الجزء الاول من كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع تأليف الامام علاء الدين ابي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بملك العلماء المتوفى سنة هج 587 رية (الطبعة الاولى) 1409 ه 1989 م الناشر المكتبة الحبيبية كانسي رود حاجي غيبي چوك كوئته پاكستان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلى القادر القوى القاهر الرحيم الغافر الكريم الساتر ذي السلطان الظاهر والبرهان الباهر خالق كل شئ ومالك كل ميت وحى خلق فأحسن وصنع فأتقن وقدر فغفر وأبصر فستر وكرم فعفى وحكم فأحفى عم فضله واحسانه وتمت حجته وبرهانه وظهر أمره وسلطانه فسبحانه ما أعظم شانه والصلاة والسلام على المبعوث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا فأوضح الدلاله وأزاح الجهاله وفل السفه وثل الشبه محمد سيد المرسلين وامام المتقين وعلى آله الابرار وأصحابه المصطفين الاخبار (وبعد) فانه لا علم بعد العلم بالله وصفاته أشرف من علم الفقه وهو المسمى بعلم الحلال والحرام وعلم الشرائع والاحكام له بعث الرسل وأنزل الكتب إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقل المحض دون معونة السمع وقال
الله تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا قيل في بعض وجوه التأويل هو علم الفقه وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ما عبد الله بشئ أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد وروى أن رجلا قدم من الشام إلى عمر رضى الله عنه فقال ما أقدمك قال قدمت لاتعلم التشهد فبكى عمر حتى ابتلت لحيته ثم قال والله انى لارجو من الله أن لا يعذبك أبدا والاخبار والآثار في الحض على هذا النوع من العلم أكثر من أن تحصى وقد كثر تصانيف مشايخنا في هذا الفن قديما وحديثا وكلهم أفادوا وأجادوا غير انهم لم يصرفوا العناية إلى الترتيب في ذلك سوى أستاذى وارث السنة ومورثها الشيخ الامام الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندى رحمه الله تعالى فاقتديت به فاهتديت إذ الغرض الاصلى والمقصود الكلى من التصنيف في كل فن من فنون العلم هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب على الطالبين وتقريبه إلى افهام المقتبسين ولا يلتئم هذا المراد الا بترتيب تقتضيه الصناعة وتوجبه الحكمة وهو التصفح عن أقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعدها وأصولها ليكون أسرع فهما وأسهل ضبطا وأيسر حفظا فتكثر الفائدة وتتوفر العائدة فصرفت العناية إلى ذلك وجمعت في كتابي
[ 3 ]
هذا جملا من الفقه مرتبة بالترتيب الصناعي والتأليف الحكمى الذى ترتضيه أرباب الصنعة وتخضع له أهل الحكمة مع ايراد الدلائل الجلية والنكت القوية بعبارات محكمة البانى مؤدية المعاني وسميته (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) إذ هي صنعة بديعة وترتيب عجيب وترصيف غريب لتكون التسمية موافقة للمسمى والصورة مطابقة للمعنى وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه فأستوفق الله تعالى لاتمام هذا الكتاب الذى هو غاية المراد والزاد للمرتاد ومنتهى المطلب * وعينه تشفى الجرب * والمأمول من فضله وكرمه أن يجعله وارثا في الغابرين ولسان صدق في الآخرين وذكرا في الدنيا وذخرا في العقبى وهو خير مأمول وأكرم مسئول * (كتاب الطهارة) * الكلام في هذا الكتاب في الاصل في موضعين أحدهما في تفسير الطهارة والثاني في البيان أنواعها (أما) تفسيرها فالطهارة لغة وشرعا هي النظافة والتطهير التنظيف وهو اثبات النظافة في المحل وانها صفة تحدث ساعة فساعة وانما يمتنع حدوثها بوجود ضدها وهو القذر فإذا زال القذر وامتنع حدوثه بازالة العين القذرة تحدث
النظافة فكان زوال القذر من باب زوال المانع من حدوث الطهارة لا أن يكون طهارة وانما سمى طهارة توسعا لحدوث الطهارة عند زواله (فصل) وأما بيان أنواعها فالطهارة في الاصل نوعان طهارة عن الحدث وتسمى طهارة حكمية وطهارة عن الخبث وتسمى طهارة حقيقة (أما) الطهارة عن الحدث فثلاثة أنواع الوضوء والغسل والتيمم (أما) الوضوء فالكلام في الوضوء في مواضع في تفسيره وفى بيان أركانه وفى بيان شرائط الاركان وفى بيان سننه وفى بيان آدابه وفى بيان ما ينقضه (أما) الاول فالوضوء اسم للغسل والمسح لقوله تبارك وتعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين أمر بغسل الاعضاء الثلاثة ومسح الرأس فلابد من معرفة معنى الغسل والمسح فالغسل هو اسالة المائع على المحل والمسح هو الاصابة حتى لو غسل أعضاء وضوئه ولم يسل الماء بأن استعمله مثل الدهن لم يجز في ظاهر الرواية وروى عن أبي يوسف انه يجوز وعلى هذا قالوا لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه شئ لا يجوز ولو قطر قطرتان أو ثلاث جاز لوجود الاسالة وسئل الفقيه أبو جعفر الهندوانى عن التوضئ بالثلج فقال ذلك مسح وليس بغسل فان عالجه حتى يسيل يجوز وعن خلف بن أيوب انه قال ينبغي للمتوضئ في الشتاء أن يبل أعضاءه شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها لان الماء يتجافى عن الاعضا في الشتاء (وأما) أركان الوضوء فأربعة (أحدها) غسل الوجه مرة واحدة لقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم والامر المطلق لا يقتضى التكرار ولم يذكر في ظاهر الرواية حد الوجه وذكر في غير رواية الاصول انه من قصاص الشعر الى أسفل الذقن والى شحمتي الاذنين وهذا تحديد صحيح لانه تحديد الشئ بما ينبئ عنه اللفظ لغة لان الوجه اسم لما يواجه الانسان أو ما يواجه إليه في العادة والمواجهة تقع بهذا المحدود فوجب غسله قبل نبات الشعر فإذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء وقال أبو عبد الله البلخى انه لا يسقط غسله وقال الشافعي ان كان الشعر كثيفا يسقط وان كان خفيفالا يسقط وجه قول أبى عبد الله ان ما تحت الشعر بقى داخلا تحت الحد بعد نبات الشعر فلا يسقط غسله وجه قول الشافعي ان السقوط لمكان الحرج والحرج في الكثيف لا في الخفيف (ولنا) ان الواجب غسل الوجه ولما نبت الشعر خرج ما تحته من أن يكون وجها لانه لا يواجه إليه فلا يجب غسله وخرج الجواب عما قاله أبو عبد الله وعما قاله الشافعي أيضا لان السقوط في الكثيف ليس لمكان الحرج بل لخروجه من أن يكون وجها لاستتاره بالشعر وقد وجد ذلك في الخفيف وعلى هذا الخلاف
غسل ما تحت الشارب والحاجبين وأما الشعر الذى يلاقى الحدين وظاهر الذقن فقد روى ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة وزفر انه مسح من لحيته ثلثا أو ربعا جاز وان مسح أقل من ذلك لم يجز وقال أبو يوسف ان لم
[ 4 ]
يسمح شيأ منها جاز وهذه الروايات مرجوع عنها والصحيح انه يجب غسله لان البشرة خرجت من أن تكون وجها لعدم معنى المواجهة لاستتارها بالشعر فصار ظاهر الشعر الملاقى لها هو الوجه لان المواجهة تقع إليه والى هذا أشار أبو حنيفة فقال وانما مواضع الوضوء ما ظهر منها والظاهر هو الشعر لا البشرة فيجب غسله ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية عندنا وعند الشافعي يجب (له) ان المسترسل تابع لما اتصل والتبع حكمه حكم الاصل (ولنا) انه انما يواجه إلى المتصل عادة لا إلى المسترسل فلم يكن المسترسل وجها فلا يجب غسله ويجب غسل البياض الذى بين العذار والاذن في قول ابى حنيفة ومحمد وروى عن أبى يوسف انه لا يجب لابي يوسف ان ما تحت العذار لا يجب غسله مع انه اقرب إلى الوجه فلان لا يجب غسل البياض أولى ولهما ان البياض داخل في حدالوجه ولم يستر بالشعر فبقى واجب الغسل كما كان بخلاف العذار وادخال الماء في داخل العينين ليس بواجب لان داخل العين ليس بوجه لانه لا يواجه إليه ولان فيه حرجا وقيل ان من تكلف لذلك من الصحابة كف بصره كابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم (والثانى) غسل اليدين مرة واحدة لقوله تعالى وأيديكم ومطلق الامر لا يقتضى التكرار والمرفقان يدخلان في الغسل عند اصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يدخلان ولو قطعت يده من المرفق يجب عليه غسل موضع القطع عندنا خلافا له وجه قوله ان الله تعالى جعل المرفق غاية فلا يدخل تحت ما جعلت له الغاية كما لا يدخل الليل تحت الامر بالصوم في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل ولنا ان الامر تعلق بغسل اليد واليد اسم لهذه الجارحة من رؤس الاصابع إلى الابط ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها فكان ذكر المرفق لاسقاط الحكم عما وراءه لا لمد الحكم إليه لدخوله تحت مطلق اسم اليد فيكون عملا باللفظ بالقدر الممكن وبه تبين ان المرفق لا يصلح غاية لحكم ثبت في اليد لكونه بعض اليد بخلاف الليل في باب الصوم الا ترى انه لو لا ذكر الليل لما اقتضى الامر الا وجوب صوم ساعة فكان ذكر الليل لمد الحكم إليه على أن الغايات منقسمة منها ما لا يدخل تحت ما ضربت له الغاية ومنها ما يدخل كمن قال رأيت فلانا من رأسه إلى قدمه وأكلت السمكة من رأسها إلى ذنبها دخل القدم والذنب فان كانت هذه الغاية من القسم الاول لا يجب غسلهما وان كانت
من القسم الثاني يجب فيحمل على الثاني احتياطا على أنه إذا احتمل دخول المرافق في الامر بالغسل واحتمل خروجها عنه صار مجملا مفتقرا إلى البيان وقد روى جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ المرفقين في الوضوء أدار الماء عليهما فكان فعله بيانا لمجمل الكتاب والمجمل إذا التحق به البيان يصير مفسرا من الاصل (والثالث) مسح الرأس مرة واحدة لقوله تعالى وامسحوا برؤسكم والامر المطلق بالفعل لا يوجب التكرار واختلف في المقدار المفروض مسحه ذكره في الاصل وقدره بثلاث أصابع اليد وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه قدره بالربع وهو قول زفر وذكر الكرخي والطحاوى عن اصحابنا مقدار الناصية وقال مالك لا يجوز حتى يمسح جميع الرأس أو أكثره وقال الشافعي إذا مسح ما يسمى مسحا يجوز وان كان ثلاث شعرات وجه قول مالك أن الله تعالى ذكر الرأس والرأس اسم للجملة فيقتضى وجوب مسح جميع الرأس وحرف الباء لا يقتضى التبعيض لغة بل هو حرف الصاق فيقتضى الصاق الفعل بالمفعول وهو المسح بالرأس والرأس اسم لكله فيجب مسح كله الا أنه إذا مسح الاكثر جاز لقيام الاكثر مقام الكل وجه قول الشافعي ان الامر تعلق بالمسح بالرأس والمسح بالشئ لا يقتضى استيعابه في العرف يقال مسحت يدي بالمنديل وان لم يمسح بكله ويقال كتبت بالقلم وضربت بالسيف وان لم يكتب بكل القلم ولم يضرب بكل السيف فيتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم ولنا ان الامر بالمسح يقتضى آلة إذا المسح لا يكون الا بآلة وآلة المسح هي اصابع اليد عادة وثلاث أصابع اليدأ كثر الاصابع وللاكثر حكم الكل فصار كأنه نص على الثلاث وقال وامسحوا برؤسكم بثلاث اصابع أيديكم وأما وجه التقدير بالناصية فلان مسح جميع الرأس ليس بمراد من الآية بالاجماع ألا ترى أنه عند مالك ان مسح جميع الرأس الا قليلا منه جائز فلا يمكن حمل الآية على جميع الرأس ولا على بعض مطلق وهو أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما قاله الشافعي لان ماسح
[ 5 ]
شعرة أو ثلاث شعرات لا يسمى ماسحا في العرف فلا بد من الحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحا في المتعارف وذلك غير معلوم وقد روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه بال وتوضأ ومسح على ناصيته فصار فعله عليه الصلاة والسلام بيانا لمجمل الكتاب إذا البيان يكون بالقول تارة وبالفعل أخرى كفعله في هيئة الصلاة وعدد ركعاتها وفعله في مناسك الحج وغير ذلك فكان المراد من المسح بالرأس مقدار الناصية ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ووجه التقدير بالربع انه قد ظهر اعتبار الربع في كثير من الاحكام كما في حلق ربع الرأس انه يحمل به
المحرم ولا يحل بدونه ويجب الدم إذا فعله في احرامه ولا يجب بدونه وكما في انكشاف الربع من العورة في باب الصلاة انه يمنع جواز الصلاة وما دونه لا يمنع كذا ههنا ولو وضع ثلاث أصابع وضعا ولم يمدها جاز على قياس رواية الاصل وهى التقدير بثلاث أصابع لانه أتى بالقدر المفروض وعلى قياس رواية الناصية والربع لا يجوز لانه ما استوفى ذلك القدر ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز لانه لم يأت بالقدر المفروض ولو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجوز وعلى هذا الخلاف إذا مسح بأصبع أو بأصبعين ومدهما حتى بلغ مقدار الغرض وجه قول زفر ان الماء لا يصير مستعملا حالة المسح كما لا يصير مستعملا حالة لغسل فإذا مد فقد مسح بماء غير مستعمل فجاز والدليل عليه ان سنة الاستيعاب تحصل بالمد ولو كان مستعملا بالمد لما حصلت لانها لا تحصل بالماء المستعمل (ولنا) ان الاصل ان يصير الماء مستعملا بأول ملاقاته العضو لوجود زوال الحدث أو قصد القربة الا ان في باب الغسل لم يظهر حكم الاستعمال في تلك الحالة للضرورة وهى انه لو أعطى له حكم الاستعمال لاحتاج إلى أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا وفيه من الحرج ما لا يخفى فلم يظهر حكم الاستعمال لهذه الضرورة ولا ضرورة في المسح لانه يمكنه أن يمسح دفعة واحدة فلا ضرورة إلى المد لاقامة الفرض فظهر حكم الاستعمال فيه وبه حاجة إلى اقامة سنة الاستيعاب فلم يظهر حكم الاستعمال فيه كما في الغسل ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات وأعادها إلى الماء في كل مرة جاز هكذا روى ابن رستم عن محمد في النوادر لان المفروض هو المسح قدر ثلاث أصابع وقد وجد وان لم يكن بثلاث أصابع ألا ترى انه لو أصاب رأسه هذا القدر من ماء المطر سقط عنه فرض المسح وان لم يوجد منه فعل المسح رأسا ولو مسح بأصبع واحدة ببطنها وبظهرها وبجانبيها لم يذكر في ظاهر الرواية واختلف المشايخ فقال بعضهم لا يجوز وقال بعضهم يجوز وهو الصحيح لان ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع وايصال الماء إلى أصول الشعر ليس بفرض لان فيه حرجا فأقيم المسح على الشعر مقام المسح على أصوله ولو مسح على شعره وكان شعره طويلا فان مسح على ما تحت أذنه لم يجز وان مسح على ما فوقها جاز لان المسح على الشعر كالمسح على ما تحته وما تحت الاذن عنق وما فوقه رأس ولا يجوز المسح على يالعمامة والقلنسوة لانهما يمنعان اصابة الماء الشعر ولا يجوز مسح المرأة على خمارها لما روى عن عائشة رضى الله عنها انها أدخلت يدها تحت الخمار ومسحت برأسها وقالت بهذا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا إذا كان الخمار رقيقا ينفذ الماء إلى شعرها فيجوز لوجود
الاصابة ولو أصاب رأسه المطر مقدار المفروض أجزأه مسحه بيده أو لم يمسحه لان الفعل ليس بمقصود في المسح وانما المقصود هو وصول الماء إلى ظاهر الشعر وقد وجد والله الموفق (والرابع) غسل الرجلين مرة واحدة لقوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين بنصب اللام من الارجل معطوفا على قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق كأنه قال فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم والامر المطلق لا يقتضى التكرار وقالت الرافضة الفرض هو المسح لا غير وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح والغسل وقال بعض المتأخرين بالجمع بينهما وأصل هذا الاختلاف ان الآية قرئت بقراءتين بالنصب والخفض فمن قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض فانها تقتضي كون الارجل ممسوحة لا مغسولة لانها تكون معطوفة على الرأس والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم ثم وظيفة الرأس المسح فكذا وظيفة
[ 6 ]
الرجل ومصداق هذه القراءة انه اجتمع في الكلام عاملان أحدهما قوله فاغسلوا والثانى حرف الجر وهو الباء في قوله برؤسكم والباء أقرب فكان الخفض أولى ومن قال بالتخيير يقول ان القراءتين قد ثبت كون كل واحدة منهما قرآنا وتعذرا لجمع بين موجبيهما وهو وجوب المسح والغسل إذ لا قائل به في السلف فيخير المكلف ان شاء عمل بقراءة النصب فغسل وان شاء بقراءة الخفض فمسح وأيهما فعل يكون اتيانا بالمفروض كما في الامر بأحد الاشياء الثلاثة ومن قال بالجمع يقول القراءتان في آية واحدة بمنزلة آيتين فيجب العمل بهما جميعا ما أمكن وأمكن ههنا لعدم التنافى إذ لا تنافى بين الغسل والمسح في محل واحد فيجب الجمع بينهما (ولنا) قراءة النصب وانها تقتضي كون وظيفة الارجل الغسل لانها تكون معطوفة على المغسولات وهى الوجه واليدان والمعطوف على المغسول يكون مغسولا تحقيقا لمقتضى العطف وحجة هذه القراءة وجوه أحدها ما قاله بعض مشايخنا ان قراءة النصب محكمة في الدلالة على كون الارجل معطوفة على المغسولات وقراءة الخفض محتملة لانه يحتمل انها معطوفة على الرؤس حقيقة ومحلها من الاعراب الخفض ويحتمل أنها معطوفة على الوجه واليدين حقيقة ومحلها من الاعراب النصب الا أن خفضها للمجاور قوا عطاء الاعراب بالمجاورة طريقة شائعة في اللغة بغير حائل وبحائل اما بغير الحائل فكقولهم حجر ضب خرب وماء شن بارد والخرب نعت الحجر لا نعت الضب والبرودة نعت الماء لا نعت الشن ثم خفض لمكان المجاورة وأما مع الحائل فكما قال تعالى يطوف عليهم ولدان مخلدون
بأكواب وأباريق إلى قوله وحور عين لانهن لا يطاف بهن وكما قال الفرزدق فهل أنت ان ماتت أنانك راكب * إلى آل بسطام بن قيس فخاطب فثبت ان قراءة الخفض محتملة وقراءة النصب محكمة فكان العمل بقراءة النصب أولى الا أن في هذا اشكالا وهو أن هذا الكلام في حد التعارض لان قراءة النصب محتملة أيضا في الدلالة على كون الارجل معطوفة على اليدين والرجلين لانه يحتمل انها معطوفة على الرأس والمراد بها المسح حقيقة لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ لان الممسوح به مفعول به فصار كأنه قال تعالى وامسحوا برؤسكم والاعراب قد يتبع اللفظ وقد يتبع المعنى كما قال الشاعر معاوى اننا بشر فاسجح * فسلنا بالجبال ولا الحديدا نصب الحديد عطفا على الجبال بالمعنى لا باللفظ معناه فلسنا الجبال ولا الحديد فكانت كل واحدة من القراءتين محتملة في الدلالة من الوجه الذى ذكرنا فوقع التعارض فيطلب الترجيح من جانب آخر وذلك من وجوه أحدها ان الله تعالى مد الحكم في الا رجل إلى الكعبين ووجوب المسح لا يمتد اليهما والثاني أن الغسل يتضمن المسح إذا الغسل اسالة والمسح اصابة وفي الاسالة اصابة وزيادة فكان ما قلناه عملا بالقراءتين معا فكان أولى والثالث أنه قد روى جابر وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء فقال ويل لللاعقاب من النار اسبغوا الوضوء وروى أنه توضأ مرة مرة وغسل رجليه وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به ومعلوم أن قوله ويل للاعقاب من النار وعيد لا يستحق الا بترك المفروض وكذا نفى قبول صلاة من لا يغسل رجليه في وضوئه فدل ان غسل الرجلين من فرائض الوضوء وقد ثبت بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في الوضوء لا يجحده مسلم فكان قوله وفعله بيان المراد بالآية فثبت بالدلائل المتصلة والمنفصلة أن الا رجل في الآية معطوفة على المغسول لا على الممسوح فكان وظيفتها الغسل لا المسح على أنه ان وقع التعارض بين القراءتين فالحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين وهو انه ان أمكن العمل بهما مطلقا يعمل وان لم يمكن للتنافى يعمل بهما بالقدر الممكن وههنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة لانه لم يقل به أحد من السلف ولانه يؤدى إلى تكرار المسح لما ذكرنا أن الغسل يتضمن المسح والامر المطلق لا يقتضى التكرار فيعمل بهما في الحالتين فتحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتين وتحمل قراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين توفيقا بين القراءتين وعملا بهما
[ 7 ]
بالقدر الممكن وبه تبين أن القول بالتخيير باطل عند امكان العمل بهما في الجملة وعند عدم الامكان أصلا ورأسا لا يخيرأ يضابل يتوقف على ما عرف في أصول الفقه ثم الكعبان يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يدخلان والكلام في الكعبين على نحو الكلام في المرفقين وقد ذكرناه والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق بلا خلاف بين الاصحاب كذا ذكره القدورى لان الكعب في اللغة اسم لما علا وارتفع ومنه سميت الكعبة كعبة وأصله من كعب القناة وهو أنبوبها سمى به لارتفاعه وتسمى الجارية الناهدة الثديين كاعبا لارتفاع ثديبها وكذا في العرف يفهم منه الناتئ يقال ضرب كعب فلان وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تسوية الصفوف في الصلاة الصقوا الكعاب بالكعاب ولم يتحقق معنى الالصاق الا في الناتئ وما روى هشام عن محمد أنه المفصل الذى عند معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح وانما قال محمد في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين انه يقطع الخف أسفل الكعب فقال ان الكعب ههنا الذى في مفصل القدم فنقل هشام ذلك إلى الطهارة والله أعلم وهذا الذى ذكرنا من وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين لا عذر بهما فاما ذا كانتا مستورتين بالخف أو كان بهما عذر من كسر أو جرح أو قرح فوظيفتهما المسح فيقع الكلام في الاصل في موضعين أحدهما في المسح على الخفين والثانى في المسح على الجبائر * (فصل) * اما المسح على الخفين فالكلام فيه في مواضع في بيان جوازه وفى بيان مدته وفي بيان شرائط جوازه وفي بيان مقداره وفي بيان ما ينقضه وفي بيان حكمه إذا انتقض (أما) الاول فالمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة رضى الله عنهم الاشيأ قليلا روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه لا يجوز وهو قول الرافضة وقال مالك يجوز للمسافر ولا يجوز للمقيم واحتج من أنكر المسح بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذ اقمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين فقراءة النصب تقتضي وجوب غسل الرجلين مطلقا عن الاحوال لانه جعل الارجل معطوفة على الوجه واليدين وهى مغسولة فكذا الارجل وقراءة الخفض تقتضي وجوب المسح على الرجلين لا على الخفين وروى أنه سئل ابن عباس هل مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين فقال والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين بعد نزول المائدة ولان أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إلى من أن أمسح على الخفين وفي رواية
قال لان أمسح على جلد حمار أحب إلى من أن أمسح على الخفين (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يمسح المقيم على الخفين يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وهذا حديث مشهور رواه جماعة من الصحابة مثل عمر وعلى وخزيمة بن ثابت وأبي سعيد الخدرى وصفوان بن عسال وعوف بن مالك وأبى عمارة وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم حتى قال أبو يوسف خبر مسح الخفين يجوز نسخ القرآن بمثله وروى انه قال انما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود المسح على الخفين وكذا الصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على جواز المسح قولا وفعلا حتى روى عن الحسن البصري أنه قال أدركت سبعين بدر يامن الصحابة كلهم كانوا يرون المسح على الخفين ولهذا راء أبو حنيفة من شرائط السنة والجماعة فقال فيها ان تفضل الشيخين وتحب الختنين وان ترى المسح على الخفين وأن لا تحرم نبيذ التمر يعنى المثلث وروى عنه أنه قال ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار فكان الجحود ردا على كبار الصحابة ونسبة اياهم إلى الخطأ فكان بدعة فلهذا قال الكرخي أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين وروى عنه أبي حنيفة رضى الله عنه أنه قال لولا ان المسح لا خلف فيه ما مسحنا ودل قوله هذا على ان خلاف ابن عباس لا يكاد يصح ولان الامة لم تختلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح وانما اختلفوا أنه مسح قبل نزول المائدة أو بعدها ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم آسوة حسنة حتى قال الحسن البصري حدثنى سبعون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انهم رأوه يمسح على الخفين وروى عن عائشة والبراءين عازب رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه
[ 8 ]
وسلم مسح بعد المائدة وروى عن جرير بن عبد الله البجلى انه توضأ ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين فقيل له أكان ذلك بعد نزول المائدة فقال وهل أسلمت الا بعد نزول المائدة واما الآية فقد قرئت بقراءتين فنعمل بهما في حالين فنقول وظيفتهما الغسل إذا كانتا باديتين والمسح إذا كانتا مستورتين بالخف عملا بالقراءتين بقدر الامكان ويجوز أن يقال لمن مسح على خفه انه مسح على رجله كما يجوز أن يقال ضرب على رجله وان ضرب على خفه والرواية عن ابن عباس لم تصح لما روينا عن أبى حنيفة ولان مداره على عكرمة وروى انه لما بلغت روايته عطاء قال كذب عكرمة وروى عنه عطاء والضحاك انه مسح على خفيه فهذا يدل على ان خلاف ابن عباس لم يثبت وروى عن عطاء انه قال كان
ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين فلم يمت حتى تابعهم وأما الكلام مع مالك فوجه قوله ان المسح شرع ترفها ودفعها للمشقة فيختص شرعيته بمكان المشقة وهو السفر ولنا ما روينا من الحديث المشهور وهو قوله صلى الله عليه وسلم بمسح المقيم على الخفين يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وما ذكر من الاعتبار غير سديد لان المقيم يحتاج إلى الترفه ودفع المشقة الا أن حاجة المسافر إلى ذلك أشد فزيدت مدته لزيادة الترفيه والله الموفق * وأما بيان مدة المسح فقد اختلف العلماء في أن المسح على الخفين هل هو مقدر بمدة قال عامتهم انه مقدر بمدة في حق المقيم يؤما وليلة وفي حق المسافر ثلاثة أيام ولياليها وقال مالك انه غير مقدور له أن يمسح كم شاء والمسألة مختلفة بين الصحابة رضى الله عنهم روى عن عمر وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وسعد بن أبى وقاص وجابر بن سمرة وأبى موسى الاشعري والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم انه مؤقت وعن أبى الدرداء وزيد بن ثابت وسعيد رضى الله عنهم انه غير موقت واحتج مالك بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه بلغ بالمسح سبعا وروى أن عمر رضى الله عنه سأل عقبة بن عامر وقد قدم من الشام متى عهدك بالمسح قال سبعا فقال عمر رضى الله عنه أصبت السنة ولنا الحديث المشهور وما روى انه مسح وبلغ بالمسح سبعا فهو غريب فلا يترك به المشهور مع ان الرواية المتفق عليها انه بلغ بالمسح ثلاثا ثم تأويله انه احتاج إلى المسح سبعا في مدة المسح وأما الحديث الآخر فقد روى جابر الجعفي عن عمر أنه قال للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة وهو موافق للخبر المشهور فكان الاخذ به أولى ثم يحتمل ان يكون المراد من قوله ومتى عهدك بلبس الخف ابتداء اللبس أي متى عهدك بابتداء اللبس وان كان تخلل بين ذلك نزع الخف ثم اختلف في اعتبار مدة المسح انه من أي وقت يعتبر فقال عامة العلماء يعتبر من وقت الحدث بعد اللبس فيمسح من وقت الحدث إلى وقت الحدث وقال بعضهم يعتبر من وقت اللبس فيمسح من وقت اللبس إلى وقت اللبس وقال بعضهم يعتبر من وقت المسح فيمسح من وقت المسح إلى وقت المسح حتى لو توضأ بعد ما انفجر الصبح ولبس خفيه وصلى الفجر ثم أحدث بعد طلوع الشمس ثم توضأ ومسح على خفيه بعد زوال الشمس فعلى قول العامة يمسح إلى ما بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني ان كان مقيما وان كان مسافرا يمسح إلى ما بعد طلوع الشمس من اليوم الرابع وعلى قول من اعتبر وقت اللبس يمسح إلى ما بعد انفجارا الصبح من اليوم الثاني ان كان مقيما وان كان مسافرا إلى ما بعد انفجار الصبح من اليوم الرابع وعلى قول من اعتبر وقت المسح يمسح إلى ما بعد زوال الشمس من اليوم الثاني ان كان مقيما وان كان مسافرا يمسح
إلى ما بعد زوال الشمس من اليوم الرابع والصحيح اعتبار وقت الحدث بعد اللبس لان الخف جعل مانعا من سراية الحدث إلى القدم ومعنى المنع انما يتحقق عند الحدث فيعتبر ابتداء المدة من هذا الوقت لان هذه المدة ضربت توسعة وتيسير التعذر نزع الخفين في كل زمان والحاجة إلى التوسعة عند الحدث لان الحاجة إلى النزع عنده ولو توضأ ولبس خفيه وهو مقيم ثم سافر فان سافر بعد استكمال مدة الاقامة لا تتحول مدته إلى مدة مسح السفر لان مدة الاقامة لما تمت سرى الحدث السابق إلى القدمين فلو جوزنا المسح صار الخف رافعا للحدث لا مانعا وليس هذا عمل الخف في الشرع وان سافر قبل أن يستكمل مدة الاقامة فان سافر قبل الحدث أو بعد
[ 9 ]
الحدث قبل المسح تحولت مدته إلى مدة السفر من وقت الحدث بالاجماع وان سافر بعد المسح فكذلك عندنا وعند الشافعي لا يتحول ولكنه يمسح تمام مدة الاقامة وينزع خفيه ويغسل رجليه ثم يبتدئ مدة السفر واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة ويم يفصل ولنا قوله صلى الله عليه وسلم والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وهذا مسافر ولا حجة له في صدر الحديث لانه يتناول المقيم وقد بطلت الاقامة بالسفر هذا إذا كان مقيما فسافر وأما إذا كان مسافرا فاقام فان أقام بعد استكمال مدة السفر نزع خفيه وغسل رجليه لما ذكرنا وان أقام قبل أن يستكمل مدة السفر فان أقام بعد تمام يوم وليلة أو أكثر فكذلك ينزع خفيه ويغسل رجليه لانه لو مسح لمسح وهو مقيم أكثر من يوم وليلة وهذا لا يجوز وان أقام قبل تمام يوم وليلة اتم يوما وليلة لان أكثر ما في الباب انه مقيم فيتم مدة المقيم ثم ما ذكرنا من تقدير مدة المسح بيوم وليلة في حق المقيم وبثلاثة أيام ولياليها في حق المسافر في حق الاصحاء فاما في حق أصحاب الاعذار كصاحب الجرح السائل والاستحاضة ومن بمثل حالهما فكذلك الجواب عند زفر وأما عند أصحابنا الثلاثة فيختلف الجواب الا في حالة واحدة وبيان ذلك أن صاحب العذر إذا توضأ ولبس خفيه فهذا على أربعة أوجه اما ان كان الدم منقطعا وقت الوضوء واللبس واما ان كان سائلا في الحالين جميعا واما ان كان منقطعا وقت الوضوء سائلا وقت اللبس واما ان كان سائلا وقت الوضوء منقطعا وقت اللبس فان كان منقطعا في الحالين فحكمه حكم الاصحاء لان السيلان وجد عقيب اللبس فكان اللبس على طهارة كاملة فمنع الخف سراية الحدث إلى القدمين ما دامت المده باقية وأما في الفصول الثلاثة فانه يمسح ما دام الوقت باقيا فإذا خرج الوقت نزع خفيه وغسل رجليه عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يستكمل مدة المسح
كالصحيح وجه قوله ان طهارة صاحب العذر طهارة معتبرة شرعا لان السيلان ملحق بالعدم الا ترى أنه يجوز أداء الصلاة بها فحصل اللبس على طهارة كاملة فالحقت بطهارة الاصحاء ولنا أن السيلان ملحق بالعدم في الوقت بدليل أن طهارته تنتقض بالاجماع إذا خرج الوقت وان لم يوجد الحدث فإذا مضى الوقت صار محدثا من وقت السيلان والسيلان كان سابقا على لبس الخف ومقارنا له فتبين ان اللبس حصل لا على الطهارة بخلاف الفصل الاول لان السيلان ثمة وجد عقيب اللبس فكان اللبس حاصلا عن طهارة كاملة وأما شرائط جواز المسح فانواع بعضها يرجع إلى الماسح وبعضها يرجع إلى الممسوح أما الذى يرجع إلى الماسح أنواع أحدها أن يكون لا بس الخفين على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللبس ولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت اللبس ولا أن يكون على طهارة كاملة أصلا ورأسا وهذا مذهب أصحابنا وعند الشافعي يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت اللبس وبيان ذلك ان المحدث إذا غسل رجليه أولا ولبس خفيه ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث ثم أحدت جاز له أن يمسح على الخفين عندنا لوجود الشرط وهو لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس وعند الشافعي لا يجوز لعدم الطهارة وقت اللبس لان الترتيب عنده شرط فكان غسل الرجلين مقدما على الاعضاء الاخر ملحقا بالعدم فلم توجد الطهارة وقت اللبس وكذلك لو توضأ فرتب لكنه غسل احدى رجلين ولبس الخف ثم غسل الاخرى ولبس الخف قيل لا يجوز عنده وان وجد الترتيب في هذه الصورة لكنه لم يوجد لبس الخفين على طهارة كاملة وقت لبسهما حتى لو نزع الخف الاول ثم لبسه جاز المسح لحصول اللبس على طهارة كامله ولنا أن المسح شرع لمكان الحاجة والحاجة إلى المسح انما تتحقق وقت الحدث بعد اللبس فاما عند الحدث قبل اللبس فلا حاجة لانه يمكنه الغسل وكذا لا حاجة بعد اللبس قبل الحدث لانه طاهر فكان الشرط كمال الطهارة وقت الحدث بعد اللبس وقد وجد ولو لبس خفيه وهو محدث ثم توضأ وخاض الماء حتى أصاب الماء رجليه في داخل الخف ثم أحدث جاز له المسح عندنا لوجود الشرط وهو كمال الطهارة عند الحدث بعد اللبس ولا يجوز عنده لعدم الشرط وهو كمال الطهارة عند اللبس ولو لبس خفيه وهو محدث ثم أحدث قبل ان يتم الوضوء ثم أتم لا يجوز المسح بالاجماع اما عندنا فلانعدام الطهارة وقت الحدث بعد اللبس وأما عنده فلا نعدامها عند اللبس ولو أراد
[ 10 ]
الطاهر أن يبول فلبس خفيه ثم بال جاز له المسح لانه على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس وسئل ابو حنيفة
