الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إعانة الطالبين - البكري الدمياطي ج 3

إعانة الطالبين

البكري الدمياطي ج 3


[ 1 ]

حاشية إعانة الطالبين للعلامة أبي بكر المشهور بالسيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي

[ 3 ]

حاشية إعانة الطالبين للعلامة أبي بكر المشهور بالسيد البكري ابن السيد محمد شطا الدمياطي الدين لزيد الدين بن عبد العزيز الميلباري الفناني الجزء الثالث دار الفكر للطباعة والنشر و التوريع

[ 4 ]

جميع الحقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى 1418 ه‍ / 1997 م

[ 5 ]

باب البيع (1) لما أنهى الكلام على ربع العبادات، التي المقصود منها التحصيل الاخروي - وهي أهم ما خلق له الانسان - أعقبه بربع المعاملات، التي المقصود منها التحصيل الدنيوي - ليكون سببا للاخروي - وأخر عنهما ربع النكاح - لان شهوته متأخرة عن شهوة البطن، وأخر ربع الجنايات والمخاصمات لان ذلك إنما يكون بعد شهوة البطن والفرج. (قوله: هو) أي البيع. (وقوله: لغة) الاظهر أنه تمييز للنسبة، أو ظرف مكان مجازا لها، فحقه التأخير عن الخبر. والتاء - في لغة - عوض من الواو، لانه من لغا يلغو - إذا تكلم - تطلق اسما على ألفاظ مخصوصة، ومصدرا على الاستعمال، كقولهم لغة تميم إهمال ما - ونحو ذلك. (قوله: مقابلة شئ بشئ) أي على وجه المعاوضة، ليخرج نحو ابتداء السلام ورده، فلا تسمى مقابلة ابتداء السلام برده، ومقابلة عيادة مريض بعيادة مريض آخر بيعا في اللغة - كذا قال بعضهم - وقال بعضهم: الاولى إبقاء المعنى اللغوي على إطلاقه، وهو ظاهر كلام الشارح، ومنه بالمعنى اللغوي: قوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) * - إلى أن قال سبحانه - * (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم) * (2)، وقول بعضهم: ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ولا أسلمها إلا يدا بيد فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا وإن غدرتم فإن الرهن تحت يدي فالمبيع: هو المهجة - وهو الروح - والثمن: هو الوصل: (قوله: وشرعا) عطف على لغة، وهو مقابل لها. (وقوله: مقابلة إلخ) أي عقد يتضمن مقابلة مال بمال، لان البيع ليس هو المقابلة، وإنما هو العقد. والاحسن في تعريفه - كما قال بعضهم - أن يقال: هو عقد معاوضة محضة يقتضي ملك عين أو منفعة على الدوام، لا على وجه القربة. ووجه الاحسنية فيه: أنه سالم من التسمح - بحذف المضاف المذكور - وأنه يشمل بيع المنافع على التأبيد: كبيع حق البناء والخشب على جداره، وكبيع حق الممر للماء بأن لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره. والتعريف الذي ذكره


(1) وهو عقد مشروع ثبتت مشرعيته بالكتاب والسنة ففى تنزيل العزيز الحميد قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (البقرة، الاية: 275) وقوله تعالى: (إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم) (النساء، الاية: 29) وفي السنة عندما سئل النبي (ص) أي الكسب اطيب ؟ قال: " عمل الرجل بيده وكل عمل مبرور " رواه البزار وصححه الحاكم. (2) سورة التوبة، الاية: 111.

[ 6 ]

المؤلف لا يشمل ذلك إلا إن أريد بالمال فيه ما يشمل المنفعة. وخرج بقوله في التعريف الذي ذكره مقابلة إلخ: الهبة التي بلا ثواب، فإنه لا مقابلة فيها، فلا تسمى بيعا. وخرج أيضا: الاجارة والنكاح - لانهما ليس فيها مقابلة مال بمال، لان الاجارة فيها مقابلة منفعة بمال، والنكاح فيه مقابلة انتفاع. وخرج بالمعاوضة في التعريف الثاني نحو الهبة. وبالمحضة: نحو النكاح. وبقوله على الدوام: الاجارة - فإنها وإن كان فيها مقابلة منفعة بمال، ليست على الدوام. وبلا على وجه القربة: القرض، فإنه - وإن كان فيه معاوضة مال بمال - فهو على وجه القربة. (قوله: على وجه مخصوص) أي وهو شروطه الآتية. (قوله: والاصل فيه) أي في حكمه. (قوله: وأحل الله البيع) أي المعهود عندهم، وهو مقابلة مال بمال على وجه مخصوص - فالآية متضحة الدلالة - لا مجملة. (قوله: وأخبار) معطوف على آيات، أي والاصل فيه أخبار. (قوله: كخبر إلخ) أي وكخبر: إنما البيع عن تراض. (قوله: أي الكسب أطيب ؟) أي أي أنواع الكسب أفضل وأحسن ؟ (قوله: فقال) أي النبي. (وقوله: عمل الرجل بيده) أي وهو الصناعة - وقيل يشمل الزراعة - وكونه باليد جري على الغالب. (قوله: وكل بيع مبرور) هو التجارة. (وقوله: أي لا غش فيه ولا خيانة) هذا مدرج من كلام الراوي. والفرق بين الغش والخيانة: أن الاول تدليس يرجع إلى ذات المبيع، كأن يجعد شعر الجارية، ويحمر وجهها، والثاني أعم، لانه تدليس في ذاته أو صفته أو أمر خارج، كأن يصفه بصفات كاذبة، وكأن يذكر له ثمنا كاذبا. (قوله: يصح البيع إلخ). (اعلم) أن أركان البيع ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة. وفي الحقيقة: ستة، لان كل واحد من الاركان الثلاثة: تحته قسمان - فالاول: تحته البائع والمشتري. والثاني: تحته الثمن والمثمن. والثالث: تحته الايجاب والقبول - ولم يصرح المؤلف بالركنين الاولين، وإنما أشار إليهما بقوله وشرط في عاقد، وقوله وفي معقوده. وصرح بالصيغة بقوله بإيجاب وقبول، وبدأ بها لقوة الخلاف فيها - وإن تقدما عليها طبعا - ثم هي على قسمين: صريح، وكناية، والاول: مما دل على التمليك - أو التملك - دلالة ظاهرة مما اشتهر وكرر على ألسنة حملة الشرع: كبعتك، وملكتك، أو وهبتك ذا بكذا. والثاني: ما احتمل البيع وغيره، كجعلته لك، وخذه، وتسلمه، وبارك الله لك فيه. ويشترط في صحة الصيغة: أن يذكر المبتدئ - بائعا أو مشتريا - كلا من الثمن والمثمن. وأما المجيب فلا يشترط أن يذكرهما - ولا أحدهما - فلو قال البائع: بعتك كذا بكذا، فقال قبلت، أو قال المشتري: اشتريت منك كذا بكذا، فقال البائع بعتك، كفى منهما. فإن لم يذكر المبتدي منهما العوضين معا: لم يصح العقد. أفاده البجيرمي. (قوله: ولو هزلا) غاية في صحة البيع بالايجاب. أي يصح به ولو صدر منه على سبيل الهزل - أي المزح - وهو أن لا يقصد باللفظ حقيقة الايقاع. وفى سم: هل الاستهزاء كالهزل ؟ فيه نظر، ويتجه الفرق - لان في الهزل قصد اللفظ لمعناه، غير أنه ليس راضيا به. وليس في الاستهزاء قصد اللفظ لمعناه. ويؤيده أن الاستهزاء يمنع الاعتداد بالاقرار. اه‍ (قوله: وهو) أي الايجاب. (وقوله: ما دل على التمليك دلالة ظاهرة) هذا التعريف شامل للايجاب الصريح والكناية، لان كليهما يدل دلالة ظاهرة. غاية الامر أن دلالة الصريح أقوى، بخلاف الكناية فإن دلالتها بواسطة ذكر العوض على اشتراطه فيها، أو نيته على عدم الاشتراط. وخرج بذلك: ما لا يدل دلالة ظاهرة - كملكتكه، وجعلته لك - من غير ذكر عوض أو نيته. (قوله: كبعتك) يشير إلى شرطين في الصيغة، وهما: الخطاب، ووقوعه على جملة المخاطب. (وقوله: ذا بكذا) يشير إلى شرط ثالث، وهو أنه لا بد من ذكر الثمن والمثمن - كما مر عن البجيرمي -. (قوله: وهو لك بكذا) اختلف فيه: هل هو صريح أو كناية ؟ والمعتمد الثاني. وعلى الاول: يفرق بينه وبين جعلته لك الآتي: بأن الجعل ثم محتمل، وهنا لا احتمال. اه‍.

[ 7 ]

حجر. وكتب سم ما نصه: قوله وهنا لا احتمال: إن أراد أن عدم الاحتمال بسبب قوله بكذا، فليكن جعلته لك بكذا كذلك، وإن أراد أنه بدونه. أبطله قولهم في الوصية أنه لو اقتصر على هو له، فإقرار، إلا أن يقول من مالي، فيكون وصية. اه‍. (قوله: وملكتك، أو وهبتك ذا بكذا) هذا من الصريح، ولا ينافي ذلك كونهما صريحين في الهبة، لان محله عند عدم ذكر الثمن. (قوله: وكذا جعلته لك) أي ومثل المذكورات في صحة الايجاب به: جعلته لك، وهو من الكناية، فلذلك قيده بقوله إن نوى به البيع. (وقوله: بكذا) هو كناية عن العوض، ولا يشترط ذكره، بل تكفي نيته عند حجر، وعند م ر يشترط ذكره، ولا تكفي نيته. والخلف بينهما في الكناية فقط، أما في الصريح: فيشترط ذكره عندهما. قال في التحفة: وليس منها - أي الكناية - أبحتكه، ولو مع ذكر الثمن - كما اقتضاه إطلاقهم - لانه صريح في الاباحة مجانا لا غير، فذكر الثمن مناقض له. وبه يفرق بينه وبين صراحة: وهبتك هنا، لان الهبة قد تكون بثواب، وقد تكون مجانا، فلم ينافها ذكر الثمن - بخلاف الاباحة - ثم قال: وإنما انعقد بها - أي الكناية - مع النية في الاصح مع احتمالها - أي لغير البيع - قياسا على نحو الاجارة والخلع، وذكر الثمن أو نيته بتقدير الاطلاع عليها منه يغلب على الظن إرادة البيع، فلا يكون المتأخر من العاقدين قابلا ما لا يدريه. اه‍. ومما يقوم مقام الايجاب: اشتر مني هذا بكذا، وهو يسمى استقبالا: أي طلب القبول، لان معناه: اقبل مني كذا بكذا. (قوله: وقبول) بالجر، عطف على إيجاب. أي ويصح بإيجاب مع قبول. (قوله: من المشتري) متعلق بمحذوف صفة لقبول. أي قبول كائن من المشتري، ويقوم مقام القبول منه، قوله للبائع: يعني ذا بكذا، ويسمى هذا: استيجابا، أي طلب الجواب. (قوله: ولو هزلا) أي ولو صدر منه القبول على سبيل الهزل، فإنه يصح، ويلزم به البيع. قال سم: قال في الانوار: ولو اختلفا في القبول فقال أوجبت ولم تقبل، وقال المشتري قبلت، صدق بيمينه. اه‍. (قوله: وهو) أي القبول. (قوله: ما دل على التملك كذلك) أي دلالة ظاهرة، بخلاف غير الظاهر، كأن قال تملكت فقط، فإنه لا يكفي، لانه يحتمل الشراء والهبة وغيرهما. (قوله: كاشتريت) أي وما اشتق منه - كأنا مشتر - (وقوله: هذا بكذا) الاول كناية عن المبيع، والثاني كناية عن الثمن. (قوله: وقبلت إلخ) أي واتبعت واخترت. (قوله: هذا بكذا) راجع لقبلت وما بعده. (قوله: وذلك لتتم الصيغة) أي اشتراط الاتيان بالايجاب والقبول معا لاجل أن تتم الصيغة، التي هي عبارة عن مجموعهما، فاسم الاشارة يعود على معلوم من المقام (قوله: الدال) بالرفع، نعت سببي للصيغة. (وقوله: على اشتراطها) أي الصيغة. (قوله: إنما البيع عن تراض) أي صادر عن تراض. (قوله: والرضا إلخ) بيان لوجه دلالة الحديث على اشتراط الصيغة. وحاصله أن في الحديث حصر صحة البيع في الرضا وهو خفي، إذ هو معنى قائم بالقلب، فلا إطلاع لنا عليه، فاشترط لفظ يدل عليه، وهو الصيغة. (قوله: فاعتبر ما يدل عليه) أي الرضا من اللفظ، وذلك لان دلالة اللفظ على ما في النفس أقوى من دلالة القرائن، فلا يقال إن القرائن تدل على الرضا. ومثل اللفظ ما يقوم مقامه، كإشارة الاخرس المفهمة. (قوله: فلا ينعقد الخ) تفريع على اشتراط الصيغة. (قوله: لكن اختير الانعقاد إلخ) استدراك من عدم انعقاده بالمعاطاة الموهم أن ذلك مطلقا وبالاتفاق: أي لكن اختار بعضهم - وهو النووي - انعقاد البيع بالمعاطاة في كل شئ يعد العرف المعاطاة فيه بيعا. وعبارة التحفة: واختار المصنف - كجمع - انعقاده بها في كل ما يعده الناس بها بيعا، وآخرون في محقر كرغيف. والاستجرار من بياع: باطل اتفاقا، أي إلا إن قدر الثمن في كل مرة، على أن الغزالي، سامح فيه، بناء على جواز المعاطاة. اه‍. (قوله: فعلى الاول) أي عدم الانعقاد. (وقوله المقبوض

[ 8 ]

بها) أي بالمعطاة. (وقوله: كالمقبوض بالبيع الفاسد) أي فيجب على كل أن يرد ما أخذه على الآخر إن بقي، أو بدله إن تلف. قال سم: فهو إذا كان باقيا على ملك صاحبه، فإن كان زكويا فعليه زكاته، لكن لا يلزم إخراجها، إلا إن عاد إليه، أو تيسر أخذه. وإن كان تالفا فبدله دين لصاحبه على الآخر، فحكمه كسائر الديون في الزكاة. اه‍. (قوله: أي في أحكام الدنيا) أي أن المقبوض بها كالمقبوض بالبيع الفاسد بالنسبة للاحكام الدنيوية. (وقوله: أما الآخرة فلا مطالبة بها) أي إذا لم يرد كل ما أخذه فلا يعاقب عليها في الآخرة - أي لطيب النفس بها، واختلاف العلماء فيها - لكن هذا من حيث المال، وأما من حيث تعاطي العقد الفاسد، فيعاقب عليه، إذا لم يوجد مكفر. (قوله: ويجري خلافها) أي المعاطاة. (وقوله: في سائر العقود) أي المالية، كالرهن، والشركة، والاجارة. (قوله: وصورتها) أي المعاطاة. (قوله: أن يتفقا) أي البائع والمشتري. أي من قبل صدور المعاطاة منهما، ثم يعطي كل صاحبه ممن غير إيجاب وقبول. (قوله: وإن لم يوجد لفظ من واحد) غاية في الاتفاق. أي سواء حصل مع اتفاقهما لفظ من أحدهما أم لا. ولو قال: وإن وجد لفظ من أحدهما، لكان أولى، إذ لا يغيا إلا بالبعيد. والمراد باللفظ: الايجاب، أو القبول. (والحاصل) المعاطاة: هي أن يتفق البائع والمشتري على الثمن والمثمن، ثم يدفع البائع المثمن للمشتري، وهو يدفع الثمن له، سواء كان مع سكوتهما، أو مع وجود لفظ إيجاب أو قبول من أحدهما، أو مع وجود لفظ منهما لكن لا من الالفاظ المتقدمة - كما في ع ش - وعبارته: ولا تتقيد المعاطاة بالسكوت، بل كما تشمله تشمل غيره من الالفاظ غير المذكورة في كلامهم، للصريح والكناية. اه‍. وفي فتح الجواد: ويظهر أن ما ثمنه قطعي الاستقرار - كالرغيف بدرهم بمحل لا يختلف أهله في ذلك - لا يحتاج لاتفاق فيه، بل يكفي الاخذ والاعطاء مع سكوتهما. اه‍. (قوله: ولو قال متوسط) هو الدلال أو المصلح. قال في النهاية: وظاهر أنه لا يشترط فيه أهلية البيع، لان العقد لا يتعلق به. اه‍. (قوله: بعت) هو بتاء المخاطب (قوله: فقال) أي البائع (وقوله: نعم) أي بعت (قوله: أو وإي) بكسر الهمزة، حرف جواب، ومثلها جير. (وقال) أي المتوسط (وقوله: اشتريت) هو بتاء المخاطب (قوله: فقال) أي المشتري. (وقوله: نعم) أي أو إي، أو جير. (قوله: صح) أي البيع، بما ذكر من قول البائع للمتوسط: نعم، وقول المشتري له: نعم، فينعقد البيع بذلك، لان الاول دال على الايجاب، والثاني دال على القبول. (قوله: ويصح أيضا إلخ) أي كما يصح البيع بالجواب منهما للمتوسط بنعم أو إي، يصح بجواب أحد المتعاقدين للآخر، وذلك بأن يقول المشتري للبائع: بعت ؟ فيقول له: نعم، ويقول البائع للمشتري: اشتريت ؟ فيقول له: نعم. وظاهر النهاية: عدم الصحة فيما ذكر، وعبارتها: فلو كان الخطاب من أحدهما للآخر: لم يصح - أي الجواب بنعم -. قال ع ش: كأن قال: بعتني هذا بكذا ؟ فقال: نعم. اه‍. (وقوله: منهما) أي من المتعاقدين. (وقوله: لجواب إلخ) الجار والمجرور حال من نعم - أي حال كونها مأتيا بها لاجل جواب الخ. (وقوله: قول المشتري) أي للبائع. (وقوله: والبائع) أي وجواب قول البائع للمشتري: اشتريت ؟ (قوله: حرف استقبال) المراد به حرف المضارعة - كالهمزة، والنون كما يرشد بذلك المثال - (وقوله: لم يصح) أي الايجاب المقرون بحرف الاستقبال، أو القبول المقرون بذلك. وفي البجيرمي: إنه لا يصح صراحة، أما كناية فيصح. ونصه:

[ 9 ]

(فرع) أتى بالمضارع في الايجاب: كأبيعك، أو في القبول: كأقبل - صح. لكنه كناية، فما في العباب من عدم صحة البيع بصيغة الاستقبال محمول على نفي الصراحة، كما يشعر به تعليلهم باحتمال الوعد والانشاء. اه‍. (قوله: قال شيخنا) أي في فتح الجواد والتحفة، ولكن اللفظ للاول. (قوله: من العامي) المراد به ما قابل العالم. (قوله: نحو فتح تاء المتكلم) اندرج تحت نحو ضم تاء المخاطب، وإبدال الكاف ألفا، وغير ذلك. قال ع ش: قال حجر: وظاهر أنه يغتفر من العامي فتح التاء في التكلم، وضمها في التخاطب، لانه لا يفرق بينهما. ومثل ذلك: إبدال الكاف ألفا، ونحو ذلك. اه‍. سم. وظاهره - ولو مع القدرة على الكاف من العامي - ومفهومه أنه لا يكتفي بها من غير العامي، وظاهر أن محله حيث قدر على النطق بالكاف. اه‍. (قوله: وشرط صحة الايجاب والقبول كونهما إلخ) شروع في بيان شروط أركان البيع الثلاثة، التي هي العاقد، والمعقود عليه، والصيغة. وبدأ بشروط الصيغة، وذكر منها متنا وشرحا: أربعة وهي: عدم الفصل وعدم التعليق، وعدم التأقيت، وتوافق الايجاب والقبول معنى. وبقي عليه منها ثمانية - الاول منها: أن لا يغير المبتدئ من العاقدين ما أتى به، فلو قال بعتك ذا العبد - بل الجارية - فقبل، لم يصح. أو بعتك هذا حالا - بل مؤجلا -: لم يصح - لضعف الايجاب بالتغيير -. الثاني: التلفظ - بحيث يسمعه من يقربه عادة، وإن لم يسمعه المخاطب - ويتصور وجود القبول منه مع عدم سماعه، بما إذا بلغه السامع فقبل فورا، أو حمل الريح إليه لفظ الايجاب فقبل كذلك، أو قبل اتفاقا - كما في البجيرمي، نقلا عن سم - فلو لم يسمعه من بقربه لم يصح. قال ع ش: وإن سمعه صاحبه لحدة سمعه، لان لفظه كلا لفظ، وإن توقف فيه بعضهم. اه‍. الثالث: بقاء الاهلية إلى وجود الشق الثاني، فلو جن الاول قبل وجود القبول لم يصح. الرابع: أن يكون القبول ممن صدر معه الخطاب، فلو قبل غيره في حياته أو بعد موته لم يصح. الخامس: أن يذكر المبتدئ منهما الثمن والمثمن. السادس: أن يأتي بكاف الخطاب، ويستثنى منه المتوسط المتقدم، ولفظ نعم من المتعاقدين. السابع أن يضيف البيع لجملته فلو قال بعت يدك: لم يصح - إلا إن أراد التجوز عن الجملة. الثامن: أن يقصد اللفظ لمعناه، فلو سبق به لسانه، أو كان أعجميا لا يعرف معنى البيع: لم يصح - كما قال م ر. (قوله: كونهما) أي الايجاب والقبول. (وقوله: بلا فصل) متعلق بمحذوف خبر الكون، باعتبار الشرح. وباعتبار المتن: يكون متعلقا بيصح، أو بمحذوف صفة لكل من إيجاب وقبول. (قوله: بسكوت) متعلق بفصل. (وقوله: طويل) هو ما أشعر بالاعراض عن القبول. قال البجيرمي: المعتمد أنه بقدر ما يقطع القراءة في الفاتحة، وهو الزائد على سكتة التنفس. اه‍. (وقوله: يقع بينهما) أي بين لفظهما، أو إشارتهما، أو كتابتهما، أو لفظ أحدهما، أو كتابة، أو إشارة الآخر، أو كتابة أحدهما وإشارة الآخر، لكن العبرة في الفصل بالسكوت - بالنسبة للكتابة بعد علم المكتوب إليه - (وقوله: بخلاف اليسير) أي فإنه لا يضر. قال في التحفة والنهاية - والعبارة للنهاية -: والاوجه أن السكوت اليسير ضار إذا قصد به القطع - أخذا مما مر في الفاتحة -. ويحتمل خلافه، وبفرق. اه‍. (وقوله: ويحتمل خلافه) جزم به الزيادي، وعبارته: ولو قصد به القطع - بخلاف القراءة - لانها عبادة بدنية محضة، وهي أضيق من غيرها. اه‍. وهي تفيد الصحة مع قصد القطع. (قوله: ولا تخلل لفظ) معطوف على فصل - من عطف الخاص على العام - أي وبلا تخلل لفظ. قال في التحفة: من المطلوب جوابه. وقال سم: وكذا من الآخر على الاوجه، وفاقا لشيخنا الشهاب الرملي، ووجهه أن التخلل إنما ضر لاشعاره بالاعراض، والاعراض مضر من كل منهما، فإن غير المطلوب جوابه لو رجع قبل لفظ الآخر أو معه، ضر. فكذا لو وجد منه ما يشعر بالرجوع والاعراض. فتأمله يظهر لك وجاهة ما اعتمده شيخنا. اه‍.

[ 10 ]

والعبرة في التخلل في الغائب: بما يقع منه عقب علمه أو ظنه بوقوع البيع له. اه‍. نهاية. قال ع ش: أما الحاضر، فلا يضر تكلمه قبل علم الغائب. اه‍. (قوله: وإن قل) أي اللفظ المتخلل فإنه يضر، وهو شامل للحرف المفهم، وهو متجه، لانه كلمة، ولغير المفهم - وهو محل نظر - نعم، يغتفر اليسير لنسيان أو جهل إن عذر - كالصلاة -. ويغتفر لفظ قد: لانها للتحقيق فليست بأجنبية. ويغتفر لفظ: والله اشتريت. واختلف في الفصل بأنا. في - أنا قبلت - فقيل يغتفر، وقيل لا. (قوله: أجنبي) صفة للفظ. (قوله: بأن لم يكن من مقتضاه) أي العقد. وهو تصوير للاجنبي من العقد، فإن كان منه - كالقبض، والانتفاع، والرد بعيب، - لم يضر الفصل به. (وقوله: ولا من مصالحه) فإن كان منها - كشرط الرهن، والاشهاد - لم يضر. وزاد في التحقة والنهاية: ولا من مستحباته، فإن كان منها - كالبسملة، والحمدلة، والصلاة على النبي (ص) لم يضر أيضا. (قوله: ويشترط أيضا أن يتوافقا) أي الايجاب والقبول. (وقوله: معنى) أي في المعنى، أي بأن يتفقا في الجنس، والنوع، والصفة، والعدد، والحلول، والاجل. (قوله: لا لفظا) أي لا يشترط اتفاقهما في اللفظ، فلو اختلفا فيه - كأن قال البائع: وهبتكه بكذا، فقال المشتري: اشتريت، أو بالعكس - وكما لو قال بعتكه بقرش، فقال اشتريت بثلاثين نصف فضة: صح ذلك. (قوله: فلو قال بعتك إلخ) مفرع على مفهوم الشرط. (قوله: فزاد) أي المشتري، كأن قال اشتريت بألفين. (وقوله: أو نقص) أي كأن قال اشتريت بخمسمائة. (قوله: أو بألف حالة) أي أو قال البائع: بعتك بألف حالة. (قوله: فأجل) أي المشتري: أي قال اشتريت منك بألف مؤجلة. (وقوله: أو عكسه) أي بأن قال ابائع بعتك بألف مؤجلة، فقال المشتري: اشتريت بألف حالة. (وقوله: أو مؤجلة بشهر) أي أو قال بعتك بألف مؤجلة بشهر. (وقوله: فزاد) أي المشتري، بأن قال اشتريت بألف مؤجلة بشهرين. (قوله: لم يصح) أي البيع، وهو جواب لو. (وقوله: للمخالفة) أي بين الايجاب والقبول، لكون القبول على ما لم يخاطب به. (قوله: وبلا تعليق) معطوف على بلا فصل. أي ويشترط كونهما من غير تعليق. (قوله: فلا يصح معه) أي لا يصح البيع مع وجود التعليق في الايجاب أو القبول، ومحله إن كان التعليق بغير المشيئة، فإن كان بها: صح، لكن بشروط أربعة: أن يذكر المبتدئ، وأن يخاطب بها مفردا، وأن يفتح التاء إذا كان نحويا، وأن يؤخرها عن صيغته إذا كان إيجابا أو قبولا. ومحله أيضا: إذا كان بغير ما يقتضيه العقد، فإن كان به - كقوله: إن كان ملكي فقد بعتكه - صح. (قوله: كإن مات أبي إلخ) تمثيل للتعليق. (قوله: ولا تأقيت) معطوف على بلا فصل: أي ويشترط أيضا كونهما بلا تأقيت، ولو بما يبعد بقاء الدنيا إليه - كألف سنة -. قال في التحفة: ويفرق بينه وبين النكاح، بأن البيع: لا ينتهي بالموت، بخلاف النكاح. اه‍. (قوله: وشرط في عاقد إلخ) ذكر أربعة شروط له: اثنان منها خاصان بالمشتري، وهما: الاسلام بالنسبة لتملك الرقيق المسلم والمصحف، وعدم الحرابة بالنسبة لتملك آلة الحرب. واثنان عامان، فيه وفي البائع، وهما: التكليف، وعدم الاكراه المشار إليه بقوله وكذا من مكره. وخرج بالعاقد المتوسط، فلا يشترط فيه ذلك - كما تقدم -، نعم، يشترط أن يكون مميزا. (قوله: بائعا كان أو مشتريا) لو قال بائعا ومشتريا - كما في التحفة - لكان أولى، إذ المراد بالعاقد هنا: مجموع البائع والمشتري، لا هذا، أو هذا. (قوله: تكليف) نائب فاعل شرط، والاولى أن يقول - كالمنهج - إطلاق تصرف، ليخرج به أيضا المحجور عليه بسفه، أو فلس. وعبر في المنهاج بالرشد. وكتب عليه المغني ما نصه: (تنبيه) قال المصنف في دقائقه: إن عبارته أصوب من قول المحرر يعتبر في المتبايعين التكليف، لانه يرد عليه ثلاثة أشياء. أحدها: أنه ينتقض بالسكران، فإنه يصح بيعه على المذهب، مع أنه غير مكلف. الثاني: أنه يرد عليه المحجور عليه بسفه، فإنه لا يصح، مع أنه مكلف. الثالث: المكره بغير حق، فإنه مكلف، لا يصح بيعه. قال: ولا يرد

[ 11 ]

واحد منها على المنهاج. اه‍. (قوله: وكذا من مكره) هذا مفهوم قيد محذوف بعد قوله تكليف، وهو وعدم إكراه، أي وكذلك لا يصح العقد من مكره. قال سم: قال في شرح العباب: ومحله إن لم يقصد إيقاع البيع، والاصح - كما بحثه الزركشي - أخذا من قولهم: لو أكره على إيقاع الطلاق، فقصد إيقاعه: صح لقصده. اه‍. وقوله بغير حق: خرج به ما إذا كان بحق، كأن توجه عليه بيع ماله لوفاء الدين، فأكرهه الحاكم عليه فإنه يصح. (تنبيه) من أكره غيره على بيع مال نفسه: صح منه، لانه أبلغ في الاذن، ويصح بيع المصادرة، وهي أن يطلب ظالم من شخص مالا، فيبيع الشخص داره لاجل أن يدفع ما طلب منه، لئلا يناله أذى من ذلك الظالم - وذلك لانه لا إكراه فيه على البيع - إذ قصد الظالم تحصيل المال منه بأي وجه كان، سواء كان يبيع داره أو رهنها أو إيجارها أو بغير ذلك - كما في المغني - وعبارته: ويصح بيع المصادر - بفتح الدال - من جهة ظالم: بأن باع ماله لدفع الاذى الذي ناله، لانه لا إكراه فيه، إذ مقصود من صادر - أي وهو الظالم - تحصيل المال من أي وجه كان. اه‍. ومثله في الروض وشرحه. (قوله: لعدم رضاه) أي المكره، وهو علة لعدم صحة بيع المكره. (قوله: وإسلام إلخ) معطوف على تكليف، أي وشرط إسلام من المشتري لاجل تملكه رقيقا مسلما، وذلك لما في ملك الكافر للمسلم من الاذلال، وقد قال تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (وقوله: لا يعتق عليه) خرج به ما إذا كان يعتق عليه بالشراء - كأبيه، أو ابنه - فإنه يصح، لانتفاء إذلاله بعدم استقرار ملكه. (فائدة) يتصور دخول الرقيق المسلم في ملك الكافر في مسائل نحو الاربعين صورة، ذكرها في المغني، ويجمعها ثلاثة أسباب: الاول الملك القهري - كالارث - كأن يموت كافر عن ابن كافر، ويخلف في تركته عبدا مسلما، فيرث الابن العبد. الثاني: ما يفيد الفسخ، كالرد بعيب. الثالث: ما استعقب العتق، كشراء الكافر أصله وفرعه. وقد نظمها بعضهم فقال: ما استعقب العتق وملك قهري وما يفيد الفسخ، فاحفظ وادري (قوله: على المعتمد) وذلك لبقاء علقة الاسلام في المرتد، وفي تمكين الكافر منه إزالة لها. (قوله: لكن الذي إلخ) لا محل للاستدراك. (قوله: صحة إلخ) ضعيف. (قوله: ولتملك شئ من مصحف) معطوف على لتملك رقيق، أي وشرط إسلام في المشتري لتملك شئ من مصحف، ومثله الحديث - ولو ضعيفا، فيما يظهر - وكتب العلم التي بها آثار السلف، لتعريضها للامتهان - بخلاف ما إذا خلت عن الآثار، وإن تعلقت بالشرع، ككتب نحو، ولغة. قال سم: وخرج بالمصحف: جلده المنفصل عنه، فإنه - وإن حرم مسه للمحدث - يصح بيعه للكافر - كما أفتى به الشهاب الرملي. اه‍. (قوله: يعني ما كتب فيه قرآن) بيان للمراد من المصحف، والاتيان بهذا مناسب - لو لم يزد الشارح لفظ شئ، ومن الجارة - أما بعد الزيادة: فالمناسب الاقتصار على الغاية وما بعدها - أعني قوله ولو آية إلخ. وعبارة المنهاج: ولا يصح شراء الكافر المصحف. قال في التحفة: يعني كما هو ظاهر ما فيه قرآن، ولو آية إلخ. اه‍. (والحاصل) يشترط إسلام من أراد أن يتملك ما كتب فيه قرآن، وإن كان في ضمن نحو تفسير، أو علم، فيما يظهر، نعم، يتسامح لتملك الكافر الدراهم والدنانير التي عليها شئ من القرآن - للحاجة إلى ذلك - ويلحق بها - فيما يظهر - ما عمت به البلوى أيضا من شراء أهل الذمة الدور، وقد كتب في سقفها شئ من القرآن، فيكون مغتفرا - للمسامحة به غالبا. اه‍. نهاية. وخالف في التحفة في الاخير، فقال ببطلان البيع فيما عليه قرآن، وصحته في الباقي - تقريبا للصفقة.

[ 12 ]

(قوله: ولو آية) غاية للمكتوب من القرآن، والذي في التحفة والنهاية: وإن قل - وهو صادق بالآية، وما دونها، ولو حرفا - وفي سم ما نصه: قوله ما فيه قرآن، ولو تميمة، وهل يشمل ما فيه قرآن ولو حرفا ؟ ويحتمل أن الحرف إن أثبت فيه بقصد القرآنية، امتنع البيع حينئذ، وإلا فلا. اه‍. بحذف. (قوله: وإن أثبتت لغير الدراسة) هو غاية ثانية للمكتوب من القرآن. (قوله: ويشترط أيضا عدم حرابة إلخ) وذلك لانه يستعين به على قتالنا، وفي البجيرمي ما نصه: قوله عدم حرابة: خرج قطاع الطريق. قال السبكي: يصح بيع عدة الحرب لهم، ولكن إذا غلب على الظن أنهم يتخذونها لذلك، حرم مع الصحة. سم. اه‍. (قوله: آلة حرب) هي هنا: كل نافع في الحرب - ولو درعا، وفرسا -. (قوله: كسيف ورمح إلخ) أمثلة لالة الحرب. قال سم: وهل مثل ذلك السفن لمن يقاتل في البحر، أو لا، لعدم تعينها للقتال ؟ فيه نظر. ويتجه الاول - كالخيل - مع عدم تعينها للقتال. اه‍. (وقوله: وترس) هو المسمى بالدرقة، وبالجحفة - إذا كان من جلد - كما في المصباح. (قوله: بخلاف غير آلة الحرب إلخ) أي فيصح بيعه للحربي. (وقوله: ولو مما تتأتى) أي ولو كان ذلك الغير مما تتأتى آلة الحرب منه كالحديد. (قوله: وقوله: إذ لا يتعين جعله عدة حرب) فإن ظن جعله عدة حرب: حرم. والعدة: بضم العين وكسرها. (قوله: ويصح بيعها) أي آلة الحرب. (وقوله: للذمي) هذا مفهوم قوله حرابة، ومثل الذمي: الباغي، وقاطع الطريق، لسهولة أمرهما. (قوله: أي في دارنا) أي يشترط أن يكون الذمي في دارنا وتحت قبضتنا. وخرج به: ما لو ذهب إلى دار الحرب مع بقاء عقد الذمة ودفع الجزية - فلا يصح - إذ ليس في قبضتنا. قال ح ل: وفيه أنه في قبضتنا ما دام ملتزما لعهدنا، ومن ثم لم يقيد به الجلال. اه‍. قال بعضهم: الاولى حذف في دارنا. أفاده البجيرمي. (قوله: وشرط في معقود عليه إلخ) شروع في شروط المعقود عليه، وهي لغير الربوي خمسة، ذكر منها - متنا وشرحا - أربعة، وبقي عليه خامس: وهو أن يكون منتفعا به شرعا، ولو في المآل. (قوله: مثمنا كان) أي المعقود عليه، وهو المبيع. (وقوله: أو ثمنا) أي أو كان ثمنا (قوله: ملك له إلخ) أي أن يكون للعاقد سلطنة على المعقود عليه بملك، أو وكالة، أو ولاية - كالاب، والجد، والوصي - مثلا - أو إذن من الشارع - كالملتقط فيما يخاف فساده، فالملكية ليست بشرط، خلافا لما يوهمه صنيعه. (قوله: فلا يصح بيع فضولي) هو من ليس مالكا، ولا وكيلا، ولا وليا، وإنما لم يصح بيعه، لحديث: لا بيع إلا فيما يملك. رواه أبو داود وغيره. وعدم صحة البيع هو القول الجديد. والقول القديم يقول إنه يوقف، فإن أجاز مالكه نفذ، وإلا فلا. ومثل البيع: سائر تصرفاته القابلة للنيابة - كما لو زوج أمة غيره، أو ابنته، أو أعتق عبده، أو آجره، ونحو ذلك. ولو قال: ولا يصح تصرف فضولي: لشمل ذلك كله. (قوله: ويصح بيع مال غيره) هذا كالتقييد لعدم صحة بيع الفضولي: أي أن محله إذا لم يتبين أنه ملكه، وإلا صح. (قوله: ظاهرا) منصوب بإسقاط الخافض، متعلق بمال غيره، لا بيصح. (قوله: إن بان) أي المال الذي باعه. (قوله: أنه له) أي أنه ملك له، وليس بقيد، بل المدار على كونه له عليه ولاية - كما تقدم - فيشمل ما إذا تبين أنه وكيل ببيع العين، أو أنه ولي على العين المبيعة، أو نحو ذلك - كما سيذكر ذلك قريبا في المهمة - (قوله: كأن باع مال مورثه إلخ) أي أو باع مال غيره على ظن أنه لم يأذن له، فبان إذنه له فيه. (قوله: ظانا حياته) ليس بقيد، بل مثله، إن لم يظن شيئا، أو ظن موته بالاولى، اه‍، ح ف، بجيرمي. (قوله: فبان) أي مورثه. (وقوله: ميتا حينئذ) أي حين البيع، والمراد قبيله. (قوله: لتبين إلخ) تعليل للصحة، (وقوله: أنه) أي المال، (وقوله: ملكه) أي البائع - أي فولايته ثابتة له عليه. (قوله: ولا أثر لظن خطأ إلخ) يعني ولا عبرة بأنه عند البيع يحتمل الخطأ، لان العبرة في العقود بما في نفس الامر فقط. (قوله: لا بما في ظن المكلف) أي ليست

[ 13 ]

العبرة بما في ظن المكلف، حتى لا يصح البيع. (قوله: بطريق جائز) كبيع وهبة. (قوله: ما ظن حله) مفعول أخذ، أي أخذ شيئا يظن أنه حلال، وهو في الواقع ونفس الامر حرام، كأن يكون مغصوبا أو مسروقا. (قوله: فإن كان ظاهر المأخوذ منه) هو البائع، أو الواهب. (وقوله: الخير) أي الصلاح. (قوله: لم يطالب) أي الآخذ في الآخرة، وهو جواب إن. (وقوله: وإلا طولب) أي وإن لم يكن ظاهر الخير والصلاح، بأن كان ظاهره الفجور والخيانة، طولب - أي في الآخرة - وأما في الدنيا، فلا يطالب مطلقا، لانه أخذه بطريق جائز. (قوله: ولو اشترى طعاما إلخ) بين هذه المسألة الغزالي فقال: وأما المعصية التي تشتد الكراهة فيها: أن يشتري شيئا في الذمة ويقضي ثمنه من غصب أو مال حرام، فينظر، فإن سلم إليه البائع الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلبه، وأكله قبل قضاء الثمن، فهو حلال. فإن قضى الثمن بعد الاكل من الحرام فكأنه لم يقبض، فإن قضى الثمن من الحرام وأبرأه البائع مع العلم بأنه حرام فقد برئت ذمته، فإن أبرأه على ظن أنه حلال فلا تحصل به البراءة. اه‍. (قوله: فإن أقبضه) أي الطعام. (وقوله: له) أي للمشتري. (وقوله: البائع) فاعل أقبضه. (قوله: برضاه) أي البائع. (قوله: قبل توفية الثمن) أي قبل توفية المشتري الثمن للبائع. (قوله: حل له) أي للمشتري أكله، أي الطعام. (قوله: أو بعدها) أي أو أقبضه البائع الطعام بعد توفية الثمن. (قوله: مع علمه) أي البائع. (قوله: أنه) أي الثمن حرام (قوله: حل أيضا) أي حل أكل المشتري الطعام. (وقوله: أيضا) أي كما حل في الصورة الاولى. (قوله: وإلا حرم) أي وإن لم يعلم البائع أن الثمن الذي وفاه المشتري حرام: حرم على المشتري أكل ذلك الطعام. (وقوله: إلى أن يبرئه) متعلق بمحذوف، أي وتستمر الحرمة إلى أن يبرئه البائع، أي من الثمن. (قوله: أو يوفيه من حل) أي أو يوفي المشتري البائع ثمنه من حل، أي وبعد ذلك يحل للمشتري أكله. (قوله: وطهره) معطوف على ملك: أي وشرط طهر المعقود عليه - أي ولو بالاجتهاد، ولو غلبت النجاسة في مثله. وفي ع ش على م ر: قوله: طهر: ولو حكما، ليدخل نحو أواني الخزف المصحوبة بالسرجين، فإنه يصح بيعها، للعفو عنها، فهي طاهرة حكما. اه‍. (قوله: أو إمكان طهره بغسل) أي فالشرط الاحد الدائر، وذلك كالثوب المتنجس الذي لم تسد النجاسة فرجه، وكالآجر المعجون بالنجس. واحترز بقوله بغسل: عما يمكن تطهيره، لكن لا بغسل، بل بالتكثير أو إزالة التغير: كالماء، أو بالتخليل: كالخمر، أو بالدبغ: كالجلد النجس - فإنه لا يؤثر - فلا يصح بيعه، كما سيصرح به الشارح. (قوله: فلا يصح بيع نجس إلخ) وذلك لانه (ص): نهى عن ثمن الكلب، وقال: إن الله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير رواهما الشيخان. والمعنى في المذكورات: نجاسة عينها، فألحق بها باقي نجس العين - وكما لا يصح جعل النجس مبيعا: لا يصح أيضا جعله ثمنا - إذ الطهر شرط للمعقود عليه مطلقا - ثمنا كان أو مثمنا - ومثله يقال في بقية الشروط، وإن كان الشارح يقتصر في المفهوم على المثمن، وكان حقه أن يعمم. (قوله: بتخلل) راجع لخمر. (قوله: أو دباغ) راجع لجلد ميتة، فهو على اللف والنشر المرتب. (قوله: ولا متنجس إلخ) أي ولا يصح بيع متنجس لا يمكن تطهيره أصلا، أو يمكن لا بغسل - وذلك كالخل، واللبن، والصبغ، والآجر المعجون بالزبل - إذ هو في معنى نجس العين. ومحل عدم صحة بيع ما ذكر: إذا كان استقلالا، أما تبعا فيصح، كبيع دار مبنية بآجر مخلوط بسرجين أو طين كذلك، أو أرض مسمدة بذلك، وكبيع قن عليه وشم - وإن وجبت إزالته، لوقوعه تابعا مع دعاء الحاجة لذلك، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.

[ 14 ]

(قوله: ولو دهنا) أي ولو كان المتنجس دهنا، وهو غاية للرد على من قال بصحة بيعه، بناء على القول الضعيف بإمكان طهره. (وقوله: تنجس) يورث ركاكة لا تخفى، فالاولى حذفه. (قوله: بل يصح هبته) أي المذكور من النجس والمتنجس. وفي البجيرمي ما نصه: (فرع) لو تصدق، أو وهب، أو أوصى بالنجس - كالدهن، والكلب - صح، على معنى نقل اليد. اه‍. سم. ع ش. (قوله: ورؤيته) معطوف على ملك: أي وشرط رؤيته. (وقوله: أي المعقود عليه) أي ثمنا، أو مثمنا. (قوله: إن كان معينا) قيد في اشتراط الرؤية، أي تشترط الرؤية إن كان المعقود عليه معينا - أي مشاهدا حاضرا - فهو من المعاينة لا من التعيين، لانه صادق بما عين بوصفه، وليس مرادا. فلو كان المعقود عليه غير معين - بأن كان موصوفا في الذمة - لا تشترط فيه الرؤية، بل الشرط فيه معرفة قدره وصفته. (قوله: فلا يصح بيع معين لم يرده العاقدان) أي لا يصح بيع معين غائب عن رؤية المتعاقدين أو أحدهما - ولو كان حاضرا في المجلس - وعلم من ذلك امتناع بيع الاعمى وشرائه للمعين - كسائر تصرفاته - فيوكل في ذلك - حتى في القبض والاقباض - بخلاف ما في الذمة. (قوله: كرهنه وإجارته) أي كما لا يصح رهن المعين وإجارته من غير رؤية المتعاقدين. (قوله: للغرر المنهي عنه) تعليل لعدم صحة بيع ما ذكر. والغرر: هو ما انطوت عنا عاقته، أو ما تردد بين أمرين: أغلبهما أو خوفهما. (قوله: وإن بالغ في وصفه) أي لا يصح بيع المعين من غير رؤية - وإن بالغ كل منهما في وصفه - وذلك لان الملحظ في اشتراط الرؤية: الاحاطة بما لم تحط به العبارة من دقيق الاوصاف التي يقصر التعبير عن تحقيقها وإيصالها للذهن، ومن ثم ورد: ليس الخبر كالعيان بكسر العين، ولا مخالفة بين هذا وبين قوله الآتي: ولو قال اشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعتك، انعقد بيعا، لانه بيع موصوف في الذمة، وذاك بيع عين متميزة موصوفة. (والحاصل) لو قال بعتك ثوبا قدره كذا، وجنسه كذا، وصفته كذا: صح - ولو كان الثوب حاضرا عنده - وذلك لانه إنما اعتمد على الصفات الملتزمة في الذمة. ولو قال بعتك الثوب الذي صفته كذا وكذا، فإنه لا يصح، لان المعين لا يلتزم. (قوله: وتكفي الرؤية قبل العقد إلخ) فإن وجده المشتري متغيرا عما رآه عليه تخير، فلو اختلفا في تغيره فالقول قول المشتري بيمينه وتخير، لان البائع يدعي عليه أنه رآه بهذه الصفة الموجودة الآن ورضي به، والاصل عدم ذلك. وإنما صدق - أي البائع - فيما لو اختلفا في عيب يمكن حدوثه، لانهما قد اتفقا على وجوده في يد المشتري، والاصل عدم وجوده في يد البائع. اه‍. تحفة. (وقوله: فيما لا يغلب تغيره إلى وقت العقد) أي في المعقود عليه الذي لا يغلب تغيره إلى وقت العقد، وهو صادق بما يغلب عدم تغيره - كأرض، وحديد، ونحاس، وآنية - وبما يحتمل التغير وعدمه سواء - كالحيوان - بخلاف ما يغلب تغيره إلى وقت العقد - كالاطعمة التي يسرع فسادها - فلا تكفي رؤيته قبل العقد، لانه لا وثوق حينئذ ببقائه حال العقد على أوصافه المرئية قبل. (قوله: وتكفي رؤية إلخ). (إعلم) أن رؤية كل عين على ما يليق - بها فيعتبر في الدار رؤية البيوت، والسقوف، والسطوح، والجدران، والمستحم، والبالوعة. وفي البستان رؤية الاشجار، والجدران، ومسايل الماء. وفي العبد والامة رؤية ما عدا العورة. وفي الدابة: رؤية كلها - لا رؤية لسانهم، ولا أسنانهم - وفي الثوب نشره - ليرى الجميع - ورؤية وجهي ما يختلف منه - كديباج منقش، وبساط - بخلاف ما لا يختلف - ككرباس - فيكفي رؤية أحدهما. وفي الورق البياض. وفي الكتب والمصحف رؤية جميع الاوراق. وفي متساوي الاجزاء - كالحبوب - رؤية بعضه. وفي نحو الرمان بما له قشر يكون صوانا لبقائه رؤية قشره. (قوله: بعض المبيع) المناسب لما قبله: بعض المعقود عليه، مبيعا كان، أو ثمنا. (قوله: إن

[ 15 ]

دل) أي البعض المرئي. (وقوله: على باقيه) أي على أن الباقي مثله، وذلك يكون فيما يستوي ظاهره وباطنه - كالحب، والجوز، والادقة، والمسك، والتمر العجوة أو الكبيس في نحو قوصرة، والقطن في عدل - فلو رأى الظاهر، ثم خالفه الباطن، تخير. (قوله: كظاهر صبرة) تمثيل للبعض الذي تكفي رؤيته، ولا فرق في الصبرة بين أن يكون كلها مبيعا أو بعضها. وفي سم ما نصه: (فرع) سئل شيخنا الشهاب الرملي عن بيع السكر في قدوره: هل يصح، ويكتفي برؤية أعلاه من رؤوس القدور ؟ فأجاب بأنه إن كان بقاؤه في القدور من مصالحه: صج، وكفى رؤية أعلاه من رؤوس القدور، وإلا فلا. اه‍. ولعل وجه ذلك: أن رؤية أعلاه لا تدل على باقيه، لكنه اكتفى بها إذا كان بقاؤه في القدور من مصالحه للضرورة. اه‍. (قوله: وأعلى المائع) عطف على ظاهر صبرة، أي وكأعلى المائع، أي فإن رؤيته في ظرفه كافية. (قوله: ومثل إلخ) هو بالرفع، عطف على محل كظاهر، الواقع خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كظاهر، وذلك مثل إلخ، ويصح جعل الكاف اسما بمعنى مثل، وعليه: يصير العطف عليها فقط. (وقوله: أنموذج) مضاف إلى ما بعده إضافة على معنى من - وهو بضم الهمزة والميم وفتح المعجمة - المسمى بالعينة، وذلك بأن يأخذ البائع قدرا من البر مثلا، ويريه للمشتري. ولا بد من إدخاله في البيع بصيغة تشمل الجميع - بأن يقول: بعتك البر الذي عندي مع الانموذج، وإلا فلا يصح البيع. (قوله: كالحبوب) تمثيل لمتساوي الاجزاء. (قوله: أو لم يدل) أي ذلك البعض المرئي، وهو معطوف على قوله إن دل. (وقوله: بل كان) أي ذلك البعض المرئي. والاولى: لكن كان - بأداة الاستدارك، بدل أداة الاضراب، كما هو ظاهر -. (وقوله: صوانا) بضم الصاد وكسرها، أي حفظا. (وقوله: للباقي) أي الذي لم ير، وهو متعلق بصوانا. (قوله: لبقائه) اللام للتعليل، متعلقة بصوانا أيضا. فاختلف المتعلقان، لان الاول للتعدية، والثاني للعلة، أي صوانا للباقي لاجل بقائه، بحيث إذا فارقه ذلك الصوان لا يبقى، بل يتلف. (قوله: كقشر رمان إلخ) تمثيل لبعض المبيع الذي لم يدل، لكن كان صوانا للباقي. (وقوله: وبيض) أي وقشر بيض. (قوله: وقشرة سفلى) وهي التي تكسر حالة الاكل. وخرج بالسفلى: العليا، فلا يكفي رؤيتها - كما سيصرح به -. (قوله: فيكفي رؤيته) أي المذكور من قشر الرمان، وما بعده. (قوله: لان صلاح الخ) عله للاكتفاء برؤية ما ذكر. (وقوله: باطنه) أي ما ذكر من الرمان، والبيض، ونحو الجوز. (وقوله: في إبقائه) أي القشر. (قوله: وإن لم يدل هو) أي القسر. (وقوله: عليه) أي الباطن. وهذا ليس غاية، بل الواو للحال. وإن زائدة. (قوله: ولا يكفي رؤية القشرة العليا) أي لانها ليست من مصالح ما في باطنه. (وقوله: إذا انعقدت السفلى) احترز به عما إذا لم تنعقد، فإنه يكفي حينئذ رؤية العليا. (قوله: ويشترط أيضا قدرة تسليمه) أي قدرة كل من العاقدين على تسليم ما بذله للآخر - المثمن بالنسبة للبائع، والثمن بالنسبة للمشتري. وعبر بالتسليم - مع أن العبرة بالتسلم - تبعا للنووي في منهاجه. وقال في التحفة والنهاية: واقتصر المصنف عليه - أي القدرة - على التسليم، لانه محل وفاق، وسيذكر محل الخلاف - وهو قدرة المشتري على تسلمه ممن هو عنده. اه‍. (والحاصل) أنه متى كان البائع قادرا على تسليم المبيع للمشتري، وهو قادر على تسلمه، وكان المشتري قادرا على تسليم الثمن للبائع، وهو قادر على تسلمه، صح البيع - اتفاقا - فإن وجدت القدرة على التسلم من العاقدين: صح - على الصحيح.

[ 16 ]

(قوله: فلا يصح بيع آبق وضال) مثل البيع: الشراء به - فلا يصح دفع عبد آبق أو ضال ثمنا لغير قادر على انتزاعه - كما علمت. (قوله: لغير قادر على انتزاعه) أي أخذه من المحل الذي أبق إليه أو ضل فيه، أو من الغاصب الذي غصبه. (قوله: وكذا سمك بركة) أي وكذلك لا يصح بيع سمك بركة لغير قادر على أخذه. ومثل البيع: الشراء به، بأن يدفع ثمنا - كما علمت - (وقوله: شق تحصيله) أي السمك على المشتري، أي أو على البائع في الصورة التي زدناها. (قوله: مهمة) أي في بيان حكم من تصرف في مال غيره ظاهرا ثم تبين أنه له. ولا يقال إن هذا قد ذكره بقوله: ويصح بيع مال غيره ظاهر إلخ، لانا نقول ذاك خاص في التصرف بالبيع، وما هنا في مطلق التصرف. نعم، كان الاولى والاخصر أن يقتصر على هذا، لانه شامل للبيع ولغيره، أو يقتصر على ذاك، ولكن يعمم فيه. فتنبه. (قوله: من تصرف في مال غير) المراد بالمال: ما يشمل المنفعة، وإلا لما صح - قوله فيما يأتي: وشمل قولنا ببيع أو غيره: التزويج. (قوله: أو غيره) أي البيع، كالهبة، والعتق، والوقف. (قوله: ظانا تعديه) أي حال كونه معتقدا أنه متعد في تصرفه. والظاهر أن هذا ليس بقيد، بل مثله ما إذا اعتقد أنه ليس متعديا، كأن كان يعتقد أن التصرف في مال مورثه في حياته جائز. (قوله: فبان) أي ظهر بعد التصرف. (وقوله: أن له) أي المتصرف. (وقوله: عليه) أي المتصرف فيه. (وقوله: ولاية) أي سلطنة بملك، أو وكالة، أو إذن - كما مر - (قوله: كأن كان) أي المتصرف فيه. (وقوله: فبان موته) أي فتبين بعد التصرف فيه موت من له الولاية قبيل التصرف. (قوله: أو مال أجنبي) معطوف على مال مورثه، أي وكأن كان المال الذي تصرف فيه مال أجنبي - أي أو مال مورثه - فكونه أجنبيا ليس يقيد - كما هو ظاهر -. (قوله: فبان إذنه له) أي فتبين بعد التصرف أن ذلك الاجنبي إذن له في التصرف قبله. (قوله: أو ظانا فقد إلخ) ظاهره أنه معطوف على ظانا تعديه، والمعنى: أو تصرف في مال غيره ظانا فقد شرط من شروط التصرف. وفيه أن هذا ليس مرادا، بل المراد أنه تصرف في مال نفسه ظانا فقد شرط من شروط صحة التصرف، فتبين أنه لم يفقد شرط من ذلك. ولو قال: أو باع ماله ظانا فقد شرط إلخ - لكان أولى - فتنبه. (قوله: فبان مستوفيا للشروط) أي فتبين أن تصرفه مستوف لشروط التصرف. (قوله: صح تصرفه) جواب من. (قوله: لان العبرة في العقود إلخ) تعليل للصحة. (وقوله: بما في نفس الامر) أي بما هو مطابق للواقع. وإنما كانت العبرة في العقود به، لعدم احتياجها للنية، فانتفى التلاعب. وبفرضه لا يضر لصحة نحو بيع الهازل - كذا في النهاية، والتحفة -. (قوله: وفي العبادات إلخ) أي ولان العبرة في العبادات بما في نفس الامر، وبما في ظن المكلف. وهذا يفيد أن العبرة في العبادات بمجموع الامرين: ما في نفس الامر وما في ظن المكلف. وصورته الآتية: وهي أنه لو توضأ إلخ، مع علتها، وهي قوله لان المدار الخ تفيد أن العبرة بالثاني فقط، وهذا خلف، ولا يصح أن يقال إن الواو في قوله وبما في ظن المكلف، بمعنى أو، لان ذلك يقتضي أن ما في نفس الامر كاف وحده في العبادات، وليس كذلك. فتأمل. (قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن العبرة في العبادات بما ذكر: لو توضأ إلخ. (قوله: أنه مطلق) أي أن ما توضأ به ماء مطلق. (وقوله: وإن بان) أي ما توضأ به. (وقوله: مطلقا) أي ماء مطلقا. (قوله: لان المدار إلخ) لا حاجة إلى هذه العلة بعد قوله ومن ثم إلخ. (والحاصل) عبارته لا تخلو عن النظر. (قوله: وشمل قولنا ببيع أو غيره) الاولى إسقاط لفظ ببيع - كما هو ظاهر -.

[ 17 ]

(قوله: وغيرهما) أي كالهبة، والوقف والعتق -. (قوله: فلو أبرأ) أي الفضولي. (قوله: من حق) أي في ذمة الغير. (قوله: صح) أي الابراء. (قوله: ولو تصرف في إنكاح) المناسب أن يقول: ولو أنكح، لانه لا معنى للتصرف في الانكاح. (قوله: وشرط في بيع ربوي إلخ) شروع في بيان ما يعتبر في بيع الربوي، زيادة على ما مر من الشروط. وحاصل ذلك أن العوضين إن اتفقا جنسا اشترط ثلاثة شروط، أو علة - وهي الطعم، والنقدية - اشترط شرطان، وإلا كبيع طعام بنقد أو ثوب، أو حيوان بحيوان، لم يشترط شئ من تلك الثلاثة. (قوله: شرط في بيع الربوي وهو) أي الربوي محصور في شيئين فيه حصر الشئ في نفسه، إذ هو عينهما، وهو لا يصح. ويمكن عود الضمير على الربا المفهوم من الربوي، فيكون هو المحصور فيهما. وعليه، فلا إشكال. (قوله: مطعوم) أي ما قصد للطعم تقوتا أو تفكها أو تداويا، وذلك لانه في الخبر الآتي نص على البر والشعير، والمقصود منهما التقوت، وألحق بهما، ما في معناهما - كالفول، والازر، والذرة - وعلى التمر، والمقصود منه التفكه والتأدم، فألحق به ما في معناه - كالزبيب، والتين - وعلى الملح، والمقصود منه الاصلاح، فألحق به ما في معناه من الادوية - كالسقمونيا، والزعفران -. ومن المطعوم: الماء، فهو ربوي، وتسميته طعاما جاءت في الكتاب والسنة - قال تعالى: * (ومن لم يطعمه فإنه مني) * (1). (قوله: كالبر إلخ) تمثيل للمطعوم. (قوله: والفول) أي والترمس، لانه يؤكل بعد نقعه في الماء. قال ابن القاسم: وأظن أنه يتداوي به. (قوله: ونقد) قال في التحفة: وعلة الربا فيه جوهرية الثمن، فلا ربا في الفلوس - وإن راجت -. اه‍. (قوله: بجنسه) متعلق ببيع، والضمير يعود للمذكور من المطعوم والنقد - (قوله: حلول) نائب فاعل شرط، أي شرط حلول للعوضين، وذلك لاشتراط المقابضة في الخبر ومن لازمها الحلول غالبا، فمتى اقترن بأحدهما تأجيل - ولو لحظة - فحل وهما في المجلس: لم يصح. اه‍. تحفة. (قوله: وتقابض) معطوف على حلول، والمراد القبض الحقيقي، فلا يكفي نحو حوالة، وإن حصل معها قبض في المجلس. (وقوله: قبل تفرق) قال سم: شامل للتفرق، سهوا أو جهلا. اه‍. (قوله: ولو تقابضا) أي البائع والمشتري. (وقوله: البعض) أي هذا أعطى بعض المبيع، والآخر أعطى بعض الثمن. (قوله: صح فيه فقط) أي صح البيع في ذلك البعض الذي قبض فقط دون ما لم يقبض، وهذا مبني على الاصح من قولي تفريق الصفقة - كما سيأتي - (قوله: ومماثلة) معطوف على حلول أيضا، أي وشرط مماثلة بين العوضين - أي مساواة بينهما في القدر، من غير زيادة - ولو حبة - ولو من غير جنسهما، كاشتمال أحد الدينارين على فضة. (قوله: يقينا) أي بأن يعلم بالمماثلة كل من المتعاقدين حال العقد. (قوله: بكيل إلخ) متعلق بمحذوف، أي وتعتبر المماثلة بكيل في المكيل - وإن تفاوت في الوزن - وبوزن في الموزون - وإن تفاوت في الكيل - والعبرة بغالب عادة الحجاز في زمنه (ص)، إلا فبعادة أهل البلد، فيما هو كالتمر فأقل، وإلا بأن كان أكبر جرما من التمر، فالعبرة فيه بالوزن، ولا تعتبر المماثلة إلا حال الكمال، فتعتبر في الثمار والحبوب بعد الجفاف والتنقية، فلا يباع رطب منها برطب من جنسه، ولا بجاف منه - إلا في مسألة العرايا - وستأتي. ولا تعتبر مماثلة الدقيق والسويق، والخبز، وكذا ما أثرت فيه


(1) سورة البقرة الاية: 249.

[ 18 ]

النار بالطبخ أو القلي أو الشي، بخلاف تأثير التمييز، كالعسل، والسمن، وإنما تعتبر في الحبوب حبا، وفي السمسم حبا أو دهنا، وفي العنب والرطب زبيبا، أو تمرا، أو عصيرا، أو خلا. (تنبيه) يؤخذ من اعتبار المماثلة بالكيل في المكيل، وبالوزن في الموزون - أنه لا عبرة بالقيمة رأسا. فلو بيع مد تمر برني بمد صيحاني: صح ذلك - ولو تفاوتا في القيمة - ومحله في غير بعض صور القاعدة المسماة بقاعدة مد عجوة ودرهم، فإنه يعتبر في ذلك البعض المماثلة في القيمة أيضا. والمؤلف لم يتعرض لهذه القاعدة رأسا، ولنتعرض لها حتى تعرف ذلك البعض المعتبر فيه ما ذكر، وتكميلا للفائدة، واقتداء بمن سلف، فنقول: ضابط هذه القاعدة أن يجمع عقد واحد جنسا ربويا في الجانبين - أي المبيع والثمن - متحدا فيهما مقصودا - أي ليس تابعا لغيره - وأن يتعدد المبيع جنسا أو نوعا أو صفة، سواء حصل التعدد المذكور في الثمن أم لا. ومعنى تعدده: أن ينضم إلى ذلك الجنس الربوي جنس آخر، ولو غير ربوي. فالقيود المشتمل عليها هذا الضابط: ستة. القيد الاول: أن يكون العقد واحدا، ومعنى وحدته: عدم تفصيله، بأن لا يقابل المد بالمد، والدرهم بالدرهم مثلا، وخرج به ما لو فصل، كأن قال: بعتك هذا بهذا، وهذا بهذا. القيد الثاني: أن يكون الجنس ربويا، وخرج به ما لو كان غير ربوي، كثوب وسيف بثوبين. القيد الثالث: أن يكون ذلك الجنس الربوي في الجانبين، وخرج به، ما لو كان في أحدهما فقط، كثوب ودرهم بثوبين. القيد الرابع: أن يكون الجنس الكائن فيهما واحدا، وخرج به ما لم يكن واحدا، بأن يكون المشتمل عليه المبيع ليس مشتملا عليه الثمن والكل ربوي كصاع بر وصاع شعير بصاعي تمر. القيد الخامس: أن يكون مقصودا بالعقد، وخرج به ما إذا كان تابعا لمقصود بالعقد، كبيع دار فيها بئر ماء عذب بمثلها. القيد السادس: أن يتعدد المبيع، وخرج به، ما إذا لم يتعدد - كبيع دينار بدينار - وهذه المخرجات ليست من القاعدة المذكورة، فهي صحيحة. وبقي من القيود: التمييز - أي عدم الخلط - ولكن هذا في خصوص صور الجنس وصور النوع، إذ لا يتأتى التوزيع المبني عليه القاعدة المذكورة إلا حينئذ. وخرج به: ما إذا لم يتميزا - بأن خلط الجنسان أو النوعان - وبيعا بمثلهما أو بأحدهما خالصا، فإنه لا يضر. وليس من القاعدة المذكورة بشرط أن يكون المخلوط به بالنسبة للجنس شيئا يسيرا، بحيث لا يقصد إخراجه ليستعمل وحده. وأما بالنسبة للنوع، فلا فرق بين اليسير والكثير - كما هو مقتضى كلام الشيخين - وقال سم: قال شيخنا الشهاب الرملي: إنه الصحيح اه‍. وجزم به الخطيب في مغنيه. وخرج باليسير في الجنس الكثير، فيضر، وتصير المسألة من القاعدة المذكورة. والفرق بين الجنس - حيث قيد الخليط فيه باليسير - وبين النوع - حيث أطلق الخليط فيه - أن الخليط إذا كثر في الجنس: لم تتحقق المماثلة، بخلاف النوع. وبقي منها أيضا: أن لا يكون الجنس الربوي ضمنيا في الجانبين، بأن كان ظاهرا في كل منهما، أو ظاهرا في أحدهما ضمنا في الآخر، كبيع سمسم بدهنه. وخرج به: ما لو كان ضمنيا فيهما - كبيع سمسم بسمسم - فإنه لا يضر. وليس من القاعدة المذكورة. (واعلم) أن هذه القاعدة باطلة بجميع صورها، ما عدا ثلاث صور منها - كما ستعرفه - وسبب البطلان: أن العقد مشتمل أحد طرفيه على مالين مختلفين، وهو يوجب توزيع الطرف الآخر عليهما بالقيمة، والتوزيع يقتضي تحقق المفاضلة أو الجهل بالمماثلة. ولنبين لك تلك الصور: ليتميز لك الباطل من الصحيح - الذي هو السبب في إيرادي لهذه القاعدة هنا - فنقول: قد علمت مما مر أنه لا بد أن يتعدد المبيع جنسا أو نوعا أو صفة - تعدد الثمن كذلك أم لا - فهذه الثلاثة - أعني الجنس، والنوع، والصفة - يرتقي كل واحد منها إلى تسع - باعتبار أن الشيئين المشتمل عليهما المبيع لا فرق بين أن يوجدا في الثمن، أو يوجد أحدهما فقط، لكن كان الموجود فيه ربويا، وباعتبار أن الجنس الربوي المنضم إليه شئ آخر: قيمته

[ 19 ]

أزيد من ذلك الشئ الآخر، أو أنقص، أو مساوية. فحاصل تلك الصور: سبع وعشرون صورة - ففي تعدد جنس المبيع تسع صور - لانه إما بيع مد ودرهم بمثلهما، أو بمدين، أو درهمين - وفي كل إما أن أن يكون المد الذي مع الدرهم أعلى منه قيمة، أو أنقص، أو مساويا - فهذه تسع صور: من ضرب ثلاثة في ثلاثة. ومثلها: في اختلاف النوع - كأن بيع مد عجوة برني ومد صيحاني بمثلهما، أو بمدين صيحانيين، أو بمدين برنيين، وقيمة البرني مساوية لقيمة الصيحاني، أو أنقص، أو أزيد - فهذه تسع أيضا من ضرب ثلاثة في ثلاثة. ومثلها في اختلاف الصفة: كأن بيع دينار صحيح ودينار مكسر بمثلهما، أو بصحيحين أو مكسرين - فهذه تسع أيضا: من ضرب ثلاثة في ثلاثة - فالجملة سبع وعشرون صورة. وتتحقق المفاضلة في ثمانية عشرة صورة، وتجهل المماثلة في تسع، وكلها باطلة إلا ثلاثا من صور اختلاف الصفة، وهي: ما لو بيع صحيح ومكسر بمثلهما، أو بصحيحين، أو مكسرين. وقيمة الصحيح في الثلاث، مساوية لقيمة المكسر. وإنما نظروا لتساوي القيمة في الصفة، ولم ينظروا له في الجنس والنوع، لغلبة الاتحاد فيها دون الجنس والنوع، لوجود الوزن معها، وهو لا يخطئ إلا نادرا، بخلاف الكيل الموجود معهما. ولنمثل لك لبعض صور الجنس، ولبعض صور النوع، ولبعض صور الصفة، لتعرف تحقق المفاضلة، أو الجهل بالمماثلة، ونقيس الباقي عليها، فنقول: بالنسبة للاول - أعني الجنس - لو باع مد عجوة ودرهما بمدين: نظر - فإن كانت قيمة المد الذي مع الدرهم أكثر من درهم - كأن تكون قيمته درهمين - كان ذلك المد بالنسبة لقيمته ثلثي الطرف الذي هو فيه، وذلك لان الدرهمين إذا ضممتهما إلى الدرهم، يكون مجموعها ثلاثة، والدرهمان ثلثاها، فإذا وزعت الثمن - الذي هو المدان - على المد والدرهم، يكون ثلثا المدين في مقابلة المد، والثلث الباقي منهما في مقابلة الدرهم. ولا شك أن ثلثي المدين، أكثر من المد - فتحققت المفاضلة وإن كانت قيمة المد أقل من الدرهم المنضم معه - كأن تكون نصف درهم - فيكون المد ثلث الطرف الذي هو فيه بالنسبة للقيمة، فإذا وزعت الثمن المذكور عليهما يكون ثلث المدين في مقابلة المد. ولا شك أن ثلثهما أنقص منه، فتحققت المفاضلة. وإن كانت قيمة المد الذي مع الدرهم مساوية له، لزم الجهل بالمماثلة لانها تستند إلى التقويم، وهو تخمين قد يخطئ وقد يصيب. وقس على ما ذكر بقية صور الجنس، وهي: بيع مد ودرهم بمد ودرهم أو بدرهمين، وكانت قيمة المد أكثر، أو أنقص، أو مساوية - وبالنسبة للثاني - أعني النوع - لو باع مدا صيحانيا، ومدا برنيا بمثلهما: نظر أيضا - فإن كانت قيمة المد الصيحاني أعلى - كدرهمين - وقيمة المد البرني درهما: كان المد الصيحاني ثلثي الطرف الذي هو فيه فيقابله عند التوزيع ثلثا المدين - الصيحاني، والبرني - وهو مد وثلث، فيصير كأنه قابل مدا بمد وثلث، فتحققت المفاضلة. وإن كانت قيمة المد الصيحاني أقل من قيمة المد الرني - كأن تكون قيمته نصف درهم: كان المد الصيحاني ثلث الطرف الذي هو فيه، فيقابله ثلث المدين من الطرف الآخر - الذي هو الثمن - ولا شك أن ثلثهما أنقص من مد - فتحققت المفاضلة. وإن كانت قيمة المد الصيحاني مساوية لقيمة المد البرني: لزم الجهل بالمماثلة، إذ هي تستند إلى التقويم، وهو تخمين - كما مر -. وقس على ما ذكر بقية صور النوع، وهي: بيع مد صيحاني ومد برني بصيحانيين أو ببرنيين وكانت قيمة الصيحاني أكثر، أو أقل أو مساوية. وبالنسبة للثالث - أعني الصفة - لو باع درهما صحيحا ومكسرا بدرهم صحيح ومكسر: نظر أيضا - فإن كانت قيمة الصحيح أعلى من قيمة المكسر - كأن تكون درهمين - كان الصحيح ثلثي الطرف الذي هو فيه، فيقابله ثلثان من الطرف الآخر - وهو درهم وثلث - فيصير كأنه قابل درهما بدرهم وثلث، فتحققت المفاضلة. وإن كانت قيمة الصحيح أقل - كأن يكون نصف درهم - كان ثلث الطرف الذي هو فيه، فيقابله ثلث الدرهمين من الطرف الآخر - ولا شك أن ثلث الدرهمين أنقص من درهم كامل - فتحققت المفاضلة وإن كانت قيمة الصحيح مساوية لقيمة المكسر: لزم الجهل بالمماثلة - بناء على التقويم المار - إلا أنهم اغتفروا في الصلة: لتساويهما في الوزن وفي القيمة.

[ 20 ]

وقس على ذلك بقية صور الصفة، وهي: ما لو باع درهما صحيحا، ودرهما مكسرا بصحيحين، أو مكسرين، وكانت قيمة الصحيح أعلى، أو أقل، أو مساوية. وفي صور التساوي ما علمت من الصحة. قال في التحفة: وليتفطن هنا لدقيقة يغفل عنها، وهي أنه يبطل - كما عرف مما تقرر - بيع دينار مثلا فيه ذهب وفضة بمثله أو بأحدهما، ولو خالصا - وإن قل الخليط - لانه يؤثر في الوزن مطلقا. فإن فرض عدم تأثيره فيه، ولم يظهر به تفاوت في القيمة: صح البيع. اه‍. ومثله بيع فضة مغشوشة بمثلها أو بخالصة، فلا يصح. فإن فرض أن الغش قدر لا يظهر في الوزن: صح البيع. ومنه يؤخذ امتناع بيع الفضة بالفضة المتعامل بها الآن، لاشتمالها على النحاس المؤثر في الوزن. ويؤخذ أيضا منه بطلان ما عمت به البلوى من دفع دينار مغربي مثلا وعليه تمام ما يبلغ به دينارا جديدا من فضة أو فلوس وأخذ دينار جديد بدله. ولهذا قال بعضهم: لو قال لصيرفي: اصرف لي بنصف هذا الدرهم فضة، وبالنصف الآخر فلوسا: جاز، لانه جعل نصفا في مقابلة الفضة، ونصفا في مقابلة الفلوس بخلاف ما لو قال: اصرف لي بهذا الدرهم نصف فضة، ونصف فلوس: لا يجوز، لانه إذا قسط عليهما ذلك: احتمل التفاضل، وكان من صور مد عجوة ودرهم. اه‍. (قوله: وذلك إلخ) أي ما ذكر: من اشتراط الشروط الثلاثة في بيع الربوي بجنسه: ثابت، لقوله (ص) إلخ. (وقوله: " لا تبيعوا الذهب " إلخ) ذكر في الحديث ستة أشياء، إثنين من النقد، وأربعة من المطعومات. والاولان لا يقاس عليهما - لعدم تعدي علتهما - كما سيأتي. والاربعة الاخيرة يقاس عليها ما وجد علتها فيه، وهي تنقسم - من حيث العلة - ثلاثة أقسام، لان البر والشعير مطعومان، والتمر متأدم به، والملح مصلح. (وقوله: ولا الورق) بكسر الراء، الفضة. (وقوله: إلا سواء بسواء) سواء الاول: حال، والثاني مع جاره متعلق بمحذوف صفة. أي سواء مقابلا بسواء، أي لا تبيعوا ذلك إلا حال كونهما متساويين. ومثله يقال فيما بعده. (قوله: عينا بعين) أي حالين. (وقوله: يدا بيد) أي متقابضين قبضا حقيقيا قبل التفرق من المجلس. (قوله: فإذا اختلفت هذه الاصناف) أي الربوية واتحدت علة الربا - كبر بشعير - والدليل على هذا القيد: الاجماع. وخرج بذلك، ما لو باع برا بنقد، فلا يشترط التقابض والحلول، لعدم اتحاد العلة - إذ هي في الاول، الطعمية، وفي الثاني النقدية. (وقوله: فبيعوا كيف شئتم) أي إذا أردتم بيع شئ منها بآخر فبيعوا كيف شئتم. أي متماثلا، ومتفاوتا. (قوله: إذا كان يدا بيد) كان: تامة، وفاعلها ضمير مستتر، يعود على البيع. ويدا بيد: حال من الضمير المستتر. أي إذا وجد بيع الاصناف المختلفة حال كونه يدا بيد، أي مقابضة. (قوله: ومن لازمه) أي التقابض، الحلول: أي فوجد شرطا بيع الربوي بغير جنسه، وهما: التقابض والحلول. (وقوله: أي غالبا) أي أن كون لازم التقابض الحلول، باعتبار الغالب، ومن غير الغالب: قد يحصل التقابض قبل التفرق، مع كون العقد مشروطا فيه تأجيل أحد العوضين إلى لحظة مثلا. (قوله: فيبطل بيع الربوي إلخ) محترز كون المماثلة يقينا. وقوله جزافا - بتثليث الجيم - وهو ما لم يقدر بكيل ولا وزن - كبيع صبرة من بر بصبرة من جنسها، فإن ذلك لا يصح. (قوله: أو مع ظن مماثلة) يغني عنه قوله جزافا، إذ هو صادق بظن المماثلة، وهو ساقط من عبارة التحفة وفتح الجواد وغيرهما، فالاولى إسقاطه. (قوله: وإن خرجتا سواء) المناسب: وإن خرجا - بإسقاط التاء - إذ ألف التثنية تعود على مذكر، وهو الربوي ومقابله من غير جنسه. وهو غاية للبطلان، أي يبطل بيع ما ذكر جزافا، وإن خرجا سواء للجهل بالمماثلة حالة العقد. (قوله: وشرط في بيع أحدهما) أي المطعوم والنقد. (وقوله: بغير جنسه) متعلق ببيع. (قوله: واتحد) أي ذلك الاحد ومقابله. (قوله: في علة الربا) هي الطعم والنقدية - كما تقدم -. (قوله: كبر بشعير وذهب بفضة) الاول: مثال لبيع المطعوم بغير جنسه مع

[ 21 ]

الاتحاد في العلة. والثاني: لبيع النقد بغير جنسه مع الاتحاد في ذلك. (قوله: حلول إلخ) نائب فاعل شرط. (قوله: قبل تفرق) أي من مجلس العقد، والظرف تنازعه كل من حلول وتقابض. (قوله: لا مماثلة) أي لا يشترط مماثلة، لقوله في الحديث المار: فبيعوا كيف شئتم. (قوله: فيبطل بيع الربوي إلخ) مفرع على مفهوم الشرط الثاني. وقوله إلى لم يقبضها: أي أو لم يكونا حالين. وكان عليه أن يصرح به لانه مفهوم الشرط الاول. (قوله: بل يحرم) إضراب إنتقالي، لا إبطالي. والمناسب: عدم الاضراب، وإبدال بل بواو الاستئناف. وقوله في الصورتين: هما بيع الربوي بجنسه، وبيعه بغير جنسه. وكان المناسب أن يقول: في ذلك كله. (قوله: واتفقوا على أنه من الكبائر) أي أن البيع في الصورتين المختل فيهما شرط من الشروط السابقة: من الكبائر، بل من أكبر الكبائر - كما في التحفة - وذلك لانه ربا، وقد لعن رسول الله (ص) آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. قيل: ولم يؤذن الله تعالى في كتابه عاصيا بالحرب: غير آكله. قال تعالى: * (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) * (1) ومن ثم قيل: إنه علامة على سوء الخاتمة - كإيذاء أولياء الله تعالى -. قال في الايعاب: ولقد وقع لي أني رجعت من مصر إلى بلدنا لصلة الرحم في حدود الثلاثين وتسعمائة، فكنت في عشر رمضان الاخير أزور قبر والدي كل يوم بعد الصبح، ففي يوم أنا جالس أقرأ على قبره، وإذا بصوت فزع يأتيني من بعد، فتبعته إلى أن رأيته خارجا من قبر مبني مجصص، وهو يقول: آه آه - مفسرة - قوقفت ساعة، ثم رجعت، فسألت عن صاحب ذلك القبر، فقيل لي: فلان - لرجل أعرفه، صاحب ثروة، كان لا يفارق المسجد، ولا يتكلم بسوء قط - فزاد العجب فيه، ثم بالغت في السؤال عنه، فقيل: إنه كان يأكل الربا. اه‍. قال في النهاية: وظاهر الاخبار هنا أنه أعظم إثما من الزنا والسرقة وشرب الخمر. لكن أفتى الوالد بخلافه، وتحريمه تعبدي. وما أبدي له - أي من كونه يؤدي للتضييق ونحوه - إنما يصلح حكمة، لا علة. اه‍. بزيادة. (قوله: لآكل الربا) هو متناوله بأي وجه كان، واعترض بأنه إن أراد بالربا المعنى اللغوي - وهو الزيادة - فلا يصح، لقصوره على ربا الفضل. وأيضا يقتضي أن اللعن على آكل الزيادة فقط، دون باقي العوض. وإن أريد بالربا العقد، فغير ظاهر، لانه لا معنى لاكل العقد وأجيب باختيار الثاني، وهو على تقدير مضاف، والتقدير: آكل متعلق الربا، وهو العوض. اه‍. بجيرمي. (قوله: وموكله) هو الدافع للزيادة. (قوله: وكاتبه) أي الذي يكتب الوثيقة بين المرابين، وأسقط من الحديث: الشاهد، وكان عليه أن يصرح به. (قوله: وعلم بما تقرر) أي من أنه يشترط لبيع الربوي بجنسه، أو بغيره مع الاتحاد في العلة، ما مر من الشروط. (وقوله: أنه لو بيع طعام إلخ) أي لو بيع ربوي بغير جنسه ولم يتحدا في العلة - كبيع طعام بنقد، أو بثوب، أو بيع عروض بنقد، أو غير ذلك - لم يشترط شئ من هذه الثلاثة، أي التماثل، والحلول، والتقابض. (قوله: وشرط في بيع إلخ) لما أنهى الكلام على بيع الاعيان، شرع في بيع الذمم. والاصل فيه: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * (2) الآية - نزلت في السلم -. وخبر الصحيحين. من أسلف في شئ، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. (وقوله: موصوف) صفة لمحذوف، أي شئ موصوف بما يبين قدره وجنسه وصفته. (وقوله: في الذمة) متعلق بمحذوف صفة ثانية لذلك


(1) سورة البقرة، الاية: 279. (2) سورة البقرة، الاية: 282.

[ 22 ]

المحذوف، أي ملتزم في الذمة، ويصح تعلقه ببيع. وكون البيع في الذمة - باعتبار كون المبيع ملتزما فيه -. والذمة لغة: العهد، والامان. وشرعا: معنى قائم بالذات، يصلح للالزام من جهة الشارع، والالتزام من جهة المكلف. (قوله: ويقال له السلم) أي يطلق على البيع في الذمة السلم اتفاقا، وإن كان بلفظ السلم، فإن كان بلفظ البيع، فقيل إنه بيع، ولا تجري عليه أحكام السلم، من اشتراط قبض رأس المال في المجلس، وعم صحة الحوالة به وعليه، وقيل إنه سلم، وعليه تجري فيه أحكامه المذكورة. وأركان السلم خمسة: مسلم، ومسلم إليه، ومسلم فيه، ورأس مال، وصيغة. (قوله: مع الشروط) متعلق بشرط، أي شرط قبض إلخ مع اشتراط الشروط السابقة في بيع المعين، ما عدا الرؤية من كون المعقود عليه ملكا للعاقد، وطاهرا ومقدورا على تسلمه. أما الرؤية فليست شرطا فيه، لانه إنما تشترط في بيع المعين فقط، وهذا في الذمة. (قوله: قبض رأس مال) هو شرط لدوام الصحة، ويشترط لاصلها حلوله - كما في المنهج - ولا يغني القبض عنه، لانه قد يكون مؤجلا ويقبض في المجلس، وهو لا يصح. وإنما عبر بالقبض دون التسليم - الذي عبر به في المنهاج - لان المعتمد جواز استقلال المسلم إليه بقبض رأس المال. (وقوله: معين) كأسلمت إليك هذا الدينار (وقوله: أو في الذمة) كأسلمت إليك دينارا، وإن لم يقل في ذمتي - كما يقع الآن. (والحاصل) رأس المال تارة يكون معينا، وتارة يكون في الذمة - بخلاف المسلم فيه، فإنه لا يكون إلا دينا - أي في الذمة - كما سيذكره. (قوله: في مجلس خيار) متعلق بقبض. (قوله: وهو) أي مجلس الخيار كائن قبل تفرق، أي أو قبل تخاير، لان اختيار اللزوم كالتفرق - كما سيأتي في الخيار - ولو اختلفا، فقال المسلم قبضته بعد التفرق، وقال المسلم إليه قبله، أو بالعكس، ولا بينة لكل، صدق مدعي الصحة. (قوله: من مجلس العقد) متعلق بتفرق، والاولى إسقاطه، لانه لو قاما منه وتماشيا منازل حتى حصل القبض قبل التفرق: صح. (قوله: ولو كان إلخ) غاية في اشتراط قبض رأس المال قبل ذلك، أي يشترط قبضة قبل ذلك، ولو كان منفعة، كأسلمت إليك منفعة داري، أو حيواني في كذا وكذا. (قوله: وإنما يتصور تسليم المنفعة بتسليم العين) أي لان ذلك هو الممكن في قبض المنفعة، فلم يتصور فيها القبض الحقيقي. قال سم: فلو تلفت العين قبل فراغ المدة: ينبغي انفساخ السلم فيما يقابل الباقي، لتبين عدم حصول القبض فيه، كما لو تلفت الدار المؤجرة. اه‍. (قوله: كدار وحيوان) تمثيل للعين التي أسلم منفعتها. (قوله: ولمسلم إليه قبضه) أي رأس المال، أي له أن يستقل به من غير أن يقبضه المسلم إياه. (قوله: ورده لمسلم إلخ) أي وله رد رأس المال للمسلم، ولو عن الدين الذي عليه له. وعبارة التحفة: ولو رده إليه قرضا أو عن دين، فقد تناقض فيه كلام الشيخين وغيرهما. والمعتمد: جوازه، لان تصرف أحد العاقدين مع الآخر لا يستدعي لزوم الملك. اه‍. (قوله: وكون مسلم إلخ) معطوف على قبض رأس مال، أي وشرط كون الشئ المسلم فيه دينا. قال في المغني: (فإن قيل) الدينية داخلة في حقيقة السلم، فكيف يصح جعلها شرطا، لان الشرط خارج عن المشروط ؟ (أجيب) بأن الفقهاء قد يريدون بالشرط: ما لا بد منه، فيتناول حينئذ جزء الشئ. اه‍. (قوله: في الذمة) أي ذمة المسلم إليه، وهذا بيان للمراد من كونه دينا، ولو زاد أي التفسيرية، لكان أولى. وعبارة ش ق: والمراد بالدين: ما كان في الذمة - كما يستفاد ذلك من التعريف السابق - فلا يشترط فيه الاجل. اه‍. (قوله: حالا كان) أي المسلم فيه، أو مؤجلا. والمراد أن يصرح بالحلول أو بالاجل. (قوله: لانه) أي الدين هو الذي وضع له لفظ السلم، إذ هو بيع موصوف في الذمة. وما ذكر تعليل لاشتراط كون المسلم فيه دينا. (قوله: فأسلمت إلخ) مفرع على مفهوم اشتراط ما ذكر، أي فلو لم يكن المسلم فيه دينا - بأن كان معينا - فليس بسلم. وقوله في هذا العين: هو المسلم فيه. وقوله أو هذا: أي أو أسلمت إليك هذا الدينار مثلا في هذا - أي الثوب مثلا - كرر المثال إشارة إلى أن رأس

[ 23 ]

المال لا يضر تعينه - كما علمت (قوله: ليس سلما) الجملة خبر فأسلمت إلخ الواقع مبتدأ لقصد لفظه. (قوله: لانتفاء الشرط) هو الدينية، وهو علة لانتفاء كونه سلما. (قوله: ولا بيعا لاختلال لفظه) أي وليس بيعا لاختلال، أي لفقد لفظه - أي البيع - إذ المعبر به لفظ السلم، لا البيع. قال في التحفة: نعم، لو نوى بلفظ السلم البيع، فهل يكون كناية - كما اقتضته قاعدة: ما كان صريحا في بابه كان كناية في غيره - أو لا، لان موضوعه ينافي التعيين، فلم يصح استعماله فيه ؟ كل محتمل. والثاني أقرب إلى كلامهم. اه‍. بتصرف. (قوله: ولو قال اشتريت إلخ) هذه مسألة مستقلة، وليست مفرعة على ما قبلها. (قوله: كان بيعا) أي كان هذا العقد بيعا - لا سلما - عند الشيخين. قال في النهاية: وهو الاصح هنا - كما صححه في الروضة - (قوله: نظرا للفظ) أي اعتبارا باللفظ، أي وهو لفظ البيع والشراء. (قوله: وقيل سلم نظرا للمعنى) أي وهو بيع شئ موصوف في الذمة، واللفظ لا يعارضه، لان كل سلم بيع، كما أن كل صرف بيع، وإطلاق البيع على السلم إطلاق له على ما يتناوله. قال في التحفة: فعلى الاول - أي أنه بيع - يجب تعيين رأس المال في المجلس إذا كان في الذمة، ليخرج عن بيع الدين بالدين، لا قبضه، ويثبت فيه خيار الشرط، ويجوز الاعتياض عنه. وعلى الثاني - أي أنه سلم - ينعكس ذلك، ومحل الخلاف إذا لم يذكر بعده لفظ السلم، وإلا كان سلما اتفاقا اه‍. بزيادة. (قوله: واختاره) أي القول بأنه سلم، وهو ضعيف. (قوله: وكون المسلم فيه الخ) معطوف على قبض رأس مال، أي وشرط كون المسلم فيه: مقدورا على تسليمه للمسلم عند المحل، وصرح بهذا الشرط - مع أنه من شروط البيع، وهو بصدد بيان الشروط الزائدة عليها - كما يدل له قوله سابقا مع الشروط المذكورة للبيع - لان المقصود بيان وقت القدرة المشترطة، وهذا زائد على مفهوم القدرة على التسليم، وذلك الوقت هو حالة وجوب التسليم، وهو يختلف، ففي السلم الحال: عند العقد. وفي المؤجل: بحلول الاجل. (قوله: أي وقت حلوله) تفسير مراد للمحل - بالكسر - وهو مصدر بمعنى الزمان، وهذا إن كان السلم مؤجلا، وإلا فالعبرة فيه بوقت العقد - كما علمت - (قوله: فلا يصح السلم في منقطع إلخ) أي أو فيما يشق حصوله في المحل مشقة عظيمة، كقدر كثير من الباكورة. (وقوله: كالرطب في الشتاء) أي كأن أسلم له في رطب يأتي به في الشتاء، وهذا باعتبار أكثر البلاد. أما في بلد يوجد فيه الرطب في الشتاء كثيرا، فيصح، كما في الايعاب. (قوله: وكونه معلوم قدر إلخ) معطوف على قبض رأس مال أيضا، أي وشرط كون المسلم فيه معلوم قدر. قال ع ش: أي للعاقدين، ولو إجمالا، كمعرفة الاعمى الاوصاف بالسماع، ولعدلين. ولا بد من معرفتهما الصفات بالتعيين، لان الغرض منهما الرجوع إليهما عند التنازع، ولا تحصل تلك الفائدة إلا بمعرفتهما تفصيلا - كذا قاله في القوت - وهو حسن متعين. اه‍. (قوله: بكيل الخ) متعلق بمعلوم، أي ويحصل العلم بالقدر بالكيل في المكيل، أي فيما يكال عادة - كالحبوب ونحوها - وبالوزن، في الموزون - أي فيما يوزن عادة - كاللآلئ الصغار، والنقدين، والمسك، ونحو ذلك - وبالذرع: في المذروع - أي فيما يذرع عادة - كالثياب، والارض - وبالعد: في المعدود، أي فيما يعد عادة - كالاحجار واللبن. (قوله: وصح) أي السلم (قوله: في نحو جوز ولوز) أي مما جرمه كجرمهما - كفستق - وألحق به بعضهم البن المعروف الآن. وانظر لم أفرد هذا بالذكر مع أنه إن كان من المكيل، والقصد التنبيه على أنه يصح بالوزن، فهو داخل في قوله الآتي ومكيل بوزن، وإن كان من الموزون فهو داخل تحت قوله المار أو وزن في موزون ؟ ويمكن أن يقال - كما في البجيرمي - أنه أفرده بالذكر للرد على الامام ومن تبعه، لانه يمنع السلم في الجوز واللوز وزنا وكيلا، إن كان من نوع يكثر

[ 24 ]

اختلافه بغلظ قشوره ورقتها. فافهمه. (قوله: وموزون بكيل) أي وصح أيضا السلم في موزون بكيل. (وقوله: يعد فيه ضابطا) أي يعد ذلك الكيل في الموزون ضابطا، وذلك كدقيق، وما صغر جرمه كجوز ولوز - كما مر - فإن لم يعد فيه الكيل ضابطا - كفتات مسك، وعنبر، وكبطيخ، وقثاء، وباذنجان، ورمان، ونحوها مما كبر جرمه، وكالبقول، وكالملوخية، والرجلة - تعين في جميع ذلك الوزن. (قوله: ومكيل بوزن) أي وصح السلم في مكيل كالحبوب بالوزن، وذلك لان المقصود معرفة القدر، وهي حاصلة بذلك. وبه يفرق بين السلم، وبين الربا - حيث تعين في الموزون الوزن، وفي المكيل الكيل - وذلك لان المقصود هناك المماثلة بما عهد في زمن النبي (ص)، فهو أضيق بابا من السلم. (قوله: ولا يجوز) أي السلم. (وقوله: في بيضة ونحوها) أي كبطيخة، وسفرجلة. ويفهم من التعبير ببيضة ونحوها: أن السلم يصح في البيض الكثير، والبطيخ الكثير ونحوهما، وهو كذلك - كما في شرح الروض - وعبارته: أما لو أسلم في عدد من البطيخ مثلا - كمائة - بالوزن في الجميع، دون كل واحدة، فيجوز - اتفاقا - قاله السبكي وغيره. اه‍. وعبارة التحفة مثله، ونصها: ومن ثم امتنع في نحو بطيخة أو بيضة واحدة، لاحتياجه إلى ذكر جرمها مع وزنها، وذلك لعزة وجوده. نعم، إن أراد الوزن التقريبي: اتجه صحته في الصورتين، لانتفاء عزة الوجود. اه‍. (قوله: لانه) أي الحال والشأن (وقوله: يحتاج) أي في صحة السلم في نحو البيضة. (وقوله: إلى ذكر جرمها مع وزنها) أي في صيغة السلم، كأن يقول أسلمت إليك في بطيخة جرمها كذا، ووزنها كذا. (قوله: فيورث عزة الوجود) أي فيؤدي ذكر الجرم مع الوزن إلى ندرة الوجود، فلذلك لم يصح السلم. (قوله: ويشترط) أي لصحة السلم. (وقوله: أيضا) أي كما اشترط ما مر من قبض رأس المال وما بعده. (قوله: بيان محل تسليم) أي مطلقا، سواء كان السلم حالا أو مؤجلا. وحاصل ما يتعلق بهذا الشرط أن الصور فيه ثمانية، وذلك لان السلم إما حال أو مؤجل. وعلى كل، إما أن يكون لنقله مؤنة أو لا، وعلى كل: إما أن يكون المحل صالحا للتسليم أو لا - فأربعة في الحال، وأربعة في المؤجل - يجب البيان في خمسة، منها ثلاثة في المؤجل، وهي ما إذا كان الموضع غير صالح للتسليم، سواء كان لنقله مؤنة أم لا، أو صالحا ولنقله مؤنة. وثنتان في الحال: وهما ما إذا كان الموضع غير صالح للتسليم، سواء كان لنقله مؤنة أم لا. ولا يجب البيان في ثلاثة: واحدة في المؤجل، وهي ما إذا كان الموضع صالحا ولا مؤنة للنقل. وثنتان في الحال، وهما: إذا كان صالحا سواء كان لنقفه مؤنة أم لا. فإذا بين تلك الصورة وجب العمل بالبيان، وإذا علمت ذلك تعلم ما في كلام الشارح من الاجمال، حيث أطلق ولم يفصل بين المسلم فيه المؤجل والحال، فيفيد أنه إذا صلح المكان للتسليم، وكان لحمله مؤنة: اشترط البيان مطلقا - سواء كان مؤجلا أو حالا - مع أنه إنما يشترط في الاول، دون الثاني. (قوله: إن أسلم بمحل لا يصلح للتسليم) أي عقد في محل لا يصلح له، كأن عقد في وسط لجة أو في بادية، ولا فرق في اشتراط البيان فيما إذا أسلم في المحل المذكور بين أن يكون لنقل المسلم فيه مؤنة أم لا. (وقوله: أو لحمله إليه مؤنة) أي أو صلح للتسليم، لكن كان لحمله من الموضع الذي يوجد فيه عادة إلى موضع التسليم مؤنة، ومحل اشتراط البيان في هذا: إذا كان المسلم فيه مؤجلا، أما إذا كان حالا فلا يشترط - كما علمت - (قوله: ولو ظفر المسلم) بكسر اللام (وقوله: بالمسلم إليه) بفتح اللام (وقوله: بعد المحل) بكسر الحاء. (قوله: في غير محل التسليم) متعلق بظفر، ومحله هو المكان المعين بالشرط، أو بالعقد. (قوله: ولنقله إلى محل الظفر) أي نقل المسلم فيه من محل التسليم إلى موضع الظفر مؤنة، أي ولو يتحملها المسلم عن المسلم إليه. (قوله: لم يلزمه) أي المسلم إليه. (وقوله: أداء) أي للمسلم فيه للمسلم (قوله: ولا يطالبه بقيمته) أي ولا يطالب المسلم المسلم إليه في غير محل التسليم بقيمته قال سم:

[ 25 ]

قال الزركشي: لكن له الدعوى عليه، وإلزامه بالسفر إلى محل التسليم، أو التوكيل، ولا يحبس. اه‍. (قوله: ويصح السلم حالا) أي بأن صرح بالحلول. (وقوله: ومؤجلا) أي بأن صرح بالتأجيل بالنسبة للمسلم فيه، أما رأس المال، فلا يصح فيه الاجل، ويجب قبضه حقيقة في المجلس - كما تقدم - أما المؤجل: فبالنص، وأما الحال: فبالاولى - لبعده عن الغرر - (فإن قيل) الكتابة تصح بالمؤجل ولا تصح بالحال. (أجيب) بأن الاجل إنما وجب فيها لعدم قدرة الرقيق على نحو الكتابة، والحلول يقتضي وجوبها حالا. (وقوله: بأجل معلوم) متعلق بمؤجل، أي مؤجل بأجل معلوم للعاقدين، أو للعدلين، كإلى شهر رمضان. (قوله: لا مجهولا) أي لا مؤجل بأجل مجهول، فلا يصح. فلو قال أسلمت إليك بهذا إلى قدوم زيد: لم يصح، للجهل بوقت الحلول. (قوله: ومطلقه إلخ) أي أن مطلق السلم، أي الذي لم يصرح فيه بحلول أو أجل. (وقوله: حال) أي ينعقد حالا، كما أنه إذا أطلق البيع، ينعقد حالا. قال سم: وإن ألحقا به أجلا في المجلس: لحق، أو ذكرا أجلا ثم أسقطاه في المجلس: سقط. اه‍. (قوله: ومطلق المسلم فيه جيد) أي أن المسلم فيه إذا لم يقيد بجودة ولا رداءة: ينصرف للجيد - للعرف، ولكن ينزل على أقل درجات الجيد لا على أعلاها. (قوله: وحرم ربا) (1) هو بالقصر لغة الزيادة، قال الله تعالى: * (اهتزت وربت) * (2) أي زادت ونمت. وشرعا: عقد واقع على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع، أو واقع مع تأخير في البدلين، أو أحدهما. (واعلم) أن غالب ما ذكره هنا هو عين ما مر في قوله وشرط في بيع ربوي إلخ، فكان الاولى أن يستوفي الكلام هناك على ما يتعلق ببيع الربوي، أو لا يذكر هناك شيئا أصلا ويستغني بما ذكره هنا عما ذكره هناك - كما صنع في المنهج -. وقد ورد في تحريم الربا شئ كثير من الآيات والاحاديث والآثار، منها ما تقدم، ومنها قوله تعالى: * (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) * قال بعضهم في تفسير هذه الآية: إن آكل الربا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الفواحش، فإن كل مكتسب له توكل ما في كسبه، قليلا كان أو كثيرا - كالتاجر والزارع - إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم، ولم تتعين لهم قبل الاكتساب، فهم على غير معلوم في الحقيقة، كما قال (ص): أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم، وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه، فهو محجوب عن ربه بنفسه، وعن رزقه بتعيينه، لا توكل له أصلا، فوكله الحق سبحانه وتعالى إلى نفسه وعقله، وأخرجه من حفظه، فاختطفته الجن، وخبلته، فيقوم يوم القيامة كالمصروع الذي مسه الشيطان، فتخطفه الزبانية، وتلقيه في النيران - فيجب على كل مؤمن أن يتباعد مما يغضب الجبار، ويتوب ويرجع إلى العزيز الغفار، فعساه يغفر له خطاياه - كما قال تعالى: * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * (3). والمال الحاصل من الربا: لا بركة له، لانه إنما حصل من مخالفة الحق، فتكون عاقبته وخيمة، وصاحبه يرتكب سائر المعاصي - إذ كل طعام يوصل آكله إلى دواع وأفعال من جنسه - فإن كان حراما: يدعوه إلى أفعال محرمة، وإن كان مكروها: يؤديه إلى أفعال مكروهة، وإن كان طيبا: يوصله إلى الطيبات فآكل الربا عليه إثم الربا، والافعال التي حصلت بسببه، فتزداد عقوبته وإثمه أبدا، ويتلف الله ماله في الدنيا، فلا ينتفع به أعقابه وأولاده، فيكون ممن خسر الدنيا


(1) والاصل في تحريم الربا قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) (البقرة، الاية: 275) وقوله تعالى: (ويمحق الله الربا ويربي الصدقات) (البقرة 276). وقول الله عزوجل: (وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين) (البقرة: 278 - 279). وما ورد عن النبي (ص) أنه قال: " لعن اكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء " رواه البخاري. (2) سورة الحج، الاية: 5، وفصلت، الاية: 39. (3) سورة البقرة، الاية: 275.

