي قليله عن كثيره، ويكتفي إهل الايمان عن كثيره بيسيره. فإذا أقام معرفة ولايتهما، وقال بتفضيلهما وإمامتهما، وجب عليه أن يعرف أولي الامر من ذريتهما، الذين أمر الخلق بطاعتهم، فيعلم أن الامر والنهي والحكمة والامامة من بعدهما في ذريتهما دون غيرهما، لا تجوز إلا فيهم ولا ترد إلا إليهم وأن الامام من بعدهما من ذريتهما من سار بسيرتهما، وكان مثلهما، واحتذا بحذوهما فكان ورعا تقيا، صحيحا نقيا، وفي أمر الله سبحانه جاهدا، وفي حطام الدنيا زاهدا، وكان فهما بما يحتاج إليه، عالما بتفسير ما يرد عليه، شجاعا كميا، بذولا سخيا، رؤوفا بالرعية رحيما، متعطفا متحننا حليما، مواسيا لهم بنفسه، مشركالهم في أمره، غير مستأثر عليهم، ولا حاكم بغير حكم الله فيهم، قائما شاهر السيفه، داعيا إلى ربه، رافعا لرايته، مجتهدا في دعوته، مفرقا للدعاة في البلاد، غير مقصر في تألف العباد، مخيفا للظالمين، ومؤمنا للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم وباينوه، وناصبهم وناصبوه، فهم له خائفون، وعلى إهلاكه جاهدون، يبغيهم الغوائل، ويدعو إلى جهادهم القبائل،
[ 42 ]
متشردا عنهم، خائفا منهم، لا يردعه عن أمر الله رادع، ولا تهوله الاخواف، ولا يمنعه عن الجهاد عليهم كثرة الارجاف، شمري مشمر، مجتهد غير مقصر فمن كان كذلك من ذرية السبطين الحسن والحسين، فهو الامام المفترضة طاعته، الواجبة على الامة نصرته، ومن قصر عن ذلك ولم
ينصب نفسه لله، ويشهر سيفه له، ويباين الظالمين ويباينوه، ويبين أمره، ويرفع رايته، ليكمل الحجة لربه على جميع بريته، بما يظهر لهم من حسن سيرته، وظاهر ما يبدو لهم من سريرته، فتجب طاعته على الامة والمهاجرة إليه والمصابرة معه ولديه، فمن فعل ذلك من الامة معه من بعد أن قد أبان لهم صاحبهم نفسه، وقصد ربه وشهر سيفه، وكشف بالمباينة للظالمين رأسه، فقد أدى إلى الله فرضه، ومن قصر في ذلك كانت الحجة عليه لله قائمة ساطعة منيرة بينه قاطعة (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة أن الله لسميع عليم) (30) مثل من قام من ذريتهما من الائمة الطاهرين الصابرين لله المحتسبين. مثل زيد بن علي رضي الله عنه إمام المتقين، والقائم بحجة رب العالمين. ومثل يحيى ابنه المحتذي بفعله، ومثل محمد بن عبد الله، وابراهيم أخيه المجتهدين لله، المصممين في أمر الله، الذين لم تأخذهما في الله لومة لائم، الذين مضيا قدما قدما، صابرين محتسبين، وقد مثل بابائهما وعمومتها أقبح المثل، وقتلوا أفحش القتل، فما ردعهما ذلك عن إقامة أمر خالقهما والاجتهاد في رضا ربهما فصلوات الله على أرواح تلك المشايخ وبركاته، فلقد صبروا الله واحتسبوا وما وهنوا ولا
ص 42 (30) الانفال 42. في نسخة المطهرين.
[ 43 ]
جزعوا بل كانوا كما قال الله وذكر عمن مضى من آبائهم حين يقول: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (31).
ومثل الحسين بن علي الفخي، الشهيد المحرم المجرد لله سبحانه، المصمم الباذل نفسه لله في عصابة قليلة من المؤمنين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويضربون ويضربون، حتى لقوا الله على ذلك وقد رضي عنهم، وقبل فعلهم منهم، فرحمة الله وبركاته عليهم. ويحيي بن عبد الله ابن الحسن القائم لله، المحتسب الصابر لله على الشدة والغضب، ومحمد بن ابراهيم بن اسمعيل القائم بحجة الله الجليل الداعي إلى الحق، والناهي عن الفسق، المتفرد لله، الصابر له في كل أمره، الحاكم في كل الامور بحقه. ومثل القسم بن ابراهيم الفاضل العالم الكريم، المجرد لسيفه، المصمم الباذل لنفسه، المباين للظالمين، الداعي إلى الحق المبين صلوات الله عليهم أجمعين ورحمته وبركاته، فمن كان كذلك من ذرية الحسن والحسين، فهو إمام لجميع المسلمين لا يسعهم عصيانه، ولا يحل لهم خذلانه، بل يجب عليهم طاعته وموالاته، ويعذب الله من خذله، ويثيب من نصره، ويتولى من تولاه، ويعادي من عاداه. فأما من عبث بنفسه وتمنى، وإقام في أهله وولده وتلهى، وساير الظالمين وداجاهم، وقضوا حوائجه، وقضى حوائجهم، وعاشروهم، وعاشرهم، وأمنوه وأمنهم، وكفوا عنه وكف عنهم، وغمد سيفه وطوى رايته، وستر منهم نفسه، وموه على الجهال، وأهل الغفلة من الظلال،
ص 43 (31) آل عمران 146.
[ 44 ]
وادعى الامامة، ووهمهم أنه يريد القيام، وهو عند الله من القاعدين
النيام، ذوي الفترة والوناء، طلاب الراحة والرخاء، وهو يظهر للرعية ويعرض لهم، ويدخل قلوبهم أنه قائم غير قائد، وأنه مباين للظالمين مجاهد، يوهمهم ذلك ويعرض لهم أنه كذلك، ليحتلب من درهم حلبا وخيما دويا، ويأكل بذلك من أموالهم حراما دنيا، قد لبس عليهم أمورهم بتمويهه عليهم، وقعدلهم بطريق رشدهم، يصدهم بتمويهه عن ربهم، ويمنعهم بتلبيسه عليهم من أداء فرضهم، والقيام بما يجب لخالقهم فهو دائب في التحيل لاكل إموالهم بما يلبس عليهم من إحوالهم، وتمويهه لجاهلهم (32) أنه قائم غير قائد، وأنه أحد يوميه ناهض على الظالمين مجاهد، والله يعلم من سرائره وباطن أمره غير ما يوهم الجاهلين، ويكتبه بذلك عنده أنه من الصادين عن سبيله، الذين يبغونها عوجا، فهو يهلك نفسه عند ربه بفعله وفعل غيره، ويفرق عن الحق والمحقين الانام، ويجمع بذلك عليه الآثام، ويمكن بذلك دعوة الظالمين، ويقيم عمد ملك الفاسقين ويوهن دعوة الحق والمحقين بما يموه به على الجاهلين للترؤس عليهم، ولاكل أوساخ أيديهم، يأكل سحتا تافها حراما، ويجترم العظائم بالصد عن الله العظيم إجتراما، يفرق كلمة المؤمنين ويشتت رأي المسلمين، ولا يألوا الحق خبالا، يتأول في ذلك التأويلات ويتقحم على الله فيه بالقحمات ضميره إذا رجع إلى نفسه، وناقشها في كل فعله، وأوقفها على على خفي سره، مخالف لظاهره وفعاله في باطنه فغير ما يبديه الناس في ظاهره، يخادع الله والذين آمنوا وما يخادع إلا نفسه، كما قال الله تعالى، (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا
ص 44 (32) في نسخة لجهالهم.
[ 45 ]
ولهم عذاب أليم) (33) كأن لم يسمع الله عزوجل يقول: (وأسروا
قولكم أو جهروا به إنه عليم بذات الصدور) (34) فهو يمكر بالله وبالمؤمنين، والله يمكر به وهو خير الماكرين. فهو في بلية من نفسه، من تحيله لديناره ودرهمه، والاستدامة لما هو فيه من تافه نعمته، يلبس الحرير والديباج والقز، ويلتحف ويفترش السمور والفتك والخز، لا يرتمض في أمور الله، ولا يصلح شأن عباد الله، فأين من كان كذلك، فقط من الامامة. كلا لعمره أنه عنها لبعيد مجنب، ومنها غير دان ولا مقرب، وان لعب بنفسه، وخدع من كان من شكله بزخرف قوله وكذبه واجترائه على الله: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) (35) فلعمري إن من كان كذلك فقط لبعيد عما يدعي وينتحل مما لم يجعله الله له أهلا، ولم يشرع له إليه سبيلا، فكيف لو ذكرنا بعض ما يذكر عن بعض من يدعي ذلك، من الغلو والمهالك، مما ينقله عنهم أشياعهم، ويذكره من قولهم في أنفسهم اتباعهم، مما نرجوا أن يكونوا عليهم فيه كاذبين وبغير الحق فيهم قائلين من ادعاء صفات الجبار، والمشاركة له في علم خفيات الاسرار، والاطلاع على ما أجنت بطون البحار، والقدرة على صرف ما يشاء صرفه وأثبات ما يشاء اثباته، ومن إباحه الفروج، وإظهار الفواحش والهروج وتناول الشهوات، وإرتكاب اللذات، من معاصي الرحمن وما تنهى عنه آيات القرآن، وترك الصلوات وغلول الزكوات، ورفض صيام شهر رمضان، وتعطيل كلما نطق به الفرقان، وترك الاغتسال من
الجنابات، وارتكاب جميع الفاحشات، وغير ذلك مما يجل ذكره، ويعظم أمره من الغلو والمنكر. وذلك أنهم في أصل قولهم يقولون أعرف
إمامك، واعمل ما شئت غير معاقب ولا مأثوم وذلك من قولهم عند جميع الامة فمعلوم مع يأتون به ويقولون به من الكفران والافتراء على الله والجحدان للرحمن، وجعلهم لخالقهم بزعمهم جسما ينتقل في صورة الانسان، ويؤاكلهم ويشاربهم ويداخلهم ويخارجهم، ويبايعهم، ويشاريهم، ويجعلونه، مرة موسى، وثانية عيسى، وثالثه عليا، ينتقل في صورة الآدميين، وكذلك رووا عن الشياطين أنها تتصور في صور المربوبين، فتبارك الله عن ذلك رب العالمين، وتقدس عما يقول فيه الجاهلون، وينسب إليه الضالون. فيا لمن قال بذلك الويل الطويل، والعويل والعذاب الجليل، لقد أتى شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا. فإذا علم المسترشد ذلك وعرف كل من ذكرنا بصفاتهم، ووقف على أولي الامر منهم بدلالتهم، ودان الله سبحانه بولايتهم، وجب عليه من بعد ذلك أن يعتقد معرفة فضل الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يعلم أن ذلك أكبر فروض الله المفترضة عليه، فيظهر جهاد الظالمين، وينوي مباينة الفاسقين، بيده ولسانه وقلبه وبما يقدر عليه من طاقته، ثم يجب عليه من بعد. أن يتطهر للصلوات بطهورهن ويصليهن ويقيمهن بحدودهن، ويحافظ عليهن في الاوقات اللواتي جعلها الله لهن أوقاتا من الساعات، وأن يؤدي ما أمر الله به من الزكوات على ما شرعه الرسول عليه السلام، وجعله فرضا مثبتا على ذوي المقدرات من الانام وأن يصوم شهر رمضان الذي افترض صومه الرحمن وأن يحج إلى البيت
ص 46 في نسخة الآدميين.
[ 47 ]
المعمور وأن يؤدي جميع ما افترض عليه الله في حجه من الامور، وأن يفعل كلما أمره الله ورسوله بفعله، وأن يترك كلما أمره الله ورسوله بتركه، ويقول الحق ولو على نفسه، ويقيم الشهادة ويأتي بها على وجهها، ويؤدي الامانة، ويعتزل الخيانة، ويبر والديه، ويصل رحمه، فإذا فعل ذلك وكان حقا كذلك، فهو المؤمن حقا حقا، المتعبد لله بما أمره به سبحانه من ذلك صدقا، فإذا قد صح له اسم الايمان، ووجب له على الله الثواب والاحسان، وكان من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم يجب عليه من بعد ذلك النظر فيما يحتاج إليه من أمره من حلاله وحرامه وجميع أسبابه، فإن الله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله لا يرضى لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين الجهل والنقصان، بل يشاء منهم التزيد في كل خير وإحسان، فيجب عليه أن يطلب من ذلك ما ينبغي له طلبه، من علم أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله فيتبع من ذلك أحسنه، وأقربه إلى الكتاب، فإن الله سبحانه يقول (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب) (36). وسنضع انشاء الله بتوفيق الله من ذلك ما ينتفع به في الدين والدنيا، ونقول فيه بما يثبت وينير في قلب من كان ذا حجا، والقوة بالله وله وإياه نستعين في كل أمرنا، وعليه نعتمد في كل شأننا، وحسبنا الله وكفى، ونعم الوكيل، عليه توكلنا، وهو رب العرش العظيم.
ص 47 (36) الزمر 17 - 18.
[ 48 ]
باب القول فيمن أراد الغائط وما يستحب له وما ينبغي أن يتقيه
قال يحيى بن الحسين بن القاسم بن ابراهيم صلوات الله عليهم: يستحب لمن أراد الغائط لحاجته، - والغائط فهو الجانب من الارض الستير - أن لا يكشف عورته حتى يهوي للجلوس، وأن يتعوض بالله من شر إبليس الملعون، الرجس النجس، ولا يجلس مستقبل القبلة ولا مستدبرها، وأن يجعلها عن يمينه أو عن شماله، فإذا قضى حاجته، ونهض إلى طهوره حمد الله على ما أماط عنه من الاذى وكذلك روى عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه أنه كان إذا خرج من المتبرز قال: الحمد لله الذي عافاني في جسدي، الحمد لله الذي أماط عني الاذى. وينبغي له أن لا يستنجي بيمينه فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنه نهى أصحابه عن استقبال القبلة واستدبارها في الغائط وعن استنجائهم بأيمانهم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وإنما نهى وكره استقبال القبلة واستدبارها في الغائط اجلالا لها وتعظيما لما عظم الله من قدرها، إذ جعلها للناس مثابا ومؤتما يأتمونه، ومقصدا لما افترض الله عليهم يقصدونه، ولما جعل فيها من البركة وآثار الانبياء المطهرين، فلذلك وبه وجب إجلالها على العالمين. وأما النهي عن الاستنجاء باليمين فإنما نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك نظرا منه للمؤمنين، لمالهم فيها من المنافع في المأكل، وغير ذلك من إفاضة الماء للتطهر على غيرها من الاعضاء، فلذلك نهى عن الاستنجاء بها ليبعد كل قذر ودرن منها. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وينبغي للمسلمين أن لا يغفلوا إجالة المساويك في أفواههم عندما يحدثون من التطهر عند كل
[ 49 ]
غداة لصلواتهم، وليس ذلك بواجب عليهم، ولكنا نستحبه لهم وفيهم، لما بلغنا في ذلك عن زيد بن علي رحمة الله عليه عن ابائه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الطهور، فمن أطاق السواك مع الطهور فلا يدعه). باب القول في صفة التطهر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أول ما يجب على المتوضي أن يغسل كفيه فينقيهما ثم يغسل فرجه الاعلى، فإذا أنقاه وأنقى ما حوله وما عليه من درن أو قذر، غسل بعد ذلك وانحدر إلى فرجه الاسفل فأنقاه، ثم غسل يسرى يديه فأنقاها من أثر ما أماط من الاذى عن فرجيه بها، ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة واحدة ثلاثا، ثم يستنثر حتى ينقي أنفه وينقي فاه، ثم يغسل وجهه أسفله وأعلاه بالماء غسلا، ولا يمسحه به مسحا، ولا يجزيه حتى يحمل الماء في كفيه، ثم يغسل به وجهه وخديه وجبهته وصدغيه، ويخلل لحيته، ثم يغسل ذراعه اليمنى بكفه اليسرى ثلاث مرات غسلا إلى المرفق، سواء، سواء ثم يغسل يده اليسرى باليمنى كما غسل يده اليمنى ثم يمسح برأسه ثلاثا ما قبل منه وما دبر، حتى يجيل يديه على كل ما في رأسه من الشعر، ويجيل يديه على أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأسفلهما وأعلاهما. ويستحب له أن يذكر اسم الله عند مبتدأ طهوره، وفي وسطه وآخره، فيقول ما روي عن أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين. فقد بلغنا عنه أنه كان يقول إذا وضع طهوره أمامه: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم يغسل فرجه فيقول: اللهم حصن
فرجي برحمتك عن معاصيك، ثم يتمضمص فيقول: اللهم لقني
[ 50 ]
حجتي يوم ألقاك، ثم يستنشق، فيقول: اللهم لا تحرمني رائحة الجنة برحمتك، ثم يغسل وجهه فيقول: اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وتسود وجوه، ثم يغسل يده اليمنى فيقول: اللهم أعطني كتابي بيميني، واغفر ذنبي ثم يغسل يده اليسرى فيقول: اللهم لا تؤتني كتابي بشمالي وتجاوز عن سئ أفعالي، ثم يمسح رأسه فيقول: اللهم غشني رحمتك وأتمم على نعمتك، ثم يجيل يده على رقبته ثم يقول: اللهم قني الاغلال في يوم الحساب، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين فيقول: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الاقدام يا ذا الجلال والاكرام ثم يخلل بين أصابعهما ويبدأ في الغسل باليمنى منهما. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وإن قال غير ذلك أجزأه، واليسير من ذكر الله يجزي، ولو نسيه ناس لم يكن لينقض عليه وضوءه ولا يفسد عليه طهوره، لان الملة تكفيه، والاقرار بتوحيد الله يجزيه، فإذا أسبغ الوضوء فقد أدى ما يجب عليه من مفتاح الصلوة وهو الطهور. وفي إسباغ الوضوء ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (ما من مؤمن يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلوة الاخرى حتى يصليها) (37). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هذا الحديث موافق لكتاب الله وذلك قوله سبحانه (أقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) (38) فأخبر الله سبحانه بأن الحسنات يذهبن السيئات، والصلوة فهي أكبر حسنات
العباد، من بعد ما حض الله عليه من الجهاد، وهذا فانما يكون للمؤمنين
ص 50 (37) في نسخة أمره. في نسخة امرء. (38) هود 114.
[ 51 ]
التائبين الصالحين، فأما من كان مصرا على المعاصي مقيما عليها، زاهدا في الطاعة تاركا، لها فان الله لا يقبل منه فرائضه، فكيف نوافله، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: (إنما يتقبل الله من المتقين) (39) فمن لم يكن من المتقين فليس عند الله من المقبولين، ولا من المثابين، بل هو عند الله من المقبوحين، وفي الآخرة بلا شك من المعذبين. وفي أسباغ الوضوء ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلوة بعد الصلوة، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط ". قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فأما ما يقال به من أن الاستنشاق والمضمضة سنة ليستا بفريضة، فلا يلتفت إلى ذلك لان الله أمر، بغسل الوجه أمرا وهما من الوجه حقا، ففرضه عليهما واجب كوجوبه عليه، إذ هما بلا شك منه وفيه، وهما فمأوي الادران من وجه كل انسان، وإنما يؤمر بغسل العضو من الاعضاء لكي يماط ما فيه من الاذى وينقى، فكيف يأمر الله سبحانه بغسل ما نقي من وجه الانسان، ولا يأمر بغسل ما يحمل منه الاوساخ والادران!. وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه القسم بن ابراهيم رحمة الله عليهم فيمن نسي المضمضة والاستنشاق فقال: لا يجزيه إلا أن يتمضمض ويستنشق لان الفم والمنخرين من الوجه، وقد أمر الله بهما
فقال: (فاغسلوا وجوهكم) (40) وهما من الوجه.
ص 51 (39) المائدة 27. (40) فاغسلوا وجوهكم.
[ 52 ]
باب القول فيما ينقض خروجه الوضوء وما يجب اعادته منه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينتقض الوضوء وتجب إعادته من الدود يخرج من الدبر، ومن الريح والغائط والبول والودي والمذي والمني إن جاء لغير شهوة نقض ولم يوجب الغسل، وإن جاء المني لشهوة أوجب الغسل. وألقئ الذارع، والدم المسفوح وهو الذي يسيل أو يقطر من أي الجراح كان، من حجامة أو رعاف أو غيرهما، والقيح يسيل من الدمل والجراح وما كان مثلها، والنوم المزيل للعقل. فإذا ابتلي أحد بذلك فليعد إلى طهوره فليتطهر، ثم ليعد إلى صلاته فليستأنف الصلوة من أولها، فمن لم يعد الوضوء ممن كان كذلك فلم يصل، لان الطهور مفتاح الصلوة والتكبير تحريمها والتسليم تحليلها. حدثني أبي عن أبيه قال: سئل أبي القسم بن ابراهيم رضي الله عنه عن الشيخ الكبير والمريض أو من به علة يخرج من دبره الدود بعد الوضوء هل عليه اعادة؟ فقال يتوضأ من ذلك، إلا أن يكون شيئا غالبا لا ينقطع، لانه لا يخرج من ذلك ما يخرج إلا ومعه غيره من العذرة، ومن لم يصل بطهورهم لم تقبل صلاته، كما لا تقبل من الغلول صدقته. وفي ذلك ما بلغنا عن زيد بن علي عن آبائه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تقبل
الصلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلوة إلا بقرآن، ولا تتم صلوة إلا بزكوة، ولا تقبل صدقة من غلول). حدثني أبي عن أبيه قال: حدثنا أبو بكر بن أبي أويس عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب
[ 53 ]
رضي الله عنه قال: من رعف وهو في صلوته فلينصرف فليتوضأ وليستأنف الصلاة. باب القول فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في الطهور للصلاة بالمد من الماء، والغسل من الجنابة بالصاع قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هذا حديث قد روي والله أعلم بصدقه، وإن يكن ذلك فرسول الله صلى الله عليه وآله كان طاهرا مطهرا، عالما بحدود التطهر، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من البركة في طعامه وشرابه وطهوره ما ليس لغيره، وليس عندنا في ذلك حد محدود، ولا أمر مقصود، ولا مقدار معلوم بكيل، ولا وزن مفهوم، غير أن ما أتى على جميع الاعضاء، وغسل ما أمر الله بغسله من قليل الماء، فهو مجز لمن تطهر به، وتوضأ، وكذلك ما غسل من الماء جميع الاعضاء من الجنب حتى يأتي على شعرها وجلدها ومقبلها ومدبرها حتى ينقي ذلك، ويغسل به المتوضي ما أمر بغسله من جميع بدنه فقد أجزأه وأدى عنه فرضه وكفاه، قليلا كان ذلك أو كثيرا لان الله سبحانه لم يذكر من الماء قليلا ولا كثيرا، وإنما أمر بالتطهر به جملة تطهيرا، فما طهر وأنقى فقد أغنى المتطهرين به وكفى.
باب القول في فنون الوضوء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من نام من النساء والرجال فزال عقله على أية ما حال، من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود فقد انتقض وضوءه، وعليه الاعادة لما كان فيه من الصلوة إن كانت الصلوة من الفرائض اللازمة. وإن كانت تطوعا فهو بالخيار إن شاء أعاد
[ 54 ]
الوضوء والصلوة، وإن شاء ترك ذلك، ولم يكن ما نام فيه من الصلوة له بصلوة. حدثني أبي عن أبيه في المتوضي ينام جالسا، أو يخفق برأسه محتبيا أو متربعا أو مستندا أو ساجدا أو قائما فقال: لا ينقض الوضوء ولا الصلوة من النوم إلا ما غلب العقل على أي حال ما كان النوم، إذا زال به عقل صاحبه لزمه بزوال عقله إعادة وضوءه وصلواته. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وأحب لمن توضأ ثم اشتغل بشئ من أمور الدنيا فأطال في ذلك حتى ينسى ماله توضأ، من بيع أو شراء أو حديث إذا لم يكن في ذلك منتظرا للصلاة، متوقعا لدخول وقتها، أن يعود لتطهره فيتطهر، لانه إذا كان قد اشتغل بغير الصلوة فلم يقم إليها، وإنما قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (41) فأوجبت الآية الوضوء للصلاة إذا قام إليها. ومن اشتغل بغيرها فلم يقم إليها. قال فإن كذب كذبه وجب عليه إعادة الوضوء، وكذلك قولي فيمن رفث وتعدى وأفحش في المقال وأساء قال: ولو أن رجلا قبل امرأته أو ضمها أو لمسها أو شمها لم ينقض ذلك وضوءه إلا أن يكون خرج منه شئ.
حدثني أبي عن أبيه في متوضي قبل امرأته قال: لا ينقض وضوءه إلا أن يكون خرج منه شئ. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولو أن رجلا توضأ فنسي غسل يده اليمنى حتى قام في صلوته قال: يعود فيغسل يده اليمنى، ثم يغسل بعدها يده اليسرى، ثم يمسح الرأس والاذنين، ويغسل الرجلين
ص 54 (41) المائدة 6.
[ 55 ]
إلى الكعبين، لانه غسل ما غسل على الفساد، ومن أفسد في فرض أعاد. وقال في رجل توضأ فلم يدر أغسل وجهه أم لا؟ إنه يرجع فيغسل وجهه، وما بعد الوجه من اليدين، ثم يمسح الرأس ويغسل القدمين إلى ما أمر الله به من الكعبين والغسل اليهما فهو أن يدخلا في الغسل حتى يأتي الماء عليهما، ويلقى الغسل قصبة الساق، وذلك منتهى ما أمر بغسله الواحد الخلاق. قال: وكذلك من ترك بعض عقبه أو بعض بطن قدمه فلم يغسله وجب عليه أن يغسل ما ترك من ذلك، ثم يبتدئ في صلواته ويؤدي به وفيه فريضته. وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (ويل للعراقيب من النار) وقال: (ويل لبطون الاقدام من النار) يريد بذلك صلى الله عليه وآله الحض على غسلهما، وإيجاب العقوبة على من تركهما أو ترك بعضهما. قال: وكذلك يجب على كل من لم يخلل أصابعه - حتى ينقي ما بينها ويأتي الماء على ما ينضام عليه منها - أن يعود فيخلل، ثم يبتدئ صلاته على يقين من طهارته.
وفى ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (خللوا الاصابع بالماء قبل أن تخلل بالنار). وقال يحيى بن الحسين رضي الله عنه في رجل توضأ، ثم صلى وانصرف من صلاته، ثم خطر على قلبه من بعد ذلك خاطر شك فقال: لا أدري أغسلت وجهي قبل أم يدي؟ فقال: إذا كان قد صلى ولم يداخله قبل صلاته ولا فيها ما داخله من بعدها فصلاته تامة وطهوره، ولا يلتفت إلى ما عارضه من بعد ذلك. وإن أيقن أنه قدم مؤخرا، أو أخر مقدما عاد فتطهر على ما أمر به، وعاد من بعد ذلك لصلوته.
[ 56 ]
باب القول فيما لا يجوز التطهر بفضله من الدواب، وما ينجسه منها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينجس الطهور أن يلغ فيه الكلب أو الخنزير أو أن يشرب منه كافر بفيه أو يدخل يده فيه. قال: واما الفرس والبغل والحمار وغير ذلك من البهائم فما تبين في فضله تغير من ريح أو طعم أو لون فلا يتوضأ به، وما لم يتبين في فضله شئ من ذلك فلا بأس بالتطهر به. قال: ولا بأس أن يتطهر الرجل من سور المرأة الحائض، إذا لم يصبه من القذر شئ، ولم تدخل يدها فيه قبل أن تغسلها. وقال في رجل تطهر من الجنابة من ماء في مركن كبير فأفضل فيه ماء، فقال: لا بأس أن يتطهر بفضله، ما لم يكن تراجع فيه من غسالة بدن الجنب شئ، أو يكون أدخل يديه فيه قبل أن يطهرهما، فإن تراجع فيه شئ من غسالة بدنة، أو أدخل يديه فيه قبل أن يطهرهما فلا يتوضأ
به هو ولا غيره. وقال في قطرتين أو ثلاث قطرات من بول أو خمر قطرن في إناء: إنه لا يتطهر به وإنه نجس، يدفق ذلك من الاناء، ويطهر الاناء من نجاسة ما قطر فيه، وكذلك لا يجوز شربه. وإن كان لم يبين منه في الاناء والماء لون ولا طعم لانه فيه وإن لم يبين ويظهر عليه، وقد حرم الله عزوجل شرب قليله، كما حرم شرب كثيره، فإذا صح له أنه قد شاب طهوره وشرابه شئ مما حرمه الله عليه لم يجز له شربه ولا التطهر به، ووجب عليه دفقة والتجنب له، وليس هذا الاناء مثل البيار والغدرات والبرك التي لا يستوعى ماؤها بشرب ولا تطهر لكثرة ما فيها من الماء
[ 57 ]
وعظمه، والاناء يستوعبه المتوضي والمتوضيان والثلاثة في تطهرهم وشربهم له. وبين ما استوعي وما لم يستوع فرق بين. وقال في بول الحمار والفرس والبغل وكل ما لا يؤكل لحمه إذا قطر منه شئ في إناء: إنه لا يتطهر بما في الاناء من الماء، ولا يحل شربه، ولا يجوز الانتفاع به، وقال في بول الجمل والشاة يصيب الطهور منه شئ ويقع فيه فقال: لا بأس بالتطهر به ما لم يتغير له لون أو ريح أو طعم. باب القول في الغسل من الجنابة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب على كل من كان جنبا أن يغسل يده اليمنى، يفرغ عليه الماء بالاناء افراغا حتى ينقيها، ثم يغسل يده اليسرى، يغرف بيده اليمنى من الماء عليها حتى ينقيها ثم يغسل فرجه فينقيه، ثم يضرب بيده على الارض حتى تحمل التراب ثم
يغسل به فرجه، ثم يضرب بها الارض ضربة أخرى فيغسلها بما تحمل من التراب ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يغرف على رأسه ثلاث غرفات، أو يصب على رأسه الماء صبا إن كان الماء في كوز حتى ينقي رأسه، ويدلكه بيده حتى يصل الماء إلى بشرته، ثم يفيض الماء على جوانبه يمينا ويسارا ويدلك جسده كله حتى ينقى، ثم يتوضأ من بعد ذلك لصلاته فإن الوضوء للصلاة لا يقع إلا على طهارة من البدن. حدثني أبي عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله اغتسل من الجنابة فتوضأ فغسل يديه ثم غسل فرجه، وكان يفيض الماء بيمينه على يساره، ثم غسل يده، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح رأسه، ثم أفاض الماء على رأسه،
[ 58 ]
ثم غسل سائر جسده، ومسح جسده بيده، ثم تنحى عن الموضع الذي أفاض على جسده الماء فيه، ثم غسل رجليه بعد ذلك، ثم أعاد وضوءه لصلاته. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ومن اجتنب ثم اغتسل ولم يبل فلا أرى أنه طهر لانه يبقى من المني في الاحليل ما يخرج من بعد الغسل. ألا ترى أنه لو خرج من بعد الغسل شئ من المني كان عليه إذا لم يكن بال أن يعيد غسله. فإن بال ثم خرج منه شئ من بعد الغسل فلا إعادة عليه وإنما ذلك ودي لا مني. حدثني أبي عن أبيه في الجنب يخرج منه المني بعد الغسل قال: إن كان خرج منه ماء دافق لشهوة أعاد الغسل، وإن كان مذيا أو شيئا رقيقا اكتفى بالوضوء منه دون الغسل.
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إن فرق الجنب غسل أعضائه فغسلها عضوا بعد عضو أجزأه ذلك، وإن يبس العضو الاول قبل غسل العضو الثاني، إذا أتى في ذلك على ما أمره الله من غسل بدنه كله، وسواء في ذلك الرجال والنساء. باب القول فيما يجب به الغسل على فاعله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب الغسل على المحتلم في المنام من الماء الدافق على كل إنسان، ويجب في الانتباه على اليقظان إذا التقى الختانان. حدثني أبي عن أبيه في الرجل يجامع المرأة فلا ينزل هل عليهما الغسل أم لا؟ فقال قد اختلف في ذلك عن النبي عليه السلام، وعن
[ 59 ]
علي رحمة الله عليه، واختلف المهاجرون والانصار، وكثرت فيه الروايات غير أن الاحتياط أن يغتسل، وقد قيل إن ما أوجب الحد أوجب الغسل. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه ولو أن رجلا رأى في المنام أنه يجامع ثم انتبه ولم ينزل لم يكن عليه في ذلك غسل، ولو دنا يقظان حتى يمس ختان ختانا لوجب عليه الاغتسال، وذلك سواء في النساء والرجال. قال ولو رأى في منامه أنه جامع فاستيقظ فلمس فوجد رطوبة فنظر فوجد مذيا، وأيقن أنه لم ينزل من ذلك منيا لم يجب عليه الاغتسال، ولو وجد في ثوبه منيا، ولم يذكر جنابة لوجب عليه الاغتسال
لانه قد رأى في ثوبه ما يجب فيه الغسل، وقد يمكن أن ينسى ما يرى في المنام، ولا يمكن أن يمني في ثوبه إلا من احتلام. باب القول في المجدور والجريح إذا اجتنبا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا خشي المجدور من الغسل وكان جدريه لم يتفقأ صب عليه الماء صبا، وان كان جدريه قد تفقأ أو خشي عليه تيمم بالصعيد، وأجزأ ذلك عند الواحد الحميد لان الله سبحانه يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (42) ويقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (43) ويقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (44).
قال: وكذلك من كان به قروح أو جراح فخاف من الماء اجزأه أن يغسل ما سوى ذلك الجرح، ويغسل ما حواليه غسلا، ويجزيه ذلك دون غسل ما يخشى عليه من جراحه. حدثني أبي عن أبيه في المجدور يجتنب ولا يقدر على الغسل، ولا على الوضوء، قال: من خشى التلف أو العنت من مجدور أو مريض أو جريح تيمم وكان ذلك له مجزيا. باب القول في الكسير كيف يعمل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من كسر فجبر، فخشي
إن هو أطلق الجبائر العنت من الماء لم يجز له إطلاقها، وجاز له ترك غسل ذلك العضو، ووجبت عليه الصلوة. من غير غسل ذلك العضو المكسور، فأما ما يقال به من المسح على ذلك العضو فليس ذلك عندنا بشئ. لان الله أوجب الغسل عند الامكان وأطلق تركه عند المخافة للتلف في غسله، والضرر على غاسله، ومن جاز له بحكم الله ترك غسل عضو من أعضائه لعلة نازلة به فليس عليه مسح جبايره، لان الجبائر خلاف العضو الذي أمر الله بغسله، وليس عليه في كتاب ولا سنة غسل خرق الجباير وعيدانها عند الوضوء، كما عليه أن يغسل يديه ورجليه، فإن أمن من العنت في إطلاقها لم يجز له تركها ووجب عليه غسلها كما أمر الله سبحانه. والمبتلى بذلك مستأمن على دينه ناظر في ذلك لنفسه، فلينظر كيف يفعل وليتحر الحق فيما يعمل، فإنه يعامل من لا يخفى عليه خافية، سرا كانت أو علانية هو كما قال سبحانه: (يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور) (45).
ص 60 (45) غافر 19.
[ 61 ]
باب القول فيما ينبغي للجنب أن يفعله إذا أراد أن يأكل أو ينام قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي له أن يغسل فرجه ويديه ويتمضمض قبل أن يأكل أو ينام، وإن فعل غير ذلك لم يحرم عليه، غير أنه يكون مخالفا للاثر. حدثني أبي عن أبيه في الجنب يريد أن يأكل أو ينام قال لا بأس به وأحب إلينا أن يغسل يديه، ثم يغسل فرجه إذا أراد أن يأكل أو ينام.
باب القول في اجتماع الجنابة والعلة المانعة من الغسل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا اجتنب، ثم سقط في نار قبل أن يغتسل فتنفط بدنه، فخشي من الماء، فإنه يتيمم بالصعيد الطيب، ولا يغتسل ويكون تيممه لوقت كل صلوة، فإذا برئ اغتسل من جنابته. باب القول في اجتماع الحيض والجنابة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت من قبل أن تغتسل فإن كان الدم مقصرا اغتسلت لجنابتها، وإن غلب دم طمثها أجزأها أن تغتسل عند وقت طهرها غسلا واحدا لطهرها وجنابتها. حدثني أبي عن أبيه في المرأة تجتنب ثم تحيض قبل أن تغتسل من جنابتها قال: أحب الينا أن تغتسل من جنابتها ان لم يكن دم طمثها غالبا عليها. وإن لزمها الدم ولم يفارقها ولم يجف عنها تطهرت منهما جميعا طهورا واحدا.
[ 62 ]
باب القول في غسل المرأة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب على المرأة أن تنقض شعرها عند اغتسالها من حيضها، وليس عليها أن تحله عند اغتسالها من الجنابة، ولكن عليها أن تجمعه في كفها ثم تصب عليه الماء صبا وتحركه وتعصره ثلاثا حتى تعلم أن الماء قد وصل إلى أصوله، وجال في جوانبه، وكذلك من كان ذا لمة من الرجال.
حدثني أبي عن أبيه في المرأة هل تنقض شعرها عند اغتسالها من الجنابة؟ فقال: لا تنقض شعرها لان الماء يأتي على ذلك كله، ولكن تجمع شعرها على رأسها، وتصب عليه الماء، حتى تأتي على ذلك كله، وتعصره وتحركه حتى تعلم أن الماء قد وصل إلى أصوله، وكذلك روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله أنه أمرها بذلك، وكانت كثيرة الشعر شديدة الظفر فلم يأمرها أن تنقض شعرها. وأما عند طهرها من الحيض فيجب عليها أن تنقض شعرها. باب القول في الرجل يطأ أهله ثم يريد المعاودة قبل أن يتوضأ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا جامع أهله ثم أراد أن يعود قبل التوضئ لم يضق ذلك عليه، وجاز له أن يعاود أهله مرارا وان لم يكن اغتسل بين ذلك ولا توضأ. وكذلك إن كان له أربع زوجات فجائز له أن يطأهن وان لم يحدث وضوءا بين وطئهن. حدثني أبي عن أبيه في الرجل يجامع أهله ثم يريد أن يعاود أهله هل يتوضأ بينهما؟ فقال: لا بأس أن يعود من غير وضوء وما آخر ذلك الا كأوله.
[ 63 ]
باب القول في الجنب يغتمس في الماء اغتماسة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن جنبا اغتمس اغتماسة في ماء يغمره ويحمل نجاسته، ودلك ما يجب عليه دلكه من بدنه حتى ينقيه في اغتماسه، ويأتي الماء عليه اجزأه ذلك عن غيره.
وإن هو اغتمس ولم ينق بدنه ويمط بالماء عنه درنه حتى يصل ذلك إلى غامض شعره داخله وخارجه من إبطيه وأرفاغه، وما يستكن من الشعر بين إليتيه. فلم ينق ولم يطهر ولو اغتمس كذلك في البحر مرارا تكثر، لان كثير الماء. إذا لم ينق ما أمر العبد بانقائه في الغنى. دون قليله إذا أتى قليله على ما يجب غسله من الاعضاء. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: ان سأل سائل عن جنب اغتمس اغتماسة واحدة في ماء يغمره هل يطهره ذلك؟ قيل له: نعم يجزي إلا أن يكون لم ينق ما أمر بانقائه من قبله ودبره، فإن ذلك ربما لم ينق بالاغتماسة الواحدة، فأما إذا أنقى جميع أعضائه فقد نظف وطهر. باب القول فيما يكره الوضوء به من ماء الغدرات والبيار وما لا يكره من ذلك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا ينجس ماء الغدير ولا يفسد ماء البير إلا ما غير ماءهما، فأفسد بالتغيير لونه أو ريحه أو طعمه فإذا تغير من ذلك ريح مائهما، أو طعم ذوقهما، أو استحال له لونهما لم يجز التطهر بمائهما، فأما إذا لم يكن شئ مما ذكر نافلا يفسد على المتطهر التطهر بمائهما كان الواقع فيهما ما كان. من ميتة أو غير ذلك من النجس والادران.
[ 64 ]
حدثني أبي عن أبيه في البيار والغدرات والبرك التي يقع فيها الشئ النجس فقال: لا يفسد إلا أن تغلب النجاسة عليها، ولا ينجسها ما وقع فيها من ميتة أو ما أشبهها، إذا لم يغلب عليها النجس في لون أو ريح أو طعم.
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك كلما وقع في ماء يسيرا كان أو كثيرا، في إناء أو حفرة أو وقيعة (46) أو جرة فغير لونه أو طعمه أو ريحه، من جلاب (47) أو سكنجبين أو مرق أو سكر أو قند أو غير ذلك مما ينفي عنه اسم الماء القراح، الذي جعله الله طهور أو ذكره وامتن به على عباده ونزله، فليس لاحد أن يتوضأ بما كان كذلك من الماء، وعليه إن لم يجد غيره أن يتيمم بالصعيد الطيب تيمما، لانه لم يجد الماء الذي أمر الله بالتطهر به فيلزمه فرض التيمم لجنابته أو لصلاته. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إذا تغير طعم الماء أو لونه أو ريحه فليس لاحد أن يتوضأ به ولا يتطهر، كان تغيره بخل أو لبن أو جبن، إذا غلب ذلك عليه وزال عنه اسم الماء القراح المفرد الطاهر، فليس لاحد أن يتوضأ به، ولا أن يتطهر منه لزوال اسم الماء عنه، وإنما جعل الله الطهارة بالماء القراح المفرد فقال: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (48) وقال عزوجل (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (49) وقال سبحانه (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (50) فإذا وجد الماء متغيرا فلم يجد الماء.
ص 64 (46) الوقيعة: الحفرة المنقورة في الحجر. (47) الجلاب: ماء الورد. (48) الانفال 11. (49) الفرقان 48. (50) النساء 43.
[ 65 ]
باب القول في الذي لا ينقطع عنه البول والجرح الذي لا ينقطع سيلانه
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا لزم الرجل تقطير البول، أو سيلان الجرح، فلم يبرح ولم ينقطع، صلى صاحب ذلك من النساء والرجال ولم يلتفت إلى ما جاء من ذلك، ولا ما سال، إذ لا حيلة له في قطعه. وأحب لصاحب التقطير أن يحتشي بقطنة إن كان ذلك يلزم عنه بعض العلة، ولصاحب الجرح أن يسد عليه بخرق أو كرسف، فإن جاء من بعد ذلك شئ غالب صلى، ولم يلتفت إلى ما جاء من بعد الاستقصاء والحرص وقلة الوناء. حدثني أبي عن أبيه في الذي لا ينقطع عنه تقطير البول إنه يتوضأ للصلاة ويصلي ولا يضره دوام البول لانه لا حيلة له فيه. باب القول فيما يصيب ثوب ذي العلة من علته من الدم والقيح وغير ذلك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه فيمن ابتلي بذلك: فليغسل ثوبه مما أصابه منه، فإن كان شيئا لا ينقطع وقتا من الاوقات، فلا ضير عليه في تركه، ولا نحب له أن يتركه في ثوبه أكثر من صلاة يوم وليلة، في الخمس الصلوات، إذا لم يكن له غيره، فإن أمكنه ثوب غيره عزله لصلاته، ثم صلى في ذلك الثوب، فإذا فرغ من صلاته غسل ما نال ثوبه من دم جراحه لكل صلاة، وإن لم يكن يمكنه ذلك، وشق وعسر عليه لسبب من الاسباب أجزأه غسله في يوم أو يومين أو ثلاثة أيام على قدر ما يمكنه، ولا يجوز له التفريط في غسله إلا من عذر مانع
[ 66 ]
قاطع، لانه ليس له أن يتركه يتراكم في ثوبه، لما في ذلك من فحاشة الرائحة والقذر.
حدثني أبي عن أبيه في الرجل يكون به القرح أو الجرب أو الحكة في جسده فيصيب ثوبه منه شئ فقال: إذا لم ينقطع ذلك عن صاحبه بالغسل والانقاء، فلا وضوء عليه، وإن كان مما يزول بالغسل وجب عليه غسله وقد رخص فيه أيضا فيما روي من الاحاديث. باب القول في التيمم ومتى يجب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: التيمم يجب على من لم يجد الماء المفرد الطاهر، فمن لم يجد الماء المفرد الطاهر على ما ذكرنا، من حاضر أو مسافر وجب عليه التيمم. والتيمم فلا يجوز لاحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت، إن كان في ليل تيمم قبل طلوع الفجر وعند أياسه من وجود الماء، وخوفه من فوات وقت الصلوة. وكذلك إن كان في نهار تيمم في آخر وقت النهار، قبل غروب الشمس وصلى صلاة نهاره، ولا يجوز للمتيمم أن يصلي صلاتين بتيمم واحد، إلا أن تكون صلوة ونافلتها فيجزيه ذلك عن التيمم مرتين، مثل من صلى صلوة العصر قبل الغروب وفي آخر وقت وعند اياسه من الماء. فذلك لا يجوز له أن يصلي المغرب بذلك التيمم. لان عليه الاراغة (51) للماء، والطلب له والاجتهاد فيه مادام عليه من وقت المغرب شئ، وإذا كان عليه طلب الماء للصلاة إلى آخر وقتها لم يجز له أن يصليها بتيمم تيممه لغيرها، لانه في ذلك ومع أياسه طامع من الله بتهيئته له، والمن به عليه، بمطر أو غيره من الاسباب.
ص 66 (51) الاراغة: طلب الماء.
[ 67 ]
حدثني أبي عن أبيه في التيمم. متى يتيمم المتيمم؟، قال:
يتيمم في آخر الوقت وعند أياسه من وجود الماء. وحدثني أبي عن أبيه في المتيمم كم من صلوة يصلي به؟ فقال: صلوة واحدة، ويتيمم لوقت كل صلوة. وحدثني أبي عن أبيه أنه قال: إن سأل سائل عن رجل لا يجد الماء، وكان في موضع لا يقدر فيه على طيب الصعيد كيف يصنع؟ وما الذي يجب عليه؟، قيل له عليه أن يصلي، ولا يتيمم بشئ غير الصعيد، إلا أن يجد الصعيد الذي أمر الله به فيتيمم به، لان الله تبارك وتعالى لم يذكر الطهارة إلا بالماء أو بالصعيد الطيب، وقد علم الله سبحانه مكان غيرهما من جميع الاشياء، فلم يأمر الله المؤمنين به، فمتى لم يجد الجنب ماء طاهرا، ولا صعيدا طيبا فقد زال عنه فرض الطهارة التي أمر الله بها، وعليه أن يصلي وإن كان غير طاهر. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الوقت - الذي يجب للمتيمم التيمم فيه - هو الوقت الذي لو وجد بعده وبعد انصرافه من صلاته تلك ماء لم يجب عليه التطهر فيه، ولا الاعادة لما صلى من الصلوة. ولا يجوز لمتيمم أن يتيمم في وقت يكون بعده وقت لو وجد فيه ماء لوجب عليه أن يتوضأ بذلك الماء، ويعيد ما صلى من تلك الصلاة، لانه قد وجد الماء في وقت من أوقاتها، يجب عليه فيه صلوتها. باب القول في حد التيمم وتفسيره قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: حد التيمم إلى المرفقين ولا يجوز لاحد أن يتيمم إلى الرسغين. وحد التيمم لمن لم
[ 68 ]
يجد الماء كحد الغسل لمن وجد الماء كما قال الله سبحنه حين يقول:
(يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فأوجب سبحانه غسل الوجه كله، من مقاص الشعر إلى حد الاذنين إلى اللحيين إلى الذقن، وأوجب غسل اليدين إلى المرفقين، ومعنى قوله إلى المرافق فهو حتى المرافق، فأراد بقوله فاغسلوا وجوهكم وأيديكم حتى المرافق، فقامت إلى مقام حتى، وكذلك قوله إلى الكعبين أراد حتى الكعبين، وهذه الحروف التي تدعا حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض وتجزي بعضها عن بعض وفي ذلك ما يقول الشاعر. شربن بماء البحر ثم ترفعت لدى لجج خضر لهن نئيج فقال: لدى لجج وإنما أراد على لجج، فقامت لدى مقام على، والشاهد لذلك قول الله سبحانه فيما عبر من قول فرعون حين يقول سبحانه ويحكي عنه من قوله: (ولاصلبنكم في جذوع النخل) (53) وإنما أراد على جذوع النخل، فقامت في مقام على. فيجب على المتيمم إذا أراد التيمم أن يعتمد الصعيد الطيب الطاهر الذي لا قذر فيه ولا درن، فيضرب بيديه مصفوفتين على الصعيد الطيب ضربتين، ضربة لوجهه، وضربة لذراعيه، يمسح بالاولى وجهه، ثم يمسح في الآخرة بيده اليسرى من أظافير يده اليمنى إلى أن يجوز مرفقها، ثم يرد كفه اليسرى على باطن ذراعه اليمنى، ثم يمسح بما في كفه اليمنى من الصعيد يده اليسرى على ما فعل باليمنى. حدثني أبي عن أبيه قال: حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن
ص 68 (52) المائدة 6. (53) طه 71.