عن هذا فقال لا يفعله الا فقيه ولو لبس خفيه على طهارة التيمم ثم وجد الماء نزع خفيه لانه صار محدثا بالحدث السابق على التيمم إذ رؤية الماء لا تعقل حدثا الا انه امتنع ظهور حكمه إلى وقت وجود الماء فعند وجوده ظهر حكمه في القدمين فلو جوزنا المسح لجعلنا الخف رافعا للحدث وهذا لا يجوز ولو لبس خفيه على طهارة نبيذ التمر ثم أحدث فان لم يجد ماء مطلقا توضأ بنبيذ التمر ومسح على خفيه لانه طهور مطلق حال عدم الماء عند أبى حنيفة وان وجد ماء مطلقا نزع خفيه وتوضأ وغسل قدميه لانه ليس بطهور عند وجود الماء المطلق وكذلك لو توضأ بسؤر الحمار وتيمم ولبس خفيه ثم أحدث ولو توضأ بسؤر الحمار ولبس خفيه ولم يتيمم حتى أحدث جاز له ان يتوضأ بسؤر الحمار ويمسح على خفيه ثم يتيمم ويصلى لان سؤر الحمار ان كان طهورا فالتيمم فضل وان كان الطهور هو التراب فالقدم لاحظ لهامن التيمم ولو توضأ ومسح على جبائر قدميه ولبس خفيه ثم أحدث أو كانت احدى رجليه صحيحة فغسلها ومسح على جبائر الاخرى ولبس خفيه ثم أحدث فان لم يكن برأ الجرح مسح على الخفين لان المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها فحصل لبس الخفين على طهارة كاملة كما لو ادخلهما مغسولتين حقيقة في الخف وان كان برأ الجرح نزع خفيه لانه صار محدثا بالحدث السابق فظهر ان اللبس حصل لا على طهارة وعلى هذا الاصل مسائل في الزيادات ومنها أن يكون الحدث خفيفا فان كان غليظا وهو الجنابة فلا يجوز فيها المسح لما روى عن صفوان بن عسال المرادى انه قال كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا ان لا ننزع خفا فنا ثلاثة أيام ولياليها لا عن جنابة لكن من غائط أو بول أو نوم ولان الجواز في الحدث الخفيف لدفع الحرج لانه يتكرر ويغلب وجوده فيلحقه الحرج والمشقة في نزع الخف والجنابة لا يغلب وجودها فلا يلحقه الحرج في النزع وأما الذى يرجع إلى الممسوح فمنها أن يكون خفا يستر الكعبين لان الشرع ورد بالمسح على الخفين وما يستر الكعبين ينطلق عليه اسم الخف وكذا ما يستر الكعبين من الجلد مما سوى الخف كالمكعب الكبير والميثم لانه في معنى الخف * وأما المسح على الجوز بين فان كانا مجلدين أو منعلين يجزيه بلا خلاف عند أصحابنا وان لم يكونا مجلدين ولا منعلين فان كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالاجماع وانا كانا نخينين لا يجوز عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد يجوز وروى عن أبى حنيفة انه رجع إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده فعلت ما كنت أمنع الناس عنه فاستدلوا به على رجوعه وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب وان كانت منعلة الا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين احتج أبو يوسف ومحمد بحديث
المغيرة بن شعبة ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين ولان الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع وهذا المعنى موجود في الجورب بخلاف اللفافة والمكعب لانه لا مشقة في نزعهما ولابي حنيفة ان جواز المسح على الخفين ثبت نصا بخلاف القياس فكل ما كان في معنى الخف في ادمان المشى عليه وامكان قطع السفر به يلحق به ومالا فلا ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى فتعذر الالحاق على ان شرع المسح ان ثبت للترفيه لكن الحاجة إلى الترفيه فيما يغلب لبسه وليس الجوارب مما لا يغلب فلا حاجة فيها إلى الترفيه فبقى أصل الواجب بالكتاب وهو غسل الرجلين (وأما) الحديث فيحتمل انهما كانا مجلدين أو منعلين وبه نقول ولا عموم له لانه حكاية حال الا يرى انه لم يتناول الرقيق من الجوارب وأما الخف المتخذ من اللبد فلم يذكره في ظاهر الرواية وقيل انه على التفصيل والاختلاف الذى ذكرنا وقيل ان كان يطيق السفر جاز المسح عليه والا فلا وهذا هو الاصح * (وأما) المسح على الجرموقين من الجلد فان لبسهما فوق الخفين جاز عندنا وعند الشافعي لا يجوز وان لبس الجرموق وحده قيل انه على هذا الخلاف والصحيح أنه يجوز المسح عليه بالاجماع وجه قوله ان المسح على الخف بدل عن الغسل فلو جوزنا المسح على الجرموقين لجعلنا للبدل بدلا وهذا لا يجوز (ولنا) ما روى عن عمر رضى الله عنه انه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجرموقين
[ 11 ]
ولان الجرموق يشارك الخف في امكان قطع السفر به فيشاركه في جواز المسح عليه ولهذا شاركه في حالة الانفراد ولان الجرموق فوق الخف بمنزلة خف ذى طاقين وذا يجوز المسح عليه فكذا هذا وقوله المسح عليه بدل عن المسح على الخف ممنوع بل كل واحد منهما بدل عن الغسل قائم مقامه الا انه إذا نزع الجرموق لا يجب غسل الرجلين لوجود شئ آخر هو بدل عن الغسل قائم مقامه وهو الخف ثم انما يجوز المسح على الجرموقين عندنا إذا لبسهما على الخفين قبل ان يحدث فان أحدث ثم لبس الجرموقين لا يجوز المسح عليهما سواء مسح على الخفين اولا اما إذا مسح فلان حكم المسح استقر على الخف فلا يتحول إلى غيره واما إذا لم يمسح فلان ابتداء مدة المسح من وقت الحدث وقد انعقد في الخف فلا يتحول إلى الجوموق بعد ذلك ولان جواز المسح على الجرموق لمكان الحاجة لتعذر النزع وهنا لا حاجة لانه لا يتعذر عليه المسح على الخفين ثم لبس الجرموق فلم يجز ولهذا لم يجز المسح على الخفين إذا لبسهما على الحدث كذا هذا ولو مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف البادى وأعاد المسح
على الجرموق الباقي في ظاهر الرواية وقال الحسن بن زياد وزفر يمسح على الخف البادى ولا يعيد المسح على الجرموق الباقي وروى عن أبى يوسف أنه ينزع الجرموق الباقي ويمسح على الخفين أبو يوسف اعتبر الجرموق بالخف ولو نزع احد الخفين ينزع الآخر ويغسل القدمين كذا هذا وجه قول الحسن وزفر أنه يجوز الجمع بين المسح على الجرموق وبين المسح على الخف ابتداء بان كان على أحد الخفين جرموق دون الآخر فكذا بقاء وإذا بقى المسح على الجرموق الباقي فلا معنى للاعادة وجه ظاهر الرواية ان الرجلين في حكم الطهارة بمنزلة عضو واحد لا يحتمل التجزى فإذا انتقضت الطهارة في احداهما بنزع الجرموق تنتقض في الاخرى ضرورة كما إذا نزع أحد الخفين ولا يجوز المسح على القفازين وهما لباسا الكفين لانه شرع دفعا للحرج لتعذر النزع ولا حرج في نزع القفازين (ومنها) أن لا يكون بالخف خرق كثير فاما اليسير فلا يمنمع المسح وهذا قول أصحابنا الثلاثة وهو استحسان والقياس ان يمنع قليله وكثيره وهو قول زفر والشافعي وقال مالك وسفيان الثوري الخرق لا يمنع جواز المسح قل أو كثر بعد ان كان ينطلق عليه اسم الخلف وجه قولهما ان الشرع ورد با لمسح على الخفين فما دام اسم الخف له باقيا يجوز المسح عليه وجه القياس ان لما ظهر شئ من القدم وان قل وجب غسله لحلول الحدث به لعدم الاستتار بالخف والرجل في حق الغسل غير متجرئة فإذا وجب غسل بعضها وجب غسل كلها وجه الاستسحان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه رضى الله عنهم بالمسح مع علمه بان خفافهم لا تخلو عن قليل الخروق فكان هذا منه بيانا ان القليل من الخروق لا يمنع المسح ولان المسح أقيم مقام الغسل ترفها فلو منع قليل الانكشاف لم يحصل الترفيه لوجوده في اغلب الخفاف والحد الفاصل بين القليل والكثير هو قدر ثلاث أصابع فان كان الخرق قدر ثلاث أصابع منع والا فلا ثم المعتبر أصابع اليد أو أصابع الرجل ذكر محمد في الزيادات قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل وروى الحسن عن أبى حنيفة ثلاث أصابع من أصابع اليد وانما قدر بالثلاث لوجهين احدهما أن هذا القدر إذا انكشف منع من قطع الاسفار والثانى أن الثلاث أصابع أكثر الاصابع وللاكثر حكم الكل ثم الخرق المانع أن يكون منفتحا بحيث يظهر ما تحته من القدم مقدار ثلاث أصابع أو يكون منضما لكنه ينفرج عند المشى فاما إذا كان منضما لا ينفرج عند المشى فانه لا يمنع وان كان أكثر من ثلاث أصابع كذا روى المعلى عن ابى يوسف عن أبى حنيفة وانما كان كذلك لانه إذا كان منفتحا أو ينفتح عند المشى لا يمكن قطع السفر به وإذا لم يمكن يمنع وسواء كان الخرق في ظاهر الخف أو في باطنه أو من ناحية العقب بعد ان كان أسفل من الكعبين لما قلنا ولو بدا ثلاث من
أنامله اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يمنع وقال بعضهم يمنع وهو الصحيح ولو انكشفت الطهارة وفى داخله بطانة من جلد ولم يظهر القدم يجوز المسح عليه هذا إذا كان الخرق في موضع واحد فان كان في مواضع متفرقة ينظر ان كان في خف واحد يجمع بعضها إلى بعض فان بلغ قدر ثلاث أصابع يمنع والا فلاو ان كان في خفين لا يجمع وقالوا في النجاسة ان كانت على الخفين انه يجمع بعضها إلى بعض فإذا زادت على قدر الدرهم منعت جواز
[ 12 ]
الصلاة والفرق ان الخرق انما يمنع جواز المسح لظهور مقدار فرض المسح فإذا كان متفرقا فلم يظهر مقدار فرض المسح من كل واحد منهما والمانع من جواز الصلاة في النجاسة هو كونه حاملا للنجاسة ومعنى الحمل متحقق سوءا كان في خف واحد أو في خفين (ومنها) أن يمسح على ظاهر الخف حتى لو مسح على باطنه لا يجوز وهو قول عمر وعلى وأنس رضى الله عنهم وهو ظاهر مذهب الشافعي وعنه انه لو اقتصر على الباطن لا يجوز والمستحب عندنا الجمع بين الظاهر والباطن في المسح الا إذا كان على باطنه نجاسة وحكى ابراهيم بن جابر في كتاب الاختلاف الاجماع على ان الاقتصار على أسفل الخف لا يجوز وكذا لو مسح على العقب أو على جانبى الخف أو على الساق لا يجوز والاصل فيه ما روى عن عمر رضى الله عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين وعن علي رضى الله عنه انه قال لو كان الدين بالرأى لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسح على ظاهر خفيه دون باطنهما ولان باطن الخف لا يخلو عن لوث عادة فالمسح عليه يكون تلويثا لليد ولان فيه بعض الحرج وما شرع المسح الا لدفع الحرج ولا تشترط النية في المسح على الخفين كمالا تشترط في مسح الرأس والجامع ان كل واحد منهما ليس ببدل عن الغسل بدليل انه يجوز مع القدرة على الغسل بخلاف التيمم وكذا فعل المسح ليس بشرط لجوازه بدونه أيضا بل الشرط اصابة الماء حتى لو خاض الماء أو أصابه المطر جاز عن المسح ولو مر بحشيش مبتل فأصاب البلل ظاهر خفيه ان كان بلل الماء أو المطر جاز وان كان بلل الطل قيل لا يجوز لان الطل ليس بماء * (فصل) * وأما مقدار المسح فالمقدار المفروض هو مقدار ثلاث اصابع طولا وعرضا ممدودا أو موضوعا وعند الشافعي المفروض هو أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح كما قال في مسح الرأس ولو مسح بأصبع أو أصبعين ومدهما حتى بلغ مقدار ثلاث أصابع لا يجوز عندنا خلافا لزفر كما في مسح الرأس ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة
غير موضوعة ولا ممدودة لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا ولو مسح بأصبع واحد ثلاث مرات وأعادها في كل مرة إلى الماء يجوز كما في مسح الرأس ثم الكرخي اعتبر التقدير فيه بأصابع الرجل فانه ذكر في مختصره إذا مسح مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل اجزأه فاعتبر الممسوح لان المسح يقع عليه وذكر ابن رستم عن محمد انه لو وضع ثلاثة أصابع وضعا اجزأه وهذا يدل على أن التقدير فيه بأصابع اليد وهو الصحيح لما روى في حديث علي رضى الله عنه انه قال في آخره لكنى رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه خطوطا بالاصابع وهذا خرج مخرج التفسير للمسح أنه الخطوط بالاصابع والاصابع اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة فكان هذا تقديرا للمسح بثلاث أصابع اليد ولان الفرض يتأدى بيه بيقين لانه ظاهر محسوس فاما أصابع الرجل فمستترة بالخف فلا يعلم مقدارها الا بالحرز والظن فكان التقدير بأصابع اليد أولى * (فصل) * وأما بيان ما ينقض المسح وبيان حكمه إذا انتقص فالمسح ينتقض بأشياء (منها) انقضاء مدة المسح وهى يوم وليلة في حق المقيم وفى حق المسافر ثلاثة أيام ولياليها لان الحكم الموقت إلى غاية ينتهى عند وجود الغاية فإذا انقضت المدة يتوضأ ويصلى ان كان محدثا وان لم يكن محدثا يغسل قدميه لا غير ويصلى (ومنها) نزع الخفين لانه إذا نزعهما فقد سرى الحدث السابق إلى القدمين ثم ان كان محدثا يتوضأ بكماله ويصلى وان لم يكن محدثا يغسل قدميه لا غير ولا يستقبل الوضوء وللشافعي قولان في قول مثل قولنا وفى قول يستقبل الوضوء وجهه ان الحدث قد حل ببعض اعضائه والحدث لا يتجزأ فيتعدى إلى الباقي (ولنا) ان الحدث السابق هو الذى حل بقدميه وقد غسل بعده سائر الاعضاء وبقيت القدمان فقط فلا يجب عليه الا غسلهما وهو مذهب عبد الله بن عمر وكذلك إذا نزع أحدهما انه ينتقض مسحه في الخفين وعليه نزع الباقي وغسلهما لا غير ان لم يكن محدثا الوضوء بكماله ان كان محدثا وعن ابراهيم النخعي فيه ثلاثة أقوال في قول مثل قولنا وفى قول لا شئ عليه إذ لا يعقل حدثا وفى قول يستقبل الوضوء وجه هذا القول ان الحدث لا يتجزأ فحلوله بالبعض كحلوله
[ 13 ]
بالكل وجه القول الآخر ان الطهارة إذا تمت لا تنتقض الا بالحدث ونزع الخف لا يعقل حدثا (ولنا) ان المانع من سراية الحدث إلى القدم استتارها بالخف وقد زال بالنزع فسرى الحدث السابق إلى القدمين جميعا لانهما في حكم الطهارة كعضو واحد فإذا وجب غسل احداهما وجب الاخرى ولو أخرج القدم إلى الساق انتقض مسحه لان
اخراج القدم إلى الساق اخراج لها من الخف ولو أخرج بعض قدمه أو خرج بغير صنعه روى الحسن عن أبى حنيفة انه ان أخرج أكثر العقب من الخف انتقضن مسحه والا فلا وروى عن أبى يوسف انه ان أخرج أكثر القدم من الخف انتقض والا فلا وروى عن محمد انه ان بقى في الخف مقدار ما يجوز عليه المسح بقى السمح والا انتقض وقال بعض مشايخنا انه يستمشى فان أمكنه المشى المعتاد بقى المسح والا فينتقض وهذا موافق القول أبى يوسف وهو اعتبار أكثر القدم لان المشى يتعذر بخروج أكثر القدم ولا بأس بالاعتماد عليه لان المقصد من لبس الخف هو المشى فإذا تعذر المشى انعدم اللبس فيما قصد له ولان اللاكثر حكم الكل * (وأما) المسح على الجبائر فالكلام فيه في مواضع في بيان جوازه وفى بيان شرائط جوازه وفى بيان صفة هذا المسح انه واجب أم لا وفى بيان ما ينقضه وفى بيان حكمه إذا انتقض وفى بيان ما يفارق فيه المسح على الخفين المسح على الجبائر (أما) الاول فالمسح على الجبائر جائز والاصل في جوازه ما روى عن على رضى الله عنه انه قال كسر زندي يوم أحد فسقط اللواء من يدى فقال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في يساره فانه صاحب لوائى في الدنيا والآخرة فقلت يا رسول الله ما أصنع بالجبائر فقال امسح عليها شرع المسح على الجبائر عند كسر الزند فيحلق به ما كان في معناه من الجرح والقرح وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شج في وجهه يوم أحد داواه بعظم بال عصب عليه وكان يمسح على العصابة ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة ولان الحاجة تدعوا إلى المسح على الجبائر لان في نزعها حرجا وضررا * (وأما) شرائط جوازه فهو ان يكون الغسل مما ير بالعضو المنكسر والجرح والقرح أولا يضره الغسل لكنه يخاف الضرر من جهة أخرى ينزع الجبائر فان كان لا يضره ولا يخاف لا يجوز ولا يسقط الغسل لان المسح لمكان العذر ولا عذر ثم إذا مسح على الجبائر والخرق التى فوق الجراحة جاز لما قلنا فأما إذا مسح على الخرقة الزائدة عن رأس الجراحة ولم يغسل ما تحتها فهل يجوز لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وذكر الحسن بن زياد أنه ينظر ان كان حل الخراقة وغسل ما تحتها من حوالى الجراحة مما يضر بالجرح يجوز المسح على الخرقة الزائدة ويقوم المسح عليها مقام غسل ما تحتها كالمسح على الخرقة التى تلاصق الجراحة وان كان ذلك لا يضر با لجرح عليه ان يحل ويغسل حوالى الجراحة ولا يجوز المسح عليها لان الجواز لمكان الضرورة فيقدر بقدر الضرورة ومن شرط اجواز المسح على الجبيرة أيضا ان يكون المسح على عين الجراحة مما يضر بها فان كان لا يضر بها لا يجوز المسح الا على نفس الجراحة ولا يجوز على الجبيرة كذا ذكره الحسن بن زياد لان الجواز
على الجبيرة للعذر ولا عذر ولو كانت الجراحة على رأسه وبعضه صحيح فان كان الصحيح قدر ما يجوز عليه المسح وهو قدر ثلاث أصابع لا يجوز الا ان يمسح عليه لان المفروض من مسح الرأس هو هذا القدر وهذا القدر من الرأس صحيح فلا حاجة إلى المسح على الجبائر وعبارة مشايخ العراق في مثل هذا ان ذهب عير فعير في الرباط وان كان أقل من ذلك لم يمسح عليه لان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة ويمسح على الجبائر (واما) بيان ان المسح على الجبائر هل هو واجب أم لا فقد ذكر محمد في كتاب الصلاة عن أبى حنيفة أنه إذا ترك المسح على الجبائر وذلك يضره اجزأء وقال أبو يوسف ومحمد إذا كان ذلك لا يضره لم يجز فخرج جواب أبى حنيفة في صورة وخرج جوابهما في صورة أخرى فلم يتبين الخلاف ولا خلاف في انه إذا كان المسح على الجبائر يضره انه يسقط عنه المسح لان الغسل يسقط بالعذر فالمسح أولى وأما إذا كان لا يضره فقد حقق بعض مشايخنا الاختلاف فقال على قول أبى حنيفة المسح على الجبائر مستحب وليس بواجب وهكذا ذكر قول أبى حنيفة في اختلاف زفر ويعقوب وعند هما واجب وحجتهما ما روينا عن على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا
[ 14 ]
رضى الله عنه بالمسح على الجبائر بقوله امسح عليها ومطلق الامر للوجوب ولابي حنيفة ان الفريضة لا تثبت الا بدليل مقطوع به وحديث على رضى الله عنه من أخبار الآحاد فلا تثبت الفريضة به وقال بعض مشايخنا إذا كان المسح لا يضره يجب بلا خلاف ويمكن التوفيق بين حكاية القولين وهو ان من قال ان المسح على الجبائر ليس بواجب عند أبى حنيفة عنى به انه ليس بفرض عنده لما ذكرنا ان المفروض اسم لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به ووجوب المسح على الجبائر ثبت بحديث على رضى الله عنه وانه من الآحاد فيوجب العمل دون العلم ومن قال ان المسح على الجبائر واجب عندهما فانما عنى به وجوب العمل لا الفريضة وعلى هذا لا يتحقق الخلاف لانهما لا يقولان بفريضة المسح على الجبائر لانعدام دليل الفريضة بل بوجوبه من حيث العمل لان مطلق الامر يحمل على الوجوب في حق العمل وانما الفريضة تثبت بدليل زائد وأبو حنيفة رضى الله عنه يقول بوجوبه في حق العمل والجواز وعدم الجواز يكون مبنيا على الوجوب وعدم الوجوب في حق العمل ولو ترك المسح على بعض الجبائر ومسح على البعض لم يذكره هذا في ظاهر الرواية وعن الحسن بن زياد أنه قال ان مسح على الاكثر جاز والا فلا بخلاف مسح الرأس والمسح على الخفين أنه لا يشترط فيهما الاكثر لان
هناك ورد الشرع بالتقدير فلا تشترط الزيادة على المقدر وههنا لا تقدير من الشرع بل ورد بالمسح على الجبائر فظاهره يقتضى الاستيعاب الا ان ذلك لا يخلو عن ضرب حرج فاقيم الاكثر مقام الجميع والله أعلم * (وأما) بيان ما ينقض المسح على الجبائر وبيان حكمه إذا انتقض فسقوط الجبائر عن برء ينقض المسح وجملة الكلام فيه ان الجبائر إذا سقطت فاما ان تسقط لا عن برء أو عن برء وكل ذلك لا يخلو من أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة فان سقطت لا عن برء في الصلاة مضى عليها ولا يستقبل وان كان خارج الصلاة يعيد الجبائر إلى موضعها ولا يجب عليه اعادة المسح وكذلك إذا شدها بجبائر أخرى غير الاولى بخلاف المسح على الخفين إذا سقط الخف في حال الصلاة انه يستقبل وان سقط خارج الصلاة يجب عليه الغسل والفرق ان هناك سقوط الغسل لمكان الحرج كما في النزع فإذا سقط فقد زال الحرج وههنا السقوط بسبب العذر وانه قائم فكان الغسل ساقطا وانما وجب المسح والمسح قائم وانما زال الممسوح كما إذا مسح على رأسه ثم حلق الشعر انه لا يجب اعادة المسح وان زال الممسوح كذلك ههنا وان سقطت عن برء فان كان خارج الصلاة وهو محدث فإذا أراد أن يصلى توضأ وغسل موضع الجبائر ان كانت الجراحة على أعضاء الوضوء وان لم يكن محدثا غسل موضع الجبائر لا غير لانه قدر على الاصل فبطل حكم البدل فيه فوجب غسله لا غير لان حكم الغسل وهو الطهارة في سائر الاعضاء قائم لانعدام ما يرفعها وهو الحدث فلا يجب غسلها وان كان في حال الصلاة يستقبل لقدرته على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل ولو مسح على الجبائر وصلى أياما ثم برأت جراحته لا يجب عليه اعادة ما صلى بالمسح وهذا قول أصحابنا وقال الشافعي ان كان الجبر على الجرح والقرح بعيد قولا واحدا وان كان على الكسر فله فيه قولان وجه قوله ان هذا عذر نادر فلا يمنع وجوب القضاء عند زواله كالمحبوس في السجن إذا لم يجد الماء ووجد ترابا نظيفا انه يصلى بالتيمم ثم يعيد إذا خرج من السجن كذلك ههنا (ولنا) ما روينا من حديث علي رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمسح على الجبائر ولم يأمره باعادة الصلاة مع حاجته إلى البيان (وأما) بيان ما يفارق فيه المسح على الجبائر المسح على الخفين (فمنها) ان المسح على الجبائر غير موقت بالايام بل هو موقت بالبرء والمسح على الخفين موقت بالايام للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها لان التوقيت بالشرع والشرع وقت هناك بقوله يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها ولم يوقت ههنا بل أطلق بقوله امسح عليها (ومنها) أنه لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر حتى لو وضعها وهو محدث ثم توضأ جاز له أن يمسح عليها وتشترط الطهارة
للبس الخفين حتى لو لبسهما وهو محدث ثم توضأ لا يجوز له المسح على الخفين لان المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها فإذا مسح عليها فكأنه غسل ما تحتها لقيامة مقام الغسل والخف جعل مانعا من نزول الحدث بالقدمين لا رافعا له
[ 15 ]
ولا يتحقق ذلك الا وان يكون لا بس الخف على طهارة وقت الحدث بعد اللبس (ومنها) انه إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح وسقوط الخفين أو سقوط أحدهما يوجب انتقاض المسح لما بينا * (فصل) * وأما شرائط أركان الوضوء (فمنها) أن يكون الوضوء بالماء حتى لا يجوز التوضؤ بما سوى الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين والمراد منه الغسل بالماء لانه تعالى قال في آخر الآية كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فيتمموا صعيدا طيبا نقل الحكم إلى التراب عند عدم الماء فدل على أن المنقول منه هو الغسل بالماء وكذا الغسل المطلق ينصرف إلى الغسل المعتاد وهو الغسل بالماء (ومنها) أن يكون بالماء المطلق لان مطلق اسم الماء ينصرف إلى الماء المطلق فلا يجوز التوضؤ بالماء المقيد والماء المطلق هو الذى تتسارع افهام الناس إليه عند اطلاق اسم الماء كماء الانهار والعيون والآبار وماء السماء وماء الغدران والحياض والبحار فيجوز الوضوء بذلك كله سواء كان في معدنه أو في الاواني لان نقله من مكان إلى مكان لا يسلب اطلاق اسم الماء عنه وسواء كان عذبا أو ملحا لان الماء الملح يسمى ماء على الاطلاق وقال النبي صلى الله عليه وسلم خلق الماء طهور الا ينجسه شئ الا ما غير لوثه أو طعمه أو ريحه والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وقال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقال الله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وروى أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المياه التى تكون في الفلوات وما ينوبها من الدواب والسباع فقال لها ما أخذت في بطونها وما أبقت فهو لنا شراب وطهور وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من آبار المدينة * (وأما) المقيد فهو ما لا تتسارع إليه الافهام عند اطلاق اسم الماء وهو الماء الذى يستخرج من الاشياء بالعلاج كماء الاشجار والثمار وماء الورد ونحو ذلك ولا يجوز التوضؤ بشئ من ذلك وكذلك الماء المطلق إذا خالطه شئ من المائعات الطاهرة كاللبن والخل ونقيع الزبيب ونحو ذلك على وجه زال عنه اسم الماء بان صار
مغلو بابه فهو بمعنى الماء المقيد ثم ينظر ان كان الذى خالطه مما يخالف لونه لون الماء كاللبن وماء العصفر والزعفران ونحو ذلك تعتبر الغلبة في اللون وان كان لا يخالف الماء في اللون ويخالفه في الطعم كعصير العنب الابيض وخله تعتبر الغلبة في الطعم وان كان لا يخالفه فيهما تعتبر الغلبة في الاجزاء فان استويا في الاجزاء لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وقالوا حكمه حكم الماء المغلوب احتياطا هذا إذا لم يكن الذى خالطه مما يقصد منه زيادة نظافة فان كان مما يقصد منه ذلك ويطبخ به أو يخالط به كماء الصابون والاشنان يجوز التوضؤ به وان تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه لان اسم الماء باق وازداد معناه وهو التطهير وكذلك جرت السنة في غسل الميت بالماء المغلى بالدر والحرض فيجوز الوضوء به الا إذا صار غليظا كالسويق المخلوط لانه حينئذ يزول عنه اسم الماء ومعناه أيضا ولو تغير الماء المطلق بالطين أو بالتراب أو بالجص أو بالنورة أو بوقوع الاوراق أو الثمار فيه أو بطول المكث يجوز التوضؤ به لانه لم يزل عنه اسم الماء وبقى معناه أيضا مع ما فيه من الضرورة الظاهرة لتعذر صون الماء عن ذلك وقياس ما ذكرنا أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر لتغير طعم الماء وصيرورته مغلو بابطعم التمر فكان في معنى الماء المقيد وبالقياس أخذ أبو يوسف وقال لا يجوز التوضؤ به الا ان أبا حنيفة ترك القياس بالنص وهو حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فجوز التوضؤ به وذكر في الجامع الصغير أن المسافر إذا لم يجد الماء ووجد نبيذ التمر توضأ به ولم يتيمم وذكر في كتاب الصلاة يتوضأ به وان تيمم معه أحب إلى وروى الحسن عن أبى حنيفة انه بجمع بينهما لا محالة وهو قول محمد وروى نوح في الجامع المروزى عن أبى حنيفة انه رجع عن ذلك وقال لا يتوضأ به ولكنه يتيمم وهو الذى استقر عليه قوله كذا قال نوح وبه أخد أبو يوسف ومالك والشافعي واحتج هؤلاء بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا نقل الحكم من الماء المطلق إلى التراب فمن نقله إلى النبيذ ثم من
[ 16 ]
النبيذ إلى التراب فقد خالف الكتاب وهؤلاء طعنوا في حديث عبد الله بن مسعود من وجوه (أحدها) انهم قالوا رواه أبو فزارة عن أبى زيد عن ابن مسعود وأبو فزارة هذا كان به إذا بالكوفة وأبو زيد مجهول (ومنها) انه قيل لعبدالله بن مسعود هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال ليتنى كنت وسئل تلميذه علق هل كان صاحبكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال وددنا ان كان (د ومنها) انه من أخبار الآحاد ورد على مخالفة الكتاب ومن شرط ثبوت خبر الو أن لا يخالف الكتاب فإذا خالف لم يثبت أو ثبت لكنه نسخ به لان
ليلة الجن كانت بمكة وهذه الآية نزلت بالمدينة * وجه رواية الحسن وهو قول محمد انه قا ههنا دليلان أحدهما انه يقتضى وجوب الوضوء بنبيذ التمر وهو حديث ابن مسعود ا رضى الله عنه والآخر يقتضى وجوب التيمم وهو قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيم ى صعيدا طيبا والعمل بالدليلين واجب إذا أمكن العمل بهما وههنا أمكن إذ لا تن بين وجوب الوضوء والتيمم فيجمع بينهما كما في سؤر الحمار ولابي حنيفة ما روى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا في بيت فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ليقم منك من ليس في قلبه مثقال ذرة من كبر فقمت وفى رواية فلم يقم منا أحد فأشار الال بالقيام فقمت ودخلت البيت فتزودت باداوة من نبيذ فخرجت معه فحط لى خطا ان خرجت من هذا لم ترنى إلى يوم القيامة فقمت قائما حتى انفجرا الصبح فا أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرق جبينه كانه حارب جنا فقال لى ي ابن مسعود هل معد ماء أتوضأ به فقلت لا الا نبيذ تمر في اداوة فقال ثمرة طيبة بن وماء طهور فأخذ ذلك وتوضأ به وصلى الفجر وكذا جماعة من الصحابة منهم على ى مسعود وابن عباس رضى الله عنهم كانوا يجوزون التوضؤ بنبيذ التمر وروى عن رضى الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال نبيذ التمر وضوء من لم يجد ولا الماء وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال توضؤا بنبيذ التم تتوضؤا باللبن وروى عن أبى العالية الرياحي انه قال كنت في جماعة من أصحا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة في البحر فحضرت الصلاة ففنى ماؤهم ومعهم نبيذ التمر فتوضأ بعضهم بنبيذ التمر وكره التوضؤ بماء البحر وتوضأ بعضء بماء البحر وكره التوضؤ بنبيذ التمر وهذا حكاية الاجماع فان من كان يتوضأ ب البحر كان يعتقد جواز التوضؤ بماء البحر فلم يتوضأ بنبيذ التمر لكونه واجد واللماء المطلق ومن كان يتوضأ بالنبيذ كان لا يرى ماء البحر طهورا أو كان يقول ور ماء سخطة ونقمة كأنه لم يبلغه قوله صلى الله عليه وسلم في صفة البحر هو الماؤه الحل ميتته فتوضأ بنبيذ التمر لكونه عاد ما للماء الطاهر وبه تبين أن ه الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حيث عمل به الصحابة رضى الله عنهم وتل ار بالقبول فصار موجبا علما استدلاليا كخبر المعراج والقدر خيرة وشره من الله وأ الرؤية والشفاعة وغير ذلك مما كان الراوى في الاصل واحدا ثم اشتهر وتلقته لان العلماء بالقبول ومثله مما ينسخ به الكتاب مع ما انه لا حجة لهم في الكتاب من عدم نبيذا التمر في الاسفار يسبق عدم الماء عادة لانه أعسر وجودا وأعز اصابة لم الماء فكان تعليق جواز التيمم بعدم الماء تعليقا بعدم النبيذ دلالة فكأنه قال تجدوا ماء ولا نبيذ تمر فتيمموا الا أنه لم ينص عليه لثبوته عادة يؤيد هذا ذكرنا من فتاوى نجباء الصحابة رضى الله عنهم في زمان انسد فيه باب
الوحى أنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ فبطل دعوى النسخ وما ذكروا من الط في الراوى أما أبو فزارة فقد ذكره مسلم في الصحيح فلا مطعن لاحد فيه وأما أب زيد فقد قال صاعد وهو من زهاد التابعين وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حري فكان معروفا في نفسه وبمولاه فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته على أنه قد روى هذا الحديث من طرق أخر غير هذا الطريق لا يتطرق إليها طعن وقولهم ان ابن مسع لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن دعوى باطلة لما روينا أ ع تركه في الخط وكذا روى كونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر آخر أ الفقهاء على العمل به وهو انه طلب منه أحجار اللاستنجاء فاتاه بحجرين وروثة فالقى الروثة وقال انها
[ 17 ]
رجس أو ركس والدليل عليه أنه روى انه لما ر أفواما من الزط بالعراق قال ما أشبه هؤلاء بالجن ليلة الجن وفى رواية أنه م بقوم يلعبون بالكوفة فقال ما رأيت أحدا أشبه بهؤلاء من الجن الذين رأيتهم مع مة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وما روى أنه قال ليتنى كنت معه وان ع قال وددنا أن يكون معه فمحمول على الحال التى خاطب فيها الجن أي ليتنى كن ي معه وقت خطابه الجن ووددنا أن يكون معه وقت ما خاطب الجن واختلف المشايخ ف جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبى حنيفة فقال بعضهم لا يجوز لان الجواز وز بالنص وأنه ورد في الوضوء دون الاغتسال فيقتصر على مورد النص وقال بعضهم أن لاستوائهما في المعنى ثم لابد من معرفة تفسير نبيذ التمر الذى فيه الخلاف وه ه يلقى شئ من التمر في الماء فتخرج حلاوته إلى الماء وهكذا ذكر ابن مسعود رضى ا لجن عنه في تفسير نبيذ التمر الذى توضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال تميرات ألقيتها في الماء لان من عادة العرب انها تطرح التمر في الم الملح ليحلو فما دام حلوا رقيقا أو قارصا يتوضأ به عند أبى حنيفة وان كان غل لانه كالرب لا يجوز التوضؤ بلا خلاف وكذا ان كان رقيقا لكنه غلا واشتد وقذف بالزي له صار مسكرا والمسكر حرام فلا يجوز التوضؤ به ولان النبيذ الذى توضأ به رسول أ صلى الله عليه وسلم كان رقيقا حلوا فلا يلحق به الغليظ والمر هذا إذا كان فان كان مطبوخا أدنى طبخة فما دام حلوا أو قارصا فهو على الاختلاف وان غلاو اش وقذف بالزبد ذكر القدورى في شرحه لمختصر الكرخي الاختلاف فيه بين الكرخي وأ ان طاهر الدباس على قول الكرخي يجوز وعلى قول أبى طاهر لا يجوز وجه قول الكر اء اسم النبيذ كما يقع على التئ منه يقع على المطبوخ فيدخل تحت النص ولان ا ا المطلق إذا اختلط به المائعات الطاهرة يجوز التوضؤ بلا خلاف بين