[ 26 ]

والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ولو لم يكن في الربا إلا مخالفة الذي خلقه فسواه وأظهر له سبيل النجاة لكفى به نقصانا. وأي نقصان أفحش من ذلك ؟. (قوله: مر بيانه قريبا) أي مر بيان معنى الربا قريبا. وفيه أنه لم يبين معنى الربا فيما مر لا لغة ولا شرعا، إلا أن يقال إنه يفهم منه بيان ذلك شرعا، وإن لم يعبر عنه هناك بعنوان الربا، وذلك لانه ذكر شروط بيع الربوي. وحكم ما إذا اختل شرط منها، والمختل شرط منها هو الربا - كما يعلم من تعريفه المار آنفا - (قوله: وهو أنواع) أي الربا من حيث هو أقسام ثلاثة، بدخول ربا القرض في ربا الفضل، وإلا فهي أربعة. (قوله: ربا فضل) بدل من أنواع بدل بعض من كل. (قوله: بأن يزيد إلخ) تصوير لربا الفضل، ولا فرق في الزيادة بين أن تكون متيقنة، أو محتملة. (وقوله: أحد العوضين) أي المتحدين جنسا. (قوله: ومنه ربا القرض) أي ومن ربا الفضل: ربا القرض، وهو كل قرض جر نفعا للمقرض، غير نحو رهن. لكن لا يحرم عندنا إلا إذا شرط في عقده، كما يؤخذ من تصويره الآتي، ولا يختص بالربويات، بل يجري في غيرها، كالحيوانات والعروض -. وإنما كان ربا القرض من ربا الفضل، مع أنه ليس من الباب لانه لما شرط فيه نفعا للمقرض، كان بمنزلة أنه باع ما أقرضه بما يزيد عليه من جنسه، فهو منه حكما. وقيل إنه قسم مستقل. (وقوله: بأن يشترط) تصوير لربا القرض. (وقوله: فيه) أي في القرض، أي عقده. (قوله: ما فيه نفع للمقرض) ومنه ما لو أقرضه بمصر وأذن له في دفعه لوكيله بمكة مثلا. (قوله: وربا يد) إنما نسب إليها لعدم القبض بها حالا. اه‍. بجيرمي. (وقوله: بأن يفارق إلخ) تصوير له. (وقوله: أحدهما) أي المتعاقدين. (وقوله: قبل التقابض) أي قبل قبض العوضين أو أحدهما. (قوله: وربا نساء) بفتح النون مع المد، وهو الاجل. (وقوله: بأن يشترط) تصوير له. (وقوله: أجل) أي ولو لحظة. (وقوله: في أحد العوضين) سواء اتفقا جنسا، أو لا. (قوله: وكلها) أي هذه الانواع (وقوله: مجمع عليها) أي على بطلانها. وذكر الشارح فيما تقدم أن الربا من الكبائر. والذي في التحفة أنه من أكبر الكبائر. وقال البجيرمي: الذي يظهر أن ما ذكر في بعض أنواعه، وهو ربا الزيادة، وأما الربا من أجل التأخير أو الاجل من غير زيادة في أحد العوضين، فالظاهر أنه صغيرة، لان غاية ما فيه أنه عقد فاسد، وقد صرحوا بأن العقود الفاسدة من قبيل الصغائر. اه‍. (قوله: ثم العوضان إن اتفقا جنسا) أي كذهب بذهب، وفضة بفضة. (قوله: ثلاثة شروط تقدمت) أي وهي: الحلول، والتقابض، والتماثل (قوله: أو علة) معطوف على جنسا أي أو اختلفا جنسا لكن اتفقا علة، كذهب بفضة، وبر بشعير. (قوله: وهي) أي العلة. (وقوله: الطعم) بضم الطاء أي المطعوم. (قوله: وقوله، والنقدية) الواو بمعنى أو. (قوله: شرطان تقدما) أي وهما: الحلول، والتقابض. (قوله: لا يندفع إثم إعطاء الربا) أي من المعطي الذي هو المقترض. (قوله: عند الاقتراض) متعلق بيندفع، وليس متعلقا بإعطاء، لان الاعطاء لا يكون إلا عند دفع ما اقترضه من الدراهم مثلا. (وقوله: للضرورة) متعلق باقتراض، أو بإعطاء. والثاني هو ظاهر التصوير بعده. (قوله: بحيث إلخ) تصوير لاعطاء ذلك، لاجل الضرورة. (وقوله: أنه) أي المقترض. (وقوله: لا يحصل له القرض) أي لا يقرضه صاحب المال. (قوله: إذ له إلخ) تعليل لعدم اندفاع إثم الاعطاء عند ذلك، أي لا يندفع ذلك، لان له طريقا في إيصال الزائد للمقرض بنذر، أو هبة، أو نحوهما. (وقوله: أو التمليك) أي بهبة، أو هدية، أو صدقة. (قوله: لا سيما) أي خصوصا (قوله: لا يحتاج إلى قبول)

[ 27 ]

أي من المنذور له. (قوله: وقال شيخنا) لعله في غير التحفة وفتح الجواد. (قوله: يندفع الاثم) أي إثم إعطاء الزيادة. (وقوله: للضرورة) أي لاجل ضرورة الاقتراض (قوله: وطريق الخلاص من عقد. إلخ) أي الحيلة في التخلص من عقد الربا في بيع الربوي بجنسه مع التفاضل ما ذكره. وهي مكروهة بسائر أنواعه - خلافا لمن حصر الكراهة في التخلص من ربا الفضل - ومحرمة عند الائمة الثلاثة. وقال سيدنا الحبيب عبد الله بن الحداد: إياكم وما يتعاطاه بعض الجهال الاغبياء المغرورين الحمقاء من استحلالهم الربا في زعمهم بحيل أو مخادعات ومناذرات يتعاطونها بينهم، ويتوهمون أنهم يسلمون بها من إثم الربا، ويتخلصون بسببها من عاره في الدنيا، وناره في العقبى، وهيهات هيهات، إن الحيلة في الربا من الربا، وإن النذر شئ يتبرر به العبد، ويتبرع ويتقرب به إلى ربه، لا يصح النذر إلا كذلك، وقرائن أحوال هؤلاء تدل على خلاف ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا نذر إلا فيما ابتغى به وجه الله. وبتقدير أن هذه المناذرات - على قول بعض علماء الظاهر - تؤثر شيئا، فهو بالنسبة إلى أحكام الدنيا وظواهرها لا غير. فأما بالنسبة إلى أحكام الباطن، وأمور الآخرة فلا. وأنشد رضي الله عنه: ليس دين الله بالحيل فانتبه يا راقد المقل (قوله: لمن يبيع إلخ) متعلق بالخلاص. (قوله: متفاضلا) حال من مفعول يبيع، أي يبيع ما ذكر من متحدي الجنس حال كونه متفاضلا، أي زائدا أحد العوضين على الآخر. (قوله: بأن يهب إلخ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو طريق: أي طريق ذلك حاصل بأن يهب إلخ، ولو أسقط الباء الجارة لكان أولى. (وقوله: حقه) أي كله. ومثله ما لو وهب الفاضل فقط لصاحبه. (قوله: أو يقرض كل) أي من البائعين حقه. (قوله: ثم يبرئه) أي يبرئ كل صاحبه ما اقترضه. (قوله: ويتخلص منه) أي من عقد الربا. أي إذا أريد بيع الربوي بغير جنسه من غير تقابض، فليتخلص من الربا الحاصل بعدم التقابض بالقرض بأن يقرض أحد المتعاقدين الآخر عشر ريالات مثلا، ثم بعد التفرق يدفع له الآخذ مثلا عما في ذمته بدلها ذهبا. (وقوله: بلا قبض) أي تقابض في المجلس للعوضين أو أحدهما، وهو متعلق ببيع. (وقوله: قبل تفرق) متعلق بقبض. (تنبيه) قال في المغني: بيع النقد بالنقد من جنسه وغيره يسمى صرفا، ويصح على معينين بالاجماع - كبعتك، أو صارفتك هذه الدنانير بهذه الدراهم - وعلى موصوفين على المشهور، كقوله بعتك، أو صارفتك دينارا صفته كذا في ذمتي بعشرين درهما من الضرب الفلاني في ذمتك. ولو أطلق فقال صارفتك على دينار بعشرين درهما، وكان هناك نقد واحد لا يختلف، أو نقود مختلفة، إلا أن أحدها أغلب: صح، ونزل الاطلاق عليه، ثم يعينان ويتقابضان قبل التفرق. ويصح أيضا على معين بموصوف: كبعتك هذا الدينار بعشرة دراهم في ذمتك، ولا يصح على دينين: كبعتك الدينار الذي في ذمتك بالعشرة التي لك في ذمتي، لان ذلك بيع دين بدين. اه‍. (قوله: وحرم تفريق إلخ) شروع فيما نهى الشارع عنه من البيوع، وقد أفرده الفقهاء بترجمة مستقلة. (قوله: بين أمة) خرجت الحرة، فلا يحرم التفريق بينها وبين فرعها، والحديث الآتي عام مخصوص بالامة، خلافا للغزالي في طرده ذلك حتى في الحرة - كما سيذكره - (قوله: وإن رضيت) أي الامة بالتفريق، فإنه يحرم التفريق. قال في شرح الروض: لحق الولد. اه‍. (وقوله: أو كانت كافرة) أي أو مجنونة أو آبقة - على الاوجه - نعم، إن أيس من عودها، أو إفاقتها:

[ 28 ]

احتمل حل التفريق حينئذ اه‍. تحفة. (قوله: وفرع لم يميز) دخل الصبي والمجنون والبالغ. وفي البجيرمي: قال الناشري: هذا إذا كانت مدة الجنون تمتد زمنا طويلا، أما اليسيرة: فالظاهر أنه كالمفيق. اه‍. (قوله: ولو من زنا) أي ولو كان الفرع من زنا، فإنه يحرم التفريق بينه وبين أمه. (قوله: المملوكين) بدل من أمة وفرع. وإبدال المعرفة من النكرة جائز - كالعكس - فالاول: كقوله تعالى: * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله) * (1) إلخ. والثاني كقوله تعالى: * (لنسفعا بالناصية، ناصية كاذبة) * (2) (وقوله: لواحد) خرج به ما إذا تعدد المالك، كأنه كان مالك أحدهما غير مالك الآخر، كأن أوصى لاحدهما بالام وللآخر بالفرع، فلا يحرم التفريق حينئذ، فيجوز لكل أن يتصرف في ملكه. (قوله: بنحو بيع) متعلق بتفريق. (قوله: كهبة إلخ) تمثيل لنحو البيع. (قوله: وقسمة) أي قسمة رد أو تعديل. وصورة الاولى: أن تكون قيمة الام أكثر من قيمة الولد، فيحتاج إلى رد مال أجنبي مع أحدهما. والثانية: أن يكون لها ولدان، وكانت قيمتهما تساوي قيمتها. وزاد ع ش قسمة الافراز، وصورتها: أن تكون قيمة ولدها تساوي قيمتها. وضعفه الرشيدي، ونص عبارته: ومعلوم أن القسمة لا تكون إلا بيعا، وبه يعلم ما في حاشية الشيخ، ويكون قوله ولو إفرازا: ضعيفا. اه‍. وإنما كان تصوير الثلاث بما ذكر، لان المقسوم - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - إن تساوت الانصباء فيه صورة وقيمة، فالثالث. وإلا فإن لم يحتج إلى رد شئ آخر، فالثاني، وإلا فالاول. (قوله: لغير من يعتق عليه) راجع لجميع ما قبله من البيع وما بعده، فلا يحرم التفريق بما ذكره لمن يعتق عليه، لان من عتق ملك نفسه، فله ملازمة الآخر. شرح الروض. (قوله: لخبر إلخ) دليل لحرمة التفريق بين من ذكر، وورد أيضا: ملعون من فرق بين والد وولده رواه أبو داود. وهو من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيه. وأما العقد، فهو من الصغائر عند م ر. وعند ابن حجر هو من الكبائر أفاده البجيرمي. (قوله: فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة). (إن قلت) التفريق بينه وبين أحبته إن كان في الجنة فهو تعذيب، والجنة لا تعذيب فيها. وإن كان في الموقف، فكل مشغول بنفسه، فلا يضره التفريق. (أجيب) باختيار الثاني، لان الناس ليسوا مشغولين في جميع أزمنة الموقف، بل فيها أحوال يجتمع بعضهم ببعض، فالتفريق في تلك الاحوال تعذيب، أو أنه محمول على الزجر. ويمكن اختيار الاول وينسيه الله تعالى أحبته - فلا تعذيب. ع ش، وح ف. بجيرمي (قوله: وبطل العقدة فيهما) أما في التفريق: فللعجز عن التسليم شرعا بالمنع من التفريق، ومثله في الربا، فهو ممنوع من إعطاء الزيادة، أو تأخير أحد العوضين عن المجلس. (قوله: وألحق الغزالي إلخ) أي في الحرمة، وعبارة التحفة: ويحرم التفريق أيضا بالسفر وبين زوجة حرة وولدها الغير المميز - لا مطلقة - لامكان صحبتها له، كذا أطلقه الغزالي وأقروه. اه‍. وكتب سم: قوله ويحرم التفريق أيضا بالسفر: أي مع الرق، والمراد: سفر يحصل معه تضرر، وإلا كنحو فرسخ لحاجة، فينبغي أن لا يمتنع، ثم ما ذكره من حرمة التفريق بالسفر مع الرق على ما تقرر: مسلم. وأما قوله بين زوجة حرة وولدها - أي بالسفر أيضا - فهو ممنوع. اه‍. (قوله: وطرده) أي التحريم: أي جعله مطردا وشاملا للتفريق بين الزوجة وولدها، وإن كانت الزوجة حرة. ولم يرتض في النهاية ذلك في الحرة، وعبارتها: وطرده ذلك في الزوجة الحرة، بخلاف الامة، ليس بظاهر، انتهت. وقله: بخلاف الامة: أي فطرده ذلك فيها ظاهر. ع ش وهو مؤيد لما مر عن سم. (قوله: بخلاف المطلقة) أي الزوجة المطلقة، فإنه لا يحرم التفريق


(1) سورة الشورى، الاية: 52، 53. (2) سورة العلق، الاية: 15.

[ 29 ]

بينها وبين ولدها بالسفر، لما مر آنفا عن ابن حجر. (قوله: والاب) هو وما بعده مبتدأ، خبره كالام، أي فيحرم التفريق بين الاب وفرعه، وبين الجدة وفرعها - كما يحرم بينه وبين الام - (قوله: ولو من الاب) الغاية للرد كما يعلم من عبارة المغني، ونصها: وفي الجدات والاجداد للاب عند فقد الابوين وأم الام ثلاثة أوجه، حكاها الشيخان في باب السير من غير ترجيح، ثالثها جواز التفريق في الاجداد دون الجدات لانهن أصلح للتربية. اه‍. (قوله: إذا عدمت) أي الام، فإن لم تعدم ووجد أبوه معها أو جدته: حرم التفريق بينه وبين الام، وحل بينه وبين الاب والجدة. وإذا كان له أب وجد: جاز بيعه مع جده، لاندفاع ضررره ببقائه مع كل منهما. (قوله: أما بعد التمييز إلخ) محترز قوله لم يميز ومعنى التمييز - كما في التحفة - أن يصير يأكل وحده، ويستنجي وحده. ولا يقدر بسن. (وقوله: فلا يحرم) أي التفريق. قال في المغني: وخبر: لا يفرق بين الام وولدها. قيل: إلى متى ؟ قال: حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية ضعيف. اه‍. (قوله: لاستغناء المميز عن الحضانة) علة لعدم التحريم. (قوله: كالتفريق بوصية وعتق) أي كعدم حرمة التفريق بوصية وعتق، ورهن، وذلك لان الوصية قد لا تقتضي التفريق بوضعها، فلعل الموت يكون بعد زمان التمييز، ولان المعتق محسن فلا يمنع من إحسانه، ولان الرهن لا تفريق فيه لبقاء الملك. وعبارة المنهاج - في باب الرهن، مع شرح الرملي - ويصح رهن الام دون ولدها، وعكسه، لبقاء الملك فيهما، فلا تفريق. اه‍. (قوله: ويجوز تفريق ولد البهيمة) أي بذبح له أو لامه، وبنحو بيع كذلك. (وقوله: إن استغنى عن أمه) قيد في جواز التفريق، لكن النسبة لما إذا كان بنحو البيع له أو لها أو بالذبح لها، أما إذا كان بالذبح له فلا يحتاج إلى هذا التقييد، لانه يجوز ذبحه مطلقا، استغنى أولا - كما صرح به في الروض وشرحه - (وقوله: بلبن) أي لغير أمه. (وقوله: أو غيره) أي غير اللبن، كعلف. (قوله: لكن يكره) أي التفريق في هذه الحالة، ومحل الكراهة ما لم يكن لغرض الذبح له، وإلا فلا كراهة - كما نص عليه في شرح الروض - وعبارته: لكن مع الكراهة ما دام رضيعا، إلا لغرض صحيح كالذبح. اه‍. (قوله: كفريق الآدمي المميز) أي ككراهة ذلك. (وقوله: قبل البلوغ) في النهاية: ويكره التفريق بعد التمييز وبعد البلوغ أيضا، لما فيه من التشويش، والعقد صحيح. اه‍. (قوله: فإن لم يستغن إلخ) مقابل إن استغنى عن أمه. (وقوله: عن اللبن) المناسب أن يقول عنها بلبن أو غيره، ويكون الضمير عائدا على الام المتقدم ذكرها. (قوله: حرم) أي التفريق مطلقا، ببيع أو غيره، حتى يصح الاستثناء بعده. (وقوله: وبطل) أي التصرف فيه بنحو البيع، فالفاعل يعود على معلوم. وعبارة شرح الروض: فإن لم يستغن: حرم البيع، وبطل، إلا لغرض الذبح. اه‍. فلو صنع مثل صنيعه في إظهار فاعل حرم لكان أولى. (قوله: إلا إن كان لغرض الذبح) استثناء من الحرمة والبطلان، أي يحرم ما ذكر من التفريق، ويبطل التصرف إلا إن كان ذلك لغرض الذبح له أو لامه، فلا حرمة، ولا بطلان. (قوله: لكن بحث السبكي إلخ) استدراك من الاستثناء. (وقوله: حرمة ذبح أمه مع بقائه) أي الولد. وفرض المسألة في حالة عدم الاستغناء، أما في حالة الاستغناء، فلا حرمة بالاتفاق (قوله: وحرم أيضا) أي كما حرم الربا، والتفريق بين الامة وولدها. (قوله: بيع نحو عنب) أي كرطب. وقوله: ممن علم إلخ. من: بمعنى على، (1) متعلقة ببيع. ومن: واقعة على المشتري، وفاعل علم وظن يعود على البائع، فالصلة جرت على غير من هي له - أي حرم بيع ما ذكر على من علم البائع أو ظن أنه يتخذه مسكر -. قال سم: ولو كافرا، لحرمة ذلك عليه، وإن كنا لا نتعرض له بشرطه. وهل يحرم نحو الزبيب لحنفي يتخذه مسكرا - كما هو قضية إطلاق العبارة - أولا، لانه يعتقد حل النبيذ بشرطه ؟ فيه نظر، ويتجه الاول، نظرا لاعتقاد البائع. اه‍. وإنما حرم ما ذكر لانه سبب لمعصية محققة أو مظنونة.


(1) قوله بمعنى على: لعل الاولى بمعنى اللام فتأمل. اه‍. مصححه.

[ 30 ]

(وقوله: للشرب) قيد لبيان الواقع، ولو أسقطه ما ضره. (قوله: والامرد) معطوف هو وما بعده على نحو عنب، أي ويحرم بيع الامرد على من عرف بالفجور به يقينا أو ظنا. فالمراد بالمعرفة ما يشمل الظن. وعبارة شيخ الاسلام: ومحل تحريم بيعه ذلك ممن ذكر: إذا تحقق أو ظن أنه يفعل ذلك، فإن توهمه كره. اه‍. (قوله: والديك إلخ) أي وحرم بيع الديك للمهارشة، أي المحارشة، وتسلط بعضها على بعض. قال في القاموس: التهريش: التحريش بين الكلاب، والافساد بين الناس. والمحارشة: تحريش بعضها على بعض. اه‍. (قوله: والكبش للمناطحة) أي وحرم بيع الكبش لاجل المناطحة. قال في القاموس: نطحه، كمنعه، وضربه: أصابه بقرنه. وانتطحت الكباش: تناطحت. والنطيحة التي ماتت منه. اه‍. (قوله: والحرير إلخ) أي وحرم بيع الحرير على رجل، لاجل أن يلبسه. قال في النهاية: بلا نحو ضرورة. اه‍. ومفهومه أنه إذا كان لنحو ضرورة - ككثرة قمل، أو فجأة حرب - جاز بيعه عليه. (قوله: وكذا بيع نحو المسك إلخ) أي وكذا يحرم بيع نحو مسك من كل طيب يتطيب به على كافر يشتريه لاجل تطييب الصنم. (قوله: والحيوان لكافر إلخ) أي وكذا يحرم بيع الحيوان على كافر علم البائع أنه يأكله بلا ذبح شرعي. (قوله: لان الاصح إلخ) تعليل لما بعد، وكذا قوله كالمسلمين: أي كما أن المسلمين مخاطبون بها. (وقوله: عندنا) متعلق بمخاطبون، أي مخاطبون بذلك عندنا معاشر الشافعية (قوله: خلافا لابي حنيفة رضي الله تعالى عنه) أي فإنه يقول لا يخاطبون بذلك، وهذا محترز التقييد بعندنا. (قوله: فلا يجوز) هذا من جملة التعليل، وهو محطه: أي وإذا كان الكفار مخاطبين بذلك فيحرم عليهم ما ذكر - من تطييب الصنم، وأكل الحيوان من غير ذبح - ولا يجوز لنا إعانتهم على ذلك ببيع ما ذكر عليهم. (وقوله: عليهما) أي على تطييب الصنم، وعلى أكل الحيوان بلا ذبح (قوله: ونحو ذلك) بالرفع معطوف على بيع نحو المسك إلخ، أي وكذا يحرم نحو ذلك. (وقوله: من كل تصرف يفضي إلى معصية) بيان لنحو، وذلك كبيع الدابة لمن يكلفها فوق طاقتها، والامة على من يتخذها لغناء محرم، والخشب على من يتخذه آلة لهو، وكإطعام مسلم مكلف كافرا مكلفا في نهار رمضان، وكذا بيعه طعاما علم أو ظن أنه يأكله نهارا. (قوله: ومع ذلك إلخ) راجع لجميع ما قبله، أي ومع تحريم ما ذكر من بيع نحو العنب، وما ذكر بعد يصح البيع. قال في التحفة: (فإن قلت) هو هنا عاجز عن التسليم شرعا، فلم صح البيع ؟. (قلت) ممنوع، لان العجز عنه ليس لوصف لازم في المبيع، بل في البائع خارج عما يتعلق بالمبيع وشروطه. اه‍. (قوله: ويكره بيع ما ذكر) أي من العنب، والامرد، والديك، وغير ذلك. (وقوله: ممن توهم منه ذلك) أي الاتخاذ خمرا، أو الفجور، وغير ذلك. وهذا محترز قوله المار: ممن علم أو ظن إلخ (قوله: وبيع السلاح إلخ) معطوف على فاعل يكره، أي ويكره بيع السلاح، وهو كل نافع في الحرب - ولو درعا - على نحو بغاة. قال في شرح الروض: ما لم يتحقق عصيان المشتري للسلاح به، وإلا حرم، وصح البيع. اه‍. بالمعنى. (قوله: وقطاع طريق) لو قال كقطاع طريق، لكان أولى، لانه مما اندرج تحت نحو. ومحل الكراهة أيضا في البيع عليهم، ما لم يغلب على الظن أنهم يتخذونها لقطع الطريق، وإلا حرم، وصح البيع (قوله: ومعاملة إلخ) أي وكره معاملة من في يده، أي في ملكه حلال

[ 31 ]

وحرام. وهذه المسألة تقدمت غير مرة. (وقوله: وإن غلب الخ) غاية للكراهة. (قوله: نعم، إن إلخ) استدراك على كراهة ما ذكر. (وقوله: على تحريم ما عقد به) أي علم أن ما عقد عليه عينه حرام. (قوله: حرم) الاولى فيه وفي الفعل الذي بعده: التأنيث، إذ الفاعل يعود على المعاملة، وهي مؤنثة. (وقوله: وبطل) أي المعاملة. وقد علمت ما فيه. (قوله: وحرم احتكار قوت) في الزواجر: أنه من الكبائر - لقوله (ص): لا يحتكر إلا خاطئ قال أهل اللغة: الخاطئ: العاصي الآثم. وقوله عليه السلام: من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، وقوله عليه السلام: الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون، وقوله عليه السلام: من احتكر على المسملين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس. اه‍. (قوله: كتمر إلخ) تمثيل للقوت. (وقوله: وكل مجزئ في الفطرة) أي مما يقتات باعتبار عادة البلد كأقط وقمح وأرز. قال في فتح الجواد: وكذا قوت البهائم. اه‍. (قوله: وهو) أي الاحتكار. (وقوله: إمساك ما اشتراه) خرج به ما إذا لم يمسكه، أو أمسك الذي لم يشتره - بأن أمسك غلة ضيعته ليبيعها بأكثر، أو أمسك الذي اشتراه من طعام غير القوت فلا حرمة في ذلك. (وقوله: في وقت الغلاء) متعلق بإمساك. قال في التحفة: والعبرة فيه بالعرف. اه‍. (وقوله: لا الرخص) أي لا إن اشتراه في وقت الرخص فلا يحرم. وفي سم ما نصه: تنبيه: لو اشتراه في وقت الغلاء ليبيعه ببلد آخر سعرها أغلى: ينبغي ألا يكون من الاحتكار المحرم، لان سعر البلد الآخر الاغلى غلوه متحقق في الحال، فلم يمسكه ليحصل الغلو، لوجوده في الحال. والتأخير إنما هو من ضرورة النقل إليه، فهو بمنزلة ما لو باعه عقب شرائه بأغلى. اه‍. (قوله: ليبيعه بأكثر) أي أمسكه ليبيعه بأكثر، فهو علة للامساك، لا لاشتراه، لئلا ينافي الغاية بعده. وخرج به، ما إذا أمسكه لا ليبيعه بأكثر بل ليأكله أو ليبيعه لا بأكثر، فلا حرمة في ذلك. (قوله: عند اشتداد إلخ) متعلق بإمساك أو بيبيعه. وخرج به: ما إذا لم تشتد الحاجة إليه، فلا حرمة. (وقوله أو غيرهم) أي غير أهل محله. (قوله: وإن لم يشتره بقصد ذلك) أي بقصد البيع بأكثر، وهو غاية لكون ضابط الاحتكار ما ذكر، يعني أن الاحتكار هو الامساك للذكور، وإن لم يكن وقت الشراء قاصدا ذلك. (قوله: لا ليمسكه لنفسه أو عياله) محترز ليبيعه. (وقوله: أو ليبيعه بثمن مثله) محترز قوله بأكثر. (وقوله: ولا إمساك غلة أرضه) محترز قوله ما اشتراه. (تنبيه) قال في المغني: يحرم التسعير - ولو في وقت الغلاء - بأن يأمر الوالي السوقة أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بكذا، للتضييق على الناس في أموالهم. وقضية كلامهم أن ذلك لا يختص بالاطعمة، وهو كذلك. فلو سعر الامام عزر مخالفه، بأن باع بأزيد مما سعر، لما فيه من مجاهرة الامام بالمخالفة، وصح البيع. اه‍. (قوله: كل ما يعين عليه) أي على القوت: أي مما يتأدم به، أو يسد مسد القوت في بعض الاحيان. والاول كاللحم، والثاني كالفواكه. (قوله: وصرح القاضي بالكراهة) أي كراهة الاحتكار. (وقوله: في الثوب) أي ونحوه من كل ما يلبس. (قوله: وسوم على سوم) أي وحرم سوم إلخ، لخبر الصحيحين: لا يسوم الرجل على سوم أخيه وهو خبر بمعنى النهي. والمعنى فيه الايذاء، وذكر الرجل والاخ، ليس للتقييد، بل الاول لانه الغالب، الثاني للرقة والعطف عليه وسرعة امتثاله، فغيرهما مثلهما. وفي البجيرمي: ومحل الحرمة إن كان السوم الاول جائزا، وإلا كسوم نحو عنب من عاصر الخمر - فلا يحرم السوم على

[ 32 ]

سومه - بل قال العلامة البكري: يستحب الشراء بعده. اه‍. (قوله: بعد تقرر ثمن) متعلق بحرم المقدر، أي وإنما يحرم السوم بعد تقرر الثمن. (وقوله بالتراضي به) أي صريحا، وهو تصوير للتقرر، أي أن تقرر الثمن يكون بالتراضي عليه صريحا. الشوبري: ولا بد أيضا بعد التراضي به من المواعدة على إيقاع العقد به وقت كذا، فلو اتفقا عليه ثم افترقا من غير مواعدة، لم يحرم السوم حينئذ. كما نقله الامام عن الاصحاب. اه‍. وخرج بالتقرير المذكور: ما يطاف به على من يزيد فيه - فلا يحرم فيه ذلك -. وفي ع ش ما نصه: وقع السؤال في الدرس عما يقع كثيرا بأسواق مصر: من أن مريد البيع يدفع متاعه للدلال، فيطوف به، ثم يرجع إليه، ويقول له استقر سعر متاعك على كذا، فيأذن له في البيع بذلك القدر: هل يحرم على غيره شراؤه بذلك السعر، أو بأزيد، أم لا ؟ فيه نظر. والجواب عنه بأن الظاهر الثاني، لانه لم يتحقق قصد الضرر، حيث لم يعين المشتري، بل لا يبعد عدم التحريم - وإن عينه - لان مثل ذلك ليس تصريحا بالموافقة على البيع، لعدم المخاطبة من البائع والواسطة للمشتري. اه‍. (قوله: وإن فحش إلخ) أي يحرم السوم وإن فحش إلخ. (وقوله: للنهي عنه) أي في الخبر المتقدم. (قوله: وهو) أي السوم على السوم. (وقوله: أن يزيد) أي السائم. (وقوله: على آخر) أي على سوم آخر. (وقوله: في ثمن ما يريد شراءه) أي في ثمن المتاع الذي يريد الآخر شراءه واستقر ثمنه. (قوله: أو يخرج له أرخص) أي أو يخرج للمشتري متاعا أرخص من المتاع الذي سامه. ومعنى كونه سائما في هذه على سوم غيره، أنه عرض بضاعته للسوم الواقع لسلعة غيره. (قوله: أو يرغب المالك إلخ) فيه أن هذه الصورة عين الصورة الاولى: إذ إعطاء الزيادة في الثمن للمالك يرغب المالك في استرداده. إلا أن يقال إن هذه الصورة مفروضة بعد العقد، وتلك قبله. وعبارة التحفة: في تصوير السوم على السوم بأن يقول لمن أخذ شيئا ليشتريه بكذا رده حتى أبيعك خيرا منه بهذا الثمن أو بأقل منه أو مثله بأقل، أو يقول لمالكه استرده لاشتريه منك بأكثر، أو يعرض على مريد الشراء أو غيره بحضرته مثل سلعة بأنقص أو أجود منها بمثل الثمن. اه‍. وهي ظاهرة. (قوله: وتحريمه) أي السوم على السوم بعد البيع، أي العقد، (وقوله: أشد) أي من تحريمه قبل البيع وبعد التراضي، لان الايذاء هنا أكثر، وذلك بأن يبيع على بيع الغير، بأن يرغب المشتري في الفسخ ليبيعه خيرا منه بمثل ثمنه، أو مثله بأقل. أو يشتري على شرائه، بأن يرغب البائع في الفسخ ليشتريه منه بأكثر. ومن ذلك أن يبيع مشتريا مثل المبيع بأرخص، أو يعرض عليه مثل السلعة ليشتريها أو يطلبها منه بزيادة ربح والبائع حاضر. اه‍. فتح الجواد. وصريح ما ذكر: أن البيع على البيع، والشراء على الشراء، مندرجان في السوم على السوم، وأنه ليس مخصوصا بما كان قبل العقد، وهو خلاف مفاد عبارة المنهاج والمنهج من أنهما قسمان مستقلان، وأن السوم على السوم مخصوص بما كان قبل العقد وبعد تقرر الثمن. (قوله: ونجش) أي وحرم نجش، وهو لغة: الاثارة - بالمثلثة -: لما فيا من إثارة الرغبة - يقال نجش الطائر: أثاره من مكانه - من باب ضرب. اه‍. بجيرمي. (قوله: للنهي عنه) أي في خبر الصحيحين (قوله: وللايذاء) أي إيذاء المشتري. (قوله: وهو) أي النجش (وقوله: أن يزيد في الثمن) أي لسلعة معروضة للبيع (قوله: لا لرغبته) أي في الشراء، أي أو لرغبة فيه لكن قصد إضرار غيره. اه‍. ع ش. (قوله: بل ليخذع غيره) مثال لا قيد، لانه لو زاد: لنفع البائع ولم يقصد خديعة غيره: كان الحكم كذلك. اه‍. نهاية. (قوله: وإن كانت الزيادة) أي يحرم ذلك وإن كانت الزيادة في مال محجور عليه، كيتيم (قوله: ولو عند نقص القيمة) أي قيمة السلعة المعروضة للبيع. (قوله: على الاوجه) مقابله يجوز الزيادة عند نقص القيمة. (قوله: ولا خيار للمشتري إلخ) وقيل له الخيار للتدليس، كالتصرية.

[ 33 ]

ومحل الخلاف عند مواطأة البائع للناجش، وإلا فلا خيار جزما. ويجري الوجهان فيما لو قال البائع: أعطيت في هذه السلعة كذا، فبان خلافه. وكذا لو أخبره عارف بأن هذا عقيق، أو فيروز بمواطأة، فبان خلافه. اه‍. نهاية. (قوله: لتفريط المشتري) علة لعدم الخيار. (قوله: بالكذب) قال ع ش: قضيته أنه لو كان صادقا في الوصف لم يكن مثله - أي النجش - وهو ظاهر. اه‍. (قوله: وشرط التحريم في الكل) أي الاحتكار وما بعده. (وقوله: علم النهي حتى في النجش) أي لقول الشافعي رضي الله عنه: من نجش فهو عاص بالنجش إن كان عالما بنهي رسول الله (ص). وفي النهاية: لا أثر للجهل في حق من هو بين أظهر المسلمين بخصوص تحريم النجش ونحوه. وقد أشار السبكي إلى أن من لم يعلم الحرمة لا إثم عليه عند الله. وأما بالنسبة للحكم الظاهر للقضاة، فما اشتهر تحريمه لا يحتاج إلى اعتراف متعاطيه بالعلم - بخلاف الخفي - وظاهره أنه لا إثم عليه عند الله وإن قصر في التعلم، والظاهر أنه غير مراد. اه‍. (قوله: ويصح البيع مع التحريم في هذه المواضع) وهي الاحتكار، وما ذكر بعده. (خاتمة) نسأل الله حسن الختام. (إعلم) أن البيع تعتريه الاحكام الخمسة، فيجب في نحو اضطرار، ومال مفلس محجور عليه. ويندب في نحو زمن الغلاء، وفي المحاباة للعالم بها. ويكره في نحو: بيع مصحف، ودور مكة، وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره، وممن أكثر ماله حرام، خلافا للغزالي، وفي خروج من حرام بحيلة، كنحو ربا ويحرم في بيع نحو العنب، على ما مر، ويجوز فيما عدا ذلك. والله أعلم. فصل في خياري المجلس والشرط وخيار العيب لما فرغ من بيان صحة العقد وفساده، شرع في بيان لزومه وجوازه. والجواز سببه الخيار. والاصل في البيع: اللزوم، لان القصد منه نقل الملك، وقضية الملك التصرف، وكلاهما فرع اللزوم، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقا بالمتعاقدين. وهو نوعان: خيار تشبه، وخيار نقيصة - أي عيب - والاول ما يتعاطاه المتعاقدان باختيارهما وشهوتهما من غير توقف على فوات أمر في المبيع، وسببه المجلس، أو الشرط. والاضافة فيه - وفي خيار العيب - من إضافة المسبب إلى السبب. وعد المصنف الانواع ثلاثة: خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب. والاخصر والاولى ما ذكرته، لان الاولين فردان لخيار التشهي، لا نوعان. (قوله: يثبت خيار مجلس) أي قهرا عن المتعاقدين، حتى لو شرط نفيه بطل البيع، وهو اسم من الاختيار الذي هو طلب خير الامرين من الامضاء والفسخ (قوله: في كل بيع) أي وإن استعقب عتقا، كشراء بعضه إن قلنا إن الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف، فإن قلنا للمشتري فالخيار للبائع فقط. (وقوله حتى في الربوي) أي حتى أنه يثبت الخيار في بيع الربوي، كبيع الطعام بالطعام. (وقوله: والسلم) أي في عقد السلم، لانه بيع موصوف في الذمة. (قوله: وكذا في هبة ذات ثواب) أي وكذا يثبت الخيار في هبة ذات عوض، لانها بيع حقيقي. (وقوله: على المعتمد) مقابله لا يثبت الخيار فيها - وهو ما جرى عليه النووي في منهاجه (قوله: وخرج بفي: كل بيع) أي بقوله في كل بيع، وقوله غير البيع:

[ 34 ]

فاعل خرج - أي خرج ما لا يسمى بيعا -. (قوله: كالابراء، إلخ) تمثيل لغير البيع. (وقوله: والهبة بلا ثواب) أي عوض. (وقوله: وقراض) هو أن يعقد على مال يدفعه لغيره ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما. (وقوله: وحوالة) أي وإن جعلت بيعا لعدم تبادرها منه. اه‍. بجيرمي. (وقوله: وكتابة) هي عقد عتق بلفظ الكتابة بعوض منجم بنجمين فأكثر. (قوله: ولو في الذمة) أي ولو كانت الاجارة في الذمة، فلا يثبت فيها الخيار. والغاية للرد على القفال وطائفة حيث قالوا بثبوت الخيار في الاجارة الواردة على الذمة كالسلم. وصورة الواردة على الذمة: ألزمت ذمتك حملي إلى مكة بدينار مثلا. (وقوله: أو مقدرة بمدة) أي ولو مقدرة بمدة، وهي أيضا للرد على من صحح ثبوته في المقدرة بمدة، ومثلها المقدرة بمحل عمل. وصورة الاولى: آجرتك داري سنة بدينار مثلا. وصورة الثانية: آجرتك لتخيط لي هذا الثوب، أو لتحملني إلى مكة. وعبارة شرح المنهج: ووقع للنووي في تصحيحه تصحيح ثبوته في المقدرة بمدة، وكتب البجيرمي ما نصه: قوله في المقدرة بمدة: قال في مهمات المهمات، وحينئذ فيعلم منه الثبوت في غيرها بطريق الاولى. اه‍. شوبري أي: لانها تفوت فيها المنفعة بمضي الزمن، ومع ذلك فيها الخيار، فثبوته في التي لا تفوت أولى، وهذا كله على الضعيف. اه‍. (قوله: فلا خيار في جميع ذلك) أي الابراء وما بعده. (قوله: لانها) أي المذكورات من الابراء وما بعده. والمناسب لانه، بتذكير الضمير العائد على جميع ذلك. (وقوله: لا تسمى بيعا) أي والخبر إنما ورد في البيع ولان المنفعة في الاجارة تفوت بمضي الزمن، فألزمنا العقد، لئلا يتلف جزء من المعقود عليه، لا في مقابلة العوض. (قوله: وسقط خيار من اختار لزومه) أي لخبر الشيخين. البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر اختر، أي البائع والمشتري متلبسان بالخيار مدة عدم تفرقهما، إلا أن يقول - أو إلى أن يقول - أحدهما للآخر. فإذا قال ذلك الاحد ما ذكر: سقط خياره، وبقي خيار الآخر. ثم اختيار اللزوم تارة يكون صريحا - كما في الامثلة التي ذكرها - وتارة يكون ضمنا: بأن يتبايعا العوضين بعد قبضهما في المجلس إذ ذاك متضمن للرضا بلزوم العقد الاول. أفاده م ر. وقوله أن يتبايعا العوضين: قضيته أنه لا ينقطع بتبايع أحد العوضين كأن أخذ البائع المبيع من المشتري بغير الثمن الذي قبضه منه، وقد مر أن تصرف أحد العاقدين مع الآخر إجازة، وذلك يقتضي انقطاع الخيار بما ذكر، فلعل قوله العوضين تصوير. اه‍. ع ش. (قوله: من بائع ومشتر) بيان لمن اختار. (قوله: كأن يقولا إلخ) تمثيل لكون اختيار اللزوم منهما معا. (قوله: أو من أحدهما) عطف على قوله من بائع ومشتر. (وقوله: كأن يقول إلخ) تمثيل لكون اختيار اللزوم من أحدهما. (قوله: فيسقط خياره) أي الاحد الذي اختار اللزوم. (قوله: ويبقى خيار الآخر ولو مشتريا) محله ما لم يكن المبيع ممن يعتق عليه، وإلا سقط خياره أيضا للحكم بعتق المبيع. (قوله: وسقط خيار كل منهما بفرقة إلخ) وذلك لخبر البيهقي: البيعان بالخيار حتى يفترقا من مكانهما. وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا باع قام فمشى هنيهة، ثم رجع. (وقوله: بدن) خرج به فرقة الروح والعقل، فإنه لا يسقط بها، بل يخلف العاقد وليه أو وارثه - كما سيأتي في قوله ولا يسقط بموت أحدهما إلخ - (وقوله: منهما أو من أحدهما) أي حال كون تلك الفرقة واقعة من المتعاقدين أو من أحدهما فقط، وإذا وقعت منه فقط سقط خيارهما معا، ولا يختص السقوط بالمفارق، بخلافه في صورة اختيار اللزوم بالقول، فإنه يختص بالقائل. فتنبه. (قوله: ولو ناسيا أو جاهلا) أي يسقط بالفرقة، ولو حصلت نسيانا - لا عمدا أو جهلا - بأن الفرقة تسقط الخيار. (قوله: عن مجلس العقد) متعلق بفرقة بدن. (قوله: عرفا) أي المعتبر في الفرقة: العرف. قال سم: لانه لا نص للشارع ولا لاهل اللغة فيه. (قوله: فما يعده إلخ) مبتدأ، خبره جملة

[ 35 ]

يلزم به العقد. (قوله: فإن كانا إلخ) بيان لما يعده الناس فرقة. (وقوله: في دار) بين ما بعده الناس فرقة بالنسبة لما إذا كانا في دار ولم يبين ذلك فيما إذا كانا في سفينة. وحاصله أنه إن كانت كبيرة: فالفرقة فيها بالانتقال من مقدمها إلى مؤخرها، وبالعكس. أو صغيرة: فبالخروج منها، أو بالرقي إلى صاريها. (وقوله: بأن يخرج أحدهما منها) أي من الدار. قال البجيرمي: ظاهره ولو كان قريبا من الباب، وهو ما في الانوار عن الامام الغزالي. ويظهر أن مثل ذلك ما لو كانت إحدى رجليه داخل الدار معتمدا عليها وأخرجها. اه‍. ومثل الخروج: الصعود إلى سطحها، أو شئ مرتفع فيها - كنخلة - والنزول إلى بئر فيها. (قوله: أو في كبيرة) أي أو كانا في دار كبيرة. (وقوله: فبأن ينتقل إلخ) أي فالفرقة فيها بأن ينتقل إلخ. (وقوله: إلى بيت من بيوتها) أي الدار. كأن ينتقل من صحنها إلى المجلس أو الصفة. (قوله: أو في صحراء أو سوق) أي أو كانا في صحراء أو في سوق. (وقوله: فبأن يولي إلخ) أي فالفرقة في ذلك بأن يولي أحدهما ظهره. (قوله: ويمشي قليلا) ضبطه في الانوار بالقدر الذي يكون بين الصفين، وهو ثلاثة أذرع. (قوله: وإن سمع الخطاب) أي تحصل الفرقة فيما إذا كانا بصحراء أو سوق بتولية أحدهما ظهره والمشي قليلا - وإن سمع خطاب صاحبه - فهو غاية لحصول الفرقة بما ذكر. (قوله: فيبقى خيار المجلس إلخ) مفرع على قوله يثبت خيار مجلس إلخ، أي وإذا ثبت خيار المجلس فيبقى ولو طال مكثهما إلخ. وكان المناسب تقديمه على قوله وسقط خيار إلخ، وإسقاط قوله ما لم يتفرقا - كما نبه على بعض ذلك البجيرمي - (قوله: ولو طال مكثهما إلخ) غاية لابقاء خيار المجلس. (وقوله: وإن بلغ) أي المكث في محل سنين، فهو غاية للغاية. (وقوله: أو تماشيا منازل) معطوف على طال مكثهما، فهو غاية ثانية للابقاء المذكور - أي يبقى وإن تماشيا منازل - وذلك لعدم التفرق ببدنهما. (قوله: ولا يسقط) أي الخيار. (وقوله: بموت أحدهما) أي في المجلس (قوله: فينتقل الخيار للوارث) أي ولو عاما. (وقوله: المتأهل) فإن لم يوجد، نصب الحاكم عنه من يفعل الاصلح له من فسخ أو إجازة. (قوله: وحلف نافي فرقة) أي وصدق بحلفه. (قوله: أو فسخ) أي أو نافي فسخ. (وقوله: قبلها) متعلق بفسخ (قوله: بأن جاءآ معا) أي إلى مجلس الحكم. (وقوله: وادعى على أحدهما فرقة) أي قبل مجيئهما. (وقوله: وأنكرها) أي الفرقة. (وقوله: ليفسخ) علة للانكار. (قوله: أو اتفقا عليها) أي الفرقة (قوله: وادعى أحدهما فسخا قبلها) أي الفرقة. (قوله: وأنكر الآخر) أي الفسخ قبل الفرقة. (قوله: فيصدق النافي) أي في الصورتين. وفائدة تصديقه في الاولى: بقاء الخيار له، وليس لمدعي الفرقة الفسخ. ولو اتفقا على الفسخ والتفرق واختلفا في السابق منهما - فكما في الرجعة - فيصدق مدعي التأخير. اه‍. بجيرمي. (قوله: لموافقته للاصل) وهو عدم الفرقة، وعدم الفسخ. (قوله: ويجوز إلخ) شروع في خيار الشرط، ويسمى خيار التروي - أي التشهي والارادة - وهو يثبت في كل ما يثبت فيه خيار المجلس، إلا فيما سيذكره إجماعا، ولما صح أن بعض الانصار كان يخدع في البيوع، فأرشده (ص) إلى أنه يقول عند البيع لا خلابة، وأعلمه أنه إذا قال ذلك كان له خيار ثلاث ليال. ومعنى لا خلابة - وهي بكسر الخاء المعجمة، وبالموحدة -: لا غبن ولا خديعة، واشتهرت في الشرع لاشتراط الخيار ثلاثة أيام، فإن ذكرت وعلما معناها ثبت ثلاثا، وإلا فلا. (قوله: أي للعاقدين) بأن يصرح كل منهما بشرط الخيار، وكذا يجوز لاحدهما أن يصرح بالشرط ويوافقه الآخر. (قوله: لهما أو لاحدهما) هذا بيان للمشروط له، فالجار والمجرور متعلق بخيار، ويجوز أيضا شرط الخيار لاجنبي واحد أو اثنين، ولا يحب عليه إذا شرط له الخيار مراعاة المصلحة لشارطه له من فسخ أو إجازة،

[ 36 ]

بل له أن يفسخ أو يجيز - وإن كرهه، وليس لشارطه عزله، ولا له عزل نفسه، لانه تمليك - على الاصح - لا توكيل. وإذا مات انتقل الخيار لمن شرطه له. (قوله: في كل بيع) متعلق بيجوز، أو شرط، أي ويجوز ذلك في كل بيع. قال ع ش: وخرج بالبيع ما عداه، فلا يثبت فيه خيار الشرط قطعا. اه‍. (قوله: فيه خيار مجلس) الجملة من المبتدإ والخبر صفة لبيع، وهي للايضاح لا للتخصيص. (قوله: إلا فيما يعتق فيه المبيع) أي إلا في البيع الذي يعتق فيه المبيع كشراء أصله أو فرعه. وفي البجيرمي ما نصه: لا يخفى أن هذا الاستثناء متعين، لانه لو اقتصر على قوله لهما شرط خيار لهما، أو لاحدهما في كل ما فيه خيار المجلس: لم يصح، لان من جملة ما صدقاته: ما لو اشترى بعضه، فإن لكل منهما فيه خيار المجلس، فيقتضي أن لهما أن يشترطاه للمشتري، وليس كذلك. اه‍. (قوله: لمشتر) أي وحده. (وقوله: للمنافاة) أي بين الخيار والعتق، لان شرطه للمشتري وحده يستلزم الملك له، وهو يستلزم العتق، والعتق مانع من الخيار، وما أدى ثبوته لعدمه غير صحيح من أصله، بخلاف ما لو شرط لهما، فإنه يصح - لوقفه - أي لكونه موقوفا. أو للبائع فقط، فإنه يصح أيضا، إذ الملك له. (قوله: وفي ربوي وسلم) أي وإلا في بيع ربوي وسلم. والفرق بين خيار المجلس، وخيار الشرط - حيث استثني من الثاني هذان ولم يستثنيا من الاول، مع أن العلة في الامتناع متأتية فيه أيضا - أن خيار المجلس يثبت قهرا، وليس له حد محدود - بخلاف خيار الشرط. (قوله: فلا يجوز شرطه) أي الخيار، أي ويفسد به البيع. (وقوله: فيهما) أي في الربوي والسلم (لاشتراط القبض فيهما في المجلس) أي وما شرط فيه ذلك لا يحتمل الاجل، فأولى أن لا يحتمل الخيار، لانه أعظم غررا منه، لمنعه الملك أو لزومه. اه‍. شرح المنهج. (قوله: ثلاثة أيام فأقل) أي وإنما يصح شرط الخيار ثلاثة إلخ، وتدخل ليالي الايام المشروطة فيها، سواء السابقة منها على الايام والمتأخرة عند ابن حجر. وعند م ر: الليلة المتأخرة لا تدخل. ومحل جواز شرط ثلاثة الايام ونحوها: فيما لا يفسد في المدة المشروطة، فإن كان يفسد فيها، كطبيخ يفسد في ثلاثة أيام أو أقل وشرط الخيار تلك المدة: بطل العقد. (قوله: بخلاف ما لو أطلق) أي لم يقيد بزمن أصلا - كأن قال بشرط الخيار وسكت - أي قيد بزمن مجهول، كأن قال بشرط الخيار أياما. (قوله: أو أكثر من ثلاثة أيام) أي وبخلاف أكثر من ثلاثة أيام، أي شرط الخيار أكثر من ذلك، وفي بعض نسخ الخط إسقاط هذا، ونصه: بخلاف ما لو أطلق أو زاد عليها، فإنه لا يصح العقد، وهو الاولى، الموافق لعبارة شرح المنهج، وذلك لسلامته من التكرار الثابت على النسخة الاولى، لان قوله أو أكثر من ثلاثة أيام عين قوله بعد فإن زاد عليها. فتنبه. (قوله: من حين الشرط) متعلق بمحذوف، أي وتعتبر ثلاثة الايام فأقل من وقت شرط الخيار، فلو قال بشرط ثلاثة أيام من الغد: لم يصح. ويشترط أيضا أن تكون ثلاثة الايام متوالية، فلو قال يوما بعد يوم: لم يصح. (والحاصل) أن خيار الشرط لا يصح العقد معه إلا بشروط خمسة: أن يكون مقيدا بمدة - فخرج ما لو أطلق، كأن قال حتى أشاور. وأن تكون معلومة، فخرج ما لو قال بشرط الخيار أياما. وأن تكون متصلة بالشرط، فخرج ما لو قال ثلاثة أيام من الغد. وأن تكون متوالية، فخرج ما لو قال يوما بعد يوم. وأن تكون ثلاثة فأقل، فخرج ما لو زادت فيبطل العقد في الكل - لان الاصل منع الخيار - إلا فيما أذن فيه الشارع، ولم يأذن إلا في ذلك. (قوله: سواء أشرط) أي الخيار، وهو تعميم في اعتبار الثلاثة من وقت الشرط: أي لا فرق في اعتبارها من ذلك بين أن يحصل الشرط في العقد أو في المجلس، فإذا شرطا ثلاثة أيام وكان مضى من حين العقد يومان وهما بالمجلس: صح الشرط المذكور. (قوله: والملك) مبتدأ، خبره: لمن انفرد بخيار. (قوله: مع توابعه) أي فوائده متصلة أو منفصلة: كاللبن، والتمر، والمهر، ونفوذ العتق والاستيلاد، وحل الوطئ، ووجوب النفقة، والحمل الحادث في زمن الخيار،

[ 37 ]

بخلاف الموجود حال البيع، فإنه مبيع - كالام - لمقابلته بقسط من الثمن. وكتب البجيرمي ما نصه: قوله مع توابعه: إدخال التوابع هنا يقتضي دخولها في قوله وإلا فموقوف، وفيه نظر، لان حل الوطئ في زمن خيارهما ليس موقوفا بل هو حرام. وعتق البالغ في زمن خيارهما ليس موقوفا بل نافذ. اه‍. (قوله: في مدة الخيار) متعلق بالملك، أي الملك في مدة خيار الشرط أو المجلس، فلا فرق في التفصيل الذي ذكره بينهما. (فإن قلت) كيف يتصور أن يكون خيار المجلس لاحدهما ؟. (قلت) يتصور فيما إذا اختار أحدهما لزوم العقد، والآخر لم يختر شيئا. (قوله: من بائع ومشتر) بيان لمن انفرد بخيار. قال في حاشية الجمل على شرح المنهج: فإذا كان للمشتري وحده ملك المبيع وفوائده الحادثة بعد العقد، فإن تم البيع فذاك، وإن فسخ رجع المبيع للبائع عاريا عن الفوائد، وتضيع عليه المؤن، ويفوز بالفوائد المشتري. وإن كان للبائع وحده ملك المبيع، والفوائد كذلك، فإن فسخ فذاك، وإن تم البيع انتقل المبيع للمشتري عاريا عن الفوائد، وتضيع المؤن عليه. وفي ق ل على المحلى: والزوائد في مدة الوقف تابعه للمبيع، وهي أمانة في يد الآخر. ويقال مثل ذلك في الثمن وزوائده. اه‍. بحذف. (قوله: ثم إن كان إلخ) عبارة المنهج وشرحه بعد قوله لمن انفرد بخيار، وإلا بأن كان الخيار لهما، فموقوف إلخ. وهي أولى من عبارة شارحنا. (قوله: فإن تم البيع إلخ) مفرع على فموقوف، وتمام البيع بينهما بإجازتهما له. (قوله: بان أنه) أي تبين أن الملك في المبيع مع توابعه. (وقوله: لمشتر) أي ملك له من حين العقد. (قوله: وإلا) أي وإن لم يتم البيع، أي بأن اختار افسخه. (وقوله: فلبائع) أي فهو ملك للبائع، أي باق عليه، وكأنه لم يخرج من ملكه. (واعلم) أنه حيث حكم بملك المبيع لاحدهما حكم بملك الثمن للآخر، وحيث وقف وقف. (قوله: ويحصل فسخ للعقد) أي بالقول وبالفعل، والاول ذكره بقوله بنحو فسخت. والثاني ذكره بقوله والتصرف إلخ. ومثله في ذلك الاجازة، وجميع ما ذكره من صرائح الفسخ والاجازة. قال البجيرمي: قال شيخنا - ولعل من كنايتهما: نحو لا أبيع، أو لا أشتري - إلا بكذا أو لا أرجع في بيعي، أو في شرائي. اه‍. (قوله: كاسترجعت المبيع) أي أو رفعته، وهو تمثيل لنحو فسخت. (قوله: وإجازة) أي ويحصل بإجازة. (وقوله: فيها) أي مدة الخيار. (قوله: بنحو أجزت) متعلق بيحصل المقدر. (قوله: كأمضيته) أي وألزمته، وهو تمثيل لنحو أجزت. (قوله: والتصرف) مبتدأ، خبره قوله فسخ. وخرج بالتصرف: مجرد عرض المبيع على البيع، والاذن فيه في مدة الخيار، فليسا فسخا، ولا إجازة للبيع، لعدم إشعارهما من البائع بعدم البقاء عليه، ومن المشتري بالبقاء عليه، لاحتمالهما التردد في الفسخ والاجازة. (قوله: في مدة الخيار) المناسب: فيها، إذ المقام للاضمار. (قوله: بوطئ) متعلق بالتصرف، وإنما يكون فسخا أو إجازة بقيود خمسة: أن يكون الواطئ ذكرا يقينا، وأن يكون الموطوء أنثى يقينا، وأن لا تكون حراما عليه كأخته، وأن يعلم أنها المبيعة، وأن لا يقصد الزنا. فإن فقد واحد منها لا يكون فسخا ولا إجازة. وخرج بالوطئ: مقدماته، فلا تكون فسخا، ولا إجازة. (قوله: وإعتاق) أي للرقيق المبيع كله أو بعضه، ويسري للباقي. ومثل الاعتاق: وقف المبيع (قوله: وبيع) أي بت أو بشرط الخيار للمشتري فقط، وإلا بأن كان لبائع أو لهما لم يكن فسخا، ولا إجازة - كما صرح فيه في العباب - بجيرمي. (قوله: وإجارة) أي للمبيع (قوله: وتزويج) أي للامة أو للعبد (قوله: من بائع) متعلق بالتصرف. (قوله: فسخ) أي للبيع لاشعاره بعدم البقاء عليه، وصح ذلك التصرف منه، لكن لا يجوز وطؤه إلا إن كان الخيار له، فإن كان لهما: لم يحل، ولو أذن له المشتري. (قوله: ومن مشتر إجازة للشراء) أي والتصرف بهذه المذكورات من مشر إجازة للبيع، وذلك

[ 38 ]

لاشعاره بالبقاء عليه، والاعتاق نافذ منه: إن كان الخيار له أو لهما وأذن له البائع، وغير نافذ: إن كان للبائع، وموقوف: إن كان لهما ولم يأذن له البائع فيه. ووطؤه حلال: إن كان الخيار له، إلا فحرام. (قوله: ويثبت لمشتر إلخ) شروع في خيار العيب، ويسمى خيار النقيصة، وهو حاصل بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من تغرير فعلي، أو قضاء عرفي، أو التزام شرطي. فالاول: كالتصرية. والثاني: كظهور العيب الذي ينقص العين والقيمة نقصا يفوت به غرض صحيح. والثالث: كأن شرط في المبيع شيئا، ككون العبد كاتبا، أو الدابة حاملا، أو ذات لبن، فأخلف. (قوله: جاهل بما يأتي) أي من ظهور عيب قديم، ومن تغرير فعلي. واحترز بالجاهل بذلك عن العامل به، فلا يثبت له الخيار به. (قوله: خيار) فاعل يثبت. (قوله: في رد المبيع) متعلق بخيار. (قوله: بظهور عيب قديم) أي باق إلى وقت الفسخ، وكان الغالب في جنس المبيع عدمه. فإن زال قبله، أو كان لا يغلب فيه ما ذكر - كقلع سن في الكبر، وثيوبة في أوانها في الامة - فلا خيار. (وقوله: منقص قيمة في المبيع) أي أو منقص عين المبيع نقصا يفوت به غرض صحيح، وإن لم تنقص به القيمة. فإن كان به عيب لا ينقص عينه ولا قيمته - كقطع أصبع زائدة وفلقة يسيرة من فخذ أو ساق، لا تورث شيئا، ول تفوت غرضا - فلا خيار. (قوله: وكذا للبائع) أي وكذا يثبت الخيار للبائع إلخ (قوله: وآثروا الاول) أي اقتصر الفقهاء على ذكر الاول، أي ثبوت الخيار للمشتري بظهور عيب قديم في المبيع، مع أن الثمن مثله في ذلك. (وقوله: لان الغالب في الثمن) الانضباط إلخ، أي فلا يحتاج إلى ذكره. (قوله: والقديم إلخ) أي أن العيب القديم الذي يثبت به الخيار، هو ما قارن العقد أو حدث قبل القبض، لان المبيع حينئذ من ضمان البائع. أما ثبوت الخيار في المقارن. فبالاجماع. وأما ثوبته في الحادث قبل القبض، فلان المبيع فيه من ضمان البائع، فكذا جزؤه وصفته. قال في التحفة: ولم يبينوا حكم المقارن للقبض، والذي يظهر أن له حكم ما قبل القبض، لان يد البائع عليه حسا، فلا يرتفع ضمانه إلا بتحقق ارتفاعها، وهو لا يحصل إلا بتمام قبض المشتري له سليما. اه‍. بتصرف. (قوله: وقد بقي) أي العيب، والجملة حالية من فاعل قارن، وفاعل حدث. وخرج به ما إذا لم يبق إلى الفسخ: فلا خيار - كما مر -. (قوله: ولو حدث بعد القبض فلا خيار) محله ما لم يستند لسبب متقدم عليه، كقطع يد الرقيق المبيع بجناية سابقة على القبض جهلها المشتري، وإلا فله الخيار، لانه لتقدم سببه صار كالمتقدم، فإن كان المشتري عالما بها فلا خيار له، ولا أرش. (قوله: وهو) أي العيب الذي يثبت به الخيار للمشتري. (وقوله: كاستحاضة إلخ) أي وكخصاء رقيق أو بهيمة، وهو مما يغلب في جنس المبيع عدمه فيها، أما لو كان الخصاء فيما يغلب وجوده فيها - كمأكول، أو نحو بغال، أو براذين - فلا يكون عيبا لغلبته فيها. وإنما كان الخصاء فيما مر عيبا، لان الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصي، ولا نظر لزيادة القيمة به باعتبار آخر، لما فيه من فوات جزء مقصود من البدن. (قوله: نكاح لامة) أي تزويج لامة، فهو عيب يثبت به الخيار، والامة ليست بقيد، بل مثلها العبد، فتزويجه عيب أيضا. وعبارة الروض: من عيوب الرقيق كونه مزوجا. اه‍. وهو شامل للذكر والانثى. ومثله في النهاية. فلو أسقط قوله لامة لكان أولى. (قوله: وسرقة) أي ولو صورة كالسرقة من دار الحرب، فإنها غنيمة، لكنها صورة سرقة، فتكون عيبا. هكذا في ش ق. والذي في التحفة خلافه، وعبارتها: وسرقة إلا في دار الحرب، لان المأخوذ غنيمة. اه‍. بحذف. (قوله: وإباق) حتى لو أبق عند المشتري ثبت له الرد، لانه من آثار الاباق الاول الذي كان عند البائع، فلا يقال إنه عيب حادث فيمنع الرد لانه من آثار الاول. اه‍. ز ي. وقوله لانه من آثار الاباق الاول: الفرض أنه علم وجود ذلك العيب عند البائع، فلو لم يعلم وجوده عنده فلا رد، لانه عيب حادث عند المشتري. اه‍. بجيرمي. (قوله: وزنا) أي ولواط وردة. (قوله: أي بكل منها) الجار والمجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق، وكان الاولى التصريح به - أي

[ 39 ]

يثبب الخيار بكل واحد من السرقة، والاباق، والزنا -. (قوله: وإن لم يتكرر) أي كل من السرقة وما بعدها، وهو غاية لثبوت الخيار بكل منها. (وقوله: وتاب) معطوف على مدخول إن، وهو مجموع الجازم والمجزوم - أي وإن تاب وحسن حاله - وذلك لانه قد يألفها، ولان تهمتها لا تزول. ومثل ما ذكر في ذلك: الجناية عمدا، والقتل، والردة. وقد نظم بعضهم العيوب التي لا تنفع التوبة فيها بقوله: ثمانية يعتادها العبد لو يتب بواحدة منها يرد لبائع زنا، وإباق، سرقة، ولواطه وتمكينه من نفسه للمضاجع وردته، إتيانه لبهيمة جنايته عمدا. فجانب له وع وما عدا هذه العيوب: تنفع التوبة فيها. قال في النهاية: والفرق بين السرقة والاباق وبين شرب الخمر ظاهر. قال ع ش: وهو أن تهمتهما لا تزول، بخلاف شرب الخمر. لكن، هل يشترط لصحة توبته من شرب الخمر ونحوه، مضي مدة الاستبراء أو لا ؟ فيه نظر، والاقرب الثاني. اه‍. (قوله: ذكرا كان) أي الرقيق الصادر منه ما ذكر، أو أنثى. (قوله: وبول إلخ) معطوف على استحاضة، أي وكبول من الرقيق. (قوله: بفراش إن اعتاده) أي عرفا، فلا يكفي مرة، لانه كثيرا ما يعرض مرة، بل مرتين ومرات، ثم يزول. ومثل الفراش: غيره - كما لو كان يسيل بوله وهو ماش - فإنه يثبت به الخيار بالطريق الاولى، لانه يدل على ضعف المثانة. ومثل ذلك: خروج دود القرح المعروف. ومحل ثبوت الخيار به، إن وجد البول في يد المشتري أيضا، وإلا فلا، لتبين أن العيب زال، وليس هو من الاوصاف الخبيثة التي يرجع إليها الطبع. (قوله: وبلغ سبع سنين) معطوف على اعتاده، أي وإن بلغ سبع سنين - أي تقريبا - فلا يعتد بنقص شهرين - كما في ع ش - فلو نقص أكثر منهما لم يضر، فلا يثبت به الخيار، لانه خرج منه في أوانه. (قوله: وبخر) هو بفتحتين: نتن الفم وغيره - كالانف -. (وقوله: وصنان) ضبطه في القاموس بالقلم بضم الصاد، وهو ظهور رائحة خبيثة من تحت الابط وغيره. ع ش. (وقوله: مستحكمين) بكسر الكاف، لانه من استحكم، وهو لازم. وخرج ما إذا كان كل من البخر والصنان عارضا - كأن كان الاول ليس ناشئا من المعدة، بل من تغير الفم لقلح الاسنان، وكأن كان الثاني ناشئا من عرق أو احتماع وسخ أو حركة عنيفة - فلا يثبت حينئذ بهما الخيار. (قوله: ومن عيوب الرقيق إلخ) وهي لا تكاد تنحصر، كما أفاده تعبيره بمن. (قوله: كونه تماما إلخ) أي أو قاذفا، أو تمتاما. (واعلم) أنهم عبروا في بعض العيوب بصيغة المبالغة، ولم يعبروا في بعضها بذلك. قال في التحفة: فيحتمل الفرق، ويحتمل أن الكل على حد سواء، وأنه لا بد أن يكون كل من ذلك يصير كالطبع له بأن يعتاده عرفا - نظير ما مر. اه‍. بالمعنى. (قوله: أو آكلا لطين) أي أو مخدر. (قوله: لنحو خمر) أي من كل مسكر. قال الزركشي: وينبغي أن يقيد بالمسلم دون من يعتاد ذلك من الكفار، فإنه غالب فيهم. اه‍. مغني. (قوله: ما لم يتب عنها) قيد في جميع ما قبله، أي هذه المذكورات - النميمة وما بعدها من العيوب - ما لم يتب منها، فإن تاب منها فلا يثبت بها الخيار. قال في التحفة: وظاهر أنه لا يكتفي في توبته بقول البائع. اه‍. (قوله: أو أصم) أي ولو في إحدى أذنيه. والمراد به: ما يشمل ثقل السمع، لانه ينقص القيمة. (قوله: أو أبله) في ع ش: الابله هو الذي غلبت عليه سلامة الصدر. وفي الحديث: أكثر أهل الجنة البله يعني في أمر الدنيا، لقلة اهتمامهم بها، وهم أكيس الناس في أمر الآخرة. اه‍. مختار. (أقول) والظاهر أن هذا المعنى غير مراد هنا، وإنما المراد بالابله من يغلب عليه التغفل، وعدم المعرفة، ويوافقه

[ 40 ]

قول المصباح: بله بلها - من باب تعب: ضعف عقله. اه‍. (قوله: أو مصطك الركبتين) أي أو الكعبين. قال في القاموس: صكه: ضربه. وصك الباب: أغلقه، أو أطبقه. ورجل أصك، ومصك: مضطرب الركبتين والعرقوبين. اه‍. والمناسب هنا: الاخير وما قبله. فمعنى اصطكاك الركبتين: التقاؤهما عند المشي، وانطباق إحداهما على الاخرى واضطرابهما. (قوله: أو رتقاء) معطوف على نماما، أي ومن عيوب الرقيق كونه أمة رتقاء، وتذكير الضمير باعتبار المرجع، لانه إذا كان المرجع مذكرا والخبر مؤنثا، يجوز مراعاة المرجع ومراعاة الخبر. والاولى: الثاني. وكالرتقاء: القرناء والاولى: هي التي انسد فرجها بلحم، والثانية: هي التي انسد فرجها بعظم (قوله: في آدمية) قيد في الحامل، فالحمل عيب في الآدمية، وفيه أنه بصدد بيان عيوب الرقيق، فلا فائدة في ذكر هذا القيد. (وقوله: لا بهيمة) أي ليس الحمل عيبا في بهيمة. ومحله: إذا لم تنقص بالحمل، وإلا كان عيبا أيضا. (قوله: أو لا تحيض) المناسب في إعرابه أن يكون الفعل منصوبا بأن مضمرة بعد أو، والمصدر المؤول معطوف على المصدر السابق، وهو كونه - أي ومن عيوب الرقيق - عدم حيض من بلغت عشرين سنة. (وقوله: أو أحد ثدييها) معطوف على المصدر السابق أيضا على حذف مضاف، أي ومنها أيضا: كون أحد الخ. فتنبه (قوله: وجماع لحيوان) عطف على استحاضة، والجماع - بكسر الجيم - امتناع الحيوان من الركوب عليه. وعبر بعضهم بجموح - بصيغة المبالغة - وهو يفيد اشتراط كثرة ذلك منه حتى يصير طبعا له. قال في التحفة: وهو متجه - كنظائره. (قوله: ورمح) أي رفس. وليس المراد به الجري. وعبارة م ر: وكونها رموحا وهي تفيد كثرة ذلك منها، وإلا فلا يكون عيبا. اه‍. بجيرمي. (قوله: وكون الدار منزل الجند) أي مختصة بنزول الجند، أي العساكر فيها. (قوله: بالرجم) أي أو نحوه. (قوله: أو القردة) معطوف على الجن، أي أو كون القردة ونحوهم يرعون - أي يأكلون - زرع الارض، فهو يعد عيبا. (قوله: ويثبت) أي الخيار لمشتر في رد المبيع. (وقوله: بتغرير فعلي) أي متعلق بالفعل، كالتصرية الآتية: فإنها من الافعال - إذ هي جمع اللبن في ثدي البهيمة - كما سيأتي - قال البجيرمي: وكذا يثبت الخيار بتغرير قولي - كما سيأتي في مفهوم قوله: ولو باع بشرط براءته من العيوب إلخ - من أنه لو باع بشرط براءة المبيع من العيوب فإنه لا يبرأ من شئ منها، بل للمشتري الخيار في جميعها. وهذا تغرير قولي. اه‍. (قوله: وهو) أي التغرير (وقوله: حرام) أي من الكبائر - على المعتمد - لقوله عليه الصلاة والسلام: من غشنا ليس منا، ولخبر الصحيحين في التصرية الآتي قريبا. (قوله: للتدليس) أي من البائع على المشتري. (وقوله: والضرر) أي للمشتري، وقيل للمبيع، والاول أولى، لانه هو الذي يطرد في جميع أمثلة التغرير، بخلاف ضرر المبيع، فإنه إنما يظهر في بعضها - كالتصرية -. ولو لم يحصل تدليس من البائع: بأن لم يقصد التصرية - لنسيان أو نحوه - ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما المنع، وبه جزم الغزالي والحاوي الصغير: لعدم التدليس. وثانيهما: ثبوته لحصول الضرر، ورجحه الاذرعي، وقال إنه قضية نص الام. (قوله: كتصرية) من صرى الماء في الحوض - بتشديد الراء - بمعنى جمعه، وجوز الشافعي - رضي الله عنه - أن يكون من الصر، وهو الربط. والاصل في تحريمها خبر الصحيحين: ألا تصروا الابل والغنم، فمن ابتاعها - أي اشتراها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها - إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر. وقيس بالابل والغنم غيرهما. (وقوله: له) أي للحيوان المبيع، ولو من غير النعم. (قوله: وهي) أي التصرية، شرعا: ما ذكر. وأما لغة: فهي أن تربط حلمة الضرع ليجتمع اللبن. (قوله: ليوهم المشتري) أي ليوقع في وهم المشتري كثر اللبن. (قوله: وتجعيد شعر الجارية) معطوف على تصرية، أي وكتجعيد الشعر، فهو من التغرير الفعلي المحرم، لانه يدل على الجمال وقوة البدن. والمجعد: هو ما فيه التواء وانقباض - أي تثن، وعدم إرسال -

[ 41 ]

ولا يثبت الخيار بجعله على هيئة مفلفل السودان، لعدم دلالته على نفاسة المبيع، المقتضية لزيادة الثمن. ومثل التجعيد: تحمير الوجه، وتسويد الشعر، فيثبت بهما الخيار أيضا. (قوله: لا خيار بغبن فاحش) أصل المتن لا بغبن فاحش، فهو معطوف على ظهور عيب قديم، فقدر الشارح المتعلق: أي لا خيار بسبب وجود غبن فاحش على المشتري. والفحش ليس بقيد، بل مثله - بالاولى - غيره. (قوله: كظن مشتر نحو زجاجة: جوهرة) أي لقربها من صفتها، فاشتراها بقيمة الجوهرة. قال ع ش: وخرج به - أي بظنها جوهرة - ما لو قال له البائع هي جوهرة، فيثبت له الخيار في هذه الحالة. اه‍. وقال في فتح الجواد: ومحل ذلك أي عدم ثبوت الخيار، فيما إذا ظنها جوهرة: إذ لم يشتد ظنه لفعل البائع، بأن صبغ الزجاجة بصبغ صيرها به تحاكي بعض الجواهر، فيتخير حينئذ - لعذره -. اه‍. (قوله: لتقصيره بعمله) تعليل لعدم ثبوت الخيار بذلك، أي لا يثبت له الخيار بذلك، لتقصيره بكونه عمل بمجرد وهمه، من غير بحث واطلاع أهل الخبرة على ذلك، ولانه (ص) لم يثبت الخيار لمن يغبن، بل أرشده إلى اشتراط الخيار. (قوله: والخيار بالعيب) مبتدأ، خبره فوري. (قوله: ولو بتصرية) الغاية للرد على القائل بأن الخيار في المصراة يمتد ثلاثة أيام، والاولى تأخيره بعد قوله فوري، لانه يوهم أن الخيار بالتصرية فيه خلاف، وليس كذلك، بل الخلاف إنما هو في الفوري. (قوله: فوري) أي إجماعا. ومحله في المبيع المعين، فإن قبض شيئا عما في الذمة بنحو بيع أو سلم، فوجده معيبا، لم يلزمه فور، لان الاصح أنه لا يملكه إلا بالرضا بعيبه، ولانه غير معقود عليه. اه‍. تحفة (قوله: فيبطل) أي الخيار بالتأخير. قال في شرح المنهج: وأما خبر مسلم: من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فحمل على الغالب من أن التصرية لا تظهر إلا بثلاثة أيام. (قوله: بلا عذر) متعلق بالتأخير. وخرج به ما إذا كان بعذر فإنه لا يبطل الخيار. وسيذكر الاعذار التي تبيح له التأخير - كالصلاة، والاكل، وقضاء الحاجة، والجهل بأن له الرد، أو بكونه على الفور -. وفي البجيرمي ما نصه: هل من العذر نسيان الحكم أو العيب أو نحوهما ؟ ثم رأيت نقلا عن ع ش - عند قول الشارح ويعذر في تأخيره بجهله إن قرب عهده بالاسلام - ما نصه: وخرج بجهل الرد أو الفور، ما لو علم الحكم ونسيه - فلا يعذر به - لتقصيره. اه‍. (قوله: ويعتبر الفور عادة) أي أنه ليس المراد الفور حقيقة، بل عادة - أي عادة عامة الناس - كما في ع ش. قال في النهاية، فلا يكلف الركض في الركوب العدو في المشي ليرد. اه‍. (قوله: فلا يضر إلخ) مفرع على مفهوم قوله بلا عذر، أي أما إذا كان بعذر كصلاة إلخ، فلا يضر تأخيره، وليس مفرعا على قوله عادة، وإلا صار قوله بلا عذر ضائعا لا مفهوم له. (وقوله: صلاة) أي ولو نفلا (قوله: وأكل) بالرفع، معطوف على صلاة، أي ولا يضر أكل، ولو تفكها. (قوله: دخل وقتهما) أي وقت الصلاة ووقت الاكل. وهذا إنما يشمل بالنسبة للصلاة ذات الوقت من فرض أو نفل، ولا يشمل النفل المطلق لانه ليس له وقت. ومحله: إذا علم بالعيب قبل الشروع فيه. أما إذا علم بالعيب وهو في صلاة النفل المطلق: كملها، ولا يؤثر ذلك. وعبارة الشوبري: وشمل كلامه النافلة مؤقتة، أو ذات سبب، لا مطلقة، إلا إن كان شرع فيتم ما نواه، وإلا اقتصر على ركعتين. اه‍. وفي البجيرمي - بالنسبة لوقت الاكل - ما نصه: وانظر وقت الاكل ماذا ؟ هل هو تقديم الطعام، أو قرب حضوره ؟ والظاهر أن كلا منهما يقال له وقت الاكل، وكذا توقان نفسه إليه وقته. (قوله: وقضاء حاجة) معطوف على صلاة، فهو مرفوع، أي ولا يضر قضاء حاجة، من بول، أو غائط، أو جماع، أو دخول حمام. (قوله: ولاسلامه على البائع) أي ولا يضر في ثبوت الخيار بالعيب: سلام المشتري على البائع بعد علمه بالعيب، ولا يضر أيضا لبسه ما يتجمل به عادة. (قوله: بخلاف محادثته) أي محادثة المشتري البائع، فإنه يضر. (قوله: ولو علمه إلخ) أي ولو علم المشتري بالعيب ليلا فله تأخير الرد إلى أن يصبح، لعدم التقصير. وقيد ابن الرفعة: بكلفة السير فيه، أما إذا لم يكن عليه كلفة بالسير فيه - كأن كان جارا له - فليس له التأخير إلى ذلك، بل يستوي حينئذ الليل والنهار. (وقوله: حتى يصبح) أي

[ 42 ]

ويدخل الوقت الذي جرت به العادة بانتشار الناس إلى مصالحهم عادة. اه‍. ع ش. (قوله: ويعذر) أي المشتري. (وقوله: في تأخيره) أي خيار الرد بالعيب. (قوله: بجهله) أي المشتري. (وقوله: جواز إلخ) مفعول جهله. (قوله: إن قرب إلخ) قيد في كونه يعذر بذلك، أي يعذر بذلك إن قرب عهده بالاسلام. قال في التحفة: وهو ممن يخفى عليه، بخلاف من يخالطنا من أهل الذمة. اه‍. (قوله: أو نشأ بعيدا عن العلماء) المراد بالبعد هنا - أخذا من كلام الشيخين - أن ينشأ بمحل يجهل أهله الاحكام. والغالب أن يكون بعيدا عن بلاد العلماء، وهي محل من يعرف الاحكام الظاهرة التي لا تكلف العامة بعلم ما عداها. ولو فرض أن أهل محل يجهلون ذلك، وهم قريبون ممن يعرف ذلك، كان حكمهم كذلك - فيما يظهر -. فالتعبير بالبعد ليس بالاشتراط، بل لانه الغالب في مثل ذلك. ويجري مثل ذلك في نظائره. حجر. ع ش. بجيرمي. والمراد بالعلماء: من يعلمون هذا الحكم، وإن لم يعلموا غيره. (قوله: وبجهل فوريته) معطوف على بجهله جواز الرد، أي ويعذر بجهله أن الرد ثابت فورا. (وقوله: إن خفي عليه) أي إن خفي عليه هذا الحكم، وهو الرد فورا. وعبارة التحفة: إن كان عاميا يخفى على مثله. اه‍. ومقتضى قول الشارح إن خفي عليه - من غير تقييده بالقيد الذي جعله قبله، أعني قرب عهده إلخ - أنه يعذر في هذه الصورة، ولو كان مخالطا لاهل العلم، لان هذا مما يخفى على كثير من الناس. (قوله: ثم إن إلخ) مرتبط بقوله والخيار فوري. والاولى التعبير بفاء التفريع، إذ المقام يقتضيه. (قوله: رده) أي المبيع المعيب. (قوله: أو وكيله) أي المشتري. قال في التحفة: ولولي المشتري ووارثه الرد أيضا - كما هو ظاهر - اه‍.. وذلك لانتقال الحق لهما. (قوله: على البائع) متعلق برده، أي رده على البائع، أي أو موكله إن كان البائع وكيلا عن غيره في البيع. (وقوله: أو وكيله) أي البائع الذي وكله في قبول السلع المردودة. (قوله: ولو كان البائع إلخ) الاولى في المقابلة والاخضر أن يقول: وإن كان غائبا عنها إلخ. قال في شرح الروض: وألحق في الذخائر: الحاضر بالبلد إذا خيف هربه الغائب عنها. اه‍. (قوله: ولا وكيل له) أي للبائع. (وقوله: بها) أي بالبلد. (قوله: رفع الامر) أي شأن الفسخ، بأن يدعي رافع الامر شراء ذلك الشئ من فلان الغائب بثمن معلوم قبضه، ثم ظهر العيب، وأنه فسخ البيع، ويقيم البينة بذلك، ويحلفه أن الامر جرى كذلك، ويحكم بالرد على الغائب، ويبقى الثمن دينا عليه، ويأخذ المبيع، ويضعه عند عدل، ويقضى الدين من مال الغائب، فإن لم يجد له سوى المبيع باعه. اه‍. شرح المنهج. (وقوله: إلى الحاكم) بقي ما لو كان غائبا، ولا وكيل له بالبلد، ولا حكم بها، ولا شهود، فهل يلزمه السفر إليه، أو إلى الحاكم إذا أمكنه ذلك بلا مشقة لا تحتمل ؟ وقد يفهم من المقام اللزوم. اه‍. سم. (وقوله: وجوبا) معنى كونه واجبا أنه إذا تراخى عن الرفع للحاكم سقط حقه من الرد، لا أنه يأثم بتركه. (قوله: ولا يؤخر لحضوره) أي ولا يؤخر المشتري الرد لحضور الغائب. قال سم: ينبغي ولا للذهاب إليه. اه‍. (قوله: فإذا عجز) أي المشتري. (وقوله: عن الانهاء) أي رفع الامر للحاكم. (وقوله: لنحو مرض) أي كخوف من عدو. (قوله: أشهد على الفسخ) أي لزوما. وعبارة المنهاج: ويلزمه الاشهاد على الفسخ. اه‍. قال في المغني: لان الترك يحتمل الاعراض، وأصل البيع اللزوم، فنعين الاشهاد بعدلين - كما قاله القاضي حسين، والغزالي - أو عدل ليحلف معه - كما قاله ابن الرفعة - وهو الظاهر. اه‍. (قوله: فإن عجز عن الاشهاد) أي على الفسخ، بأن لم يلق من يشهده. (وقوله: لم يلزمه تلفظ) أي بالفسح، وذلك لانه يبعد لزومه من غير سامع، فيؤخبره إلا أن يأتي به عند المردود عليه - أو الحاكم - لعدم فائدته قبل ذلك. (قوله: وعلى المشتري) أي يجب عليه بعد الاطلاع على العيب وقبل الرد. (وقوله: ترك استعمال) أي للمبيع.

[ 43 ]

والاستعمال طلب العمل، فلو خدمه وهو ساكت، لم يضر. كذا في ع ش، نقلا عن سم. وفي المغني نقلا عن الاسنوي - وهو ما يصرح به قول شارحنا، فإن فعل شيئا من ذلك بلا طلب، لم يضره. والذي يصرح به عبارة التحفة والنهاية أن الطلب ليس بقيد، بل المدار على ما يعد انتفاعا - سواء كان بطلب، أم بغير طلب - كما ستقف على عبارتهما قريبا عند قوله: فلو استخدم إلخ. ويستثنى من وجوب ترك الاستعمال: ركوب ما عسر سوقه وقوده، فلا يضر. (قوله: فلو استخدم رقيقا) أي طلب منه أن يخدمه، كقوله اسقني، أو اغلق الباب، وإن لم يطعه، أو استعمله، كأن أعطاه الكوز من غير طلب، فأخذه، ثم أعاد إليه، بخلاف مجرد أخذه منه من غير رده، لان وضعه بيده كوضعه بالارض. اه‍. تحفة. ومثلها النهاية. وقوله: أو استعمله: معطوف على طلب، أي استعمله وانتفع به من غير طلب. وعبارة البجيرمي: ومثل استخدامه: خدمته - كأن أعطاه كوزا من غير طلب، فأخذه، ثم رده له، بخلاف ما إذا لم يرده له - لان مجرد أخذ السيد له لا يعد استعمالا، لان وضعه في يد السيد كوضعه في الارض. اه‍. وعبارة المغني: (تنبيه) أفهم كلام المصنف - أن الرقيق لو خدم المشتري، وهو ساكت لم يؤثر، لان الاستخدام طلب العمل، وهو متجه - كما قاله الاسنوي. اه‍. (قوله: أو ناولني الثوب) ومثله، ما لو أشار إليه - كما هو ظاهر -. وأما الكتابة، فيحتمل أنه إن دلت قرينة على الطلب منه أو نواه بطل خياره، وإلا فهي كالنية. ع ش. (قوله: فلا رد قهرا) أي الرد القهري من المشتري ينتفي بالاستعمال المذكور، لاشعاره بالرضا بالعيب. (وقوله: وإن لم يفعل الرقيق ما أمر به) غاية لنفي الرد القهري. (قوله: فإن فعل) أي الرقيق شيئا من ذلك، أي المذكور من السقي، والمناولة، والاغلاق (وقوله: لم يضر) تبع فيه الخطيب، وسم على المنهج والذي عليه شيخه حجر و: م. ر: أنه إذا استعمله من غير طلب: ضر أيضا - كما يعلم من عبارتهما المارة. - (قوله: فرع) الاولى فروع - بصيغة الجمع - وهي أربعة: قوله لو باع، وقوله ولو اختلفا، وقوله ولو حدث عيب، وقوله ويتبع في الرد. (قوله: لو باع) أي العاقد - سواء كان متصرفا عن نفسه أو وليا، أو وصيا، أو حاكما، أو غيرهم - كما يفيده إطلاقه. (قوله: أو غيره) أي غير حيوان، كقماش. (قوله: بشرط براءته) أي بأن قال بعتك بشرط أني برئ من العيوب التي بالمبيع، ومثله ما لو قال: إن به جميع العيوب، أو لا يرد علي بعيب، أو عظم في قفة، أو أعلمك أن به جميع العيوب، فيصح العقد مطلقا، لانه شرط يؤكد العقد، ويوافق ظاهر الحال من السلامة من العيوب. اه‍. خضر. فالضمير في قوله براءته: للبائع. وأما شرط براءة المبيع - بأن قال بشرط أنه سليم أو لا عيب فيه - فالظاهر أن لا يبرأ عن العيب المذكور - كما قال ح ل - وإن كان البيع صحيحا. اه‍. بجيرمي. (قوله: في المبيع) المقام للاضمار، فالاولى أن يقول فيه بالضمير العائد على ما ذكر من الحيوان أو غيره، ومثل المبيع: الثمن، فلو اشتري بشرط براءته من العيوب في الثمن: صح العقد، وبرئ إلخ. ولعله ترك التنبيه عليه لما مر من أن الثمن مضبوط غالبا، فلا يحتاج إلى شرط البراءة فيه. (قوله: أو أن لا يرد) معطوف على براءته، أي أو بشرط أن لا يرد بالعيوب الكائنة فيه. (قوله: صح العقد) جواب لو. (قوله: وبرئ من عيب باطن) أي وهو ما يعسر الاطلاع عليه، ومنه: الزنا، والسرقة، والكفر. والظاهر: بخلافه، ومنه:

[ 44 ]

نتن لحم الجلالة، لانه يسهل فيه ذلك. وقيل: الباطن ما يوجد في محل لا تجب رؤيته في المبيع لاجل صحة البيع، والظاهر بخلافه. (قوله: موجود حال العقد) خرج به: ما إذا وجد بعد العقد وقبل القبض - فلا يبرأ منه البائع مطلقا - سواء علمه أم لا، ظاهرا كان أو باطنا، وذلك لانصراف الشرط إلى ما كان موجودا عند العقد فقط. (قوله: لم يعلمه البائع) خرج به ما إذا علمه - فلا يبرأ منه - لتقصيره بكتمه إذ هو تدليس يأثم به. (قوله: لا عن عيب باطن في غير الحيوان) أي لا يبرأ عن عيب باطن فيه. وفارق الحيوان: غيره، بأنه يأكل في حالتي صحته وسقمه، فقلما ينفك عن عيب ظاهر أو خفي، فاحتاج البائع لهذا الشرط ليثق بلزوم البيع فيما يعذر فيه. بخلاف غير الحيوان، فالغالب عليه: عدم التغير، فلذلك لم يبرأ من عيبه مطلقا. (وقوله: لا ظاهر فيه) أي ولا يبرأ عن عيب ظاهر في الحيوان مطلقا، علمه أم لا. (قوله: ولو اختلفا) أي العاقدان. (وقوله: في قدم العيب) أي وحدوثه، وذلك بأن ادعى المشتري أنه قديم ليرد على البائع، وادعى البائع أنه حادث فلا يرد عليه. (قوله: واحتمل صدق كل) أي أمكن حدوثه وقدمه. واحترز بذلك عما إذا لم يمكن إلا حدوثه - كما لو كان الجرح طريا، والبيع والقبض من سنة، وعما إذا لم يمكن إلا قدمه - كما لو كان الجرح مندملا، والبيع والقبض من أمس - فإنه يصدق في الاول: البائع، وفي الثاني: المشتري (قوله: صدق البائع بيمينه) أو يحلف على حسب جوابه، فإن قال في جوابه: ليس له الرد علي بالعيب الذي ذكره، أو لا يلزمني قبوله، حلف على ذلك. أو قال في جوابه: ما أقبضته وبه هذا العيب، أو ما أقبضته إلا سليما من العيب، حلف على ذلك. والجوابان الاولان عامان، لشمولهما لعدم وجود العيب عند البائع، ولوجوده مع علم المشتري به. والآخران خاصان. ولو أبدل أحد العامين بالآخر، أو أحد الخاصين بالآخر: كفى. وكذا لو أبدل العام بالخاص، لانه غلظ على نفسه، بخلاف ما لو أبدل الخاص بالعام بأن كان جوابه خاصا، وذكر في يمينه العام، فلا يكفي. أفاده في النهاية. (قوله: في دعواه) متعلق بصدق، وضميره يعود على البائع. (وقوله: حدوثه) مفعول المصدر، وضميره يعود على العيب. (قوله: لان الاصل لزوم العقد) أي استمراره، وإنما حلف مع أن الاصل معه، لاحتمال صدق المشتري. قال في شرح المنهج: نعم، لو ادعى قدم عيبين، فأقر البائع بقدم أحدهما، وادعى حدوث الآخر، فالمصدق: المشتري بيمينه، لان الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما، فلا يبطل بالشك. اه‍. (قوله: وقيل لان الاصل عدم العيب في يده) أي البائع. (قوله: ولو حدث عيب) أي في المبيع. (قوله: لا يعرف القديم بدونه) أي الحادث. وفي العبارة حذف، أي وجد عيب قديم، لكن لا يعرف - أي لا يطلع عليه إلا بذلك الحادث - فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه - كتقرير بطيخ حامض، يمكن معرفة حموضته بغرز شئ فيه، وكتقوير بطيخ كبير يستغنى عنه بصغير - سقط الرد القهري. (قوله: ككسر إلخ) تمثيل للعيب الحادث الذي لا يعرف القديم إلا به. (وقوله: بيض) أي لنحو نعام - كما في التحفة، ولعله سقط هنا من الناسخ - فلو اشترى بيض نعام، على أن فيه فرخا، فكسره - أي ثقبه - فوجد خاليا من الفرخ، رده بالعيب القديم. وخرج به: بيض غير النعام - كبيض الدجاج إذا وجده بعد كسره مذرا، فإن البيع يبطل فيه، لوروده على غير متقوم، فيرجع المشتري بجميع الثمن، فلا يتصور فيه رد، بخلاف الاول، فإن قشره متقوم، فهو يثبت فيه الرد، فإن لم يرده فلا شئ له. (وقوله: وتقوير بطيخ) - بكسر الباء أشهر من فتحها، ومثله كل ما مأكوله في جوفه، كالرمان. (وقوله: مدود) أي بعضه. واحترز بالبعض عما إذا دود كله فإنه يوجب فساد البيع لانه غير متقوم، فيرجع المشتري بكل ثمنه. قال في التحفة: ولو اشترى نحو بيض أو بطيخ كثير، فكسر واحدة، فوجدها معيبة لم يتجاوزها - لثبوت مقتضى رد الكل بذلك، لما يأتي من امتناع رد البعض فقط. وإن كسر الثانية فلا رد له مطلقا - على الاوجه - لانه وقف على العيب المقتضي للرد بالاول، فكان الثاني: عيبا حادثا. ويظهر أنه لو اطلع على العيب في واحدة بعد كسر أخرى: كان الحكم كذلك. اه‍. (قوله: رد) أي ذلك المبيع،

[ 45 ]

وهو جواب لو. (قوله: ولا أرش عليه) أي على المشتري الراد لتسليط البائع له على كسره، لتوقف علم عيبه عليه. والارش - بوزن العرش - في الاصل: دية الجراحات، ثم استعمل في التفاوت بين قيم الاشياء - كما لو كانت قيمة المبيع سليما مائة، ومعيبا تسعين - فالارش: التفاوت الحاصل بين القيمتين، وهو - هنا - عشرة. (قوله: ويتبع) أي المبيع المعيب الذي رد. (قوله: الزيادة) فاعل يتبع. (وقوله: المتصلة) أي بالمبيع، ومثله الثمن. (قوله: كالسمن) بكسر، ففتح، وهو تمثيل للزيادة المتصلة. ومثله: كبر الشجرة. (قوله: وتعلم الصنعة) أي والقرآن. (قوله: ولو بأجرة) أي ولو كان التعلم بأجرة. وعبارة التحفة: ولو بمعلم بأجرة - كما اقتضاه إطلاقهم هنا - لكنهم في الفلس قيدوه بصنعة بلا تعلم، فيحتمل أن يقال به هنا، بجامع أن المشتري غرم مالا في كل منهما، فلا يفوت عليه. اه‍. (قوله: وحمل) معطوف على السمن، فهو مثال للزيادة المتصلة، وفيه أنه حيث قارن البيع لم تكن زيادة. وعبارة المنهج: كحمل - بالكاف - وكتب البجيرمي عليه ما نصه: قوله كحمل، وهو تنظير، لا مثال، بدليل إعادة الكاف، وعدم عطفه على ما مثل به، وأيضا الفرض أنه قارن، فلم تكن زيادة. قال في شرح البهجة - بعد تقرير ما ذكر -: ويمكن جعله مثالا، بحذف مضاف - أي وكزيادة الحمل - بمعنى نموه وكبره. شوبري. اه‍. وهو يتبع أمه، وإن انفصل إن كان له الرد: بأن لم تنقص أمه بالولادة. أما إذا نقصت بذلك فإنه يسقط الرد القهري، لحدوث العيب بها عند المشتري، وله الارش. (قوله: لا المنفصلة) أي لا تتبع الزيادة المنفصلة. قال في التحفة: عينا ومنفعة. (قوله: كالولد والثمر) تمثيل للمنفصلة عينا، ولم يمثل للمنفصلة منفعة. ومثالها: الاجرة. (قوله: وكذا الحمل الحادث) أي ومثل الزيادة المنفصلة: الحمل الحادث في ملك المشتري. وفي البجيرمي: قال والد شيخنا: الراجح أن الصوف واللبن كالحمل، أي فيكون الحادث للمشتري، سواء انفصل قبل الرد أو لا. ومثلهما: البيض - كما هو ظاهر -. اه‍. (وقوله: فلا تتبع) أي الزيادة المنفصلة المبيع. (وقوله: بل هي) أي الزيادة المذكورة تبقى للمشتري، والحمل المذكور مثلها، يأخذه المشتري إذا انفصل. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في حكم المبيع قبل القبض أي في بيان حكم ذلك، وهو أنه من ضمان البائع، بمعنى الانفساخ بالتلف، وثبوت الخيار بالتعيب، وعدم صحة التصرف فيه، فالاحكام - في الحقيقة - ثلاثة، ومثل المبيع - فيما ذكر - الثمن المعين. (قوله: المبيع) خرج به: زوائده المنفصلة، الحادثة بعد البيع وقبل قبض المبيع، فهي أمانة تحت يد البائع، ولا أجرة لها، وإن استعملها البائع ولو بعد طلب المشتري لها كالمبيع، فإنه لا أجرة له إذا استعمله البائع. (قوله: قبل قبضه) أي الواقع عن البيع، فلو أقبضه إياه: لا عن البيع، بل على أنه وديعة عنده، فهو كالعدم، فيكون باقيا على ضمان البائع. (قوله: من ضمان بائع) أي وإن عرضه على المشتري فلم يقبله لبقاء سلطنته عليه، وإن قال له المشتري هو وديعة عندك. والمراد بالبائع: المالك، وإن صدر العقد من وليه أو وكيله. (قوله: بمعنى انفساخ) يعني أن معنى كونه في ضمان البائع: انفساخ إلخ. وكون هذا يقال له ضمان مجرد اصطلاح، ولا مشاحة فيه. وهذا الضمان يسمى ضمان عقد، وذلك لان

[ 46 ]

المال الذي تحت يد غيره: إما مضمون ضمان عقد كالمبيع والثمن، وإما مضمون ضمان يد كالمغصوب والمعار، وإما غير مضمون أصلا كالمال الذي تحت يد الشريك أو الوكيل. (وقوله: بتلفه) أي بنفسه، بأن يكون بآفة سماوية. (وقوله: أو إتلاف بائع) أي ولو بإذن المشتري. (قوله: وثبوت الخيار إلخ) معطوف على انفساخ البيع، أي وبمعنى ثبوت الخيار. (وقوله: بتعيبه) أي المبيع بنفسه. (وقوله: أو تعييب إلخ) أي بفعل فاعل. (قوله: بإتلاف أجنبي) معطوف على بتعيبه. أي ويثبت خيار المشتري بإتلاف أجنبي له، فهو يتخير بين إجازة البيع وفسخه، لفوات غرضه في العين، فإن أجاز البيع غرم الاجنبي البدل، وإن فسخ غرمه البائع إياه. (قوله: فلو تلف إلخ) هذا لا حاجة إليه بعد قوله بمعنى انفساخ البيع بتلفه أو إتلاف بائع، إلا أن يكون هذا من المتن - كالمنهج والمنهاج - لكن الذي بأيدينا من النسج أنه من الشرح. (قوله: انفسخ البيع) أي لتعذر قبضه، مع عدم قيام البدل مقامه، فسقط الثمن عن المشتري، ويقدر انتقال ملك المبيع للبائع قبيل التلف، فتكون زوائده للمشتري، حيث لا خيار أو تخير وحده. وقولي مع عدم قيام إلخ: خرج به ما إذا أتلفه أجنبي، فإنه لا ينفسخ البيع به، بل يثبت الخيار للمشتري - كما مر - لوجوب بدله على المتلف له. (قوله: وإتلاف مشتر قبض) أي فيبرأ منه البائع. ومحل ذلك: ما لم يكن إتلافه له بحق - كصيال وقود - وكان المشتري الامام، فإن كان كذلك فليس بقبض. (قوله: وإن جهل) أي المشتري. وهو غاية لكون إتلافه قبضا. (قوله: أنه) أي ما أتلفه. (قوله: ويبطل تصرف) أي في المبيع، بخلاف زوائده الحادثة بعد العقد، فيصح بيعها، لانتفاء ضمانها - كما تقدم -. (قوله: ولو مع بائع) الغاية للرد أي ويبطل التصرف ولو كان مع البائع بأن يبيعه له. نعم، إن باعه للبائع بعين الثمن المعين إن كان باقيا أو بمثله، إن كان تالفا أو في الذمة، صح، وكان إقالة بلفظ البيع. (قوله: بنحو بيع) إجماعا في الطعام، ولحديث حكيم بن حزام بإسناد حسن: يا ابن أخي، لا تبيعن شيئا حتى تقبضه. وعلته ضعف الملك، لانفساخه بتلفه. تحفة. (قوله: كهبة إلخ) تمثل لنحو البيع. (قوله: فيما لم يقبض) متعلق بتصرف، ومثله المقبوض إن كان الخيار للبائع أو لهما. (قوله: لا بنحو إعتاق) أي لا يبطل التصرف بنحو إعتاق. ودخل تحت النحو: الايلاد والتدبير. (قوله: وتزويج الخ) معطوف على نحو، من عطف الخاص على العام. والاولى كتزويج - بكاف التمثيل - (وقوله: ووقف) أي سواء كان على معين أو لا. (قوله: لتشوف الشارع إلى العتق) أي وإنما لم يبطل التصرف بذلك لتشوف الشارع إلى العتق - أي تطلعه - وفي معنى العتق: البقية - من حيث إن في كل تصرفا من غير عوض في الجملة، أو تصرفا لا إلى مالك في الجملة، فلا يرد على الاول التزويج، ولا على الثاني الوصية. أفاده الجمل. (وقوله: ولعدم توقفه) أي العتق على القدرة، أي قدرة التسليم، بدليل صحة إعتاق الآبق. (قوله: ويكون به) أي بالاعتاق قابضا، ومثله الوقف والايلاد. وفي البجيرمي: وانظر، هل يترتب على كونه قابضا أو غير قابض فائدة ؟ لان الفرض أنه خرج عن ملكه ؟ (قوله: ولا يكون قابضا بالتزويج) أي ونحو كالتدبير والوصية، فإن تلف: كان من ضمان البائع. (قوله: وقبض غير منقول) أي حاضر بمحل العقد، فإن كان غائبا فسيذكر حكمه قريبا. وهذا بيان لحقيقة القبض المترتب عليه ضمان البائع قبله، فهو جواب سؤال، كأنه قيل له: ما القبض ؟ فبينه بقوله: وقبض إلخ. (قوله: من أرض) بيان لغير المنقول. (وقوله: وشجر) أي وإن بيع بشرط القطع. ومثل الشجرة: الثمرة المبيعة قبل أوان الجذاذ. فهو من غير المنقول، إذ المراد به ما لا يمكن نقله بحالة الذي هو عليه حالة البيع، والثمرة قبل ذلك كذلك. أما المبيعة بعد أوان الجذاذ فهي منقولة، فلا بد من نقلها - كذا في التحفة -. (قوله: بتخلية) متعلق بمحذوف خبر قبض، أي أن قبض ذلك كائن بتخلية، ولا بد من لفظ يدل عليها،