[ 69 ]
الحسين بن عبد الله بن ضميره عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أنه قال في التيمم: الوجه واليدان إلى المرفقين. حدثني أبي عن أبيه في التيمم قال: حد التيمم بالصعيد إلى المرفقين كحد الوضوء. وقد ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يأمر بذلك. باب القول فيما يعمل الجنب إذا لم يجد الماء ولا الصعيد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أي جنب أو غير جنب لم يجد الماء ولا الصعيد فعليه أن يصلي بغير تيمم، ولا يتيمم بغير الصعيد الذي أمر الله بالتيمم به، وجعله طهورا لمن لم يجد الماء. والصعيد فهو التراب لا غيره. فمن لم يجد التراب فهو كمن لم يجد الماء، وعليه أن يؤدي ما افترض الله عليه من الصلاة، وإن لم يكن طاهرا، إذا لم يجد ما يطهره من الماء أو الصعيد، لان زوال التطهر عنه لعدمه لما يتطهر به لا يزيل عنه ما افترض الله عليه من الصلاة، لانه في ترك ما لم يستطع فعله، ولم يجد السبيل إليه معذور، وعليه أن يأتي بما سوى ذلك من الفروض في كل الامور. باب القول في المسافر يجتنب ومعه ماء وهو يخشى أن اغتسل بالماء على نفسه تلفا من العطش قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من خشي من المسافرين على نفسه تلفا إن هو توضأ بما معه من الماء، لم يجز له أن
[ 70 ]
يتطهر بما معه من الماء، وكان واجبا عليه أن يتيمم بالصعيد، لان الله سبحانه لم يكلف أحدا من عباده عسرا بل كلفهم من أمورهم يسرا، وأعطاهم على ذلك كثيرا، ونهاهم عن قتل أنفسهم، وعن الالقاء إلى التهلكة بأيديهم، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (54) وقال سبحانه: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (55) ويقول سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (56) فيجب على من خشي على نفسه إن هو تطهر بما معه من الماء تلفا أن لا يتطهر به، لان تطهره به حرام، وعليه استبقاؤه لنفسه لا يسعه غير ذلك، ولا يجوز له أن يفعل إلا كذلك. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إن سأل سائل عن رجل معه بقية من الماء وهو مسافر فخاف إن تطهر به أن يهلك عطشا؟ قيل له لا يحل له أن يتوضأ بالماء الذي معه إذا كان أمره كذلك، لان الله سبحانه حرم عليه إتلاف نفسه وإهلاكها فقال: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (57) وعليه أن يتيمم صعيدا طيبا، كما أمره الله سبحانه فيمسح به وجهه ويديه، ويمسك الماء على نفسه وكذلك من خاف على نفسه سلطانا جائرا أو لصوصا أو سبعا إن هو طلب الماء فعليه أن يتيمم بالصعيد الطيب، ومحرم عليه في جميع ذلك أن يعترض نفسه للتلف والعطب. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: معنى قوله رضوان الله
ص 70 (54) البقرة 198.
(55) النساء 29. (56) البقرة 185. (57) النساء 29.
[ 71 ]
عليه إن خاف على نفسه سلطانا أو سبعا أو لصوصا إن هو طلب الماء يريد الرجل يكون معه الماء وهو يعلم موضع ماء، وهو يخاف إن هو ورد ذلك الماء ما ذكر من السلطان أو السبع أو اللصوص. فقال: عليه أن يستبقي الماء الذي معه لنفسه، ويتيمم لكيلا يرد الماء الذي يخاف فيه التلف. باب القول في وجود الماء ومتى يكون الانسان له واجدا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من علم مكان المياه، وعلم أنه يدركها في بعض أوقات الصلوة، ولم يخف على نفسه مخافة، ولا دونه له متلفة فهو واجد له، وعليه في الفرض أن يطلبه، وكذلك إن وجده يباع بثمن، وكان كذلك الثمن واجدا، فهو بوجوده الثمن واجد للماء، وكان بشرائه له متعبدا، لان من وجد ثمنه فقد ناله ووجده، ما لم يخف على النفقة نفاذا أو تقصيرا، يدخل بذلك على نفسه تهلكة وتدميرا، فمن لم يخف دون الماء مخافة ولا من النفقة إن اشتراه جائحة، وجب عليه أن يبتاعه ويشتريه، ويطلبه بجهده أو يصير إليه، قال ومن أصابته جنابة في ليله أو نهاره، وكان الماء منه على مسافة يعلم أنه يلحقه، أو يبلغه في الليل قبل طلوع الفجر، أو في النهار قبل مغيب الشمس، وجب عليه طلبه، والمصير إليه، إلا أن يمنعه منه مانع، أو يقطعه عن بلوغه قاطع.
حدثني أبي عن أبيه أنه قال: أيما مسافر وجد مع غيره ماء فلم يعطه إياه إلا بثمن غال، وكان المسافر لثمنه واجدا، فعليه أن يشتريه، لانه واجد له بما وجد من ثمنه لقول الله سبحانه: (فلم تجدوا ماء
[ 72 ]
فتيمموا صعيدا طيبا) (58) فهو واجد له في اللغة بوجود ثمنه، إلا أن يكون في دفعه ثمن الماء إجحاف بنفسه، أو تعريض لها للعطب والتلف، فيكون له حينئذ أن لا يشتري الماء، وأن يتيمم صعيدا طيبا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وأيما جنب تيمم ثم وجد الماء بعد أن صلى وجب عليه أن يغتسل، ويعيد ما صلى من تلك الصلاة، إذا كان في وقت من أوقاتها. قال: فإن لم يجد الماء إلا بعد يوم أو ليلة أو يومين أو ليلتين، ثم وجده اغتسل ولم يقض ما صلى بتيممه، وهو مؤد في ذلك لفرضه، قائم بما أمر به منه. باب القول في الحيض وكم أكثره وأقله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أقل ما يكون وقت الحيض ثلاث ليال، وأكثر ما يكون الحيض عشر ليال، فما كان أقل من ثلاث ليال في وقت الحيض، فهو فساد من الحيض ويجب على المرأة ترك الصلوة فيه، حتى تنقى فإذا نقيت اغتسلت وصلت وصامت، وم كان منه في غير وقت الحيض فليس بحيض، وهو عارض من مرض، لا يجوز ترك الصلاة لها فيه، وكذلك فقد يكون الحيض أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا وتسعا وعشرا على قدر ما تعلم النساء من أنفسهن، وما جربنه من حيضهن، فأما إذ جاوز العشر وطال بقاء الدم بهن فهن مستحاضات يفعلن ما تفعل المستحاضة، تقف عن الصلاة في وقت
طمثها الذي تعرفه من نفسها، وتغتسل في وقت طهرها الذي تعرفه من نفسها، وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، ولا تترك الصلاة إلا عشرا. والعشر فهو أكثر الحيض، وما زاد فهو استحاضة لا حيض.
ص 72 (58) النساء 43.
[ 73 ]
باب القول فيما لا يجوز للحائض أن تفعله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، ولا تحمل المصحف، ولا تقرأ القرآن، ولذلك منعت الصلوة لانه لا صلاة إلا بقراءة والحايض لا تقرأ القرآن، ولا يجوز أن يدنو منها زوجها في موضع حرثها. حدثني أبي عن أبيه في الجنب والحايض يقرآن القرآن أم لا؟ فقال: يسبحان، ويذكر ان الله، ولا يقرآن القرآن. باب القول فيما يستحب للحايض أن تفعله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يستحب للحايض أن تطهر وتنظف، ثم تأتي موضعا طاهرا فتجلس فيه، وتستقبل القبلة في وقت كل صلوة ثم تسبح وتهلل، وتستغفر الله، ثم تنصرف، ويستحب لها أن تكحل عينيها، وتمشط شعرها، وتزين في بيتها، ولا تعطل نفسها، ولا تشعث رأسها، ولا تهاون بنفسها وتتبع الحسن من أمرها. باب القول فيما تعمل الحامل إذا رأت الدم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا رأت الحامل الدم فينبغي لها أن تغسله عن نفسها بجهدها، وتحتشي له إن احتاجت إلى ذلك، وهو حادث حدث عليها وليس بحيض، وإن كان في وقت
الحيض الذي كانت تعرفه من نفسها، لان الحيض لا يكون مع الولد أبدا، لان الله سبحانه جعله كذلك وركبه على ذلك فالرحم لا يشتمل على ولد وحيض، فإذا اشتملت على ولد ذهب الحيض، ولذلك ما
[ 74 ]
جعل الله ذهاب الحيض للتي لم تيئس دليلا على الحمل، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) (59) فجعل الثلاثة الاشهر أمدا للتي قد يئست من الحيض واللاء لم يحضن من الصبايا، فمتى قعدت ذات الحيض من ذوات البعول عن حيضها، وجب عليها أن تتوقى ما يتوقاه ذوات الحمل مثلها، حتى يتبين لها أمرها، وتستبري من ذلك رحمها، فلذلك قلنا: إنه يجب على من كان كذلك من النساء توقي ما يجب توقيه من الاشياء، مثل الادوية التي يخاف على الجنين منها، وغير ذلك مما يخاف أن يضرها، ولذلك ما قيل به في المرأة، يطلقها زوجها فتحيض حيضة، ثم ينقطع عنها الحيض، وهي من ذوات الحيض اللواتي لم ييئسن منه لكبر السن: إنها تنتظر بنفسها الحيض، إلى وقت الاياس منه وهي أن تبلغ ستين سنة، فإذا بلغت ستين سنة، ولم ترد ما، اعتدت بالاشهر ثلاثة أشهر، ثم حلت للازواج. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وعلى هذا القياس يجب على كل من كانت عنده امرأة، فأراد أن يتوزج أختها فطلقها، فحاضت حيضة، وكانت غير مؤيسة، ثم لم تر بعد تلك الحيضة دما، أن لا يتزوج اختها حتى تحيض ما بقي من حيضها، وتستوفي عدتها بالحيض، أو حتى يأتي عليها من السنين ما تكون فيه وبه آيسة من
الحيض، فتعتد حينئذ بالاشهر، ثلاثة أشهر ثم تحل للمطلق من بعد ذلك اختها، ولا يجوز له غير ذلك فيها، لانها غير آيسة، وإذا كانت كذلك فلا عدة لها إلا بالحيض، وهذا الحبس فإنما هو مرض نزل بها، وليس يجب عليها أن تعتد بغير ما جعل الله من الحيض لها، فهي ما
ص 74 (59) الطلاق 4.
[ 75 ]
دامت في علتها هذه أبدا في عدتها ترثه ويرثها، وإذا كانت كذلك لم يجز له أبد نكاح اختها. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إن سأل سائل عما ترى الحامل من الدم هل يكون عندكم حيضا؟ قيل له لا ليس بحيض ولكنه حدث حدث عليها فيه كالذي حدث (60) عليها في غيره من الاحداث. باب القول في النفاس وتفسير ما يجب فيه وكم تقعد المرأة النفساء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تقعد المرأة النفساء أربعين يوما إلا أن ترى قبل الاربعين طهرا فتطهر إذا رأت الطهر ونقيت من الدم، فإن لم تر قبل الاربعين طهرا أقامت أربعين يوما، ثم تطهرت ولا تقعد أكثر من ذلك، فإن رأت بعد ذلك دما فعلت فيه ما تفعل المستحاضة، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (تقعد النفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)، وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: (وقت النفساء أربعون يوما، فإذا جاوزت الاربعين اغتسلت وصلت، وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلي، ويأتيها زوجها).
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: والنفساء تطهر من النفاس كما تطهر الحايض من حيضها، لان الحيض والنفاس واحد في المعنى لما يأتي فيهما من الدماء، والعرب تدعو الحيض نفاسا. وفي ذلك ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله (أنه كان مع امرأة من نسائه فوثبت فقال لها مالك أنفست)؟ يريد أحضت؟ وفصحاء
ص 75 (60) في نسخة: يحدث.
[ 76 ]
العرب يدعو الطمث نفاسا، والله تبارك وتعالى فقد أوجب الغسل من الحيض، فلذلك أوجبناه في النفاس لانه محيض في الاصل والمعنى، وإن اختلفت بهما في اللفظ الاسماء. باب القول في المستحاضة وتفسير الاستحاضة والعمل في ذلك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس في الاستحاضة عندنا وقت مؤقت غير ما تعلم المرأة من نفسها في أيام أقرائها، فإن كانت ممن قد حاضت، وعرفت أيام أقرائها، فلتحتسب لذلك، فإذا كان وقت قرئها لم تصل ولم تصم، ولم تقرأ القرآن، ولم يغشها زوجها، فإذا نفدت أيام الاقراء صلت وصامت وقرأت، وغشيها زوجها إن أحب، ويجب عليها إذا قعدت أيام أقرائها، ثم أتت أيام طهرها أن تغتسل كما تغتسل عند الطهر من الحيض، ثم تحتشي قطنا، وتستذفر استذفار الرجل، ثم تصلي صلاتها، وتؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، ثم توضأ وتحتشي وتستذفر، ثم تصلي الظهر والعصر معا، وكذلك تفعل في المغرب والعشاء الاخرة، وكذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أمر
امرأة بذلك، وحد لها في أوقات صلواتها، وأمرها بالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في آخر وقت الاولى وفي أول وقت الاخرى. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وإنما أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله رحمة منه لها ولغيرها ممن تبتلى بمثل بلائها، ولو أن امرأة توضأت واحتشت واستذفرت لوقت كل صلوة، كان ذلك أفضل إن هي قدرت على ذلك وقويت، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
[ 77 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وإن كانت المستحاضة لم تحض قبل تلك الحيضة، فاستمر لها الدم فلتقعد أكثر ما تعرف من حيض نسائها، من أخواتها وعماتها، ولسنا نوقت لمثل هذه ولا لغيرها أياما معدودة، إلا أنها لا تجاوز العشر ليال، فإن أكثر الحيض عشر ليال. حدثني أبي عن أبيه القسم بن ابراهيم رضي الله عنه في المستحاضة كيف تصنع؟ وهل يأتيها زوجها؟ فقال تقعد أيام أقرائها، ثم تغتسل وتوضأ لكل صلاة، ويغشاها زوجها إن أحب، وتستنقي من الدم إذا أراد أن يغشاها، فإن غلب حيضها فهو كدم جرح أو عرق لو كان بها. وأكثر الحيض عندنا على ما تعرف المرأة، وعلى ما جربت من نفسها، فإن كانت ممن لم يحضن قبل ذلك قط، ثم نفست أو استحيضت، فعلى قدر أكثر ما في نسائها، وليس عندنا فيه وقت معلوم كما قال غيرنا، ولسنا نوقت فيه وقتا، غير أنها لا تجاوز عشرا، وبذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة ابنة ابي حبيش أن تقعد أيام أقرائها، ولم يوقت لها في ذلك وقتا، والقياس في هذا لا يمكن إلا أن يتقحم فيه
متقحم فيقول فيه برأيه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وحكمه حكم الدم، وفي غير أيام الحيض استحاضة، وقال إذا خرجت الصفرة والكدرة وظهرت، أو بلغت حيث يبلغها الماء عند استنجاء المرأة فهو سواء، وهو حيض في وقت الحيض، تترك المرأة الصلاة له، وتعتزل ما تعتز له الحائض من دخول المسجد، وقراءة القرآن، والصلاة والصوم، ولا يغشاها زوجها فيه. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: إن سأل سائل عن الصفرة والكدرة قيل له: أما ما كان في أيام الحيض فهو حيض، وحكمه حكم الدم، وأما ما كان منه في غير أيام الحيض فليس بحيض، ولكنه استحاضة.
[ 78 ]
باب القول في الرجل متى يغشى امرأته الحايض عند انقطاع دمها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يغشى الرجل امرأته، وإن نقيت من الدم ورأت الطهر حتى تغتسل وتطهر بالماء، وتنقى من آثار الدرن والاذى كما قال الله عزوجل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (61) ومعنى يطهرن فهو أن يغتسلن ويتطهرن، لا ما ينقطع عنهن من دمائهن، ألا ترى أن الطهر لا يقع اسمه على شئ حتى يطهر، وأنه لا يكون طاهرا حتى يطهر، وتطهيره هو غسله وانقاؤه بالماء، فلذلك قلنا: إن معنى قول الله عزوجل (حتى يطهرن) (62) فهو يغتسلن ويتطهرن من أدرانهن، وينقين بالماء أوساخهن، وماكن فيه من دمائهن. حدثني أبي عن أبيه في الحائض إذا طهرت من حيضها وانقطع
عنها دمها هل يغشاها زوجها قبل أن تغتسل أم لا؟ فقال: لا يغشاها زوجها حتى تغتسل، ولذلك قال الله سبحنه (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (63) تأويله حتى يغتسلن. باب القول في المسح على الخفين والشراكين والرجلين والخمار والعمامة والقلنسوة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لا مسح على شئ من ذلك، وان من مسح على شئ من ذلك فلم يتوضأ، وأنه لا صلاة إلا بوضوء، فأماما يقول به
الروافض من المسح على الرجلين فهذا باطل محال، فاسد من المقال، وإنما حرم المسح على الخف والقدم والنعل لقول الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (64) فقال وأرجلكم نصبا ردا على غسل الوجه. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لم أر أحدا من آل رسول صلى الله عليه وآله يشك في أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه، وجميع آلهما، وجميع المهاجرين من بعدهما، وأرجلكم بالنصب يردونها بالواو نسقا على غسل الوجه، وإنما حرم المسح على الرجل بالآية، والآية فإنما أوجبت الغسل لما في
الرجل من القذر والدرن والوسخ والاذى، فإذا مسح فوقهما فلم يغسلهما وإذا لم يغسلهما فلم ينقهما، وإنما تعبده الله بغسلهما لانقائهما، وإماطة الاقذار عنهما، ومن مسح أعلاهما فلم ينقهما، ولم ينق جوانبهما وأسافلهما. وفي الاستقصاء عليهما بالغسل، وإيجاب الغسل، ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله من قوله (ويل للعراقيب وبطون الاقدام من النار) فدل بذلك صلى الله عليه وآله على أنه واجب على المتوضي أن يغسلهما بأجمعهما ظاهرهما وباطنهما، ولو كانت القراءة في الارجل بالخفض لكان المسح واجبا، ولو وجب المسح لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ويل للعراقيب وبطون الاقدام من النار) لانه إنما أراد صلى الله عليه وآلله بذلك الاستقصاء على الارجل بالغسل، تأكيدا لما أمر الله به من الغسل لهما، وعنه في ذلك ما يروى من أنه قال: (خللوا
ص 79 (64) المائدة 6.
[ 80 ]
الاصابع بالماء قبل أن تخلل بالنار) فدل بذلك على أن تخليلهما و تنظيفهما، وغسل ما بطن وما ظهر منهما واجب على كل مسلم متطهر. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ما أبالي أمسحت على رجلي أم مسحت على خفي، وما أبالي أمسحت على خفي أم مسحت على سرجي، ولان تقطع رجلي أحب إلي من أن أمسح على خفي، أو أمسح عليهما، أو أترك غسلهما، لان الفرض في غسلهما لما ذكرناه، واحتججنا به في أول كلامنا، من قول الله تبارك وتعالى ومن قول الرسول الله صلى الله عليه وآله. ومن الحجة على من قال بمسح الرجل وقرأ الآية بالخفض (وأرجلكم) قول الله (إلى الكعبين) (65)، فلما أن قال إلى الكعبين علمنا بتحديده أنه إنما أراد الغسل، وأنها نصب عطف.
على غسل الوجه، لان المسح لا يقال فيه: امسح إلى الكعبين، ولا يقال إلى الكعبين إلا في الغسل فقط.
ص 80 (65) المائدة 6. في نسخة (وإنما نصب عطفا).
[ 81 ]
كتاب الصلاة
[ 83 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب الصلوة وتفسير فرضها من الكتاب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة) (1) وقال سبحانه: (فأقيموا الصلوة إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (2) وقال لنبيه صلى الله عليه وآله: (وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) (3) يريد بقوله أهلك أي قومك، وقال سبحانه: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واركعوا مع الراكعين) (4)، وقال سبحانه: (حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين) (5). باب القول في الاذان وذكره في القرآن قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى:
(وإذا ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزؤا ولعبا ذالك بأنهم قوم لا يعقلون) (6)، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون،) (7). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الاذان والاقامة مثنى مثنى، والاذان أن يقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا اله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلوة، حي على الصلوة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله، وكذلك في الاقامة عندنا مثنى مثنى، فإذا قال حي على خير العمل، قال قد قامت الصلوة، قد قامت الصلوة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وقد صح لنا أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بها، ولم تطرح إلا في زمن عمر بن الخطاب فإنه أمر بطرحها، وقال: أخاف أن يتكل الناس عليها وأمر باثبات الصلاة خير من النوم مكانها. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: والاذان فأصله أن رسول الله صلى الله عليه وآله علمه ليلة المسرى، أرسل الله إليه ملكا
فعلمه إياه، فأما ما يقول به الجهال من أنه رؤيا رآها بعض الانصار فأخبر بها النبي صلى الله عليه وآله فأمره أن يعلمه بلالا فهذا من القول محال
ص 84 (6) المائدة 58. (7) الجمعة 19.
[ 85 ]
لا تقبله العقول لان الاذان من أصول الدين وأصول الدين فلا يعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله على لسان بشر من العالمين. حدثني أبي عن أبيه في الاذان والاقامة قال: قد اختلف في ذلك وأصح ما سمعناه فيه أنه مثنى مثنى. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ويستحب لمن سمع الاذان أن يقول كما يقول المؤذن، فإذا بلغ حي على الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك، وجل ثناؤك، وتعالى جدك، ولا اله غيرك، فإذا قال: حي على الفلاح قال: اللهم اجعلنا من المفلحين الآمنين الفائزين في يوم الدين، فإذا قال: حي على خير العمل، قال اللهم: اجعلنا ممن يؤديها على ما تحب من أدائها، وممن يقيم حدودها، ويواضب عليها إنك سميع الدعاء، فإذا أقام الصلوة، فقال: قد قامت الصلوة، قال: اللهم اهدنا للصواب من أعمالنا، ووفقنا لما يرضيك عنا، وصل على محمد نبينا، وعلى أهل بيته الطيبين الاخيار، الصادقين الابرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. باب القول في أجر المؤذن قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بأن يأخذ المؤذن على أذانه أجرا أو برا إذا لم يشترط في ذلك شرطا به يؤذن إن فاته لم
يؤذن، ولا بأس بالتطريب في الاذان إذا أتم المؤذن أذانه وبين قوله ومقاله. حدثني أبي عن أبيه في التطريب في الاذان، قال: لا بأس بالتطريب في الاذان إذا أتم وبين، ولا بأس بأخذ الجعل على الاذان إذا لم يعقد على ذلك عقدة مشارطة.
[ 86 ]
باب القول في الاذان قبل طلوع الفجر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجوز الاذان قبل الفجر، إنما الاذان لاوقات الصلوات الخمس المفروضات اللواتي يدعا فيهن إلى الصلوات الناس ويحضون عليهن، فأما في غير وقت الصلاة وقبل دخول وقتها فلا ينبغي أن يؤذن في ذلك الوقت لما فيه من التخليط على الناس والالتباس، وقد روي أن بلالا أذن بليل فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ما حملك على أن تجعل صلوة الليل في صلاة النهار، وصلاة النهار في صلاة الليل، عد فناد إن العبد نام) فصعد بلال وهو يقول ليت بلالا ثكلته امه وابتل من نضخ دم جبينه، قال: فنادى بلال إن العبد نام فلما طلع الفجر أعاد، وبلغنا عن زيد بن علي رحمة الله عليه أنه قال: من أذن قبل طلوع الفجر فقد أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله، وبلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: من أذن قبل طلوع الفجر أعاد ومن أذن قبل الوقت أعاد. باب القول في الاذان على غير وضوء والكلام في الاذان قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يؤذن المؤذن
وهو على غير ضوء ولا يقيم إلا على وضوء وطهور لانه ليس بعد الاقامة إلا الصلوة ولا نحب له أن يدعو إليها إلا وهو على تهيئة لها. وقال: لا يتكلم المؤذن في الاذان ولا في الاقامة إلا من ضرورة تضطره إلى ذلك. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا يتكلم المؤذن في أذانه ولا في اقامته إلا من ضرورة أو حاجة لابد له منها.
[ 87 ]
باب القول في أذان الاعمى وولد الزنا والمملوك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يؤذن هؤلاء كلهم إذا كانوا من أهل الدين والمعرفة واليقين، ولا بأس أن يؤموا ويصلوا بالناس. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا بأس بأن يؤذن الرجل ويقيم آخر إذا اضطروا إلى ذلك، حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا بأس بأذان الاعمى قد كان ابن أم مكتوم يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وهو أعمى، ولا بأس أن يؤذن ويؤم الاعمى وولد الزنا والمملوك إذا كانوا من أهل الطهارة والعفاف، حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا بأس أن يقيم الصلوة للقوم غير مؤذنهم الذي أذن لهم إذا اضطروا إلى ذلك. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس على النساء أذان ولا إقامة لان الاذان والاقامة دعاء إلى الصلوة ولا يدعو إليها إلا من يؤم كل من حضر من النساء والرجال، والنساء لا يصلين بالرجال، والدعاء إلى الصلاة فلا يكون إلا برفع الصوت، والنساء فإنما أمرن بالتستر، وعليهن من ستر أصواتهن ما عليهن من ستر وجوهن وزينتهن. باب القول في تسمية الصلوات
وعدهن في الكتاب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله سبحانه: (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (8)، فكان قوله سبحانه (لدلوك الشمس) (9) فرضا لصلوة الظهر ودلوكها فهو زوالها، وكان قوله سبحانه (إلى غسق
ص 87 (8) الاسراء 79. (9) الاسراء 79.
[ 88 ]
الليل) (10) دليلا على فرض المغرب، وغسق الليل دخوله، ودخوله فهو ظهوره، وظهوره فهو ظهور الكواكب كواكب الليل التى لا ترى إلا في الظلام، لا كواكب النهار الدرية التي قد ترى نهارا في كل الايام، ولذلك وفيه ما قال الله وذكر عن نبيه ابراهيم صلى الله عليه حين يقول: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) (11) فذكر أن علامة الليل وغشيانه ظهور كوكب من كواكبه وما لم يغسق الليل ويجن وتبين بعض الكواكب فلا تجوز الصلاة ولا الافطار وكان قوله (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (12) دليلا على فرض صلاة الصبح، ولا تجوز صلاة الصبح حتى يعترض الفجر ويتبين وينتشر نوره وضوءه في الافق فإذا انتشر وأنار واستطار وأضاء لذوي الابصار وجبت الصلوة على المصلين وبذلك حكم رب العالمين، ثم قال: (والعصر إن الانسان لفي خسر) (13) فذكر العصر باسمها فدل بذكره اياها، وقسمه بها على توكيد ما بين رسول الله صلى الله عليه وآله من فرضها، ثم قال: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن
ترتيلا) (14)، ثم قال: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (15) فامرهم بالقراءة لما تيسر من القرآن في قيامهم وصلاتهم، فدل بما افترض عليهم من القراءة
في أي هذه الاوقات كان قيامهم فيه - على فرض العتمة التي بينها الرسول عليه السلام وهي العشاء التي سماها الله في قوله (ومن بعد صلوة العشاء) (16)، والعشاء فهي التي يدعوها الناس العتمة، فهذه الخمس الصلوات اللواتي افترض الله سبحنه على المؤمنين، وهذه الاوقات فأوقات لهن ودلالات على عددهن وشواهد على ما سمي منهن. باب القول في تحديد الاوقات للصلوات قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أول وقت الظهر زوال الشمس وميلانها، فإذا زالت الشمس ومالت واستبان زوالها فهو أول وقت الظهر، وأول وقت العصر حين يصير ظل كل شئ مثله في الطول، وأول وقت المغرب دخول الليل، ودخوله ظهور كوكب من كواكبه التي لا ترى إلا في غسق الليل وفي ذلك ما يقول الله سبحانه فيما حكى عن نبيه
ابراهيم الاواه الحليم حين يقول (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) (17) وأول وقت العتمة غيبوبة الشفق، والشفق فهو الحمرة لا البياض، لان البياض لا يغيب إلا بعد ذهاب جزء من الليل كثير والحمرة فتغيب لمقدار سبع من الليل (18) وهو أول وقت العتمة. وأول وقت الصبح طلوع الفجر وسطوعه واعتراضه ونوره، فهذه أوقات للمقيمين أهل عمارة المساجد من المصلين، وما بين هذه الاوقات فوقت لما فيهن من الصلوات، فما بين زوال الشمس إلى اصفرارها، والخوف من ذهابها، فوقت الظهر والعصر لمن كان مريضا أو خائفا أو مشتغلا بشغل من أمر الله سبحانه، وللمرأة الحائض ترى الطهر في آخر النهار وفيما ذكرنا من الاصفرار،
ص 89 (16) النور 58. (17) الانعام 76. (18) قال في حاشية الام الصواب نصف السبع وهو هكذا في بعض النسخ.
[ 90 ]
وكذلك المرأة لو رأت الطهر في آخر وقت من النهار يمكنها فيه أن تطهر وتصلي خمس ركعات وجب عليها أن تصلي الظهر والعصر معا وإن غربت الشمس في باقي صلاة عصرها. وكذلك المغمى عليه من المرض لو أفاق في وقت يصلي فيه خمس ركعات وجب عليه أن يصلي الظهر والعصر معا والنهار كله وقت لمن كان في شئ مما ذكرنا، كما الليل كله وقت سواء إذا كان إلى ذلك مضطرا، وفي أن الليل كله وقت لصلاة الليل من المغرب والعشاء الآخره ما يقول الله لنبيه صلى الله عليه وآله: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) (19) فكان ذلك
من الله عزوجل توقيتا لما افترض من الصلاة في الليل من المغرب والعتمة فرضا، والدليل علي أنه عنى بذلك الفرض قول الله سبحانه من بعد ذلك (والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (20) فدل سبحانه بقوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة) (21) على أن ذلك من الصلوة فرض كفرض ايتاء الزكوة إذ ضمه إليها، ولو كانت صلوة النافلة لم يضمها إلى الزكوة المؤكدة، وكذلك وجدنا الله سبحانه يقول في كل ما ذكر فيه الصلوة والزكوة من القرآن، فلم يذكر صلوة مع زكوة إلا وهي صلوة فريضة مؤكدة كتأكيد الزكوة، فدل بذلك على أنها صلاة الفريضة المفترضة، ولو كان ذلك ذكر نافلة لذكر الله سبحنه أمرها، كما ذكر أمر غيرها من النوافل،
وما جعل لنبيه بها وفيها من القربة إليه فقال سبحانه: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (22) فجعل تبارك وتعالى بين أمره بالفريضة والنافلة والاباحة فصولا بينة، وحدودا واضحة. باب القول في افتتاح الصلاة وتحريمها وتحليلها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله
صلى الله عليه وآله أنه قال: مفتاح الصلوة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ولا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وقرآن معها. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن ما سمعنا في الافتتاح وما نراه أن يستقبل المصلي القبلة ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم يقول: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ثم يكبر فيقول: الله أكبر، ثم يقرأ فيبتدي ببسم الله الرحمن الرحيم، فهذا أحسن ما سمعنا في الافتتاح وما تخرجه جدي القسم بن ابراهيم رضي الله عنه من القرآن وذلك أن الله سبحانه أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فقال: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)، (23) يقول لا تجهر بالقراءة في صلوات الظهر والعصر، ولا تخافت بالقراءة في صلوة المغرب والعشاء والفجر وابتغ بين ذلك سبيلا أي فصلا تفصل بينهن بذلك، ثم قال يأمره إذا
ص 91 (22) الاسراء 79. (23) الاسراء 110.
[ 92 ]
أراد الدخول في الصلاة: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل) (24) ثم أمره أن يكبر ويفتتح الصلاة بالتكبير فقال: (وكبره تكبيرا) (25) وهو أن يقول المصلي الله أكبر، ثم يقرأ فيبتدي بفاتحة الكتاب، ويتلوها بسورة مما
تيسر من القرآن فهذا أصح ما عندنا في الافتتاح وأحسنه وأشبهه بالتنزيل. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: التعوذ ثم الافتتاح ثم يقول الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ثم التكبير من بعد الافتتاح كله، ولسنا نرى أن يفتتح بعد التكبير مصل لان الله أمر بالافتتاح قبل التكبير في قوله. (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل) (26) ثم قال: (وكبره تكبيرا) (27) فأمره بالتكبير من بعد الافتتاح فلذلك قلنا أنه ليس بعد التكبير إلا القراءة. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: الافتتاح قبل التكبير، والتكبير بعد الافتتاح وذكر الآية وكبره تكبيرا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا نرى أن يرفع المصلي يديه عند التكبير في الاولى ولا في غيرها من ركوع ولا سجود وفي ذلك ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (ما بال قوم يرفعون أيديهم كأنها أذناب خيل شمس لان لم ينتهوا ليفعلن الله بهم وليفعلن).
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا ترفع اليدان عند التكبير، ولتسكن الاطراف، لان الصلوة إنما هي خشوع لله وخضوع، والتسكين أقرب إلى الخضوع والخشوع،
وأشبه بالتذلل لله سبحانه. باب القول في الدخول في الصلوة والعمل فيها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من قام في صلوته فافتتح ثم كبر وجب عليه أن يقرأ بأم الكتاب وبما تيسر من السور معها، ثم يكبر ويركع فيقول في ركوعه سبحان الله العظيم وبحمده ثلاثا، ثم يرفع رأسه من ركوعه، ويقول سمع الله لمن حمده فإذا اعتدل قائما خر لله ساجدا ثم قال: الله أكبر، ثم يسجد فيمكن جبهته من الارض ووضع أنفه مع جبهته على الارض، وخوى في سجوده، ومد ظهره، وسوى آرابه ونصب قدميه وجعل كفيه حذاء خديه وفرج آباطه وأبان عضديه ومرفقيه عن جنبيه، ثم قال: في سجوده سبحان الله الاعلى وبحمده ثلاثا، ثم قعد فافترش قدمه اليسرى ونصب قدمه اليمنى فإذا اطمأن على قدمه اليسرى قاعدا كبر وسجد السجدة الثانية فسبح فيها بما سبح به في السجدة الاولى وفعل فيها ما فعل في الاولى ثم ينهض بتكبيره حتى يستوي قائما ثم يقرأ بفاتحة الكتاب وبما تيسر له من سور المفصل أو ما أحب من القرآن كما قال: الله تبارك وتعالى (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) (28) وقد قيل إنه يجزي مع الحمد أن يقرأ المصلي ثلاث آيات من أي القرآن شاء وقال: من قرأ ثلاث آيات إنه قاس ذلك على سورة إنا أعطيناك الكوثر فقال هي ثلاث آيات وأحب ما في ذلك الينا نحن أن يقرأ مع فاتحة
ص 93 (28) المزمل 20.
[ 94 ]
الكتاب بسورة كاملة من المفصل ثم يخر راكعا بتكبيره فيطا من ظهره في
ركوعه، ويفرج آباطه، ويسوي كفيه على ركبتيه، ويستقبل بهما القبلة ولا يحرفهما على شئ من جوانب ركبتيه، ويعدل راسه ولا يكبه إلى الارض جدا، ولا يرفعه إلى السماء رفعا، يبتغ بين ذلك سبيلا حسنا، ويسبح في ركعته هذه بما سبح به في الركعة الاولى، ثم يرفع رأسه من ركوعه فيقول سمع الله لمن حمده، فإذا اعتدل قائما حتى يرجع مفاصل ظهره إلى مواضعها كبر وخر ساجدا ففعل في سجوده في الركعة الثانية كما فعل في سجوده في الركعة الاولى سواء سواء. باب القول فيما يقال في الجلوس الاول في الركعتين الاولتين من كل أربع أو ثلاث قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا جلس المصلي في الركعتين الاولتين من الظهر، أو في الركعتين من العصر، أو في الركعتين من المغرب، أو الركعتين من العشاء الآخرة، فأحسن ما سمعنا وما نرى أن يتشهد به المصلي في جلوسه أن يقول: بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ثم ينهض فيستوي قائما. باب القول في العمل في الركعتين الآخرتين من كل أربع والركعة الثالثة من المغرب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الذي صح لنا عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يسبح في الآخرتين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يقولها ثلاث مرات، ثم يركع، وعلى ذلك رأينا مشائخ آل الرسول صلى الله
[ 95 ]
عليه وعليهم، وبذلك سمعنا عمن لم نر منهم، ولسنا نضيق على من قرأ فيهما بالحمد ولكنا نختار ما روي لنا عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه، وذلك أنا نعلم أنه لم يختر ولم يفعل إلا ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وآله وفعله، ورسول الله صلى الله عليه وآله فلم يفعل إلا ما أمره الله عزوجل بفعله واختاره له في دينه. حدثني أبي عن أبيه القسم بن ابراهيم عليه السلام أنه قال: يسبح في الركعتين الآخرتين وقال: على ذلك رأينا مشائخ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك روي لنا عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه أنه قال: يسبح في الآخرتين يسبح في كل ركعة ثلاثا يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. باب القول في إيجاب الحجة بالتسبيح في الركعتين الآخرتين قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يقال لمن قال إنه لا يجوز التسبيح في الركعتين الآخرتين من الظهر والعصر والعتمة والثالثة من المغرب، وقال: ان الفرض في ذلك القراءة بالحمد: ما حجتك في ذلك؟ وما علمك بأن ذلك كذلك؟ فان قال: لان الله يقول فاقرؤا ما تيسر من القرآن، قيل له: أو لم يقرأ في صلاته بما تيسر من القرآن من قرأ في الركعتين الاولتين، وقد نعلم أن من قرأ في الركعتين الاولتين من كل صلاة فقد قرأ فيها فيها بما تيسر من القرآن إلا أن تكون معك آية يرحمك الله توجب بها القراءة في كل ركعة نصا وأن الله فرض ذلك على الخلق فرضا فأما إن لم تجد معك لذلك من قولك دليلا، ولم تنل إلى اثباته سبيلا، فلا حجة لك على من قرأ في الركعتين الاولتين وسبح في الآخرتين لانه قد قرأ بما تيسر كما أمره الله العلي الاكبر فإن قال: ومن حجتي في ذلك
[ 96 ]
إيضا ما قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) قيل له قد احتججت في ذلك بغير ما احتجاج ألا ترى أنك تقول صلى فلان العصر وصلى فلان الظهر تريد بقولك أنه صلى العصر أي صلى أربع ركعات معا، وكذلك الظهر تريد صلى أربعا وفقا ولو صلى ثلاثا العصر أو صلى ركعتين الظهر في حضر لم تقل أنه صلى عصرا ولم يجزأ أيضا أن تقول انه صلى ظهرا لانه صلى العصر ثلاث ركعات وهي أربع متتابعات، وكذلك الظهر فلا تكون في الحضر اثنتين فقد بان لك في كلتا الحالتين أنهن أربع متتابعات مجتمعات غير ناقصات ولا متفرقات تمام أولهن معقود بتمام آخرهن، وتمام آخرهن معقود بتمام أولهن، فإذا كان ذلك كذالك فقد صح ما قلنا به من ذلك، وثبت أن من قرأ في أول الصلاة أو في بعضها فقد أدى ما أمر به من فرضها من القراءة بما تيسر فيها، وأتى بما أمر منها وليست تلك الصلاة بخداج لانه قد قرأ فيها إذا كان قد قرأ في بعضها، ألا ترى أن العرب تقول رمى فلان بسهم أو سهمين في العسكر فقالت: رمى في العسكر وإنما رمى في بعض العسكر فجاز ذلك عندهم في القول والخبر، وكذلك تقول العرب أنخنا البارحة بالروحاء، وإنما أناخت في جانب منها، وتقول رمى فلان بحجر أو حجرين في دار فلان وإنما رمى به في بعضها أو في ناحية منها، فقالت فيها: إذا كانت متصلة معا كلها أو بعضها معروف ببعضها، فعلى هذا من القول والمعنى ما يخرج قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) الا أن تكون معك حجة من كتاب الله، أو رواية مجمع عليها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: كل ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فتظهر
لك الحجة علينا، وتفسد بذلك ما في أيدينا وإلا فقد قام من قرأ في
[ 97 ]
الاولتين، وسبح في الآخرتين بما قال الله عزوجل من قوله: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) (29) بأوضح ما يكون من الحجة والبرهان ثم يقال لمن قال ذلك: ألسنا وإياكم مجمعين، والناس معنا أجمعون على أنه لا يجهر في الآخرتين من كل أربع وفقا ولا في الثالثة من المغرب أصلا فلا يجد بدا من أن يقول نعم نحن وغيرنا مجمعون معك على ذلك وبه قائلون، فإذا قال: ذلك وكان الامر عنده كذلك قيل له، فهل في القرآن فيما نزل الله من النور والبرهان شئ هو أعظم من سورة الحمد لانها أم الكتاب ولما فيها من أسماء الله رب الارباب وتوحيده جل جلاله وتقدست سبحانه أسماؤه وفيما عظم الله من قدرها وشرف سبحانه من أمرها ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله فيها أنه قال: (والذي بعثني بالحق نبيا ما في التوراة ولا في الانجيل الكريم ولا في الزبور ولا في الفرقان العظيم مثلها وانها للسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) ومن ذلك ما يروى (أنها لم تقرأ على مريض قط الا شفي ولم يقرأها مكروب إلا كفي ونجي ولا توسل بها أحد إلى الله سبحانه إلا أعطي) فإذا قال: إنها لكذلك وعلى أفضل من ذلك قيل له فإذا كانت عندكم كذلك فلم أخفيتموها ولم تجهروا في صلاة الليل بها فيما تقرأونها فيه وغيرها وبأي سبب قرأتموها في الآخرتين ولم تجهروا بها وهي أعظم ما به نقرأ وتقرأون وفيها من الروايات ما نروي وتروون، فإن قال: نحن لم نخفها وإنما أتبعنا الرواية في ترك الجهر بها في الآخرتين، وجهرنا بها وبغيرها في الاولتين قيل له أنت رويت وأصحابك ذلك،
وغيركم فليست الرواية عنده فيها كذلك، وهذا أمر لم نجمع نحن وأنتم عليه بل نحن فيه على خلاف ذلك نقتدي به ونرويه، وأنت فلا تجد
ص 97 (29) المزمل 20. في نسخة ثم يقال له من بعد ذلك.
[ 98 ]
لنفسك حجة تزيح بها ما تكره من قولنا وتنفيه، وتدفع بها فاحش ما ألزمناك في مخافتتك بها وترك الجهر بقراءتها فكيف تنسبه وقد استفظعته من قولك وكرهته من نفسك إلى نبيك صلى الله عليه وآله، أقم لنا بذلك حجة وتبيانا وأثبت لنا على قولك شاهدا وبرهانا فإن قال: حجتي أن الله يقول: لنبيه عليه السلام (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) (30) فجهرنا في بعض الصلوة وخافتنا في بعضها بالقراءة، قيل له إن معنى قول الله سبحانه ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا إنما هو في الاوقات والصلوات أنفسها، وفيما فرق الله به بين الساعات من الليل والنهار والاوقات والسبيل بين هذين الحالين فهو الاوسط من الامرين، لا ما ذهبت إليه من التفرقة بين ما جمع الله سبحانه من الركعات فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله أن يجهر فيما قرأ فيه من صلاة الليل والاسحار وأمره أن يخافت فيما قرأ فيه من جميع صلاة النهار لقوله وابتغ بين ذلك سبيلا، وقد يحتمل أن يكون معنا ذلك نهيا منه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله عن الجهر الشديد الفظيع الذي ينكره السامعون وعن المخافتة التي لا يستمعها المستمعون فأمره جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله أن يبتغي بين هاتين المنزلتين سبيلا وأن يقول في القراءة قولا وسطا وقيلا، والسبيل بين هاتين الحالتين فهو الوسط من الامرين، ولو كان كما ذكرت أنه أمره أن
يجهر بالقراءة في الركعتين الاولتين وأن يخافت فيما سوى ذلك من الآخرتين للزمه أن يجهر في الاولتين من الظهر والعصر كما يجهر في الاولتين من المغرب والعشاء سواء سواء، لان الآية لم تبين ليلا من
ص 98 (30) الاسراء 110. في نسخة لم يتبين نهارا من ليل ولا ليلا من نهار.
[ 99 ]
نهار، ولا نهارا من ليل، وإلا فما الفرق بين ذلك؟ وما حجتك في ترك الجهر نهارا إن كان ذلك كذلك فلا تجد بدا من الرجوع إلى ما به قلنا والاقرار لنا بما ذكرنا أو المقام على الباطل والمحال والتعلق بما لا حجة فيه من فاحش المقال فلما أن صح إجماعنا وإجماعكم وثبت مقالنا ومقالكم على أن الرسول صلى الله عليه وآله لم يسمع منه قراءة في الركعتين الآخرتين، وأنه خافت بما قال: من القول فيهما باجماع المسلمين علمنا أنه لم يقرأ فيهما قرآنا ولم يتل فيهما فرقانا وأنه لو كان قرأ شيئا من كتاب الرحمن لجهر به وأبانه غاية البيان لانه كله نور وهدى وضياء مستبين وشفاء وليس فيه شئ حقير يخفى، وانما جعل الله القرآن منفعة لكل انسان وأمر نبيه بتبيينه للعالمين، وإيقاره في آذان السامعين، وأمر العباد بالاستماع له والانصات، والاعتبار بما يستمعون فيه من البينات، والتصديق بما ينطق به نواطق الآيات، والقرآن فأعظم وأجل من أن يخافت ببعض قراءته أو يخفى على السامعين شئ من آياته فلما أسر رسول الله صلى الله عليه وآله قوله في الركعتين الآخرتين علمنا أنه قد ذكر الله فيهما بغير ما ذكره في الاولتين قبلهما، فذكره سبحانه في الاولتين بالقرآن فجهر، وذكره في الآخرتين بالتسبيح فستر ليفرق صلى الله عليه
وآله وسلم بين التسبيح والقرآن تعظيما منه لما عظم الله من منزل الفرقان الذي جعله حجة، وهدى لكل انسان فكان إخفاؤه في الآخرتين لما يقول دليلا على أنه ذكر الله عزوجل بغير القرآن من القول وأنه سبح كما قال: من قال بالتسبيح، ألا ترى أن الصلوة كلها بنيت على اللفظ فيها بستة أصناف من القول والكلام لا يجوز غيرهن في القعود والقيام ولا ينطق فيها بسواهن، ولا يتكلم أبدا بغيرهن. (فأولهن) الدعاء إلى الصلوة وهو الآذان وذلك قول الله سبحانه
[ 100 ]
(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). (31) و (الثاني) الافتتاح وهو أن يقول المتوجه للصلوة: (32) الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن ولي من الذل، وذلك قول الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وآله (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل). (33) و (الثالث) التكبير وهو تحريمها وذلك أمر الله لنبيه من بعد الافتتاح بالتكبير فقال: من بعد قوله ولم يكن له ولي من الذل (وكبره تكبيرا) (34) فأمره بالتكبير. و (الرابع) فهو القراءة فيها وذلك قوله عزوجل فأقرأوا ما تيسر من القرآن. و (الخامس) التسبيح وذلك قوله سبحانه (سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى). (35)
و (السادس) تحليلها وهو التسليم وذلك قول الله سبحانه (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) (36) يريد بقوله قضيت فرغ من أداء (37) فرضها وحل بالتسليم ما كان حراما فيها من كلام المتكلمين وغيره من أفعال الفاعلين
ص 100 (31) الجمعة 9. (32) في نسخة إلى الصلاة. (33) الاسراء 111. (34) المزمل 20. (35) الاعلى 1. (36) الجمعة 20. (37) في نسخة: أدائها.
[ 101 ]
فكان الآذان معلوما، والافتتاح فبين مفهوم، والتكبير فمسموع بين البرهان، والقراءة في صلوة الليل فمجهور فيها بأبين البيان، (38) وكان التسبيح مخافتا به على كل - الحالات في السجدات من الصلوة والركعات، والتسليم فظاهر مسموع غير مسر به ولا مكتوم، وحده عند الامة كلها معروف بذلك مفهوم، فلما أن عرفنا جميع ما يتكلم به للصلوة وفيها ويدعون الداعون إليها لم نجد شيئا مما يتكلم به لها وفيها يخافت به إلا التسبيح فقط والافتتاح، وقد قيل إنه لا يضيق على المفتتح أن يجهر بالافتتاح ووجدنا النداء يجهر به والتكبير والقراءة والتسليم ولم نجد التسبيح أبدا إلا مخافتا به، سنة فيه ماضية وعليه من الرسول صلى الله عليه وآله جارية ثم وجدنا الرسول صلى الله عليه وآله قد خافت في الركعتين
الآخرتين فعلمنا، أنما روي لنا من التسبيح عنه فيهما حق من كلتا الجهتين: جهة الرواية عن الثقاة من آل الرسول وجهة ما تبين لنا في العقول لانه خافت فيهما بقوله ولا يخافت في الصلوة الا بالتسبيح كما يخافت به في الركوع والسجود فوجدنا التسبيح مخافتا به أبدا راكعا وساجدا ووجدناه صلى الله عليه وآله قد خافت في بعض الركعات فعلمنا أنه قد قال: فيهما ما يقول في الركوع والسجود مما يخافت به من التسبيح للواحد المعبود، فهذا إلى قوله سبحانه: (أقم الصلوة لذكرى) (39) يريد أقم الصلاة بذكرى وأفضل الذكر بعد القراءة ما اختاره من التسبيح الواحد الرحمن. وهو ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يسبح به في الآخرتين، وهو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يقول ذلك ثلاث مرات فكل ذلك يصح لنا به
ص 101 (38) بيان. (39) هود 114.