أصحابنا ه كان الماء غالبا وههنا أجزاء الماء غالبة على أجزاء التمر فيجوز التوضؤ به قول أبى طاهر أن الجواز عرف بالحديث والحديث ورد في النئ فانه روى عن ا عبد الله بن سمعود رضى الله عنه انه سئل عن ذلك النبيذ فقال تميرات ألقي في الماء وأما قوله ان المائع الطاهر إذا اختلط بالماء لا يمنع التوضؤ به فن ب إذا لم يغلب على الماء أصلا فاما إذا غلب عليه بوجه من الوجوه فلا وههنا عليه من حيث الطعم واللون وان لم يغلب من حيث الاجزاء فلا يجوز التوضؤ ب وهذا أقرب القولين إلى الصواب وذكر القاضى الاسبيجابى في شرحه مختصر الطحا ز وجعله على الاختلاف في شربه فقال على قول ابى حنيفة يجوز التوضؤ به كما ي شربه وعند محمد لا يجوز كما لا يجوز شربه وأبو يوسف فرق بين الوضوء والشر طبوخ فقال يجوز شربه ولا يجوز الوضوء وبه لانه لا يرى التوضؤ بالئ الحلو منه فبا ماء المر أولى وأما نبيذ الزبيب وسائر الانبذة فلا يجوز التوضؤ بها عند عامة الأو وقال الاوزاعي يجوز التوضوء بالانبذة كلها نيأ كان النبيذأ ومطبوخا حلوا ك عن مرا قياسا على نبيذ التمر (ولنا) أن الجواز في نبيذ التمر ثبت معد ولا أنه القياس لان القياس يأبى الجواز الا بالماء المطلق وهذا ليس بماء مطلق بدل لا يجوز التوضؤ به مع القدرة على الماء المطلق الا أنا عرفنا الجواز بالنص ن والنص ورد في نبيذ التمر خاصة فيبقى ما عداه على أصل القياس (ومنها) يكون الماء طاهرا فلا يجوز التوضؤ بالماء النجس لان النبي صلى الله عليه وس ل سمى الوضوء طهورا وطهارة بقوله لا صلاة الا بطهور وقوله لا صلاة الا بطهارة ويست لقدر حصول الطهارة بالماء النجس والماء النجس ما خالطه النجاسة وسنذكر بيان ون الذى يخالط الماء من النجاسة فينجسه في موضعه ان شاء الله (ومنها) أن طهور القول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرء حتى يضع الطهور ر في مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه والطهور اسم للط بنا ذاته المطهر لغيره فلا يجوز التوضؤ بالماء المستعمل لانه نجس عند بعض أص الا وعند بعضهم طاهر غير طهور على ما نذكر ويجوز بالماء المكروه لانه ليس بن ي أن الاولى أن لا يتوضأ به إذا وجد غيره ولا يجوز بسؤر الحمار وحده لانه مشكوك طهوريته عند الاكثرين وعند بعضهم في طهارته وسنفسره ونستوفى الكلام فيه إذا أما انتهينا إلى بيان حكم الاسآر عند بيان أنواع الانجاس ان شاء الله تعالى () النية فليست من الشرائط وكذلك الترتيب فيجوز الوضوء
[ 18 ]
بدون الن ان ومراعاة الترتيب عندنا وعند الشافعي من الشرائط لا يجوز بدونهما وكذلك ا يجوز المتوضئ ليس
بشرط لصحة وضوئه عندنا فيجوز وضؤ الكافر عندنا وعنده شرط وضوء الكافر وكذلك الموالاة ليست بشرط عند عامة المشايخ وعند مالك شر ض وسنذكر هذه المسائل عند بيان سنن الوضوء لانها من السنن عندنا لا من الفر قبل فكان الحاقها بفصل السنن أولى * (فصل) * وأما سنن الوضوء فكثيرة بعضه الوضوء وبعضها في ابتدائه وبعضها في اثنائه (أما) الذى هو قبل الوضوء إذ هو فمنها) الاستنجاء بالاحجار أو ما يقوم مقامها وسمى الكرخي الاستنجاء استجما ارة طلب الجمرة وهى الحجر الصغير والطحاوى استطابة وهى طلب الطيب وهو الما والاستنجاء هو طلب طهارة القبل والدبر من النجو وهو ما يخرج من البطن أ ضع في يعلو ويرتفع من النجوة وهى المكان المرتفع (والكلام في الاستنجاء) في م بيان صفة الاستنجاء وفي بيان ما يستنجى به وفي بيان ما يستنجى منه أما الاو لاته فالاستنجاء سنة عندنا وعند الشافعي فرض حتى لو ترك الاستنجاء أصلا جازت ء عندنا ولكن مع الكراهة وعنده لا يجوز والكلام فيه راجع إلى أصل نذكره ان ز الله تعالى وهو أن قليل النجاسة الحقيقة في الثوب والبدن عفو في حق ج ر ولم الصلاة عندنا وعنده ليس بعفو ثم ناقض في الاستنجاء فقال إذا استنجى بالاح لا يغسل موضع الاستنجاء جازت صلاته وان تيقنا ببقاء شئ من النجاسة إذا لحج يستأصل النجاسة وانما يقللها وهذا تناقض ظاهر ثم ابتداء الدليل على ا جمر الاستنجاء ليس بفرض ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من ا الحرج فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج والاستدلال به من وجهين أحدهما انه ن ومن لا في تركه ولو كان فرضا لكان في تركه حرج والثانى انه قال من فعل فقد أح حب الا فلا حرج ومثل هذا لا يقال في المفروض وانما يقال في المندوب إليه والم دون انه الاستنجاء أصلا وصلى يكره لان قليل النجاسة جعل عفوا في حق جواز الصلا الكراهة وإذا استنجى زالت الكراهة لان الاستنجاء بالاحجار أقيم مقام الغ ف بالماء شرعا للضرورة إذا الانسان قد لا يجد سترة أو مكانا خاليا للغسل ول وقد العورة حرام فاقيم الاستنجاء مقام الغسل فتزول به الكراهة كما تزول بال لاحجار روى عن ابن مسعود رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنجى ولا يظن به اداء الصلاة مع الكراهة (وأما) بيان ما يستنجى به فالسنة ه كره الاستنجاء بالاشياء الطاهرة من الاحجار والامدار والتراب والخرق البوالى مسعود بالروت وغيره من الانجاس لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عبد الله ونها عن
أحجار الاستنجاء أناء بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وعلل الله نجسا فقال انها رجس أو ركس أي نجس ويكره بالعظم لما روى أن النبي ص فهو عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالروث والرمة وقال من استنجى بروث أو رم ا برئ مما أنزل على محمد وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تستن فعل بالعظم ولا بالروث فان العظم زاد اخوانكم الجن والروث علف دوابهم فا احد ذلك يعتد به عندنا فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهة ويجوز أن يكون لفعل تجوز جهتان مختلفتان فيكون بجهة كذا وبجهة كذا وعند الشافعي لا يعتد به حتى عين صلاته إذا لم يستنج بالاحجار بعد ذلك وجه قوله ان النص ورد بالاحجار فيرا) أن المنصوص عليه ولان الروث نجس في نفسه والنجس كيف يزيل النجاسة (ولن نه كره النص معلول بمعنى الطهارة وقد حصلت بهذه الاشياء كما تحصل بالاحجار الا لما بالروث لما فيه من استعمال النجس وافساد علف دواب الجن وكره بالعظ ى من فيه من افساد زادهم على ما نطق به الحديث فكان النهى عن الاستنجاء به لم يابس غيره لا في عينه فلا يمنع الاعتداد به وقوله الروث نجس في نفسه مسلم لك ره لا ينفصل منه شئ إلى البدن فيحصل باستعماله نوع طهارة بتقليل النجاسة وساد الاستنجاء بخرقة الديباج ومطعوم الآدمى من الحنطة والشعير لما فيه من غير المال من غير ضرورة وكذا بعلف البهائم وهو الحشيش لانه تنجيس للطاهر حصل ضررورة
[ 19 ]
والمعتبر في اقامة هذه السنة عندنا هو الانقاء دون العدد ف نقاء بحجر واحد كفاه وان لم يحصل بالثلاث زاد عليه وعند الشافعي العدد مع ج شرط حتى لو حصل الانقاء بما دون الثلاث كل الثلاث ولو ترك لم يجزه وا أمر الشافعي بما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من استجمر فليو الله بالايثار ومطلق الامر للوجوب (ولنا) ما رويناه من حديث ابن مسعود ر ثة فرعى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أحجار الاستنجاه فأتاء بحجرين وترك الروثة ولم يسأله حجرا ثالثا ولو كان العدد فيه شرطا لسأله إذا لا يظن ب اهر من الواجب ولان الغرض منه هو التطهير وقد حصل بالواحد ولا يجوز تنجيس ا الامر غير ضرورة (وأما) الحديث فحجة عليه لان أقل الايتار مرة واحدة على ا ل بالايتار ليس لعينه بل لحصول الطهارة فإذا حصلت بما دون الثلاث فقد زلة المقصود فينتهى حكم الامر وكذا لو استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف لانه ب الله ثلاثة أحجار في تحصيل معنى الطهارة ويستجى بيساره لما روى أن النبي صل النبي عليه وسلم كان يأكل بيمينه ويستجمر
بيساره وعن عائشة رضى الله عنها أ وهذا صلى الله عليه وسلم كان يأكل بيمينه ويستنجى بيساره ولان اليسار للاقذا من قدر إذا كانت النجاسة التى على المخرج قدر الدرهم أو أقل منه فان كانت أك الا الدرهم لم يذكر في ظاهر الرواية واختلف المشايخ فيه فقال بعضهم لا يز لان بالغسل وقال بعضهم يزول بالاحجار وبه أخذ الفقيه أبو الليث وهو الصحي س الشرع ورد بالاستنجاء بالاحجار مطلقا من غير فصل وهذا كله إذا لم يتعد الماع وان المخرج فان تعداء ينظر ان كان المتعدى أكثر من قدر الدرهم يجب غسله با يجب كان أقل من قدر الدرهم لا يجب غسله عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند مح غسلها وذكر القدورى في شرحه مختصر الكرخي ان النجاسة إذا تجاوزت مخرجها وج ولم يذكر خلاف أصحابنا لمحمد ان الكثير من النجاسة ليس بعفو وهذا (كث وهما ولهما ان القدر الذى على المخرج قليل وانما يصير كثيرا بضم المتعدى الي والاخرى نجاستان مختلفتان في الحكم فلا يجتمعان الا يرى أن احداهما نزول بالاحجا ا وهى لا تزول الا بالماء وإذا اختلفتا في الحكم يعطى لكل واحدة منهما حكم نف من في نفسها قليله فكانت عفوا (واما) بيان ما يستنجى منه فالاستنجاء مسن مذى كل نجس يخرج من السبيلين له عين مرئية كالغائط والبول والمنى والودى ولسبيلين والدم لان الاستنجاء للتطهير بتقليل النجاسة وإذا كان النجس الخارج من ليست عينا مرئية تقع الحاجة إلى التطهير بالتقليل ولا استنجاء في الريح لانه قال بعين مرئية (ومنها) السواك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ولانه لولا ان اشق على أمتى لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وفي رواية عند كل وضو وجل وروى مطهرة للغم على ما نطق به الحديث السواك مطهرة للغم ومرضاة للرب نه قال عنه أنه قال ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت ان يدردنى وروى بسا طهر وامسالك القرآن بالسواك وله ان يستاك باى سواك كان رطبا أو السواك مبلولا أو غير مبلول صائما كان أو غير صائم قبل الزوال أو بعده لان نصوص الصوم (مطلقة وعند الشافعي يكره السواك بعد الزوال للصائم لما يذكر في كتا هي فريضة وأما) الذى هو في ابتداء الوضوء (فمنها) النية عندنا وعند الشافع الوضوء والكلام في النية راجع إلى أصل وهو أن معنى القربة والعبادة غير لازم في نبى صلى عندنا وعنده لازم ولهذا صح من الكافر عندنا خلافا له واحتج بما روى عن لهذا كان الله عليه وسلم أنه قال الوضوء شطر الايمان والايمان عبادة فكذا شطره الف الاصل التيمم عبادة حتى لا يصح بدون النية وأنه خلف عن الوضوء والخلف لا وجوهكم (ولنا) قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا المسح وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين أمر بالغسل أيها الذين مطلقا عن شرط
النية ولا يجوز تقييد المطلق الا بدليل وقوله تعالى لا عابرى سبيل آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا اية حتى تغتسلوا نهمى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل اللمطلق وعنده لا الاغتسال مطلقا عن شرط النية فيقتضى انتهاء حكم النهى عند الاغتسال مر بالوضوء ينتهى الا عند
[ 20 ]
اغتسال مقرون بالنية وهذا خلاف الكتاب ولان وحصول الطهارة لحصول الطهارة لقوله تعالى في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركء مطهر لما لا يقف على النية بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة والشئ الا ما غير روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلق الماء طهور الا ينجس را والطهور طعمه أو ريحه أو لونه وقال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء ط ين ان الطهارة اسم للطاهر في نفسه المطهر لغيره والمحل قابل على ما عرف وبه جزأه عن عمل الماء خلقة وفعل اللسان فضل في الباب حتى لو سال عليه المطر ختيارى وبه الوضوء والغسل فلا يشترط لهما النية إذا اشتراطها لاعتبار الفعل فان اتصلت تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة ومعنى العبادة فيه من الزوا ى اقامة به النية يقع عبادة وان لم تتصل به لا يقع عبادة لكنه يقع وسيلة انه شطر الصلاة الصلاة لحصول الطهارة كالسعي إلى الجمعة (وأما) الحديث فتأويل ن الايمان هو لاجماعنا على انه ليس بشرط الايمان لصحة الايمان بدونه ولا شطره ر الصلاة لان التصديق والوضوء ليس من التصديق في شئ فكان المراد منه انه له تعالى وما الايمان يذكر على ارادة الصلاة لان قبولها من لوازم الايمان قال التيمم انه كان الله ليضيع ايمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس وهكذا نقول صلاة به لا لانه ليس بعبادة ايضا الا انه إذا لم تتصل به النية لا يجوز أداء ند مباشرة فعل لا عبادة بل لانعدام حصول الطهارة لانه طهارة ضرورية جعلت طهارة وضوء لانه طهارة صحة له بدون الطهارة فإذا عرى عن النية لم يقع طهارة بخلاف الا إذا كان حقيقة فلا يقف على النية (ومنها) التسمية وقال مالك انها ف واحتج بما روى ناصيا فتقام التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للح ا) ان آية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا وضوء لمن لم يسم (و المطلوب من الوضوء مطلقة عن شرط التسمية فلا تقيد الا بدليل صالح للتقييد وا في الاصل فلا التوضئ هو الطهارة وترك التسمية لا يقدح فيها لان الماء خلق طه رضى الله عنه أن تقف طهوريته على صنع العبد والدليل عليه ما روى عن ابن مسع كان طهور الجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من
توضأ وذكر اسم الله عل بدنه والحديث بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لما أصاب الماء م حمول على نفى من جملة الآحاد ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد ثم هو جار المسجد الا في الكمال وهو معنى السنة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة يها عند افتتاح المسجد وبه تقول انه سنة لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ال لم يبدأ فيه الوضوء وذلك دليل السنية وقال عليه الصلاة والسلام كل أمر ذى الاستنجاء أو بذكر الله فهو أبتر واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتى بها ق لان حال الاستنجاء بعده قال بعضهم قبله لانها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم بعد ن باب التعظيم (حال كشف العورة فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من منامه وقال ومنها) غسل اليدين إلى الرسغين قبل ادخالهما في الاناء للمستق م الليل والنهار قوم انه فرض ثم اختلفوا فيما بينهم منهم من قال انه فرض من النبي صلى الله ومنهم من قال انه فرض من نوم الليل خاصة واحتجوا بما روى ع الاناء حتى عليه وسلم أنه قال إذا استقيظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده ى كون الغسل يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين بانت يده والنهى عن الغمس يدل أو من النجس لا فرضا (ولنا) ان الغسل لو وجوب لا يخلو اما أن يجب من الحدث جبنا عليه غسل سبيل إلى الاول لانه لا يجب الغسل من الحدث الامرة واحدة فلو ه الغسل عند العضو عند استيقاظه من منامه مرة ومرة عند الوضوء لاوجبنا ع هوم واليه أشار الحدث مرتين ولا سبيل إلى الثاني لان النجس غير معلوم بل هو لى توهم النجاسة في الحديث حيث قال فانه لا يدرى اين باتت يده وهذا اشارة ن الاصل هو الطهارة واحتمالها فيناسبه الندب إلى الغسل واستحبابه لا الايجاب هي التنزيه لا فلا تثبت النجاسة بالشد والاحتمال فكان الحديث محمولا علئ بالماء أو بعده التحريم واختلف المشايخ في وقت غسل اليدين انه قبل الاستن للتطهير (ومنها) على ثلاثة أقوال قال بعضهم قبله وقال بعضهم قبله وبعده تكمي ومعاوية وابن عمر
[ 21 ]
الاستنجاء بالماء لما رووى عن جماعة من الصحابة منهم ع بعد الاستنجاء وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهم انهم كانوا يستنجون بالم سن البصري انه كان بالاحجار حتى قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء وطهورا وعن ا من كان قبلكم كان يأمر الناس بالاستنجاء بالماء بعد الاستنجاء بالاحجار ويقول ان من الآداب في يبعر بعر أو أنتم
تثلطون ثلطا فاتبعوا الحجارة الماء وهو عنها ان رسول الله عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن عائشة رضى الل له تعالى فيه رجال صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل مقعده بالماء ثلاثا ولما نزل ل الله صلى الله يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين في أهل قباسأ لهم ر بعد عصره من السنن عليه وسلم عن شأنهم فقالوا انا نتبع الحجارة الماء ثم صا عن النبي صلى باجماع الصحابة كالتراويح والسنة فيه أن يغسل بيساره لما ر د في الاستنجاء الله عليه وسلم انه قال اليمين للوجه واليسار للمعقد ثم السل ثلاثا يزيد عليه بالماء ليس بلازم وانما المعتبر هو الانقاء فان لم يكفه ا سوسة واجب والسبع وان كان الرجل موسوسا فلا ينبغى أن يزيد على السبع لان قطع ا حديث ولوغ الكلب هو نهاية العدد الذى ورد الشرع به في الغسل في الجملة كما للتطهير وينبغى أن (وأما) كيفية الاستنجاء فينبغي أن يرخى نفسه ارخاء تكمي ه ولا يجوز تنجيس يبتدى بأصبع ثم بأصبعين ثم بثلاث أصابع لان الضرورة تندفع كيلا يشبه ادخال الطاهر من غير ضرورة وينبغى أن يستنجى ببطون الاصابع لا برؤس عل مثل ما يفعل الاصبع في العورة وهذا في حق الرجل وأما المرأه فقال بعضهم لفرج والخارج في الرجل وقال بعضهم ينبغى أن تستنجى برؤس الاصابع لان تطهير ولا يحصل ذلك الا باب الحيض والنفاس والجنابة واجب وفى باب الوضوء سن مضمضة والاستنشاق برؤس الاصابع (وأما) الذى هو في أثناء الوضوء (فمنها) والغسل جميعا وقال وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل هما فرضان في الوضو ه صلى الله عليه الشافعي سنتان فيهما جميعا فأصحاب الحديث احتجوا بمواظ يتعلق بالظاهر وسلم عليهما في الوضوء والشافعي يقول الامر بالغسل عن الجنا ا) ان الواجب في دون الباطن وداخل الانف والفم من البواطن فلا يجب غسله (ولفم ليس من جملتها باب الوضوء غسل الاعضاء الثلاثة ومسح الرأس وداخل الانف عادة وداخل الانف اما ما سوى الوجه فظاهر وكذا الوجه لانه اسم لما يواجه اللان الواجب هناك والفم لا يواجه إليه بكل حال فلا يجب غسله بخلاف باب الجنا انكم فيجب غسل ما تطهير البدن بقوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا أي طهروا أ الله عليه وسلم يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطا ومواظبة النبي ص على سنن العبادات عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفريضة فانه كان يواظ على الاستنشاق لان (ومنها) الترتيب في المضمضة والاستنشاق وهو تقديم المضمض افراد كل واحد منهما النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على التقديم (ومنها واحد بأن يأخذ الماء بماء على حدة عندنا وعند الشافعي السنة الجمع بينهما بما الله صلى الله عليه بكفه فيتمضمض بيعضه ويستنشق ببعضه واحتج بما روى
ان رسو له صلى الله عليه وسلم تمضمض بكف واحد (ولنا) ان الذين حكموا وضوء رسول فيفرد كل واحد منهما وسلم أخذ والكل واحد منهما ماء جديد أو لانهما عضوان منفردا بماء على حدة كسائر الاعضاء وما رواه محتمل يحتمل انه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل انه فعل ذلك بماء على حدة فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يرد المحتمل إلى المحكم وهو ما ذكرنا توفيقا بين الدليلين (ومنها) المضمضة والاستنشاق باليمين وقال بعضهم المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار لان الفم مطهرة والانف مقذرة واليمين للاطهار واليسار للاقذار (ولنا) ما روى عن الحسن بن على رضى الله عنه انه استثر؟ بيمينه فقال له معاوية جهلت السنة فقال الحسن رضى الله عنه كيف أجهل والسنة خرجت من بيوتنا اما علمت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اليمين للوجه واليسار للمقعد (ومنها) المبالغة في المضمضة والاستنشاق الا في حال الصوم فيرفق لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة بالغ في المضمضة والاستنشاق الا أن تكون صائما فارفق ولان المبالغة فيهما من باب التكميل في التطهير فكانت مسنونة الا في حال الصوم لما فيها من تعريض الصوم للفساد (ومنها) الترتيب
[ 22 ]
في الوضوء لان النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه ومواظبته عليه دليل السنة وهذا عندنا وعند الشافعي هو فرض وجه قوله ان الامر وان تعلق بالغسل والمسح في آية الوضوء بحرف الواو وانها للجمع المطلق لكن الجمع المطلق يحتمل الترتيب فيحمل على الترتيب بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث غسل مرتبا فكان فعله بيانا لاحد المحتملين (ولنا) ان حرف الواو للجمع المطلق والجمع بصفة الترتيب جمع مقيد ولا يجوز تقييد المطلق الا بدليل وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يحمل على موافقة الكتاب وهو انه انما فعل ذلك لدخوله تحت الجمع المطلق لكن من حيث انه جمع بل من حيث انه مرتب وعلى هذا الوجه يكون عملا بموافقة الكتاب كمن أعتق رقبة مؤمنة في كفارة اليمين أو الظهار انه يجوز بالاجماع وذالا ينفى أن تكون الرقبة المطلقة مرادة من النص لان جواز المؤمنة من حيث هي رقبة لا من حيث هي مؤمنة كذا ههنا ولان الامر بالوضوء للتطهير لما ذكرنا في المسائل المتقدمة والتطهير لا يقف على الترتيب لما مر (ومنها) الموالاة وهى أن لا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل وقيل في تفسير الموالاة أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يخف فيه العضو المغسول فان مكث تنقطع الموالاة وعند مالك هي فرض وقيل انه أحد قولى
الشافعي والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في الترتيب فافهم (ومنها) التثليث في الغسل وهو أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الاجر مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلى فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم وفى رواية فمن زاد أو نقص فهو من المعتدين واختلف في تأويله قال بعضهم زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه وقال بعضهم زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة والصحيح انه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث بان لم ير الثلاث سنة لان من لم يرسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يحلقه هذا الوعيد لان الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذ نوى به وانه نور على نور على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا جعل رسول الله لى الله عليه وسلم الوضوء مرتين سببا لتضعيف الثواب فكان المراد منه الاعتقاد لا نفس الزيادة والنقصان (ومنها) البداءة باليمين في اليدين والرجلين لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ذلك وهى سنة في الوضوء وفى غيره من الاعمال لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شئ التنعل والنرجل (ومنها) البداءة فيه من رؤس الاصابع لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (ومنها) تخليل الاصابع بعد ايصال الماء إلى ما بينها لقول النبي صلى الله عليه وسلم خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم وفي رواية خللوا أصابعكم لا تخللها نار جهنم ولان التخليل من باب اكمال الفريضة فكان مسنونا ولو كان في أصبعه خاتم فان كان واسعا فلا حاجة إلى التحريك وان كان ضيقا فلابد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته (ومنها) الاستيعاب في مسح الرأس وهو أن يمسح كله لما روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر وعند مالك فرض وقد مر الكلام فيه (ومنها) البداءة بالمسح من مقدم الرأس وقال الحسن البصري السنة البداءة من الهامة فيضع يديه عليها فيمدهما إلى مقدم الرأس ثم يعيد هما إلى القفا وهكذا روى هشام عن محمد والصحيح قول لعامة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ بالمسح من مقدم رأسه ولان السنة في المغسولات البداءة بالغسل من أول العضو فكذا في الممسوحات (ومنها) أن يمسح رأسه مرة واحدة والتثليث مكروه وهذا عندنا وقال الشافعي السنة هي التثليث وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد احتج الشافعي بما روى أن عثمان بن
عفان وعليا رضى الله عنهما حكيا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا ولان هذا ركن أصلى في الوضوء فيسن فيه التثليث قياسا على الركن الآخر وهو الغسل بخلاف المسح على الخفين لانه ليس
[ 23 ]
بركن أصلى بل ثبت رخصة ومبنى الرخصة على الخفة (ولنا) ما روى عن معاذ رضى الله عنه أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ورأيته توضأ مرتين مرتين ورأيته توضأ ثلاثا ثلاثا وما رأيته مسح على رأسه الا مرة واحدة وكذا روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه علم الناس وضوء رسول الله عليه وسلم ومسح مرة واحدة (وأما) حكاية عثمان وعلى رضى الله عنهما فالمشهور عنهما انهما مسحا مرة واحدة كذا ذكر أبو داود في سنته أن الصحيح من حديث عثمان رضى الله عنه أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة وكذا روى عبد خبر عن على رضى الله عنه أنه توضأ في رحبة الكوفة بعد صلاة الفجر ومسح رأسه مرة واحدة ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى وضوئي هذا ولو ثبت ما رواه الشافعي فهو محمول على انه فعله بماء واحد وذلك سنة عندنا في رواية الحسن عن أبى حنيفة ولان التثليث بالمياه الجديدة تقريب إلى الغسل فكان مخلا باسم المسح واعتباره بالغسل فاسد من وجهين أحدهما أن المسح بنى على التخفيف والتكرار من باب التغليظ فلا يليق بالمسح بخلاف الغسل والثانى أن التكرار في الغسل مفيد لحصول زيادة نظافة ووضاءة لا تحصل بالمرة الواحدة ولا يحصل ذلك بتكرار المسح فبطل القياس (ومنها) أن يمسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما بماء الرأس وقال الشافعي السنة أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا وجه قوله انهما عضوان منفردان وليسا من الرأس حقيقة وحكما أما الحقيقة فان الرأس منبت الشعر ولا شعر عليهما وأما الحكم فلان المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس ولو كانا في حكم الرأس لناب المسح عليهما عن مسح الرأس كسائر اجزاء الرأس (ولنا) ما روى عن على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه بماء مسح به رأسه وروى عن أنس ابن مالك رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الاذنان من الرأس ومعلوم أنه ما أراد به بيان الخلقة بل بيان الحكم الا أنه لا ينوب المسح عليهما عن مسح الرأس لان وجوب مسح الرأس ثبت بدليل مقطوع به وكون الاذنين من الرأس ثبت بخبر الواحد وانه يوجب العمل دون العلم فلو ناب المسح عليهما عن مسح الرأس لجعلنا هما من الرأس قطعا وهذا لا يجوز وصار هذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم الحطيم من البيت فالحديث يفيد كون
الحطيم من البيت حتى يطاف به بالبيت ثم لا يجوز اداء الصلاة إليه لان وجوب الصلاة إلى الكعبة ثبت بدليل مقطوع به وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد انما يجب إذا لم يتضمن ابطال العمل بدليل مقطوع به أما إذا تضمن فلا كذلك ههنا (وأما) تخليل اللحية فعند أبى حنيفة ومحمد من الآداب وعند أبى يوسف سنة هكذا ذكر محمد في كتاب الآثار لابي يوسف ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وشبك أصابعه في لحيته كأنها اسنان المشط ولهما أن الذين حكموا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خللوا لحاهم وما رواه أبو يوسف فهو حكاية فعله صلى الله عليه وسلم ذلك اتفاقا لا بطريق المواظبة وهذا لا يدل على السنة (وأما) مسح الرقبة فقد اختلف المشايخ فيه قال أبو بكر الاعمش انه سنة وقال أبو بكر الاسكاف انه أدب * (فصل) * وأما آداب الوضوء (فمنها) أن لا يستعين المتوضى على وضوئه بأحد لما روى عن أبى الجنوب أنه قال رأيت عليا يستقى ماء لوضوئه فبادرت استقى له فقال مه يا أبا الجنوب فانى رأيت عمر يستقى ماء لوضوئه فبادرت أستقى له فقال مه يا أبا الحسن فانى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى ماء لوضوئه فبادرت استقى له فقال مه يا عمر انى لا أريد أن يعيننى على صلاتي أحد (ومنها) أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتروا الادب فيما بين الاسراف والتقتير إذا لحق بين الغلو والتقصير قال النبي صلى الله عليه وسلم خير الامور أوسطها (ومنها) ذلك اعضاء الوضوء خصوصا في الشتاء لان الماء يتجافى عن الاعضاء (ومنها) ان يدعو عند كل فعل من أفعال الوضوء بالدعوات المأثورة المعروفة وان يشرب فضل وضوئه قائما إذا لم يكن صائما ثم يستقبل القبلة ويقول أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويملا الآنية عمدة لوضوء آخر ويصلى ركعتين لان كل ذلك مما ورد في الاخبار انه فعله صلى
[ 24 ]
الله عليه وسلم ولكن لم يواظب عليه وهذا هو الفرق بين السنة والادب ان السنة ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتركه الا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني والادب ما فعله مرة أو مرتين ولم يواظب عليه * (فصل) * وأما بيان ما ينقض الوضوء فالذي ينقضه الحدث والكلام في الحدث في الاصل في موضعين أحدهما في بيان ماهيته والثانى في بيان حكمه أما الاول فالحدث نوعان حقيقي وحكمي أما الحقيقي فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة هو خروج النجس من الادمى الحى سواء كان من السبيلين الدبر والذكر أو فرج المرأة أو من غير السبيلين الجرح
والقرح والانف من الدم والقيح والرعاف والقئ وسواء كان الخارج من السبيلين معتادا كالبول والغائط والمنى والمذى والودى ودم الحيض والنفاس أو غير معتاد كدم الاستحاضة وقال زفر ظهور النجس من الآدمى الحى وقال مالك في قول هو خروج النجس المعتاد من السبيل المعتاد فلم يجعل دم الاستحاضة حدثا لكونه غير معتاد وقال الشافعي هو خروج شئ من السبيلين فليس بحدث وهو أحد قولى مالك أما قول مالك فمخالف للسنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وقوله للمستحاضة توضئى وصلى وان قطر الدم على الحصير قطرا وقوله توضئى فانه دم عرق انفجر ولان المعنى الذى يقتضى كون الخروج من السبيلين حدثا لا يوجب الفصل بين المعتاد وغير المعتاد لما يذكر فالفصل يكون تحكما على الدليل وأما الكلام مع الشافعي فهو احتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قاء فغسل فمه فقيل له الا تتوضأ وضوءك للصلاة فقال هكذا الوضوء من القئ وعن عمر رضى الله عنه انه حين طعن كان يصلى والدم يسيل منه ولان خروج النجس من البدن زوال النجس عن البدن وزوال النجس عن البدن كيف يوجب تنجيس البدن مع انه لا نجس على أعضاء الوضوء حقيقة وهذا هو القياس في السبيلين الا ان الحكم هناك عرف بالنص غير معقول فيقتصر على مورد النص (ولنا) ما روى عن أبى امامة الباهلى رضى الله عنه انه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرفت له غرفة فأكلها فجاء المؤذن فقلت الوضوء يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم انما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل علق الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير اعتبار المخرج الا ان خروج الطاهر ليس بمراد فبقى خروج النجس مرادا وروى عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم والحديث حجة على الشافعي في فصلين في وجوب الوضوء بخروج النجس من غير السبيلين وفي جواز البناء عند سبق الحدث في الصلاة وروى أنه قال لفاطمة بنت حبيش توضئى فانه دم عرق انفجر أمرها بالوضوء وعلل بانفجار دم العرق لا بالمرور على المخرج وعن تيمم الدارى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الوضوء من كل دم سائل والاخبار في هذا الباب وردت مورد الاستفاضة حتى روى عن عشرة من الصحابة انهم قالوا مثل مذهبنا وهم عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وثوبان وأبو الدرداء وقيل في التاسع والعاشر انهما زيد بن ثابت وأبو موسى الاشعري وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب تقليدهم وقيل انه مذهب العشرة المبشرين بالجنة ولان الخروج من السبيلين انما كان حدثا لانه
يوجب تنجيس ظاهر البدن لضرورة تنجس موضع الاصابة فتزول الطهارة ضرورة إذ النجاسة والطهارة ضدان فلا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد ومتى زالت الطهارة عن ظاهر البدن خرج من أن يكون أهلا للصلاة التى هي مناجاة مع الله تعالى فيجب تطهيره بالماء ليصير أهلا لها وما رواه الشافعي محتمل يحتمل انه قاء أقل من مل ء الفم وكذا اسم الوضوء يحتمل غسل الفم فلا يكون حجة مع الاحتمال أو محمله على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وأما حديث عمر فليس فيه انه كان يصلى بعد الطعن من غير تجديد الوضوء بل يحتمل انه توضأ بعد الطعن مع سيلان الدم وصلى وبه نقول كما في المستحاضة وقوله ان خروج النجس عن البدن زوال النجس عن البدن فكيف يوجب تنجسه مسلم انه يزول به شئ من نجاسة الباطن لكن يتنجس به الظاهر لان القدر الذى زال إليه أوجب زوال الطهارة عنه والبدن في حكم الطهارة والنجاسة لا يتجزأ والعزيمة هي غسل كل البدن الا أنه أقيم غسل أعضاء الوضوء مقام غسل كل
[ 25 ]