[ 47 ]

كخليت بينك وبينه. (قوله: بأن يمكنه) تصوير للتخيلة، والضمير راجع للمشتري. (وقوله: منه) أي من المبيع غير المنقول. (قوله: البائع) فاعل الفعل. (قوله: مع تسليمه المفتاح) أي إن كان مغلقا، وكان المفتاح موجودا. ولو اشتملت الدار على أماكن بها مفاتيح: فلا بد من تسليم تلك المفاتيح، وإن كانت تلك الاماكن صغيرة - كالخزائن الخشب - اه‍. ح ل. فالمراد بالمفتاح: الجنس. فلو قال له البائع: تسلمه واضع له مفتاحا، فينبغي أن يستغني بذلك عن تسليم المفتاح. سم. بجيرمي. (قوله: وإفراغه إلخ) بالجر، عطف على تسليمه، وهو مضاف للمضير العائد على غير المنقول من إضافة المصدر إلى مفعوله. (قوله: من أمتعة غير المشتري) أي من بائع، ومستأجر، ومستعير، وموصى له بالمنفعة. أما أمتعة المشتري: فلا يشترط إفراغه منها. قال ع ش: والمراد بالمشتري من وقع له الشراء، فبقاء أمتعة الوكيل، والولي مانع من صحة القبض، لانها تمنع من دخول المبيع في يد من وقع له الشراء. اه‍. وفي سم ما نصه: هل يجري هذا الشري - وهو فراغه من أمتعة غير المشتري - في المنقول، حتى لو كان المبيع ظرفا كإناء وزنبيل مشغول بأمتعة غير المشتري لم يكف نقله قبل تفريغه ؟ فيه نظر، ولا يبعد الجريان، وإن كان نقل المنقول استيلاء حقيقيا. اه‍. (قوله: وقبض منقول) أي حاضر بمحل العقد ثقيل. وخرج بالحاضر: الغائب - وسيذكر حكمه قريبا -، وبالثقيل: الخفيف - فقبضه تناوله باليد إن لم يكن بيد المشتري، فإن كان بيده اعتبر في قبضه مضي زمن يمكن فيه النقل أو التخلية، ولا يحتاج فيه إلى إذن البائع، إلا إن كان له حق الحبس. (وقوله: من سفينة) أي يمكن جرها - كما في التحفة والنهاية - فإن لم يمكن جرها فهي كالعقار، سواء كانت في البر أو البحر. (قوله: بنقله) متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو قبض، المقدر بين العاطف والمعطوف - أي وقبض المنقول كائن بنقله، ونقل مصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل - أي نقل المشترى إياه، وذلك لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نشتري الطعام جزافا، فنهانا رسول الله (ص) أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. وقيس بالطعام: غيره. والمراد بنقله: تحويل المشتري له - ولو بنائبه -. قال سم: ولو تبعا، لتحويل منقول آخر هو بعض المبيع، كما لو اشترى عبدا وثوبا هو حامله، فإذا أمره بالانتقال بالثوب: حصل قبضهما. اه‍. (قوله من محله) أي المنقول، أي المحل الذي فيه ذلك المنقول. (وقوله: إلى محل آخر) أي لا يختص به البائع - كشارع أو دار للمشتري - أو يختص به لكن كان النقل إليه بإذنه، فيكون حينئذ معيرا له. (قوله: مع تفريغ السفينة) أي من الامتعة التي لغير المشتري، ومثل السفينة: كل منقول، فلا بد من تفريغه - كما مر عن سم -. (قوله: ويحصل القبض أيضا) أي كما يحصل بما مر. (قوله: بوضع البائع المنقول) أي الخفيف. (وقوله: بين يدي المشتري) أي أو عن يمينه أو يساره أو خلفه. فالمراد: وضعه في مكان يلاحظه فيه. (وقوله: بحيث لو مد) أي المشتري. (وقوله: إليه) أي المنقول. (قوله: لناله) أي أمسكه، وأخذه. (قوله: وإن قال) أي المشتري، وهو غاية لحصول القبض بوضعه بين يدي المشتري. (وقوله: لا أريده) أي المنقول المبيع. وفي التحفة ما نصه: نعم، إن وضعه بغير أمره فخرج مستحقا لم يضمنه، لانه لم يضع يده عليه، وضمان اليد لا بد فيه من حقيقة وضعها. اه‍. (قوله: وشرط في غائب) أي في صحة قبض مبيع غائب مطلقا - منقولا، أو غير منقول -. (وقوله: عن محل العقد) أي مجلسه، وإن كان بالبلد. اه‍. ع ش. (قوله: مع إذن البائع في القبض) الظرف المذكور متعلق بشرط. (قوله: مضي زمن) نائب فاعل شرط، وإنما اشترط ذلك: لان الحضور الذي كنا نوجبه - لولا المشقة - لا يتأتى إلا بهذا الزمن، فلما أسقطناه لمعنى ليس موجودا في الزمن

[ 48 ]

بقي اعتبار الزمن. اه‍. شرح المنهج. (قوله: يمكن فيه المضي إليه) أي الوصول إلى ذلك المبيع الغائب. ويشترط أيضا أن يمكن فيه النقل في المنقول، والتخلية والتفريغ في غيره. فالشرط في الجميع: الامكان. وهذا إن كان المبيع بيد المشتري، فإن كان بيد غيره فلا بد بعد مضي إمكان الوصول إليه من النقل بالفعل في المنقول، والتخلية والتفريغ في غيره. (قوله: ويجوز لمشتري استقلال بقبض) أي بمعنى أنه لا يتوقف صحة قبضه على تسليم البائع ولا إذنه في القبض، ولكن إن كان المبيع في دار البائع أو غيره، لم يكن للمشتري الدخول لاخذه من غير إذن في الدخول، لما يترتب عليه من الفتنة وهتك ملك الغير بالدخول. فإن امتنع صاحب الدار من تمكينه جاز له الدخول لاخذ حقه، لان صاحب الدار - بامتناعه من التمكين - يصير كالغاصب للمبيع. ع ش. (وقوله: إن كان الثمن مؤجلا) أي وإن حل بعده، وإنما جاز له ذلك لان البائع رضي ببقائه في ذمته. (وقوله: أو سلم الحال) أي أو لم يكن مؤجلا، بل كان حالا كله أو بعضه، وسلم الحال - أي لمستحقه - فإن لم يسلمه لم يستقل بقبضه، فإن استقل به لزمه رده، لان البائع يستحق حبسه، ولا ينفذ تصرفه فيه. (قوله: وجاز استبدال) أي ولو قبض المبيع، لكن بعد لزوم العقد - لا قبله -. قال في التحفة: وشرط الاستبدال لفظ يدل عليه صريحا أو كناية مع النية - كأخذته عنه -. وقوله: لفظ: أي إيجاب وقبول، والاول من المشتري كاستبدلتك هذه الدراهم بهذه الابل، أو خذ هذه بدل هذه، فيقول البائع قبلت، أو أخذته منك - فلو لم يوجد لفظ لا يصح الاستبدال - فلا يملك ما يأخذه. قال سم: وبحث الاذرعي الصحة، بناء على صحة المعاطاة. اه‍. (قوله: في غير ربوي) متعلق بجاز، وخرج به الربوي، فلا يجوز الاستبدال عنه، إذا لم يوجد قبض في المجلس، لتفويته ما شرط فيه من قبض ما وقع العقد به. وعبارة شرح الروض: هذا كله فيما لا يشترط قبضه في المجلس، أما غيره - كربوي بيع بمثله، ورأس مال سلم - فلا يجوز الاستبدال عنه، إذا لم يوجد قبض المعقود عليه في المجلس. إلخ. اه‍. (قوله: بيع بمثله) الجملة صفة لربوي: أي ربوي موصوف بأنه بيع ربوي مثله. (وقوله: من جنسه) حال من مثله - أي حال كون ذلك المثل من جنس الربوي. قال سم: لم يذكر هذا القيد في شرح الارشاد، ولا في شرح الروض. اه‍. (قوله: عن ثمن) متعلق باستبدال، والمراد ثمن في الذمة. (وقوله: نقد أو غيره) تعميم في الثمن - أي لا فرق في الثمن الكائن في الذمة بين أن يكون نقدا - أي دراهم أو دنانير - أو غير نقد. قال في التحفة: والثمن النقد إن وجد أحد الطرفين، وإلا فما اتصلت به الباء، والمثمن مقابله. نعم، الاوجه فيما لو باع قنه مثلا بدراهم سلما أنه لا يصح الاستبدال عنها، وإن كانت ثمنا لانها في الحقيقة مسلم فيها، فليقيد بذلك إطلاقهم صحة الاستبدال عن الثمن. اه‍. (قوله: لخبر إلخ) تعليل لجواز الاستبدال عن الثمن. (قوله: كنت إلخ) أي قال: كنت إلخ. فهو مقول لقول محذوف. (قوله: فسألته عن ذلك) أي أخذ الدراهم بدل الدنانير، وأخذ الدنانير بدل الدراهم. والمراد: سألته عن حكم ذلك، هل هو جائز أو لا ؟ (قوله: فقال) أي النبي (ص). (وقوله: لا بأس) أي لا لوم. (وقوله: وليس بينكما شئ) أي من عقد الاستبدال. قال في حاشية الجمل: وهو إشارة إلى التقابض. اه‍. أي إلى أن الاستبدال من جنس الربوي يشترط في صحته التقابض في المجلس، كاستبدال الدراهم بالدنانير، وعكسه في السؤال. (قوله: وعن دين) معطوف على ثمن، أي وجاز استبدال عن دين، أي غير ثمن وغير مثمن. أما الاول فقد ذكره قبل. وأما الثاني فلا يجوز الاستبدال عنه - كما سيذكره بقوله: ولا يبدل نوع أسلم فيه أو مبيع في الذمة إلخ - وصنيعه: يفيد أن الثمن المعطوف عليه غير دين، مع أنه دين - كما علمت - فلو

[ 49 ]

قال - كما في المنهج - وصح استبدال عن دين غير مثمن بغير دين ودين قرض، لكان أولى وأخصر. (قوله: قرض إلخ) بدل من دين، وعطف بيان له. (قوله: لا عن مسلم فيه) أي لا يجوز الاستبدال عنه، لكن بما لم يتضمن إقالة، بأن كان بغير جنس رأس مال المسلم فيه، أو نقص. أما لو استبدل بما يتضمن ذلك فإنه يصح، ويكون إقالة. (وقوله: لعدم استقراره) أي المسلم فيه، وذلك لانه معرض بانقطاعه للفسخ، ولان عينه تقصد. (قوله: ولو استبدل موافقا إلخ) بيان لمفهوم قوله في غير ربوي. (وقوله: في علة الربا) يفيد أن قوله المار من جنسه: ليس بقيد، فهو مؤيد لما علمته عن سم. (قوله: كدرهم عن دينار) أي كاستبدال درهم عن دينار واقع ثمنا لمتاع. (قوله: اشترط إلخ) جواب لو. (وقوله: قبض البدل في المجلس) قال في التحفة مع المتن: والاصح أنه لا يشترط التعيين للبدل في العقد - أي عقد الاستبدال - بأن يقول هذا. (قوله: حذرا من الربا) علة لاشتراط ذلك. (قوله: لا إن استبدل) أي لا يشترط قبض البدل في المجلس إن استبدل إلخ، وذلك لعدم الربا فيه. قال في النهاية: لكن لا بد من التعيين في المجلس قطعا. (قوله: ولا يبدل نوع أسلم فيه) هذا عين قوله لا عن مسلم فيه، فالاولى حذفه والاقتصار على المعطوف بعده، كأن يقول ولا يبدل نوع مبيع في الذمة إلخ. ولو قال بدل قوله لا عن مسلم فيه: لاعن مثمن في الذمة مسلما فيه، أو مبيعا في الذمة بغير لفظ السلم، لكان أولى وأخصر. وعبارة التحفة مع المنهاج: ولا يصح بيع المثمن الذي في الذمة نحو المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه قبل قبضه بغير نوعه، لعموم النهي عن بيع، ما لم يقبض، ولعدم استقراره، فإنه معرض بانقطاعه للانفساخ، أو الفسخ. والحيلة في ذلك: أن يتفاسخا عقد السلم، ليصير رأس المال دينا في ذمته، ثم يستبدل عنه. اه‍. وقوله: المثمن الذي في الذمة: قال سم: دخل فيه بيع الموصوف في الذمة بغير لفظ السلم ونحوه. اه‍. (قوله: عقد) أي ذلك المبيع في الذمة. (وقوله: بغير لفظ السلم) أي بأن كان عقد عليه بلفظ البيع وهذا عل غير طريقة شيخ الاسلام، أما على طريقته فالمبيع في الذمة مسلم فيه، وإن عقد بلفظ البيع، نظرا للمعنى. (قوله: بنوع آخر) متعلق بيبدل. (قوله: ولو من جنسه) أي ولو كان النوع الآخر من جنس النوع المبدل منه. (قوله: كحنطة سمراء إلخ) أي كإبدال حنطة سمراء عن حنطة بيضاء مبيعة في الذمة. (قوله: لان المبيع إلخ) علة لعدم جواز إبدال المبيع في الذمة، واقتصاره على المبيع - مع عدم ذكره المسلم فيه - يؤيد ما قلنا آنفا من أن الاولى الاقتصار على المبيع في الذمة. (قوله: لا يجوز بيعه) المناسب إبداله، لانه لم يتعرض لبيعه، وإن كان الحكم واحدا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 50 ]

فصل في بيع الاصول والثمار أي في بيان بيع الامور التي تستتبع غيرها، وهي الشجر، والارض، والدار، والبستان، والقرية. فالمعقود عليه إذا كان واحدا من هذه الامور - يندرج في غيره - كما وضحه الشارح رحمه الله تعالى. وقوله: والثمار: أي وبيع الثمار جمع ثمر جمع ثمرة، وهي ليست من الاصول، فالعطف مغاير. (قوله: يدخل في بيع أرض وهبتها إلخ) أي ونحوها من كل ناقل للملك: كإصداق، وعوض خلع وصلح. ولو قال في نحو بيع أرض، لكان أولى. (قوله: والوصية بها) أي بالارض. قال ع ش: وعليه فلو أوصى له بأرض، وفيها بناء وشجر حال الوصية: دخلا في الارض - بخلاف ما لو حدثا أو أحدهما بغير فعل من المالك - كما لو ألقى السيل بذرا في الارض فنبت، فمات الموصي وهو موجود في الارض - لانهما حادثان بعد الوصية، فلم تشملهما فيختص بهما الوارث. اه‍. (وقوله: مطلقا) راجع لجميع ما قبله من البيع وما بعده. والمراد بالاطلاق: عدم التقييد بإدخال وإخراج، فإن قيد بالاول - بأن قال بعتك الارض بما فيها - دخل نصا، لا تبعا. أو قيد بالثاني - بأن قال بعتك الارض دون حقوقها، أو ما فيها - لم يدخل. (قوله: لا في رهنها والاقرار بها) أي لا يدخل في رهن الارض والاقرار بها ما فيها. ومثل الرهن: كل ما لا ينقل الملك: كإجارة، وعارية. والفرق بين ما ينقل الملك وبين غيره: أن الاول قوي فتبعه غيره، بخلاف الثاني. ومحل عدم الدخول - فيما ذكر - إذا لم يصرح بالدخول، فإن صرح به - كأن قال رهنتك، أو آجرتك، أو أعرتك الارض بما فيها، أو بحقوقها - دخل قطعا. (قوله: ما فيها) أي الارض. وما: اسم موصول فاعل يدخل. أي يدخل الشئ الذي استقر فيها. قال ع ش: وخرج بفيها: ما في حدها، فإذا دخل الحد في البيع دخل ما فيه، وإلا فلا. (قوله: من بناء وشجر) بيان لما. (قوله: رطب) خرج به: اليابس، فلا يدخل. (قوله: وثمره) أي الشجر، فهو يدخل أيضا. (وقوله: الذي لم يظهر عند البيع) فإن ظهر عنده لا يدخل. (قوله: وأصول بقل) البقل خضروات الارض. قال في الصحاح: كل نبات اخضرت به الارض فهو بقل. (قوله: تجز) أي تلك الاصول، وفيه أن الاصل لا تجز، لانها الجذور، وهي لا تجز. فلو قال يجز - بالياء التحتية كما في متن المنهج - لسلم من ذلك. وخرج بالاصول: الثمرة، والجزة الظاهرتان عند البيع - فهما للبائع. (قوله: كقثاء إلخ) في المنهج وشرحه ما نصه: وأصول بقل يجز مرة بعد أخرى، أو تؤخذ ثمرته مرة بعد أخرى. فالاول: كقت. والثاني: نحو بنفسج، ونرجس، وقثاء، وبطيخ. اه‍. ومثله في فتح الجواد، وغيره. إذا علمت ذلك: فكان الاولى أن يزيد: أو تؤخذ ثمرته، ويكون قوله - كقثاء - مثالا له، أو يمثل لما يجز بالقت، أي البرسيم، أو الكراث، أو غير ذلك مما يجز مرة بعد أخرى. (وقوله: وبطيخ) بكسر الباء فاكهة معروفة، وفي لغة لاهل الحجاز تقديم الطاء على الباء. والعامة تفتح الاول، وهو غلط، لفقد فعليل بالفتح. اه‍. بجيرمي. (قوله: لا ما يؤخذ دفعة) أي لا يدخل في بيع الارض ما يؤخذ دفعة - كبر وفجل - بضم الفاء، بوزن قفل - فهو للبائع، وللمشتري الخيار حينئذ في الارض إن جهل الزرع الذي لا يدخل، لتأخر انتفاعه، وصح قبضها مشغولة به، ولا أجرة له مدة بقاء الزرع، لانه رضي بتلف المنفعة تلك المدة. (قوله: لانه ليس للدوام والثبات) علة لعدم دخوله، وهذا بخلاف ما قبله، فإنه لما كان للدوام والثبات في الارض، تبعها في البيع. (قوله:

[ 51 ]

فهو) أي ما يؤخذ دفعة واحدة. (قوله: كالمنقولات في الدار) أي كالمنقولات الكائنة في الدار المبيعة، فإنها لا تدخل تبعا، وهي كأثاث البيت. (قوله: ويدخل في بيع بستان إلخ) قد يخرج الرهن، وهو ممنوع، فإن ألحق وفاقا لم أر أنه يدخل في رهن البستان والقرية ما فيهما من بناء وشجر، خلافا لما يوهمه كلام شرح البهجة سم على منهج ع ش. (وقوله: أرض) فاعل يدخل، ومحل دخولها - كما سيصرح به قريبا - إن كانت مملوكة للبائع، وإلا فإن كانت محتكرة أو موقوفة، فلا تدخل، لكن يتخير المشتري إن كان جاهلا بذلك. (قوله: وشجر) أي وكل ما له أصل ثابت من الزرع، لا نحو غصن يابس، وشجرة وعروق يابسين. اه‍. نهاية. (قوله: وبناء) أي ويدخل بناء، وهذا هو المذهب، لثباته. وقيل لا يدخل. قال ع ش: ويدخل أيضا الآبار، والسواقي المثبتة عليها. اه‍. (قوله: فيهما) متعلق بمحذوف صفة للثلاثة قبله، وضميره يعود على البستان والقرية. (قوله: لا مزارع حولهما) أي لا يدخل المزارع الكائنة حول البستان والقرية، أي من خارج السور. وعبارة التحفة مع الاصل: لا المزارع الخارجة عن السور والمتصلة به، فلا تدخل - على الصحيح - لخروجها عن مسماها، وما لا سور لها يدخل ما اختلط ببنائها. اه‍. (قوله: لانها) أي المزارع ليست منهما، أي ليست داخلة في مسماهما. (قوله: وفي بيع دار إلخ) معطوف على في بيع بستان، أي ويدخل في بيع دار إلخ. وفي البجيرمي: ومثلها الخان، والحوش، والوكالة، والزريبة، ويتجه إلحاق الربع بذلك. اه‍. (قوله: هذه الثلاثة) فاعل يدخل المقدر. (قوله: أي الارض إلخ) بدل من الثلاثة. (وقوله: المملوكة للبائع) خرج ما لو كانت موقوفة، أو محتكرة فلا تدخل، لكن يتخير المشتري إن كان جاهلا بذلك - كما علمت - (وقوله: بجملتها) متعلق بعامل البدل المقدر، أي تدخل الارض بجملتها، أي بجميع ما فيها. (قوله: حتى تخومها) حتى: إبتدائية، والخبر محذوف، أي حتى تخومها تدخل. قال ع ش: وفي الشامي في سيرته ما نصه: التخوم - جمع تخمة - الحد الذي يكون بين أرض وأرض. وقال ابن الاعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم، كرسول، ورسل. وعبارة المختار: التخم - بالفتح - منتهى كل قرية أو أرض، وجمعه تخوم - كفلس، وفلوس -. وقال الفراء: تخوم الارض: حدودها. وقال أبو عمرو: هي تخوم الارض، والجمع تخم - مثل صبور، وصبر. والتخمة: أصلها الواو، فتذكر في وخم. اه‍. (قوله: والشجر) معطوف على الارض. (وقوله: المغروس فيها) عبارة التحفة: وشجر رطب فيها، ويابس قصد دوامه - كجعله دعامة مثلا - لدخوله في مسماها. اه‍. وكتب سم: قوله: قصد دوامه: خرج يابس لم يقصد دوامه، ففي دخوله وجهان. قال في شرح العباب كما لو كان فيها أوتاد، وقضيته دخولها، لكن الوجه خلافه. اه‍. (وقوله: وإن كثر) أي الشجر، فإنه يدخل. (قوله: والبناء فيها) معطوف على الارض، وهذا هو الثالث. (وقوله: بأنواعه) أي البناء. والمراد بها: كونه من حجر أو خشب، أو سعف. (قوله: وأبواب) معطوف على اسم الاشارة. (وقوله: منصوبة) أي مسمرة. قال ع ش: ومثلها المخلوعة وهي باقية بمحلها، أما لو نقلت من محلها فهي كالمقلوعة، فلا تدخل. اه‍. (قوله: وإغلاقها) أي الابواب، وهي الضبب المعروفة ونحوها. ويدخل مفاتيحها أيضا. (وقوله: المثبتة) خرج بها المنقولة، فلا تدخل هي ولا مفاتيحها. (قوله: لا الابواب المقلوعة) أي لا تدخل الابواب المقلوعة، وهي محترز منصوبة. (قوله: والسرور) أي ولا السرر - جمع سرير - لانها منقولة. ومثل السرر: كل منقول - كالدلو، والبكرة، والسلم، والرفرف غير المسمرين - (قوله: والحجارة المدفونة بلا بناء) أي ولا تدخل الحجارة المدفونة في الارض بلا

[ 52 ]

بناء، فإن كانت ببناء دخلت. (قوله: لا في بيع قن) أي لا يدخل في بيع قن. (وقوله: حلقة) - بفتح اللام - وهي فاعل يدخل المقدر. (وقوله: بإذنه) أي كائنة بإذن القن (قوله: وكذا ثوب عليه) أي وكذلك لا يدخل في بيعه ثوب عليه - اقتصارا على مقتضى اللفظ. وقيل يدخل ثوبه الذي عليه حالة البيع. (قوله: وإن كان ساتر عورته) أي لا يدخل الثوب، وإن كان ساترا لعورته. قال سم: إذا قلنا لا تدخل ثياب العبد حتى ساتر عورته، فهل يلزم البائع إبقاء ساتر عورته إلى أن يأتي المشتري بساتر ؟ فيه نظر. ويدل على عدم اللزوم جواز رجوع معير ساتر العورة - كما تقرر في باب العارية -. (قوله: وفي بيع شجر رطب إلخ) مثله اليابس في أحكام، وهي دخول عروقه، وأغصانه، وأوراقه، وعدم دخول مغرسه. وليس مثله في أحكام، وهي ما ذكرها بقوله: ويلزم المشتري قلع اليابس إلخ. وحاصلها أنه إذا أطلق البيع في اليابس: يلزمه قلعه، وإذا شرط بقاؤه فسد البيع - إذ لا ينتفع بمغرسه - بخلاف الرطب في الثلاثة، فالتقييد بالرطب بالنسبة لما ذكر فقط. (قوله: بلا أرض) متعلق ببيع، وقيد به لان الاحكام الآتية من شرط القلع أو القطع، وعدم دخول المغرس إنما تناسب بيعه وحده، لا مع الارض. (قوله: عند الاطلاق) متعلق بيدخل المقدر، ومثل الاطلاق: شرط الابقاء أو القلع - كما يؤخذ مما بعده - ولو اقتصر على قوله الآتي: إن لم يشرط قطع الشجر - لكان أولى - لشموله لذلك كله. تأمل. (قوله: عرق) بكسر فسكون، وهو فاعل يدخل المقدر، أي يدخل في الشجر عرق، أي ولو امتد وجاوز العادة. (قوله: ولو يابسا) هذا معتمد ابن حجر، تبعا لشيخ الاسلام. وخالف م ر، فاعمد عدم دخول اليابس. (قوله: إن لم يشرط) أي يدخل العرق، وإن لم يشرط قطع للشجر، فإن شرط: فلا يدخل، عملا بالشرط، وتقطع الشجرة حينئذ من وجه الارض - بقاء على ما جرت به العادة في مثلها - فلو أراد المشتري حفر جزء من الارض ليتوصل به إلى زيادة ما يقطعه لم يمكن. (وقوله: بأن شرط إبقاؤه) أي أو شرط قلعه، فعدم اشتراط القطع صادق بثلاث صور: أن لا يشترط شئ أصلا - وهذه صورة الاطلاق - وأن يشترط الابقاء. وأن يشترط القلع. ويعمل بالشرط مطلقا. (قوله: أو أطلق) أي لم يقيد بشرط إبقاء، أو قلع، أو قطع. (قوله: لوجوب بقاء الشجر الرطب) أي وبقاؤه ببقاء عروقه، وهو علة لدخول العرق، أي وإنما يدخل في بيع الشجر: العرق - لوجوب إلى آخره، وهذه العلة ظاهرة بالنسبة لما ذكره من الاطلاق، أو شرط الابقاء. وأما بالنسبة لاشتراط القلع فلا تظهر - لانه يجب القلع في هذه الحالة، وعدم إبقائه. تأمل. (قوله: ويلزم المشتري قلع اليابس) أي الشجر اليابس، وهو مفهوم قوله رطب. قال البجيرمي: وظاهره أن قطعها غير كاف، مع أن فيه تركا لبعض حقه، إلا أن يقال: محل لزوم القلع إذا كان بقاء الاصل مضرا بالبائع. اه‍. (وقوله: عند الاطلاق) أي عدم التقييد بشرط إبقاء أو قطع أو قلع، كما تقدم. (قوله: فإن شرط قطعه أو قلعه) الضمير فيهما لليابس. (قوله: عمل به) أي بالشرط. (قوله: أو إبقاؤه بطل البيع) أي أو شرط إبقاؤه، فإنه يبطل البيع لمخالفته للعرف. ومحل البطلان إن لم يكن للبائع غرض صحيح في اشتراط الابقاء، وإلا صح. (قوله: ولا ينتفع المشتري بمغرسها) أي اليابسة، بخلاف الرطبة، فإنه ينتفع بمغرسها - كما مر - ومعنى الانتفاع بذلك أن له منع البائع أن يفعل فيه ما يضر بالشجرة، وليس معنى ذلك أن له إجارته، أو وضع متاع فيه أو إعارته. (قوله: وغصن رطب) أي ويدخل أيضا غصن رطب مطلقا، سواء شرط الابقاء أو القطع، أو القلع، أو أطلق. ومثله يقال في الورق، فهما يخالفان العروق في اشتراط القطع. (قوله: لا يابس والشجر

[ 53 ]

رطب) أي لا يدخل الغصن اليابس، والحال أن الشجر رطب. فإن كان الشجر يابسا دخل - كما مر - (قوله: لان العادة قطعه) أي اليابس، فكان كالثمرة. (قوله: وكذا ورق رطب) أي مثل الغصن في الدخول: ورق رطب، أما اليابس فلا يدخل - كالغصن اليابس - بجامع اعتياد قطع يابس كل منهما، خلافا لما وقع في شرح المنهج من تعميمه في الورق. (قوله: لا ورق حناء) أي ونحوه مما ليس له ثمر غيره - كورق النيلة، فإنه لا يدخل. (قوله: على الاوجه) أي عند ابن حجر. وخالف م ر. فعنده تدخل الاوراق مطلقا. وعبارته: ولا فرق في دخول الورق بين أن يكون من فرصاد، وسدر، وحناء، وتوت أبيض، ونيلة - لان ذلك من مسماها - كما أفتى بذلك الوالد رحمه الله تعالى. اه‍. ببعض تصرف. (قوله: لا يدخل في بيع الشجر إلخ). ولكن المشتري ينتفع به ما دام الشجر باقيا تبعا بلا عوض. (وقوله: مغرسة) بكسر الراء، أي موضع غرسه، وهو ما سامته من الارض وما يمتد إليه عروقه. (قوله: فلا يتبعه في بيعه) هو عين قوله لا يدخل في بيع الشجر، فالاولى حذفه. (قوله: لان اسم الشجر لا يتناوله) أي المغرس، وهو تعليل لعدم الدخول. (قوله: ولا ثمر ظهر) أي ولا يدخل ثمر ظهر، بل هو للبائع. والثمر ما يقصد من المبيع، ولو مشموما. (قوله: كطلع نخل) تمثيل للثمر. (قوله: يتشقق) خبر لمبتدأ محذوف، مرتبط بالطلع، أي وظهوره يكون بتشقق له، وهكذا يقدر فيما بعده، فالظهور يختلف باختلاف الثمرة، ففي طلع النخل بالتشقق، وفيما يخرج ثمره بلا نور - أي زهر: كتين، وعنب - بالبروز. وفي نحو الجوز بالانعقاد. وفي نحو الورد بالتفتح. (قوله: فما ظهر منه: للبائع، وما لم يظهر: للمشتري) هذا لا يلائم التقييد بقوله أولا: ظهر. بل الملائم أن يقول فهو للبائع، ويحذف لفظ فما ظهر منه، ثم يقول: فإن لم يظهر: فهو للمشتري. (قوله: ولو شرط الثمر) أي جميعه أو بعضه المعين، كالنصف. اه‍. شرح م ر. (وقوله: لاحدهما) أي المتبايعين. (قوله: فهو) أي الثمر. (وقوله: له) أي للمشروط له من المتبايعين، البائع، أو المشتري. (قوله: عملا بالشرط) تعليل لكونه للمشروط له. (قوله: سواء أظهر إلخ) تعميم في كونه للمشروط له. (وقوله: أم لا) قد يقتضي أنه يصح أن يشرط للبائع حال عدم وجوده أصلا، وهو ممنوع، بل هو فرع الوجود - كما هو الفرض - لتفسيرهم الظهور بالتأبير، وعدم الظهور بعدم ذلك. أفاده البجيرمي. (قوله: ويبقيان) بالبناء للفاعل أو المفعول. فعلى الاول: يكون بفتح الاول، والثالث من بقي. وعلى الثاني: يكون بضم الاول، وفتح الثالث من أبقى. (قوله: أي الثمر الظاهر) أي المستحق للبائع. (وقوله: والشجر) أي المستحق للمشتري. (قوله: عند الاطلاق) أي أو عند شرط الابقاء، بأن باع الشجر مطلقا، أو بشرط إبقاء الثمر الظاهر، أو الشجر - فإن شرط القطع: لزمه - كما تقدم. (قوله: الجداد) بفتح الجيم وكسرها، وإهمال الدالين وإعجامهما، بمعنى القطع. (قوله: لا تدريجا) أي ما لم تجر العادة بأخذه كذلك. (قوله: وللمشتري) عبادة فتح الجواد: والمشتري - بحذف لام الجر، وعطفه على البائع - وهي أولى. (قوله: ما دام) أي الشجر، حيا أو رطبا. (قوله: فإن انقلع) أي الشجر الحي بنفسه، وكذا إن قلع. (قوله: فله) أي المشتري. (وقوله: غرسه) أي الشجر الحي بعد قلعه. (قوله: لا بد له) بالجر، عطف على ضمير غرسه. أي ليس له غرس بدله - تحكيما للعادة -. (قوله: حملها) بفتح الحاء. (قوله: فإن لم يكن مملوكا لمالكها) بأن كان موصى به لغير مالكها. (وقوله: كبيعها) أي كعدم صحة بيعها من غير حملها. (قوله: وكذا عكسه) أي بيع حملها بدونها، فإنه لا يصح.

[ 54 ]

(تتمة) لم يتعرض المؤلف رحمه الله تعالى للشق الثاني من الترجمة، وهي بيع الثمار، والترجمة لشئ غير مذكور معيبة عندهم. لا يقال إنه ذكره في قوله: ولا ثمر ظهر، لانا نقول تكلمه هناك على الثمر من حيث التبعية للشجر، فهو ليس بمبيع، بدليل أنه قد يكون للبائع، وقد يكون للمشتري. والقصد التكلم عليه من حيث إنه مبيع استقلالا. وحاصل الكلام عليه أنه إن بدا صلاحه جاز بيعه مطلقا، وبشرط الابقاء أو القطع. وإلا فإن بيع منفردا عن الاصل جاز، لكن بشرط القطع. وإن بيع مع الاصل جاز من غير شرط قطع، فإن شرط لم يجز، لما فيه من الحجر عليه في ملكه. والله أعلم. فصل في اختلاف المتعاقدين أي في بيان ما يترتب على اختلافهما من التحالف والفسخ، والاصل في ذلك الحديث الصحيح: إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة، أو يتتاركا، أي يترك كل ما يدعيه، وذلك إنما يكون بالفسخ. وأو - هنا - بمعنى إلا. وصح أيضا أنه (ص): أمر البائع أن يحلف، ثم يتخير المبتاع، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. (قوله: ولو اختلف متعاقدان) قال في الروض وشرحه: لا في زمن الخيار - أي خيار الشرط، أو المجلس، فلا يتحالفان، لامكان الفسخ بالخيار. كذا قاله القاضي. وأجاب عنه الامام: بأن التحالف لم يوضع للفسخ، بل عرضت اليمين رجاء أن ينكل الكاذب، فيتقرر العقد بيمين الصادق. اه‍. (قوله: ولو وكيلين) أي أو قنين أذن لهما سيداهما، أو وليين، أو مختلفين، بأن كان أحدهما مالكا، والآخر وكيلا، أو قنا، أو الآخر وارثا. (قوله: في صفة عقد) أي فيما يتعلق به من الحالة التي يقع عليها من كونه بثمن قدره كذا، وصفته كذا. وخرج بقوله في صفة عقد: اختلافهما في نفس العقد، وسيأتي في قوله: ولو ادعى أحدهما بيعا والآخر رهنا أو هبة إلخ. (وقوله: معاوضة) أي ولو غير محضة أو غير لازمة - كصداق، وخلع، وصلح عن دم، وقراض، وجعالة -. وفائدته في غير اللازم: لزوم العقد بالنكول من أحدهما اه‍. بجيرمي. وخرج بالمعاوضة غيرها - كوقف، وهبة، ووصية - فلا تحالف فيه. (قوله: والحال إلخ) أفاد به أن الواو الداخل على الفعل الماضي واو الحال. (وقوله: العقد) أي عقد البيع أو غيره من القراض. (قوله: باتفاقهما) أي المتعاقدين. (قوله: أو يمين البائع) أي أو بيمين البائع، وإنما خصه لما سيأتي أنه إذا اختلفا في صحة العقد وفساده، وادعى البائع صحته، صدق بيمينه. (قوله: كقدر عوض) تمثيل لصفة العقد المختلف فيها. (وقوله: من نحو مبيع أو ثمن) بيان للعوض. وصورة الاول: أن يدعي المشتري أن المبيع أكثر - كطاقتين من قماش - ويدعي البائع أنه طاقة واحدة. وصورة الثاني: أن يدعي البائع أن الثمن عشرون مثلا، ويدعي المشتري أنه عشرة مثلا. (قوله: أو جنسه) أي العوض، وهو معطوف على قدر، وذلك كذهب، أو فضة، أو بر، أو شعير. (قوله: أو صفته) أي العوض، وهو معطوف على قدر أيضا، وذلك كصحاح، أو مكسرة. والمراد بالمكسرة: المقطعة بالمقراض أجزاء معلومة، لاجل شراء الحاجات، والاشياء الصغيرة، لا كأرباع القروش وأنصاف الريالات. (قوله: أو أجل) معطوف على

[ 55 ]

قدر أيضا وإنما لم يقل أو أجله - بالضمير، كالذي قبله - لئلا يتوهم رجوع الضمير في قوله بعد: أو قدره للعوض، مع أنه ليس كذلك. والاختلاف في نفسه الاجل معناه أن يثبته أحدهما وينفيه الآخر. (وقوله: أو قدره) أي لاجل، كيوم ويومين. (قوله: ولا بينة لاحدهما) معطوف على جملة صح الواقعة حالا، فهي حال أيضا، أي والحال أنه لا بينة لاحد المتعاقدين فيما ادعاه يعتد بها، فإن وجدت بينة كذلك فيحكم له بما ادعاه. (قوله: أو كان الخ) أي أو وجد لكل من المتعاقدين بينة على ما ادعاه، ولكن قد تعارضتا. وبين التعارض بقوله بعد: بأن إلخ. (قوله: بأن أطلقتا) أي البينتان، أي لم تؤرخا أصلا. (قوله: أو أطلقت إحداهما) أي إحدى البينتين، أي لم تؤرخ. (وقوله: وأرخت الاخرى) أي البينة الاخرى، بأن تقول نشهد أنه اشتراه بمائة من سنة مثلا. (قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم تؤرخا بتاريخ واحد، بل أرختا بتاريخين مختلفين، كأن نقول إحدى البينتين: نشهد أنه اشتراه بمائة من سنة، وتقول الاخرى: نشهد أنه باعه بخمسين من ستة أشهر - فيحكم للاولى - لتقدمها. (قوله: حلف إلخ) جواب لو. (قوله: كل منهما إلخ) أي لخبر مسلم: اليمين على المدعى عليه وكل منهما مدعى عليه، كما أنه مدع. قال ع ش: والتحالف يكون عند الحاكم، وألحق به المحكم، فخرج تحالفهما بأنفسهما، فلا يؤثر فسخا ولا لزوما. ومثله فيما ذكر: جميع الايمان التي يترتب عليها فصل الخصومة، فلا يعتد بها إلا عند الحاكم أو المحكم. اه‍. (وقوله: يمينا) مفعول مطلق لحلف. (وقوله: تجمع إلخ) وذلك لان الدعوى واحدة ومنفى كل منهما في ضمن مثبتة، فجاز التعرض في اليمين الواحدة للنفي والاثبات، ولانها أقرب لفصل الخصومة، ويجوز أن يحلف كل يمينين، بل هو أولى - خروجا من الخلاف - ويندب تقديم النفي على الاثبات، ولو نكل أحدهما عن النفي فقط، أو الاثبات فقط: قضى للحالف. وإن نكلا معا: وقف الامر، وكأنهما تركا الخصومة. (قوله: فيقول الخ) بيان لصيغة الحلف الجامعة لما ذكره. قال في المنهاج مع المغني: ويبدأ في اليمين بالبائع - ندبا - لحصول الغرض مع تقديم المشتري. وقيل وجوبا، واختاره السبكي. اه‍. (قوله: لان كلا إلخ) تعليل لقوله حلف كل منهما. (قوله: والاوجه عدم الاكتفاء إلخ) أي عدم الاكتفاء بصيغة لم تجمع الاثبات والنفي صريحا. ومقابل الاوجه: الاكتفاء بذلك، لانه أسرع إلى فصل القضاء، قاله الصيمري. (قوله: لان النفي فيه صريح، والاثبات مفهوم) أي والايمان لا يكتفي فيها بالمفهوم واللوازم، بل لا بد فيها من الصريح، لان فيها نوع تعبد. (قوله: فإن رضي أحدهما) أي ثم بعد التحالف إن رضي أحدهما بدون ما ادعاه، بأن ادعى البائع مثلا أن الثمن عشرون وادعى المشتري أنه عشرة، فرضي البائع بالعشرة. وعبارة المنهاج: وإذا تحالفا: فالصحيح أن العقد لا ينفسخ بنفس التحالف، بل إن تراضيا على ما قال أحدهما: أقر العقد، وإلا بأن استمر تنازعهما: فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم. اه‍. بزيادة. (قوله: أو سمح للآخر بما ادعاه) أي الآخر، بأن سمح المشتري في الصورة المذكورة بالعشرين للبائع. ولو اقتصر على هذا - كما في المنهج - وقال فإن سمح أحدهما للآخر بما ادعاه إلخ، لكان أولى - لصدقه بالصورتين المذكورتين كما لا يخفى - ونص عبارة المنهج: ثم بعد تحالفهما إن أعرضا أو تراضيا، وإلافإن سمح أحدهما أجبر الآخر، وإلا فسخاه، أو أحدهما أو الحاكم. اه‍. (قوله: لزم العقد) جواب إن. (قوله: ولا رجوع) أي بعد أن رضي للآخر أو سمح إلخ. كما لو رضي بالعيب. (قوله: فإن أصرا) أي داما بعد التحالف على الاختلاف. (وقوله: فلكل منهما أو الحاكم فسخه) ولا بد

[ 56 ]

من اللفظ في الفسخ، ولا ينفسخ بنفسه، ثم إن فسخ الحاكم أو الصادق منهما: ينفذ ظاهرا وباطنا، وغير الصادق ينفذ ظاهرا فقط. (قوله: وإن لم يسألاه) أي الحاكم، وهو غاية لفسخه. (قوله: قطعا للنزاع) تعليل لكون كل منهما أو الحاكم له الفسخ. (قوله: ولا تجب الفورية هنا) أي في الفسخ بعد التحالف - بخلافها في العيب، فتجب - كما تقدم. وعبارة المغني: وحق الفسخ بعد التحالف ليس على الفور، فلو لم يفسخا في الحال: كان لهما بعد ذلك - على الاوجه - في المطلب، لبقاء الضرر المحوج للفسخ. اه‍. (قوله: ثم بعد الفسخ) قال ع ش: لو تقارا - بأن قالا: أبقينا العقد على ما كان عليه، أو أقررناه، عاد العقد بعد فسخه لملك المشتري، من غير صيغة بعت واشتريت، وإن وقع ذلك بعد مجلس الفسخ الاول. اه‍. (قوله: يرد المبيع بزيادته المتصلة) أي أو المنفصلة إن حدثت بعد الفسخ. ومثل المبيع: الثمن، فيجب على البائع رده كذلك. ومؤنة الرد على الراد - للقاعدة: أن من كان ضامنا لعين كانت مؤنة ردها عليه. (قوله: فإن تلف إلخ) أفاد به أن محل رد المبيع إن كان باقيا لم يتعلق به حق لازم. (قوله: كأن وقفه أو باعه) مثالان للتلف الشرعي، ولم يمثل للتلف الحسي، ومثاله ما إذا مات. (قوله: رد) أي المشتري. (وقوله: مثله) أي المبيع التالف. (قوله: إن كان مثليا) أي كالحبوب. (قوله: أو قيمته) أي أو رد قيمته، أي وقت التلف - حسا أو شرعا - وهي للفيصولة. وإنما اعتبرت وقته - لا وقت القبض، ولا وقت العقد، لان مورود الفسخ العين ولو بقيت، والقيمة خلف عنها، فتعتبر عند فوات أصلها - ولان الفسخ: يرفع العقد من حينه، لا من أصله -. (وقوله: إن كان متقوما) أي كالخشب والحيوان. (قوله: ويرد) أي المشتري. (قوله: قيمة آبق) أي عبد آبق بعد الفسخ أو قبله، وهي للحيلولة بينه وبين ملكه - لتعذر حصوله - فإن رجع العبد رده واستردها، لانها ليست للفيصولة. فمورد الفسخ: هو - لا قيمته -. (وقوله: فسخ العقد وهو آبق) أي والحال أنه آبق من عند المشتري، فالواو للحال. وأفادت الجملة الحالية أنه إذا فسخ العقد وهو ليس بآبق لا يلزمه شئ. (قوله: والظاهر اعتبارها) أي القيمة. (وقوله: بيوم الهرب) أي تنزيلا له منزلة التلف، فلا يعتبر بيوم القبض، ولا بيوم العقد. (قوله: ولو ادعى أحدهما بيعا إلخ) هذا محترز قوله ولو اختلف متعاقدان في صفة عقد - كما علمت - إذ هذا اختلاف في أصل العقد لا في صفته. (قوله: كأن قال إلخ) تمثيل لصورة ادعاء أحد المتعاقدين بيعا والآخر خلافه. (قوله: فلا تحالف) أي فلا يحلف كل منهما واحدة تجمع نفيا لقول صاحبه وإثباتا لقوله. (قوله: إذ لم يتفقا على عقد واحد) أي بل اختلفا في العقد الواقع بينهما. (قوله: بل حلف كل منهما إلخ) يعلم من هذا الفرق بين التحالف والحلف، وهو أن الاول لا بد فيه من نفي وإثبات، بخلاف الثاني. (قوله: لدعوى الآخر) أي لما ادعى به الآخر. (وقوله: لان الاصل عدمه) علة لكون كل يحلف يمينا نافية - أي وإنما حلف كل نفيا - لا إثباتا - لان الاصل عدم ما ادعاه الآخر، فضمير عدمه يعود على دعوى، وذكره - مع أنها مؤنثة - لاكتسابها التذكير من المضاف إليه، أو باعتبار المذكور. (قوله: ثم يرد إلخ) أي ثم بعد الحلف يرد مدعي البيع - وهو البائع - عل المشتري الالف. (وقوله: لانه) أي مدعي البيع، وهو علة لكونه يرد الالف. (قوله: ويسترد) أي البائع. (وقوله: المتصلة والمنفصلة) استشكل رد المنفصلة في صورة الهبة مع اتفاقهما على حدوثها في ملك الراد، بدعواه الهبة وإقرار البائع له بالبيع، فهو كمن وافق على الاقرار له بشئ وخالف في الجهة. قال في التحفة: وأجاب عنه الزركشي بأن دعوى الهبة وإثباتها: لا يستلزم الملك - لتوقفه على القبض بالاذن، ولم يوجد - وفيه نظر، لتأتي ذلك فيما لو ادعى الهبة والقبض، فالوجه الجواب بأنه ثبت بيمين كل أن لا عقد، فعمل بأصل بقاء الزوائد بملك مالك العين. اه‍.

[ 57 ]

(قوله: وإذا اختلف العاقدان) أي في صحة العقد وفساده، فادعى أحدهما الصحة والآخر الفساد. وهذا محترز قوله وقد صح العقد باتفاقهما. (قوله: فادعى أحدهما) أي أحد المتعاقدين - بائعا، أو مشتريا -. (قوله: على مفسد) أي للعقد. (قوله: من إخلال ركن) أي فقد ركن، وهو بيان للمفسد. وذلك كعدم وجود القبول من المشتري، أو الايجاب من البائع. (قوله: أو شرط) أي أو إخلال شرط من شروط صحة العقد. (قوله: كأن ادعى إلخ) تمثيل للاخلال بشرط. (قوله: رؤيته) أي المبيع. (قوله: وأنكرها) أي الرؤية. ويعلم من كلامه: أن الاختلاف في أصل الرؤية، وأن القول قول مثبتها من بائع أو مشتر. قال سم: قال م ر: بخلاف ما لو اختلفا في كيفية الرؤية، فالقول قول الرائي، لانه أعلم بها - أي كأن ادعى أنه رآه من وراء زجاج، وقال الآخر بل رأيته بلا حيلولة زجاج، فالقول قول مدعي الرؤية من وراء زجاج - كما أفتى به - فليراجع، ففيه نظر. اه‍. (قوله: حلف مدعي إلخ) جواب إذا التي قدرها الشارح (قوله: غالبا) أي في الغالب. وسيذكر محترزه. (قوله: تقديما للظاهر إلخ) عبارة التحفة: لان الظاهر في العقود الصحة، وأصل عدم العقد الصحيح يعارضه أصل عدم الفساد في الجملة. اه‍. (قوله: وهو) أي الظاهر من حال المكلف. (وقوله: على أصل عدمها) متعلق بتقديما، وإضافة أصل لما بعده، للبيان. وضمير عدمها يعود على الصحة. (وقوله: لتشوف الشارع) علة التقديم. (وقوله: إلى إمضاء العقود) أي إنفاذها، وإجرائها، واستمرارها. (قوله: وقد يصدق) مدعي الفساد إلخ) محترز قوله غالبا. (قوله: كأن قال البائع لم أكن بالغا إلخ) أي أو كنت مجنونا، أو محجورا علي، وعرف له ذلك. ففي الجميع، يصدق البائع. (وقوله: واحتمل ما قاله البائع) أي أمكن ما قاله البائع. فإن لم يحتمل ما قاله: كأن كان البيع من منذ خمسة أشهر، وبلوغه من منذ سنة، فلا يصدق، بل يصدق المشتري. (قوله: وإن اختلفا) أي المتخاصمان. ولو قال: وكأن اختلفا - عطفا على كأن قال البائع إلخ - لكان أولى. (وقوله: هل وقع الصلح على الانكار) أي من المدعى عليه، فيكون عقد الصلح باطلا، لان شرط صحة الصلح أن يكون مع الاقرار. (وقوله: أو الاعتراف) أي أو وقع الصلح على الاعتراف، أي الاقرار من المدعى عليه، فيكون صحيحا. (قوله: فيصدق مدعي الانكار) أي ويكون الصلح باطلا. (قوله: لانه الغالب) أي لان وقوع الصلح على الانكار هو الغالب. قال في التحفة: أي مع قوة الخلاف فيه، وزيادة شيوعه ووقوعه. وبه يندفع إيراد صور الغالب فيها وقوع المفسد المدعي. ومع ذلك، صدقوا مدعي الصحة فيها. اه‍. (قوله: ومن وهب إلخ) عبارة التحفة: ويؤخذ من ذلك أن من وهب إلخ. اه‍. (وقوله: من ذلك) أي من أنه إذا ادعى نحو صبا أمكن، أو جنونا، أو حجر، وعرف له ذلك، فيصدق. (قوله: إلا إن علم له غيبة قبل الهبة إلخ) قال في التحفة: وجزم بعضهم بأنه لا بد في البينة بغيبة العقل إن تبين ما غاب به، أي لئلا تكون غيبته بما يؤاخذ به: كسكر تعدى به. اه‍. (قوله: وادعوا استمرارها) أي الغيبة. (وقوله: إليها) أي إلى الهبة. (قوله: ويصدق منكر أصل نحو البيع) في العبارة حذف يعلم من عبارة التحفة، ونصها - بعد كلام -: وما لو ادعت أن نكاحها بلا ولي ولا شهود، فتصدق بيمينها، لان ذلك إنكار لاصل العقد. ومن ثم،

[ 58 ]

يصدق منكر أصل نحو البيع. اه‍. (قوله: فروع) أي ستة. (قوله: مبيعا معينا) خرج به، ما إذا كان المبيع في الذمة - ولو مسلما فيه - بأن قبض المشتري - ولو مسلما - المؤدى عما في الذمة، ثم أتى بمعيب، فقال البائع - ولو مسلما إليه - ليس هذا المقبوض. فيصدق المشتري ولو مسلما بيمينه - أي المقبوض - لان الاصل بقاء شغل ذمة البائع - ولو مسلما إليه - حتى يوجد قبض صحيح. (قوله: لان الاصل مضي العقد على السلامة) عبارة التحفة: لان الاصل السلامة، وبقاء العقد. اه‍. (قوله: ولو أتى المشتري بما فيه فأرة) في بعض نسخ الخط: بمائع فيه فأرة. (قوله: وقال) أي المشتري، قبضته - أي المائع - (وقوله: كذلك) أي فيه فأرة. (قوله: فأنكر المقبض) أي وهو البائع، وقال قبضته وليس فيه ذلك. (وقوله: صدق) أي المقبض، وذلك لانه مدعي الصحة. (قوله: ولو أفرغه) أي المائع المبيع. (وقوله: في ظرف المشتري) خرج به ما لو كان في ظرف البائع، فالقول قول المشتري. اه‍. ع ش. (قوله: فظهرت فيه) أي في الظرف. (قوله: فادعى كل) أي من المتبايعين. (وقوله: أنها) أي الفأرة. (قوله: صدق البائع) جواب لو (قوله: إن أمكن صدقه) أي البائع. فإن لم يمكن صدقه: صدق المشتري. (قوله: لانه) أي البائع، وهو علة لتصديق البائع. (قوله: ولان الاصل في كل حادث) أي وهو هنا وجود الفأرة في المبيع. (وقوله: تقديره بأقرب من) أي وكونها في ظرف المشتري أقرب زمنا من كونها كانت في ظرف البائع قبل قبض المشتري. (قوله: والاصل براءة البائع) أي ولان الاصل براءته، وهو علة ثالثة. (قوله: وإن دفع) أي المدين. (قوله: فرده) أي رد الدائن الدين. (قوله: فقال الدافع) أي وهو المدين. (قوله: ويصدق غاصب) أي بيمينه. (وقوله: رد) أي للمغصوب منه. (وقوله: عينا) أي مغصوبة. (قوله: وقال) أي الغاصب: هي العين المغصوبة، أي وأنكر المغصوب منه ذلك وقال هذه ليست التي غصبتها مني. (قوله: وكذا وديع) أي وكذا يصدق وديع رد العين المودوعة عنده، وقال إنها هي التي عندي، وأنكر ذلك المودع. والله أعلم. فصل في القرض والرهن أي في بيانهما. والقرض - بفتح القاف، وسكون الراء - لغة: القطع. وشرعا: يطلق بمعنى اسم المفعول - وهو المقرض - بمعنى المصدر - وهو الاقراض، الذي هو تمليك الشئ على أن يرد مثله. وتسمية أهل الحجاز: سلفا. والرهن لغة: الثبوت، وشرعا: جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه. وإنما جمعهما في فصل، لما بينهما من تمام التعلق والارتباط، إذ الرهن وثيقة للقرض. (قوله: الاقراض) عبر به إشارة إلى أن القرض في الترجمة بمعنى الاقراض، لا بمعنى المقرض، الذي هو اسم المفعول. (قوله: وهو) أي الاقراض شرعا. (قوله: تمليك شئ على أن يرد مثله) وما جرت به العادة في زماننا من دفع

[ 59 ]

النقوط في الافراح لصاحب الفرح في يده أو يد مأذونه، هل يكون هبة أو قرضا ؟ أطلق الثاني جمع، وجرى على الاول بعضهم. قال: ولا أثر للعرف فيه - لاضطرابه - ما لم يقل خذه مثلا، وينوي القرض. ويصدق في نية ذلك: هو ووارثه، وعلى هذا. يحمل إطلاق من قال بالثاني. وجمع بعضهم بينهما: بحمل الاول على ما إذا لم يعتد الرجوع، ويختلف باختلاف الاشخاص والمقدار والبلاد. والثاني: على ما إذا اعتيد وحيث علم اختلاف تعين ما ذكر. اه‍. بجيرمي (قوله: سنة) خبر الاقراض، وسيذكر قريبا أنه قد يجب، وقد يحرم. (قوله: لان فيه إلخ) علة للسنية. (قوله: على كشف كربة) أي إزالة شدة. فالكشف: الازالة، والكربة: الشدة. اه‍. بجيرمي. (قوله: فهو إلخ) الاولى عدم التفريع، ويكون مستأنفا، كما في النهابة. (قوله: من نفس) أي فرج. (وقوله: على أخيه) أي في الاسلام. فالمراد: أخوة الاسلام. (قوله: نفس الله عنه كربة) يجوز أن تلك الكربة عشر كرب من كرب الدنيا، لان أمور الآخرة لا يقاس عليها. فلا يقال كان الاولى أن يقال عشر كرب من كرب يوم القيامة، لان الحسنة بعشر أمثالها - أو يقال نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، زيادة على ثواب عمله - فذلك التنفيس: كالمضاعفة. اه‍. ع ش. (قوله: والله إلخ) من تتمة الحديث. (وقوله: في عون العبد) أي قائم بحفظه، ورعايته، ومعونته. (قوله: وصح خبر إلخ) الاولى: وخبر، عطفا على خبر الاول. (قوله: من أقرض لله مرتين إلخ) يعني إنه إذا أقرض درهما مثلا مرتين، كان له أجر صدقة مرة واحدة. (قوله: والصدقة أفضل منه) أي القرض، أي لعدم العوض فيها، وللخبر المار. (قوله: خلافا لبعضهم) أي القائل بأن القرض أفضل، مستدلا بما في سنن ابن ماجة: عن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: لقد رأيت مكتوبا على باب الجنة - ليلة أسري بي - الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال: لان السائل قد يسأل وعنده ما يكفيه، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة. وبخبر البيهقي: قرض الشئ خير من صدقته. (فإن قيل) هذان الخبران يعارضان الخبر الذي في الشراح - أعني من أقرض إلخ - فكيف يجزم الشارح بأن الصدقة أفضل ؟ (أجيب) بأن الخبر الذي في الشرح أصح منهما، فوجب تقديمه عند التعارض. قال في النهاية: ويمكن رد الخبر الثاني - الدال على أفضليته عليها - للاول - أعني من أقرض لله مرتين كان له مثل أجر أحدهما لو تصدق به الدال على أفضليتها عليه بحمله - أي الثاني - على درجات صغيرة، بحيث أن الثمانية عشرة فيه تقابل بخمسة في الصدقة. كما في خبر صلاة الجماعة أو بحمل الزيادة في القرض، إن صحت على أنه (ص) أعلمها بعد. أو يقال: القرض فضل الصدقة باعتبار الابتداء، لامتيازه عنها بصونه ماء وجه من لم يعتد السؤال عن بذله لكل أحد - بخلافها، وهي فضلته - باعتبار الغاية، لامتيازها عنه بأنه لا مقابل فيها ولا بد - بخلافه. وعند تقابل الخصوصيتين قد تترجح الاولى، وقد تترجح الثانية، باعتبار الاثر المترتب. اه‍. (قوله: محل ندبه) أي الاقراض، فهو مرتبط بالمتن. (قوله: إن لم يكن المقترض مضطرا) أي مدة عدم كونه مضطرا، أي محتاجا (قوله: وإلا) أي بأن كان مضطرا. (وقوله: وجب) أي الاقراض، ولو من مال محجوره. كما يجب عليه بيع مال محجوره للمضطر المعسر، نسيئة. اه‍. بجيرمي. (قوله: ويحرم الاقتراض) أي ما لم يعلم المقرض بحاله، وإلا فلا يحرم (وقوله: على غير مضطر إلخ) أي بخلاف المضطر - فيجوز أن يقترض - وإن لم يرج الوفاء - بل يجب، حفظا لروحه. (وقوله: لم يرج الوفاء) الجملة صفة لغير المضاف لمضطر. (وقوله: من جهة ظاهرة) أي سبب ظاهر - أي

[ 60 ]

قريب الحصول - كغلة أرضه وعقاره. فإن رجال الوفاء منها لم يحرم. (قوله: فورا إلخ) منصوب بإسقاط الخافض، متعلقا بالوفاء، أي الوفاء بالفور في الدين الحال، وعند حلوله في المؤجل. (قوله: كالاقراض عند إلخ) أي كحرمة الاقراض إلخ، أي فيحرم الاقتراض لغير المضطر المذكور. كما يحرم الاقراض على المالك عند علمه أو ظنه أن آخذه ينفقه في معصية، وذلك لان فيه إعانة عليها، وهي حرام. وقد يكره الاقراض. (فالحاصل) أن الاقراض تارة يندب، وتارة يجب، وتارة يحرم، وتارة يكره. فتعتريه أحكام أربعة. قال ع ش: ولم يذكروا الاباحة، ويمكن تصويرها بما إذا دفع إلى غني، بسؤال من الدافع مع مدع احتياج الغني إليه، فيكون مباحا - لا مستحبا - لانه لم يشتمل على تنفيس كربة. وقد يكون في ذلك غرض للدافع، كحفظ ماله بإحرازه في ذمة المقترض. اه‍. (قوله: ويحصل بإيجاب إلخ). (اعلم) أن أركان القرض ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة. وقد أخذ في بيان صيغته، فقال: ويحصل بإيجاب - أي من المقرض - وهو على قسمين: صريح - وهو ما ذكره - وكناية: كخذ هذا الدرهم بدرهم، فهو يحتمل البيع والقرض، فإن نوى به البيع فبيع، وإن نوى به القرض فقرض. ومثله: خذه فقط - على ما ستعرفه - (قوله: فإن حذف ورد بدله) أي حذف هذا اللفظ. والظاهر أن حذفه من الصورة الاخيرة فقط. ولا يصح كونه من الصورتين، أعني قوله خذه ورده بدله. وقوله: أو اصرفه في حوائجك ورد بدله. وإلا نافى قوله بعد: وخذه فقط لغو. وقوله: فكناية: أي كناية، قرض، إن نوى به القرض ثبت، وإلا فلا. (قوله: وخذه فقط) أي من غير أن يقول ورد بدله. (وقوله: لغو إلا إن سبقه إلخ) عبارة التحفة تقتضي أنه لا يكون لغوا أصلا، بل إن سبقه لفظ أقرضني فهو كناية قرض، وإلا فهو محتمل لان يكون كناية قرض، أو كناية هبة، أو كناية بيع. ونصها - بعد كلام -: أو خذه ورد بدله، أو اصرفه في حوائجك ورد بدله، فإن حذف ورد بدله: فكناية - كخذه فقط، أي إن سبقه أقرضني - وإلا فهو كناية قرض، أو بيع، أو هبة. اه‍. ومثله في البجيرمي، نقلا عن ق ل، ونص عبارته - بعد كلام -: وأما أخذه فقط: فكناية، لانه يحتمل القرض والصدقة، ونية البدل أو المثل كذكره، ويصدق في إرادتهما إلخ. اه‍. (قوله: ولو اقتصر على ملكتكه) أي ولم يقل على أن ترد مثله. (قوله: فهبة) أي فهو هبة. (قوله: وإلا فكناية) أي وإلا لم ينو البدل بأن نواه: فكناية، أي كناية قرض، وليس من الصريح. (قوله: ولو اختلفا إلخ) يعني لو اختلف المالك الدافع والآخذ في نية البدل في قوله ملكتك، فقال الآخذ: لم تنو البدل، فهو هبة. وقال الدافع نويت البدل، فهو قرض. فإنه يصدق الدافع، لانه أعرف بقصد نفسه. (قوله: أو في البدل إلخ) معطوف على نية البدل، أي أو اختلفا في ذكر البدل - أي التلفظ به - بأن قال الدافع: قلت ملكتكه على أن ترد بدله. وقال الآخذ: قلت ملكتكه فقط، ولم تذكر على أن ترد بدله. فإنه يصدق الآخذ في عدم الذكر، لانه الاصل، أي ويكون هبة. (قوله: والصيغة إلخ) علة ثانية لتصديق الآخذ. (وقوله: فيما ادعاه) أي الآخذ، وهو أنه لم يذكر لفظ البدل. (قوله: ولو قال لمضطر إلخ) دفع بهذا ما يرد على تصديق الآخذ في الصورة السابقة، من أنه لم لم يصدق المضطر أيضا في دعواه أنه أطعمه إباحة لا قرضا، وصدق المطعم المالك ؟ وحاصل الدفع أن ذلك لاجل حمل الناس على هذه المكرمة. وعبارة

[ 61 ]

التحفة: وإنما صدق مطعم مضطر أنه قرض حملا إلخ - وهي أولى. (قوله: حملا للناس على هذه المكرمة) أي الخصلة الحميدة التي بها إحياء النفوس، ولانه أعرف بكيفية بذله. (قوله: ولو قال) أي الدافع، بعد أن وهب شيئا لآخر. (قوله: فقال) أي المتهب. (وقوله: مجانا) أي بلا عوض. (قوله: صدق المتهب) أي الموهوب له. (قوله: وقبول) معطوف على إيجاب، أي ويحصل بقبول - قياسا على البيع - ومن ثم، اشترط فيه شروط البيع السابقة في العاقدين والصيغة - كما هو ظاهر - حتى موافقة القبول للايجاب. فلو قال: أقرضتك ألفا، فقبل بخمسمائة، أو بالعكس، لم يصح. اه‍. تحفة. (وقوله: متصل به) أي بالايجاب - بأن لا يتخلل بينهما سكوت طويل، ولا لفظ أجنبي - نظير ما مر في البيع - (قوله: كأقرضته) يقرأ بالبناء للمجهول. وفي بعض النسخ: كاقترضته - وهو ظاهر -. (قوله: نعم، إلخ) استدراك من اشتراط الايجاب والقبول. (وقوله: القرض الحكمي) مبتدأ، خبره قوله لا يفتقر إلى إيجاب وقبول. والمراد أنه في حكم القرض في وجوب رد المثل. (قوله: كالانفاق على اللقيط المحتاج) أي ممن لا يجب عليه، بأن كان معسرا. بخلاف ما إذا كان موسرا، وكان المنفق عليه معسرا، فلا يكون قرضا. والمراد أيضا: الانفاق بإذن الحاكم، فإن لم يوجد: أشهد بالانفاق. فإن لم يوجدوا: أنفق بنية الرجوع، وإلا لم يرجع - كذا في البجيرمي - (قوله: وإطعام الجائع) في ع ش ما نصه: محل عدم اشتراط الصيغة في المضطر: وصوله في حالة لا يقدر معها على صيغة، وإلا فيشترط. ولا يكون إطعام الجائع، وكسوة العاري، ونحوهما، قرضا، إلا أن يكون المقترض غنيا. وإلا بأن كان فقيرا، والمقرض غنيا فهو صدقة - لما تقرر في باب السير - إن كفاية الفقراء واجبة على الاغنياء وينبغي تصديق الآخذ: فيما لو ادعى الفقر، وأنكره الدافع، لان الاصل عدم لزوم ذمته شيئا (قوله: ومنه) أي القرض الحكمي. (وقوله بإعطاء ما له غرض فيه) أي بإعطاء شئ للآمر غرض في إعطائه. (وقوله: كإعطاء إلخ) أي كالامر بإعطاء شاعر لغرض دفع الهجو عنه، وإعطاء ظالم لغرض دفع الشر عنه حيث لم يعطه. (وقوله: إطعام فقير) الاحسن أنه هو وما بعده معطوف على قوله بإعطاء إلخ، أي ومنه أمر غيره بإطعام فقير أو بفداء أسير. (وقوله: وعمر داري) الاولى أن يقول وتعمير داري. (واعلم) أنه في الجميع يرجع المأمور على آمره إن شرط الرجوع، وذلك لان ما كان لازما - كالدين - أو منزل منزلة اللازم - كقول الاسير لغيره: فأدنى - لا يحتاج فيه لشرط الرجوع، وما لم يكن كذلك يحتاج فيه إلى شرط الرجوع. قال ع ش: ويحتمل أنه لا يحتاج لشرط الرجوع فيما يدفعه للشاعر والظالم، لان الغرض من ذلك دفع هجو الشاعر له حيث لم يعطه، ودفع شر الظالم عنه بالاعطاء، وكلاهما منزل منزلة اللازم. وكذا في عمر داري، لان العمارة - وإن لم تكن لازمة - لكنها تنزل منزلة اللازم، لجريان العرف بعدم إهمال الشخص لملكه حتى يخرب. اه‍. (قوله: وقال: قياس جواز المعاطاة في البيع جوازها هنا) قال في النهاية: وما اعترض به الغزي - من أنه سهو، لان شرط المعاطاة: بذل العوض، أو التزامه في الذمة، وهو مفقود هنا - غير صحيح، بل هو السهو، لانهم أجروا خلاف المعاطاة في الرهن وغيره مما ليس فيه ذلك. فما ذكره شرط للمعاطاة في البيع دون غيره. اه‍. (قوله: وإنما يجوز القرض إلخ) شروع في بيان شرط المقرض والمعقود عليه، فبين أنه يشترط في المقرض أن يكون من أهل تبرع فيما يقرضه، فلا يصح إقراض الولي مال محجوره بلا ضرورة، لانه ليس أهلا للتبرع فيه.

[ 62 ]

ومراد المؤلف بأهلية التبرع في المقرض: أهلية التبرع المطلق - أي في سائر التصرفات - لانه المراد عند الاطلاق، وهي تستلزم رشده واختياره فيما يقرضه، فلا يرد عليه السفيه، فإنه لا يصح إقراضه، مع أنه أهل للتبرع ببعض التصرفات - كصحة الوصية منه، وتدبيره - لانه ليس أهلا للتبرع المطلق. وبين أيضا أنه يشترط أن يكون المعقود عليه مما يصح أن يسلم فيه، أي في نوعه، فما صح السلم فيه صح إقراضه، وما لا فلا. وذلك لان ما لا ينضبط أو يندر وجوده، ويتعذر أو يتعسر رد مثله. وترك المصنف شرط المقترض، وهو: الرشد والاختيار. (قوله: حيوان وغيره) بيان لما يسلم فيه. (قوله: ولو نقدا مغشوشا) غاية فيما يسلم فيه، أ ي كل ما يسلم فيه، ولو نقدا مغشوشا، لانه مثلي تجوز المعاملة به في الذمة، وإن جهل قدر غشه. وهي للرد على الروياني القائل بعدم صحة إقراضه. (قوله: نعم، يجوز قرض الخبز إلخ) هذا مستثنى من مفهوم قوله إنما يجوز القرض فيما يسلم فيه، وهو أن ما لا يسلم فيه لا يجوز قرضه. فما ذكر - من الخبز وما بعده - يجوز فيه القرض، ولا يجوز فيه السلم. قال في الروض وشرحه: واستثنى جواز قرض الخبز وزنا، لاجماع أهل الامصار على فعله في الاعصار، بلا إنكار. هذا ما قطع به المتولي والمستظهري وغيرهما. واقتضى كلام النووي ترجيحه، قال في المهمات: والراجح جوازه. وقد اختاره في الشرح الصغير. قال الخوارزمي: ويجوز إقراضه عددا. ثم قال: ويحرم إقراض الروبة، لاختلاف حموضتها. وهي - بضم الراء - خميرة من اللبن الحامض، تلقى على الحليب ليروب. قال في الروضة: وذكر في التتمة وجهين في إقراض الخمير الحامض، أحدهما الجواز - لاطراد العادة به. قال السبكي: والعبرة بالوزن - كالخبز اه‍. (قوله: لا الروبة) بضم الراء، أي فلا يجوز إقراضها - كما لا يجوز السلم فيها - فهي جاءت على القاعدة. (قوله: وهي) أي الروبة. (وقوله: ليروب) أي ليصير رائبا. (قوله: لاختلاف إلخ) تعليل لعدم جواز القرض فيها. أي لا يجوز القرض فيها لاختلاف حموضتها، فهي ليست مضبوطة. (قوله: ولو قال أقرضني إلخ) المناسب تقديمه على قوله وإنما يجوز القرض إلخ، لانه من متعلقات الصيغة (قوله: فقال) أي المقرض. (قوله: فإن كانت له تحت يده) أي فإن كانت العشرة ملكا للمقرض، وهي وديعة مثلا تحت يد فلان المأخوذ منه، جاز، وصح القرض بهذه الصيغة، ولا يحتاج إلى تجديدها. (وقوله: وإلا فهو وكيل في قبضها) أي وإن لم تكن وديعة تحت يد فلان، بل كانت في ذمته، صح قبضها بطريق الوكالة عنه، ولكن لا بد من تجديد عقد القرض منه. هكذا ينبغي حل كلام الشارح، ويدل عليه عبارة النهاية، ونصها: ولو قال اقبض ديني، وهو لك قرضا، أو مبيعا، صح قبضه - للاذن - لا قوله وهو إلخ. أو اقبض وديعتي مثلا، وتكون لك قرضا صح، وكان قرضا. وكتب ع ش ما نصه: قوله: وتكون لك قرضا: صح، والفرق بين هذه وما قبلها: أن الدين لا يتعين إلا بقبضه، بخلاف الوديعة. اه‍. (قوله: ويمتنع على ولي إلخ) أي لانه ليس من أهل تبرع في مال موليه، فهذا خرج بقوله: من أهل تبرع. (وقوله: بلا ضرورة) خرج ما إذا كان هناك ضرورة، كأن يكون الزمن زمن نهب، وكانت المصلحة في إقراضه، فإنه يجوز حينئذ. (قوله: نعم، يجوز إلخ) استدراك من امتناع الاقراض على

[ 63 ]

الولي. فكأنه قال: إلا إذا كان الولي القاضي، فإنه يجوز إقراضه مال المحجور عليه. (قوله: لكثرة أشغاله) أي بأحكام الناس، فربما غفل عن المال، فضاع، فيقرضه ليحفظه عند المقترض. (قوله: إن كان المقترض إلخ) شرط في جواز إقراض القاضي. ويشترط أيضا عدم الشبهة في مال المقترض إن سلم منها مال المحجور عليه. قال م ر: ويجب الاشهاد عليه، ويأخذ رهنا إن رأى ذلك. اه‍. وهذه الشروط معتبرة في إقراض الولي أيضا، لضرورة. ويرد عليه أن من الضرورة: ما لو كان المقترض مضطرا. وقد نقل عن ابن حجر أنه يجب على الولي إقراض المضطر من مال المولى عليه، مع انتفاء هذه الشروط. ومن الضرورة أيضا: ما لو أشرف مال المولى عليه على الهلاك بنحو غرق، وتعين خلاصه في إقراضه. ويبعد اشتراط ما ذكر في هذه الصورة. اه‍. بجيرمي. بتصرف. (قوله: وملك مقترض) أي المعقود عليه. فمفعول ملك محذوف - هذا إن قرئ الفعل بالبناء للفاعل، فإن قرئ بالبناء للمجهول فلا حذف، لكن يقرأ مقترض - بصيغة اسم المفعول - أي شئ مقترض. (وقوله: بقبض) أي فلا يجوز له التصرف فيه قبله. (وقوله: وإن لم يتصرف الخ) غاية لكونه يملك بالقبض. أي يملك بالقبض، وإن لم يتصرف فيه المقترض. وهي للرد على الضعيف القائل بأنه إنما يملك بالتصرف فيه المزيل للملك. والمعنى أنه إذا تصرف فيه يتبين به أنه ملكه من حين القبض. (قوله: كالموهوب) الكاف للتنظير، لكونه يملك بالقبض. (قوله: قال شيخنا: والاوجه في النقوط إلخ) عبارة التحفة: والذي يتجه في النقوط المعتاد في الافراح أنه هبة، ولا أثر للعرف فيه - لاضطرابه - ما لم يقل خذه مثلا، وينوي القرض، ويصدق في نية ذلك هو أو وارثه. وعلى هذا، يحمل إطلاق جمع أنه قرض - أي حكما -. ثم رأيت بعضهم لما نقل قول هؤلاء، وقول البلقيني أنه هبة، قال: ويحمل الاول على ما إذا اعتيد الرجوع به، والثاني على ما لم يعتد. قال: لاختلافه بأحوال الناس والبلاد. اه‍. وحيث علم اختلافه. تعين ما ذكرته، ويأتي قبيل اللقطة تقييد هذا الخلاف بما يتعين الوقوف عليه. اه‍. وحاصله أن محله إذا دفع لصاحب الفرح في يده، فإن دفع للخاتن فلا رجوع. وفي حاشية البجيرمي على شرح المنهج: والذي تحرر من كلام الرملي وابن حجر وحواشيهما: أنه لا رجوع في النقوط المعتاد في الافراح - أي لا يرجع به مالكه إذا وضعه في يد صاحب الفرح، أو يد مأذونه - إلا بشروط ثلاثة: أن يأتي بلفظ: كخذه، ونحوه. وأن ينوي الرجوع، ويصدق هو أو وارثه فيها. وأن يعتاد الرجوع فيه. وإذا وضعه في يد المزين ونحوه، أو في الطاسة المعروفة، لا يرجع إلا بشرطين: إذن صاحب الفرح، وشرط الرجوع - كما حققه شيخنا ح ف. اه‍. (ولو أنفق على أخيه الرشيد الخ) عبارة التحفة: ووقع لبعضهم أنه أفتى في أخ أنفق على أخيه الرشيد وعياله سنين وهو ساكت، ثم أراد الرجوع عليه بأنه يرجع، أخذا من القول بالرجوع في مسألة النقوط، وفيه نظر - بل لا وجه له - أما أولا: فلان مأخذ الرجوع، ثم إطراد العادة به عندهم، ولا عادة في مسألتنا، فضلا عن إطرادها بذلك. وأما ثانيا: فلان الائمة جزموا في مسائل بما يفيد عدم الرجوع، منها: من أدى واجبا عن غيره - كدينه بلا إذنه - صح، ولا رجوع له عليه - بلا خلاف - والنفقة على ممون الاخ واجبة عليه، فكان أداؤها عنه كأداء دينه. اه‍. (قوله: وجاز لمقرض استرداد) أي لما أقرضه، ويكون بصيغة: كرجعت فيه، أو فسخته، وللمقترض رده عليه قهرا. (وقوله: حيث بقي بملك المقترض) أي حيث كان ما أقرضه باقيا بحاله في ملك المقترض - أي لم يتعلق به حق لازم، وإنما جاز له الرجوع فيه - حيث كان

[ 64 ]

كذلك - لان له تغريم بدله عند الفوات، فالمطالبة بعينه أولى (قوله: وإن زال عن ملكه) أي المقترض، ثم عاد إليه، وذلك لان الزائل العائد هنا كالذي لم يزل. (قوله: بخلاف ما لو تعلق به) مفهوم قوله حيث بقي إلخ. والمناسب في التقابل، بخلاف ما لو لم يبق بحاله. (قوله: كرهن وكتابة) أي من المقترض في المال المقرض - كأن رهن ما اقترضه أو كاتبه - ومثل ذلك: ما لو تعلق برقبته أرش جناية. (قوله: فلا يرجع) أي المقرض - أي لا يصح رجوعه (وقوله فيه) أي في المقرض. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ تعلق به حق لازم. (قوله: نعم، لو آجره) أي الشئ المقرض، وهو استدراك من الذي تعلق به حق لازم. (قوله: رجع) أي المقرض فيه، أي المؤجر. أي ويأخذه مسلوب المنفعة من غير أجرة له حتى يستوفي المستأجر مدة الاجارة، أو يأخذ بدله، فهو مخير بين أخذه مسلوب المنفعة وبين أخذ البدل. (قوله: ويجب على المقترض رد المثل) أي حيث لا استبدال، فإن استبدل عنه - كأن عوضه عن بر في ذمته ثوبا أو دراهم - فلا يمتنع، لجواز الاعتياض عن غير المثمن. (قوله: وهو) أي المثلي (قوله: ولو نقدا إلخ) أي يجب رد المثل، ولو كان نقدا أبطل السلطان المعاملة به. (قوله: لانه أقرب إلى حقه) تعليل لوجوب رد المثل، أي يجب ذلك لان المثل أقرب إلى حق المقرض. (قوله: ورد المثل صورة) معطوف على رد، أي ويجب رد المثل في الصورة، وإن كان ليس مثله حقيقة، وذلك لخبر مسلم: أنه (ص) استسلف بكرا - أي وهو الثني من الابل - ورد رباعيا - أي وهو ما دخل في السنة السابعة - وقال: إن خياركم أحسنكم قضاء. (قوله: وهو) أي المتقوم. (قوله: ولا يجب قبول الردئ إلخ) هذا مرتب على محذوف مذكور في المنهج وشرحه، وهو يجب أداء الشئ المقترض صفة ومكانا - كمسلم فيه - فلا يجب قبول الردئ عن الجيد. اه‍. بتصرف. وكان الاولى التصريح به. (قوله: ولا قبول المثل إلخ) أي ولا يجب قبول المثل في غير محل الاقراض. (قوله: إن كان له) أي للمقرض غرض صحيح، أي في عدم قبوله. (قوله: كأن كان الخ) تمثيل لما إذا كان هناك غرض صحيح. (وقوله: لنقله) أي الشئ المقترض من مكان التسليم إلى مكان الاقراض. (قوله: ولم يتحملها) أي المؤنة المقترض، فإن تحملها، أجبر المقرض على القبول. (قوله: أو كان الموضع مخوفا) أي أو كان له مؤنة وتحملها المقترض، لكن كان الموضع الذي وقع التسليم فيه مخوفا، فلا يجب قبوله فيه (قوله: ولا يلزم المقترض الدفع إلخ) أي لما فيه من الكلفة. (قوله: إلا إذا لم يكن لحمله) أي الشئ المقترض (قوله: لكن له إلخ) استدراك من عدم لزوم المقترض الدفع، دفع به إيهام أنه إذا لم يلزمه ذلك، فليس للمقرض المطالبة بالقيمة أيضا. (قوله: بقيمة بمحل الاقراض) أي قيمة معتبرة بمحل الاقراض، لانه محل التملك. (وقوله: وقت المطالبة) أي ومعتبرة أيضا وقت المطالبة، لانه وقت استحقاقها. وإذا أخذ القيمة فهي للفيصولة - لا للحيلولة، حتى لو اجتمعا بمحل الاقراض لم يكن للمقرض ردها وطلب المثل، ولا للمقترض استردادها ودفع المثل. (وقوله: فيما لنقله مؤنة) متعلق بمطالبة. (وقوله: لجواز الاعتياض عنه) أي عن الشئ المقرض، وهو علة لجواز المطالبة بذلك. (قوله: وجاز لمقرض نفع إلخ) قال في فتح الجواد: والاوجه أن الاقراض ممن تعود الزيادة بقصدها: مكروه. اه‍. (قوله: يصل) أي النفع. (وقوله: له) أي

[ 65 ]

للمقرض. (وقوله: من مقترض) متعلق بيصل. (قوله: كرد الزائد إلخ) تمثيل للنفع. (وقوله: قدرا) أي كأحد عشر عن عشرة. (وقوله: أو صفة) أي كصحاح عن مكسرة. (وقوله: والاجود في الردئ) هو مندرج في الصفة، فهو من ذكر الخاص بعد العام. (قوله: بلا شرط في العقد) متعلق بجاز، وسيذكر محترزه. (قوله: بل يسن ذلك) أي رد الزائد لمقترض، ومحله: ما لم يقترض لنحو محجوره، أو جهة وقف، وإلا امتنع رد الزائد. (قوله: لقوله (ص) إلخ) دليل للسنية. وقوله: إن خياركم أحسنكم قضاء خياركم: يحتمل أن يكون مفردا بمعنى الخير، وأن يكون جمعا. (فإن قلت) أحسن كيف يكون خبرا له وهو مفرد ؟ (قلت) أفعل التفضيل المضاف لمعرفة، يجوز فيه الافراد والمطابقة. قال ابن مالك: وتلو ال طبق وما لمعرفة أضيف ذو وجهين عن ذي معرفة (قوله: ولا يكره للمقرض أخذه) أي الزائد. (قوله: كقبول هديته) أي كما أنه لا يكره له قبول هدية المقترض. قال في النهاية: نعم، الاولى كما قاله الماوردي: تنزهه عنها قبل رد البدل. اه‍. (قوله: ولو في الربوي) غاية لعدم الكراهة. أي لا يكره أخذ الزائد، ولو وقع القرض في الربوي - كالنقد - (قوله: والاوجه أن المقرض يملك الزائد إلخ) أي ولو كان متميزا، كأن اقترض دراهم فردها ومعها نحو سمن. (قوله: من غير لفظ) أي إيجاب وقبول. (قوله: لانه وقع تبعا) علة لكون الزائد يملك من غير لفظ، أي وإنما يملك كذلك لانه تابع للشئ المقترض. (قوله: وأيضا فهو) أي الزائد. (وقوله: يشبه الهدية) أي وهي تملك من غير لفظ. (قوله: وأن المقترض إلخ) معطوف على أن المقرض، أي والاوجه أن المفترض إذا دفع زائدا عما عليه، ثم ادعى أنه دفعه ظانا أن هذا الزائد من جملة الدين، فإنه يحلف، ويرجع بالزائد الذي دفعه. وعبارة ع ش: ويصدق الآخذ في كون ذلك هدية، لان الظاهر معه، إذ لو أراد الدافع أنه إنما أتى به ليأخذ بدله لذكره. ومعلوم مما صورناه به أنه رد المقرض والزيادة معا، ثم ادعى أن الزيادة ليست هدية، فيصدق الآخذ. أما لو دفع إلى المقرض سمنا - أو نحوه - مع كون الدين باقيا في ذمته، وادعى أنه من الدين - لا هدية - فإنه يصدق الدافع في ذلك. اه‍. وهي تفيد أنه لا يصدق الدافع إلا في الصورة الثانية فقط. (قوله: حلف) جواب إذا. (وقوله: ورجع فيه) أي الزائد. (قوله: وأما القرض بشرط إلخ) محترز قوله بلا شرط في العقد. (قوله: جر نفع لمقرض) أي وحده، أو مع مقترض - كما في النهاية - (قوله: ففاسد) قال ع ش: ومعلوم أن محل الفساد حيث وقع الشرط في صلب العقد. أما لو توافقا على ذلك ولم يقع شرط في العقد، فلا فساد. اه‍. والحكمة في الفساد أن موضوع القرض: الارفاق، فإذا شرط فيه لنفسه حقا: خرج عن موضوعه فمنع صحته. (قوله: جر منفعة) أي شرط فيه جر منفعة. (قوله: فهو ربا) أي ربا القرض، وهو حرام (قوله: وجبر ضعفه) أي أن هذا الخبر ضعيف، ولكن جبر ضعفه. - أي قوى ضعفه - مجئ معناه - أي الخبر - وهو أن شرط جر النفع للمقرض مفسد للقرض. وعبارة النهاية: وروي - أي هذا الخبر - مرفوعا بسند ضعيف، لكن صحح الامام والغزالي رفعه، وروي البيهقي معناه عن جمع من الصحابة. اه‍. (قوله: ومنه القرض إلخ) أي ومن ربا القرض: القرض لمن يستأجر ملكه. (وقوله: أي مثلا) راجع للاستئجار - يعني أن الاستئجار ليس قيدا، بل مثالا. ومثله القرض، لمن يشتري ملكه بأكثر من قيمته. (وقوله: لاجل القرض) علة للاستئجار بأكثر من قيمته. (قوله:

[ 66 ]

إن وقع ذلك) أي الاستئجار المذكور، شرطا، أي في صلب العقد. (قوله: إذ هو) أي القرض لمن يستأجر ملكه. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ وقع ذلك شرطا في صلب العقد. (قوله: وإلا كره) أي وإن لم يقع ذلك شرطا في صلب العقد: كره - أي ولا يكون ربا. (قوله: عندنا) أي معاشر الشافعية. (قوله: ويجوز الاقراض بشرط الرهن أو الكفيل) أي أو الاشهاد، وذلك لانها توثيقات، لا منافع زائدة - فللمقرض إذا لم يوف المقترض بها الفسخ. (فائدة) الشرط الواقع في القرض ثلاثة أقسام: إن جر نفعا للمقرض يكون فاسدا مفسدا للقرض. وإن جر نفعا للمقترض يكون فاسدا غير مفسد له، كأن أقرضه عشرة صحيحة ليردها مكسرة. وإن كان للوثوق - كشرط رهن، وكفيل - فهو صحيح. (قوله: ولو قال: اقرض إلخ) هذه المسألة من فروع الضمان، إلا أنه ذكرها هنا لان لها مناسبة من جهة أنها مشتملة على القرض. (قوله: كان ضامنا على الاوجه) في شرح البهجة ما نصه: (فرع) لو قال: أقرض هذا مائة وأنا ضامن لها، فأقرضه المائة، أو بعضها، لزمه الضمان. قاله الماوردي. قال الزركشي: ولعله أراد به ما أرادوه بقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، لكن ذاك جوز للحاجة. اه‍. وما قاله الماوردي هنا - من صحة الضمان - مفرع على القديم. وقال في باب الضمان بعدم صحته - وهو الجديد -، وصححه الناظم كالشخين. اه‍. (قوله: كألق متاعك في البحر وعلي ضمانه) أي فيكون الآخر ضامنا له إذا ألقي وتلف، لكن يشترط في الضمان أن يقول له ذلك عند الاشراف على الغرق أو القرب منه. ولم يختص نفع الالقاء بالملقي - كما صرح بذلك في متن المنهاج، في باب الديات - وعبارته مع التحفة هناك: ولو قال لغيره: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو على أني ضامن له، فألقاه وتلف، ضمنه المستدعى - وإن لم تحصل النجاة - لانه التماس لغرض صحيح بعوض، فلزمه. ولو اقتصر على قوله ألق متاعك، ولم يقل وعلي ضمانه، أو على أني ضامن، فلا يضمنه - على المذهب - لعدم الالتزام. وإنما يضمن ملتمس لخوف غرق، فلو قال في الامن ألقه وعلي ضمانه: لم يضمنه، إذ لا غرض. ولم يختص نفع الالقاء بالملقي بأن اختص بالملتمس، أو به بالمالك، أو بغيرهما، أو بالمالك وأجنبي، أو بالملتمس وأجنبي، أو عم الثلاثة - بخلاف ما لو اختص بالمالك وحده، بأن أشرفت سفينة وبها متاعه على الغرق، فقال له من بالشط أو سفينة أخرى: ألق متاعك وعلي ضمانه، فلا يضمنه، لانه وقع لحظ نفسه، فكيف يستحق به عوضا ؟ اه‍. بحذف. (قوله: لو ادعى المالك إلخ) يعني لو اختلف الدافع والآخذ في المال الذي أخذه وقد تلف، فقال الدافع إنه قرض فعليك الضمان، وقال الآخذ إنه وديعة فليس علي شئ، فإنه يصدق الآخذ، لان الاصل عدم الضمان (وقوله: خلافا للانوار) أي في قوله إن المصدق المالك. (قوله: ويصح رهن) شروع في القسم الثاني من الترجمة (واعلم) أن الوثائق بالحقوق ثلاثة: شهادة، ورهن، وضمان. فالاولى لخوف الجحد، والآخران لخوف الافلاس. وأن أركان الرهن أربعة: عاقد، ومرهون، ومرهون به، وصيغة. وقد اشتمل تعريف الرهن المذكور عليها كلها (فقوله: وهو جعل) يشير للعاقد وللصيغة. (وقوله: عين) يشير للمرهون. (وقوله: بدين) يشير للمرهون به. (قوله: وهو) أي الرهن شرعا. أما لغة: فهو الثبوت. وقوله جعل عين:

[ 67 ]

مصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، تقديره جعل المالك - أو من قام مقامه - عينا. وخرج بها: الدين، فلا يصح رهنه، ولو ممن هو عليه، لانه غير مقدور على تسليمه. وخرج أيضا: المنفعة، فلا يصح رهنها، لان المنفعة تتلف، فلا يحصل بها استيثاق. (وقوله: يجوز بيعها) أي يصح. وخرج به ما لا يصح بيعها - كوقف ومكاتب، وأم ولد - (وقوله: وثيقة بدين) أي ولو منفعة. وخرج بالدين: العين، فلا يصح الرهن على العين - مضمونة كانت: كالمغصوبة والمستعارة، أو غير مضمونة: كمال القراض والمودع - وذلك لانه تعالى ذكر الرهن في المداينة، فلا يثبت في غيرها، ولانها لا تستوفى من ثمن المرهون، وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع. (وقوله: يستوفى منها) أي يستوفي ذلك الدين من العين - أي من ثمنها - وهذا ليس من التعريف، بل بيان لفائدته. ومن - في قوله منها - للابتداء، لا للتبعيض، لانه يقتضي اشتراط أن تكون قيمة العين المرهونة زائدة على الدين، مع أنه لا يشترط. (وقوله: عند تعذر وفائه) متعلق بيستوفى، وهو ليس بقيد. والضمير - في وفائه - عائد على جنس الدين، الصادق ببعضه. - كذا في البجيرمي -. (قوله: فلا يصح رهن وقف وأم ولد) أي لانه لا يجوز بيعهما. (قوله: بإيجاب وقبول) متعلق بيصح، وهو بيان للصيغة - التي هي أحد أركان الرهن السابقة -. ومثل الايجاب: الاستيجاب - كارهني. (قوله: كرهنت) هذا هو الايجاب. (وقوله: وارتهنت) هذا هو القبول. (قوله: ويشترط ما مر في البيع) وذلك لانه عقد مالي، مثل البيع. (قوله: من اتصال اللفظين) بيان لما مر. والمراد باتصالهما: عدم تخلل كلام أجنبي أو سكوت طويل بينهما. والمراد باللفظين: الايجاب، والقبول - وهما جزآ الصيغة. ومما مر أيضا في البيع: عدم التعليق، وعدم التأقيت. (قوله: وتوافقهما معنى) أو ومن التوافق بين اللفظين في المعنى، فلو اختلفا فيه - كأن قال رهنتك هذا بألف فقبل بخمسمائة، أو قال رهنتك هذين فقيل أحدهما - لم يصح. وفي ع ش ما يخالفه، وعبارته: قوله: كنظيره في البيع - يفيد أنه لو قال رهنتك هذين فقبل أحدهما: لم يصح العقد - نظير ما مر في القرض -. وقد يفرق بأن هذا تبرع محض، فلا يضر فيه عدم موافقة القبول للايجاب - كالهبة - وقياسه أيضا أنه لو قال رهنتك هذا بألف فقبل بخمسمائة: الصحة. اه‍. بحذف. (قوله: ويأتي هنا) أي في الرهن. (وقوله: خلاف المعاطاة) أي الخلاف في جواز البيع بالمعاطاة، فأجازها بعضهم هنا ومنعها آخرون. قال في المغني: وصورة المعاطاة هنا - كما ذكره المتولي - أن يقول أقرضني عشرة لاعطيك ثوبي هذا رهنا، فيعطي العشرة، ويقبضه الثوب. اه‍. (قوله: من أهل تبرع) متعلق بمحذوف صفة لما قبله، أي إيجاب وقبول صادرين من أهل تبرع، أو متعلق بيصح، أي يصح رهن من أهل تبرع - وهذا بيان للركن الثاني، وهو العاقد، موجبا كان أو قابلا -. والمراد بأهلية التبرع: أهلية التبرع المطلق، وهي تستلزم الرشد والاختيار - كما تقدم في القرض - فيخرج الصبي، والمجنون، والمحجور عليه بالسفه، والمكره. (قوله: فلا يرهن ولي) مفرع على المفهوم، وإنما لم يصح رهنه لانه يحبسه من غير عوض، وهو لا يصح. (قوله: أو جدا) أي عند فقد الاب. (وقوله: أو وصيا) أي عمن تأخر موته منهما. (وقوله: أو حاكما) أي عند فقد الثلاثة. اه‍. بجيرمي. (قوله: مال صبي ومجنون) أي أو سفيه، ولو قال: مال محجوره لكان أولى. (قوله: كما لا يرتهن لهما) أي لا يجوز رهن الولي مال موليه - كما أنه لا يجوز له ارتهانه - وذلك لانه في حالة الاختيار لا يصح أن يبيع مال موليه إلا بحال مقبوض، ولا يقرض إلا القاضي - كما مر - (قوله: إلا لضرورة إلخ) استثناء من عدم جواز الرهن والارتهان، فهو مرتبط بما قبل التنظير وما بعده. (قوله: أو غبطة ظاهرة) احترز بذلك عما لو اشترى متاعا بمائة مؤجلة، وهو يساوي مائة حالة، فإن الغبطة في هذه الصورة موجودة، لكنها لا تظهر لكل أحد. عزيزي، وعبارة الشوبري: أو غبطة ظاهرة، سيأتي في شركة أن الغبطة: مال له وقع - أي قدر - لا يتسامح أي لا يتساهل به. فانظر ما مفاد قوله ظاهرة ؟ ويجاب بأن معنى قوله ظاهرة: أي محققة للولي. اه‍ بجيرمي.