[ 102 ]
الرواية عن سلفنا وتصحح لنا التسبيح في الآخرتين من صلاتنا وفيما احتججنا به من الحجج ما أغنى وكفى من أنصف من ذوي العلم والحجى. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عما يقال: في الركعتين الآخرتين من كل أربع من الصلوات؟ فقال: يسبح فيها بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذلك روي لنا عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يسبح فيهما. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لم يفعل ذلك أمير المؤمنين
حتى أيقنه من فعل خاتم النبيين. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فإذا جلس في آخر صلاته الاربع أو الثلاث قال: بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد، ثم يسلم، وينصب إلى الله بما شاء من الدعاء. وكذلك حدثني أبي عن أبيه في التشهد وكان يرويه عن زيد بن علي رحمة الله عليه عن آبائه عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه. باب القول في تفسير الوقوف في الصلوة مع الامام قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا صلى الامام برجل واحد فليقف الرجل عن يمين الامام، فإن كانا اثنين اصطفا وراءه صفا وتقدمها وصلى بهما، وإن كانوا جماعة اصطفوا وراءه صفا أو صفين أو أكثر على قدر ما يكون الناس وسعة المكان، وسووا بين مناكبهم ولم
[ 103 ]
يتركوا بينهم خللا، ولا يختلفوا في مواقفهم فانه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (أقيموا صفوفكم ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا يجوز للرجل أن يصلي بالنساء ولا رجل معهن، فإن كان معهن رجل فلا بأس أن يصلي به وبهن، يقف الرجل عن يمين الامام ويصطف النساء من ورائهما صفا
واحدا، وإن كانت امرأة واحدة ورجل واحد وقف الرجل عن يمين الامام ووقفت المرأة من وراء الامام فان كان مع الرجل والمرأة خنثى فإن كان بول الخنثى سبق من الذكر فهو ذكر، اصطف هو والرجل وراء الامام ووقفت المرأة من ورائهما، وإن سبق بوله من الفرج فهو أنثى فليقف الرجل عن يمين الامام، واصطفاهما من وراء الامام فان أتى البول من الفرجين جميعا فهو خنثى لبسة فليقف الرجل عن يمين الامام، وليقف الخنثى من وراء الامام، ولتقف المرأة من وراء الخنثى، فإن حدث بالامام حدث فليخرج وليتم كل واحد من هؤلاء صلوته لنفسه ولا يقدم الرجل الذي عن يمينه مكانه ليتم صلوته لانه إذا قدمه فقد صلى الرجل بالمرأة والخنثى ولا يجوز لرجل أن يصلي بمرأة ولا يكون معها رجل إلا أن يكون رجل يصلي بأهله فلا بأس أن يصلي الرجل بأهله وحرمه في منزله صلوة نافلة فقط فان كان مع الامام رجلان وخنثيان لبسة وامرأتان، فليتقدم الامام وليصطف الرجلان من ورائه ثم ليقم الخنثيان، من وراء الرجلين، ولتقم المرأتان من وراء الخنثيين، فإن حدث بالامام حدث ينقض وضوءه فليقدم أحد الرجلين فيوقفه مكانه وليرجع الرجل الآخر فليقف عن يمين صاحبه، ثم ليتم به الصلوة ولا يعتد بالركعة التي فسد فيها الوضوء على الامام.
[ 104 ]
باب القول في صلوة النساء بعضهن ببعض قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يصلي النساء بعضهن ببعض، وتؤمهن أطهرهن وأعفهن وأقرأهن لكتاب ربهن، ولتكن التي تؤمهن واقفه في وسط صفهن وهن على يمينها وعن يسارها، ولا تتقدم أمامهن، فإن كانتا امرأتين فأمت احداهما الاخرى فلتقف المؤتمة عن
يمين الامة، وان كن ثلاثا وقفت التي تؤمهن بينهما متوسطة عليهما ووقفت واحدة عن يمينها والاخرى عن يسارها، وكذلك فلتؤمهن المملوكة والعمياء إذا كانتا من أهل العفة والثقة والتقوى وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه دخل على أم سلمة وعندها نسوان يصلين أو قد صلين فقال لها: صلى الله عليه وآله (ألا أممتهن) فقالت: يارسول الله أيصلح ذلك. قال: (نعم لا هن أمامك ولا خلفك ولكن عن يمينك وعن شمالك). باب القول فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله كل صلوة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: كل صلوة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: كل صلوة بغير قراءة فهي خداج. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: والخداج فهي الناقصة التي لم تتم وما لم يتم فهو باطل.
[ 105 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الصلاة كلها الاربع والثلاث، فأما إذا قرأ في ركعة أو ركعتين من تلك الصلاة فليست بخداج وهي تامة لان رسول الله صلى الله عليه وآله إنما أبطلها إذا لم يقرأ شئ من القرآن في بعضها، وعلى ذلك اجماع آل الرسول صلى الله عليه وآله كلهم
مجمع على أن من نسي القراءة في إحدى ركعتيه سجد سجدتي السهو وكانت صلوته تامة إذا كان قد قرأ في بعض الركعات. باب القول في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا صلوة عندنا لمن لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والحجة عندي في ذلك أنها لا تخلو من أن تكون آية من القرآن أو لا تكون آية، فإن كانت آية فهي من القرآن يجب أن تقرأ عند قراءة الحمد، وهي آية ثابتة في كل سورة من القرآن كررها الله تبارك وتعالى فيهن وجعلها مفتاحاو أولا لهن وكان تكريره اياها تعظيما منه سبحانه لها لانها كلها أسماؤه العظام وذكر لذي الجلال والاكرام فإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن تطرح، ولا أن يخافت بها لانها من كل سورة أولها ومبتدأها، ومتى خوفت بها في الحمد فقد انتقصت وغيرت ولم يجهر بها كلها إذ قد خوفت ببعضها وأول السورة أولى بالاظهار والجهر به لانه مفتاحها مع ما ذكرنا وشرحنا في بسم الله الرحمن الرحيم من الفضل والتفضيل إذ كلها تمجيد وذكر وأسماء للواحد الجليل، وإن كانت ليست من القرآن فما ينبغي لاحد ولا يجوز أن يقرأها ولا يقولها في صلوته خافت بها أم جهر لانها إن كانت كذلك وحاشا لها أن تكون على ذلك زيادة في الصلوة وكلام ليس يجب الكلام به فيها.
[ 106 ]
حدثني أبي عن أبيه القسم بن ابراهيم صلوات الله عليه عن أبي بكر بن أبي أويس عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه قال: من لم يجهر في صلاته ببسم
الله الرحمن الرحيم فقد أخدج صلاته. وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (كل صلاة لا يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم فهي آية اختلسها الشيطان). باب القول فيما يكره في الصلوة من العمل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يكره للمصلي أن ينفخ في صلوته أو يشير أو يمسح جبهته من تراب السجود، أو يعبث بلحيته أو يفرقع أصابعه أو يرفع احدى رجليه في قيامه عن الاخرى أو يعبث بتنقية أنفه أو يلتفت في صلوته عن يمينه أو عن شماله، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى رجل يعبث بلحيته في صلوته فقال: لو خشع قلب هذى لخشعت جوارحه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولم أر أحدا من علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله ولم أسمع عنه يقول آمين بعد قراءة الحمد في الصلوة، ولسنا نرى قولها في الصلوة لانها ليست من القرآن، وما لم يكن من القرآن فلا يجوز قوله ولا الكلام به في الصلوة لانسان، حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن قول آمين في الصلوة فقال: ما أحب أن تقال لانها ليست من القرآن.
[ 107 ]
باب القول في العمل خلف الامام وما يقرأ فيه من الصلوة خلفه وما لا يقرأ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يقرأ خلف الامام فيما جهر فيه ويقرأ فيما لم يجهر فيه لان الله سبحانه قد أمر بالانصات
والاستماع، ومن قرأ فلم ينصت ومن لم ينصت فلم يستمع وذلك قول الله سبحانه (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (40) فأمر تبارك وتعالى بالانصات والاستماع لقراءة الامام فلذلك قلنا إنه لا يجوز أن يقرأ خلف الامام فيما جهر فيه، فأما ما لم يجهر فيه من الصلوة فلابد أن يقرأ من خلف الامام فيه بالحمد وما تيسر من القرآن لان الانصات إنما يجب للاستماع فإذا لم يكن من الامام جهر يستمع بطل الانصات ووجبت القراءة فيما كان كذلك من الصلوات. حدثني أ بي عن أبيه القسم بن ابراهيم عليه السلام أنه كان يرى القراءة خلف الامام فيما خافت فيه ويكره القراءة خلفه فيما جهر فيه وكان يقول قد أمر الله سبحانه بالانصات والاستماع وإذا قرأ فلم يستمع ولم ينصت. باب القول في القنوت وفي أي الصلوات هو قال يحيى بن الحسين صلوات الله: لا نرى القنوت إلا في الصبح والوتر. والقنوت عندنا والذي نستحبه ولا نحب تركه، فقنوت الصبح. والقنوت عندنا من بعد الركوع، ولسنا نراه قبله وليس بعد القنوت عندنا إلا التكبير والانحطاط ساجدا. والقنوت سنة من تركها لم
ص 107 (40) الاعراف 204.
[ 108 ]
يفسد عليه شئ من دينه ولا نحب له اغفاله ولا تركه ولسنا نقول إن وجوبه كوجوب غيره من فرائض الصلوات المعلومات. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن القنوت فقال: ليس بفريضة لازمة وهو سنة حسنة يستحب فعلها.
باب القول فيما يقال في القنوت قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحب ما يقنت به الينا ما كان آية من القرآن، مما فيه دعاء وتمجيد وذكر الله الواحد الحميد مثل قول الله عزوجل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) (41) ويقول الله سبحانه (ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (42) وإن شئت قنت بعد التسليم من الوتر بالقنوت الذي علمه النبي صلى الله عليه وآله ابنه الحسن بن علي رحمة الله عليه ويروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن قال: إن جبريل صلى الله عليه علم هذا القنوت النبي صلى الله عليه وآله فعلمه النبي صلى الله عليه وآله ابنه الحسن وهو: " اللهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت، وعافني فيمن عافيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت "، قال: وزاد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة
ص 108 (41) البقرة 286. (42) البقرة 201.
[ 109 ]
والغنى وأعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو) وهذا القنوت يقنت به بعد التسليم من الوتر، ولا نحبه قبل التسليم لانه ليس بقرآن ولا يقنت في
الصلوة إلا بما كان من كتاب الله عزوجل وقد قيل مما روى في هذي القنوت عن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قبل تحريم الكلام في الصلاة. ومن أحب أن يقنت بقنوت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قنت به بعد التسليم من الوتر كذلك كان أمير المؤمنين يقنت به وكان يقول: اللهم إليك رفعت الابصار، وبسطت الايدي وأفضت القلوب، ودعيت بالالسن، وتحوكم إليك في الاعمال، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وتظاهر الفتن، وشدة الزمن، اللهم أعنا بفتح تعجله، ونصر نعزبه، وسلطان حق تظهره، اله الخلق آمين، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقنت بهذا فيلعن رجالا يسميهم بأسمائهم منهم معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو الاعور السلمي وأبو موسى الاشعري. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل قنوت يكون بغير القرآن فهو غير جائز ولا نرى القنوت في الفرض ولا في غيره إلا بالقرأن. باب القول في لباس المصلي وما يجزى الرجال والنساء من اللباس قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجزى الرجل أن يصلي في ثوب واحد إن كان قميصا زره عليه، وإن كان رداء عقد طرفيه في قفاه وكذلك روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه صلى بالناس
[ 110 ]
آخر صلاة صلاها في مرضه الذي قبض فيه في شملة خيبرية عاقدا بين
طرفيها في قفاه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا يصلى في ثوب واحد حتى يكون ثوبا صفيقا لا يوصف المصلي ويكون سابغا ينحدر عن الركبتين ويقارب حد الوضوء من الكعبين، وينبغي لمن صلى في رداء أن يعقده ويرخي جوانبه على رؤوس منكبيه حتى تستتر هبرتاهما، وان كان المصلي في الرداء محرما لم يعقد طرفيه في القفا وردهما على صدره ردا حتى يستمسك على الكتفين الرداء ويستتر المنكبان بجوانبه معا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويجزي المرأة أن تصلي في رداء واحد غامر لرأسها وجسدها إذا لم يمكنها خمار تخمر به راسها، ويجب عليها أن ترد جوانب الرداء على ذراعيها وعضديها، وتلتف في الرداء التفافا ساترا لظهرها وبطنها ومناكبها ورأسها وصدرها وساقيها، وإن كان قميصا واحدا سابغا، وكانت إذا أدخلت رأسها في جيبه لم ينكشف من ورائها شئ من ساقيها جازت لها الصلاة فيه، ووجب عليها أن تتحفظ من جيبه حتى لا يبدو عند ركوعها وسجودها منه صدرها. ويجوز للرجل أن يصلي في سراويل ومنديل على كتفيه سابغ وإن لم يكن منديل وكانت عمامة فليرددها على منكبيه ويسدل أطرافها من جانبيه أو بين يديه وكذلك إن ائتزر بمئزر فليرفعه إلى قرب السرة ثم يسدل ما أمكنه من اللباس من منديل أو عمامة أو غيرهما من الرياش على منكبيه. ويرد أطراف ذلك على صدره وثدييه.
[ 111 ]
باب القول فيمن ضحك في الصلاة
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من ضحك في صلاته فقهقه، أوملا فاه ضحكا أو ما هو دون ذلك من الضحك الذي يقطع عليه ما هو فيه من قراءته أو شغله عما هو فيه من صلوته فقد انقطعت عليه الصلوة، ووجب عليه الاستئناف لها والاعادة، فأما ما يقول به أهل العراق من أن القهقهة تقطع الصلوة وتنقض الوضوء فلسنا نقول فيه بقولهم ولا نذهب فيه إلى مذهبهم، لان القهقهة إنما قطعت الصلوة لانها شغلت عن الصلوة وقطعت على صاحبها ما كان فيه من القراءة وهو صوت يخرج من القهقهة يسير ولو قطع هذا الصوت الحقير، الوضوء لقطعه الصوت الكبير لا الحقير والكلام الدائم الخطير، والكلام فلا يقطع الوضوء منه إلا ما كرهه الرحمن، وعاقب عليه المتكلم به من الانسان، والوضوء فلا يقطعه إلا ما قد شرحناه في باب الوضوء وحددناه. باب القول فيمن يجوز أن يؤتم به في الصلاة ومن لا يؤتم به قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجوز الصلوة خلف أهل الديانة والورع والعفاف والصدق والوفاء كائنا من كان، من أعمى أو مملوك أو ولد زنا إذا كانوا عارفين بحدود الصلوة حافظين لما يحتاجون إليه لها من قراءة القرآن. وكذلك البدوي إذا كان عارفا بأمور صلاته حافظا لما يجب عليه حفظه من القرآن. وكان ورعا عفيفا مسلما معروفا بذلك فلا بأس بالصلوة خلفه، وإنما تكره الصلوة خلف البدوي إذا كان جاهلا بما لا يسعه جهله. ولا تجوز الصلوة خلف ذي جرأة في دينه عندنا من فاسق،
[ 112 ]
ولا شارب مسكر، ولا خاين أمانة، ولا صاحب كبيرة، ولا ظالم، ولا آكل
حرام، ولا جائر في حكم، ولا شاهد زور، ولا عاق بوالديه، ولا قابل رشوة في الحكم، ولا معروف بالكذب، وقول الزور لان الله سبحانه يقول (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤم نون بأيات الله) (43) ولا ذي معصية وجبت على صاحبها العقوبة من الله، لان الصلوة المؤتمين معقودة بصلوة إمامهم يقومون بقيامه ويقعدون بقعوده، ويسلمون بسلامة ويفسد عليهم من صلوتهم ما فسد عليه، وصلوة من كان من الفاسقين فغير مقبولة عند رب العالمين، لان الله سبحانه يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين) (44) وإذا كانت صلوة الامام غير مقبولة فهي فاسدة باطلة، وإذا فسدت صلاة الامام عليه فسدت صلوة المؤتمنين به ألا ترى أنه لو سهى ولم يسه المؤتمون به لوجب عليه وعليهم أن يسجدوا سجدتي السهو وإن كانوا هم لم يسهوا. وكذلك لوصلى بهم على غير وضوء لكانت صلوته باطلة، وكانت صلوتهم لصلاته تابعة في فساد أو صلاح. وفي ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إن سركم أن تزكوا صلوتكم فقدموا خياركم) وفي ذلك ما يروى من القول عنه صلى الله عليه وآله أنه أتى بني مجمم فقال: (من يؤمكم قالوا فلان فقال لا يؤ منكم ذو جرأة في دينه). حدثني أبي عن أبيه القسم بن ابراهيم أنه سئل عن إمامة الاعمى والمملوك وولد الزنا؟ فقال: تجوز إمامتهم كلهم ما لم يعرف واحد منهم بكبيرة ولا ريبه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ومن ابتلي بحضور
ص 112 (43) النحل 105. (44) المائدة 27.
[ 113 ]
صلوة من لا تجوز إمامته، ولم يأمن إن هو خرج عنهم، وتركهم على نفسه ضررهم، تاقاهم بالقيام معهم ولم يعتقدها له صلاة لان إمام القوم وأفدهم إلى الله، ولا ينبغي أن يكون وافد المسلمين إلا رضى في الدين. باب القول فيما يعمل الرجل إذا دخل مع قوم في صلاتهم ولم يجد له في صفهم مكانا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من دخل في جماعة وقد وقفت واصطفت من وراء إمامها فلم يجد له في صفها مكانا يقف فيه فليجذب رجلا من الصف فليقمه معه، وليصليا بصلاة إمامهما فإنه لا ينبغي أن يصلي الرجل وحده من وراء الصفوف إلا لعلة بينه، ولا ينبغي للذي يجذبه إليه أخوه المسلم أن يمتنع عليه، وصلاته مع أخيه، وصلته لجناحه أفضل من صلاته حيث كان في مقامه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وأفضل صفوف الرجال أولها إلى الامام، وشر صفوف النساء أولهن إلى الرجال، وينبغي للنساء إذا وقفن من وراء الرجال أن يغضضن أبصارهن عن الرجال في ركوعهم وسجودهم وينبغي للنساء أن يشغلن أبصارهن بالنظر إلى الارض فذلك أزكا لصلاتهن وأقرب لهن إلى ربهن. باب القول في الامام يقرأ سجدة في الصلوة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا أحب لمن قرأ في صلوة الفريضة سجدة أن يسجد لان السجدة زيادة في الفريضة، ولا ينبغي أن يزاد فيها كما لا ينبغي أن ينقص منها، والواجب أن يؤتى بها على ما فرضها الله عليه فإن فرضها لا زيادة فيه ولا نقصان، فإن ذلك
[ 114 ]
أقرب إلى الهدى والاحسان وأما النوافل فصاحبها مخير فيها، ولا نضيف عليه ما فعل فيها من ذلك وأحب الامرين إلي أن لا يزيد فيما قام فيه ونوى من الصلوة أن يصليه نافلة ولا فريضة، وقد قال: غيرنا بغير ذلك وروى فيه روايات ولسنا نلتفت إلى روايته ولا نفعل في صلاتنا ما يفعل في صلاته لان ذلك لا يصح لنا عن الرسول عليه السلام ولا يثبت لنافي حجج العقول. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا نرى أن يسجد في صلوة فريضة سجدة زائدة قرئت في سورة. باب القول في السهو في الصلوة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: سجدتا السهو تجبان على من قام في موضع جلوس، أو جلس في موضع قيام، أو ركع في موضع سجود، أو سجد في موضع ركوع، أو سبح في موضع قراءة، أو قرأ في موضع تسبيح، وقد قيل: من سلم في غير موضع تسليم، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى بالناس الفجر فصلى ركعة ثم انصرف فقام رجل يقال له ذو الشمالين فقال: يا رسول الله أنسيت أم رفعت الصلاة؟ فقال: وما ذاك يا ذا الشمالين فأخبره فجعل يطوف به في الصفوف فقال: أصدق هذا؟ زعم أني صليت واحدة فقالوا: نعم يا رسول الله إنما صليت واحدة قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بالناس ركعة أخرى ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا أدري ما صحة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله في الصلوة بعد التسليم ولا أرى أنه صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله بل القول (45) عندي فيمن
ص 114 (45) في نسخة بل أقول إنه من نسي.
[ 115 ]
نسي فسلم في غير موضع التسليم ثم ذكر قبل أن يتكلم بكلام أو يحرف (46) وجهه عن ذلك المقام أن صلوته قد انقطعت، ويجب عليه الاستيناف لها فليبتد صلوته، وليؤدها على ما فرضت عليه من حدودها، فأما سجدتا السهو فلا يتمان صلوة، ولا ينقصان منها، وإنما جعلتا مرغمتين للشيطان، ولا تكونان إلا من بعد التسليم والفراغ من الصلاة التي سها فيها، فأما قبل التسليم فلا يجوز عندنا لانهما يكونان حينئذ زيادة في الصلوة لان التسليم هو تحليلها وما كان قبله من الفعل فهو لها ومنها. حدثني أبى عن أبيه أنه سئل سجدتي السهو قبل التسليم أم بعده؟ فقال: سجدتا السهو بعد التسليم لانهما إن كانتا قبله كانتا زيادة في الصلوة، وإنما السجدتان بدل من السهو وإرغام للشيطان، كما قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سجد سجدتي السهو بعد التسليم. باب القول فيما يعمل الرجل إذا لحق الامام وقد صلى بعض صلاته قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن الحق الامام راكعا كبرو ركع معه ثم صلى معه ما بقي من صلاة الامام، فإذا سلم الامام قام فأتم ما بقي عليه من صلوته واعتد بتلك الركعة التي لحق الامام فيها راكعا، وإن كان لم يقرأ فيها، فإن لحقه ساجدا سجد معه فإذا قام الامام كبر الرجل ونوى أنه مبتدئ لاول صلاته، ثم يصلي ما بقي من صلاة الامام يقعد بقعوده ويقوم بقيامه، فإذا سلم الامام قام فأتم ما بقي عليه
ص 115 (46) في نسخة أو حرف وجهه.
[ 116 ]
من صلوته ولا يعتد بذلك السجود الذي سجده مع الامام لانه قد فاته الركوع وإذا فاته الركوع فقد فاتته تلك الركعة، لان الله سبحانه قال في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) (47) فجعل الصلاة ركوعا وسجودا فمن لحق الركوع فقد لحق تلك الركعة ومن فاته ركوعها لم يحتسب بسجودها، وقد قال غيرنا إنه إذا لحق الامام ساجدا كبر لصلاته ثم سجد ثم قام بقيام الامام وكان تكبيره أولا مجزيا له عن التكبير بعد قيامه، ولسنا نرى ذلك ولا نرى أن يكبر إلا من بعد قيام الامام وقيامه، لان تكبيره دخول منه في حدود صلاته ولسنا نرى له أن يدخل بين التكبير وبين القراءة جلوسا ولا سجودا ولا نرى بعد التكبير إلا القراءة إن كان الامام مخافتا، والاستماع والانصات إن كان الامام بقراءته جاهرا، فإن لحقه وقد صلى واحدة وهو راكع في الثانية فليكبر وليركع وليعتد بهذه الركعة وليعتقد أنها أول صلوته، ثم يسجد بسجود إمامه، فإذا قعد الامام في الثنتين فليقعد معه بقعوده، وإن كانت تلك الركعة أول صلاته، ثم ليقم بقيام الامام، فإذا أتم الامام صلوته فليجلس معه حتى يسلم الامام فإذا سلم الامام فليقم هو فليتم صلوته ولا بأس بالقعود مع الامام فيما لا يقعد فيه من صلوة المؤ تم به، ولو قعد في كل ركعة إذا كان الامام يقعد في موضع قعوده. من ذلك رجل لحق الامام في صلوة المغرب، وهو في الركعة الثانية، فكبر ودخل معه في الصلوة، ثم ركع الامام وسجد (48) وركع معه وسجد هذا الرجل، فجلس الامام في هذه الركعة التي هي ثانية له
فينبغي لهذا الرجل أن يقعد معه بقعوده وإن كان في الاولى من صلوته ثم
ص 116 (47) الحج 77. (48) ثم ركع الامام وركع معه وسجد وسجد هذا الرجل.
[ 117 ]
يقوم الامام ويقوم معه فإذا صلى الامام الثالثة من صلوته وجلس في التشهد فليجلس الرجل فليتشهد في الثانية من صلوته ثم لا يبرح جالسا حتى يسلم الامام، فإذا سلم الامام فليقم المؤتم فليصل ركعته، الثالثة، ثم ليقعد فليتشهد وليسلم، وقد جلس في كل ركعة جلسة وذلك له جائز إذا كان الامام الذي فعله، ولا يجوز للمؤتم أن يخالف الامام في شئ من فعله ولا يقوم وهو قاعد ولا يقعد وهو قائم، ولا يركع، وهو ساجد، ولا يسجد وهو راكع، بل يعمل كعمله ويفعل في صلوته كفعله. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك النساء إذا لحقن الصلوة، كما يفعل الرجال في ذلك فليفعلن، ولو أن رجلين أو رجالا دخلوا مسجدا يجمع فيه فوجدوا الناس قد قضوا الصلاة فهم بالخيار إن شاؤا أمهم أحدهم وجمعوا كما جمع غيرهم وإن أحبوا صلوا فرادى، وأدوا ما افترض الله عليهم أشتاتا. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن قوم دخلوا مسجدا وقد فاتتهم فيه الجماعة هل يجمعون فيه أم يصلون فرادى؟ فقال: لا بأس بالجمع فيه وإن صلت قبلهم فيه جماعة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فضل الجماعة على الفرادى كفضل يوم الجمعة على سائر الايام وكذلك روي لنا وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله (لن تزال امتي يكف عنها ما لم تظهر خصالا عملا بالربا، واظهار الرشا، وقطع الارحام وترك الصلاة في الجماعة، وترك هذا البيت أن يؤم، فإذا ترك هذا البيت أن يؤم لم يناظروا). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك كل كبيرة وعد الله عليها النار.
[ 118 ]
باب القول متى يكبر الامام وما يقطع الصلاة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أقام المؤذن فقال: حي على الصلاة حي على الصلاة قام الامام ومن يريد الصلوة معه فوقفوا في مواقفهم واعتدلوا في صفوفهم وقام الامام أمامهم فإذا قال: قد قامت الصلوة كبر الامام ولم ينتظر شيئا وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب رحمه الله أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قال: المؤذن قد قامت الصلوة كبر ولم ينتظر شيئا). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولا أرى أن شيئا يقطع الصلوة على المسلم وليدرأ المسلم عن نفسه ما استطاع، ولا يصلي إن قدر إلا إلى ستره فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يغرز عنزة له وهي الحربة ثم يصلي إليها، وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد غرز عنزته بين يديه فمر بين يديه كلب ثم مر حمار ثم مرت امرأة فلما انصرف قال: قد رأيت الذي رأيتم وليس يقطع الصلوة على المسلم شئ ولكن ادرأوا ما استطعتم).
قال يحيى ابن الحسين صلوات الله عليه: ومن صلى في فضاء من الارض، ولم يجد ما يجعله ستره بين يديه فلا بأس له أن يصلي في الفضاء، إذا لم يجد له من دون ذلك سترا، وقد قيل يخط بين يديه خطا ولا بأس بذلك إن فعله فاعل، ولا يفعله فاعل وهو يجد إلى ستره سبيلا. ولا بأس بالصلوة في أعطان الابل ومراحات الغنم إذا لم يكن فيها نجاسة من قذر ولا أثر صديد ولا دبر، وقد روى عن رسول الله صلى الله
[ 119 ]
عليه وآله وسلم أنه كره الصلوة في أعطان الابل ودمن الغنم وليس ذلك بصحيح عندنا. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الصلوة في أعطان الابل ومراحات الغنم؟ قال: لا بأس بذلك وقد روي عن ابن المغفل وغيره (أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلوة في أعطان الابل) وليس ذلك بصحيح عندنا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الناس مجمعون على أن أبوال الابل لا تنجس الثوب إذا أصابته، ولا أبعارها فكيف يكرهون الصلوة في أعطانها إذا لم يكن فيها شئ من أقذار دبرها، ولا شئ من مسفوح دمائها، فكيف ينجس الارض أبعارها وأبوالها ولا ينجس الثياب من ذلك ما أصابها وهم يزعمون أن الشمس تطهر ما وقعت عليه من الارض، ولا يقولون أنها تطهر ما وقعت عليه من الثياب. فكيف تجوز الصلوة في الثوب الذي فيه أبوال الانعام ولا تجوز في مبارك الابل من الاودية والآكام فهذا لعمر أبيهم قول يفسد قياسه، ويعدل عن الحق والانصاف مقاله، وتنفيه عن الحق ثواقب العقول، ولا يجوز ذكره
واضافته إلى الرسول، لما فيه من الاختلاف، ولبعده عن الحق، والانصاف. باب القول فيمن صلى إلى غير القبلة جاهلا وما يعاد من الصلوة في وقتها وبعد خروج وقتها وما لا يعاد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل من صلى إلى غير القبلة وهو لا يعلم ثم علم بعد ذلك وكان في وقت من تلك الصلاة أعادها
[ 120 ]
ولم تجزه عندي غير اعادتها إذا كان في وقت منها فإن خرج وقتها فلا يجب عليه إعادتها، لانه قد صلاها وهو يرى أنه متوجه إلى القبلة، ثم لم يعلم بخطأه في صلوته حتى خرج ما كان لها وقتا من أوقاتها. ومن الصلوة التي تعاد ما دام وقتها، صلوة من تطهر بماء نجس وهو لا يعلم ثم علم وهو في وقت من الصلوة فعليه إعادة الوضوء بماء طاهر، وإعادة الصلوة، ومن ذلك صلوة متيمم وصلى ثم وجد بعد صلاته بتيممه ماء وهو في وقت من تلك الصلوة فعليه أن يتوضأ بالماء ثم يعيد ما صلى من صلوته، وما كان مثل هذا مما يقع فيه الخطأ من غير تعمد ولا اجتراء فعليه الاعادة ما كان في الوقت وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه. وأما الصلوة التي تعاد من بعد خروج الوقت فهي صلوة الناسي للصلوة حتى يخرج وقتها فعليه إعادتها عندما يكون من ذكره لها، ومثل صلوة من توضأ بماء نجس وهو يعلم بنجاسته ويوقن بها فعليه الاعادة لما صلى من بعد خروج الوقت، والتوبة إلى ربه من سوء فعله.
ومثل من نسي أنه جنب فتوضأ وصلى ثم ذكر من بعد خروج وقت الصلوة أنه صلى جنبا فعليه الاغتسال والاعادة لما صلى من الصلوة، ومثل من توضأ ونسي غسل وجهه ثم ذكر بعد خروج الوقت أنه لم يغسل وجهه فعليه الاعادة للوضوء والصلاة. وأما ما لا يعاد من الصلوة في حال من أحوال العباد فهو ما لم يدخل عليهم فيه نقص ولافساد.
[ 121 ]
باب القول في صلاة المريض وكيف يصلي وما يقضي (49) المغمى عليه من الصلاة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: المريض يصلي على قدر ما يمكنه، إن أمكنه قائما فقائما وإن أمكنه جالسا فجالسا، وإن صلى جالسا قعد متربعا ثم كبر وقرأ ثم وضع يديه على ركبتيه وانثنى راكعا ثم عاد فجلس مستويا ثم خر ساجدا ونصب رجليه، ثم عاد فجلس على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى ثم يعود للسجدة، ثم يجلس فيتربع تربعا ثم يقرأ، ويفعل في باقي صلوته ما فعل في هذه الركعة فإن لم يقدر على السجود أوما برأسه إيماء وكان سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر على الجلوس توجه إلى القبلة ثم أومأ ايماء ويفعل من ذلك على قدر ما يمكنه ويتهيأ له في صلوته، لان الله إنما كلفه الميسور وقد طرح عنه برحمته المعسور، وذلك قوله سبحنه وتعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (50) وقال تبارك وتعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (51) وقد قال: غيرنا إنه يقرب من وجهه شيئا أو يقرب منه
حتى يوضع على وجهه وضعا وهذا فليس له عندنا معنى إنما هو سجود إذا أطاق ذلك أو إيماء. قأما المغمى عليه فإن أفاق في آخر نهاره أعاد صلوة يومه، وإن أفاق في آخر ليلته أعاد صلوة ليلته، وإن أغمي عليه يوما أو يومين أو ثلاثا ثم أفاق صلى صلوة ذلك الوقت الذي أفاق فيه، فإن أفاق نهارا صلى صلاة ذلك النهار، وان أفاق ليلا صلى صلوة تلك الليلة.
ص 121 (49) أي يفعل: لما روي عن عائشة أنه صلى الله عليه وآله، لما صلى جالسا تربع، أخرجه النسائي والدار القطني وابن حيان والحاكم من لطف الغفار الموصل إلى هداية الافكار لعلامة الفترة صلاح بن أحمد بن المهدي بن حسن بن علي بن الحسين بن الامام عز الدين عليهم السلام. (50) البقرة 286. (51) البقرة 185.
[ 122 ]
حدثني أبي عن أبيه في المريض كيف يسجد: أيومئ إيماء أم يسجد على وسادة إذا لم يقدر على السجود على الارض؟ فقال: إن أطاق السجود على الارض سجد عليها وإن لم يمكنه ذلك لضعفه أومأ برأسه فكان إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه. باب القول في صلوة السفينة وصلاة العريان وصلوة من كان واقفا في الماء لا يجد أرضا يبسا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يصلي صاحب السفينة على قدر ما يمكنه ويجد السبيل إليه ويطيقه سائرة جارية في بحرها أو واقفة كافة عن سيرها، غير أنه يتتبع القبلة ويدور لها بدوران السفينة في مائها، وأما العريان فإنه يتربع ويضع على عورته ما قدر عليه من حشيش
الارض ثم يومئ إيماء كإيماء المريض إيماء لا يستقل معه من الارض، لان في إستقلاله ما يبدي عورته في صلوته، وإن لم يجد من الحشيش شيئا ستر عورته بيده اليسرى، ثم فعل كما ذكرنا أولا، فإن كان معه جماعة عراة فأمهم جلسوا كلهم جلوسا، وستروا عوراتهم بأيديهم، واصطفوا صفا واحدا، كما يصطف في الصلوة مع المرأة الآمة بالنساء ويجلس أمام العراة في وسط صفهم ولا يتقدمهم ويصلون عن يمينه وعن يساره صفا واحدا، وأما الواقف في الماء فيومي إيماء، إن كان يمكنه الجلوس فيه لقلته جلس وصلى يومئ إيماء، وإن لم يمكنه الجلوس صلى على حاله قائما وان كانوا جماعة فأمهم أحدهم فإن كان الماء لا يستر عورة المتقدم المصلي بهم لصفائه وقلة كدره صلى بهم وهو قائم في وسطهم كما يصلي العريان بالعراة وإن كان الماء ساترا
[ 123 ]
غامرا كدرا تقدم إمامهم فصلى بهم وصلوا وأومأ في الركوع والسجود وأومأوا. باب القول في صلوة الجمعة وفضلها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " أكثروا علي من الصلوة يوم الجمعة فإن الاعمال تضاعف فيه ". قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يستحب للمصلين أن يصلوا ليلة الجمعة في المغرب بسورة الضحى وسورة إنا أنزلناه، وفي العتمة بسورة الجمعة وسورة المنافقين، وفي الصبح بسبح اسم ربك الاعلى وهل أتاك حديث الغاشية. فإذا زالت الشمس في أول وقت
زوالها أتى الامام والمسلمون معه المسجد، فإذا رقى الامام المنبر سكت كل من كان في المسجد فإذا قال: المؤذن في آخر أذانه الله أكبر، الله أكبر قام الامام، فإذا قال: المؤذن في آخر أذانه لا إله إلا ألله تكلم الامام، وانقطعت صلاة من كان يصلي من الناس، ووجب عليهم الاستماع والانصات، فإذا خطب خطبته الاولى جلس جلسة خفيفة، ثم قام فخطب بالخطبة الاخرى التي يذكر الله فيها ويصلي على النبي صلى الله عليه وأهل بيته ويدعو للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤ منات فإذا فرغ نزل وأقام المؤذن الصلاة فإذا قال: حي على الصلاة وقف الامام في مصلاه، واصطف المسلمون من ورائه فإذا قال: المؤذن قد قامت الصلاة كبر الامام ثم قرأ سورة الحمد وسورة الجمعة يجهر بقراءتهما ثم يقرأ في الركعة الثانية بالحمد وسورة المنافقين أو سورة سبح اسم ربك الاعلى وسورة الغاشية أي ذلك فعل فله فيه كفاية وقدوة وأثر،
[ 124 ]
فإذا سلم تنحى من مكانه يمينا أو يسارا فتطوع إن أحب التطوع وإلا فانتشر في الارض وانتشر معه المسلمون. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويستحب لمن حضر الجمعة أن يغتسل قبل حضورها، ويستحب للامام أن يأتيها راجلا وإن أمكنه كان حافيا المرة بعد المرة لان ذلك قد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يفعله المرة بعد المرة ولا ينبغي أن يبطأ بصلاة الجمعة جدا ولا أن يعجل بها قبل زوال الشمس في أفق السماء. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: صلوة الجمعة هي عندنا
الصلاة الوسطى التي ذكر الله العلي الاعلى، وهي في سائر الايام الظهر، وكذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: حدثني أبو بكر ابن أبي أويس عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: الصلوة الوسطى هي صلوة الجمعة، وهي في سائر الايام الظهر. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ينبغي للمسلمين أن يظهروا الزينة في يوم الجمعة، فيلبسوا خيار لباسهم، ويرتاشوا بأحسن رياشهم، ويتطيبوا بأحسن طيبهم، ويأكلوا أطيب طعامهم، ويريحوا أنفسهم من أعمالهم وكذلك فليرفهوا على أرقائهم فإنه يوم عظيم البركة اختاره الله عزوجل لهذه الامة وفضله على سائر الايام وجعله عيد الاهل الاسلام ويجب عليهم أن يفرقوا بينه وبين غيره من أيام دهرهم لان الله عزوجل قد فرق بينه وبين غيره من أيامهم نعمة أنعم بها عليهم، وفضيلة بينها لهم وفيهم.
[ 125 ]
باب القول في قصر الصلاة وفي كم تقصر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه إذا عزم المسافر على سفر بريد وهو اثنا عشر ميلا قصر حين يخرج من منزله، وتتوار ى عنه بيوت أهله، فإذا نوى المسافر المقام في بعض ما مر به من البلاد عشرا أتم الصلاة، وإن لم ينو مقام عشر وأقام في بلد، يقول اليوم أخرج أو غدا أخرج قصر الصلاة حتى يستتم شهرا في شكه ذلك، فإن دام شكه من
بعد قصر شهر أتم، ولو أقام بعد الشهر يوما واحدا، والقصر فهو يقع فيما كان أربعا من الصلوات ولا يقع فيما دون الاربع من الثلاث، لان القصر هو تنصيف الصلاة وتنصيفها فهو أن يصلي في السفر نصف ما كان يصلي في الحضر منها، والثلاث فلا نصف لها يوقف عليه، ولا يؤدي فرض الله منها فيه فلذلك لم تقصر، وكذلك الصبح لم تقصر لا نها اثنتان وليس فيما دون الاثنتين من الصلاة صلاة يفهم لها عدد في فريضة ولا نافلة، وفي ذلك ما أجمع عليه آل الرسول صلى الله عليه وآله من أن صلاة نوافل الليل والنهار مثنى مثنى وليس فيما دون المثنى صلاة تصلى، فلذلك لم يقع القصر في الصبح فأما قول من يقول إنه لا قصر إلا في خوف فلا يلتفت إليه ولا يعمل أحد عليه، بل القصر فرض من الله على كل مسافر سافر في بر أو بحر، في بر أو فجور، لان أول ما افترض الله من الصلاة على المؤمنين افترضها سبحانه ركعتين عليهم ثم زاد فيها ركعتين آخرتين فجعلها أربعا في الحضر، وأقرها على فرضها الاول ركعتين في السفر، فصار للسفر فرض يجب اداؤه على المسافر، وصار للحضر فرض يجب إتمامه على الحاضر، فالمتم في سفره كالقاصر في حضره لان المتم في السفر لم يأت بما افترض الله عليه من فرضه،
[ 126 ]
كذلك الناقص في الحضر لم يأت بما جعل الله عليه من الصلاة في حضره. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: أحسن ما سمعنا في القصر من القول قول الاكثر من آل رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته أنهم قالوا: في بريد والبريد أربعة فراسخ بالميل الاول وكذلك يقصر أهل مكة في خرو جهم للحج إلى غرفة قال: ويتم المسافر إذا أتى إلى بلد فعزم على
المقام فيه عشرا وإن لم يعزم على المقام قصر شهرا ثم أتم بعد الشهر صلاته، ثم يقال لمن قال: إنه لا تقصر الصلاة إلا في الخوف والحروب وما صلاة الخوف عندكم؟ وما سبيلها في قولكم؟ فلا يجد بدا من أن يأتي بها على وجهها وأن يصفها بما جعلها الله عليه من صفتها، فإذا قال: صلاة الخوف أن يقتسم (52) المسلمون قسمين فيصلي مع الامام نصف المسلمين ويقف قسم منهم في وجوه المحاربين يدفعون عن اخوانهم المصلين، ويحرسونهم من الكافرين حتى يصلوا ركعة مع الامام، ثم يقوم الامام فيقرأ ويطول القراءة، ويتم الذين صلوا معه ركعة - ركعة أخرى وحدهم ثم يسلمون ويذهبون فيقفون مواقف إخوانهم مع العدو ويأتي الآخرون فيصلون مع الامام ركعته الباقية ثم يسلم الامام ويقومون هم فيتمون الركعة الباقية وحدهم ثم ينصرفون إلى حرب عدوهم فيكون كلهم قد صلى مع الامام ركعة وعلى حدته ركعة فإذا قال: ذلك وكانت الصلاة عنده في الخوف كذلك قيل له، فإذا كانت عندك صلاة الخوف على ما ذكرت من اقتسام المسلمين لها، وقصرهم مع الامام إياها فقد قصرت الصلاة إذا قصرين ونصفت مرتين مرة من الاربع إلى الاثنتين ومرة
ص 126 (52) أن ينقسم.
[ 127 ]
يقسمها المصلون مع امامهم بينهم قسمين، فيصلون هؤلاء مع إمامهم منها جزءا ثم يأت الآخرون فيصلون معه منها شقصا، فهذا بأبين التبيان قصران، وهذا فلم يذكره الله لنا في القرآن، وما لم يقل به من الناس كلهم انسان لان الله سبحانه إنما ذكر قصرا واحدا، ولم يذكر قصرا ثانيا، فإن قال: بلى قد ذكر الله قصرين، سئل عن ذلك القصر
الذي ذكر أنه في القرآن مرتين، فلا يجد إنشاء الله إلى اثبات ذلك سبيلا ويستغنى بجهله عن مناظرته ويتبين له في نفسه دون غيره ما أظهر من مكابرته، وإن أنصف ورجع إلى الحق وتعلق بنور الصدق علم أن ليس في الصلاة إلا قصر واحد، وأنه قصر المسلمين لصلاة سفرهم، وقسمها بينهم مع إمامهم عند ملاقاة أعدائهم وخوفهم على أنفسهم فكل يأخذ بحظه فيها ويصلي مع إمامه جزاء منها، ولو كانت الصلاة في السفر أربعا كماهي في الحضر إذا لم تكن مخافة من الاعداء لكانت تصلى عند المخافة والبلاء قسمين، ويجزئها بينهم المسلمون جزئين فيقف مع الامام منهم نصفهم، ويقف النصف الثاني في وجوده عدوهم حتى يصلي إخوانهم نصف صلاتهم مع إمامهم وهو ركعتان في قول من زعم أن الصلاة في السفر لا تقصر وأنها أربع كصلاة الحضر، ثم يتمون وحدهم ما بقي من صلاتهم ثم ينهضون لحرب عدوهم ويأتي الباقون فيصلون مع الامام كما صلوا فيكون الكل قد أخذ من صلاة الامام جزأ ويكون كلهم قد اقتسموا صلوتهم بينهم قسما، وهذا فليس يقول به أحد من العلماء ولا غيرهم ممن عقل الحق من الجهلاء، فإذا قد ثبت أن صلوة الخوف ركعتان، وأن الركعتين يقسمان قسمين فقد ثبت أن صلوة السفر ركعتان، وأنهما فرض من الله على كل انسان لا يجوز له الزيادة فيه ولا النقصان وأن قول الله عزوجل (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن
[ 128 ]
خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) (53) هو قصرها مع الامام عما جعل الله من فرضها الذي هو ركعتان، وذلك والحمد لله فأبين البيان لمن أنصف من العالمين، وكان عارفا بتأويل قول
أرحم الراحمين، ألا تسمع كيف يقول ربنا تبارك وتعالى لرسوله: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) (54). فقال: في أول الآية فإذا سجدوا يريد فإذا أتموا ركعة وسجدوا سجدتيها فليتموا الركعة الثانية وحدهم ثم لينصرفوا إلى عدوهم ولتأتي الطائفة الاخرى التي لم تصل فلتصل معك الركعة الثانية الباقية فكل قد قسم صلوته قسمين وصلاها جزئين جزءا مع إمامه وجزءا وحده فهذا معنى القصر. حدثني أبي عن أبيه أنه كان يقول القصر في كل سفر واجب على كل من سافر وكان يقول: قلنا بقصر الصلوة للمسافر من كل برا وفاجر، لان فرضها المقدم كان في السفر والحضر على ركعتين، وقلنا بذلك وأخذناه لما فهمناه عن كتاب الله المبين ولم نأخذ ذلك عن رواياتهم وإن كانوا قد رووه ولم نقبله عنهم والحمد لله وإن رأوه، قال الله سبحانه: فيما قلنا به من ذلك بعينه وفيما فهمنا عن الله بالكتاب من تبيينه فيه لرسوله صلى الله عليه وآله (وإذا ضربتم في الارض) (54) والضرب فيها فهو المسافرة إليها (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن
ص 128 (53) النساء 101. (54) النساء 102. (55) النساء 101.
[ 129 ]
خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) (55)
فأبان في هذه الاية نفسها قصرها في السفر تبيينا ودل على أن فرضها فيه ركعتان، وأنهما عليهم كلما ضربوا في الارض ثابتتان، وقصرها في هذه الآية إنما هو تنصيفها مع الامام مجمعين جميعا معه في مقام ألا تسمع كيف يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا) (56)، يقول فإذا أتموا ركعة وسجدوها فلتأت الطائفة الاخرى التي لم تصل فلتصل معك الركعة الثانية بعدها، فكل طائفة من الطائفتين فقد قصرت صلاتها عن أن تتمها إذ لم تصل مع الرسول عليه السلام إلا بعضها، وهو القصر للصلاة في الخوف، الذي ذكره الله عنهم وهذا الذي أمرهم الله إذا صلوا خائفين أن يكون منهم، فقد قصروا من صلاتهم ما لم يكونوا يقصرون فإذا أمنوا أتموا مع الامام ركعتين ركعتين كما كانوا يتمون، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) (57). يقول سبحانه أتموا مع رسولكم إذا أمنتم ولا تقصروا، والاتمام مع الامام فهو ما أمروا به (58)، وكان صلوتهم الظهر والعصر ركعتين كما ترى في السفر وزيد عليهما فأتمت أربعا في الحضر فليس لفاجر ولا بر سافر في خير أو شر أن يزيد في صلاته في سفره ولا ينقص منها شيئا في حضر، ومن زاد على ما فرض الله عليه من الصلوة في السفر فعليه أن يعود لصلاته كما لو زاد على
ص 129 (55) النساء 101. (56) النساء 102. (57) البقرة 196. (58) ما به أمروا.