البدن رخصة وتيسيرا ودفعا للحرج وبه تبين أن الحكم في الاصل معقول فيتعدى إلى الفرع وقوله لا نجاسة على أعضاء الوضوء حقيقة ممنوع بل عليها نجاسة حقيقية معنوية وان كان الحس لا يدركها وهى نجاسة الحدث على ما عرف في الخلافيات وإذا عرفنا ماهية الحدث نخرج عليه المسائل (فنقول) إذا ظهر شئ من البول والغائط على رأس المخرج انتقضت الطهارة لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقاله من الباطن إلى الظاهر لان رأس المخرج عضو ظاهر وانما انتقلت النجاسة إليه من موضع آخر فان موضع البول المثانة وموضع الغائط موضع في البطن يقال له قولون وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا سال عن رأس المخرج أو لم يسل لما قلنا وكذا المنى والمذى والودى ودم الحيض والنفاس ودم الاستحاضة لانها كلها أنجاس لما يذكر في بيان أنواع الانجاس وقد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمى الحى فيكون حدثا الا أن بعضها يوجب الغسل وهو المنى ودم الحيض والنفاس وبعضها يوجب الوضوء وهو المذى والودى ودم الاستحاضة لما يذكر ان شاء الله تعالى وكذلك خروج الولد والدودة والحصا واللحم وعود الحقنة بعد غيبوبتها لان هذه الاشياء وان كانت طاهرة في أنفسها لكنها لا تخلو عن قليل نجس يخرج معها والقليل من السبيلين خارج لما بينا وكذا الريح الخارجة من الدبر لان الريح وان كانت جسما طاهرا في نفسه لكنه لا يخلو عن قليل نجس يقوم به لانبعاثه من محل الانجاس وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا وضوء الا من صوت أو ريح وروى عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال ان الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين اليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (وأما) الريح الخارجة من قبل المرأة أو ذكر الرجل فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية وروى عن محمد أنه قال فيها الوضوء وذكر الكرخي أنه لا وضوء فيها الا أن تكون المرأة مفضاة فيخرج منها ريح منتنة فيستحب لها الوضوء وجه رواية محمد أن كل واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة من الدبر فيكون حدثا وجه ما ذكره الكرخي أن الريح ليست بحدث في نفسها لانها طاهرة وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة وانما انتقاض الطهارة بما يخرج بخروجها من أجزاء النجس وموضع الوطئ من فرج المرأة ليس بمسلك البول فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس وإذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول ومسلك الوطئ مسلكا واحدا فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول فيستحب لها الوضوء ولا يجب لان الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشد وقيل ان خروج الريح من الذكر لا يتصور وانما هو اختلاج يظنه الانسان ريحا هذا حكم السبيلين فاما حكم غير السبيلين من الجرح والقرح فان سال الدم والقيح والصديد عن رأس الجرح والقرح ينتقض الوضوء عندنا لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقال النجس من الباطن إلى الظاهر وعند الشافعي لا ينتقض لانعدام الخروج من السبيلين وعند زفر ينتقض سواء سال أو لم يسل بناء ما ذكر فلو ظهر الدم على رأس الجرح ولم يسل لم يكن حدثا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون حدثا سال أو لم يسل بناء على ما ذكرنا أن الحدث الحقيقي عنده هو ظهور النجس من الآدمى الحى وقد ظهر وجه قوله ان ظهور النجس اعتبر حدثا في السبيلين سال عن رأس المخرج أو لم يسل فكذا في غير السبيلين (ولنا) أن الظهور ما اعتبر حدثا في موضع ما وانما انتقضت الطهارة في السبيلين إذا ظهر النجس على رأس المخرج لا بالظهور بل بالخروج وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر على ما بينا كذا ههنا وهذا لان الدم إذا لم يسل كان في محله لان البدن محل الدم والرطوبات الا انه كان مستترا بالجلدة وانشقاقها يوجب زوال السترة لا زوال الدم عن محله ولا حكم للنجس ما دام في محله الا ترى انه تجوز الصلاة مع ما في البطن من الانجاس فإذا سال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله فيعطى له حكم النجاسة وفي السبيلين وجد الانتقال لما ذكرنا وعلى هذا خروج القئ مل ء الفم انه يكون حدثا وان كان أقل من مل ء الفم لا يكون حدثا وعند زفر يكون حدثا قل أو كثر ووجه البناء على هذا الاصل أن الفم له حكم الظاهر عنده بدليل أن الصائم إذا تمضمض لا يفسد صومه فإذا وصل القئ إليه فقد
[ 26 ]
ظهر النجس من الآدمى الحى فيكون حدثا وانا نقول له مع الظاهر حكم الظاهر كما ذكره زفر وله مع الباطن حكم الباطن بدليل أن الصائم إذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه فلا يكون الخروج إلى الفم حدثا لانه انتقال من بعض الباطن إلى بعض وانما الحدث هو الخروج من الفم لانه انتقال من الباطن إلى الظاهر والخروج لا يتحقق في القليل لانه يمكن رده وامساكه فلا يخرج بقوة نفسه بل بالاخراج فلا يوجد السيلان ويتحقق في الكثير لانه لا يمكن رده وامساكه فكان خارجا بقوة نفسه لا بالاخراج فيوجد السيلان ثم نتكلم في المسألة ابتداء فحجة زفر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال القلس حدث من غير فصل بين القليل والكثير ولان الحدث اسم لخروج النجس وقد وجد لان القليل خارج نجس كالكثير فيستوى فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين (ولنا) ما روى عن على رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه عد الاحداث جملة وقال فيها أو دسعة تملا الفم ولو كان القليل حدثا لعده عند عد الاحداث كلها (واما) الحديث فالمراد منه القئ مل ء الفم لان المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو القئ مل ء الفم أو يحمل على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وقوله وجد خروج النجس في القليل قلنا ان سلمنا ذلك ففي قليل القئ ضرورة لان الانسان لا يخلو منه خصوصا حال الامتلاء ومن صاحب السعال ولو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج ولا ضرورة في القليل من السبيلين ولا فرق بين أن يكون القئ مرة صفراء أو سوداء وبين أن يكون طعاما أو ماء صافيا لان الحدث اسم لخروج النجس والطعام أو الماء صار نجسا لاختلاطه بنجاسات المعدة ولم يذكر في ظاهر الرواية تفسير مل ء الفم وقال أبو على الدقاق هو أن يمنعه من الكلام وعن الحسن بن زياد هو ان يعجز عن امساكه ورده وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح لان ما قدر على امساكه ورده فخروجه لا يكون بقوة نفسه بل بالاخراج فلا يكون سائلا وما عجز عن امساكه ورده فخروجه يكون بقوة نفسه فيكون سائلا والحكم متعلق بالسيلان ولو قاء أقل من مل ء الفم مرارا هل يجمع ويعتبر حدثا لم يذكر في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه ان كان في مجلس واحد يجمع والا فلا وروى عن محمد انه ان كان بسبب غثيان واحد يجمع والا فلا وقال أبو على الدقاق يجمع كيفما كان وجه قول أبى يوسف أن المجلس جعل في الشرع جامعا لاشياء متفرقة كما في باب البيع وسجدة التلاوة ونحو ذلك وقول محمد أظهر لان اعتبار المجلس اعتبار المكان واعتبار
الغثيان اعتبار السبب والوجود يضاف إلى السبب لا إلى المكان ولو سال الدم إلى ما لان من الانف أو إلى صماخ الاذن يكون حدثا لوجود خروج النجس وهو انتقال الدم من الباطن إلى الظاهر وروى عن محمد في رجل أقلف خرج البول أو المذى من ذكره حتى صار في قلفته فعليه الوضوء وصار بمنزلة المرأة إذا خرج المذى أو البول من فرجها ولم يظهر ولو حشا الرجل احليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ينتقض وضوؤه لعدم الخروج وان تعدت البلة إلى الجانب الخارج ينظر ان كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الاحليل ينتقض وضوؤه لتحقق الخروج وان كانت متسفلة لم ينتقض لان الخروج لم يتحقق ولو حشت المرأة فرجها بقطنة فان وضعتها في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا وان لم ينفذ إلى الجانب الخارج لا يكون حدثا لان الفرج الخارج منها بمنزلة الاليتين من الدبر فوجد الخروج وان وضعتها في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج وان تعدت البلة إلى الجانب الخارج فان كانت القطنة عالية أو محاذية لجانب الفرج كان حدثا لوجود الخروج وان كانت متسفلة لم يكن حدثا لعدم الخروج وهذا كله إذا لم تسقط القطنة فان سقطت القطنة فهو حدث وحيض في المرأة سواء ابتل الجانب الخارج أو الداخل لوجود الخروج ولو كان في أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا وان لم يخرج من المنخر لوجود السيلان عن محله ولو بزق فخرج معه الدم ان كانت الغلبة للبزاق لا يكون حدثا لانه ما خرج بقوة نفسه وان كانت الغلبة للدم يكون حدثا لان الغالب إذا كان هو البزاق لم يكن خارجا بقوة نفسه فلم يكن سائلا وان كان الغالب هو الدم كان خروجه بقوة نفسه فكان سائلا وان كانا سواء
[ 27 ]
فالقياس أن لا يكون حدثا وفي الاستحسان يكون حدثا وجه القياس انهما إذا استويا احتمل ان الدم خرج بقوة نفسه واحتمل انه خرج بقوة البزاق فلا يجعل حدثا بالشك وللاستحسان وجهان أحدهما انهما إذا استويا تعارضا فلا يمكن ان يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطى كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه فيكون سائلا والثانى أن الاخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب وذلك فيما قلنا ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فان كان بحال لو تركه لسال يكون حدثا والا فلا لان الحكم متعلق بالسيلان ولو ألقى عليه الرماد أو التراب فتشرب فيه أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط ونفذ قالوا يكون حدثا لانه سائل وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا ولو سقطت الدودة أو اللحم من الفرج
لم يكن حدثا ولو سقطت من السبيلين يكون حدثا والفرق أن الدودة الخارجة من السبيل نجسة في نفسها لتولدها من الانجاس وقد خرجت بنفسها وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح لانها طاهرة نفسها لانها تتولد من اللحم واللحم طاهر وانما النجس ما عليها من الرطوبات وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج النجس فلا يكون حدثا ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا لانه ما خرج بنفسه وكذا لو عض على شئ فظهر الدم على أسنانه لما قلنا ولو سعط في أنفه ووصل السعوط إلى رأسه ثم رجع إلى الانف أو إلى الاذن لا يكون حدثا لان الرأس ليس موضع الانجاس ولو عاد إلى الفم ذكر الكرخي انه لا يكون حدثا لما قلنا وروى على بن الجعد عن أبى يوسف ان حكمه حكم القئ لان ما وصل إلى الرأس لا يخرج من الفم الا بعد نزوله في الجوف ولو قاء بلغما لم يكن حدثا في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف يكون حدثا فمن مشايخنا من قال لا خلاف في المسألة لان جواب أبى يوسف في الصاعد من المعدة وهو حدث عند الكل وجوابهما في المنحدر من الرأس وهو ليس بحدث عند الكل ومنهم من قال في المنحدر من الرأس اتفاق انه ليس بحدث وفي الصاعد من المعدة اختلاف وجه قول أبى يوسف انه نجس لاختلاطه بالانجاس لان المعدة معدن الانجاس فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء ولهما انه شئ صقيل لا يلتصق به شئ من الانجاس فكان طاهرا على أن الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتادوا أخذ البلغم باطراف أرديتهم وأكمامهم من غير نكير فكان اجماعا منهم على طهارته وذكر أبو منصور انه لا خلاف في المسألة في الحقيقة لان جواب أبى يوسف في الصاعد من المعدة وانه حدث بالاجماع لانه نجس وجوابهما في الصاعد من حواشى الحلق واطراف الرئة وأنه ليس بحدث بالاجماع لانه طاهر فنيظر ان كان صافيا غير مخلوط بشئ من الطعام وغيره تبين انه لم يصعد من المعدة فلا يكون نجسا فلا يكون حدثا وان كان مخلوطا بشئ من ذلك تبين أنه صعد منها فكان نجسا فيكون حدثا وهذا هو الاصح وأما إذا قاء دما فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا وذكر المعلى عن أبى حنيفة وأبى يوسف انه يكون حدثا قليلا كان أو كثيرا جامدا كان أو مائعا وروى عن الحسن بن زياد عنهما انه ان كان مائعا ينقض قل أو كثر وان كان جامدا لا ينقض ما لم يملا الفم وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يكون حدثا ما لم يملا الفم كيفما كان وبعض مشايخنا صححوا رواية محمد وحملوا رواية الحسن والمعلى في القليل من المائع على الرجوع وعليه اعتمد شيخنا لانه الموافق لاصول اصحابنا في اعتبار خروج النجس لان الحدث اسم له والقليل ليس بخارج لما مر واليه أشار في الجامع الصغير
من غير خلاف فانه قال وإذا قلس أقل من مل ء الفم لم ينتقض الوضوء من غير فصل بين الدم وغيره وعامة مشايخنا حققوا الاختلاف وصححوا قولهما لان القياس في القليل من سائر أنواع القئ أن يكون حدثا لوجود الخروج حقيقة وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر لان الفم له حكم الظاهر على الاطلاق وانما سقط اعتبار القليل لاجل الحرج لانه يكثر وجوده ولا حرج في اعتبار القليل من الدم لانه لا يغلب وجوده بل يندر فبقى على أصل القياس والله أعلم هذا الذى ذكرنا حكم الاصحاء (وأما) أصحاب الاعذار كالمستحاضة وصاحب الجرح السائل والمبطون ومن به سلس البول ومن به رعاف دائم أو ريح ونحو ذلك ممن لا يمضى عليه وقت
[ 28 ]
صلاة الا ويوجد ما ابتلى به من الحدث فيه فخروج النجس من هؤلاء لا يكون حدثا في الحال ما دام وقت الصلاة قائما حتى ان المستحاضة لو توضأت في أول الوقت فلها ان تصلى ما شاءت من الفرائض والنوافل ما لم يخرج الوقت وان دام السيلان وهذا عندنا وقال الشافعي ان كان العذر من أحد السبيلين كالاستحاضة وسلس البول وخروج الريح يتوضأ لكل فرض ويصلى ما شاء من النوافل وقال مالك في أحد قوليه يتوضأ لكن صلاة واحتجا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فمالك عمل بمطلق اسم الصلاة والشافعي قيده بالفرض لانه الصلاة المعهودة ولان طهارة المستحاضة طهارة ضرورية لانه قارنها ما ينافيها أو طرأ عليها والشئ لا يوجد ولا يبقى مع المنافى الا انه لم يظهر حكم المنافى لضرورة الحاجة إلى الاداء والضرورة إلى أداء فرض الوقت فإذا فرغ من الاداء ارتفعت الضرورة فظهر حكم المنافى والنوافل اتباع الفرائض لانها شرعت لتكميل الفرائض جبر اللنقصان المتمكن فيها فكانت ملحقة باجزائها والطهارة الواقعة لصلاة واقعة لها بجميع أجزائها بخلاف فرض آخر لانه ليس بتبع بل هو أصل بنفسه (ولنا) ما روى ابو حنيفة باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وهذا نص في الباب ولان العزيمة شغل جميع الوقت بالاداء شكر اللنعمة بالقدر الممكن واحراز اللثوب على الكمال الا انه جوز تركت شغل بعض الوقت بالاداء رخصة وتيسيرا فضلا من الله ورحمة تمكينا من استدراك الغائت بالقضاء والقيام بمصالح القوام وجعل ذلك شغلا لجميع الوقت حكما فصار وقت الاداء شرعا بمنزلة وقت الاداء فعلا ثم قيام الاداء سبق للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه وما رواه الشافعي فهو حجة عليه لان مطلق
الصلاة ينصرف إلى الصلاة المعهودة والمطلق ينصرف إلى المعهود المتعارف كما في قوله صلى الله عليه وسلم الصلاة عماد الدين وما روى انه صلى الله عليه وسلم صلى صلوات بوضوء واحد ونحو ذلك والصلاة المعهودة هي الصلوات الخمس في اليوم والليلة فكأنه قال المستحاضة تتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات فلو أوجبنا عليها الوضوء لكل صلاة أو لكل فرض تقضى لزاد على الخمس بكثير وهذا خلاف النص ولان الصلاة تذكر على ارادة وقتها قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث التيمم أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت والمدرك هو الوقت دون الصلاة التى هي فعله وقال صلى الله عليه وسلم ان للصلاة أولا وآخرا أي لوقت الصلاة ويقال آتيك الصلاة الظهر أي لوقتها فجاز ان تذكر الصلاة ويراد بها وقتها ولا يجوز أن يذكر الوقت ويراد به الصلاة فيحمل المحتمل على المحكم توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض وانما تبقى طهارة صاحب العذر في الوقت إذا لم يحدث حدثا آخر اما إذا أحدث حدثا فلا تبقى لان الضرورة في الدم السائل لا في غيره فكان هو في غيره كالصحيح قبل الوضوء وكذلك إذا توضأ للحدث أولا ثم سال الدم فعليه الوضوء لان ذلك الوضوء لم يقع لدم العذر فكان عدما في حقه وكذا إذا سال الدم من أحد منخريه فتوضأ ثم سال من المنخر الآخر فعليه الوضوء لان هذا حدث جديد لم يكن موجودا وقت الطهارة فلم تقع الطهارة له فكان هو والبول والغائط سواء فاما إذا سال منهما جميعا فتوضأ ثم انقطع أحدهما فهو على وضوء ما بقى الوقت لان طهارته حصلت لهما جميعا والطهارة متى وقعت لعذر لا يضرها السيلان ما بقى الوقت فبقى هو صاحب عذر بالمنخر الآخر وعلى هذا حكم صاحب القروح إذا كان البعض سائلا ثم سال الآخر أو كان الكل سائلا فانقطع السيلان عن البعض ثم اختلف أصحابنا في طهارة المستحاضة انها تنتقض عند خروج الوقت أم عند دخوله أم عند أيهما كان قال أبو حنيفة ومحمد تنتقض عند خروج الوقت لا غير وقال زفر عند دخول الوقت لا غير وقال أبو يوسف عند أيهما كان وثمرة هذا الاختلاف لا تظهر الا في موضعين أحدهما ان يوجد الخروج بلا دخول كما إذا توضأت في وقت الفجر ثم طلعت الشمس فان طهارتها تنتقض عند أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد لوجود الخروج وعند زفر لا تنتقض لعدم الدخول والثانى أن يوجد الدخول بلا خروج كما إذا توضأت قبل الزوال ثم زالت الشمس فان
[ 29 ]
طهارتها لا تنتقض عند أبى حنيفة ومحمد لعدم الخروج وعند أبى يوسف وزفر تنتقض لوجود الدخول وجه
قول زفران سقوط اعتبار المنافى لمكان الضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا يسقط وبه يحتج أبو يوسف في جانب الدخول وفي جانب الخروج يقول كما لا ضرورة إلى اسقاط اعتبار المنافى قبل الدخول لا ضرورة إليه بعد الخروج فيظهر حكم المنافى ولابي حنيفة ومحمد ما ذكرنا أن وقت الادا شرعا أقيم مقام وقت الاداء فعلا لما بينا من المعنى ثم لابد من تقديم وقت الطهارة على وقت الاداء حقيقة فكذا لابد من تقديمها على وقت الاداء شرعا حتى يمكنه شغل جميع الوقت بالاداء وهذه الحالة انعدمت بخروج الوقت فظهر حكم الحدث ومشايخنا أداروا الخلاف على الدخول والخروج فقالوا تنتقض طهارتها بخروج الوقت أو بدخوله لتيسير الحفظ على المتعلمين لا لان للخروج أو الدخول تأثيرا في انتقاض الطهارة وانما المدار على ما ذكرنا ولو توضأ صاحب العذر وبعد طلوع الشمس لصلاة العيد أو لصلاة الضحى وصلى هل يجوز له ان يصلى الظهر بتلك الطهارة اما على قول أبى يوسف وزفر فلا يشكل انه لا يجوز لوجود الدخول وأما على قول أبى حنيفة ومحمد فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لان هذه طهارة وقعت لصلاة مقصودة فتنتقض بخروج وقتها وقال بعضهم يجوز لان هذه الطهارة انما صحت للظهر لحاجته إلى تقديم الطهارة على وقت الظهر على ما مر فيصح بها اداء صلاة العيد والضحى والنفل كما إذا توضأ للظهر قبل الوقت ثم دخل الوقت أنه يجوز له أن يؤدى بها الظهر وصلاة أخرى في الوقت كذا هذا ولو توضأ لصلاة الظهر وصلى ثم توضأ وضوأ آخر في وقت الظهر للعصر ودخل وقت العصر هل يجوز له أن يصلى العصر بتلك الطهارة على قولهما اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز لان طهارته قد صحت لجميع وقت الظهر فتبقى ما بقى الوقت فلا تصح الطهارة الثانية مع قيام الاولى بل كانت تكرار اللاولى فالتحقت الثانية بالعدم فتنتقض الاولى بخروج الوقت وقال بعضهم يجوز لانه يحتاج إلى تقديم الطهارة على وقت العصر حتى يشتغل جميع الوقت بالاداء والطهارة الواقعة لصلاة الظهر عدم في حق صلاة العصر وانما تنتقض بخروج وقت الظهر طهارة الظهر لا طهارة العصر ولو توضأت مستحاضة ودمها سائل أو سال بعد الوضوء قبل خروج الوقت ثم خرج الوقت وهى في الصلاة فعليها أن تستقبل لان طهارتها تنتقض بخروج الوقت لما بينا فإذا خرج الوقت قبل فراغها من الصلاة انتقضت طهارتها فتنتقض صلاتها ولا تبنى لانها صارت محدثة عند خروج الوقت من حين درور الدم كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة ولو توضأت والدم منقطع وخرج الوقت وهى في خلال الصلاة قبل سيلان الدم ثم سال الدم توضأت وبنت لان هذا حدث لا حق وليس بسابق
لان الطهارة كانت صحيحة لانعدام ماينا فيها وقت حصولها وقد حصل الحدث للحال مقتصرا غير موجب ارتفاع الطهارة من الاصل ولو توضأت والدم سائل ثم انقطع ثم صلت وهو منقطع حتى خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى ثم سال الدم أعادت الصلاة الاولى لان الدم لما انقطع ولم يسل حتى خرج الوقت لم تكن تلك الطهارة طهارة عذر في حقها لانعدام العذر فتيين أنها صلت بلا طهارة وأصل هذه المسائل في الجامع الكبير هذا الذى ذكرناه حكم صاحب العذر وأما حكم نجاسة ثوبه فنقول إذا أصاب ثوبه من ذلك أكثر من قدر الدرهم يجب غسله إذا كان الغسل مقيدا بان كان لا يصيبه مرة بعد أخرى حتى لو لم يغسل وصلى لا يجوز وان لم يكن مفيد الا يجب ما دام العذر قائما وهو اختيار مشايخنا وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول يجب غسله في وقت كل صلاة قياسا على الوضوء والصحيح قول مشايخنا لان حكم الحدث عرفناه بالنص ونجاسة الثوب ليس في معناه الا ترى أن القليل منها عفو فلا يلحق به (وأما) الحدث الحكمى فنوعان أيضا أحدهما أن يوجد أمر يكون سببا لخروج النجس الحقيقي غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا والثانى أن لا يوجد شئ من ذلك لكنه جعل حدثا شرعا تعبدا محضا أما الاول فانواع منها المباشرة الفاحشة وهو أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها وليس بينهما ثوب ولم ير بللا فعند أبى حنيفة وأبى يوسف يكون حدثا استحسانا والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول محمد وهل
[ 30 ]
تشترط ملاقاة الفرجين وهى مماستهما على قولهما لا يشترط ذلك في ظاهر الرواية عنهما وشرطه في النوادر وذكر الكرخي ملاقاة الفرجين أيضا وجه القياس أن السبب انما يقام مقام المسبب في موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج والوقوف على المسبب ههنا ممكن بلا حرج لان الحال حالى يقظة فيمكن الوقوف على الحقيقة فلا حاجة إلى اقامة السبب مقامها وجه الاستحسان ما روى أن أبا اليسر بائع الغسل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى أصبت من امرأتي كل شئ الا الجماع فقال صلى الله عليه وسلم توضأ وصل ركعتين ولان المباشرة على الصفة التى ذكرنا لا تخلو عن خروج المذى عادة الا أنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا إلى الخروج واقامة السبب مقام المسبب طريقة معهودة في الشريعة خصوصا في أمر يحتاط فيه كما يقام المس مقام الوطئ في حق ثبوت حرمة المصاهرة بل يقام نفس النكاح مقامه ويقام نوم المضطجع مقام الحدث ونحو ذلك كذا ههنا ولو لمس امرأته بشهوة أو غير شهوة فرجها أو سائر أعضائها
من غير حائل ولم ينشر لها لا ينتقض وضوؤه عند عامة العلماء وقال مالك ان كان المس بشهوة يكون حدثا وان كان بغير شهوة بان كانت صغيرة أو كانت ذا رحم محرم منه لا يكون حدثا وهو أحد قولى الشافعي وفي قول يكون حدثا كيفما ما كان بشهوة أو بغير شهوة وهل تنتقض طهارة الملموسة لا شك أنها لا تنتقض عندنا وللشافعي فيه قولان احتجا بقوله تعالى أو لامستم النساء والملامسة مفاعلة من اللمس واللمس والمس واحد لغة قال الله تعالى وانا لمسنا السماء وحقيقة اللمس للمس باليد وللجماع مجازا وهو حقيقة لهما جميعا لوجود المس فيهما جميعا وانما اختلف آلة المس فكان الاسم حقيقة لهما لوجود معنى الاسم فيهما وقد جعل الله تعالى اللمس حدثا حيث أوجب به احدى الطهارتين وهى التيمم (ولنا) ما روى عن عائشة رضى الله عنها انها سئلت عن هذه الحادثة فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ ولان المس ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فاشبه مس الرجل الرجل والمرأة المرأة ولان مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر وجوده فلو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج وأما الآية فقد نقل عن ابن عباس رضى الله عنه أن المراد من اللمس الجماع وهو ترجمان القرآن وذكر ابن السكيت في اصلاح المنطق أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطئ تقول العرب لمست المرأة أي جامعتها على أن اللمس يحتمل الجماع اما حقيقة أو مجازا فيحمل عليه توفيقا بين الدلائل ولو مس ذكره بباطن كفه من غير حائل لا ينتقض وضوؤه عندنا وعند الشافعي ينتقض احتج بما روت بسرة بنت صفوان عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من مس ذكره فليتوضأ (ولنا) ما روى عن عمر وابن مسعود وابن عباس وزيد ابن ثابت وعمران بن حصين وحذيفة بن اليمان وأبى الدرداء وأبى هريرة رضى الله عنهم انهم لم يجعلوا مس الذكر حدثا حتى قال على رضى الله عنه لا أبالى مسسته أو ارنبة أنفى وقال بعضهم للراوى ان كان نجسا فاقطعه ولانه ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالبا فاشبه مس الانف ولان مس الانسان ذكره مما يغلب وجوده فلو جعل حدثا يؤدى إلى الحرج وما رواه فقد قيل انه ليس بثابت لوجوه أحدها أنه مخالف لاجماع الصحابة رضى الله عنهم وهو ما ذكرنا والثانى أنه ورى أن هذه الحادثة وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من بقى من الصحابة فقالوا الاندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت والثالث أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى فلو ثبت لاشتهر ولو ثبت فهو محمول على غسل اليدين لان الصحابة كانوا يستنجون بالاحجار دون الماء فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصا في أيام الصيف فأمر بالغسل لهذا والله أعلم (ومنها) الاغماء والجنون
والسكر الذى يستر العقل أما الاغماء فلانه في استرخاء المفاصل واستطلاق الوكاء فوق النوم مضطجعا وذلك حدث فهذا أولى وأما الجنون فلان المبتلى به يحدث حدثا ولا يشعر به فاقيم السبب مقام المسبب والسكر الذى يستر العقل في معنى الجنون في عدم التمييز وقد انضاف إليه استرخاء المفاصل ولا فرق في حق هؤلاء بين الاضطجاع والقيام لان ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال وحال (ومنها) النوم مضطجعا في الصلاة أو في غيرها بلا
[ 31 ]
خلاف بين الفقهاء وحكى عن النظام أنه ليس بحدث ولا عبرة بخلافه لمخالفته الاجماع وخروجه عن أهل الاجتهاد والدليل عليه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نام في صلاته حتى غط ونفخ ثم قال لا وضوء على من نام قائما أو قاعدا أو راكعا أو ساجدا انما الوضوء على من نام مضطجعا فانه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله نص على الحكم وعلل باسترخاء المفاصل وكذا النوم متوركا بان نام على أحد وركيه لان مقعده يكون متجافيا عن الارض فكان في معنى النوم مضطجعا في كونه سببا لوجود الحدث بواسطة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة فاما النوم في غيرهاتين الحالتين فاما ان كان في الصلاة واما ان كان في غيرها فان كان في الصلاة لا يكون حدثا سواء غلبه النوم أو تعمد في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه قال سألت أبا حنيفة عن النوم في الصلاة فقال لا ينقض الوضوء ولا أدرى أسألته عن العمد أو الغلبة وعندي انه ان نام متعمدا ينتقض وضوؤه وعند الشافعي أن النوم حدث على كل حال الا إذا كان قاعدا مستقرا على الارض فله فيه قولان احتج بما روى عن صفوان بن عسال المرادى انه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا ان لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إذا كنا سفر الا من جناية لكن من نوم أو بول أو غائط فقد جعل النوم حدثا على الاطلاق وروى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال العينان وكاء الاست فإذا انامت العينان استطلق الوكاء أشار إلى كون النوم حدثا حيث جعله علة استطلاق الوكاء (ولنا) ما روينا على ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث نفى الوضوء في النوم في غير حال الاضطجاع واثبته فيها بعلة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظة ولم يوجد في هذه الاحوال لان الامساك فيها باق الا ترى انه لم يسقط وفي المشهور من الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إذا نام العبد في سجوده يباهى الله تعالى به ملائكته فيقول انظروا إلى عبدى روحه عندي وجسده في طاعتي ولو كان النوم في الصلاة حدثا لما كان جسده في طاعة الله تعالى ولا حجة له فيما روى لان مطلق النوم ينصرف إلى النوم المتعارف وهو
نوم المضطجع وكذا استطلاق الوكاء يتحقق به لا بكل نوم وجه رواية ابى يوسف ان القياس في النوم حالة القيام والركوع والسجود أن يكون حدثا لكونه سببا لوجود الحدث الا انا تركنا القياس حالة الغلبة لضرورة التهجد نظر المتهجدين وذلك عند الغلبة دون التعمد (ولنا) ما روينا من الحديثين من غير فصل ولان الاستمساك في هذه الاحوال باق لما بينا وان كان خارج الصلاة فان كان قاعدا مستقرا على الارض غير مستند إلى شئ لا يكون حدثا لانه ليس بسبب لوجود الحدث غالبا وان كان قائما أو على هيئة الركوع والسجود غير مستند إلى شئ اختلف المشايخ فيه والعامة على انه لا يكون حدثا لما روينا من الحديث من غير فصل بين حالة الصلاة وغيرها ولان الاستمساك فيها باق على ما مر والاقرب إلى الصواب في النوم على هيئة السجود خارج الصلاة ما ذكره القمى انه لا نص فيه ولكن ينظر فيه ان سجد على الوجه المسنون بان كان رافعا بطنه عن فحذيه مجافيا عضديه عن جنبيه لا يكون حدثا وان سجد لا على وجه السنة بان الصق بطنه بفخذيه واعتمد على ذراعيه على الارض يكون حدثا لان في الوجه الاول الاستمساك باق والاستطلاق منعدم وفي الوجه الثاني بخلافه الا انا تركنا هذا القياس في حالة الصلاة بالنص ولو نام مستندا إلى جدار أو سارية أو رجل أو متكثا على يديه ذكر الطحاوي انه ان كان بحال لوازيل السند لسقط يكون حدثا والا فلا وبه أخذ كثير من مشايخنا وروى خلف بن أيوب عن أبى يوسف انه قال سألت أبا حنيفة عمن استند إلى سارية أو رجل فنام ولولا السارية والرجل لم يستمسك قال إذا كانت اليته مستوثقة من الارض فلا وضوء عليه وبه أخذ عامة مشايخنا وهو الاصح لما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى ولو نام قاعدا مستقرا على الارض فسقط وانتبه فان انتبه بعد ما سقط على الارض وهو نائم انتقض وضوؤه بالاجماع لوجود النوم مضطجعا وان قل وان انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الارض روى عن أبى حنيفة انه لا ينتقض وضوؤه لانعدام النوم مضطجعا وعن أبى يوسف انه ينتقض وضوؤه لزوال الاستمساك بالنوم حيث سقط وعن محمد انه ان انتبه قبل ان يزايل مقعده الارض لم ينتقض وضوؤه وان زايل مقعده قبل
[ 32 ]
ان ينتبه انتقض وضوؤه (واما) الثاني فهو القهقهة في صلاة مطلقة وهى الصلاة التى لها ركوع وسجود فلا يكون حدثا خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وهذا استحسان والقياس ان لا تكون حدثا وهو قول الشافعي ولا خلاف في التبسم انه لا يكون حدثا احتج الشافعي بما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه
قال الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ولانه لم يوجد الحدث حقيقة ولا ما هو سبب وجوده والوضوء لا ينتقض الا بأحد هذين ولهذا لم ينتقض بالقهقهة خارج الصلاة وفي صلاة الجنازة ولا ينقض بالتبسم (ولنا) ما روى في المشاهير عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يصلى فجاء اعرابي في عينيه سوء فوقع في بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلفه فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال من قهقة منكم فليعد الوضوء والصلاة ومن تبسم فلا شئ عليه طعن أصحاب الشافعي في الحديث من وجهين أحدهما انه ليس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بئر والثانى انه لا يظن بالصحابة الضحك خصوصا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الطعن فاسد لانا ما روينا ان الصلاة كانت في المسجد على انه كانت في المسجد حفيرة يجمع فيها ماء المطر ومثلها يسمى بئرا وكذا ما روينا ان الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين أو المهاجرين الاولين أو فقهاء الصحابة وكبار الانصار هم الذين ضحكوا بل كان الضاحك بعض الاحداث أو الاعراب أو بعض المنافقين لغلبة الجهل عليهم حتى روى ان اعرابيا بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث جابر محمول على ما دون القهقهة توفيقا بين الدلائل مع انه قيل ان الضحك ما يسمع الرجل نفسه ولا يسمع جيرانه والقهقهة ما يسمع جيرانه والتبسم ما لا يسمع نفسه ولا جيرانه وقوله لم يوجد الحدث ولا سبب وجوده مسلم لكن هذا حكم عرف بخلاف القياس بالنص والنص ورد بانتقاض الوضوء بالقهقهة في صلاة مستتمة الاركان فبقى ما وراء ذلك على أصل القياس وروى عن جرير ابن عبد الله البجلى انه قال ما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تبسم ولو في الصلاة وروى انه صلى الله عليه وسلم تبسم في صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك فقال أتانى جبرئيل عليه السلام وأخبرني ان الله تعالى يقول من صلى عليك مرة صلى الله عليه عشرا ولو قهقه الامام والقوم جميعا فان قهقه الامام أولا انتقض وضوؤه دون القوم لان قهقهتهم لم تصادف تحريمة الصلاة لفساد صلاتهم بفساد صلاة الامام فجعلت قهقهتهم خارج الصلاة وان قهقه القوم أولا ثم الامام انتقض طهارة الكل لان قهقهتهم حصلت في الصلاة اما القوم فلا اشكال واما الامام فلانه لا يصير خارجا من الصلاة بخروج القوم وكذلك ان قهقهوا معا لان قهقهة الكل حصلت في تحريمة الصلاة واما تغميض الميت وغسله وحمل الجنازة وأكل ما مسته النار والكلام الفاحش فليس شئ من ذلك حدثا عند عامة العلماء وقال بعضهم كل ذلك حدث ورووا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من غمض ميتا فليتوضأ ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمل جنازة فلتوضأ وعن عائشة رضى الله عنها انها قالت