[ 68 ]

(قوله: فيجوز له) أي للولي، وهو تفريع على الاستثناء. (قوله: كأن يرهن إلخ) مثل للرهن والارتهان للضرورة، ولم يمثل لهما للغبطة. فمثال الرهن لها: أن يرهن ما يساوي مائة على ثمن ما اشتراه بمائة نسيئة، وهو يساوي مائتين. ومثال الارتهان لها: أن يرتهن على ما يبيعه نسيئة بمائتين، وهو يساوي مائة. قال في فتح الجواد: وشرط صحة بيعه نسيئة - مع ما ذكر من غبطة وارتهان - أمانة مشتر، وغناء ووفاء الرهن بالثمن، وقصر الاجل، وكذا إشهاد عند جماعة - وهو متجه مدركا، لكن الجمهور على أنه لا بطلان بتركه. اه‍. (قوله: ما يقترض) بالبناء للفاعل، العائد محذوف ويصح بالبناء للمجهول، وعليه لا حذف وقوله لحاجة المؤنة الاضافة للبيان والمراد الحاجة الشديدة ليلائم قوله إلا لضرورة، وبهذا يندفع ما يقال الحاجة أعم من الضرورة، فإنها تشمل التفكه وثياب الزينة مثلا. اه‍. بجيرمي بالمعنى. (قوله: ليوفي) أي ما يقترض، فهو بالبناء للمجهول. ويصح بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، أي ليوفي المقترض ما اقترضه. (وقوله: مما ينتظر) أي يترقب. وهو أيضا بالبناء للمجهول، ويصح بالبناء للفاعل، والعائد محذوف. (وقوله: من الغلة أو حلول الدين) بيان لما. (قوله: وكأن يرتهن) معطوف على كأن يرهن. (وقوله: على ما يقرضه) أي من مال محجوره. (وقوله: أو يبيعه) معطوف على يقرضه. أي أو يرتهن على ما يبيعه من مال محجوره. ويشترط أيضا: كون المشتري أمينا - إلى آخر ما مر آنفا - (قوله: لضرورة نهب) متعلق بيقرضه ويبيعه. (وقوله: أو نحو) أي نحو النهب، كالسرقة. (قوله: للزوم الارتهان حينئذ) أي حين إذا أقرض أو باع مال الصبي لضرورة النهب أو غيره. ولا يظهر هذا التعليل لما قبله، لان ما قبله تمثيل لجواز الارتهان للضرورة، فينحل المعنى بجواز الارتهان على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلا لضرورة، للزوم الارتهان حينئذ، ولا يخفى ما فيه. وعبارة المنهاج: فلا يرهن الولي مال الصبي والمجنون، ولا يرتهن لهما، إلا لضرورة، أو غبطة ظاهرة. قال في التحفة: فيلزمه الارتهان بالثمن، وهي ظاهرة. ولو أخر الشارح قوله: فيجوز له الرهن والارتهان - عن المثال الثاني، ثم أضرب وقال: بل يلزمه الارتهان حينئذ - لكان أولى. ثم إنه سيأتي للشارح - في فصل الحجر - تقييد لزوم الارتهان: بما إذا لم يكن المشتري موسرا. ونص عبارته هناك: وله بيع ماله نسيئة لمصلحة، وعليه ارتهان بالثمن رهنا وافيا إن لم يكن المشتري موسرا. انتهت. (قوله: ولو كانت العين إلخ) غاية لمقدر، وهي للتعميم. والمعنى يصح الرهن بعين، ولو كانت جزءا مشاعا بين الراهن وغيره - كأن كان يملك ربع دار مشاعا: أي ليس معينا فرهنه، فإنه يصح، وقبضه يكون بقبض الجميع - كما في البيع - فيكون بالتخلية في غير المنقول، وبالنقل في المنقول. ويجوز رهنه على الشريك، وعلى غيره، ولا يحتاج لاذن الشريك إلا في المنقول، فإن لم يأذن ورضي المرتهن كونه بيده: جاز، وناب عنه في القبض، وإلا أقام الحاكم عدلا يكون في يده لهما. ولو اقتسما فخرج المرهون لشريكه: لزمه قيمته رهنا، لانه حصل له بدله. (قوله: أو عارية) أي ولو كانت ضمنية، كارهن عبدك عني على ديني ففعل، فإنه كما لو قبضه ورهنه. اه‍. تحفة ونهاية. قال ع ش: يشير بهذا إلى أنه لا يشترط كون المرهون ملكا للراهن، بل يصح، ولو معارا. اه‍. (واعلم) أن عقد العارية بعد الرهن في قول: إنه عارية - أي باق على حكمها - وفي قول: إنه ضمان دين في رقبة ذلك الشئ، لان الانتفاع إنما يحصل بإهلاك العين ببيعها في الدين، فهو مناف لوضع العارية، وهذا القول هو الاظهر - كما في المنهاج. (قوله: وإن لم يصرح بلفظها) أي العارية، أي فلا يشترط أن يقول للمالك أعرني هذه لارهنها، أو يقول هو

[ 69 ]

للراهن: أعرتك هذه لترهنها. (قوله: كأن قال إلخ) تمثيل لعدم التصريح بلفظ العارية. (وقوله: له) أي للراهن. (وقوله: مالكها) أي العارية. (قوله: لحصول التوثيق بها) أي بالعارية. وهو علة لجواز كون العين المرهونة عارية، أي وإنما جاز رهن العارية لحصول التوثق الذي هو المقصود من الرهن بها. (قوله: ويصح إعارة النقد لذلك) أي للرهن. قال ع ش: ثم بعد حلول الدين - إن وفى المالك: فظاهر، وإن لم يوف: بيعت الدراهم بجنس حق المرتهن إن لم تكن من جنسه، فإن كانت من جنسه جعلها له عوضا عن دينه بصيغة تدل على نقل الملك. اه‍. (قوله: وإن منعنا إعارته) أي النقد. (وقوله: لغير ذلك) أي الرهن، كإعارته للنفقة، أو ليصرفه في مشترى عين. (قوله: فيصح رهن معار إلخ) تفريع على أو عارية. (وقوله: بإذن مالك) أي في الرهن، فلو لم يأذن المالك فيه لا يصح رهنه. (قوله: بشرط معرفته) أي المالك. (وقوله: المرتهن) مفعول المصدر، ومعرفته تكون بعينه أو اسمه ونسبه - لا بوصفه فقط - كما هو ظاهر. (وقوله: وجنس الدين) أي وبشرط معرفته جنس الدين، كذهب، وفضة. (وقوله: وقدره) أي كعشرة، ومائة. ولا بد من معرفته صفته أيضا - كحلول، وتأجيل، وصحة، وتكسير - وذلك لاختلاف الاغراض بذلك. (قوله: نعم، في الجواهر) تقييد لاشتراط معرفته جنس الدين وقدره، فكأنه قال: محل اشتراط ما ذكر: ما لم يفوض الامر إلى خيرة المدين، وإلا لم يشترط ذلك. (وقوله: صح أن يرهنه بأكثر من قيمته) قال في التحفة: ويؤيده ما يأتي في العارية من صحة انتفع به بما شئت. لكن قال سم: سيأتي في العارية أن المعتمد في انتفع به بما شئت، إنه يتقيد بالمعتاد في مثله، فقياسه أنه يتقيد هنا بما يعتاد رهن مثله عليه. اه‍. وفرق ع ش: بأن الانتفاع في المعار بغير المعتاد يعود منه ضرر على المالك، بخلاف الرهن بأكثر من قيمته لا يعود ضرر عليه، إذ غايته أن يباع في الدين، وما زاد على ثمنه باق في ذمة المستعير. اه‍. (قوله: ولو عين قدرا إلخ) استثناء من محذوف - كما يعلم من عبارة شرح المنهج - تقديره: وإذا عين المالك للمستعير جنس الدين وقدره وصفته لم تجز مخالفته أي ويستثنى من ذلك ما لو عين له قدرا فرهن بدونه، فإنه يجوز. (وقوله: فرهن بدونه) أي من جنسه. فلو استعاره ليرهنه على مائة دينار، فرهنه على مائة درهم، لم يجز. اه‍. س ل. بجيرمي. (قوله: ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن) أي وإلا لم يكن لهذا الرهن معنى، إذ لا وثوق به. وأفهم جواز الرجوع قبل قبضه - وهو كذلك - لعدم لزومه قبله. (قوله: فلو تلف) أي المعار في في يد الراهن. قال سم: هو شامل لما قبل الرهن ولما بعد انفكاكه. وعبارة العراقي في شرح البهجة: أما لو تلف في يد الراهن قبل الرهن، أو بعده: فإنه يجب عليه ضمانه. اه‍. (وقوله: ضمن) أي الراهن. (وقوله: لانه مستعير) أي والعارية مضمونة. (وقوله: الآن) أي إذا كان المعار في يده. (قوله: أو في يد المرتهن) أي أو تلف في يد المرتهن. (قوله: فلا ضمان عليهما) أي على الراهن والمرتهن. ومحله: ما لم يقصرا. فإن قصرا ضمنا. (وقوله: إذ المرتهن أمين) علة لعدم تضمين المرتهن. (وقوله: ولم يسقط الحق عن ذمة الراهن) علة لعدم تضمين الراهن. اه‍. ع ش. (قوله: نعم، إن رهن فاسدا) أي بأن فقد شرط من الشروط السابقة. (وقوله: ضمن بالتسليم) أي ضمن الراهن بتسليم المعار للمرتهن. قال في التحفة بعده: أي لان المالك لم يأذن فيه، ولانه مستعير، وهو ضامن ما دام لم يقبضه عن جهة رهن صحيح، ولم يوجد. ويلزم من ضمانه تضمين المرتهن، لترتب يده على يد ضامنه، ويرجع عليه إن لم يعلم الفساد، وكونها مستعارة.

[ 70 ]

وأفتى بعضهم بعدم ضمانه، محتجا بأنه إذا بطل الخصوص - وهو التوثقة هنا - لا يبطل العموم، وهو إذن المالك بوضعها تحت يد المرتهن. اه‍. (قوله: ويباع المعار بمراجعة مالكه) أي يبيعه الحاكم بمراجعة مالكه لعله يفديه، فإن لم يأذن في بيعه، بيع قهرا عليه. (تنبيه) ألغز العلامة الدميري هنا فقال: لنا مرهون يصح بيعه جزما بغير إذن المرتهن. وصورته: استعار شيئا ليرهنه بشروطه ففعل، ثم اشتراه المستعير من المعير بغير إذن المرتهن لعدم تفويت الوثيقة، وهو الاوجه - خلافا للبلقيني - حيث تردد. وقد نظم ذلك بعضهم بقوله: عين لنا مرهونة قد صححوا بيعا لها من غير إذن المرتهن ذاك معار باعه المعير من من استعار للرهان فارتهن (قوله: ثم يرجع إلخ) أي ثم بعد بيعه في الدين يرجع المالك عل الراهن المستعير بالثمن الذي بيع به. قال في المغني: لانتفاع الرهن به - سواء أبيع بقيمته، أم بأكثر، أم أقل بقدر يتغابن الناس بمثله - هذا على قول الضمان. وأما على قول العارية: فيرجع بقيمته إن بيع بها، أو بأقل - وكذا بأكثر - عند الاكثرين. اه‍. (قوله: لا يصح) أي الرهن بمعنى العقد. (قوله: بشرط ما يضر الراهن أو المرتهن) أي بشرط شئ يضر الراهن أو المرتهن - أي أو كليهما - فأو: مانعة خلو، فتجوز الجمع. وخرج بذلك: ما لا يضرهما أو أحدهما كأن شرط فيه مقتضاه - كتقدم مرتهن بالمرهون عند تزاحم الغرماء - أو شرط ما فيه مصلحة له - كإشهاد به، أو شرط ما لا غرض فيه - كأن يأكل العبد المرهون كذا، فإنه يصح عقد الرهن في الجميع، ويلغو الشرط في الاخير. (قوله: كأن لا يباع) أي أصلا، وهو تمثيل لما يضر المرتهن. (وقوله: عند المحل) هو بكسر الحاء. (قوله: أو أكثر) أي أولايباع عند المحل إلا بأكثر من ثمن المثل، وهو أيضا تمثيل لما يضر المرتهن. (قوله: وكشرط منفعته إلخ) هذا مثال لما يضر الراهن، ولذلك أعاد الكاف. وإنما كان مضرا به لان منافع المرهون - كسكنى الدار، وركوب الدابة - مستحقة للراهن، فإذا شرطت للمرتهن أضر بالراهن. (قوله: كأن يشرطا) الموافق لقوله بعد في الصور الثلاث أن يزيد واو العطف، بأن يقول: وكأن يشرطا إلخ. وعبارة المنهج وشرحه: كأن لا يباع عند المحل، وكشرط منفعته - أي المرهون للمرتهن - أو شرط أن تحدث زوائده - كثمر الشجرة، ونتاج الشاة - مرهونة. اه‍. (قوله: مرهونة) خبر أن، أي شرطا أن الزوائد التي تحدث تكون مرهونة أيضا في الدين. (قوله: فيبطل الرهن في الصور الثلاث) هي قوله كأن لا يباع، وقوله كشرط منفعته، وقوله كأن يشرطا إلخ. وإنما بطل فيها: لاخلال الشرط في الاولى بالغرض من الرهن الذي هو البيع عند المحل، ولتغيير قضية العقد في الثانية. وذلك لان قضية العقد أن تكون منافع المرهون للراهن، لان التوثق إنما هو بالعين. ولجهالة الزوائد وعدمها في الثالثة. ومحل البطلان في الثانية: ما لم تقدر المنفعة بمدة كسنة - وكان الرهن مشروطا في بيع، فإن كان كذلك، فلا بطلان - بل هو جمع بين بيع وإجارة. وصورة ذلك أن يقول بعتك هذا العبد بمائة، على أن ترهنني به دارك هذه، ويكون سكناها إلى سنة فيقبل الآخر. (قوله: ولا يلزم الرهن) أي من جهة الراهن فقط، لانه من جهة المرتهن جائز مطلقا. (وقوله: إلا بقبض) أي لقوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * (1) فلو لزم بدون القبض لم يكن للتقييد به فائدة، ولانه عقد تبرع يحتاج إلى القبول، فلا يلزم إلا بالقبض - كالهبة -. ولا ترد الوصية، لانها إنما تحتاج إلى القبول فيما إذا كان الموصى له معينا. اه‍. شرح


(1) سورة البقرة، الاية: 238.

[ 71 ]

الروض. (وقوله: بما مر إلخ) أي ويكون القبض هنا بمثل ما مر في قبض المبيع - من النقل في المنقول، والتخلية في غيره. (قوله: بإذن من راهن) متعلق بمحذوف صفة لقبض، أي قبض كائن بإذن من راهن، أي أو إقباض منه. ولكل من الراهن والمرتهن إنابة غيره في القبض والاقباض، ما لم يلزم اتحاد القابض والمقبض. فلو أذن الراهن لغيره في الاقباض امتنعت إنابته في القبض. وكذلك يمتنع على المرتهن أن ينيب الراهن في القبض، كأن يقول المرتهن للراهن: أنبتك عني في القبض. (وقوله: يصح تبرعه) أي تبرعا مطلقا. وصحة التبرع لا تكون إلا من بالغ، عاقل، رشيد، مختار - كما تقدم - فخرج به حينئذ: الصبي، والمجنون، والمحجور عليه، والمكره، فلا يصح إذنهم في القبض. (قوله: ويحصل الرجوع عن الرهن قبل قبضه بتصرف يزيل الملك) أما بعض القبض فلا رجوع به، لعدم نفوذ التصرف منه بعده. وسيبين هذا بقوله بعد: وليس للمالك بعد لزوم الرهن بيع ووقف إلخ. (قوله: كالهبة) تمثيل ما يزيل الملك. وقيد في المنهاج والمنهج الهبة بكونها مقبوضة. وقال في المغني: تقييده تبعا للرافعي الهبة والرهن وبالقبض يقتضي أن ذلك بدون قبض لا يكون رجوعا. والذي نقله السبكي وغيره على النص: أنه رجوع، وهو المعتمد. وقال الاذرعي: والصواب على المذهب حذف لفظ القبض في الهبة والرهن جميعا، لانها زيادة موهمة. اه‍. (قوله: والرهن لآخر) ظاهره أنه معطوف على الهبة، فيفيد حينئذ أن الرهن مزيل للملك، وليس كذلك. وعبارة غيره: ويحصل الرجوع بتصرف يزيل الملك - كهبة لزوال محل الرهن، وبرهن - لتعلق حق الغير به -. اه‍. فأعاد العامل إشارة إلى استقلاله، وعدم عطفه على هبة. فكان الاولى للشارح أن يصنع كصنيعه. (قوله: لا بوطئ إلخ) أي لا يحصل الرجوع بوطئ وتزويج - أي لعدم منافاتهما للرهن - لان الوطئ من قبيل الاستخدام، والتزويج لا تعلق له بمورد الرهن، بل رهن المزوج ابتداء: جائز - سواء كان المزوج عبدا أو أمة -. ومعنى كون هذه المذكورات لا يحصل بها رجوع: أن الرهن لا ينفسخ بها، بل هو باق بحاله. ومحل عدم الرجوع بالوطئ: إذا لم يحصل منه إحبال، وإلا حصل الرجوع به. (قوله: وموت عاقد) أي ولا يحصل الرجوع بموت عاقد من راهن، أو مرتهن، أو وكيلهما، أو وكيل أحدهما. (قوله: وهرب مرهون) أي ولا يحصل الرجوع بهرب المرهون. قال ع ش: وظاهره وإن أيس من عوده. وينبغي - في هذه - أن له مطالبة الراهن بالدين، حيث حل، لانه في هذه الحالة يعد كالتالف. اه‍. (قوله: واليد في المرهون لمرتهن) المراد من اليد: اليد الحسية - أي كونه في حرزه، وفي بيته مثلا - لا الشرعية: أي كونه في سلطنته وفي ولايته، بحيث يمتنع على الراهن التصرف فيه بما يزيل الملك أو ينقصه بغير إذن المرتهن، وإلا لم يكن للتقييد - بقوله غالبا - فائدة، لان اليد الشرعية على المرهون للمرتهن دائما، حتى في الصور الخارجة به. كذا في البجيرمي. (قوله: بعد لزوم الرهن) أي وهو يحصل بالقبض - كما مر - (قوله: غالبا) أي ومن غير الغالب قد لا تكون اليد للمرتهن - كما لو رهن مسلما أو مصحفا عند كافر، أو سلاحا عند حربي - فإنه يوضع عند من يصح تملكه لها. وكما لو رهن جارية تشتهي عند أجنبي فتوضع عند امرأة ثقة. وكما لو شرطا وضعه عند ثالث. (قوله: وهي) أي يد المرتهن. (وقوله: أمانة) أي لا يلزم ضمانه. فلو شرط كونه مضمونا على المرتهن لم يصح الرهن. واستثنى البلقيني من هذه القاعدة - تبعا للمحاملي - ثمان مسائل يكون فيها الضمان على المرتهن. الاولى: مغصوب تحول رهنا عند غاصبه. الثانية: مرهون تحول غصبا عند مرتهنه. الثالثة: مرهون تحول عارية عند مرتهنه. الرابعة: عارية تحولت رهنا عند مستعيرها. الخامسة: مقبوض سوما تحول رهنا عند سائمه. السادسة: مقبوض ببيع فاسد تحول رهنا عند قابضه. السابعة: أن يقبله في بيع شئ ثم يرهنه منه قبل قبضه. الثامنة: أن يخالعها على شئ ثم يرهنه منها قبل القبض. وإنما ضمن في هذه المسائل لوجود مقتضيه، والرهن ليس بمانع. اه‍. نهاية. بتصرف.

[ 72 ]

(قوله: ولو بعد البراءة من الدين) غاية لكون اليد على الرهن أمانة. (قوله: فلا يضمنه المرتهن) مفرع على كونه أمانة. (قوله: إلا بالتعدي) أي لا يضمنه إلا إن تعدى وتسبب في تلفه. (قوله: كأن امتنع إلخ) تمثيل للتعدي، أي وكأن ركب الدابة وحمل عليها أو استعمل الاناء، فيضمنه حينئذ لخروجه عن الامانة. (قوله: بعد سقوط الدين) أي وبعد المطالبة. أما بعد سقوطه وقبل المطالبة فهو باق على أمانته. اه‍. نهاية. (قوله: وصدق إلخ) أي من غير ضمان، وإلا فالغاصب والمستعير يصدق أيضا بيمينه في دعوى التلف، لكن مع الضمان. (قوله: كالمستأجر) الكاف للتنظير، أي فإنه يصدق أيضا فيما ذكر. (قوله: في دعوى تلف بيمينه) أي على التفصيل الآتي في الوديعة. وحاصله أنه يحلف في تلفها مطلقا - أي من غير ذكر سبب - أو بذكر سبب خفي كسرقة أو ظاهر كحريق عرف - دون عمومه - فإن عرف عمومه، ولم يتهم: فلا يحلف. وإن جهل السبب الظاهر طولب ببينة بوجوده، ثم يحلف أنها تلفت به. (قوله: لا في رد) أي لا يصدق المرتهن كالمستأجر في دعوى رد، أي لما قالوه - من أن كل أمين ادعى الرد على من ائتمنه صدق بيمينه إلا المرتهن والمستأجر - لان كلا منهما يقبض لغرض نفسه. والفرق بين الرد وبين التلف - حيث يصدقان فيه - أن التلف غالبا لا يتعلق باختيارهما، فلا يتمكنان من إقامة البينة عليه، فيعذران. بخلال الرد، فإنه يتعلق باختيارهما، فلا تتعذر فيه البينة. (قوله: لانهما) أي المرتهن والمستأجر. (وقوله: قبضا لغرض أنفسهما) أي وهو التوثق بالنسبة للمرتهن، والانتفاع بالمؤجر بالنسبة للمستأجر. (وقوله: فكانا كالمستعير) أي في عدم تصديقه في دعوى الرد، لكون قبضه لغرض نفسه، وهذا قياس أدنى - لان المستعير ليس بأمين، بل هو ضامن - (قوله: بخلاف الوديع والوكيل) أي وسائر الامناء، فإنهم يصدقون في دعوى الرد أيضا، لانهم لم يقبضوا لغرض أنفسهم. (قوله: ولا يسقط بتلفه) أي المرهون شئ من الدين، بل يجب عليه دفع جميعه لصاحبه الذي هو المرتهن، خلافا للحنفية، والمالكية - حيث قالوا يسقط بتلفه قدره من الدين - بناء على أنه من ضمان المرتهن. (قوله: ولو غفل عن نحو كتاب) أي كصوف. (وقوله: فأكلته الارضة) أي الدودة. (قوله: أو جعله) أي نحو الكتاب، وهو معطوف على غفل. (قوله: هو) أي ذلك المحل. (وقوله: مظنتها) أي الارضة. قال في القاموس: مظنة الشئ - بكسر الظاء - موضع يظن فيه وجوده. اه‍. (قوله: ضمنه) جواب لو، وضميره يعود على نحو الكتاب - الذي أكلته الارضة - (وقوله: لتفريطه) أي المرتهن، وهو علة الضمان. (قوله: قاعدة) أي في بيان أن فاسد العقود كصحيحها. (قوله: وحكم فاسد العقود إذا صدر من رشيد) قال البجيرمي: بأن كان كل من العاقدين رشيدا - أي غير محجور عليه - فيشمل السفيه المهمل. والمراد صدر من رشيد مع رشيد، فلو صدر مع سفيه فلا يضمن السفيه مطلقا. اه‍. وقال سم: اعترض بعضهم التقييد بالرشيد بأنه لا حاجة إليه، لان عقد غيره باطل - لاختلال ركنه - لا فاسد. والكلام في الفاسد، وأقول: هذا الاعتراض ليس بشئ، لان الفاسد والباطل عندنا سواء، إلا فيما استثنى بالنسبة لاحكام مخصوصة، فالتقييد في غاية الصحة والاحتياج إليه. فتأمل. اه‍. (قوله: حكم صحيحها) أي كحكم الصحيح من العقود. (وقوله: في الضمان) أي في مطلق الضمان، وإن كان المبيع في البيع الصحيح يضمن بالثمن، وفي البيع الفاسد يضمن بأقصى القيم في المتقوم، وبالمثل في المثلى. قال في التحفة: والمراد التشبيه في أصل الضمان، لا الضامن، فلا يرد كون الولي لو استأجر لموليه فاسدا تكون الاجرة عليه، وفي الصحيحة على موليه، ولا في القدر: فلا يرد كون صحيح البيع مضمونا: أي مقابلا بالثمن وفاسده بالبدل، والقرض بمثل المتقوم الصوري وفاسده بالقيمة، ونحو القراض والمساقاة والاجارة بالمسمى وفاسدها بأجرة المثل. اه‍. وقوله وعدمه: أي وفي عدم

[ 73 ]

الضمان (قوله: لان صحيح الخ) تعليل لكون حكم الفاسد كحكم الصحيح (قوله: بعد القبض) أي قبض المعقود عليه (قوله: كالبيع والقرض) أي كعقد البيع والقرض (قوله: ففاسده أولى) أي في اقتضاء الضمان، لان الصحيح قد أذن فيه الشارع والمالك، والفاسد لم يأذن فيه الشارع، بل في التجرؤ عليه. اه‍. بجيرمي (قوله: أو عدمه) على الضمان: أي أو اقتضى عدمه. (وقوله: كالمرهون والمستأجر والموهوب) الاولى أن يقول: كالرهن، والاجاة، والهبة، لان الكلام في العقود، لا في المعقود عليه. (وقوله: ففاسده كذلك) أي لا يقتضي الضمان، بل هو مساو له في عدم الضمان، قال سم على المنهج: ولم يقل أولى، لان الفاسد ليس أولى بعدم الضمان، بل بالضمان. اه‍. ووجه ذلك: أن عدم الضمان تخفيف، وليس الفاسد أولى به، بل حقه أن يكون أولى بالضمان، لاشتماله على وضع اليد على مال الغير بلا حق، فكان أشبه بالغصب. اه‍. قال ع ش: واستثنى من الاول، أعني قوله في الضمان: ما لو قال قارضتك عى أن الربح كله لي، فهو قراض فاسد، فصحيحه يقتضي ضمان عمل العامل بالربح المشروط، وفاسده المذكور لا يقتضي شيئا. وما لو قال: ساقيتك على أن الثمرة كلها لي فهو فاسد، ولا يستحق العامل شيئا، مع أنه في الصحيح: يستحق جزءا من الربح، فهذا صحيحه اقتضى الضمان، وفاسده لا يقتضيه، واستثنى من الثاني - أعني قوله وعدمه - الشركة، فإنه لا يضمن كل من الشريكين عمل الآخر، مع صحتها، ويضمنه مع فسادها. وما لو رهن أو آجر نحو غاصب فتلفت العين في يد المرتهن أو المستأجر، فلمالك تضمينه، وإن كان القرار على الراهن أو المؤجر، مع أن صحيح الرهن والاجارة لا ضمان فيه. قال في النهاية: وإلى هذه المسائل أشار الاصحاب بالاصل في قولهم الاصل أن فاسد كل عقد الخ. وفي الحقيقة: لا يصح استثناء شئ من هذه القاعدة، لا طردا ولا عكسا، لان المراد بالضمان: المقابل للامانة بالنسبة للعين، لا بالنسبة لاجرة ولا غيرها. فالرهن صحيحه أمانة، وفاسده كذلك، والاجارة مثله. والبيع والعارية صحيحهما مضمون، وفاسدهما مضمون، فلا يرد: شئ. اه‍. (قوله: فرع: لو رهن شيئا إلخ) هذا من فروع القاعدة المذكورة، فالبيع والعارية من طردها، والرهن من عكسها. وعبارة الروض وشرحه: فرع: لو رهنه أرضا وأذن له في غرسها بعد شهر، فهي قبل الشهر أمانة، بحكم الرهن، وبعده عارية مضمونة، بحكم العارية. وكذا لو شرط كونها مبيعة بعد شهر، فهي أمانة قبل الشهر - لما مر - ومبيعة مضمونة بعده، بحكم البيع، فإن غرس فيها المرتهن في الصورتين قبل الشهر: قلع مجانا، أو بعده: لم يقلع في الاولى ولا في هذه مجانا، لوقوعه بإذن المالك، وجهله المعلوم من قوله إلا إن علم فساد البيع وغرس فيقلع مجانا لتقصيره. اه‍ (قوله: وجعله مبيعا من المرتهن) أي للمرتهن أو عليه، فمن: بمعنى اللام، أو على. (وقوله: أو عارية بعده) أي أو جعله عارية بعد شهر (قوله: بأن شرطا) أي البيع والعارية. والباء للتصوير، وصورة ذلك أن يقول: رهنتك هذا بشرط أنه بعد شهر يكون مبيعا لك، أو عارية لك، فحينئذ يفسد الرهن لتأقيته، ويفسد البيع أو العارية لتعليقه، فهو قبل مضي الشهر: أمانة، لانه مقبوض بحكم الرهن الفاسد. وبعده: مضمون، بحكم الشراء الفاسد، أو العارية الفاسدة. (وقوله: لم يضمنه) أي المرتهن إذا تلف. (وقوله قبل مضي الشهر) أي لانه أمين حينئذ - كما علمت - (قوله: وإن علم فساده) غاية في عدم ضمان المرتهن: أي لم يضمنه قبل مضي الشهر، وإن علم بفساد الرهن: أي العقد بذلك. (وقوله: على المعتمد) لم يذكره في المنهاج وشرحيه - النهاية، والتحفة - ولا في المنهج وشرحه. فانظره، فإنه يفيد أن خلاف المعتمد يضمنه: إذا علم الفساد (قوله: وضمنه بعده) أي ضمن المرتهن المرهون بعد مضي الشهر، وهذا محترز قوله قبل مضي الشهر (قوله: لانه) أي الرهن، وهو علة للضمان

[ 74 ]

إذا تلف بعده (قوله: لتعليقهما) أي البيع والعارية، وهو علة لفسادهما (قوله: فإن قال رهنتك الخ) غرضه بهذا بيان محترز قوله: بأن شرطا. وعبارة النهاية: وخرج بقوله ما لو شرط، ما لو قال رهنتك الخ. اه‍. (وقوله: فسد البيع) أي لتعليقه. (وقوله: لا الرهن على الاوجه) أي لا يفسد الرهن، أي لعدم تأقيته، وفي النهاية: والاوجه فساده أيضا. قال ع ش: ووجه الفساد أن مثل هذا إذا وقع يكون مرادا به الشرط. اه‍. (قوله: لانه) أي الرهن. (وقوله: لم يشترط فيه) أي عقد الرهن شيئا. قال سم: لك أن تقول كيف يقال لم يشرط فيه شئ، ومعنى العبارة كما ترى رهنتك بشرط أن يكون مبيعا منك عند انتفاء الوفاء ؟ لا يقال صورة المسألة تراخي هذا القول عن صيغة الرهن، لانا نقول: ذاك بديهي الصحة، لا يحتاج إلى التنبيه عليه، ويكون قول السبكي - فيما يظهر - لا معنى له. اه‍ (قوله: وله الخ) هذا ثمرة الرهن وفائدته (قوله: طلب بيعه) أي من الراهن (قوله: أو طلب قضاء دينه) أي من غير المرهون (قوله: ولا يلزم) هو من ألزم، فالفاعل يعود على المرتهن. وقوله: الراهن: مفعول أول، والبيع: مفعول ثان (قوله: بل إنما يطلب المرتهن) إظهار في مقام الاضمار. (وقوله: أحد الامرين) هما بيعه، والتوفية من غيره. قال في النهاية: وفهم من طلب أحد الامرين أن للراهن أن يختار البيع والتوفية من ثمن المرهون، وإن قدر على التوفية من غيره، ولا نظر لهذا التأخير، وإن كان حق المرتهن واجبا فورا، لان تعليقه ألحق بعين الرهن رضا منه باستيفائه منه وطريقه البيع. اه‍ (قوله: إن حل دين) أي ابتداء أو طرأ حلوله، إذ قبل الحلول: لا تتوجه المطالبة. اه‍. فتح الجواد (قوله: وإنما يبيع الراهن) أي: أو وكيله (قوله: بإذن المرتهن) فإن عجز عن استئذانه واستأذن الحاكم: صح بيعه، لكن لا يتصرف في ثمنه، لتعلق حق الغير به. وفائدة البيع: استراحته من النفقة عليه مثلا. اه‍. بجيرمي (قوله: عند الحاجة) هو ساقط من عبارة فتح الجواد، وهو الاولى، وإن كان ثابتا في متن المنهج. إذ يللراهن بيعه بإذن المرتهن مطلقا، كانت له حاجة أو لا، كحلول الدين، وإشراف الرهن على الفساد (قوله: لان الخ) علة لكونه إنما يكون بإذن المرتهن. وقوله له أي للمرتهن، وقوله فيه: أي في المرهون (قوله: ويقدم المرتهن بثمنه الخ) وذلك لان حقه متعلق به وبالذمة، وحقهم متعلق بالذمة فقط. اه‍. شرح المنهج (قوله: فإن أبى المرتهن الاذن، قال له الحاكم الخ) أي دفعا لضرر الراهن. قال في التحفة: فإن أصر: باعه الحاكم، أو أذن للراهن في بيعه، ومنعه من التصرف في ثمنه، إلا إذا أبى أيضا من أخذ دينه منه، فيطلق للراهن التصرف فيه. اه‍. (قوله: ويجبر راهن) يقرأ الفعل بالبناء للمجهول. (وقوله: أي يجبره الحاكم) أي يلزمه (قوله: على أحد الامرين) هما بيع المرهون ليوفي منه، ووفاء الدين من غيره (قوله: إذا امتنع) أي الراهن مما طلبه منه المرتهن (قوله: بالحبس) متعلق بيجبره. (وقوله: وغيره) أي غير الحبس مما يراه الحاكم، كالتعزير (قوله: فإن أصر) أي الراهن: أي دام على الامتناع ولم ينفع إجبار الحاكم. وفي التحفة ما نصه: وقضية المتن وغيره أن القاضي لا يتولى البيع إلا بعد الاصرار على الاباء: وليس مراد أخذا من قولهم في التفليس، إنه بالامتناع من الوفاء: يخير القاضي بين توليه للبيع، وإكراهه عليه. اه‍. (قوله: أو كان غائبا) هذه معطوف على أصر، وهو مرتب على إجبار الحاكم، فهذا مرتب عليه أيضا، وإجبار الحاكم إياه يقتضي أنه حاضر ليس بغائب، والفرض أنه غائب، فالمناسب أن يجعله تنظيرا: بأن يقول، كما لو كان غائبا، (وقوله: وليس له) أي للراهن، ممتنعا كان، أو غائبا. وقوله ما يوفي منه: أي شئ يوفي ذلك الدين منه غير المرهون، فإن كان له ما يوفي منه

[ 75 ]

غيره: لا يتعين بيعه. في النهاية ما نصه: أفتى السبكي بأن للحاكم بيع ما يرى بيعه من المرهون وغيره عند غيبة المديون أو امتناعه، لان له ولاية على الغائب، فيفعل ما يراه مصلحة، فإن كان للغائب نقد حاضر من جنس الدين، وطلب المرتهن: وفاه منه، وأخذ المرهون، فإن لم يكن له نقد حاضر، وكان بيع المرهون أروج، وطلب المرتهن: باعه دون غيره، ولو لم يجد المرتهن عند غيبة الراهن بينة، أو لم يكن ثم حاكم في البلد، فله بيعه بنفسه، كالظافر بغير جنس حقه. اه‍. بحذف (قوله: باعه عليه) أي قهرا عليه (قوله: بعد ثبوت الدين) أي ببينة. (وقوله ملك الراهن) أي وبعد ثبوت أن العين المرهونة ملك للراهن. وقد يقال: اليد عليه للمرتهن، فيكفي إقراره بأنه ملك للراهن. (وقوله والرهن) أي وبعد ثبوت أنها رهن عند المرتهن، لاحتمال كونها وديعة مثلا. (وقوله وكونه بمحل ولايته) أي وبعد ثبوت كون الرهن بمحل ولاية القاضي، فالضمير يعود على الرهن، بمعنى المرهون (قوله: وقضى الدين الخ) معطوف على باعه (قوله: دفعا لضرر المرتهن) تعليل لبيع القاضي المرهون (قوله: ويجوز للمرتهن الخ) أي كما يجوز له طلب البيع من الراهن وطلب قضاء الدين (قوله: في دين حال) مثله المؤجل، إلا أنه لا يشترط فيه أن يكون البيع بحضرة الراهن - كما ستعرفه - (قوله: بإذن الراهن) أي في بيعه، ومحله إذا قال له بعه لي، أو أطلق، فإن قال بعه لك: لم يصح، للتهمة. اه‍. بجيرمي نقلا عن ابن حجر (قوله: بخلافه في غيبته) أي بخلاف البيع في غيبة الراهن، فإنه لا يصح، وذلك لانه يبيعه لغرض نفسه، فيهتم بترك الاحتياط (قوله: نعم الخ) استدراك من قوله بخلافه في غيبته. (وقوله إن قدر له الثمن) أي قدر الراهن للمرتهن الثمن الذي يباع به المرهون، كعشرة ومثله ما لو كان الدين مؤجلا، وأذن له في البيع حالا، أو كان ثمن المرهون لا يفي بالدين، والاستيفاء من غيره متعذر، أو متعسر بفلس أو غيره. (وقوله: صح مطلقا)، أي سواء كان الراهن حاضرا أو غائبا (قوله: ولو شرطا) أي الراهن والمرتهن في عقد الرهن (قوله: أن يبيعه) أي المرهون (قوله: عند المحل) بكسر الحاء: أي حلول الدين (قوله: جاز بيعه) أي الثالث للمرهون، والمناسب جاز الشرط، وصح البيع، وعلله في التحفة: بأنه لا محذور فيه. وقوله بثمن مثل حال: أي ومن نقد البلد، فإن أخل بشئ من هذه الثلاثة: لم يصح البيع، لكن لا يضر النقص عن ثمن المثل بما يتغابن به الناس، لانهم يتسامحون به. اه‍. شرح المنهج (قوله: ولا يشترط مراجعة الراهن) أي مراجعة الثالث المأذون له في البيع الراهن، فالمصدر مضاف إلى مفعوله بعد حذف الفاعل (قوله: لان الاصل بقاء إذنه) أي إذن الراهن الذي تضمنه الشرط (قوله: بل المرتهن) أي بل يشترط مراجعة المرتهن. وفي شرح المنهج: أما المرتهن، فقال العراقيون يشترط مراجعته قطعا، فربما أمهل أو أبرأ. وقال الامام: لا خلاف أنه لا يراجع، لان غرضه توقية الحق، والمعتمد الاول، لان أنه في البيع قبل القبض: لا يصح. اه‍ (قوله: لانه) أي المرتهن. (وقوله: قد يمهل) أي الراهن الذي هو المدين. (وقوله ويبرئ) أي يسامح في الدين الذي له (قوله: وعلى مالكه) أي المرهون. (وقوله من راهن أو معير) بيان للمالك. (وقوله: أي للراهن)، وهو متعلق بمعير (قوله: مؤنة للمرهون) المراد بها ما يسمى في العرف مؤنة، وهي التي يكون بها بقاؤه، فخرج حينئذ أجرة الفصد، والحجامة، وتوديج دابة، وهو كالفصد في الآدمي، والمعالجة بالادوية، فلا تجب عليه، لانها لا تسمى مؤنا عرفا (قوله: كنفقة رقيق الخ) تمثيل للمؤنة. (وقوله: وعلف دابة) أي وأجرة سقي أشجار، وجذاذ ثمار، وتجفيفها. (وقوله: ومكان حفظ) أي وأجرة المكان الذي يحفظ فيه المرهون، ومثل ذلك: أجرة نفس الحفظ. وعبارة التحفة: ومنها أجرة حفظه، وسقيه، وجذاذه، وتجفيفه، ورده إن أبق. اه‍ (قوله: وإعادة ما يهدم) أي وكإعادة الدار المرهونة التي قد هدمت (قوله:

[ 76 ]

إجماعا) مرتبط بالمتن: أي هي على المالك إجماعا. (وقوله: خلافا لما شذبه الخ) أي من أن المؤنة على المرتهن. اه‍. مغني. (وقوله: الحسن) أي البصري، كما في النهاية، وفي التحفة: الحسن البصري، أو الحسن بن صالح، فهو متردد في ذلك (قوله: فإن غاب أو أعسر) أي المالك. (وقوله: راجع المرتهن الحاكم) وفي القليوبي، ولو تعذرت المؤنة من الراهن لغيبته أو إعساره: ماله الحاكم من ماله - إن رأى له مالا، وإلا فيقترض عليه، أو يبيع جزءا منه. ولو ماله المرتهن: رجع إن كان بإذن الحاكم (قوله: وله الانفاق بإذنه) أي للمرتهن أن ينفق على المرهون بإذن الحاكم. (وقوله: ليكون) أي المرهون رهنا بالنفقة. (وقوله: أيضا) أي كما أنه رهن بالدين (قوله: فإن تعذر استئذانه) أي الحاكم لفقده مثلا، (وقوله: وأشهد) أي المرتهن. (وقوله: بالانفاق) أي على إنفاقه للمرهون. (وقوله: رجع) أي كفى ذلك، ورجع على المالك بما أنفقه (قوله: وإلا) أي وإن لم يتعذر استئذانه: بأن سهل ولم يستأذن، سواء شهد أم لا، أو تعذر ولم يشهد، فالنفي راجع للمعطوف، والمعطوف عليه. ويستخرج من ذلك ثلاث صور. وقوله: فلا: أي فلا يرجع بما أنفقه في الصور الثلاث المذكورة (قوله: وليس له الخ) أي يحرم عليه ذلك، ولا ينفذ منه شئ من التصرفات، إلا إعتاق الموسر، وإيلاده، فينفذان منه، ويغرم قيمته وقت إحباله وإعتاقه، وتكون رهنا مكانه بغير عقد، لقيامها مقامه. (وقوله: بعد لزوم الرهن) أي وهو يحصل بالقبض، كما مر (قوله: ورهن لاخر) أي ليس له رهنه لآخر غير المرتهن الاول، وليس له أن يرهنه للاول أيضا بدين آخر، لانه مشغول، والمشغول لا يشغل، ويصح الرهن فوق الرهن بالدين الواحد، ولذا قال ابن الوردي: والرهن فوق الرهن بالدين لا الدين فوق الدين بالرهين (قوله: لئلا يزاحم المرتهن) تعليل لعدم صحة رهن المرهون لآخر: أي لا يصح ذلك، لئلا يزاحم ذلك الآخر المرتهن الاول في حقه، فيفوت مقصود الرهن. ويصح قراءة الفعل بصيغة المبني للمجهول، وبصيغة المبني للفاعل، فهو بفتح الحاء وكسرها (قوله: ووطئ للمرهونة) أي وليس للمالك وطئ للامة المرهونة. قال في النهاية: نعم، لو خاف الزنا لو لم يطأها: فله وطؤها، فيما يظهر، لانه كالمضطر. اه‍ (قوله: بلا إذنه) ظاهر صنيعه أنه متعلق بوطئ فقط، مع أنه متعلق بجميع ما قبله: من البيع، والوقف، والرهن. ولو قدم الغاية - أعني قوله وإن لم تحبل عليه - لامكن رجوعه للجميع. وعبارة شرح المنهج: ويجوز التصرف المذكور مع المرتهن ومع غيره بإذنه. اه‍. وهي ظاهرة (قوله: وإن لم تحبل) غاية لحرمة وطئها: أي لا يجوز وطئ الامة المرهونة، وإن لم تكن ممن تحبل كأن كانت صغيرة، أو آيسة (قوله: حسما للباب) عبارة التحفة: وذلك لخوف الحبل فيمن يمكن حبلها، وحسما للباب في غيرها. اه‍. قال في المصباح: حسم من باب ضرب، فانحسم: بمعنى قطعه، فانقطع، وحسمت العرق، على حذف مضاف. والاصل: حسمت دم العرق، إذا قطعته ومنعته السيلان بالكي بالنار. ومنه قيل للسيف حسام، لانه قاطع لما يأتي عليه. وقولهم حسما للباب: أي قطعا للوقوع قطعا كليا. اه‍، أي أنه إنما منع من وطئها، ولو لم تحبل، قطعا لباب الوطئ: أي للوقوع في الوطئ قطعا كليا (قوله: بخلاف سائر التمتعات) كالمعانقة، والمفاخذة، والقبلة (قوله: فتحل إن أمن الوطئ) فإن لم يأمنه: فلا تحل (قوله: وتزويج) أي وليس له تزويج أمته المرهونة على غيره، فإن زوج: فالنكاح باطل. وخرج بقوله تزويج: ما لو راجع أمته المطلقة على زوجها، فإنها صحيحة، لتقدم حق الزوج (قوله: لنقصه) أي التزويج القيمة، وهو علة لعدم

[ 77 ]

صحة التزويج المذكور (قوله: لامنه) أي له. فمن: بمعنى اللام، أي لا إن كان التزويج منه، أي للمرتهن نفسه (قوله: إن جاوزت مدتها المحل) بكسر الحاء: أي زمن الحلول، بأن كان الدين حالا أو مؤجلا يحل قبل انقضائها، أي مدة الاجارة: فتبطل من أصلها، وإن جوزنا بيع المؤجر. وإنما لم تصح الاجارة حينئذ: لانها تنقص القيمة، أي وتقلل الرغبات، فإن كان يحل بعد انقضائها، أو معه: صحت، إن لم تؤثر نقصا في القيمة، ولم يطل تفريغ المأجور بعد الحلول، وكان المستأجر عدلا، أو رضي به المرتهن، لانتفاء المحذور حالة البيع. اه‍. فتح الجواد (قوله: ويجوز له) أي للمالك: راهنا كان، أو معيرا. (وقوله: الانتفاع) أي الذي لا ينقصه، أي مع عدم استرداده من المرتهن إن أمكن الانتفاع الذي يريده منه عنده: كأن يكون عبدا يخيط وأراد منه الخياطة، أو مع استرداده منه إن لم يمكن ذلك عنده، كأن يكون دارا يسكنها، أو دابة يركبها، أو عبدا يخدمه، لكن يرده إلى المرتهن ليلا، ويشهد عليه المرتهن بالاسترداد للانتقاع شاهدين في كل استردادة. (وقوله: بالركوب) لو قال بنحو الركوب، لكان أولى. والمراد به: أن يكون في البلد، وإن اتسعت جدا، لامتناع السفر به، وإن قصر بلا إذن، إلا لضرورة: كنهب، أو جدب (قوله: لا بالبناء والغرس) أي لا يجوز له الانتفاع بهما، وذلك لانهما ينقصان قيمة الارض، لكونها مشغولة بالبناء والغرس الخارجين عن الرهن، لان حق المرتهن: تعلق بالارض خالية منهما، فتباع للدين وحدها مع كونها مشغولة بهما (قوله: نعم: لو كان الدين الخ) استدراك من عدم جواز الانتفاع بالبناء والغرس (قوله: وقال) أي المالك (قوله: فله ذلك) أي الانتفاع بالبناء والغرس، ومحله: ما لم تنقص قيمة الارض بالقلع، ولم تطل مدته. اه‍. ح ل (قوله: وأما وطئ المرتهن الخ) مقابل لمحذوف: أي ما تقدم من التفصيل في الوطئ بين أن يكون بإذن المرتهن، فيصح، وبين أن لا يكون بإذنه، فلا يصح بالنسبة للراهن. أما بالنسبة للمرتهن، فلا يصح منه رأسا، فلو فعله: كان زنا (قوله: فزنا) أي فهو زنا. (وقوله: حيث علم التحريم) أي وحيث لا شبهة، فإن جهل التحريم، أي تحريم الزنا، بوطئ المرهونة لظنه أن الارتهان مبيح للوطئ وعذر، بأن قرب إسلامه، ولم يكن مخالطا لنا بحيث لا يخفى عليه ذلك، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء بذلك، أو كان الوطئ شبهة بأن ظنها زوجته أو أمته: فلا يحد، لانه ليس زانيا، ويلزمه المهر فقط، والولد حر نسيب، وعليه قيمة الولد لمالكها لتفويته الرق عليه (قوله: فعليه الحد) أي فعلى الواطئ الذي هو المرتهن الحد، لانه زان. (وقوله: ويلزمه المهر) أي مهر ثيب إن كانت ثيبا، ومهر بكر إن كانت بكرا، وأرش بكارة إن لم يأذن له في الوطئ، وإلا لم يجب الارش. اه‍. شوبري. (وقوله: ما لم تطاوعه عالمة بالتحريم) صادق بصورتين، عدم مطاوعتها له أصلا: بأن أكرهها، ومطاوعتها له مع جهلها بالتحريم، كأعجمية لا تعقل. واحترز به: عما إذا طاوعته عالمة بالتحريم، فإنه لا مهر لها (قوله: وما نسب إلى عطاء من تجويزه الوطئ) أي وطئ المرتهن الامة المرهونة. (وقوله: ضعيف جدا) خبر ما (قوله: بل قيل إنه) أي ما نسب لعطاء (قوله: عن الحكم الخ) أي من الضمان وعدمه. وقوله من ارتهان الحلى: بيان لما، أي توثقة لما يقرضنه من أموالهن. (وقوله: مع الاذن) أي من الراهن. (وقوله: في لبسها) أي الحلي. والمناسب تذكير الضمير (قوله: لان ذلك) أي الارتهان مع اللبس. (وقوله: في حكم إجارة فاسدة) أي وهو عدم الضمان (قوله: معللا ذلك) أي كون ما ذكر في حكم

[ 78 ]

الاجارة الفاسدة (قوله: لا تقرض مالها إلا لاجل الخ) أي فهو في مقابلة الرهن واللبس (قوله: فجعل ذلك) أي قرض النسوة مالهن. (وقوله: عوضا فاسدا) أي لعدم الصيغة، ولان ما ذكر لا يصح أن يكون عوضا. (وقوله: في مقابلة اللبس) أي لبس الحلي المرهون، والانسب في مقابلة الارتهان واللبس (قوله: ولو اختلفا الخ) شروع في الاختلاف في الرهن وما يتبعه، وقد عقد المنهاج له فصلا مستقلا (قوله: في أصل رهن) أي رهن تبرع، وهو الذي لم يشترط في بيع أو رهن مشروط في بيع (قوله: كأن قال) أي الدائن الذي هو المرتهن. (وقوله: رهنتني كذا) أي ثوبا، أو حليا، أو عبدا، أو غير ذلك. (وقوله: فأنكر الآخر) أي أصل الرهن، وقال لم أرهنك شيئا. وهذا الذي وضعته عندك مثلا وديعة. وتسميته حينئذ راهنا: بحسب زعم المرتهن، أو بحسب الصورة (قوله: أو في قدره) أي أو في عينه، كأن قال رهنتي هذا العبد، فقال بل الثوب أو صفته كقدر الاجل. (وقوله: أي المرهون) في كلامه استخدام، لانه ذكر الرهن أولا بمعنى العقد، وأعاد عليه الضمير بمعنى المرهون (قوله: أو قدر المرهون به) أي أو اختلفا في قدر المرهون به: أي الدين الذي رهن هذا الشئ فيه، أي أو في عينه كدراهم ودنانير، أو صفته: كأن يدعي المرتهن أنه رهن على المائة الحالة، فيستحق الآن بيعه، وادعى الراهن أنه على المؤجل. (وقوله: كبألفين) أي كأن قال المرتهن رهنتني الارض، أو العبد بألفين، فقال له الراهن بل بألف، وفائدة ذلك: انفكاك الرهن بأداء الالف على أن القول قول الراهن، وعدم انفكاكه بأدائها على أن القول قول المرتهن (قوله: صدق راهن بيمينه) جواب لو. وفي سم ما نصه: في شرح العباب قال الزركشي: والكلام في الاختلاف بعد القبض، لانه قبله لا أثر له في تحليف ولا دعوى، ويجوز أن تسمع فيه الدعوى، لاحتمال أن ينكل الراهن، فيحلف المرتهن، ويلزم الراهن بإقباضه له، كما ذكره في الحوالة والقرض ونحوهما. اه‍. اعتمده م ر: هذا الاحتمال. اه‍ (قوله: وإن كان المرهون بيد المرتهن) غاية لتصديق الراهن، وهي للرد على القول الضعيف القائل: إذا كانت العين بيد المرتهن: فهو المصدق، ترجيحا لدعواه بيده - كما في الدميري - اه‍. بحيرمي. (قوله: لان الاصل عدم الخ) وإن لم يبين الراهن جهة كونه في يده، وهو تعليل لتصديق الراهن (قوله: ولو ادعى مرتهن هو) أي ذلك المرهون. (وقوله: بيده) أي المرتهن. ومثل ذلك: ما إذا كان بيد الراهن، وقال المرتهن رهنتني إياه، وأخذته مني للانتفاع به مثلا (قوله: أنه الخ) المصدر المؤول مفعول ادعى، وضميره يعود على المرهون ويصح عوده على المرتهن (وقوله: قبضه بالاذن) أي إذن الراهن (قوله: وأنكره الراهن) أي أنكر القبض بالاذن (قوله: صدق) أي الراهن، لان الاصل: عدم لزوم الرهن، وعدم إذنه في القبض عن الرهن. قال ع ش: وعليه فلو تلفت في هذه الحالة في يد المرتهن - فهل يلزمه قيمتها وأجرتها أم لا ؟ فيه نظر. والاقرب: الثاني. لان يمين الراهن: إنما قصد به دفع دعوى المرتهن لزوم الرهن، ولا يلزم من ذلك ثبوت الغصب ولا غيره. اه‍ (قوله: وقال أديته عن ألف الرهن) أي أو عن ألف الكفيل (قوله: صدق) أي من قال ذلك (قوله: لان المؤدي أعرف بقصده وكيفيته) أي الاداء. قال ع ش: ومن ذلك ما لو اقترض شيئا ونذر أن للمقرض كذا ما دام المال في ذمته أو شئ منه، ثم دفع له قدرا يفي بجميع المال، وقال قصدت به الاصل: فيصدق، ولو كان المدفوع من غير جنس الدين. اه‍ (قوله: ومن ثم الخ) أي ومن أجل التعليل المذكور، وهو أن المؤدي

[ 79 ]

أعلم بقصده وكيفية أدائه، يؤخذ أنه لو أدى لدائنه شيئا وقصد أنه عن دينه: وقع عنه. وذلك لانه مؤد، وهو أعلم بقصده. والظاهر أنه يقال هنا أيضا إذا لم ينو شيئا حال الاداء، ثم بعده نوى أنه عن الدين: وقع عنه (قوله: ثم إن لم ينو الخ) مرتبط بالمسألة الاولى، أعني قوله من عليه ألفان، أي ثم إن لم ينو الدافع الذي عليه ألفان وبأحدهما رهن أو كفيل بالالف التي دفعها شيئا: أي لم يلاحظ حال الدافع أنها عن ألف الرهن أو غيرها (قوله: جعله) أي ما أداه عما شاء منهما: أي من ألف الرهن، أو الكفيل، أو الالف الثانية التي فيها رهن ولا كفيل، فإن جعله عنهما: قسط عليهما بالسوية، فإن مات قبل التعيين قام وارثه مقامه. وقوله لان التعيين إليه: أي أمره موجه إليه، أي المؤدي. (خاتمة) نسأل الله حسنها. من مات وعليه دين مستغرق أو غيره لله تعالى، أو لآدمي: تعلق بتركته كتعلق الدين بالمرهون، لان ذلك أحوط للميت، وأقرب لبراءة ذمته، فلا ينفذ تصرف الوارث في شئ منها غير إعتاقه وإيلاده إن كان موسرا كالمرهون سواء أعلم الوارث الدين أم لا، لان ما تعلق بالحقوق: لا يختلف بالعلم والجهل، ولا يمنع التعلق إرثا، ولا يتعلق الدين بزوائد التركة الحادثة بعد الموت. ولو تصرف الوارث ولا دين، فظهر دين بنحو رد مبيع بعيب: تلف ثمنه، ولم يسقط الدين بأداء أو إبراء أو نحوه: فسخ التصرف، لانه كان سائغا له في الظاهر (قوله تتمة: المفلس الخ) قد أفردها الفقهاء بكتاب مستقل، والاصل فيه: ما رواه الدارقطني وصحح الحاكم إسناده أن النبي (ص) حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال النبي (ص): ليس لكم إلا ذلك، ثم بعثه إلى اليمن، وقال لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك، فلم يزل باليمن حتى توفي النبي (ص) (وقوله: المفلس من عليه الخ) أي شرعا، وأما لغة: فهو المعسر. ويقال من صار ماله فلوسا، والمفلس في الآخرة. من تعطى حسناته لسيئاته، كما في الحديث، (وقوله: فين) أي لازم، فلا حجر بدين غير لازم، كمال كتابة، لتمكن المدين من إسقاطه. (وقوله: الآدمي) أي أو لله تعالى، بشرط فوريته، فلا حجر بدين لله تعالى غير فوري، كنذر مطلق، وكفارة لم يعص بسببها، هذا ما جرى عليه شيخ الاسلام وابن حجر. وفي المغني والنهاية: عدم الحجر بديون الله تعالى لا فرق فيها بين الفورية وغيرها، (وقوله: حال) فلا حجر بمؤجل، لانه لا يطالب به. وقوله زائد على ماله: فلا حجر بالمساوي لماله، أو الناقص عنه. والمراد بماله: ماله العيني، أو الدين الذي يتيسر الاداء منه حالا، بأن يكون على ملئ مقر أو عليه به بينة، بخلاف نحو منفعة، ومغصوب، وغائب، ودين ليس كذلك، فلا تعتبر الزيادة عليها، لانها بمنزلة العدم قال في التحفة وأفهم قوله على ماله أنه إذا لم يكن له مال: لا حجر عليه وبحث الرافعي: الحجر عليه منعا له من التصرف فيما عساه أن يحدث: مردود بأن الاصح أن الحجر إنما هو على ماله دون نفسه وما يحدث إنما يدخل تبعا - لا استقلالا. اه‍ (قوله: يحجر عليه) جملة مستأنفة لبيان حكم المفلس، يعني أن المفلس: هو من عليه الخ. وحكمه أنه يحجر عليه الخ. ويصح كونها خبرا عن المفلس، واسم الموصول بعده بدل منه، والحاجر عليه الحاكم بلفظ يدل عليه: نحو منعته من التصرف في أمواله، أو حجرت عليه فيها، أو أبطلت تصرفاته فيها (قوله: بطلبه) أي ولو بوكيله: بأن أثبت غرماؤه الدين عليه فطلب وحده، لان له فيه غرضا ظاهرا أما طلبه بدون ذلك: فلا يؤثر. اه‍ حجر (قوله: أو طلب غرمائه) أي ولو بنوا بهم، كأوليائهم، لان الحجر لحقهم، ولا يحجر عليه بغير طلب منهم، لانه لمصلحتهم، وهم أصحاب نظر. نعم: لو ترك ولي المحجور السؤال فعله الحاكم، وجوبا، نظرا لمصلحة المحجور عليه، ومثله ما لو كان المسجد، أو جهة عامة: كالفقراء، أو المسلمين فيمن مات وورثوه وله مال على مفلس والدين مما يحجر به (قوله: وبالحجر) الباء سببية. (وقوله يتعلق حق الغرماء بماله): أي عينا كان أو دينا، ولو مؤجرا، فلا يصح إبراؤه منه أو منفعة، فتؤجر أم ولده وما وقف

[ 80 ]

عليه مرة بعد أخرى حتى يوفي ما عليه من الدين. ويستثنى من ذلك: ما لو حجر عليه في زمن خيار البيع، فإنه لا يتعلق حق الغرماء بالمعقود عليه، بل يجوز له الفسخ والاجازة على خلاف المصلحة. وخرج بحق الغرماء: حق الله تعالى غير الفوري، على ما مر، كزكاة، وكفارة، ونذر، فلا يتعلق بمال المفلس (قوله: فلا يصح تصرفه) أي المفلس فيه: أي في ماله بما يضرهم: أي الغرماء. وفي البجيرمي ما نصه: ضابط ما لا يصح منه من التصرفات: هو كل تصرف ما لي متعلق بالعين مفوت على الغرماء حقهم إنشائي في الحياة ابتداء، فخرج بالمال: نحو الطلاق، وبالعين: الذمة كالسلم، وبالمفوت: ملكه من يعتق عليه بهبة أو إرث أو صداق لها، بأن كانت محجورا عليها وجعل من يعتق عليها صداقا لها أو وصية. وبالانشاء: الاقرار، وبالحياة: التدبير والوصية ونحوهما وبالابتداء: رده بعيب ونحوه. قال الاذرعي وله التصرف في نفقته وكسوته بأي وجه كان. ق ل. وقوله كوقف وهبة: أي وإيلاد على المعتمد، (قوله: ولا بيعه الخ) معطوف على تصرفه: أي ولا يصح بيع المفلس، ولو على غرمائه، وذلك لان الحجر يثبت لاجل الغرماء الحاضرين وغيرهم. ومن الجائز أن يكون له غريم آخر. والغاية للرد على القائل بصحة البيع حينئذ إن اتحذ جنس الدين، وباعهم بلفظ واحد. وقوله بغير إذن القاضي - فإن كان بإذنه: صح (قوله: ويصح إقراره الخ) أي فيقبل في حق الغرماء ما أقر به، فيأخذ المقر له العين المقر بها، ويزاحمهم في الدين. (وقوله: بعين) أي مطلقا أسند وجوبها لما قبل الحجر، أولا، (وقوله: أو دين أسند وجوبه) أي ثبوته في ذمته لما قبل الحجر، فإن أسند وجوبه لما بعد الحجر، وقيده بمعاملة أو لم يقيده بها ولا بغيرها، أو لم يسند وجوبه لما قبل الحجر ولا لما بعده: لم يقبل إقراره في حقهم، فلا يزاحمهم المقر له. وأما في حقه: فيقبل، فما أقر به: يثبت في ذمته (قوله: ويبادر قاض ببيع ماله) أي ندبا، وقيل وجوبا. وذلك لئلا يطول زمن الحجر، ولا يشرع في المبادرة لئلا يطمع فيه بثمن بخس. ومراده بالقاضي: قاضي بلد المفلس، إذ الولاية على ماله، ولو بغير بلده، له تبعا للمفلس. ومثل ماله، كما في ق ل، النزول عن الوظائف بدراهم. (وقوله: ولو مسكنه وخادمه) أي ومركوبه، وإن احتاجها لمنصبه، أو غيره كزمانة، لان تحصيلها بالكراء يمكن، بل هو أسهل. (وقوله: بحضرته مع غرمائه) أي والبيع المذكور يكون بحضرة المفلس، أي أو نائبه، وبحضرة الغرماء، أي أو نوابهم، وذلك لان ما ذكر: أطيب للقلوب، وأنفى للتهمة، ولان المفلس قد يبين ما في ماله من العيب فلا يرد، أو يذكر صفة مطلوبة فتكثر فيه الرغبة، وهم قد يزيدون في الثمن (قوله: وقسم ثمنه الخ) معطوف على بيع ماله: أو ويبادر القاضي بعد البيع بقسم ثمنه بينهم، فهم مقدمون على غيرهم، كما تقدم - نعم: يقدم المفلس على الغرماء بمؤنته ومؤنة عياله ومؤن تجهيز وتجهيزهم ويترك له ولهم دست ثوب يليق بهم، وهي بفتح الدال: جملة من الثياب، وهي المسماة في عرف العامة بالبدلة: وهي قميص، وسراويل، ومنديل ومكعب: أي مداس، بكسر الميم وزاد في الشتاء نحو جبة، وفروة ولا يترك له فرش وبسط، ولكن يتسامح باللبد والحصير القليل القيمة. ويترك للعالم: كتبه - إن لم يكتف عنها بكتب الوقف، ويترك للجندي سلاحه وخيله المحتاج إليهما، إن لم يكن متطوعا بالجهاد، وإلا فوفاء الدين له أفضل (قوله: كبيع مال الخ) الكاف للتنظير - يعني أن القاضي يبادر ببيع مال المفلس وقسمه، كما أنه له ذلك في مال ممتنع من أداء حق وجب عليه أداؤه. وعبارة النهاية: وما ثبت للمفلس من بيع ماله، كما ذكر، رعاية لحق الغريم، يأتي نظيره في ممتنع عن أداء حق وجب عليه: بأن أيسر وطالبه به صاحبه وامتنع من أدائه، فيأمر الحاكم به، فإن امتنع وله مال ظاهر وهو من جنس الدين. وفى منه، أو من غيره باع عليه ماله إن كان بمحل ولايته. ولكن يفارق الممتنع: المفلس، في أنه لا يتعين على القاضي بيع ماله كالمفلس، بل له بيعه، كما تقرر، وإكراه الممتنع مع تعزيره بحبس أو غيره على بيع ما يفي بالدين من ماله، لا على بيعه جميعه مطلقا. الخ. اه‍ (قوله: ولقاض إكراه الخ) بيان لما يفارق فيه الممتنع المفلس. (وقوله: بالحبس) متعلق بإكراه. (وقوله: وغيره) أي

[ 81 ]

الحبس. (وقوله: من أنواع التعزير) بيان لغير الحبس (قوله: ويحبس مدين مكلف الخ) وإذا ادعى أنه معسر، أو قسم ماله بين غرمائه، أو أن ماله المعروف تلف، وزعم أنه لا يملك غيره، وأنكر الغرماء ذلك، فإن لزمه الدين في معاملة مال، كشراء، أو قرض، فعليه البينة بإعساره في الاولى، وبأنه لا يملك غيره في الثانية، لان الاصل: بقاء ما وقعت عليه المعاملة، وبالتلف في الثالثة: وإن لم يلزمه في معاملة مال، كصداق وضمان وإتلاف، ولم يعهد له مال: صدق بيمينه في الاصح، لانه خلق، ولا مال له، والاصل بقاء ذلك. والبينة: رجلان، لا رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين، ويشترط في بينة الاعسار: خبره باطنة بطول جوار، وكثرة مخالطة، لان الاموال تخفى، وأما بينة التلف: فلا يشترط فيها ما ذكر، ولتقل عند الشهادة: هو معسر، لا يملك إلا ما يبقى لممونه، فتقيد النفي، ولا تمحضه: كقولها لا يملك شيئا لانه كذب (قوله: لا أصل الخ) أي لا يحبس أصل بدين فرعه، لانه عقوبة، ولا يعاقب الوالد بالولد، ولا فرق بين دين النفقة وغيرها (قوله: خلافا للحاوي كالغزالي) أي خلافا لما جرى عليه في الحاوي الصغير، تبعا للغزالي من حبسه، لئلا يمتنع من الاداء فيعجز الابن عن الاستيفاء منه، ورد بمنع العجز عن الاستيفاء لانه مبني ثبت للوالد مال: أخذه القاضي قهرا وصرفه إلى دينه (قوله: وإذا ثبت إعسار مدين) أي بالبينة إن عهد له مال، أو باليمين إن لم يعهد له مال، كما تقدم، وقوله لم يجز حبسه: أي لقوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (1) (وقوله: ولا ملازمته) أي دوام مطالبته (قوله: بل يمهل) أي ولا يحبس، ولا يطالب، بل تحرم مطالبته (قوله: وللدائن ملازمة من لم يثبت إعساره) أي مطالبته بدلا عن الحبس (قوله: ما لم يختر المدين) إظهار في مقام الاضمار (قوله: فيجاب) أي المدين. (وقوله: إليه) أي إلى ما اختاره، والفعل منصوب بأن مضمرة، لوقوعها بعد فاء السببية، الواقعة بعد النفي (قوله: وأجرة الحبس، وكذا الملازم) أي السجان على المدين، أي المحبوس، ومثل ذلك: نفقته، فهي عليه، هذا إذا كان له مال ظاهر، فإن لم يكن له مال: فعلى بيت المال، وإلا فعى مياسير المسلمين (قوله: وللحاكم منع المحبوس الاستئناس بالمحادثة) أي وشم الرياحين لترفه. (وقوله: وحضور الجمعة)، بالنصب: عطف على الاستئناس - أي ومنعه حضور الجمعة. (وقوله: وعمل الصنعة) أي ومنعه عمل الصنعة. والذي في فتح الجواد: لا يمنعه من عمل الصنعة. اه‍ (قوله: إن رأي) أي الحاكم المصلحة فيه. أي في المنع المذكور (قوله: ويجوز لغريم المفلس الخ) ذلك لخبر الصحيحين إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها: فهو أحق بها من الغرماء ولخبر أبي هريرة أيما رجل أفلس، أو مات مفلسا: فصاحب المتاع أحق بمتاعه وخرج بغريم المفلس: غريم موسر ممتنع، أو غائب، أو ميت، وإن امتنع وارثه، فلا يرجع في متاعه، وذلك لامكان الاستيفاء بالسلطان، وعجزه نادر. (وقوله: المحجور عليه) بدل من المفلس، أو صفة له. (وقوله: أو الميت) أي أو المفلس الذي مات، ولو قبل الحجر. (قوله: الرجوع) أي بشروط تسعة - أولها: كونه في معاوضة محضة كبيع، وهي التي تفسد بفساد المقابل، فخرج: النكاح، والخلع، فلو تزوج امرأة بصداق في ذمته، ودخل بها، ثم أفلس: فليس لها الرجوع في بعضها، أو خالعها على عوض في ذمتها، ثم حجر عليها بالفلس، فليس له الرجوع في المرأة. ثانيها: رجوعه عقب علمه بالحجر. ثالثها: كون رجوعه بنحو فسخت البيع. رابعها: كون عوضه غير مقبوض، فلو كان قبض منه شيئا: ثبت الرجوع بما يقابل الباقي. خامسها: تعذر استيفاء العوض بسبب الافلاس. سادسها: كون العوض


(1) سورة البقرة، الاية: 280.

[ 82 ]

دينا، فلو كان عينا: قدم بها على الغرماء سابعها: حلول الدين. ثامنها: بقاؤه في ملك المفلس. تاسعها: عدم تعلق حق لازم به. وقد ذكر المؤلف بعض هذه الشروط (قوله: فورا) خرج به تراخي العالم، بأن له ذلك فورا لتقصيره، بخلاف الجاهل، ولو كان مسلما مخالطا لنا: فيما يظهر، لخفاء ذلك على أكثر العامة، بل المتفقهة. وقوله إلى متاعه: أي كله، إن لم يقبض شيئا من الثمن، أو بعضه: إن قبض شيئا منه. (وقوله: إن وجد) أي المتاع في ملكه، أي المفلس وخرج به: ما لو خرج عن ملكه حسا أو شرعا: كتلف، وبيع، ووقف، فلا رجوع. (وقوله: ولم يتعلق به حق لازم) أي يمنع بيعه. وخرج به: ما لو تعلق به ذلك، كرهن مقبوض، وجناية توجب مالا متعلقا برقبته، وكتابة صحيحة، فلا رجوع أيضا. (وقوله: والعوض حال) أي دين حال وتعذر حصوله بسبب الافلاس. فخرج بدين: العين، كما لو اشترى عبدا بأمة ولم يسلمها للبائع حتى حجر عليه، فيطالب البائع بها، ولا يرجع في العبد - وبحال: أي وقت الرجوع ما لو كان مؤجلا وقته وبتعذر حصوله بسبب الافلاس: ما لو لم يتعذر بسببه - كأن كان به رهن يفي، أو ضمان ملئ مقر، فلا رجوع في جميع هذه المخرجات (قوله: وإن تفرخ البيض الخ) أي: له الرجوع في عين ماله، وإن تغيرت صفته: كأن صار البيض فرخا، أو صار البذر نباتا، أو صار الزرع مشتد الحب. وفي البجيرمي ما نصه: ولو تغيرت صفة المبيع حتى صار الحب زرعا أخضر، أو البيض فرخا، أو العصير خلا، أو الزرع مشتد الحب، أو زوجت الامة وولدت، أو خلط الزيت أو نحوه من المثليات بمثله، أو بدونه: رجع البائع فيه نباتا، وفراخا، وخلا، ومشتد الحب، لانها من عين ماله، اكتسبت صفة أخرى، فأشبه صيرورة الودي نخلا. اه‍. ابن حجر: قال سم: وقياسه على الودي في مجرد ثبوت الرجوع، فلا ينافي أن الزيادة في الودي إذا صار نخلا للبائع، كما هو ظاهر، بخلاف الزيادة في المذكورات، فإنها للمفلس. اه‍ (قوله: ولو بلا قاض) أي فلا يحتاج في الرجوع إلى الرفع له. (وقوله: بنحو فسخت) متعلق بيحصل - أي يحصل بنحو فسخت العقد: كنقضته، أو أبطلته (قوله: لا بنحو بيع وعتق) أي لا يحصل الرجوع بنحو بيع وعتق من وقف ووطئ. قال في النهاية: وتلغو هذه التصرفات، لمصادفتها ملك الغير. اه‍. (وقوله: فيه) أي في المبيع. وفي: بمعنى اللام، أي له. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل أي في بيان حجر المجنون والصبي والسفيه. (واعلم) أن الحجر نوعان: نوع شرع لمصلحة الغير قصدا وبالذات، كالحجر على المفلس للغرماء، والراهن للمرتهن في المرهون، والمريض للورثة في ثلثي ماله، والعبد لسيده، والمكاتب لسيده، ولله تعالى، والمرتد للمسلمين، ولها تراجم، تقدم بعضها، وبعضها يأتي. ونوع شرع لمصلحة المحجور عليه، وهو ما ذكر في هذا الفصل، وقد نظم بعضهم أقسام الحجر بنوعيه بقوله: ثمانية لم يشمل الحجر غيرهم تضمنهم بيت وفيه محاسن: صبي، ومجنون، سفيه، ومفلس رقيق، ومرتد، مريض، وراهن فالثلاثة الاول: حجر عليهم لحقهم، ومن بعدهم لحق غيرهم. والرقيق في البيت: شامل للقن وللمكاتب. وفي قوله لم يشمل الحجر غيرهم نظر ظاهر، وذلك لعدم انحصار النوع الاول، إذ منه: الحجر على السيد في العبد الذي

[ 83 ]

كاتبه، والحجر على الورثة في التركة، والحجر على المشتري في المبيع قبل القبض. وقد أنهاه بعضهم إلى نحو سبعين صورة، بل قال الاذرعي: هذا باب واسع جدا، لا تنحصر أفراد مسائله (قوله: يحجر بجنون الخ) وذلك لقوله تعالى: * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها، أو ضعيفا، أو لا يستطيع أن يمل هو، فليملل وليه بالعدل) * (1) فجعل تعالى لهم أولياء، فدل على الحجر عليهم. وفسر الامام الشافعي - رضي الله عنه - السفيه: بالمبذر، والضعيف: بالصبي، والذي لا يستطيع أن يمل هو: بالمغلوب على عقله - وهو المجنون - ثم إن معنى الحجر لغة: المنع. ومنه تسمية العقل حجرا: لمنعه صاحبه من ارتكاب ما لا يليق، وهذا إذا كان بفتح الحاء. وأما إذا كان بكسرها: فيطلق على الفرس، وعلى حجر إسماعيل، وعلى العقل وعلى حجر ثمود، وعلى المنع، وعلى الكذب، وعلى حجر الثوب ونظمها بعضهم في قوله: ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجروحزت حجرا عظيما ما دخلت الحجر لله حجر منعني من دخول الحجر ما قلت حجرا ولو أعطيت مل ء الحجر فقوله ركبت حجرا: أي فرسا. وطفت البيت خلف الحجر: أي حجر إسماعيل. وحزت حجرا: أي عقلا، ما دخلت الحجر: أي حجر ثمود، لله حجر: أي منع، منعني من دخول الحجر: أي حجر ثمود، فهو مكرر، ما قلت حجرا: أي كذبا. ولو أعطيت مل ء الحجر: أي حجر الثوب. ومعنى الحجر شرعا: منع من تصرف خاص بسبب خاص. والحاجر لغير السفيه، هو الولي الآتي بيانه. وللسفيه فيه تفصيل: حاصله أنه إن بلغ رشيدا، ثم بذر: يكون القاضي هو الحاجر، فهو وليه لا غير - فإن لم يحجر عليه: يسمى سفيها، مهملا، وتصرفاته غير نافذة. وقوله: بجنون: وهو يسلب العبارة، أي ما يعبر به عن المقصود: كعبارة المعاملة، والدين بكسر الدال كالبيع والاسلام. ويسلب الولاية: كولاية النكاح، والايتام، وكالايصاء. (وقوله: إلى إفاقة) أي ويستمر ذلك الحجر إلى إفاقة منه، فإذا أفاق: ينفك من الحجر بلا فك قاض، لانه حجر ثبت بلا قاض، فلا يتوقف زواله على فكه (قوله: وصبا) معطوف على جنون: أي ويحجر بصبا قائم بذكر أو أنثى ولو مميزا، وهو أيضا يسلب العبارة والولاية، إلا ما استثنى من عبادة مميز، وإذن في دخول، وإيصال هدية (قوله: إلى بلوغ) أي ويستمر حجره إلى بلوغ، فإذا بلغ: انفك من حجر الصبا. وعبر في المنهاج: ببلوغه رشيدا، ولا خلاف في ذلك، فمن عبر ببلوغه رشيدا: أراد الانفكاك الكلي. ومن عبر ببلوغه: فقد أراد الانفكاك من حجر الصبا فقط، وهذا أولى، لان الصبا: سبب مستقل في الحجر، وكذا التبذير، وأحكامهما متغايرة (قوله: بكمال خمس عشرة سنة) متعلق بمحذوف: أي ويحصل البلوغ بكمال ذلك، لخبر ابن عمر عرضت على النبي (ص) يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، ورآني بلغت رواه ابن حبان. وقوله: وأنا ابن خمس عشرة سنة: أي استكملتها، لان غزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث، والخندق في جمادى سنة خمس، فبينهما سنتان. وقوله تحديدا: قال في النهاية: فلو نقصت يوما لم يحكم ببلوغه، وابتداؤها من انفصال جميع الولد. اه‍ (قوله: بشهادة عدلين خبيرين) متعلق بمحذوف أيضا: أي ويحكم له بالبلوغ بذلك بشهادة عدلين خبيرين، بأن عمره خمس عشرة سنة (قوله: أو خروج مني) معطوف على كمال خمس عشرة سنة: أي ويحصل البلوغ أيضا بخروج مني لآية * (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم) * (2) والحلم: الاحتلام وهو لغة: ما يراه النائم، أي من إنزال المني وقيل مطلقا. والمراد به هنا: خروج المني في نوم، أو يقظة: بجماع، أو غيره. قال في التحفة: وخرج بخروجه: ما لو أحس بانتقاله من صلبه، فأمسك ذكره، فرجع، فلا يحكم ببلوغه - كما لا غسل عليه - اه‍. (وقوله: أو حيض) معطوف على مني: أي أو خروج حيض (قوله: وإمكانهما) أي


(1) سورة البقرة، الاية: 282. (2) سورة النور، الاية: 59.

[ 84 ]

خروج المني، وخروج الحيض. (وقوله: كمال تسع سنين) أي قمرية تقريبا عند حجر. وعند م ر: تحديدا في خروج المني، وتقريبا في الحيض. وفرق بينهما: بأن الحيض ضبط له أقل وأكثر، فالزمن الذي لا يسع أقل الحيض والطهر: وجوده كالعدم، بخلاف المني (قوله: ويصدق مدعى الخ) أي إلا أن طلب سهم المقاتلة: كأن كان من الغزاة، أو طلب إثبات اسمه في الديوان، فإنه يحلف. اه‍. بجيرمي. (وقوله: ولو في خصومة) أي ولو في دعوى خصومة، وهو غاية لتصديقه في ذلك. (وقوله: بلا يمين) متعلق بيصدق. (وقوله: إذ لا يعرف) أي البلوغ بالامناء أو الحيض. (وقوله: إلا منه) أي إلا من مدعيه (قوله: ونبت العانة الخ) مبتدأ، خيره أمارة. وذلك لخبر عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون من أنبت الشعر: قتل، ومن لم ينبت: لم يقتل، فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي رواه ابن حبان والحاكم والترمذي، وقال حسن صحيح. ومثل نبت العانة في ذلك: الحبل، فهو أمارة على البلوغ بالامناء، فيحكم بعد الوضع بالبلوغ قبله بستة أشهر ولحظة. (وقوله: الخشنة) ليس قيدا، بل المدار على ما يحتاج في إزالتها إلى حلق، ولو كانت ناعمة، (وقوله: في حق كافر) خرج به المسلم، فلا يكون علامة في حقه. (وقوله: أمارة على بلوغه) أي فإذا ادعى عدم البلوغ: لم يصدق (قوله: ومثله) أي الكافر في أن نبت العانة أمارة على ما ذكره. (وقوله: ولد من جهل إسلامه) أي لم يدر، هل هو مسلم أو كافر ؟ (قوله: لا من عدم الخ) معطوف على ولد: أي ليس مثله من عدم من يعرف سنه، أي أن من عدم الشهود الذين يعرفون سنه: لا يكون مثل الكافر، في كون نبات العانة أمارة على بلوغه (قوله: وقيل يكون) أي نبت العانة. وقوله علامة في حق المسلم أيضا: أي كما أنه علامة في حق الكافر (قوله: وألحقوا الخ) عبارة التحفة: وخرج بها نبات نحو اللحية، فليس بلوغا، كما صرح به في الشرح الصغير في الابط، وألحق به اللحية والشارب بالاولى، فإن البغوي ألحق الابط بالعانة، دونهما. وفي كل ذلك نظر، بل الشعر الخشن من ذلك - كالعانة - في ذلك، وأولى، إلا أن يقال: أن الاقتصار عليهما أمر تعبدي. اه‍ (قوله: وإذا بلغ الصبي رشيدا: أعطي ماله) أي لزوال المانع، ولآية * (فإن آنستم منهم رشدا، فادفعوا إليهم أموالهم) * (1) فلو بذر بعد بلوغه رشيدا، بأن زال صلاح تصرفه في ماله، حجر عليه الحاكم، دون غيره: من أب، أو جد، وذلك لقوله تعالى: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * (2) أي لا تؤتوا أيها الاولياء: السفهاء المبذرين، من الرجال، والنساء، والصبيان، أموالهم التي تحت أيديكم. فإضافة أموال إلى المخاطبين: لادنى ملابسة. ولو زال صلاحه في دينه مع بقاء صلاحه في ماله بعد رشده: لم يحجر عليه، لان السلف: لم يحجروا على الفسقة (قوله: والرشد صلاح الدين والمال) أي معا، كما فسره به ابن عباس رضي الله عنهما في آية * (فإن آنستم منهم رشدا) * (3) وقيل هو صلاح المال فقط، وعليه الامام مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، ومال إليه ابن عبد السلام. ويختبر، وجوبا، رشد الصبي في الدين والمال قبيل البلوغ، ليعرف رشده وعدمه، لآية * (وابتلوا اليتامى) * (4) واليتيم: إنما يقع على غير البالغ، أما في الدين: فبمشاهدة حاله في العبادات بقيامه بالواجبات، واجتنابه المحظورات والشبهات. وأما في المال: فيختلف بمراتب الناس، فيختبر ولد تاجر: بمشاحة في معاملة، ويسلم له المال ليماكس لا ليعقد، ثم إن أريد العقد: عقد وليه. ويختبر ولد زراع: بزراعة، ونفقة عليها، بأن


(1) سورة النساء، الاية:: 6. (2) سورة النساء، الاية:: 5. (3) سورة النساء، الاية:: 6. (4) سورة النساء، الاية:: 6.

[ 85 ]

ينفق على القائمين بمصالح الزرع، ويختبر ولد المحترف: بما يتعلق بحرفته. وتختبر المرأة: بأمر غزل، وصون نحو أطعمة عن نحو هرة. ويختبر الخنثي: بما يختبر به الذكر والانثى. ويشترط: تكرر الاختبار مرتين أو أكثر، حتى يغلب على الظن رشده، فلا تكفي المرة، لانه قد يصيب فيها، اتفاقا (قوله: بأن لا يفعل محرما) تصوير لصلاح الدين. واحترز بالمحرم، عما يمنع قبول الشهادة لاخلاله بالمروءة، كالاكل بالسوق، فلا يمنع الرشد، لان الاخلال بالمروءة: ليس بحرام على المشهور. (وقوله: من ارتكاب كبيرة) أي مطلقا. غلبت طاعاته معاصيه أو لا (قوله: مع دم غلبة طاعاته معاصيه) راج للاصرار على الصغيرة، فإن أصر عليها لكن مع غلبة طاعاته معاصيه. بأن يكون مواظبا على فعل الواجبات، وترك المنهيات، يكون رشيدا (قوله: وبأن لا يبذر الخ) تصوير لصلاح المال (قوله: باحتمال الخ) قال البجيرمي: لم يظهر للفظ احتمال فائدة، فلعلها زائدة. فتأمل. (وقوله: غبن فاحش في المعاملة: أي وقد جهله حال المعاملة، فإن كان عالما به: كان الزائد صدقة خفية محمودة (واعلم) أنه لا يصح تصرف المبذر ببيع ولا غيره، كما سيأتي، قال سم: وقد يشكل عليه قصة حبان بن منقذ: أنه كان يخدع في البيوع، وأنه (ص) قال له من بايعت فقال لا خلابة الخ، فإنها صريحة في أنه كان يغبن، وفي صحة بيعه مع ذلك، لانه (ص) لم يمنعه من ذلك، بل أقره، وأرشده إلى اشتراط الخيار إلا أن يجاب بأنه: من أين كان يغبن غبنا فاحشا ؟ فلعله إنما كان يغبن غبنا يسيرا. ولو سلم: فمن أين أن غبنه كان عند بلوغه ؟ فلعله عرض له بعد بلوغه رشيدا، ولم يحجر عليه، فيكون سفيها مهملا، وهو يصح تصرفه، لكن قد يشكل على الجواب بما ذكر: أن ترك الاستفصال في وقائع الاحوال ينزل منزلة العموم في المقال، وقد أقره (ص) على المبايعة، وأرشده إلى اشتراط الخيار، ولم يستفصل عن حاله: هل طرأ له بعد بلوغه رشيدا أو لا ؟ وهل كان الغبن فاحشا أو يسيرا ؟ فليتأمل. اه‍ (قوله: أيضا - غبن فاحش) هو ما لا يحتمل غالبا. وخرج به: اليسير - كبيع ما يساوي عشرة من الدراهم: بتسعة منها، فلا يكون مبذرا به (قوله: وإنفاقه) معطوف على احتمال: أي أو بتضييع المال بإنفاقه الخ. ومثله: رميه في بحر. (وقوله: ولو فلسا) أي جديدا. وهو قطعة من النحاس كانت معروفة. (وقوله: في محرم) متعلق بإنفاق: أي إنفاقه في محرم، أي ولو صغيرة، لما فيه من قلة الدين (قوله: وأما صرفه) أي المال، وهو مقابل إنفاقه في محرم (قوله: ووجوه الخير) معطوف على الصدقة: عطف عام على خاص (قوله: التي لا تليق به) صفة للثلاثة قبله (قوله: فليس بتبذير) أي على الاصح، لان له في ذلك غرضا صحيحا، وهو الثواب، أو التلذذ. ومن ثم قالوا: لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف. وفرق الماوردي بين التبذير والسرف، بأن الاول: الجهل بمواقع الحقوق. والثاني: الجهل بمقاديرها. وكلام الغزالي يقتضي ترادفهما، ويوافقه قول غيره: حقيقة السرف ما يقتضي حمدا عاجلا، ولا أجرا آجلا. ومقابل الاصح: يكون مبذرا فيها إن بلغ مفرطا في الانفاق، فإن بلغ مقتصدا ثم عرض له ذلك بعد البلوغ، فلا (قوله: وبعد إفاقة) متعلق بقوله بعد يصح الخ (والحاصل) إذا زال المانع من الجنون والصبا بالافاقة في الاول، وبالبلوغ في الثاني: يرتفع حجر الجنون وحجر الصبا. وتقدم أن الصبي: مسلوب العبارة والولاية، فلا يصح عقوده، ولا إسلامه، ولو مميزا، ولا يكون قاضيا، ولا واليا، ولا يلي النكاح، إلا ما استثنى من عبادة المميز، والاذن في الدخول، وأن المجنون مسلوب ما ذكر من غير استثناء شئ، فإذا أفاق المجنون: صح منه جميع ما ذكر، أو بلغ الصبي كذلك: يصح منه جميع ما ذكر، إلا إن بلغ غير رشيد بعدم صلاحه في دينه وماله، فحينئذ يعتريه مانع آخر، وهو السفه. وحكم السفيه أنه مسلوب العبارة في التصرف المالي كبيع، وشراء، ولو بإذن الولي: إلا عقد النكاح منه بإذن وليه، فيصح، وتصح عبادته، بدنية، أو مالية، واجبة، ولكن لا يدفع المال، كالزكاة، بلا إذن من وليه، أما المالية المندوبة، كصدقة التطوع، فلا تصح منه (قوله: وكذا التصرف المالي) أي وكذلك يصح منه التصرف المالي. (وقوله بعد الرشد) قيد في صحة التصرف المالي منه - كما مر -

[ 86 ]

(قوله: وولي الصبي الخ) شروع في بيان من يلي الصبي مع بيان كيفية تصرفه. والمراد بالصبي: الجنس، فيشمل الصبية. قال في التحفة: وخرج بالصبي: الجنين، فلا ولاية لهؤلاء على ماله ما دام مجتنا: أي بالنسبة للتصرف فيه، لا لحفظه. ولا ينافيه ما يأتي من صحة الايصاء عليه، ولو مستقلا، لان المراد، كما هو ظاهر، أنه إذا ولد: بان صحة الايصاء. (وقوله: أب عدل، فأبوه وإن علا) أي كولاية النكاح، وإنما لم يثبت بعدهما لباقي العصبة، كالنكاح، لقصور نظرهم في المال، وكماله في النكاح. وتكفي عدالتهما الظاهرة: لوفور شفقتهما. فان فسقا: نزع الحاكم منهما المال - كما ذكره في باب الوصية. اه‍. نهاية. ولا يشترط إسلامهما، إلا أن يكون الولد مسلما، إذ الكافر يلي ولده الكافر، لكن إن ترافعوا إلينا: لم تقرهم، ونلي نحن أمرهم. اه‍. شرح المنهج (قوله: فوصي) أي ممن تأخر موته من الاب وأبيه، لقيامه مقامه، وشرطه العدالة أيضا (قوله: فقاضي بلد المولي) أي لخبر السلطان: ولي من لا ولي له رواه الترمذي والحاكم وصححه (قوله: إن كان) أي القاضي عدلا أمينا، فلو لم يوجد إلا قاض فاسق، أو غير أمين: كانت الولاية لصلحاء المسلمين، كما سيذكره بعد بقوله: فصلحاء الخ. (قوله: فإن كان ماله) أي الصبي. (وقوله: ببلد آخر) أي غير بلد الصبي. (وقوله: قولي ماله قاضي بلد المال في حفظه الخ) أي في هذه المذكورات فقط، أما بالنسبة لاستنمائه: فالولاية عليه لقاضي بلد المولي. وعبارة التحفة: والعبرة بقاضي بلد المولي - أي وطنه - وإن سافر عنه بقصد الرجوع إليه، كما هو ظاهر في التصرف والاستنماء، وبقاضي بلد ماله: في حفظه، وتعهده، ونحو بيعه، وإجارته عند خوف هلاكه. اه‍ (قوله: فصلحاء بلده) أي فإذا لم يوجد أحد من الاولياء المذكورين، فالولاية تكون لصلحاء المسلمين من أهل بلده - في النظر في مال محجورهم وتولى حفظه لهم - وفي النهاية: وأفتى ابن الصلاح فيمن عنده يتيم أجنبي، ولو سلمه لحاكم خان فيه - بأنه بجوز التصرف في ماله - للضرورة. اه‍ (قوله: ويتصرف الولي) أي أبا أو غيره: بالمصلحة، وذلك لقوله تعالى: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * وقوله: تعالى: * (وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح) * ومن المصلحة: بيع ما وهبه له أصله بثمن مثله: خشية رجوعه فيه، وبيع ما خيف خرابه، أو هلاكه، أو غصبه، ولو بدون ثمن مثله، (قوله: ويلزمه حفظ ماله) أي يلزم الولي حفظ مال المولي: من أسباب التلف (قوله: واستنماؤه) أي ويلزمه استنماؤه: أي طلب نموه وتكثيره. قال ع ش: فلو ترك استنماءه مع القدرة عليه، وصرف ماله عليه في النفقة: فهل يضمنه أو لا ؟ فيه نظر. وقياس ما يأتي - فيما لو ترك عمارة العقار حتى خرب: الضمان، وقد يفرق بأن ترك العمارة يؤدي إلى فساد المال، وترك الاستنماء إنما يؤدي إلى عدم التحصيل، وإن ترتب عليه ضياع المال في النفقة. اه‍. (وقوله: إن أمكنه) أي الاستنماء المذكور (قوله: وله السفر به) أي للولي السفر بمال المولي، (وقوله: في طريق آمن لمقصد آمن) خرج بذلك ما لو كان الطريق أو المقصد الذي يقصده مخوفا، فإنه يمتنع عليه السفر به. وكتب ع ش ما نصه: قوله: في زمن أمن، مفهومه أنه لو احتمل تلفه في السفر: امتنع. وفي سم على المنهج: فيه تردد، فليراجع، والاقرب المفهوم: المذكور، حيث قوي جانب الخوف. اه‍ (قوله: برا لا بحرا) أي له السفر به في البر، لا في البحر، وإن غلبت السلامة فيه، لانه مظنة عدمها. قال ع ش: ظاهره ولو تعين طريقا، وهو كذلك، حيث لم تدع ضرورة إلى السفر به. وقال في التحفة: نعم، إن كان الخوف في السفر ولو بحرا أقل منه في البلد ولم يجد من يقترضه: سافر به. (قوله: وشراء عقار يكفيه غلته) أي يكفي المولى غلته نفقة وكسوة وغيرهما (قوله: أولى


(1) سورة الانعام، الاية:: 152. (1) سورة البقرة، الاية:: 220.

[ 87 ]

من التجارة) هو خبر عن المبتدأ الذي هو شراء. قال في النهاية: ومحله عند الامن عليه من جور السلطان وغيره، أو خراب للعقار ولم يجد به ثقل خراج. اه‍ (قوله: ولا يبيع عقاره) أي لا يبيع الولي عقار المولي، لانه أسلم وأنفع من غيره. وفي المغني: وكالعقار، فيما ذكر، آنية القنية من نحاس وغيره، كما ذكره ابن الرفعة عن البندنيجي، قال: وما عداهما لا يباع أيضا، إلا لغبطة أو حاجة، لكن يجوز لحاجة يسيرة، وربح قليل لائق، بخلافهما. وينبغي. كما قال ابن الملقن، أنه يجوز بيع أموال التجارة من غير تقييد بشئ، بل لو رأى البيع بأقل من رأس المال، ليشتري بالثمن ما هو مظنة للربح: جاز، كما قاله بعض المتأخرين، اه‍ (قوله: إلا لحاجة) أي كخوف ظالم، أو خرابه، أو عمارة بقية أملاكه، أو لنفقته وليس له غيره ولم يجد مقرضا، أو رأى المصلحة في عدم القرض، أو لكونه بغير بلده ويحتاج لكثرة مؤنة لمن يتوجه لايجاره وقبض غلته، ويظهر ضبط هذه الكثرة، بأن تستغرق أجرة العقار أو قريبا منها، بحيث لا يبقى منها إلا مالا وقع له عرفا. اه‍. تحفة. (وقوله: أو غبطة ظاهرة) أي بأن يرغب فيه بأكثر من ثمن مثله، وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن أو خيرا منه بكله وفي البجيرمي ما نصه. تنبيه: المصلحة أعم من الغبطة، إذ الغبطة: بيع بزيادة على القيمة لها وقع، والمصلحة لا تستلزم ذلك، لصدقها بنحو شراء ما يتوقع فيه الربح، وبيع ما يتوقع فيه الخسران لو بقي. اه‍ (قوله: وأفتى بعضهم بأن للولي الصلح على بعض دين المولي. الخ) قال في التحفة، بعد ذكر الافتاء المذكور، وفيه نظر: إذ لا بد في صحة الصلح من الاقرار. اللهم إلا أن يفرض خشية ضياع البعض، ولو مع الاقرار، ويتعين الصلح، لتخليص الباقي. اه‍. وكتب السيد عمر البصري على قول التحفة، وأفتى بعضهم بأن للولي الصلح الخ، ما نصه: يؤخذ منه بعد التأمل أن المراد جواز إقدام الولي على ذلك للضرورة، لا صحة الصلح المذكور في نفس الامر، فإنها مسكوت عنها. وحينئذ: فلا فرق بين الاقرار وعدمه، وأن بقية ماله باق بذمة المدين باطنا، بل وظاهرا إذا زال المانع وتيسر استيفاء الحق منه، كما في المسألة المنظر بها، وهي دفع بعض ماله لسلامة باقيه، فإنه يجوز للولي الاقدام عليه، لانه عقد صحيح يملكه به الآخذ، بل هو ضامن له مطلقا على ما تقرر. اه‍ (قوله: إذا تعين ذلك) أي الصلح على بعض دين المولي. (وقوله: لتخليص ذلك البعض) أي المصالح عليه، أي على أخذه، وذلك لان القاعدة: أن الصلح يتعدى بالباء. وعلى: للمأخوذ، وبمن وحتى: للمتروك (قوله: كما أن له، بل يلزمه) الكاف للتنظير، والضمير أن للولي. (وقوله: دفع بعض ماله) إسم أن مؤخر، وفاعل يلزم: يعود عليه، وهو وإن كان مؤخرا لفظا: مقدم رتبة، وضمير ماله يعود على المولي (قوله: وله) أي للولي. (وقوله بيع ماله) أي المولي. (وقوله نسيئة) أي بأجل. واشترط يسار المشتري، وعدالته، وزيادة على النقد تليق بالنسيئة، وقصر الاجل عرفا. اه‍. تحفة. (وقوله: لمصلحة) أي كربح، وخوف من نهب (قوله: وعليه أن يرتهن الخ) أي ويجب على الولي أن يرتهن بالثمن رهنا واقيا، ويستثني من ذلك: ما لو باع مال ولده من نفسه نسيئة، لانه أمين في حق ولده. ويجب عليه أيضا: أن يشهد على البيع (قوله: إن لم يكن المشتري موسرا) مفهومه أنه إن كان موسرا: لا يجب عليه الارتهان، وهذا هو ما قاله الامام، واقتضاه كلام الشيخين، ولم يرتضه في التحفة، ونصها، بعد كلام، ولا تغني عنه، أي الارتهان - ملاءة المشتري، لانه قد يتلف احتياطا للمحجور، فإن ترك واحد مما ذكر، أي الاشهاد، والارتهان، بطل البيع، إلا إذا ترك الرهن والمشتري موسر على ما قاله الامام، واقتضاه كلامهما، وقال السبكي: لا استثناء، وضمن. نعم: إن باعه لمضطر لا رهن معه: جاز. اه‍ (قوله: ولولي الخ) أي ويجوز لولي، أن يقرض مال موليه إذا كان لضرورة، فإن لم توجد: امتنع عليه أن يقرضه، كما مر في القرض - وعبارته هناك: ويمتنع على ولي قرض مال موليه بلا ضرورة. نعم: يجوز للقاضي إقراض مال المحجور عليه بلا ضرورة، لكثرة أشغاله، إن كان المقترض أمينا موسرا. اه‍ (قوله:

[ 88 ]

ولقاض) أي ويجوز لقاض. (وقوله: ذلك) أي الاقراض. (وقوله: مطلقا) أي وجدت ضرورة، أو لم توجد (قوله: بشرط الخ) ظاهر صنيعه أنه مرتبط بقوله لقاض فقط، لكن المعنى يقتضي أن الولي غير القاضي مثله (قوله: ولا ولاية لام على الاصح) أي قياسا على النكاح، ومقابله أنها تلي بعد الاب والجد، وتقدم على وصيهما، لكمال شفقتها (قوله: ومن أدلى بها) أي ولا ولاية لمن أدلى إلى المحجور بالام: كالاخ للام (قوله: ولا لعصبة) أي ولا ولاية لعصبة: كالاخ، وابنه، والعم. (قوله: نعم. لهم الخ) أي يجوز للعصبة، أي العدل منهم، الانفاق على الطفل فيما يحتاجه من ماله. (وقوله: عند فقد الولي الخاص) هو الاب، فأبوه - وإن علا. قال في التحفة: وقضيته أن له - أي للعدل منهم - ذلك، ولو مع وجود قاض، وهو متجه إن خيف منه عليه، بل في هذه الحالة: للعصبة، وصلحاء بلده، بل عليهم، كما هو ظاهر، تولي سائر التصرفات في ماله بالغبطة: بأن يتفقوا على مرضي منهم يتولى ذلك، ولو بأجرة. اه‍ (قوله: ويصدق أب أو جد) أي فيما إذا ادعى الولد عليهما بعد بلوغه، أو إفاقته، أو رشده - بأن تصرفكما من غير مصلحة، وادعيا أنه بمصلحة: فيصدقان باليمين، لانهما لا يتهمان: لوفور شفقتهما (قوله: وقاض بلا يمين) أي ويصدق قاض من غير يمين (قوله: إن كان) أي القاضي (قوله: لا وصي وقيم وحاكم وفاسق) أي لا يصدقون في أن تصرفهم لمصلحة (قوله: حيث لا بينة) أي تشهد بمدعاهم - فإن وجدت: فهم المصدقون (قوله: لانهم قد الخ) أي لا يصدقون، لانهم قد يتهمون (قوله: ومن ثم) أي ومن أجل التعليل المذكور: يؤخذ أنه لو كانت الام وصية: كانت كالاولين - أي الاب والجد: أي فتصدق باليمين. وذلك لعدم التهمة (قوله: وكذا آباؤها) أي: وكذا يصدق آباؤها لو كانوا أوصياء (قوله: فرع الخ) الاولى: فروع - كما هو ظاهر - (قوله: ليس لولي الخ) أي يحرم عليه ذلك (قوله: إن كان) أي الولي. وقوله: مطلقا أي سواء انقطع بسببه عن كسبه أم لا (قوله: فإن كان فقيرا الخ) مقابل قوله غنيا (قوله: أخذ قدر نفقته) قال في التحفة: ورجح المصنف أنه يأخذ الاقل منها ومن أجرة مثله. اه‍ (قوله: وإذا أيسر) أي الولي. (وقوله: لم يلزمه بدل ما أخذه) أي لم يلزمه أن يدفع لموليه بدل ما أخذه من ماله (قوله: هذا) أي ما ذكر، من التفصيل بين الفقير المنقطع عن كسبه، والغني، (وقوله: في وصي وأمين) أي وقيم (قوله: سواء الصحيح وغيره) في بعض نسخ الخط: سواء الموسر الصحيح وغيره، لكن الموافق للتحفة: الاول، وقال فيها: واعترض بأنه إن كان مكتسبا: لا تجب نفقته، ويرد بأن المعتمد أنه لا يكلف الكسب، فإن فرض أنه اكتسب ما لا يكفيه: لزم فرعه تمام كفايته، وحينئذ فغاية الاصل هنا أنه اكتسب دون كفايته، فيلزم الولد تمامها، فاتجه أن له أخذ كفاية البعض في مقابلة عمله، والبعض لقرابته. اه‍ (قوله: فيما ذكر) أي في التفصيل المذكور (قوله: أي مثلا) أي أن فك الاسير: ليس بقيد، بل مثله: إصلاح ثغر، أو حفر بئر، أو تربية يتيم (قوله: فله) أي لمن جمع مالا لما ذكر، وهذا بيان لمن ذكر. (وقوله: إن كان فقيرا) أي وانقطع بسببه عن كسبه. وقوله الاكل منه، قال في التحفة بعده: كذا قيل، والوجه أن يقال فله أقل الامرين، أي السابقين، اه‍ (قوله: وللاب والجد: استخدام محجوره الخ) أي من غير أجرة. قال في التحفة: وله إعارته لذلك، ولخدمة من يتعلم منه ما ينفعه دينا أو دنيا، وإن قوبل بأجرة، كما يعلم مما

[ 89 ]

يأتي أول العارية - اه‍. (وقوله: فيما لا يقابل بأجرة) قضيته أنه لو استخدمه فيما يقابل بها: لزمته، وإن لم يكرهه، لكنه بولايته عليه إذا قصد بإنفاقه عليه جعل النفقة في مقابلة الاجرة اللازمة برئت ذمته. اه‍. بجيرمي (قوله: ولا يضر به على ذلك) أي على الاستخدام (قوله: وأفتى النووي بأنه لو استخدم) أي الجد من الام المعلوم من المقام. (وقوله: لزمه أجرته إلى بلوغه رشده) قال في التحفة، أي لانه ليس من أهل التبرع بمنافعه المقابلة بالعوض. اه‍ (قوله: وإن لم يكرهه) أي على الاستخدام، وهو غاية للزوم الاجرة (قوله: ولا يجب أجرة الرشيد) أي في مقابلة الاستخدام. (وقوله: إلا إن أكره) أي عليه، فإن لم يكره: فلا أجرة (قوله: ويجري هذا) أي التفصيل بين لزوم الاجرة على من استخدمه إلى البلوغ والرشد، وعدم لزومها عليه بعده، إلا إن أكره وقوله في غير الجد للام: يشمل الاب والجد للاب اه‍. سم. وهذا لا ينافي ما قبل الافتاء، لانه مفروض فيما لا يقابل بأجرة، وهذا فيما يقابل بها. فتأمل (قوله: لو كان للصبي مال غائب) أي عن بلده (قوله: من مال نفسه) متعلق بأنفق: أي أنفق الولي عليه من ماله. (وقوله: بنية الرجوع) متعلق بأنفق (قوله: إذا حضر ماله) أي الصبي. والظرف متعلق بالرجوع (قوله: رجع) جواب لو، وضميره المستتر يعود على الولي (قوله: إن كان الخ) قيد في الرجوع (قوله: لانه) أي من ذكر من الاب أو الجد يتولى الطرفين: أي الايجاب والقبول، وهو تعليل لرجوعه إذا نواه عند الانفاق (قوله: بخلاف غيرهما) أي غير الاب والجد من بقية الاولياء، فإنه إذا أنفق من مال نفسه على الصبي: لا يرجع، ولو نوى الرجوع عند الانفاق، لعدم صحة تولية الطرفين (قوله: بل يأذن الخ) أي بل إذا أراد غيرهما - الصادق بالحاكم - الرجوع: يأذن لمن ينفق عليه، ثم إذا حضر ماله: يوفيه منه (قوله: فادعى إنفاقه عليه) أي فادعى الاب أنه أنفق ما ثبت في ذمته على ابنه (قوله: بأنه الخ) متعلق بأفتى: أي أفتى بأن الاب يصدق باليمين، وإذا مات: قام وارثه مقامه. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في الحوالة أي في بيان حكمها، وبيان بعض أركانها، وشرائطها، وهي بفتح الحاء، وحكي كسرها، لغة: التحول، والانتقال. وشرعا عقد يقتضي تحول دين من ذمة إلى ذمة. وقد تطلق على هذا الانتقال نفسه. والاصل فيها قبل الاجماع: خبر الشيخين: مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ - بالهمز - فليتبع بتشديد التاء، أو سكونها، وتفسره رواية البيهقي وإذا أحيل أحدكم على ملئ، فليحتل وقوله: مطل الغني ظلم أي إطالة المدافعة فسق. قال في التحفة: ويؤخذ منه أن المطل كبيرة، لانه جعله ظلما، فهو كالغصب، فيفسق بمرة منه. قال السبكي: مخالفا للمصنف في اشتراط تكرره نقلا عن مقتضى مذهبنا، وأيده غيره بتفسير الازهري للمطل، بأنه إطالة المدافعة، أي فالمرة لا تسمى مطلا، ويخدشه، أي يضعفه، حكاية المصنف اختلاف المالكية: هل يفسق بمرة منه أو لا ؟ فاقتضى اتفاقهم على أنه لا يشترط في تسميته مطلا تكرره، وإلا لم يأت اختلافهم. وقد يؤيد هذا تفسير القاموس له بأنه، أي المطل، التسويق بالدين، وبه يتأيد ما قاله السبكي. اه‍. والاصح أنها بيع دين بدين جوز للحاجة، وذلك لان المحيل: باع ما في

[ 90 ]

ذمة المحال عليه بما في ذمته للمحتال، والمحتال: باع ما في ذمة المحيل بما في ذمة المحال عليه. فالبائع: المحيل، والمشتري: المحتال، والمبيع: دين المحيل، والثمن: دين المحتال. وقيل إنها استيفاء حق (قوله: تصح حوالة بصيغة). (واعلم) أن أركان الحوالة ستة: محيل، ومحتال، ومحال عليه، ودينان: دين للمحتال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة. وشرائط الحوالة خمسة: رضا المحيل والمحتال. وثبوت الدينين الذي على المحيل والذي على المحال عليه، فلا تصح ممن لا دين عليه، ولا على من لا دين عليه. وصحة الاعتياض عنهما: فلا تصح بدين السلم ورأس ماله، ولا عليهما، لعدم صحة الاعتياض عنهما، وكذا لا تصح بدين الجعالة قبل الفراغ من العمل ولا عليه لما ذكر. والعلم بالدينين قدرا وصفة وجنسا: فلو جهل ذلك العاقدان، أو أحدهما، فهي باطلة. وتساويهما كذلك: فلو عدم التساوي، أو جهل، فهي باطلة. (قوله: وهي) أي الصيغة (قوله: كأحلتك على فلان بالدين الذي لك علي) قال في التحفة: فإن لم يقل بالدين، فكناية اه‍. وقال م ر: هو صريح، وإن لم يقل بالدين الذي لك علي ولم ينوه - فعلى ما جرى عليه حجر: أن الكناية تدخل الحوالة، وعلى ما جرى عليه م ر: أنها لا تكون إلا صريحة، فلا تدخلها الكناية. (قوله: أو نقلت إلخ) أشار به إلى أنه لا يتعين في الصيغة لفظ الحوالة، بل يكفي ما يؤدي معناها: كنقلت حقك إلى فلان، أو جعلت ما أستحقه على فلان لك، أو ملكتك الدين الذي عليه. والمعتمد، عند الرملي، عدم الانعقاد بلفظ البيع، ولو نواها. وعند ابن حجر: الانعقاد إن نواها (قوله: وقبول) بالرفع، عطف على إيجاب (قوله: بلا تعليق) راجع للايجاب والقبول، كما في البيع (قوله: ويصح) أي القبول بلفظ أحلني: أي فهو استيجاب قائم مقام القبول، ومثله: ما لو قال احتل على فلان بما لك علي من الدين، فقال: احتلت، أو قبلت، فيكون استقبالا قائما مقام الايجاب. أفاده ع ش (قوله: وبرضا محيل ومحتال) هذا مستغنى عنه بالصيغة، إذ الايجاب والقبول يتضمن رضاهما، إلا أن يقال ليس هو مقصودا بالذات، بل المقصود: مفهومه، وهو قوله بعد: ولا يشترط رضا المحال عليه. والمحيل: هو من عليه الدين للمحتال. والمحتال: هو من له الدين على المحيل (قوله: ولا يشترط رضا المحال عليه) أي لانه محل الحق، فلمن له الحق أن يستوفيه بنفسه وبغيره (قوله: ويلزم بها الخ) شروع في فائدة الحوالة المترتبة عليها، وحاصلها براءة ذمة المحيل من دين المحتال، وبراءة ذمة المحال عليه من دين المحيل، وتحول حق المحتال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وقوله دين محتال: أي نظيره يصير في ذمة المحال عليه. (قوله: فإن تعذر أخذه) أي المحتال على إضافة المصدر لفاعله أو الدين على إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف الفاعل. (وقوله: منه) أي من المحال عليه (قوله: بفلس) متعلق بتعذر، والباء سببية: أي تعذر الاخذ بسبب فلس. (وقوله: حصل للمحال عليه) المقام للاضمار، فكان عليه أن يقول: حصل له (قوله: وإن قارن الفلس الحوالة) أي لا فرق في الفلس بين أن يكون طارئا على الحوالة أو مقارنا لها، فلا رجوع للمحتال على المحيل في الحالتين (قوله: أو جحد) معطوف على فلس: أي أو تعذر أخذه منه بجحد. (وقوله: أي إنكار منه) أي المحال عليه لاصل الحوالة (قوله: أو دين المحيل) معطوف على الحوالة: أي أو إنكار لدين المحيل (قوله: وحلف) يقرأ بصيغة المصدر: عطفا على إنكار، أو بصيغة الماضي وجعل الواو للحال.