[ 130 ]
صلوته في الحضر لفسدت عليه الصلاة، فأعادها. والقضر إنما هو كما قلنا مع الامام، والركعتان في السفر، فهو أتم التمام وكذلك كان فرضها أولا في كل سفر وحضر، ثم لم يكن القصر فيهما إلا بما قلنا من القصر وليس يجوز أن يقال: قصرت الصلوة إلا على ما قلنا من القصر. ولا وجه للقصر فيها إلا من طريق ما تأولنا، وإنما يقال: في الصلوة زيد عليها ولا يقال: بشئ من القصر فيها لانه إذا قيل فيها قصرت الصلوة إلا بما ذكرنا كان كأنه خلاف لما كنا به فيها أمرنا من الركعتين اللتين كانتا في الحضر والسفر علينا لله فرضا، فزيد في صلوة الحضر وأقرت صلاة السفر وكان ذلك كله لله فرضا فما نقص من ذلك كله أو زاد لزم فيه أن يعاد. باب القول في الجمع بين الصلاتين في السفر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من حضرته الصلوة وهو في المنزل فليجمع عند الزوال إذا أراد الرحيل فليصل الظهر ثم ليصل العصر، وإن أحب أن يتطوع بينهما فليفعل فإن زالت الشمس وهو يسير فليؤخر الظهر ويمضي في سيره حتي يكون ظل كل شئ (59) مثله أو مثل نصفه إن أحب، ثم لينزل فليصل الظهر والعصر معا، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك فليفعل في المغرب والعشاء، يجمع بينهما إذا كان نازلا في المنزل حين تبين له النجوم الليلية، ولا ينظر من ذلك إلى ما بان من الدرية النهارية، وإن كان في السير سار حتى يغيب الشفق، ثم ينزل عند غيبوبته أو قبل غيبوبته فيجمع بين صلاتيه.
ص 130 (59) مثل نصفه أو مثله إن أحب.
[ 131 ]
(وحدثني أبي عن أبيه أنه قال: يجمع من أراد الجمع قبل غيبوبة الشفق وبعده). وحدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا بأس بالجمع بين الصلاتين في السفر)، وقل من صحبنا من مشايخ آل محمد عليه السلام في سفر إلا رأيناه يجمع في سفره إذا زالت الشمس بين ظهره وعصره، وكذلك يجمع بين المغرب والعشاء إذا أظلم وأغشى وهذه العامة فكلهم تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع في الحضر من غير علة ولا مطر وهم يجمعون إذا كانت الامطار ولم تكن علة ولا أسفار. باب القول فيما يصلى عليه وإليه والقول في التسليم والصلاة في بقاع الارض والقول في اللباس قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يصلى في كل شئ من اللباس ما خلا الحرير، وأكره الصلوة في الفرو إذا لم يكن معه غيره والصلوة في ثوب المشبع صبغا للرجال ولا يصلى من الثياب إلا فيما كان طاهرا نقيا من القذر والادران، قال: وأكره الصلوة في الخز لاني لا أدري ما هو ولا ما ذكاة دوابه ولا أمانة عماله وأخاف أن يكونوا يجمعون فيه الميت والحي والمتردي والذكي. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا أحب أن يسجد الساجدون إلا على ما أنبتت الارض من نباتها، وقد قيل ما جازت الصلوة فيه جاز السجود عليه وتوقي ذلك أحب إلي وأفضل عندي لان التصاق
الجبهة بحضيض الارض أوما كان منها من الحلا في (60) مثل البردى
ص 131 (60) الحلافي: شجر ينبت في الماء أسود يميل إلى البياض.
[ 132 ]
وما ينبت فيها من الكرسف والكتان وغير ذلك مما فيها من نبات الالوان. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المسوح واللبود وأشباههما فقال: أحب لكل مصل أن يضع جبهته على التراب وحضيض الارض فإن كان لابد مما يتوقى به كان مما تنبت الارض من الحلافي ومثلها من نابته الارض إلا أن يخشى ضرر الحر والبرد فيتوقى بما يوقيه، ويسجد من ذلك على ما أحب. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: في ثياب القطن والكتان ما وقا وكفا كل إنسان وإلى ذلك ذهب جدي القسم بن ابراهيم رحمة الله عليه في قوله يسجد من ذلك على ما أحب. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا أحب السجود على كور العمامة وقد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله النهي فإن خشي الساجد حرا أو بردا، ثنى طرفها ثم سجد على ماثنى منها. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن السجود على كور العمامة (61) قال: ما أحب أن يسجد على كور العمامة إلا أن يخشى ضررا من حر أو برد على نفسه، ويستحب له أن يلصق جبهته بالارض ويعفر وجهه في التراب فإنه من التذلل لله والاكبار له ويلصق أنفه إذا سجد إلصاقا خفيفا وإن لم يفعل ذلك بأنفه لم يدخل عليه نقص في صلوته ولا بأس أن يتقي بثوبه حر الارض وبردها وقد روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إذا فرغ المصلي من صلوته وأراد التسليم فليسلم عن يمينه تسليمة وعن يساره تسليمة ينوي بذلك إن كان وحده السلام على الملكين الذين ذكر الله أنهما عن يمينه وعن
ص 132 (61) في السجود على كور العمامة. وفي نسخة من نبات الارض.
[ 133 ]
شماله وذلك ما يقول الله سبحانه: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (62) وإن كان إماما نوى أن يسلم على الملكين وعلى من عن يمينه وعن شماله من المؤمنين، فأما ما يقول به غيرنا: من تسليمه واحدة عن يمينه أو التسليم أمامه فلسنا نعرف ذلك ولا نراه ولا نقول به ولا نشاؤه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل كيف التسليم من الصلوة فقال: يسلم تسليمتين تسليمه عن يمينه وتسليمة عن يساره، إماما كان أو غير إمام، ينوى بذلك الملكين إن كان وحده، وإذا كان في جماعة كان التسليم على الملكين وعلى من معه من المصلين يقول: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يصلي من بيوت الحمامات فيما يدلك فيه، واغتسل من الجنابات، وأميط فيه أدران الابدان، وما أمر بإماطته عنه كل إنسان، من الوسخ والشعر والعذرة والبول والقذر فأما ما كان من بيوتها ولا يدخله من ذلك داخل ولا يميط فيه عالم ولا جاهل، فلا بأس أن يصلي فيه المسلمون، ويتخذه مجلسا المتطهرون، وأما المقابر فلا نرى الصلوة عليها ولا بينها ولا في شئ دارس أو عامر منها وأنما كرهنا ذلك وكرهه من أسلافنا غيرنا لان حشوها
لا يخلو من أن يكون ذا بر وإيمان وطاعة لله وإحسان، أو يكون ذا فجور و عصيان وفسوق في دين الله وجحود وكفران، فمن كان لله منهم مطيعا وفي أمره سبحانه ماضيا سريعا، فهو أهل للتوقير عن الصلوة عليه والوقوف بينه وفيه ومن كان منهم لله غير خائف وكان عن الحق عادلا متجانفا وكان عليه سبحانه مجتريا وله جل جلاله غير متق فلا يجوز
ص 133 (62) ق. 17.
[ 134 ]
الصلوة عنده ولا قربة، كما لا يجوز الترحم عليه ولا له، لانه نجس عظيم وخلق عند الله غير كريم، فلذلك كرهت الصلوة بين المقابر للمسلمين، وتجنبها من تجنبها من المؤمنين، ولا نرى الصلوة على قارعة الطريق السابل الذي لا ينقطع ما روه، ولا يزال فيه أبدا سالكوه، لما في الصلوة عليه من الضرر بالمار فيه، ولا يجوز الضرر لمسلم باهل (63) الاسلام، لما في ذلك من نهي الله ورسوله، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه عز وجل: (لا تضار والدة بولدها ولا مولد له بولده) (64)، ويقول عزوجل: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) (65) ويقول عزوجل: (أو دين غير مضار) (66) وفي ذلك ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الصلوة على قارعة الطريق، وفي الحمام وبين المقابر فقال: أما بيوت الحمام الخارجة النقية التي ليس فيها قذر فلم ينه عن الصلوة فيها، وإنما كرهت الصلوة في البيوت الداخلة لقذرها، وأما المقابر فكرهت الصلوة عليها لاكرام أهلها إن كانوا مؤمنين، ولقذرهم ونجاستهم إن كانوا كافرين، وأما الصلوة على قارعة
الطريق فإنما نهي عنها لمعنى الاقذار والمضرة بالمار، وليست المضرة من أخلاق المؤمنين (67)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).
ص 134 (63) في نسخة: على أهل. (64) البقرة 233. (65) البقرة 31. (66) النساء 12. (67) وفي نسخة المسلمين.
[ 135 ]
باب القول في الصلوة في الخف والنعل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بالصلوة في الخف والنعل إذا لم يعلم أن ذابح دوابهما كافر ولم ير فيهما نجس ولا قذر فإن كان ذابحهما. كافرا حربيا أو يهوديا أو مجوسيا أو من لا يعرف الرحمن أو من لا يدين له بما افترض من الاديان فلا تجوز الصلوة في أدم ذبيحته ولا نرى أنه يحل أكلها للمسلمين ولا يجوز الانتفاع بشئ منها للمنتفعين وكذلك ما كان من الثياب قد أصابه شئ من الدم بمامثله لو كان على رأس جرح لقطر، أو أصابه شئ كثير من الخمر أو حقير أو أصابه من البول شئ يسير فلا يجوز الصلوة فيه ولا يحل للمصلي أن يصلي عليه ولا يجوز للمصلي أن يصلي في بيعة ولا كنسية لنجاسة من فيهما وأنهم ينجسونهما بوطيهم وعرقهم وأبدانهم وكفرهم لانهم لا يجوز أن يدخلوا المساجد التي يصلى فيها لقول الله عزوجل: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) (68)
فمنعهم الله من دخول المساجد لعلمه بتنجيسهم لها، وتقذيرهم اياها، فإذا قد وضح دفع الله لهم عن مواضع صلوات المسلمين، فلا يجوز أن يصلي في مواضع مجالس المشركين، لانهم نجس حيث كانوا وكل مكان دخلوه فقد تنجس لقربهم، فلذلك قلنا: لا تجوز الصلوة في آثارهم ومواطنهم ولا يجوز أن يجعل المسلم ما كان من الجدر فيه صورة له قبلة يصلي إليه إلا أن يجعل من دونه ما يستره منه بين عينيه أو يحكها أو يقلعها من الجدار من بين يديه.
ص 135 (68) التوبة 28.
[ 136 ]
باب القول في المصلي يحصي صلوته بالحصى أو الخطوط وفي الرجل يعتمد على الارض أو يحصي الآي في الصلوة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يخط الرجل عدد ما يركع في الارض أو يحصي ذلك بالحصى أو يعد الآي إذا كان يفعل ذلك تحفظا منه واستقصاء في دينه وخوف الشك والنسيان في صلوته ولا بأس بأن يعتمد الرجل على الارض أو على الجدار إذا نهض لصلوته إذا أحتاج إلى ذلك لعلة أو كبر وفي ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الاثر أنه كان يعتمد على عود كان في قبلته حين ينهض في صلوته وذلك العود اليوم فهو في قبلة مسجده بالمدينة. باب القول في الفتح على الامام في الصلوة وفي صلوة المسافر مع المقيم والمقيم مع المسافر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا حار الامام وشك في
القراءة حتى يطول شكه ويكثر تردده في طلب ما ظل من القران عن فهمه فلا بأس أن يفتح عليه بعض المؤتمين به وقد روي ذلك عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه ورضوانه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الامام يتحير في القراءة فيقف هل بفتح عليه من خلفه فقال: إذا طال تحيره فلا بأس أن يفتح عليه من خلفه، وما من فتح عليه بمخطئ، وقد روي ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يأمر بذلك. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا ينبغي للمسافر أن يدخل في صلوة الحاضر ولا بأس بأن يدخل الحاضر في صلوة المسافر، وإنما
[ 137 ]
قلنا بذلك وكان الامر فيه عندنا كذلك لانه ليس لمؤتم بإمام في صلوته أن يسلم إلا من بعد تسليم إمامه، ولا بأس أن يسلم الامام ويتم المؤتم به من بعد تسليم إمامه ما بقي عليه من صلوته ألا ترى أنه لو لحق مصل من صلوة الامام في الظهر ركعتين وجب عليه إنتظار الامام حتى يسلم ثم يتم ما بقي من صلوته من الركعتين الآخرتين وأنه لا يجوز لرجل لو قام فصلى في مسجد من ظهره ركعتين ثم جاءت جماعة قد دخلت فجمعت أن يدخل في صلوتهم فيصلي ما بقي من صلوته معهم وهو ركعتان ثم يسلم ويمضي القوم في باقي صلوتهم فلما لم يجز له ذلك كرهنا للمسافر أن يصلي مع الحاضر ثم ينصرف ويسلم قبل إنصراف الامام وتسليمه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المسافر هل يدخل في صلوة المقيمين؟ والمقيم هل يدخل في صلوة المسافرين؟ فقال: لا نرى أن
يدخل المسافر في صلوة المقيمين، لان فرضه خلاف فرضهم، وحكمه غير حكمهم في صلوته، فإذا دخل المقيم في صلوة المسافرين أتم ما بقي من صلوته إذا سلم المسافرون باب القول في صلوة كسوف الشمس والقمر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن ما سمعنا في صلوة الكسوف عشر ركعات في أربع سجدات وتفسير ذلك أن يقوم الامام ويصطف المصلون ورائه فيكبر ويقرأ بالحمد وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات ثم يركع ثم يرفع رأسه، فيقرأ بالحمد وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات ثم يركع ثم يرفع رأسه، ويعود لمثل ما قرأ أولا، ثم يركع حتى يستوفي خمس ركعات، يقرأ بين كل ركعتين بما ذكرت لك، ثم يسجد بعد خمس ركعات سجدتين، ثم
[ 138 ]
يقوم فيقر أو يركع، ثم يقرأ ويركع، حتى يركع خمسا أخر يقرأ بين كل ركعتين منهن ما قرأ أولا في الركعات الاولات، ثم يسجد سجدتين ثم يتشهد ثم يسلم ثم يثبت مكانه ويكثر من الاستغفار والدعاء والتهليل والتكبير ويسمع من ورائه ولا يجهر بذلك جهرا شديدا ويدعو بما حضره لنفسه وللمسلمين ويسأل الله إتمام المحبوب من النعم وصرف المكروه من جميع النقم ثم ينصرف. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هذا الذي ذكرنا من القراءة في صلوة الكسوف لم يذكر عن أحد ولكني أنا استحسنته وتخيرته، وأما عدد الركعات فقد ذكر. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن صلوة الكسوف؟ فقال قد اختلف في ذلك وكل جايز، فقد ذكر عن
النبي صلى الله عليه وآله: أنه صلى ست ركعات في أربع سجدات وذكر غير ذلك، ولم يصح لنا ذلك عنه، وذكر عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه صلى في صلوة الكسوف عشر ركعات في أربع سجدات رواية صحيحة عنه، ولم يفعل ذلك صلى الله عليه إلا بيقين أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وآله. باب القول في صلوة الاستسقاء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الذي اختار وأحب في صلوة الاستسقاء أن يخرج المسلمون الذين هم في البلد الذي أصابه الجدب إلى ساحة بلدهم فيجتمعون ثم يتقدم إمامهم فيصلى بهم أربع ركعات يسلم في كل اثنتين وتكون قرائته في كل ركعة سورة الحمد وإذا جاء نصر الله والفتح وبهذه الآيات الثلاث من سورة الفرقان أولهن: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء
[ 139 ]
طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (69) وبآخر سورة الحشر من قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) (70) إلى آخر السورة، فإذا صلى أربع ركعات، وقرأ في كل ركعة بما سمينا من الآيات، استغفر الله واستغفره المسلون، وجأروا بالدعاء ومسألة الرحمة والمغفرة، وأحدثوا لله توبة وسألوا القبول لتوبتهم، والغفران لما تقدم من خطاياهم ثم قال إمامهم: اللهم إياك دعونا، وقصدنا، ومنك طلبنا، وبرحمتك تعرضنا، وأنت إلهنا وسيدنا وخالقنا وراحمنا فلا يخيب عندك دعاءنا، ولا تقطع منك رجاءنا،
إنك أرحم الراحمين. ثم يقلب شق ردائه الذي على منكبه الايمن فيجعله على منكبه الايسر ويقلب الشق الذي على منكبه الايسر فيجعله على منكبه الايمن ثم ينصرف وينصرف معه الناس إلى منازلهم ويقرأ في طريقه وانصرافه بياسين حتى يختمها، ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، ثم يقرأ آخر آية من البقرة. باب القول في صلوة العيدين والعمل فيهما قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب على الامام إذا كان يوم الفطر أن يخرج إلى ساحة بلده، أو إلى جانب منه فيصلي بالناس ركعتين، يقرأ في الركعة الاولى بالحمد وسورة معها من مفصل القرآن، ثم يكبر سبع تكبيرات يقول: في كل تكبيرة الله أكبر كبيرا،
ص 139 (69) الفرقان 48. (70) الحشر - 20.
[ 140 ]
والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا حتى يقول ذلك سبع مرات، ثم يركع بالثامنة، ثم يقول ثم يسجد سجدتين ثم يعود فيقوم فيقرأ الحمد وسورة، ثم يكبر خمسا على مثال ما كبر أولا، ثم يركع (71) ثم يرفع رأسه ثم يسجد سجدتين، ثم يتشهد ويسلم، ثم يكبر في دبر صلوته ثلاث تكبيرات ثم ينهض، ويعلو راحلته أو منبرة فيخطب الناس ويكبر قبل أن يتكلم بالخطبة تسع تكبيرات، ويكبر بعد الفراغ منها سبع تكبيرات ويحضهم على إخراج فطرتهم ويعلمهم أنها سنة من نبيهم وأنها لازمة لهم وأنها واجبة عليهم ويأمرهم بأدائها عن جميع عيالهم حرهم
ومملوكهم صغيرهم وكبيرهم ويذكر لهم كم هي وكم يجب على كل انسان منها وهي صاع من تمر، أو ذرة، أو الشعير، أو زبيب أو صاع من بر. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يخرج كل قوم مما يأكلونه وعلى عيالهم ينفقونه، وكذلك إن كان عدسا أو حمصا أو إقطا أو لوبيا بعد أن يكون أهل ذلك المنزل يأكلونه ويستنفقونه وليس عليهم تكلف ما لا يجدون ولا إخراج من غير يستنفقون لان الله سبحانه وتعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (72)، (وإلا ما آتاها) (73)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في الوصية بالمماليك (الله الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم (74) مما تلبسون) وأمر صلى الله عليه وآله أن تطعم المماليك مما يأكل أربابهم فلذلك قلنا: يجب أن يكون زكوته مما ينفقه على نفسه، فإذا فرغ الامام
ص 140 (71) في نسخة: ثم يركع بسادسة. (72) البقرة 286. (73) الطلاق 7. (74) في نسخة وأكسوهم.
[ 141 ]
من الخطبة جلس جلسة خفيفة ثم عاد فخطب الخطبة الاخرى التي يمجد (75) الله فيها ربه العلي الاعلى ثم يكبر سبعا وينزل فينصرف يمن معه من المسلمين. وإذا خرج لصلوة عيد الاضحى صلى قبل خطبته كما فعل في صلوة الفطرة بلا أذان ولا إقامة وكذلك صلوة الفطر بلا أذان ولا إقامة فيكبر في الركعتين لعيد الاضحى كما كبر في الركعتين في الفطر
سبعا وخمسا، ثم يعلو راحلته أو منبره فيكبر تسعا، ثم يبتدي الخطبة فيخطب الناس ويفصل بين كلامه بالتكبير فيقول: الله أكبر الله أكبر لا اله إلا الله والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا على ما أعطانا وأولانا وأحل لنا من بهيمة الانعام ثم يعود إلى حيث بلغ من خطبته فيتكلم ثم يوشك أن يكبر ثم يعود إلى الكلام حتى يكبر في خطبته ثلاث مرات فإذا فرغ منها جلس جلسة خفيفة ثم قام قخطب بالخطبة الثانية ثم كبر سبعا ونزل. باب القول فيما يعمل الامام في الحج وكيف يصلي؟ وكم يصلي؟ وأين يخطب؟ وما يقول في خطبته؟ قال يحيى بن الحيسين صلوات الله عليه: ينبغي للامام أن يخطب الناس بمكة قبل التروية بيوم، فيفهمهم (76) مناسكهم ويعلمهم بيوم حجهم، ويشرح لهم ما يكره من العيوب في ضحاياهم، ويأمرهم بما يفعلون في جميع مناسكهم وسننهم وسبلهم وإحرامهم، ثم يخطبهم يوم عرفة، ويأمرهم وينهاهم، ويبصرهم بما يجب أن يبصرهم، سمعه من سمعه، وقصر كلامه عمن قصر، ويفصل بين كلامه في الخطب بالتلبية، فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
ص 141 (75) في نسخة: يمجد الله. (76) في نسخة: فيفقههم.
[ 142 ]
والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك، ثم يعود إلى موضعه من خطبته ثم يوشك أن يلبي ثم يعود إلى الخطبة ثم يلبي ثم يعود إلى الخطبة ثم يلبي حتى يلبي ثلاثا أو خمسا أو سبعا على قدر الخطبة طولها وقصرها.
باب القول في اجتماع العيد والجمعة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا اجتمع العيد والجمعة فمن شاء حضر الجمعة ومن شاء اجتزى عن حضورها بصلوة العيد وخطبته، كذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه اجتمع على عهده عيدان فصلى بالناس صلوة العيد، وخطبهم ثم قال: (من شاء فليأت الجمعة ومن شاء فلا يأتي) قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ومن اغتسل لصلوة العيد الذي اجتمعت معه الجمعة ونوى أنه اغتسل للعيد والجمعة، أجزاه ذلك عن الغسل يوم الجمعة، والغسل في يوم الجمعة فليس بفرض واجب، وإنما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه، لانهمم كانوا يكونون في مكاسبهم وأعمالهم فيصيبهم الغبار والتراب، ويتراكم عليهم العرق، ثم يأتي وقت الصلوة يوم الجمعة فيحضرون للصلوة وهم على تلك الحال، فيزدحمون فتثور منهم رائحة ذلك الغبار مع العرق، فيتأذى بعضهم من بعض، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالغسل يوم الجمعة ففعلوا، فذهبت تلك الرائحة وأما طوا بالماء ما كان يعلوهم منها. قال يحيى بن الحسين رحمة الله عليه: الجمعة واجبة على كل مسلم إلا على الصبي والمرأة، والعبد المملوك، والمريض ومن أطاق إتيانها من هؤلاء كلهم فأتاها فذلك حسن وليس هو عليه بواجب والتستر
[ 143 ]
للنساء أصلح الامور. ولزوم البيوت أعظم لاجرهن، (حدثني أبي عن أبيه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله) أنه قال: (النساء عي
وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت). باب القول فيمن لم يجد ماء هل يجوز له أن يتيمم ويؤم المتوضين أم لا؟ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجوز أن يؤم المتيمم المتطهرين بالماء، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا يؤم المتيمم المتوضي بالماء) وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: لا يؤم متيمم متوضين. باب القول في صلوة العريان بذوي اللباس وصلوة القاعد بالقيام من الناس قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يؤمن عريان لابسا ولا قاعد قايما وذلك لما جعل الله من الفضل في ستر العورة للمستترين وما جعل من الفضل للمصلي قائما على المصلى قاعدا، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لاصحابه: وقد خرج عليهم يوما وبهم وهن المرض وهم يصلون قعدوا فقال: (صلوة القاعد نصف صلوة القائم). باب القول في الترغيب في صلوة الليل تطوعا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحب لمن قدر وقوي وصح جسمه وشفي أن لا يدع أن يصلي في آخر الليل ثماني ركعات مثنى مثنى يقرأ في كل ركعة بما تيسر له من القرآن فإن في ذلك فضلا
[ 144 ]
عظيما، وخيرا كثيرا في الدنيا والآخرة، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من صلى ثماني ركعات في الليل
سوى الوتر يداوم عليهن حتى يلقى الله بهن فتح الله عليه اثنى عشر بابا من الجنة)، وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (ركعتان في نصف الليل الآخر أفضل من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي لفرضتهما عليهم). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ما: أحب لمن قوي على ذلك أن يدعه ولو على ظهر راحلته يؤمئ إيماء يكون سجوده أخفض من ركوعه، إن كان في محمل حول وجهه نحو القبلة وإن كان على راحلته صلى حيث توجهت راحلته، فأما إذا جاءت الفريضة فالارض الارض إلا من بلاء عظيم. وخوف مانع جسيم فإذا كان ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها كما قال تبارك وتعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (77) يريد تبارك وتعالى بقوله وسعها طاقتها وما تستطيعه من أمورها وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يتطوع على ظهر راحلته حيثما توجهت به. باب القول في صلوة الامام صلوة العيد والجمعة في السفر وتكبير العيدين قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا سافر الامام والمسلون معه فأدركتهم الجمعة أو أحد العيدين الفطر أو الاضحى في قرية من قرى المسلمين فليجمع وليصل وليخطب بالمسلمين، يصلي
ص 144 (77) البقرة 286.
[ 145 ]
الجمعة ركعتين وكذلك أقول: أنه يجب على أهل القرى والمناهل إذا
كان في القرية منهم جماعة ومسجد يجمع فيه، إن الجمعة تجب عليهم وإنه ينبغي لهم أن يختاروا لانفسهم إماما يخطب بهم ويصلي بهم، وإنما أرى ذلك لهم وأوجبه عليهم إذا كان إمامهم الذي يدعون له في خطبتهم ويذكروه إماما عادلا محقا ممن تجوز له الامامة، لان الله عزوجل قد أمر الناس جميعا ولم يستثن منهم أحدا بالسعي إلى صلوة الجمعة فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (78) فأما تكبير عيد الفطر فهو من حين يخرج الامام إلى أن يبتدي الخطبة، وأما التكبير في عيد الاضحى فمن صلوة الصبح يوم عرفة إلى صلوة العصر من آخر أيام التشريق، وهو يوم النفر الاكبر، كذلك بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يفعل ذلك. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن التكبير فقال: من صلوة الصبح يوم عرفة إلى صلوة العصر من آخر أيام التشريق. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: والتكبير؟ فهو في دبر كل صلوة فريضة أو نافلة وهو أن يقول المكبر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا. باب القول في الرجلين ينوي كل واحد منهما أن يؤم بصاحبه وصاحبه لا يعلم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أصطف رجلان جاهلان بمقام الامام فصلى كل واحد منهما وهو ينوي أنه إمام لصاحبه
ص 145 (78) الجمعة 19.
[ 146 ]
فصلوتهما تامة وإن كان كل واحد منهما لم ينو أن يأتم بصاحبه فصلوتهما
تامة أيضا وإنما قلنا ذلك لانا وجدنا كل واحد منهما مصليا لنفسه غير مؤتم بصاحبه فلذلك قلنا إن صلاتهما تامة، فإن كان كل واحد منهما مؤتما بصاحبه معتقدا لصلاة صاحبه فقد جعله في نفسه له إماما، ونوى الاقتداء به في القعود والركوع والسجود والقيام، وكلاهما لا يعلم أن صاحبه به مؤتم فصلاتهما باطلة لانهما لم يصليا لانفسهما ولم يصل واحد منهما بصاحبه، وكانت نية كل واحد منهما أنه تابع متكل على أخيه وأخوه لا يعلم فلذلك قلنا إن صلاتهما لم تتم ولو أن رجلا كان قد صلى الظهر فدخل الامام فصلى في جماعة فقام الرجل الذي قد صلى فوقف معهم يصلي تطوعا فحدث بالامام حدث نقض طهوره فاجتذب ذلك الرجل الذي قد صلى من ورائه فأوقفه مكانه، وهو لا يعلم بأن صلوة ذلك كانت تطوعا فأتم بهم صلوتهم كانت صلوتهم باطلة، لانهم ائتموا في فريضتهم بمن يصلي تطوعا، ولا يؤم في الفريضة إلا من يصليها فأما من صلى غيرها فلا يؤمن غيره فيها، فيجب عليهم أن يقدموا غيره إذا علموا ويعيدوها ولا يعتدوا بما صلوا منها.
[ 147 ]
كتاب الجنائز
[ 149 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب الجنائز قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي لمن حضرته الوفاة أن يوصي ويشهد على وصيته ويكون أول ما يشهد عليه ويلفظ به ما يدين الله به من شهادة الحق ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم هذى
ما أوصى به فلان بن فلان أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله أرسله بالهدى وبدين الحق، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، اللهم أني أشهدك وكفى بك شهيدا، وأشهد حملة عرشك وأهل سماواتك وأرضك، ومن خلقت وفطرت وصورت وقدرت بانك الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، أقوله مع من يقوله، وأكفيه من أبى قبوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم من شهد على مثل ما شهدت عليه فاكتب شهادته مع شهادتي ومن أبى فاكتب شهادتي مكان شهادته، واجعل لي به عهدا توفينه يوم ألقاك فردا إنك لا تخلف الميعاد وهذا الكلام فهو شبيه بوصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم يفرش فراشه مستقبل القبلة ثم يقول: اللهم بارك لي في الموت وفيما بعد الموت وهون علي خروج نفسي وسهل علي عسير
[ 150 ]
أمري بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ثم يوصي بما أحب من وصيته ولا يجاوز ثلث ماله إلا بإذن ورثته ثم يشهد على وصيته شهودا ويدفعها إلى ثقة لينفذها بعد وفاته. باب القول في توجيه الميت إلى القبلة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن التوجيه إلى القبلة، وأفضله عندي وأعد له أن يلقى الميت عند موته وعند غسله على ظهره، ويستقبل بوجهه القبلة تصف قدماه مستقبل القبلة ليعتدل وجهه
مستقبلا لها بكليته. ولا ينبغي ولا يجوز ولا يحل الصياح عليه ولا الصراخ، ولا لطم الوجه ولا خمشه، ولا شق الجيب، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنه نهى عن ذلك أشد النهي فقال صلى الله عليه وآله: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب) قال: وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (صوتان ملعونان فاجران في الدنيا والآخرة، صوت عند مصيبة وشق جيب وخمش وجه ورنة شيطان وصوت عند نعمة صوت لهو ومزامير شيطان). باب القول في ثواب غسل الميت وتعجيل دفنه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (أيما امرء مسلم غسل أخاه المسلم فلم يقذره، ولم ينظر إلى عورته ولم يذكر منه سوءا ثم شيعه وصلى عليه، ثم جلس حتى يدلى في قبره خرج عطلا من ذنوبه). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا ينبغي لمن مات في أول
[ 151 ]
النهار أن يبيت إلا في قبره، ومن مات في أول الليل أحببنا له أن لا يصبح الا في قبره إلا أن يضر ذلك بأهله، الا أن يكون غريقا أو صاحب هدم، أو مبرسما، فإننا نحب التأني بهم، وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريب من ذلك. باب القول في غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وكفنه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لما أخذت في غسل رسول الله صلى الله عليه وآله سمعت مناديا ينادي من جانب البيت لا تخلعوا القميص، قال: فغسلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه القميص فلقد رأيتني أغسله وإن يد غيري لتردد عليه، وإني لاعان على تقليبه، ولقد أردت أن أكبه فنوديت أن لا تكبه، وبلغنا عنه أنه قال: كفنت رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة أثواب: ثوبين يمانيين احدهما سحق والثاني قميص كان يتجمل به. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ويستحب لغاسل الميت أن يغتسل وكذلك بلغنا عن علي عليه السلام، حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن غاسل الميت هل يغتسل؟ قال نعم يغتسل غاسل الميت وهو قول علي عليه السلام وغيره من الصحابة والتابعين. باب القول فيمن مات في السفر ومعه ذو محرم والقول في الرجل وامرأته يموت احدهما في السفر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا مات الرجل بين النساء، أو ماتت امرأة بين الرجال، وكان مع الميت منهما محرم أزره ثم
[ 152 ]
سكب عليه الماء سكبا، وغسل بدنه بيديه ولم يمس العورة ولم يدن منها وسكب الماء عليها سكبا، قال: وكذلك الرجل إذا مات في السفر ومعه زوجته أو ماتت المرأة ومعها زوجها. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يغسل الرجل امرأته وتغسل المرأة زو جها. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويتقيان النظر إلى
العورة، وقد غسل علي عليه السلام فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وعليها. حدثني أبي عن أبيه في الرجل تموت ابنته في السفر وليس معها نساء فقال: يغسلها ويتجنب النظر إلى العورة. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الرجل هل يغسل زوجته؟ والمرأة هل تغسل زوجها؟ فقال: لا بأس بذلك لان عليا عليه السلام غسل فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وعلى الاخيار من آلهما. باب القول في المرأة تموت في السفر وليس معها محرم ولا يوجد لها من يغسلها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا ماتت المرأة مع الرجال ولا محرم لها فيهم يممت إلا أن يكون الماء ينقيها فيسكب الماء عليها سكبا ولا يكشف لها يد ولا رجل ولا شعر، وإذا مات الرجل مع النساء سكبن الماء عليه سكبا. باب القول في العمل بالشهيد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الشهيد إذا مات في المعركة دفن في ثيابه التي مات فيها، إلا أن يكون خفا أو منطقة أو فروا، فإنه يقلع عنه أو سراويل فإن ذلك يقلع عنه، إلا أن يصيبه دمه فيدفن
ص 152 قال الامام محمد بن يحيى وأوصى أبو بكر أن تغسله أسماء ابنة عميس فغسلته تمت.
[ 153 ]
معه، ولا يغسل إذا مات في المعركة وإن حول من المعركة التي أصيب فيها وفيه شئ من الحياة فعل به كما يفعل بالموتى وغسل وكفن وصلي عليه ودفن، وكذلك يصلى عليه إذا مات في المعركة لان الشهيد أحق بالصلاة والتزكية، وأهل بالاستغفار والبركة.
حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الشهيد هل يغسل؟ فقال: الشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل وأن نقل وفيه حياة ثم مات غسل وعمل به كما يعمل بالاموات، حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الشهيد هل يصلى عليه أم لا يصلى عليه؟ فقال: الشهيد يصلى عليه لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على عمه حمزة رضي الله عنه وكبر عليه سبعين تكبيرة يرفع قوم ويوضع آخرون وحمزة موضوع مكانه يكبر عليه وعلى من استشهد يوم أحد. ومن لم ير الصلاة على الشهيد كان مبتدعا ضالا، ومن أحق بالصلاة والترحم عليه من الشهيد. باب القول في الصلاة على المولود والمحترق بالنار والغريق والمرجوم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا استهل المولود صلي عليه وفعل به كما يفعل بالموتى وورث وورث وسمي، فإن لم يستهل لم يجب له من ذلك شئ، واستهلاله صياحه فإذا شهد على ذلك أربع نسوة أو امرأتان تقيتان مؤمنتان كان أمره وحكمه حكم المستهل. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إذا احترق المحترق بالنار صب عليه الماء صبا ولم يدلك جلده دلكا لما يخشى عليه من تزلعه وتقطعه، وأما الغرقى فيغسلون كما يغسل الموتى ويصلى عليهم ويحنطون ويفعل بهم كما يفعل المسلون بموتاهم، وأما المرجوم فان كان معترفا وعلى نفسه مقرا فلا اختلاف عند الامة في غسله وتكفينه
[ 154 ]
والصلاة عليه، وأما المرجوم بالبينة فان سمع منه استغفارا وتوبة أستغفر له إذا صلى على جنازته وإلا فصلى عليه على طريق المداراة إن احتيج
إلى ذلك فيه، وإن لم يحتج إلى مداراة في أمره لم يصل عليه ويجتنب الاستغفار له إذا كان قد مات على خطيته ولم يتب منها إلى ربه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المرجوم هل يصلى عليه؟ فقال: أما المقر التايب فلا اختلاف في الصلاة عليه ويكفن ويفعل به كما يفعل بموتى المسلمين كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أمر بما عزبن مالك الاسلمي لما رجم، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في مرجومة رجمت من همذان فأمر بها أن تكفن وتغسل ويصلى عليها وأما المرجوم بالبينة فمنهم من قال: يصلى عليه ومنهم من قال: لا يصلى عليه لان الصلاة ترحم واستغفار ومن أتي كبيرة مما يوجب له بها النار لم يصلى عليه لانه ملعون إذا كان غير تايب يلعن كما ذكر عن الحسين بن علي عليه السلام ودعائه على سعيد بن العاص حين مات، وقد قال: الله تبارك وتعالى في المخلفين: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (1). حدثني أبي عن أبيه في الغريق يغسل؟ قال يغسل الغريق كما يغسل غيره، حدثني أبي عن أبيه في السقط يصلى عليه؟ قال: لا يصلى عليه ألا أن يكون قد استهل فيصلى عليه. باب القول في الصلاة على ولد الزنا والاغلف قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يصلى على ولد الزنا كما يصلى على غيره ويستغفر له إذا علم صلاحه لانه لا يضر فسق والديه إذا
ص 154 (1) التوبة 84.
[ 155 ]
كان مؤمنا، وأما الاغلف فان كان ترك الاختتان استخفافا بسنة رسول الله
صلى الله عليه وآله واطراحا لما أوجب الله عليه من ذلك لم يصل عليه وإن كان ترك ذلك لعلة من خوف على نفسه، أو ما يعذر به عند ربه صلى عليه كما يصلى على غيره، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا من أهل الكتاب أسلم وهو شاب وكان أغلف، فقال له: صلى الله عليه وآله أختتن فقال: أخاف على نفسي فقال له: إن خفت على نفسك فكف ثم أهدى إليه فأكل من هديته ومات فصلى عليه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الصلاة على ولد الزنا؟ فقال: يصلى على ولد الزنا كما يصلى على غيره لانه ليس من فعل أبويه في شئ. باب القول في حمل الجنازة وتشييعها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يبدأ بميامن السرير فيحمله بها حامله، ثم بمؤخر ميامنه فيحمله بها حامله، ثم يدور فيحمل بمقدم مياسره، ثم يحمله بمؤخر مياسره. وينبغي لمن صحب الجنازة أن يمشي خلفها ولا يمشي أمامها لانه تابع غير متبوع. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن حمل الجنازة بأي جوانب السرير يبدأ؟ فقال: بميامنها ثم يدور بها إن شاء في كل جانب فأي ذلك فعل لم يضيق عليه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المشي أمام الجنازة فقال: ذكر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام المشي خلفها وأنه قال إنما أنت تابع ولست بمتبوع، وهو أحب ما في ذلك إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا من تقدمها لحملها.
[ 156 ]
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: أكره للنساء اتباع الجنازة فان كان لابد فليتنحين وليكن بمعزل عن الرجال، ولا يرفعن بالبكاء صوتا، ولا يبدين لهن وجها، فإذا دفن انصرفن إلى منازلهن، ولا أحب لهن زيارة القبور. حدثني أبي عن أبيه في خروج النساء مع الجنازة وهل تزور المرأة القبور. فقال: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله الكراهية لذلك، وأرجوا أن لا يكون باتباع المرأة للجنازة بأس إذا تنحت عن الرجال ومخالطتهم، واستترت بما يسترها من الثياب، وأكره للمرأة أن تزور القبور. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: لا أرى أنه يجوز هذا الذي يفعل الناس من الصياح على الجنازة في موت الميت والنعي له في الاسواق والطرق ولكنن يؤذنون به من أرادوا الايذان بالرسل من أولياء الميت. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكراهية فيه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الايذان في الجنازة، فقال: ما أحب أن يصرخ به وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنه نهى عن النعي وقال: (إنه من فعل أهل الجاهلية) ولا بأس بالايذان بل ذلك حسن أن يؤذن به أصحابه واخوانه ومعارفه وأقاربه. باب القول في جعل المسك في الحنوط وكم يكون كفن الميت من ثوب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس أن يكون حنوط الميت شئ من المسك، ولقد كرهه قوم ولسنا نكرهه لما جاء فيه من الاثر أنه كان في حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله وفي حنوط
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وأما الكفن فعل قدر
[ 157 ]
ما يحب أصحابه ويمكن، إن كان سبعة فحسن، وإن كان خمسة فحسن وإن كان ثلاثة فحسن. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في ثلاثة أثواب، فإن لم يكن غير واحد أجزأ، وقد كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه الحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في بردة خيبرية إذا غطى بها رأسه انكشف رجلاه، وإذا غطى بها رجليه أنكشف رأسه، فغطى بها رأسه وجعل على رجليه شيئا من نبات الارض. ومن كفن في ثلاثة أزر بواحد ولف في أثنين لفا، ومن كفن في خمسة أثواب ألبس قميصا وعمم بعمامة وأدرج في ثلاثة، ومن كفن في سبعة أثواب ألبس قميصا وعمم بعمامة وأزر بميزر وأدرج في أربعة. وإن كانت أمرأة جعل بدل العمامة خمار يعصب به رأسها عصبا. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن المسك في الحنوط، فقال: رأيت آل محمد عليهم السلام منهم من يكرهه ومنهم من لا يرى به بأسا وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل في حنوطه مسك وذكر عن علي عليه السلام أنه أمر أن يجعل في حنوطه مسك كان فضل من حنوط النبي صلى الله عليه وآله. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل في كم يكفن الرجل والمرأة والصبي؟ فقال: يكفن الرجل في ثوب واحد إذا لم يوجد غيره وفي ثلاثة أثواب إذا وجدت، وقد كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة أثواب وقد كفن رسول الله صلى الله عليه وآله عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في بردة خيبرية وهي الشملة. وتكفن المرأة على
قدر ما يمكن من السعة والجدة، من ثوب أو ثوبين أو ثلاثة، وتخمر المرأة بخمار يعصب على رأسها عصبا. وسئل عن شعر المرأة الميتة هل يمشط أو يفتل؟ فقال: يضم بعضه ألى بعض ولا يضم برباط من غيره.
[ 158 ]
باب القول في التكبير على الجنايز وكم هو وما يقال في كل تكبيرة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله على أن التكبير على الجنايز خمس تكبيرات وذكر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يكبر خمسا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس يضيق على المصلي ما قال في صلاته ولا ما دعا به في تكبيره، بعد أن يصلي على الانبياء والمرسلين، ويدعو للميت ويستغفر له، وقد يستحب له أن يقول في الاولة بعد أن يكبر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شئ قدير. ثم يقرأ الحمد، ثم يكبر ثم يقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك وعلى أهل بيته الطيبين الاخيار الصادقين الابرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ثم يقرأ قل هو الله أحد، ثم يكبر ثم يقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، اللهم شرف بنيائهم وعظم أمرهم، اللهم صل على أنبيائك المرسلين، اللهم أحسن جزائهم، وأكرم عندك مثواهم، وارفع عندك درجاتهم، اللهم شفع محمدا في أمته واجعلنا ممن تشفعه فيه برحمتك، اللهم اجعلنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته،
واجعل موئلنا إلى جنته ثم يقرأ قل أعوذ برب الفلق ثم يكبر ثم يقول: سبحان من سبحت له السموات والارضون سبحان ربنا الاعلى سبحانه وتعالى، اللهم إن هذا عبدك وإبن عبديك وقد صار إليك وقد أتينا معه متشفعين له سائلين له المغفرة، فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته، وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله أللهم وسع عليه قبره وأفسح
[ 159 ]
له أمره وأذقه رحمتك وعفوك يا أكرم الاكرمين، اللهم أرزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتننا بعده واجعل خير أعمالنا أخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، ثم يكبر ثم يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وهذا الدعاء فإنما يجب أن يدعى به للمؤمنين الصالحين المتقين، فأما الفسقة الخاينون الظلمة المخالفون فلا يجوز ذلك فيهم، ولا نحب لهم بل يبرأ إلى الله تعالى منهم ويسأله الاخزاء لهم وتجديد العذاب عليهم. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن التكبير على الجنايز كم هو؟ وبماذا يدعا في كل تكبيرة وهل يرفع يديه في كل تكبيرة أم لا؟ فقال: أما التكبير على الجنايز عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله فخمس تكبيرات، وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كبر على النجاشي خمسا ورفع يديه في أول تكبيرة. وبعد ذلك يسكن أطرافه كتسكينها في الصلاة ويقرأ في التكبيرة الاولى بفاتحة الكتاب ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله وفي الثانية يدعوا للمرسلين والمسلمين، ثم يدعوا فيما بقي للميت بما تيسر وحضر من الدعاء ولا يترك الدعاء للميت إن كان من الاولياء.
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ومن فاته شئ من التكبير على الجنازة أتم تكبيره عند إنصراف الناس وقبل أن يرفع الميت، قال: ومن خشي أن تفوته الصلاة على الجنازة تيمم وصلى. حدثني أبي عن أبيه في رجل خشي أن تفوته الصلاة على الجنازة وهو على غير وضوء قال: يتيمم إذا خاف فوات الصلاة عليها.
[ 160 ]
باب القول في ذمية تموت وفي بطنها ولد مسلم، وفي تعزية أهل الذمة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بتعزيتهم إذا لم يدع لهم ولم يثن على ميتهم وقيل لهم في ذلك قول حسن، ولا ينبغي أن تشهد جنائزهم لان الله سبحانه قد نهى عن الصلاة والقيام على قبور إخوانهم المنافقين فقال: لنبيه صلى الله عليه وآله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (2) وأما الذمية التي في بطنها ولد لمسلم فإذا ماتت كذلك دفنت في مقابر أهل ملتها، ولم ينظر إلى ما في بطنها من ولدها، لانه لم ينفصل ولم يخرج من بطنها فيكون أحكامه أحكام غيرها. قال: ولو أن كافرا شهد بشهادة الحق مرة واحدة قبل خروج نفسه لكان حكمه في التكفين والدفن والصلاة والغسل حكم المسلمين لانه قد خرج بما شهد به من حد المشركين وصار بإذن الله بإقراره. من المؤمنين. حدثني أبي عن أبيه في اليهودية والنصرانية تموت وفي بطنها ولد من مسلم قال: يدفن في مقابر أهل دينها إذا لم ينفصل الولد من بطنها. وحدثني أبي عن أبيه في الكافر يشهد شهادة الحق عند ما يحضره
الموت مرة واحدة من يدفنه وأين يدفن؟ قال: حاله في الصلاة عليه والتكفين حال المسلمين. باب القول في اللحد والضرح قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الواجب على أمة محمد صلى الله عليه وآله أن تلحد لموتاها لحدا في جوانب القبور، إلا
ص 160 (2) التوبة 84.
[ 161 ]
أن تكون القبور في موضع منهار لا يطاق فيه اللحد ولا يتهيأ ولا يمكن فيضرح له من بعد إبلاء العذر والجهد، مثل أهل مكة وما شابهها من البلاد وفي ذلك ما بلغنا أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قال القول ما ترون أين يدفن النبي صلى الله عليه وآله؟ فقال علي عليه السلام: إن شئتم حدثتكم قالوا: حدثنا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لعن الله اليهود والنصارى كما اتخذوا قبور أنبيائكم مساجد إنه لم يقبض نبي إلا دفن في مكانه الذي قبض فيه ". فلما خرجت من فيه نحوا فراشه ثم حفروا موضع الفراش فلما فرغوا قالوا: ما ترى أنلحد أم نضرح؟ قال على عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (اللحد لنا والضرح لغيرنا فلحدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله). حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن اللحد والضرح؟ فقال: لحد للنبي صلى الله عليه وآله لحدا واللحد أحب إلينا لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اللحد لنا والضرح لغيرنا). أي لاهل الجاهلية من قريش ومن تابعهم من مشركي العرب.
باب القول في الفرش للميت في قبره وتجصيص القبور وتزويقها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا أحب أن يبسط للميت شئ في قبره ولا يدخل معه سوى أكفانه غيرها، فأما تزويق القبور فلا نحبه لان الميت أذا مات فقد ذهبت عنه الزينة وغيرها، ومن ذهبت عنه الزينة في نفسه فالزينة أبعد من بيته وقبره، فأما تحديدها بنصب الحجارة من حولها وطرح الرضراض فوقها لتعرف من غيرها فلا بأس بذلك فيها،
[ 162 ]
وكذلك التطيين فلا بأس بتطيينها لتبقى معالمها لمن أحب بقائها في أهلها. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل هل يبسط للميت ثوب أو لبد فقال: لا يوضع الميت بعد تكفينه في قبره إلا على حضيض الارض في لحده. وحدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن تطيين القبور وتجصيصها وإدخال الآجر فيها فقال أما الآجر فيكره إدخاله فيها وكذلك التجصيص إيضا يكره ولا بأس بالتطيين. باب القول في دفن الجماعة في القبر الواحد عند الضرورة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا وضع الميت على شفير قبره أستل من نحو رأسه أستلالا، ويحرف إلى القبلة تحريفا حسنا، ويوسد بعد قبره إما ترابا وإما نشزا من اللحد يعمل له، ولا يوسد في قبره شيئا سوى بعض لحده. قال: وأن أضطر الناس في دفن جماعة في قبر واحد حجز بينهم
بحواجزه من تراب أو حجارة أو لبن. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الميت من أين يدخل قبره فقال: يؤخذ الميت إذا أدخل قبره من منكبيه وصدره ويوجه القبلة ويدخل من قبل رجليه يسل سلا. حدثني أبي عن أبيه في الرجلين والثلاثه إذا دفنوا في قبر واحد كيف يدفنون فقال: لا يدفنون في قبر واحد ما وجد من ذلك بد وأن دفنوا ضرورة حجز بينهم بحاجز من الارض والتراب، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد أن يدفنوا أثنين أثنين وثلاثة ثلاثة في قبر واحد، وذلك أن أصحابه كثرت فيهم الجراحات.