للمتسابين ان بعض ما انتما فيه لشر من الحدث فجددا الوضوء وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال توضؤا مما مسته النار ومنهم من أوجب من لحم الابل خاصة وروى توضؤا من لحوم الابل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم (ولنا) ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال انما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل وقال ابن عباس رضى الله عنه الوضوء مما يخرج يعنى الخارج النجس ولم يوجدوا المعنى في المسألة ان الحدث هو خروج النجس حقيقة أو ما هو سبب الخروج ولم يوجد واليه أشار ابن عباس رضى الله عنهما حين بلغه حديث حمل الجنازة فقال انتوضأ من مس عبدان يابسة ولان هذه الاشياء مما يغلب وجودها فلو جعل شئ من ذلك حدثا لوقع الناس في الحرج وما رووا اخبار آحاد وردت فيما تعم به البلوى ويغلب وجوده ولا يقبل خبر الواحد في مثله لانه دليل عدم الثبوت إذ لو ثبت لاشتهر بخلاف خير القهقهة فانه من المشاهير مع ما انه ورد فيما لا تعم به البلوى لان القهقهة في الصلاة مما لا يغلب وجوده ولو ثبت ما رووا فالمراد من الوضوء بتغميض الميت غسل اليد لان ذلك الموضع لا يخلو عن قذارة عادة وكذا بأكل ما مسته النار ولهذا خص لحم الابل في رواية لان له
[ 33 ]
من اللزوجة ما ليس لغيره وهكذا روى انه أكل طعاما ما فغسل يديه وقال هكذا الوضوء مما مسته النار والمراد من حديث الغسل فليغتسل إذا أصابته الغسالات النجسة وقوله فليتوضأ في حمل الجنازة للمحدث ليتمكن من الصلاة عليه وعائشة رضى الله عنها انما ندبت المتسابين إلى تجديد الوضوء تكفير الذنب سبهما ومن توضأ ثم جز شعره أو قلم ظفره أو قص شار به أو نتف ابطيه لم يجب عليه ايصال الماء إلى ذلك الموضع عند عامة العلماء وعند ابراهيم النخعي يجب عليه في قلم الظفر وجز الشعر وقص الشارب وجه قوله ان ما حصل فيه التطهير قد زال وما ظهر لم يحصل فيه التطهير فاشبه نزع الخفين (ولنا) ان الوضوء قد تم فلا ينتقض الا بالحدث ولم يوجد وهذا لان الحدث يحمل ظاهر البدن وقد زال الحدث عن الظاهر اما بالغسل أو بالمسح وما بدا لم يحله الحدث السابق وبعديدوه لم يوجد حدث آخر فلا تعقل ازالته بخلاف المسح على الخفين لان الوضوء هناك لم يتم لان تمامه بغسل القدمين ولم يوجد الا أن الشرع أقام المسح على الخفين مقام غسل القدمين لضرورة تعذر النزع في كل زمان فإذا نزع زالت الضرورة فوجب غسل القدمين تتميما للوضوء وانما أوردنتف الابط وان لم يكن ما يظهر بالنتف محلا لحلول الحدث فيه بخلاف قلم الاظفار لانه روى عن عمر رضى الله
عنه انه قال من مسح ابطيه فليتوضأ وتأويله فليغسل يديه لتلوثهما بعرقه ولو مس كلبا أو خنزيرا أو وطن نجاسة لا وضوء عليه لانعدام الحدث حقيقة وحكما الا انه إذا النزق بيده شئ من النجاسة يجب غسل ذلك الموضع والا فلا ومن أيقن بالطهارة وشك في الحدث فهو على الطهارة ومن أيقن بالحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث لان اليقين لا يبطل بالشك وروى عن محمد انه قال المتوضئ إذا تذكر انه دخل الحلاء لقضاء الحاجة وشك انه خرج قبل ان يقضيها أو بعد ما قضاها فعليه أن يتوضأ لان الظاهر انه ما خرج الا بعد قضائها وكذلك المحدث إذا علم انه جلس للوضوء ومعه الماء وشك في انه توضأ أو قام قبل أن يتوضأ فلا وضوء عليه لان الظاهر انه لا يقوم ما لم يتوضأ ولو شك في بعض وضوئه وهو أول ما شك غسل الموضع الذى شك فيه لانه على يقين من الحدث في ذلك الموضع وفي شك من غسله والمراد من قوله أول ما شك ان الشك في مثله لم يصر عادة له لا انه لم يبتل به قطوان كان يعرض له ذلك كثيرا لم يلتفت إليه لان ذلك وسوسة والسبيل في الوسوسة قطعها لانه لو اشتغل بذلك لادى إلى أن لا يتفرغ لاداء الصلاة وهذا لا يجوز ولو توضأ ثم رأى البلل سائلا من ذكره أعاد الوضوء لوجود الحدث وهو سيلان البول وانما قال رآه سائلا لان مجرد البلل يحتمل أن يكون من ماء الطهارة فان علم انه بول ظهر فعليه الوضوء وان لم يكن سائلا وان كان الشيطان يريه ذلك كثيرا ولم يعلم أنه بول أو ماء مضى على صلاته ولا يلتفت إلى ذلك لانه من باب الوسوسة فيجب قطعها وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الشيطان ياتي أحدكم فينفخ بين اليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وينبغى أن ينضح فرجه أو ازاره بالماء إذا توضأ قطعا لهذه الوسوسة حتى إذا أحس شيأ من ذلك أحاله إلى ذلك الماء وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان ينضح ازاره بالماء إذا توضأ وفي بعض الروايات قال نزل على جبريل صلوات الله عليه وأمرني بذلك (وأما) الثاني هو بيان حكم الحدث فللحدث أحكام وهى أن لا يجوز للمحدث أداء الصلاة لفقد شرط جوازها وهو الوضوء قال صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بوضوء ولا مس المصحف من غير غلاف عندنا وعند الشافعي يباح له مس المصحف من غير غلاف وقاس المس على القراءة فقال يجوز له القراءة فيجوز له المس (ولنا) قوله تعالى لا يمسه الا المطهرون وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن الا طاهر ولان تعظيم القرآن واجب وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث واعتبار المس بالقراءة غير سديد لان حكم الحدث لم يظهر في الفم وظهر في اليد بدليل انه افترض غسل اليد ولم يفترض غسل الفم في الحدث
فبطل الاعتبار ولا مس الدراهم التى عليها القرآن لان حرمة المصحف كحرمة ما كتب منه فيستوى فيه الكتابة في المصحف وعلى الدراهم ولا مس كتاب التفسير لانه يصير بمسه ماسا للقرآن وأما مس كتاب الفقه فلا بأس به
[ 34 ]
والمستحب له أن لا يفعل ولا يطوف بالبيت وان طاف جاز مع النقصان لان الطواف بالبيت شبيه بالصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة فلكونه طوافا حقيقة يحكم بالجواز ولكونه شبيها بالصلاة يحكم بالكراهة ثم ذكر الغلاف ولم يذكر تفسيره واختلف المشايخ في تفسيره فقال بعضهم هو الجلد المتصل بالمصحف وقال بعضهم هو الكم والصحيح أنه الغلاف المنفصل عن المصحف وهو الذى يجعل فيه المصحف وقد يكون من الجلد وقد يكون من الثوب وهو الخريطة لان المتصل به تبع له فكان مسه مسا للقرآن ولهذا لو بيع المصحف دخل المتصل به في البيع والكم تبع للحامل فاما المنفصل فليس بتبع حتى لا يدخل في بيع المصحف من غير شرط وقال بعض مشايخنا انما يكره له مس الموضع المكتوب دون الحواشى لانه لم يمس القرآن حقيقة والصحيح انه يكره مس كله لان الحواشى تابعة للمكتوب فكان مسها مسا للمكتوب ويباح له قراءة القرآن لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه عن قراءة القرآن شئ الا الجنابة ويباح له دخول المسجد لان وفود المشركين كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فيدخلون عليه ولم يمنعهم من ذلك ويجب عليه الصوم والصلاة حتى يجب قضاؤهما بالترك لان الحدث لا ينافى أهلية أداء الصوم فلا ينافى أهلية وجوبه ولا ينافى أهلية وجوب الصلاة أيضا وان كان ينافى أهلية أدائها لانه يمكنه رفعه بالطهارة * (فصل) * واما الغسل فالكلام فيه يقع في مواضع في تفسير الغسل وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط الركن وفي بيان سنن الغسل وفي بيان آدابه وفي بيان مقدار الماء الذى يغتسل به وفي بيان صفة الغسل المشروع (اما) تفسيره فالغسل في اللغة اسم للماء الذى يغتسل به لكن في عرف الفقهاء يراد به غسل البدن وقد مر تفسير الغسل فيما تقدم انه الاسالة حتى لا يجوز بدونها (واما) ركنه فهو اسألة الماء على جميع ما يمكن اسالته عليه من البدن من غير حرج مرة واحدة حتى لو بقيت لمعة لم يصبها الماء لم يجز الغسل وان كانت يسيرة لقوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا أي طهروا أبدانكم واسم البدن يقع على الظاهر والباطن فيجب تطهير ما يمكن تطهيره منه بلا حرج ولهذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الغسل لان ايصال الماء إلى داخل الفم والانف ممكن بلا حرج
وانما لا يجبان في الوضوء لا لانه لا يمكن ايصال الماء إليه بل لان الواجب هناك غسل الوجه ولا تقع المواجهة إلى ذلك رأسا ويجب ايصال الماء إلى اثناء اللحية كما يجب إلى أصولها وكذا يجب على المرأة ايصال الماء إلى اثناء شعرها إذا كان منقوضا كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهند وانى لانه يمكن ايصال الماء إلى ذلك من غير حرج وأما إذا كان شعرها ضفيرا فهل يجب عليها ايصال الماء إلى اثنائه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة الا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة وقال بعضهم لا يجب وهو اختيار الشيخ الامام أبى بكر محمد بن الفضل البخاري وهو الاصح لما روى ان أم سلمة رضى الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت انى أشد ضفر رأسي أفانقضه إذا اغتسلت فقال صلى الله عليه وسلم أفيضى الماء على رأسك وسائر جسدك ويكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك ولان ضفيرتها إذا كانت مشدودة فتكليفها نفضها يؤدى إلى الحرج ولا حرج حال كونها منقوضة والحديث محمول على هذه الحالة ويجب ايصال الماء إلى داخل السرة لامكان الايصال إليها بلا حرج وينبغى أن يدخل أصبعه فيها للمبالغة ويجب على المرأة غسل الفرج الخارج لانه يمكن غسله بلا حرج وكذا الاقلف يجب عليه ايصال الماء إلى القلفة وقال بعضهم لا يجب وليس بصحيح لامكان ايصال الماء إليه من غير حرج (واما) شروطه فما ذكرنا في الوضوء (واما) سننه فهى ان يبدأ فيأخذ الاناء بشماله ويكفيه على يمينه فيغسل يديه إلى الرسغين ثلاثا ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه حتى ينقيه ثم يتوضأ وضوء للصلاة ثلاثا ثلاثا الا انه لا يغسل رجليه حتى يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى فيغسل قدميه والاصل فيه ما روى عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم انها قالت وضعت غسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل من الجنابة فاخذ الاناء بشماله واكفاء على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم القى
[ 35 ]
فرجه بالماء ثم مال بيده إلى الحائط فدلكها بالتراب ثم توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم تنحى فغسل قدميه فالحديث مشتمل على بيان السنة والفريضة جميعا وهل يمسح رأسه عند تقديم الوضوء على الغسل ذكر في ظاهر الرواية انه يمسح وروى الحسن عن أبى حنيفة انه لا يمسح لان تسبيل الماء عليه بعد ذلك يبطل معنى المسح فلم يكن فيه فائدة بخلاف سائر الاعضاء لان التسبيل من بعد لا يبطل التسبيل من قبل والصحيح جواب ظاهر الرواية لان السنة وردت بتقديم الوضوء على الافاضة على جميع
البدن على ما روينا والوضوء اسم للمسح والغسل جميعا الا انه يؤخر غسل القدمين لعدم الفائدة في تقديم غسلهما لانهما يتلوثان بالغسالات من بعد حتى لو اغتسل على موضع لا يجتمع الغسالة تحت قدمه كالحجر ونحوه لا يؤخر لانعدام معنى التلوث ولهذا قالوا في غسل الميت انه يغسل رجليه عند التوضئة ولا يؤخر غسلهما لان الغسالة لا تجتمع على التخت ومن مشايخنا من استدل بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين عند تقديم الوضوء على الافاضة على ان الماء المستعمل نجس إذ لو لم يكن نجسا لم يكن للتحرج عن الطاهر معنى فجعلوه حجة أبى حنيفة وأبى يوسف على محمد وليس فيه كبير حجة لان الانسان كما يتحرج عن النجس يتحرج عن القذر خصوصا الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم والماء المستعمل قد ازيل إليه قذر الحدث حتى تعافه الطاع السليمة والله أعلم (واما) آدابه فما ذكرنا في الوضوء واما بيان مقدار الماء الذى يغتسل به فقد ذكر في ظاهر الرواية وقال أدنى ما يكفى في الغسل من الماء صاع وفي الوضوء مد لما روى عن جابر رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمدو يغتسل بالصاع فقيل له ان لم يكفنا فغضب وقال لقد كفى من هو خير منكم واكثر شعرا ثم ان محمدا رحمه الله ذكر الصاع في الغسل والمد في الوضوء مطلقا عن الاحوال ولم يفسره قال بعض مشايخنا هذا التقدير في الغسل إذا لم يجمع بين الوضوء والغسل فاما إذا جمع بينهما يحتاج إلى عشرة ارطال رطلان للوضوء وثمانية أرطال للغسل وقال عامة المشايخ ان الصاع كاف لهما وروى الحسن عن أبى حنيفة انه قال في الوضوء ان كان المتوضئ متخففا ولا يستنجى يكفيه رطل واحد لغسل الوجه واليدين ومسح الرأس، ان كان متخففا ويستنجى يكفيه رطلان رطل للاستنجاء ورطل للباقى ثم هذا التقدير الذى ذكره محمد من الصاع والمد في الغسل والوضوء ليس بتقدير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه أو الزيادة عليه بل هو بيان مقدار ادنى الكفاية عادة حتى ان من اسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك اجزأه وان لم يكفه زاد عليه لان طباع الناس وأحوالهم تختلف والدليل عليه ما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بثلثي مد لكن ينبغى ان يزيد عليه بقدر ما لا اسراف فيه لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم مر على سعد بن أبى وقاص وهو يتوضأ ويصبب صبا فاحشا فقال اياك والسرف فقال أو في الوضوء سرف قال نعم ولو كنت على صفة نهر جار وفي رواية ولو كنت على شط بحر (واما) صفة الغسل فالغسل قد يكون فرضا وقد يكون واجبا وقد يكون سنة وقد يكون مستحبا اما الغسل الواجب فهو غسل الموتى وأما السنة فهو غسل يوم
الجمعة ويوم عرفة والعيدين وعند الاحرام وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى وههنا نذكر المستحب والفرض (اما) المستحب فهو غسل الكافر إذا اسلم لما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل من جاءه يريد الاسلام وادنى درجات الامر الندب والاستحباب هذا إذا لم يعرف انه جنب فاسلم فاما إذا علم كونه جنبا فاسلم قبل الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يلزمه الاغتسال أيضا لان الكفار غير مخاطبين بشرائع هي من القربات والغسل يصير قربة بالنية فلا يلزمه وقال بعضهم يلزمه لان الاسلام لا ينافى بقاء الجنابة بدليل انه لا ينافى بقاء الحدث حتى يلزمه الوضوء بعد الاسلام كذا الجنابة وعلى هذا غسل الصبى والمجنون عند البلوغ والافاقة (وأما) الغسل المفروض فثلاثة الغسل من الجنابة والحيض والنفاس اما الجنابة فلقوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا أي اغتسلوا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا
[ 36 ]
ما تقولون ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا والكلام في الجنابة في موضعين أحدهما في بيان ما تثبت به الجنابة ويصير الشخص به جنبا والثانى في بيان الاحكام المتعلقة بالجنابة (اما) الاول فالجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليه وبعضها مختلف فيه (اما) المجمع عليه فنوعان أحدهما خروج المنى عن شهوة دفقا من غير ايلاج بأى سبب حصل الخروج كاللمس والنظر والاحتلام حتى يجب الغسل بالاجماع لقوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء أي الاغتسال من المنى ثم انما وجب غسل جميع البدن بخروج المنى ولم يجب بخروج البول والغائط وانما وجب غسل الاعضاء المخصوصة لا غير لوجوه أحدها ان قضاء الشهوة بانزال المنى استمتاع بنعمة يظهر أثرها في جميع البدن وهو اللذة فامر بغسل جميع البدن شكرا لهذه النعمة وهذا لا يتقرر في البول والغائط والثانى ان الجنابة تأخذ جميع البدن ظاهره وباطنه لان الوطئ الذى هو سببه لا يكون الا باستعمال لجميع ما في البدن من القوة حتى يضعف الانسان بالاكثار منه ويقوى بالامتناع فإذا أخدت الجنابة جميع البدن الظاهر والباطن وجب غسل جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الامكان ولا كذلك الحدث فانه لا يأخذ الا الظاهر من الاطراف لان سببه يكون بظواهر الاطراف من الاكل والشرب ولا يكونان باستعمال جميع البدن فاوجب غسل ظواهر الاطراف لا جميع البدن والثالث ان غسل الكل أو البعض وجب وسيلة إلى الصلاة التى هي خدمة الرب سبحانه وتعالى والقيام بين يديه وتعظيمه فيجب ان يكون المصلى على اطهر الاحوال
وانظفها ليكون اقرب إلى التعظيم وأكمل في الخدمة وكمال النظافة يحصل بغسل جميع البدن وهذا هو العزيمة في الحدث أيضا الا ان ذلك مما يكثر وجوده فاكتفى فيه بايسر النظافة وهى تنقية الاطراف التى تنكشف كثيرا وتقع عليها الابصار ابدا وأقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج وتيسيرا فضلا من الله ونعمة ولا حرج في الجنابة لانها لا تكثر فبقى الامر فيها على العزيمة والمرأة كالرجل في الاحتلام لما روى عن أم سليم انها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل فقال صلى الله عليه وسلم ان كان منها مثل ما يكون من الرجل فلتغتسل وروى ان أم سليم كانت مجاورة لام سلمة رضى الله عنها وكانت تدخل عليها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وام سليم عندها فقالت يا رسول الله المرأة إذا رأت ان زوجها يجامعها في المنام اتغتسل فقالت أم سلمة لام سليم تربت يداك يا أم سليم فضحت النساء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم سليم ان الله لا يستحى من الحق وانا ان نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يشكل علينا خير من أن تكون فيه على عمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنت يا أم سلمة ترتب يداك يا أم سليم عليها الغسل إذا وجدت الماء وذكر ابن رستم في نوادره إذا احتلم الرجل ولم يخرج الماء من احليله لا غسل عليه والمرأة إذا احتلمت ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها اغتسلت لان لها فرجين والخارج منهما له حكم الظاهر حتى يفترض ايصال الماء إليه في الجنابة والحيض فمن الجائزان الماء بلغ ذلك الموضع ولم يخرج حتى لو كان الرجل اقلف فبلغ الماء قلفته وجب عليه الغسل والثانى ايلاج الفرج في الفرج في السبيل المعتاد سواء انزل أو لم ينزل لما روى ان الصحابة رضى الله عنهم لما اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان المهاجرون يوجبون الغسل والانصار لا بعثوا ابا موسى الاشعري إلى عائشة رضى الله عنها فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل انزل أو لم ينزل فعلت انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا فقد روت قولا وفعلا وروى عن على رضى الله عنه انه قال في الاكسال يوجب الحد أفلا يوجب صاعا من ماء ولان ادخال الفرج في الفرج المعتاد من الانسان سبب لنزول المنى عادة فيقام مقامه احتياطا وكذا الايلاج في السبيل الآخر حكمه حكم الايلاج في السبيل المعتاد في وجوب الغسل بدون الانزال اما على أصل أبى يوسف ومحمد فظاهر لانه يوجب الحد أفلا يوجب صاعا من ماء وأما على أصل أبى حنيفة فانما لم يوجب الحد احتياطا والاحتياط في وجوب الغسل ولان الايلاج فيه سبب لنزول المنى عادة مثل الايلاج في السبيل المعتاد والسبب
[ 37 ]
يقوم مقام المسبب خصوصا في موضع الاحتياط ولا غسل فيما دون الفرج بدون الانزال وكذا الايلاج في البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل وكذا الاحتلام لان الفعل فيما دون الفرج وفي البهيمة ليس نظير الفعل في فرج الانسان في السببية وكذا الاحتلام فيعتبر في ذلك كله حقيقة الانزال (وأما) المختلف فيه (فمنها) ان ينفصل المنى لا عن شهوة ويخرج لا عن شهوة بان ضرب على ظهره ضربا قويا أو حمل حملا ثقيلا فلا غسل فيه عندنا وعند الشافعي فيه الغسل واحتج بما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الماء من الماء أي الاغتسال من المنى من غير فصل (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سئل عن المرأة ترى في المنام يجامعها زوجها فقال صلى الله عليه وسلم أتجد لذة فقيل نعم فقال عليها الاغتسال إذا وجدت الماء ولو لم يختلف الحكم بالشهوة وعدمها لم يكن للسؤال عن اللذة معنى ولان وجوب الاغتسال معلق بنزول المنى وأنه في اللغة اسم للمنزل عن شهوة لما نذكر في تفسير المنى وأما الحديث فالمراد من الماء الماء المتعارف وهو المنزل عن شهوه لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف (ومنها) ان ينفصل المنى عن شهوة ويخرج لا عن شهوة وانه يوجب الغسل في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يوجب فالمعتبر عندهما الانفصال عن شهوة وعنده المعتبر هو الانفصال مع الخروج عن شهوة وفائدته تظهر في موضعين أحدهما إذا احتلم الرجل فانتبه وقبض على عورته حتى سكنت شهوته ثم خرج المنى بلا شهوة والثانى إذا جامع فاغتسل قبل ان يبول ثم خرج منه بقية المنى وجه قول أبى يوسف ان جانب الانفصال يوجب الغسل وجانب الخروج ينفيه فلا يجب مع الشك ولهما انه إذا احتمل الوجوب والعدم فالقول بالوجوب اولى احتياطا (ومنها) انه إذا استيقظ فوجد على فخذه أو على فراشه بللا على صورة المذى ولم يتذكر الاحتلام فعليه الغسل في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يجب واجمعوا انه لو كان منيا ان عليه الغسل لان الظاهر انه عن احتلام واجمعوا انه ان كان وديا لا غسل عليه لانه بول غليظ وعن الفقيه ابى جعفر الهندوانى انه إذا وجد على فراشه منيا فهو على اختلاف وكان يقيسه على ما ذكرنا من المسئلتين وجه قول أبى يوسف ان المذى يوجب الوضوء دون الاغتسال ولهما ما روى امام الهدى الشيخ أبو منصور الما تريدي السمرقندى باسناده عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إذا رأى الرجل بعد ما ينتبه من نومه بلة ولم يذكر احتلاما اغتسل وان رأى احتلاما ولم يزبلة فلا غسل عليه وهذا نص في الباب ولان المنى قد يرق بمرور الزمان
فيصير في صورة المذى وقد يخرج ذائبا الفرط حرارة الرجل أو ضعفه فكان الاحتياط في الايجاب ثم المنى خائر أبيض ينكسر منه الذكر وقال الشافعي في كتابه ان له رائحة الطلع والمذى رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والودى رقيق يخرج بعد البول وكذا روى عن عائشة رضى الله عنها انها فسرت هذه المياه بما ذكرنا ولا غسل في الودى والمذى اما الودى فلانه بقية البول وأما المذى فلما روى عن على رضى الله عنه انه قال كنت فحلا مذاء فاستحييت ان أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته تحتي فأمرت المقداد بن الاسود رضى الله عنه فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فحل يمذى وفيه الوضوء نص على الوضوء واشار إلى نفى وجوب الاغتسال بعلة كثرة الوقوع بقوله كل فحل يمذى (وأما) الاحكام المتعلقة بالجنابة فما لا يباح للمحدث فله من مس المصحف بدون غلافه ومس الدراهم التى عليها القرآن ونحو ذلك لا يباح للجنب من طريق الاولى لان الجنابة اغلظ الحدثين ولو كانت الصحيفة على الارض فاراد الجنب ان يكتب القرآن عليها روى عن أبى يوسف انه لا بأس لانه ليس بحامل للصحيفة والكتابة توجد حرفا حرفا وهذا ليس بقرآن وقال محمد احب إلى أن لا يكتب لان كتابة الحروف تجرى مجرى القراءة وروى عن أبى يوسف انه لا يترك الكافران يمس المصحف لان للكافر نجس فيجب تنزيه المصحف عن مسه وقال محمد لا بأس به إذا اغتسل لان المانع هو الحدث وقد زال بالغسل وانما بقى نجاسة اعتقاده وذلك في قلبه لا في يده ولا يباح للجنب قراءة القرآن عند عامة العلماء وقال مالك يباح له ذلك وجه قوله ان الجنابة احد الحدثين فيعتبر بالحدث الآخر وانه لا يمنع من القراءة كذا
[ 38 ]
الجنابة (ولنا) ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحجزه شئ عن قراءة القرآن الا الجنابة وعن عبد الله ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيأ من القرآن وما ذكر من الاعتبار فاسد لان أحد الحدثين حل الفم ولم يحل الآخر فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر ويستوى في الكراهة الآية التامة وما دون الآية عند عامة المشايخ وقال الطحاوي لا بأس بقراءة ما دون الآية والصحيح قول العامة لما روينا من الحديثين من غير فصل بين القليل والكثير ولان المنع من القراءة لتعظيم القرآن ومحافظة حرمته وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير فيكره ذلك كله لكن إذا قصد التلاوة فاما إذا لم يقصد بان قال باسم الله لافتتاح الاعمال تبركا أو قال الحمد لله للشكر لا بأس به لانه من باب ذكر اسم الله تعالى والجنب غير ممنوع عن ذلك
وتكره قراءة القرآن في المغتسل والمخرج لان ذلك موضع الانجاس فيجب تنزيه القرآن عن ذلك وأما في الحمام فتكره عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا تكره بناء على ان الماء المستعمل نجس عندهما فاشبه المخرج وعند محمد طاهر فلا تكره ولا يباح للجنب دخول المسجد وان احتاج إلى ذلك يتيمم ويدخل سواء كان الدخول لقصد المكث أو للاجتياز عندنا وقال الشافعي يباح له الدخول بدون التيمم إذا كان مجتازا واحتج بقوله تعالى يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا الا عابرى سبيل حتى تغتسلوا قيل المراد من الصلاة مكانها وهو المسجد كذا روى عن ابن مسعود وعابر سبيل هو المار يقال عبر أي مر نهى الجنب عن دخول المسجد بدون الاغتسال واستثنى عابرى السبيل وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيباح له الدخول بدون الاغتسال (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال سدوا الابواب فانى لا أحلها لجنب ولا لحائض والهاء كناية عن المساجد نفى الحل من غير فصل بين المجتاز وغيره وأما الآية فقد روى عن على وابن عباس رضى الله عنهما ان المراد هو حقيقة الصلاة وان عابر السبيل هو المسافر الجنب الذى لا يجد الماء فيتيمم فكان هذا اباحة الصلاة بالتيمم للجنب المسافر إذا لم يجد الماء وبه نقول وهذا التأويل أولى لان فيه بقاء اسم الصلاة على حالها فكان أولى أو يقع التعارض بين التأويلين فلا تبقى الآية حجة له ولا يطوف بالبيت وان طاف جاز مع النقصان لما ذكرنا في المحدث الا ان النقصان مع الجنابة أفحش لانها أغلظ ويصح من الجنب اداء الصوم دون الصلاة لان الطهارة شرط جواز الصلاة دون الصوم ويجب عليها كلاهما حتى يجب عليه قضاؤهما بالترك لان الجنابة لا تمنع من وجوب الصوم بلا شك ويصح اداؤه مع الجنابة ولا يمنع من وجوب الصلاة أيضا وان كان لا يصح أداؤها مع قيام الجنابة لان في وسعه رفعها بالغسل قبل أن يتوضأ ولا بأس للجنب ان ينام ويعاود أهله لما روى عن عمر رضى الله عنه انه قال يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ويتوضأ وضوءه للصلاة وله ان ينام قبل ان يتوضأ وضوءه للصلاة لما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير ان يمس ماء ولان الوضوء ليس بقربة بنفسه وانما هو الاداء الصلاة وليس في النوم ذلك وان أراد أن يأكل أو يشرب فينبغي أن يتمضمض ويغسل يديه ثم يأكل ويشرب لان الجنابة حملت الفم فلو شرب قبل ان يتمضمض صار الماء مستعملا فيصير شاربا الماء المستعمل ويده لا تخلو عن نجاسة فينبغي ان يغسلها ثم يأكل وهل يجب على الزوج ثمن ماء الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجب سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة غير انها ان كانت
فقيرة يقال للزوج اما ان تدعها حتى تنتقل إلى الماء أو تنقل الماء إليها وقال بعضهم يجب وهو قول الفقيه ابى الليث رحمه الله لانه لا بد لها منه فنزل منزلة الماء الذى للشرب وذلك عليه كذا هذا (وأما) الحيض فلقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن أي يغتسلن ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة دعى الصلاة أيام أقرائك أي أيام حيضك ثم اغتسلي وصلى ولا نص في وجوب الغسل من النفاس وانما عرف باجماع الامة ثم اجماع الامة يجوز ان يكون بناء على خبر في الباب لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالاجماع عن نقله لكون الاجماع أقوى ويجوز انهم قاسوا على دم الحيض لكون كل واحد منهما دما خارجا من الرحم فبنوا الاجماع على القياس إذ الاجماع
[ 39 ]
ينعقد عن الخبر وعن القياس على ما عرف في أصول الفقه * (فصل) * ثم الكلام يقع في تفسير الحيض والنفاس والاستحاضة وأحكامها (أما) الحيض فهو في عرف الشرع اسم لدم خارج من الرحم لا يعقب الولادة مقدر بقدر معلوم في وقت معلوم فلابد من معرفة لون الدم وحاله ومعرفة خروجه ومقداره ووقته (اما) لونه فالسواد حيض بلا خلاف وكذلك الحمرة عندنا وقال الشافعي دم الحيض هو الاسود فقط واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لفاطمة بنت حبيش حين كانت مستحاضه إذا كان الحيض فانه دم أسود فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئ وصلى (ولنا) قوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى جعل الحيض أذى واسم الاذى لا يقتصر على الاسود وروى ان النساء كن يبعثن بالكرسف إلى عائشة رضى الله عنها فكانت تقول لا حتى ترين القصة البيضاء أي البياض الخالص كالحيض فقد أخبرت ان ما سوى البياض حيض والظاهر انها انما قالت ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه حكم لا يدرك بالاجتهاد ولان لون الدم يختلف باختلاف الاغذية فلا معنى للقصر على لون واحد وما رواه غريب فلا يصلح معارضا للمشهور مع ما انه مخالف للكتاب على انه يحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم علم من طريق الوحى أيام حيضها بلون الدم فبنى الحكم في حقها على اللون لا في حق غيرها وغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أيام الحيض بلون الدم وأما الكدرة ففى آخر أيام الحيض حيض بلا خلاف بين أصحابنا وكذا في أول الايام عند أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف لا يكون حيضا وجه قوله ان الحيض هو الدم الخارج من الرحم لا من العرق ودم الرحم يجتمع فيه في زمان الطهر ثم يخرج الصافى منه ثم الكدر ودم العرق يخرج الكدر منه اولا ثم الصافى
فينظر ان خرج الصافى أولا علم انه من الرحم فيكون حيضا وان خرج الكدر أولا علم انه من العرق فلا يكون حيضا (ولنا) ما ذكرنا من الكتاب والسنة من غير فصل وقوله وان كدرة دم الرحم تتبع صافيه ممنوع وهذا أمر غير معلوم بل قد يتبع الصافى الكدر خصوصا فيما كان الثقب من الاسفل وأما التربة فهى كالكدرة وأما الصفرة فقد اختلف المشايخ فيها فقد كان الشيخ أبو منصور يقول إذا رأت في أول أيام الحيض ابتداء كان حيضا اما إذا رأت في آخر أيام الطهر واتصل به أيام الحيض لا يكون حيضا والعامة على انها حيض كيفما كانت وأما الخضرة فقد قال بعضهم هي مثل الكدرة فكانت على الخلاف وقال بعضهم الكدرة والتربة والصفرة والخضرة انما تكون حيضا على الاطلاق من غير العجائز فاما في العجائز فينظران وجدتها على الكرسف ومدة الوضع قريبة فهى حيض وان كانت مدة الوضع طويلة لم يكن حيضا لان رحم العجوز يكون منتنا فيتغير الماء لطول المكث وما عرفت من الجواب في هذه الابواب في الحيض فهو الجواب فيها من النفاس لانها أخت الحيض (واما) خروجه فهو ان ينتقل من باطن الفرج إلى ظاهره إذ لا يثبت الحيض والنفاس والاستحاضة الا به في ظاهر الرواية وروى عن محمد في غير رواية الاصول ان في الاستحاضة كذلك فاما الحيض والنفاس فانهما يثبتان إذا أحست ببروز الدم وان لم يبرز وجه الفرق بين الحيض والنفاس والاستحاضة على هذه الرواية ان لهما أعنى الحيض والنفاس وقتا معلوما فتحصل بهما المعرفة بالاحساس ولا كذلك الاستحاضة لانه لا وقت لها تعلم به فلا بد من الخروج والبروز ليعلم وجه ظاهر الرواية ما روى ان امرأة قالت لعائشة رضى الله عنها ان فلانة تدعو بالمصباح ليلا فتنظر إليها فقالت عائشة رضى الله عنها كنافى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نتكلف ذلك الا بالمس والمس لا يكون الا بعد الخروج والبروز (واما) مقداره فالكلام فيه في موضعين أحدهما في أصل التقدير انه مقدر أم لا والثانى في بيان ما هو مقدر به أما الاول فقد قال عامة العلماء انه مقدر وقال مالك انه غير مقدر وليس لا قله حد ولا لاكثرة غاية واحتج بظاهر قوله تعالى وسألونك عن المحيض قل هو أذى جعل الحيض أذى من غير تقدير ولان الحيض اسم الدم الخارج من الرحم والقليل خارج من الرحم كالكثير ولهذا لم يقدر دم النفاس ولنا ما روى أبو أمامة الباهلى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أقل ما يكون الحيض للجارية الثيب والبكر جميعا
[ 40 ]
ثلاثة أيام واكثر ما يكون من الحيض عشرة أيام وما زاد على العشرة فهو استحاضة وهذا حديث مشهور وروى