[ 91 ]

(وقوله: عليه) أي على الانكار المذكور، يعني أن تعذر الاخذ المذكور. يحصل بإنكار المحال عليه الدين أو الحوالة مع حلفه على ذلك. (قوله: أو بغير ذلك) يعني أو تعذر أخذه بغير الفلس والجحد. (قوله: كتعزز المحال عليه) أي تقويه وتغلبه (قوله: لم يرجع المحتال على محيل) جواب فإن، وإنما لم يرجع عليه، لان الحوالة بمنزلة القبض، وقبولها متضمن، لاعترافه باستجماع شرائط الصحة. قال في التحفة: نعم. له، أي المحتال، تحليف المحيل أنه لا يعلم براءة المحال عليه على الاوجه. وعليه فلو نكل: حلف المحتال، كما هو ظاهر، وبان بطلان الحوالة، لانه حينئذ كرد المقر له الاقرار. اه‍. ولو شرط فيها الرجوع عند التعذر بشئ مما ذكر: لم تصح الحوالة، لانه شرط خالف مقتضاها (قوله: وإن جهل) أي المحتال. (وقوله: ذلك) أي تعذر الاخذ بشئ مما يذكر (قوله: ولا يتخير لو بان الخ) لا فائدة له بعد الغاية السابقة، أعني قوله وإن قارن الفلس الحوالة، وجزمه بعدم الرجوع، ولو مع الجهل، إلا أن يقال: ذكره لاجل الغاية التي بعده. وعبارة المنهج: فيها إسقاط ذلك، وذكر الغاية بعد قوله: لم يرجع على محيل، وهي أولى (قوله: وإن شرط يساره) أي المحال عليه: أي فلا عبرة بالشرط المذكور، لانه مقصر بترك الفحص. وقيل له الخيار إن شرط يساره، ثم تبين إعساره (قوله: ولو طلب المحتال المحال عليه الخ) هذه المسألة نقلها في التحفة عن ابن الصلاح (قوله: فقال) أي المحال عليه. (وقوله: أبرأني المحيل) قال سم - هل كذلك إذا قال أقر أنه لم يكن له علي دين حتى يكون للمحتال الرجوع ؟ اه‍. (قوله: قبل الحوالة) قال في التحفة: هو صريح في أنه لا تسمع منه دعوى الابراء، ولا تقبل منه بينته، إلا أن صرح بأنه قبل الحوالة، بخلاف ما لو أطلق. ومن ثم أفتى بعضهم بأنه لو أقام بينة بالحوالة، فأقام المحال عليه بينة بإبراء المحيل له: لم تسمع بينة الابراء، أي وليس هذا من تعارض البينتين، لما تقرر أن دعوى الابراء المطلق والبينة الشاهدة به فاسدان، فوجب العمل ببينة الحوالة، لانها لم تعارض. اه‍. (قوله: بذلك) أي بالبراءة المفهومة من أبرأني. (قوله: سمعت) أي البينة في وجه المحتال. قال الغزي: وهذا صحيح في دفع المحتال. أما إثبات البراءة من دين المحيل، فلا بد من إعادتها في وجهه. اه‍. تحفة (قوله: ثم المتجه) أي ثم بعد سماع بينة المحال عليه بالبراءة المتجهة الخ. (وقوله: إلا إذا استمر) أي المحتال، أي فلا يرجع على المحيل (قوله: ولو باع عبدا) أي أو أمة، ولو قال رقيقا: لشملهما (قوله: وأحال بثمنه) أي أحال البائع بثمن العبد على المشتري (قوله: ثم اتفق المتبايعان) أي والمحتال أيضا، بدليل قوله بعد: وإن كذبهما المحتال الخ. وقوله على حريته: أي على أن العبد حر وقت البيع. (قوله: أو ثبتت حريته حينئذ) أي حين البيع (قوله: ببينة شهدت حسبة) قال البجيرمي: شهادة الحسبة هي التي تكون بغير طلب، سواء أسبقها دعوى، أم لا (قوله: أو أقامها العبد) أي أو أقام العبد البينة على حريته: أي ولم يصرح بالرق قبل ذلك، لانها تكذب قوله. ومثل العبد: ما إذا أقامها أحد الثلاثة، أعني المتبايعين، والمحتال، ولم يصرح بأن المبيع مملوك، بل اقتصر على البيع (قوله: لم تصح الحوالة) جواب لو. والمراد أنه بان عدم انعقادها لتبين أن لا بيع، فلا ثمن، فيرد المحتال ما أخذه من المشتري، ويبقى حقه كما كان (قوله: وإن كذبهما) أي المتبايعين المتفقين على الحرية، فهو مقابل للصورة الاولى (قوله: ولا بينة) أي على الحرية (قوله: فلكل منهما) أي المتبايعين. (وقوله: تحليفه) أي المحتال، ولو حلفه أحدهما: لم يكن للثاني تحليفه، لاتحاد خصومتهما (قوله: على نفي العلم بها) أي لان هذه قاعة الحلف على النفي الذي لا يتعلق بالحالف، فيقول: والله لا أعلم حريته (قوله: وبقيت الحوالة) وحيئنذ يأخذ المحتال المال من المشتري، ويرجع

[ 92 ]

المشتري على البائع المحيل، لانه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة (قوله: ولو اختلفا) أي بعد إذن مدين لدائنه في القبض. (وقوله: أي الدائن والمدين) بيان لضمير التثنية. (وقوله: في أنه) أي المدين، والجار والمجرور متعلق باختلفا، أي اختلفا في أن المدين وكل أو أحال ؟ والمراد: اختلفا في اللفظ الصادر من المدين، هل هو لفظ الوكالة، أو الحوالة ؟ (قوله: بأن قال المدين: وكلتك لتقبض لي) أي أو قال: أردت بقولي أحلتك الوكالة (قوله: فقال الدائن: بل أحلتني) أي أو أردت الحوالة (قوله: صدق منكر حوالة) جواب لو (قوله: فيصدق في المدين) أي بيمينه في أنه وكل، أو في أنه أراد الحوالة. وبحلفه: تندفع الحوالة، وبإنكار الآخر الوكالة: ينعزل، فيمتنع قبضه، فإن كان قد قبض: برئ الدافع له، لانه وكيل أو محتال، ويلزمه تسليم ما قبضه للحالف، وحقه عليه باق. (قوله: والدائن) أي ويصدق الدائن: أي بيمينه. (وقوله: في الاخيرة) أي فيما إذا ادعى الوكالة، والمدين الحوالة. وبحلفه: تندفع الحوالة، ويأخذ حقه من المستحق عليه، ويرجع هذا على المحال عليه (قوله: لان الاصل الخ) علة لتصديق منكر الحوالة. (وقوله: المستحق عليه) هو، بفتح الحاء، المدين. والله سبحانه وتعالى أعلم (قوله: تتمة) أي في بيان أحكام الضمان، وأحكام الصلح. وقد ترجم الفقهاء لكل منهما بباب مستقل، وذكرهما بعد الحوالة، لان كلا منهما يترتب عليه قطع النزاع، كالحوالة، والضمان لغة: الالتزام، وشرعا: يقال لالتزام دين أو بدن أو عين، ويقال للعقد الذي يحصل به ذلك. ويسمى الملتزم لذلك: ضامنا، وضمينا، وحميلا، وزعيما، وكفيلا، وصبيرا. قال الماوردي: لكن العرف خص الضمين: بالمال، أي ومثله الضامن، والحميل: بالدية، والزعيم: بالمال العظيم، والكفيل: بالنفس، والصبير: يعم الكل: والاصل فيه: حديث العارية مؤداة، أي مردودة، والزعيم غارم، والدين مقضي وحديث أنه (ص) تحمل عن رجل عشرة دنانير. وأركانه خمسة: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له، ومضمون، وصيغة. وهو مندوب لقادر واثق بنفسه، وإلا فمباح. قال العلماء: الضمان أوله شهامة، أي شدة حماقة، وأوسطه ندامة، وآخره غرامة. ولذلك قيل نظما: ضاد الضمان بصاد الصك ملتصق فإن ضمنت: فحاء الحبس فيالوسط ومن مستلطف كلامهم، ثلاثة أحرف شنيعة: ضاد الضمان، وطاء الطلاق، وواو الوديعة. وقال بعضهم: عاشر ذوي الفضل واحذر عشرة السفل وعن عيوب صديقك كف وتغفل وصن لسانك إذا ما كنت في محفل ولا تشارك ولا تضمن ولاتكفل (قوله: يصح من مكلف رشيد) أي ولو حكما: ليدخل من بذر بعد رشده ولم يحجر عليه، ومن فسق، ومن سكر متعديا، فإن هؤلاء في حكم الرشيد، ولا بد أن يكون مختارا أيضا، فخرج الصبي، والمجنون، والسفيه، والمكره، ولو قنا أكرهه سيده، فلا يصح ضمانهم. ولا بد، على الاصح، أن يعرف عين المضمون له، وهو رب الدين، لتفاوت الناس في المطالبة تشديدا وتسهيلا، فلا يكفي معرفته مجرد نسبه أو اسمه، وإنما كفت معرفة عينه، لان الظاهر عنوان الباطن، وتقوم معرفة وكيله مقام معرفته عند م ر تبعا لوالده، وجرى ابن حجر، تبعا لشيخ الاسلام، على عدم الاكتفاء بذلك. (قوله: ضمان بدين) أي ولو منفعة: كالعمل الملتزم الذمة بالاجارة، أو المساقاة. وشمل الدين: الزكاة، فيصح ضمانها لمستحقين انحصروا. اه‍. بجيرمي. (وقوله: واجب) أي ثابت، ولو باعتراف الضامن، وإن لم يثبت على المضمون عنه شئ. كما صرح به الرافعي، بل الضمان متضمن، لاعترافه بوجود شرائطه، فيلزم الضامن المال الذي اعترف به. ويشترط في الدين: أن يكون معلوم القدر، والجنس، والصفة. وخرج بذلك: الديون المجهولة، فلا يصح ضمانها (قوله: سواء استقر) المراد من الاستقرار: اللزوم، وقيل المراد بالمستقر: الذي أمن من سقوطه. (وقوله: في ذمة

[ 93 ]

المضمون له) صوابه المضمون عنه، وهو المدين الذي ضمن عنه ما عليه. (وقوله: كنفقة اليوم وما قبله) تمثيل للذي استقر في ذمته. (قوله: أو لم يستقر) أي لكنه آيل إلى الاستقرار (قوله: كثمن مبيع لم يقبض) أي ذلك المبيع، وهو تمثيل للذي لم يستقر (قوله: وصداق قبل وطئ) التمثيل به لما لم يستقر مبني على أن المراد بالاستقرار، عدم تطرق السقوط إليه، والصداق قبل الوطئ يتطرق السقوط إليه، كأن تفسخ النكاح بعيبه، أما على أن المراد به اللزوم، فلا يصح جعله تمثيلا له، لانه لازم بالعقد (قوله: لا بما سيجب) أي لا يصح الضمان بما سيجب.. ويستثنى من ذلك: ضمان درك المبيع، أو الثمن، وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقا، أو معيبا ورد. ويضمن للبائع المبيع إن خرج الثمن كذلك. وإضافة ضمان الدرك: لادنى ملابسة، لان المضمون في الصورة الاولى: الثمن عند إدراك المستحق للمبيع، وفي الصورة الثانية: عند إدراك المستحق للثمن، فظهر من ذلك أن الدرك: اسم مصدر، بمعنى الادراك، وفسره بعضهم: بالعهد والتبعة، فكأنه قال: يضمن له عهدة الثمن أو المبيع والتبعة به، أي المطالبة به، ولذلك يسمى ضمان العهدة أيضا. ولا يصح الضمان المذكور إلا بعد قبض المضمون، لانه إنما يضمن: ما دخل في ضمان البائع أو المشتري. (قوله: كدين قرض) أي سيقع، وكان الاولى التقييد به، كما في فتح الجواد، وعبارته: لا بما سيجب، كدين قرض أو بيع سيقع - اه‍. وذلك كأن قال أقرض هذا مائة وأنا ضامنها، فلا يصح ضمانه، لانه غير ثابت. وقد تقدم للشارح، في فصل القرض، ذكر هذه المسألة، وأنه يكون ضامنا فيها، وعبارته هناك: ولو قال أقرض هذا مائة وأنا لها ضامن، فأقرضه المائة، أو بعضها، كان ضامنا، على الاوجه. اه‍. وحينئذ فيكون ما هنا، من عدم صحة الضمان، منافيا لما مر عنه، من أن الاجوه: الضمان إلا أن يقال إنه هناك جرى على قول، وهنا على قول، وتقدم عن شرح البهجة في الكتابة التي على قوله كان ضامنا على الاوجه: أنه وقع للماوردي نظير ما وقع لشارحنا من أنه صحح الضمان هناك، ولم يصححه في باب الضمان، وأنه حمل ما قاله هناك على أنه مفرع على القول القديم، وما قاله هنا على القول الجديد، الذي صححه الشيخان فارجع إليه إن شئت. (قوله: ونفقة غد للزوجة) عبارة الروض وشرحه: وكذا نفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها، وإن جرى سبب وجوبها، لانه توثقة، فلا يتقدم ثبوت الحق كالشهادة. اه‍. (قوله: ولا بنفقة القريب الخ) معطوف على لا بما سيجب: أي ولا يصح الضمان بنفقة القريب مطلقا، أي سواء كانت ماضية، أو مستقبلة، وذلك لان سبيلها البر والصلة، لا الديون. وفي البجيرمي: لانها مجهولة، ولسقوطها بمضي الزمان، وهذا ما رجحه الاذرعي، وجزم به ابن المقري. ز ي. اه‍. (قوله: ولا يشترط رضا الدائن) أي لا يشترط في صحة الضمان رضا الدائن: أي ولا قبوله، وهذا هو الاصح. وقيل يشترط الرضا، ثم القبول لفظا، وذلك لان الضمان محض التزام، لم يوضع على قواعد المعاقدات. (وقوله: والمدين) أي ولا يشترط رضا المدين، وهذا بالاتفاق، لجواز أداء الدين من غير إذنه، فالتزامه أولى (قوله: وصح ضمان الرقيق) أي المكاتب وغيره. (وقوله: بإذن سيده) وذلك لان الضمان إثبات مال في الذمة بعقد، وهو لا يصح من غير إذن. قال في التحفة: وإنما صح خلع أمة بمال في ذمتها بلا إذن، لانها قد تضطر إليه لنحو سوء عشرته. اه‍. وإذا ضمن بالاذن، فإن عين السيد للاداء جهة يقضي منها الدين: عمل بتعيينه، وإن لم يعين له جهة، بأن اقتصر له على الاذن بالضمان، تعلق الغرم بما يكسبه، وبما في يده من أموال التجارة، إن كان مأذونا له فيها، فإن لم يكن مأذونا له فيها: تعلق بما يكسبه فقط بعد الاذن. (قوله: وتصح منه) أي من المكلف الرشيد، (وقوله: كفالة بعين) أي التزام ردها إلى مالكها. (واعلم) أن الكفالة ترادف الضمان لغة وشرعا، كما عرفت، وتغايره عرفا: إذ هو خص الضمان بالمال مطلقا، عينا كان أو دينا، والكفالة بالبدن. (وقوله: مضمونة) أي ضمان يد، كالمغصوب، والمستام، أو ضمان عقد. وخرج به:

[ 94 ]

غير المضمونة، كالوديعة، والرهن، فلا تصح الكفالة بهما. (قوله: وببدن الخ) معطوف على بعين: أي وتصح منه كفالة بإحضار بدن من يستحق حضوره في مجلس الحكم: أي لاجل حق الآدمي مطلقا، ما لا كان، أو عقوبة: كقصاص، وحد قذف، أو حق لله تعالى مالي: كزكاة، وكفارة. بخلاف غيره. كحدود الله تعالى، وتعازيره: كحد خمر، وزنا، وسرقة. لانا مأمورون بسترها، والسعي في إسقاطها ما أمكن. (وقوله: بإذنه) متعلق بتصح، أو بكفالة المقدرين، أي إنما تصح كفالة بدن من ذكر: بإذنه، وإلا لفات مقصود الكفالة من إحضاره، لانه لا يلزمه الحضور مع الكفيل من غير إذن، ويعتبر إذن المكفول بنفسه إن كان ممن يعتبر إذنه ولو سفيها وبوليه إن كان صبيا، أو مجنونا، أو وارثه إن كان ميتا، ليشهدوا على صورته، وكان الشاهد تحمل الشهادة عليه كذلك، ولم يعرف نسبه واسمه، فإن عرفهما: لم يحتج إليها. ومحل ذلك قبل إدلائه في هواء القبر، وإلا فلا تصح الكفالة، لان في إخراجه بعد ذلك إزراء به. وعلم تقرر أن من مات، ولم يأذن في كفالته، ولا وارث له، لا تصح كفالته. (قوله: ويبرأ الكفيل بإحضار مكفول) من إضافة المصدر إلى مفعوله بعد حذف الفاعل: أي ويبرأ الكفيل بإحضاره بنفسه أو وكيله المكفول، وإن لم يقل عن الكفالة. وكما يبرأ بذلك: يبرأ بإبراء المكفول له. (وقوله: شخصا كان) أي المكفول، أو عينا: فهو تعميم في المكفول. (وقوله: إلى المكفول له) متعلق بإحضار، أي أو وارثه. (وقوله: وإن لم يطالبه) الضمير المستتر يعود على المكفول له، والبارز يعود على الكفيل. (قوله: وبحضوره) أي المكفول. وهو معطوف على بإحضار: أي ويبرأ الكفيل بحضور المكفول. والمراد به هنا خصوص البدن، إذ لا يتصور حضور العين بنفسها إلا إن كانت حيوانا. ويشترط فيه أن يكون بالغا عاقلا، فلا يكفي حضور الصبي والمجنون. (وقوله: عن جهة الكفيل) أي مع إتيانه بلفظ يدل عليه، وذلك بأن يقول: حضرت أو سلمت نفسي عن جهة الكفيل: فلا يكفي مجرد حضوره من غير أن يقول ما تقدم، كما في التحفة، ونصها: وظاهر كلامهم اشتراط اللفظ هنا، أي فيما إذا حضر بنفسه، لا فيما قبله، أي فيما إذا حضره الكفيل. ويفرق بأن مجئ هذا وحده: لا قرينة فيه، فاشترط لفظ يدل، بخلاف مجئ الكفيل به، فلا يحتاج إلى لفظ. ونظيره أن التخلية في القبض: لا بد فيها من لفظ يدل عليها، بخلاف الوضع بين يدي المشتري، كما مر، نعم: إن أحضره بغير محل التسليم، فلا بد من لفظ يدل على قبوله له حينئذ، فيما يظهر، اه‍. (قوله: بلا حائل) متعلق بكل من إحضار وحضور: أي يشترط لبراءة الكفيل بإحضار المكفول أو حضوره بنفسه: أن لا يكون هناك حائل بينه وبين المكفول له، فإن كان هناك حائل، كمتغلب يمنعه من تسلمه، فلا يبرأ، لعدم حصول المقصود. قال في التحفة: نعم، إن قبل مختارا: برئ. اه‍. فقوله كمتغلب: أي ظالم، تمثيل للحائل (قوله: بالمكان) متعلق أيضا بكل من إحضار وحضور: أي ويبرأ الكفيل بإحضاره المكفول، أو حضوره بنفسه إلى المكان المذكور. فإن أحضره، أو حضر بنفسه في غيره: لم يلزم المستحق القبول، إن كان له غرض في الامتناع، وإلا فالظاهر، كما قاله الشيخان، لزوم القبول، فإن امتنع: رفعه إلى الحاكم يقبض عنه، فإن فقد: أشهد شاهدين أنه سلمه (قوله: وإلا فحيث وقعت الكفالة فيه) أي وإن لم يشترط مكان: فيعتبر المكان الذي وقعت الكفالة فيه، لكن إن صلح فإن خرج عن الصلاحية: تعين أقرب مكان صالح على ما هو قياس السلم أفاده سم. (قوله: فإن غاب) أي المكفول من بدن أو عين. (وقوله: لزمه) أي الكفيل إحضاره أو ولو من دار الحرب، ومن فوق مسافة القصر، ولو في بحر غلبت السلامة فيه، فيما يظهر، وما يغرمه الكفيل من مؤنة السفر في هذه الحالة: في مال نفسه ولو كان المكفول ببدنه يحتاج لمؤن السفر ولا شئ معه: اتجه أن يأتي فيه ما لو كان المكفول محبوسا بحق. وقد ذكر صاحب البيان، وغيره، فيه: أنه، أي الكفيل، يلزمه قضاؤه، أي الدين، أي فيقال هنا يلزمه مؤن السفر، ثم إنه يمهل مدة ذهاب وإياب عادة، فإن مضت المدة المذكورة ولم يحضره: حبس ما لم يؤد الدين لانه مقصر. (وقوله: إن عرف محله وأمن

[ 95 ]

الطريق) أي ولم يكن ثم من يمنعه منه عادة (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يعرف المحل بأن جهله، ولم يأمن الطريق. فلا يلزمه إحضاره. قال في النهاية: ويقبل قوله في جهله ذلك بيمينه. اه‍. ولا يكلف السفر إلى الناحية التي علم ذهابه إليها، وجهل خصوص القرية التي هو بها ليبحث عن الموضع الذي هو به. اه‍. ع ش (قوله: ولا يطالب كفيل بمال) أي ولا يطالب الكفيل بإحضار البدن أو العين إذا تلف كل منهما بمال، وذلك لانه إنما التزم حضور ما ذكر، ولم يلتزم المال، فإذا فات ما التزمه: لا شئ عليه. (قوله: وإن فات التسليم) أي من المكفول. وقوله بموت: الباء سببية، متعلقة بفات. أي فات بسبب موته. (قوله: أو غيره) أي الموت، كهرب، أو توار ولم يدر محله (قوله: فلو شرط أنه يغرم المال) أي كقوله: كفلت بدنه بشرط الغرم، أو على أني أغرم، أو نحوه. قال البجيرمي: وليس من الشرط ما لو قال كفلت بدنه، فإن مات فعلي ضمان المال، فتصح الكفالة، وهذا وعد لا يلزم الوفاء به. اه‍. (قوله: لم تصح) أي الكفالة، لان ذلك خلاف مقتضاه، وهو عدم غرم الكفيل المال. (قوله: وصيغة الالتزام) شروع في بيان الصيغة التي هي أحد أركان الضمان. (وقوله: فيهما) أي في الضمان والكفالة (قوله: كضمنت دينك الخ) أشار به إلى أن شرط الصيغة لهما لفظ يشعر بالتزام، ويقوم مقامه الكتابة مع النية، وإشارة أخرس (قوله: ولو قال أؤدي الخ) أي لو أتى بصيغة لا تشعر بالتزام: لا ينعقد الضمان (قوله: فهو وعد بالتزام) أي قوله المذكور وعد بالتزام، ولا يدل على التزام: أي والوعد لا يجب الوفاء به. (وقوله: كما هو صريح الصيغة) يعني أن الصيغة المذكورة، وهي أؤدي الخ، صريحة في الوعد وعدم الالتزام (قوله: نعم، إن حفت به) أي أحاطت به، أي بقوله ؤدي الخ، قرينة: كأن رأى صاحب الحق يريد حبس المديون، فقال الضامن أنا أؤدي المال، فذلك قرينة على أنه يريد أنا ضامنه، ولا تتعرض له. ع ش. (وقوله: تصرفه) أي القول المذكور. (وقوله: إلى الانشاء) أي إلى إنشاء عقد الالتزام (قوله: انعقد) أي الضمان به (قوله: كما بحثه ابن الرفعة، واعتمده السبكي) قال في التحفة بعده: وبحث الاذرعي أن العامي إذا قال قصدت به التزام ضمان أو كفالة: لزمه، وهو أوجه مما قبله، ويؤيده ما يأتي: أنه لو قال داري لزيد، كان لغوا، إلا إن قصد بالاضافة كونها معروفة به مثلا، فيكون إقراره. وقد يقال البحثان متقاربان، فإن الظاهر أن ابن الرفعة لا يريد أن القرينة تلحقه بالصريح، بل تجعله كناية، فحينئذ إن نوى: لزمه، وإلا فلا، لكنه يشترط شيئين: القرينة، والنية من العامي وغيره. والاذرعي لا يشترط إلا النية من العامي، ويحتمل في غيره أن يوافق ابن الرفعة، وأن يأخذ بإطلاقهم أنه لغو. اه‍. (قوله: ولا يصحان) أي الضمان والكفالة. (وقوله: بشرط براءة أصيل) هو المدين الذي عليه الحق، وذلك لمنافاته مقتضاهما. قال ع ش: هو ظاهر في الضمان، ويصور في الكفالة بإبراء كفيل الكفيل بأن يقول: تكفلت بإحضار من عليه الدين على أن من تكفل به قبل برئ. اه‍. وفي كون هذا يسمى أصيلا نظر، إلا أن يقال إنه أصيل بالنسبة للثاني، فتأمل. وقال بعضهم: المراد بالاصيل في الكفالة: المكفول. اه‍. بجيرمي. (قوله: ولا بتعليق) أي ولا يصحان بتعليق نحو: إذا جاء الغد فقد ضمنت ما على فلان، أو كفلت بدنه. وتوقيت: أي ولا بتوقيت: نحو أنا ضامن ما على فلان، أو كفيل ببدنه إلى شهر، فإذا مضى: برئت، وإنما لم يصحا بما ذكر، لانهما عقدان، كالبيع، وهو لا يدخله تعليق ولا تأقيت، فكذلك هما (قوله: وللمستحق الخ) هذا ثمرة الضمان وفائدته، والمستحق شامل للمضمون له ووارثه. (وقوله: مطالبة الضامن والاصيل) بأن يطالبهما جميعا، أو يطالب أيهما شاء بالجميع، أو يطالب أحدهما ببعضه، والآخر بباقيه. أما الضامن: فللخبر السابق (الزعيم غارم)، وأما الاصيل: فلان الدين باق عليه. قال في التحفة: ولا محذور في مطالبتهما، وإنما المحذور: في تغريهما

[ 96 ]

معا كل الدين، والتحقيق أن الذمتين إنما اشتغلنا بدين واحد كالرهنين بدين واحد، فهو كفرض الكفاية: يتعلق بالكل، ويسقط بفعل البعض. فالتعدد فيه: ليس في ذاته، بل بحسب ذاتيهما. ومن ثم: حل على أحدهما، فقط، وتأجل في حق أحدهما فقط. ولو أفلس الاصيل فطلب الضامن بيع ماله أو لا: أجيب، إن ضمن بإذنه، وإلا فلا، لانه موطن نفسه على عدم الرجوع. اه‍. (قوله: ولو برئ) أي الاصيل بأداء أو إبراء أو حوالة. (وقوله: برئ الضامن) أي لسقوط الحق. (قوله: ولا عكس في الابراء) أي لو برئ الضمان بإبراء المستحق له لم يبرأ الاصيل لانه إسقاط للوثيقة، فلا يسقط به الدين. قال في التحفة: وشمل كلامهم ما لو أبرأ الضامن من الدين، فيكون كإبرائه من الضمان، وهو متجه، خلافا للزركشي، وقوله إن الدين واحد تعدد محله فيبرأ الاصيل بذلك: يرده ما مر في التحقيق من التعدد الاعتباري، فهو على الضامن: غيره على الاصيل، باعتبار أن ذاك: عارض له اللزوم، وهذا: أصلي فيه، فلم يلزم من إبراء الضامن من العارض: إبراء الاصيل من الذاتي. اه‍. وقال سم: يمكن رد ما قاله الزركشي مع تسليم اتحاد الدين، لان معنى أبرأتك من الدين: أسقطت تعلقه بك. ولا يلزم من سقوط تعلقه به: سقوطه من أصله، وإنما سقط عن الضامن: بإبراء الاصيل، لان تعلقه به تابع لتعلقه بالاصل، فإذا سقط الاصل: سقط تابعه. اه‍. (قوله: دون الاداء) أي بخلاف ما لو برئ الضامن بأداء الدين للمستحق، فإنه يبرأ الاصيل (قوله: ولو مات أحدهما) أي الضامن أو الاصيل (قوله: والدين مؤجل) أي والحال أن الدين مؤجل: أي عليهما بأجل واحد (قوله: حل عليه) أي على الميت منهما لوجود سبب الحلول في حقه، وأما الآخر الحي: فلا يحل عليه، لعدم وجوده في حقه، ولانه ينتفع بالاجل. وإذا مات الاصيل، وله تركة، فللضامن مطالبة المستحق، بأن يأخذ منها، أو يبرئه، لاحتمال تلفها، فلا يجد مرجعا إذا غرم. وإذا مات الضامن وأخذ المستحق ماله من تركته: لا ترجع ورثته على الاصيل إلا بعد الحلول (قوله: ولضامن رجوع على أصيل إن غرم) محله إذا كان الضمان والاداء بإذنه، وكان الاداء من ماله، فإن انتفى إذنه له فيهما، أو كان الاداء، لا من ماله، بل من سهم الغارمين، فلا رجوع، فإذا وجد الاذن في الضمان دون الاداء: رجع في الاصح، لانه إذن في سبب الاداء، فإن وجد الاذن في الاداء، دون الضمان، فلا رجوع: إلا إن أدى بشرط الرجوع فيرجع (قوله: ولو صالح) أي الضامن (وقوله عن الدين بما دونه) أي كأن صالح عن مائة بما دونها (قوله: لم يرجع) أي على الاصيل. (وقوله: إلا بما غرم) أي وهو القدر الذي صولح به، وذلك لانه هو الذي بذله. وفي التحفة: قال شارح التعجيز: والقدر الذي سومح به يبقى على الاصيل، إلا أن يقصد الدائن مسامحته به أيضا. اه‍. وفيه نظر ظاهر، لانه لم يسامح هنا بقدر، وإنما أخذه بدلا عن الكل، فالوجه: إبراء الاصيل منه أيضا. اه‍. (قوله: ولو أدى دين غيره بإذن) أي بإذن ذلك الغير في الاداء. وخرج به: ما إذا لم يأذن له في ذلك، فلا رجوع مطلقا، لانه متبرع (قوله: رجع) أي المؤدي على المؤدى عنه (قوله: وإن لم يشرط له الرجوع) غاية للرجوع: أي يرجع، وإن لم يشرط الآذن الرجوع عليه إذا أدى. وهو للرد على القول الضعيف، بأنه لا يرجع، معللا له بأن الاذن لا يقتضي الرجوع، وهذا لا ينافي ما مر آنفا، من أنه إذا وجد الاذن في الاداء دون الضمان، فلا رجوع، إلا أن يشرط الرجوع، لان هنا وجد ضمان بلا إذن، فلما وجد هناك سبب آخر للاداء غير الاذن فيه وهو كون الاداء عن جهة الضمان الذي بلا إذن اعتبر شرط الرجوع (قوله: إلا إن أداه بقصد التبرع) أي لا يرجع إن أداه بقصد التبرع، ويعرف بإقراره: سواء شرط له الآذن الرجوع عليه أم لا. (قوله: طالب كلا بجميع الدين) أي كرهنا عبدنا بألف: يكون نصف كل رهنا بجميع الالف. (وقوله: وقال جمع متقدمون طالب كلا بنصف الدين) أي كاشترينا هذا بألف. واعتمد في التحفة: الاول، قال: والقياس على الرهن واضح، وعلى البيع غير واضح، لتعذر شراء كل بألف، فتعين

[ 97 ]

تنصيفه بينهما، ثم قال رأيت شيخنا اعتمد ما اعتمدته، قال: وبه أفتيت، وعلله بأن الضمان وثيقه لا تقصد فيه التجزئة، واعتمد في النهاية الثاني. قال: وبه أفتى الوالد رحمه الله تعالى، لانه اليقين، وشغل ذمة كل واحد بالزوائد مشكوك فيه. وبذلك أفتى البدر بن شهبة عند دعوى أحد الضامنين ذلك وحلفهما عليه، لان اللفظ ظاهر فيه، وبالتبعيض قطع الشيخ أبو حامد. وفي سم: قال شيخنا الشهاب الرملي، المعتمد في مسألة الضمان: أن كلا ضامن للنصف فقط، وفي مسألة الرهن: أن نصف كل رهن: بالنصف، فالقياس على الرهن: قياس ضعيف على ضعيف. اه‍. (قوله: قال شيخنا الخ) أتى به في التحفة جوابا عما يرد على معتمده من عدم التقسيط فيما لو قالا: ضمنا مالك على فلان. وحاصل الجواب أن هذا لا يرد على المسألة المذكورة، لانه ليس ضمانا حقيقة، والكلام فيما هو ضمان حقيقة (قوله: لانه ليس ضمانا حقيقة) أي لانه على ما لم يجب، والضمان حقيقة أن يكون على ما وجب (قوله: بل استدعاء إتلاف مال) أي طلب ذلك. وقوله لمصلحة: هي السلامة (قوله: فاقتضت) أي المصلحة. (وقوله: التوزيع) أي تقسيط الضمان على الكل. (وقوله: عنها) أي عن المصلحة. والله سبحانه وتعالى أعلم. (قوله: واعلم أن الصلح الخ) شروع في بيان أحكام الصلح: من صحته مع الاقرار، ومن جريان حكم البيع عليه، وهو لغة: قطع النزاع. وشرعا: عقد يحصل به ذلك. وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار، وعقدوا له باب الهدنة، والجزية، والامان، وصلح بين الامام والبغاة، وعقدوا له باب البغاة، وصلح بين الزوجين عند الشقاق، وعقدوا له باب القسم والنشوز، وصلح في المعاملات، وعقدوا له هذا الباب. والاصل فيه قوله تعالى: * (والصلح خير) * لانه إن كان المراد به مطلق الصلح، كما يدل عليه الاتيان بالاسم الظاهر، دون الضمير، فالامر ظاهر. وإن كان المراد الصلح بين الزوجين، كما يدل عليه السياق، فغيره بالقياس عليه، وقوله (ص): الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا وإنما خص المسلمين، مع جوازه بين الكفار أيضا، لانقيادهم للاحكام غالبا. وشرط صحة الصلح: سبق خصومة بين المتداعيين، فلو قال: صالحني من دارك مثلا بكذا، من غير سبق خصومة، فأجابه: فهو باطل، على الاصح، لان لفظ الصلح: يستدعي سبق الخصومة، سواء كانت عند حاكم أم لا. ولفظه يتعدى للمأخوذ: بالباء أو على، وللمتروك: بمن أو عن. وقد نظم بعضهم هذه القاعدة بقوله: في الصلح للمأخوذ باء وعلى والترك من وعن كثير إذا جعلا ونظمها بعضهم أيضا بقوله: بالباء أو على يعدى الصلح لما أخذته فهذا نصح ومن وعن أيضا لما قد تركافي أغلب الاحوال ذا قد سلكا فإذا قال صالحتك من الدار، أو عنها، بألف، أو عليه: فالدار متروكة، لدخول من، أو عن، عليها، والالف مأخوذة لدخول الباء، أو على، عليه. وقد يعكس الامر على خلاف الغالب. (وقوله: جائز مع الاقرار) أي صحيح معه. ولو أنكر بعده فإذا أقر ثم أنكر: جاز الصلح، بخلاف ما لو أنكر فصولح، ثم أقر فإن الصلح باطل، فإن صولح ثانيا بعد الاقرار: كان صحيحا. ومثل الاقرار إقامة البينة واليمين المردودة، لان لزوم الحق بالبينة، كلزومه بالاقرار. واليمين المردودة: بمنزلة الاقرار، أو البينة. وليس من الاقرار: صالحني عما تدعيه بكذا، لانه قدير يريد به قطع الخصومة (قوله: وهو على شئ غير المدعي الخ) يعني أن الصلح غير المدعي، بأن يكون المدعى دراهم، فصولح على ثوب، يكون


(1) سورة النساء، الاية: 128.

[ 98 ]

بيعا (واعلم) أن الصلح إما أن يكون عن عين، وإما أن يكون عن دين. وكل منهما: إما أن يجري من المدعى به على غيره، ويسمى صلح المعاوضة، أو على بعضه، ويسمى صلح الحطيطة، فالاقسام أربعة. واقتصر المؤلف على القسم الاول من قسمي العين، وترك الثاني، وهو الصلح منها على بعضها، وذكر الثاني من قسمي الدين، وترك الاول، وهو الصلح منه على غيره، ثم إنه إما أن يجري بين متداعبين، وهو ما ذكره المؤلف، وإما أن يجري بين مدع وأجنبي، وهذا لم يذكره. وحاصله أن الاجنبي إن صالح عن عين للمدعى عليه، فإن لم يكن وكيلا عنه لم يصح صلحه، لانه فضولي. وإن كان وكيلا عنه، فإن صرح بالوكالة، بأن قال: وكلني في الصلح معك وهو مقر لك بها، أو وهي لك، صح، ووقع للموكل، فإن لم يصرح بالوكالة، أو قال وهو مبطل في إنكاره، أو لم يزد على قوله وكلني الغريم في الصلح معك: لم يصح. وإن صالح عنها لنفسه بعين ماله، أو بدين في ذمته، فإن قال وهو مقر لك، أو وهي لك: صح له، وإن قال وهو مبطل لك فشراء شئ مغصوب، فإن قدر، ولو في ظنه، على انتزاعه ممن هو تحت يده: صح، وإلا فلا. وإن قال وهو محق أو لا أعلم حاله أو لم يزد على قوله صالحني بكذا: لغا الصلح، هذا كله إن صالح عن عين، فإن عن دين بغير دين بغير دين ثابت من قبل، فإن قال هو مقر لك، أو وهو لك، وهو مبطل في إنكاره: صح للمدعى عليه فيما إذا صالح له، أو لنفسه فيما إذا صالح لها. فإن صالح عنه بدين ثابت من قبل الصلح: لم يصح (قوله: فله حكم البيع) وهو مفرد مضاف، فيعم، فكأنه قال: فله أحكام البيع، أي من الشفعة، والرد بالعيب، وخيار المجلس والشرط، ومنع التصرف قبل القبض، وإنما جرت عليه أحكام البيع، لان الصلح المذكور بيع للعين المدعاة من المدعي للمدعى عليه بلفظ الصلح. (قوله: وعلى بعض المدعي الخ) معطوف على شئ غير المدعي: أي وهو على بعض المدعي إبراء: أي كصالحتك عن الالف التي لي عليك على خمسمائة. (وقوله: إن كان) أي المدعى به دينا، فإن كان عينا وجرى الصلح على بعضها، فهبة منها للباقي لذي اليد، فتثبت فيه أحكامها، من إذن في قبض، ومضى إمكانه، فيصح بلفظ الصلح: كصالحتك من الدار على بعضها، كما يصح بلفظ الهبة، بأن يقول وهبتك نصفها، وصالحتك على نصفها. ولا يصح بلفظ البيع: بأن يقول بعتك نصفها، وصالحتك على نصفها - لعدم الثمن - لان العين كلها ملك المقر له، فإذا باعها ببعضها: فقد باع ملكه بملكه، والشئ ببعضه - وهو محال - (قوله: فلو لم يقل المدعي أبرأت ذمتك لم يضر) أي لا يشترط في الصلح المذكور أن يكون بلفظ الابراء، بل يصح بلفظ الصلح، كالصيغة المتقدمة، ولفظ الابراء والاسقاط ونحوهما: كالحط والوضع. ثم إنه لا يفتقر إلى القبول إلا إن جرى بلفظ الصلح، كصالحتك على نصفه. فيفتقر إليه، لان اللفظ يقتضيه، ورعاية اللفظ في العقود: أكثر من رعاية معناها. (قوله: ويلغو الصلح الخ) أي كأن أدعى عليه دارا فأنكر أو سكت، ثم تصالحا على بعضها أو غيرها، فالصلح باطل، لانه على إنكار أو سكوت. وهذا محترز قوله المار مع الاقرار. وقد يصح الصلح مع عدم الاقرار في مسائل، منها اصطلاح الورثة فيما وقف بينهم، كما إذا مات الميت عن ابن وولد خنثى مسألة الذكورة من اثنين ومسألة الانوثة من ثلاثة والجامعة ستة فيعطى الابن ثلاثة والخنثى اثنين، ويوقف واحد إلى الاتضاح، أو الصلح: كأن يصطلحا على أن يكون لكل منهما نصف القيراط. ومنها ما لو أسلم الزوج على أكثر من أربع، ومات قبل الاختيار، فيوقف الميراث بينهن حتى يصطلحن، وكذا إذا طلق إحدى زوجتيه، ومات قبل البيان فيما إذا كانت معينة في نيته، أو قبل التعيين فيما إذا كانت مبهمة عنده. ومنها ما لو تداعيا وديعة عند آخر، فقال لا أعلم لايكما هي ؟ فيصطلحان على أنها بينهما على تفاضل أو تساو. (قوله: حيث لا حجة للمدعي) الظرف متعلق بيلغو: أي يلغو حيث لا حجة موجودة للمدعي. أما إذا كانت له حجة، وهي البينة من شاهدين، أو رجل وامرأتين، أو يمين وشاهد، فيصح، لكن بعد تعديلها، وإن لم يحكم بالملك على الاوجه. وقال سم: وصورة المسألة أنه أقام البينة ثم صالح. ويبقى ما لو صالح ثم أقامها. وفي شرح العباب: ولو أقيمت بينة بعد الصلح على الانكار بأنه ملك وقته، فهل يلحق بالاقرار ؟ قال الجوهري: يلحق به، بل أولى، لانه يمكن الطعن فيها، لا فيه. اه‍. (قوله: فلا يصح الصلح الخ) هو

[ 99 ]

عين قوله ويلغو الصلح، فكان الاولى أن يقتصر على الغاية وما بعدها. (وقوله: على الانكار) أي أو السكوت (قوله: وإن فرض صدق المدعى) غاية في بطلان الصلح (قوله: خلافا للائمة الثلاثة) أي في قولهم: إن الصلح لا يبطل مع ذلك (قوله: نعم. يجوز للمدعي المحق أن يأخذ ما بذل الخ) عبارة شرح الروض: وإذا كان على الانكار، وكان المدعي محقا، فيحل له فيما بينه وبين الله أن يأخذ ما بذل له. قاله الماوردي. وهو صحيح في صلح الحطيطة. وفيه فرض كلامه - فإذا صالح على غير المدعي، ففيه ما يأتي في مسألة الظفر. قاله الاسنوي. اه‍ (قوله: وسيأتي حكم الظفر) أي في باب الدعوى والبينات، وعبارته هناك: وله - أي للشخص - بلا خوف فتنة عليه أو على غيره: أخذ ماله، استقلالا للضرورة من مال مدين له مقر مماطل به، أو جاحد له، أو متوار، أو متعزز، وإن كان على الجاحد بينة، أو رجا إقراره لو رفعه للقاضي، لاذنه (ص) لهند لما شكت إليه شح أبي سفيان أن تأخذ ما يكفيها وولده بالمعروف، ولان في الرفع للقاضي مشقة ومؤنة، وإنما يجوز له الاخذ من جنس حقه. ثم عند تعذر جنسه يأخذ غيره، ويتعين في أخذ غير الجنس تقديم النقد على غيره. ثم إن كان المأخوذ من جنس ماله: يتملكه، ويتصرف فيه بدلا عن حقه، فإن كان من غير جنسه: فيبيعه الظافر نفسه، أو مأذونه للغير، لا لنفسه، اتفاقا، ولا لمحجوره: لامتناع تولي الطرفين وللتهمة. انتهت. (قوله: فرع: يحرم على كل أحد الخ) شروع في بيان الحقوق المشتركة، ومنع التزاحم عليها. وقد أفرده الفقهاء بباب مستقل. وحاصل الكلام على ذلك: أنه يحرم غرس الشجر في الشارع وإن انتفى الضرر وكان النفع لعموم المسلمين ويحل في المسجد مع الكراهة للمسلمين كأكلهم من ثماره، أو ليصرف ريعه في مصالح المسجد. ويحرم بناء دكة مطلقا في الشارع، أو في المسجد، ولو انتفى الضرر بها، أو كانت بفناء داره. وإنما حرم ذلك: لانه قد تزدحم المارة، فيعطلون بذلك، لشغل المكان به، ولانه إذا طالت المدة: أشبه موضعه الاملاك، وانقطع عنه أثر استحقاق الطروق. (وقوله: غرس شجر) مثله كل ما يضر المار في مروره، كإخراج روشن، أو ساباط، أي سقيفة، على حائطين، والطريق بينهما. فإن لم يتضرر المار به، بأن رفعه بحيث يمر تحته الشخص التام الطويل مع حمولة على رأسه، وبحيث يمر تحته المحمل على البعير إذا كانت الطريق ممر فرسان وقوافل: جاز ذلك. هذا إذا كان ما ذكر في شارع، أي طريق نافذ، فإن كان في غيره، فلا يجوز إلا بإذن الشركاء فيه. (وقوله: في شارع) هو مرادف للطريق النافد. وأما الطريق لا بقيد النافذ، فهو أعم من الشارع عموما مطلقا. ومادة الاجتماع الطريق النافذ. وينفرد في طريق غير نافذ (قوله: كبناء دكة) الكاف للتنظير: أي نظير حرمة بناء دكه، وهي المسطبة العالية. والمراد هنا: مطلق المسطبة. قال في التحفة: ومثلها ما يجعل بالجدار المسمى بالكبش، إلا إن اضطر إليه لخلل بنائه. ولم يضر المارة، لان المشقة تجلب التيسير. اه‍. (قوله: وإن لم يضر) مفعوله محذوف: أي لم يضر ذلك البناء والمارة. (وقوله: فيه) أي في الشارع، وهو متعلق بلفظ بناء (قوله: ولو لذلك) ولو كان البناء لذلك: أي لعموم النفع للمسلمين (قوله: وإن انتفى الضرر حالا) لم يظهر لهذه الغاية فائدة بعد الغاية الاولى. أعني قوله: وإن لم يضر، فكان الاولى إسقاطها (قوله: ويحل الغرس بالمسجد الخ) وإنما امتنع في الشارع مطلقا، لكون توقع الضرر فيه أكثر. ويجوز حفر البئر في الشارع، وفي المسجد، حيث لا ضرر، وكان بإذن الامام وفي شرح الرملي: تقييد الجواز بكونه لعموم المسلمين، وإذن الامام. (وقوله: للمسلمين) أي لنفعهم كأكلهم من ثمارها. (وقوله: أو ليصرف ريعه) أي ما غرس. وقوله: له أي للمسجد أي لمصالح المسجد، كترميم، وإسراج (قوله: بل يكره) المناسب والاخصر أن يقول: مع الكراهة، كما عبرت به فيما مر. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 100 ]

باب في الوكالة والقراض أي في بيان أحكامهما، وشرائطهما. وجمع بين الوكالة والقراض في ترجمة واحدة، مع أن الفقهاء أفردوا كلا بترجمة مستقلة، لما بينهما من تمام الارتباط، إذ القرض توكيل وتوكل، فالمالك، كالموكل، فيشترط فيه شروطه، والعامل كالوكيل، فيشترط فيه شروطه، والوكالة، بفتح الواو، وكسرها، لغة: التفويض، والمراعاة، والحفظ. وشرعا، ما سيذكره الشارح من قوله: وهي تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة. وهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، وذلك لقوله تعالى: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (1) وهما وكيلان لا حاكمان على المعتمد، ولخبر الصحيحين أنه (ص) بعث السعاة لاخذ الزكاة، ولكون الحاجة داعية إليها. ولهذا ندب قبولها، لانها قيام بمصلحة الغير. وقد تحرم: إن كان فيها إعانة على محرم. وقد تكره: إن كان فيها إعانة على مكروه. وقد تجب: إن توقف عليها دفع ضرر الموكل، كتوكيل المضطر في شراء طعام قد عجز عنه، وقد تتصور فيها الاباحة كما إذا لم يكن للموكل حاجة في الوكالة، وسأله الوكيل إياها من غير غرض وأركانها أربعة: موكل، ووكيل، وموكل فيه، وصيغة. وشرط في الموكل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، وإلا فلا يصح توكيله لانه إذا لم يقدر على التصرف بنفسه، فبنائبه أولى. فلا يصح توكيل غير مكلف في تصرف إلا السكران المتعدي، فيصح توكيله، ولا توكيل مكاتب في تبرع بلا إذن سيده، وسفيه فيما لا يستقل به، ولو بإذن وليه، وفاسق في إنكاح ابنته. ويستثنى من ذلك: الاعمى، فيصح توكيله في نحو بيع، وشراء، وإجارة وهبة، وإن لم تصح مباشرته له للضرورة والمحرم فيصح أن يوكل حلالا في النكاح بعد التحلل، أو يطلق. وشرط في الوكيل: صحة مباشرته ما وكل فيه، كالموكل، لانه إذا لم يقدر على التصرف فيه لنفسه، فلغيره أولى فلا يصح توكيل صبي ومجنون، ومغمى عليه، ولا توكل امرأة في نكاح ولا محرم فيه ليعقده في إحرامه، وشرط في الموكل فيه: أن يكون قابلا للنيابة، وأن يملكه الموكل حين التوكيل، وأن يكون معلوما، ولو بوجه، فلا يصح فيما لا يقبل النيابة، كالعبادات، ولا فيما لا يملكه الموكل، كالتوكيل في بيع ما سيملكه، نعم، يصح فيما ذكر تبعا: كوكلتك في بيع ما أملكه، وكل ما سأملكه. ولا فيما ليس بمعلوم، كوكلتك في كل قليل وكثير، أو في كل أموري، وبيع بعض أموالي، لما في ذلك من الغرر العظيم، الذي لا ضرورة إلى احتماله. وشرط في الصيغة، لفظ من موكل يشعر برضاه. ولا يشترط من الوكيل: القبول لفظا، بل الشرط: عدم الرد منه، فلو ردها، كأن قال لا أقبل، أو لا أفعل، بطلت. وكل ما ذكر يستفاد من كلام الشارح (قوله: تصح وكالة شخص) من إضافة المصدر لمفعوله. (وقوله: متمكن لنفسه) أي متمكن من التصرف لنفسه فالجار والمجرور متعلق بمحذوف. وهذا شرط للوكيل، (وقوله: كعبد وفاسق) تمثيل للمتمكن من التصرف لنفسه. (وقوله: في قبول النكاح) أي أن تمكن العبد والفاسق ليس مطلقا، بل بالنسبة لقبول النكاح، فيصح توكلهما فيه، لتمكنهما منه لانفسهما. (وقوله: ولو بلا إذن سيد) أي أو ولي فيما إذا كان الفاسق سفيها. وعبارة شرح المنهج: والسفيه والعبد فيتوكلان في قبول النكاح بغير إذن الولي والسيد. اه‍. والغاية للرد على من يقول:


(1) سورة النساء، الاية: 35.

[ 101 ]

لا يصح توكل العبد في قبول النكاح بغير إذن سيده، وعلى من يقول بصحة ذلك: في القبول وفي الايجاب (قوله: لا في إيجابه) أي لا يصح توكلهما في إيجاب النكاح، وذلك لعدم تمكنهما منه لكونه ولاية، وهما ليسا من أهلها (قوله: وهي) أي الوكالة شرعا. (وقوله: تفويض شخص) في البجيرمي، هلا أطلقها على العقد أيضا كما مر في الابواب قبله، وسيأتي في أبواب أخر ؟ فليحرر، فإن الظاهر إطلاقها عليه شرعا. شوبري. اه‍. وقد يقال: المراد تفويض شخص الخ بصيغة (قوله: فيما يقبل النيابة) أي مما يقبلها، ففي: بمعنى من - البيانية لامره - وهي حال منه: أي حال كون ذلك الامر مما يقبل النيابة. فإن قلت: النيابة هي الوكالة، وقد أخذت في تعريف الوكالة، وهذا دور. أجيب بأن النيابة شرعا أعم من الوكالة، فلا دور، إلا أنه يرد عليه أنه يصير التعريف به غير مانع. (وقوله: ليفعله في حياته) خرج به الايصاء، فإنه إيما يفعله بعد موته (قوله: فتصح) أي الوكالة، وهو مفرع على ما يقبل النيابة (قوله: كبيع ونكاح وهبة) أي وضمان ووصية وحوالة، فيقول: جعلت موكلي ضامنا لك كذا، أو موصيا بكذا أو أحلتك بمالك على موكلي من كذا بنظيره مما له على فلان (قوله: وطلاق منجز) أي لمعينة، فلو وكله بتطليق إحدى نسائه، لم يصح، في الاصح (قوله: وفي كل فسخ) معطوف على في كل عقد: أي وتصح الوكالة في كل فسخ، والمراد بالفسخ: الذي ليس على الفور، أو على الفور، وحصل عذر لا يعد به التأخير بالتوكيل فيه تقصيرا، فإن عد التوكيل فيه تقصيرا، فلا يصح التوكيل فيه (قوله: كإقالة) تمثيل للفسخ، وهي طلب المشتري من البائع الفسخ (قوله: وفي قبض وإقباض) معطوف على في كل عقد: أي وتصح الوكالة في قبض وإقباض للدين أو العين (قوله: وفي استيفاء عقوبة آدمي) معطوف على في كل عقد أيضا: أي وتصح في كل استيفاء عقوبة لآدمي، كقصاص، وحد قذف، ويصح التوكيل أيضا في استيفاء عقوبة لله تعالى، لكن من الامام أو السيد (قوله: والدعوى) أي وتصح الوكالة في الدعوى: أي بنحو مال أو عقوبة لغير الله تعالى، والجواب عن ذلك (قوله: وإن كره الخصم) غاية لصحة التوكيل في الدعوى والجواب: أي يصح التوكيل في الدعوى، وفي الجواب عنها، سواء رضي الخصم بذلك أو لا. ومذهب الامام أبي حنيفة، رضي الله عنه، اشتراط رضا الخصم (قوله: وإنما تصح الوكالة فيما ذكر) أي من العقود والفسوخ (قوله: إن كان عليه ولاية لموكل الخ) هذا شرط في الموكل فيه، وهو ما مر من العقود والفسوخ وما بعدهما: أي أنه يشترط فيه أن يكون للموكل ولاية عليه، أي سلطنة، بسبب ملكه التصرف فيه: سواء كان مالكا للعين أو لا، كالولي، والحاكم، فعبارته أعم من قول المنهج، وشرط في الموكل فيه أن يملكه حين التوكيل، إذ هو خاص بمالك العين، ولا يشمل الولي والحاكم (قوله: فلا يصح) أي التوكيل. (وقوله: في بيع ما سيملكه) أي استقلالا، لا تبعا، فيصح في بيع ما لا يملكه تبعا للملوك، أو في بيع عين يملكها، وأن يشتري له بثمنها كذا. وقياس ذلك، صحة توكيله بطلاق من سينكحها تبعا لمنكوحته، كذا في شرح المنهج (قوله: لانه لا ولاية الخ) علة لعدم الصحة: (وقوله: له) أي للموكل. (وقوله: عليها) أي على ما سيملكه، أو من سينكحها. (وقوله حينئذ) أي حين إذ وكل (قوله: وكذا لو وكل) أي وكذلك لا يصح التوكيل لو وكل الولي من يزوج موليته إذا طلقت أو إذا انقضت عدتها، وذلك لعدم ولايته عليها حين التوكيل. (وقوله: إذا طلقت أي وانقضت عدتها)،

[ 102 ]

كما هو ظاهر، (وقوله: هنا) أي في باب الوكالة (قوله: لكن رجح في الروضة في النكاح) أي في باب النكاح: الصحة، أي صحة الوكالة، ونصها. فرع في فتاوى البغوي أن التي يعتبر إذنها في تزويجها إذا قالت لوليها وهي في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي، أو انقضت عدتي، فينبغي أن يصح الاذن، كما لو قال الولي للوكيل، زوج بنتي إذا فارقها زوجها وانقضت عدتها، وفي هذا التوكيل، وجه ضعيف، أنه لا يصح، وقد سبق في الوكالة. اه‍. (قوله: وكذا لو قالت له الخ) أي وكذا رجح في الروضة، في باب النكاح، صحة الاذن فيما لو قالت لوليها، وهي في نكاج أو عدة، أذنت لك في تزويجي إذا حللت، بأن يطلقها زوجها وتنقضي عدتها في الصورة الاولى، أو تنقضي العدة في الثانية فقط. وفي النهاية: أفتى الوالد، رحمه الله تعالى، بصحة إذن المرأة المذكورة لوليها، كما نقلاه في كتاب النكاح، عن فتاوى البغوي، وأقراه، وعدم صحة توكيل الولي المذكور، كما صححاه في الروضة وأصلها هنا، والفرق بينهما: أن تزويج الولي، بالولاية الشرعية، وتزويج الوكيل، بالولاية الجعلية. وظاهر أن الاولى أقوى، فيكتفي فيها بما لا يكتفي به في الثانية. وأن باب الاذن أوسع من باب الوكالة. وما جمع به بعضهم، بين ما ذكر في البابين، بحمل عدم الصحة على الوكالة، والصحة على التصرف، إذ قد تبطل الوكالة، ويصح التصرف، رد بأنه خطأ صريح، مخالف للمنقول، إذا الابضاع يحتاط لها فوق غيرها. اه‍. (قوله: ولو علق ذلك الخ) أي ولو علق الولي ذلك: أي توكيل التزويج، بأن قال إذا طلقت بنتي، أو انقضت عدتها، فقد وكلتك في تزويجها، فسدت الوكالة، ونفذ التزويج للاذن. قال سم: كذا في شرح الروض، لكن أطال ابن العماد في توقيف الحكام في بيان عدم النفوذ إذا فسد التوكيل في النكاح، وفي تغليط من سوى بين النكاح وغيره في النفوذ بذلك. اه‍. وانظر: ما الفرق بين هذه الصورة والصورة الاولى المارة، وهي كذا لو وكل الخ، فإنها متضمنة للتعليق، وإن لم يكن صريحا فيها ؟ ويمكن الفرق بأن الوكالة هنا معلقة، وهناك منجزة، والمعلق إنما هو التزويج، وهو لا يضر، لما سيأتي: أن المضر تعليق الوكالة، وأما تعليق التصرف: فغير مضر (قوله: لا في إقرار) عطف على في كل عقد (قوله: أي لا يصح التوكيل فيه) بيان لمنطوق ما قبله، والمناسب لما قبله في الحل أن يقول: أي لا تصح الوكالة في إقرار (قوله: بأن يقول) أي الموكل، وهو تصوير للوكالة في الاقرار: إيجابا، وقبولا (قوله: فيقول الوكيل: أقررت عنه) أي عن موكلي: أي أو يقول جعلته مقرا بكذا (قوله: لانه) أي الاقرار، وهو تعليل لعدم صحة الوكالة في الاقرار: أي وإنما لم تصح فيه لان الاقرار إخبار عن حق، وهو لا يقبل التوكيل، كالشهادة (قوله: لكن يكون الموكل مقرا بالتوكيل) أي لاشعاره بثبوت الحق عليه، وقيل ليس بإقرار: لان التوكيل بالابراء ليس بإبراء، ومحل الخلاف: إذا قال وكلتك لتقر عني لفلان بكذا، فلو قال أقر عني بألف له علي كان إقرار قطعا، ولو قال له أقر علي بألف، لم يكن إقرارا قطعا: صرح به صاحب التعجيز اه‍. شرح الروض. وقوله فلو قال أقر عني بألف له علي: أي لو جمع بين عني وعلي، كان إقرار قطعا، وقوله: ولو قال أقر علي بألف: أي ولو اقتصر على علي، لم يكن إقرارا قطعا، وخالف بعضهم في هذه، فقال إنه يكون مقرا، لانها أولى من عني. وفي البجيرمي: والحاصل أنه إذا أتى بعلي وعني، يكون إقرارا قطعا. وإن حذفهما، لا يكون إقرارا قطعا، وإن أتى بأحدهما، يكون إقرارا، على الاصح، كما يؤخذ من كلام ح ل، وعلى كلام ق ل وع ش وز ي: لا يكون مقرا قطعا إذا أتى بعلي. اه‍. (قوله: ولا في يمين) عطف على في كل عقد أيضا: أي لا تصح الوكالة في يمين (قوله: لان القصد بها) أي

[ 103 ]

باليمين، وهو علة لعدم صحة الوكالة في اليمين (قوله: فأشبهت العبادة) أي فأشبهت اليمين العبادة: أي في كون القصد تعظيم الله تعالى (قوله: ومثلها النذر الخ) أي ومثل اليمين في عدم صحة الوكالة، النذر، وتعليق العتق، والطلاق بصفة، فلا يصح أن يقول وكلتك في أن تنذر عني، أو تعلق عتق عبدي، أو طلاق زوجتي بصفة، إلحاقا لها باليمين. ونقل المتولي في التعليق أوجها: ثالثها إنه إن كان التعليق بقطعي، كطلوع الشمس، صح، وإلا فلا، فإنه يمين، لانه حينئذ يتعلق به حث أو منع أو تحقق خبر، واختاره السبكي، أفاده في شرح الروض (قوله: ولا في شهادة) أي ولا يصح التوكيل فيها، (وقوله: إلحاقا لها بالعبادة) أي إلحاقا للشهادة بالعبادة. وانظر وجه الالحاق. وعبارة المغني: لانا احتطنا، ولم نقم غير لفظها مقامها، فألحقت بالعبادة، ولان الحكم فيها منوط بالشاهد، وهو غير حاصل للوكيل. اه‍. (قوله: والشهادة على الشهادة الخ) هذا جواب عما يقال: كيف لا يصح التوكيل بالشهادة، مع أن الشهادة على الشهادة جائزة بالاتفاق. وحاصل الجواب أنها ليست توكيلا، بل هي تحمل عن الشاهد. وعبارة المغني: فإن قيل: الشهادة على الشهادة باسترعاء ونحوه جائزة كما سيأتي، فهلا كان هنا كذلك ؟ أجيب بأن ذلك ليس توكيلا، كما صرح به القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، بل شهادة على شهادة، لان الحاجة الخ. اه‍. وقوله باسترعاء أي طلب من الشاهد، بأن يقول له أنا شاهد بكذا، وأشهدك، أو اشهد على شهادتي به. وقوله ونحوه: أي نحو الاسترعاء، كالسماع، بأن يسمعه يشهد عند حاكم إلى آخر ما سيأتي في باب الشهادة (قوله: المتحمل عنه.) أي المؤدي عنه، وهو بصيغة اسم المفعول، (وقوله: كحاكم أدى عنه) أي جعلته بمنزلة حاكم أدى عنه حكمه عند حاكم آخر، بأن حكم حاكم على غائب، وأنهى حكمه إلى حاكم بلد الغائب، فهذا الذي أدى حكم الحاكم عند الحاكم الآخر، ليس بوكيل عنه، وإنما هو مؤد، ورسول، وكذلك المتحمل للشهادة: ليس بوكيل، وإنما هو مؤد لشهادة الشاهد (قوله: ولا في عبادة) أي لا يصح التوكيل فيها، وإن لم تتوقف على نية. وذلك لان مباشرها: مقصود بعينه، اختيارا من الله تعالى، ولا فرق بين أن تكون العبادة فرضا أو نفلا، كصلاة، وصوم، واعتكاف، فليس له أن يترك الصلاة ويوكل غيره ليصلي عنه، أو يصلي منفردا ويوكل غيره ليصليها جماعة له، ويكون ثوابها له. وكذا البقية. أما القيام بالوظائف، كمن عليه إمامة مسجد، أو تدريس، فينيب غيره، حيث كان النائب مثله، أو أكمل منه، أفاده الشرقاوي (قوله: إلا في حج وعمرة) أي فيصح التوكل فيهما، ولا بد أن يكون الموكل معضوبا أو وصيا عن ميت، ويندرج فيهما، توابعهما، كركعة الطواف، فيصح التوكيل فيهما، تبعا لهما، بخلاف ما لو أفردهما بالتوكيل: فلا يصح. والحاصل أن العبادة على ثلاثة أقسام: إما أن تكون بدنية محضة، فيمتنع التوكيل فيها، إلا ركعتي الطواف تبعا. وإما أن تكون مالية محضة، فيجوز التوكيل فيها مطلقا، وإما أن تكون مالية غير محضة، كنسك، فيجوز التوكيل فيها بالشرط المار (قوله: وذبح نحو أضحية) أي فله أن يوكل في ذلك. وهناك أشياء أخر مستثناة يجوز التوكيل فيها، فلتراجع (قوله: لا تصح الوكالة الخ) شروع في بيان الصيغة (قوله: وهو ما يشعر الخ) أي الايجاب لفظ يشعر الخ. ومثل اللفظ: كتابة، أو إشارة أخرس مفهمة، (وقوله: الذي يصح مباشرته الموكل فيه) هذا شرط للموكل، كما تقدم، (وقوله: في التصرف) متعلق برضا، أي يشعر برضا الموكل في تصرف الوكيل في الموكل فيه (قوله: قال السبكي الخ) عبارة التحفة قبل ذلك: وخرج بكاف الخطاب، ومثلها وكلت فلانا، ما لو قال وكلت كل من أراد بيع داري مثلا، فلا يصح، ولا ينفذ

[ 104 ]

تصرف أحد فيها بهذا الاذن، لفساده، نعم: بحث السبكي صحة ذلك فيما لا يتعلق بعين الوكيل فيه غرض، كوكلت كل من أراد في إعتاق عبدي هذا، أو تزويج أمتي هذه. قال: ويؤخذ من هذا قول من لا ولي لها، إلى آخر ما ذكره الشارح (قوله: قال الاذرعي: وهذا إن صح الخ) كتب العلامة الرشيدي ما نصه: (قوله: وهذا إن صح) أي ما ذكر من تزويج الامة، وعبارته، أي الاذرعي، في قوته نصها: وما ذكره، يعني السبكي، في تزويج الامة، إن صح، ينبغي أن يكون فيما إذا عين الزوج ولم يفوض إلا صيغة العقد، ثم قال. وسئل ابن الصلاح عمن أذنت أن يزوجها العاقد في البلد من زوج معين بكذا، فهل لكل أحد عاقد بالبلد تزويجها ؟ فأجاب إن اقترن بإذنها قرينة تقتضي التعيين، بأن سبق إذنها قريبا ذكر عاقد معين، أو كانت تعتقد أن ليس بالبلد غير واحد، فإن إذنها حينئذ تختص، ولا يعم. وإن لم يوجد شئ من هذا القبيل، فذكرها العاقد محمول على مسمى العاقد على الاطلاق، وحينئذ: لكل عاقد بالبلد تزويجها. هذا مقتضى الفقه في هذا. اه‍. (قوله: وبنحو ذلك) أي وبمثل ما ذكره السبكي أفتى ابن الصلاح، وقد علمت إفتاءه في عبارة الرشيدي، فلا تغفل (قوله: ولا يشترط في الوكالة القبول لفظا) أي لانها إباحة ورفع حجر، كإباحة الطعام، فلا يتعين فيها القبول لفظا. نعم: لو كان لانسان عين معارة، أو مؤجرة، أو مغصوبة فوهبها لآخر فقبلها، وأذن له في قبضها، ثم إن الموهوب له ولك في قبضها المستعير، أو المستأجر، أو الغاصب، اشترط قبوله لفظا، ولا يكتفي بالفعل، وهو الامساك، لانه استدامه لما سبق، فلا دلالة فيه على الرضا بقبضه عن الغير. اه‍. شرح الروض (قوله: لكن يشترط) أي في الوكالة. (وقوله: عدم الرد) أي بأن يرضى ويمتثل، فإن رد، لم تصح الوكالة. وإلا صحت (قوله: ولو تصرف) أي فضولي. وعبارة التحفة: ولا يشترط هنا فور ولا مجلس. ومن ثم لو تصرف غير عالم الخ. اه‍. (قوله: صح) أي تصرفه، أي لان العبرة في العقود بما في نفس الامر (قوله: كمن باع الخ) الكاف للتنظير في صحة البيع المذكور (قوله: ولا يصح تعليق الوكالة بشرط) أي صفة أو وقت، والظاهر أن المراد بالتعليق: ما كان بالادوات وبغيرها، بدليل أمثلته الآتية (قوله: فلو تصرف) أي الوكيل (قوله: كأن وكله بطلاق الخ) أي كأن قال له وكلتك في طلاق زوجتي التي سأنكحها، أو في بيع عبدي الذي سأملكه، ففيما ذكر، تعليق الوكالة بصفة، أعني النكاح والملك، وذلك لانه في قوة قوله إن نكحت فلانة، فأنت وكيل في طلاقها، أو إن ملكت فلانا، فأنت وكيل في بيعه (قوله: أو بتزويج بنته إذا طلقت) قد تقدم عن ابن العماد ما فيه، فلا تغفل (قوله: نفذ) أي التصرف المذكور، وهو جواب لو (قوله: عملا بعموم الاذن) أي الذي تضمنته الوكالة، فهي، وإن كانت فاسدة بخصوصها، لا يفسد الاذن بعمومه، لانه بفساد الخاص، لا يفسد العام، وإنما كان الاذن أعم من الوكالة: لان باب الاذن أوسع من باب الوكالة، وعبارة الروض: ولو علقها بشرط: فسدت، ونفذ تصرف صادف الاذن. قال في شرحه: وكذا حيث فسدت الوكالة، إلا أن يكون الاذن فاسدا. كقوله وكلت من أراد بيع داري - فلا ينفذ التصرف قاله الزركشي اه‍. (قوله: وإن قلنا بفساد الوكالة الخ) هذا بيان لما يترتب على الوكالة الفاسدة، وهو سقوط الجعل المسمى إن كان، وتجب أجرة

[ 105 ]

المثل، كما أن الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق المسمى، ويوجب مهر المثل، بخلاف الوكالة الصحيحة، فإنه يستقر فيها الجعل المسمى إن كان. والحاصل الوكالة الصحيحة والفاسدة يستويان: بالنسبة لنفوذ التصرف، ويتغايران، بالنسبة للجعل المسمى، فيسقط في الفاسدة، ويستقر في الصحيحة. تنبيه قال في المغني: هل يجوز الاقدام على التصرف بالوكالة الفاسدة ؟ قال ابن الرفعة: لا يجوز، لكن استبعده ابن الصلاح، وهذا هو الظاهر، لان هذا ليس من تعاطي العقود الفاسدة، لانه يقدم على عقد صحيح. اه‍. (قوله: إن كان) أي وجد الجعل. (وقوله: ووجوب) معطوف على سقوط (قوله: وصح تعليق التصرف فقط) أي دون الوكالة، إنها منجزة، والمعلق التصرف، كوكلتك في كذا، وإذا جاء رمضان فبعه، (قوله: وتأقيتها) أي وصح تأقيتها، أي الوكالة (قوله: إلى شهر رمضان) متعلق بوكلتك، وحينئذ إذا دخل الشهر المذكور، ينعزل (قوله: أن يكون الموكل فيه) يقرأ بصيغة المجهول، ونائب الفاعل: الجار والمجرور (قوله: معلوما للوكيل ولو بوجه) أي بحيث يقل معه غرر في الموكل فيه: بأن يذكر من أوصافه ما لا بد منه في تمييزه، فيجب في توكيله في شراء عبد، بيان نوعه، كتركي، وهندي، وبيان صفته، كرومي، ونوبي، إن احتيج إلى ذلك، بأن اختلفت أصناف ذلك النوع اختلافا ظاهرا، وفي شراء دار: بيان محله، أي حارة وسكة، ثم محل بيان ما ذكر، إذا لم يقصد به التجارة، وإلا فلا يجب بيان شئ من ذلك، بل يكتفي: اشتر بهذا ما شئت من العروض، أو ما رأيته مصلحة (قوله: كوكلتك الخ) تمثيل لما هو معلوم من وجه، مجهول من وجه آخر، فالوجه الذي هو معلوم منه في الوكالة في بيع جميع الاموال خصوص كونه مالا، والوجه المجهول منه أنواع المال، والوجه المعلوم في عتق الارقاء خصوص كونه عتقا، وجهة الجهل عدم العلم بالعدد وكونها ذكورا أو إناثا. اه‍. بجيرمي (قوله: وإن لم تكن أمواله وأرقاؤه معلومة) أي من بعض الوجوه: ككون الوكيل والموكل لم يعرفا نوعها وصنفها وعددها، وكون الارقاء ذكورا أو إناثا، وبه يندفع ما يتراءى من التنافي في كلامه، حيث اشترط أولا العلم، ثم ذكر ما يفيد علم الاشتراط، وحاصل الدفع، أن الشرط: العلم، ولو من بعض الوجوه، وهذا لا ينافي أنه لا يضر الجهل من بعض آخر (قوله: لقلة الغرر) تعليل لمحذوف: أي فإنه يصح التوكل فيما كر، لقلة الغرر فيه (قوله: بخلاف بع هذا أو ذاك) أي فإنه لا يصح، وذلك لكثرة الغرر فيه (قوله: وفارق أحد عبيدي) أي فارق قوله المذكور: ما إذا قال بع أحد عبيدي، أي فإنه يصح (قوله: بأن الاحد الخ) متعلق بفارق. (وقوله: صادق على كل) أي على كل عبد أي فالعقد وجد موردا يتأثر به، بخلافه في الاول، فإنه لم يجد ذلك، لان أو، للابهام، فلذلك لم يصح فيه، وصح في الثاني. وعبارة شرح الروض. وفرق بينهما بأن العقد لم يجد في الاول موردا يتأثر به، لان أو: للابهام، بخلاف الثاني، فإنه صادق على كل عبد. اه‍. (قوله: بخلاف بع بعض مالي) أي فإنه لا يصح: أي لكثرة الغرر فيه، لكون الموكل فيه شديد الابهام (قوله: نعم، يصح بع، أو هب منه ما شئت) فرق في شرح الروض بين هذه الصورة - حيث صح التوكيل فيها، وبين الصورة المارة قيله، حيث لم يصح فيها، بأن الموكل فيه فيها مبهم، ولانه نكرة، لا عموم فيه ولا خصوص، بخلافه في هذه الصورة، فإنه معرفة عامة مخصوصة، وحيث صح فيها، فإنما يصح التصرف في البعض، دون الجميع، لان من، للتبعيض (قوله: وتبطل) أي الوكالة (وقوله: في المجهول) أي من كل وجه، بدليل ما قبله. وكان الاولى زيادته (قوله: لكثرة الغرر فيه)

[ 106 ]

قال في التحفة: إذ يدخل فيه ما لا يسمح الموكل ببعضه، كطلاق زوجاته، والتصدق بأمواله (قوله: وباع الخ) شروع فيما يجب على الوكيل وما يمتنع عليه في الوكالة المطلقة والمقيدة بعد صحتها (قوله: كالشريك) الكاف للتنظير (قوله: صح مباشرته الخ) الجملة صفة لوكيل، ولا حاجة إليه، لانه قد علم من قوله، في صدر الباب، تصح وكالة شخص متمكن لنفسه الخ (قوله: بثمن مثل فأكثر) متعلق بباع: أي باع بثمن مثل فأكثر، وهو قيد أول، وسيذكر محترزه. (وقوله: حالا) قيد ثان. وسيذكر محترزه أيضا (قوله: فلا يبيع نسيئة) أي بأجل، ولو بأكثر من ثمن المثل، لان المعتاد، غالبا، الحلول مع الخطر في النسيئة. اه‍. نهاية. قال ع ش: ويظهر أنه لو وكله وقت نهب: جاز له البيع نسيئة، إذا حفظ عن النهب. وكذا لو وكله وقت الامن، ثم عرض النهب لان القرينة قاضية قطعا برضاه. الخ. اه‍. (قوله: ولا بغير نقد البلد) هذا محترز قيد ملحوظ في المتن، وهو بنقد البلد والمراد بنقد البلد: ما يتعامل به أهلها غالبا، نقدا كان أو عرضا، الدلالة القرينة العرفية عليه، فإن تعدد لزمه بالاغلب، فإن تساويا، فبالانفع، وإلا تخير، أو باع بهما. والمراد بالبلد: ما وقع فيه البيع بالاذن، لدلالة القرينة العرفية عليه، فإن سافر بما وكل في بيعه لبلد بلا إذن، لم يجز له بيعه إلا بنقد البلد المأذون فيها (قوله: ولا بغبن فاحش) محترز قوله بثمن مثل: أي لا يبيع بدونه إذا كان بغبن فاحش، وهو ما لا يحتمل، أي يغتفر في الغالب، أما إذا كان لا بغبن فاحش، جاز البيع به (قوله: بأن لا يحتمل) تصوير للغبن الفاحش (قوله: فبيع ما يساوي عشرة بتسعة) أي من الدراهم. أو الانصاف، لا من الدنانير، (وقوله: محتمل) أي مغتفر، وينبغي أن يكون المراد حيث لا راغب بتمام القيمة أو أكثر، وإلا فلا يصح، أخذا مما سيأتي. فيما لو عين له الثمن أنه لا يجوز له الاقتصار على ما عينه إذا وجد راغبا كما سيأتي، وقد يفرق سم على منهج. أقول: وقد يتوقف في الفرق بأن الوكيل يجب عليه رعاية المصلحة، وهي منتفية فيما لو باع بالغبن اليسير مع وجود من يأخذ بكامل القيمة. اه‍. ع ش (قوله: وبثمانية غير محتمل) أي وبيع ما يساوي عشرة بثمانية غير محتمل. والصواب، الرجوع في ذلك إلى العرف المطرد، كما في التحفة، والنهاية، وعبارتها: قال ابن أبي الدم: العشرة إن سومح بها في المائة يتسامح بالمائة في الالف، فالصواب: الرجوع للعرف، ويوافقه قولهما عن الروياني: إنه يختلف بأجناس الاموال، لكن قوله في البحر، إن اليسير يختلف باختلاف الاموال، فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه يسير في الجواهر والرقيق ونحوهما، محل نظر، وهو محمول على عرف زمنه، إذ الاوجه: اعتبار العرف المطرد في كل ناحية بما يتسامح به فيها. اه‍. (قوله: ومتى خالف) أي الوكيل، وقوله شيئا مما ذكر، أي من كونه حالا، وبنقد البلد، وبثمن المثل، ومخالفته لذلك، بأن باع مؤجلا، أو بغير نقد البلد، أو بغير ثمن المثل، (وقوله: فسد تصرفه) أي بيعه المذكور، لفقد الشروط المعتبرة فيه (قوله: وضمن) أي الوكيل، لتعديه بتسليمه له ببيع فاسد والقيمة المغرومة للحيلولة، لا للفيصولة. (وقوله: قيمته) أي أقصى قيمه. (وقوله: يوم التسليم) أي تسليم الموكل للمشتري (قوله: ولو مثليا) غاية لضمانه القيمة، وهي للرد على من يفصل بين المتقوم والمثلي (قوله: إن أقبض) أي الوكيل، وهو قيد لتضمينه القيمة، فإن لم يقبضه: فلا ضمان، كما هو ظاهر (قوله: فإن بقي) أي المبيع عند المشتري، وقوله استرده، أي الوكيل من المشتري. قال ع ش: ولا يزول الضمان بالاسترداد، بل إما بالبيع الثاني، أو استئمان من المالك. اه‍. (قوله: وله) أي للوكيل، (وقوله: حينئذ) أين حين إذ استرده، (وقوله: بيعه) أي ثانيا، (وقوله: بالاذن السابق) أي فلا يحتاج إلى تجديد الاذن (قوله: ولا يضمنه) أي الثمن لو تلف، فيده عليه يد أمانة. وعبارة شرح المنهج: ولا يضمن ثمنه. وكتب البجيرمي: أي فيما إذا باعه بالاذن السابق. اه‍. (قوله: وإن تلف) أي المبيع عند المشتري وهو مقابل قوله فإن بقي

[ 107 ]

(قوله: بدله) أي بدل المبيع التالف. والمراد به: البدل الشرعي من مثل أو قيمة، وهذا بالنسبة للوكيل. وأما المشتري: فيضمن المثل إن كان مثليا، وأقصى القيم إن كان متقوما، لانه مقبوض بعقد فاسد. اه‍. بجيرمي (قوله: والقرار عليه) أي على المشتري، لانه قبضه بعقد فاسد (قوله: وهذا كله) أي ما ذكر: من اشتراط كون البيع بثمن مثل حال، وبنقد البلد إذا أطلق الموكل الوكالة في البيع (قوله: بأن لم يقيد الخ) تصوير للاطلاق المذكور (قوله: وإن قيد بشئ) المناسب: فإن قيد، بفاء التفريع، وقوله: اتبع، أي ما قيد به الموكل، فلو قيد بثمن، تعين، ولو وكله ليبيع مؤجله، صح. ثم إن أطلق الاجل، حمل على عرف في المبيع بين الناس، فإن لم يكن عرف، راعى الانقع للموكل في قدر الاجل. ويشترط الاشهاد في هذه الحالة، وإن قدر الاجل، اتبع الوكيل ما قدره الموكل، فإن باع بحال أو نقص عن الاجل الذي قدره، كأن باع إلى شهر ما، قال له الموكل بعه إلى شهرين، صح البيع، إن لم ينهه الموكل، ولم يكن عليه فيه ضرر، كنقص ثمن، أو مؤنة حفظ، ولم يعين المشتري، وإلا فلا يصح، لظهور قصد المحاباة (قوله: فرع) هو مشتمل على مسائل أربع، فمن ثم عبر غيره بفروع، وهو الاولى، والغرض منه، تقييد قوله وباع كالشريك وكيل بثمن مثل الخ، أي محل كونه كالشريك، وأنه لا يبيع إلا بالقيد المتقدمة إن لم يأت بصيغة من هذه الصيغ الآتية في الفرع، فإن أتى بها، عمل بمقتضاها (قوله: لو قال) أي الموكل (قوله: فله بيعه بغبن فاحش) أي لان كم للعدد، فيشمل القليل والكثير (قوله: أو بما شئت) أي أو قال له بعه بما شئت (قوله: فله بيعه بغير نقد البلد) أي لان ما يصدق بالعرض والنقد (قوله: أو بكيف شئت) أي أو قال له: بعه بكيف شئت. (وقوله: فله بيعه بنسيئة) أي لان كيف، للاحوال، فيشمل الحال والمؤجل (قوله: أو بما عز وهان) أي أو قال بعه بما عز وهان. قال في المصباح: عز الرجل، عزا بالكسر، وعزازة، بالفتح، قوي، وفيه أيضا: هان يهون هونا، بالضم، وهوانا، ذل وحقر. اه‍. إذا علمت ذلك، فالمراد بهما هنا، الكثرة والقلة علي سبيل المجاز المرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب في الاول، وذلك لان القوة، سببها الكثرة غالبا، وبالعكس في الثاني. وذلك لان الحقارة: سببها القلة غالبا (قوله: فله بيعه بعرض وغبن) أي لان ما تصدق بالنقد والعرض، كما علمت، ولما اقترنت بعز وهان، صدقت أيضا بالقليل والكثير (قوله: ولا يبيع الوكيل لنفسه) أي على نفسه. (وقوله: وموليه) أي ولا على موليه من صغير ومجنون وسفيه، وإنما منع من بيعه له، لئلا يلزم تولي الطرفين. وقولهم يجوز للاب تولي ذلك، هو في معاملته لنفسه مع موليه، وهنا ليس كذلك، لان المعاملة لغيره. وفي البجيرمي، وإنما جاز تولي الجد تزويج بنت ابنه، ابن ابنه الآخر، لان الولاية له أصالة من الشرع (قوله: وإن أذن) أي الموكل (وقوله: له) أي للوكيل. (وقوله: في ذلك) أي في البيع لنفسه أو موليه (قوله: خلافا لابن الرفعة) أي في تجويزه البيع لنفسه وموليه. قال في التحفة: وقوله اتحاد الطرفين عند انتفاء التهمة جائز: بعيد من كلامهم، لان علة منع الاتحاد: ليست التهمة، بل عدم انتظام الايجاب والقبول من شخص واحد. اه‍. وكتب السيد عمر البصري ما نصه، (قوله: خلافا لابن الرفعة الخ) كلام ابن الرفعة وجيه جدا، من حيث المعنى، لكن ترجيحهم منع توكيله للهبة من نفسه، يرده من حيث النقل. اه‍. (قوله: لامتناع اتحاد الخ) علة لعدم صحة البيع المذكور. (وقوله: وإن انتفت التهمة) الغاية للرد (قوله: بخلاف أبيه

[ 108 ]

وولده الرشيد) أي بخلاف بيع الوكيل لابيه، ومثله سائر أصوله، وولده الرشيد، ومثله سائر فروعه المستقلين، فإنه يصح، وذلك لانتفاء اتحاد الموجب والقابل، وقيل لا يصح، لانه متهم بالميل إليهم (قوله: ولا يصح البيع الخ) الاولى تقديم هذا على قوله: ومتى خالف شيئا الخ، فتنبه (قوله: لا يتغابن بمثلها) في ع ش ما نصه: قوله وثم راغب، أي ولو بما لا يتغابن به، أخذا من إطلاقه. وفي شرح الروض، التقييد بما لا يتغابن بمثله. قال سم على منهج، بعد نقله ذلك عن شرح الروض، وهو يفهم الصحة، إذا وجد الراغب بالذي يتغابن بمثله. وفيه نظر. اه‍. (أقول) وقد يقال العرف في مثله جار بالمسامحة، وعدم الفسخ للزيادة اليسيرة. اه‍ (قوله: إن وثق) أي الوكيل (وقوله: به) أي بذلك الراغب (قوله: ولم يكن) أي ذلك الراغب مماطلا: أي في دفع الثمن (قوله: أي هو كله أو أكثره) في بعض نسخ الخط إسقاط أي، وفي بعضها إسقاط هو، وهو أولى من إثباتهما معا، كما في النسخ التي بأيدينا (قوله: ولو للمشتري) أي ولو كان الخيار للمشتري وحده وفي ع ش، نقلا عن الزيادي، تقييد الخيار بكونه للبائع، أو لهما، قال: فإن كان للمشتري: امتنع، أي الفسخ، اه‍. وفي سم: ما يؤيده، ونص عبارته، قوله: أو حدث في زمن الخيار، عبارته في شرح الارشاد هنا، خيار المجلس، أو خيار الشرط، ولو للمشتري وحده. اه‍. وفيما ذكره من المبالغة نظر لا يخفى اه‍. ووجهه أنه إذا كان الخيار للمشتري وحده، يمتنع الفسخ، للزوم البيع من جهة البائع (قوله: ولم يرض) أي المشتري، (وقوله: بالزيادة)، أي بتسليمها (قوله: فسخ الوكيل العقد) جواب فإن وجد (قوله: بالبيع للراغب) الباء بمعنى اللام التعليلية: أي لاجل أن يبيعه على الراغب للشراء بالزيادة (قوله: وإلا انفسخ) أي وإن لم يفسخ الوكيل، انفسخ العقد بنفسه، لكن بشرط أن يكون باذل الزيادة باقيا على رغبته (قوله: ولا يسلم الوكيل) أي لا ينبغي له ذلك إلا إن قبض الثمن، بدليل صحة العقد المستلزمة للحل غالبا، وإن كان مقتضى ما في شرح الارشاد أنه يحرم عليه ذلك ولا يحل قبل القبض، وعبارته بعد كلام، فإن عكس، أي سلم قبل القبض، أثم، وغرم، أي للحيلولة، قيمة المبيع، ولو مثليا. اه‍. وفي البجيرمي على شرح المنهج ما يؤيد ما قلناه، وعبارته: وله تسليم المبيع أو لا، ويصح البيع، وإن كان يضمن. اه‍. (وقوله: بحال) أي بثمن حال، فإن كان مؤجلا، فله فيه تسليم المبيع، لكن ليس له قبضه إذا حل، إلا بإذن جديد، أو قامت قرينة عليه، (وقوله: المبيع)، مفعول يسلم (قوله: وإلا ضمن) أي وإلا يسلم بعد القبض، بأن سلم قبله، ضمن للموكل قيمته، أي وقت التسليم، وهي للحيلولة، فإذ أغرمها ثم قبض الثمن: دفعه إلى الموكل، واسترد ما غرم (قوله: وليس له: أي للوكيل الخ) أي لا ينبغي له ذلك، فلا ينافي حينئذ صحة شرائه في غالب الاقسام الآتية (قوله: لاقتضاء الاطلاق عرقا السليم) يشعر بأن الكلام في الوكالة المطلقة، وهو كذلك، ويؤيده الاستثناء الآتي قريبا (قوله: ووقع الشراء له) أي وإذا اشترى الوكيل المعيب، وقع الشراء له (قوله: إن علم العيب) سيأتي محترزه (قوله: واشتراه) أي اشترى الوكيل المعيب (قوله: بثمن في الذمة) أي في ذمته واحترز به عما إذا اشتراه بعين مال الموكل، وكان عالما بالعيب، فإنه لا يقع لواحد منهما، ويحرم لتعاطيه عقدا فاسدا، وسيذكره في كلامه (قوله: وإن ساوى المبيع الثمن) أي وقع له، وإن ساوى المبيع الذي اشتراه الثمن، فهو غاية لوقوعه له (قوله: إلا إذا عينه) أي المعيب الموكل، وهو مرتبط بكلام المصنف، أي أنه إذا اشترى المعيب، يقع له، إلا إذا عينه الموكل له عالما بحاله،

[ 109 ]

فإنه يقع للموكل (قوله: كما إذا اشتراه الخ) أي كما يقع للموكل أيضا إذا اشتراه الوكيل بثمن في ذمته، أو بعين مال الموكل مع جهله بعيبه في الصورتين (قوله: وعلم مما مر الخ) لا يخفى ما في عبارته، فكان الاولى والاخصر أن يقول: وعلم مما مر أنه حيث لم يقع للوكيل ولا للموكل يبطل الشراء، وذلك لانه ذكر لوقوعه للوكيل صورة، وهي ما إذا اشتراه بثمن في الذمة وعلم بالعيب، وذكر لوقوعه للموكل ثلاثا: وهي ما إذا عين المبيع وعلم بعيبه، وما إذا اشتراه الوكيل بثمن في الذمة وكان جاهلا بالعيب، وما إذا اشتراه بعين مال الموكل وكان كذلك، فيعلم من هذا أنه حيث لم يقع لا لهذا ولا لهذا، بأن فقدت القيود، يبطل الشراء فتأمل. (وقوله: أنه حيث لم يقع للموكل)، أي بأن كان الوكيل عالما بالعيب، (وقوله: فإن كان الثمن عين ماله)، أي الموكل، (وقوله: وإلا)، أي وإن لم يكن عين ماله، بل في الذمة ووقع للوكيل (قوله: ويجوز لعامل القراض شراؤه) أي المعيب (قوله: لان القصد ثم) أي في القراض الربح (قوله: وقضيته) أي التعليل المذكور، (وقوله: أنه لو كان القصد هنا)، أي في الوكالة الربح، وذلك بأن وكله في التصرف في أمواله بالبيع والشراء، وقوله جاز، أي شراء المعيب (قوله: وهو) أي ما ذكر من كون مقتضى التعليل الجواز هنا أيضا. (وقوله: كذلك) أي مسلم. وفي شرح الروض، وبه جزم الاذرعي وغيره اه‍ (قوله: ولكل الخ) أما الموكل، فلانه المالك، والضرر لاحق به، وأما الوكيل فلانه لو لم يكن له رد فربما لا يرضى به الموكل، فتعذر الرد، لانه فوري، ويقع الشراء له، فيتضرر به. وفي التحفة: نعم، شرط رده، أي الموكل، على البائع أن يسميه الوكيل في العقد، أو ينويه، ويصدقه البائع، وإلا رده على الوكيل. اه‍ (قوله: في صورة الجهل) أي في صورة ما إذا اشتراه جاهلا بعيبه (قوله: لا لوكيل) أي لا رد لوكيل إن رضي به، أي بالمعيب الموكل (قوله: ولو دفع موكله إليه) أي إلى الوكيل (قوله: وأمره بتسليمه) أي المال المدفوع (قوله: فمتبرع) أي بالثمن، ولا رجوع للوكيل عليه، ويلزمه رد ما أخذه من الموكل إليه. وهذا يقع كثيرا، أي يدفع شخص لآخر دراهم يشتري بها له شيئا، فيدفع من ماله غيرها. اه‍ بجيرمي (قوله: حتى ولو تعذر الخ) أي حتى أنه يكون متبرعا، ولا يرجع، ولو تعذر دفع مال الموكل ثمنا، بسبب غيبه مفتاح الصندوق الذي فيه مال الموكل (قوله: إذ يمكنه الخ) تعليل لكونه يكون متبرعا بماله الذي دفعه: أي وإنما يكون متبرعا بذلك لانه يمكنه أن يشهد على أنه أدى عنه من ماله ليرجع عليه (قوله: أو إخبار الحاكم) بالرفع عطف على إشهاد، (وقوله: بذلك) أي بأنه أدى عنه ليرجع عليه (قوله: فإن لم يدفع) أي الموكل. (وقوله: له) للوكيل، (وقوله: أو لم يأمره بالتسليم فيه) أي أو دفع له شيئا لكن لم يأمره بتسليمه في الثمن (قوله: رجع) أي الوكيل على موكله بالمال الذي دفعه ثمنا (قوله: للقرينة الخ) أي وهي توكيله بشراء شئ ولم يدفع له شيئا، أو دفع لكن لم يصرح له أن يدفعه في الثمن، وفي كون هذه الاخيرة قرينة دالة على إذنه في التسليم عنه من ماله نظر، إذ ما دفعه إليه إلا ليسلم في الثمن. فتأمل (قوله: ولا له توكيل الخ) أي ولا يصح للوكيل أن يوكل في الشئ الذي يمكنه أن يتصرف فيه بنفسه من غير إذن من الموكل (قوله: لانه) أي الموكل لم يرض بغيره أي بتصرف غيره، وهو تعليل لعدم صحة توكيل الوكيل (قوله: نعم الخ) استدراك على عدم صحة توكيل الوكيل مما يتأتى منه

[ 110 ]