[ 163 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من حثا على قبر أخيه ثلاث حثيات من تراب كفر الله عنه من ذنوبه ذنوب عام). وبلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا حثا على ميت قال: (اللهم إيمانا بك وتصديقا برسلك وأيقانا ببعثك هذى ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله). ثم قال: (من فعل ذلك كان له بكل ذرة من تراب حسنة). باب القول فيمن لم يوجد له كفن وفي الجنايز يجتمع الرجال والنساء والصبيان والعبيد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا لم يوجد للميت كفن بحيلة ولا سبب ووري بما أمكن من نبات الارض فإن لم يكن نبات دفن على قدر ما يمكن، لان الله تبارك وتعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها) (3). قال: وإذا اجتمعت الجنائز قدم الرجال الاحرار فوضعوا أمام الامام، ثم يوضع الصبيان الاحرار الذكور من ورائهم ثم يجعل رجال المماليك من وراء الصبيان، ثم يجعل النساء الحراير من وراء العبيد ثم يجعل الاماء من وراء النساء الحراير ثم يكبر الامام عليهم كلهم معا كما يكبر على الواحد خمس تكبيرات وينوي بذلك الصلاة عليهم كلهم. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الميت لا يوجد له كفن فقال: يوارى بما قدر عليه من نبات الارض وإن لم يوجد ذلك دفن دفنا على ما يمكن من دفنه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن جنايز يجتمع رجال ونساء وعبيد
ص 163 (3) البقرة 286.
[ 164 ]
وصبيان فقال: يقدم الرجال ثم الصبيان الاحرار الذكور ثم العبيد ثم النساء الحراير وراء ذلك مما يلي القبلة. باب القول في تفسير غسل الميت وكيف هو قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أول ما تبدأ به من أموره أن يوضع على المغتسل، ويمد على قفاه مستلقيا وجهه إلى القبلة، ثم تستر عورته، ويجرد من ثيابه، ثم يمسح بطنه ثلاث مسحات، مسحا رفيقا، إلا أن يكون الميت إمرأة حاملا فلا يمسح بطنها، ثم يلف الغاسل على يده خرقة، ثم ينقي الفرجين إنقاء نظيفا يسكب الماء على يديه سكبا، ويغسل به الفرجين غسلا، ويتجنب النظر إلى العورة هو وغيره ممن يعينه، ولا يلي غسل الميت إلا أولى الناس به وأطهر من يقدر عليه من أهل ملته، ثم يوضيه وضوء الصلوة يغسل كفيه ثم يغسل فمه
وأسنانه وشفتيه وأنفه فينقي ما قدر عليه منه ثم يغسل وجهه غسلا نظيفا، ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق، ثم يغسل كذلك ذراعه اليسرى إلى المرفق، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، فيبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يغسل رأسه فينقيه ثم يغسل بدنه يقلبه يمينا وشمالا، يبدأ بميامنه قبل مياسره، ويستقصى على غسله كله ظهره وبطنه، ثم يغسل بالحرض في ذلك الغسل وفي تلك الغسلة حتى ينقى به، ثم يغسل عنه ذلكا لحرض كله، ثم يغسل بالسدر، ويبدأ برأسه فينقى ولحيته، وإن كان إمرأة لم يسرح شعرها بمشط، ثم يغسل البدن كله بالسدر، جوانبه وظهره وبطنه، ثم يغسل عنه ذلك السدر، ثم يغسل غسلة ثالثة بماء فيه كافور ويغسل به جميع بدنه ورأسه ووجهه ويديه ورجليه وبطنه وظهره، فإن حدث بعد ذلك حدث أتم الغسل خمس مرات فإن حدث به حدث
[ 165 ]
أتم سبعا، فما حدث بعد ذلك الغسل احتيل في رده عن الكفن بالكرسف وما سقط من شعر الميت غسل ورد في كفنه حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن غسل الميت، ما الذي يجزى منه قال: غسل الميت كالغسل من الجنابة. ويكره أن يسخن للميت الماء إلا أن يحتاجوا إليه لضرورة من برد غالب، أو وسخ يكون بجسد الميت فيسخن له الماء حينئذ. حدثني أبي عن أبيه في الجنب والحايض، هل يغسلان الميت؟ فقال ما أحب أن يفعلا إلا أن لا يوجد غيرهما فإن فعلا أجزيا إذا أنقيا ونظفا. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن أحتيج إلى غسلهما أغتسل الجنب ببعض طهور الميت إن كان فيه فضل، وإن لم يكن فيه
فضل ولم يقدر على ماء تيمم، وأما الحايض فتغسل يديهما على كل حال فتنقيها ثم تغسل الميت. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الميت يسقط منه ظفر أو شعر؟ فقال يستحب إن سقط من الميت شئ أن يرد في كفنه ولا تقلم أظفاره. باب القول في أوقات الصلاة على الميت قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أفضل أوقات الصلاة على الميت أوقات الصلوات المفروضات، والنهار كله والليل كله وقت للصلاة على الموتى إلا الثلاثة الاوقات التي جاء النهي عن الصلاة فيها وهي عند بزوغ الشمس حتى تستقل وتبياض، وعند أعتدالها حتى تميل للزوال، وعند تدليها وتغير لونها حتى يستتم غروبها. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الاوقات التي يدفن فيها الميت
[ 166 ]
ويصلي عليه فقال: يستحب إذا لم يكن في ذلك إضرار بأهل الجنازة ولا بمن شهدها أن يدفن في مواقيت الصلاة ولا بأس بدفنها بعد الصبح وبعد العصر ويصلى عليها. وإذا حضرت الجنازة والصلاة بدأ بأيهما شاء وليس يضيق على أهلها ما لم يخف فوات الصلاة المكتوبة. باب القول في وقوف الامام في الصلاة على الميت قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يقف الامام في الصلاة من الرجال حذاء السرة ويقف من النساء حذاء الصدر والمنكبين. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن موقف الامام، فقال: يقف الامام من جنايز الرجال ما بين صدورهم وسررهم، وأما المرأة فيقوم
الامام حذاء صدرها ووجهها. باب القول في عمل القبور قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تربيع القبور أحب إلى من تدويره وإن دور فلا بأس بتدويره ولا بأس أن ينقش إسمه في صخرة تنصب عند رأسه، والصخور أحب إلي من الالواح ولا بأس بذلك. باب القول في المرأة تموت وفي بطنها ولد حي قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا ماتت المرأة الحامل وأوقن بموتها إيقانا وولدها حي يتحرك في بطنها استخرج ولدها إستخراجا رفيقا ثم يخيط بطنها تخيطيا جيدا وفعل بها كما يفعل بالموتى من الغسل والتكفين والدفن.
[ 167 ]
كتاب الزكاة
[ 169 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب الزكاة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تتم صلاة إلا بزكاة ولا تقبل صدقة من غلول). وبلغنا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (مانع الزكاة وآكل الربا حرباي في الدنيا والآخرة). وبلغنا عن أمير المؤمنين رحمة الله عليه أنه دعا إبنه الحسن حين حضره الموت فقال: (أوصيك بإتاء الزكاة عند محلها فإنه لا تقبل الصلاة ممن منع الزكاة). وبلغنا عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الزكاة هي قنطرة الاسلام). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: الزكاة فرض من الله عزوجل على كل إنسان كفرض الصلاة لا يتم لاحد الايمان إلا بأدائها، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) (1) وقال عزوجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (2) وقال: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) (3) فسماهم المشركين لتركهم لاداء زكاتهم
ولرفض إخراج ما أمرهم الله باخراجه من أموالهم ثم أمر تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالاخذ للصدقة من أموالهم فقال: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم) (4) فأوجب الله بذلك على النبي صلى الله عليه وآله أخذها وعلى المؤمنين إخراجها ودفعها ثم قال: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (5) فوجب على الامة بذلك قبول ما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله به، وفعل ما أمرهم بفعله، ثم فسر صلى الله عليه وآله عن الله تبارك وتعالى ما أوجب على الامة في الزكاة من فرضها، وبين في كم يؤخذ، ومتى يؤخذ، ومن كم يؤخذ، وعفى عن القليل ألا أن يبلغ الحد الذي حده صلى الله عليه وآله وسلم وجعله، وعفى عن الاوقاص وهي ما بين الفريضتين إلى
مبلغ العددين من الحيوان. باب القول في زكاة الذهب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقلا، فإذا بلغ عشرين مثقالا وفقا ففيها ربع عشرها وهو نصف دينار، ثم ما زاد من ذلك على العشرين مثقالا من قليل أو كثير ففيه ربع عشر على الحساب الاول وفي أربعين مثقالا من الذهب مثقال وهو ربع عشرها وما زاد فبحساب ذلك. باب القول في زكاة الفضة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجب في الفضة زكاة حتى تبلغ مأتي درهم قفلة سواء، ثم فيها ربع عشرها وهي خمسة دراهم
ص 170 (4) التوبة 103. (5) الحشر 7.
[ 171 ]
فإن، زادت على المأتين درهم درهما أو أقل أو أكثر ففي جملتها ربع عشرها قليلا كانت زيادتها بعد المأتين أو كثير فعلى قدر هذا الحساب، فإن بلغت أربع مائة درهم كان فيها عشرة دراهم فإذا بلغت ثمان مائة كان فيها عشرون درهما، فإذا بلغت ألفا كان فيها خمسة وعشرون درهما وما زاد فبحساب ذلك من قليل أو كثير. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: ليس فيما دون مائتي درهم من الدراهم زكاة، فإذا تممت ففيها خمسة دراهم، وليس فيما دون عشرين مثقالا من الذهب زكاة فإذا تمت عشرين مثقالا ففيها ربع عشرها وهو نصف دينار، وما زاد فبحساب ذلك وكذلك عن علي رحمة الله عليه. باب القول في زكاة الابل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس فيما دون خمس من الابل زكاة، فإذا بلغت خمسا وكانت إبلا سائمة مرعية ففيها شاة، وفي عشر شاتان، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسة عشر، ثم فيها ثلاث شياه ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ثم فيها أربع شياه ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وعشرين، ثم فيها إبنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها إبنة لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعه إلى خمس وسبعين فإن زادت واحدة ففيها إبنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة فإن كثرت الابل ففي كل خمسين حقة. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: ليس فيما دون خمس من الابل صدقة فإذا تمت خمسا ففيها شاه وفي عشر من الابل شاتان، وفي خمس
[ 172 ]
عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمسة وعشرين إبنة مخاض، فإن لم توجد إبنة مخاض فإبن لبون ذكرا إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها إبنة لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقه إلى ستين فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها إبنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة فإن كثرت الابل ففي كل خمسين حقة. باب القول في زكاة البقر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس فيما دون ثلاثين من البقر زكاة فإذا بلغت ثلاثين بقرة ففيها تبيع أو تبيعة، والتبيع فهو الحولي
أو الحولية، ثم ليس فيها شئ غير الحولي حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة ثم لا شئ فيها حتى تكون ستين ثم فيها تبيعان، ثم لا شئ فيها حتى تكون سبعين ثم فيها تبيع ومسنة ثم لا شئ فيها حتى تبلغ ثمانين ثم فيها مسنتان ثم لا شئ فيها حتى تبلغ تسعين، ثم يكون فيها ثلاث تبايع، ثم لا شئ فيها حتى تكون مائة فيكون فيها مسنة وتبيعان، ثم لا شئ فيها حتى تكون عشرا ومائة فيكون فيها مسنتان وتبيع ثم لا شئ فيها حتى تكون عشرين ومائة فيكون فيها ثلاث مسنات، ثم لا شئ فيها حتى تكون ثلاثين ومائة، فيكون فيها مسنة وثلاث تبايع ثم لا شئ فيها حتى تكون أربعين ومائة فيكون فيها مسنتان وتبيعان، ثم لا شئ فيها حتى تكون خمسين ومائة فيكون فيها ثلاث مسنات وتبيع، فما زاد من البقر فعلى حساب ذلك في كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: ليس فيها دون ثلاثين من البقر صدقة حتى تبلغ ثلاثين، ثم في الثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة.
[ 173 ]
باب القول في زكاة الغنم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس فيما دون أربعين شاة من الغنم زكاة فإذا تمت أربعين ففيها شاة، ثم ليس فيها شئ حتى تزيد على المائة والعشرين شاة، فإذا زادت شاة واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإن زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة، فإن كثرت الغنم ففي كل مائة شاة وكذلك بلغنا عن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فقال: (في الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة فإن زادت واحدة فشاتان إلى مائتين فإن زادت واحدة على المأتين فثلاث شياه إلى ثلاث مائة، فإن كثرت الشاء ففي كل مائة شاة، لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، ولا يأخذ المصدق فحل الغنم ولا هرمة ولا ذات عوار). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ذلك أن لا يأخذ المصدق خيار الغنم ولا شرارها، ويأخذ من أوساطها ما لا عيب فيه منها. باب القول في تفسير قول النبي صلى الله عليه وآله لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تفسير المفترق الذي لا يجمع هو ما فرق الملك بينه وإن أجتمع على راع واحد وتفسير المجتمع الذي لا يفرق فهو ما جمع الملك بينه وإن أفترق به الرعاء وتفسير ما جمعه ملك الرجل الواحد الذي لا يفرق أن يكون له ثلاثة أغنام على ثلاثة رعاء فيجب على المصدق أن يجمع ذلك كله ثم يعده ويأخذ
[ 174 ]
منه صدقته ولا ينظر إلى إفتراق رعاته إذ قد جمعه ملك مالكه. وتفسير المفترق الذي لا يجمع أن يكون على راع واحد مائتا شاة لستة أناسي لواحد منهم تسع وثلاثون ولواحد ثمان وثلاثون ولآخر سبع وثلاثون ولآخر ست وثلاثون ولآخر خمس وثلاثون ولآخر خمس عشرة فلذلك مائتا شاة قد فرق الملك بينها فلا يجب للمصدق أن يأخذ صدقة منها لانه
لا يحب له شئ فيها إذ لا يملك واحد منهم أربعين شاة وبذلك حكم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وينبغي للمصدق أن لا ينزل على أحد ممن يصدقه ولا يقبل له هدية مخافة التهمة فإن قبل شيئا من ذلك فهو لبيت مال المسلمين لا يحل له منه شئ إلا أن يطلقه له إمام المسلمين فإن أطلق له ذلك أو بعضه جاز له ما أطلق له منه وحرم عليه ما لم يطلق عليه، وكذلك كل من قبل هدية من عمال الامام على شئ من جبايات المسلمين لانهم إنما يهدون له لمكانه من الولاية، والولاية فإنما هي أمانة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وللامام في رقبته، فكلما جرته إليه الولاية من المنافع فلا يجوز له ولا يحل، لانهم لم يعطوه ما أعطوه إلا بسبب الولاية فلذلك قلنا إن كل منفعة جرتها الولاية فهي من أموال الله ولا يجوز ولا يحل للمولى إلا بتجويز ولى أموال الله الناظر في أمور الله والمصلح له في أرضه، ولا يجوز للامام ولا ينبغي أن يجوز ذلك لعامل ولا لغيره إلا على طريق النظر للمسلمين وإبتغاء الاصلاح في أرض رب العالمين ولعمال الجبايات أن يأكلوا من أموال الله التي في أيديهم ويشربوا ويلبسوا ويركبوا ويختدموا ويسكنوا بالمعروف من بعد أذن الامام لهم فيه. وينبغي للمصدق إذا ورد الماء الذي ترده المواشي أن يقسم غنم كل رجل قسمين ثم يخيره في القسمين ثم يأخذ الصدقة من القسم الذي
[ 175 ]
ترك صاحب الغنم ثم يخلي باقيها إلى صاحبها، وكذلك يفعل في البقر والابل. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن صدقة الغنم؟ فقال: ليس فيما
دون الاربعين من الغنم صدقة فإذا بلغت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإن زادت واحدة ففيها شاتان، ثم ليس فيها شئ حتى تكون مائتي فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة فإن كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار ولا خيارها ولا شرارها يؤخذ الوسط منها. باب القول في الاوقاص وما عفى رسول الله صلى الله عليه وآله عنه من ذلك وتفسير ما يعد من الماشية المصدق فيها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الاوقاض التي عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله هي ما بين الاسنان من الابل والبقر والغنم والعدد الذي جعله بين السنين مثل ما عفا عنه بين ما يجب فيه أبنة المخاض وبين ما يجب فيه إبنة اللبون وذلك عشر من الابل فعفى رسول الله صلى الله عليه وآله عن هذه العشر وذلك أن في خمس وعشرين أبنة مخاض، ثم لا شئ فيها حتى تبلغ خمسا وثلاثين، ثم فيها إن زادت على الخمس وثلاثين أبنة لبون فلم يجعل صلى الله عليه وآله وسلم فيما بين هذين السنين ولا بين هذين العددين زكاة، وكذلك فيها كلها، وكذلك أوقاص البقر ما بين الثلاثين والاربعين وهو ما بين الحولي والمسنة فلم يجعل بعد الحولي الذي يجب في ثلاثين شيئا حتى تفي
[ 176 ]
أربعين فيرتفع التسنين إلى المسنة، وكذلك أوقاص الغنم فلم يجعل فيما دون الاربعين شاة شيئا ثم جعل في الاربعين شاة شاة، ثم جعل ما زاد
على الاربعين أوقاصا لا زكاة فيه إلى مائة وعشرين، فإن زادت شاة وجب فيها شاتان إلى مائتن، فهذه التي ما بين التوظيفات والزيادات والاسنان فهي الاوقاص التي عفى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يعد المصدق من الماشية ويحتسب به في العدد ما سرح في المرتع وتقرم، وأكل من صغار الماشية كلها أبلها وبقرها وغنمها. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: يعد المصدق من الماشية صغارها وكبارها ويؤخذ من الصغار على قدر ذلك ولا يؤخذ شرارها ولا خيارها. باب القول في تسمية ما عفى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وشرح معنى عفوه عنه ومتى يقع عليه العفو قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: عفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الابل العوامل تكون في المصر، تعلف ويحمل عليها، وإن بلغت خمسا، وعفي عن أربعين شاة تكون في المصر تعلف وتحلب ولا ترع، فإذا رعيت خارج المصر وآبت وجب عليها الزكاة. وكذلك البقر إن لم ترع وعفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدور والخدم والكسوة والخيل. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وإنما عفى عن ذلك صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يكن صاحبه أتخذه للتجارة ولا اشتراه لطلب ربح، فأما إن كان أشترى شيئا من ذلك كله أو من غيره، من بسط أو
[ 177 ]
كيزان صفر أو جرار أو رصاص أو حديد أو أهب أو آجر أو صخر أو خشب
أو غير ذلك من الاشياء كلها بعد أن يشتريه صاحبه لطلب الربح ويستغل فيه المال للتجارة، فعلى من أراد به ذلك الزكاة يزكيه على قدر ثمنه إذا كان ثمنه مما يجب في مثله الزكاة فأما الدر والياقوت ففيه إذا خرج من معدنه الخمس. باب القول في تسمية الارضين قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الارضون تجري على أرض أفتتحها المسلمون عنوة فقسموها بينهم فصارت ميراثا يجب فيها الاعشار وهي أرض خيبر إفتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله فقسم بعضها فجرى مجرى الميراث، ووجب على أصحابه فيه العشر، وعامل على بعضها بالنصف، فتركها في أيدي الذين كانت لهم أولا، يعملونها ويؤدون نصف ما يخرج منها، فما أخذ مما كان كذلك فهو في بين جميع المسلمين يرد إلى بيت مالهم وأرض أفتتحها المسلمون وهي أرض خراج كائنة مع من كانت مثل سواد الكوفة وغير ذلك من البلاد من مصر والشام وخراسان وغير ذلك من البلاد فكلما أخذ من هذا فهو في يرد إلى بيت مال المسلمين. وأرض صالح عليها أهلها وهم في منعة فلا يؤخذ منهم إلا ما صولحوا عليه، مثل أهل نجران وغيرهم من البلاد فهذه أيضا لبيت مال المسلمين. وأرض أجلى عنها أهلها وخلوها من قبل أن يوجف عليهم بخيل أو ركاب أو يقاتلوا مثل فدك فما كان من الارضين على هذا فإمام المسلمين أولى بها يصرفها حيث شاء ورأى. وجميع ما سمينا من هذه الاموال تحل لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم فيها المقدمون على غيرهم لان غيرهم ينال من الاعشار وهم لا ينالون، ويجوز لامام المسلمين أن يصيب معهم من هذه الاموال
[ 178 ]
فيأكل ويشرب ويركب وينكح بالمعروف ويرزق نفسه فيها كما يرتزق المسلمون. وأرض أسلم عليها أهلها فهي أرض عشر مثل أرض اليمن والحجاز، على أهلها فيها إذا بلغت ثمرتها خمسة أوسق الزكاة، فما أخذ منها فهو صدقات تخرج حيث سمى الله من قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (5) وأرض أحياها رجل مسلم فهي له ولورثته من بعده ويؤخذ منه فيها العشر وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من أحيا أرضا فهي له). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يريد بقوله: هي له الارض التي لم يملكها أحد قبله ولم يزرعها أحد سواه وليس لاحد فيها أثر ولا دعوى. قال: ومن تحجر محجرا فضرب عليه أعلاما يستحقه بها ويعرفه ثم لم يعمره ولم (6) يعانه ثلاث سنين فقد جاءت في هذا أقاويل بأنه إن أعطلها ثلاث سنين وأحياها غيره فهي لمن أحياها. باب القول في تقبل الذميين أرض المسلمين واستئجارهم لها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قد قيل في ذلك أقاويل مختلفة، وأحب ذلك إلي والذي أراه أن لا يخلى أهل الذمة وذلك - وأن يمنعوا من زرع أراضي المسلمين لان في ذلك تحيفا لاموال المسلمين واضرارا بهم لان أهل الذمة لا زكاة عليهم فيما خرج من زرعهم والزكاة
ص 178 (5) التوبة 60.
(6) في نسخة ولم يغله.
[ 179 ]
واجبة على المسلمين وإذا لم يزرعها الذميون زرعها المسلمون فرجعت منافعها على فقرائهم وفي مصالحهم، وكذلك لا أرى أن تباع الارضون منهم التي في أيدي المسلمين لئلا تبطل الاعشار التي (7) تجب فيها إذا كانت في أيدي المسلمين، فأما ما كان لهم وفي أيديهم قديما فلا يمنعون من تبايعهم إياه فيما بينهم لانه شئ لم يكن للمسلمين فيه منفعة قديما (8) أو حديثا. باب القول فيما يؤخذ من تجار أهل الذمة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يؤخذ من تجار أهل الذمة نصف عشر ما يأتون به من أموالهم ويتجرون فيه على المسلمين في أرض الاسلام، وانما يؤخذ ذلك ممن أتى من بلد شاسع إلى بلد مثل تجار أهل الذمة الذين بالشام إذا أتوا بتجارتهم إلى الحجاز أو إلى العراق أو إلى اليمن أو غير تجار أهل الشام إذا اتجروا من بلد بعيد إلى بلد من بلاد المسلمين، وأما من كان في الامصار منهم فلا يؤخذ منهم في الامصار التي هم فيها متسكنون شئ، وإنما يؤخذ ممن انتجع بتجارته من بلد هو فيه متسكن إلى بلد بعيد، فأما تجار في بلد فلا يؤخذ منهم فيه شئ. وان خرجوا إلى غيره أخذ منهم فيه كما يؤخذ من غيرهم. باب (9) القول في زكاة ما أخرجت الارض قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجب الزكاة عندي
ص 179 (7) في نسخة اللاتي.
(8) في نسخة ولا حديثا. (9) في نسخة: باب زكاة ما أخرجت الارض والقول في ذلك.
[ 180 ]
ويلزم في قولي على كل ما أخرجت الارض وفي كل ما أخذ منها مما يكال أو لا يكال، لان الله سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وآله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم) (10) والاموال فهي كل ما أغلته العباد وتمولوا به وفيه واتكلوا في معايشهم عليه مما يكال أولا يكال، لاننا نجد كثيرا مما يسقطه غيرنا يصاب منه، ويكتسب فيه الاموال كل من يملكه من النساء والرجال، حتى ربما كان ما لا يكال أكثر فضلا وأعظم أمرا مما يكال، فلذلك أوجبنا فيه كله الزكاة ولقد أوجب الله تبارك - وتعالى في جميع الاموال بابين البيان (11)، عند من عقل وفهم واقتدى بكتابه فعلم بقوله سبحانه: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (12) فلا تخلوا هذه الاشياء الخطيرة من أن تكون لمالكيها أموالا أو لا تكون لهم أموالا، فان كانت لهم أموالا وجب فيها ما أوجب الله على الاموال، وان لم تكن تسمى في اللغة والبيان أموالا فلا شئ فيها عند كل انسان فلن توجد إن شاء الله تعالى أبدا في اللسان ولا عند أهل الفصاحة والبيان الا مسماة أموالا لا تعرف إلا بهذا الاسم من بين الاسماء وتدعى به كما يدعى غيرها من الاشياء وسنفسر إن شاء الله تعالى ما يجب فيما يكال منها بالمكيال، وما لا يكال من ساير الاموال. فأصل ما يجب في جميع ذلك كله قليله أو كثيره فانه ما سقي منه سيحا يفيح (13) الماء في أرضه فيحا، أو ما شرب بما السماء، أو ما كان من الشجر (14) بعلا، فواكه كان
ص 180 (10) التوبة 103. (11) في نسخة: التبيان. (12) التوبة 103. (13) في نسخة تفتح للماء أرضه فتحا. (14) لبعل ما يشرب من النخل بعروقه غير سقي سماء ولا غيرها.
[ 181 ]
ذلك أم نخلا ففيه العشر، وما سقي بالسواني (15) والخطارات (16) والدوالي (17) من الزرانيق (18)، وغيرها مما ينشط ماؤه نشطا، ويسقى به ففيه نصف العشر إذا بلغ كل ما يكال من ذلك خمسة أوسق والوسق فهو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وآله وذلك ما وقته رسول الله صلى الله عليه وآله وجعله له مدا، فوقت له خمسة أوسق سواء، فان نقص كل صنف مما يكال عن خمسة أوسق فلا زكاة فيه ولا يجب شئ عليه. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: كلما أخرجت الارض من نباتها من شئ ففيه الزكاة وهذا أحب الاقوال الي لقول الله عزو جل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (19). وحدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا تجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق مما يكال، والوسق ستون صاعا وما زاد على الخمسة الاوسق أخذ منه بحساب ذلك. وسئل عن وزن الصاع فقال: لا يكون إلا بالكيل لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (الوسق ستون صاعا) فدل بذلك على الكيل فلا يصح بالوزن. باب القول في أخذ زكاة العنب
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أما ما كان من العنب يزبب أخذ فيه عشره أو نصف عشرة عند كمال تزبيبه كما قال سبحانه:
ص 181 (15) السواني: جمع سانية وهي الناقة التي يسقى عليها. (16) والخطارات: يقال خطر البعير بذنبه إذا رفعه مرة بعد مرة. (17) والدوالي: المنجتون الذين تديره البقر. (18) في الضياء الزروق: الناقة الطويلة الرجلين الواسعة. الخطا. وفي قاموس الزرنقان منارتان بينتان على رأس البير. (19) التوبة 123.
[ 182 ]
(وآتوا حقه يوم حصاده) (20) وما لم يكن يزبب أدخل فيه من ينظر خرصه ويعرف قدره فيخرصه، فأي كرم أو كروم في ملك رجل واحد كان جملة ما يأتي فيه بعد يبوسه خمسة أوسق زبيبا أخذ منه نصف عشره عنبا أو عشره عنبا، والعمل فيه أن يرسل إليه من ينظر قسمته فيقسمه أجزاء عشرة غير حايف ولا جاير يحضره صاحبه، ثم يقول له: اختر خمسة أجزاء من هذه الاجزاء العشرة، وقد علم كل جزء منها بعلامة تفهم وتعرف فإذا اختار صاحب الكرم من العشرة الاجزاء خمسة أخذ القاسم الذي مع المصدق من الخمسة الباقية جزءا وهو عشر ذلك كله إن كان كرمه مما يجب فيه العشر، وإن كان مما يجب فيه نصف العشر قسم ذلك الجزء بينه وبين صاحب الكرم ثم عرضه لبيع، فإن أحب صاحب الكرم شراؤه من بعد الاستقصاء فيه للبيع، فهو أولى به أخذ منه ثمنه نقدا ودفع إليه، وإلا فيبيع من غيره. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن بلاد بها الاعناب كثيرة لا تزبب
هل عليهم العشر في عصيرها أو في أثمانها؟ فقال: يزكى ذلك على قدر خرصه ويؤخذ منه على مقياس قدره. باب القول في أخذ صدقة مالا يكال من الاموال قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أما الرمان والتفاح والفرسك والسفرجل والمشمش والخرنوب والتين والاجاص وقصب السكر والموز والكمثرى، وما كان غير ذلك من الفاكهة وغيرها مما تخرج
ص 182 (20) الانعام 141.
[ 183 ]
الارض مما لا يكال فإن العمل فيه أن يرسل (21) إليه من ينظر كل صنف منه، فإذا لم يشك المرسل وصاحب المال أن كل صنف من ذلك الثمر يبلغ إذا بيع مائتي درهم قفلة أخذ منه عشرة أو نصف عشره على قدر شرب أرضه، فيؤخذ من كل ثمرة زكاتها، ولا يؤخذ فيها ذهب ولا فضة، وإن قصر مبلغ كل صنف من ذلك عن مائتي درهم لم يؤخذ من صاحب ذلك الصنف المقصر في ذلك الصنف شئ، فهذا أحسن ما أرى من العمل في مثل هذه الاشياء التي لا تكال. باب القول في زكاة البطيخ والقثاء وغير ذلك مما يأتي ثمره شيئا بعد شئ لا يوقف على كل شئ منها ولا يحصى قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن ما أرى من العمل في تزكية ما لم يكن خروجه كله معا، مما ذكرنا من هذه الاصناف التي يأتي بعضها بعد ذهاب بعض ولا يمكن حبس أولها على آخرها، أن يوكل بما يخرج منها وكيل يعرف ذلك، ويحصيه أو يستأمن على ذلك
صاحبه إن كان أمينا، (22) ويترك عنده إذا علم منه الاداء لما يجب عليه والاحتياط على نفسه لله فيه، فإن اتهم أستحلف على ما يتهم عليه حتى إذا استقصى بيع ثمره نظر إلى ما حصل من ثمنه، فإن كان مائتي درهم أخذ منه في ذلك العشر أو نصف العشر، وإن كان ثمن ذلك أكثر من المائتين فعلى حساب ذلك، وإن كان أقل من المائتين لم يؤخذ منه زكاة.
ص 183 (21) في نسخة: ان يبعث. (22) ورجي عنده الاداء.
[ 184 ]
باب القول في زكاة العناب والتوت والفستق والبندق والبلوط والجلوز وغير ذلك مما تخرجه الارض مما يكال قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كل ما كيل من شئ مما تخرجه الارض بالمكيال، مما يملكه الناس من الاموال، ففيه العشر أو نصف العشر على ما ذكرنا من سقي الارض، وما لم يكل عمل في أخذ زكاته على ما ذكرنا أولا فيما لا يكال. باب القول في زكاة الكتان والقنب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كلما سقي من هذه بالسواني والدوالي والخطارات، وغير ذلك من الامور المتعبات ففيه نصف العشر. وما سقي فيحا أو بماء السماء أو من الانهار أو من العيون فيحا ففيه العشر كاملا، ولا يؤخذ من هذه الاشياء شئ حتى يجب في مثله الزكاة، ووجوب الزكاة فيه فهو أن يبلغ عند ما يكون من
قطعه أقل ما يجب في مثله الزكاة من الاموال، وهو مائتا درهم، فإذا بلغها أخذ ما يجب فيه عشر أو نصف عشر. باب القول في زكاة الحنا والقطن والقضب والعمل في ذلك، ومتى يؤخذ منه زكاة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هذه الثلاثة الاشياء ينظر إلى كل واحد من هذه الاصناف فإن كانت جزته تساوي مائتي درهم أخذ منه في كل جزة أو قطفة نصف عشر أو عشر على قدر شراب أرضه، وكذلك إن كانت جزته لا تبلغ مائتي درهم إلى مبلغ ثمن جميع ما
[ 185 ]
يخرج منه من سنة إلى سنة، فإن كان يخرج منه في السنة الكاملة ما قيمته مائتا درهم أخذ ما يجز منه، أو يقطف في كل جزة جزها سنته كلها، فإن كان ذلك شيئا يسيرا لا يؤدي كل صنف منه في كل سنة (23) ما قيمته مائتا درهم لم يؤخذ من ذلك كله شئ، جز أو قطف في السنة مرة أو مرارا. إذا لم يكن يودي في جزاز السنة كلها مائتي درهم. وانما وظفنا لما كان من هذا على هذه الحال مائتي درهم في السنة لانه أصل ثابت لا يبرح الارض دهرا، ولا يخرج ثمره في السنة معا، فأنزلناه منزلة الاصول التي يؤخذ ثمرها في كل سنة من الفواكه وغيرها، مما يحمل في الزكاة على قيمة ثمرها، فجعلنا السنة لما ذكرنا من القطن والقصب والحنا مدى يعرف به منتهى قيمة ثمرهن، كما يعرف قيمة ما كان من الفواكه غيرهن عند ينوعه في كل سنة، فرأينا أن السنة لذلك وقت حسن إذا كان لا يبلغ من الثمن مائتي درهم إلا على رأس السنة، فإذا كان أمرا تافها لا يبلغ في كل سنة مائتي درهم، فلا شئ فيه أبدا ولا زكاة عليه أصلا إلا أن يزاد
في أصوله فتكثر غلاته وتعظم جزاته فيلحقه ما بينا من ذلك وشرحنا، وإنما قلنا: إنه إذا لم يكن يبلغ جزاته وقطفه في كل سنة مائتي درهم أنه لا شئ فيه على أربابه ومالكيه، وذلك أنا قسناه بمثله من ذوات الاصول التي تغل في كل سنة من الفواكه وغيرها، فلما أن وجدنا هذه الاصول إذا قصر ثمن (24) كل صنف منها في كل سنة عن بلوغ مائتي درهم لم يؤخذ منها زكاة، ولم يجب فيها صدقة، قلنا: إنه لا شئ على هذه التي يأتي ثمرها لسنتها متقطعا إذا لم يبلغ المائتي درهم، كما لا يجب في هذه التي يقصر ثمرها الذي يأتي في كل سنة معا عن مائتي درهم شئ
ص 185 (23) في نسخة في كل سنة قيمة مائتي درهم. (24) في نسخة إذا قصر ثمرة تمت.
[ 186 ]
من الزكاة، ولان المائتي درهم مدى لما لا يكال، كما أن الخمسة الاوسق مدى لما يكال، وذلك عندنا وفي اختيارنا وما نراه أعدل الامور وأقربها من الحق في مثل ذلك إن شاء الله ولا حول ولا عون ولا قوة لنا إلا بالله سبحانه. باب القول في الاصناف إذا اجتمعت ولم يتم كل صنف منها خمسة أوسق مما يكال قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا لم يتم كل صنف من كل ما يكال خمسة أوسق فليس فيه زكاة، ولا تضم حنطة إلى شعير ولا تمر إلى زبيب، ولا شئ مما يكال إلى صنف غيره مما يكال ليلحق فيه الزكاة، أو يؤخذ من صاحبه عنه صدقة. وتفسير ذلك أنه لو كان خمسة أوسق إلا ربعا حنطة وأربعة أوسق شعيرا لم يضم هذا إلى هذا، ولم يكن
في شئ منهما زكاة. وكذلك كل ما كان من الثمار فلا يضم صنف إلى غيره من الاصناف. باب القول في زكاة أصناف الفواكه إذا لم يبلغ ثمن كل صنف منها مائتي درهم (25) قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك الفواكه وغيرها مما لا يكال إذا لم يبلغ ثمن كل صنف منها مائتي درهم لم يكن في شئ من ذلك زكاة، ولا يضم بعض ذلك إلى بعض. وتفسير ذلك: رجل له رمان يبلغ مائة وثمانين درهما، وله خوخ يبلغ مائة وتسعين درهما فليس يجب عليه في ذلك كله زكاة، لانه لم يبلغ صنف منهما مائتي درهم ولا يضم صنف إلى غيره وعلى هذا فليكن
ص 186 (25) في نسخة مائتي درهم قفلة.
[ 187 ]
العمل في كل ما أنبتت الارض، وسقي بالماء لا يضم شئ منه إلى (26) غيره عند وقت ما تجب الزكاة في الاشياء، ويؤخذ من الاموال. باب القول في اجتماع الذهب والفضة والعمل عندنا في ذلك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان عند الرجل خمسة عشر مثقالا من الذهب ومائة وخمسون درهما، ضم الدراهم إلى الدنانير وحسب حساب صرفها، ثم أحصي ذلك دنانير ثم أخرج في العشرين مثقالا نصف دينار، وما زاد فبحساب ذلك. وإن كان عنده خمسون درهما وعشرة دنانير ضم الدنانير بحساب صرفها دراهم، إلى الخمسين درهما ثم أخرج الزكاة بحساب ذلك في المائتين خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك. فإن كان عنده مائة درهم وستة دنانير ضم الدنانير إلى الدراهم بحساب صرف ذلك دراهم حتى تفي المائتان، ثم
يخرج زكاتها. وتفسير ذلك أن الستة دنانير بحسب صرفها فصرفها على العشرين بدينار مائة وعشرون درهما، فهذه المائة والعشرون تضم إلى المائة، فيكون ذلك مائتين وعشرين فيخرج منها ربع عشرها زكاة. وكذلك لو كان عند رجل ثمانية عشر مثقالا وخمسون درهما لكان يجب عليه في قولنا أن يضم الخمسين درهما بصرفها دنانير إلى الثمانية عشر مثقالا، فيكون على صرف عشرين درهما بدينار دينارين ونصفا، فيكون ذلك كله عشرين مثقالا ونصفا يجب فيها ربع عشرها، وهو نصف دينار وربع قيراط بالقراريط العراقية، حساب الدينار عشرون قيراطا، وكذلك كل ما
ص 187 (26) في نسخة إلى شئ غيره.
[ 188 ]
كان من الذهب والفضة فإنه يضم بعضه إلى بعض فيضم الذي بضمه إلى صاحبه تجب الزكاة على مالكه، ولا يضم صنفان أحدهما إلى الآخر غير الذهب والفضة فقط. باب القول كيف تؤخذ الزكاة من كل مزكي قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تؤخذ الحنطة من الحنطة، والشعير من الشعير والزبيب من الزبيب، والتمر من التمر، وكل شئ وجبت فيه الزكاة مما تنبت الارض، فمن ذلك الشئ تؤخذ زكاته، ولا يؤخذ زكاة شئ من غيره، وكذلك الخف من الخف والظلف من الظلف، ولا بأس أن يؤخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب بحسابه على صرفه، وإنما أجزنا ذلك في الذهب والفضة، لانا نرى ضم أحدهما عند التزكية إلى صاحبه وكأنه في المعنى مال واحد في الزكاة
فقط، فأما في غيرها فلا، الذهب بالذهب عند المبايعة، والفضة بالفضة مثلا بمثل. باب القول متى تؤخذ الزكاة من كل ما تجب فيه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تؤخذ الزكاة مما أنبتت الارض عند حصاده، وذلك قول الله عزوجل: (وآتوا حقه يوم حصاده) (27) فأما الذهب والفضة والابل والبقر والغنم، فإذا حال على الشئ من ذلك الحول عند مالكيه وجبت فيه الزكاة ولا تجب الزكاة في شئ من ذلك حتى يحول عليه الحول.
ص 188 (27) الانعام 141. وفي نسخة مزكا. تمت.
[ 189 ]
باب القول في زكاة الحلي قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: في كل حلي كان لمرأة أو على سرج أو سيف أو مصحف، أو غير ذلك من المنطقة واللجام، وما كان من الحلي عند أهل الاسلام ففيه ربع عشره على ما ذكرنا من التحديد، في العشرين مثقالا نصف مثقال، وفي المائتي درهم خمسة دراهم، فإن كان الحلي من الصنفين جميعا، وكان كل واحد منهما على جهت لا يبلغ ما يجب فيه الزكاة، ضم أحدهما إلى الآخر يضم الذي تجب بضمه الزكاة إلى صاحبه. ثم يخرج زكاة ذلك كله وهو ربع عشر جميعه. باب القول في المعدن (28) من الذهب والفضة وما يجب فيها
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: كلما أخذ من المعادن من مثقال أو ألف مثقال فهي غنيمة غنمها الله إياها وأوجدها. وفيه ما حكم الله به في الغنيمة وهو الخمس، وذلك قوله تبارك وتعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (29) فيجب على صاحبه عند وقت وجوده إياه إن كان يعلم إماما ما يصلح له أن يدفعه إليه، لم يجز له إلا دفعه إليه، وتصييره في يديه، وإن لم يعلم موضعه فرقه هو فيمن جعله الله لهم، وكان أحق الناس بذلك آل رسول الله صلى الله عليه وآله
ص 189 (28) في نسخة: في المعادن. (29) الانفال: 41.
[ 190 ]
ليتاماهم ومساكينهم وابن سبيلهم لان غيرهم يأخذ من الصدقات، وهم لا يأخذون ويأكل منها وهم لا يأكلون فإذا أخرج الخمس من ذلك الذي أصابه في المعدن، لم يجب عليه من بعد ذلك فيه شئ حتى يحول عليه الحول فيجب عليه فيه ما يجب عليه في ساير أمواله ربع عشره إذا حال الحول عليه وهو عشرون مثقالا، أو مائتا درهم فصاعدا. باب القول فيما يجب في العنبر والدر واللؤلؤ والمسك وما غنم من ذلك في بر أو بحر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: معنى ذلك كله، ما غنم منه في بر أو بحر قليلا كان ذلك أو كثيرا كمعنى المعدن يجب فيه الخمس، يصرف حيث يصرف خمس المعدن. باب القول في زكاة العسل
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أحسن ما أرى في زكاة العسل أن يؤخذ منه العشر إذا خرج منه في كل سنة قيمة مائتي درهم، وفي ذلك ما بلغنا عن أبي سيارة المتعي أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يارسول الله إن لي نحلا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (فأد العشر من كل عشر قرب قربة) حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن العسل هل فيه زكاة؟ فقال: ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يأخذ منه العشر، وذكر عن أبي سيارة أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وآله أن له نحلا فأمره أن يؤدي العشر منه، وما هو عندي إلا كغيره مما ملكه الله عباده من أموالهم وأرزاقهم.
[ 191 ]
باب القول فيما يجب في الركاز والركاز (30) فهو كنوز الجاهلية قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: هي غنيمة لمن رزقه الله اياها، وفيها ما في المعدن من الخمس، يصرف حيث يصرف خمس المعدن للذين سمى الله سبحانه، وجعل الخمس لهم. باب القول في تزكية مال اليتيم، وتزكية الدين يكون للرجل على الرجل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يزكى مال اليتيم، وفي ذلك ما روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه كان يزكي مال بني أبي رافع. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويستحب للوصي أن
يقلبه لهم ليرجع بعض الربح في الزكاة، وإلا أفنته الزكاة. ومن كان له دين تجب في مثله الزكاة زكاة إذا (31) قبضه لما مضى من السنين. الا أن ينقص في بعض ما يزكي عن ما تجب فيه الزكاة. باب القول في أخذ السلطان الجائر زكاة الاموال والقول فيما أخذ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا أرى أنما أخذ السلطان الجاير يجزي من يأخذه منه بل أرى أن عليه أن يخرج الزكاة ويضعها حيث أمره الله تعالى، ولا يعتد بما أخذ السلطان الجاير منه.
ص 191 (30) في نسخة فهي الكنوز الجاهلية. (31) في نسخة: إذا اقتضاه لما مضى من السنين.
[ 192 ]
حدثني أبي عن أبيه أنه سئل هل يجزى ما يأخذ السلطان الجاير؟ فقال: لا يجزى وعلى رب المال الاعادة. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: السلطان الجاير الذي لا يرد الزكاة في أبوابها لا يجوز أن يدفع إليه منها شئ، ومن دفع إليه منها شيئا فليس يخلو من أن يكون مختارا لذلك أو مضطرا، فإن كان مختارا وهو يقدر أن لا يدفع إليه ذلك فدفعه إليه فقد أتلف ما كان لله تعالى عنده، ولم يؤده إلى من أمره الله أن يدفعه إليه، وحكم به له من الثمانية الاصناف، فعلى من أتلف ذلك ولم يؤده إلى أصحابه الغرم له، وهو له ضامن حتى يخرجه إلى أهله ويؤده إلى أربابه. وإن كان دفع ذلك إليه مغلوبا مضطرا اضطره إليه وأخذه قسرا من يديه فماله هو أولى بأن يكون ظلم السلطان الداخل عليه من مال الله الذي جعله لعباده، فعليه من الجهتين
أن لا يعتد بأخذ الظالم من ماله على ربه في زكاته. باب القول في أخذ الزكاة من أربابها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: للامام أن يجبر الرعية على دفع الزكاة إليه من كل ما يجب فيه الزكاة لان الله سبحانه قال: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم) (32) فأمر بأخذها ولن تؤخذ إلا طوعا أو كرها، فمن أبى الطوع فلابد أن تؤخذ منه كرها وقد قال غيرنا إن الناس مؤتمنون على الذهب والفضة وأنهم هم يضعون زكاته حيث شاؤا، إن شاؤا دفعوها إلى الامام، وإن شاؤا فرقوها هم على أيديهم، وهذا عندي فاسد من القول لا تصح به رواية إن رويت ولا أثر إن ذكر، لانه مخالف لكتاب الله،
ص 192 (32) التوبة 103.
[ 193 ]
وما خالف الكتاب فليس من الحق، ولا ما قبل به فيه من الصدق، وما أحسب أن من قال: بذلك قاله إلا ليستر النعم والاموال على أهل الناض خوفا منه على أموالهم، من جورة ملوكهم فتأول بالقول به هذا المعنى وانما فسد بذلك عندي من أن هذه الزكاة زكاة هذه الاموال الناضة لا تخلو من أن يكون لله فيها فرض عليهم أن يخرجوه (33) لمن سمى الله، أولا يكون عليهم فيها فرض إخراج شئ، فإن يكن عليهم في ذلك فرض إخراج زكاتها فعليهم أن يؤدوها إلى ولي المسلمين الذي أمره الله بأخذها منهم وشدد الله عليهم وعليه في قبضها من أيديهم ليصرفها حيث أمر ويوديها إلى من جعلها الله له على يديه، وأمر بتسليمها إليه، وفي أمر الله له بأخذها منهم ما يقول سبحانه: (خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم) (34) وهذه الدنانير والدراهم فلا تخلو (35) إما أن تكون أموالا أوغير أموال فان كانت أموالا فعلى الامام أن يأخذ منها ما يجب فيها، وليس يقول خلق إنها ليست بأموال، بل هي خيار الاموال ووجوهها، وإن لم يكن عليهم لله في هذه الاموال فرض زكاة فما يجب عليهم أن يدفعوا شيئا منها إلى أهل الصدقات من الفقراء والمساكين سرا ولا علانية على أيديهم ولا على يدي إمامهم ثم يقال لمن قال: إنهم مؤتمنون عليها وإنهم يخرجونها دون الامام، ما حجتك في ذلك؟ أوجدنا فيه بذلك حجة من الكتاب المبين؟ أو أثرا مجمعا عليه لا اختلاف فيه عن رسول رب العالمين؟ أو حجة في ذلك من المعقول يرضى بها ويفهمها ذووا العقول؟ كما أوجدناك في قبض ذلك منهم آية
ص 193 (33) في نسخة أن يؤدوه. (34) التوبة 103. (35) في نسخة فلا تخلومن أن تكون. في نسخة ولن يقول.
[ 194 ]
من الكتاب محكمة، وهي قول الله تبارك وتعالى: (خذ من أموالهم صدقة) (36) وكما أوجدناك عن الرسول صلى الله عليه وآله في قبض ذلك وأخذه من أقرب الناس به العباس عنه، وقد نروي وتروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله تعجل من العباس زكاة ماله قبل وقت وجوب الزكاة عليه، وكما أوجدناك في حجة العقول في أول كلامنا من أنها لا تخلو من أن تكون أموالا أو غير أموال، فان كانت أموالا ففيها
ما في الاموال، والامام أولى بقبضها كما أمر بأخذها وان لم تكن أموالا لم يكن للامام أن يأخذ منها زكاة، ولا يجب على أربابها أن يدفعوا إلى أحد منها صدقة، سرا ولا علانية، فلا يجدون إن شاء الله إلى دفع ذلك سبيلا، ولا يقدر منصف أن يكرر في ذلك قالا ولا قيلا. باب القول في من تجب الصدقات (37) له ومن تحرم عليه، وتسمية أصنافهم بما سماهم الله سبحانه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجب الصدقات لمن سمى الله تبارك وتعالى من عباده وذلك قوله سبحانه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (38) فهي بين ثمانية أصناف، كلما استغني صنف منهم رجعت حصته على أحوج من فيهم، فإن رأى إمام المسلمين أن يصرف ذلك كله في صنف واحد ممن سمى الله عزوجل، صرفه، من غير إجحاف، ولا إجاحة لاحد ممن سمى الله تعالى من هذه الجماعة. فأما الفقراء
ص 194 (36) التوبة 103. (37) في نسخة في من تجب الزكاة له. (38) التوبة 60.