عن جماعة من الصحابة رضى الله عنهم منهم عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعمران بن حصين وعثمان بن أبى العاص الثقى رضى الله عنهم انهم قالوا الحيض ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر ولم يروعن غيرهم خلافه فيكون اجماعا والتقدير الشرعي يمنع أن يكون لغير المقدر حكم المقدور به تبين ان الخبر المشهور والاجماع خرجا بيانا للمذكور في الكتاب والاعتبار بالنفاس غير سديد لان القليل هناك عرف خارجا من الرحم بقرينة الولد ولم يوجد ههنا (واما) الثاني فذكر في ظاهر الرواية ان أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها وحكى عن أبى يوسف في النوادر يومان واكثر اليوم الثالث وروى الحسن عن أبى حنيفة ثلاثة أيام بليلتيهما المتخللتين وقال الشافعي يوم وليلة في قول وفي قول يوم بلا ليلة واحتج بما احتج به مالك الا انه قال لا يمكن اعتبار القليل حيضا لان اقبال النساء لا تخلو عن قليل لوث عادة فيقدر باليوم أو باليوم والليلة لانه أقل مقدار يمكن اعتباره وحجتنا ما ذكرنا مع مالك وحجة ما روى عن أبى يوسف ان أكثر الشئ يقام مقام كله وهذا على الاطلاق غير سديد فانه لو جاز اقامة يومين واكثر اليوم الثالث مقام الثلاثة لجاز اقامة يومين مقام الثلاثة لوجود الاكثر وجه رواية الحسن ان دخول الليالى ضرورة دخول الايام المذكورة في الحديث لا مقصودا والضرورة ترتفع بالليلتين المتخللتين والجواب ان دخول الليالى تحت اسم الايام ليس من طريق الضرورة بل يدخل مقصودا لان الايام إذا ذكرت بلفظ الجمع تتناول ما بازائها من الليالى لغة فكان دخولا مقصودا لا ضرورة (واما) أكثر الحيض فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا وقال الشافعي خمسة عشر واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال تقعد احداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلى ثم أحد الشطرين الذى تصلى فيه وهو الطهر خمسة عشر كذا الشطر الآخر ولان الشرع اقام الشهر مقام حيض وطهر في حق الآيسة والصغيرة فهذا يقتضى انقسام الشهر على الحيض والطهر وهو ان يكون نصفه طهرا ونصفه حيضا ولنا ما روينا من الحديث المشهور واجماع الصحابة وليس المراد من الشطر المذكور النصف لانا نعلم قطعا انها لا تقعد نصف عمرها الا ترى انها لا تقعد حال صغرها واياسها وكذا زمان الطهر يزيد على زمان الحيض عادة فكان المراد ما يقرب من النصف وهو عشرة وكذا ليس من ضرورة انقسام الشهر على الطهر والحيض ان تكون مناصفة إذ قد تكون القسمة مثالثة فيكون ثلث الشهر للحيض وثلثاه للطهر وإذا عرفت مقدار الحيض لابد من معرفة مقدار الطهار الصحيح الذى يقابل الحيض وأقله خمسة عشر يوما عند الا ما روى عن أبى حازم القاضى وأبى عبد الله ان الشهر
يشتمل على الحيض والطهر عادة وقد قام الدليل على ان أكثر الحيض عشرة فيبقى من الشهر عشرون الا انا نقصنا يوم لان الشهر قد ينقص بيوم (ولنا) اجماع الصحابة على ما قلنا ونوع من الاعتبار بأقل مدة الاقامة لان لمدة الطهر شبها بمدة الاقامة الا ترى ان المرأة بالطهار تعود إلى ما سقط عنها بالحيض كما ان المسافر بالاقامة يعود إلى ما سقط عنه بالسفر ثم أقل مدة الاقامة خمسة عشر يوما كذا أقل مدة الاقامة خمسة عشر يوما كذا أقل الطهر وما قالاه غير سديد لان المرأة لا تحيض في الشهر عشرة لا محالة ولو حاضت عشرة لا تطهر عشرين لا محالة بل تحيض ثلاثة وتطهر عشرين وقد تحيض عشرة وتطهر خمسة عشر واما أكثر الطهر فلا غاية له حتى ان المرأة إذا طهرت سنين كثيرة فانها تعمل ما تعمل الطاهرات بلا خلاف بين الائمة لان الطهارة في بنات آدم أصل والحيض عارض فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الاصل وان طال واختلف أصحابنا فيما وراء ذلك وهو ان أكثر الطهر الذى يصلح لنصب العادة عند الاستمرار كم هو قال أبو عصمة سعد بن معاذ المروزى وأبو حازم القاضى ان الطهر وان طال يصلح لنصب العادة حتى ان المرأة إذا حاضت خمسة وطهرت ستة ثم استمر بها الدم يبنى الاستمرار عليه فتقعد خمسة وتصلى ستة وكذا لو رأت أكثر من ستة وقال محمد بن ابراهيم الميداني وجماعة من أهل بخارى ان أكثر الطهر
[ 41 ]
الذى يصلح لنصب العادة أقل من سنة أشهر وإذا كان ستة أشهر فصاعدا لا يصلح لنصب العادة وإذا لم يصلح له ترد أيامها إلى الشهر فتقعد ما كانت رأت فيه من خمسة أو ستة أو نحو ذلك وتصلى بقية الشهر هكذا دأبها وقال محمد بن مقاتل الرازي وأبو علي الدقاق أكثر الطهر الذى يصلح لنصب العادة سبعة وخمسون يوما واذ زاد عليه ترد أيامها إلى الشهر وقال بعضهم أكثره شهر وإذا زاد عليه ترد إلى الشهر وقال بعضهم سبعة وعشرون يوما ودلائل هذه الاقاويل تذكر في كتاب الحيض (واما) وقته فوقته حين تبلغ المرأة تسع سنين فصاعدا عليه أكثر المشايخ فلا يكو المرئى فيما دونه حيضا وإذا بلغت تسعا كان حيضا إلى ان تبغل حسد الاياس على اختلاف المشايخ في حده ولو بلغت ذلك وقد انقطع عنها الدم ثم رأت بعد ذلك يكون حيضا وعند بعضهم يكون حيضا وموضع معرفة ذلك كله كتاب الحيض (واما) النفاس فهو في عرف الشرع اسم للدم الخارج من الرحم عقيب الولادة وسمى نفاسا امالننفس الرحم بالولد أو لخروج النفس وهو الولد أو الدم والكلام في لونه وخروجه كالكلام في دم الحيض وقد ذكرناه (واما) الكلام في مقداره فاقله غير مقدر بلا خلاف حتى انها إذا ولدت
ونفست وقت صلاة لا تجب عليها تلك الصلاة لان النفاس دم الرحم وقد قام الدليل على كون القليل منه خارجا من الرحم وهو شهاد الولادة ومثل هذه الدلالة لم يوجد في باب الحيض فلم يعرف القليل منه أنه من الرحم فلم يكن حيضا على ان قضية القياس ان لا يتقدر أقل الحيض أيضا كما قال مالك الا انا عرفنا التقدير ثم بالتوقيف ولا توقيف ههنا فلا يتقدر فإذا طهرت قبل الاربعين اغتسلت وصلت بناء على الظاهر لان معاودة الدم موهوم فلا يترك المعلوم بالموهوم وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل النفاس فذاك في موضع آخر وهو ان المرأة إذا طلقت بعد ما ولدت ثم جاءت وقالت نفست ثم طهرت ثلاثة اطهار وثلاث حيض فبكم تصدق في النفاس فعند أبى حنيفة لا تصدق إذا ادعت في أقل من خمسة عشر يوما وعند أبى يوسف لا تصدق في أقل من أحد عشر يوما وعند محمد تصدق فيما ادعت وان كان قليلا على ما يذكر في كتاب الطلاق ان شاء الله تعالى (واما) أكثر النفاس فأربعون يوما عند أصحابنا وعند مالك والشافعي ستو يوما ولا دليل لهما سوى ما حكى عن الشعبى انه كان يقول ستون يوما ولا حجة في قو الشعبى (ولنا) ما روى عن عائشة وأم سلمة وابن عباس وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أكثر النفاس أربعون يوما واما الاستحاضة فهى ما انتقص عن أقل الحيض وما زاد على أكثر الحيض والنفاس ث المستحاضة نوعان متبدأة وصاحبة عادة والمبتدأة نوعان مبتدأة بالحيض ومبتدأة بالحبل وصاحبة العادة نوعان صاحبة العادة في الحيض وصاحبة العادة في النفاس (أما) المبتدأة بالحيض وهى التى ابتدنت بالدم واستمر بها فالعشرة من أول الشهر حيض لان هذا دم في أيام الحيض وأمكن جعله حيضا فيجعل حيضا وما زاد على العشرة يكون استحاضة لانه لا مزيد للحيض على العشرة وهكذا في كل شهر (وأما) صاحبة العادة في الحيض إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها فالزيادة استحاضة وان كانت عادتها خمسة فالزيادة عليها حيض معها إلى تمام العشرة لما ذكرنا في المبتدأة بالحيض وان جاوز العشرة فعادتها حيض وما زاد عليها استحاضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة أيام اقرائها أي أيام حيضها ولان ما رأت في أيامها حيض بيقين وما زاد على العشرة استحاضة بيقين وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضا فلا تصلى وبين أن يلحق بم بعده فيكون استحاضة فتصلى فلا تترك الصلاة بالشك وان لم يكن لها عادة معروفة بان كانت ترى شهرا ستا وشهرا سبعا فاستمر بها الدم فانها تأخذ في حق الصلاة والصوم والرجعة بالاقل وفي حق انقضاء العدة والغشيان بالاكثر فعليها إذا رأت ستة أيام في الاستمرار أن
تغتسل في اليوم السابع لتمام السادس وتصلى فيه وتصوم ان كان دخل عليها شهر رمضان لانه يحتمل أن يكون السابع حيضا ويحتمل ان لا يكون فدا الصلاة والصوم بين الجواز منها والوجوب عليها في الوقت فيجب وتصوم رمضان احتياطا لانها ان فعلت وليس عليها أولى ان تترك وعليها ذلك وكذلك تنقطع الرجعة لان ترك الرجعة مع
[ 42 ]
ثبوت حق الرجعة أولى من اثباتها من غير حق الرجعة وأما في انقضاء العدة والغشيان فتأخذ بالاكثر لانها ان تركت التزوج مع جواز التزوج أولى من ان تتزوج بدون حق التزوج وكذا ترك الغشيان مع الحل أولى م الغشيان مع الحرمة فإذا جاء اليوم الثامن فعليها أن تغتسل ثانيا وتقضى اليوم الذى صامت في اليوم السابع لان الاداء كان واجبا ووقع الشك في السقوط ان لم تكن حائضا فيه صح صومها ولا قضاء عليها وان كانت حائضا فعليها القضاء فلا يسقط القضاء بالشك وليس عليها قضاء الصلوات لانها ان كانت طاهرة في هذا اليوم فقد صلت وان كانت حائضا فيه فلا صلاة عليها للحال ولا القضاء في الثاني ولو كانت عادتها خمسة فحاضت ستة ثم حاضت حيضة اخرى سبعة ثم حاضت حيضة أخرى ستة فعادتها ستة بالاجماع حتى ينبى الاستمرار عليها أما عند أبى يوسف فلان العادة تنتقل بالمرة الواحدة وانما ينبى الاستمرار على المرة الاخيرة لان العادة انتقلت إليها وأما عند أبى حنيفة ومحمد أيضا فلان العادة وان كانت لا تنتقل الا بالمرتين فقد رأت الستة مرتين فانتقلت عادتها إليها هذا معنى قول محمد كلما عاودها الدم في يوم مرتين فحيضها ذلك وذكر في الاصل إذا حاضت المرأة في شهر مرتين فهى مستحاضة والمراد بذلك أنه لا يجتمع في شهر واحد حيضتان وطهر ان لان أقل الحيض ثلاثة وأقل الطهر خمسة عشر يوما وقد ذكر في الاصل سؤالا وقال أرأيت لو رأت في أول الشهر خمسة ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم خمسة أليس قد حاضت في شهر مرتين ثم أجاب فقال إذا ضممت إليه طهرا آخر كان أربعين يوما والشهر يشتمل على ذلك وحكى أن امرأة جاءت إلى على رضى الله عنه وقالت انى حضت في شهر ثلاث مرات فقال على رضى الله عنه لشريح ماذا تقول في ذلك فقال ان أقامت على ذلك بينه من بطانتها ممن يرضى بدينه وأمانته قبل منها فقال على رضى الله عنه قالون وهى بالرومية حسن وانما أراد شريح بذلك تحقيق النفى انها لاتجد ذلك ان هذا لا يكون كما قال الله تعالى ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخيا أي لا يدخلونها رأسا ودم الحامل ليس بحيض وان كان ممتدا عندنا وقال الشافعي هو حيض في حق ترك الصوم والصلاة وحرمة القربان لا في حق اقراء العدة واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه
وسلم انه قال لفاطمة بنت حبيش إذا أقبل قرؤك فدعى الصلاة من غير فصل بين حال وحال ولان الحامل من ذوات الاقراء لان المرأة ام ان تكون صغيرة أو آيسة أو من ذوات الاقراء والحامل ليست بصغيرة ولا آيسة فكانت من ذوات الاقراء الا ان حيضها لا يعتبر في حق اقراء العدة لان المقصود من اقراء العدة فراغ الرحم وحيضها لا يدل على ذلك (ولنا) قول عائشة رضى الله عنها الحامل لا تحيض ومثل هذا لا يعرف بالرأى فالظاهر انها قالته سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان الحيض اسم للدم الخارج من الرحم ودم الحامل لا يخر من الرحم لان الله تعالى أجرى العادة أن المرأة إذا حبلت ينسد فم الرحم فلا يخرج منه شئ فلا يكون حيضا (وأما) الحديث فنقول بموجبه لكن لم قلتم ان دم الحامل قرء والكلام فيه والدليل عليه انه ليس بقرء ما ذكرنا وبه تبين أن الحديث لا يتناول حالة الحبل (وأما) المبتدأة بالحبل وهى التى حبلت من زوجها قبل أ تحيض إذا ولدت فرأت الدم زيادة على أربعين يوما فهو استحاضة لان الاربعين للنفاس كالعشرة للحيض ثم الزيادة على العشرة في الحيض استحاضة فكذا الزياد على الاربعين في النفاس (وأما) صاحبة العادة في النفاس إذا رأت زيادة على عادتها فان كانت عادتها أربعين فالزيادة استحاضة لما مر وان كانت دون الاربعين فما زاد يكون نفاسا إلى الاربعين فان زاد على الاربعين ترد إلى عادتها فتكون عادتها نفاسا وما زاد عليها يكون استحاضة ثم يستوى الجواب فيما إذا كان ختم عادتها بالدم أو بالطهر عند أبى يوسف وعند محمد ان كان ختم عادتها بالدم فكذلك وأما إذا كان بالطهر فلا لان أبا يوسف يرى ختم الحيض والنفاس بالطهر إذا كان بعده دم ومحمد لا يرى ذلك وبيانه ما ذكر في الاصل إذا كانت عادتها في النفاس ثلاثين يوما فانقطع دمها على رأس عشرين يوما وطهرت عشرة أيام تمام عادتها فصلت وصامت ثم عاودها الدم واستمر بها حتى جاوز الاربعين ذكر انها مستحاضة فيما زاد على الثلاثين ولا يجزيها صومها في العشرة التى صامت فيلزمها القضاء قال الحاكم الشهيد هذا على مذهب أبى يوسف يستقيم فاما على مذهب محمد ففيه نظر لان أبا يوسف
[ 43 ]
يرى ختم النفاس بالطهر إذا كان بعده دم فيمكن جع الثلاثين نفاسا لها عنده وان كان ختمها بالطهر ومحمد لا يرى ختم النفاس والحيض بالطهر فنفاسها في هذا الفصل عنده عشرون يوما فلا يلزمها قضاء ما صامت في العشر الايام بعد العشرين والله أعلم وما تراه النفساء من الدم بين الولادتين فهو دم صحيح في قول أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد وزفر فاسد بناء على أن المرأة إذ ولدت وفي بطنها ولد آخر فالنفاس من الولد الاول عند أبى حنيفة وأبى
يوسف وعند محمد وزفر من الولد الثاني وانقضاء العدة بالولد الثاني بالاجماع وجه قول محمد وزفر أن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن كانقضاء العدة فيتعلق بالولد الاخير كانقضاء العدة وهذا لانها بعد حبلى وكما لا يتصور انقضاء عدة الحمل بدون وضع الحمل لا يتصور وجود النفاس من الحبلى لان النفاس بمنزلة الحيض ولان النفاس مأخوذ من تنفس الرحم ولا يتحقق ذلك على الكمال الا بوضع الولد الثاني فكان الموجود قبل وضع الولد الثاني نفاسا من وجه دون وجه فلا تسقط الصلاة عنها بالشك كما إذا ولدت واحدا وخرج بعضه دون البعض ولابي حنيفة وأبى يوسف أن النفاس ان كان دما يخرج عقيب النفس فقد وجد بولادة الاول وان كان دما يخرج بعد تنفس الرحم فقد وجد أيضا بخلاف انقضاء العدة لان ذلك يتعلق بفراغ الرحم ولم يوجد والنفاس يتعلق بتنفس الرحم أو بخروج النفس وقد وجد أو يقول بقاء الولد في البطن لا ينافى النفاس لانفتاح فم الرحم فاما الحيض من الحبلى فممتنع لانسداد فم الرحم والحيض اسم لدم يخرج من الرحم فكان الخارج دم عرق لا دم رحم (وأما) قولهما وجد تنفس الرحم من وجه دون وجه فممنوع بل وجد على سبيل الكمال لوجود خروج الولد بكماله بخلاف ما إذا خرج بعض الولد لان الخارج منه ان كان أقله لم تصر نفساء حتى قالوا يجب عليها ان تصلى وتحفر لها حفيرة لان النفاس يتعلق بالولادة ولم يوجد لان الاقل يلحق بالعدم بمقابلة الاكثر فاما إذا كان الخارج أكثره فالمسألة ممنوعة أو هي على هذا الاختلاف فأما فيما نحن فيه فقد وجدت الولادة على طريق الكمال فالدم الذى يعقبه يكون نفاسا ضرورة والسقط إذا استبان بعض خلقه فهو مثل الولد التام يتعلق به أحكام الولادة من انقضاء العدة وصيرورة المرأة نفساء لحصول العلم بكونه ولدا مخلوقا عن الذكر والانثى بخلاف ما إذا لم يكن استبان من خلقه شئ لانا لا ندرى ذاك هو المخلوق من مائهما أو دم جامد أو ش من الاخلاط الردية استحال إلى صورة لحم فلا يتعلق به شئ من أحكام الولادة (وأما) أحوال الدم فنقول الدم قد يدر درورا متصلا وقد يدر مرة وينقطع أخرى ويسمى الاول استمرارا متصلا والثانى منفصلا (أما) الاستمرار المتصل فحكمه ظاهر وهو أن ينظر ان كانت المرأة مبتدأة فالعشرة من أول ما رأت حيض والعشرون بعد ذلك طهرها هكذا إلى ان يفرج الله عنها وان كانت صاحبة عادة فعادتها في الحيض حيضها وعادتها في الطهر طهرها وتكون مستحاضة في أيام طهرها (واما) الاستمرار المنفصل فهو ان ترى المرأة مرة دما ومرة طهرا هكذا فنقول لا خلاف في أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوما فصاعدا يكون فاصلا بين الدمين ثم بع ذلك ان أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا وان أمكن جعل كل واحد منهما حيضا يجعل حيضا
وان كان لا يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل شئ من ذلك حيضا وكذا لا خلاف بين أصحابنا في أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلا بين الدمين وان كان أكثر من الدمين واختلفوا فيما بين ذلك وعن أبى حنيفة فيه أربع روايات روى أبو يوسف عنه أنه قال الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما يكون طهرا فاسد اولا يكون فاصلا بين الدمين بل يكون كله كدم متوال ثم يقدر ما ينبغى أن يجعل حيضا يجعل حيضا والباقى يكون استحاضة وروى محمد عن أبى حنيفة أن الدم إذا كان في طرفي العشرة فالطهر المتخلل بينهما لا يكون فاصلا ويجعل كله كدم متوال وان لم يكن الدم في طرفي العشرة كان الطهر فاصلا بين الدمين ثم بعد ذلك ان أمكن ان يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا وان أمكن ان يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهم حيضا وهو أو لهما وان لم يمكن جعل أحدهما حيضا لا يجعل شئ من ذلك حيضا وروى عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة ان الدم إذا كان في طرفي العشرة وكان بحال لو جمعت الدماء المتفرقة تبلغ
[ 44 ]
حيضا لا يصير الطهر فاصلا بين الدمين ويكون كل حيضا وان كان بحال لو جمع لا يبلغ حيضا يصير فاصلا بين الدمين ثم ينظر ان أمكن ان يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا وان أمكن ان يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما حيضا وان لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل شئ من ذلك حيضا ورو الحسن عن أبى حنيفة أن الطهر المتخل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلا بين الدمين وكله بمنزلة المتوالى وإذا كان ثلاثة أيام كان فاصلا بينهما ثم ينظر ان أمكن ان يجعل أحد الدمين حيضا جعل وان أمكن ان يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما وان لم يكن ان يجعل شئ من ذلك حيضا لا يجعل حيضا واختار محمد لنفسه في كتاب الحيض مذهبا فقال الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يعتبر فاصلا وان كان أكثر من الدمين ويكون بمنزلة الدم المتوالى وإذا كان ثلاثة أيام فصاعدا فهو طهر كثير فيعتبر لكن ينظر بعد ذلك ان كان الطهر مثل الدمين أو أقل من الدمين في العشرة لا يكون فاصلا وان كان أكثر م الدمين يكون فاصلا ثم ينظر ان أمكن ان يجعل أحدهما حيضا جعل وان أمكن ان يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما حيضا وان لم يمكن ان يجعل أحدهما حيضا لا يجع شئ من ذلك حيضا وتقرير هذه إلاقوال وتفسيرها يذكر في كتاب الحيض ان شاء الل تعالى (وأما) حكم الحيض والنفاس فمنع جواز الصلاة والصوم وقراءة القرآن ومس المصحف الا
بغلاف ودخول المسجد والطواف بالبيت لما ذكرنا في الجنب الا ان الجنب يجوز له اداء الصوم مع الجنابة ولا يجوز للحائض والنفساء لان الحيض والنفاس اغلظ من الحدث أو بان النص غير معقول المعنى وهو قوله صلى الله عليه وسلم تقعد احداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلى أو ثبت معلولا بدفع الحرج لان درور الدم يضعفهن مع انهن خلقن ضعيفان في الجبلة فلو كلفن بالصوم لا يقدرن على القيام به الا بحرج وهذا لا يوجد في الجنابة ولهذا الجنب يقضى الصلاة والصوم وه لا يقضين الصلاة لان الحيض يتكرر في كل شهر ثلاثة أيام إلى العشرة فيجتمع عليها صلوات كثيرة فتخرج في قضائها ولا حرج في قضاء صيام ثلاثة أيام أو عشرة أيام في السنة وكذا يحرم القربان في حالتى الحيض والنفاس ولا يحرم قربان المرأة التى أجنبت لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ومثل هذ لم يرد في الجنابة وردت الاباحة بقوله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم أي الولد فقد أباح المباشرة وطلب الولد وذلك بالجماع مطلقا عن الاحوا (وأما) حكم الاستحاضة فالاستحاضة حكمها حكم الطاهرات غير انها تتوضأ لوقت ك صلاة على ما بينا * (فصل) * واما التيمم فالكلام في التيمم يقع في مواضع في بيان جوازه وفي بيان معناه لغة شرعا وفى بيان ركنه وفى بيان كيفيته وفي بيان شرائط الركن وفي بيان ما يتيمم به وفي بيان وقت التيمم وفي بيان صفة التيمم وف بيان ما يتيمم منه وفي بيان ما ينقضه (اما) الاول فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائز عرف جواز بالكتاب والسنة والاجماع اما الكتاب فقوله تعالى وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وقيل ان الآية نزلت في غزوة ذات الرقاع نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم للتعريس فسقط من عائشة رضى الله عنها قلادة لا سماء رضى الله عنها فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلي في طلبها فاقام ينتظر هما فعدم الناس الماء وحضرت صلاة الفجر فاغلظ أبو بكر رضى الله عنه على عائشة رضى الله عنها وقال لها حبست المسلمين فنزلت الآية فقال أسيد بن حضير يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه الا جعل الله للمسلمين فيه فرجا واما السنة فما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث وقال صلى الله علي وسلم جعلت لى الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت وروى عن انه قال التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء وعليه اجماع الامة واختلف الصحاب في جوازه من الجنابة فقال على وعبد الله بن عباس رضى الله
عنهما جائز وقال عم رضى الله عنه وعبد الله بن مسعود لا يجوز وقال الضحاك رجع ابن مسعود عن هذا وحاصل
[ 45 ]
اختلافهم راجع إلى تأويل قوله تعالى في آية التيمم أو لامستم النساء أو لمستم فعلى وابن عباس أولا ذلك بالجماع وقالا كنى الله تعالى عن الوطئ بالمسيس والغشيان والمباشرة والافضاء والرفت وعمرو ابن مسعود أولاه بالمس باليد فلم يكن الجنب داخلا في هذه الآية فبقى الغسل واجبا عليه بقوله وان كنتم جنبا فاطهروا وأصحابنا أخذوا بقول على وابن عباس لموافقة الاحاديث المروية ع النبي صلى الله عليه وسلم انه قال للجنب من الجماع ان يتيمم إذا لم يجد الما وعن أبى هريرة ان رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله انا قوم نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرا أو شهرين وفينا الجنب والنفساء والحائض فكيف نصع فقال صلى الله عليه وسلم عليكم بالارض وفى رواية عليكم بالصعيد وكذ حديث عمار رضى الله عنه وغيره على ما نذكره ويجوز التيمم من الحيض والنفاس لما روينا من حديث أبى هريرة رضى الله عنه ولانهما بمنزلة الجنابة فكان ورود النص في الجنابة ورودا فيهما دلالة وللمسافر ان يجامع امرأته وان كان لا يجد الماء وقال مالك يكره وجه قوله ان جواز التيمم للجنب اختلف فيه كبار الصحابة رضى الله عنهم فكان الجماع اكتسابا لسبب وقوع الشك في جواز الصلاة فيكره (ولنا) ما روى عن أبى مالك الغفاري رضى الله عنه انه قال قلت للنبى صلى الله عليه وسلم أأجامع امرأنى وانا لا أجد الماء فقال جامع امرأتك وان كنت لا تجد الماء إلى عشر حجج فان التراب كافيك (واما) بيان معناه فالتيمم في اللغة القصد يقال تيمم ويمم إذا قصد ومنه قول الشاعر وما أدرى إذا يممت أرضا * أريد الخبر أيهما يلينى أألخير الذى انا ابتغيه * أم الشر الذى هو يبتغينى قوله يممت أي قصدت وفي عرف الشرع عبارة عن استعمال الصعيد في عضو بن مخصوصين على قصد التطهير بشرائط مخصوصة نذكرها في مواضعها ان شاء الله تعالى * (فصل) * واما ركنه فقد اختلف فيه قال أصحابنا هو ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وهو أحد قولى الشافعي وفي قوله الآخر وهو قول مالك ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين وقال الزهري ضربة للوجه وضربة لليدين ال الآباط وقال ابن أبى ليلى ضربتان يمسح بكل واحدة منهما الوجه والذراعين جميعا
وقال ابن سيرين ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للذراعين وضربة أخرى لهما جميعا وقال بعض الناس هو ضربة واحدة يستعملها في وجهه ويديه وحجتهم ظاهر قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه أمر بالتيمم وفسره يمس الوجه واليدين بالصعيد مطلقا عن شرط الضربة والضربتين فيجرى على اطلاقه وبه يحتج الزهري فيقول ان الله تعالى أمر بمسح اليد واليد اسم لهذه الجارحة من رؤس الاصابع إلى الآباط ولولا ذكر المرافق غاية للامر بالغسل في باب الوضوء لوجب غسل هذا المحدود والغاية ذكرت في الوضوء دون التيمم واحتج مالك والشافعي بم روى ان عمار بن ياسر رضى الله عنه اجنب فتمعك في التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اما علمت انه يكفيك الوجه والكفان (ولنا) الكتاب والسن اما الكتاب فقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه والآية حجة على مالك والشافعي لان الله تعالى أمر بمسح اليد فلا يجوز التقييد بالرسغ الا بدليل وقد قام دليل التقييد بالمرفق وهو ان المرفق جعل غاية للامر بالغسل وهو الوضوء والتيمم يدل عن الوضوء والبدل لا يخالف المبدل فذكر الغاية هناك يكون ذكرا ههنا دلالة وهو الجواب عن قول من يقول ان التيمم ضربة واحدة لان النص لم يتعرض للتكرار لان النص ان كان لم يتعرض للتكرار أصلا نصا فهو متعرض له دلالة لان التيمم خلف عن الوضوء ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين في الوضوء فلا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين في التيمم لان الخلف لا يخالف الاصل وكذا هي حجة على ابن أبى ليلى وابن سيرين لان الله تعالى امر بمسح الوجه واليدين فيقتضى وجود فعل المسح على كل واحد منهما مرة واحدة لان الامر المطلق لا يقتضى التكرار وفيما قالاه تكرار فلا تجوز الزيادة على الكتاب الا بدليل صالح للزيادة (وأما) السنة فما
[ 46 ]
روى عن جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرافقين والحديث حجة على الكل وأما حديث عمار فغيه تعارض لانه روى في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين والمتعارض لا يصلح حجة * (فصل) * وأما كيفية التيمم فذكر أبو يوسف في الامالى قال سألت أبا حنيفة عن التيمم فقال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضرب لليدين إلى المرفقين فقلت له كيف هو فضرب بيديه على الارض فاقبل بهما وادب ثم نقضهما ثم مسح بهما وجهه ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيا فاقبل بهما وادبر ثم نفضهما ثم مسح بذلك ظاهر
الذراعين وباطنهما إلى المرفقين وقال بعض مشايخنا ينبغى أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤس الاصابع إلى المرفق ثم يمسح بكفه اليسرى دون الاصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ ثم يمر بباطن ابهامه اليسرى على ظاهر ابهامه اليمنى ثم يفعل باليد اليسرى كذلك وقال بعضهم يمسح بالضربة الثانية بباطن كفه اليسرى مع الاصابع ظاهر يده اليمنى إلى المرفق ثم يمسح به أيضا باطن يده اليمنى إلى أصل الابهام ثم يفعل بيده اليسرى كذلك ولا يتكلف والاول أقرب إلى الاحتياط لما فيه من الاحتراز عن استعمال التراب المستعمل بالقدر الممكن لان التراب الذى على اليد يصير مستعملا بالمسح حتى لا يتأدى فرض الوجه واليدين بمسحة واحدة بضربة واحدة ثم ذكر في ظاهر الرواية انه ينفضهما نفضة وروى عن أبى يوسف انه ينفضهما نفضتين وقيل ان هذا لا يوجب اختلافا لان المقصود من النقض تناثر التراب صيانة عن التلوث الذ يشبه المثلة إذا التعبد ورد بمسح كف مسه التراب على العضوين لا تلويثهما به فلذلك ينفضهما وهذا الغرض قد يحصل بالنقض مرة وقد لا يحصل الا بالنفض مرتين على قدر ما يلتصق باليدين من التراب فان حصل المقصود بنفضة واحدة اكتفى ها وان لم يحصل نفض نفضتين (واما) استيعاب العضوين بالتيمم فهل هو من تمام الركن لم يذكره في الاصل نصا لكنه ذكر ما يدل عليه فانه قال إذا ترك ظاهر كفيه لم يجزه ونص الكرخي انه إذا ترك شيأ من مواضع التيمم قليلا أو كثيرا لا يجوز وذكر الحسن في المجرد عن أبى حنيفة أنه إذا يمم الاكثر جاز وجه رواية الحسن ان هذا مسح فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس وجه ما ذكر في الاصل ان الامر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه واليد وانه يعم الكل ولان التيمم بدل عن الوضو والاستيعاب في الاصل من تمام الركن فكذا في البدل وعلى ظاهر الرواية يلزم تخلي الاصابع ونزع الخاتم ولو ترك لم يجز وعلى رواية الحسن لا يلزم ويجوز ويمسح المرفقين مع الذراعين عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر حتى انه لو كان مقطوع اليدي من المرفق يمسح موضع القطع عندنا خلافا له والكلام فيه كالكلام في الوضوء وقد مر والله أعلم * (فصل) * وأما شرائط الركن فانواع منها أن لا يكون واجدا للماء قدر ما يكفى الوضوء أو الغسل في الصلاة التى تفوت إلى خلف وما هو من اجزاء الصلاة لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا شرط عدم وجدان الماء لجواز التيمم وقول النبي صلى الله عليه وسلم التيمم وضوء المسلم واوالى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث جعله وضوء المسلم إلى غاية وجود الماء أو الحدث والممدود إلى غاية ينتهى عند وجود الغاية ولا وجود للشئ مع وجود
ما ينتهى وجود عند وجوده وقال صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء أو يحدث ولانه بدل ووجود الاصل يمنع المصير إلى البدل ثم عدم الماء نوعان من حيث الصورة والمعنى وعدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة (اما) العدم من حيث الصورة والمعنى فهو أن يكون الماء بعيدا عنه ولم يذكر حد البعد في ظاهر الرواية وروى عن محمد انه قدره بالميل وهو أن يكون ميلا فصاعدا فان كان أقل من ميل لم يجز التيمم والميل ثلث فرسخ وقال الحسن بن زياد من تلقاء نفسه ان كان الماء أمامه يعتبر ميلين وان كان يمنة أو يسرة يعتبر ميلا واحدا وبعضهم فصل بي المقيم والمسافر فقالوا ان كان مقيما يعتبر قدر ميل كيفما كان وان كان مسافرا والماء على يمينه أو يساره فكذلك وان كان أمامه يعتبر ميلين وروى عن
[ 47 ]
أب يوسف انه ان كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب فهو قريب وان كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد وقال بعضهم ان كان بحيث يمسع أصوات أهل الماء فهو قريب وان كان لا يسمع فهو بعيد وكذا ذكر الكرخي وقال بعضهم قدر فرسخ وقال بعضهم مقدار ما لا يسمع الاذان وقال بعضهم إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع لو نودى من أقصى المصر فهو بعيد وأقرب الاقاويل اعتبار الميل لان الجواز لدفع الحرج واليه وقعت الاشارة في آية التيمم وهو قوله تعالى على أثر الآية ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم ولا حرج فيما دون الميل فاما الميل فصاعدا فلا يخلو عن حرج وسواء خرج من المصر للسفر أو لامر آخر وقال بعض الناس لا يتيمم الا أن يكون قصد سفر أو انه ليس بسديد لان ماله ثبت الجواز وهو دفع الحرج لا يفصل بين المسافر وغيره هذا إذا كان علم ببعد الماء بيقين أو بغلبة الرأى أو أكبر الظن أو أخبره بذلك رجل عدل وأما إذا علم أن الماء قريب منه اما قطعا أو ظاهرا أو أخبره عدل بذلك لا يجوز له التيمم لان شرط جواز التيمم لم يوجد وهو عدم الماء ولكن يجب عليه الطلب هكذا روى عن محمد أنه قال إذا كان الماء على ميل فصاعدا لم يلزمه طلبه وان كان أقل من ميل أتيت الماء وان طلعت الشمس هكذا روى الحسن عن أبى حنيف ولا يبلغ بالطلب ميلا وروى عن محمد أنه يبلغ به ميلا فان طلب أقل من ذلك يم يجز التيمم وان خاف فوت الوقت وهو رواية عن ابى حنيفة والاصح أنه يطلب قدر ما يضر بنفسه ورفقته بالانتظار وكذلك إذا كان بقرب من العمر ان يجب عليه الطلب حتى أو تيمم وصلى ثم ظهر الماء لم تجز صلاته لان العمر ان لا يخلو عن
الماء ظاهرا وغالبا والظاهر ملحق بالمتيقن في الاحكام ولو كان بحضرته رجل يسأله عن قرب الماء فلم يسأله حتى تيمم وصلى ثم سأله فان لم يخبره بقرب الماء فصلاته ماضية وان أخبره بقرب الماء توضأ واعاد الصلاة لانه تبين أن الماء بقرب منه ولو سأله لاخبره فلم يوجد الشرط وهو عدم الماء وان سأله في الابتداء فلم يخبره حتى تيمم وصلى ثم أخبره بقرب الماء لا يجب عليه اعادة الصلاة لان المتعنت لا قول له فان لم يكن بحضرته أحد يخبره بقرب الماء ولا غلب على ظنه أيضا قرب الماء لا يجب عليه الطلب عندنا وقال الشافعي يجب عليه أن يطلب عن يمين الطريق ويساره قد رغلوة حتى لو تيمم وصلى قبل الطلب ثم ظهر أن الماء قريب منه فصلاته ماضية عندنا وعنده لم تجز واحتج بقوله تعالى فلم تجدوا ماء وهذا يقتضى سابقية الطلب فكان الطلب شرطا وصار كما لو كان في العمران (ولنا) ان الشرط عدم الماء وقد تحقق من حيث الظاهر إذ المفازة مكان عدم الماء غالبا بخلاف العمران وقوله الوجود يقتضى سابقية الطلب من الواجد ممنوع الا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم من وجد لقطة فليعرفها ولا طلب من الملتقط ولان الطلب لا يفيد إذا لم يكن على طمع من وجود الماء والكلام فيه وربما ينقطع عن أصحابه فليحقه الضرر فلا يجب عليه الطلب ولكن يستحب له ذلك إذا كان على طمع من وجود الماء فان أبا يوسف قال في الامالى سألت أبا حنيفة عن المسافر لا يجد الماء أيطلب عن يمين الطريق ويساره قال ان طمع في ذلك فليفعل ولا يبعد فيضر باصحابه ان انتظروه أو بنفسه ان انقطع عنهم ثم ما ذكرنا من اعتبار البعد والقرب مذهب أصحابنا الثلاثة فاما على مذهب زفر فلا عبرة للبعد والقرب في هذا الباب بل العبرة للوقت بقاء وخروجا فان كان يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزيه التيمم وان كان الماء بعيد أو ان كان لا يصل إليه قبل خروج الوقت يجزئه التيمم وان كان الماء قريبا والمسألة نذكرها بعد ان شاء الله تعالى (وأما) العدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة فهو أن يعجز عن استعمال الماء لمانع مع قرب الماء منه نحو ما إذا كان على رأس البئر ولم يجد آلة الاستقاء فيباح له التيمم لانه إذا عجز عن استعمال الماء لم يكن واجدا له من حيث المعنى فيدخل تحت النص وكذا إذا كان بينه وبين الماء عدوا ولصوص أو سبع أو حية يخاف على نفسه الهلاك إذا اتاه لان القاء النفس في التهلكة حرام فيتحقق العجز عن استعمال الماء وكذا إذا كان معه ماه وهو يخاف على نفسه العطش لانه مستحق الصرف إلى العطش والمستحق كالمصروف فكان عاد ما للماء معنى وسئل نصر