(قوله: لم يضمن كما قاله الجوري) هذا ما جرى عليه ابن حجر، وجرى في النهاية على خلافه، وعبارتها: وشمل كلامه، ما لو أراد إرسال ما وكل في قبضه من دين مع بعض عياله، فيضمن إن فعله، خلافا للجوري. اه‍. لكن قيد الاذرعي عدم الضمان، بما إذا كان المرسل معه أهلا للتسليم، بأن يكون رشيدا (قوله: قال شيخنا الخ) عبارته، وكأن وجه اغتفار ذلك في عياله، والذي يظهر، أن المراد بهم أولاده، ومماليكه وزوجاته اعتياد استنابتهم في مثل ذلك، بخلاف غيرهم. اه‍. (وقوله: أولاده ومماليكه وزوجاته) قال ع ش، وينبغي أن يلحق بمن ذكر، خدمته بإجارة ونحوها. اه‍ (قوله: ومثله إرسال) أي ومثل إرسال ما قبضه من الدين، إرسال ما اشتراه لموكله، فلا يضمنه لو تلف (قوله: ما لم يتأت منه) فاعل خرج، أي خرج الموكل فيه الذي لا يتأتى للوكيل التصرف فيه بنفسه (قوله: لكونه الخ) علة لعدم التأتي منه (قوله: فله التوكيل) أي فللوكيل أن يوكل فيما لا يتأتى منه (قوله: لا عن نفسه) فإن وكل عنها، بطل على الاصح، أو أطلق، وقع عن موكله. شوبري. اه‍. بجيرمي (قوله: وقضية التعليل المذكور) التعليل الذي يعنيه ساقط من عبارته، كما يعلم من عبارة التحفة، ونصها، وإن لم يتأت ما وكل فيه منه، لكونه لا يحسنه أو لا يليق به، فله التوكيل عن موكله، لان التفويض لمثله، إنما يقصد به الاستنابة، ومن ثم لو جهل الموكل حاله، أو اعتقد خلاف حاله، امتنع التوكيل. اه‍. فقول الشارح وقضية التعليل، يعني به قوله لان التفويض الخ، وإنما كان مقتضى التعليل ما ذكره، لانه يشعر بعلم الموكل بحاله. فتدبر. (وقوله: امتناع التوكيل) أي توكيل الوكيل، (وقوله: عند جهل الموكل بحاله) وهو أنه لا يتأتى منه مباشرة الموكل فيه بنفسه بأن كان معتقدا أنه يتأتى منه ذلك (قوله: ولو طرأ له) أي للوكيل، (وقوله: لم يجز له أن يوكل) أي من غير إذن موكله، قال ع ش: وذلك لما تقدم من أن الموكل لم يرض بتصرف غيره، لكن قضية قوله: ثم ولا ضرورة كالمودع الخ أنه لو دعت الضرورة إلى التوكيل عند طرو ما ذكر، كأن خيف تلفه لو لم يبع، ولم يتيسر الرفع فيه إلى قاض، ولا إعلام الموكل، جاز له التوكيل، بل قد يقال بوجوبه، وهو ظاهر. وبقي عكسه، وهو ما لو وكل عاجزا ثم قدر، هل له المباشرة بنفسه أم لا ؟ فيه نظر. والاقرب الثاني، أخذا من قول الشارح المار، كابن حجر، لان التفويض لمثله إنما يقصد به الاستنابة، لكن عبارة شرح المنهج، لان التفويض لمثل هذا لا يقصد منه عينه. اه‍. ومقتضاها أنه إنما قصد حصول الموكل فيه من جهة الوكيل، فيتخير بين المباشرة بنفسه والتفويض إلى غيره. اه‍ (قوله: وإذا وكل الخ) المناسب أن يقول عطفا على قوله فيما يتأتى منه، وبلا إذن من الموكل: ما إذا أذن له الموكل في التوكيل، فإنه يجوز منه، ثم يقول: وإذا وكل الخ. (قوله: فالثاني) أي الوكيل الثاني. (وقوله: وكيل الموكل) أي لا وكيل الوكيل الاول (قوله: فلا يعزله الوكيل) أي لان الموكل أذن له في التوكيل - لا في العزل -. (قوله: فإن قال الموكل) أي لوكيله، (وقوله: وكل عنك) أي لا عني، (وقوله: ففعل) أي وكل عنه، بأن قال له أنت وكيلي (قوله: لانه) أي كونه وكيل الوكيل مقتضى الاذن أي الدال عليه الصيغة (قوله: فينعزل) أي الوكيل الثاني، (وقوله: بعزله) أي بعزل الوكيل الاول إياه، فالاضافة من إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله، وينعزل أيضا بعزل الموكل له، لان م ملك عزل الاصل، ملك عزل الفرع بالاولى، كما قاله م ر (قوله: ويلزم الوكيل الخ) أي حيث جاز له التوكيل (قوله: إلا أمينا) أي فيه كفاية لذلك

[ 111 ]

التصرف (قوله: ما لم يعين له غيره) قيد في لزوم توكيله أمينا، أي يلزمه ذلك ما لم يعين الموكل للوكيل غير أمين. فإن عينه: اتبع تعيينه لاذنه فيه، (وقوله: مع علم الموكل بحاله) قيد في القيد، أي محل كونه يوكل غير الامين إذا عينه الموكل له إذا علم بحاله، فإن لم يعلم بحاله، امتنع توكيله، فإن عين له فاسقا فزاد فسقه، امتنع توكيله أيضا (قوله: أو لم يقل له الخ) معطوف على لم يعين: أي وما لم يقل له وكل من شئت، فإن قال له ذلك، فله توكيل غير الامين، على الاوجه، عند حجر، وعند م ر: خلافه. وعبارته، ومقتضى كلام المصنف عدم توكيل غير الامين، وإن قال له وكل من شئت، وهو كذلك، خلافا للسبكي، وفارق ما لو قالت لوليها: زوجني ممن شئت، حيث جاز له تزويجها من غير كف ء، بأن المقصود هنا حفظ المال، وحسن التصرف فيه، وغير الامين لا يتأتى منه ذلك، وثم مجرد صفة كمال هي الكفاءة، وقد يتسامح بتركها، بل قد يكون غير الكف ء أصلح. اه‍ (قوله: كما لو قالت الخ) الكاف للتنظير، وقوله أيضا، أي كما له تزويجها من الكف ء (قوله: وقوله) أي الموكل، وهو مبتدأ، خبره جملة ليس إذنا في التوكيل أو قوله أو كل ما تفعله جائز، أي أو قوله لوكيله كل الخ (قوله: ليس إذنا في التوكيل) أي أن القول المذكور ليس إذنا من الموكل للوكيل في توكيله غيره. قال في شرح الروض: أي لانه يحتمل ما شئت من التوكيل، وما شئت من التصرف فيما أذن له فيه، ولا يوكل بأمر محتمل كما لا يهب. اه‍ (قوله: فرع) أي في بيان ما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة (قوله: لو قال) أي الموكل لوكيله. (وقوله: لشخص معين) هو كما في التحفة حكاية للفظ الموكل بالمعنى، فإن الموكل لا يقول ذلك، بل يقول بع لزيد مثلا، ومثله، يقال فيما عطف عليه (قوله: لم يبع من غيره) أي لا يجوز أن يبيع الوكيل على غير المعين، وإن رغب بزيادة عن ثمن المثل الذي دفعه المعين، لانه لا عبرة بهذه الزيادة، لامتناع البيع لدافعها، ووجه تعيينه، أنه قد يكون للموكل غرض في تخصيصه كطيب ماله، بل وإن لم يكن له غرض أصلا: عملا بإذنه. قال في النهاية: ولو مات زيد، أي المعين، بطلت الوكالة، كما صرح به الماوردي، بخلاف ما لو امتنع من الشراء، إذ تجوز رغبته فيه بعد ذلك، وكتب ع ش، قوله بطلت الوكالة، ينبغي أن محله ما لم يغلب على الظن أنه لم يرده بخصوصه، بل لسهولة البيع منه بالنسبة لغيره. اه‍ (قوله: ولو وكيل زيد) أي ولو كان ذلك الغير وكيلا لزيد المعين، فلا يصح بيعه له، قال في التحفة: وقيده ابن الرفعة بما إذا تقدم الايجاب أو القبول، ولم يصح بالسفارة. اه‍. وقال سم: وبحث الاذرعي الصحة، فيما إذا كان الموكل مما لا يتعاطى الشراء بنفسه، كالسلطان. اه‍ (قوله: أو بشئ معين) معطوف على لشخص معين، أي أو قال بع بشئ معين من المال، (وقوله: كالدينار) تمثيل للشئ المعين من المال (قوله: لم يبع بالدراهم) جواب لو المقدرة، أي ولا يصح له ذلك وإن زادت الدراهم، إذ لم يأت بالمأمور به، ولا بما اشتمل عليه، بخلاف بعه بمائة، فباعه بمائة وثوب. ويؤيد ذلك أن من نذر التصديق بدرهم، لا يجزئه بدينار. اه‍. فتح الجواد (قوله: أو في مكان معين) معطوف أيضا على لشخص معين، أي أو قال له بعه في مكان معين، كمكة مثلا، (وقوله: تعين) أي ذلك المكان، فلا يصح البيع في غيره، وإن لم يكن نقد المعين أجود، ولا الراغبون فيه أكثر. وذلك، لانه قد يقصد الموكل إخفاءه (قوله: أو في زمان معين) معطوف أيضا على لشخص معين، أي أو قال له في زمان معين، (وقوله: تعين ذلك) أي الزمان، ووجهه أن الحاجة قد تدعو للبيع فيه خاصة (قوله: فلا يجوز) أي البيع. (وقوله: قبله ولا بعده) أي قبل ذلك الزمان المعين أو بعده (قوله: ولو في الطلاق) غاية لتعين الزمان الذي ذكره في التوكيل بقطع النظر عن كونه في البيع أو غيره،

[ 112 ]

وإلا فلا يصلح أن يكون غاية، أي فلو قال له طلق يوم الجمعة، لم يجز قبله ولا بعده، وقال الدارمي: إنه يقع بعده، لان المطلقة فيه مطلقة بعده، ورد بأنه غريب، مخالف للنظائر ومثل الطلاق في ذلك العتق. قال في التحفة: والفرق بينه، أي الطلاق، وبين العتق: بأنه يختلف باختلاف الاوقات في الثواب، بخلاف الطلاق ممنوع، بل قد يكون له غرض ظاهر في طلاقها في وقت مخصوص، بل الطلاق أولى، لحرمته زمان البدعة، بخلاف العتق. اه‍ (قوله: وإن لم يتعلق به) أي بالزمان المعين، فهو غاية لتعين الزمان في التوكيل. ويحتمل أن يكون غاية لجميع ما تقدم من الصور، وعليه يراد بالمعين: الذي عاد إليه ضمير به ما عينه الموكل من الشخص، والمال، والمكان، والزمان. (قوله: عملا بالاذن) أي وإنما تعين ذلك الزمان، ولا يجوز قبله ولا بعده، عملا بالاذن، فهو علة لتعين الزمان فقط، ويحتمل أن يكون علة لتعين ما تقدم جميعه، كما مر في الغاية، إلا أنه يبعد الاحتمال الثاني هنا وفيما مر في الغاية قوله بعد، وفارق الخ، لانه خاص بالزمان، كما ستعرفه (قوله: وفارق) أي ما ذكر من تعين الزمان فيما إذا قال له بع يوم الجمعة، أو طلق يوم الجمعة، قول الموكل لوكيله إذا جاء رأس الشهر فأمر زوجتي بيدك، حيث لم يتعين فيه الزمان، ولم يذكر الشارح ما يفرق به، ولعله ساقط من الناسخ، كما يعلم من عبارة فتح الجواد، ونصها: وفارق إذا جاء رأس الشهر فأمر زوجتي بيدك، ولم يرد التقييد برأسه، فله إيقاعه بعده، باقتضاء هذه الصيغة حينئذ أن رأسه أول أوقات الفعل الذي فوضه إليه من غير حصر فيه، بخلاف طلقها يوم الجمعة، فإنه يقتضي حصر الفعل فيه، دون غيره. اه‍. فقوله باقتضاء الخ: متعلق بفارق. وهذا هو الفارق بين الصورتين. تأمل (قوله: بخلاف الخ) مرتب على الساقط المار، كما يعلم من عبارة فتح الجواد المارة (قوله: وليلة اليوم مثله) أي أنه إذا عين اليوم فله التصرف في ليلته بالقيد الذي ذكره، وعبارة شرح الروض، ولو باع الوكيل ليلا، فإن كان الراغبون فيه مثل النهار، صح، وإلا فلا. قاله القاضي في تعليقه. اه‍. (قوله: ولو قال) أي الموكل لوكيله، (وقوله: يوم الجمعة أو العيد) أي بع يوم الجمعة أو يوم العيد (قوله: تعين أول جمعة أو عيد يلقاه) هذا يدل على أنه قال ذلك قبل دخول يوم الجمعة ويوم العيد. وبقي ما لو قاله في يوم الجمعة أو العيد، فهل يحمل على بقيته، أو على أول جمعة أو عيد يلقاه بعد ذلك اليوم ؟ فيه نظر، والاقرب الثاني: لان عدوله عن اليوم إلى الجمعة أو العيد قرينة على عدم إرادته بقية اليوم. اه‍. ع ش (قوله: وإنما يتعين المكان) أي الذي عينه الموكل له، (وقوله: إذا لم يقدر) أي الموكل للوكيل الثمن، (وقوله: أو نهاه عن غيره) أي أو قد الثمن ونهاه عن البيع في غير المكان المعين (قوله: وإلا) أي بأن قدر له الثمن ولم ينهه عن غيره، (وقوله: جاز البيع في غيره) أي غير المكان المعين، ولو قبل مضي المدة التي يتأتى فيها الوصول إلى المكان المأذون فيه، لان الزمان إنما اعتبر تبعا للمكان لتوقفه عليه، فلما سقط اعتبار المتبوع سقط اعتبار التابع. اه‍. سم (قوله: وهو أي الوكيل، ولو بجعل أمين) وذلك لانه نائب عن الموكل في اليد والتصرف، فكانت يده كيده، ولان الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان مناف لذلك. اه‍. سم (قوله: بخلاف الرد على غير الموكل) أي بخلاف دعوى الرد على غير الموكل، فلا يصدق إلا ببينة، فإن لم يأت بها، صدق غير الموكل بيمينه في عدم الرد، وقوله كرسوله. أي الموكل، ودخل تحت الكاف: وارثه، ووكيله، وفي البجيرمي: وكذا دعوى الرد من رسول الوكيل أو وارثه أو وكيله على الموكل، فلا بد من بينة في ذلك كله. اه‍ (قوله: ولو وكله بقضاء دين) أي ولو وكل المدين شخصا في

[ 113 ]

قضاء الدين الذي عليه من مال ذلك المدين (قوله: فقال) أي الوكيل، (وقوله: قضيته) أي الدين عنك (قوله: وأنكر المستحق دفعه إليه) أي وأنكر الدائن دفع الدين إليه، فإن صدقه، صدق الوكيل بيمينه. فإن قيل: ما فائدة اليمين مع تصديق المستحق ؟. قلنا: فائدتها تظهر إذا كان وكيلا بجعل، فالوكيل يدعي الدفع للمستحق ليأخذ الجعل، والموكل ينكره ليمنعه منه، ففائدتها. استحقاق الوكيل الجعل. مرحومي. اه‍. بجيرمي (قوله: لان الاصل عدم القضاء) أي للدين، وهو علة لتصديق المستحق (قوله: فيحلف) أي المستحق (قوله: ويطالب الموكل فقط) أي وليس له مطالبة الوكيل (قوله: فإن تعدى) أي الوكيل في تلف الموكل فيه (قوله: كأن ركب الدابة) تمثيل للتعدي، ومحل كون الركوب يعد تعديا، حيث كان يليق به سوقها، ولم تكن جموحا، وإلا لم يكن تعديا (قوله: ولبس الثوب) أي وكأن لبس الثوب، (وقوله: تعديا) لا حاجة إليه، لان مراده، التمثيل لما كان تعديا، نعم: كان له أن يقيد اللبس، بما إذا كان لغير إصلاحه، أما إذا كان له كلبسه لاجل دفع العث عنه، فلا يعد تعديا، ومن لبس الثوب تعديا والركوب كذلك، كما قال ع ش، لبس الدلالين للامتعة التي تدفع إليهم، وركوب الدواب أيضا التي تدفع إليهم لبيعها، ما لم يأذن في ذلك، أو تجر به العادة، ويعلم الدافع بجريان العادة بذلك، وإلا فلا يكون تعديا، لكن يكون عارية، فإن تلف بالاستعمال المأذن فيه حقيقة أو حكما، بأن جرت به العادة على ما مر، فلا ضمان، وإلا ضمن بقيمته وقت التلف (قوله: ضمن) أي صار متسببا في الضمان بمعنى أنه لو تلف بعد ذلك ولو بغير تفريط ضمنه. اه‍. بجيرمي (قوله: أن يضيع منه) أي من الوكيل (قوله: ولا يدري كيف ضاع) أي ولا يدري على أي حالة وقع الضياع ؟ (قوله: أو وضعه بمحل) معطوف على يضيع، ولو عبر بصيغة المضارع، لكان أنسب، أي ومن التعدي، أن يضعه بمحل، ثم ينسى ذلك المحل الموضوع فيه (قوله: ولا ينعزل بتعديه) أي لان الوكالة إذن في التصرف، والامانة حكم يترتب عليها، ولا يلزم من ارتفاع الحكم، بطلان الاذن نعم ينزع المال منه لعدل، ويتصرف فيه الوكيل، وهو عنده أمانة. (وقوله: بغير إتلاف الموكل فيه) أما به، فينعزل (قوله: ولو أرسل إلى بزاز) هو بائع البز، أي القماش (قوله: ضمنه المرسل لا الرسول) قال ع ش: ويؤخذ منه جواب حادثة وقع السؤال عنها، وهي أن رجلا أرسل إلى آخر جرة ليأخذ فيها عسلا، فملاها ودفعها للرسول ورجع بها، فانكسرت منه في الطريق، وهو أن الضمان على المرسل، ومحله في المسألتين، كما هو واضح، حيث تلف الثوب والجرة بلا تقصير من الرسول، وإلا فقرار الضمان عليه، وينبغي أن يكون المرسل طريقا في الضمان. اه‍ (قوله: لو اختلفا) أي الموكل والوكيل (قوله: في أصل الوكالة) أي في وجودها (قوله: بعد التصرف) أي أما قبله فتعمد إنكار الوكالة عزل، فلا فائدة للمخاصمة، وتسميته فيها موكلا، بالنظر لزعم الوكيل اه‍. نهاية (قوله: أو في صفتها) أي أو اختلفا في صلة الوكالة، أي باعتبار ما اشتملت عليه، وهو الموكل فيه، وذلك لان ما ذكره اختلاف في صفة الموكل فيه، لا في الوكالة (قوله: فقال) أي الموكل بل نقدا، أي بل وكلتك بالبيع نقدا، أي حالا، وهو راجع للاول. (وقوله: أو بعشرة) أي أو وكلتك بالشراء بعشرة، وهو راجع للثاني (قوله: صدق الموكل بيمينه في الكل) أي وبعد تصديقه بالنسبة للصورة الاخيرة، أعني قوله أو بالشراء بعشرين، فقال بل بعشرة، فإن كان الوكيل قد اشترى بعين مال الموكل وسماه في العقد، بأن قال اشتريته لفلان بهذا والمال له، أو قال بعد الشراء بعين مال الموكل اشتريته لفلان والمال له، وصدقه البائع فيما ذكره فالبيع باطل، لانه

[ 114 ]

ثبت بالتسمية أو التصديق أن المال والشراء لغير العاقد، وثبت بيمين ذي المال أنه لم يأذن له في الشراء بذلك القدر، فبطل الشراء، وإن كذبه البائع، بأن قال له: إنما اشتريته لنفسك والمال لك، أو سكت عن المال، حلف على نفي العلم بالوكالة، ووقع الشراء للوكيل. وكذا يقع الشراء له إن اشترى في الذمة ولم يسم الموكل في العقد، وكذا إن سماه وكذبه البائع في الوكالة، بأن قال سميته ولست وكيلا عنه (قوله: لان الاصل معه) أي الموكل، وهو تعليل لتصديق الموكل بيمينه (قوله: وينعزل الوكيل الخ) أشار بهذا إلى أن الوكالة جائزة من الجانبين، وذلك لان لزومها يضرهما، إذ قد يظهر للموكل مصلحة في العزل. وقد يعرض للوكيل ما يمنعه عن العمل. (وقوله: بعزل أحدهما) من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، ولفظ المضاف إليه، وهو أحدهما، صادق بالموكل وبالوكيل، فعلى الاول، يقدر المفعول الوكيل، وعلى الثاني، يقدر نفسه، أي بعزل الموكل الوكيل، أو بعزل الوكيل نفسه (قوله: بأن يعزل الوكيل نفسه) قال البجيرمي: قياس ما يأتي في الاصل أن لو خيف من العزل ضياع المال، حرم، ولم ينعزل، وإن كان المالك حاضرا فيما يظهر. ابن حجر. اه‍ (قوله: أو يعزله الموكل) أي وإن ترتب على عزله للوكيل استيلاء ظالم على مال الموكل، فلا يحرم، وينعزل بذلك، ولا يقال فيه تضييع لماله، لانه من التروك بل لا يزيد على ما لو استولى على ماله ظالم يحضرته وقدر على دفعه، فلا يجب عليه الدفع عنه، اه‍. ع ش. اه‍. بجيرمي (قوله: كفسخت الوكالة أو أبطلتها أو أزلتها) قال في التحفة: ظاهره انعزال الحاضر بمجرد هذا اللفظ، وإن لم ينوه به، ولا ذكر ما يدل عليه. وأن الغائب في ذلك كالحاضر، وعليه، فلو تعدد له وكلاء ولم ينو أحدهم، فهل ينعزل الكل، لان حذف المعمول يفيد العموم، أو يلغو، لايهامه للنظر في ذلك مجال، والذي يتجه في حاضر أو غائب ليس له وكيل غيره، إنعزاله بمجرد هذا اللفظ، وتكون أل للعهد الذهني الموجب لعدم إلغاء اللفظ وأنه في التعدد ولا نية ينعزل الكل كالقرينة حذف المعمول، ولان الصريح، حيث أمكن استعماله في معناه المطابق له خارجا، لا يجوز إلغاؤه. اه‍ (قوله: وينعزل أيضا) أي كما ينعزل بعزل نفسه أو بعزل الموكل إياه، ينعزل أيضا بخروجه أو خروج موكله عن أهلية التصرف (قوله: بموت) متعلق بخروج، أي الخروج يكون بموت أو جنون، ومثلهما إغماء وطرو رق، كأن كان حربيا فاسترق وحجر سفه، وكذا حجر فلس فيما لا ينفذ منه، وكذا فسق في نحو نكاح مما يشترط فيه العدالة، قالا في التحفة والنهاية، واللفظ للنهاية: وخالف ابن الرفعة فقال: الصواب أن الموت ليس بعزل، وإنما تنتهي به الوكالة، قال الزركشي: وفائدة عزل الوكيل بموته إنعزال من وكله عن نفسه، إن جعلناه وكيلا عنه. اه‍. وقيل لا فائدة لذلك في غير التعاليق. اه‍. وفي سم ما نصه: (فرع) لو سكر الوكيل، ينبغي أن يقال، إن تعدى بسكره، لم ينعزل، وإلا انعزل أخذا من قولهم. واللفظ للروض: ويصح توكيل السكران بمحرم. اه‍. قال في شرحه: كسائر تصرفاته، بخلاف السكران بمباح، كدواء، فإنه كالمجنون، اه‍. وكلامهما في الوكيل، لا في الموكل، كما هو صريح سياقهما، على أنه لو كان في الموكل، كان الاخذ بحاله - كما لا يخفي. اه‍. (قوله: حصلا) أي الموت والجنون (قوله: لاحدهما) أي الوكيل أو الموكل (قوله: وإن لم يعلم الآخر) أي الذي لم يحصل له ذلك، وهذه غاية، كالتي بعدها، للانعزال بما ذكر (قوله: ولو قصرت مدة الجنون) أي لانه لو قارن العقد، لمنع الانعقاد، فإذا طرأ، أبطله (قوله: وزوال ملك موكل) معطوف على موت، أي وينعزل أيضا بزوال الخ، قال في النهاية، فلو عاد لملكه، لم تعد الوكالة. اه‍. (قوله: أو منفعته) معطوف على ملك: أي أو زوال منفعة ما وكل فيه، (وقوله: كأن باع أو وقف) تمثيل لزوال الملك. (وقوله: أو آجر) تمثيل لزوال المنفعة، (وقوله: أو

[ 115 ]

رهن) هو وما بعده لا يصلحان مثالا لزوال الملك ولا لزوال المنفعة، إذ المرهون أو المزوجة لم يزل ملك الموكل عنهما ولا يمنع من الانتفاع بهما، ولو قال، كما في شرح المنهج، ومثله ما لو رهن أو زوج، لكان أولى. وعبارة النهاية: ولو وكله في بيع، ثم زوج، أو آجر، أو رهن وأقبض، كما قاله ابن كج، أو وصى، أو دبر، أو علق عتقه بصفة أخرى، كما بحثه البلقيني وغيره، أو كاتب: انعزل، لان مريد البيع، لا يفعل شيئا من ذلك. اه‍. (قوله: في قوله الخ) متعلق بيصدق، وكان الاولى للؤلف، أن يجعل هذا من المتن، (وقوله: كنت عزلته) أي قبل التصرف (قوله: قال الاسنوي وصورته) أي عدم تصديق الموكل في قوله كنت عزلته قبل التصرف إلا ببينة (قوله: إذا أنكر الوكيل العزل) أي من أصله (قوله: فإن وافقه) أي وافق الوكيل الموكل (قوله: لكن ادعى) أي الوكيل أنه بعد التصرف: أي العزل وقع بعد التصرف، أي وادعى الموكل أنه قبله، وكان المناسب ذكره ليرجع إليه الضمير بعده، أعني قوله فهو، إذ المناسب رجوعه لدعوى الموكل العزل قبل التصرف، كما هو ظاهر (قوله: وفيه تفصيل) أي في دعوى الزوج تقدم الرجعة تفصيل معروف أي وهو ما ذكره الشارح في باب الرجعة، وعبارته هناك، ولو ادعى رجعة في العدة وهي منقضية، ولم تنكح، فإن اتفقا على وقت الانقضاء، كيوم الجمعة، وقال راجعت قبله، فقالت بل بعده، حلفت أنها لا تعلم أنه راجع، فتصدق، لان الاصل عدم الرجعة قبله. فلو اتفقا على وقت الرجعة، كيوم الجمعة، وقالت انقضت يوم الخميس، وقال بل انقضت يوم السبت، صدق بيمينه أنها ما انقضت يوم الخميس، لاتفاقهما على وقت الرجعة، والاصل عدم انقضاء العدة قبله. اه‍. أي فيقال هنا أيضا، إذا اتفقا على وقت العزل وقال الوكيل تصرفت قبله، وقال الموكل بعده، حلف الموكل أنه لا يعلمه تصرف قبله، ويصدق، لان الاصل عدمه لما بعده، أو اتفقا على وقت التصرف، وقال عزلتك قبله، فقال الوكيل بل بعده حلف الوكيل أنه لا يعلم عزله قبله، ويصدق (قوله: أو عامل) أي في القراض (قوله: جاهلا) أي بالعزل (قوله: في عين مال موكله) متعلق بتصرف: أي تصرف في عين مال موكله، وكان المناسب أن يزيد، أو مقارضه، لانه ذكر العامل، وهو يلائم المقارض. (قوله: بطل) أي تصرفه (قوله: وضمنها) أي العين. (وقوله: إن سلمها) أي العين للمتصرف منه، وهو قيد في الضمان (قوله: أو في ذمته) معطوف على في عين الخ: أي أو تصرف الوكيل أو العامل في ذمته، بأن اشترى بمال في ذمته، لا بعين مال الموكل، أو المقارض. (قوله: انعقد) أي ذلك التصرف، وقوله له: أي لمن ذكر، من الوكيل، والعامل (قوله: فروع) أي ستة (قوله: لو قال) أي الدائن لمدينه (قوله: ففعل) أي المدين ما أمره به دائنه (قوله: صح) أي الشراء (قوله: وبرئ المدين) أي من الدين الذي عليه (قوله: وإن تلف) أي ما اشتراه المدين، وهو العبد. (قوله: على الاوجه) متعلق بقوله صح، أي صح للموكل على الاوجه، أي عند شيخه ابن حجر، تبعا لما في في الانوار، والذي استوجهه غيره، أنه لا يقع للموكل، بل للمدين، وعبارة ع ش. (فرع) وكل الدائن المدين أن يشتري له شيئا بما في ذمته، لم يصح، خلافا لما في الانوار، لان ما في الذمة، لا يتعين إلا بقبض صحيح، ولم يوجد، لانه لا يكون قابضا مقبضا من نفسه. اه‍. سم. على منهج، واعتمد ابن حجر ما في الانوار، ومنع كونه من اتحاد القابض والمقبض، فليراجع. وقول سم لم يصح: أي وإذا فعل وقع الشراء للمدين، ثم

[ 116 ]

إن دفعه للدائن، رده، إن كان باقيا، وإلا رد بدله. اه‍. (قوله: على ما قاله بعضهم) قال في التحفة بعده أخذا مما يأتي في إذن المؤجر للمستأجر في الصرف في العمارة، وإذن القاضي للمالك في هرب عامل المساقاة والجمال، ومما لو اختلع زوجته بألف وأذن لها في إنفاقه على ولدها، ومما نقله الاذرعي عن الماوردي وغيره عن ابن سريج، أنه لو وكل مدينه في شراء كذا من جملة دينه، صح، وبرئ الوكيل مما دفعه، ثم قال فيها. ولك أن تقول هذا كله لا دلالة فيه، لما قاله ذلك البعض، لان القابض في مسألتنا، ليس أهلا للقبض، إذ اليتيم صغير، لا أب له. الخ. اه‍. (قوله: ويوافقه) أي ما قاله بعضهم (قوله: فتلف في يده) أي تلف الطعام في يد المشتري، الذي هو المدين (قوله: برئ) أي المدين من الدين (قوله: بع هذه) أي العين (قوله: جاز له) أي للوكيل (قوله: عند أمين) متلعق بإيداعها، (وقوله: من حاكم فغيره) بيان له (قوله: إذ العمل غير لازم له) أي للوكيل، وهو علة لجواز إيداعها (قوله: ولا تغرير منه) أي الوكيل (قوله: ومن ثم) أي من أجل العمل غير لازم له (قوله: ولو اشتراه) أي الوكيل القن، (وقوله: لم يلزمه رده) أي إلى الوكيل (قوله: بل له) أي للوكيل. (وقوله: إيداعه) أي القن، (وقوله: عند من ذكر) أي عند أمين حاكم فغيره. (قوله: وليس له رد الثمن الخ) أي ليس للوكيل إذا باع العين أن يرد ثمنها للموكل، إلا إذا وجدت قرينة قوية منه تدل على الرد، بأن قال له بع العين واشتر لي بثمنها قنا، وإذا لم تشتره، فلا تبق الثمن عند أحد، فحينئذ يرد، ولا يضمن لو تلف (قوله: حيث لا قرينة قوية) أي موجودة، فخبر لا محذوف، وقوية، بالنصب، صفة لقرينة (قوله: لان المالك لم يأذن فيه) أي في رد الثمن، وهو علة لقوله وليس له رد (قوله: فإن فعل) أي رد الثمن، (وقوله: فهو) أي الثمن في ضمانه، أي الوكيل (قوله: لقبض ما على زيد من عين أو دين) استعمال على، في العين، تغليب، وعبارة غيره، لقبض ما عليه من دين، أو عنده من عين. اه‍. (قوله: لم يلزمه) أي زيدا، وهو جواب من. (وقوله: الدفع إليه) أي إلى مدعي الوكالة، (وقوله: إلا ببينة بوكالته) أي لاحتمال أن الموكل ينكر فيغرمه، تحفة (قوله: ولكن يجوز الخ) قال في شرح الروض: هذا مسلم في الدين، لانه يسلم ملكه، وأما في العين، فلا، لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه. اه‍. وقوله وأما في العين فلا، محله إن لم يغلب على ظنه إذن المالك له في قبضها بقرينة قوية، وإلا فيجوز ذلك، كما في النهاية (قوله: أو ادعى أنه محتال به) أي بما على زيد من الدين خاصة، لان الحوالة مختصة به، ومثل ذلك، ما إذا ادعى أنه وارث له مستغرق، أو وصي، أو موصى له منه. (قوله: وصدقه) أي صدق المحال عليه المحتال في دعواه الحوالة، (وقوله: وجب الدفع) أي دفع المحال عليه ما عليه، (وقوله: له) أي للمحتال. (وقوله: لاعترافه) أي المحال عليه، (وقوله: بانتقال المال إليه) أي إلى المحتال. وفي البجيرمي على الخطيب ما نصه، وبقول الشارح لاعترافه الخ، حصل الفرق بينه وبين الاول، حيث يجوز له الدفع إذا صدقه، ولا يجب. اه‍. (قوله: وإذا دفع) أي زيد الذي عليه الحق (قوله: فأنكر) أي الوكالة، (وقوله: المستحق) أي الذي له الحق على زيد (قوله: فإن كان المدفوع عينا: استردها) أي المستحق، وعبارة الروض

[ 117 ]

وشرحه، فإن كان عينا، وبقيت، أخذها، أو أخذها، الدافع وسلمها إليه. اه‍. (قوله: وإلا غرم) أي وإن لم تبق، بأن تلفت، غرم المستحق من شاء منهما، أي من مدعي الوكالة، والدافع له (قوله: ولا رجوع للغارم على الآخر) محله، إذا تلفت من غير تفريط من القابض، فإن كان بتفريط منه، فإن كان هو الغارم، فلا يرجع على الدافع، وإن كان الدافع هو الغارم، رجع عليه. وذلك لان القابض، وكيل في زعم الدافع، والوكيل، يضمن بالتقصير، والمستحق، ظلم الدافع بأخذ القيمة منه، وماله في ذمة القابض، فيستوفيه الدافع منه حينئذ، في مقابلة حقه الذي أخذه منه المستحق، ومحله أيضا، ما لم يشترط الضمان على القابض لو أنكر المالك، أو تلف بتفريط القابض، وإلا فيرجع الدافع عليه حينئذ (قوله: لانه مظلوم بزعمه) أي لان الغارم مظلوم بزعم نفسه لغير الآخر، بسبب إنكار المستحق الوكالة، والمظلوم لا يرجع إلا على ظالمه، وهو المستحق، فضمير لانه بزعمه، راجع للغارم، ومتعلق مظلوم، محذوف، وعبارة الروض وشرحه، وإن تلفت طالب بها من شاء، ثم لا يرجع أحدهما على الآخر، لاعترافهما أن الظالم غيرهما، فلا يرجع إلا على ظالمه. اه‍. وفي البجيرمي على الخطيب ما نصه، (وقوله: لانه مظلوم) فلا يرجع على غير ظالمه، ويؤخذ منه حكم الشكية المعلومة، وهو، ما لو اشتكى شخص شخصا لذي شوكة، وغرمه مالا، فإنه يرجع به عليه، ولا يرجع على الشاكي، خلافا للائمة الثلاثة. اه‍. (وقوله: عليه) أي على ذي الشوكة الذي غرمه، وقوله ولا يرجع على الشاكي، أي لانه غير ظالمه (قوله: أو دينا) أي أو إن كان المدفوع دينا، (وقوله: طالب) أي المستحق، (وقوله: الدافع فقط) أي ولا يطالب القابض، لانه فضولي بزعم المستحق، والمقبوض ليس حقه، وإنما هو مال المديون. وإذا غرم الدافع، فإن بقي المدفوع عند القابض، فله استرداده منه، وإن صار للمستحق في زعمه، لانه مال من ظلمه، وقد ظفر به، فإن تلف، فإن كان بلا تفريط منه، لم يغرمه، وإلا غرمه. اه‍. ملخصا من الروض وشرحه (قوله: أو إلى مدعي الحوالة) معطوف على قوله إلى مدعي الوكالة: أي وإذا دفع المحال عليه المحال به إلى مدعي الحوالة (قوله: أخذ) أي الدائن، وهو جواب إذ المقدرة. وقوله: ممن كان عليه، وهو المدين المحال عليه (قوله: لا يرجع المؤدي) أي وهو المحال عليه. (وقوله: على من دفع إليه) وهو مدعي الحوالة (قوله: لانه) أي المؤدي، (وقوله: اعترف بالملك له) أي لذي الحوالة. قال البجيرمي، فهو، أي المحال عليه، مظلوم بإنكار المحيل الحوالة، فلا يرجع على غير ظالمه، وهو المحيل. اه‍. (وقوله: وهو) أي ظالمه (قوله: قال الكمال الدميري: لو قال أنا وكيل الخ) عبارة الروض وشرحه: ويجوز عقد البيع والنكاح ونحوهما بالمصادقة على الوكالة به، ثم بعد العقد إن كذب الوكيل نفسه، بأن قال لم أكن مأذونا فيه: لم يؤثر، وإن وافقه المشتري في مسألة البيع على التكذيب، لان فيه حقا للموكل، إلا إن أقام المشتري بينة بإقراره أنه لم يكن مأذونا له في ذلك العقد، فيؤثر فيه، وكالمشتري، في ذلك، كل من وقع العقد له. اه‍. (قوله: ويصح قراض) شروع في القسم الثاني من الترجمة، والقراض، بكسر القاف، مصدر قارض، كالمقارضة، كما قال ابن مالك: لفاعل الفعال والمفاعلة. ويقال له المضاربة، من الضرب، بمعنى السفر، قال تعالى: * (وإذا ضربتم في الارض) * (1) أي سافرتم، لاشتماله عليه غالبا، والقراض والمقارضة، لغة أهل الحجاز، والمضاربة: لغة أهل العراق، والاصل فيه: الاجماع، والحاجة، لان صاحب المال، قد لا يحسن التصرف، ومن لا مال له يحسنه، فيحتاج الاول إلى الاستعمال، والثاني إلى العمل. واحتج له أيضا بقوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) * (2) أي ليس عليكم حرج في أن تطلبوا زيادة من ربكم، وهي الربح. والآية، وإن لم تكن نصا في المدعي، يصح الاحتجاج بها من حيث عمومها، إذ الفصل فيها بمعنى الربح أعم


(1) سورة النساء، الاية: 101. (2) سورة البقرة، الاية: 198.

[ 118 ]

من أن يكون حاصلا بأموالهم أو بأموال غيرهم، ونظيرها قوله تعالى: * (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله) * (1) واحتج له أيضا بأنه (ص) ضارب لخديجة بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها ميسرة، بفتح السين، وضمها، واعترض الاستدلال بما ذكر، بأن سفره لخديجة كان على سبيل الاستئجار، لا على سبيل المضاربة، لما قيل من أنها استأجرته بقلوصين، أي ناقتين، وأجيب باحتمال تعدد الواقعة، فمرة سافر على سبيل الاستئجار، ومرة على سبيل المضاربة، أو أن من عبر بالاستئجار، تسمح به، فعبر به عن الهبة، ووجه الدلالة مما ذكره، أنه (ص) حكاه بعد البعثة مقررا له، فدل على جوازه، وأركانه ستة: مالك، وعامل، وعمل، ومال، وربح، وصيغة. وحقيقته أن أوله، أي قبل ظهور الربح، وكالة، وآخره، أي بعد ظهور الربح، جعالة (قوله: وهو) أي القراض شرعا، وأما لغة: فهو مشتق من القرض، وهو القطع. وسمي المعنى الشرعي به، لان المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، وقطة من الربح، ويستفاد من التعريف المذكور، أركان القراض الستة، فالمالك والصيغة، مأخوذان من قوله أن يعقد، وقوله: لغيره هو العامل، وقوله ليتجر. فيه اشارة للعمل، والمال والربح ظاهران (قوله: على مال يدفعه) خرج به، ما لو قارضه على منفعة كسكنى داره يؤجرها مرة بعد أخرى، وما زاد على أجرة لمثل يكون بينهما، أو على دين عليه، أو على غيره يحصل ذلك ويتجر فيه، وما تحصل من الربح يكون بينهما. وما لو قال بع هذا، وقارضتك على ثمنه، فلا يصح كل ذلك. نعم: البيع صحيح، وله أجرة مثل العمل إن عمل (قوله: ليتجر فيه) خرج به ما لو عامله على شراء بر يطحنه ويخبزه، أو على غزل ينسجه ويبيعه، فلا يصح، لان الطحن وما بعده لا يسمى تجارة، بل هي أعمال مضبوطة يستأجر عليها، فلا تحتاج إلى القراض عليها، المشتمل على الجهالة المغتفرة للحاجة (قوله: على أن يكون الربح مشتركا بينهما) خرج به اختصاص أحدهما به فلا يصح (قوله: في نقد الخ) متعلق بيصح، وأسقط من الشروط، كونه معلوما جنسا، وقدرا، وصفة، وكونه معينا، وكونه بيد العامل، فلا يصح على مجهول جنسا، وقدرا، وصفة، وعلى غير معين، كأن قارضه على ما في الذمة من دين أو عين، نعم: لو قارضه على نقد في ذمته، ثم عينه في المجلس، صح. وكذا لو كان في ذمة العامل، وعينه كذلك، ولا على شرط كون المال بيد غير العامل كالمالك ليوفي من ثمنه ما اشتراه العامل، لانه قد لا يجده عند الحاجة (قوله: لانه الخ) علة لمحذوف، أي ولا يصح في غيره لانه الخ. (وقوله: عقد غرر) أي عقد مشتمل على غرر، (وقوله: لعدم انضباط العمل) بيان للغرر، فهو علة العلة (قوله: والوثوق بالربح) أي ولعدم الوثوق بالربح، فهو معطوف على انضباط. وإنما لم يكن موثوقا به: لانه قد يحصل، وقد لا يحصل (قوله: وإنما جوز للحاجة) أي وإنما جوز القراض، مع كونه مشتملا على غرر، للحاجة (قوله: فاختص بما يروج غالبا) أي في غالب الاحوال، وعبارة فتح الجواد، وإنما جوز للحاجة، واختص بما يروج بكل حال، أي باعتبار الاصل، إذ الاوجه، جوازه بنقد خالص لا يتعامل به، أو أبطله السلطان، أو مغشوش راج رواج الخالص في كل مكان. اه‍. وعبارة شيخ الاسلام: فاختص بما يروج بكل حال، وتسهل التجارة به. اه‍. وقوله بكل حال، أي بحيث لا يرده أحد، بخلاف التبر، والمغشوش، والفلوس. وقوله: وتسهل التجارة به. أي بخلاف العرض، فالعطف مغاير، ويصح أن يكون للتفسير، أو عطف لازم. اه‍. ش ق (قوله: وهو) أي الذي يروج غالبا، (وقوله: النقد المضروب) أي لانه ثمن الاشياء (قوله: ويجوز) أي القراض. (وقوله: عليه) أي على النقد. (وقوله: وإن أبطله) أي ذلك النقد، أي أو كان في ناحية لا يتعامل به فيها (قوله: وخرج بالنقد، والعرض) أي كالنحاس، والقماش. (وقوله: ولو فلوسا) أي جددا، فهي من العروض، لانها قطع من النحاس، ومن جعلها من


(1) سورة المزمل، الاية: 20.

[ 119 ]

النقد، أراد كونه يتعامل بها كالنقد. قال ع ش: وأخذه غاية للخلاف فيه. اه‍. أي فهي للرد (قوله: وبالخالص) أي وخرج بالخالص (قوله: وإن علم قدر غشه) وعلى هذا لا يصح بالريالات الفرانسة ونحوها مما دخله النحاس، والغاية للرد، كالتي بعدها (قوله: وبالمضروب: التبر) أي وخرج بالمضروب: التبر (قوله: وهو) أي التبر. (وقوله: ذهب أو فضة لم يضرب) سواء في ذلك القراضة وغيرها، هذا باعتبار عرف الفقهاء، وإلا فهو كسارة الذهب والفضة إذا أخذ من معدنهما قبل تنقيتهما (قوله: وقيل يجوز على المغشوش الخ) اعتمده م ر. وقوله إن استهلك غشه، المراد به، كما استوجهه ع ش، عدم تميز النحاس عن الفضة مثلا في رأي العين، وليس المراد به أن لا يتحصل منه شئ بالعرض على النار، وإلا لما صح قراض أصلا (قوله: وقيل إن راج) أي وإن لم يستهلك. اه‍. ع ش (قوله: وفي وجه ثالث) لعله رابع، أو بالنسبة لما في زوائدها. وقوله على كل مثلي: أي كالحبوب والثمار، ومقتضاه أنه لا يجوز في المتقوم، كالرقيق (قوله: وإنما يصح القراض) دخول على المتن، فقوله بصيغة، متعلق به، وقدره لطول الكلام على ما مر (قوله: من إيجاب) بيان للصيغة، (وقوله: من جهة الخ) متعلق بمحذوف صفة لايجاب، أي إيجاب حاصل من جهة رب المال (قوله: كقارضتك الخ) أمثلة للايجاب (قوله: أو بع أو اشتر) أو: بمعنى الواو، المعبر بها في التحفة والنهاية والمغني، وقال في المغني، فلو قال اشتر، ولم يذكر البيع، لم يصح في الاصح اه‍. (قوله: على أن الربح بيننا) راجع لجميع الصيغ المتقدمة، كما نص عليه الرشيدي، فلو لم يذكره فيها، فسد القراض، وللعامل أجرة المثل، كما سيصرح به المتن، إلا في الصيغة الاخيرة، فلا شئ له أصلا، كما صرح به في التحفة، فيها، ونصها. فإن اقتصر على بع أو اشتر، فسد ولا شئ له لانه لم يذكر له مطمعا. اه‍. وكتب الرشيدي على قول النهاية، فلو اختصر على بع واشتر فسد، ما نصه: أي ولا شئ له، كما في التحفة، وهذا حكمة النص على هذه، دون ما قبلها، وإلا فالفساد قدر مشترك بين الجميع، حيث لم يقل والربح بيننا، فكان على الشارح أن يذكره، وقضية ما في التحفة، استحقاق العامل في مسألة اتجر فيها إذا لم يقل الربح بيننا، وانظر: ما وجهه ؟ اه‍. (قوله: وقبول فورا من جهة العامل لفظا) أي كالبيع، لانه عقد معاوضة يختص بمعين، بخلاف الوكالة، لانها مجرد إذن والحوالة لانها لا تختص بمعين. اه‍. شرح الروض (قوله: وقيل يكفي في صيغة الامر) أي فيما إذا صدر من رب المال صيغة الامر. وقوله القبول بالفعل، فاعل يكفي، والباء فيه للتصوير، أي القبول المصور بالفعل، أي فعل ما أمر به من غير لفظ، وقوله كما في الوكالة، أي والجعالة، ورد بأنه عقد معاوضة يختص بمعين. كما تقدم، فلا يشبه ذينك - لكن قد يشكل عليه قوله بعد قريبا. وشرط المالك والعامل، كالموكل والوكيل، وقول البهجة: عقد القراض يشبه التوكيلا الخ، إلا أن يقال. المراد لا يشبه ذينك في هذا الحكم، أو من كل الوجوه، بل من بعضها، أفاده سم (قوله: كالموكل والوكيل) أي لان القراض توكيل وتوكل بعوض، فيشترط أهلية التوكيل في المالك، وأهلية التوكل في العامل، فلا يصح إذا كان أحدهما محجورا عليه، أو عبدا أذن له في التجارة، أو كان العامل أعمى، (وقوله: صحة مباشرتهما التصرف) خبر بعد خبر، لان الجار والمجرور قبله خبر، ولا يخفى ما في ذكره من الركاكة، فلو اقتصر عليه أو على الجار والمجرور قبله، كما في المنهاج، أو قال في صحة، بزيادة الجار، ويكون بيانا لوجه الشبه لكان أولى، فتأمل (قوله: مع شرط ربح لهما) متعلق بيصح الذي قدره الشارح، أي وإنما يصح

[ 120 ]

القراض مع شرط ربح لهما، ومحط الشرطية قوله لهما (قوله: فلا يصح) أي القراض. وقوله على أن لاحدهما الربح، أي أو أن لغيرهما منه شيئا لعدم كونه لهما. قال في الروض وشرحه، ولو قال قارضتك على أن نصف الربح لي ساكتا عن نصيب العامل، لم يصح، لان الربح فائدة رأس المال، فهو للمالك، إلا ما ينسب منه للعامل، ولم ينسب له شئ منه، أو على أن نصف الربح لك، صح، وتناصفاه، لان ما لم ينسبه للعامل، يكون للمالك بحكم الاصل، سواء سكت عن نصيبه نفسه، أو قدر لنفسه أقل، كأن قال على أن لك النصف ولي السدس، وسكت عن الباقي، ولو قال قارضتك على النصف، أو على السدس، صح المشروط للعامل، لان المالك يستحق بالملك، لا بالشرط. اه‍. (قوله: ويشترط كونه، أي الربح معلوما بالجزئية) لو قال وبالجزئية، بزيادة الواو، لكان أولى، لان أصل العلم شرط، وكونه بالجزئية شرط آخر. وخرج بالاول، ما لو لم يعلم أصلا، كأن قال قارضتك على أن لك فيه شركة أو نصيبا، وخرج بالثاني، ما إذا علم، لكن بالجزئية كأن قال قارضتك على أن لك عشرة، أو ثمانية مثلا، وسيصرح بمحترز الثاني (قوله: كنصف وثلث) تمثيل للجزئية (قوله: صح مناصفة) أي على الاصح، إذ المتبادر من ذلك عرفا، المناصفة، كما لو قال: هذه الدار بيني وبين فلان، ومقابل الاصح يقول: لا يصح، لاحتمال اللفظ لغير المناصفة، فلا يكون الجزء معلوما (قوله: أو على أن لك ربع سدس العشر) أي أو قال قارضتك على أن لك ربع سدس العشر، وتعبيره بما ذكر: أولى من تعبير بعضهم بسدس ربع العشر، لان تقديم أعظم الكسرين، أولى من تأخيره. (وقوله: وإن لم يعلماه) أي قدر ربع ما ذكر، (وقوله: وهو) أي ربع ما ذكر جزء من مائتين وأربعين جزءا، بيانه أن عشر المائتين وأربعين، أربعة وعشرون، وسدس العشر أربعة، وربع سدسه واحدا، وذلك كله مجرد مثال (قوله: ولو شرط لاحدهما عشرة) بفتحتين، أي والباقي للآخر، أو بينهما (قوله: أو ربح صنف) أي أو شرط له ربح صنف واحد. (وقوله: كالرقيق) مثال للصنف (قوله: فسد القراض) أي لعدم العلم بالجزئية، ولانه قد لا يربح غير العشرة، أو غير ذلك الصنف، فيفوز أحدهما بجميع الربح. اه‍. شرح المنهج (قوله: ولعامل) خبر مقدم، وأجرة مثل، مبتدأ مؤخر (قوله: في عقد قراض) الاضافة للبيان، وقوله فاسد، أي بسبب فقده شرطا من الشروط المارة، ككون رأس المال غير نقد، أو شرط أن الربح لاحدهما (قوله: وإن لم يكن ربح) أي يوجد، فهو من كان التامة، وهو غاية في كونه له أجرة المثل (قوله: لانه) أي العامل، (وقوله: عمل طامعا في المسمى) أي وقد فات، فوجب رد عمله على عامله، وهو متعذر، فرجع إلى أجرة المثل (قوله: ومن القراض الفاسد على ما أفتى به الخ) وإنما كان فاسدا في الصورة المذكورة: لعدم العلم بالجزئية، لانه قد لا يربح إلا الذي شرط عليه به، فيفوز أحدهما حينئذ بالربح، ولاشتراط أخذ الزيادة منه، ولو مع وجود الخسارة، ولعدم وجود صيغة القراض (قوله: ويده) أي العامل (قوله: فإن قصر) أي في حفظ المال حتى تلف (قوله: بأن جاوز المكان الخ) تصوير لتقصيره، أي بأن تعدي العامل المكان المأذون له في التصرف فيه (قوله: ضمن المال) جواب أن (قوله: ولا أجرة الخ) هذا تقييد للمتن: أي محل كون العامل له أجرة المثل، إن لم يشرط الربح كله للمالك، وإن لم يعلم الفساد، وأنه لا أجرة له، ولو قدم هذا

[ 121 ]

على قوله، ومن القراض الفاسد، لكان أنسب، وقوله إن شرط، يقرأ بالبناء للمجهول (قوله: لانه لم يطمع في شئ) أي فهو راض بالعمل مجانا. قال في التحفة: نعم، إن جهل ذلك، بأن ظن أن هذا لا يقطع حقه من الربح أو الاجرة، وشهد حاله بجهله لذلك استحق أجرة المثل، فيما يظهر. اه‍ (قوله: ويتجه أنه لا يستحق شيئا الخ) أي لانه لم يطمع في شئ أيضا، وفي النهاية يستحق ذلك، وإن علم الفساد، وظن أنه لا أجرة له، (وقوله: وأنه لا أجرة له) قال سم - قضيته، أن مجرد علم الفساد لا يمنع الاستحقاق، ووجهه أنه حينئذ طامع فيما أوجبه الشارع من أجرة المثل. اه‍. (قوله: ويصح تصرف العامل مع فساد القراض) أي نظرا لبقاء الاذن، كالوكالة، هذا إذا كان الفساد لفوات شرط ككونه غير نقد والحال أن المقارض مالك، أما إذا كان لعدم أهلية العاقد أو المقارض ولي أو وكيل، فلا ينفذ تصرفه، كذا في البجيرمي (قوله: لكن لا يحل له) أي للعامل: أي فيأثم بذلك. (وقوله: الاقدام عليه) أي على التصرف. وقوله بعد علمه، أي العامل بالفساد (قوله: يتصرف العامل الخ) شروع في بيان بعض أحكام القراض، وقوله ولو بعرض، أي وإن لم يأذن له المالك، إذ الغرض، الربح، وقد يكون فيه، وقوله بمصلحة أي لانه في الحقيقة وكيل، وهو متعلق بيتصرف (قوله: لا بغبن فاحش) أي لا يتصرف بغبن فاحش في بيع أو شراء، وتقدم بيانه في الوكالة، فلا تغفل، قال ع ش: وظاهره أنه يبيع بغير الغبن الفاحش، ولو كان ثم من يرغب فيه بتمام قيمته، ولعله غير مراد، أخذا مما تقدم في الوكالة، أن محل الصحة، إذا لم يكن ثم راغب يأخذه بهذه الزيادة، اه‍ (قوله: ولا بنسيئة) أي ولا يتصرف بنسيئة، أي بأجل في بيع أو شراء أيضا للغرر، ولانه قد يتلف رأس المال، فتبقى العهدة متعلقة بالمالك، اه‍. تحفة. وقوله: بلا إذن فيهما، أي في الغبن والنسيئة، أما بالاذن، فيجوز، لان المنع لحقه، وقد زال بإذنه، ويأتي في البيع نسيئة ما مر في الوكالة، من أنه إن قدر للعامل مدة تعينت، فلا يزيد عليها، ولا ينقص. وإن أطلق الاجل، حمل على العرف، ومنه وجوب الاشهاد أيضا، فإن تركه، ضمن (قوله: ولا يسافر بالمال بلا إذن) أي لان فيه خطرا وتعريضا للتلف، قال في المغني، نعم، لو قارضه بمحل لا يصلح للاقامة، كالمفازة، فالظاهر، كما قال الاذرعي: أنه يجوز له السفر به إلى مقصده المعلوم لهما، ثم ليس له بعد ذلك أن يحدث سفرا إلى غير محل إقامته. اه‍. (قوله: فيضمن به) أي فيضمن العامل بالسفر، أي يكون في ضمانه، ولو تلف بعد ذلك بلا تقصير، كما تقدم (قوله: ومع ذلك) أي ومع ما ذكر من الضمان والاثم بسبب السفر. القراض باق بحاله، أي لا ينفسخ، سواء سافر بعين المال، أو العروض التي اشتراها به، ثم إذا باع فيما سافر إليه وهو أكثر قيمة مما سافر منه أو استويا، صح البيع للقراض، أو قل قيمة بما لا يتغابن به، لم يصح (قوله: أما بالاذن: فيجوز) أي السفر به (قوله: لكن لا يجوز ركوب في البحر) أي المالح، ومثله الانهار إذا زاد خطرها على خطر البر. اه‍. ح ل. (وقوله: إلا بنص) أي من المالك عليخه، أي على ركوب البحر، أي أو على بلد لا يصل لها إلا منه، فإنه يجوز حينئذ ذلك (قوله: ولا يمون) أي العامل (قوله: أي لا ينفق) تفسير بالاخص. (وقوله: منه) أي من مال القراض، (وقوله: على نفسه) أي العامل، قال في الروض وشرحه، وعليه أن ينفق على مال القراض منه، لانه من مصالح التجارة. اه‍. (قوله: لان له) أي للعامل نصيبا من الربح، أي شأنه ذلك، فلا ينافي أنه قد لا يربح، قال سم، وأيضا قد تكون النفقة قدر الربح، فيفوز به العامل، وقد تكون أكثر، فيؤدي إلى أن يأخذ جزءا من رأس المال. اه‍. (قوله: فسد) أي العقد، لان ذلك مخالف لمقتضاه (قوله: وصدق عامل بيمينه في دعوى تلف) أي على التفصيل الآتي في الوديعة. وحاصله أنه إن لم يذكر سببا،

[ 122 ]

أو ذكر سببا خفيا، كسرقة، أو ظاهرا، كحريق، عرف هو دون عمومه، أو عرف، هو وعمومه، واتهم صدق بيمينه، فإن لم يتهم في الاخيرة صدق بلا يمين، أو جهل السبب الظاهر، طولب ببينة بوجوده، ثم حلف يمينا أنه تلف، فالصور ست، وقد تقدم هذا التفصيل في الوكالة (قوله: في كل المال) متعلق بمحذوف صفة لتالف. أي تلف حاصل في كل المال أو في بعضه (قوله: لانه) أي العامل مأمون، وهو تعليل لتصديقه بيمينه (قوله: نعم نص) أي الشافعي (قوله: واعتمده) أي النص المذكور في البويطي (قوله: أنه الخ) أي على أنه، فإن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بعلى مقدرة متعلقة بنص (قوله: لو أخذ) أي العامل، (وقوله: ما لا يمكنه القيام به) أي العمل فيه كله (قوله: فتلف بعضه) قال سم، أنظر مفهومه، اه‍. وكتب الرشيدي ما نصه، قوله فتلف بعضه، أي بعد عمله فيه، كما هو نص البويطي، ولفظه، وإذا أخذ مالا لا يقوى مثله على عمله فيه ببدنه، فعمل فيه، فضاع، فهو ضامن، لانه مضيع. اه‍ (قوله: لانه فرط بأخذه) الاصوب ما علل به الشافعي رضي الله عنه في نصه السابق من قوله لانه مضيع. اه‍. رشيدي (قوله: ويطرد ذلك) أي ما نص عليه في البويطي، (وقوله: في الوكيل والوديع) أي المودع عنده والوصي، أي فيقال إذا أخذوا ما لا يمكنهم القيام به فتلف، ضمنوه (قوله: ولو ادعى المالك بعد التلف أنه قرض) أي ليلزم الآخذ بدله، وخرج ببعد التلف. ما لو ادعى المالك عليه ذلك قبله، فيصدق هو، لان العامل يدعي عليه الاذن في التصرف وحصته من الربح والاصل عدمهما (قوله: والعامل أنه قراض) أي وادعى العامل أنه قراض، لئلا يلزمه بدله (قوله: حلف العامل) أي صدق العامل بيمينه، وكان الاولى، التعبير به وهو جواب لو (قوله: لان الاصل) علة لتصديق العامل بيمينه (قوله: خلافا لما رجحه الزركشي وغيره من تصديق المالك) جرى على هذا في النهاية، ولفظها، ولو ادعى المالك بعد تلف المال أنه قرض، والعامل أنه قراض، صدق المالك بيمينه، كما جزم به ابن المقري، وجرى عليه القمولي في جواهره، وأفتى به الوالد رحمه الله، خلافا للبغوي، وابن الصلاح، إذ القاعدة أن من كان القول قوله في أصل الشئ، فالقول قوله في صفته، مع أن الاصل عدم الائتمان الدافع للضمان، وقال في الخادم، إنه الظاهر، لان القابض يدعي سقوط الضمان عنه، مع اعترافه بأنه قبض، والاصل عدم السقوط، الخ. اه‍. قال في التحفة، وجمع بعضهم بحمل الاول، أي تصديق العامل، على ما إذا كان التلف قبل التصرف، لانهما حينئذ اتفقا على الاذن، واختلف في شغل الذمة، والاصل براءتها، وحمل الثاني، أي تصديق المالك، على ما إذا كان بعد التصرف، لان الاصل في التصرف في مالك الغير، أنه يضمن، ما لم يتحقق خلافه، والاصل عدمه (قوله: فإن أقاما بينة) أي أقاما كل واحد بينة، (وقوله: قدمت بينة المالك) وفي النهاية قدمت بينة العامل، وفي التحفة، وقال بعضهم الحق التعارض، أي فيأتي فيه ما مر عند عدم البينة. اه‍. أي من تصديق العامل، إن كان التلف قبل التصرف، وتصديق المالك، إن كان بعده (قوله: لان معها زيادة علم) أي بانتقال الملك إلى الآخر، فهي أثبت شغل الذمة، بخلاف بينة العامل، فهي مستصحبة لاصل البراءة، والبينة الناقلة مقدمة على المستصحبة، أفاده البجيرمي (قوله: وفي عدم ربح) معطوف على في تلف، أي وصدق في دعوى عدم ربح. (وقوله: وفي قدره) معطوف أيضا على في تلف، أي وصدق في دعوى قدر ربح كعشرة (قوله: عملا بالاصل) وهو ما يعديه العامل، (وقوله: فيهما) أي في عدم الربح وفي قدره (قوله: وفي خسر) معطوف على في تلف أيضا، أي وصدق في دعوى خسر (قوله: ممكن) أي محتمل، بأن عرض كساد فيما يتصرف فيه، فإن لم يمكن، لا يصدق (قوله: لانه أمين) أي وصدق في ذلك، لانه،

[ 123 ]

أي العامل، أمين، فهو تعليل لتصديقه في دعوى الخسر (قوله: ولو قال) أي العامل، وقوله ربحت كذا، أي قدرا معينا، كألف، (وقوله: ثم قال غلطت في الحساب أو كذبت) أي أن القدر الذي أخبرتكم بأني ربحته وقع مني غلطا، أو كذبت فيه، فأنا ما ربحت القدر المذكور، وقوله لم يقبل، أي قوله إن غلطت أو كذبت، قال في التحفة بعده، نعم، له تحليف المالك، وإن لم يذكر شبهة. اه‍. (قوله: لانه) أي العامل أقر بحق لغيره، وهو المالك قوله فلم يقبل رجوعه عنه، أي عن إقراره (قوله: ويقبل قوله بعد) أي بعد قوله ربحت كذا، وقوله خسرت، مقول القول، وقوله إن احتمل، أي قوله المذكور، وقوله كأن عرض كساد، أي نقص في قيمة السلعة (قوله: وفي رد المال) معطوف على في تلف أيضا، أي وصدق في دعوى رد المال على المالك، وقوله لانه، أي المالك ائتمنه، أي العامل، وقوله كالمودع، هو بفتح الدال، أي فإنه يصدق في دعواه الرد على المودع، بكسرها (قوله: في قدر رأس المال) أي أو في جنسه (قوله: لان الاصل عدم الزائد) أي عدم دفع زيادة إليه، وهو تعليل لتصديق العامل في قدر رأس المال (قوله: وفي قوله اشتريت هذا لي) أي ويصدق العامل في قوله اشتريت هذا لي، أي وإن كان رابحا، وقوله أو للقراض، أي أو اشتريته للقراض، وإن كان خاسرا، وقوله والعقد في الذمة، أي والحال أنه في الذمة، أي ذمة العامل، والظاهر أنه راجع للصورة الاولى، أعني قوله اشتريت هذا لي، بدليل المحترز (قوله: لانه أعلم بقصده) أي بقصد نفسه، أي وهو مأمون (قوله: وعليه) أي على ما قاله الامام، من أنه إذا اشتراه بعين مال القراض، يقع للقراض، وقوله فتسمع بينة المالك، أي فيما إذا اختلفا فيما حصل الشراء به، هل هو مال القراض أو مال العامل ؟ قال في التحفة، لما تقرر أنه مع الشراء بالعين لا ينظر إلى قصده وهو أحد وجهين في الرفعي من غير ترجيح، ورجح جمع متقدمون مقابله، لانه قد يشتري به لنفسه متعديا، فلا يصح البيع، وقد يجمع بحمل ما قاله الامام على ما إذا نوى نفسه، ولم يفسخ القراض، ومقابله على ما إذا فسخ، وحينئذ فالذي يتجه: سماع بينة المالك، ثم يسأل العامل، فإن قال فسخت، حكم بفساد الشراء، وإلا فلا. اه‍. وقوله ورجح جمع متقدمون الخ. استوجهه في النهاية. (قوله: وفي قوله لم تنهني الخ) أي كأن اشترى سلعة، فقال نهيتك عن شرائها، فقال العامل لم تنهني، فيصدق العامل، وتكون للقراض، لان الاصل، عدم النهي، أما لو قال المالك، لم آذنك في شراء كذا، فقال العامل بل أذنت لي، فالمصدق المالك. اه‍. نهاية. (قوله: ولو اختلفا) أي المالك والعامل (قوله: في القدر المشروط له) أي للعامل من الربح. وقوله تحالفا، أي لاختلافهما في عوض العقد مع اتفاقهما على صحته، فأشبه اختلاف المتبايعين. اه‍. تحفة، ولا ينفسخ العقد بالتحالف، وإنما ينفسخ بفسخهما، أو أحدهما، أو الحاكم (قوله: وللعامل الخ) أي لتعذر رجوع عمله إليه، فوجب له قيمته، وهو الاجرة. (قوله: أو في أنه وكيل أو مقارض) أي أو اختلفا في ذلك، فقال المالك أنت وكيل، وقال العامل أنا مقارض، وقوله صدق المالك بيمينه، نعم. إن أقاما بينتين، قدمت بينة العامل، لان معها زيادة علم بوجوب الاجرة. والله سبحانه وتعالى أعلم (قوله: تتمة) أي في بيان أحكام الشركة، بكسر الشين، وإسكان الراء، وبفتح الشين مع كسر الراء وإسكانها، وقد أفردها الفقهاء بباب مستقل، وذكرها بعد الوكالة،

[ 124 ]

لانها من أفرادها، إذ كل من الشريكين، وكيل عن الآخر، وموكل له، والاصل فيها قبل الاجماع، خبر السائب أنه كان شريك النبي (ص) قبل المبعث، وافتخر بشركته بعد المبعث، والخبر الصحيح القدسي: يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين، ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه، خرجت من بينهما أي أنا كالثالث للشريكين في إعانتهما وحفظهما وأنزل البركة في أموالهما مدة عدم الخيانة، فإذا حصلت الخيانة، رفعت البركة والاعانة عنهما، وهو معنى خرجت من بينهما، وهي لغة: الاختلاط شيوعا، أو مجاورة، بعقد أو غيره. وشرعا، عقد يقتضي ثبوت الحق في شئ لاكثر من واحد على جهة الشيوع (قوله: الشركة نوعان) أي اللغوية، لان النوع الاول: ليس فيه عقد، والنوع الثاني: قسمه إلى أربعة أقسام، بعضها صحيح، وبعضها باطل، والمعنى الشرعي، مختص بالصحيح، على ما قاله بعضهم (قوله: أحدهما فيما ملك) أي أحدهما ثابت بسبب ملك اثنين مشتركا. ففي سببية، وما مصدرية، وقوله مشتركا، أي مالا مشتركا، أي مختلطا بحيث لا يتميز. وهو مفعول ملك، ويحتمل أن تكون في باقية على معناها، وما، موصول اسمي، وجملة ملك، صلة، والعائد عليها، محذوف، ومشتركا، حال، أي أحدهما ثابت في المال الذي ملكاه حال كونه مشتركا، أي مختلطا، بحث لا يتميز تأمل. وقوله بإرث أو شراء، متعلق بملك، وهو يشير إلى أنه لا فرق في ثبوت الملك لهما، بين أن يكون على جهة القهر، كالارث، أو الاختيار، كالشراء (قوله: والثاني أربعة أقسام) لا يحسن مقابلته لما قبله فكان الاولى أن يقول، وثانيهما فيما عقد عليه اثنان الشركة، وعبارة التحرير، هو نوعان، أحدهما في الملك قهرا كان أو اختيار، كإرث وشراء، والثاني بالعقد لها، وهي أنواع أربعة الخ، وهي ظاهرة (والحاصل) أن الشركة لها سببان، السبب الاول، الملك من غير عقد شركة، بأن يملك اثنان مالا موروثا، أو مالا مشترى. والثاني، العقد، أي أن يعقد اثنان الاشتراك بينهما على مال أو غيره (قوله: منها قسم صحيح) أي بالاجماع، ويسمى شركة العنان، بكسر العين، من عن الشئ، أي ظهر، فهي أظهر الانواع، لظهورها بصحتها، أو لانه ظهر لكل من الشريكين مال الآخر، أو من عنان الدابة، لاستواء الشريكين فيها في نحو الولاية والربح والسلامة من الغرر، كاستواء طرفي العنان، أو لمنع كل منهما الآخر لما يشتهي، كمنع العنان الدابة وأركانها خمسة، عاقدان، ومعقود عليه، وذكر عمل، وصيغة، أو شرط في العاقدين ما شرط في الموكل والوكيل، من صحة التصرف، وشرط في المعقود عليه، أن يكون مثليا، كالدراهم والدنانير، والبر، لانه إذا اختلط بجنسه، لم يتميز، بخلاف المتقوم وقد تصح فيه بأن يكون مشتركا بينهما قبل العقد، كأن ورثاه، أو اشترياه، أو باع أحدهما بعض عرضه ببعض عرض الآخر، كنصف بنصف، أو ثلث بثلثين، وأذن كل لصاحبه في لتصرف بعد القبض، وذلك لعدم تميز المالين حينئذ، وأن يتحدا المالان جنسا وصفة، بحيث لو خلطا، لم يتميزا كل منهما عن الآخر، وأن يخلطا قبل العقد، لتحقق معنى الشركة. وأن يشترطا الربح والخسران على قدر المالين، عملا بقضية العقد، وقد ذكر شرط العمل بقوله، ويتسلط كل واحد منهما الخ، وشرط الصيغة بقوله، وشرط فيها لفظ الخ. (قوله: وهو) أي القسم الصحيح، وقوله: أن يشترط اثنان، أي يصح التصرف منهما، كما علمت، وقوله من مال لهما، أي مثلي نقد أو غيره، على ما عرفت (قوله: وسائر الاقسام) أي باقيها، وهو ثلاثة، شركة الابدان، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه، وقوله باطلة، أي لكثرة الغرر فيها، لا سيما شركة المفاوضة، ولخلوها عن المال المشترك، كما ستعرفه (قوله: كأن يشترك اثنان ليكون كسبهما بينهما) أي مكسوبهما ببدنهما خاصة، وإلا كانت عين شركة المفاوضة الآتية، سواء اتفقا حرفة، كخياطين، أو اختلفا فيها، كخياط ورفاء، وهذه تسمى شركة الابدان، وهي باطلة، لعدم المال، فمن انفرد بشئ، فهو له، وما اشتركا فيه يوزع عليهما بنسبة أجرة المثل، بحسب الكسب، وجوزها أبو حنيفة رضي الله عنه مطلقا، ومالك وأحمد رضي الله عنهما مع اتحاد الحرفة (قوله: بتساو أو تفاوت) متعلق بمحذوف حال من الضمير في الخبر: أي حال كون الكسب الكائن بينهما حاصلا بتساو أو تفاوت، أي بحسب ما شرطاه (قوله: أو ليكون بينهما الخ)

[ 125 ]

أي أو يشترك اثنان ليكون بينهما ربح ما يشتريانه في ذمتهما، أي يشتريه وجيهان في ذمتهما، ومثل ذلك، ما إذا اشتراه وجيه في ذمته وفوض بيعه لخامل والربح بينهما، وأعطى خامل ماله لوجيه ليس له مال ليعمل فيه والربح بينهما، وهذه تسمى شركة الوجوه، من الوجاهة، أي العظمة، والصدارة، وهي باطلة، إذ ليس بينهما مال مشترك، فكل من اشترى شيئا، فهو له، عليه خسره، وله ربحه (قوله: أو ليكون بينهما الخ) أي أو يشترك اثنان ليكون بينهما كسبهما وربحهما ببدنهما أو مالهما: أي من غير خلط، أو معه. وتفارق حينئذ شركة العنان بالشرط المذكور بعد، أو، مانعة خلو، فتجوز الجمع، وقوله وعليهما، أي المشتركين ما يعرض من غرم، قيد في كل من كون الكسب والربح بالبدن، ومن كونهما بالمال، وخرج به، بالنسبة للاول، شركة الابدان، وبالنسبة للثاني، شركة العنان. والمراد، غرم لا بسبب الشركة، كغصب وغيره، وإلا فالغرم بسببها موجود في شركة العنان، وفي الكلام اكتفاء، أي ولهما ما يحصل من غنم، وهذه تسمى شركة مفاوضة، من تفاوضا في الحديث، شرعا فيه جميعا، قال م ر: أو من قوم فوضى، بفتح الفاء، أي مستوين في الامور، ومنه قول الشاعر: لا يصلح الناس فوضى سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وهي باطلة أيضا، لاشتمالها على أنواع من الغرر، ولعدم وجود المال في بعض صورها، فيختص حينئذ كل بما كسبه ببدنه، إن لم يكن مال، فإن كان هناك مال من غير خلط، فظاهر أن مال كل له، ومع الخلط يكون الزائد بينهما على قدر المالين، ويرجع كل على الآخر بأجرة عمله (قوله: وشرط فيها) أي الشركة. وغيره ذكر الاركان المارة، ثم قال: وشرط في الصيغة، فلو صنع كصنعه لكان أولى. وقوله لفظ: في معناه ما مر، من الكتابة، وإشارة الاخرس. وقوله يدل على الاذن في التصرف، أي بأن يقولا لا اشتركنا وأذنا في التصرف. والمراد، الاذن لمن يتصرف من كل منهما أو من أحدهما، وقوله بالبيع والشراء، متعلق بالتصرف (قوله: فلو اقتصر على اشتركنا) أي على قولهما ذلك قال سم: لو وقع هذا القول من أحدهما مع الاذن في التصرف، فينبغي أن لا يكفي، لانه عقد متعلق بمالهما، فلا يكفي فيه اللفظ من أحد الجانبين، بل لا بد معه من وقوعه من الآخر، أو قبوله، وفاقا للرملي. اه‍. بتصرف (قوله: لم يكف عن الاذن فيه) أي في التصرف لاحتمال أن يكون إخبارا عن حصول الشركة (قوله: ويتسلط كل واحد منهما) أي الشريكين، وهو شروع في شروط العمل (قوله: بلا ضرر) أي في المال المشترك، وهو متعلق بيتسلط (قوله: بأن يكون) تصوير لعدم وجود ضرر أصلا. ولو قال ويتسلط كل واحد منهما بمصلحة، لكان أخصر. وعبارة المنهج، وشرط في العمل مصلحة، ثم قال في شرحه، وتعبيري بمصلحة، أولى من قوله بلا ضرر، لاقتضائه جواز البيع بثمن المثل، مع وجود راغب بزيادة. اه‍. (قوله: ولا يسافر به) قال في فتح الجواد: نعم، إن اشتركا بمفازة، سافر به لمقصده، ولو بلا إذن، للقرينة. اه‍. (قوله: حيث لم يضطر إليه) أي السفر به، فإن اضطر إليه، سافر به، بل يلزمه في هذه الحالة، كالوديع، وعبارة التحفة، ولا يسافر به، حيث لم يعطه في السفر، ولا اضطر إليه لنحو قحط أو خوف، ولا كان من أهل النجعة. اه‍. وقوله لنحو قحط، أي في بلده، وقوله أو خوف، أي من حريق، أو نهب (قوله: ولا يبضعه) بضم التحتية فسكون الموحدة، أي يجعله بضاعة يدفعه لمن يعمل لهما فيه، ولو متبرعا، لانه لم يرض بغير يده. اه‍. تحفة (قوله: بغير إذنه) متعلق بكل من يسافر ومن يبضع، وإن كان ظاهر عبارته تعلقه بالثاني فقط، أي لا يسافر بغير إذنه ولا يبضعه بغير إذنه، فإن كان بإذنه، صح، ولا ضمان، لكن مجرد الاذن في السفر، لا يتناول ركوب البحر، بل لا بد من النص عليه، أو تقوم عليه قرينة

[ 126 ]

(قوله: فإن سافر به) أي من غير إذنه، وقوله صح تصرفه، أي لبقاء الاذن فيه (قوله: أو أبضعه) معطوف على سافر، أي أو إن أبضعه، بدفعه الخ. تصوير للابضاع، كما عرفت، وقوله بلا إذن، متعلق بأبضعه. وقوله ضمن أيضا، جواب أن المقدرة بعد أو (قوله: والربح والخسران بقدر المالين) أي باعتبار القيمة، لا الاجزاء، فلو خلط قفيزا بمائة، وقفيزا بخمسين، فهي أثلاث، لصاحب الاول، ثلثان، ولصاحب الثاني ثلث. (قوله: فإن شرطا خلافه) أي خلاف ما ذكر، كأن شرطا تساوي الربح والخسران مع تفاوت المالين، أو شرطا تساوي المالين مع التفاوت في الربح والخسران، وقوله فسد العقد، أي لمخالفة ذلك موضوعها (قوله: فلكل على الآخر أجرة عمله له) أي وإذا فسد العقد يكون لكل على الآخر أجرة عمله بحسب ماله، فإذا كان لاحدهما ألفان، وللآخر ألف، وأجرة عمل كل منهما مائة، فثلثا عمل الاول في ماله، وثلثه على الثاني، وعمل الثاني بالعكس، فللاول عليه ثلث المائة، وله على الاول ثلثاها، فيقع التقاص بثلثها، ويرجع على الاول بثلثها، وقد يقع التقاص إن استويا في المال والعمل، قال في التحفة، نعم، إن تساويا مالا، وتفاوتا عملا، وشرط الاقل للاكثر عملا لم يرجع بالزائد، إن علم الفساد، وأنه لا شئ في الفاسد، لانه عمل غير طامع في شئ، كما لو عمل أحدهما فقط في فاسدة. اه‍. (قوله: ونفذ التصرف منهما) أي من الشريكين. وقوله مع ذلك، أي مع فساد العقد، أي ويكون الربح والخسران على قدر المالين بعد إخراج أجرة عمل كل منهما وقوله للاذن، أي لوجود الاذن في التصرف، وهو علة لنفوذ التصرف (قوله: وتنفسخ) أي الشركة، وذلك لانها عقد جائز من الجانبين، فهي كالوكالة. وقوله بموت أحدهما وجنونه، أي وإغمائه، والحجر عليه بسفه أو فلس (قوله: ويصدق) أي الشريك في دعوى الرد إلى شريكه، وذلك لان يده أمانة، كالمودع، والوكيل، فيصدق في ذلك، وقوله في الخسران، أي وفي قدر الربح، وقوله والتلف: أي ويصدق في التلف، لكن على التفصيل المتقدم بيانه (قوله: وفي قوله اشتريته لي أو للشركة) أي ويصدق فيما إذا اشترى الشريك شيئا، وقال اشتريته للشركة أو لنفسي، وكذبه الآخر، لانه أعرف بقصده، قال في التحفة: نعم، لو اشترى شيئا فظهر عيبه، وأراد رد حصته، لم يقبل قوله على البائع أنه اشتراه للشركة، لان الظاهر، أنه اشتراه لنفسه، فليس له تفريق الصفقة عليه. اه‍. (قوله: لا في قوله اقتسمنا الخ) أي لا يصدق في ذلك، لان الاصل عدم القسمة، قال في التحفة: وإنما قبل قوله في الرد، مع أن الاصل عدمه، لان من شأن الامين قبول قوله فيه توسعة عليه. اه‍. (قوله: شاركه الآخر) أي لاتحاد الجهة، وهي الارث (قوله: ولو باع شريكان عبدهما) أي أو وكل أحدهما الآخر فباعه (قوله: لم يشاركه الآخر) فرق في التحفة بين هذه والتي قبلها، بأن المشترك بنحو الشراء يتأتى فيه تعدد الصفقة المقتضي لتعدد العقد وترتب الملك، فكان كل من الشريكين فيه كالمستقل، ولان حقه لا يتوقف وجوده على وجود غيره، فإذا قبض قدر حصته، أو بعضها، فاز به، بخلاف نحو الارث، فإنه حق يثبت في الورثة دفعة واحدة، من غير أن يتصور فيه ترتب ولا توقف، فكان جميعه كالحق الذي لا يمكن تبعيضه، فلم يختص قابض شئ منه به. اه‍. (قوله: أفتى النووي - كابن الصلاح - فيمن غصب نحو نقد الخ) ساق الافتاء المذكور في التحفة، ثم قال: ويأتي لذلك تتمة قبيل الاضحية، ولا بأس بذكرها، تتميما للفائدة، وهي ما نصه، لو اختلط مثلي حرام، كدرهم أو دهن، أو حب

[ 127 ]

بمثله له، جاز له أن يعزل قدر الحرام بنية القسمة، ويتصرف في الباقي ويسلم الذي عزله لصاحبه إن وجد، وإلا فلناظر بيت المال، واستقل بالقسمة على خلاف المقرر في الشريك للضرورة، إذ الفرض، الجهل بالمالك، فاندفع ما قيل يتعين الرفع للقاضي ليقسمه عن المالك، وفي المجموع، طريقه أن يصرف قدر الحرام إلى ما يجب صرفه فيه، ويتصرف في الباقي بما أراد، ومن هذا، اختلاط أو خلط نحو دراهم لجماعة، ولم يتميز فطريقه أن يقسم الجميع بينهم على قدر حقوقهم، وزعم العوام أن اختلاط الحلال بالحرام يحرمه، باطل. الخ. اه‍. (قوله: بأن له الخ) متعلق بأفتى. وقوله إفراز: أي فصل وإخراج. والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في أحكام الشفعة أي في بيان بعض أحكام الشفعة، وهي بإسكان الفاء، وحكي ضمها، لغة من الشفع، ضد الوتر، فكأن الشفيع يجعل نفسه أو نصيبه شفعا، بضم نصيب شريكه إليه، أو من الشفاعة، لان الاخذ بها كان جاهلية. وشرعا، حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة فيما ملك بعوض. وشرعت لدفع الضرر: أي ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصة السائرة إليه لو قسم، كالمصعد، والمنور، والبالوعة، وغير ذلك، وهذا الضرر كان يمكن حصوله قبل البيع، وكان من حق الراغب في البيع أن يخلص صاحبه منه بالبيع له، فلما باع لغيره، سلطه الشارع على أخذه منه قهرا، والاصل فيها خبر البخاري: قضى رسول الله (ص) بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة أي حكم رسول الله (ص) بالشفعة بالمشترك الذي لم تقع فيه القسمة بالفعل، مع كونه يقبلها لان الاصل في النفي بلم، أن يكون في الممكن بخلافه بلا، واستعمال أحدهما محل الآخر، تجوز، كما في قوله تعالى: * (لم يلد، ولم يولد) * (1) أي لا يلد، ولا يولد، وكما في قوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * (2) أي لم يمسه. وقوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، أي فإذا وقعت حدود القسمة بين الشريكين، وبينت الطرق، فلا شفعة، وهذا كناية عن حصول القسمة، فكأنه قال: فإذا قسم، فلا شفعة، وأركانها ثلاثة: شفيع، وهو الآخذ، ومشفوع، وهو المأخوذ، ومشفوع منه، وهو المأخوذ منه، وشرط في الشفيع، أن يكون شريكا بخلطة الشيوع، لا بالجوار، فلا شفعة لجار الدار، ملاصقا كان أو غيره، خلافا للامام أبي حنيفة رضي الله عنه، فإنه أثبتها للجار فلو قضى بها حنفي للجار، ولو شافعيا، لم ينقض حكمه، وشرط في المشفوع، أن يكون مما ينقسم، أي مما يقبل القسمة إذا طلبها الشريك، دون ما لا ينقسم، كحمام صغير، وطاحون صغيرة، ودار، وحانوت، وساقية كذلك، والضابط في ذلك، أن ما يبطل نفعه المقصود منه لو قسم، بحيث لا يمكن جعل الحمام حمامين، ولا الطاحون طاحونين، وهكذا، لا تثبت فيه الشفعة، وما لا يبطل نفعه المقصود منه لو قسم، بل يكون بحيث ينتفع به بعد القسمة إذا طلبها الشريك من الوجه الذي كان ينتفع به قبلها، كطاحون، وحمام كبيرين، بحيث يمكن جعلهما طاحونين وحمامين، تثبت فيه الشفعة، وشرط فيه أيضا، أن يكون مما لا ينقل من الارض، فلا شفعة فيما ينقل، وشرط في المشفوع منه، تأخر سبب ملكه عن سبب ملك الآخذ، فيكفي في أخذ الشفيع بالشفعة، تقدم سبب ملكه عن سبب ملك المأخوذ منه، وإن تقدم ملكه على ملك الآخذ، فلو باع أحد الشريكين نصيبه لزيد بشرط الخيار للبائع، أو لهما فباع الآخر نصيبه لعمرو في زمن الخيار بيع بت، فالشفعة للمشتري الاول، وهو زيد، إن لم يشفع بائعه على المشتري الثاني، وهو عمرو، لتقدم سبب ملك الاول عن سبب ملك الثاني. فلو اشترى اثنان دارا، أو بعضها معا، فلا شفعة لاحدهما على الآخر، لعدم السبق، وليست الصيغة ركنا فيها، لانها، كما تقدم، حق تملك، أي استحقاقه، وهو لا يتوقف ثبوته على صيغة، نعم تجب في التملك، فلا يملك الشفيع الشقص، إلا بلفظ يشعر به، كتملكت، أو أخذت بالشفعة، وسيذكره الشارح بقوله، ولا يملك الشفيع إلا


(1) سورة الاخلاص، الاية: 3. (2) سورة الواقعة، الاية: 79.

[ 128 ]

بلفظ الخ (قوله: إنما ثبت الشفعة لشريك) أي ولو كان مكاتبا، أو غير عاقل، كمسجد له شقص لم يوقف باعه شريكه، فإنه يأخذ له الناظر بالشفعة أو ذميا، وقوله لا جار، أي لخبر البخاري المار، وما ورد فيه، محمول على الجار الشريك، جمعا بين الاحاديث. وقوله في بيع أرض، متعلق بثبت (قوله: مع تابعها) أي إن كان، فلا يقال مفهومه أن الارض الخالية عن التابع لا شفعة فيها، والمراد بالتابع، ما يتبعها في مطلق البيع من بناء، وما يتبعه من باب، ورف سمر، ومفتاح غلق مثبت، وكل منفصل توقف عليه نفع متصل (قوله: كبناء) تمثيل للتابع. وقوله وشجرا، أي رطب على الاوجه. اه‍. فتح الجواد (قوله: وثمر غير مؤبر) أي عند البيع، فيؤخذ بالشفعة، ولو لم يتفق الآخذ حتى أبر، وعبارة م ر، غير مؤبر، أي عند البيع، وإن كان مؤبرا عند الاخذ، وكذا كل ما دخل في البيع ثم انقطعت تبعيته، فإنه يأخذه بالشفعة. اه‍. وما المؤبر عنده، فلا تثبت فيه الشفعة، لانتفاء التبعية (قوله: فلا شفعة في شجر أفرد الخ) عبارة فتح الجواد مع الاصل، فلا تثبت في منقول غير تابع لما ذكر، وإن بيع مع الارض، كزرع يؤخذ دفعة واحدة، ولا في تابع كبناء، أو غراس بيع دون أرض، وكبناء على سقف، ولو مشتركا، لان المنقول، لا يدوم، فلا يدوم ضرر الشركة فيه، والتابع إذا أفرد عن متبوعه، يشبه المنقول ومن ثم، لو باعها مع الاس أو المغرس فقط، لم تثبت أيضا لان المبيع من الارض هنا، تابع، والمتبوع، وهو البناء والشجر، منقول، ولا في شجر جاف شرط دخوله في بيع أرض لانتفاء التبعية. اه‍. (قوله: ولا في بئر) عبارة الروض: ولو باع نصيبه من أرض تنقسم، وفيها بئر لا تنقسم، ويسقي منها، ثبتت، أي الشفعة في الارض دونها، أي البئر. اه‍. (قوله: مع بذل الثمن للمشتري) أي أو رضاه بكون الثمن يكون في ذمة الشفيع، أو قضاء القاضي له بها إذا حضر مجلسه وأثبت حقه فيها وطلبه. تتمة: الشفعة على الفور، لانها حق ثبت لدفع الضرر، فكانت كالرد بالعيب، بجامع أن كلا شرع لدفع الضرر، وحينئذ فليبادر الشفيع إذا علم بيع الشقص بأخذه، وتكون المبادرة على العادة، فلا يكلف الاسراع على خلاف العادة، بعدو، أو غيره، ولو كان في الصلاة أو في الحمام، أو في قضاء الحاجة، لم يكلف القطع، بل له التأخير إلى فراغ ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 129 ]

باب في الاجارة أي في بيان أحكامها، وشروطها، وهي بكسر الهمزة أشهر من ضمها وفتحها، من آجره، بالمد، يؤجره، إيجارا، ويقال أجره، بالقصر، يأجره، بضم الجيم، وكسرها أجرا، والاصل فيها قبل الاجماع آيات: كقوله تعالى: * (فإن أرضعن لكم، فآتوهن أجورهن) * ووجه الدلالة منه أن آتوهن أجورهن: أمر، والامر للوجوب، والارضاع بلا عقد، تبرع لا يوجب أجرة، وإنما يوجبها، العقد، فتعين الحمل عليه، أي آتوهن أجورهن إذا أرضعن لكم بعقد، وكقوله تعالى: * (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) * وأخبار: كخبر مسلم أنه (ص): نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة وكخبر البخاري أنه (ص) والصديق استأجرا رجلا من بني الديل يقال له عبد الله بن الاريقط، أي ليدلهما على طريق المدينة لما هاجرا من مكة، لكونهما سلكا طريقا غير الجادة، اختفاء من المشركين، وإسناد الاستئجار للنبي (ص) مجاز عقلي، لان المستأجر، أبو بكر، وأقره عليه النبي (ص)، والمعنى فيها، أن الحاجة داعية إليها، إذ ليس لكل أحد، مركوب، ومسكن، وخادم، وغير ذلك. فجوزت لذلك، كما جوز بيع الاعيان وأركانها ثلاثة إجمالا، ستة تفصيلا عاقد مكر ومكتر، ومعقود عليه أجرة ومنفعة وصيغة إيجاب وقبول، ويشترط في العاقدين ما مر في البائع والمشتري، من الرشد، وعدم الاكراه بغير حق، نعم، يصح استئجار كافر لمسلم، ولو إجارة عين، مع الكراهة، لكن لا يمكن من استخدامه مطلقا، لانه لا يجوز خدمه المسلم للكافر أبدا ويصح إيجار سفيه لما لا يقصد من عمله كالحج لجواز تبرعه، ويشترط في الاجرة والمنفعة ما سيذكره، من كون الاجرة معلومة، ومن كون المنفعة متقومة معلومة، ويشترط في الصيغة جميع ما مر في صيغة البيع، إلا عدم التأقيت، وقد استوفاها الشارح في التعريف، فقوله تمليك منفعة، أي بعقد يستفاد منه الصيغة، ومعلوم أنها تستلزم العاقد، وقوله منفعة مع قوله بعوض، هو المعقود عليه (قوله: هي لغة اسم للاجرة) أي سواء أخذت بعقد أم لا، وقيل لغة، اسم للاثابة، يقال آجرته، بالمد، والقصر، إذا أثبته. ولا مانع من أن يكون لها معنيان في اللغة. اه‍. ش ق (قوله: وشرعا: تمليك منفعة) أي بعقد، وخرج به، عقد النكاح، لانه لا تملك به المنفعة، وإنما يملك به الانتفاع، فيستحق الزوج أن ينتفع بالبضع، ولا يستحق منفعة البضع، بدليل أنها لو وطئت بشبهة، كان المهر لها، لا له، فالعقد على منفعة البضع لا يسمى إجارة، بل يسمى نكاحا. وقوله بعوض: متعلق بتمليك، وخرج به، هبة المنافع والوصية بها وإعارتها، فلا تسمى إجارة، لانها عقد على منفعة بلا عوض، وقوله بشروط آتية، خرج به المساقاة والجعالة، لان من الشروط الآتية، كون العوض معلوما، وهما لا يشترط فيهما علم العوض، وإن كان قد يكون معلوما، كمساقاة على ثمرة موجودة، وجعالة على معلوم، فاندفع ما ورد على التعريف المذكور بأنه غير مانع، لصدقه على الجعالة وعلى المساقاة، نعم، يرد عليه بيع حق الممر، فإنه تمليك منفعة بعوض معلوم، وهو بيع، لا إجارة، وأجيب عنه بأنه ليس بيعا محضا، بل فيه شوب إجارة، وإنما سمي بيعا، نظرا لصيغته فقط، فهو إجارة معنى، وعلم من قوله تمليك منفعة، أن مورد الاجارة، المنفعة، سواء وردت على العين، كآجرتك هذه الدابة بدينار، أو على الذمة، كألزمت ذمتك


(1) سورة الطلاق، الاية: 6. (2) سورة الطلاق، الاية: 6.

[ 130 ]

حملي إلى مكة بدينار، ولا يجب قبض الاجرة في المجلس في الواردة على العين، وتصح الحوالة بها، وعليها، والاستبدال عنها، وأما الواردة على الذمة، فيشترط فيها قبض الاجرة في المجلس، ولا تصح الحوالة بها، ولا عليها، ولا الاستبدال عنها، لانها سلم في المنافع، فتجري فيها أحكام السلم (قوله: تصح إجارة بإيجاب) شروع في بيان الصيغة، وهي إما صريحة، كآجرتك، أو أكريتك هذا، أو منافعه، أو ملكتكها سنة بكذا، فيقبل المكتري، أو كناية، كجعلت لك منفعته سنة بكذا، أو اسكن داري شهرا بكذا، ومنها، الكتابة، والاصح منع انعقادها بقوله بعتك أو اشتريت منفعتها، لان لفظ البيع والشراء موضوع لتمليك العين، فلا يستعمل في المنفعة. وجرى م ر على أنه ليس صريحا ولا كناية، وجرى حجر على أنه كناية، وما ذكره من الصيغ، لاجارة العين وإجارة الذمة، خلافا لمن خصها بإجارة العين، وتختص إجارة الذمة بنحو ألزمت ذمتك، أو سلمت إليك هذه الدراهم في خياطة هذا، أو في دابة صفتها كذا، أو في حملي إلى مكة (قوله: سنة) ظرف لمقدر، أي وانتفع به سنة، فهو على حد قوله تعالى: * (فأماته الله مائة عام) * (1) أي وألبثه مائة عام، وليس ظرفا لآجر وما بعده، لانه إنشاء، وهو ينقضي بانقضاء لفظه، فلا يبقى سنة مثلا، قال في التحفة: فإن قلت: يصح جعله ظرفا لمنافعه المذكورة، فلا يحتاج لتقدير، وليس كالآية كما هو واضح. قلت: المنافع أمر مرهوم الآن، والظرفية تقتضي خلاف ذلك، فكان تقدير ما ذكر، أولى، أو متعينا اه‍. ومثله في النهاية. ونازع في ذلك سم، فليراجع وقوله بكذا: أي بعشرة مثلا، وأفهم كلامه أنه لا بد من التأقيت، وذكر الاجرة، لانتفاء الجهالة حينئذ، ولا يشترط أن يقول من الآن (قوله: إن خلاف المعاطاة يجري في الاجارة الخ) أي فالمعتمد أنها لا تصح فيها، ومقابله تصح، فلو أعطى مالك الدار الاجرة، وسلم له المالك المفاتيح، وسكن فيها من غير صيغة، كانت إجارة صحيحة على هذا، وفاسدة على الاول (قوله: وإنما تصح الاجارة بأجر) قدر متعلق الجار والمجرور، لئلا يلزم تعلق حرفي جر بمعنى واحد بعامل واحد، وقوله بأجر، أي بعوض، وقوله صح كونه ثمنا، أي بأن يكون طاهرا منتفعا به، مقدورا على تسلمه، فلا يصح جعل نجس العين والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره، وغير المنتفع به، وغير المقدور على تسلمه، كالمغصوب، أجرا، أي عوضا، لان لا يصح جعله ثمنا (قوله: معلوم للعاقدين) صفة ثانية لاجر من الوصف بالمفرد بعد الوصف بالجملة. وقوله قدرا، أي كعشرة، وقوله وجنسا، أي كذهب أو فضة. وقوله وصفة أي كصحيح أو مكسر، ولا يقال يشكل على اشتراط العلم، صحة الاستئجار للحج بالنفقة، وهي مجهولة، كما جزم به في الروضة، لانا نقول ليس ذاك بإجارة، بل نوع جعالة، وهي يغتفر فيها الجهل بالجعل، وقيل إنه مستثنى توسعة في تحصيل العبادة، وقوله إن كان أي ذلك الاجر في الذمة، أي التزم في الذمة، وهو قيد في اشتراط العلم في الاجر (قوله: وإلا كفت معاينته) أي وإن لم يكن في الذمة بأن كان معينا أغنت معاينته، أي رؤيته، عن علم جنسه، وقدره، وصفته (قوله: في إجارة العين أو الذمة) الظاهر أنه متعلق بكل من معلوم ومن كفت معاينته، والمعنى، يشترط في الاجر أي العوض، أن يكون معلوما، إذا كان في الذمة، سواء كانت الاجارة في العين، أو في الذمة، فإن لم يكن الاجر في الذمة، كفت معاينته، سواء كانت الاجارة في العين، أو في الذمة أيضا (قوله: فلا يصح إجارة دار ودابة الخ) أي للجهل في ذلك، قال في شرح المنهج: فإن ذكر معلوما، وأذن له خارج العقد في صرفه في العمارة أو العلف، صحت. اه‍. وقوله خارج العقد، فإن كان في صلبه، فلا يصح، كآجرتكها بدينار على أن تصرفه في عمارتها أو علفها للجهل بالصرف، فتصير الاجرة مجهولة، فإن صرف وقصد


(1) سورة البقرة، الاية: 259.