[ 195 ]
فهم الذين لا يملكون إلا المنزل والخادم وثياب الابدان فهؤلاء هم الفقراء. والمساكين الذين نحب لهم أن يأخذوا من الصدقة فهم أهل الحاجة والفاقة والاضطرار إلى أخذها. والعاملون عليها فهم الجباة لها، المستوفون لكيلها من أيدي أربابها و أخذها. والمؤلفة قلوبهم فهم أهل
الدنيا المائلون إليها الذين لا يتبعون المحقين إلا عليها ولا غنى بالمسلمين عنهم ولا عن تألفهم إما ليتقوى بهم على عدوهم وإما تخذيلا لهم، وصدا عن معاونة أضدادهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله. ويجب على الامام أن يتألفهم لذلك وعليه، وينيلهم بعض ما يرغبون فيه. وأما الرقاب فهم المكاتبون الذين يكاتبون مواليهم على شئ معلوم، فيجب على الامام أن يعينهم في ذلك بقدر ما يرى على قدر ضعف حيلتهم وقوتها. وأما الغارمون فهم الذين قد لزمتهم الديون من غير سرف ولا سفه ولا إنفاق في معصيته، فيجب على الامام أن يقضي عنهم ما عليهم من ديونهم، ويعطيهم من بعد ذلك ما يقيمهم ويحييهم ويقوتهم ويكفيهم. وأما السبيل فهو أن يصرف جزء السبيل في التقوية للمجاهدين والاستعداد بالقوة للظالمين، مما يتقوى به من الخيل والسلاح والآلات عليهم، وذلك ما أمر الله سبحانه فيهم فقال: (وأعدوا لهم ما استطعتمم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (39). وأما ابن السبيل فهو مار الطريق، المسافر الضعيف، (40) فيعان بما يقويه ويكفيه من قليل أو كثير، يدفع إليه الامام مما له في يده ما يقوم به
ص 195 (39) الانفال 60 (40) في نسخة فيعاونه.
[ 196 ]
في كراءه ونفقته، وما يكون إن كان عاريا في كسوته، حتى ينتهي ويصل إلى بلده، وأما الذين لا حق لهم في الصدقات فهم آل رسول الله صلى
الله عليه وآله الذين حجبهم الله عن أخذها، وطهرهم عن أكلها، ونزههم عن أوساخ فضلات أيدي المسلمين، وعوضهم من ذلك خمس غنائم المشركين، من الاموال والارضين، وكلما أجلب به أهل البغي على المحقين. وذلك قول الله سبحانه: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (41) فهذا لهم بدل مما ذكرنا من الصدقات التي لا تجوز لهم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله ارتفق وأكل واستنفق من الصدقات وهو بتحريمها عليه جاهل، وجب عليه قضاء ذلك ورده وجعله حيث جعله الله من أهله، وإن كان فعله واجترأ عليه وهو عالم بتحريم الله له عليه وجب عليه رده وإخلاص التوبة من ذلك إلى ربه، وإن كان الآخذ منهم محتاجا مضطرا إليه لا يجد غيره أكل منه واستنفق، إذا خاف التلف على نفسه حتى يجد عنه متعدا، ثم يجب عليه من بعد ذلك القضاء لما أخذ من ذلك طرا، وإن وجد من الزكاة شيئا ووجد ميتة فليس له أن يأكل من الصدقات شيئا على طريق الاستحلال ورفض الاضمار لقضاء ما يأكل منها، وهو يجد عند الضرورة (42) شيئا من الميتة، إلا أن يخاف من أكل الميتة على نفسه تلفا، أو غير ذلك من الامراض، وحوادث الآفات والاعراض، فيتركها إن خاف ذلك على نفسه، لان الله سبحانه يقول في
ص 196 (41) الانفال 41. (42) في نسخة وهو يجد عنده ضرورته.
[ 197 ]
كتابه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (43) ويقول: (ولا
تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (44) ويقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (45) وإن لم يخف من ذلك شيئا على نفسه لم يجز له أكل الصدقة عند حال الضرورة إلا على طريق الاستسلاف لها وإضمار قضاء ما أكل منها، فأما على طريق الاستحلال لها بما هو فيه من الضرورة فلا، إلا على ما ذكرنا وبه من القضاء، قلنا لان الله سبحانه أطلق له عند الضرورة أن يأكل من الميتة ما يلزم نفسه ويقيم روحه، ولم يطلق في كتابه تبارك وتعالى لآل رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، مما حرم عليهم من الصدقة، فلذلك قلنا إنه لا يجوز لمن كان من آل رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأكل عند الضرورة من الصدقة شيئا، إلا على وجه الاستسلاف لها، والاضمار لقضاء ما يأكل منها، ولو أن رجلا من غيرهم ممن له يسار ومال، أضطر في حال من الحال إلى الصدقة فأكل منها لم يكن عليه قضاء لها، لانه في تلك الحال ممن ذكر الله سبحانه من المساكين، وابن السبيل، وإنما أوجبنا على آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضاء ذلك لانه لغيرهم لا لهم، وليس حالهم فيه كحال غيرهم، بل حالهم فيها حال من أخذ ما ليس له، فعليه أن يرده إلى أربابه ويسلمه إلى أهله. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل في الصدقة لبني هاشم؟ فقال: لا تحل الصدقة لهم، لما أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم
من الخمس الذي جعله فيهم، ولما جاء في ذلك من التشديد عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على نفسه وعليهم. باب القول في الزكاة تخرج من بلد إلى بلد وفي أرض الخراج وما يجب (46) عليها قال يحيى بن الحسين عليه السلام: لا ينبغي أن يخرج زكاة قوم من بلدهم إلى بلد غيرهم وفيهم من يحتاج إليها، إلا أن يرى الامام أن غيرهم من أهل الاسلام أحوج إليها فليفعل برأيه، لانه الناظر في أمور المسلمين، والمستأمن على عباد الله المؤمنين. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الزكاة هل تخرج من بلد إلى بلد؟ فقال: أمر الزكاة إلى الائمة وإنما يفرقها الامام على قدر ما يرى من القسمة، وما يلم بالمسلمين من نائبة (47) قال يحيى بن الحسين رحمة الله عليه ورضوانه: كل من كان في يده شئ من أرض الفتوح التي قد وضع عليها الخراج لزمه إخراج كراء الارض وهو الخراج ولزمه فيها أيضا ما ألزمه الله فيما أخرج له من نباتها من عشرها أو نصف عشرها الذي تكمل له بأدائه التطهرة، والزكاة فهي خلاف الخراج والخراج خلاف الزكاة لان الارض ليست له وإنما هي لله ولرسوله وللمسلمين (48) وإنما استأجرها بما عليها من الخراج منهم استيجارا وليس كراء رقبة الارض مما أزال ما أوجب الله على المسلم من الزكاة فيما أنبتت له فيها، بل عليه أداء ذلك يوم حصاده كما أمر الله سبحانه، وإنما مثل أرض الخراج في يد الزراع لها مثل إنسان استأجر
ص 198 (46) في نسخة فيها. (47) في نسخة وما يلم بالاسلام.
(48) في نسخة ولرسوله والمؤمنين.
[ 199 ]
من انسان أرضا باجرة معلومة فزرع فيها زرعا، فعليه أن يؤدي إلى صاحب الارض خراجها، وكراءها الذي شارطه عليه، وأن يخرج ما لله فيما أنبتت وأخرجت من الثمر يوم حصاده، من عشره أو نصف عشره، وذلك فعلى قدر شرب أرضه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن أرض فتحت عنوة ووضع عليها الخراج هل يؤدى عنها العشر مع الخراج أم لا؟ فقال: يؤدي العشر لانه ليس من قبالتها ولا أجرتها في شئ، الاجرة في وقبالة الارض في، والعشر زكاة وصدقة في مال المسلم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: واجب على الامام أن يأخذ منهم كرا أرض الله وهو هذا الذي يسمونه الخراج الذي وضع على أرض الفتوح لانه كراء وإن كان يسمى خراجا، فيضعه في أموال الله التي جعلها فيا، تجري على صغير المسلمين وكبيرهم، هاشميهم وعربيهم، وفارسيهم وأعجميهم، وأن يأخذ منهم ما افترض الله عليهم من الزكاة فيما يخرج من هذه الارض إذا بلغ الصنف الواحد منه خمسة أوسق، أخذ مما سقى سيحا أو فيحا بعين أو سيح أو ماء السماء، أو كان بعلا مستبعلا لا يحتاج إلى المعاهدة بالماء العشر كاملا، ومما سقي بالسواني والدوالي والزرانيق والخطارات نصف العشر، فيصرف ما أخذ من ذلك عشرا كان أو نصف عشر إلى من سمى الله من أهل الصدقات، لان ما يؤخذ من هذه الارض مختلف في الحكم، وإن كانت واحدة، فما أخذ من كرائها الذي هو خراجها فحاله في للمسلمين كحالها، وحكمه في التصريف والمعنى كحكمها، وحكم ما أخذ من زكاة المسلمين مما
أخرج الله له فيها من الثمرة كحكم غيره من أنواع الصدقة، يصرف إلى من سمى الله من الثمانية الاصناف في قوله سبحانه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب
[ 200 ]
والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل) (49) فإن رأى الامام أن صرف ذلك كله في وجه واحد أصلح للمسلمين صرفه، وكان جايزا له، والامر فيه إليه والنظر للمسلمين واجب عليه. باب القول في تفسير من يأخذ من الصدقة ومن لا يأخذ منها وكم يأخذ منها المحتاج إليها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يأخذ من الصدقة من كان في ملكه ما يجب فيه الصدقة من أي الاصناف كان، طعاما أو نقدا أو ماشية أو عرضا، إذا كان مستغنيا عن ذلك العرض ويأخذ من الصدقة من كانت له غلة لا يجب عليه فيها الصدقة وذلك أن يكون أقلا من الخمسة الاوسق فله أن يأخذ من الزكوة فإن جائت غلته بخمسة أوسق وكان يخشى أتفنى غلته، أو كان يوقن أنها لا تكفيه وعياله سنتهم، فلا يأخذ من الزكاة شيئا وإن خشي على نفسه وعياله الحاجة، لان عنده وفي ملكه ما تجب فيه الزكاة، ولا يجب له بتخوفه ولا يقينه شئ من أموال المسلمين، لان مع اليوم غدا، ولعل الله أن يبطل خوفه، ويوسع غدا ما ضاق اليوم من رزقه، فإنه سبحانه يقول: " فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) (50) ويقول سبحانه: (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) (51) ومع هذا الرجل اليوم من غلته ما يكفيه طرفا من مدته، وغيره من فقراء المسلمين
ممن لا شئ معه، أحوج إلى هذا الذي يطلب هذا أخذه من الصدقة.
باب القول كم يأخذ المحتاج من الصدقة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا يجوز لفقير ولا محتاج أن يأخذ من الصدقة ما يجب في مثله الصدقة، ولكن يأخذ ما دون ذلك بيسير أو كثير على قدر حاجته وكثرة عياله إن كان فردا برأسه أخذ خمسين درهما أو قيمتها من سائر الاشياء، وإن كان ذا عيال فأخذ نقدا ذهبا أخذ تسعة عشر مثقالا، وإن أخذ فضة أخذ مائتي درهم إلا خمسة دراهم، وإن أخذ كيلا أخذ خمسة أوسق إلا ثلث وسق، وإن أخذ إبلا أخذ منها أربعا، وإن أخذ بقرا أخذ منها تسعا وعشرين بقرة، وإن أخذ غنما أخذ تسعا وثلاثين شاة وإن أخذ شيئا من ثمر عضاة الارض من رمانها أو تفاحها أو غير ذلك من ثمارها أخذ ما يساوي مائتي درهم إلا خمسة دراهم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: إذا لم يكن امام عادل ممن يستأهل أن تدفع إليه الزكوات فرقها أهلها الذي يجب عليهم وفي أموالهم على من ذكر الله. وسمى إخوانهم، ويبدأ صاحب الصدقة بمن لا يجب عليه نفقته من أقاربه ومواليه وجيرانه، ثم يعم من أمكنه وبلغته صدقته من المسلمين ممن يستحقها، من أهل الورع من المسلمين، ومن كان من أقاربه مخالفا في الدين فالاباعد من المؤمنين أحق بها منه. باب القول فيمن أكتسب مالا وعنده قبله مال يجب فيه الزكاة والقول في زكاة المال الضال
والمال المسروق، والمال المغلوب عليه صاحبه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من كان عنده خمسة وعشرون مثقالا، فأقامت عنده أقل من حول ثم أكتسب إليها مالا فإنه يزكي الاخر مع الاول إذا تم للاول حول، وكذلك لو أشترى به عبدا
[ 202 ]
أو فرسا أو متاعا للتجارة ينتظر به الربح، ثم أفاد مالا آخر فاشترى به فرسا، آخر فإنه يزكي عن ذلك كله على قدر قيمته يوم حال على الاول الحول، ولا ينظر إلى قرب مكتسب المال الاخر، فإن الزكاة تجب في المال المكتسب حديثا إذا ملكه ذومال محيل. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وأما من ضاع منه مال أو ضل فأقام سنين ثم وجده بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يزكي عنه لما مضى من تلك السنين التي كان فيها ضالا عنه، وتفسير ذلك: رجل سقطت منه خمسة وعشرون دينارا فلم يجدها إلا بعد سنتين، فإنه إذا وجدها أخرج منها ما يجب فيها في كل سنة، يخرج على الاولى ربع عشر خمسة وعشرين وهي أثنا عشر قيراطا ونصف بالقراريط العراقية، حساب الدينار عشرون قيراطا، ويخرج عليه للسنة الثانية أثني عشر قيراطا ونصف حبة وربع ربع الحبة، وكذلك المال المسروق إذا رد، أخرج منه زكاة ما أقام مسروقا من السنين وكذلك كل ما غلب عليه مسلم في دار الاسلام، لانه وإن كان في يد الغالب عليه لصاحبه المغلوب عليه غير خارج من ملكه يحكم له بأخذه إمام المسلمين وينتزعه له من يد غالبه عليه بحكم رب العالمين. باب القول فيما غلب عليه المشركون
من أموال المسلمين قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو غلب المشركون على مال لبعض المسلمين، من ماشية أو غيرها، فأقام في أيديهم سنة أو سنتين، ثم غلب عليه المسلمون بعد ذلك فصاحبه أولى به، ما لم تجر فيه المقاسمة بين المسلمين، فإذا أخذه فلا زكاة عليه فيه لانه
[ 203 ]
لم يكن له في عداد مال حين غلب عليه المشركون، وكان في أيديهم، وإنما قلنا إنه لا يعتد به، وإنه ليس كغيره من أمواله من أنها لو جرت فيه المقاسم من قبل أن يدعيه صاحبه أو يتعرفه مالكه، لم يجب له أخذه ممن وقع في قسمه إلا أن يخرج قيمته، فيكون أولى به من بعد إخراج ثمنه فهذا الفرق بين ما غلب عليه المشركون وحازوه عن المسلمين ثم رجع إلى صاحبه في غنايم المسلمين من المشركين، وبين ما يغلب عليه في أرض الاسلام أهل الطغيان والعدوان، مما يحكم برده عليهم أهل الايمان. باب القول في الرجل يكون له غلة وعليه دين أو يكون معه مال يجب في مثله الزكاة وعليه مثله دينا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من كان عليه وسقان من طعام وخرج له من أرضه خمسة أوسق طعاما فإنه يزكي الخمسة الأوسق ولا يحتسب في غلته بما يجب عليه من دينه، لانه لو أخرج من ذلك ما عليه لم يبق له من غلته ما تجب فيه الزكاة ولكن الزكاة، ثم الدين من بعد ما يجب لله في أرضه، وكذلك إن كانت غلته عشرة أوسق وعليه عشرة
أوسق أخرج الزكاة من جميع ذلك ثم قضى الدين، وكذلك من كان عليه عشرون دينارا، وفي ملكه عشرون دينارا، فعليه أن يزكي ما يملكه، وإن كان عليه مثلها دينا ولا يلتفت إلى قول من قال بغير ذلك من المرخصين لانه لا يخلوا من أن تكون هذه الدنانير له ملكا يملكها وإن كان عليه من الدين مثلها، أو لا تكون له ولا في ملكه، بما زعموا عليه من دينه، فإن كانت له وفي ملكه جاز له أن يتصدق منها وينكح فيها ويأكل ويشرب، فإذا جاز له ذلك منها وجب عليه الزكاة فيها، وإن كان لا يجوز له أن ينكح
[ 204 ]
فيها ولا يتصدق ولا يأكل ولا يشرب منها فلا يجب عليه الزكاة فيها وهذا فلا أعلم بين من حسن علمه وجاد قياسه وفهمه إختلافا في أنه يأكل منها وينكح فيها. وكذلك من كان عليه مائتا درهم وله مائتا درهم فإذا حال الحول عليها وجبت عليه فيها الزكاة، ولا ينظر إلى ما هو عليه من الدين. باب القول في الرجل يصرف ماله في التجارة فيشتري به عروضا فينقص ثمنها أو يزيد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا صرف مالا يجب في مثله الزكاة في عروض يتجر فيها من بز أو قز، أو طعام أو حيوان، فإنه يزكيه عندما يحول عليه الحول، على قدر قيمته، في ذلك الوقت الذي يجب على مثله فيه الزكاة، ولا ينظر إلى تقلب سعره وزيادة ثمنه أو نقصانه، قبل رأس الحول ولا بعد رأسه، ولكن ينظر إليه عند وقت وجوب ما يجب عليه من زكاته، وتفسير ذلك رجل أشترى فرسا بمائة دينار، فحال عليه الحول وهو يسوى على رأس الحول مائة وخمسين دينار، فإنه يخرج زكاة مائة وخمسين دينار، وكذلك لو حال عليه الحول
وغشيه وقت الزكاة، وهو يسوى خمسين دينارا لم يجب عليه أن يخرج زكاة ما ليس في يده، ولكنه يزكي عنه على قدر ما في يده من قيمته، في وقت وجوب الزكاة على ماله، لان الاموال تزيد وتنقص، والزكاة فإنما يجب عليها في رأس الحول فإن لحقت الزكاة زيادة في المال، ضربت فيها بسهمها، وإن صادفت نقصانا أخذت مما وجدت فيه في وقتها.
[ 205 ]
باب القول في زكاة المال من الابل تكون بين الرجلين نصفين سواء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان بين انسانين ثمان من الابل لكل واحد منهما أربع فلا زكاة عليها في شئ من ذلك، فإن كان بينهما عشر من الابل فعلى كل واحد منهما شاة، فان كان بينهما ست عشرة فلا شئ عليهما غير الشاتين، وكذلك لا شئ عليهما فيما دون العشرين فإذا تمت عشرين فعليهما أربع شياه على كل واحد منهما شاتان وأن كان بينهما ثلاثون من الابل نصفين فعلى كل واحد منهما ثلاث شياة وإن كان بينهما أربع وثلاثون من الابل أو ست وثلاثون فلا شئ فيهما غير ثلاث شياة على كل واحد، فإن كانت أربعين فعلى كل واحد منهم أربع شياة فإن كان بينهما ست وأربعون فليس فيها غير ذلك حتى توفى خمسين، فيكون عليهما ابنتا مخاض، على كل واحد ابنة مخاض في حقه، فإن كانت بينهما ستون فلا شئ عليهما غير ابنتي مخاض، فإن كانت سبعين فليس فيها شئ غيرهما فإن بلغت اثنتين وسبعين فعليهما ابنتا لبون على كل واحد منهما ابنة لبون فان كانت ثمانين فلا شئ فيها ولا في التسعين غير ابنتي لبون، فإن كانت اثنتين
وتسعين ففيها حقتان على كل واحد منهما حقة، فإن كانت مائة فلا شئ فيها عليهما غير الحقتين ولا في مائة وعشر ولا في مائة وعشرين حتى تزيد على المائة والعشرين اثنتين فيكون فيها حينئذ جذعتان على كل واحد منهما جذعة، فإن كانت ثلاثين ومائة فلا شئ فيها غير ذلك ولا في أربعين ومائة ولا في خمسين ومائة، فإن زادت على الخمسين والمائة اثنتين ففيها أربع بنات لبون على كل واحد منهما ابنتا لبون، فإن كانت ستين ومائة فلا شئ فيها غير ذلك، ولا في سبعين ومائة، ولا في ثمانين
[ 206 ]
ومائة، فإن زادت على الثمانين ومائة اثنتين ففيها أربع حقاق، على كل واحد منهما حقتان، ثم ليس فيها غير ذلك، حتى تبلغ أربعين ومائتين فيكون فيها أيضا أربع حقاق، على كل واحد منهما حقتان، فإذا كثرت الابل ففي كل خمسين ملكها واحد منهما حقة، وما كان من هذا الباب فعلى هذا الحساب الذي شرحت لك فأحسبه إن شاء الله وقس عليه. باب القول في زكاة المال من البقر يكون بين الرجلين نصفين سواء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن كان بين انسانين خمسون بقرة فلا شئ فيها عليهما إذا كانت شركتهما فيها سواء، ولم يكن لاحدهما منهما ما يجب عليه فيه الزكاة، وان كانت ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان والتبيع فهو الحولي، وإن كانت سبعين فلا شئ فيها غير التبيعين فإن كانت ثمانين ففيها مسنتان على كل واحد منهما مسنة، وإن كانت مائة أو مائة وعشرا فلا شئ فيها غير ذلك، وإن كانت مائة وعشرين ففيها أربع تبايع على كل واحد منهما تبيعان، ثم لا شئ فيها
حتى تبلغ أربعين ومائة فإذا بلغت أربعين ومائة ففيها مسنتان وتبيعان على كل واحد منهما مسنة وتبيع إلى ستين ومائة، فإذا بلغت ستين ومائة ففيها أربع مسان، على كل واحد منهما في حقه مسنتان إلى ثمانين ومائة، فإذا بلغت ثمانين ومائة فعلى كل واحد منهما ثلاث تبايع إلى مائتين فإذا تمت مائتين ففيها مسنتان وأربع تبايع على كل واحد منهما مسنة وتبيعان في حقه إلى مائتين وعشرين، فإذا بلغت مائتين وعشرين ففيها أربع مسان وتبيعان على كل واحد منهما مسنتان وتبيع إلى أربعين ومائتين فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها ست مسان على كل واحد منهما ثلاث مسان في
[ 207 ]
حقه، وما أتاك من هذا الباب فقسه على هذا الحساب الذي شرحت لك إن شاء الله تعالى. باب القول في زكاة الغنم تكون بين الرجلين نصفين سواء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان بين الشريكين أربعون شاة، أو خمسون شاة أو ستون شاة، أو سبعون شاة فليس فيها عليهما زكاة، فإذا تمت ثمانين شاة ففيها عليهما شاتان، على كل واحد منهما شاة، فإن كانت مائتين فلا شئ فيها غير الشاتين وكذلك إن كانت مائتين وأربعين فلا شئ فيهما غيرهما، فإن زادت على الاربعين ومائتين شاتين فعليهما فيها أربع شياة إلى أربع مائة، فإن زادت على الاربع مائة شاتين، فعليهما ست شياة وإن كانت خمس مائة فلا شئ فيها غير ذلك وكذلك إن كانت ست مائة فإذا كثرت الغنم فبلغت عددا كثيرا ففي كل مائتين شاتان، على كل واحد منهما شاة، وفي ثماني مائة ثمان شياة وفي
ألف شاة عشر شياة، وما أتاك من هذا الباب فقسه على هذا الحساب. باب القول فيما يعمل الشريكان اللذان يترادان الفضل بينهما وكيف تؤخذ زكاتهما قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تفسير ذلك أن يكون سبعون شاة بين رجلين لاحدهما أربعة أسباعها ولاخر ثلاثة أسباعها فينبغي للمصدق المستعمل على قبض الزكاة أن يأخذ من هذه الغنم شاة ويترادان الفضل بينهما يرد الذي وجبت عليه الزكاة وهو صاحب الاربعة أسباع وهي أربعون شاة على الذي لم تجب عليه زكاة وهو صاحب الثلاثة أسباع والثلاثة الاسباع ثلاثون شاة فيرد ثلاثة أسباع شاة وهو الذي
[ 208 ]
يجب له في الشاة التي أخذ العامل من غنمهما على صاحب الاربعين شاة وكذلك إذا كان بينهما مائة شاة لاحدهما ثلاثة أرباعها وللاخر ربعها فأخذ المصدق منها شاة وجب على صاحب الثلاثة الارباع أن يرد على صاحب الربع ربع شاة، يعطيه قيمته أو ما تراضيا عليه في ذلك، لان الزكاة إنما وجبت على صاحب الثلاثة أرباع لان الثلاثة أرباع خمس وسبعون شاة ففيها شاة وصاحب الربع لا يجب عليه زكاة لان الربع خمس وعشرون ولا يجب في خمس وعشرين شئ، وكذلك لو كان بين رجلين مائة وخمسون شاة، لواحد ثلثاها وللاخر ثلث كان ينبغي للمصدق أن يأخذ من ذلك شاتين، ويرد صاحب الثلث على صاحب الثلثين ثلث شاة، لان الصدقة واجبة عليهما جميعا يجب على صاحب المائة شاة شاة واحدة وعلى صاحب الخمسين شاة شاة فإن كانت بينهما أربعون ومائة شاة لاحدهما منها ثلاثة أخماسها وللاخر خمساها، فأخذ
المصدق منها شاتين فإنه ينبغي لصاحب الخمسين أن يرد على صاحب الثلاثة أخماس خمس شاة، وكذلك القول إن كانت بينهما مائة وستون شاة لاحدهما ثلاثة أرباعها وللاخر ربعها فإنه ينبغي للمصدق أن يأخذ منها شاتين ويرد صاحب الربع على صاحب الثلاثة أرباع نصف شاة، من قبل أن الزكاة واجبة عليهما جميعا على صاحب الربع شاة لان له أربعين شاة، وعلى صاحب الثلاثة أرباع شاة، لان له مائة وعشرين فيقول: صاحب المائة وعشرين لصاحب الاربعين يجب علي شاة وعليك شاة وقد أخذ المصدق شاتين، فلي فيهما ثلاثة أرباعهما وهو شاة ونصف، وأنت إنما أخرجت نصف شاة وقد أخرجت عنك نصف شاة فاردده علي، ولولا أن صاحب الاربعين يرد على صاحب المائة وعشرين نصف شاة لما كان أخرج في زكاة الاربعين إلا نصف شاة وهذا لا يكون.
[ 209 ]
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك يفعل الشريكان في غير الغنم. باب القول فيما لم يؤخذ من الابل من الاسنان الواجبة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تفسير ذلك أن يكون لرجل تسع وثلاثون من الابل فتجب عليه فيها ابنة لبون، فلا يكون في الابل إبنة لبون ويكون فيها إبنة مخاض فإن المصدق يأخذ إبنة المخاض، ويأخذ فضل ما بينهما نقدا، وقد رويت فيما بينهما روايات وقيل فيه بأقاويل، ولسنا ندري ما صحيح ذلك، غير أن أخذ ما يعلم الناس بينهما من الفضل أصلح الامور وأعدلها، وكذلك لو كان له
خمسون من الابل، فوجبت عليه فيها حقة فإن لم توجد الحقة وكان في الابل ابن لبون أخذه وأخذ معه ما بينهما من الفضل وكذلك إن لم يكن فيها ابن لبون وكان فيها جذعة أخذها ورد فضل ما بين الحقة والجذعة على صاحب الابل بقيمة عدل. باب القول في تأخر زكاة المواشي سنتين أو ثلاثا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تفسير ذلك أن يكون لرجل تسع من الابل فلا يكون صاحبها أخرج زكاتها سنتين فإنه بجب عليه أن يخرج عنها الآن شاتين، ثم يستأنف في كل سنة شاة، فإن وفت عشرا ففيها في كل سنة شاتان، فإن كان لرجل مائة وإحدى وعشرون شاة فتأخرت زكاتها سنتين فإنه يخرج الآن ثلاث شياة للسنة الاولى شاتين من مائة واحدا وعشرين شاة، وللسنة الثانية شاة زكاة تسع عشرة ومائة شاة
[ 210 ]
فإن كانت له مائتا شاة وسبع شياة ولم يزكيها ثلاث سنين وهي على حالها من العدد، فإنه يجب عليه أن يخرج الآن للسنة الاولى ثلاث شياة، وللسنة الثانية ثلاث شياة، وللسنة الثالثة ثلاث شياة، فقد بقي له مائتان الا شاتين، فإن دار الحول على ما بقي من هاتين المائتين الا شاتين ففيها شاتان، وكذلك كلما أتاك من هذا الباب مما أخر صاحبه زكاته سنتين. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا كان له إحدى وأربعون بقرة فلم يخرج زكاتها سنتين وجب عليه فيها الآن مسنتان فإن لم يخرج زكاة هذه الاحدى وأربعين ثلاث سنين وجب عليه فيها
على رأس الحول الثالث مسنتان وتبيع وانما قلنا ذلك لان الزكاة وجبت على الاحدى وأربعين في أول سنة مسنة وكأنه بقي أربعون، ثم حال الحول الثاني على أربعين فوجبت فيها مسنة أيضا فبقيت تسع وثلاثون فحال عليها الحول الثالث وهي تسع وثلاثون فوجب فيها تبيع أو تبيعة، فقس كلما أتاك من هذه الاموال التي توخر زكاتها حولا أو أكثر على ما فسرت لك إن شاء الله تعالى. باب القول في تأخر زكاة الذهب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو كان لرجل ثلاثون مثقالا فتأخرت زكاتها سنتين لوجب عليه أن يخرج للسنة الاولى ربع عشر ثلاثين مثقالا، وأن يخرج للسنة الثانية ربع عشر تسعة وعشرين مثقالا (52) وربع، وكذلك لو كان أربعون دينارا فحبس زكاتها حولا ونصفا، فلما أن كان في النصف من الحول الثاني ضاع منها عشرون ثم لم يخرج زكاة
ص 210 (52) وذلك لان الواجب عليه في السنة الاولى مثقالا الا ربعا.
[ 211 ]
شئ من ذلك حتى تم حولان فإنه يجب عليه أن يخرج على الاربعين التي كان حال عليها الحول الاول مثقالا سواء، ويخرج لهذه العشرين التي لحقت معه رأس الحول الثاني نصف مثقال، ولا شئ عليه في الذي ضاع في نصف الحول، لانه لم يحل عليه حول ثان، إلا أن يجدها يوما من الدهر فيزكيها لما مضى من الدهر في غيبتها عنه. باب القول في تأخر زكاة الفضة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن رجلا كانت عنده مائتا درهم فحال عليها ثلاثة أحوال، ولم يخرج لشئ منها زكاة فإنه
يجب عليه أن يخرج عنها زكاة عام واحد خمسة دراهم وهو أول حول حال عليها ثم لا شئ عليه في الحولين الآخرين لانه لما أن لزمه من المائتين في أول حول خمسة دراهم بقيت مائة وخمسة وتسعون درهما فحال الحولان الآخران على ما لا يجب فيه الزكاة منها، فان كان عند رجل مائتان وخمسة دراهم فحال عليها حولان ولم يخرج لها زكاة فانه يجب عليه أن يخرج للحول الاول خمسة دراهم وثمن درهم، ولا يجب عليه في الحول الثاني شئ، لانه حال عليها وهي أقل من المائتين بثمن، فان كان عنده ألف درهم فحال عليها حولان لم يخرج لها زكاة، فانه يجب عليه أن يخرج للحول الاول ربع عشر ألف ويخرج للحول الثاني ربع عشر تسعمائة وخمسة وسبعين درهما. باب القول في الجمع بين الذهب والفضة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو كان عند رجل خمسة دنانير ومائة درهم فحال عليها حولان ولم يؤد فيها زكاة كان الواجب عليه عندنا أن يجمع الدنانير إلى الدراهم بصرفها، لان بجمع هذه الدنانير
[ 212 ]
إلى هذه الدراهم بصرفها تجب الزكاة في الدراهم، فإن كان الصرف عشرين درهما بدينار، فكأن هذه مائتا درهم، مائة صرف الدنانير وهذه المائة درهم الاولى فيجب عليه أن يخرج من ذلك لاول حول خمسة دراهم ولا شئ عليه في الحول الثاني لانه حال والدراهم أقل من المائتين بما نقص منها من زكاة الحول الاول، وكذلك لو كان عنده خمسة عشر دينارا ومائة درهم فحال عليه حول واحد، ضمت الدراهم إلى الدنانير بصرفها وكانت المائة درهم خمسة دنانير وكأنها إذا ضمت
إليها عشرون دينارا فيجب عليه أن يخرج عنها نصف مثقال. باب القول في الحكم في أهل الصدقات إذا أبطأ عنهم المصدق وقتا ثم أتاهم فذكروا أنهم قد أخرجوها لمن كانوا يرون دفعها إليهم من فقرائهم ومساكينهم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي له أن يسأل عن ذلك ويسألهم البينة عليه ويفتش عن ذلك تفتيشا حسنا، فإن صح له ذلك أمضى ذلك لهم في ذلك الحول، وشدد عليهم فيما كان من جهلهم ويقدم إليهم أن لا يعودوا لمثلها، وأعلمهم أنهم أن عادوا لمثل ذلك لم يجزه لهم، وأخذ منهم ما يجب عليهم، فإن عادوا في السنة المقبلة، لم يجز ذلك لهم من بعد التقدمة إليهم وأخذها كاملة منهم، وإن زعموا أنهم قد أخرجوا بعضها ولم يكن تقدم إليهم في ذلك، بحث عن قولهم وسألهم البينة فإن صح ما قالوا عنده أجازه لهم وتقدم إليهم أن لا يعودوا لمثلها، وإن لم تقم لهم بذلك بينة ولم يصح عنده ما ادعوا لم يلتفت إلى قولهم وضمنهم جميع ما يجب عليهم من الصدقة كاملة.
[ 213 ]
باب القول فيما يؤخذ من بني تغلب نصارى الجزيرة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بنو تغلب هؤلاء كانوا قد ضجوا من الجزية وأنفوا عنها وسألوا أن تضاعف عليهم الصدقة فأجيبوا إلى ذلك وشرط عليهم ألا يصبغوا أولادهم، ومعنى قوله: أن لا يصبغوا أولادهم أي لا يدخلوهم في ملتهم، ثم قد صبغوا أولادهم
وخالفوا شرطهم ولو أظهر الله إمام الحق لرأيت له أن يدعوهم إلى الاسلام فإن أبوا أن يدخلوا فيه قتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم واصطفى أموالهم لانهم قد نقضوا ما عوهدوا عليه، وكذلك يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: لئن مكن الله وطأتي لاقتلن رجالهم ولاسبين ذراريهم، ولآخذن أموالهم لانهم قد نقضوا عهدهم وخالفوا شرطهم بادخالهم أولادهم في دينهم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: فأما ما لم تظهر كلمة الحق وتخفق راية الصدق فإنه يؤخذ منهم في كل أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، يؤخذ منهم في الذهب والفضة نصف العشر من العشرين مثقالا ومن الاربعين مثقالا مثقالان وما زاد فبحساب ذلك نصف العشر كاملا ويؤخذ منهم في مائتي درهم عشرة دراهم وفي أربعمائة درهم عشرون درهما نصف العشر كاملا وكذلك يؤخذ منهم في كل خمس من الابل شاتان، وفي عشر أربع شياة، وفي خمس وعشرين ابنتا مخاض وفي ست وثلاثين ابنتا لبون وفي ست وأربعين حقتان، وفي إحدى وستين جذعتان، وفي ست وسبعين أربع بنات لبون وفي احدى وتسعين أربع حقاق، فإن كثرت الابل ففي كل خمسين حقتان، وكذلك يؤخذ منهم في البقر في ثلاثين تبيعان أو تبيعتان، وفي أربعين مسنتان، وفي ستين
[ 214 ]
أربع تبايع، وفي سبعين مسنتان وتبيعان، وفي ثمانين أربع مسان، وفي تسعين ست تبايع، وفي مائة مسنتان وأربع تبايع، وما زادت فبحساب ذلك، وفي كل ثلاثين تبيعان، وفي كل أربعين مسنتان، وكذلك يؤخذ منهم في الغنم، يؤخذ منهم في الاربعين شاة شاتان، وفي احدى
وعشرين ومائة أربع شياه، وفي احدى ومائتين ست شياة، وفي ثلاث مائة شاة ست شياه أيضا، فإن كثرت الغنم ففي كل مائة شاتان، وكذلك يؤخذ منهم فيما أخرجت الارض الخمس كاملا والعشر كاملا، ما سقي سيحا أو فيحا بالعيون أو بماء السماء ففيه الخمس إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالسواني والدوالي والخطارات ففيه العشر كاملا، إذا وفي ذلك خمسة أوسق، ولا يؤخذ منهم في شئ من أموالهم صدقة حتى تبلغ ما يجب على المسلمين في مثله الزكاة من العشرين مثقالا والمائتي درهم والخمس من الابل والثلاثين من البقر والاربعين من الغنم والخمسة أوسق من المكيل، وما يسوى مائتي درهم من الثمر الذي لا يكال فإذا بلغ ذلك أخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين فيه. قال يحيى بن الحسين رحمة الله عليه: وما أخذ من بني تغلب فهو في يجوز ويحل للهاشمي وغيره من أهل ديوان المسلمين، وليس ذلك كأعشار المسلمين وزكواتهم، لان ذلك صدقة أفترضها الله عزوجل على المسلمين يطهرهم ويزكيهم بها، ويرفع لهم الدرجات في الآخرة عليها وهذه التي أخذت من هؤلاء النصارى بدل من جزيتهم إخزاء وأذلالا لهم ليتركوا على دينهم، كما أخذت من اليهود والنصارى جزيتهم وتركوا على دينهم مقيمين فلذلك قلنا إن كلما أخذ من هؤلاء التغلبيين خلاف ما أخذ من المسلمين، وقلنا إنه يجرى مجرى جزية أهل الذمة، ولا يجرى مجرى اعشار أهل الملة ولا يؤخذ من بني تغلب على رؤوسهم جزية،
[ 215 ]
لانهم قد صولحوا بهذه الاعشار عليها فطرح عنهم ما يؤخذ من أهل الذمة منها.
قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وقد قال بعض من قال إنه لا يؤخذ من أموال صبيانهم كما لا تؤخذ الجزية من صبيان أهل الذمة وليس ذلك عندي بشئ بل أرى أن يؤخذ من كل من كان له مال من رجالهم ونسائهم وصبيانهم لانهم أبوا الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة لئلا يجروا مجرى الاسرائليين، ورضوا بأن يجروا مجرى المسلمين في أخذ الاعشار منهم وتضاعف عليهم الاعشار فرقا بين المسلمين وبينهم فأجروا في ذلك مجرى من يؤخذ منه الاعشار والاعشار فقد يؤخذ من كل ذي مال من المسلمين من رجل أو امرأة أو صبي فلذلك قلنا إنه يؤخذ ممن طلب أن يجرى مجرى الاعشار ولا يجرى مجرى الجزية ويؤخذ من هؤلاء التغلبيين ما يؤخذ من ذوي الاعشار من كل من يؤخذ منه في ماله عشر. باب القول في زكاة الفطر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: زكاة الفطر تجب على كل عيل من عيال (53) من كان من المسلمين يجد، السبيل إليها وهي شئ جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وفرضه على المسلمين وأمرهم بأدائه صلى الله عليه وآله في يوم فطرهم شكر الله عز وجل على ما من به عليهم من تبليغهم لاستتمام ما فرض عليهم الله من صومهم وتزكية لما تقدم في شهرهم من عملهم ونظرا منه صلى الله عليه
ص 215 (53) في نسخة من عيال المسلمين.
[ 216 ]
وعلى آله وسلم لفقرائهم وأغنيائهم (54) في مثل ذلك اليوم العظيم والعيد الشريف الكريم، فأراد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيب الاغنياء
من المسلمين في ذلك اليوم أجرا عند رب العالمين، بما يطعمون من الطعام ويوسعون به على ضعفة الانام وأراد أن يتسع الفقراء في ذلك اليوم في فطرة الاغنياء، كما يتسع أهل الاموال في فضل أموالهم ففسح صلى الله عليه وآله بذلك للمساكين والمعسرين، حتى نالوا في ذلك اليوم من السعة (55) منال المتوسعين، رحمة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعباد واصلاحا بذلك في البلاد. باب القول في تسمية زكاة الفطر وتحديدها وتسمية من تجب عليه من الناس قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجب الزكاة الفطر على الحر والمملوك والصغير والكبير والذكر والانثى من المسلمين وواجب على كل من كان يعول أحدا من المسلمين أن يخرج عنهم زكاتهم في يوم فطرهم، وهي صاع من بر، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من ذرة أو صاع من أقط، لاصحاب الاقط، أو صاع من زبيب أو غير ذلك مما يستنفقه المزكون. باب القول في زكاة الفطر متى تخرج والى كم يجوز للمؤخر أن يؤخرها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تجب الزكاة مع وجوب الافطار وهي في أول ساعة من أول يوم من شوال وهو يوم الفطر ويستحب
ص 216 (54) في نسخة واغتنائهم. (55) في نسخة مثل ما نال.
[ 217 ]
أن يصيب المؤدون لها شيئا عند اخراجهم لها قبل أن يخرجوها ولو شربوا
ماء ثم يخرجونها قبل صلاة عيدهم، وهذا فأحسن أوقاتها عندي، وليس بضيق على من خلفها إلى وسط يومه ولا إلى آخره غير أنا نستحب له أن يعجل إخراجها إلى من جعلت له لينال فيها فقراء المسلمين من الاتساع في ذلك اليوم ما ينال الاغنياء المزكون لانه يوم سعة، وعيد وسرور للعبيد، ولا ينبغي لاحد أن يؤخرها عن يوم العيد، ولا أن يحبسها على أصحابها الذين حكم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم بها، الا أن لا يجد المخرج لها قربه أهلا ولا مستحقا، فيحبسها حتى يأتي لها أهل، أو يعلم لها مستحقا بغير بلده، فيوجه بها إليه، ولا يبطئ بعد الامكان بها عليه، فإن لم يمكنه رسول يرسله بها ولم يتهيأ قربه من يستأهلها فهو في فسحة من أمرها إلى أن يتهيأ ذلك له فيها، لان الله تبارك وتعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (56). باب القول فيمن لم يجد طعاما يخرجه في زكاة الفطر هل يجوز له أن يخرج نقدا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا ينبغي أن تخرج زكاة الفطر إلا طعاما، فإن لم يجد المزكي حيلة إلى شئ من الطعام فلا بأس أن يخرج قيمة الطعام دراهم، يخرج عن كل إنسان قيمة صاع من طعام، وتكون تلك القيمة قيمة صاع مما يأكل هو وعياله ويستنفقون، إلا أن يحب أن يخرج قيمة صاع من أفضل الاشياء وهو البر، فتكون له تلك فضيلة، فأما الواجب فليس يجب إلا مما يأكل هو وعياله ويستنفقون وإن لم يكن عنده من يستأهل النقد ولا الطعام، وعلم
ص 217 (56) البقرة 289.
[ 218 ]
بمكان فيه من يستأهل زكاته وجه إليه بطعام، فإن لم يمكنه بطعام وجه بنقد، وأمر أن يشتري بذلك النقد طعام، ثم يفرق على من يستأهله من أهل ديانته، قال: وإنما حظرنا عليه إخراج زكاته دراهم إلا من ضرورة، وأوجبنا واستحببنا له أن يخرج كيلا لان الكيل أيسر وأهون وأعجل خيرا للمساكين في يوم عيدهم، وأن الموسر المتصدق أقدر على بغية الطعام وطلبه من الفقراء والمساكين. باب القول فيما ينبغي لصاحب الزكاة التي تجب عليه الفطرة أن يفعل فيها من التأهب لها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي لمن وجبت عليه بالجدة والمقدرة فطرة أن كان في بلد يخاف أعواز الطعام به، ويخشى أن لا يجده يوم فطرة، أن يتأهب لذلك ويرسل له ويطلبه حتى يشتريه، ويحصل عنده ما يجب عليه منه يتأهب لذلك ويطلبه في أول شهر رمضان، أو في بعضه على قدر ما يتهيأ له من أمره، وإن أحتاج أن يتأهب له من قبل دخول شهر رمضان فليفعل فإن ذلك أقرب له إلى ربه وأعظم إن شاء الله لاجره باب القول فيما يعمل من كان له مال غايب ولم يحضره في وقت فطره ما يخرجه عن عياله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من كان ذا مال ومقدرة واستطاعة لاخراج الفطرة وكان ماله غائبا عنه ولم يجد له يوم عيده حيلة إلى أخراج فطرته فليرغ (57) السلف من إخوانه فإن قدر على ذلك أخذه
ص 218 (57) أراغ بالعين المعجمة أراده وطلبه.
[ 219 ]
وأدى به فطرته، وإن لم يجد ذلك ولم يمكنه فهو دين عليه إلى وقت
رجوع ماله إليه فإذا صار إليه من ماله ما يؤدي عنه زكاته زكى منه، وأخرج ما كان عليه، وإنما أمرنا بإراغة السلف لان يكون قد إجتهد حتى بلغ المنتهى، وجاز له من بعد ذلك الترك لاخراج زكاته إلى وقت مقدرته، فرأينا له الاجتهاد في ذلك، فإن لم يجده بحيلة كان ممن قال الله سبحانه: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (58). (وإلا ما آتاها) (59). باب القول فيمن كانت له ثمرة من رطب أو عنب أو غيره تجب في مثلها الزكاة ولم يمكنه تركها إلى وقت يبسها بسبب من الاسباب مخافة عليها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من كان له نخل يسير أو عنب يسير وكان يحتاج إلى أكله رطبا أو بيعه، ولم يمكنه أن ييبسه ولا أن يترك مقدار ما يجب عليه من ذلك في شجره مخافة عليه من التلف، فلا بأس أن يخرجه عند وقت كمال جودته واستوائه كله إذا لم يبق فيه بلح ولا خضرة وصار إلى الحد الذي ينتفع به أهله، ولا يسقط عنهم فيه بعضه ويدفعه إلى أربابه بخرصه رطبا كما يخرص النخل كلها لان خرص كل رطب خلاف خرس اليابس، فيجب عليه أن يخرجه بخرصه في روس النخل معدلا تمرا، ولا يخرجه رطبا كيلا ويحتاط على نفسه في ذلك. وإنما يجوز له أن يخرج ذلك إلى أصحابه الذين جعله الله لهم على ما ذكرنا إذا لم يكن إمام يقبضه، ويجوز له دفعه إليه، فأما إذا كان إمام فهو الناظر في ذلك إن أحب أن يأخذه رطبا أخذه وإن أحب أن يأمره
ص 219 (58) البقرة 289. (59) الطلاق 7.