[ 48 ]
ابن يحيى عن ماء موضوع في الفلاة في الحب أو نحو ذلك أيكون للمسافر أن يتيمم أو يتوضأ به قال يتمم ولا يتوضأ به لانه لم يوضع للوضوء وانما وضع للشرب الا أن يكون كثيرا فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب والوضوء جميعا فيتوضأ به ولا يتمم وكذا إذا كان به جراحة أو جدري أو مرض يضره استعمال الماء فيخاف زيادة المرض باستعمال الماء يتيمم عندنا وقال الشافعي لا يجوز التيمم حتى يخاف التلف وجه قوله ان العجز عن استعمال الماء شرط جواز التيمم ولا يتحقق العجز الا عند خوف الهلاك (ولنا) قوله تعالى وان كنتم مرضى أو على سفر إلى قوله فتيمموا صعيدا طيبا اباح التيمم للمريض مطلقا من غير فصل بين مرض ومرض الا ان المرض الذى لا يضر معه استعمال الماء ليس بمراد فبقى المرض الذى يضر معه استعمال الماء مرادا بالنص وروى ان واحدا من الصحابة رضى الله عنهم أجنب وبه جدري فاستغنى أصحابه فافتوه بالاغتسال فاغتسل فمات فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه سلم فقال قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ لم يعلموا فانما شفاء العى السؤال كان يكفيه التيمم وهذا نص ولان زيادة المرض سبب الموت وخوف الموت مبيح فكذا خوف سبب الموت لانه خوف الموت بواسطة والدليل عليه انه أثر في اباحة الافطار وترك القيام بلا خلاف فههنا أولى لان القيام ركن في باب الصلاة والوضوء شرط فخوف زيادة المريض لما أثر في اسقاط الركن فلان يؤثر في اسقاط الشرط أولى ولو كان مريضا لا يضره استعمال الماء لكنه عاجز عن الاستعمال بنفسه وليس له خادم ولا مال يستأجر به أجيرا فيعينه على الوضوء اجزأه التيمم سواء كان في المفازة أو في المصر وهو ظاهر المذهب لان العجز متحقق والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز وروى عن محمد انه ان كان في المصر لا يجزيه الا أن يكون مقطوع اليد لان الظاهر انه يجد احدا من قريب أو بعيد يعينه وكذا العجز لعارض على شرف الزوال بخلاف مقطوع اليدين ولو أجنب في ليلة باردة يخاف على نفسه الهلاك لو اغتسل ولم يقدر على تسخين الماء ولا على اجرة الحمام في المصر اجزأه التيمم في قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ان كان في المصر لا يجزئه وجه قولهما ان الظاهر في المصر وجود الماء المسخن والدف ء فكان العجز نادرا فكان ملحقا بالعدم ولابي حنيفة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه بعث سرية وأمر عليهم عمرو بن العاص رضى الله عنه وكان ذلك في غزوة ذات السلاسل فلما رجعوا شكوا منه اشياء من جملتها انهم قالوا صلى بنا وهو جنب فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له فقال يا رسول الله أجنبت في ليلة باردة فخفت على نفسي الهلاك لو
اغتسلت فذكرت ما قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما فتيممت وصليت بهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترون صاحبكم كيف نظر لنفسه ولكم ولم يأمره بالاعادة ولم يستفسره انه كان في مفازة أو مصر ولانه علل فعله بعلة عامة وهى خوف الهلاك ورسول الله صلى الله عليه وسلم استصوب ذلك منه والحكم يتعمم بعموم العلة وقولهما ان العجز في المصر نادر فالجواب عنه إنه في حق الفقراء الغرباء ليس بنادر على ان الكلام فيما إذا تحقق العجز من كل وجه حتى لو قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم ولو كان مع رفيقه ماء فان لم يعلم به لا يجب عليه الطلب عندنا وعند الشافعي يجب على ما ذكرنا وان علم به ولكن لا ثمن له فكذلك عند أبى حنيفة وقال أبو يوسف عليه السؤال وجه قوله ان الماء مبذول في العادة لقلة خطره فلم يعجز عن الاستعمال ولابي حنيفة ان العجز متحقق والقدرة موهومة لان الماء من أعز الاشياء في السفر فالظاهر عدم البذل فان سأله فلم يعطه أصلا اجزأه التيمم لان العجز قد تقرر وكذا ان كان يعطيه بالثمن ولا ثمن له لما قلنا وان كان له ثمن ولكن لا يبيعه الا بغين فاحش يتيمم ولا يلزمه الشراء عند عامه العلماء وقال الحسن البصري يلزمه الشراء ولو بجميع ماله لان هذه تجارة رابحة (ولنا) انه عجز عن استعمال الماء الا باتلاف شئ من ماله لان ما زاد على ثمن المثل لا يقابله عوض وحرمة مال المسلم كحرمة دمه قال النبي صلى الله عليه وسلم حرمة مال المسلم كحرمة دمه ولهذا ابيح له القتال دون ماله كما أبيح له دون نفسه ثم خوف فوات بعض النفس مبيح للتيمم فكذا فوات بعض المال
[ 49 ]
بخلاف الغبن اليسير فان تلك الزيادة غير معتبرة لما يذكر ثم قدر الغبن الفاحش في هذا الباب مقدر بتضعيف الثمن وذكر في النوادر فقال ان كان الماء يشترى في ذلك الموضع بدرهم وهو لا يبيعه الا بدرهم ونصف يلزمه الشراء وان كان لا يبيع الا بدرهمين لا يلزمه وان كان يبيعه بثمن المثل في ذلك الموضع يلزمه الشراء لانه قدر على استعمال الماء بالقدرة على بدله من غير اتلاف فلا يجوز له التيمم كمن قدر على ثمن الرقبة لا يجوز له التكفير بالصوم وان كان لا يبيع الابغين يسير فكذلك عند أصحابنا وقال الشافعي لا يلزمه الشراء اعتبار بالغبن الفاحش وهذا الاعتبار غير سديد لان ما لا يتغابن الناس فيه فهو زيادة متيقن بها لانها لا تدخل تحت اختلاف المقومين فكانت معتبرة وما يتغابن الناس فيه يدخل تحت اختلافهم فعند بعضهم هو زيادة وعند بعضهم ليس بزيادة فلم تكن زيادة متحققة فلا تعتبر وذكر الكرخي في جامعه ان المصلى إذا رأى مع رفيقه ماء كثيرا ولا يدرى ايعطيه أم لا انه يمضى
على صلاته لان الشروع قد صح فلا ينقطع بالشك فإذا فرغ من صلاته سأله فان أعطاه توضأ واستقبل الصلاة لان البذل بعد الفراغ دليل البذل قبله وان أبى فصلاته ماضية لان العجز قد تقرر فان أعطاه بعد ذلك لم ينتقض ما مضى لان عدم الماء استحكم بالاباء ويلزمه الوضوء لصلاة أخرى لان حكم الاباء ارتفض بالبذل وقال محمد في رجلين مع أحدهما اناء يغترف به من البئر ووعد صاحبه ان يعطيه الاناء قال ينتظر وان خرج الوقت لان الظاهر هو الوفاء بالعهد فكان قادرا على استعمال الماء بالوعد وكان قادرا على استعمال الماء ظاهرا فيمنع المصير إلى التيمم وكذا إذا وعد الكاسى العارى أن يعطيه الثوب إذا فرغ من صلاته لم تجزه الصلاة عريانا لما قلنا وعلى هذا الاصل يخرج مسافر تيمم وفي رحله ماء لم يعلم به حتى صلى ثم علم به اجزأه في قول أبى حنيفة ومحمد لا يلزمه الاعادة وقال أبو يوسف لم يجزه ويلزمه الاعادة وهو قول الشافعي واجمعوا على انه لو صلى في ثوب نجس ناسيا أو توضأ بماء نجس ناسيا ثم تذكر لا يجزئه وتلزمه الاعادة لابي يوسف وجهان أحدهما انه نسى ما لا ينسى عادة لان الماء من أعز الاشياء في السفر لكونه سببا لصيانة نفسه عن الهلاك فكان القلب متعلقا به فالتحقق النسيان فيه بالعدم والثانى ان الرحل موضع الماء عادة غالبا لحاجة المسافر إليه فكان الطلب واجبا فإذا تيمم قبل الطلب لا يجزئه كما في العمران ولهما ان العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان فيجوز التيمم كما لو حصل العجز بسبب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشا وقوله نسى ما لا ينسى عادة ليس كذلك لان النسيان جبلة في البشر خصوصا إذا مر به أمر يشغله عما وراءه والسفر محل المشقات ومكان المخاوف فنسيان الاشياء فيه غير نادر وأما قوله الرحل معدن الماء ومكانه فليس كذلك فان الغالب في الماء الموضوع في الرحل هو النفاد لقلته فلا يكون بقاؤه غالبا فيتحقق العجز ظاهرا بخلاف العمران لانه لا يخلو عن الماء غالبا واو صلى عريانا أو مع ثوب نجس وفي رجله ثوب طاهر لم يعلم به ثم علم قال بعض مشايخنا يلزمه الاعادة بالاجماع وذكر الكرخي انه على الاختلاف وهو الاصح ولو كان عليه كفارة اليمين وله رقية قد نسيها وصام قيل انه على الاختلاف والصحيح انه لا يجوز بالاجماع لان المعتبر ثمة ملك الرقبة ألا ترى انه لو عرض عليه رقبة كان له ان لا يقبل ويكفر بالصوم وبالنسيان لا ينعدم الملك ههنا المعتبر هو القدرة على الاستعمال وبالنسيان زالت القدرة ألا ترى لو عرض عليه الماء لا يجزئه التيمم ولان النسيان في هذا الباب في غاية الندرة فكان ملحقا بالعدم ولو وضع غيره في رحله ماء وهو لا يعلم به فتيمم وصلى ثم لم لا رواية لهذا أيضا وقال بعض مشايخنا ان لفظ الرواية في الجامع الصغير يدل على انه يجوز بالاجماع فانه
قال في الرحل يكون في رحله ماء فينسى والنسيان يستدعى تقدم العلم ثم مع ذلك جعل عذرا عندهما فبقى موضع علم فيه أصلا ينبغى ان يجعل عذرا عند الكل ولفظ الرواية في كتاب الصلاة يدل على انه على الاختلاف فانه قال مسافر تيمم ومعه ماء في رحله وهو لا يعلم به وهذا يتناول حالة النسيان وغيرها واو ظن ان ماءه قد فنى فتيمم وصلى ثم تبين له انه قد بقى لا يجزئه بالاجماع لان العلم لا يبطل بالظن فكان الطلب واجبا بخلاف النسيان لانه من أضداد العلم ولو كان على رأسه أو ظهره ماء أو كان معلقا في عنقه فنسيه فتيمم ثم نذكر لا يجزئه بالاجماع لان
[ 50 ]
النسيان في مثل هذه الحالة نادر ولو كان الماء معلقا على الاكاف فلا يخلوا ما ان كان راكبا أو سائقا فان كان راكبا فان كان الماء في مؤخر الرحل فهو على الاختلاف وان كان في مقدم الرحل لا يجوز بالاجماع لان نسيانة نادر وان كان سائقا فالجواب على العكس وهو انه ان كان في مؤخر الرحل لا يجوز بالاجماع لانه يراه ويبصره فكان النسيان نادرا وان كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف المحبوس في المصر في مكان طاهر يتيمم ويصلى ثم يعيد إذا خرج وروى الحسن عن أبى حنيفة انه لا يصلى وهو قول زفر وروى عن أبى يوسف انه لا يعيد الصلاة وجه رواية أبى يوسف انه عجز عن استعمال الماء حقيقة بسبب الحبس فاشبه العجز بسبب المرض ونحوه فصار الماء عدما معنى في حقه فصار مخاطبا بالصلاة بالتيمم فالقدرة بعد ذلك لا تبطل الصلاة المؤداة كما في سائر المواضع وكما في المحبوس في السفر وجه رواية الحسن انه ليس بعادم للماء حقيقة وحكما اما الحقيقة فظاهرة واما الحكم فلان الحبس ان كان بحق فهو قادر على ازالتة بايصال الحق إلى المستحق وان كان بغير حق فالظلم لا يدوم في دار الاسلام بل يرفع فلا يتحقق العجز فلا يكون التراب طهورا في حقه وجه ظاهر الرواية ان العجز للحال قد تحقق الا انه يحتمل الارتفاع فانه قادر على رفعه إذا كان بحق وان كان بغير حق فكذلك لان الظلم يدفع وله ولاية الدفع بالرفع إلى من له الولاية فامر بالصلاة احتياطا لتوجه الامر بالصلاة بالتيمم لان احتمال الجواز ثابت لاحتمال ان هذا القدر من العجز يكفى لتوجيه الامر بالصلاة بالتيمم وأمر بالقضاء في الثاني لان احتمال عدم الجواز ثابت لاحتمال ان المعتبر حقيقة القدرة دون العجز الحالى فيؤمر بالقضاء عملا بالشبهين وأخذ بالثقة والاحتياط وصار كالمقيد انه يصلى قاعدا ثم يعيد إذا أطلق كذا هذا بخلاف المحبوس في السفر لان ثمة تحقق العجز من كل وجه لانه انضاف إلى المنع الحقيقي السفر والغالب في السفر عدم الماء (واما)
المحبوس في مكان نجس لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا فانه لا يصلى عند أبى حنيفة وقال أبو يوسف يصلى بالايماء ثم يعيد إذا خرج وهو قول الشافعي وقول محمد مضطرب وذكر في عامة الروايات مع أبى حنيفة وفي نوادر أبى سليمان مع أبى يوسف وجه قول أبى يوسف انه ان عجز عن حقيقة الاداء فلم يعجز عن التشبه فيؤمر بالتشبه كما في باب الصوم وقال بعض مشايخنا انما يصلى بالايماء على مذهبه إذا كان المكان رطبا اما إذا كان يابسا فانه يصلى بركوع وسجود والصحيح عنده انه يومى كيفما كان لانه لو سجد لصار مستعملا للنجاسة ولابي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة فان الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر لا المحدث والتشبه انما يصح من الاهل الا ترى ان الحائض لا يلزمها التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الاهلية بخلاف المسألة المتقدمة لان هناك حصلت الطهارة من وجه فكان أهلا من وجه فيؤدى الصلاة ثم يقضها احتياطا مسافر مر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب ولا يجد غيره جاز له التيمم لدخول المسجد لان الجنابة مانعة من دخول المسجد عندنا على كل حال سواء كان الدخول على قصد المكث أولا الاجتياز على ما ذكرنا فيما تقدم فكان عاجزا عن استعمال هذا الماء فكان هذا الماء ملحقا بالعدم في حق جواز التيمم فلا يمنع جواز التيمم ثم وجود الماء انما يمنع من جواز التيمم إذا كان القدر الموجود يكفى للوضوء ان كان محدثا وللاغتسال ان كان جنبا فان كان لا يكفى لذلك فوجوده لا يمنع جواز التيمم عندنا وقال الشافعي يمنع قليله وكثيره حتى ان المحدث إذا وجد من الماء قدر ما يغسل بعض اعضاء وضوئه جاز له ان يتيمم عندنا مع قيام ذلك الماء وعنده لا يجوز مع قيامه وكذلك الجنب إذا وجد من الماء قدر ما يتوضأ به لا غير اجزأه التيمم عندنا وعنده لا يجزئه الا بعد تقديم الوضوء حتى يصير عاد ما للماء واحتج بقوله تعالى في آية التيمم فلم تجدوا ماء ذكر الماء نكرة في محل النفى فيقتضى الجواز عند عدم كل جزء من اجزاء الماء ولان النجاسة الحكمية وهى الحدث تعتبر بالنجاسة الحقيقة ثم لو كان معه من الماء ما يزيل به بعض النجاسة الحقيقة يؤمر بالازالة كذا هنا (ولنا) ان المأمور به الغسل المبيح للصلاة والغسل الذى لا يبح الصلاة وجوده والعدم بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجسا ولان الغسل إذا لم يفد الجواز كان الاشتغال به سفها مع ان فيه تضببع
[ 51 ]
الماء وانه حرام فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين فكفر بالصوم انه يجوز ولا يؤمر باطعام الخمسة لعدم الفائدة فكذا هذا بل أولى لان هناك لا يؤدى إلى تضييع المال لحصول الثواب بالتصدق ومع ذلك لم يؤمر به لما
قلنا فههنا أولى وبه تبين ان المراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد وهو الماء المفيد لاباحة الصلاة عند الغسل به كما يقيد بالماء الطاهر ولان مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذى يكفى للوضوء والغسل فينصرف المطلق إليه واعتباره بالنجاسة الحقيقية غير سديد لانهما مختلفان في الاحكام فان قليل الحدث ككثيره في المنع من الجواز بخلاف النجاسة الحقيقية فيبطل الاعتبار واو تيمم الجنب ثم أحدث بعد ذلك ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به فانه يتوضأ به ولا يتيمم لان التيمم الاول أخرجه من الجنابة إلى ان يجد من الماء ما يكفيه للاغتسال فهذا محدث وليس بجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه للوضوء فيتوضأ به فان توضأ وليس خفيه ثم مر على الماء فلم يغتسل ثم حضرته الصلاة ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به فانه لا يتوضأ به ولكنه يتيمم لانه بمروره على الماء عاد جنبا كما كان فعادت المسألة الاولى ولا ينزع الخفين لان القدم ليست بمحل للتيمم فان تيمم ثم أحدث وقد حضرته صلاة أخرى وعنده من الماء قدر ما يتوضأ به توضأ به ولا يتيمم لما مر ونزع خفيه وغسل رجليه لانه بمروره بالماء عاد جنبا فسرى الحدث السابق إلى القدمين فلا يجوز له أن يمسح بعد ذلك ولو كان ببعض اعضاء الجنب جراحة أو جدري فان كان الغالب هو الصحيح غسل الصحيح وربط على السقيم الجبائر ومسح عليها وان كان الغالب هو السقيم تيمم لان العبرة للغالب ولا يغسل الصحيح عندنا خلافا للشافعي لما مر ولان الجمع بين الغسل والتيمم ممتنع الا في حال وقوع الشك في طهورية الماء ولم يوجد وعلى هذا لو كان محدثا وببعض اعضاء وضوئه جراحة أو جدري لما قلنا وان استوى الصحيح والسقيم لم يذكر في ظاهر الرواية وذكر في النوادر انه يغسل الصحيح ويربط الجبائر على السقيم ويمسح عليها وليس في هذا جمع بين الغسل والمسح لان المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها وهذا الشرط الذى ذكرنا لجواز التيمم وهو عدم الماء فيما وراء صلاة الجنازة وصلاة العيدين فاما في هاتين الصلاتين فليس بشرط بل الشرط فيهما خوف الفوت لو اشتغل بالوضوء حتى لو حضرته الجنازة وخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالوضوء تيمم وصلى وهذا عند أصحابنا وقال الشافعي لا يتيمم استدلالا بصلاة الجمعة وسائر الصلوات وسجدة التلاوة (ولنا) ما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما انه قال إذا فجأتك جنازة تخشى فوتها وأنت على غير وضوء فتيمم لها وعن ابن عباس رضى الله عنهما مثله ولان شرع التيمم في الاصل لخوف فوات الاداء وقد وجد ههنا بل أولى لان هناك تفوت فضيلة الاداء فقط فاما الاستدراك بالقضاء فممكن وههنا تفوت صلاة الجنازة أصلا فكان أولى بالجواز حتى لو كان ولى
الميت لا يباح له التيمم كذا روى الحسن عن أبى حنيفة لان له ولاية لا عادة فلا يخاف الفوت وحاصل الكلام فيه راجع إلى ان صلاة الجنازة لا تقضى عندنا وعنده تقضى على ما نذكر في موضعه ان شاء الله تعالى بخلاف الجمعة لان فرض الوقت قائم وهو الظهر وبخلاف سائر الصلوات لانها تفوت إلى خلف وهو القضاء والفائت إلى خلف قائم معنى وسجدة التلاوة لا يخاف فوتها رأسا لانه ليس لا دائها وقت معين لانها وجبت مطلقة عن الوقت وكذا إذا خاف فوت صلاة العيدين يتيمم عندنا لانه لا يمكن استدراكها بالقضاء لاختصاصها بشرائط يتعذر تحصيلها لكل فرد هذا إذا خاف فوت الكل فان كان يرجوا ان يدرك البعض لا يتيمم لانه لا يخاف الفوت لانه إذا أدرك البعض يمكنه اداء الباقي وحده ولو شرع في صلاة العيد متيمما ثم سبقه الحدث جاز له ان يبنى عليها بالتيمم باجماع من أصحابنا لانه لو ذهب وتوضأ لبطلت صلاته من الاصل لبطلان التيمم فلا يمكنه البناء واما إذا شرع فيها متوضأ ثم سبقه الحدث فان كان يخاف انه لو اشتغل بالوضوء زالت الشمس تيمم وبنى وان كان لا يخاف زوال الشمس فان كان يرجوا انه لو توضأ يدرك شيأ من الصلاة مع الامام توضأ ولا يتيمم لانها لا تفوت لانه إذا أدرك البعض يتم الباقي وحده وان كان لا يرجو ادراك الامام يباح له التيمم عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد لا
[ 52 ]
يباح وجه قولهما انه لو ذهب وتوضأ لا تفوته الصلاة لانه يمكنه اتمام البقية وحده لانه لا حق ولا عبرة بالتيمم عند عدم خوف الفوت أصلا (ولابي) حنيفة انه ان كان لا يخاف الفوت من هذا الوجه يخاف الفوت بسبب الفساد لازدحام الناس فقلما يسلم عن عارض يفسد عليه صلاته فكان في الانصراف للوضوء تعريض صلاته للفساد وهذا لا يجوز فيتيمم والله أعلم (ومنها) النية والكلام في النية في موضعين أحدهما في بيان انها شرط جواز التيمم والثانى في بيان كيفيتها اما الاول فالنية شرط جواز التيمم في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر ليست بشرط وجه قوله ان التيمم خلف والخلف لا يخالف الاصل في الشروط ثم الوضوء يصح بدون النية كذا التيمم (ولنا) ان التيمم ليس بطهارة حقيقية وانما جعل طهارة عند الحاجة والحاجة انما تعرف بالنية بخلاف الوضوء لانه طهارة حقيقية فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة فلا يشترط له النية ولان مأخذ الاسم دليل كونها شرطا لما ذكرنا أنه ينبى عن القصد والنية هي القصد فلا يتحقق بدونها فاما الوضوء فانه مأخوذ من الوضاءة وانها تحصل بدون النية وأما كيفية النية في التيمم فقد ذكر القد ورى أن الصحيح من المذهب أنه إذا نوى الطهارة أو نوى
استباحة الصلاة اجزأه وذكر الجصاص أنه لا يجب في التيمم نية التطهير وانما يجب نية التمييز وهو أن ينوى الحدث أو الجنابة لان التيمم لهما يقع على صفة واحدة فلا بد من التميز بالنية كما في صلاة الفرض أنه لا بد فيها من نية الفرض لان الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة والصحيح أن ذلك ليس بشرط فان ابن سماعة روى عن محمد أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة وهذا لما بينا أن افتقار التيمم إلى النية ليصبر طهارة إذ هو ليس بتطهير حقيقة وانما جعل تطهيرا شرعا للحاجة والحاجة تعرف بالنية ونية الطهارة تكفى دلالة على الحاجة وكذا نية الصلاة لانه لا جواز للصلاة بدون الطهارة فكانت دليلا على الحاجة فلا حاجة النى نية التمييز أنه للحدث أو للجنابة واو تيمم ونوى مطلق الطهارة أو نوى استباحة الصلاة فله أن يفعل كل مالا يجوز بدون الطهارة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ومس المصحف ونحوها لانه لما أيبح له اداء الصلاة فلان يباح له ما دونها أو ما هو جزء من أجزائها أولى وكذا لو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أو لقراءة القرآن بأن كان جنبا جاز له أن يصلى به سائر الصلوات لان كل واحد من ذلك عبادة مقصودة بنفسها وهو من جنس اجزاء الصلاة فكان نيتها عند التيمم كنية الصلاة فاما إذا تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف لا يجوز له أن يصلى به لان دخول المسجد ومس المصحف ليس بعبادة مقصودة بنفسه ولا هو من جنس أجزاء الصلاة فيقع طهور الماء أوقعه له لا غير (ومنها) الاسلام فانه شرط وقوعه صحيحا عند عامة العلماء حتى لا يصح تيمم الكافر وان أراد به الاسلام وروى عن أبى يوسف إذا تيمم ينوى الاسلام جاز حتى لو أسلم لا يجوز له أن يصلى بذلك التيمم عند العامة وعلى رواية أبى يوسف يجوز وجه روايته أن الكافر من أهل نية الاسلام والاسلام رأس العبادة فيصح تيممه له بخلاف ما إذا تيمم للصلاة لانه ليس من أهل الصلاة فكان تيممه الصلاة سفها فلا يعتبر (ولنا) ان التيمم ليس بطهور حقيقة وانما جعل طهورا للحاجة إلى فعل لا صحة له بدون الطهارة والاسلام يصح بدون الطهارة فلا حاجة إلى أن يجعل إلى أن يجعل طهورا في حقه بخلاف الوضوء لانه يصح من الكافر عندنا لانه طهور حقيقة فلا تشترط له الحاجة ليصير طهورا ولهذا لو تيمم مسلم بنية الصوم لم يصح وان كان الصوم عبادة فكذا ههنا بل أولى لان هناك باشتغاله بالتيمم لم يرتكب نهيا وههنا ارتكب أعظم نهى لانه بقدر ما اشتغل صار باقيا على الكفر مؤخر الللاسلام وتأخير الاسلام من أعظم العصيان ثم لما لم يصح ذاك فلان لم يصح هذا أولى مسلم تيمم ثم ارتد عن الاسلام والعياذ بالله لم يبطل تيممه حتى لو رجع إلى الاسلام له أن يصلى بذلك التيمم وعند زفر بطل تيممه
حتى لا يجوز له أن يصلى بذلك التيمم بعد الاسلام فالاسلام عندنا شرط وقوع التيمم صحيحا لا شرط بقائه على الصحة وعند زفر هو شرط بقائه على الصحة أيضا فزفر يجمع بين حالة الابتداء والبقاء بعلة جامعة بينهما وهى ما ذكرنا أنه جعل طهورا مع أنه ليس بطهور حقيقة لمكان الحاجة إلى ما لا صحة له بدون الطهارة من الصلاة
[ 53 ]
وغيرها وذا لا يتصور من الكافر فلا يبقى طهارة في حقه ولهذا لم اننعقد طهارة مع الكفر فلا تبقى طهارة معه (ولنا) أن التيمم وقع طهارة صحيحة فلا يبطل بالردة لان أثر الردة في ابطال العبادات والتيمم بعبادة عندنا لكنه طهور والردة لا تبطل صفة الطهورية كما لا تبطل صفة الوضوء واحتمال الحاجة باق لانه مجبور على الاسلام والثابت بيقين يبقى لوهم الفائدة في أصول الشرع الا أنه لم ينعقد طهارة مع الكفر لان جعله طهارة للحاجة والحاجة زائلة للحال بيقين وغير الثابت بيقين لا يثبت لوهم الفائدة مع ما أن رجاء الاسلام منه على موجب ديانته واعتقاده منقطع والجبر على الاسلام منعدم وهو الفرق بين الابتداء والبقاء (ومنها) ان يكون التراب طاهرا فلا يجوز التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا ولا طيب مع النجاسة ولو تيمم بارض قد أصابتها نجاسة فجفت وذهب أثرها لم يجز في ظاهر الرواية وروى ابن الكاس النخعي عن أصحابنا انه يجوز وجه هذه الرواية ان النجاسة قد استحالت أرضا بذهاب أثرها ولهذا جازت الصلاة عليها فيجوز التيمم بها أيضا (ولنا) ان احراق الشمس ونسف الرياح ونسف الارض أثرها في تقليل النجاسة دون استثصالها والنجاسة وان قلت تنافى وصف الطهارة فلم يكن اتيانا بالمأمور به فلم يجز فأما النجاسة القليلة فلا تمنع جواز الصلاة عند أصحابنا ولا يمتنع أن يعتبر القليل من النجاسة في بعض الاشياء دون البعض ألا ترى ان النجاسة القليلة لو وقعت في الاناء تمنع جواز الوضوء به ولو أصابت الثوب لا تمنع جواز الصلاة ولو تيمم جنب أو محدث من مكان ثم تيمم غيره من ذلك المكان أجزأه لان التراب المستعمل مالتزق بيد المتيمم الاول لا ما بقى على الارض فنزل ذلك منزلة ماء فضل في الاناء بعد وضوء الاول أو اغتساله به وذلك طهور في حق الثاني كذا هذا * (فصل) * واما بيان ما يتيمم به فقد اختلف فيه قال ابو حنيفة ومحمد يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الارض وعن أبى يوسف روايتان في رواية بالتراب والرمل وفي رواية لا يجوز الا بالتراب خاصة وهو قوله الآخر ذكره القدورى وبه أخذ الشافعي والكلام فيه يرجع إلى ان الصعيد المذكور في الآية ما هو فقال أبو حنيفة ومحمد هو وجه الارض وقال
ابو يوسف هو التراب المنبت واحتج بقول ابن عباس رضى الله عنهما انه فسر الصعيد بالتراب الخالص وهو مقلد في هذا الباب ولانه ذكر الصعيد الطيب والصعيد الطيب هو الذى يصلح للنبات وذلك هو التراب دون السبخة ونحوها (ولهما) ان الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو قال الاصمعي فعيل بمعنى فاعل وهو الصاعد وكذا قال ابن الاعرابي انه اسم لما تصاعد حتى قيل للقبر صعيد لعلوه وارتفاعه وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب بل يعم جميع أنواع الارض فكان التخصيص ببعض الانواع تقييد المطلق الكتاب وذلك لا يجوز بخبر الواحد فكيف بقول الصحابي والدليل على ان الصعيد لا يختص ببعض الانواع ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال عليكم بالارض من غير فصل وقال جعلت لى الارض مسجدا وطهورا واسم الارض يتناول جميع أنواعها ثم قال أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت وربما تدركه الصلاة في الرمل وما لا يصلح للانبات فلا بد وأن يكون بسبيل من التيمم به والصلاة معه بظاهر الحديث (وأما) قوله سماء طيبا فنعم لكن الطيب يستعمل بمعنى الطاهر وهو الاليق ههنا لانه شرع مطهرا والتطهير لا يقع الا بالطاهر مع ان معنى الطهارة صار مرادا بالاجماع حتى لا يجوز التيمم بالصعيد النجس فخرج غيره من أن يكون مرادا إذ المشترك لا عموم له ثم لابد من معرفة جنس الارض فكل ما يحترق بالنار فيصير رمادا كالحطب والحشيش ونحوهما أو ما ينطبع ويلين كالحديد والصفر والنحاس والزجاج وعين الذهب والفضة ونحوها فليس من جنس الارض وما كان بخلاف ذلك فهو من جنسها ثم اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما فقال أبو حنيفة يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الارض التزق بيده شئ أولا وقال محمد لا يجوز الا إذا التزق بيده شئ من أجزائه فالاصل عنده انه لابد من استعمال جزء من الصعيد ولا يكون ذلك الا بان يلتزق بيده شئ (وعند) أبى حنيفة هذا ليس بشرط مس وجه الارض باليدين وأمرارهما على العضوين وإذا عرف هذا فعلى قول أبى حنيفة يجوز التيمم بالجص والنورة
[ 54 ]
والزرنيخ والطين الاحمر والاسود والابيض والكحل والحجر الاملس والحائط المطين والمجصص والملح الجبلى دون المائى والمرداسنج المعدني والآجر والخزف المتخذ من طين خالص والياقوت والفيروزج والزمرد والارض الندية والطين الرطب (وعند) محمد ان التزق بيده شئ منها بان كان عليها غبار أو كان مدقوقا يجوز والا فلا وجه قول محمد ان المأمور به استعمال الصعيد وذلك بأن يلتزق بيده شئ منه فأما
ضرب اليد على ماله صلابة وملاسة من غير استعمال جزء منه فضرب من السفه (ولابي) حنيفة ان المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقا من غير شرط الالتزاق ولا يجوز تقييد المطلق الا بدليل وقوله الاستعمال شرط ممنوع لان ذلك يؤدى إلى التغيير الذى هو شبيه المثلة وعلامة أهل النار ولهذا أمر بنفض اليدين بل الشرط امساس اليد المضروبة على وجه الارض على الوجه واليدين تعبدا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها ولا يجوز التيمم بالرماد بالاجماع لانه من أجزاء الخشب وكذا باللآلئ سواء كانت مدقوقة أولا لانها ليست من أجزاء الارض بل هي متولدة من الحيوان ويجوز التيمم بالغبار بان ضرب يده على ثوب أو لبد أو صفة سرج فارتفع غبارا وكان على الذهب أو الفضة أو على الحنطة أو الشعير أو نحوها غبار فتيمم به أجزأه في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف لا يجزيه وبعض المشايخ قالوا إذا لم يقدر على الصعيد يجوز عنده والصحيح انه لا يجوز في الحالين وروى عنه انه قال وليس عندي من الصعيد وهذا وجه قوله ان المأمور به التيمم بالصعيد وهو اسم للتراب الخالص والغبار ليس بتراب خالص بل هو تراب من وجه دون وجه فلا يجوز التيمم (ولهما) أنه جزء من أجزاء الارض الا انه لطيف فيجوز التيمم به كما يجوز بالكثيف بل أولى وقد روى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه كان بالجابية فمطروا فلم يجدوا ماء يتوضؤن به ولا صعيدا يتيممون به فقال ابن عمر لينفض كل واحد منكم ثوبه أو صفة سرجه وليتيم وليصل ولم ينكر عليه أحد فيكون اجماعا ولو كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا وليس في ثوبه وسرجه غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين فإذا جف تيمم به ولا ينبغى أن يتيمم بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت لان فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة فيصير بمعنى المثلة وان كان لو تيمم به أجزأه عند أبى حنيفة ومحمد لان الطين من أجزاء الارض وما فيه من الماء مستهلك وهو يلتزق باليد فان خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى عندهما وعلى قياس قول أبى يوسف صلى بغير تيمم بالايماء ثم يعيد إذا قدر على الماء أو التراب كالمحبوس في المخرج إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا على ما ذكرنا * (فصل) * واما بيان ما يتيمم منه فهو الحدث والجنابة والحيض والنفاس وقد ذكرنا دلائل جواز التيمم من الحدث في صدر فصل التيمم وذكرنا اختلاف الصحابة رضى الله عنهم في جواز التيمم من الجنابة وترجيح قول المجوزين لمعاضدة الاحاديث اياه والحيض والنفاس ملحقان بالجنابة لانهما في معناها مع انه ثبت جواز التيمم منهما لعموم بعض الاحاديث التى رويناها والله أعلم
* (فصل) * وأما بيان وقت التيمم فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان أصل الوقت والثانى في بيان الوقت المستحب (أما) الاول فالاوقات كلها وقت للتيمم حتى يجوز التيمم بعد دخول وقت الصلاة وقبل دخوله وهذا عند أصحابنا وقال الشافعي لا يجوز الا بعد دخول وقت الصلاة والكلام فيه راجع إلى أصل وهو أن التيمم بدل مطلق أم بدل ضروري فعندنا بدل مطلق وعنده بدل ضروري وسنذكر تفسير البدل المطلق والضروري ودليله في بيان صفة التيمم ان شاء الله تعالى (وأما) الثاني وهو بيان الوقت المستحب للتيمم فقد قال أصحابنا ان المسافر ان كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت يؤخر التيمم إلى آخر الوقت وان لم يكن على طمع من وجود الماء في آخر الوقت لا يؤخر وهكذا روى المعلى عن أبى حنيفة وأبى يوسف انه ان كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت أخر إلى آخر الوقت مقدار ما لو لم يجد الماء يمكنه ان يتيمم ويصلى في الوقت وان لم يكن على طمع لا يؤخر ويتيمم ويصلى في الوقت المستحب وذكر في الاصل أحب إلى أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت ولم يفصل بين ما إذا
[ 55 ]
كان يرجو وجود الماء في آخره أولا يرجو وهذا لا يوجب اختلاف الرواية بل يجعل رواية المعلى تفسيرا لما أطلقه في الاصل وهو قول جماعة من التابعين مثل الزهري والحسن وابن سيرين رضى الله عنهم فانهم قالوا يؤخر التيمم إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء وقال جماعة لا يؤخر ما لم يستيقن بوجود الماء في آخر الوقت وبه أخذ الشافعي وقال مالك المستحب له أن يتيمم في وسط الوقت والصحيح قولنا لما روى عن على رضى الله عنه انه قال في مسافر أجنب يتلوم إلى آخر الوقت ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فيكون اجماعا والمعنى فيه ان أداء الصلاة بطهارة الماء أفضل لانها أصل والتيمم بدل ولانها طهارة حقيقة وحكما والتيمم طهارة حكما لا حقيقة فإذا كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت كان في التأخير اداء الصلاة باكمل الطهارتين فكان التأخير مستحبا فاما إذا لم يرج لا يستحب إذ لا فائدة في التأخير ولو تيمم في أول الوقت وصلى فان كان عالما أن الماء قريب بان كان بينه وبين الماء أقل من ميل لم تجز صلاته بلا خلاف لانه واجد للماء وان كان ميلا فصاعدا جازت صلاته وان كان يمكنه ان يذهب ويتوضأ ويصلى في الوقت وعند زفر لا يجوز لما يذكر وان لم يكن عالما بقرب الماء أو بعده تجوز صلاته سواء كان يرجوا وجود الماء في آخر الوقت أولا سواء كان بعد الطلب أو قبله عندنا خلافا للشافعي لما مر أن العدم ثابت ظاهرا واحتمال الوجود لا دليل عليه فلا يعارض الظاهر ولو أخبر في آخر الوقت أن