[ 131 ]

الرجوع رجع، وإلا فلا. اه‍. بجيرمي، وقوله بعمارة لها: أي للدار، وهو راجع للاول، وقوله علف، بسكون اللام، وفتحها، وهو بالفتح، ما يعلف به، وهو راجع للثاني، فهو على اللف والنشر المرتب (قوله: ولا استئجار لسلخ) أي ولا يصح استئجار لسلخ شاة بأخذ الجلد، ولا استئجار لطحن نحو بر بأخذ بعض الدقيق، وذلك للجهل بثخانة الجلد، وبقدر الدقيق، ولعدم القدرة على الاجرة حالا، وخرج بقوله ببعض الدقيق، ما لو استأجره ببعض البر ليطحن باقيه، فلا يمتنع، كما قاله ع ش (قوله: منفعته) متعلق بتصح: أي إنما تصح الاجارة في منفعة، وذكر لها أربعة شروط: كونها متقومة، وكونها معلومة، وكونها واقعة للمكتري، وكونها غير متضمنة استيفاء عين قصدا، وبقي عليه خامس: وهو كونها مقدورة التسلم حسا وشرعا، فلا يصح اكتراء شخص لما لا يتعب ولا مجهول، كأحد العبدين، ولا آبق ومغصوب وأعمى لحفظ، ولا اكتراء لعبادة تجب فيها نية لها، أو لمتعلقها، كالصلوات، وإمامتها، ولا اكتراء بستان لثمره، لان الاعيان لا تملك بعقد الاجارة قصدا، بخلافها تبعا، كما في الاكتراء للارضاع (قوله: أي لها قيمة) أي ليحسن بذل المال في مقابلتها، وإلا بأن كانت محرمة أو خسيسة، كان بذل المال في مقابلتها سفها، وأفاد بهذا التفسير، أنه ليس المراد بالمتقوم ما قابل المثلي، بل كل ما كان له قيمة، ولو كان مثليا (قوله: معلومة عينا) أي في إجارة العين. وقوله وقدرا، أي فيهما. وقوله وصفه، أي في إجارة الذمة. قال البجيرمي: والمراد بعلم عين المنفعة وقدرها وصفتها، علم محلها كذلك، بدليل تمثيله بعد، بأحد العبدين اه‍. ثم التقدير للمنفعة، إما بالزمان، كسكنى الدار، وتعليم القرآن مثلا سنة، أو بمحل عمل، كركوب الدابة إلى مكة، وكخياطة هذا الثوب، فلو جمعها، كأن استأجره ليخيط الثوب بياض النهار، لم يصح، لان المدة قد لا تفي بالعمل (قوله: واقعة للمكتري) أي واقعة تلك المنفعة للمكتري أو المستأجر (قوله: غير متضمن) الاولى أن يقول غير متضمنة، بتاء التأنيث، وتكون غير صفة لمنفعة، أو حالا من ضميرها. وعبارة المنهج: لا تتضمن، بالتاء الفوقية، وهي ظاهرة، وقوله بأن لا يتضمنه العقد، مثله في شرح المنهج، وهو تصوير لعدم تضمن المنفعة، أي استيفائها لاستيفاء العين قصدا (قوله: وخرج بمتقومة الخ) شروع في بيان المحترزات (قوله: فلا تصح اكتراء بياع) أي دلال، وقوله بمحض كلمة انظر ما فائدة زيادة لفظ محض ؟ وفي المنهاج إسقاطه، وهو أولى، قال في فتح الجواد، والفعل الذي لا تعب فيه، كالكلمة التي لا تعب فيها، نعم، في الاحياء يجوز أخذ الاجرة على ضربة من ماهر يصلح بها اعوجاج سيف، أي وإن لم يكن فيها مشقة، لان من شأن هذه الصنائع، أن يتعب في تحصيلها بالاموال وغيرها، بخلاف الاقوال. اه‍. (قوله: على الاوجه) راجع للكلمات اليسيرة. وقوله ولو إيجابا، أي ولو كانت تلك الكلمة أو الكلمات إيجابا وقبولا، فلا يصح الاستئجار عليها (قوله: وإن روجت) أي تلك الكلمات أو الكلمات الصادرة من البياع. وفي القاموس، راج، رواجا، نفق وروجته ترويجا نفقته. اه‍. (قوله: إذ لا قيمة لها) أي الكلمة أو الكلمات اليسيرة، وهو علة لعدم صحة اكتراء من ذكر (قوله: ومن ثم الخ) أي ومن أجل أن عدم صحة اكتراء بياع للتلفظ بمحض كلمة أو كلمات يسيرة لانتفاء كونه له قيمة اختص هذا، أي عدم الصحة فيما ذكر، بمبيع مستقر القيمة في البلد، وفي النهاية خلافه، ونصها، وشمل كلام المصنف ما كان مستقر القيمة، وما لم يستقر، خلافا لمحمد بن يحيى، إلا أن يحمل كلامه على ما فيه تعب اه‍. وقوله خلافا لمحمد بن يحيى: أي حيث قال محل عدم صحة الاجارة على كلمة لا تتعب، إذا كان المنادي عليه مستقر القيمة. اه‍. ع ش (قوله: بخلاف نحو عبد وثوب) أي بخلاف الاكتراء على التلفظ بكلمة أو كلمات يسيرة، لاجل بيع نحو عبد أو ثوب، فإنه يصح، لانه ليس مستقر القيمة، وهذا يقتضي الصحة مع عدم التعب في ذلك. وقال سم: بخلافه، وهو أنه إن كان فيه تعب، صح، وإلا فلا فرق. اه‍. بالمعنى وقوله مما يختلف

[ 132 ]

الخ، بيان لنحو. وقوله باختلاف متعاطيه، أي مشتريه (قوله: فيصح استئجاره عليه) أي على بيعه. والمراد على التلفظ بكلمة أو كلمات يسيرة لاجل بيعه، كما علمت، قال ع ش: وكأنهم اغتفروا جهالة العمل هنا للحاجة، فإنه لا يعلم مقدار الكلمات التي يأتي بها، ولا مقدار الزمان الذي يصرف فيه التردد للنداء، ولا الامكنة التي يتردد إليها. اه‍. (قوله: وحيث لم يصح) أي اكتراء بياع الخ: بأن كان على كلمة، أو كلمات لا تتعب، مع كون الثمن مستقر القيمة. وقوله فإن تعب، أي البياع، ولا يخفى أن الصورة مفروضة في الاكتراء على ما لا يتعب حتى لا يصح، فيكون التعب هذا عارضا غير الذي انتفي من أصل العقد وبه يندفع ما يقال إن في كلامه تنافيا، فتأمل (قوله: فله أجرة المثل) أي وإن كان ذلك غير معقود عليه، لان المعقود لما لم يتم إلا به عادة، نزل منزلته، فلم يكن متبرعا به، لانه عمل طامعا في عوض، وقوله وإلا فلا، أي وإن لم يتعب بما ذكر، فليس له أجرة المثل (قوله: إذ لا كلفة في ذلك) أي في مجرد تلقين الجواب، أي وما لا كلفة فيه لا يصح الاستئجار عليه (قوله: وسبقه) أي ابن زياد. وقوله العلامة عمر الفتى، بفتح التاء المخففة، وهو من العلماء المحققين، وله قبر مشهور، يزار في بيد. وقوله بالافتاء بالجواز أي جواز أخذ القاضي الاجرة (قوله: إن لم يكن) أي القاضي ولي المرأة (قوله: فقال) أي العلامة عمر، وقوله إذا لقن، أي القاضي، وقوله صيغة النكاح، أي لقن الولي الايجاب ولقن الزوج القبول (قوله: فله) أي للقاضي، وقوله أن يأخذ ما أنفقا، أي القاضي والمذكور من الولي والزوج، وقوله وإن كثر، أي ما اتفقا عليه (قوله: وإن لم يكن لها) أي للمرأة ولي غيره أي القاضي (قوله: لوجوبه) أي الايجاب عليه، أي القاضي. (وقوله: حينئذ) أي حين إذ لم يكن لها ولي غيره (قوله: وفيه نظر) أي في الافتاء بالجواز بالقيد المذكور نظر، وقوله لما تقرر آنفا، أي من أنه لا كلفة في ذلك حتى يصح أخذ الاجرة عليه (قوله: ولا استئجار دراهم الخ) معطوف على إكتراء بياع: أي ولا يصح استئجار دراهم ودنانير. (وقوله: غير المعراة) أي المجعول فيها عرا، وسيذكر محترزه. (وقوله: للتزيين) أي لاجل التزيين بها، أي أو الوزن بها أو الضرب على سكتها، ولو قال لنحو التزيين، كما في العلة بعد، لكان أولى (قوله: لان منفعة نحو التزيين بها) إضافة منفعة إلى ما بعده للبيان، أي منفعة هي نحو التزيين، والمراد من التزيين، التزين بها، (وقوله: لا تقابل بمال) أي فهي غير متقومة وعبارة المغني، لان منفعة التزيين بالنقد غير مقومة، فلا تقابل بمال. اه‍. (قوله: وأما المعراة) مثلها المثقوبة، بناء على أنه يحل التزيين بها، أما على أنه لا يحل، فيحرم استئجارها. قال سم: والمعتمد حل التزيين بالمعراة دون المثقوبة اه‍. (قوله: لانها) أي الدراهم أو الدنانير، (وقوله: حينئذ) أي حين إذ كانت معراة (قوله: بمعلومة) أي وخرج بمعلومة فهو معطوف على بمتقومه، وكذا يقال فيما بعده، (وقوله: استئجار المجهول) كان الاولى إسقاط المضاف، على وفاق ما قبله وما بعده (قوله: إحدي الدارين) أي أو الثوبين، (وقوله: باطل) خبر آجرتك (قوله: وبواقعة للمكتري) أي وخرج بواقعة للمكتري، أي المستأجر (قوله: فلا يصح الاستئجار لعبادة الخ) وذلك لان القصد امتحان المكلف بها بكسر نفسه بالامتثال وغيره لا يقوم مقامه فيه، ولا يستحق الاجير شيئا، وإن عمل طامعا، كما يدل عليه قولهم كل ما لا يصح

[ 133 ]

الاستئجار له، لا أجرة لفاعله، وإن عمل طامعا. اه‍. نهاية. قال ع ش: ومن ذلك ما يقع لكثير من أرباب البيوت، كالامراء، أنهم يجعلون لمن يصلي بهم قدرا معلوما في كل شهر من غير عقد إجارة، فلا يستحقون معلوما، لان هذه إجارة فاسدة، وما كن فاسدا، لكونه ليس محلا للصحة أصلا، لا شئ فيه للاجير، وإن عمل طامعا، فطريق من يصلي أن يطلب من صاحب البيت أو غيره أن ينذر له شيئا معينا، ما دام يصلي، فيستحقه عليه. اه‍. (قوله: تجب فيها نية) أي تجب في تلك العبادة نية، ولا فرق بين أن تكون النية للعبادة نفسها أو لمتعلقها كالامامة، فإن النية، وإن لم تجب فيها، فهي واجبة في متعلقها، وهو الصلاة (قوله: غير نسك) بجر غير، صفة لعبادة، وبنصبه حال من ضمير فيها، وأما النسك، فيجوز الاستئجار له سواء كان حجا أو عمرة، ويتبعهما صلاة ركعتي نحو الطواف، لوقوعهما عن المستأجر، ومثله، تفرقه زكاة، وكفارة، وذبح، وتفرقه أضحية، وهدى، وصوم عن ميت، فيجوز الاستئجار لها وإن توقفت على النية، لما فيها من شائبة المال (قوله: لان المنفعة الخ) تعليل لعدم صحة الاستئجار للعبادة المذكورة، (وقوله: في ذلك) أي في العبادة (قوله: والامامة) معطوف على كالصلاة، أي وكالامامة، وفي البجيرمي ما نصه: قال ح ل، ولا يبعد أن تكون الخطبة كالامامة. اه‍. وما يقع من أن الانسان يستنيب من يصلي عنه إماما بعوض، فذاك من قبيل الجعالة. اه‍. (قوله: كالاذان والاقامة) أي معا، أو الاذان وحده، وتدخل الاقامة تبعا، وعبارة فتح الجواد، وأذان وإقامة أوله فتدخل تبعا، لا لها وحدها قالوا: لعدم الكلفة. اه‍. وفي البجيرمي، ويدخل في الاذان الاقامة، ولا تجوز الاجارة لها، أي الاقامة وحدها، كذا قاله الرافعي، ولا يخلو عن وقفة. اه‍. قال ع ش: وينبغي أن يدخل في مسمى الاذان إذا استؤجر له ما جرت به العادة من الصلاة والسلام بعد ذلك في غير المغرب لانهما وإن لم يكونا من مسماه شرعا صارا منه بحسب العرف. اه‍. (قوله: فيصح الاستئجار عليه) الضمير يعود على ما: أي فيصح الاستئجار على ما لا يحتاج لنية. (وقوله: والاجرة) مقابلة لجميعه الضمير يعود على ما أيضا، لكن باعتبار بعض أفراده، وهو الاذان، إذ أفراد ما لا يحتاج لنية كثيرة، ولا يناسب منهما إلا الاذان، بدليل قوله مع رعاية الوقت (وقوله: مع نحو رعاية الوقت) دخل تحت لفظ نحو كل ما له تعلق بالاذان، كرفع الصوت، وكالصلاة والسلام بعده في غير المغرب، كما تقدم، وعبارة الروض وشرحه، والاجرة تؤخذ عليه بجميع صفاته، لا على رفع الصوت، ولا على رعاية الوقت، ولا على الحيعلتين، كما قيل بكل منها. اه‍. وهي مخالفة لكلام الشارح، إلا أن يكون مراده، لا على رفع الصوت وحده الخ. (قوله: وتجهيز الميت) معطوف على الاذان، أي وكتجهيز الميت (قوله: تعليم القرآن الخ) معطوف أيضا على الاذان، أي وكتعليم القرآن. وقوله كله أو بعضه، أي مع تعيين ذلك البعض، وإلا فلا يصح قال في الروض وشرحه: لو استأجره ليعلمه عشر آيات من سورة كذا، لم يصح، حتى يعينها، لتفاوتها في الحفظ والتعليم، صعوبة وسهولة، ولو عين سورة كاملة: أغنى عن ذكر الآيات، وحتى يكون المتعلم مسلما، أو كافرا يرجى إسلامه، إذ غيره: لا يجوز تعليمه القرآن، فلا تجوز الاجارة له، ثم قال: لو كان المتعلم ينسى ما يتعلمه، فهل عليه أي الاجير، إعادة تعليمه، أو لا. يرجع فيه إلى العرف الغالب، فإن لم يكن عرف غالب، فالاوجه اعتبار ما دون الآية، فإذا علمه بعضها فنسيها قبل أن يفرغ من باقيها، لزم الاجير إعادة تعليمها. اه‍. (قوله: وإن تعين) أي التعليم على المعلم، بأن لم يوجد غيره، وهو غاية المقدر، أي ويصح الاستئجار على تعليم القرآن، وإن تعين عليه، (وقوله: للخبر الصحيح) تعليل لذلك المقدر (قوله: أجرا) أي أجرة (قوله: يصح الاستئجار الخ) حاصل ما ذكره أربع صور، وإن كان قوله الآتي ومع ذكره في القلب صورة مستقلة، وهي القراءة عند القبر، والقراءة لا عنده، لكن مع الدعاء عقبها، والقراءة بحضرة المستأجر والقراءة مع ذكره في القلب، وخرج بذلك، القراءة لا مع أحد

[ 134 ]

هذه الاربعة، فلا يصح الاستئجار لها، ولو استؤجر لها، فقرأ جنبا، ولو ناسيا، لم يستحق شيئا، لان القصد بالاستئجار لها، حصول ثوابها، لانه أقرب إلى نزول الرحمة، وقبول الدعاء عقبها، والجنب، لا ثواب له على قراءته، بل على قصده في صورة النسيان، وقوله لقراءة القرآن عند القبر، أي مدة معلومة، أو قدرا معلوما، وإن لم يعقبها بالدعاء للميت، أو لم يجعل أجرها له، لعود منفعتها إليه بنزول الرحمة في محلها. اه‍. فتح الجواد (قوله: أو مع الدعاء) معطوف عند القبر، وكذا قوله أو بحضرة مستأجر، أي أو عند غير القبر مع الدعاء، وقوله بمثل ما حصل له، أي للقارئ وقوله من الاجر، بيان لما. وقوله له أو لغيره، تعميم في المدعو له، وهو متعلق بالدعاء، أي أو مع الدعاء بمثل ما حصل للقاري من الاجر، سواء كان ذلك الدعاء للميت أو لغير، كالمستأجر، وعبارة التحفة فيها إسقاط له الاولى، وإبدال اللام بالباء من لغيره، ونصها، أو مع الدعاء بمثل ما حصل من الاجر له أو بغيره. اه‍. وكتب سم ما نصه: قوله أو بغيره عطف على بمثل، والغير كالمغفرة. ش. اه‍. فلعل في عبارة شارحنا تحريفا من النساخ، تأمل (قوله: عقبها) أي القراءة وهو متعلق بالدعاء (قوله: عين) أي المستأجر زمانا أو مكانا أو لا. أي أنه يصح الاستئجار للقراءة مع الدعاء عقبها، سواء عين المستأجر للاجير زمانا، أو مكانا للقراءة أو لا (قوله: وفيه الثواب له) أي نية القارئ جعل ثواب القراءة له. أي للمدعو له وقوله من غير دعاء، أي عقبها. وقوله لغو: أي لان ثواب القراءة للقارئ، ولا يمكن نقله للمدعو له (قوله: خلافا لجمع) أي قالوا إنه ليس بلغو، فعليه تصح الاجارة ويستحق الاجرة (قوله: وإن اختار السبكي ما قالوه) عبارة شرح الروض. بعد كلام. قال السبكي تبعا لابن الرفعة، بعد حمله كلامهم على ما إذا نوى القارئ أن يكون ثواب قراءته للميت بغير دعاء، على أن الذي دل عليه الخبر بالاستنباط، أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت نفعه، إذ قد ثبت أن القارئ لما قصد بقراءته نفع الملدوغ نفعه، وأقر النبي (ص) ذلك بقوله: وما يدريك أنها رقية ؟ وإذا نفعت الحي بالقصد، كان نفع الميت بها أولى، لانه يقع عنه من العبادات بغير إذنه، ما لا يقع عن الحي. اه‍. (قوله: وكذا أهديت الخ) أي وكذلك ما ذكر لغو، لعدم الدعاء (قوله: ومع ذكره في القلب حالتها) أي القراءة، وهو معطوف على بحضرة المستأجر، وهو يفيد أنه لا بد من اجتماع المستأجر، وذكره في القلب، ولا يكفي مجرد كون القراءة بحضرة من ذكر، وقد يقال قياس ما تقدم في القراءة عند القبر: خلافه، فإن كان قوله ومع ذكره الخ وجها مستقلا ليس من تتمة ما قبله، فلا إشكال. اه‍. سم. بتصرف (قوله: وذلك لان موضعها) أي وإنما صح الاستئجار لقراءة القرآن مع أمر من هذه الامور، لان موضعها أي القراءة، موضع بركة، وهو علة لصحة الاستئجار عند القبر. وقوله والدعاء بعدها أقرب إجابة، علة لصحته مع الدعاء عقبها، وقوله وإحضار الخ. علة لصحته بحضرة المستأجر، فهو على اللف والنشر المرتب (قوله: وألحق بها) أي بالقراءة. وقوله والدعاء عقبه، معطوف على محض الدعاء، والواو بمعنى مع، أي الاستئجار بمحض الذكر مع الدعاء عقبه، أي الذكر (قوله: ولا يلزمه) أي الاجير (قوله: ما بعده) أي المتروك (قوله: وبأن) معطوف على بأنه، أي وأفتى بعضهم بأن من استؤجر الخ (قوله: أن ذلك) أي ما يقرؤه (قوله: بل الشرط عدم الصارف) أي أن لا

[ 135 ]

يصرف القراءة لغير ما استؤجر عنه (قوله: صرحوا في النذر) أي نذر القراءة. وقوله أن ينوي، أي عند الشروع، وقوله أنها، أي القراءة. وقوله عنه، أي عما نذره (قوله: قلت هنا) أي في الاستئجار للقراءة على القبر (قوله: قرينة صارفة) أي وهي كونه عند القبر (قوله: لوقوعها) متعلق بصارفه، والضمير يعود على القراءة، (وقوله: عما استؤجر له) متعلق بوقوعها، وعن: بمعنى اللام، أي أن هنا قرينة تصرف القراءة لما استؤجر له. اه‍. رشيدي. بتصرف (قوله: ولا كذلك ثم) أي وليس في النذر قرينة تصرف القراءة لما ذكر، وانظر: لو نذر القراءة عند القبر فمقتضاه أنه لا يحتاج لنية لوجود القرينة. ثم رأيت سم كتب على قول التحفة، قرينة صارفة، ما نصه: إن كانت كونه عند القبر، فقد يرد ما نذر القراءة عنده (قوله: ومن ثم لو استأجر هنا الخ) أي ومن أجل أن عدم وجوب النية لوجود القرينة لو استؤجر لمطلق القراءة على القول بصحته احتاج للنية، فيما يظهر، لفقد القرينة (قوله: وصححناه) أي قلنا بصحة استئجار مطلق القراءة، أي على خلاف ما مر من الحصر في الاربع، والمعتمد عدم الصحة، لان شرط الاجارة، عود منفعتها للمستأجر، وليس هنا منفعة تعود عليه فيما إذا استؤجر لقراءة مطلقة (قوله: أو لا لمطلقها) أي أو استؤجر لا لمطلق القراءة، (وقوله: كالقراءة بحضرته) أي المقروء له، وقوله لم يحتج لها، أي النية (قوله: فذكر القبر) أي في قول بعضهم، من استؤجر لقراءة على قبر، (وقوله: مثال) أي لا قيد، إذ المدار، على وجود القرينة الصارفة، سواء كانت هي كونه عند القبر، أو كونه بحضرة المقروء له، أو غير ذلك. تنبيه: قال في التحفة، ما اعتيد في الدعاء بعد القراءة من: اجعل ثواب ذلك، أو مثله مقدما إلى حضرته (ص)، أو زيادة في شرفه، جائز، كما قاله جماعة من المتأخرين، بل حسن مندوب إليه، خلافا لمن وهم فيه، لانه (ص) أذن لنا بأمره بنحو سؤال الوسيلة له في كل دعاء له بما فيه زيادة تعظيمه الخ. اه‍. وفي ع ش: فائدة جليلة: وقع السؤال عما يقع من الداعين عقب الختمات من قولهم، إجعل اللهم ثواب ما قرئ زيادة في شرفه (ص)، ثم يقول، واجعل مثل ثواب ذلك، وأضعاف أمثاله، إلى روح فلان، أو في صحيفته، أو نحو ذلك، هل يجوز ذلك، أم يمتنع، لما فيه من إشعار تعظيم المدعو إليه بذلك، حيث اعتني به فدعا له بأضعاف مثل ما دعا به للرسول (ص) ؟. أقول: الظاهر أن مثل ذلك لا يمتنع، لان الداعي لم يقصد بذلك تعظيما لغيره عليه الصلاة والسلام، بل كلامه محمول على إظهار احتياج غيره للرحمة منه سبحانه وتعالى، فاعتناؤه به، للاحتياج المذكور، وللاشارة إلى أنه (ص)، لقرب مكانته من الله عزوجل، الاجابة بالنسبة له محققة، فغيره، لبعد رتبته عما أعطيه عليه الصلاة والسلام، لا تتحقق الاجابة له، بل قد لا تكون مظنونة - فناسب تأكيد الدعاء له، وتكريره رجاء الاجابة. اه‍ (قوله: وبغير متضمن الخ) معطوف على بمتقومة، أي وخرج بغير متضمن لاستيفاء عين، ما تضمن استيفاءها: أي استئجار منفعة تضمن استيفاء عين، كاستئجار الشاة للبنها، وبركة لسمكها، وشمعة لوقودها، وبستان لثمرته، فكل ذلك لا يصح. وهذا مما تعم به البلوى، ويقع كثيرا (قوله: لان الاعيان لا تملك بعقد الاجارة قصدا) أي بخلافها تبعا، كما في اكتراء امرأة للارضاع، فإنه يصح. لان استيفاء اللبن تابع للمعقود عليه، وبيان ذلك: ان الارضاع هو الحضانة الصغرى، وهي وضعه في الحجر وإلقامه الثدي، وعصره له لتوقفه عليها، فهي المعقود عليه، واللبن تابع إذا بالاجارة موضوعة للمنافع، وإنما الاعيان تتبع

[ 136 ]

للضرورة. ويشترط لصحة ذلك تعيين مدة الرضاع، ومحله، من بيته، أو بيت المرضعة، وتعيين الرضيع بالرؤية، أو بالوصف، لاختلاف الاغراض باختلاف حاله، وكما يصح الاستئجار للارضاع الذي هو الحضانة الصغرى، يصح للحضانة الكبرى، ولهما معا والحضانة الكبرى: تربية صبي بما يصلحه، كتعهده بغسل جسده، وثيابه، ودهنه، وكحله، وربطه في المهد، وتحريكه لينام، ونحوها مما يحتاجه (قوله: ونقل التاج السبكي الخ) ضعيف (قوله: صحة إجارة الخ) مفعول اختيار المضاف لفاعله (قوله: وصرحوا) أي الفقهاء. (وقوله: بصحة استئجار قناة) عبارة الروض وشرحه، ويجوز للشخص استئجار القناة، وهي الجدول المحفور للزراعة، بمائها الجاري إليها من النهر، لا إستئجار القرار منها دون الماء، بأن استأجرها ليكون أحق بمائها الذي يحصل فيها بالمطر والثلج في المستقبل، لانه استئجار لمنفعة مستقبلة. اه‍ (قوله: ويجب على مكر) يعني يتعين لدفع الخيار الآتي، وليس المراد أنه يأثم بذلك لو تركه، كما سيبينه، (وقوله: تسليم مفتاح دار) أي تسليم مفتاح ضبة دار، أي مع الدار، وقوله لمكتر، أي مستأجر، وهو متعلق بتسليم، ويده على المفتاح يد أمانة، فإذا تلف بتقصيره، ضمنه، أو عدمه، فلا (قوله: ولو ضاع) أي المفتاح. (وقوله: وجب على المكري تجديده) أي ولو ضاع من المكتري بتقصيره، لكن عليه القيمة في هذه الحالة، فإن أبى، لم يجبر، ولم يأثم، لكن يتخير المكتري (قوله: والمراد بالمفتاح) أي الذي يجب على المكري (قوله: الغلق المثبت) أي كالضبة المسمرة (قوله: أما غيره) أي أما مفتاح غير الغلق المثبت، فلا يجب تسليمه (قوله: بل ولا قفله) بالجر، عطف على ضمير تسليمه، أي ولا يجب تسليم قفله، ويجوز فيه الرفع، على أنه بعد حذف المضاف أقيم مقامه، فارتفع ارتفاعه، وعبارة الفتح مع الاصل، وعلى مكر أيضا مفتاح لغلق مثبت تبعا له، بخلاف قفل منقول ومفتاحه، وإن اعتيد، وهو أمانة بيده، فلا يضمنه بتلفه بلا تفريط، وجدده إذا ضاع أو تلف، ولو بتقصير، لكن له، مع التقصير، قيمته. اه‍ (قوله: كسائر المنقولات) أي التي في الدار كالابواب المقلوعة السرر، من كل ما لا يدخل في الدار إذا بيعت، والكاف للتنظير في عدم وجوب تسليمه على المكري (قوله: وعمارتها) بالرفع: معطوف على تسليم، أي ويجب على المكري أيضا عمارة الدار (قوله: كبناء) أي للخراب الذي في الدار، وهو تمثيل للعمارة (قوله: وتطيين سطح) أي وضع الطين فيه (قوله: ووضع باب) أي انقلع، ومثله، وضع ميزاب، وإعادة رخام، سواء قلعه المكري، أو غيره، قال في التحفة: ولا نظر لكون الفائت به مجرد الزينة، لانها غرض مقصود (قوله: وإصلاح منكسر) أي من الاخشاب المغلقة، أو غير الاخشاب (قوله: وليس المراد بكون ما ذكر) أي من تسليم مفتاح الدار، ومن عمارتها (قوله: أنه) أي المكري. (وقوله: يأثم بتركه) أي كما هو تفسير الوجوب شرعا (قوله: أو أنه يجبر عليه) أي على ما ذكر، فالضمير يعود على ما وليس عائدا على الترك، كما هو ظاهر، أي وليس المراد بكون ما ذكر واجبا، أنه يجبر عليه. قال البجيرمي: ومحل عدم وجوب العمارة في حق من يؤجر مال نفسه، أما الوقف، فيجب على الناظر العمارة، حيث كان فيه ريع - وفي معناه: المتصرف بالاحتياط - كولي المحجور عليه، بحيث لو لم يعمر، فسخ المستأجر الاجارة، وتضرر المحجور عليه. اه‍ (قوله: بل إنه الخ) أي بل المراد بكون ما ذكر واجبا على المكري، أنه إن تركه ثبت الخيار للمكتري. (والحاصل) المراد بالوجوب: التعين بالنسبة لدفع الخيار، كما علمت (قوله: كما بينته) أي هذا المراد (قوله:

[ 137 ]

فإن بادر) أي المكري. (وقوله: وفعل ما عليه) أي وفعل الامر الذي وجب عليه، من تسليم المفتاح وعمارة الدار، أي قبل مضي مدة لمثلها أجرة (قوله: فذاك) أي واضح، وهو جواب إن (قوله: وإلا) أي وإن لم يبادر بفعل ما عليه، فللمكتري خيار، أي فإن شاء فسخ عقد الاجارة، وإن شاء أمضاه (قوله: إن نقصته المنفعة) أي بعدم العمارة وإصلاح الخلل، وذلك لتضرره بنقصها. قال في شرح المنهج: نعم، إن كان الخلل مقارنا للعقد، وعلم به، فلا خيار له. اه‍ (قوله: وعلى مكتر تنظيف عرصتها) معطوف على قوله على مكر الخ، من عطف المفردات، أي ويجب على مكتر ذلك، وليس المراد بالوجوب أنه يلزم المكتري نقله، بل المراد أنه لا يلزم المؤجر ذلك، (وقوله: من كناسة وثلج) متعلق بتنظيف، أي يجب تنظيفها من الكناسة ومن الثلج، أما الكناسة، وهي ما تسقط من القشور، والطعام، ونحوهما، فلحصولها بفعله، وأما الثلج، فللتسامح بنقله عرفا. وفي البجيرمي ما نصه: (والحاصل) أن إزالة الكناسة كالرماد، وتفريغ نحو الحش كالبالوعة، على المؤجر مطلقا، إلا ما حصل منها بفعل المستأجر، فعليه في الدوام، وكذا بعد الفراغ في نحو الكناسة، لجريان العادة بنقلها شيئا فشيئا، وليس المراد بكون شئ من ذلك على المستأجر بمعنى نقله إلى نحو الكيمان، بل المراد جمعه في محل من الدار معتاد له فيها، ويتبع في ربط الدوات، العادة. ق ل. قال م ر: وبعده انقضاء المدة يجبر المكتري على نقل الكناسة. اه‍ (قوله: والعرصة الخ) عبارة المصباح، عرصة الدار، ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عراص، مثل كلبة، وكلاب، وعرصات، مثل سجدة، وسجدات، وفي التهذيب، وسميت ساحة الدار عرصة لان الصبيان يعرصون فيها، أي يلعبون ويمرحون. اه‍ بحذف (قوله: وهو) أي المكتري أمين على العين المكتراة، أي سواء انتفع بها أم لا، إذ لا يمكن استيفاء المنفعة بدون وضع يده عليها، ومع ذلك لو ادعى على المؤجر، لم يصدق، إلا ببينة، لان القاعدة، أن كل أمين ادعى الرد على من ائتمنه، صدق بيمينه، إلا المرتهن، والمستأجر (قوله: وكذا بعدها) أي وكذلك يكون أمينا فيها بعد مدة الاجارة (وقوله: ما لم يستعملها) قيد في كونه أمينا فيها بعد مدة الاجارة وسيأتي محترزه (قوله: استصحابا لما كان) علة لقوله وكذا بعدها، أي وإنما يكون أمينا بعدها أيضا استصحابا لما كان، أي من أمانته قبل انقضائها (قوله: ولانه لا يلزمه الرد) أي بعد انقضائها، أي وإذا لم يلزمه الرد بعد ذلك، بقي على ما كان عليه من الامانة، وقوله ولا مؤنته، أي الرد (قوله: بل لو شرط أحدهما) أي الرد أو المؤنة في العقد. (وقوله: عليه) أي على المكتري، (وقوله: فسد العقد) أي عقد الاجارة، وهو جواب لو (قوله: وإنما الذي عليه الخ) أي وإنما الواجب عليه، أي المكتري، (وقوله: التخلية) أي يخلي بينها وبين مالكها، بأن لا يستعملها، ولا يحبسها لو طلبها (قوله: كالوديع) أي نظير الوديع، فإنه لا يلزمه الرد، وإنما يلزمه التخلية، وإذا كان المكتري كالوديع لزمه ما يلزمه، من دفع ضرر عن العين المؤجرة، من حريق، ونهب، وغيرهما، إذ قدر على ذلك، من غير خطر (قوله: ورجح السبكي أنه كالامانة الشرعية) الضمير يعود على ما ذكر من العين المكتراة، ويصح رجوعه للمستأجر، ويقدر مضاف بعد الكاف: أي أنه كذي الامانة، وعبارة النهاية، وما رجحه السبكي، من أنها كالامانة الشرعية فعليه إعلام مالكها بها أو ردها فورا، وإلا ضمنها، غير معول عليه، لظهور الفرق بأن هذا وضع يده عليه بإذن مالكه ابتداء، بخلاف ذي الامانة الشرعية. اه‍. ويعلم من الفرق المذكور، ضابط الامانة الشرعية، والجعلية، وأن الاولى، هي التي لم يأذن المالك في وضع اليد عليها ابتداء، وإنما أذن الشارع في ذلك حفظا

[ 138 ]

لها، والثانية: هي التي أذن المالك في ذلك ابتداء (قوله: فيلزمه) أي المكتري، وهذا مفرع على أنه كالامانة الشرعية، (وقوله: إعلام مالكها بها) أي بالعين، وانظر ما المراد بإعلامه بذلك ؟ ثم ظهر من كلامه بعد، أن المراد إعلامه بتفريغها من أمتعته (قوله: والمعتمد خلافه) أي خلاف ما رجحه السبكي، لما علمت من الفرق (قوله: أنه) أي المكتري، والمصدر المؤول بدل من الاصح (قوله: ليس عليه) أي بعد انقضاء المدة، وقوله إلا التخلية، أي بين العين ومالكها (قوله: فقضيته) أي قضية كونه ليس عليه إلا التخلية (قوله: لو طلبها) أي المالك (قوله: وحينئذ يلزم من ذلك الخ) أي وحين إذ كان ليس عليه إلا التخلية، يلزم منه أنه لا فرق في التخلية بين أن يغلق باب نحو الحانوت أو لا، ولا تتوقف التخلية على عدم غلقه لبابه، وهذا ما جرى عليه في التحفة (قوله: لكن قال البغوي إلخ) جرى عليه في النهاية، ونصها، وعلى الاول، الاصح لا يلزم المكتري إعلام المكري بتفريغ العين، كما هو مقتضى كلامهم، بل الشرط أن لا يستعملها، ولا يحبسها، وإن لم يطلبها، فلو أغلق الدار، أو الحانوت بعد تفريغة، لزمته الاجرة، فيما يظهر، فقد صرح البغوي بأنه لو استأجر الخ. اه‍ (قوله: قال شيخنا في شرح المنهاج) عبارته بعد عبارة البغوي التي ذكرها الشارح، قال وقد رأيت الشيخ القفال قال: لو أستأجر دابة يوما، فإذا بقيت عنده، ولم ينتفع بها، ولا حبسها عن مالكها، لا تلزمه أجرة المثل لليوم الثاني، لان الرد ليس واجبا عليه، وإنما عليه التخلية إذا طلب مالكها، بخلاف الحانوت، لانه في حبه وعلقته، وتسليم الحانوت والدار لا يكون إلا بتسليم المفتاح. اه‍. وما قاله في الدابة، واضح، وفي الحانوت والدار، من توقف التخلية فيهما على عدم غلقه لبابهما، فيه نظر. ولا نسلم له ما علل به، لان التسليم لهما هنا يحصل وإن لم يدفع المؤجر له مفتاحهما. نعم، ما ذكره البغوي، في مسألة الغيبة، متجه لان التقصير حينئذ من الغائب، لان غلقه مع غيبته مانع للمالك من فتحه، لاحتمال أن له، أي للغائب، فيه شيئا. اه‍. بحذف (قوله: ولو استعمل العين الخ) هذا محترز قوله ما لم يستعملها. قال سم: خرج باستعمالها، مجرد بقاء الامتعة فيها، فلا أجرة، كما قدمته، وكذا مجرد بقاء البناء والغراس فيها، وقد شرط الابقاء بعد المدة أو أطلق، فلا أجرة، كما قدمته عن الروض. اه‍. (وقوله: بعد المدة) أي بعد انقضاء مدة الاجارة، (وقوله: لزمه أجرة المثل) أي بالنسبة لما بعد المدة، وتكون من نقد البلد الغالب في تلك المدة، وعليه الضمان (قوله: كأجير: فإنه أمين) أي على ما استؤجر لحفظه، أو للعمل فيه - كالراعي، والخياط، والصباغ، شوبرى (قوله: ولو بعد المدة) أي مدة الاجارة إن قدرت بزمن، أي أو بعد تمام العمل إن قدرت بعمل، كخياطة وغيرها، (وقوله: أيضا) أي كالمكتري (قوله: فلا ضمان الخ) تفريع على كون المكتري والاجير أمينين، (وقوله: على واحد منهما) أي من المكتري والاجير (قوله: فلو اكترى الخ) تفريع على عدم تضمين واحد منهما، وهذا هو المكتري (قوله: ولم ينتفع بها) هذا ليس بقيد كما في البجيرمي، بل مثله. ما إذا انتفع بها، لكن الانتفاع المأذون له فيه (قوله: فتلفت) أي الدابة بآفة سماوية (قوله: أو اكتراه) أي شخص، فالفاعل يعود على معلوم من المقام (قوله: لخياطة ثوب) أي أو لحراسة (قوله: أو صبغه) بفتح أوله مصدرا، قال في المصباح: وصبغت الثوب صبغا، من بابي، نفع، وقتل، وفي لغة، من باب ضرب. اه‍ (قوله: فتلف) أي الثواب بآفة سماوية (قوله: فلا يضمن) جواب لو والفاعل يعود على كل من المكتري ومن الاجير المعبر عنه بقوله أو اكتراه، كما علمت، قال البجيرمي: ومع عدم ضمان الاجير هو

[ 139 ]

لا يستحق الاجرة، لانه لم يسلم العين كما تسلمها، فلو تعجلها، وجب عليه ردها لصاحبها، ومنه ما يقع من دفع كراء المحمول معجلا، ثم تغرق السفينة قبل وصولها مكان التسليم، فإنه يجب على المتعجل ردها، لتبين عدم استحقاقها. اه‍. بتصرف (قوله: سواء انفرد الاجير باليد) أي كأن عمل وحده (قوله: كأن قعد الخ) هو وما بعده مثالان لما إذا لم ينفرد بالعمل. وقوله أو أحضره منزله: أي وإن لم يقعد معه، أو حمل المتاع ومشي خلفه، لثبوت يد المالك عليه حكما. اه‍. تحفة (قوله: إلا بتقصير) مرتبط بالمتن، أي فلا ضمان على المكتري والاجير إلا إن حصل منهما تقصير حتى تلف ما تحت يدهما (قوله: كأن ترك الخ) تمثيل لما إذا حصل منهما تقصير في ذلك (قوله: كانهدام سقف الخ) تمثيل للسبب في التلف، (وقوله: في وقت لو انتفع الخ) المراد، كما في البجيرمي، ويؤخذ من عبارة سم أنه حصل الانهدام في وقت جرت العادة بالانتفاع بها فيه وتركه، وخرج به، ما لو حصل الانهدام في وقت لم تجر العادة بالانتفاع بها فيه وتركه، فإنه لا يضمن، لانه لا يعد مقصرا بترك الانتفاع فيه وهذا هو المراد وإن كانت الجملة الشرطية لا تفيده، فتنبه. قال سم، هذا التفصيل المذكور. في الدابة ينبغي جريانه في غيرها، كثوب استأجره للبسه، فإذا ترك لبسه وتلف، أو غصب في وقت لو لبسه سلم من ذلك، ضمنه، فليتأمل. اه‍. وقال في فتح الجواد، والضمان بذلك، أي بالانهدام، ضمان جناية، لا يد على الاوجه فلو لم يتلف، لم يضمن. قال الزركشي، ويضمن لو سافر به في وقت لم يعتد السير فيه فتلف أو غصب اه‍. وقوله سلمت، أي من التلف بذلك السبب. قال البجيرمي: ووجه كونه تعديا أنه لما نشأ الانهدام عليها، من ترك الانتفاع بها فيه، كان كأنه بفعله، اه‍. ولو ترك الانتفاع وتلفت بسبب غيره، كما لو لدغتها حية أو نحوها، لم يضمن، عند الرملي (قوله: وكأن ضربها) عطف على كأن ترك، والمراد: ضربها فوق العادة ومثله ما لو نخعها باللجام كذلك، بخلاف ما لو كان مثل العادة فيهما فلا يضمن، وقوله أو أركبها أثقل منه، أي أو حملها مائة رطل شعير بدل مائة رطل بر، أو عكسه، وذلك لاجتماع مائة البر بسبب ثقلها في محل واحد، والشعير لخفته يأخذ من ظهر الدابة أكثر، فتتضرر بذلك، وضررهما مختلف (قوله: ولا يضمن أجير الخ) أي لعدم تقصيره، لانه لم يسلم إليه المتاع، وإنما هو بمنزلة حارس سكة سرق بعض بيوتها، قال ش ق: ويعلم منه أن خفراء الاسواق بمصر أو الدواب بالارياف، لا ضمان عليهم، لعدم تقصيرهم، ولا يلزمهم إلا إيقاظ الملاك بالنداء، لا دفع اللصوص، فإن قصروا بنوم أو نحوه، ضمنوا، وإن لم يسلم لهم البهائم، لان ذلك ليس بشرط، ولو في أول ليلة، خلافا لبعضهم، بل الشرط، أن يعرفوا ما يحرسونه. اه‍. (وقوله: إذا أخذ غيره) أي غير الاجير. (وقوله: ما فيها) أي الدكان، وعبارة المغني: الاجير لحفظ الدكان مثلا لا ضمان عليه إذا أخذ ما فيه، لانه لا يدله على المال. اه‍. وقوله ما فيه أي الدكان. ويعلم من عبارتنا، مع عبارة المغني، أن الدكان يذكر ويؤنث، فانظره. ثم رأيت البجيرمي كتب على قول المنهج، في آخر مبحث زكاة الماشية، ما نصه، قوله ودكان، بضم الدال المهملة، وهو الحانوت، وفي المصباح، أنه يذكر ويؤنث، وأنه اختلف في نونه: فقيل أصلية، وقيل زائدة، فعلى الاول، وزنه فعلال، وعلى الثاني، فعلان. اه‍. فتفطن (قوله: لا ضمان أيضا) أي كما لا ضمان على الاجير لحفظ دكان. وقوله على الخفير، أي الحارس مطلقا في الاسواق، أو الارياف، كما علم مما مر (قوله: وكأن استأجره ليرعى دابته) عطف على قوله كأن ترك المكتري. قال سم: ظاهره ولو ذمة، ففي الضمان نظر. اه‍. وقوله فيضمنها كل منهما أي من الاجير الاول، والاجير الثاني، وقوله والقرار على من تلفت بيده، أي حيث كان عالما، وإلا فالقرار على الاول. شرح م ر (قوله: وكأن أسرف خباز في الوقود) أي حتى احترق الخبز، وهو معطوف

[ 140 ]

أيضا على كأن ترك الخ. والوقود، بفتح الواو، ما يوقد به قال تعالى: * (وقودها الناس والحجارة) * (1) وبالضم: الفعل (قوله: أو مات الخ) معطوف على أسرف، أو على ترك، أي وكأن مات المتعلم من ضرب المعلم. قال ع ش: وإن كان مثله معتادا للتعليم، لكن يشكل وصفه حينئذ بالتعدي وقد يجاب عنه بما يأتي، من أن التأديب كان ممكنا بالقول، وظن عدم إفادته إنما يفيد الاقدام، وإذا مات تبين أنه متعد به. اه‍. وعبارة الروض وشرحه، ولو ضرب الاجير الصبي للتأديب والتعليم فمات، فمتعد لان ذلك ممكن بغير الضرب. اه‍ (قوله: ويصدق الاجير) يعني لو اختلفا في التقصير وعدمه، صدق، الاجير بيمينه في عدمه، لانه الاصل (قوله: ما لم يشهد خبيران بخلافه) أي بخلاف ما ادعاه الاجير. قال ع ش، ومفهومه أنه لا يكفي رجل وامرأتان، ولا رجل ويمين، وهو ظاهر، لان الفعل الذي وقع التنازع فيه، ليس مالا، وإن ترتب عليه الضمان. اه‍ (قوله: ولو اكتري) أي شخص. وقوله اليوم، أي يوم الاستئجار، وقوله غدا، أي بعد يوم الاستئجار (قوله: فأقام) أي المكتري للدابة. وقوله بها: أي بالدابة (قوله: ورجع) أي إلى محله. وقوله في الثالث، أي اليوم الثالث (قوله: ضمنها فيه) أي في الثالث، قال ع ش، أي ضمان يد، أخذا من قوله الاستعمال الخ، وعليه أجرة مثل اليوم الثالث، وأما الثاني، فيستقر فيه المسمى، لتمكنه من الانتفاع فيه مع كون الدابة في يده، والكلام فيما إذا تأخر، لا لنحو خوف، وإلا فلا ضمان عليه، ولا أجرة لليوم الثالث، لان الثاني لا يحسب عليه. اه‍. وقوله فقط، أي غير الاول والثاني (قوله: لانه استعملها الخ) قال سم: انظر لو لم يستعملها ؟ اه‍ (قوله: ولم يبين موضعه) أي العمل، كمحل العقد، أو غير، وقوله فذهب، أي المكتري، وقوله به، أي بالعبد، وقوله إلى آخر، أي إلى بلد آخر، أي غير بلد العقد (قوله: فأبق) أي العبد، أي هرب (قوله: ضمنه) قال ع ش: هذا قد يشكل على ما مر من جواز السفر بالعين، حيث لا خطر، فإن مقتضاه عدم الضمان بتلفها في السفر، إلا ان يصور ما هنا بما لو استأجر القن لعمل لا يكون السفر طريقا لاستيفائه، كالخياطة، دون الخدمة، وما مر، بما إذ استؤجرت العين لعمل يكون السفر من طرق استيفائه كالركوب والحمل، فليراجع. اه‍. (وقوله: مع الاجرة) أي أجرة العبد، وظاهره، ولو لم يستوف به العمل (قوله: يجوز لنحو القصار) هو المبيض للثياب. قال في القاموس: وقصرت الثوب قصرا بيضته. والقصارة، بالكسر، الصناعة. والفاعل قصار. اه‍. ويندرج تحت لفظ نحو: الخياط، والراعي. وعبارة التحفة: ومر أوائل المبيع قبل قبضه أن للمستأجر حبس ما استؤجر عليه للعمل فيه ثم لاستيفاء أجرته، ومحله، ما إذا لم يتعدد، وإلا كاستأجرتك لكتابة كذا كل كراس بكذا، فليس له حبس كراس على أجرة آخر، لان الكراريس حينئذ بمنزلة أعيان مختلفة. اه‍. وقوله حبس الثوب، أي عنده وقوله كرهنه أي الثوب، وظاهره أن الكاف للتنظير، وأنه يجوز لنحو القصار أن يرهن الثوب عند غيره بأجرته من غير إذن مالكه، وليس كذلك، فالصواب، التعبير باللام، بدل الكاف، والمعنى: يجوز لنحو القصار حبس الثوب عنده قبل استيفائه الاجرة، لانه مرهون بأجرته. ثم رأيت في التحفة، التعبير باللام، في كتاب المساقاة، ونصها: (فرع) أذن لغيره في زرع أرضه فحرثها وهيأها للزراعة، فزادت قيمتها بذلك، فأراد رهنها، أو بيعها مثلا من غير إذن العامل: لم يصح لتعذر الانتفاع بها بدون ذلك العمل المحترم فيها، ولانها صارت مرهونة في ذلك العمل الزائد به قيمتها، وقد صرحوا بأن لنحو القصار حبس الثوب لرهنه بأجرته حتى يستوفيها. اه‍ (قوله: حتى يستوفيها) أي نحو القصار الاجرة من المكتري (قوله: ولا أجرة لعمل الخ) في البجيرمي: ومن هذه القاعدة ما لو جلس إنسان عند طباخ،


(1) سورة البقرة، الاية: 24.

[ 141 ]

وقال أطعمني رطلا من اللحم، ولم يسم ثمنا، فأطعمه، لم يستحق عليه قيمته، لانه بالتقديم له، مسلط له عليه، وليس هذا من البيوع الفاسدة حتى يضمن بالاتلاف، لانه لم يذكر فيه الثمن. والبيع إن صح أو فسد: يعتبر فيه ذكر الثمن. اه‍. من القول التام في آداب دخول الحمام، لابن العماد (قوله: كحلق رأس الخ) تمثيل للعمل (قوله: وقصارته) أي الثوب، وهو بكسر القاف: تبييضه (قوله: وصبغه) بفتح الصاد. (وقوله: بصبغ) بكسر الصاد، ما يصبغ به. قال في القاموس. الصبغ، بكسر الصاد - والصبغة، والصباغ أيضا: كله بمعنى، وهو ما يصبغ به، ومنهم من يقول، الصباغ جمع صبغ، مثل بئر وبئار. اه‍. (وقوله: بصبغ مالكه) أي مالك الثوب، ومفاده أنه إذا كان صبغه بصبغ نفسه، استحق الاجرة، فانظره، فإنه أطلق في التحفة والنهاية مع الاصل والروض وشرحه، ولم يقيدوا بصبغ مالكه، ولا بصبغ نفسه (قوله: بلا شرط الاجرة) وهو يحصل بذكرها، أو بذكر ما يقتضيها. ولو قال بلا ذكر ما يقتضي الاجرة، لكان أولى، ليوافق التفريع بعد (قوله: فلو دفع الخ) تفريع على المنطوف (قوله: ففعل) أي من ذكر من الخياط والقصار والصباغ المأذون له فيه، وأفرد الضمير، مع أن المرجع جمع، لان العطف بأو، وهي للاحد الدائر، أو باعتبار تأويله بالمذكور (قوله: لا ما يفهمها) أي لم يذكر أحدهما ما يفهمها، أي الاجرة، كأن قال اعمل وأنا أرضيك، أو لا أخيبك، أو ما ترى مني إلا ما يسرك، أو اعمل وأنا أثيبك، ونحو ذلك، وفي هذه، يستحق أجرة المثل، كما سيذكره بقوله، أما إذا عرض بها الخ (قوله: فلا أجرة له) جواب لو، وضمير له، يعود أيضا على من ذكر. وفي شرح الروض: قال الاذرعي، والاشبه أن عدم استحقاقه الاجرة، محله إذا كان حرا، مكلفا، مطلق التصرف، فلو كان عبدا، أو محجورا عليه بسفه، أو نحوه، استحقها إذ ليسوا من أهل التبرع بمنافعهم المقابلة بالاعواض. اه‍ (قوله: لانه متبرع) أي فهو لم يعمل طامعا (قوله: ولانه لو قال الخ) عطف على قوله، لانه متبرع (قوله: لا يستحق عليه) أي على سكناه الدار. قال ع ش، ومثله ما جرت به العادة، من أنه يتفق أن إنسانا يتزوج امرأة ويسكن بها في بيت أهلها مدة، ولم تجر بينهما تسمية أجرة ولا ما يقوم مقام التسمية، لكن قول الشارح أسكني دارك شهرا الخ، يفهم وجوب الاجرة في هذه المسألة، وهو ظاهر. اه‍ (قوله: وإن عرف بذلك العمل بها) غاية لقوله ولا أجرة بلا شرط، واسم الاشارة عائد على عدم الشرط المفهوم من قوله بلا شرط، والباء الداخلة عليه بمعنى مع، والعمل نائب فاعل عرف، والضمير في بها، عائد على الاجرة، أي لا أجرة بلا شرط، وإن عرف أن هذا العمل يكون بالاجرة مع عدم الشرط. قال البجيرمي: وفي سم، قوله وإن عرف بذلك العمل، لكن أفتى الروياني باللزوم في المعروف بذلك، وقال ابن عبد السلام: هو الاصح، وأفتى به خلق من المتأخرين، وعليه عمل الناس الآن، ويعلم منها أن الغاية للرد. اه‍ (قوله: لعدم التزامها) علة لما تضمنته الغاية، أي لا أجرة له إذا كان معروفا عمله بها، لعدم التزام الاجرة في مقابلة عمله، وهي عين الاولى، أعني قوله لانه متبرع، فلو اقتصر على إحداهما لكان أخصر (قوله: ولا يستثنى وجوبها) أي الاجرة من القاعدة المذكورة، أعني ولا أجرة لعامل بلا شرط - إذ هو ليس من أفرادها، إذ العامل فيها صرف منفعته بنفسه، وداخل الحمام أو راكب السفينة استوفاها من غير أن يصرفها صاحبها إليه (قوله: أو راكب سفينة) في فتح الجواد، وكداخل الحمام، راكب السفينة، لكن بحثه ابن الرفعة أنه متى علم به مالكها حين سيرها، لم يستحق شيئا، كما لو وضع متاعه على دابة غيره فسيرها مالكها، فإنه لا أجرة له (قوله: بخلافه بإذنه) أي بخلاف ما إذا كان دخول الحمام أو ركوب السفينة بإذن صاحبها، فإنه صاحبها، فإنه لا أجرة عليه كالاجير.

[ 142 ]

(تنبيه) قال في المغني: ما يأخذه الحمامي، أجرة الحمام والآلة، من سطل، وإزار، ونحوهما، وحفظ المتاع، لا ثمن الماء، كما مرت الاشارة إليه، لانه غير مضبوط، فلا يقابل بعوض. فالحمامي مؤجر، أي للآلة، وأجير مشترك في الامتعة، فلا يضمنها كسائر الاجراء، والآلة غير مضمونة على الداخل، لانه مستأجر لها، ولو كان مع الداخل الآلة، ومن يحفظ المتاع، كان ما يأخذه الحمامي أجرة الحمام فقط. اه‍ (قوله: أما إذا ذكر أجرة) محترز قوله ولم يذكر أحدهما أجرة (قوله: فيستحقها) أي يستحق العامل الاجرة. وقوله قطعا، أي بلا خوف، وقوله إن صح العقد، أي بأن استكمل الشروط المارة (قوله: وإلا فأجرة المثل) أي وإن لم يصح العقد فيستحق أجرة المثل، لا المسمى (قوله: وأما إذا عرض بها) محترز قوله ولا ما يفهمها. وقوله فيجب أجرة المثل: أي لانه لم يعمل متبرعا (قوله: وتقررت: أي الاجرة الخ) أي استقرت كلها بمضي مدة الاجارة، وقولهم تملك الاجرة بالعقد معينة كانت أو في الذمة، معناه أنها تملك ملكا مراعى بمعنى أنه كلما مضى زمان على السلامة، بان أن المؤجر استقر ملكه منها على ما يقابل ذلك إن قبض المكتري العين أو عرضت عليه فامتنع فلا تستقر كلها إلا بمضي المدة (قوله: في الاجارة المقدرة الخ) لو قال للاجارة في المقدرة بوقت، لكان أولى لان المدة للاجارة، ولانه أنسب بقوله بعد في المقدرة بعمل، فإنه حذف منه لفظ الاجارة (قوله: وإن لم يستوف الخ) غاية لتقرر الاجرة: أي تتقرر الاجرة بذلك على المستأجر، سواء استوفى المنفعة أم لا، كأن لم يسكن الدار، ولم يركب الدابة (قوله: لان المنافع تلفت تحت يده) أي المستأجر، فهو المقصر بترك الانتفاع (قوله: وإن ترك لنحو مرض) غاية ثانية لما ذكر: أي تستقر الاجرة على المكتري وإن ترك الانتفاع بها لما ذكر (قوله: إذ ليس الخ) علة لما تضمنته الغاية قبله، أي وإنما استقرت الاجرة إذا ترك الانتفاع لنحو مرض أو خوف طريق، لانه ليس على المؤجر إلا تمكين المستأجر من الانتفاع من العين المؤجرة (قوله: وليس له بسبب ذلك الخ) أي ليس للمكتري بسبب المرض أو خوف الطريق أو نحوهما: فسخ لعقد الاجارة ولا رد للعين المؤجرة إلى أن يتيسر له العمل فيها فيسترجعها منه. مبحث انفساخ الاجارة (قوله: وتنفسخ الاجارة الخ) شروع فيما يقتضي الانفساخ للاجارة وما يقتضي الخيار (قوله: بتلف مستوفى منه) أي حسا كان ذلك التلف، كمثال للشارح، أو شرعا، كحيض امرأة اكتريت لخدمة مسجد مدة معينة، وقوله معين في العقد، سيذكر محترزه (قوله: كموت نحو الخ) تمثيل للتلف الحاصل للمستوفي منه، وقوله وأجير، معطوف على نحو، وهو من أفراده، فالعطف من عطف الخاص على العام (قوله: وانهدام دار) أي وكانهدام دار، ومحل كونه موجبا للانفساخ، إذا كان كلها، أما انهدام بعضها، فيثبت الخيار للمستأجر، ما لم يبادر المؤجر، ويصلحها قبل مضي زمن لا أجرة له، ولم يقيد الدار بكونها معينة، لان إجارة العقار لا تكون إلا إجارة عين (قوله: ولو بفعل المستأجر) أي ولو كان التلف حاصلا بفعل المستأجر، فإنه يكون موجبا للانفساخ، ويكون هذا مستثنى من قولهم، من استعجل بشئ قبل أوانه، عوقب بحرمانه، ويلزمه بإتلاف نحو الدابة، قيمتها، وبإتلاف نحو الدار، أرش نقصها، لا إعادة بنائها. قال في المغني:

[ 143 ]

(فإن قيل) لو أتلف المشتري المبيع استقر عليه الثمن، ولا ينفسخ البيع، فهلا كان المستأجر كذلك ؟ (أجيب) بأن البيع ورد على العين، فإذا أتلفها، صار قابضا لها، والاجارة واردة على المنافع، ومنافع الزمن المستقبل معدومة، لا يتصور ورود الاتلاف عليها. اه‍ (قوله: في زمان مستقبل) متعلق بتنفسخ، أي تنفسخ بالنظر للزمان المستقبل وقوله لفوات محل المنفعة، وهو العين، وهو علة لكون الاجارة تنفسخ بالنسبة للمستقبل، وقوله فيه، أي في المستقبل (قوله: لا في ماض) معطوف على في زمان مستقبل، أي لا تنفسخ بالنظر للزمن الماضي، وقوله بعد القبض، قيد في عدم الانفساخ بالنظر لما مضى، أي لا تنفسخ بالنظر لذلك بشرط أن يكون التلف حصل بعد القبض، وخرج به. ما إذا كان التلف قبل القبض، فإنها تنفسخ في جميع ما مضى وما يأتي، كما في المغني، (وقوله: إذا كان لمثله أجره) أي إذا كان لمثل الماضي، أي لمثل منفعة المستوفى منه في الزمان الماضي أجرة، وهو قيد في القيد ولو قال، كما في المغني، وكان لمثله أجرة، لكان أولى. وخرج به، ما إذا لم يكن لمثله أجرة، فإنها تنفسخ في الجميع، كما في المغنى وعبارته: أما إذا كان قبل القبض، أو بعده ولم يكن لمثله أجرة، فإنه ينفسخ في الجميع. اه‍ (قوله: لاستقراره) أي الماضي: أي أجرته. (وقوله: بالقبض) أي قبض المنفعة، أي استيفائها وهو علة لعدم الانفساخ في الماضي (قوله: فيستقر قسطه) أي الماضي، (وقوله: من المسمى) أي في العقد، (وقوله: باعتبار أجرة المثل) أي لكل زمن بما يناسبه فتقوم منفعة المدة الماضية والباقية، ويوزع المسمى على نسبة قيمتها وقت العقد، دون ما بعده، لا على نسبة المدتين، إذ قد تزيد أجرة شهر على شهور، فلو كانت مدة الاجارة مثلا سنة، ومضى نصفها، وكان المسمى ثلاثين، وأجرة مثل الماضي عشرون، وجب من المسمى ثلثاه، وهكذا (قوله: وخرج بالمستوفى منه غيره مما يأتي) وهو المستوفي، والمستوفى به، والمستوفى فيه. وفي البجيرمي، أنظر صورة المستوفى فيه ؟ ولعلها إذا حصل في الطريق خوف يمنع السير فيها. اه‍ (قوله: وبالمعين الخ) أي وخرج بالمستوفى منه المعين في القعد، المستوفى منه المعين عما في الذمة، بأن كانت الاجارة ذمية، وسلم المؤجر للمستأجر مستوفى منه معينا عما في ذمته (قوله: فإن تلفهما) أي تلف غير المستوفى منه، وتلف المعين عما في الذمة (قوله: بل يبدلان) أي غير المستوفى منه والمعين عما في الذمة، فيجوز إبدال المستوفي إذا تلف بغيره، كراكب بآخر، وساكن بآخر، والمستوفى به بغيره، كمحمول من طعام، وغيره، والمستوفى فيه، كالطريق بغيره، لانه يجوز مع السلامة كما سيذكره قريبا، فمع التلف أولى، ويجوز إبدال المعين عما في الذمة إذا تلف بغيره، بل يجب، كما ستعرفه (قوله: يثبت الخيار) أي في إجارة العين، كما يدل عليه قوله بعد، ولا خيار في إجارة الذمة الخ، وقوله على التراخي، أي لان الضرر يتكرر بتكرر الزمان، وجعله في الروض على التراخي، في عيب يتوقع زواله، وإلا فعلى الفور، وعبارته مع شرحه: وإن رضي المستأجر بعيب يتوقع زواله لم ينقطع خياره، لان الضرر يتجدد ويتعذر قبض المنفعة، فهو كما لو تركت المطالبة بعد مدة الايلاء والفسخ بعد ثبوت الاعسار، لها العود إليه، وإلا بأن لا يتوقع زواله، انقطع خياره، لانه عيب واحد، وقد رضي به. اه‍ (قوله: على المعتمد) مقابله يقول إن الخيار على الفور (قوله: بعيب نحو الدابة) متعلق بيثبت، ونحو الدابة، العبد الاجير، والدار (قوله: المقارن) أي للعقد، وهو صفة لعيب، (وقوله: إذا جهله) أي المكتري، أما إذا علمه، فلا خيار (قوله: والحارث) أي بعد العقد في يد المكتري (قوله: لتضرره) أي المكتري بذلك العيب، وهو علة لثبوت الخيار به (قوله: وهو ما أثر الخ) أي العيب الذي يثبت الخيار وهو ما يؤثر في المنفعة أثرا يظهر له تفاوت في الاجرة، ككونها تعثر، أو تتخلف عن القافلة، لا كخشونة مشيها، كما جزم به الشيخان، وخالف ابن الرفعة، فجعله عيبا، وصوبه الزركشي، قال: وبه جزم الرافعي في عيب

[ 144 ]

المبيع، قال في المغني، وجمع بين ما هنا وبين ما هناك، بأن المراد هنا خشونة لا يخاف منها السقوط، بخلافه هناك. اه‍. وقوله تفاوت أجرتها، أما القيمة فليس ظهور التفاوت معتبرا فيها، لان مورد العقد هنا، المنفعة، لا العين، حتى تعتبر القيمة (قوله: ولا خيار في إجارة الذمة الخ) هذا يدل على أن قوله أولا ويثبت الخيار الخ مفروض في إجارة العين، كما علمت، وقول بعيب الدابة، أي ونحوها. ومثل العيب - بالاولى، التلف (قوله: بل يلزمه) أي المكري الابدال، أي لان المعقود عليه في الذمة يثبت فيها بصفة السلامة، وهذا غير سليم، فإذا لم يرض به المكتري، رجع إلى ما في الذمة، فإن عجز المكري عن إبدالها، تخير المكتري، كما قاله الاذرعي (قوله: ويجوز في إجارة عين أو في ذمة استبدال الخ) أي لانه لا ضرر فيه. وقوله المستوفي، بكسر الفاء، اسم فاعل. وقوله كالراكب والساكن، أي واللابس (قوله: والمستوفى به) أي ويجوز إبدال ما تستوفى المنفعة به. (وقوله: كالمحمول) أي من طعام أو غيره، أي وكالثوب المعين للخياطة، والصبي المعين للتعليم أو الارتضاع، (وقوله: والمستوفى فيه) أي ويجوز إبدال ما تستوفي فيه المنفعة، كالطريق (قوله: بمثلها) أي المذكورات، وهو متعلق باستبدال، أي يجوز استبدال المستوفى بمثله، أي طولا، وقصرا، وضخامة، ونحافة، وغيرها، واستبدال المستوفى به بمثله كذلك، والمستوفى فيه بمثله، كطريق بمثله، لا بأصعب منه، ولا أطول، ولا أخوف، وقوله أو بدون مثلها، هذا مفهوم بالاولى (قوله: ما لو يشترط) أي المكري علي المكتري عدم الابدال، فإن اشترط عليه، اتبع. (وقوله: في الآخرين) أي المستوفى به والمستوفى فيه، ولا يجوز اشتراطه في الاول، أي المستوفي، بكسر الفاء. فإن شرطه، بطل العقد، لما فيه من الحجر عليه من جهة أنه لا يؤجره لغيره، فأشبه منع بيع المبيع (قوله: فرع) الاولى فرعان بصيغة التثنية (قوله: للبس المطلق) أي غير المقيد بليل أو نهار (قوله: وإن اطردت عادتهم بذلك) أي بلبسه وقت النوم، وخالف بعضهم فقال: لا يلبسه وقت النوم إن اعتيد ذلك بذلك المحل، وإلا لم يجب نزعه مطلقا، وعبارة الروض وشرحه، ليس له النوم ليلا في ثوب مستأجر للبلس. قال الرافعي، عملا بالعادة، نعم. لا يلزمه نزع الازار، كذا قاله المصنف في شرح الارشاد، وقال الاذرعي: الظاهر أن المراد غير التحتاني، كما يفهمه تعليل الرافعي، اه‍. وظاهر كلام الاصحاب: الاول، وطريقه، إذا أراد النوم فيه أن يشرطه وينام فيه نهارا، ولو غير القيلولة، ساعة أو ساعتين، لا أكثر النهار، عملا بالعرف، بل لا في القميص الفوقاني، أي لا ينام فيه، ولا يلبسه كل وقت، بل إنما يلبسه عند التجمل في الاوقات التي جرت العادة فيها بالتجمل، كحال الخروج إلى السوق ونحوه، ودخول الناس عليه اه‍ (قوله: ويجوز لمستأجر الدابة الخ) أي لانه استحق جميع منفعتها، فله أن يمنع المؤجر من التصرف فيه بما يزاحم حقه، وقوله مثلا: أي أو عبدا (وقوله: من حمل شئ عليها) قال سم: أي كتعليق مخلاة عليها. اه‍ (قوله: قال شيخنا) أي في التحفة، ولفظها، اقتضى كلامهم، وصرح به بعضهم، أن الطبيب الماهر، أي بأن كان خطؤه نادرا، وإن لم يكن ماهرا في العلم، فيما يظهر، لانا نجد بعض الاطباء استفاد من طول التجربة والعلاج ما قل به خطؤه جدا. وبعضهم لعدم ذلك ما كثر به خطؤه، فتعين الضبط بما ذكرته لو شرطت له، إلى آخر ما ذكره الشارح (قوله: وأعطى ثمن الادوية) أي زيادة على الاجرة (قوله: فعالجه بها) أي فعالج الطبيب المريض بالادوية التي أخذ

[ 145 ]

ثمنها (وقوله: فلم يبرأ) أي المريض بمعالجة الطبيب (قوله: استحق المسمى) أي الاجرة التي سميت في العقد (قوله: إن صحت الاجارة) كأن قدرت بزمان معلوم. ع ش (قوله: وإلا فأجرة المثل) أي وإن لم تصح استحق أجرة المثل (قوله: الرجوع عليه) أي على الطبيب (قوله: لان المستأجر عليه) بفتح الجيم، أي لان الشئ الذي استؤجر عليه هو المعالجة، لا الشفاء (قوله: بل أن شرط) أي الشفاء في عقد الاجارة (قوله: لانه) أي الشفاء بيد الله تعالى. قال في التحفة: نعم إن جاعله عليه، صح، ولم يستحق المسمى إلا بعد وجوده. اه‍ (قوله: أما غير الماهر) هذا مفهوم قوله الماهر، (وقوله: فلا يستحق أجرة) في سم ما نصه، هل استئجاره صحيح أو لا ؟ إن كان الاول: فقد يشكل الحكم الذي ذكره، وإن كان الثاني، فقد يقيد الرجوع بثمن الادوية بالجهل بحاله. م ر. فليحرر. اه‍. قال ع ش: والظاهر الثاني، ولا شئ له في مقابلة عمله، لانه لا يقابل بأجرة، لعدم الانتفاع به، بل الغالب على عمل مثله الضرر. اه‍ (قوله: لتقصيره الخ) أي لتقصير غير الماهر بسبب مباشرته للامر الذي هو لبس بأهل له، فجميع الضمائر تعود على غير الماهر، ما عدا ضمير له، فإنه يعود على ما (قوله: ولو اختلفا الخ) عقد له في الروض فصلا مستقلا، وما ذكره عين عبارته (قوله: في أجرة) أي في قدرها: هل هي خمسة دراهم، أو عشرة مثلا ؟ (قوله: أو مدة) أي قدرها أيضا، هل هي شهر أو سنة ؟ (قوله: أو قدر منفعة) أي قدر الانتفاع بالدابة مثلا ؟ وقوله هل هي عشرة فراسخ أو خمسة، بيان للاختلاف في قدر المنفعة، أي هل الانتفاع بالدابة يكون في عشرة فراسخ أو خمسة ؟ (قوله: أو في قدر المستأجر) بفتح الجيم: أي أو اختلفا في الشئ الذي له استؤجر، هل هو كل الدار أو بعضها ؟ (قوله: تحالفا) أي المكري والمكتري، وهو جواب لو: أي يحلف كل منهما يمينا يجمع نفيا لدعوى صاحبه وإثباتا لدعواه (قوله: أجرة المثل لما استوفاه) أي من منفعة المستأجر، بفتح الجيم (قوله: فرع) الاولى فرعان (قوله: لو وجد الخ) يعني لو وجد المستأجر ما حمله على دابة المؤجر من نحو البر أو الشعير ناقصا عما شرطه عليه، كأن شرط عليه في عقد الاجارة حمل عشرة آصع مثلا، فما حمل إلا تسعة، فإن كان الذي كاله ناقصا عما ذكر هو المؤجر، وكانت الاجارة ذمية: حط قسط من الاجرة قدر النقص، وهو عشرها في الصورة المذكورة، لانه لم يف بالمشروط. وإن كان الذي كاله ناقصا هو المستأجر نفسه، وأعطاه للمؤجر ليحمله، أو كانت الاجارة عينية، بأن كان استأجر دابته ليحمل عليها عشرة آصع، فما حمل عليها إلا تسعة، لم يحط شئ من الاجرة، لانه هو الذي رضي على نفسه بالنقص وكان قادرا على الاستيفاء، ومحله في الاجارة العينية، ما إذا علم المستأجر بالنقص، أما إذا لم يعلم به، بأن أذن للمؤجر في الكيل، فكان ناقصا عن المشروط، فإنه يحط أيضا من أجرته بقدر النقص، وهذا كله مصرح به الروض وشرحه، وعبارته: (فرع) وإن كان المحمول على الدابة ناقصا عن المشروط نقصا يؤثر، بأن كان فوق ما يقع به التفاوت بين الكيلين، أو الوزنين، وقد كاله المؤجر حط قسطه من الاجرة، إن كانت الاجارة في الذمة، لانه لم يف بالمشروط أولا كذلك، بل كانت إجارة عين، لكن لم يعلم المستأجر النقص، فإن علمه لم يحط شئ من الاجرة، لان التمكين من الاستيفاء قد حصل، وذلك كاف في تقرير الاجرة، فهو كما لو كال المستأجر بنفسه ونقص. أما النقص الذي لا يؤثر، فلا عبرة به، اه‍. بقي ما لو كاله المؤجر أو المستأجر تاما، كما شرط في العقد، ثم سرق بعضه، فهل يضمن المؤجر النقص

[ 146 ]

مع حط الاجرة أو لا يضمن ؟ قياس ما مر من عدم الضمان إلا بتقصير فيما لو اكتراه لخياطة ثوب فتلف انه هنا كذلك، فتنبه (قوله: ولو استأجر) أي شخص، وقوله سفينة، أي أو نحوها كسنبوك، أو مركب، أو بابور (قوله: فدخلها) أي السفينة (قوله: فهل هو) أي السمك وقوله له، أي للمستأجر (قوله: وجهان) قال في المغني: حكاهما ابن جماعة في فروقه، أوجههما، أنه للمستأجر، لانه ملك منافع السفينة ويده عليها، فكان أحق به. اه‍. (تتمة) في بيان أحكام الجعالة التي تركها المؤلف وكان حقه أن يذكرها تبعا لغيره من الفقهاء، واختلفوا في موضع ذكرها، فمنهم من ذكرها عقب الاجارة، كالغزالي، وصاحب التنبيه، وتبعهم في الروضة لاشتراكهما في غالب الاحكام، إذ الجعالة لا تخالف الاجارة إلا في خمسة أحكام، أحدها صحتها على عمل مجهول عسر علمه، كرد الضالة والآبق، فإن لم يعسر علمه، اعتبر ضبطه، كما سيأتي، إذ لا حاجة إلى احتمال الجهل حينئذ. ثانيها: صحتها مع غير معين، كأن يقول من رد ضالتي فله علي كذا. ثالثها: كونها جائزة من الطرفين، طرف الجاعل، وطرف العامل. رابعها: العامل لا يستحق الجعالة إلا بعد تمام العمل. خامسها: عدم اشتراط القبول، ومنهم من ذكرها عقب اللقطة، وهم الجمهور، وتبعهم النووي في منهاجه، نظرا إلى ما فيها من التقاط الضالة، وهي بتثليث الجيم لغة، ما يجعل للانسان على فعل شئ، سواء كان بعقد، أو بغيره، وشرعا التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه، وأركانها إجمالا أربعة، وكلها قد تضمنها التعريف المذكور، الركن الاول: العاقد، وهو الملتزم للعوض، ولو غير المالك، والعامل، وشرط في الاول، اختيار، وإطلاق تصرف، فلا تصح التزام مكره، وصبي، ومجنون، ومحجور سفه، وفي الثاني: ولو كان غير معين، علمه بالالتزام، فلو قال إن رد آبقي زيد فله كذا، فرده غير عالم بذلك، لم يستحق شيئا، والمثال الاول للمعين، والثاني لغيره، وشرط فيه أيضا، إذا كان معينا، أهلية العمل، فيصح ممن هو أهل له، ولو عبدا، وصبيا، ومجنونا، ومحجور سفه، بخلاف صغير لا يقدر على العمل، لان منفعته معدومة، فالجعالة معه كاستئجار أعمى للحفظ، وهو لا يصح، فكذلك هذا الركن الثاني: الصيغة، وهي من طرف الجاعل، لا العامل، فلا يشترط قبول منه لفظا، بل يكفي العمل منه، وشرط فيها عدم التأقيت، لان التأقيت قد يفوت الغرض، الركن الثالث، الجعل وشرط فيه ما شرط في الثمن، فما لا يصح ثمنا لكونه مجهولا أو نجسا، لا يصح جعله جعلا، ويستحق العامل أجرة المثل في المجهول والنجس المقصود، كخمر، وجلد ميتة، فإن لم يكن مقصودا، كدم، فلا شئ له. الركن الرابع: العمل وشرط فيه كلفة، وعدم تعينه، فلا جعل فيما لا كلفة فيه، كأن قال من دلني على مالي فله كذا، فدله عليه، وهو بيد غيره، ولا كلفة، ولا فيما تعين، كأن قال من رد مالي فله كذا، فرده من تعين عليه الرد لنحو غصب، لان ما لا كلفة فيه وما تعين عليه شرعا، لا يقابلان بعوض، ولو حبس ظلما فبذل مالا لمن يخلصه بجاهه أو غيره كعلمه وولايته، جاز، لان عدم التعين صادق بكون العمل فرض كفاية. ولا فرق في العمل بين كونه معلوما، وكونه مجهولا عسر علمه للحاجة، كما في القراض، فإن لم يعسر علمه، اشترط ضبطه، ففي بناء حائط، يذكر موضعه، وطوله، وعرضه، وارتفاعه، وما يبنى به، وفي الخياطة، يعتبر وصفها ووصف الثوب، والاصل فيها قبل الاجماع، خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو الراقي، وذلك أنه كان مع جماعة من الصحابة في السفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم، فباتوا بالوادي، فلدغ رئيس ذلك الحي، فأتوا له بكل دواء، فلم ينجع، أي لم ينفع بشئ، فقال بعضهم لبعض، سلوا هذا الحي الذي نزل عندكم، فسألوهم، فقالوا هل فيكم من راق، فإن سيد الحي لدغ ؟ فقالوا نعم، ولكن لا يكون ذلك إلا بجعل، لكونهم لم يضيفوهم، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم،

[ 147 ]

وكان ثلاثين رأسا، وكانت الصحابة كذلك، فقرأ عليه أبو سعيد، الفاتحة ثلاث مرات فكأنما نشط من عقال وإنما رقاه بالفاتحة، دون غيرها، لانه (ص) قال: فاتحة الكتاب شفاء لكل داء، ثم توقفوا في ذلك فقالوا، كيف نأخذ أجرا على كتاب الله تعالى ؟ فلما قدموا المدينة أتوا النبي (ص) وسألوه عن ذلك، فقال: إن أحق - وفي رواية إن أحسن - ما أخذتم عليه أجرا، كتاب الله تعالى زاد بعضهم: اضربوا لي معكم بسهم وإنما قال (ص) ذلك تطييبا لقلوبهم، لا طلبا لنصيب معهم حقيقة، وأيضا، الحاجة قد تدعوا إليها، فجازت كالاجارة، لان القياس يقتضي جواز كل ما دعت إليه الحاجة، ويستأنس للجعالة بقوله تعالى: * (ولمن جاء به حمل بعير) * وكان الحمل معلوما عندهم، كالوسق، وإنما كان هذا استئناسا، لا دليلا، لانه في شرع من قبلنا، وهو ليس شرعا لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره على الراجح، وقد نظم معظم ما مر ابن رسلان في زبده فقال: صحتها من مطلق التصرف بصيغة وهي بأن يشرط في ردود آبق وما قد شاكله معلوم قدر حازه من عمله وفسخها قبل تمام العمل من جاعل عليه أجر المثل والله سبحانه وتعالى أعلم (قوله: تتمة) أي في بيان المساقاة، والمزارعة، والمخابرة، وقد أفردها الفقهاء بباب مستقل، وذكرت عقب الاجارة، لان كلا استيفاء منفعة بعوض، ولاشتراط التأقيت فيها، وغير ذلك، والاصل في المساقاة، خبر الصحيحين أنه (ص): عامل أهل خيبر على نخلها وأرضها على ما يخرج منها من ثمر أو زرع لانه لما فتحها ملك نخلها وزرعها، فصار الزرع من عند المالك، فقام مقام البذر، فكانت مساقاة ومزارعة، وهي تصح، تبعا للمساقاة، كما سيأتي، والحاجة داعية إليها، لان مالك الاشجار، قد لا يحسن العمل فيها، أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ، قد لا يكون له أشجار فيحتاج ذاك إلى الاستعمال، وهذا إلى العمل، وأركانها: مالك، وعامل، وعمل، ومورد، وثمر، وصيغة. وكلها تعلم مما يأتي (قوله: تجوز المساقاة) أي من جائز التصرف، وهو الرشيد المختار، دون غيره، كالقراض، وتصح لصبي، ومجنون، وسفيه ومن وليهم، عند المصلحة (قوله: وهي الخ) أي شرعا، وأما لغة، فهي مشتقة من السقي، بفتح السين، وسكون القاف، وتخفيف الياء، وإنما اشتققت منه، لاحتياجها إليه غالبا، لانه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنة، لاسيما في أرض الحجاز، فإنهم يسقون من الآبار، وقيل مشتقة من السقي، بكسر القاف، وتشديد الياء، وهو صغار النخل، وعليه إنما اشتقت منه، لانه موردها. والاول أظهر، لان السقي عليه مصدر، والاشتقاق منه ظاهر (قوله: أن يعامل المالك غيره) أي بصيغة، كما يفيده قوله بعد معين في العقد، إذ هو يفيد أن المعاملة تكون بعقد، أي صيغة، نحو ساقيتك على هذا النخل، أو العنب، أو أسلمته إليك لتتعهده بكذا، وقد اشتمل التعريف المذكور على أركان المساقاة، وهي ستة: مالك، وعامل، وعمل، وثمر، وصيغة، ومورد، فقوله معين في العقد، إشارة إلى الصيغة، وقوله المالك غيره، هما الركنان الاولان، (وقوله: على نخل أو شجر) هو السادس، وقوله لتتعهده، هو الثالث، إذ التعهد عمل. وقوله على أن الثمرة الخ، هو الرابع (قوله: على نخل أو شجر عنب)، متعلق بيعامل، وما ذكر، هو المورد، كما مر (قوله: مغروس الخ) صفة لكل من نخل وشجر، وذكر ثلاثة شروط للمورد، وهي، الغرس، والتعيين في العقد، والرؤية. وبقي عليه شرطان، كونه بيد عامل، وكونه لم يبد صلاح ثمره، سواء ظهر أو لا، فلا تصح على غير مغروس، كودي، ليغرسه، ويتعهده، وتكون الثمرة بينهما، كما لو سلمه بذرا ليزرعه، ولان الغرس ليس من عمل المساقاة فضمه إليه يفسده، ولا على مبهم، كأحد البساتين، ولا على غير مرئي لهما عند العقد، وذلك للجهل بالمعقود


(1) سورة يوسف، الاية: 72.

[ 148 ]

عليه، ولانه عقد غرر من حيث أن العوض معدوم في الحال، وهما جاهلان بقدر ما يحصل وبصفاته، فلا يحتمل ضم غرر آخر، ولا كونه بغير يد العامل كيد المالك، ولا على ما بدا صلاح ثمره لفوات معظم الاعمال، وقوله ليتعهده بالسقي والتربية، بيان للعمل المختص بالعامل، وذلك لان للعمل في المساقاة على ضربين، عمل يعود نفعه إلى الثمرة، كسقي النخل، وتلقيحه بوضع شئ من طلع الذكور في طلع الاناث، وهذا مختصر بالعامل، وعمل يعود نفعه إلى الارض، كنصب الدولاب، وحفر الانهار، وبناء حيطان البستان، وهذا مختص بالمالك، ولا يجوز أن يشترط على المالك أو العامل ما ليس عليه، فلو شرط على العامل أن يبني جدار الحديقة، أو على المالك تنقية النهر، لم يصح. وقوله على أن الثمرة الحادثة، أي بعد العقد، وقوله أو الموجودة، أي عنده، لكن بشرط أن لا يكون قد بدا صلاحها، كما مر، وقوله لهما، أي للمالك والعامل، أي مختصة بهما، فلا يجوز بشرط بعضها لغيرهما، ولا شرط كلها للمالك، ولا يستحق في هذه العامل أجرة، لانه عمل غير طامع، كما في القراض، ولا بد أيضا من أن يكون القدر الذي للعامل معلوما بالجزئية: كربع، وثلث، بخلاف ما لو كان معلوما بغير الجزئية: كقنطار، أو قنطارين (قوله: ولا تجوز) أي المساقاة، والاولى التفريع. (وقوله: في غير نخل وعنب) أي للنص على النخل، وألحق به العنب، بجامع وجوب الزكاة، وإمكان الخرص وغيرهما ليس منصوصا عليه، ولا في معناه، فلم تجز المساقاة عليه إلا تبعا لهما، فتجوز فيه. وعبارة م ر: فتصح على أشجار مثمرة، تبعا للنخل والعنب، إذا كانت بينهما، وإن كثرت، وإن قيدها الماوردي بالقليلة، وشرط الزركشي، بحثا، تعذر إفرادها بالسقي، نظير المزارعة. اه‍. وعليه حملت معاملة النبي (ص) على الزرع في الخبر، وهو أنه (ص) عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فالمراد بمعاملتهم، مساقاتهم، ومزارعتهم، تبعا، فالواقع منه (ص)، مزارعة تابعة للمساقاة. (قوله: وجوزها) أي المساقاة وقوله في سائر الاشجار، أي كالخوخ، والتين، والتفاح، وذلك لقوله في الخبر السابق: من ثمر أو زرع ولعموم الحاجة، والجديد: المنع، لانها رخصة، فتختص بموردها، ولانه لا زكاة في ثمرها، فأشبهت غير المثمرة، ولانها تنمو من غير تعهد وفي البجيرمي. (فائدة) النخل والعنب يخالفان بقية الاشجار في أربعة أمور، الزكاة، والخرص، وبيع العرايا، والمساقاة. اه‍. برماوي. وأسقط خامسا، وهو: جواز استقراض ثمرتها لامكان معرفتها بالخرص فيهما، وتعذر خرصها في غيرهما. اه‍. شوبري. اه‍ (قوله: وبه) أي بجواز المساقاة في غير النخل وشجر العنب (قوله: ولو ساقاه على ودي الخ) محترز قوله مغروس، وهو بفتح الواو، وكسر الدال، وتشديد الياء، صغار النخل (قوله: ويكون الخ) بالنصب: معطوف على يغرسه، أي وليكون الشجر أو ثمرته إذا أثمر، للمالك وللعامل (قوله: لم تجز) أي المساقاة، وهو جواب لو (قوله: جوازها) أي المساقاة على الودي المذكور (قوله: والشجر لمالكه الخ) راجع للمنع، كما في سم، أي وعلى منع المساقاة في الودي لو عمل العامل فيه يكون الشجر لمالك الودي، وعليه لصاحب الارض أجرة مثلها، ومحل هذا، إذا كان مالك الودي العامل، فإن كان صاحب الارض، فالشجر يكون له، وللعامل أجرة عمله عليه، وعبارة الروض وشرحه، وإن دفع ذلك، أي الودي، وعمل العامل وكانت الثمرة متوقعة في المدة، فله الاجرة، أي أجرة عمله، على المالك، وإلا فلا، لا إن كان الغراس للعامل، فلا أجرة له، بل يلزمه للمالك أجرة الارض، فإن كانت الارض للعامل، استحق أجرة عمله وأرضه. اه‍. (قوله: والمزارعة) هي لغة: مشتقة من الزرع، وشرعا، ما ذكره بقوله، هي أن يعامل

[ 149 ]

الخ. والمراد بالعقد كأن يقول له، عاملتك على الارض لتزرعها، والغلة الحاصلة بيننا نصفان (قوله: ليزرعها) أي الارض ذلك الغير الذي هو العامل، وقوله بجزء معلوم، أي على جزء معلوم، كربع، ونصف، وقوله مما يخرج منها، متعلق بمحذوف صفة لجزء، أي جزء كائن مما يخرج من الارض، أي من الزرع الحاصل فيها (قوله: والبذر من المالك) أي والحال أن البذر كائن من المالك، فالجملة حالية (قوله: فهي مخابرة) الضمير يعود على المعاملة المفهومة من أن يعامل، أي فإن كان البذر من المالك فالمعاملة على الارض، وتسمى مخابرة. ولا يصح رجوعه للمزارعة، كما هو ظاهر (قوله: وهما) أي المزارعة والمخابرة، وقوله باطلان: أي استقلالا فقط في المزارعة، ومطلقا في المخابرة. وقد نظم بعضهم ذلك بقوله: مزارعة بطلانها مستقلة مخابرة بطلانها مطلقا نقل وصاحب بذر مالك الارض في التي بدأنا وبذر في الاخيرة من عمل قال في شرح المنهج، وإنما لم تصح المخابرة تبعا، كالمزارعة، لعدم ورودها كذلك. اه‍. (قوله: للنهي عنهما) أي عن المزارعة والمخابرة في الصحيحين. قال البجيرمي: صيغة النهي الواردة في المخابرة، كما في الدميري نقلا عن سنن أبي داود، من لم يذر المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله. اه‍. والمعنى في المنع فيهما أن تحصيل منفعة الارض ممكنة بالاجارة، فلم يجز العمل فيها ببعض ما يخرج منها، كالمواشي، بخلاف الشجر، فإنه لا يمكن عقد الاجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة (قوله: واختار السبكي الخ) عبارة شرح المنهج، واختار النووي من جهة الدليل صحة كل منهما مطلقا، تبعا لابن المنذر وغيره. قال: والاحاديث مؤولة على ما إذا شرط لواحد زرع قطعة معينة ولآخر أخرى، والمذهب ما تقرر. ويجاب عن الدليل المجوز لهما، بحمله في المزارعة على جوازها تبعا أو بالطريق الآتي. وفي المخابرة: على جوازها بالطريق الآتي. اه‍. (قوله: وعلى المرجح) هو عدم الجواز (قوله: فلو أفردت الارض بالمزارعة) التقييد بالافراد لاخراج ما لو لم تفرد، بأن عقد عليها تبعا للمساقاة، فإنه لا يقع المغل فيها للمالك، بل يكون بينهما، وقوله فالمغل للمالك، أي لان البذر له، والزرع تابع له. قال م ر: فلو كان البذر لهما فالغلة لهما، ولكل على الآخر أجرة ما صرفه من منافعه على حصة صاحبه (قوله: وعليه للعامل أجرة عمله) أي وعلى المالك للعامل أجرة عمله ودوابه وآلاته لبطلان العقد، ولا يمكن إحباط عمله مجانا، ولا فرق بين أن يسلم الزرع أو يتلف (قوله: وإن أفردت الارض بالمخابرة) التقييد بالافراد هنا غير ظاهر، لما مر من أنها باطلة مطلقا، فكان الاولى أن يقول فلو حصلت أو وجدت المخابرة في الارض وقوله فالمغل للعامل، أي لانه مالك البذر، وقوله وعليه، أي العامل، وقوله أجرة مثلها، أي الارض، وإن زادت الاجرة على الخراج (قوله: وطريق جعل الغلة لهما الخ) أشار بذلك لحيلة تسقط الاجرة، وتجعل الغلة مشتركة بين المالك والعامل في إفراد المزارعة وفي المخابرة وعبارة الروض مع شرحه، فإن أراد صحة ذلك فليستأجر العامل من المالك نصف الارض بنصف منافعه، ومنافع آلاته، ونصف البذر إن كان منه. قال في الاصل: أو يستأجره بنصف البذر، ويتبرع بالعمل والمنافع، أو يقرض المالك نصف البذر، ويستأجر منه نصف الارض بنصف عمله وعمل آلاته. وإن كان البذر من المالك استأجره، أي المالك، العامل بنصف البذر ليرزع له نصف الارض، ويعيره نصف الارض الآخر وإن شاء استأجره بنصف البذر ونصف منفعة تلك الارض ليزرع له باقيه في باقيها. اه‍. (قوله:

[ 150 ]

بنصف البذر) أي ويسلمه للمالك، لئلا يتحد القابض والمقبض، وقوله ونصف عمله، هو وما بعده معطوفان على نصف البذر، واغتفر الجهل في الامور المذكورة، للضرورة (قوله: أو بنصف البذر) أي أو يكتري العامل نصف الارض بنصف البذر، ويتبرع بالعمل (قوله: إن كان البذر منه) أي من العامل (قوله: فإن كان) أي البذر من المالك: أي مالك الارض، وهذه طريق جعل الغلة بينهما في المزارعة، والاولى للمخابرة وقوله استأجره، أي استأجر المالك العامل. وقوله ويعيره نصفها، أي يعير العامل نصف الارض، فيكون حينئذ لكل منهما نصف المغل شائعا. (واعلم) أن الطريق المذكورة وغيرها تقلب المزارعة والمخابرة إجارة، فلا بد من رعاية الرؤية وتقدير المدة وغيرهما من شروط الاجارة، كما في التحفة، والمغني، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 151 ]

باب في العارية أي في بيان أحكامها وشرائطها، وذكرها عقب الاجارة لان كلا منهما استيفاء منفعة، ولاتحاد شرط ما يؤجر وما يعار، ولذا قيل، كل ما جازت إجارته جازت إعارته. واستثنى من ذلك بعض فروع، والاصل فيها قبل الاجماع، قوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى) * (1) وفسر جمهور المفسرين، الماعون في قوله تعالى: * (ويمنعون الماعون) * (2) بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، كالفأس، والدلو، والابرة، وفسره بعضهم بالزكاة، وخبر الصحيحين أنه (ص): " استعار فرسه من أبي طلحة فركبه، ودرعا من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال أغصب يا محمد أو عارية ؟ فقال بل عارية مضمونة " قال الروياني وغيره: وكانت واجبة أول الاسلام، للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها، فصارت مستحبة، أي أصالة، وإلا فقد تجب، كإعارة الثوب لدفع حر أو برد، وإعارة الحبل لانقاذ غريق، والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته، وقد تحرم: كإعارة الصيد من المحرم، والامة من الاجنبي، وقد تكره، كإعارة العبد المسلم من كافر، وقد تباح، كالاعارة لغني، كأن استعار من له ثوب مستغن به من صاحب ثياب ثوبا، وقولهم ما كان أصله الاستحباب لا تعتريه الاباحة، أمر أغلبي، وأركانها أربعة: معير، ومستعير، ومعار، وصغية. وشرط المعير: صحة تبرعه، واختياره، وشرط المستعير: تعينه، فلا يصح لغير معين، كأعرت أحدكما، وإطلاق تصرف، فلا تصح لصبي ومجنون وسفيه إلا بعقد وليهم، إذا لم تكن العارية مضمونة، كأن استعار من مستأجر، وشرط المعار، حل الانتفاع به مع ملك منفعته، وبقاء عينه. وشرط الصيغة، لفظ يشعر بالاذن في الانتفاع (قوله: بتشديد الياء وتخفيفها) وفيها لغة ثالثة، وهي: عارة، كناقة (قوله: وهي اسم لما يعار، وللعقد) أي العارية شرعا، تطلق على المعار، وعلى العقد، فهي مشتركة بينهما، كذا في ع ش (قوله: من عار) أي وهي مأخوذة من عار، أي على مذهب الكوفيين، أو من مصدره على مذهب البصريين (قوله: ذهب وجاء بسرعة) أي أن معنى عار في اللغة: ذهب وجاء بسرعة، ومنه قيل للغلام الخفيف، عيار، بتشديد الياء، لكثرة ذهابه ومجيئه، وإنما أخذت العارية الشرعية منه، لذهابها ومجيئها بسرعة لمالكها غالبا. وقيل مأخوذة من التعاور، وهو التناوب، لان المستعير والمالك، يتناوبان في الانتفاع بها (قوله: لا من العار) أي ليست مأخوذة من العار، وهو العيب. وقيل مأخوذة منه، لان طلبها عار وعيب، ورد بأن عين العارية، واو، وعين العار ياء. وبأنه (ص) استعار فرسا ودرعا، كما مر، فلو كانت عيبا لما وجدت منه (ص) (قوله: وهي) أي العارية. وقوله مستحبة أصالة، أي أن الاصل فيها الاستحباب، وقد يعرض لها غيره، من الوجوب، والحرمة، والكراهة، (قوله: لشدة الحاجة إليها) أي العارية (قوله: وقد تجب) أي العارية، أي وقد تحرم، وقد تكره، وقد تباح، كما علمت (قوله: كإعارة ثوب) أي كإعارة المالك الثوب، وهو تمثيل للوجوب، (وقوله: توقفت صحة الصلاة عليه) أي على الثوب، والجملة صفة الثوب، أي ثوب توقفت صحة الصلاة عليه


(1) سورة المائدة، الاية: 2. (2) سورة الماعون، الاية: 7.