[ 220 ]
بتركه في روس شجرة، ويأمر الامام به من يحفظه فعل، وإن رأى أن يأمر ببيعه فعل، وإنما أحببنا لمن عدم الامام أن يخرج زكاة تلك الثمرة رطبة على حالها ويسلمها عند وقت جودتها إلى أربابها لان يكون قد أخرج زكاة كل شئ منه وبذلك جاءت السنة، فإذا كان شجر هذا يذهب كله رطبا، ولا ييبس صاحبه منه شيئا أحببنا له أن يخرج زكاته منه دون غيره باب القول في تفسير مخارج الزكاة وتفسير معانيها وشرحها في الكتاب والسنة واللغة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تخرج الزكاة في اللغة على ثلاثة معان فأولها: زكاة الابدان وتزكيتها بما يدنيها من الله ويقربها من الاعمال الزاكية المزكية عند الله للمؤمنين، المطهرة لهم من دنس رجس الفاسقين وذلك قول الله سبحانه: (قد أفلح من زكاها) (60) يريد قد أفلح من طهرها من عصيان الله ونقاها، حتى زكت عند الله تعالى بالطاعات، وكرمت عنده باكتساب الخيرات ومن ذلك قوله سبحانه: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (61) يقول: قد أفلح من تزكى أي قد أفلح من زكى نفسه بالطاعة لله فزكى، وخافه في معاده فآمن به، وذكر اسم ربه فصلى، وأطاع الله سبحانه وأتبع أمره وأتقى وجنب عن معاصيه، وراقبه في نهيه له فانتهى. ويقول سبحانه في ذلك: فيما حكى عن نبيه موسى صلى الله عليه وسلم: (أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) (62) فأراد بقوله: زاكية يريد نفسا لم تعلم عليها سوءا فتخرجها به عن طريق التقوى، فسمى صلى الله عليه وسلم ذلك
الغلام نفسا زاكية إذ غاب عنه أمره ولم يدر ما علم غيره من أمره ومن ذلك قول الله سبحانه: (وسيجنبها الاتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) (63) يريد سبحانه يتقرب إلى الله سبحانه فيقرب إليه بالانفاق والاخراج لماله في طاعة ربه، والاقراض لخالقه تزكية منه بذلك لبدنه، وتزيدا منه في خالص دينه، وليس الزكاة الواجبة، يعني بذلك الرحمن، ألا تسمع كيف يقول فيما نزل من النور والفرقان: (وما لاحد عنده من نعمة تجزي إلا إبتغاء وجه ربه ألاعلى) (64) ولو كانت زكاة الاموال هي المذكورة هاهنا لم يقل وما لاحد عنده من نعمة تجزى، لان الزكاة شئ من الله حكم به، وجعله لكل فقير معسر، عند كل ذي جدة موسر. (والوجه الثاني): فهو ما فرض الله سبحانه على الخلق من أداء الزكاة وإخراجها عند وقتها من أموالهم وذلك قوله سبحانه: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) (65). وقوله: " وأتوا حقه يوم حصاده ". وقوله: لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (66) فهذا معنى كل جزء يخرج من أجزاء أموالهم، وليس كالتزكية لانفسهم بأعمالهم. (والمعنى الثالث: فهو سنة من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم واجبة على المسلمين، وهي زكاة فطرهم التي يخرجونها يوم عيدهم، عن كل أنسان منهم، صغيرهم وكبيرهم، وحرهم ومملوكهم). باب القول في فنون الزكاة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: زكاة أموال العبيد على
ص 221 (63) الليل 17.
(64) الليل 19. (65) البقرة 43. (66) التوبة 103.
[ 222 ]
مواليهم، عليهم أن يخرجوها مما في أيدي عبيدهم أو مما في أيديهم، أي ذلك شاؤا فجايز لهم، لان عبيدهم وما ملكوا لهم فلذلك قلنا إن زكاة أموالهم عليهم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكذلك أم الولد والمدبر زكاة أموالهم على سيدهما لانه لم يبتهما بعتق وهو مالك لهما، وإذا كان مالكا لهما فهو مالك لاموالهما. قال: واما زكاة مال المكاتب الذي أكتسبه المكاتب بعد مكاتبه سيده له وشرطه ما شرط من الثمن عليه وإشهاده بذلك له على نفسه فلا زكاة عليه حتى يعتق المكاتب بأدائه إلى سيده ما كاتبه عليه، أو يرجع بالعجز عن أداء ذلك في ملك سيده، فأيهما صار المال إليه زكاة عما مضى من السنين، وإن عتق العبد وأدى ما كوتب عليه فالمال ماله وواجب عليه تزكيته وإن عجز فالمال مال سيده وعليه أن يزكيه، (67) وإنما قلنا إنه لا يزكي حتى يتبين أمره وأوجبنا تزكيته لما مضى من السنين على من صار له لان هذا المال مالهما (68) جميعا مشرفان عليه، لم يصح ملكه لاحدهما، ولم يخرج الطمع فيه من أيديهما، لان السيد يقول: إن عجزت ملكتك ومالك، والعبد يقول: إن أديت إليك ما كاتبتني عليه طرا لم تأخذ من مالي درهما، فلما كان أمر المال أمرا ملتبسا، (69) لم توجب على أحدهما أن يزكي مالا لا يدري هوله أو لغيره، ولم ير أن يضل ويبطل ما في هذا المال من الزكاة فجعلنا أمره كأمر مال
كان دينا لرجل على رجل فأوجبنا على صاحبه إذا أقتضا دينه أن يزكيه لما مضى من السنين. وقال: في رجل زرع أرضا فلما حصدها باع ثمرها
ص 222 (67) في نسخة وعليه تزكيته. (68) في نسخة مال لهما. (69) فلما كان أمر المال كذلك أمرا ملتبسا.
[ 223 ]
من رجل جزافا وهو في سنبله وأخذ الثمن منه ثم أتى المصدق فوجده قد باعه فإنه يأخذ ما يجب فيه منه ويرجع المشترى على البايع بقيمة ما أخذ المصدق من ذلك، وقد قال غيرنا: إنه يجزيه أن يأخذ من البايع قيمة ما يجب له في ذلك الزرع، ولا يأخذ من المشترى شيئا، ولسنا نرى ذلك لانه يجب على صاحب الزرع أن يخرج عشر زرعه منه لا من غيره، فإذا أخطأ رد عن خطائه ولم يسوغ له ما لا يسوغ، لان الثمرة التي أوجب الله فيها ما أوجب قائمة بعينها في يد هذا المشتري الذي أشترى ما لا يجوز له أن يشتريه، فعليه أن يرده إلى أصحابه، ويرجع بقيمته على من باعه إياه ولو جاز أن يأخذ من البايع عشر ما أخرجت أرضه نقدا لجاز أن يؤخذ عشر الحنطة من التمر، وعشر التمر من الحنطة، وأن يأخذ من ذلك وفيه نقدا ذهبا وفضة، وهذا خلاف قول الله سبحانه حين يقول: (وءآتوا حقه يوم حصاده) (70) لانه أراد بقوله: (وءآتوا حقه يوم حصاده) (71) أخرجوا منه ما يجب فيه، وفي ذلك ما قال (72) رسول الله صلى الله عليه وآله: (الحنطة من الحنطة، والتمر من التمر والخف من الخف والظلف من الظلف)، قال: فإن لم يأت المصدق حتى أستهلك المشترى الطعام، فهذا خلاف المسألة الاولى، لان الطعام كان قائما في الاولى بعينه، (73)
وهو في هذه مستهلك فله أن يأخذ من البايع عشر قيمة الطعام، وكذلك لو أستهلكه صاحبه الذي باعه وبين ما أستهلك وما لم يستهلك فرق بين عند من عقل وفهم. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وكل مال تلف قبل
ص 223 (70) الانعام 141. (71) الانعام 141. (72) وفي نسخة وفي ذلك ما يقول رسول الله. (73) في نسخة لان الطعام كان في الاولى قائما بعينه.
[ 224 ]
وجوب العشر فيه فلا زكاة على صاحبه فيه، ووقت وجوب الزكاة فهو أن يصير فيه حبه ويؤمن فساده ويبين صلاحه، مثل حب العنب ونوى التمر فإذا صار فيه حبه وجب أن يخرص، فإذا حصد أو جذ أو قطف، أخذ منه عشر ما كان خرص فيه. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ولو أن أرضا أو نخلا سقيت بالسيح نصف سنتها (74) وبالسواني النصف الاخر لوجب فيها أن يؤخذ على قدر ذلك بحسابه، مما سقي سيحا العشر، ومما سقي بالسواني نصف العشر، وقال: تؤخذ أعشار الزرع من قبل أن يرفع منها شئ، أو يعزل في مؤنة من مؤناتها لا في حفر ولا دلو ولا نفقة عمال، ولا في شئ من الاشياء التي تحتاج إليها الارض، يبدأ قبل كل شئ بالعشر. حدثني أبي عن أبيه في الرجل يكون له أرض فيزرعها ثم يحصدها هل يجوز له أن يعزل نفقة عمالها؟ أو بعض مصالحها، ثم
يخرج العشر من الباقي؟ فقال: لا، حتى يخرج العشر قبل ذلك كله. قال يحيى بن الحسين رحمة الله عليه لا يجوز للرجل أن يعطي من زكوته أباه ولا أمه ولا ولده لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أنت ومالك لابيك " فنفقة هؤلاء واجبة على الاب والابن على كل حال فلذلك لم يجز أن يعطي الوالد من زكاته ولده، ولا الولد من زكاته والده، ويجوز له أن يعطي أخاه، وغيره من أقاربه وذوي أرحامه، إذا لم يكونوا في حد تلزمه النفقة عليهم، ولم يكن منه ذلك فرار عن حق لازم له، أو تكفيا عن واجب لهم عليه. وكذلك لا يجوز له أن يدفع من زكاته شيئا
ص 224 (74) في نسخة سقيت بالسيح نصف سقيها.
[ 225 ]
إلى مملوكه ولا مدبره ولا أم ولده إلا أن يكون قد بت عتقهم، فإن بت عتقهم فهم في زكاته كغيرهم من سائر المسلمين، وهم أولى من غيرهم لانهم مواليه، وهو ولي نعمتهم. (تم كتاب الزكاة والحمد لله على نعمته وتوالي منته وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. يتلوه أبواب الصيام)
[ 227 ]
كتاب الصيام
[ 229 ]
بسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ أبواب الصيام باب القول في فروض (1) الصيام وشرائطه في الكتاب وشرح ما أمر الله به منه
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن الله تبارك وتعالى افترض على عباده الصيام من غير حاجة منه إلى صيامهم، ولا منفعة تناله بشئ من أعمالهم، بل خلقهم عبيدا مأمورين ومنهيين، وجعلهم في ذلك سبحانه مخيرين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصرهم غيهم وهداهم، ومكنهم من العملين، وهداهم النجدين، وجعلهم لكل ذلك مستطيعين، ولما أمروا به من العمل مطيقين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم. فكان مما أمرهم بعمله وافترض عليهم ما افترض من فعله، ما افترض على من كان قبلهم من بني اسرائيل من الصيام وذلك قول الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (2) يقول سبحانه: (لعلكم تتقون مخالفتي، وتتبعون أمري وطاعتي، فتتبعون حكمي، ولا تبدلون فرضي كما بدله من كان قبلكم من بني اسرائيل، الذين أنزلت عليهم وفيهم ما أنزلت من الانجيل)، وذلك أن الله كتب في الانجيل على بني اسرائيل أن يصوموا شهر رمضان، وأن لا ينكحوا فيه ما أحل لهم نكاحة في غيره من النسوان، فبدلوا ذلك وغيره، وخالفوا ما أمروا به فيه ورفضوه، جزعا من دورانه عليهم في اشتداد حرهم
ص 229 (1) في نسخة باب القول في فرض الصيام. (2) البقرة 183.
[ 230 ]
وسبرات بردهم، فنقلوا الصيام إلى غير رمضان من الايام، وزادوا فيها عشرين يوما كفارة بزعمهم لما غيروا، فلعنهم الله وأخزاهم وأهلكهم بذلك وأرادهم، وذلك قوله سبحانه: (كما كتب على الذين من
قبلكم) (3) يعني النصارى ثم قال: (أياما معدودات فمن شهد منكم الشهر) (4) يعني شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فجعل الله عدد شهر رمضان ثلاثين يوما، وتسعة وعشرين يوما، يكون ثلاثين يوما إذا وفي وتسعة وعشرين يوما إذا نقص، فإن كانت في السماء علة من سحاب أو غبار أو ضباب أو غير ذلك من سبب من الاسباب أوفيت أيام الصيام ثلاثين يوما، وكذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما) يريد صلى الله عليه وآله (5) من يوم رأيتموه وصح عندكم أنه قد أهل فيه. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وهكذا قد يكون وهكذا وهكذا ونقص من أصابعه واحدة، وأشار في الاولى بكفيه جميعا ثلاث مرات، وأشار بكفيه في الثانية ثلاث مرات، ونقص في الثالثة أصبعا، فدل ذلك منه صلى الله عليه وآله على أن الشهر قد يكون مرة ثلاثين يوما سواء، ومرة تسعة وعشرين يوما سواء، وقال الله سبحانه: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس) (6) يقول جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: مواقيت لاحكامهم. وما جعل الله عليهم من فرائضهم، من صومهم وزكاتهم وحجهم، وغير ذلك من أسبابهم فافترض الله سبحانه الصوم على أمة محمد صلى الله عليه وآله في أول مرة على ما كان افترضه على من
ص 230 (3) البقرة 183. (4) البقرة 184. (5) في نسخة عدوا من يوم رأيتموه. (6) البقرة 189.
[ 231 ]
كان قبلهم، لا يأكلون ولا يشربون فيه نهارا ولا ينكحون فيه نسائهم حتى ينسلخ عنهم شهرهم وينقضي فيه صومهم، لا يأتونهن ليلا ولا نهارا فأقاموا (8) بذلك يصومون النهار، ويأكلون وقت الافطار إلا أن يناموا، فإن ناموا لم يجز لهم أكل ولا شرب، حتى يكون من الغد عند دخول الليل، حتى كان من أمر الانصاري ما كان وهو رجل يقال له أبو قيس: واسمه صرمة بن أنس، فعمل في بعض حوائط المدينة فأصاب مدا من تمر فأتى به امرأته (9) وهو صايم فأبدلته له بمد من دقيق، فعصدته له فنام لما به من الوهن والتعب قبل أن تفرغ مرأته من طعامه، ثم جاءت به حين فرغت، فأيقظته ليأكل فكره أن يعصي الله ورسوله فطوى تلك الليلة مع ما تقدم من يومه، ثم أصبح صائما من غده، فمر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرآه مجهودا فقال له: (لقد أصبحت يا أبا قيس طليحا) فأخبره بما كان من خبره فسكت صلى الله عليه وعلى آله عنه، وكان عمر بن الخطاب في رجال من أصحابه قد أصابوا نساءهم في شهر رمضان، فخافوا أن يذكر أمر أبي قيس في شئ من القرآن فيذكروا معه، فقام عمر في أولئك الناس. فقالوا استغفر لنا يارسول الله فإنا قد واقعنا النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما كنت جديرا بذلك يا عمر)، فأنزل الله تعالى في أبي قيس وعمر وأصحابه ما أنزل، ونسخ أمر الصيام الاول فقال جل جلاله وعظم عن كل شأن شأنه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى تبين لكم الخيط
ص 231 (8) في نسخة فأقاموا كذلك.
(9) في نسخة وهم صيام.
[ 232 ]
الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (10) فأطلق سبحانه الاكل والشرب في الليل كله قبل النوم وبعده حتى يتبين لهم الخيط الابيض من الخيط الاسود. والخيط الابيض فهو عمود الفجر ونوره، والخيط الاسود فهو الليل وظلمته، يقول: كلوا واشربوا حتى يخرج الليل وظلامه، ويدخل النهار وإسفاره (11)، ومعنى دخوله هاهنا فهو قربه وغشيانه ودنوه وإتيانه فللناس أن يشربوا ويأكلوا حتى يخافوا هجوم الصباح، فإذا قرب دنو الصباح وجب عليهم أن يكفوا وعن المأكول والمشروب يمتنعوا، وأجاز لهم سبحانه غشيان نسائهم متى أحبوا من ليليهم حتى يخافوا هجوم صبحهم فإذا دنا ذلك اعتزلوهن، وكفوا عن مجامعتهن وإتيانهن وقال سبحانه: في من كان من عباده مريضا لا يستطيع لضعفه صياما، وفي الشيخ الكبير الذي قد عجز عن أداء فرض الصيام: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) (12). قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: معنى قوله سبحانه وعلى الذين يطيقونه هو وعلى الذين لا يطيقونه فطرح لا وهو يريدها والقرآن فهو عربي مبين، وهذا فموجود في لغة العرب، وفي آي كثير من الكتاب موجود، والعرب تأتي بلا في كلامها وهي لا تريدها، وتطرحها وهي تريدها، استخفافا لها، فأما مجيؤها بالكلام الذي تريدها فيه وقد
ص 232 (10) البقرة 187.
(11) في نسخة وإشراقه. (12) البقرة 184.
[ 233 ]
طرحتها منه فهو مثل ما ذكرها (13) في الآيتين المتقدمتين، وفي مثل ذلك ما يقول الشاعر: نزلتم منزل الاضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا فقال: فعجلنا القرى أن تشتمونا، وإنما أراد فعجلنا القرى أن لا تشتمونا، فطرحها وهو يريدها وأما ما كان من كلامها مما تثبت لا فيه وهي لا تريدها، مثل قول الشاعر: بيوم جدود لافضحتم أباكم وسالمتموا والخيل تدمي شكيمها فقال: لافضحتم أباكم وإنما أراد بيوم جدود فضحتم أباكم فأدخل لا لغير سبب ولا معنى صلة للكلام، والشاهد لذلك في كتاب الله تعالى قول الله سبحانه: (لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (14) فقال: لئلا يعلم أهل الكتاب، وإنما أراد تبارك وتعالى: ليعلم أهل الكتاب ومن ذلك قول موسى صلى الله عليه (يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري). فقال: ألا تتبعني، وإنما أراد أن تتبعني، وهذا عند العرب فأعرب إعرابها، وأفصح ما تأتي به من خطابها أن تطرح لا وهي تريدها فيخرج لفظ كلامها لفظ إيجاب ومعناه معنى نفي، وتثبت، لا وهي لا تريدها فيخرج لفظ كلامها لفظ نفى ومعناه معنى إيجاب، وكذلك تفعل أيضا بالالف وحدها تطرحها وهي تريدها وتثبتها وهي لا تريدها فيأتي لفظ ما طرحتها منه لفظ نفي، وإن كان معناه معنى إيجاب ويأتي لفظ ما أثبتتها فيه وهي لا تريدها لفظ شك، وإن كان
معناه معنى خبر وإيجاب، فأما ما طرحتها منه وهي تريدها فمثل قولها
ص 233 (13) في نسخة فهو مثل ما ذكرنا في الآيتين الاوليين. (14) الحديد 29.
[ 234 ]
لا تنهض بنا في كذا وكذا، لا تكلم بنا فلانا في أمر كذا وكذا، فيخرج لفظ هذا الكلام لفظ نفي ونهي، ومعناه معنى إيجاب وأمر، أراد القائل ذلك ألا تنهض بنا، ألا تكلم بنا، فلانا، فطرحها وهو يريدها، وفي ذلك ما يقول له سبحانه: (لا أقسم بيوم القيامة) ويقول: (لا أقسم بهذا البلد) (15) يريد ألا أقسم بيوم القيامة ألا أقسم بهذا البلد فطرح منهما الالفين وهو يريدهما، وأما ما تثبتها فيه وهي لا تريدها فهو مثل قول القائل: كلم لي زيدا أو عمرا، يريد كلم لي زيدا أو عمرا، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) (16) فقال: أو يزيدون فخرج لفظها لفظ شك وإنما معناها معنى إيجاب وخبر، أراد وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون فقال: (أو يزيدون) (17) فأثبتها وهو لا يريدها فعلى ذلك يخرج معنى قول الله سبحانه: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) (18) يريد وعلى الذين لا يطيقون الصيام ممن كان ذا ضعف وهلاك من الانام، فدية طعام مساكين، يقول: يطعم ثلاثين مسكينا عن الشهر كله عن كل يوم مسكينا غداه وعشاه، ثم قال: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) (19) يريد سبحانه من زاد فأطعم عن كل يوم مسكينين وحمل على نفسه وأن أضر ذلك به في بعض حاله فهو خير له، ثم قال جل جلاله: عن أن يحويه قول أو يناله في المريض والمسافر: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى
والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر
فعدة من أيام أخر) (20) فأطلق للمريض والمسافر الافطار وحكم عليهم بقضاء ما أفطروا من الايام. ثم قال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (21) فأخبر بييسيره على عباده وتخفيفه عنهم بما أجاز لهم من الافطار، وترك الصيام الذي لم يجز تركه لاحد مقيم من الانام ثم قال سبحانه: في ايجاب القضاء لما أفطر المسافرون من أيامهم التي أجاز لهم إفطارها في أسفارهم (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (22). ثم قال سبحانه: فيما حرم من مباشرة النساء على المعتكفين في مساجد رب العالمين: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها) (23) فحرم سبحانه النساء على من اعتكف في الليل والنهار فلا يحل لمعتكف أن يطأ امرأته حتى ينقضي اعتكافه، ولا يكون إعتكاف إلا بصيام، والاعتكاف فهو إقامة الرجل في المسجد لا يدخل بيتا غيره ولا يخرج منه إلا لحاجة لا بد له منها، أو في شئ مما يرضي الله سبحانه فيه، والصوم مع الاعتكاف سنة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعلها على المعتكف. باب القول فيما جاء في فضل
صيام شهر رمضان قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: بلغنا عن زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال صعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنبر فقال: (يا أيها الناس إن
جبرئيل أتاني فاستقبلني فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فمات فدخل النار فلعنه الله قل آمين فقلت آمين، ثم قال: من لحق إماما عادلا فلم يغفر له فلعنه الله قل آمين فقلت آمين، ثم قال: من لحق والديه فلم يغفر له فلعنه الله قل آمين فقلت آمين) وبلغنا (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتكف العشر الاواخر وأحيا الليل وكان يغتسل ويشد المئزر، ويشمر حتى انسلخ الشهر). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: معنى شد المئزر فهو اعتزاله للنساء، ومعنى شمر فهو أقبل على طاعة ربه العلي الاعلى. وبلغنا عن زيد بن علي عليه السلام عن آبائه عن علي رضوان الله عليه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة يوم القيامة ينادى مناد أين الظامية أكبادهم وعزتي وجلالي لاروينهم اليوم). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ويروى عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا جاء شهر رمضان خطب الناس فقال: إن هذا الشهر المبارك الذي أفترض الله صيامه ولم يفترض قيامه قد أتاكم ألا إن الصوم ليس من الطعام والشراب وحدهما، ولكن من اللغو والكذب والباطل. باب القول فيما ينبغي للصائم اعتزاله من الكلام وغيره قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي للصائم وغير الصائم أن يعتزل ويتقي ويتجنب الكذب وشهادة الزور، وشهادات الزور فهي أكبر الكذب وهو الكذب الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه
[ 237 ]
وعلى آله وسلم: (الكذب مجانب للايمان) فسر ذلك وميزه وفيهما وفي غيرهما من الكذب الذي يدفع به حق أو يثبت به باطل أو يضر به مسلم ما يقول الله سبحانه: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) (24) والكذب منازل بعضها دون بعض، وكله فينبغي للصائم أن يعتزله في صيامه ولغير الصائم أن يتجنبه ويتحرز منه المسلم في قعوده وقيامه، وينبغي للصائم أن يعتزل اللفظ بالفحش والنظر إلى ما لا يجوز له النظر إليه وأن لا يسمع ما لا يجوز له سماعه من ضرب معزفة أو طنبور أو غير ذلك من الملاهي والمزامير التي هي حرام على الصائم وغيره من الانام وعليه أن لا يمشي إلى ما لا ينبغي له المشي إليه وألا يكثر جماعة لا يجوز له تكثيرها، وأن يتحفظ على نفسه في قيامه وقعوده ولا يهملها في شئ من أسبابه، وأن يتحفظ عند تمضمضه واستنشاقه ويحذر أن يدخل في فيه أو في خياشيمه شئ يصل إلى حلقه ويدخل في جوفه من ماء طهوره،
وينبغي له أن يتحرز ويتيقظ في نهاره من النسيان، مخافة أن ينسى الصيام فيصيب ما لا يجوز له اصابته من الطعام والشراب. باب القول فيما ينبغي للرجل أن يتقي من أهله في صيامه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي للصائم أن لا يضاجع امرأته في ثوب واحد مخافة أن تغلبه الشهوة فيوقعه الشيطان في الفتنة، وينبغي له أن لا يقبل لشهوة، ولا يلمس للذة، ولا ينظر لطربة، ولا يعابث عبثا يدعوه إلى حركة، بل ينبغي له أن يتقي ذلك كله (25)، ويحفظ صيامه، يتقي ربه ويكثر ذكره.
ص 237 (24) النحل 105. (25) وفي نسخة ويحوط صيامه.
[ 238 ]
باب القول فيما ينبغي (26) للصائم أن يفعله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: استحب للصائم أن يقرأ في غدواته القرآن فانه أفضل عبادة الرحمن ويكثر في ساير نهاره التسبيح والاستغفار ويقرأ في عشيه (27)، ما أمكنه أيضا من القرآن، ويسبح الله ويكبره ويسأله قبول ما افترض عليه من صومه فإذا غابت الشمس أخذ سواكه فسوك فاه، ويحذر أن يدخل في فيه شئ من خلاف ريقه، وما جمعه السواك من ريقه بصقه، ثم يغسل فاه ويتحرز من الماء إن كان وقت الافطار لم يأت فإذا رأى النجوم قال: الله أكبر، الله أكبر الحمد لله الذي جعل في السماء بروجا، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وزينها بمصابيح زينة للناظرين، وجعلها علامة الليل عند العالمين، ومنتهى
صوم من صام لله سبحانه من الصائمين، فإذا أراد أن يفطر قال: اللهم إنك أمرتنا بصيام النهار فصمناه، وأطلقت لنا إفطار الليل فأفطرناه فلك صمنا، وفرضك أدينا، ورضاك طلبنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل صومنا، واغفر ذنوبنا، وبلغنا صيام شهرنا كله، انك قريب مجيب، فإذا وضع في افطاره قال: بسم الله وبالله أفطرت على رزق الله، شاكرا له عليه حامدا له فيه، فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم على ما رزقنا من حلال رزقه، وأطعمنا من طيبات ما أخرج لنا من أرضه، اللهم أجعلنا لك من الشاكرين ولك عليه من الحامدين، يا رب العالمين.
ص 238 (26) في نسخة (فيما يستحب). (27) في نسخة ويقرأ في آخر عشية.
[ 239 ]
باب القول في صيام يوم الشك قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الذي رأينا عليه أشيا خنا، ومن سمعنا عنه من أسلافنا أنهم كانوا يصومون يوم الشك وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه عن علي أمير المؤمنين رحمة الله عليه أنه قال: لان أصوم يوما من شعبان أحب الي من أن أفطر يوما من رمضان. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وينبغي لمن صام يوم الشك أن ينوي إن كان هذا اليوم من شهر رمضان فصيامي من رمضان وإن كان من شعبان فهو تطوع، فإنه إذا فعل ذلك وكان ذلك اليوم من شهر رمضان فقد أدى صومه بما أعتقد من نيته وإن لم يكن من رمضان كتب له من تطوعه. قال: ولا ينبغي لاحد يفهم أن يفطره، لانه إن كان
من شهر رمضان لم يستخلفه ولم يلحق يوما مثله (28) ويوم من شهر رمضان أهل أن يحتاط له ويطلب بكل سبب صومه، وإن كان يوما من شعبان لم يرزأه صيام يوم وكان له تطوعا وأجرا، فأما ما يزخرفه كثير من الناس في ترك صيامه فذلك ما لا يصح ولا يجوز القول به لبعده من الاحتياط والصواب، وقربه من التفريط في الصوم والارتياب، بل الصحيح في ذلك ما لا يشك فيه من أنصف من أن صوم يوم الشك والاحتياط فيه أفضل وأقرب إلى الله وأسلم. حدثني أبى عن أبيه أنه سئل عن صوم يوم الشك فقال حسن لا بأس بصومه وقد بلغنا عن علي عليه السلام أنه قال: لان أصوم يوما من شعبان أحب الي من أن أفطر يوما من رمضان.
ص 239 (28) في نسخة (ولم يلحق يوما مثله أبدا).
[ 240 ]
باب القول في وقت الافطار قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وقت الافطار عندنا وعند كل من كان ذا احتياط في دينه ومعرفة بصحيح فعل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم تسليما فهو غشيان الليل للصائم وغشيانه له فهو أن يجن عليه وعلامة دخوله وحقيقة وقوعه أن ترى كوكبا من كواكب الليل التي لا ترى إلا فيه، كما قال الله سبحانه: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) (29) فأما ما يرويه من قل تميزه وجهل وقت ليله من الرواية فلا يصدق بها ولو رويت عن بعض العلماء فكيف بالرسول المصطفى، وهي أنهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرهم أن يفطروا قبل غشيان الليل لهم وهجومه عليهم فأفطر كثير من الناس بهذه الرواية، والشمس
ساطع نورها في مغربها، لم يمت شعاعها، ولم يتغير لون مغربها، فأبطلوا بذلك صيام يومهم، ولبسوا الحق على أنفسهم، وخلطوا على المسلمين برواياتهم. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن وقت الافطار فقال: وقته أن يغشى الليل ويذهب النهار وبيدو نجم في أفق من آفاق السماء لان الله سبحانه يقول: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) (30) باب القول في صوم يوم عاشوراء وصيام الدهر والايام البيضة وصوم يوم عرفة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بصيام يوم عاشوراء وصيامه حسن، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله
ص 240 (29) الانعام 76. (30) الانعام 76.
[ 241 ]
وسلم أنه خص بالامر بصيامه بني أسلم، وحباهم بذلك وكذلك صيام الدهر لمن أطاقه ولم يضر بجسمه ولا ببدنه، لان الله سبحانه لم يرد من عباده المعسور وإنما أراد منهم الميسور، وذلك قوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (31) فمن قوي على صيامه صامه، ويفطر يوم الفطر ويوم الاضحى، وأيام التشريق، لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صيام هذه الايام. وقال هي أيام أكل وشرب ومن أفطر هذه الايام فلم يصم الدهر. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء، وأي يوم هو وعن صوم يوم عرفة فقال: حسن جميل صومهما ولا حرج على من ترك
أن يصوم فيهما، وقد جاء فضل كثير فيمن صام يوم عرفة، كان له كفارة سنة. ويوم عاشوراء فهو يوم عاشر لا اختلاف فيه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن صوم الدهر فقال: لا بأس به إذا أفطر في العيدين وأيام التشريق، ومن أفطر في هذه الايام لم يصم الدهر وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لا صام ولا أفطر من صام الدهر. وقد يكون هذا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إرشادا ونظرا وتخفيفا وتيسيرا ليس على التحريم. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وصوم أيام البيض فيه فضل كبير وقد جاء فيها من الذكر والخير ما يرغب في صومها، وهي يوم ثلاثة عشر من كل شهر، ويوم أربعة عشر، ويوم خمسة عشر، وما أحب افطارها لمن قدر على صومها. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: في صوم الايام البيض وفي رجب
ص 241 (31) البقرة 185.
[ 242 ]
وشعبان والاثنين والخميس قال: صوم ذلك كله حسن جميل، وقد جاء من الفضل في صوم أيام البيض فضل كبير وليس ذلك مما يجب كوجوب الواجب. باب القول في احتجام الصائم والكحل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بالحجامة للصائم إذا أمن على نفسه ضعفا (32) ووثق مع ذلك بقوته عليها، وإن خاف منها ضعفا لم يجز له التعزير بنفسه. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الحجامة للصائم فقال: لا بأس بالحجامة للصائم إذا لم يخش على نفسه منها ضررا. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ولا بأس بالكحل لانه ليس
مما يفطر وليس بغذاء وإنما هو دواء ظاهر ولا يدخل الجوف ولا ينال الحلق. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: لا بأس بالكحل للصائم. باب القول في الصائم يواقع أهله في شهر رمضان ناسيا أو يأكل أو يشرب قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أكثر ما يجب على من أكل أو شرب ناسيا قضاء يوم مكان يومه، وقد روى عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا قضاء عليه ولو صح (33) لنا ذلك لم نتعده، فأما من جامع ناسيا فقد قيل إن عليه الكفارة التي على
ص 242 (32) في نسخة ضعفها. في نسخة (التعريض). (33) في نسخة (ولو صح ذلك لنا).
[ 243 ]
المعتمد، وليس ذلك عندي كذلك، لانه لابد أن يكون بين المعتمد والناسي فرق، والقول عندي في ذلك أنه لا شئ عليه أكثر من الاستغفار وقضاء يوم مكانه. باب القول فيمن واقع أهله في شهر رمضان متعمدا أو يقبل أو ينظر فيمني قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من جامع أهله في رمضان متعمدا وجب عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، ويقضي يوما مكان يومه، ويتوب إلى الله من عظيم ذنبه، ومن قبل أو نظر أو لمس فأمنى فلا شئ عليه أكثر من قضاء يوم مكان يوم والتوبة إلى ربه.
حدثني أبي عن أبيه في الصائم يجامع في شهر رمضان متعمدا قال: عليه قضاء يوم مكان يومه ويستغفر الله ويتوب إليه من كبير ذنبه وما جاء به من عظيم فعله. باب القول في الصيام في السفر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله تبارك وتعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (34) فرخص الله سبحانه للمسافرين في الافطار، رحمة منه لهم وتوسعة عليهم، فمن سافر فقد جعل الله له أن يفطر إن أحب وإن صام فهو أفضل له لقول الله سبحانه (وأن تصوموا خير لكم) (35) فأطلق الافطار رخصة منه ورحمة وأخبر أن لمن صام ولم يفطر فضيلة. حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: نحن
ص 243 (34) البقرة 184. (35) البقرة 184.
[ 244 ]
نقول إن الصوم في السفر أفضل فقيل له فحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي روي عنه أنه قال: (ليس من البر الصوم في السفر)، فقال: يعني بذلك التطوع وليس بالفريضة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: هذا الحديث إن كان قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما أراد به ما قال: جدي رحمة الله عليه من صيام التطوع لا الفريضة، وكيف يقول ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: في الفريضة وهو يسمع صلى الله عليه وعلى آله وسلم قول الله سبحانه: (وأن تصوموا خير لكم إن
كنتم تعلمون). (36) هذا ما لا يقول به عاقل فيه ولا يثبته ذو علم عليه. باب القول في الرجل يدركه شهر رمضان فيصوم بعضه ثم يدركه سفر وفي كم يجوز له من المسافة الافطار قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من صام شهر رمضان بعضه ثم أدركه من بعد ذلك سفر فسافر، فلا بأس بأن يفطر وعليه أن يصوم مادام مقيما في بلده، وله أن يفطر إذا دخل في سفره وليس ينظر في ذلك إلى دخول الصوم عليه في الحضر لان الله سبحانه إنما قال: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (37) وإذا دخل المسافرون في الاسفار فقد أحل الله لهم برحمته ما كان قبل حراما عليهم من الافطار، قال: والافطار فهو
ص 244 (36) البقرة 185. (37) البقرة 185.
[ 245 ]
والقصر معا وجوازهما عند ذوى الفهم سواء فإذا وجب القصر جاز الافطار وهو عندنا في أثني عشر ميلا وهو بريد. حدثني أبي عن أبيه في الرجل يدركه شهر رمضان فيصوم ثم يسافر قال: يصوم ما أقام وحضر ويفطر إذا سافر وضعن، وإنما الافطار في السفر رخصة من الله عزوجل لعباده ويسر لان الله سبحانه يقول: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (38) حدثني أبي عن أبيه أنه قال: يفطر الصائم فيما يقصر فيه
الصلاة، وهو عندنا مسيرة بريد وهو أثنا عشر ميلا. باب القول في الصائم يصبح جنبا في شهر رمضان قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا بأس بذلك لان الله تبارك وتعالى إنما كلف العباد الميسور منهم ولم يكلفهم المعسور من شأنهم، فإذا أصبح جنبا فاغتسل فلا شئ عليه، وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه خرج في شهر رمضان ورأسه يقطر فصلى بالناس الصبح وكانت ليلة أم سلمة فأتيت فسئلت فقالت: نعم إنه كان لجماع من غير إحتلام فأتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك اليوم ولم يقضه. حدثني أبي عن أبيه في الرجل يصبح جنبا أنه قال: لا بأس بذلك يجزيه صومه، فقد ذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ص 245 (38) البقرة 185.
[ 246 ]
باب القول فيما تقضي الحائض قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة، وإنما قلنا بذلك لان الله حكم على المريض بقضاء الصوم، ولم يحكم على المريض بقضاء صلاة مما فاته من الصلوات في حال ما يغمى عليه، فلما أن وجدناه تبارك وتعالى قد حكم بقضاء الصوم على المريض الذي لا يستطيع أن يصوم لقوله: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (39) ولم نجده حكم على من لم يقدر على
الصلاة أياما من المرضى بقضاء ما فاته من صلاة تلك الايام، وكان أكثر ما يجب على من كانت تلك حاله من المرضى أن يصلي عند إفاقته صلاة اليوم الذي يفيق في آخره، أو الليلة التي يفيق في آخرها، ووجدنا الحيض مرضا وعلة تدخل على المرأة حتى ربما طرحتها (40) أمراض الحيض عند مجيئه كأشد ما يكون من طرح الامراض، فألزمناها ما يلزم المريض، وطرحنا عنها ما يطرح عن المريض، ولم نلتفت إلى تمادي المرض وشدته، ولا إلى سهولته وقلته من بعد أن بان لنا أنه مرض من الامراض، وعلة عارضة كسائر الاعراض، ومما وافق قولنا في ذلك من الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه لم يأمر أحدا من نسائه بقضاء الصلاة كما أمرهن بقضاء الصوم) وكذلك وعلى ذلك رأينا جميع مشايخ آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلمائهم، لم يسمع بأحد منهم أوجب على حايض قضاء صلاتها كما يوجبون عليها قضاء (41) ما أفطرت من أيامها.
ص 246 (39) البقره 185. (40) في نسخة (في). (41) في نسخة (صيام ما أفطرت).
[ 247 ]
حدثني أبي عن أبيه أنه قال: الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: بلغنا عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام أنه قال: كان أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمهات المؤمنين يرين ما ترى النساء فيقضين الصوم ولا يقضين الصلاة، وقد كانت فاطمة أبنة رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم (42) ترى ما يرى النساء فتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وبلغنا عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (تقضي المستحاضة الصوم). قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: معنى هذا الحديث أنها تقضي ما أفطرت في وقت حيضها والايام التي كان يكون فيها طمثها فإذا ذهبت تلك الايام التي كانت تحيض في مثلها وتعلم أنها وقت لاقرائها تطهرت المستحاضة وصلت وصامت وأتاها زوجها واستشفرت للصلاة واحتشت إن كان الدم غالبا عليها. باب القول فيمن نوى الصيام تطوعا ثم أفطر قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ليس عليه في ذلك شئ إلا أن يكون أوجبه لله على نفسه إيجابا ويكون قد فرضه له سبحانه فرضا، فإن كان قد فعل ذلك فلا نحب له الافطار، وإن أفطر بعد ذلك قضى ذلك اليوم الذي أوجبه لله على نفسه. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: في رجل أصبح وقد نوى أن يصوم تطوعا ثم أصبح مفطرا فقال: ليس عليه إعادة إلا أن يكون قد أوجبه وتكلم به وليس يجب ذلك بالضماير والنيات دون القول الظاهر.
ص 247 (42) في نسخة (صلى الله عليه وعليها).
[ 248 ]
قال يحيى بن الحسين عليه السلام: يريد بقوله: لا تلزم النية دون الكلام إذا كان ذلك نذرا أو أمرا أوجبه لله إيجابا يحتاج فيه إلى الكلام. باب القول فيمن أفطر وهو يظن
أن الشمس قد غابت ولم تغب والقول في قضاء شهر رمضان وكيف يقضى؟ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من أفطر وهو يظن أن الشمس قد غابت لعلة سحاب أو سبب غير ذلك من الاسباب، فليس يلزمه في دينه فساد، وعليه أن يقضي يوما مكان ذلك اليوم، وكذلك لو تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع، ثم علم أنه تسحر وقد سطع الفجر، لم يكن عليه أكثر من قضاء يوم مكان يومه، وينبغي للمسلمين أن يتحرزوا من مثل ذلك ولا يكونوا في الغفلة كذلك فال: ومن أفطر في رمضان صام ما أفطر كما أفطر إن كان أفطر أياما متواصلات قضى أياما متواترات وإن كان أفطر أياما متفرقة قضاهن كما أفطرهن أياما مختلفة، وإن واترهن كان ذلك أفضل. حدثني أبي عن أبيه أنه قال: في صائم ظن أن الشمس قد غابت فأكل ثم طلعت الشمس بعد ما أفطر قال يقضي يوما مكان يومه إذا تبين له أنه أكل في شئ من نهاره. حدثني أبي عن أبيه في رجل تسحر وهو يرى أن عليه ليلا وقد طلع الفجر قال: يتم ذلك اليوم ويقضي مكانه إن أكل وشرب بعد طلوع الفجر. حدثني أبي عن أبيه أنه قال في رجل شك في طلوع الفجر طلع أم لا. هل يأكل؟ فال: إن أكل ما لم يبن له أو يخبره عنه مخبر أنه أكل بعد طلوع الفجر فلا يلزمه قضاء يومه، وأن صح عنده أنه أكل بعد طلوع الفجر
[ 249 ]
قضى يومه الذي أفطر فيه. والفجر فهو البياض المعترض وهو الخيط
الابيض كما قال الله سبحانه. حدثني أبي عن أبيه في قضاء رمضان أنه قال: يقضيه كما أفطر، إن أفطر متصلا قضاه متصلا وإن أفطره متفرقا قضاه متفرقا. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: هذا أحسن ما سمعت في هذا المعنى وأقربه إلى العدل والهدى أن يقضي كما أفطر. باب القول في الاعتكاف وما ذكر من صوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام وإعتزال النساء في ليله ونهاره حتى يفرغ من إعتكافه وأقل الاعتكاف يوم، ويجب على من أعتكف يوما أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، ويخرج منه في العشاء وقد قيل إنه لا يكون إعتكاف إلا في مسجد جماعة وجمع، وليس ذلك عندي كذلك بل الاعتكاف عندي جائز في كل مسجد كان من المساجد، لان الله سبحانه لم يفرق بينها بل سماها بيوتا كلها فقال سبحانه: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار) (43) فلما أن سماها الله بيوتا كلها وكانت كلها له مساجد أجزنا الاعتكاف فيها كلها معا. وأما صوم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد روي أنه كان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم وكان أكثر صومه من الشهور في شعبان وكان يقول: (شعبان
ص 249 (43) النور 37.
[ 250 ]
شهري ورجب شهرك يا علي ورمضان شهر الله تعالى)، وقال: لا بأس أن يخرج المعتكف من مسجده لحاجة أو لشهادة جنازه ويلزم مسجده. حدثني أبي عن أبيه في الاعتكاف وكيف هو فقال: يعتكف في مسجد جماعة ولا يخرج من معتكفه إلا لحاجة، ولا بأس أن يشهد الجنازة، ويلزم مسجد معتكفة ويصوم فإنه لا إعتكاف إلا بصوم ولا يلم بشئ مما أحل الله من النساء بليل ولا نهار حتى يخرج مما هو فيه من الاعتكاف الذى أوجبه على نفسه وصار إليه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: أراد جدي رضي الله عنه بقوله: في مسجد جماعة أي مسجد صلى فيه جمع فيه أثنان وأكثر، صليت فيه جمعه أم لم تصل. باب القول في وقت السحور قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: وقت السحور ما لم يدخل الشك في أول الفجر، وينبغي للمسلمين أن يحتاطوا في دينهم ولا يقاربوا شيئا من الشك في أمرهم، وألا يقاربوا الشبهات، وأن يتبعوا الاعلام النيرات، ومن تسحر في فسحة من أمره كان أفضل له في دينه، فأما ما يقال: به من تأخير السحور، فانما معنى تأخيره إلى آخر الليل، ومن تسحر في الثلث الآخر فقد أخره، وينبغي له أن يتقي دنو الفجر بجهده، والسحور فيه فضل، وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على المستغفرين بالاسحار والمتسحرين فليتسحر أحدكم ولو بجرعة من ماء). قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ولو أن إنسانا تسحر يوما أو
[ 251 ]
أياما في رمضان وهو يرى أنه قد تسحر، في وقت ثم علم بعد ذلك أنه تسحر عند طلوع الفجر فانه يجب عليه أن يقضي تلك الايام، ولا كفارة عليه، لانه لم يعلم في وقت ما تسحر بطلوع الفجر. باب القول فيمن أفطر يوما أو أياما متعمدا من شهر رمضان قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن فاسقا أفطر متعمدا يوما أو أياما من شهر رمضان وجب عليه قضاء تلك الايام، والتوبة النصوح إلى الله من سوء ما صنع، فإن كان الامام ظاهرا أدبه في فعله، وأستتابه فإن تاب والا قتل لانه قد خالف حكم الله، وضاد أمره، وترك فرضه، ومن فعل ذلك فقد كفر، ويجب عليه ما يجب على المرتد، يستتاب فإن تاب والا قتل، وقد قيل في ذلك عتق رقبة، والتوبة له عندنا مجزية ومن أحب أن يتطوع ويفعل خيرا فهو خير له. باب القول في الذرور للصائم والحقنة وصب الدهن في الاحليل وفي الاذن من علة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قد كره ذلك غيرنا ولسنا نرى به بأسا، والحجة لنا في ذلك أن الله تبارك وتعالى لم يرد بعباده شقا (44) ولا تلفا، ولم ينههم عن التداوى في حال البلاء، وانما تعبد الخلق بالصيام، لما فيه من الصبر له على الجوع والظمأ وليس فيما دخل من غير الفم وجرى في غير الحلق عندنا قضاء، ولا يلزم صاحبه فساد صومه، وقد يكره السعوط للصائم لانه لا يسلم أن يدخل في حلقه بعضه
ص 251 (44) الشق بالكسر المشقة ومن قوله عزوجل فلم فلم تكونوا بالغية إلا بشق الانفس.
[ 252 ]
ويعاود إلى وفيه صبابته وطعمه، فأما ما لم يصل إلى الحلق منه شئ يرطب الحلق ويصل مع الريق إلى الجوف فلا بأس به، مثل الكحل وغيره مما يتداوى به الصائم في جميع الاعضاء، وأماكن بدنه. باب القول فيمن قبل أو لمس فأمنى قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لا ينبغي لاحد أن يتعرض لذلك، وأن فعله مخطئ فعليه قضاء يوم مكان يومه الذي أخطأ فيه وكذلك إن ضمها إليه لشهوة فأمنى وجب عليه التوبة من ذلك والقضاء ومن جامع امرأته فعليه قضاء يوم مكان يومه والتوبة إلى الله تعالى من فعله وجرأته فإن أقلع والا استتيب فان تاب والا قتل لما كان من جرأته على خالقه، وقد قيل إن عليه في ذلك كفارة، فجعلوا في المني إذا جاء لجماع أو غيره بدنة، أو عتق رقبة، وفي المذى بقرة، وفي الودى شاة، وقيل في ذلك صيام شهرين متتابعين، والتوبة عندنا مجزية له عن ذلك لانا لم نجد عليه في كتاب الله ولا في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفارة، ولو كان ذلك لذكره الله كما ذكر كفارة الظهار، وكفارة الحج وكفارة اليمين، ومن أحب أن يتطوع ويكفر فذلك إليه وهو أجر له كما قال الله سبحانه: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) (45) وهذه الكفارات عندنا فانما تلزم في الحج والعتق والصيام يلزمان في الظهار وفي قتل المؤمن خطأ.
ص 252 (45) البقرة 184.
[ 253 ]
باب القول في تقيؤ الصائم
وما يفطره مما يدخل حلقه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يقطع الوضوء ما يخرج، ويقطع الصوم ما يدخل، فان أيقن هذا المتقيئ أنه رجع (46) إلى حلقه من فيه شئ فعليه القضاء وإن لم يرجع في حلقه ولا في جوفه منه شئ مضى على صومه ولم يكن عليه قضاء ليومه. حدثني أبي عن أبيه في الذي يتقيأ وهو صائم أو يبدره القئ قال: ليس للصائم أن يتقيأ ومن قاء أو بدره القئ فأيقن أنه لم يعد منه شئ في جوفه مضى على صومه ولا قصاء عليه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: كل من ابتلع دينارا أو درهما أو فلسا أو زجاجا أو حصاة أو غير ذلك مما على وجه الارض متعمدا فعليه القضاء والتوبة مما أتى وقد قال: بالترخيص في ذلك غيرنا وليس ذلك مما يلتفت إليه عندنا لانه قددخل في جوفه، وجرى ذلك في حلقه، وقد حرم الله تعالى على الصائمين إدخال مثل ذلك في حلوقهم إلى أجوافهم، ولو جاز ذلك لهم لجاز ابتلاع الطين والمدر وغير ذلك مما يدخل الاجواف ويتلذذ بادخاله وان يكن طعاما، وكذلك إن تمضمض واستنشق لصلاة فدخل في جوفه من مضمضته أو استنشاقه شئ من الماء فعليه في ذلك القضاء. وقال: في الذباب والغبار والدخان وغير ذلك مما لا يضبط ولا يمتنع منه أنه لاقضاء عليه فيه ويتحرز من ذلك كله.
ص 253 (46) في نسخة (انه رجع في حلقة من قيئه شئ).