[ 152 ]

بأن لم يوجد غيره، ومحل كون إعارته واجبة، حيث لا أجرة له لقلة الزمن، وإلا لم يجب بذله له بلا أجرة فيما يظهر. ثم رأيت الاذرعي ذكره. اه‍. تحفة، بتصرف (قوله: وما ينقذ غريقا) معطوف على ثوب: أي وكإعارة ما ينقذ غريقا، كحبل، فإنها واجبة، وقوله أو يذبح به، معطوف على ينقذ، أي وكإعارة ما يذبح به كسكين، فإنها واجبة أيضا، قال سم: ولا ينافي وجوب الاعارة هنا أن المالك لا يجب عليه ذبحه، وإن كان فيه إضاعة مال، لانها بالترك هنا، وهو غير ممتنع، لان عدم الوجوب عليه، لا ينافي وجوب إسعافه إذا أراد حفظ ماله، كما يجب الاستيداع إن تعين وإن جاز للمالك الاعراض عنه إلى التلف، وهذا ظاهر، وإن توهم بعض الطلبة المنافاة. اه‍. (قوله: يخشى موته) الجملة صفة لحيوان محترم، أي يخشى موته لو ترك ذبحه، فإعارة السكين لاجل تذكيته، واجبة، لئلا يصير ميتة، فلا ينتفع به (قوله: صح من ذي تبرع) أي مختار، وهو بيان للمعير، فلا تصح من صبي ومجنون ومكاتب بغير إذن سيده، ومحجور سفه وفلس مكره بغير حق. أما به، كما لو أكره على إعارة واجبة عليه، فتصح (قوله: إعارة عين) أي لمستعير معين مطلق التصرف. (وقوله: غير مستعارة) قيد سيأتي محترزه (قوله: لانتفاع) متعلق بإعارة: أي إعارتها لاجل الانتفاع بها (قوله: مع بقاء عينه) أي المعار، فالضير يعود على معلوم من المقام، والظرف متعلق بمحذوف صفة لانتفاع: أي انتفاع للعين كائن مع بقائها، وهو قيد أيضا سيأتي محترزه (قوله: مملوك) أي للمعير، وهو بالجر صفة لانتفاع. وقوله ذلك الانتفاع، بيان لنائب الفاعل المستتر، لا أنه ظهر، كما هو ظاهر، وعبارته صريحة في أن الانتفاع، هو الذي يوصف بالملكية، وليس كذلك، بل الذي يوصف بذلك، المنفعة، لا الانتفاع، إذ هو وصف المستعير، لا المعير، وعبارة المنهاج، وملكه للمنفعة، وهي ظاهرة (قوله: ولو بوصية الخ) غاية في حصول ملكيه الانتفاع، أي ولو كان ملك المعير للانتفاع حاصلا بسبب وصية بأن أوصى للمعير بمنفعة الدار. (وقوله: أو إجارة) أي بأن استأجر الدار، (وقوله: أو وقف) أي بأن وقفت عليه الدار. ففي الجميع، يملك المنفعة، فيجوز له إعارتها (قوله: وإن لم يملك العين) غاية ثانية: أي المدار على ملك المنفعة، سواء ملك العين معها أم لا، ولو حذف لفظ، ولو من الغاية الاولى، وأخر قوله بوصية الخ عن هذه الغاية، وجعله تمثيلا لملك المنفعة من غير ملك العين، بأن يقول كأن آلت إليه بوصية الخ، لكان أولى وأخصر (قوله: لان العارية ترد على المنفعة) تعليل لما تضمنته الغاية الثانية مع عدم اشتراط ملك العين، أي وإنما لم يشترط ملك العين، لان العارية إنما ترد على المنفعة، لا على العين حتى يشرط ملكها. وقوله فقط، أي لا مع العين (قوله: وقيد ابن الرفعة صحتها) أي العارية (قوله: بما إذا كان ناظرا) محل صحتها منه، كما يؤخذ من النهاية، والتحفة، إذا لم يشرط الواقف استيفاءها بنفسه، وإلا فلا تصح، ومحل عدم صحتها من غير الناظر، إذا لم يأذن الناظر له في الاعارة، فإن أذن له، صحت منه، كما يؤخذ من التحفة (قوله: قال الاسنوي: يجوز للامام إعارة مال بيت المال) أي لانه إذا جاز له التمليك، فالاعارة أولى. قال في التحفة، ومثله في النهاية، ورد بأنه إن أعاره لمن له حق في بيت المال، فهو إيصال حق لمستحقه، فلا يسمى عارية، أو لمن لا حق له فيه، لم يجز، لان الامام فيه كالولي في مال موليه، وهو لا يجوز له إعارة شئ منه مطلقا الخ. اه‍. (قوله: مباح) صفة ثانية لانتفاع، وهو يصح وصفه بالاباحة، فلا اعتراض فيه بالنسبة لهذا الوصف، وأما بالنسبة للوصف الاول، فهو معترض، كما علمته (قوله: فلا يصح إعارة ما يحرم الانتفاع به) في البجيرمي ما نصه: هذا مسلم عند م ر في آلة اللهو، وأما في السلاح والفرس، فجرى فيهما في شرحه على صحة الاعارة مع الحرمة. وجمع ع ش: بحمل كلامه على ما إذا لم يعلم أو يظن أن الحربي يستعين بهما على قتالنا، وبحمل كلام شرح المنهج، على ما إذا علم أو ظن ذلك. ثم نظر في كلام م ر بعد حمله على ما ذكر، بأنه لا وجه للحرمة حينئذ (قوله: كآلة لهو) أي كالمزمار، والطنبور، والدربكة. قال ع ش: قضية التمثيل بما ذكر للمحرم، أن ما يباح استعماله من الطبول

[ 153 ]

ونحوها، لا يسمى آلة لهو، وهو ظاهر، وعليه، فالشطرنج تباح إعارته، بل إجارته. اه‍. (قوله: وفرس وسلاح لحربي) أي أو لقاطع طريق (قوله: وكأمة) معطوف على كآلة لهو، وانظر: لم أعاد الكاف، ومثل الامة، الامرد الجميل، فيحرم إعارته ؟ وقوله مشتهاة، قال في شرح المنهج: أما غير مشتهاة، لصغر، أو قبح، فصحح في الروضة، صحة إعارتها، وفي الشرح الصغير، منعها. وقال الاسنوي: المتجه الصحة في الصغيرة، دون القبيحة. اه‍. وكالقبيحة، الكبيرة غير المشتهاة. اه‍. (وقوله: لخدمة أجنبي) خرج به المحرم، وفي معناه، المرأة، والممسوح، وزوج الجارية، ومالكها، كأن يستعيرها من مستأجرها، أو الموصى له بمنفعتها، إذ لا محذور في ذلك. اه‍. شرح الروض (قوله: وإنما تصح الاعارة من أهل تبرع) دخول على المتن، ولا حاجة إليه، لعدم طول العهد بمتعلقه المذكور، وهو قوله صح الخ (قوله: بلفظ) أي أو ما في معناه، ككتابة، وإشارة أخرى مفهمة، وذلك لان الانتفاع بمال الغير يتوقف على رضاه المتوقف على ذلك اللفظ أو نحوه. قال في التحفة: وقد تحصل بلا لفظ ضمنا، كأن فرش له ثوبا ليجلس عليه، كما جرى عليه المتولي واقتضى كلامهما اعتماده، وكأن أذن له في حلب دابته واللبن للحالب، فهي مدة الحلب عارية تحت يده، وكأن سلمه البائع المبيع في ظرف، فهو عارية. وكأن أكل الهدية من ظرفها المعتاد أكلها منه، وقبل أكلها هو أمانة، وكذا إن كانت الهدية عوضا. اه‍. وفي البجيرمي: ويستثنى من اشتراط اللفظ، ما إذا اشترى شيئا، وسلمه له البائع في ظرف، فالظرف معار، في الاصح، وما لو أكل المهدي إليه الهدية في ظرفها، فإنه يجوز، إن جرت العادة بأكلها منه، كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها وهو معار، فيضمنه بحكم العارية، إلا إذا كان للهدية عوض، وجرت العادة بالاكل منه، فلا يضمنه بحكم الاجارة الفاسدة، فإن لم تجر العادة بما ذكر ضمنه في الصورتين، بحكم الغصب. اه‍. سلطان. (والحاصل) أن الظرف أمانة قبل الاستعمال مطلقا، ومغصوب بالاستعمال الغير المعتاد مطلقا، وعارية بالاستعمال المعتاد إن لم يكن عوض، وإلا فمؤجر إجارة فاسدة. اه‍. (قوله: كأعرتك الخ) تمثيل للفظ الذي يشعر بالاذن فيه، وقوله وأبحتك، الواو بمعنى، أو. وقوله منفعة، تنازعه كل من أعرتك ومن أبحتك، وضميره يعود على المعار. ومثله، أعرتك هذا (قوله: وكاركب) أي هذا، ومثله: اركبني (قوله: وخذه) أي أو خذه، أي الثوب مثلا لتنتفع به (قوله: ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر) فلو قال أعرني فأعطاه، أو قال له أعرتك فأخذ، صحت العارية، كما في إباحة الطعام، ولا يشترط اللفظ من جانب المعير، بخلافه في الوديعة، لانها أمانة، فاحتيج إلى لفظ من جانب المالك، ولا يكفي الفعل من الطرفين إلا فيما استثني، ولا سكوت أحدهما من غير فعل، ولا يشترط الفور في القبول، والمعتمد أن العقد يرتد بالرد، وكون العارية من قبيل الاباحة، إنما هو من حيث جواز الانتفاع (قوله: ولا يجوز لمستعير إعارة عين) أي لانه لا يملكها، وإنما يملك أن ينتفع بها (قوله: بلا إذن معير) متعلق بإعارة، أي الاعارة بلا إذن معير لا تجوز، أي أما بإذنه، فتجوز. قال الماوردي: ثم إن لم يسم المالك من يعير له، فالاول على عاريته، وهو المعير للثاني، والضمان باق عليه، وله الرجوع فيها. وإن ردها الثاني عليه، برئ، أي الثاني، وأما الاول، فباق على الضمان، وإن سماه انعكست هذه الاحكام. اه‍. بجيرمي (قوله: وله) أي للمستعير. (وقوله: إنابة من يستوفي المنفعة له) أي للمستعير، أي لاجل قضاء حاجته، وإنما جازت الانابة لذلك، لان الانتفاع راجع إليه. وخرج بقوله له: ما لو أناب من يستوفي المنفعة لا له بل للمستوفي فإنه لا يجوز (قوله: كأن يركب) من أركب، فهو بضم الاول وكسر الثالث، (وقوله: من هو مثله) مفعول يركب. (وقوله: أو دونه) أشار به وبما قبله إلى أن له الاستنابة إذا لم يكن فيها ضرر زائد على

[ 154 ]

استعمال المستعير، وفي النهاية قال في المطلب، وكذا زوجته، أو خادمه، لرجوع الانتفاع إليه أيضا، قال الاذرعي: نعم، يظهر أنه، إذا ذكر له أنه يركبها زوجته زينب، وهي بنت المعير، أو أخته، أو نحوهما، لم يجز له إركاب ضرتها، لان الظاهر، أن المعير لا يسمح بها لضرتها. اه‍. وكتب ع ش: قوله لرجوع الانتفاع إليه أيضا، يؤخذ منه أن محل جواز ذلك، فيما لو أركب زوجته أو خادمه لقضاء مصالحة، أما لو أركبهما لما لا تعود منفعة إليه، كأن أركب زوجته لسفرها لحاجتها، لم يجز. اه‍ (قوله: لحاجته) متعلق بيركب، أي يركبه لاجل قضاء حاجة المستعير، أما لو كان لاجل حاجة الراكب، فلا يجوز، كما مر، ولا يجوز أيضا إذا كان من هو مثله أو دونه عدوا للمعير، كما في سم (قوله: ولا يصح إعارة ما لا ينتفع به مع بقاء عينه) أي ولا يصح إعارة الشئ الذي لا ينتفع به مع بقاء عينه، بل ينتفع به مع استهلاك عينه. فالنفي مسلط على القيد، أعني مع بقاء عينه، وهذا محترز قوله، الانتفاع مع بقاء عينه (قوله: كالشمع) بفتح الميم، جمع شمعة بفتحها أيضا، وإن اشتهر على ألسنة المولدين سكانها، وقوله للوقود، متعلق بمحذوف، أي كإعارة الشمع للوقود وهو بضم الواو، لانه بالفتح، اسم لما يوقد به، وليس مرادا هنا. وكذلك إعارة المطعوم لاكله، والصابون للغسل به، فلا تصح، لان الانتفاع بذلك، يحصل باستهلاكه وفي البجيرمي، وهل ينزل الاستقذار منزلة إذهاب العين، فلا تصح إعارة الماء للغسل أو الوضوء، وإن لم يتنجس أو تصح، نظرا لبقاء عينه مع طهارته ؟ محل نظر. وجرى ق ل على صحة إعارة ذلك، لكن تبعا للظرف. ومشى الرملي في شرحه على جواز إعارة الماء للغسل والوضوء والتبرد، لانه يبقى في ظرفه، والاجزاء الذاهبة منه بمنزلة ما يذهب من الثوب المعار بالانمحاق. اه‍. (قوله: لاستهلاكه) علة لعدم صحة إعارة الشمع للوقود - أي وإنما لم تصح: لاستهلاك الشمع بالوقود (قوله: ومن ثم الخ) أي ومن أجل أن العلة في عدم صحة إعارة الشمع للوقود استهلاكه: صحت إعارة الشمع للتزين به لعدم استهلاكه (قوله: كالنقد) الكاف للتنظير: أي نظير صحة إعارة النقد للتزين به. وعبارة الروض وشرحه: ولا يعار النقدان - إذ مننفعة التزين بهما، والضرب على طبعهما: منفعة ضعيفة قلما تقصد، ومعظم منفعتهما في الانفاق والاخراج - إلا للتزيين، أو للضرب على طبعهما - فيما يظهر: بأن صرح بإعراتهما لذلك، أو نواها فيما يظهر - فتصح: لاتخاذ هذه المنفعة مقصدا - وإن ضعفت. اه‍. (قوله: وحيث لم تصح العارية) أي لفقد شرط من الشروط السابقة، كأن لا يكون مملوكا لمعير، أو لم يكن الانتفاع به مباحا، أو كان ينتفع بالمعقود عليه مع استهلاك عينه (قوله: فجرت) أي العارية: أي صورتها (قوله: ضمنت) أي العارية بمعنى المعار، ففي الكلام استخدام (قوله: لان للفاسد حكم صحيحه) علة للضمان. قال في التحفة: ويؤخذ من ذلك أنها مع اختلال شرط أو شروط مما ذكروه: تكون فاسدة مضمونة - بخلاف الباطلة قبل استعمالها والمستعير أهل للتبرع، وهي التي اختل فيها بعض الاركان. اه‍. وكتب سم ما نصه: قوله ويؤخذ من ذلك الخ - كذا في شرح الرملي، وفيه نظر، والوجه الضمان - لان اليد: يد ضمان. ثم رأيت م ر توقف فيه بعد أن كان وافقه، ثم ضرب على قوله وحيث لم تصح العارية فجرت إلى هنا من شرحه. اه‍ (قوله: وقيل لا ضمان: لان ما جرى بينهما ليس بعارية) أسقط شيئا من جملة التعليل ذكره في التحفة: وهو من قبض مال غيره بإذنه لا لمنفعة: كان أمانة، وإنما لم يكن عارية أصلا: لان حقيقتها إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به الخ. وهذا ليس كذلك، لانه فقد قيد من القيود، فلم توجد تلك الحقيقة. (قوله: ولو قال) أي مالك أرض (قوله: فحفر) أي المأمور (قوله: لم يملكها) أي البئر الحافر لعدم شروط البيع. وانظر: هل تكون عارية أو لا ؟ والظاهر الاول. وإعارة الارض لحفر بئر فيها: صحيحة - كما في النهاية - ونصها: وفي الروضة - عن البيان - لو أعاره أرضا لحفر بئر فيها: صح، فإذا نبع الماء: جاز للمستعير أخذه، لانه مباح بالاباحة الخ. اه‍. (قوله: ولا أجرة له) أي للحافر في

[ 155 ]

مقابلة حفره (قوله: فإن قال) أي الحافر للآمر. (وقوله: أمرتني) أي بالحفر (قوله: فقال) أي الآمر. (وقوله: مجانا) أي بلا أجرة (قوله: صدق الآمر) أي في أنه أمره بالحفر من غير أجرة (قوله: ولو أرسل) أي شخص (قوله: لم يصح) أي الاعارة له بمعنى العقد، ولذلك ذكر الضمير، لكن الاولى لم تصح، بتاء الغائبة، وإنما لم تصح: لانه يشترط في المستعير ما اشترط في المعير - من كونه أهل تبرع (قوله: فلو تلف) أي الشئ المعار بآفة. (وقوله: في يده) أي الصبي (قوله: أو أتلفه) أي أو كان الاتلاف بفعله (قوله: لم يضمنه هو) أي الصبي لتسليط المالك له، فهو مقصر بذلك، وحينئذ يكون هذا مستثنى من قوله: وحيث لم تصح العارية، فجرت: ضمنت. (وقوله: ولا مرسله) أي ولم يضمن مرسل الصبي. قال ع ش: أي لانه لم يدخل في يده (قوله: كذا في الجواهر) قال في التحفة بعده: ونظير غيره في قوله أو أتلفه، والنظر واضح إذ الاعارة ممن علم أنه رسول لا تقتضي تسليطه على الاتلاف، فليحمل ذلك على ما لم يعلم أنه رسول. اه‍. وكتب سم ما نصه: قوله فليحمل ذلك الخ. (أقول) فيه نظر أيضا، لان الاعارة لا تقتضي تسليط المستعير على الاتلاف - غاية الامر أنها تقتضي المسامحة بالتلف بواسطة الاستعمال المأذون فيه. فليتأمل. اه‍. وقال ع ش: ويمكن الجواب بأنها - وإن لم تقتض التسليط بالاتلاف - لكنها اقتضته بالتسليط على العين المعارة بوجوه الانتفاع المعتاد، فأشبهت المبيع. وقد صرحوا فيه بأن المقبوض بالشراء الفاسد من السفيه: لا يضمنه إذا أتلفه. اه‍. (قوله: ويجب على مستعير الخ) شروع فيما يترتب على العارية من الاحكام (قوله: ضمان قيمة) هذا في المتقوم أو ضمان مثله في المثلى على الاوجه - كما سيصرح به قريبا (قوله: يوم تلف) متعلق بمحذوف صفة لقيمة. أي قيمة كائنة له يوم تلفه، لا يوم قبضه - فإذا تلف المعار: قوم يوم تلفه - أي وقته، لا يوم قبض المستعير له من المعير. وقوله للمعار: متعلق بمحذوف صفة لكل من قيمة ومن تلف (قوله: إن تلف) لا حاجة إليه بعد قوله تلف، فالاولى حذفه، ويكون قوله بعد كله توكيدا للمعار. (وقوله: أو بعضه) معطوف عليه (قوله: في يده) هكذا في فتح الجواد، والذي في التحفة والنهاية: عدم اشتراط كونه في يده، وعبارتهما: ولا يشترط في ضمان المستعير كون العين في يده، بل وإن كانت بيد المالك، كما صرح به الاصحاب انتهت: أي كأن أرسل المستعير مالكها معها (قوله: ولو بآفة) أي ولو كان التلف بآفة (قوله: من غير تقصير) من جملة الغاية، ولو زادوا العطف: لكان أولى أي ولو من غير تقصير، ولا يغني عنه قوله بآفة، لانه قد يكون بها، لكن مع تقصير منه، بأن سافر بالمعار (قوله: بدلا) حال من قيمة: أي يجب ضمان قيمة حال كونها بدلا من المعار، وهذا إذا تلف كله. (وقوله: أو أرشا) أي إذا تلف بعضه، وهو مقدار ما نقص من قيمته (قوله: وإن شرطا) أي أنه يضمن بالتلف، وإن شرط العاقدان عدم ضمانه بذلك، ويلغو الشرط المذكور فقط، ولا يفسد العقد به. قال في فتح الجواد: ولو شرط كونها أمانة: لغا الشرط فقط. ويوجه بأن فيه زيادة رفق بالمستعير، فهو كشرط فيه رفق بالمقترض، بجامع مع أن كلا المقصود منه إرفاق الآخد. اه‍. واعتمد م ر: فساد العقد بالشرط المذكور (قوله: لخبر أبي داود وغيره: العارية مضمونة) هذا ليس لفظ الخبر، ولفظه: روى أبي داود وغيره بإسناد جيد أنه (ص) استعار درعا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال أغصب: يا محمد ؟ فقال: بل عارية مضمونة (قوله: أي بالقيمة الخ) تفسير مراد للضمان في الخبر من الشارح، ولو قدمه على الخبر وجعله تقييدا لضمان القيمة الذي في المتن - ومحل التقييد قوله في المتقوم - لكان أولى (قوله: يوم التلف) أي وقته (قوله: لا يوم القبض) أي لا وقته، فلا تعتبر بوقت القبض: أي ولا بأقصى القيم - أي أبعدها وأكثر من يوم القبض إلى يوم التلف، وإلا لزم تضمين ما نقص بالاستعمال المأذون فيه (قوله: في المتقوم) أي يضمن بالقيمة في المتقوم. (وقوله: وبالمثل) معطوف على بالقيمة

[ 156 ]

(قوله: على الاوجه) أي عند شيخه ابن حجر، ووافقه الخطيب في الاقناع، حيث قال: وهذا هو الجاري على القواعد، فهو المعتمد (قوله: وجزم في الانوار الخ) اعتمده م ر (قوله: كخشب وحجر) تمثيل للمثلي، كما في البجيرمي (قوله: وشرط التلف الخ) دخول على المتن. (وقوله: المتضمن) بصيغة اسم الفاعل، فهو بكسر الميم المشددة (قوله: أن يحصل) أي التلف وقوله باستعمال: أي مأذون فيه، كما يدل عليه المفهوم (قوله: وإن حصل) أي التلف معه: أي الاستعمال المأذون فيه، كأن استعار دابة لاستعمالها في ساقية، فسقطت في بئرها، فماتت: فيضمنها المستعير، لانها تلفت في الاستعمال، لا به (قوله: فإن تلف هو الخ) مفهوم قوله باستعمال، قال البجيرمي: حاصله أن يقال إن تلفت بالاستعمال المأذون فيه: لا ضمان، ولو بالتعثر من ثقل حمل مأذون فيه، وموت به، وإنمحاق ثوب بلبسه، لا نومة فيه، حيث لم تجر العادة بذلك، بخلاف تعثره بانزعاج، أو عثوره في وهدة، أو ربوة، أو تعثره لا في الاستعمال المأذون فيه: فإنه يضمن في هذه الامور. ومثله: سقوطها في بئر حال السير - كما قاله م ر. اه‍ (قوله: فلا ضمان) جواب إن. وقوله للاذن فيه أي في الاستعمال (قوله: وكذا لا ضمان على مستعير الخ) أي لا ضمان على مستعير الخ - مثل أنه لا ضمان على من تلف المعار تحت يده بالاستعمال المأذون فيه. (وقوله: من نحو مستأجر إجارة صحيحة) قال في فتح الجواد - بخلاف المستعير من مستأجر آجارة فاسدة، لان معيره ضامن - كما جزم به البغوي وعلله بأنه فعل ما ليس له - قال: والقرار على المستعير، ولا يقال حكم الفاسدة حكم الصحيحة في كل ما تقتضيه، بل في سقوط الضمان بما يتناوله الاذن فقط. اه‍. وقوله بما يتناوله الاذن فقط: أي والاذن في الفاسدة لم يتناول الاعارة، لان المستأجر فيها لا يملك المنفعة (قوله: فلا ضمان عليه) أي على المستعير من المستأجر، ولا حاجة إليه بعد قوله وكذا لا ضمان الخ (قوله: لانه) أي المستعير. وقوله نائب عنه: أي المستأجر (قوله: وهو) أي المستأجر لا يضمن. وقوله فكذا هو: أي المستعير (قوله: وفي معنى المستأجر: الموصى له بالمنفعة، والموقوف عليه) أي فلا ضمان على المستعير منهما (قوله: وكذا مستعار الخ) أي ومثل المستعار من المستأجر والموصى له بالمنفعة والموقوف عليه، المستعار من المالك ليرهنه، فإنه لا ضمان إذا تلف في يد المرتهن، لا على المستعير الذي هو الراهن، ولا على المرتهن، لان الثاني، أمين، والاول، لم يسقط الحق عن ذمته، كما مر للشارح في مبحث الرهن، أما إذا تلف في يد الراهن قبل الرهن، أو بعد فكاك الرهن، فالضمان عليه، لانه مستعير الآن (قوله: لا ضمان عليه) أي المرتهن. وقوله كالراهن، أي كما أنه لا ضمان على الراهن، وقد علمت العلة في ذلك (قوله: وكتاب موقوف) بالرفع معطوف على مستعار، أي وكذا كتاب موقوف، فإنه لا ضمان على من استعاره إذا تلف. وقوله على المسلمين، أي وهو أحدهم. وقوله مثلا، اندرج فيه الموقوف على العلماء أو السادة وهو ممنهم (قوله: استعاره فقيه) أي من الناظر (قوله: فتلف في يده من غير تفريط) أي أما به: فيضمن (قوله: لانه الخ) تعليل لمحذوف: أي فهو لا يضمنه، لانه من جملة المسلمين الموقوف عليهم (قوله: لو اختلفا) أي المعير والمستعير، صدق المعير، أي بيمينه، وجرى م ر على تصديق المستعير، لان الاصل براءة ذمته، وعبارته، ولو اختلف في حصول التلف بالاستعمال المأذون فيه أو لا: صدق المستعير بيمينه، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، لعسر إقامة البينة عليه،

[ 157 ]

ولان الاصل براءة ذمته، خلافا لما عزى للجلال البلقيني من تصديق المعير. اه‍. (قوله: لان الاصل الخ) علة لتصديق المعير. (وقوله: حتى ينبت مسقطه) أي الضمان، وهو ما مر من كون العارية تكون من مستأجر إجارة صحيحة، أو من المالك للرهن، ونحو ذلك (قوله: ويجب عليه، أي على المستعير مؤنة رد) أي للخبر الصحيح على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولانه قبضها لمنفعة نفسه. قال في المغني، ويجب على المستعير الرد عند طلب المالك، إلا إذا حجر على المالك المعير، فإنه لا يجوز الرد إليه، بل إلى وليه. اه‍. (قوله: على المالك) متعلق برد، أي رد، على المالك، أي أو نحوه، من مكتر، وما في معناه، كالموصى له بالمنفعة (قوله: وخرج بمؤنة الرد) هي أجرة حمله أو من يوصله إلى المالك (وقوله: مؤنة المعار) أي من نفقة وكسوة ونحوهما (قوله: وخالف القاضي) ضعيف (قوله: وجاز لكل من المعير الخ) شروع في بيان أن العارية جائز من الطرفين، وإنما كانت كذلك لانها مبرة من المعير، وارتفاق من المستعير، فلا يليق بها الالزام منهما، أو من أحدهما. (واعلم) أن العقود التي يعتبر فيها عاقدان تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها جائز من الطرفين، فلكل من العاقدين فسخه، وهو العارية، والوكالة، والشركة، والقراض، والوديعة، والجعالة قبل الشروع في العمل، أو بعده وقبل تمامه، والوصية للغير بشئ من الاموال، وغير ذلك، كالرهن قبل القبض، والهبة كذلك، والثاني لازم منهما، فليس لاحدهما فسخه بلا موجب يقتضيه، كعيب وهو البيع، والسلم بعد انقضاء الخيار، والصلح، والحوالة، والاجارة، والمساقاة، والهبة بعد القبض، إلا في حق الفرع والوصية بعد موت، وغير ذلك، كالنكاح والخلع، والثالث، جائز من أحدهما، وهو الرهن بعد القبض بالاذن، فإنه جائز من جهة المرتهن، لازم من جهة الراهن والضمان، فإنه جائز من جهة المضمون له، لازم من جهة الضامن. والكتابة: فإنها جائزة من جهة المكاتب، لازمة من جهة السيد، وهبة الاصل لرفعه بعد القبض بالاذن، فإنها جائزة من جهة الاصل، لازمة من جهة الفرع، وغير ذلك، كالجزية، فإنها جائزة من جهة الكافر، لازمة من جهة الامام، وقد نظمها بعضهم في قوله: من العقود جائز ثمانية وكالة، وديعة، وعارية وهبة من قبل قبض، وكذا شركة، جعالة قراضية ثم السباق ختمها، ولازم من العقود مثلها وها هيه: إجارة، خلع، مساقاة، كذا وصية، بيع نكاح الغانية والصلح أيضا، والحوالة التي تنقل حق ذمة لثانيه وخمسة لازمة من جهة: رهن، ضمان، جزية، أمانيه كتابة، وهي ختام يا فتى فاسمع بأذن للصواب واعية وقوله ثمانية، ليس القصد الحصر، وإلا فهي تزيد على ذلك، ومثله يقال في قوله، ولازم من العقود مثلها، وقوله ثم السباق، أي المسابقة، أي عقدها، وفيه أنها إن كانت من غير عوض من أحدهما، فهي لازمة من الطرفين، وإن كانت بعوض من أحدهما، فهي جائزة في حق الآخر، وقوله أمانيه، بتخفيف الياء، ومراده بها الامان، فهو جائز من جهة الكافر، لازم من جهتنا، وزاد بعضهم في اللازمة منهما، فقال: وهبة من بعد قبض يا فتى فإنها من بعد قبض لازمه واستثن أصلا أن يهب لفرعه من بعد قبض الفرع فهي جائزة

[ 158 ]

(قوله: حتى في الاعارة لدفن ميت) أي لا يجوز الرجوع، حتى في الاعارة لدفن ميت. وقوله قبل مواراته، متعلق برجوع، أو بجاز (قوله: ولو بعد وضعه في القبر) غاية لجواز الرجوع قبل المواراة. قال سم: المتجه عدم الرجوع بمرجد إدلائه، أي وإن لم يصل إلى أرض القبر، لان في عوده من هواء القبر بعد إدلائه، إذراء به. اه‍. قال ع ش: وقوله بمجرد إدلائه، أي أو بعضه، فيما يظهر. اه‍. (قوله: لا بعد المواراة) أي ليس له الرجوع بعد المواراة، وقوله حتى يبلى، أي يندرس قال سم، قضيته امتناع الرجوع مطلقا فيمن لا يندرس، كالنبي، والشهيد. اه‍. وقوله كالنبي الشهيد، أو ونحوهما من كل من لا تأكل الارض جسده. وقد نظمهم بعضهم بقوله: لا تأكل الارض جسما للنبي ولا لعالم، وشهيد قتل معترك ولا لقارئ قرآن، ومحتسب أدانه، لا له مجرى الفلك ونظمهم الشمس البرلسي بقوله: أبت الارض أن تمزق لحمالشهيد، وعالم، ونبي وكذا قارئ القرآن، ومن أذن لله حسبة دون شي (قوله: ولا رجوع لمستعير الخ) شروع في ذكر مسائل مستثناة من جواز الرجوع لهما، ومما استثنى أيضا منه غير الذي ذكره، ما إذا أعار كفنا وكفن فيه ميت، وإن لم يدفن، فلا رجوع له، لان في أخذه إزراء بالميت بعد الوضع. قال ع ش: ويتجه عدم الفرق في الامتناع بين الثوب الواحد والثلاث، بل والخمس، بخلاف ما زاد. ومنه، ما لو قال أعيروا داري بعد موتي شهرا، لم يكن للوارث الرجوع قبله، إن خرجت أجرته من الثلث ومنه، ما لو أعار دابة أو سلاحا للغزو، فالتقى الصفان، فليس له الرجوع في ذلك، حتى ينكشف القتال ومنه، لو أعاره السترة للصلاة فلا يجوز الرجوع فيها، إذا كانت الصلاة فرضا، وشرع فيها، بل هي لازمة من جهتهما، فإن كانت الصلاة نفلا أو فرضا ولم يحرم بها، جاز للمعير الرجوع فيها. ومنه، ما لو أعار ما يدفع به عما يجب الدفع عنه، كسلاح أو ما بقي نحو برد مهلك، أو ما ينقذ به غريقا. ومنه ما لو أعار أرضا للزرع، فيمتنع الرجوع حتى يبلغ أوان قلعه، إن لم يقصر بتأخيره، فإن قصر، فله الرجوع، حتى لو عين مدة، ولم يدرك فيها الزرع، لتقصير من المستعير قلعه المعير مجانا (قوله: حيث تلزمه الاستعارة كإسكان معتدة) أي فلو استعار دارا لسكن معتدة، فليس له الرد، لانها لازمة من جانبه (قوله: ولا لمعير في سفينة الخ) أي ولا رجوع لمعير في سفينة أعارها لوضع متاع فيها قبل وصولها للشط (قوله: وبحث ابن الرفعة أن له) أي للمعير الاجرة فيها: أي من حين الرجوع. وفي البجيرمي: ومقتضى لزوم الاجرة أنه يصح رجوعه. ومقتضى كلام الشارح أنه لا يصح رجوعه إلا بعد وصولها للشط، إلا أن يراد بالرجوع في كلامه، تفريغ المال منها، لا الرجوع بالقول. وضعف س ل كلام الشرح، وقال، الصحيح أنه له الرجوع قبل الشط، ويستحق الاجرة اه‍. وفي سم ما نصه، وظاهر هذه العبارة المذكورة في هذا المقام أنه حيث قيل بوجوب الاجرة: لا يتوقف وجوبها على عقد، بل حيث رجع: وجب له أجرة مثل كل مدة مضت، ولا يبعد أنه حيث وجبت الاجرة صارت العين أمانة، لانها وإن كانت عارية صار لها حكم المستأجرة الخ. اه‍ (قوله: ولا في جذع الخ) أي رجوع لمعير في جذع أعاره لدعم جدار، أي لاسناد جدار مائل بعد استناده به (قوله: وله الاجرة) أي ويستحق الاجرة من حين الرجوع في الجذع. وفي ع ش ما نصه. (فائدة) كل مسألة امتنع على المعير الرجوع فيها، تجب له الاجرة إذا رجع، إلا في ثلاث مسائل: إذا أعار أرضا للدفن فيها، فلا رجوع له قبل اندراس الميت، ولا أجرة له إذا رجع، ومثلها: إعارة الثوب للتكفين فيه، لعدم جريان

[ 159 ]

العادة بالمقابل. وإذا أعار الثوب لصلاة الفرض، فليس له الرجوع بعد الاحرام، ولا أحرة له أيضا، وإذا أعار سيفا للقتال، فإذا التقى الصفان: امتنع الرجوع، ولا أجرة له، لقلة زمنه عادة: كما يفيد ذلك كلام سم على المنهج، ونقل اعتماد م ر فيه. اه‍. (قوله: ولو استعار) أي أرضا، وكان الاولى إفراد هذه المسألة بتتمة، لعدم ارتباطها بما قبلها، وذكرها في التحفة بعد كلام يناسب ارتباطها به، ونص عبارته مع الاصل، وإذا استعار لبناء أو غراس، فله الزرع، لانه أخف، ولا عكس، لان ضررهما أكثر، والصحيح أنه لا يغرس مستعير لبناء، وكذا العكس، لاختلاف الضرر، فإن ضرر البناء في ظاهر الارض أكثر من باطنها، والغراس بالعكس، لانتشار عروقه، وما يغرس للنقل في عامه، ويسمى الشتل، كالزرع، وإذا استعار لواحد مما ذكر ففعله ثم مات، أو قلعه ولم يكن قد صرح له بالتجديد مرة بعد أخرى: لم يجز له فعل نظيره، ولا إعادته مرة ثانية إلا بإذن جديد. اه‍. وقوله: لم يجز له: أي للمستعير، وقوله ذلك، أي البناء، أو الغراس (قوله: فلو قلع الخ) تفريع على المفهوم. وقوله أو غرسه، معطوف على بناه، أي أو قلع ما غرسه، (وقوله: إلا بإذن جديد) أي من المعير (قوله: إلا إذا صرح) أي المعير له: أي للمستعير، (وقوله: بالتجديد) أي بتجديد البناء أو الزرع مرة أخرى (قوله: فروع) أي خمسة، أحدها قوله لو اختلف الخ، ثانيها، قوله ولو أعطى رجلا الخ، ثالثها، ولو أخذ الخ، رابعها، ولو استعار حليا الخ، خامسها، ومن سكن الخ (قوله: لو اختلف الخ) أي ولم تكن بينة، كما هو ظاهر وقوله مالك عين، أي كدابة أو ثوب، (وقوله والمتصرف فيها)، أي في تلك العين بركوب أو لبس أو نحوهما (قوله: كأن قال الخ) تمثيل للاختلاف بينهما (وقوله أعرتني)، أي الدابة أو الثوب أو نحوهما (قوله: صدق المتصرف بيمينه) قال في شرح الروض: أي لانه لم يتلف شيئا حتى نجعله مدعيا لسقوط بدله ويحلف ما آجرتني لتسقط عنه الاجرة، ويرد العين إلى مالكها، فإن نكل، حلف المالك يمين الرد، واستحق الاجرة. اه‍. (وقوله: إن بقيت العين ولم يمض مدة لها أجرة) قيدان في تصديق المتصرف بيمينه، فلو انتفيا معا، بأن تلفت العين، ومضت مدة لمثلها أجرة، فمدعي العارية مقر بالقيمة لمنكر لها يدعي الاجرة، وهو المالك، فيعطي، الاجرة للمالك بلا يمين، لتوافقهما عليها في ضمن القيمة، هذا إن لم تزد الاجرة على القيمة، فإن زادت عليها، حلف المالك، لاخذ الزائد فقط، فيقول، والله ما أعرتك، بل آجرتك، أو انتفى القيد الاول فقط، بأن تلفت العين ولم تمض مدة لمثلها أجرة، فهو مقر بالقيمة أيضا لمنكرها، وحينئذ تبقى في يده إلى أن يعترف المالك بالعارية، فيدفعها إليه بعد إقراره له بها، قياسا على ما لو أقر شخص لآخر فأنكره، أو انتفى القيد الثاني فقط، بأن مضت مدة لمثلها أجرة وبقيت العين، صدق المالك بيمينه واستحق الاجرة. وهذه الصورة، هي التي ذكرها بقوله وإلا إلخ (قوله: وإلا حلف المالك) راجع للقيد الثاني فقط، كما عرفت، أي وإلا لم تمض مدة لها أجرة، بأن مضت مدة لها أجرة مع بقاء العين، حلف المالك، واستحق الاجرة. (وقوله: كما لو أكل طعام غيره الخ) الكاف للتنظير، أي وما ذكر من تصديق المالك، نظير ما لو أكل طعام غيره وقال كنت أبحت لي الاكل من طعامك وأنكر المالك ذلك، فالمصدق المالك بيمينه، ويستحق بدل الطعام. قال في شرح الروض، عاطفا على قوله كما لو أكل الخ، ولانه إنما يؤذن في الانتفاع غالبا بمقابل، وفرقوا بين هذه وبين ما لو قال الغسال أو الخياط فعلت بالاجرة ومالك الثوب مجانا، حيث لا يصدق مالك المنفعة بل مالك الثوب، بأن العامل فوت منفعة نفسه ثم ادعى عوضا على الغير والمتصرف فوت منفعة مال غيره وطلب إسقاط الضمان عن نفسه فلم يصدق. اه‍. (قوله: أو عكسه) بالجر معطوف على المصدر

[ 160 ]

المؤول من أن وقال: أي وكعكس ذلك، أو بالنصب عطف على مقول القول، أي أو قال كل منهما عكس ما مر. وقوله بأن قال الخ: تصوير للعكس (قوله: والعين باقية) فلو اختلفا بعد تلفها وبعد مضي، مدة لها أجرة، فالمالك يدعي القيمة، وينكر الاجرة، والآخر بالعكس، فيأخذ المتفق عليه بلا يمين، وهو الاجرة، فإن زادت الاجرة على القيمة، حلف عليه، وأخذه، كما تقدم، فإن لم تمض تلك المدة، حلف المالك، وأخذ القيمة، لان الاصل، عدم مسقطها. (وقوله: صدق المالك بيمينه) الاولى فيصدق المالك بيمينه، بفاء التفريع، أي يصدق في نفي الاجارة بيمينه، لان الآخر يدعي استحقاق المنفعة عليه، والاصل عدمه، ثم يسترد العين، فإن نكل حلف المتصرف، واستوفى المدة، ويكون مقرا له بأجرة ينكرها، فتبقى في يده إلى إقرار المالك كما تقدم قريبا (قوله: ولو أعطى رجلا حانوتا الخ) عبارة الروض مع شرحه. (فرع) لو أعطاه حانوتا ودراهم، أو أرضا وبذرا، وقال اتجر بالدراهم فيه، أي الحانوت، أو ازرعه، أي البذر فيها: أي الارض، لنفسك، فالارض في الثانية، والحانوت في الاولى عارية. وهل الدراهم أو البذر قرض أو هبة ؟ وجهان، قياس ما مر في الوكالة، من أن لو قال: اشتر لي عبد فلان بكذا، ففعل، ملكه الآمر، ورجع عليه المأمور ببدل ما دفعه ترجيع الاول. ثم رأيت الشيخ ولي الدين العراقي نبه على ذلك، وزاد في الانوار بعد قوله فيه وجهان، والقول قوله في القصد. اه‍. (قوله: وقال اتجر) أي بالدراهم في الحانوت، فخذف معمولاه لدلالة ما بعده عليه. (وقوله: أو ازرعه) أي البذر فيها، أي في الارض، (وقوله: لنفسك) متعلق بكل من اتجر، أو ازرعه (قوله: فالعقار) أي من الارض والحانوت (قوله: وغيره) أي غير العقار من الدراهم والبذر، وقوله قرض: أي حكمي (قوله: خلافا لبعضهم) أي في جعله غير العقار هبة (قوله: ويصدق في قصده) يعني إذا اختلفا، فقال المالك قصدت القرض، وقال الآخر قصدت الهبة، فإنه يصدق المالك فيما قصده (قوله: ولو أخذ كوزا من سقاء الخ) قد أوضح هذه المسألة ابن العماد في أحكام الاواني والظروف وما فيها من المظروف كما نقلها البجيرمي عنه وعبارته. (فرع) قال المتولي: إذا قال للسقاء اسقني، فناوله الكوز، فوقع من يده، فانكسر قبل أن يشرب الماء، فإن كان قد طلب أن يسقيه بغير عوض، فالماء غير مضمون عليه، لانه حصل في يده بحكم الاباحة، والكوز مضمون عليه، لانه عارية في يده وأما إذا شرط عليه عوضا، فالماء مضمون عليه بالشراء الفاسد، والكوز غير مضمون، لانه مقبوض بالاجارة الفاسدة. وإن أطلق فالاطلاق يقتضي البدل، لجريان العرف به، فإن انكسر الكوز بعد الشرب، فإن لم يكن قد شرط العوض، فالكوز مضمون، والماء غير مضمون وإن كان قد شرط العوض، لم يضمن الكوز ولا بقية الماء الفاضل في الكوز، لان المأخوذ على سبيل العوض، القدر الذي يشربه، دون الباقي، فيكون الباقي، أمانة في يده. اه‍. ومثل الكوز، في التفصيل المذكور، فنجان القهوة المأخوذ بها لشربها، وقنينة الفقاع، أي قزازة الزبيب، المأخوذة به لشربه. (قوله: فإن طلبه) أي طلب الآخذ السقاء، أي أن يسقيه بأن قال له اسقني، فمفعول طلب الثاني محذوف. وقوله مجانا، أي بغير عوض، (وقوله: ضمنه) أي الكوز، لانه في حكم العارية. (وقوله: دون الماء) أي فلا يضمنه، لانه مأخوذ بطريق الاباحة (قوله: أو بعوض) معطوف على مجانا: أي أو طلبه بعوض بأن قال له اسقني بكذا. و (وقوله: والماء قدر كفايته) أي والحال أن الماء الذي في الكوز قدر كفايته، وخرج به، ما لو زاد عليها، فإنه يضمن قدر الكفاية دون الزائد لان

[ 161 ]

المأخوذ بالعوض، هو الاول، دون الثاني، فهو أمانة في يده، كما تقدم آنفا، وقوله فعكسه، أي فالمضمون عكسه، وهو الماء، لانه مأخوذ بطريق البيع الفاسد دون الكوز، لانه مأخوذ بطريق الاجارة الفاسدة، وفاسد كل عقد كصحيحه (قوله: ولو استعار) أي شخص من مالك الحلي (قوله: ثم أمر) أي المستعير بعد نزعه من بيته، (وقوله: غيره) أي شخصا آخر غيره، (وقوله: بحفظه) أي الحلى، (وقوله: في بيته) أي ذلك الغير. (وقوله: ففعل) أي أخذه ذلك الغير وحفظه في بيته. (وقوله: فسرق) أي ذلك الحلى (قوله: غرم) بتشديد الراء: جواب لو (قوله: ويرجع) أي المستعير، (وقوله: على الثاني) أي المأمور بحفظه، (وقوله: إن علم) أي الثاني، وهو قيد في الرجوع، وإنما رجع عليه حينئذ، لانه إذا علم بذلك، كان عليه أن يعتني بحفظه، فهو ينسب إلى تقصير إذا سرق من عنده (قوله: وإن لم يكن) أي الثاني تصريح بالمفهوم (قوله: بل ظنه للآمر) أي ملكا له (قوله: لم يضمن) جواب إن (قوله: بإذن مالك أهل) أي للاذن، بأن كان رشيدا (قوله: ولم يذكر) أي المالك له أي للساكن، أي لم يشرط عليه أجرة (قوله: لم تلزمه) أي لم تلزم الساكن الاجرة، أي لان المالك متبرع بالسكنى. قال ع ش: في باب الاجارة، ومثل ذلك، أي في عدم لزوم الاجرة، ما جرت به العادة، من أنه يتفق أن إنسانا يتزوج امرأة، ويسكن بها في بيت أهلها مدة، ولم تجر بينهما تسمية أجرة، ولا ما تقوم مقام التسمية. اه‍. (قوله: قال شيخنا الخ) عبارته. (فرع) قال العبادي وغيره، واعتمدوه في كتاب مستعار، أي فيه خطأ لا يصلح إلا المصحف، فيجب، ويوافقه إفتاء القاضي، بأنه لا يجوز رد الغلط في كتاب الغير، وقيده الريمي بغلط لا يغير الحكم، وإلا رده، وكتب الوقف أولى، وغيره، بما إذا تحقق ذلك دون ما ظنه، فليكتب، لعله كذا ورد بأن كتابه لعله، إنما هي عند الشك في اللفظ، لا الحكم، والذي يتجه، أن المملوك غير المصحف لا يصلح فيه شيئا مطلقا إلا إن ظن رضا مالكه به. وأنه يجب إصلاح المصحف، لكن إن لم ينقصه خطه، لرداءته، وأن الوقف يجب إصلاحه، وإن تيقن الخطأ فيه، وكان خطه مستصلحا، سواء المصحف وغيره، وأنه متى تردد في عين لفظ، أو في الحكم، لا يصلح شيئا، وما اعتيد من كتابة، لعله كذا، وإنما يجوز في ملك الكاتب. اه‍. قال ع ش: أقول قول حجر إن لم ينقصه خطه الخ: ينبغي أن يدفعه لمن يصلحه، حيث كان خطه مناسبا للمصحف، وغلب على ظنه إجابة المدفوع إليه، ولم تلحقه مشقة في سؤاله، (وقوله: وكان خطه مستصلحا) أي وخرج بذلك كتابة الحواشي بهامشه، فلا يجوز، وإن احتيج إليها، لما فيه من تغيير الكتاب عن أصله، ولا نظر لزيادة القيمة بفعلها، للعلة المذكورة. اه‍. (قوله: إن المملوك) أي الكتاب المملوك (قوله: إلا إن ظن رضا مالكه) أي فإنه يجوز. (وقوله: به) أي بالاصلاح (قوله: وأن الوقف) أي الكتاب الموقوف، وهو معطوف على أن المملوك ومقابل له (قوله: إن تيقن الخطأ فيه) أي وكان خطه مستصلحا. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 162 ]

فصل في بيان أحكام الغصب أي في بيان أحكام الغصب، كوجوب رده، ولزوم أرش نقصه، وأجرة مثله، إلى غير ذلك والمعتمد أنه كبيرة مطلقا، وقيل كبيرة إن كان المغصوب مالا بلغ نصاب سرقة، وإلا فصغيرة، كالاختصاص ونحوه. والاصل في تجريمه قبل الاجماع آيات: كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (1) أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وقوله تعالى: * (ويل للمطففين) * (2) وأخبار كخبر إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم وخبر من ظلم شبرا من الارض طوقه من سبع أرضين رواهما الشيخان، وفي رواية لهما: من غصب قيد شبر من أرض: طوقه من سبع أرضين يوم القيامة وقيد بكسر القاف وسكون الياء: بمعنى قدر. وطوقه، بضم أوله، وكسر الواو المشددة، يحتمل أنه على حقيقته، بأن يجعل كالطوق في عنقه، ويطول عنقه جدا حتى يسع ذلك، ويحتمل أنه كناية عن شدة عذابه ونكاله (قوله: الغصب الخ) أي شرعا، أما لغة، فهو أخذ الشئ ظلما مجاهرة وقيل أخذ الشئ ظلما مطلقا، ودخل في الشئ، المال، وإن لم يتمول، كحبة بر، والاختصاص، كالسرجين، والخمر المحترمة، وخرجت السرقة على القول الاول، ودخلت على القول الثاني، فتسمى غصبا لغة (قوله: استيلاء على حق غير) استيلاء، مصدر استولى يقال استولى على كذا إذا صار في يده قال البجيرمي: والمراد به ما يشمل منع الغير من حقه، وإن لم يستول عليه، بدليل قوله: كإقامة من قعد بمسجد فهو استيلاء حكما. اه‍. وتعبيره بقوله على حق، غير أعم من قول غيره على مال الغير، لانه يدخل في الحق، الاختصاص، والمنافع، بخلاف المال، فلا يدخل فيه ما ذكر وفي شرح الروض، ولا يصح قول من قال هو الاستيلاء على مال الغير، لانه يخرج، الكلب، والخنزير والسرجين، وجلد الميتة، وخمر الذمي، وسائر الاختصاصات، وحق التحجر. (قوله: ولو منفعة) أي: ولو كان ذلك الحق منفعة، وقوله كإقامة من قعد بمسجد أو سوق، زاد في التحفة بعده، والجلوس محله، ولم يزده في النهاية. وكتب البجيرمي: قوله من قعد بمسجد، أي وإن لم يستول على محله. اه‍. وهو يوافق تعريفه السابق للاستيلاء، أي فإذا أقام من قعد في مسجد أو سوق، أي أو موات، أو منعه من سكنى بيت رباط مع استحقاقه له، فهو غاصب (قوله: بلا حق) متعلق باستيلاء، وكان الاولى تقديمه على المثال، لتنضم القيود إلى بعضها، والمثل إلى بعضها، ولان ظاهر عبارته يقتضي أنه متعلق بإقامة، مع أنه من تتمة التعريف، فهو متعلق باستيلاء. وخرج به: العارية، والسوم، ونحوهما، كالبيع، فإن في ذلك استيلاء على حق الغير، لكن بحق. ودخل فيه، ما لو أخذ مال غيره يظنه ماله، فإنه غصب، والتعبير به أولى من قول غيره عدونا، لانه يخرج به ما ذكر، فيقتضي أن ذلك ليس غصبا، مع أنه غصب حقيقة، على المعتمد خلافا لقول الرافعي، إن الثابت في هذه حكم الغصب، لا حقيقته، وهو ناظر إلى أن الغصب يقتضي الاثم مطلقا، وليس كذلك، بل هو غالب فقط. (والحاصل) أن الغصب، إما أن يكون فيه الاثم والضمان، كما إذا استولى على مال غيره المتمول عدوانا، أو الاثم دون الضمان، كما إذا استولى على اختصاص غيره، أو ماله الذي لا يتمول عدوانا، أو الضمان دون الاثم، كما إذا استولى على مال غيره المتمول يظنه ماله، فهذه ثلاثة أقسام، وزاد بعضهم قسما رابعا: هو ما انتفى فيه الاثم والضمان، كأن أخذ اختصاص غيره يظنه اختصاصه. (تنبيه) لو أخذ مال غيره بالحياء، كان له حكم الغصب، فقد قال الغزالي: من طلب من غيره مالا في الملا، أي


(1) سورة البقرة، الاية: 188. (2) سورة المطففين، الاية: 1.

[ 163 ]

الجماعة من الناس، فدفعه إليه لباعث الحياء، لم يملكه، ولا يحل له التصرف فيه. وهو من باب أكل أموال الناس بالباطل. (قوله: كجلوسه على فراش غيره) معطوف على كإقامة، بحذف العاطف، ولعله سقط من النساخ، كما هو ظاهر، أي وكجلوسه على فراش غيره، أي بغير إذنه، فهو غاصب له وإن لم ينقله. ثم إن كان الفراش صغيرا، ضمنه كله، وإن كان كبيرا، ضمن ما يعد مستوليا عليه منه، لا جميعه، ولو جلس عليه آخر بعد قيام الاول، فهو غاصب له، ويضمنه أيضا. وقرار الضمان على من تلف تحت يده. فإن تلف بعد انتقال كل منهما عنه، فعلى كل القرار، بمعنى أن من غرم منهما، لا يرجع على صاحبه، لا أن المالك يغرم كلا منهما بدل كل المغصوب، كما هو ظاهر (قوله: وإزعاجه عن داره) معطوف على جلوسه على فراش غيره: أي وكإزعاجه، أي إخراجه منها، ومثله، منعه من دخولها، وإن لم يدخلها (قوله: وكركوب دابة غيره) أي من غير إذنه، وإن كان مالكها حاضرا وسيرها، بخلاف ما لو وضع عليها متاعا من غير إذنه بحضوره فسيرها المالك، فإنه يضمن المتاع، ولا يضمن مالكه الدابة، إذ لا استيلاء منه عليها. اه‍. تحفة، ونهاية (قوله: واستخدام عبده) أي الغير: أي بغير إذنه وعبارة فتح الجواد، وألحق بها، أي الدابة، ابن كج: استخدام العبد. اه‍. وهذه المثل كلها من قوله كإقامة من قعد الخ للاستيلاء على المنافع (قوله: وعلى الغاصب رد) أي للمغصوب فيما إذا بقي، وهذا شروع فيما يلزم الغاصب بغصبه، فذكر أنه يلزمه الرد والضمان، ويلزمه أيضا التعزير لحق الله تعالى، يستوفيه منه الامام أو نائبه، وإن أبرأه المالك، والرد على الفور في المتمول وغيره عند التمكن، وإن عظمت المؤنة في رده وله استئجار المالك في رده، (وقوله: وضمان متمول) أي محترم، وهو بفتح الواو، أخذا من قول المصباح، تمول: اتخذ مالا، وموله غيره. ع ش وخرج بالمتمول: غيره، كحبة بر، وكلب، وزبل، وسائر الاختصاصات، فلا ضمان فيه، حتى لو كان صاحب اليد قد تكلف على نقل الجلود والسرجين أموالا كثيرة. وبالمحترم، غيره كمرتد، وزان محصن، وقاطع طريق، وتارك صلاة، فلا ضمان فيه أيضا. (وقوله: تلف) أي بآفة أو بإتلاف (قوله: بأقصى قيمة) متعلق بضمان، أي وعلى الغاصب ضمان متمول تلف بأقصى قيمة، أي أبعدها وأكثرها من حين غصب إلى حين تلف. وهذا يفيد أن المتمول هو المتقوم، لانه هو الذي يضمن بأقصى القيم، وليس كذلك، بل هو شامل له وللمثلي. وعبارة المنهج، وعلى الغاصب رد وضمان متمول تلف، ثم قال: ويضمن مغصوب متقوم تلف بأقصى قيمة من غصب إلى تلف الخ، فلا بد من تأويل في كلامه بحمل المتمول على خصوص المتقوم، أو بتقدير متعلق: أي ويضمن متقوم بأقصى الخ ومثلي بمثله، ثم إنه يضمنه بذلك، وإن زاد على دية الحر، لتوجه الرد عليه حال الزيادة، فيضمن الزائد (قوله: ويضمن مثلي) أي مغصوب مثلي (قوله: وهو) أي المثلي. (وقوله: ما حصره كيل أو وزن) أي ما ضبطه شرعا كيل أو وزن، بمعنى أنه يقدر شرعا بالكيل أو الوزن، وليس المراد ما أمكن فيه ذلك، فإن كل شئ يمكن وزنه، حتى الحيوان، فخرج بذلك، ما يعد كالحيوان، أو يذرع كالثياب. وقوله وجاز السلم فيه، خرج به الغالية والمعجون ونحوهما، لان المانع من ثبوت ذلك في الذمة بعقد السلم، مانع من ثبوته بالتلف والاتلاف، وشمل التعريف الردئ نوعا. أما الردئ عيبا، فليس بمثلي، لانه لا يجوز السلم فيه. قال في شرح الروض، وأورد الاسنوي عليه القمح المختلط بالشعير، فإنه لا يجوز السلم فيه، مع أن الواجب فيه المثل، فيخرج القدر المحقق منهما، ويجاب بأن إيجاب رد مثله لا يستلزم كونه مثليا، كما في إيجاب رد مثل المتقوم في القرض. اه‍. وقوله فيخرج القدر المحقق منهما، أي من البر والشعير، ويتصور ذلك بإخراج أكثر من الواجب، فإذا كان الواجب أردبا مثلا، وبعضه بر وبعضه شعير، وشك، هل البر نصف أو ثلث ؟ فيخرج من البر نصفا، ومن الشعير ثلثين، وقال بعضهم: معناه أنا إن تحققنا قدر كل منهما: أخرجنا، وإلا عدلنا إلى القيمة. اه‍. بجيرمي، (وقوله: ويجاب الخ) حاصل هذا الجواب، منع كونه مثليا، بل هو

[ 164 ]

متقوم وإن وجب رد مثله، فهو جواب بالمنع (قوله: كقطن) أي وإن لم ينزع حبه، وهو تمثيل لما حصره وزن. (وقوله: ودقيق وماء) مثالان لما حصره كيل وما حصره وزن، لان كلا منهما يقدر بكيل وبوزن قال البجيرمي: ولا فرق في الماء بين أن يكون عذبا أو ملحا مغلي، أو لا، على المعتمد هنا وفي الربا، ومن المثلي: الخلول مطلقا سواء كان فيها ماء أم لا، على المعتمد، خلافا لمن قيدها بالتي لا ماء فيها، لان الماء من ضرورياتها، ومثلها سائر المائعات، سواء أغليت أم لا، على المعتمد أيضا. ع ش. بنوع تصرف. (وقوله: على المعتمد) أي عند م ر والخطيب، والذي جرى عليه شيخ الاسلام وابن حجر، أن الماء المغلي متقوم وليس بمثلي (قوله: ومسك) مثال لما حصره وزن فقط وذلك لان ليسيره المختلف بالكيل والوزن، مالية كثيرة، ومثل المسك، ما بعده من النحاس، والدراهم، والدنانير: فإنها لما حصره الوزن. وأما التمر وما بعده، إلى آخر الامثلة، فهي تقدر بالكيل وبالوزن، فتكون أمثلة لما حصره كيل، ولما حصره وزن (قوله: ولو مغشوشا) أي ولو كان كل من الدراهم والدنانير مغشوشا: أي أو مكسرا (قوله: وحب جاف) هكذا قيد به في شرح الروض، ولم تقيد به في التحفة، وفي فتح الجواد، وحب صاف، بالصاد المهملة، واحترز به عن المختلط بالشعير، فإنه متقوم، وإن وجب رد مثله، كما مر (قوله: بمثله) متعلق بيضمن، أي يضمن مثلي تلف بمثله، وذلك لآية * (فمن اعتدى عليكم) * (1) ولانه أقرب إلى التالف، ولان المثل، كالنص، لانه محسوس، والقيمة: كالاجتهاد، ولا نظر إلى الاجتهاد إلا عند فقد النص، ويشترط لضمانه بالمثل، شروط خمسة. الاول: أن يكون له قيمة في محل المطالبة، فلو فقدت قيمته فيه كأن أتلف ماء بمفازة، ثم اجتمع بمحل لا قيمة للماء فيه أصلا. لزمه قيمته بمحل الاتلاف، الثاني: أن لا يكون لنقله من محل المطالبة إلى محل الغصب مؤنة، فإن كان لنقله من ذلك، غرمه قيمته بمحل التلف، الثالث: أن لا يتراضيا على القيمة، الرابع: أن لا يصير المثلي متقوما أو مثليا آخر. والاول، كجعل الدقيق خبزا، والثاني، كجعل السمسم شيرجا، فإن صار كذلك، فإن كان الذي صار إليه المثلي أكثر قيمة، فيضمن بقيمته في الاولى، ويتخير المالك بمطالبته بأي المثلين في الثانية، وإن لم يكن كذلك، ضمن المثل فيهما مطلقا سواء ساوت قيمته الآخر، أو زادت عليه. الخامس: وجود المثل، فإن فقد، عدل عنه إلى القيمة. وقوله في أي مكان حل به المثلي، متعلق بيضمن أيضا، والمراد بالضمان، المطالبة، أي يطالب بمثله في أي مكان نقل الغاصب المغصوب المثلي إليه (قوله: فإن فقد المثل) أي حسا أو شرعا: كأن لم يوجد بمكان الغصب ولا حواليه، أو وجد بأكثر من ثمن مثله (قوله: فيضمن بأقصى قيم) أي قيم المكان الذي حل به المثلي. (وقوله: من غصب إلى فقد) أي من حين غصب إلى حين فقد للمثل. وفي التحفة ما نصه: هل المعتبر قيمة المثل أو المغصوب ؟ وجهان، رجح السبكي وغيره، الاول، قالوا: لانه الواجب، وإن كان المغصوب هو الاصل الخ. اه‍. وفي البجيرمي، بعد كلام، وإنما قلنا المضمون هو المثل لا المثلي، لئلا يلزم تقويم التالف، فلو غصب زيتا في رمضان فتلف في شوال، وفقد مثله في المحرم، طولب بأقصى قيمة المثل من رمضان إلى المحرم، فإن كانت قيمته في الحجة أكثر، اعتبرت. اه‍. (قوله: ولو تلف المثلي الخ) صنيعه يقتضي أن المثلي في قوله ويضمن مثلي بمثله الخ لم يكن قد تلف، وأن القيدين الآتيين، أعني قوله إن لم يكن لنقله مؤنة، (وقوله: وأمن الطريق) ليسا راجعين إليه، وليس كذلك، فكان الاولى والاخصر أن يحذف قوله ولو تلف المثلي، ويقول وله مطالبته به في غير المكان الذي حل به المثلي. والمعنى أنه يضمن المثلي بمثله، أي يطالب بمثله في أي مكان حل به المثلي، وله أن يطالب بمثله في غير المكان المذكور، ويكون القيدان راجعين لقوله ويضمن الخ، ولقوله وله أن يطالب الخ، أي


(1) سورة البقرة، الاية: 194.

[ 165 ]

يضمن في أي مكان حل به المثلي إن لم يكن لنقله من محل المطالبة إلى مكان الغصب مؤنة، وكان الطريق آمنا. وله أن يطالب في غير المكان المذكور، إن لم يكن كذلك، وكان الطريق كذلك، فتنبه. وقوله في غير المكان الذي حل به المثلي، سواء كان المكان الذي حل به هو الذي تلف فيه، أو كان مكانا آخر. بجيرمي (قوله: إن لم يكن لنقله الخ) أي إن لم يكن لنقله، أي من بلد الغصب أو التلف إلى البلد الآخر الذي ظفر به فيه مؤنة، وكان الطريق بين البلدين آمنا، إذ لا ضرر حينئذ على واحد منهما. قال في التحفة: وقضيته بل صريحه، وصريح ما مر في السلم والقرض، أن ماله مؤنة وتحملها المالك، كما لا مؤنة له، بل هو داخل فيه، لانه بعد التحمل، يصدق عليه أنه لا مؤنة له، ولا ينافيه قوله لو تراضيا على المثل لم يكن له تكليفه مؤنة النقل، ولا قول السبكي والقمولي كالبغوي لو قال له الغاصب خذه وخذ مؤنة حمله، لم يجبر، أما الاول: فلان على الغاصب ضررا في أخذ المثل، ومؤنة النقل منه. وأما الثاني: فلان على المالك ضررا في تكليفه حمله إلى بلده، وإن أعطاه الغاصب مؤنة، وأما صورتنا فلا ضرر فيها على واحد منهما، لان المالك إذا رضي بأخذ المثل، ودفع مؤنة حمله، لم يكن على الغاصب ضرر بوجه. اه‍. وفي البجيرمي، قوله إن لم يكن لنقله مؤنة، أي على المالك، أو الغاصب. وقوله وأمن، أي كل من المالك والغاصب، وهذان في الحقيقة شرطان لاجبار المالك الغاصب على دفع المثل، ولاجبار الغاصب المالك على أخذه، فقوله فلا يطالب بالمثل، أي لا يجبر الغاصب على دفع المثل إن كان على الغاصب مؤنة في نقل المغصوب إلى هذا المكان، أو خاف الطريق، كأن غصب برا بمصر وتلف بها، ثم طالبه بمكة لا يجب هناك دفع المثل، وقوله ولا للغاصب الخ، أي إن كان على المالك مؤنة في رد المثل إلى مكان الغصب، أو خاف الطريق، كما لو غصب برا بمكة وتلف فيها، ثم لقي المالك بمصر، ليس له تكليفه قبول المثل. اه‍. (قوله: وإلا) أي بأن كان لنقله مؤنة، ولم يتحملها المالك، أخذا مما تقرر، أو خاف الطريق، (وقوله: فبأقصى قيم المكان) أي فيضمنه بأقصى قيم المكان الذي حل به المثلي، وعبارة المنهاج، وإلا فلا مطالبة بالمثل، بل يغرمه قيمة بلد التلف قال في التحفة، سواء كانت بلد الغصب أم لا، هذا إن كانت أكثر قيمة من المحال التي وصل إليها المغصوب، وإلا فقيمة الاقصى من سافر البقاع التي حل بها المغصوب، وذلك لان تعذر الرجوع للمثل كفقده، والقيمة هنا للفيصولة، فإذا غرمها، ثم احتمعا في بلد المغصوب، لم يكن للمالك ردها وطلب المثل، ولا للغاصب استردادها وبذل المثل. اه‍ (قوله: ويضمن متقوم أتلف) هذا يغني عنه قوله سابقا، وضمان متمول تلف بأقصى قيمة الخ. إلا أن يحمل ما هنا على غير المغصوب، ويؤيده التصريح به في عبارة المنهج ونصها: ويضمن متقوم أتلف بلا غصب بقيمة وقت تلف. وكتب البجيرمي: هذا محترز قوله متقوم مغصوب. اه‍. فلو صنع المؤلف كصنيع المنهج، لكان أولى (قوله: كالمنافع والحيوان) تمثيل للمتقوم، وصورة تلف المنافع المغصوبة أن يسكن دار غيره، أو يركب الدابة، فتلزمه القيمة، وهي هنا أجرة المثل، وصورة تلف غير المغصوبة، أن يعير المستعير الدار التي استعارها من غير إذن مالكها، فالمالك يضمن المستعير، وهو يرجع إلى الساكن بالقيمة وهي ما مر (قوله: بالقيمة) متعلق بيضمن، أي يضمن بالقيمة، أي وقت التلف فقط، إن حمل قوله ويضمن متقوم على غير المغصوب، كما علمت، فإن حمل على المغصوب، كما هو ظاهر صنيعه، فيضمن بأقصى القيم من حين الغصب إلى حين التلف (قوله: ويجوز أخذ القيمة الخ) الاولى تقديمه هو وما بعده على قوله ويضمن متقوم الخ (قوله: وإذا أخذ منه) أي من الغاصب، وهو مرتبط بقوله ويجوز أخذ القيمة على المثلي وجعله شرح المنهج مرتبطا بقوله وإلا فبأقصى قيم المكان، والمعنى إذا أخذ منه القيمة في غير المكان الذي حل به المثلي، ثم اجتمعا في بلد الغصب أو التلف: لم يرجعا إلى المثل، فهي للفيصولة (قوله: وحيث وجب مثل الخ) عبارة الروض وشرحه: وحيث وجب المثل، فحدث فيه غلاء أو رخص لم يؤثر في استحقاق المالك له، فلو أتلف مثليا في وقت الرخص فله طلب المثل في وقت الغلاء، ولو أتلفه في وقت الغلاء وأتى به في وقت الرخص لزمه القيمة. نعم:

[ 166 ]

إن أخرج المثل عن أن يكون له قيمة أصلا، لزمه قيمة المثل. اه‍. بحذف (قوله: فروع) أي خمسة، وكلها استطرادية، ما عدا الرابع، والخامس، وهما قوله ويبرأ الغاصب الخ، وقوله ولو خلط الخ. ومحلها، في الجنايات، ومناسبتها للغصب، من حيث الضمان (قوله: لو حل رباط سفينة) أي فك رباطها (قوله: فغرقت) أي السفينة، وقوله بسببه: أي الحل (قوله: أو بحادث ريح) أي أو غرقت لا بسبب الحل، بل بسبب ريح حادث أو غيره. وقوله: فلا، أي فلا يضمنها. (قوله: وكذا إن لم يظهر سبب) أي وكذلك لا ضمان إن لم يظهر سبب للغرق، أي من ريح أو غيره، عبارة الروض. (فرع) حل رباط سفينة فغرقت بحله: ضمن، أو بحادث ريح، فلا - فإن لم يظهر حادث: فوجهان قال في شرحه: أحدهما المنع، أي من الضمان، كالزقاق، قال الزركشي: وهو الاقرب، للشك في الموجب. والثاني: يضمن، لان الماء أحد المتلفات. اه‍ (قوله: ولو حل وثاق بهيمة) أي رباطها (قوله: أو عبد لا يميز) أي أو حل وثاق عبد غير مميز، بأن كان مجنونا، أو صغيرا، أما إذا كان مميزا، فلا ضمان بحل وثاقه، كما يأتي قريبا (قوله: أو فتح الخ) معطوف على حل (قوله: فخرجوا) أي ذهبوا، بأن هربت البهيمة، وأبق العبد، وطار الطير (قوله: ضمن) جواب لو (قوله: إن كان بتهييجه الخ) هذا وما بعده إنما يلائم الاخير، أعني فتح القفص عن الطير، وعبارة الروض وشرحه. (فرع) لو فتح قفصا عن طائر، فطار في الحال، وإن لم يهيجه، ضمن، لان طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وإلا بأن وقف ثم طار، فلا يضمنه، لان طيرانه بعد الوقوف، يشعر باختياره وإن أخذته هرة بمجرد الفتح وقتلته، وإن لم تدخل القفص، أو لم يعهد ذلك منها، فيما يظهر، أو طار فصدمه جدار فمات، أو كسر في خروجه قارورة، أو القفص، ضمن ذلك، لانه ناشئ من فعله، ولان فعله في الاولى، في معنى إغراء الهرة وحل رباط البهيمة، والعبد المجنون، وفتح باب مكانهما كفتح القفص فيما ذكر وفي معنى المجنون: الصبي الذي لا يميز، لا العبد العاقل، ولو كان آبقا، لانه صحيح الاختيار. اه‍. بحذف (قوله: وكذا إن اقتصر الخ) أي وكذلك يضمن إن اقتصر على الفتح، ولم يهيجه، لكن بشرط خروجه من القفص حالا، وإن فلا ضمان (قوله: لا عبدا عاقلا الخ) أي لا يضمن عبدا عاقلا حل وثاقه فأبق، لانه صحيح الاختيار، فخروجه عقب ما ذكر، يحال عليه. وهذا محترز قوله لا يميز، وكان المناسب والاخصر، لا عبد مميز - بالجر - وبإبدال عاقل بمميز، وحذف قوله حل قيده الخ، ولعله إنما غير الاسلوب، لاجل الغاية بعده (قوله: ويبرأ الغاصب برد العين) مرتبط بقوله وعلى الغاصب رد، فكان الاولى، تقديمه هو وما بعدده على الفروع (قوله: ويكفي) أي في الرد وقوله وضعها: أي العين. وقوله عنده أي المالك (قوله: ولو نسيه) أي نسي الغاصب المالك برئ. أي الغاصب بالرد إلى القاضي (قوله: ولو خلط) أي الغاصب، أي أو اختلط فنفسه عنده، قال في التحفة: وخرج بخلط، أو اختلط عنده، الاختلاط، حيث لا تعدى، كأن انثال بر على مثله، فيشترط مالكاهما بحبسهما، فإن استويا قيمة فبقدر كيلهما، فإن اختلفا قيمة، بيعا، وقسم الثمن بينهما بحسب قيمتهما. اه‍. (وقوله: مثليا) أي مغصوبا مثليا، وقوله أو متقوما، أي أو اختلط مغصوبا متقوما، وفي البحيرمي ما نصه: قوله كزيت بزيت، وكالزيت كل مثلي، كالحبوب، والدراهم، على المعتمد، بخلاف المتقوم، فلا يأتي فيه ذلك، بدليل وجوب الاجتهاد في اشتباه شاته بشاة غيره، وفي اختلاط حمام البرجين، قاله شيخنا م ر ق ل. اه‍. وقوله بما لا يتميز، متعلق بخلط، والصلة جارية على غير من هي له وعائد الموصول محذوف، أي خلط المغصوب مثليا أو متقوما بالذي لا يتميز ذلك منه، والمراد بما يتعذر تمييزه منه، بعد خلطه

[ 167 ]

فيه، وعبارة المنهج: ولو خلط مغصوبا بغيره، وأمكن تمييزه منه، لزمه، وإلا فكتالف. اه‍ (قوله: كدهن الخ) أي كخلط دهن، وقوله بجنسه، متعلق بالمضاف المقدر، وذلك كخلط سمن بسمن، أو زيت بزيت وقوله أو غيره، كسمن بزيت، ومثل لخلط، المثليات، ولم يمثل لخلط المتقومات، وهو يؤيد ما في البجيرمي (قوله: وتعذر التمييز) خرج به: ما إذا أمكن التمييز كبر أبيض بأحمر، أو بشعير، فإنه يلزمه، وإن شق عليه، (قوله: صار هالكا) جواب لو، أي صار المغصوب المختلط بغيره كالهالك، أي التالف (قوله: لا مشتركا) أي لا يصير المال المغصوب المختلط مع مال الغاصب مشتركا بينه وبين المغصوب منه (قوله: فيملكه الغاصب) قال في التحفة: إن قبل التملك، وإلا كتراب أرض موقوفة خلطه بزبل وجعله آجرا، غرم مثله، أي التراب، ورد الآجر للناظر، ولا نظر لما فيه من الزبل، لانه اضمحل بالتراب. اه‍. وفي البجيرمي ما نصه: (واعلم) أي السبكي اعترض القول بجعله تالفا واستشكله، وقال: كيف يكون التعدي سببا للملك ؟ وساق أحاديث جمة، واختار أن ذلك شركة بينهما، كالثوب المصبوغ، قال: وفتح هذا الباب فيه تسلط الظلمة على ملك الاموال بخلطها قهرا على أرباب الاموال زي ومع ذلك، فهو ضعيف، كما في شرح م ر - وعبارته، ولهذا صوب الزركشي قول الهلاك، قال: ويندفع المحذور بمنع الغاصب من التصرف فيه، وعدم نفوذه منه، حتى يدفع البدل. اه‍. (قوله: لكن الاوجه الخ) استدراك على كونه يملكه الغاصب دفع به ما يتوهم من جواز التصرف قبل إعطاء البدل، وقوله أنه، أي الغاصب وقوله محجور عليه الخ، أي ممنوع من التصرف في المال المختلط فيه المغصوب، وقوله حتى يعطى بدله، أي المغصوب، وله أن يعطيه من المخلوط إن خلطه بمثله، أو بأجود، دون الاردأ، إلا أن يرضى به، ولا أرش وله أن يعطيه من غيره، إن لم يرض، لان الحق انتقل إلى ذمة الغاصب، وانقطع تعلق المالك بعين المخلوط. قال في التحفة: ويكفي كما في فتاوى المصنف، أن ينعزل من المخلوط: أي بغير الاردإ قدر حق المغصوب منه ويتصرف في الباقي، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 168 ]

باب في الهبة أي في بيان أحكامها: كجوازها، وعدم لزومها إلا بالقبض، وهي لغة مأخوذة من هبوب الريح، أي مروره، لمرورها من يد إلى أخرى، أو من مصدر هب من نومه بمعنى استيقظ، لان فاعلها استيقظ للاحسان بعد أن كان غافلا عنه. وشرعا، تطلق على ما يعم الصدقة والهدية والهبة ذات الاركان، أي على معنى عام يشمل الثلاثة، وهو تمليك تطوع في حياة، وتطلق على ما يقابلهما، وهو تمليك تطوع في حياة، لا لاكرام، ولا لاجل ثواب أو احتياج بإيجاب وقبول، وهذا هو معنى الهبة ذات الاركان، وهو المراد عند الاطلاق، فكل صدقة وهدية، هبة، ولا عكس - لانفرادها في ذات الاركان والاصل فيها، بالمعنى الاعم، قبل الاجماع آيات، كقوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى) * (1) أي ليعن بعضكم بعضا على ما فيه بر وتقوى، وقوله تعالى: * (وآتى المال على حبه) * (2) أي مع حب المال أو لاجل حب الله، فالضمير عائد على المال، وعلى، بمعنى مع، أو لله. وعلى بمعنى لام التعليل، وأخبار: كخبر الصحيحين لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة أي لا تحقرن جارة مهدية لجارتها المهدى إليها، أو بالعكس، ولو ظلف شاة مشويا. وهو مبالغة في القلة، أي ولو شيئا قليلا، ويروى أن عائشة رضي الله عنها أعطت سائلا حبة عنب، فأخذ يقلبها بيده استحقارا لها، فقالت زجرا، كم في هذه من مثقال ذرة ؟ والله تعالى يقول: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * (3). وأركانها، بالمعنى الخاص، أركان البيع، فهي ثلاثة إجمالا، عاقد، وموهوب، وصيغة، وشرط في العاقد، بمعنى الواهب، أهلية أن يتبرع، وبمعنى الموهوب له أهلية أن يتبرع عليه، فلا تصح من مكاتب بغير إذن سيده، ولا من ولي في مال موليه، ولا لحمل، ولا لبهيمة، ولا لنفس الرقيق، وشرط في الموهوب، صحة جعله عوضا، إلا نحو حبة بر، فتصح هبتها، وإن لم يصح بيعها، فنقل اليد عن الاختصاص، لا يسمى هبة، وإلا هبة موصوف في الذمة، كأن يقول وهبتك كذا في ذمتي، فلا يصح، لان الهبة إنما ترد على الاعيان، لا على ما في الذمة، بخلاف البيع، فإنه يرد عليهما وشرط في الصيغة ما شرط في صيغة البيع، ومنه توافق الايجاب والقبول، فلو وهب له شيئين، فقبل أحدهما، أو شيئا واحدا، فقبل بعضه، لم يصح، وقيل بالصحة. وفرق بين الهبة والبيع، بأنه معاوضة، فضيق فيه، بخلافها (قوله: أي مطلقها الشامل للصدقة والهدية) أي المراد بالهبة في الترجمة، ما يشمل الصدقة والهدية، لا ما يقابلهما، وفيه أن التعريف المذكور خاص بالثاني، فيلزم عليه أنه ترجم لشئ ولم يذكره، وهو معيب (قوله: الهبة تمليك عين) خرج بها المنافع، وسيأتي ما فيها، قال في التحفة: وخرج بالتمليك، العارية والضيافة، فإنها إباحة، والملك إنما يحصل بالازدراد والوقف، فإنه تمليك منفعة لا عين، كذا قيل. والوجه أنه لا تمليك فيه، وإنما هو بمنزلة الاباحة. (وقوله: يصح بيعها غالبا) أشار بذلك لقاعدة، وهي أن كل ما صح بيعه، صحت هبته، وما لا يصح بيعه، لا تصح هبته. واستثنى من المنطوق، مسائل منها: الجارية المرهونة إذا استولدها الراهن المعسر أو أعتقها، فإنه يجوز بيعها، للضرورة، ولا يجوز هبتها، ومنها المكاتب، يجوز بيع


(1) سورة المائدة، الاية: 2. (2) سورة االبقرة، الاية: 177. (3) سورة الزلزلة، الاية: 7.

[ 169 ]

ما في يده، ولا تصح هبته. ومنها المنافع، يجوز بيعها بالاجارة، وفي هبتها وجهان: أحدهما لا تصح، لانها ليست بتمليك، بناء على أن ما وهبت منافعه عارية، وثانيهما تصح، لانها تمليك، بناء على أن ما وهبت منافعه أمانة، وهو ما رجحه ابن الرفعة والسبكي وغيرهما، واستثني من المفهوم أيضا مسائل، منها ما سيذكره الشارح بقوله: وقد تصح الهبة دون البيع كهبة حبتي بر ونحوهما الخ، ومنها. حق التحجر كأن نصب علامات على موات ولم يحيه، فإنه يثبت له فيه حق التحجر، فيجوز هبته، ولا يجوز بيعه ومنها: صوف الشاة المجعولة أضحية ولبنها وجلدها. ومنها الثمار قبل بدو الصلاح، فتجوز هبتها من غير شرط القطع، بخلاف البيع ومنها اختلاط حمام أحد البرجين بالآخر، أو بره أو مائعه ببر آخر أو مائعه فانه إذا وهب أحدهما نصيبه للآخر صحت هبته، وإن جهل قدره وصفته دون بيعه، وقد أشار إلى هذه المستثنيات بقوله: غالبا (قوله: أو دين) معطوف على عين، أي أو تمليك دين، أي لغير من هو عليه، وأما لمن هو عليه، فإبراء لا يحتاج إلى قبول، كما سيصرح به المؤلف (قوله: من أهل تبرع) متعلق بتمليك، أو بمحذوف حال منه: أي حال كونه كائنا من أهل تبرع، فهو قيد في صحة الهبة. وتقيد أيضا بأن تكون على من هو أهل لان يتبرع عليه، كما تقدم (قوله: بلا عوض) أي بلا أخذ عوض من الموهوب له، وهو أيضا متعلق بتمليك، أو بمحذوف حال منه (قوله: واحترز) فعل ماض مبني للمجهول. ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا مبدوء بهمزة المتكلم، وهو الاولى، وقوله عن البيع، أي فهو ليس بهبة، لانه تمليك عين بعوض، وقوله والهبة بثواب، أي وعن الهبة بثواب، أي عوض، كقوله وهبتك هذا على أن تثيبني عليه، فيقبله. ومقتضى عبارته أن الهبة بثواب لا يطلق عليها اسم الهبة لوجود العوضية، وبه صرح الزبيري، كما في المغني (قوله: فإنها) أي الهبة بثواب بيع حقيقة، أي بالنظر للمعنى، وهو وجود العوض، فيجري فيها حينئذ أحكام البيع من الخيارين والشفعة وحصول الملك بالعقد، لا بالقبض، ومنع قبول بعض الموهوب ببعض الثواب أو كله، لاشتراط المطابقة في البيع، بخلاف التي بلا ثواب، فإنه لا يضر فيها قبول بعض الموهوب على ما تقدم (قوله: بإيجاب) متعلق بتمليك، أو حال منه، على نحو ما مر، والمراد لفظا في حق الناطق، وإشارة في حق الاخرس (وقوله: كوهبتك هذا الخ) دخل تحت الكاف، أكرمتك، وعظمتك ونحلتك، وكذا أطعمتك ولو في غير طعام، كما نص عليه (قوله: وقبول) أي لفظا أو إشارة أيضا، (وقوله: متصل به) أي بالايجاب، فيضر الفصل بينهما بأجنبي. قال في النهاية، والاوجه، كما رجحه الاذرعي، اغتفار قوله بعد وهبتك وسلطتك على قبضه، فلا يكون فاصلا مضرا لتعلقه بالعقد، اه‍ (قوله: وتنعقد) أي الهبة. وقوله بالكناية، أي مع النية، ومنها الكتابة (قوله: كلك هذا) قال ع ش: ومنه ما اشتهر من قولهم في الاعطاء بلا عوض جبي، فيكون هبة حيث نواها به. اه‍ (قوله: أو كسوتك هذا) ظاهره ولو في غير الثياب، ويكون بمعنى نحلتك. اه‍. ع ش (قوله: وبالمعاطاة على المختار) أي وتنعقد بالمعاطاة على قول اختير، كما عبر به في التحفة، وفي النهاية: وبالمعاطاة على القول بها، اه‍. وكان الاولى: التعبير بذلك لما لا يخفى ما في عبارته من الايهام (قوله: وقد لا تشترط الصيغة) أي التصريح بها، وإلا فهي معتبرة تقديرا، كما قاله المحلي في أول البيع. اه‍. ع ش (قوله: كما لو كانت) أي الهبة، وقوله ضمنية: أي مندرجة في ضمن غيرها (قوله: كأعتق عبدك عني) أي فكأنه قال له هبني عبدك وأعتقه عني، وقوله فأعتقه، أي المالك عنه، فحينئذ يدخل العبد في ملك الآمر هبة، ويعتقق عليه، ولا يحتاج للقول (قوله: وإن لم يقل مجانا) أي تصح الهبة الضمنية من غير صيغة بقوله أعتق الخ: سواء قال له أعتق عبدك عني مجانا، أي بلا عوض، أو لم يقل ذلك، فالغاية المقدر (قوله: وكما لو زين ولده الصغير) أي فإنه يكون ملكا له، ولا يحتاج إلى صيغة، وهو عطف على قوله كما لو كانت ضمنية (قوله: بخلاف زوجته) أي فإن تزيينه لها بحلى لا يكون

[ 170 ]

تمليكا لها (قوله: لانه قادر على تمليكه) علة لمقدر، أي وإنما كان تزيينه لولده تملكا له، بخلاف تزيين الزوجة، لانه قادر على تمليك ولده بتولي الطرفين، بخلاف الزوجة. قال ع ش: ويؤخذ منه، أي من التعليل المذكور، أي غير الاب والجد إذا دفع إلى غيره شيئا، كخادمه، وبنت زوجته، لا يصير ملكا له، بل لا بد من إيجاب وقبول من الخادم إن تأهل للقبول، أو وليه إن لم يتأهل له. فليتنبه له، فإنه يقع كثيرا بمصرنا. نعم، إن دفع ذلك لمن ذكر لاحتياجه له أو قصد ثواب الآخرة، كان صدقة، فلا يحتاج إلى إيجاب ولا قبول. ولا يعلم ذلك إلا منه، وقد تدل القرائن الظاهرة على شئ فيعمل به. اه‍. (قوله: قاله القفال) أي قال ما ذكر: من أن تزيين الاب ولده الصغير بحلى تمليك له (قوله: اعترض) أي اعترض جمع من الفقهاء ما قاله القفال، وأقره عليه جمع، من أن تزيين الاب لولده الصغير تمليك له (قوله: حيث الخ) بيان لوجه المخالفة (قوله: بإيجاب وقبول) الباء للتصوير، أي الطرفين المصورين بالايجاب والقبول، كما هو ظاهر، قال ع ش: أي فلا فرق بين الزوجة والولد وغيرهما في أن التزيين لا يكون تمليكا. اه‍ (قوله: وهبة ولي غيره أن يقبلها الحاكم) أي وحيث اشترطا في هبة ولي غير الاصل قبول الهبة من الحكم أو نائبه فهبة، مجرور معطوف على هبة الاصل، وهو مضاف إلى ما بعده، وولي يقرأ بالتنوين وغيره بدل منه، والضمير فيه يعود على الاصل، والمصدر المؤول من أن ويقبلها منصوب مفعول لاشترطا مقدر (قوله: ونقلوا عن العبادي الخ) هذا تأييد للاعتراض: أي نقل المعترضون عن العبادي، وأقروه أنه، أي الاصل، لو غرس أشجارا، وقال عند الغرس اغرسها لابني مثلا، لم يكن إقرارا له. قال ع ش: أي ولا يكون تمليكا للابن. وفي التحفة، والفرق بأن الحلي صار في يد الصبي دون الغرس، لا يجدي، لان صيرورته في يده بغير لفظ تملك، لا يفيد شيئا، على أن كون هذه الصيرورة تفيد الملك هو محل النزاع، فلا فرق. اه‍ (قوله: بخلاف الخ) خبر مبتدأ محذوف، أي وهو متلبس بخلاف الخ. وقوله ما لو قال، أي الاصل (قوله: فإنه إقرار) أي فإن قوله المذكور إقرار بالعين لابنه ولو رشيدا أو للاجنبي. قال ع ش: وذلك لاحتمال أن يكون الاجنبي وكله مثلا في شرائها له ومثله ولده الرشيد، وأن يكون تملكها لغير الرشيد من مال نفسه أو مال المحجور عليه اه‍ (قوله: ولو قال جعلت هذا لابني الخ) عبارة الروض وشرحه، فإن غرس شجرا وقال عنده، أي عند غرسه، اغرسه لطفلي، لم يملكه، ولو قال جعلته له، صار ملكه، لان هبته له، لا تقتضي قبولا، بخلاف ما لو جعله لبالغ، هذا إن اكتفينا بأحد الشفين من الوالد، فإن لم نكتف به، وهو الاصح، لم يصرح ملكه. اه‍. (وقوله: لم يملكه) أي الابن. وينبغي أن يكون كناية. اه‍. ع ش. (وقوله: إلا إن قبض له) أي بعد القبول له، كأن يقول قبلت له، ثم يقبض. وعبارة التحفة: إلا إن قبل وقبض له. اه‍ (قوله: وضعف السبكي الخ) هذا تأييد للاعتراض أيضا، وساقه في التحفة عقب قوله فلا فرق في الفرق الذي نقلته عنها بلفظ ثم رأيت الاذرعي قال إنه لا يتمشى على قواعد المذهب والسبكي والاذرعي وغيرهما ضعفوا قول الخوارزمي وغيره أن إلباس الخ ثم رأيت آخرين نقلوا عن القفال نفسه أنه لو جهز الخ (قوله: أن إلباس الاب الخ) هو عين التزيين المار، بل أخص منه، فلذلك ساقه تأييدا للاعتراض، كما علمت (قوله: ونقل الخ) تأييد أيضا للاعتراض، كما يشير إليه قوله، وهذا صريح الخ (قوله: أنه) أي الاصل لو جهز بنته، أي بعثها إلى بيت زوجها مع أمتعة، وقوله بلا تمليك، أي من غير أن يصدر منه صيغة تمليك (قوله: يصدق) أي الاصل، وهو جواب لو (قوله: في أنه الخ) متعلق بيصدق. (وقوله: إن ادعته)

[ 171 ]

أي التمليك (قوله: وهذا صريح الخ) أي ما نقله جماعة من القفال نفسه: صريح في رد ما سبق منه، من أنه لو زين ولده الصغير، يكون تمليكا، وكتب الرشيدي ما نصه، قوله وهو صريح في رد الخ، فيه نظر إذ ذاك في الطفل كما مر، بخلاف ما هنا، فإنه في البالغة، كما يرشد إليه قوله، إن ادعته، نعم إن كانت البنت صغيرة، أتى فيها ما مر في الطفل، كما لا يخفى. اه‍ (قوله: وجهازها) بكسر الجيم وفتحها، أي أمتعتها (قوله: فهو) أي الجهاز ملك لها، أي مؤاخذة بإقراره (قوله: وإلا فهو عارية) أي وإن لم يقل هذا جهاز بنتي، فهو عارية عندها. وفي ع ش: قال سم كذك يكون عارية فيما يظهر إذا قال جهزت ابنتي بهذا، إذ ليس هذا صيغة إقرار بملك. م ر. اه‍. والفرق بين هذه ومسألة القاضي، أي التي نقلها المؤلف، أن الاضافة إلى من يملك، تقتضي الملك، فكان ما ذكره في مسألة القاضي: إقرارا بالملك، بخلاف ما هنا. اه‍ (قوله: ويصدق بيمينه) أي فيما إذا تنازعا في القول المذكور بأن ادعت أنه قال هذا جهاز بنتي، وأنكر هو ذلك، فيصدق بيمينه في أنه ما قال ذلك (قوله: وكخلع الملوك) عطف على قوله السابق: كما لو كانت ضمنية - وهي بكسر الخاء، وفتح اللام، جمع خلعة، الكسوة التي تخلع على الامراء وغيرهم، من نحو مشايخ البلد، فإنها هبة، ولا تحتاج إلى صيغة، وقال بعضهم، إنها هدية، لا هبة، لان القصد فيها الاكرام (قوله: لاعتياد الخ) تعليل لصحة هبة خلع الملوك من غير صيغة، أي وإنما صحة الهبة فيها من غير صيغة، لان العادة جرت بعدم اللفظ فيها (قوله: انتهى) أي ما قاله شيخه في شرح المنهاج، لكن بتصرف وحذف، كما يعلم بالوقوف على عبارته (قوله: ونقل شيخنا الخ) هذا لا يلائم ما قبله، فإنه في الهبة التي تحتاج إلى صيغة، وهذا في الهدايا التي لا تحتاج إلى صيغة، كما هو صريح قوله إذا أهدى الخ (قوله: بعد العقد) يفيد أنه إذا كان قبل العبد لا تملكه إلا بإيجاب وقبول، لكن قد علمت أن قوله أهدي، يقتضي أنه هدية، وعليه فلا فرق على أنه سيأتي آخر الباب أن من دفع لمخطوبته طعاما أو غيره ليتزوجها فرد قبل العقد، رجع على من أقبضه. فيقتضي حينئذ أنه إذا لم يرد، لا يرجع فيه، فهي تملك ما دفع لها قبل العقد لاجله من غير صيغة، وقوله بسببه، أي العقد يفيد أيضا أنه إذا كان لا بسببه لا تملكه إلا بإيجاب وقبول. وقد علمت ما فيه (قوله: ومن ذلك) أي مما لا يحتاج إلى إيجاب وقبول، ما يدفعه الرجل الخ (قوله: فإن ذلك) أي المدفوع إليها. (وقوله: تملكه المرأة بمجرد الدفع إليها) أي من غير احتياج إلى صيغة (قوله: ولا يشترط الايجاب والقبول الخ) شروع في بيان الصدقة. والهدية (قوله: قطعا) أي بخلاف (قوله: وهي ما أعطاه محتاجا الخ) فإن كان ذلك بلا صيغة، فهي صدقة فقط، وإن كان معها، فهي صدقة وهبة، ومثله، يقال في الهدية. (والحاصل) أنه إن ملك لاجل الاحتياج أو لقصد الثواب مع صيغة، كان هبة وصدقة، وإن ملك بقصد الاكرام مع صيغة، كان هبة وهدية، وإن ملك لا لاجل الثواب ولا الاكرام بصيغة، كان هبة فقط. وإن ملك لاجل الاحتياج أو الثواب من غير صيغة، كان صدقة فقط، وإن ملك لاجل الاكرام من غير صيغة، كان هدية فقط، فبين الثلاثة عموم وخصوص من وجه (قوله: أو غنيا لاجل ثواب الآخرة) أي أو أعطاه غنيا لاجل ثواب الآخرة، وهو يفيد أنه إن أعطاه غنيا لا لاجل ثواب الآخرة، لم يكن صدقة وهو ظاهر (قوله: ولا في الهدية) أي ولا يشترط الايجاب والقبول في الهدية، وظاهره أن ذلك قطعا، لانه معطوف على قوله في الصدقة المسلط عليه، ولا يشترط الايجاب والقبول قطعا، وليس كذلك، بل هو على

[ 172 ]

الصحيح، كما صرح به في متن المنهاج، وعبارته: ولا يشترطان، أي الايجاب والقبول، في الهدية على الصحيح، بل يكفي البعث من هذا والقبض من ذلك، قال في المغني، كما جرى عليه الناس في الاعصار، وقد أهدى الملوك إلى رسول الله (ص) الكسوة والدواب والجواري. وفي الصحيحين: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها وعن أبويها ولم ينقل إيجاب ولا قبول. اه‍. (لطيفة): قال بعضهم ست كلمات جوهرية لا يحويها إلا العقول الذكية، أصل المحبة، الهدية، وأصل البغضة، الاسية، وأصل القرب، الامانة، وأصل البعد، الخيانة. وأصل زوال النعمة، البطر، وأصل العفة، غض البصر (قوله: ولو غير مأكول) غاية لعدم اشتراط الايجاب والقبول في الهدية. ولفظ غير، منصوب بإسقاط الخافض، أي ولو كانت الهدية بغير مأكول، أي من كل ما ينقل، كالثياب، والعبيد، وأما غير المنقول، كالعقار، فلا يقع عليه اسم الهدية، كما يفيده قوله بعد، وهي ما نقله الخ. قال في شرح الروض، واستشكل ذلك بأنهم صرحوا في باب النذر بما يخالفه، حيث قالوا، لو قال لله علي أن أهدي هذا البيت، أو الارض، أو نحوهما، مما لا ينقل، صح، وباعه، ونقل ثمنه. ويجاب بأن الهدي، وإن كان من الهدية، لكنهم تواسعوا فيه بتخصيصه بالاهداء إلى فقراء الحرم، وبتعميمه في المنقول وغيره، ولهذا لو نذر الهدي، انصرف إلى الحرم، ولم يحمل على الهدية إلى فقير. اه‍. (قوله: وهي) أي الهدية، وقوله ما نقله: أي تمليك ما نقله المهدي، ومثله: ما لو بعثه. وقد عبر به بعضهم (قوله: إلى مكان الموهوب له) المناسب المهدي إليه، كما هو ظاهر (قوله: إكراما) أي لاجل الاكرام، قال السبكي، والظاهر أن الاكرام ليس شرطا، والشرط، هو النقل. قال الزركشي، وقد يقال احترزوا به عن الرشوة (قوله: بل يكفي الخ) إضراب انتقالي من قوله ولا في الهدية، أي ولا يشترطان في الهدية بل يكفي فيها الخ. وقوله البعث. الانسب بما قبله النقل بدله، (وقوله: من هذا) أي المهدي، فالبعث منه بمنزلة الايجاب منه، (وقوله: القبض من ذاك) أي المهدى إليه، أي وهو بمنزلة القبول منه. قال سم: هل يشترط الوضع بين يديه كما في البيع ؟ ثم رأيت في تجريد المزجد ما نصه: في فتاوى البغوي يحصل ملك الهدية بوضع المهدي بين يديه إذا أعلمه به، ولو أهدى إلى صبي ووضعه بين يديه أو أخذه الصبي لا يملكه. اه‍. وهو يفيد ملك البالغ بالوضع بين يديه، وقد جعلوا ذلك قبضا في البيع. اه‍. (قوله: وكلها مسنونة) أي الهبة، والصدقة، والهدية، (وقوله: وأفضلها الصدقة) أي لانها في الغالب تعطى للمحتاجين. قال في الروض وشرحه، والكل مستحب، وإن كانت الصدقة أفضل، وصرفه إلى الجيران والاقارب أفضل منه إلى غيرهم. ولا يحتقر المهدي ولا المهدى إليه القليل، فيمتنع الاول من إهدائه، والثاني من قبوله، لخبر: لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة ويستحب أن يدعو كل منهما للآخر بالبركة ونحوها، بأن يدعو المهدى إليه للمهدي، ثم يدعو له الآخر. اه‍. (قوله: وأما كتاب الرسالة الخ) الاولى حذف أما، لعدم تقدم ما يقابلها، وذكر هذه المسألة في التحفة بعد كلام يلائمها، ونصها مع الاصل، ولو بعث هدية في ظرف، فإن لم تجر العادة برده، كقوصرة تمر، أي وعائه، فهو هدية أيضا، كالذي في الظرف، تحكيما للعرف المطرد، وكتاب الرسالة الخ. اه‍. بتصرف. فلو صنع الشارح كصنيع شيخه، لكان أولى (قوله: الذي لم تدل قرينة على عوده) قال ع ش: كأن كتب له فيه رد الجواب على ظهره (قوله: فقد قال المتولي الخ) قال في النهاية، هو أوجه من قول غيره (قوله: وقال غيره) أي غير المتولي (قوله: هو) أي الكتاب المرسل (قوله: وللمكتوب إليه الانتفاع به) أي بأن يتعلم على الخطر الذي فيه أو يحفظ ما فيه ليكتب نظيره إلى صاحبه، وانظر، هل يجوز أن يكتب في ظهره

[ 173 ]

مسائل يتحفظها أم لا ؟ مقتضى إطلاقه، جواز الانتفاع الاول (قوله: وتصح الهبة الخ) دخول على المتن، (وقوله: باللفظ المذكور) أي وهو كوهبتك هذا في الايجاب، وكقبلت ورضيت في القبول (قوله: بلا تعليق) متعلق بتصح (قوله: فلا تصح مع تعليق) مفرع على المفهوم (قوله: ولا مع تأقيت) زائد على المفهوم، فكان الاولى أن يفرده عما قبله بأن يقول: ولا تصح مع تأقيت أيضا. (قوله: بغير عمرى ورقبى) أي أما التأقيت بهما، فلا يضر، ولا يخفى أن لفظ العمرى والرقبى من ألفاظ الهبة، لكنه صيغة مخصوصة، فالعمري: من العمر، لذكر لفظ العمر فيها. والرقبى، من الرقوب، لان كلا منهما يرقب موت صاحبه (قوله: فإن أقت الواهب الهبة بعمر المتهب) أي أو أرقبه إياها، كقوله أرقبتك هذه الدار وجعلتها لك رقبى، أي إن مت قبلي، عادت إلي، وإن مت قبلك، استقرت لك، فقبل وقبض، صحت، وتكون مؤبدة (قوله: أو ما عشت) أي أو وهبت لك هذا ما عشت، بتاء المخاطب (قوله: صحت) أي الهبة (قوله: وإن لم يقل الخ) غاية في الصحة، أي صحت الهبة، وإن لم يقل الواهب بعد قوله وهبت لك هذا عمرك فإذا مت، بفتح التاء، فهي لورثتك (قوله: وكذا إن شرط الخ) أي وكذا تصح الهبة إن شرط عودها إلى الواهب، بأن قال له أعمرتك هذه الدار، فإت مت، عادت إلي أو إلى ورثتي (قوله: فلا تعود إليه الخ) أي وإذا شرط ذلك، فلا تعود إلى الواهب ولا إلى وارثه، فيلغو الشرط المذكور، كما سيصرح به (قوله: للخبر الصحيح) دليل لكون التأقيت بهما لا يضر، وهو لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئا أو أرقبه، فهو لورثته أي لا تعمروا ولا ترقبوا طمعا في أن يعود إليكم، فإن مصيره الميراث لورثة المعمر والمرقب، بلفظ اسم المفعول فيهما (قوله: وتصح) أي الهبة، يغني عنه قوله صحت (قوله: ويلغو الشرط المذكور) أي في العمرى والرقبى، والمراد المذكور ولو بحسب القوة، ليشمل ما إذا لم يصرح بالشرط فإنه يفهم من اللفظ. (فائدة) ليس لنا موضع يصح فيه العقد ويلغو فيه الشرط الفاسد المنافي لمقتضاه، إلا هذا (قوله: فإذا أقت بعمر الواهب الخ) محترز قوله بعمر المتهب، وكان المناسب أن يظهر فاعل أقت، ويضمر المضاف إليه عمر، بأن يقول، فإذا أقت الواهب بعمره، أي عمر نفسه (قوله: لم تصح) أي الهبة، وذلك لان فيهما تأقيت الملك، لان الواهب أو زيدا قد يموت أولا، وإنما اغتفر الاول، مع أن فيه تأقيت، لانه تصريح بالواقع، لان الانسان لا يملك إلا مدة حياته (قوله: ولو قال لغيره الخ) انظر، ما مناسبة ذكر هذه المسألة هنا ؟ فإن الكلام في الهبة، لا في الاباحة التي تضمنتها هذه المسألة، إلا أن يقال إنها صورة هبة. وذكر في التحفة والنهاية والمغني في ضمن مستثنيات من مفهوم الشرط الآتي، وهو قوله وشرط الموهوب كونه عينا يصح بيعها، لكن صنيع الشارح أولى من صنيعه، إذ لا وجه للاستثناء، كما نص عليه سم، وع ش (قوله: فله الاكل فقط) قال سم: ما قدره. اه‍. قال ع ش: أقول ينبغي أن يأكل قدر كفايته، وإن جاوز العادة، حيث علم المالك بحاله، وإلا امتنع أكل ما زاد على ما يعتاده مثله غالبا لمثله، اه‍. (قوله: لانه إباحة) تعليل لاصل حل الاكل، لا لامتناع غيره. اه‍. رشيدي. وقوله وهي، أي الاباحة دون الهبة، وقوله تصح بمجهول، أي كما في هذه المسألة (قوله: بخلاف الاخذ والاعطاء) محترز قوله فقط، أي له الاكل، لا الاخذ، والاعطاء، لان الاول، إباحة دونهما (قوله: صحت) أي الهبة. وقوله إن كان المال: أي كله في الصورة الاولى، وقوله أو نصفه، أي في الصورة الثانية، وقوله معلوما لهما،

[ 174 ]

أي الواهب والمتهب (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يكن معلوما لهما فلا تصح، لان هذا لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه، لا تصح هبته (قوله: من العنب) بيان لما الاولى والثانية (قوله: فله أكله) أي ما في الدار أو الكرم (قوله: دون بيعه وحمله وإطعامه لغيره) أي لانه إباحة، وهي خاصة بما يأكله هو (قوله: على الموجود) أي على أكل العنب الموجود، (وقوله: أي عندها) أي الاباحة (قوله: في الدار أو الكرم) متعلق بالموجود (قوله: ولو قال أبحت لك جميع ما في داري) أي من عنب وغيره (قوله: أكلا واستعمالا) منصوبان على التمييز المحول عن المضاف، أي أبحت لك أكل جميع ما في داري واستعماله (قوله: ولم يعلم المبيح الجميع) أي جميع ما في الدار (قوله: لم تحصل الاباحة) أي فيمتنع عليه أخذ شئ مما لم يعلمه المبيح. قال في التحفة: وهذا لا ينافي ما مر من صحة الاباحة بالمجهول، لان هذا مجهول من كل وجه، بخلاف ذاك. اه‍. وكتب سم ما نصه: في كونه كذلك وكون ما مر ليس كذلك نظر. اه‍. (قوله: وجزم بعضهم أن الاباحة لا ترتد بالرد) يعني أن المباح له لو رد المباح للمبيح: لا يرتد، فله العود بعد الرد. (واعلم) أن التبرع خمسة أنواع: وصية، وعتق، وهبة، ووقف، وإباحة، وهي كإباحة الشاة لشرب لبنها، والطعام للفقراء، وهي لا يتصرف فيها المباح له تصرف الملاك، بل يقتصر فيها على ما يأكله أو يشربه، ولا يجوز له أن يتصدق أو يبيع منه. (قوله: وشرط الموهوب، كونه عينا) هذا يفيد أن الموهوب لا بد أن يكون عينا، وقد تقدم في كلامه جواز هبة الدين في التعريف السابق أول الباب، وسيأتي التصريح في كلامه، بأن هبة الدين للمدين إبراء له عنه، ولغيره هبة صحيحة، وقوله يصح بيعها، هذا يغني عنه قوله في التعريف السابق أول الباب يصح بيعها، فكان الاولى والاخصر، أن يقول، كعادته، واحترز بقوله يصح بيعها عما لا يصح بيعه كالمجهول. وقد علمت ما استثني من منطوق ما ذكر ومفهومه، فلا تغفل (قوله: فلا تصح هبة المجهول) أي كوهبتك أحد العبدين أو الثوبين، وقوله كبيعه، أي كعدم صحة بيعه، أي المجهول (قوله: قد مر آنفا بيانه) أي بيان عدم صحة هبة المجهول في قوله: ولو قال وهبت لك جميع مالي الخ، ومحل البيان قوله وإلا فلا (قوله: بخلاف هديته وصدقته) أي المجهول (قوله: وتصح هبة المشاع) أي كدار أو أرض مشتركة بين اثنين، وقوله كبيعه، أي كصحة بيع المشاع (قوله: ولو قبل القسمة) أي ولو حصلت الهبة قبل قسمة الدار، وهو يفيد أنه بعدها يكون مشاعا. وفيه نظر. وعبارة الروض وشرحه، وتجوز هبة مشاع، وإن كان لا ينقسم، كعبد، اه‍. وهي ظاهرة (قوله: سواء الخ) تعميم في صحة الهبة، أي تصح مطلقا، سواء وهبه الشريك لشريكه، أم لغيره (قوله: وجلد نجس) أي وكجلد نجس، فتصح هبته دون بيعه، وقوله على تناقض فيه في الروضة، أي مع وجود تناقض في كلام الروضة في صحة هبة الجلد النجس، أي اختلف كلام الروضة فيها، ففي باب الاواني، قال بالصحة، وفي باب الهبة، قال بعدمها، وجمع بينهما بحمل الصحة على نقل اليد وعدمها على الملك الحقيقي (قوله: وكذا دهن متنجس) أي مثل الجلد النجس في صحة هبته دون بيعه، الدهن المتنجس (قوله: وتلزم الخ) ظاهره أن الهبة تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض، وليس كذلك، بل لا تملك ولا تلزم إلا بالقبض، وفي البجيرمي عبارة سم، ولا تلزم الهبة الشاملة للهدية والصدقة، ولا يحصل الملك فيها إلا بالقبض من الواهب أو نائبه أو بإذنه فيه، فتلزم، ويحصل الملك الخ. اه‍. ولذلك فسر في الاقناع اللزوم بالملك حيث قال: ولا تلزم، أي لا تملك، اه‍. والكلام في الهبة الصحيحة غير الضمنية، وغير

[ 175 ]

ذات الثواب، فخرج بالصحيحية، الفاسدة، فلا تملك أصلا، ولو بالقبض. وبغير الضمنية الهبة الضمنية، كما لو قال أعتق عبدك عني مجانا، فأعتقه عنه، فإنه يسقط القبض فيها، وبغير ذات الثواب، الهبة ذات الثواب، فإنها تملك وتلزم بالعقد بعد انقضاء الخيار، لانها