[ 254 ]
حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم
فقال: لا يفسد ذلك عليه ما هو فيه من الصيام. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا يفسد الصوم ذوق الشئ بطرف اللسان لان الله سبحانه إنما حرم على الصائم إدخال الشئ إلى جوفه من الطريق التي جعلها الله مسلكا لغذائه، فأما الفم فلا يفسد ما دخله الصيام ولو أفسد ما دخله الصيام، وان لم يصل إلى جوفه لافسدته المضمضة بالماء، ولو أفسدت المضمضة الصيام لم يكن يجتمع صيام وصلاة، وكان الصيام يبطل الصلاة، وكانت الصلاة تبطل الصيام، لانه لا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء الا بمضمضة والصلاة واجبة على المسلمين كما الصيام واجب عليهم، فلذلك قلنا إن كان ما دخل الفم ولم يصل إلى الجوف من عسل أو خل أو ماء غير مفسد للصيام. باب القول فيمن جعل على نفسه لله صوما مسمى قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يعمل من ذلك على نيته، إن قال: عشرين يوما ونواها مجتمعة صامها مجتمعة كما نوى، وإن كان أوجب على نفسه عددا، ولم يوجب على نفسه أن يكون ذلك معا فلا بأس بتفريقها عند ما يكون من صيامه لها، وكذلك لو جعل على نفسه صيام سنة لكان ينبغي له أن يفطر العيدين، وأيام التشريق، ويقضي ذلك وكذلك أرى عليه أن يقضي شهر رمضان، لانه ليس من نذره، لان النذر إنما هو إيجاب ما لا يجب، وشهر رمضان فواجب صومه لله عزوجل على كل إنسان، فلذلك قلنا إن عليه أن يأتي بشهر غيره حتى يتم به نذره، وما ألزم لله على نفسه، فإن نوى أنه فيها فليس يلزمه قضاؤه
[ 255 ]
وهو فانما نذر حين نذر صيام أحد عشر شهرا، لان صيام شهر رمضان كان لله عليه فرضا لازما إلا أن يكون نوى أن يصوم سنة بعينها شهر رمضان فيها. باب القول في الحايض تطهر في وسط النهار وقد أكلت في أوله والمسافر يقدم على أهله في آخر النهار وقد أكل في أوله قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يستحب لهما أن يقفا عن الاكل باقي بومهما، لانهما قد خرجا من الحد الذي كان يجوز لهما الاكل فيه. باب القول فيمن يجوز له الافطار في شهر رمضان قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجوز ذلك من النساء للحامل إذا خافت من الصوم على ما في بطنها تلفا، وللمرضع التي تخاف أن ينقطع لبنها إن صامت فيهلك ولدها، وللحائض والنفساء وللمسافرة وللمريضة بأي أنواع المرض كان، وللمستعطشة التي لا تصبر عن الماء وللكبيرة التي لا تطيق الصوم فلها أن تفطر وتطعم على كل يوم مسكينا، ويجوز الافطار من الرجال الاربعة: المستعطش الذي لا يصبر عن الماء، والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيتا، والمريض، والمسافر. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويجب على صاحب العطش وصاحبة العطش أن يطعما عن كل يوم أفطراه كل واحد منهما مسكينا، ويجب عليهما أن يتداويا لذلك إن كان لسبب علة فإن ذهب
[ 256 ]
عنهما قضيا ما أفطرا من جميع صيامهما وإن لم يزل ذلك أبدا عنهما فحالهما في فرض صيامهما كحال الهرمين الكبيرين اللذين هما لضعفهما للصيام غير مطيقين ويلزمهما من الاطعام ما يلزمهما ويسقط عنهما من فرض الصيام ما يسقط عنهما ومن كان سوى هذين فعليه القضاء لكل ما أفطر عند خروجه مما كان فيه من علته التي منعته من صيامه. وفي ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنه لما نزل عليه فرض صيام شهر رمضان، أتته امرأة حامل فقالت: يا رسول الله إني امرأة حامل، وهذا شهر رمضان مفروض، وأنا أخاف على ما في بطني إن صمت، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنطلقي فافطري فإذا أطقت فصومي). وأتته امرأة مرضع فقالت: يا رسول الله هذا شهر رمضان مفروض، وأنا أخاف إن صمت أن ينقطع لبني فيهلك ولدي فقال لها: (انطلقي فافطري فإذا أطقت فصومي)، وأما صاحب العطش فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله هذا شهر رمضان مفروض ولا أصبر عن الماء ساعة واحدة وأخاف على نفسي إن صمت، فقال: (أنطلق فأفطر فإذا أطقت فصم)، وأتاه شيخ كبير يتوكأ بين رجلين فقال: يا رسول الله هذا شهر رمضان مفروض، ولا أطيق الصيام فقال: (فاذهب فأطعم عن كل يوم نصف صاع مسكينا)، ويقال: إنه أمرهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك أن يصوموا اليوم واليومين وأن يفطروا اليوم واليومين. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي أن يكون أمر
صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصيام اليوم واليومين من يطيق صومهما فأما من لم يطق فلا شئ عليه، ولو وجب على من لا يطيق الصوم أصلا
[ 257 ]
صيام يوم أو يومين لوجب عليه صيام الشهر كله، لان المعنى في تكليف الايسير مما لا يطاق، كالمعنى في تكليف كثيره، وقد قال الله عزوجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (47)، وقال: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (48). وفي ذلك ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله: (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله)، وكذلك يجب على كل ذي علة من العلل. قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ويجب على الحامل المرضع أن يصوما اليوم واليومين ويفطرا كذلك إذا لم يخافا في ذلك إضرارا بأولادهما. باب القول فيمن أفطر رمضان ثم لم يقض ذلك حتى دخل عليه شهر الصوم المقبل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا ترك ذلك لعلة من العلل مانعة له من قضائه فليصم هذا الشهر الذي دخل عليه، ويطعم في كل يوم صامه مسكينا، كفارة لتخليف ما خلف، مما كان عليه من دين شهره الماضي، حتى يطعم بعدد ما أفطر من الايام من قليل أو كثير، فإذا فرغ من صوم فرضه وأكمل لله ما أمره به من صومه صام من بعد يوم عيده ما كان عليه أولا من صومه، وهذا أحسن ما أرى في ذلك وإن صام ولم يطعم أجزأه، والله الموفق لكل صواب وسداد، وإياه نسأل العون والتوفيق والارشاد.
ص 257 (47 البقره 286. (48) الطلاق 7. في نسخة حتى دخل عليه شهر رمضان. تمت.
[ 258 ]
باب القول قي صيام الظهار قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من ظاهر من أمرأته فعليه ما أوجب الله من الكفارة، يجب عليه أن يعتق رقبة من قبل أن يمسها، فإن لم يجد عتق رقبة فعليه صوم شهرين متتابعين، من قبل أن يدنو منها، فإن لم يستطع ذلك أطعم ستين مسكيا مدين (49) مدين، قال: ولا يجوز له أن يقطع صومه في الظهار في حضر ولا سفر من الاسفار، إلا من علة يدنف فيها أو يخاف إن صام على نفسه منها، فيجوز له الافطار ما دام في علته، فإذا وجد رخصة من أمره صام وإن شق ذلك على نفسه في كثير من شأنه وأمره، بعد أن يأمن على نفسه التلف، ويكون قد خرج من شدة علته وصار إلى ما يستطيع معه الصوم لربه، فإذا قضى الشهرين وهما ستون يوما أياما متتابعات، إلا أن يفصل بينهما ما ذكرنا من هذه العلات، فإن فصلت العلة بين هذه الايام بنا على ما تقدم من صومه عند وقت إفاقته من علته، حتى يوفي الشهرين كاملين من قبل ملامسة زوجته، فإن قطع صومه شئ يقدر على دفعة بحيلة من الحيل، أو معنى من المعاني، وجب عليه الاستئناف للشهرين حتى يكملهما كما أمر الله متتابعين. وقد قال غيرنا: إنه إن قطع صومه بعلة من العلل عظمت أو سهلت قدر على دفعها أو لم يقدر فإن عليه الابتداء للصوم، وليس ذلك عندنا كذلك، لان في ذلك غاية الشطط على
المسلمين، والتهلكة لكثير من المؤمنين، لانه ليس كل الناس يسلم من فوادح الامراض، ولا ينجو شهرين تامين من نوازل الاعراض، بل قد يكون كثير من الناس صاحب علل وأسقام، لا يقدر على المتابعة بين
ص 258 (49) قال في التحرير قال أبو العباس رحمه الله إنما يجب مدان أذا كان ذلك من البر على أصل يحيى عليه السلام فيكون حنطة أو دقيقا وإن كان تمرا أو شعيرا أو غيرهما فهو صالح.
[ 259 ]
شهرين في الصيام، ولا يجد ما يجده غيره من الانام، من العتق في كفارة أو الاطعام، ثم يقال: لمن شدد في ذلك ولم ير أن صاحب الصيام في الفسحة عند الضرورة كذلك. ما تقول في رجل ظاهر من امرأته، وكان معسرا في ذات يده، لا يطيق أن يعتق رقبة لكفارة، ولا ينال اطعاما لشدة فاقته، ولا يستطيع أن يواصل بين شهرين لفوادح ما هو فيه من علته، وقد يطيق بالمشقة الشديدة أن يصوم شهرا واحدا، ولا يطيق أن يزيد عليه يوما فردا، وكان معروفا بشدة الاسقام، مبتلى بهجوم الفوادح منها بين الانام؟ أتحرمون عليه امرأته أبدا إذا لم يطق غير ما به أتى؟ أم تقولون له كما قال له ربه العلي الاعلى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (50) وكما قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (51)؟ فإن قالوا بل نقول له ما قال الله: ونطلق لذلك المبتلى ما أطلق الله، أصابوا في قولهم، واتبعوا الرشد من أمرهم، ورجعوا إلى ما به قلنا، وتكلموا في ذلك بما به تكلمنا، وإن قالوا: بل نقول لمن لم يجد إلى العتق والاطعام سبيلا، وكان في جسمه أبدا مبتلى عليلا، وقد يطيق أن يصوم شهرا ثم يفطر يوما أو يومين، عند تراكم سقمه وهجوم فادح علته، فإذا أفاق من هائل سقمه عاد إلى ما كان فيه من صومه، فيكمل ما أمر به من الشهرين، فإن قالوا: امرأتك عليك
حرام أبدا حتى تأتي بما لا تستطيع، وتفعل من الامور المستصعبة مالا تطيق، فقد خالوا في ذلك كتاب ربهم وشددوا فيما جاء مسهلا من عند خالقهم، لان الله سبحانه يقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (52) ويقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (53) ويقول:
(ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (54) ويقول: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة) (55) ومن خالف أمر الله وشدد ما سهل الله كان حقيقا بالابطال، وبأن لا يتبع في شئ مما يأتي به من المقال. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: وكذلك الواجب على المظاهر أن يعتق، فإن لم يجد صام، فإن صام بعض صومه ثم وجد السبيل إلى العتق قطع صومه وأعتق، وكذلك إن لم يستطع الصيام لعلة فأطعم بعض المساكين، ثم صح واستطاع أن يصوم صام، ولم يعتد بما أطعم، لان الله سبحانه إنما أجاز له الصوم إذا لم يجد ما يعتق، فإذا وجد أعتق وإن كان في صومه فقد سقط الصوم ووجب عليه العتق، وكذلك في الاطعام إذا أطاق الصوم، فإن لم يجد العتق حتى قضى صومه فلا عتق عليه، وكذلك إن لم يستطع الصوم حتى أطعم ستين مسكينا فلا صوم عليه، وإنما قلنا بذلك لان كل شئ كان فيه صاحبه فلم يقضه، وإذا لم يقضه كله ثم نال ما هو أفضل له منه مما لا يجوز له فعله معه سقط
عنه الاول، ووجب عليه الآخر وقياس ذلك الصبية تطلق وهي لا تحيض، فتعتد بالشهور فتمضي من عدتها شهران ثم تحيض، فالواجب عليها أن تستقبل ثلاث حيض، ولا تعتد بما مضى من الشهور، لانها قد صارت من ذوات الاقراء، فعليها ما عليهن ولها ما لهن، وكذلك المتمتع إذا لم يجد هديا فصام ثلاثة أيام في الحج، ثم وجد هديا في بعض أيام منى، وقدر على الذبح، وجب عليه أن يذبح، ولا ينظر إلى ما كان من صيامه لانه قد وجد الهدى في بعض أيامه، فبطل بوجود الهدى في تلك الايام عنه الصيام، ولزمه الهدى.
ص 260 (54) النساء 29. (55) البقرة 193.
[ 261 ]
باب القول متى يجب الصوم على الصبي والصبية قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب الصيام عليهما إذا بلغا خمسة عشرة سنة، وإن أطاقا الصيام فيما دون ذلك وجب عليهما أن يصوما، وقد روي عن النبي صلى الله غليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه الصيام). قال يحيى بن الحسين عليه السلام: وانما قلنا خمس عشرة سنة لمن لم يدرك من الرجال والنساء فأما إن أدرك أحدهما لعشر أو تسع أو لا حدى عشرة وجب عليه الصيام، وقد قيل في ذلك بأقاويل مختلفة، وأحسن ما فيه عندنا الاطاقة للصوم أو البلوغ فيما دون الخمس عشرة سنة والا فبلوغ الخمس عشرة سنة أكثر ما يكون من حده.
باب القول في الشهادات على رؤية الهلال قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا شهد شاهدان على رؤية الهلال في الصوم والافطار جازت شهادتهما وقبل قولهما، إذا كانا عدلين ثقتين ورعين تقيين، وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن أهل المدينة أصبحو ا صياما في آخر يوم من شهر رمضان، فشهد بعضهم عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم رأوا الهلال بالامس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الناس أن يفطروا، وأن يعودوا إلى صلاتهم)، وبلغنا عن أمير المؤمنين
ص 261 * وفي نسخة في الشهادة. تمت.
[ 262 ]
علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: " إذا شهد رجلان ذوا عدل (56) أنهما رأيا الهلال فصوموا وأفطرو ا ". قال يحيى بن الحسين عليه السلام: وان رأى الهلال رجل واحد، جاز له فيما بينه وبين الله تعالى أن يصوم إن كان رأى هلال شهر رمضان، وأن يفطر إن كان رأى هلال شوال، ولا ينبيغي له أن يبدي ذلك للناس لما فيه من الشنعة واختلاف القالة فيه. باب القول فيما ينبغي أن يدعو به الانسان عند رؤية الهلال قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ينبغي لمن رأى الهلال أن يستقبله بوجهه ويقول: ربي وربك الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم الذي خلق السموات والارض، وجعل الظلمات
والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا نشرك بالله شيئا ولا نتخذ من دونه إلها ولا وليا، الحمد لله الذي جعل في السماء بروجا، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، والحمد لله الذي جعلك آية الليل، وقدرك منازل اللهم إني أسألك خير هذا الشهر، وأعوذ بك من شره، اللهم أجعلنا لك فيه من العابدين، فان كان الهلال هلال شهر رمضان ألحقت في هذا الدعاء اللهم إن هذا شهر عظمته وفرضت صومه، فأعنا على أداء فرضك، وتقبل منا ما نعمله لك، ولا تسلخه عنا إلا برضاك وعفوك ورحمتك إنك سميع الدعاء. ويروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول إذا رأى الهلال اللهم إني أسألك خير هذا الشهر فتحه ونصره ونوره ورزقه، وأعوذ بك من شره وشر ما بعده. وبلغنا عنه عليه السلام أنه كان
ص 262 (56) في نسخة (عدلان).
[ 263 ]
يقول: إذا رأى هلال شهر رمضان اللهم رب هلال شهر رمضان أدخله علينا بسلام، وأمن وأيمان، وصحة من السقم، وسلامة من الشغل، عن الصلاة والصيام. باب القول في فنون الصيام والاعتكاف قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا نوى الرجل أن يصوم يوما تطوعا فصامه إلى نصفه، فهو فيه بالخيار وإن شاء أفطر واستحب له إن كان جعله لله أن يقضيه، ولا ينبغي له أن يفطره إلا من علة أو لسرور أخيه المسلم، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أنه أمر بذلك للاخ المسلم).
قال والمعتكف يخرج لحاجته التي لابد له منها ويحضر الجنازة ويعود المريض. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ومن جعل على نفسه أن لا يكلم أحدا في اعتكافه فينبغي له أن لا يفعل، ويطعم عشرة مساكين، ويتكلم لان في الكلام رد السلام، وهو فرض من ذي الجلال والاكرام ولا ينبغي لاحد أن يوجب على نفسه ترك فرض هو لازم له، قال: ولو أن رجلا أوجب لله على نفسه صيام شهر كامل، أو شهرين متتابعين، أو ثلاثة أشهر متتابعة، فانه يجب عليه أن يصومها كما أوجبها، وان قطع بين ذلك بافطار يوم وجب عليه أن يستأنف الصيام، الا أن يكون رجلا لا يفارقه السقم، ولا يطمع من نفسه بمواصلة ذلك أبدا، لضعف بدنه ودوام سقمه، ويخاف إن فعل ذلك على نفسه، فان كان ذلك كذلك جاز له أن يفطر في العلة الشديدة التي لا يطيق الصيام معها، ويبني عند افاقته على ما مضى من صومه. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: والاعتكاف أن ينوي الرجل
[ 264 ]
ويعتقد اعتكاف أيام بعينها أو يلفظ بذلك فيقول: لله علي أن اعتكف كذا وكذا يوما، فإذا أوجب ذلك على نفسه، بعقد نيته أو بلفظ تلفظ به، فليدخل المسجد في أول ذلك الوقت الذي عقد على نفسه، ثم يصوم تلك الايام التي نوى فانه لا اعتكاف الا بصيام، ثم ليحترز من كل رفث أو كذب أو خصومة أو جدال، أو غير ذلك من فاحش الافعال والمقال، وليكثر في اعتكافه من قراءة القرآن والذكر والاستغفار والتسبيح للرحمن، ولا يخرج من مسجده الا ما ذكرنا من قضاء حاجته، أو عيادة أحد من
المسلمين أو اتباع جنايز المؤمنين وان احتاج أن يأمر أهله وينهاهم وقف عليهم وأمرهم ونهاهم قائما ولم يجلس وعاد إلى مسجده. قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ولا يجوز للمعتكف غشيان النساء في ليل ولا نهار ويفسد الاعتكاف ما يفسد الصوم، ويجوز فيه ما يجوز في الصوم، وان أفسد المعتكف على نفسه صيامه، في اعتكافه فقد فسد عليه ما كان فيه من اعتكافه. قال: وان أوجب رجل على نفسه اعتكاف جمعة ولم يسم أي جمعة هي ولا في أي شهر هي فمتى شاء من الشهور والاوقات إعتكفها، وإن سمى جمعة بعينها لزمه اعتكافها الا أن يمنعه منها مانع لا حيلة له فيه فيعتكف جمعة مكانها إذا خرج مما كان منعه من اعتكاف الجمعة التي سمى. قال: ومن أوجب على نفسه اعتكاف أياما مسماة، فاعتكف ثم جامع في اعتكافه فقد أفسد اعتكافه، وعليه أن يبتدي ما أوجب على نفسه من الاعتكاف ابتداء ويتوقى فيه ما كان له مفسدا حتى يؤديه اعتكافا صحيحا. قال: ومن قال علي أن أعتكف لله عشرين يوما ونوى أن يعتكف نهار تلك الايام ولا يكون ليلها معتكفا فله نيته من ذلك وعليه أن يعتكفها
[ 265 ]
كذلك ويجب عليه أن يدخل في كل يوم المسجد قبل طلوع الفجر ولا يخرج منه حتى يكون وقت الافطار إلا لما ذكرنا من عيادة مريض أو حضور جنازة أو خروج لحاجة لابد له منها. قال: ولو أن رجلا أوجب على نفسه أن يعتكف لله شهرا إن تخلص
من مرض هو فيه، فأوجب على نفسه أن يصومه ساعة يخرج من مرضه، ويطيق ما فرض من اعتكافه على نفسه، فخرج من علته وقد دهمه شهر رمضان، واطاق الاعتكاف في آخر شعبان، فليبدأ بفرض الله الذي افترض عليه فإذا قضى شهر رمضان فليفطر يوم العيد لانه يوم نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن صومه (57) ثم ليبتدى، بعد ذلك فيما أوجب على نفسه فيعتكف ثلاثين يوما، وانما قلنا: إن عليه أن يعتكف عليه من بعد شهر رمضان، ولم نر أن اعتكافه في شهر رمضان يقضي عنه ما أوجب على نفسه، لانه أوجب على نفسه اعتكاف شهر، ولا يكون اعتكاف الا بصيا م، فكأنه أوجب على نفسه صوم شهر بما أوجب من اعتكافه، فلم يجزه صيام شهر مفروض عليه صومه عما الزمه نفسه وأوجب عليها من صيام شهر لربه وكان الفرض أولى من التطوع لان ما ألزمه الله عبيده، وافترضه عليهم أولى بالتقدمة مما أوجبوه (58) هم على نفوسهم والتقرب إلى الله بأداء ما افترض من فرائضه أقرب إليه مما أوجبه له العبد على نفسه من نوافله. قال: ولا بأس بأن يكتحل ويدهن ويتطيب بأي طيب شاء من مسك أو غيره، ويستحب له أن لا يبيع ولا يشتري، وإن فعل لم يفسد ذلك عليه.
ص 265 " (57) في نسخة عن صيامه. (58) في نسخة فما أوجبوه على أنفسهم.
[ 266 ]
قال: ولو إن إمرأة جعلت على نفسها أن تعتكف شهرين أو أقل أو أكثر وجب عليها ما أوجبت على نفسها، وكانت في اعتكافها وفيما
يجب عليها من صيامها كالرجل، يفسد عليها من الامر ما يفسد عليه ويصلح لها ما يصلح له فيه، فإن (59) حاضت في معتكفها فلتخرج من مسجدها، فإذا طهرت فلتطهر ولترجع إلى معتكفها، ولتقض من بعد فراغها ما أوجبت لله على نفسها، مما أفطرت من أيام حيضها من الاعتكاف والصيام حتى يتم ما جعلت لله على نفسها من الايام. قال: وأي معتكف أو معتكفة خاف على نفسه في مسجد معتكفه، فله أن يخرج منه إلى مسجد غيره، فان كان على انسان اعتكاف قد أوجبه على نفسه، فحضره ما لابد له منه من وفاته فأوصى أن يعتكف عنه تلك الايام، فليخرج من ثلثه ما يستأجر له به رجل من أهل الاسلام فيعتكف عنه، فيؤدي ما أوصى به الميت منه، وواجب على الاولياء أن ينفذوا عن الميت ما به أوصى. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ولا بأس أن يتزوج المعتكف ولكن لا يدخل بأهله حتى يخرج من اعتكافه ولا بأس أن يزوج غيره من المسلمين، وأن يشهد على تزويج المتزوجين في مسجده، وأن يمنع الظالمين من المظلومين، ويعين الضعيف على ظالمه، ويمنعه منه بلسانه، وان لم يمتنع الا بيده فبيده. قال: ولو أن رجلا قال: لله علي أن أعتكف يوما فاعتكف ذلك اليوم فنسي وأكل أو شرب بطل اعتكافه وكان عليه أن يقضي يوما مكان ذلك اليوم.
ص 266 " (59) في نسخة حاضت.
[ 267 ]
باب القول فيمن حلف بالاعتكاف
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: لو أن رجلا قال: لله علي إعتكاف شهرين إن كلمت فلانا، فليس يجب عليه الاعتكاف حتى يكلمه، فان كلمه وجب عليه الاعتكاف لانه قد حنث في يمينه، فوجب عليه ما أوجب في ذلك على نفسه، وكذلك لو قال: علي اعتكاف يوم الفطر إن كلمت فلانا شهر رمضان كله، فكلمه قبل أن ينقضي شهر رمضان كان حانثا، وليس له أن يصوم يوم الفطر لان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد نهى عن صيامه ويفطر ذلك اليوم، ويعتكف بعد العيد بيوم. فال يحيى بن الحسين عليه السلام: وإذا جعل المملوك على نفسه اعتكاف أيام مفهومة فعليه أن يؤدي ذلك عن نفسه إلا أن يمنعه سيده وللسيد أن يمنع عبده إن أراد من ذلك، ويستحب للسيد أن لا يمنعه من ذلك إذا كان إنما أراد به التقرب إلى ربه وكذلك حال المدبر وأم الوالد كحال المملوك، فأما إن كان الموجب للاعتكاف على نفسه مكاتبا فليس لسيده أن يمنعه وعليه أداء ما أوجب على نفسه لانه في حال مكاتبته كالحر في منزلته. قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ولا ينبغي لاحد أن يواصل بين يومين في الصيام ولا أن يصمت يوما إلى الليل في اعتكاف ولا غيره، وفي ذلك ما بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: " لا وصال في صيام ولا صمت يوم إلى الليل " وبلغنا عنه عليه السلام أنه قال: " صيام ثلاثة أيام في كل شهر صيام الدهر وهن يذهبن وحر الصدر فقيل له وما وحر الصدر؟ فقال: " إثمه وغله " وكان عليه السلام يقول: من كان متطوعا صائما يوما من الشهر فليصم يوم الخميس
[ 268 ]
ولا يصم يوم الجمعة فانه يوم عيد فيجمع الله له يومين صالحين، يوم صيامه ويوم عيد يشهده مع المسلمين. وبلغنا عنه عليه السلام أنه قال: (لا تتعمدن صيام يوم الجمعة الا أن يوافق ذلك صومك) وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن سلمان دخل عليه يوما فدعاه إلى الطعام فقال يا رسول الله: إني صائم، فقال: يا سلمان يوما مكان يوم ولك بذلك حسنة بادخالك السرور على أخيك). باب القول في الصيام في قتل الخطأ قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: قال الله سبحانه: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) (60) فمن قتل مؤمنا خطأ فعليه العتق، فان لم يجد العتق فصيام شهرين متتابعين إلا أن يكون صاحبه من العلة فيما أطلقنا لصاحب الظهار، فيسعه فيه الافطار فإذا كان كذلك جاز له أن يفطر، وكان حاله في ذلك كحال المظاهر، وليس له ولا للمظاهر أن يتعرضا لسفر، ولا أن يفطرا من علة يسيرة يطيقان الصيام معها بحيلة من الحيل، وهما مؤتمنان على أديانهما وعليهما أن ينظرا لانفسهما فإنه لا يغبا على ربهما شئ من أمرهما، ولا يغيب عنه خفي من سرهما (تم جزء أبواب الصيام والحمد لله ذي الانعام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم يتلوه كتاب الحج مبتدأ أبواب الحج).
ص 268 " (60) النساء 92.
[ 269 ]
كتاب الحج
[ 271 ]
بسم الله الرحمن الرحيم (مبتدأ أبواب الحج) قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن الله تبارك وتعالى افترض على خلقه ما افترض عليهم من حجهم، وأمرهم فيه بأداء مناسكهم، فوجب عليهم ما أوجب ربهم، وكان ذلك فرضا على جميع العالمين، واجبا على جميع المؤمنين ليميز الله به المطيعين من العاصين، ويفرق به بين الكافرين والمؤمنين، وفي ذلك ما يقول: رب العالمين: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) * (1) وقال سبحانه: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2) يقول تبارك وتعالى: قوموا بما افترض عليكم منه، وأدوا ما دخلتم فيه منهما، وقوموا بما افترض الله على من دخل فيهما من جميع مناسكهما وفي ذلك ما قال الله تبارك وتعالى لنبيه ابراهيم الاواه الحليم، صلى الله عليه وسلم، * (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق) * (3) فأمره صلى الله عليه ربه جل ذكره بالحج له إلى بيته الحرام، فحج كما أمره الله كما حج أبوه آدم صلى الله عليه،
فحج ابراهيم صلى الله عليه بأهله والمؤمنين، حتى انتهى إلى بيت رب
العالمين وأمره الله سبحانه بالاذان بالحج، فأذن ودعا إلى الله فأسمع وأجابه إلى ذلك من آمن بالله واتبع أمره، واجتمعوا إلى ابراهيم صلى الله عليه وسلم فخرج بمن معه متوجها إلى منى. فيقال: إن إبليس اعترض له عند جمرة العقبة فرماه بسبعة أحجار يكبر مع كل حجرة تكبيرة، ثم اعترض له عند الجمرة الثانية، ففعل به ما فعل عند الجمرة الاولى، ثم اعترض له عند جمرة الثالثة، فرماه كما رماه عند الجمرة الثانية، فأيس من إجابته له وقبوله لقوله فيقال: إنه صده وضلله عن طريق عرفة فأتى صلى الله عليه وسلم ذا المجاز فوقف به فلم يعرفه، إذ لم ير فيه من النعت مانعت له فسار عنه وتركه، فسمي ذلك المكان لمجاز ابراهيم به ذا المجاز، فلما أتى ابراهيم صلى الله عليه وسلم الموضع الذي أمر باتيانه عرفه بما فيه من العلامات التي نعتت له، فقال صلى الله عليه: " قد عرفت هذا المكان، فسمي عرفات، فنزل بها حتى صلى الظهر والعصر معا، ثم وقف بالناس وجعل اسمعيل إماما، فوقف مستقبلا للبيت حتى غربت الشمس، ثم دفع بالناس فصلى المغرب والعشاء الاخرة بالمزدلفة "، ويقال والله أعلم: إنها سميت مزدلفة لازدلاف الناس منها إلى منى وأنما سمي موضعها جمعا لانه جمع بين الصلاتين بها، ثم نهض صلى الله عليه وسلم حين طلع الفجر فوقف على الظرب (4) الذي يقال له: قزح، ووقف الناس حوله وهو المشعر الحرام الذي أمر الله بذكره عنده، ثم أفاض قبل طلوع الشمس فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نزل منى فذبح وحلق وصنع ما يصنع الحاج، وأرى الناس مناسكهم، فاستمر عليه المؤمنون معه وبعده، وكان الحج فرضا على
ص 272 " (4) الضرب الروابي الصغار. ضرب ككتف قال في القاموس. وهو ما نتأمن الحجارة وحد
طرفه أو الجبل المنبسط أو الصغير.
[ 273 ]
من وجد إليه سبيلا والسبيل فهو الزاد والراحلة والامان على النفس ثم قال سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه في الدلالة على وقت الحج: (الحج أشهر معلومات) (5) فكانت أشهر الحج شوالا وذا القعدة والعشر من أول ذي الحجة ثم قال الله سبحانه: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (6) ومعنا قوله فرض هو أوجب بالاحرام ودخل. باب القول في مواقيت الاحرام التي وقت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ثم وقت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لاهل الآفاق في الاحرام مواقيتهم فوقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام الجحفة، ولاهل العراق ذات عرق، ولاهل نجد قرنا، ولاهل اليمن يلملم، وقال: هن مواقيت لاهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. باب القول في الدخول في الحج قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أردت انشاء الله فرض الحج على نفسك والدخول فيه بفعلك، فليكن ذلك في أشهر الحج، فأت ذا الخليفة وهو الموضع الذي يدعى الشجرة، الموضع الذي أحرم فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاغتسل لما تريد من فرض الحج على نفسك، وفرضك له فهو الدخول فيه، والدخول فيه فهو الاهلال به، والاهلال فهو الاحرام له وذلك قول الله
ص 273 " (5) البقرة 197.
(6) البقرة 197.
[ 274 ]
تبارك وتعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (7) فإذا اغتسلت وكنت في وقت صلاة فريضة فصل ما أوجب الله عليك منها فإذا سلمت فقل: اللهم إني أريد الحج رغبة مني فيما رغبت فيه ولطلب ثوابك، وتحريا لرضاك فيسره لي وبلغني فيه أملي، في دنياي وآخرتي، واغفر لي ذنبي، وامح عني سيئاتي، وقني شر سفري، واخلفني بأحسن الخلافة في ولدي وأهلي ومالي، ومحلي حيث حبستني، أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وما أقلته الارض مني، ونطق لك به لساني، وعقد عليه قلبي ثم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك، وضعت لعظمتك السموات كنفيها، وسبحت لك الارض ومن عليها، اياك قصدنا بأعمالنا ولك أحرمنا بحجنا فلا تخيب عندك آمالنا، ولا تقطع منك رجاءنا، ثم تنهض خارجا نحو مكة، وكذلك إن كنت قد صليت ما عليك من الفريضة فصل في المسجد ركعتين ثم قل من القول ما ذكرت لك ثم سر حتى تستوي بك البيداء، وأنت تسبح في طريقك وتهلل وتكبر وتقرأ القرآن، وتستغفر الله وتخلص لربك النية، وتتوب إليه سبحانه من الخطيئة، وتحذر الرفث والفسوق والجدال والكذب فانه من الفسوق. باب القول في التلبية قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: فإذا استويت بظهر البيداء ابتدأت التلبية ورفعت بها صوتك رفعا حسنا متوسطا، تسمع من
أمامك ومن ورائك، تقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك،
ص 274 " (7) البقرة 197.
[ 275 ]
إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت. باب القول فيما يستحب للحاج أن يقوله عندما يريد الركوب بعد احرامه بالبيداء قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: نحب له حين يريد الركوب لدابته أن يقول: بسم الله وبالله والحمد لله على نعم الله، وصلى الله على خير خلق الله، محمد رسول الله، فإذا استوى في محمله أو على ظهر راحلته أو في سرج دابته قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين، ثم يلبي ولا يفحش في التلبية بشدة الصياح، ولا يخاف بها ويبتغي بين ذلك سبيلا حسنا، فكل ما علا من الارض نشزا قال: الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله والله أكبر. وإذا انحدر لبى بما شرحنا من التلبية ولا يغفل التلبية الفينة بعد الفينة. باب القول فيما يجب على المحروم توقيه قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: يجب عليه أن يتوقى ما نهاه الله عنه من الرفث والفسوق والجدال والرفث فهو الدنو من النساء، وذلك قول الله في كتابه سبحانه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (8) ومن الرفث أيضا الفراء على الناس، واللفظ بالقبيح مما
يستشنعه أهل الخير، والفسوق فهو الفسق والتجني والكذب والظلم
ص 275 " (8) البقرة 187.
[ 276 ]
والتعدي والتجبر على عباد الله، والغشم، والطعن على أولياء الله، والادخال لشئ من المرافق على عدو من أعداء الله، والتحامل بالقبيح على ذي الرحم، وكثرة المخاصمة والمجادلة له، ولا يقتل صيدا، ولا يعين عليه، ولا يشير إليه، ولا يمس طيبا، ولا يلبس ثوبا مصبوغا، ولا يدنو من النساء، ولا يلبس قميصا بعد إغتساله لاحرامه ولايجز من شعره شعرة، ولا يتداوى بدواء فيه طيب، ولا يكتحل، ولا يقتل من قمل ثوبه شيئا، وإن أراد تحويل قملة من مكان إلى مكان فعل ذلك، وإن قتلها تصدق بشئ من طعام، ولا يتزوج ولا يزوج، ولا يأكل لحم صيد له ولا لغيره، وما أشبه ذلك والجدال الذي نهي الله عنه فهو المجادلة بالباطل، ليدحض به الحق، ومن المجادلة شدة المخاصمة التي تخرج إلى الفاحشة، التي لا يملك صاحبها نفسه معها. واعلم أنه ليس يتقى في الاحرام لبس الثياب ولا مجامعة النساء ولا مس الطيب فقط ولكن يتقى هذا وغيره من كل ما ذكرت لك وفسرت من جميع معاني الرفث وجميع معاني الفسوق، وجميع معاني الجدال. باب القول فيما يستحب للحاج أن يفعله عند نزوله المنازل قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: فإذا نزل الحاج منزلا فليقل عند وضعه لرحله: رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، ثم ليحتفظ فيما يأكله ويشربه من طعامه، ولا يشربن (9) ولا يأكلن صيدا من
طير ولا ظلف ولا حافر ولا شيئا من صيد الارض، كان ذلك مما صيد له أو لغيره فإن ذلك أصل قول أمير المؤمنين عليه السلام في الصيد وقول
ص 276 " (9) في نسخة ولا يشترين.
[ 277 ]
علماء أهل بيته من بعده، فإنهم لا يرون للمحرم أكل شئ من الصيد صيد له أو لغيره من أجله أو من أجل سواه (10). باب ما يجوز للمحرم أن يقتله قال يحيى بن الحسين عليه السلام: لا بأس أن يقتل المحرم الحدأة والغراب والفأرة والحية والعقرب والسبع العادي إذا عدى عليه، والكلب العقور إن ألحمه نفسه وخشي المحرم عقره، والبرغوث والكتان والبق والدبر وكل دابة عظم بلاؤها وخشي على المسلمين ضرها فلا بأس في قتل المحرم لها وإستيصاله لشافتها. باب القول في حاجة المحرم إلى لبس الثياب للعلة النازلة والبرد الشديد قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إن أحتاج المحرم إلى لبس شئ من الثياب مما لا يجوز له لبسه لعلة نزلت به من مرض أو غرض أو غير ذلك مما يخاف على نفسه منه تلفا إن لم يلبس الثياب مثل البرد الشديد أو الصداع الملازم أو غير ذلك من آفات الدنيا فليلبس الذي يحتاج إلى لبسه لعلته من الثياب ويكون عليه الفداء، والفداء فهو ما قال الله سبحانه وجل جلاله حين يقول: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففديه من صيام أو صدقة أو نسك) (11) والصيام فهو صيام ثلاثة أيام، والصدقة فهي إطعام سنة مساكين، والنسك فأقله شاة، ومن عظم فهو خير له عند ربه، وكذلك إن هو احتاج إلى أخذ دواء فيه مسك ساطع الريح فأخذه وتداوى به المحرم لحرج أو لغير حرج، كان عليه
ص 277 " (10) في نسخة أو من أجل غيره. (11) البقرة 184.
[ 278 ]
ما على اللابس للثياب من الكفارة التي ذكرنا، وكذلك إن احتاج إلى لبس الخف لعلة نازلة فلبسه فعليه ما ذكرنا من الفدية، وإن لبس الخف والعمامة والثياب في وقت واحد معا لم يكن عليه إلا فدية واحدة. باب القول في دخول الحاج الحرم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: فإذا انتهى المحرم إلى قرب الحرم فيستحب له أن ينزل فيغتسل ثم يدخل الحرم فإذا وضعت راحلته أو دابته قوائمها في طرف الحرم قال: اللهم هذا حرمك وأمنك والموضع الذي أخترته لنبيك وافترضت على خلقك الحج (12) إليه وقد أتيناك راغبين فيما رغبتنا فيه، راجين منك الثواب عليه، فلك الحمد على حسن البلاغ، وإياك نسأل حسن الصحابة في المرجع فلا تخيب عندك دعاءنا ولا تقطع منك رجاءنا واغفر لنا وارحمنا وتقبل منا سعينا واشكر فعلنا وآتنا بالحسنة إحسانا وبالسيئة غفرانا يا أرحم الراحمين ويارب العالمين. باب القول فيما يقول الحاج إذا رأى الكعبة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: فإذا أنتهى المحرم إن شاء الله إلى الكعبة ورآها فليقطع التلبية إن كان معتمرا عند مصيره إلى الكعبة، ولا يلبي بعد ذلك حتى يهل بالحج، ولكنه يطوف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في ثلاثة أشواط، ويمشي الاربعة الباقية، ويقول: في طوافه
ص 278 " (12) في نسخة على خلقك الحج لك إليه.
[ 279 ]
حين يبتديه، ويكون إبتداؤه من الحجر الاسود: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإذا حاذى باب الكعبة قال وهو مقبل بوجهه إليها، اللهم هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم فأعذني من عذابك، وأختصني بالاجزل من ثوابك، ووالدي وما ولدا، والمسلمين والمسلمات، يا جبار الارضين والسموات ثم يمضي في طوافه ويقول: رب أغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الله الأعز الاكرم، ويردد هذا القول حتى ينتهي إلى الحجر الاسود فإذا انتهى إليه استلمه وقال: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباعا لامرك واقتداء بسنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الاخيار الصادقين الابرار اللهم أغفر لي ذنوبي وكفر عني سيئاتي وأعني على طاعتك إنك سميع الدعاء. ثم يمضي حتى يواجه البيت ثانية، ثم يقول ما قال أولا: ويفعل في طواقه كما فعل في أوله، ثم يستلم الاركان كلها، وما لم يقدر عليه منها أشار إليه بيده، ويقول عند استلامه للاركان: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار، فإذا فرغ من السبعة الاشواط، وقف بين الحجر الاسود والباب ثم دعا فقال: اللهم أنت الحق وأنت الاله الذي لا إله غيرك إياك نعبد، وإياك نستعين، وأنت ولينا في الدنيا والآخرة، فاغفر لنا ذنوبنا وتجاوزنا عن سيئاتنا، وتقبل سعينا، ويسر لنا ما تعسر علينا من أمرنا، ووفقنا لطاعتك، واجعلنا من أوليائك الفائزين، يا رب العالمين، ثم يمضي فيصلي ركعتين وراء المقام.
[ 280 ]
باب القول في صلاة الركعتين بعد الطواف وراء المقام ودخول زمزم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ثم يأتي مقام إبراهيم صلوات الله عليه، فيصلي وراءه ركعتين يقرأ في الاولى بالحمد، وقل يا أيها الكافرون، وإن شاء قرأ في الاولى بقل هو الله أحد، وفي الثانية بقل يأيها الكافرون، وإن شاء قرأ غيرهما من سور مفصل القرآن غير أنا (13) لا نحب له أن يقرأ إلا صغار السور لان ينفذ، ولا يحبس غيره، ولا يضر بمن يطلب مثل طلبته، ثم ينهض فيستقبل الكعبة ثم يقول: اللهم ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وزك لنا أعمالنا، ولا تردنا خائبين، ثم يدخل أن أحب زمزم فإن في ذلك بركة وخيرا، فيشرب من مائها ويطلع في جوفها ويقول: اللهم أنت أظهرتها وسقيتها نبيك إسمعيل رحمة منك به يا جليل، وجعلت فيها من البركة ما أنت أهله، فأسألك أن تبارك لي فيما شربت منها وتجعله لي دواء وشفاء تنفعني به من كل داء، وتسلمني به من كل ردى إنك سميع الدعاء مستجيب من عبادك لمن تشاء. باب القول في الخروج إلى الصفا والعمل وعلى المروة وبينهما قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ثم يخرج إلى الصفا من بين الاسطوانتين المكتوب فيهما، فإذا استوى على الصفا فليستقبل القبلة بوجهه، ثم ليقل بسم الله وبالله والحمد لله، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم ثم ليقرأ الحمد والمعوذتين، وقل هو الله أحد وآية الكرسي وآخر الحشر ثم ليقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده
ص 280 " (13) في نسخة غير أنا نحب له أن يقرأ صغار السور لان يتفقد.
[ 281 ]
وهزم الاحزاب وحده، لا شريك له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده حقا لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اللهم إغفر لي ذنبي وتجاوز عن خطيئتي ولا تردني خائبا يا أكرم الاكرمين، واجعلني في الآخرة من الفائزين، ثم لينزل عن الصفا ويمضى، حتى إذا كان عند الميل الاخضر المعلق في جدار المسجد هرول، حتى يحاذي الميل المنصوب في أول السراجين ثم يمضي (14) حتى ينتهي إلى المروة ويقول: في طريقه رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الله الاعز الاكرم، يردد هذا القول وغيره من الذكر الحسن لله، والدعاء حتى يفرغ من سعيه، فإذا انتهى إلى المروة فليرق عليها حتى يواجه الكعبة، ثم ليدع بما دعا به على الصفا، ويقول: ما قال على الصفا وما حضره من سوى ذلك ثم يرجع ويفعل ما فعل أولا في طريقه حتى ينتهي إلى الصفا، ثم على ذلك الفعال فليكن فعله حتى يوفي سبعة أشواط ثم ينصرف ويقصر من شعره المعتمر ولا يحلق رأسه إذا كان في أشهر الحج وكان عازما على أن يحج، ثم قد حل له كل شئ وجاز له ما يجوز للحلال من النساء والطيب والثياب. باب القول في الاهلال بالحج يوم التروية بمكة قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا كان يوم التروية فليهل بالحج من المسجد الحرام وليفعل وليقل ما فعل وقال في ابتداء إحرامه أولا، ثم ينهض حاجا ملبيا ثم يستقيم إلى منى فإن أمكنه صلى
بها الظهر والعصر معا. وإن لم يمكنه الخروج إلا في بعض الليل
ص 281 " (14) في نسخة ثم يمشي.
[ 282 ]
فليخرج متى أمكنه كل ذلك يسعى بعد أن يدرك صلاة الفجر بمنى. فأما الامام إذا كان إمام فينبغي له أن يخرج من مكة نصف النهار عند زوال الشمس حتى يصلي الظهر والعصر بمنى، ويقيم بها حتى يصلي العشاء والعتمة، والصبح ثم يتوجه إلى عرفه وكذلك ذكر عن النبي صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم: أنه صلى بها خمس صلوات آخرهن صلاة الفجر يوم عرفة. باب القول فيمن دخل مكة مفردا بالحج أو معتمرا قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: من أراد العمرة أهل في أول ما يصير إلى ميقاته بالعمرة مفردا ويقول: اللهم إني أريد العمرة متمتعا بها إلى الحج فيسرها لي ثم يقول ما يقول: في إحرام الحج وإن أراد الافراد بالحج قال عند وقت إحرامه: اللهم إنى أريد الحج فيسره لي، ويقول: ما شرحناه أولا من القول، ويقول: لبيك اللهم لبيك لبيك بحجة تمامها وأجرها عليك، فإذا دخل مكة فلا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة من بعد رجوعه يوم النحر من عرفه وذلك رأي أهل البيت جميعا لا يختلفون في ذلك وأو أحب أن يبدأ حين يدخل مكة فيطوف لحجه، ويسعى فليفعل ثم ليثبت على إحرامه، حتى إذا كان يوم التروية أو ليلة عرفة فليتوجه إلى منى فإن أتاها نهارا أقام بها حتى يصلي الفجر (15) من يوم عرفة، وإن أتاها ليلا فكذلك وإن أتاها في آخر الليل عرس بها
ساعة، فإذا صلى الصبح سار إلى عرفة.
ص 282 " (15) في نسخة حتى يصلي الصبح.
[ 283 ]
باب القول فيما يقول القارن وما يعمل وكيف يحرم قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: إذا أراد الاهلال بالعمرة والحج معا، فلا يجوز له ذلك عندنا إلا بسوق بدنة يسوقها من موضعه الذي أحرم فيه بهما ويقول: حتى يريد الاحرام في دبر صلاته اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرها لي ثم يقول: ما شرحناه من قول المحرم في ابتداء إحرامه ثم يلبي فيقول: لبيك اللهم لبيك لبيك بحجة وعمرة معا، فإذا أتى مكة طاف طوافين وسعى سعيين سعيا وطوافا لعمرته، وسعيا وطوافا لحجته، وهذا الذي لا اختلاف فيه عند علماء آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم أجمعين، من عمل القارن، فإذا كان يوم التروية أو ليلة عرفة توجه إلى منى ففعل بها ما يفعل المفرد ثم توجه إلى عرفة غداة يوم عرفة. باب القول في التكبير في أيام التشريق قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: أول ما يبتدئ التكبير يوم عرفة في دبر صلاة الفجر من ذلك اليوم ساعة يسلم الامام من صلاته يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ثم يلبي وينهض ويسير إلى عرفة ويلزم التكبير في دبر كل صلاة فريضة صلاها حتى يكون آخر أيام التشريق فيكبر في دبر صلاة العصر من يوم النفر الآخر ثم ليقطع التكبير فذلك ثلاث وعشرون صلاة.
حدثني أبي عن أبيه أنه قال: التكبير من صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النفر الآخرة وكذلك يروى عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام.
[ 284 ]
باب القول في الوقوف بعرفة والعمل فيها قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: فإذا انتهى الحاج إلى عرفة نزل بها وأقام حتى يصلي الظهر والعصر فإذا صلى الظهر والعصر ارتجل فوقف في أي عرفة شاء، ويحرص أن يدنو من موقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الجبال، وأن لم يقدر على ذلك الموضع لكثرة الزحام فيقف بأي عرفة شاء، ما خلا بطن عرنه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (عرفة كلها موقف إلا بطن عرفه) قال: فإذا وقف ذكر الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه وسبحه ومجده ويخلص النية له ويقول: اللهم أنت ورب آبائنا الاولين، وإياك قصدنا، ولك استجبنا، وعليك توكلنا، وإياك رجونا، ومنك سألنا، فأعطنا سؤلنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واهد قلوبنا، وثبتنا على الهدى، وآتنا تقوانا، ولا تكلنا إلى أنفسنا، وتقبل حجنا، ولا تردنا خائبين (16)، وأقلبنا مستوجبين. لثوابك، آمنين لعذابك ناجين من سخطك، يا إله السموات والارضين، اللهم لك الحمد على نعمائك، ولك الحمد على آلائك، ولك الحمد على ما أوليتنا وأبليتنا وأعطيتنا، فأمتعنا بنعمائك، ولا تزل عنا ما عودتنا من فضلك وآلائك يا إله العالمين، ويدعو بما أحب من الدعاء سوى ذلك لنفسه ولو الديه، ويسأل الله ما أحب أن يسأله من الرزق وغير ذلك من مراده، فإنه سميع الدعاء قريب الاجابة رحيم كريم، فإذا توارت الشمس عنه بالحجاب فليقض من عرفة ملبيا مقبلا نحو مزدلفة وعليه
السكينة والوقار والخشوع لله الجبار، وليكثر في طريقه من قراءة القرآن والاستغفار والدعاء والتكبير والتهليل والاجلال لله الواحد الجليل، وإن