الماء بقرب منه بان كان بينه وبين الماء أقل من ميل لكنه يخاف لو ذهب إليه وتوضأ تفوته الصلاة عن وقتها لا يجوز له التيمم بل يجب عليه ان يذهب ويتوضأ ويصلى خارج الوقت عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجزئه التيمم والاصل أن المعتبر عند أصحابنا الثلاثة القرب والبعد لا الوقت وعند زفر المعتبر هو الوقت لا قرب الماء وبعده وجه قوله أن التيمم شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت فكان المنظور إليه هو الوقت فيتيمم كيلا تفوته الصلاة عن الوقت كما في صلاة الجنازة والعيدين (ولنا) أن هذه الصلاة لا تفوته أصلا بل إلى خلف وهو القضاء والفائت إلى خلف قائم معنى بخلاف صلاة الجنازة والعيدين لانها تفوت أصلا لما يذكر في موضعه فجاز التيمم فيها لخوف الفوات والله أعلم * (فصل) * وأما صفة التيمم فهى انه بدل بلا شك لان جوازه معلق بحال عدم الماء لكنهم اختلفوا في كيفية البدلية من وجهين أحدهما الخلاف فيه مع غير أصحابنا والثانى مع أصحابنا (أما) الاول فقد قال أصحابنا ان التيمم بدل مطلق وليس ببدل ضروري وعنوا به أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة الا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث وقال الشافعي التيمم بدل ضروري وعنى به أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة وجه قوله لتصحيح هذا الاصل أن التيمم لا يزيل هذا الحدث بدليل أنه لو رأى الماء تعود الجنابة والحدث مع أن رؤية الماء ليست بحدث فعلم أن الحدث لم يرتفع لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة كما في المستحاضة (ولنا) ما ورى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث فقد سمى التيمم وضوأ والوضوء مزيل للحدث وقال صلى الله عليه وسلم جعلت لى الارض مسجدا وطهورا والطهور اسم للمطهر فدل على أن الحدث يزول بالتيمم الا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء فإذا وجد الماء يعود الحدث السابق لكن في المستقبل لا في الماضي فلم يظهر في حق الصلاة المؤداة وعلى هذا الاصل يبنى التيمم قبل دخول الوقت أنه جائز عندنا وعند الشافعي لا يجوز لانه بدل مطلق عند عدم الماء فيجوز قبل دخول الوقت وبعده وعنده بدل ضروري فتتقدر بدليته بقدر الضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت وعلى هذا يبنى أيضا انه إذا تيمم في الوقت له ان يؤدى ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث عندنا وعنده لا يجوز له ان يؤدى به فرضا آخر غير ما تيمم لاجله وله أن يصلى به النوافل لكونها تابعة للفرائض وثبوت الحكم في التبع لا يقف على وجود علة على حدة أو شرط على حدة فيه
بل وجود ذلك في الاصل يكفى لثبوته في التبع كما هو مذهبه في طهارة المستحاضة وعلى هذا يبنى أنه إذا تيمم للنفل
[ 56 ]
يجوز له ان يؤدى به النفل والغرض عندنا وعنده لا يجوز له آداء الفرض لان التبع لا يستتبع الاصل وعلى هذا قال الزهري انه لا يجوز التيمم لصلاة النافلة رأسا لانه طهارة ضرورية والضرورة في الفرائض لا في النوافل وعندنا يجوز لانه طهارة مطلقة حال عدم الماء ولانه ان كان لا يحتاج إلى اسقاط الفرض عن نفسه به يحتاج إلى احراز الثوب لنفسه والحاجة إلى احراز الثواب حاجة معتبرة فيجوز ان يعتبر الطهارة لاجله ولهذا اعتبرت طهارة المستحاضة في حق النوافل بلا خلاف كذا ههنا (وأما) الخلاف الذى مع أصحابنا في كيفية البدلية فهو انهم اختلفوا في أن التراب بدل عن الماء عند عدمه والبدلية بين التراب وبين الماء أو التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه والبدلية بين التيمم وبين الوضوء فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ان التراب بدل عن الماء عند عدمه والبدلية بين التراب والماء وقال محمد التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه والبدلية بين التيمم وبين الوضوء واحتج محمد لتصحيح أصله بالحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم التيمم وضوء المسلم الحديث سمى التيمم وضوأ دون التراب وهما احتجا بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا أقام الصعيد مقام الماء عند عدمه وأما السنة فما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التراب طهور المسلم وقال جعلت لى الارض مسجدا وطهورا ويتفرع عن هذا الاختلاف أن المتيمم إذا أم المتوضئين جازت امامته اياهم وصلاتهم جائزة إذا لم يكن مع المتوضئين ماء في قول أبى حنيفة وأبى يوسف وان كان معهم ماء لا تجوز صلاتهم وعند محمد لا يجوز اقتداؤهم به سواء كان معهم ماء أو لم يكن وعند زفر يجوز كان معهم ماء أو لم يكن وجه البناء على هذا الاصل ان عند محمد لما كانت البدلية بين التيمم وبين الوضوء فالمقتدى إذا كان على وضوء لم يكن تيمم الامام طهارة في حقه لوجود الاصل في حقه فكان مقتديا بمن لا طهارة له في حقه فلا يجوز اقتداؤه به كالصحيح إذا اقتدى بصاحب الجرح السائل انه لا يجوز له لان طهارة الامام ليست بطهارة في حق المقتدى فلم تعتبر طهارتة في حقه فكان مقتديا بمن لا طهارة له في حقه فلم يجز اقتداؤه به كذا هذا ولما كانت البدلية بين التراب وبين الماء عندهما فإذا لم يكن مع المقتدين ماء كان التراب طهارة مطلقة في حال عدم الماء فيجوز اقتداؤهم به فصار كاقتداء الغاسل بالماسح بخلاف صاحب الجرح السائل لان طهارته ضرورية لان
الحدث يقارنها أو يطرأ عليها فلا تعتبر في حق الصحيح وإذا كان معهم ماء فقد فات الشرط في حق المقتدين فلا يبقى التراب طهورا في حقهم فلم تبق طهارة الامام طهارة في حقهم فلا يصح اقتداؤهم به وعلى هذا الاصل المتيمم إذا أم المتوضئين ولم يكن معهم ماء ثم رأى واحد منهم الماء ولم يعلم به الامام والآخرون حتى فرغوا فصلاته فاسدة وقال زفر لا تفسد وهو رواية عن أبى يوسف لانه متوضئ في نفسه فرؤية الماء لا تكون مفسدة في حقه وانما تفسد صلاته بفساد صلاة الامام وهى صحيحة (ولنا) ان طهارة الامام جعلت عدما في حقه لقدرته على الماء الذى هو أصل إذ لا يبقى الخلف مع وجود الاصل فصار معتقدا فساد صلاة الامام والمقتدى إذا اعتقد فساد صلاة الامام تفسد صلاته كما لو اشتبهت عليهم القبلة فتحرى الامام إلى جهة والمقتدى إلى جهة أخرى وهو يعلم ان امامه يصلى إلى جهة أخرى لا يصح اقتداؤه به كذا هذا ثم نتكلم في المسألة ابتداء فحجة محمد ما روى عن على رضى الله عنه انه قال لا يؤم المتيمم المتوضئين ولا المقيد المطلقين وهذا نص في الباب وحجتهما ما روينا من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه حين أمره رسول الله صلى عليه وسلم على سرية وما روى عن على فهو مذهبه وقد خالفه ابن عباس رضى الله عنه والمسألة إذا كانت مختلفة بين الصحابة رضى الله عنهم لا يكون قول البعض حجة على البعض على ان فيه أنه لا يؤم وليس فيه انه لو أم لا يجوز وهذا كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ثم لو أم جاز كذا هذا * (فصل) * واما بيان ما ينقض التيمم فالذي ينقضه نوعان عام وخاص اما العام فكل ما ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمى ينقض التيمم وقد مر بيان ذلك كله في موضعه واما الخاص وهو ما ينقض التيمم على الخصوص
[ 57 ]
فوجود الماء وجملة الكلام فيه ان المتيمم إذا وجد الماء لا يخلو اما ان وجده قبل الشروع في الصلاة واما ان وجده في الصلاة واما ان وجده بعد الفراغ منها فان وجده قبل الشروع في الصلاة انتقض تيممه عند عامة العلماء وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن انه لا ينتقض التيمم بوجود الماء أصلا وجه قوله أن الطهارة بعد صحتها لا تنقض الا بالحدث ووجود الماء ليس بحدث (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث جعل التيمم وضوء المسلم إلى غاية وجود الماء والممدود إلى غاية ينتهى عند وجود الغاية ولان التيمم خلف عن الوضوء ولا يجوز المصير إلى الخلف مع وجود الاصل كما في سائر الاختلاف
مع أصولها وقوله وجود الماء ليس بحدث مسلم وعندنا أن المتيمم لا يصير محدثا بوجود الماء بل الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء الا انه لم يظهر حكم ذلك الحدث في حق الصلاة المؤداة ثم وجود الماء نوعان وجوده من حيث الصورة والمعنى وهو أن يكون مقدور الاستعمال له وأنه ينقض التيمم ووجوده من حيث الصورة دون المعنى وهو ان لا يقدر على استعماله وهذا لا ينقض التيمم حتى لو مر المتيمم على الماء الكثير وهو لا يعلم به أو كان غافلا أو نائما لا يبطل تيممه كذا روى عن أبى يوسف وكذا لو مر على ماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف عدو أو سبع لا ينتقض تيممه كذا ذكر محمد بن مقاتل الرازي وقال هذا قياس قول أصحابنا لانه غير واجد للماء فكان ملحقا بالعدم وكذا إذا أتى بئرا وليس معه دلوا ورشا أو وجد ماء وهو يخاف على نفسه العطش لا ينتقض تيممه لما قلنا وكذا لو وجد ماء موضوعا في الفلاة في جب أو نحوه على قياس ما حكى عن أبى نصر محمد ابن محمد بن سلام لانه معد للسقيا دون الوضوء الا أن يكون كثيرا فيستدل بالكثرة على انه معد للشرب والوضوء جميعا فينتقض تيممه والاصل فيه ان كل ما منع وجوده التيمم نقض وجوده التيمم وما لا فلا ثم وجود الماء انما ينقض التيمم إذا كان القدر الموجود يكفى للوضوء أو الاغتسال فان كان لا يكفى لا ينقض عندنا وعند الشافعي قليله وكثيره ينقض والخلاف في البقاء كالخلاف في الابتداء وقد مر ذكره في بيان الشرائط وعلى هذا يخرج ما ذكره محمد في الزيادات لو ان خمسة من المتيممين وجدوا من الماء مقدار ما يتوضأ به أحدهم انتقض تيممهم جميعا لان كل واحد منهم قدر على استعماله على سبيل البدل فكان كل واحد منهم واجدا للماء صورة ومعنى فيتنقض تيممهم جميعا ولان كل واحد منهم قدر على استعماله بيقين وليس البعض أولى من البعض فينتقض تيممهم احتياطا ولو كان لرجل ماء فقال ابحت لكم هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء وهو قدر ما يكفى لوضوء أحدهم انتقض تيممهم جميعا لما قلنا ولو قال هذا الماء لكم لا ينتقض تيممهم باجماع بين أصحابنا اما على أصل أبى حنيفة فلان هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح فلم يثبت الملك رأسا واما على أصلهما فالهبة وان صحت وأفادت الملك لكن لا يصيب كل واحد منهم ما يكفى لوضوئه فكان ملحقا بالعدم حتى انهم لو أذنوا لواحد منهم بالوضوء انتقض تيممه عندهما لانه قدر على ما يكفى للوضوء وعنده الهبة فاسدة فلا يصح الاذن وعلى هذا الاصل مسائل في الزيادات مسافر محدث على ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ومعه ما يكفى لاحدهما غسل به الثوب وتيمم للحدث عند عامة العلماء وروى الحسن عن أبى يوسف انه يتوضأ به وهو قول حماد ووجهه ان
الحدث أغلظ النجاستين بدليل ان الصلاة مع الثوب النجس جائزة في الجملة للضرورة ولا جواز لها مع الحدث بحال (ولنا) ان الصرف إلى النجاسة يجعله مصليا بطهارتين حقيقية وحكمية فكان أولى من الصلاة بطهارة واحدة ويجب ان يغسل ثوبه من النجاسة ثم يتيمم ولو بدأ بالتيمم لا يجزيه وتلزمه الاعادة لانه قدر على ماء ولو توضأ به تجوز به صلاته وان وجد الماء في الصلاة فان وجده قبل أن يقعد قدر التشهد الاخير انتقض تيممه وتوضأ به واستقبل الصلاة عندنا وللشافعي ثلاثة أقوال في قول مثل قولنا وفى قول يقرب الماء منه حتى يتوضأ ويبنى وفى قول يمضى على صلاته وهو اظهر أقواله ووجهه ان الشروع في الصلاة قد صح فلا يبطل برؤية الماء كما إذا رأى بعد الفراغ من الصلاة وهذا لان رؤية الماء ليس بحدث والموجود ليس الا الرؤية فلا تبطل
[ 58 ]
الصلاة وإذا لم تبطل الصلاة فحرمة الصلاة تعجزه عن استعمال الماء فلا يكون واجدا للماء معنى كما إذا كان على رأس البئر ولم يجد آلة الاستقاء (ولنا) ان طهارة التيمم انعقدت ممدودة إلى غاية وجود الماء بالحديث الذى روينا فتنتهي عند وجود الماء فلو أتمها لاتم بغير طهارة وهذا لا يجوز وبه تبين انه لم تبق حرمة الصلاة وقوله ان رؤية الماء ليست بحدث فلا تبطل الطهارة قلنا بلى وعندنا لا تبطل بل تنتهى لكونها مؤقته إلى غاية الرؤية ولان المتيمم لا يصير محدثا برؤية الماء عندنا بل بالحدث السابق على الشروع في الصلاة الا أنه لم يظهر أثره في حق الصلاة المؤداة للضرورة ولا ضرورة في الصلاة التى لم تؤد فظهر أثر الحدث السابق وصار كجروج الوقت في حق المستحاضة ولانه قدر على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل وذلك يبطل حكم البدل كالمعتدة بالاشهر إذا حاضت وان وجده بعد ما قعد قدر التشهد الاخير أو بعد ما سلم وعليه سجدتا السهو وعاد إلى السجود فسدت صلاته عند أبى حنيفة ويلزمه الاستقبال وعند أبى يوسف ومحمد يبطل تيممه وصلاته تامة وهذه من المسائل المعروفة بالاثنى عشرية والاصل فيها ان ما كان من افعال المصلى ما يفسد الصلاة لو وجد في اثنائها لا يفسدها ان وجد في هذه الحالة باجماع بين أصحابنا مثل الكلام والحدث العمد والقهقهة ونحو ذلك وعند الشافعي تفسد بناء على ان الخروج من الصلاة بالسلام ليس بفرض عندنا وعنده فرض على ما يذكر واما ما ليس من فعل المصلى بل هو معنى سماوي لكنه لو اعترض في اثناء الصلاة يفسد الصلاة فإذا وجد في هذه الحالة هل يفسدها قال أبو حنيفة يفسدها وقال أبو يوسف ومحمد لا يفسدها وذلك كالمتيمم يجد ماء والماسح على الخفين إذا انقضى وقت مسحه والعارى يجد ثوبا والامى
يتعلم القرآن وصاحب الجرح السائل ينقطع عنه السيلان وصاحب الترتيب إذا تذكر فائتة ودخول وقت العصر يوم الجمعة وهو في صلاة الجمعة وسقوط الخف عن الماسح عليه إذا كان واسعا بدون فعله وطلوع الشمس في هذه الحالة لمصلى الفجر والمومى إذا قدر على القيام والقارئ إذا استخلف أميا والمصلى بثوب فيه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يجد ماء ليغسله فوجد في هذه الحالة وقاضي الفجر إذا زالت الشمس والمصلى إذا سقط الجبائر عنه عن برء وقضية الترتيب ذكر كل واحدة من هذه المسائل في موضعها وانما جمعناها اتباعا للسلف وتيسيرا للحفظ على المتعلمين ومن مشايخنا من قال ان حاصل الاختلاف يرجع إلى أن خروج المصلى من الصلاة بفعله فرض عند أبى حنيفة وعندهما ليس بفرض ومنهم من تكلم في المسألة من وجه آخر وجه قولهما أن الصلاة قد انتهت بالقعود قدر التشهد لانتهاء اركانها قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن مسعود رضى الله عنه حين علمه التشهد إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك والصلاة بعد تمامها لا تحتمل الفساد ولهذا لا تفسد بالسلام والكلام والحدث العمد والقهقهة ودل الحديث على أن الخروج بفعله ليس بفرض لانه وصف الصلاة بالتمام ولا تمام يتحقق مع بقاء ركن من أركانها ولهذا قلنا ان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ليست بفرض وكذا اصابة لفظ السلام لان تمام الشئ وانتهاءه مع بقاء شئ منه محال الا أنه لو قهقهه في هذا الحالة تنتقض طهارته لان انتقاضها يعتمد قيام التحريمة وانها قائمة فاما فساد الصلاة فيستدعى بقاء التحريمة مع بقاء الركن ولم يبق عليه ركن من أركان الصلاة لما بينا ولان الخروج من الصلاة ضد الصلاة لانه تركها وضد الشئ كيف يكون ركنا له ولان عند أبى حنيفة يحصل الخروج بالحدث العمد والقهقهة والكلام وهذه الاشياء حرام ومعصية فكيف تكون فرضا والوجه لتصحيح مذهب أبى حنيفة في عدة من هذه المسائل من غير البناء على الاصل الذى ذكرنا أن فساد الصلاة ليس لوجود هذه العوارض بل بوجودها يظهر انها كانت فاسدة (وبيان) ذلك ان المتيمم إذا وجد الماء صار محدثا بالحدث السابق في حق الصلاة التى لم تؤد لانه وجد منه الحدث ولم يوجد منه ما يزيله حقيقة لان التراب ليس بطهور حقيقة الا أنه لم يظهر حكم الحدث في حق الصلاة المؤداة للحرج كيلا تجتمع عليه الصلوات فيحرج في قضائها فسقط اعتبار الحدث السابق دفعا للحرج ولا حرج في الصلاة التى لم تود وهذه الصلاة غير مؤادة فان تحريمة الصلاة باقية بلا خلاف وكذا الركن الاخير باق لانه وان طال فهو في حكم الركن كالقراءة إذا طالت فظهر
[ 59 ]
فيها حكم الحدث السابق فتبين أن الشروع فيها لم يصح كما لو اعترض هذا المعنى في وسط الصلاة وعلى هذا يخرج انقضاء مدة المسح لانه إذا انقضى وقت المسح صار محدثا بالحدث السابق لان الحدث قد وجد ولم يوجد ما يزيله عن القدم حقيقة لكن الشرع أسقط اعتبار الحدث فيما أدى من الصلاة دفعا للحرج فالتحقق المانع بالعدم في حق الصلاة المؤداة ولا حرج فيما لم يؤد فظهر حكم الحدث السابق فيه وعلى هذا إذا سقط خفه من غير صنعه وكذا صاحب الجرح السائل ومن هو بمثل حاله وكذا المصلى إذا كان على ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يجد الماء ليغسله فوجد في هذه الحالة لان هذه النجاسة انما سقط اعتبارها لما قلنا من الجرح ولا حرج في هذه الصلاة وكذا العارى إذا وجد ثوبا والمومى إذا قدر على القيام والامى إذا تعلم القراءة لان الستر والقيام والقراءة فرض على القادر عليها والسقوط عن هؤلاء للعجز وقد زال فكان ينبغى أن يجب قضاء الكل كالمريض العاجز عن الصوم والمغمى عليه يجب عليهما القضاء عند حدوث القدرة لكن سقط لاجل الحرج ولا حرج في حق هذه الصلاة وكذا هي ليست نظير تلك الصلوات لانه لا قدرة ثمة أصلا وههنا حصلت القدرة في جزء منها وعلى هذا صاحب الترتيب إذا تذكر فائتة لانه ظهر انه أدى الوقتية قبل وقتها فكان ينبغى أن يجب قضاء الكل الا أنه سقط للحرج لان النسيان مما يكثر وجوده ولا حرج في حق هذه الصلاة وعلى هذا المصلى إذا سقطت الجبائر عن يده عن برء لان الغسل واجب على القادر وان سقط عنه للعجز فإذا زال العجز كان ينبغى أن يقضى ما مضى بعد البرء الا أنه سقط للحرج وفى هذه الصلاة لا حرج وأما قاضى الفجر إذا زالت الشمس فهو في هذه الحالة يخرج على وجه آخر وهو أن الواجب في ذمته كامل والمؤدى في هذا الوقت ناقص لو رود النهى عن الصلاة في هذه الاوقات والكامل لا يتأدى بالناقص فلا يقع قضاء ولكنه يقع تطوعا لان التطوع فيه جائز فينقلب تطوعا وعلى هذا مصلى الفجر إذا طلعت الشمس لانه وجب عليه الاداء كاملا لان الوقت الناقص قليل لا يتسع للاداء فلا يجب ناقصا بل كاملا في غير الوقت الناقص فإذا أتى به فيه صار ناقصا فلا يتأدى به الكامل بخلاف صلاة العصر لان ثمة الوقت الناقص مما يتسع لاداء الصلاة فيه فيجب ناقصا وقد أداه ناقصا فهو الفرق وأما دخول وقت العصر في صلاة الجمعة في هذه الحالة فيخرج على وجه آخر وهو أن الظهر هو الواجب الاصلى في كل يوم عرف وجوبه بالدلائل المطلقة وانما تغير إلى الركعتين في يوم الجمعة بشرائط مخصوصة عرفناها بالنصوص الخاصة غير معقولة المعنى والوقت من شرائطه فمتى لم يوجد في جميع الصلاة لم يكن هذا نظير المخصوص عن الاصل فلم يجز فظهر أن الواجب
هو الظهر فعليه اداء الظهر بخلاف الكلام والقهقهة والحدث العمد لان ثمة الفساد لوجود هذه العوارض لانها نواقض الصلاة وقد صادفت جزأ من أجزاء الصلاة فاوجب فساد ذلك الجزء غير ان ذلك زيادة تستغنى الصلاة عنها فكان وجودها والعدم بمنزلة فاقتصر الفساد عليها بخلاف ما إذا اعترضت في اثناء الصلاة لانها أوجبت فساد ذلك الجزء الاصلى ولا وجود للصلاة بدونه فلا يمكنه البناء بعد ذلك واما الحديث فنقول النبي صلى الله عليه وسلم حكم بتمام الصلاة وبوجود هذه العوارض تبين انها ما كانت صلاة إذ لا وجود للصلاة مع الحدث ومع فقد شرط من شرائطها وقد مر بيان ذلك وكذا الصلاة في الاوقات المكروهة مخصوصة عن هذا النص بالنهي عن الصلاة فانها لا تخلو عن النقصان وكذلك صلاة الجمعة مخصوصة عن هذا النص بالدلائل المطلقة المقتضية لوجوب الظهر في كل يوم على ما مر هذا إذا وجد في الصلاة ماء مطلقا فان وجد سؤر حمار مضى على صلاته لانه مشكوك فيه وشروعه في الصلاة قد صح فلا يقطع بالشك بل يمضى على صلاته فإذا فرغ منها توضأ به وأعاد لانه ان كان مطهرا في نفسه ما جازت صلاته وان كان غير مطهر في نفسه جازت به صلاته فوقع الشك في الجواز فيؤمر بالاعادة احتياطا وان وجد نبيذ التمر انتقض تيممه عند أبى حنيفة لانه بمنزلة الماء المطلق عند عدمه عنده وعند أبى يوسف لا ينتقض لانه لا يراه طهورا أصلا وعند محمد يمضى على صلاته ثم يعيدها كما في سؤر الحمار هذا كله إذا وجد الماء في الصلاة فاما إذا وجده بعد الفراغ من الصلاة فان كان بعد خروج الوقت فليس عليه اعادة ما صلى بالتيمم بلا خلاف وان كان في
[ 60 ]
الوقت فكذلك عند عامة العلماء وقال مالك يعيد وجه قوله أن الوقت أقيم مقام الاداء شرعا كما في المستحاضة فكان الوجود في الوقت كالوجود في اثناء الاداء حقيقة ولان التيمم بدل فإذا قدر على الاصل بطل البدل كالشيخ الغانى إذا فدى أو أحج ثم قدر على الصوم والحج بنفسه (ولنا) ان الله تعالى علق جواز التيمم بعدم الماء فإذا صلى حالة العدم فقد أدى الصلاة بطهارة معتبرة شرعا فيحكم بصحتها فلا معنى لوجوب الاعادة وروى أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تيمما من جنابة وصليا وأدركا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الاخر فقال صلى الله عليه وسلم للذى أعاد أما أنت فقد أوتيت أجرك مرتين وقال للآخر أما أنت فقد أجزأتك صلاتك عنك أي كفتك جزى واجزأ مهموزا بمعنى الكفاية وهذا ينفى وجوب الاعادة وما ذكر من اعتبار الوجود بعد الفراغ من الصلاة بالوجود في الصلاة غير سديد لانه مخالف للحقيقة من غير ضرورة الا ترى أن الحدث
الحقيقي بعد الفراغ من الصلاة لا يجعل كالموجود في خلال الصلاة كذا هذا وأما قوله انه قدر على الاصل فنعم لكن بعد حصول المقصود بالبدل والقدرة على الاصل بعد حصول المقصود بالبدل لا تبطل حكم البدل كالمعتدة بالاشهر إذا حاضت بعد انقضاء العدة بالاشهر بخلاف الشيخ الفاني إذا أحج رجلا بماله وفدى عن صومه ثم قدر بنفسه لان جواز الاحجاج والفدية معلق باليأس عن الحج بنفسه والصوم بنفسه فإذا قدر بنفسه ظهر انه لا يأس فاما جواز التيمم فمعلق بالعجز عن استعمال الماء والعجز كان متحققا عند الصلاة وبوجود الماء بعد ذلك لا يظهر انه لا عجز فهو الفرق * (فصل) * وأما الطهارة الحقيقية وهى الطهارة عن النجس فالكلام فيها في الاصل في ثلاثة مواضع أحدها في بيان أنواع الانجاس والثانى في بيان المقدار الذى يصير المحل به نجسا شرعا والثالث في بيان ما يقع به تطهير النجس (أما) أنواع الانجاس فمنها ما ذكره الكرخي في مختصره ان كل ما يخرج من بدن الانسان مما يجب بخروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس من البول والغائط والودى والمذى والمنى ودم الحيض والنفاس والاستحاضة والدم السائل من الجرح والصديد والقئ مل ء الفم لان الواجب بخروج ذلك مسمى بالتطهير قال الله تعالى في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وقال في الغسل من الجنابة وان كنتم جنبا فاطهروا وقال في الغسل من الحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن والطهارة لا تكون الا عن نجاسة وقال تعالى ويحرم عليهم الخبائث والطباع السليمة تستخبث هذه الاشياء والتحريم لا للاحترام دليل النجاسة ولان معنى النجاسة موجود في ذلك كله إذ النجس اسم للمستقذر وكل ذلك مما تستقذره الطباع السليمة لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة ولا خلاف في هذه الجملة الا في المنى فان الشافعي زعم انه طاهر (واحتج) بما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا وهو يصلى فيه والواو واو الحال أي في حال صلاته ولو كان نجسا لما صح شروعه في الصلاة معه فينبغي أن يعيد ولم ينقل الينا الاعادة وعن ابن عباس رضى الله عنه انه قال المنى كالمخاط فامطه عنك ولو بالاذخر شبهه بالمخاط والمخاط ليس بنجس كذا المنى وبه تبين ان الامر باماطته لا لنجاسته بل لقذارته ولانه أصل الآدمى المكرم فيستحيل أن يكون نجسا (ولنا) ما روى ان عمار بن ياسر رضى الله عنه كان يغسل ثوبه من النجاسة فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ما تصنع يا عمار فاخبره بذلك فقال صلى الله عليه وسلم ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذى في ركوتك
الا سواء انما يغسل الثوب من خمس بول وغائط وقئ ومنى ودم أخبر ان الثوب يغسل من هذه الجملة لا محالة وما يغسل الثوب منه لا محالة يكون نجسا فدل ان المنى نجس وروى عن عائشة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها إذا رأيت المنى في ثوبك فان كان رطبا فاغسليه وان كان يابسا فحتيه ومطلق الامر محمول على الوجوب ولا يجب الا إذا كان نجسا ولان الواجب بخروجه أغلظ الطهارتين وهى الاغتسال والطهارة لا تكون الا عن نجاسة وغلظ الطهارة يدل على غلظ النجاسة كدم الحيض والنفاس ولانه يمر بميزاب النجس فينجس
[ 61 ]
بمجاورته وان لم يكن نجسا بنفسه وكونه أصل الآدمى لا ينفى أن يكون نجسا كالعلقة والمضغة وما روى من الحديث يحتمل انه كان قليلا ولا عموم له لانه حكاية حال أو نحمله على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وتشبيه ابن عباس رضى الله عنهما اياه بالمخاط يحتمل انه كان في الصورة لا في الحكم لتصوره بصورة المخاط والامر بالاماطة بالاذخر لا ينفى الامر بالازالة بالماء فيحتمل انه أمر بتقديم الاماطة كيلا تنتشر النجاسة في الثوب فيتعسر غسله (وأما) الدم الذى يكون على رأس الجرح والقئ إذا كان أقل من مل ء الفم فقد روى عن أبى يوسف انه ليس بنجس وهو قياس ما ذكره الكرخي لانه لا يجب بخروجه الوضوء وعند محمد نجس هو يقول انه جزء من الدم المسفوح والدم المسفوح نجس بجميع أجزائه وأبو يوسف يقول انه ليس بمسفوح بنفسه والنجس هو الدم المسفوح لقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس والرجس هو النجس فظاهر الآية يقتضى أن لا محرم سواها فيقتضى ان لا نجس سواها إذ لو كان لكان محرما إذ النجس محرم وهذا خلاف ظاهر الآية ووجه آخر من الاستدلال بظاهر الآية انه نفى حرمة غير المذكور وأثبت حرمة المذكور وعلل لتحريمه بأنه رجس أي نجس ولو كان غير المذكور نجسا لكان محرما لوجود علة التحريم وهذا خلاف النص لانه يقتضى ان لا محرم سوى المذكور فيه ودم البق والبراغيث ليس بنجس عندنا حتى لو وقع في الماء القليل لا ينجسه ولو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة وقال الشافعي هو نجس لكنه معفو عنه في الثوب للضرورة (واحتج) بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم من غير فصل بين السائل وغيره والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة (ولنا) قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما الآية والاستدلال بها من الوجهين اللذين ذكرناهما ولان صيانة الثياب والاوانى عنها متعذرة فلو أعطى
لها حكم النجاسة لوقع الناس في الجرح وانه منفى شرعا بالنص وبهذين الدليلين تبين ان المراد من المطلق المقيد وهو الدم المسفوح ودم الاوزاغ نجس لانه سائل وكذا الدماء السائلة من سائر الحيوانات لما قلنا بل أولى لانه لما كان نجسا من الآدمى المكرم فمن غيره أولى (وأما) دم السمك فقد روى عن أبى يوسف انه نجس وبه أخذ الشافعي اعتبارا بسائر الدماء وعند أبى حنيفة ومحمد طاهر لاجماع الامة على اباحة تناوله مع دمه ولو كان نجسا لما أبيح ولانه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم لان الدموي لا يعيش في الماء والدم الذى يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر لانه ليس بمسفوح ولهذا حل تناوله مع اللحم وروى عن أبى يوسف انه معفو في الاكل غير معفو في الثياب لتعذر الاحتراز عنه في الاكل وامكانه في الثوب (ومنها) ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الابوال والارواث على الاتفاق والاختلاف (أما) الابوال فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل لحمه نجس واختلف في بول ما يؤكل لحمه قال أبو حنيفة وأبو يوسف نجس وقال محمد طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه (واحتج) بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أباح للعرنيين شرب أبوال ابل الصدقة وألبانها مع قوله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وقوله ليس في الرجس شفاء فثبت انه طاهر (ولهما) حديث عمار انما يغسل الثوب من خمس وذكر من جملتها البول مطلقا من غير فصل وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال استنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه من غير فصل وقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ومعلوم ان الطباع السليمة تستخبثه وتحريم الشئ لا لاحترامه وكرامته تنجيس له شرعا ولان معنى النجاسة فيه موجود وهو الاستقذار الطبيعي لاستحالته إلى فساد وهى الرائحة المنتنة فصار كروثه وكبول ما لا يؤكل لحمه وأما الحديث فقد ذكر قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشرب ألبانها دون أبوالها فلا يصح التعلق به على انه يحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم عرف بطريق الوحى شفاءهم فيه والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن لحصول الشفاء فيه كتناول الميتة عند المخمصة والخمر عند العطش واساغة اللقمة وانما لا يباح بما لا يستيقن حصول الشفاء به ثم عند أبى يوسف يباح شربه للتداوي لحديث
[ 62 ]
العرنيين وعند أبى حنيفة لا يباح لان الاستشفاء بالحرام الذى لا يتيقن حصول الشفاء به حرام وكذا بما لا يعقل فيه الشفاء ولا شفاء فيه عند الاطباء والحديث محمول على انه صلى الله عليه وسلم شفاء أولئك فيه على
الخصوص والله أعلم (وأما) الارواث فكلها نجسة عند عامة العلماء وقال زفر روث ما يؤكل لحمه طاهر وهو قول مالك (واحتج) بما روى ان الشبان من الصحابة في منازلهم وفي السفر كانوا يترامون بالجلة وهى البعرة اليابسة ولو كانت نجسة لما مسوها وعلل مالك بأنه وقود أهل المدينة يستعملونه استعمال الحطب (ولنا) ما روينا عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أحجار الاستنجاء فاتى بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى الروثة وقال انها ركس أي نجس ولان معنى النجاسة موجود فيها وهو الاستقذار في الطباع السليمة لاستحالتها إلى نتن وخبث رائحة مع امكان التحرز عنه فكانت نجسة (ومنها) خرء بعض الطيور من الدجاج والبط وجملة الكلام فيه ان الطيور نوعان نوع لا يذرق في الهواء ونوع يذرق في الهواء (اما) ما لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فخرؤهما نجس لوجود معنى النجاسة فيه وهو كونه مستقذرا لتغيره إلى نتن وفساد رائحة فاشبه العذرة وفي الاوز عن أبى حنيفة روايتان روى أبو يوسف عنه انه ليس بنجس وروى الحسن عنه انه نجس (وما) يذرق في الهواء نوعان أيضا ما يؤكل لحمه كالحمام والعصفور والعقعق ونحوها وخرؤها طاهر عندنا وعند الشافعي نجس وجه قوله ان الطبع قد أحاله إلى فساد فوجد معنى النجاسة فاشبه الروث والعذرة (ولنا) اجماع الامة فانهم اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة مع علمهم انها تذرق فيها ولو كان نجسا لما فعلوا ذلك مع الامر بتطهير المسجد وهو قوله تعالى ان طهرا بيتى للطائفين وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما ان حمامة ذرقت عليه فمسحه وصلى وعن ابن مسعود رضى الله عنه مثل ذلك في العصفور وبه تبين ان مجرد احالة الطبع لا يكفى للنجاسة ما لم يكن للمستحيل نتن وخبث رائحة تستخبثه الطباع السليمة وذلك منعدم ههنا على انا ان سلمنا ذلك لكان التحرز عنه غير ممكن لانها تذرق في الهواء فلا يمكن صيانة الثياب والاوانى عنه فسقط اعتباره للضرورة كدم البق والبراغيث وحكى مالك في هذه المسألة الاجماع على الطهارة ومثله لا يكذب فلئن لم يثبت الاجماع من حيث القول يثبت من حيث الفعل وهو ما بينا وما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازى والحدأة واشباه ذلك خرؤها طاهر عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد نجس نجاسة غليظة وجه قوله انه وجد معنى النجاسة فيه لاحالة الطبع اياه إلى خبث ونتن رائحة فاشبه غير المأكول من البهائم ولا ضرورة إلى اسقاط اعتبار نجاسته لعدم المخالطة لانها تكن المروج والمفاوز بخلاف الحمام ونحوه (ولهما) أن
الضرورة متحققة لانها تذرق في الهواء فيتعذر صيانة الثياب والاوانى عنها وكذا المخالطة ثابتة بخلاف الدجاج والبط لانهما لا يذرقان في الهواء فكانت الصيانة ممكنة وخرء الفارة نجس لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة واختلفوا في الثوب الذى أصابه بولها حكى عن بعض مشايخ بلخ أنه قال لو ابتليت به لغسلته فقيل له من لم يغسله وصلى فيه فقال لا آمره بالاعادة وبول الخفافيش وخرؤها ليس بنجس لتعذر صيانة الثياب والاوانى عنه لانها تبول في الهواء وهى فأرة طيارة فلهذا تبول (ومنها) الميتة التى لها دم سائل وجملة الكلام في الميتات أنها نوعان أحدهما ما ليس له دم سائل والثانى ماله دم سائل (أما) الذى ليس له دم سائل فالذباب والعقرب والزنبور والسرطان ونحوها وانه ليس بنجس عندنا وعند الشافعي نجس الا الذباب والزنبور فله فيهما قولان (واحتج) بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة (ولنا) ما روى عن سلمان الفارسى رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال موت كل حيوان ليس له نفس سائلة في الماء لا يفسد وهذا نص في الباب وروى أبو سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا وقع الذباب في اناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فان في أحد جناحيه داء وفي الاخر دواء وهو يقدم الداء على الدواء ولا شك أن
[ 63 ]
الذباب مع ضعف بنيته إذا مقل في الطعام الحار يموت فلو اوجب التنجيس لكان الامر بالمقل أمرا بافساد المال واضاعته مع نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعة المال وانه متناقض وحاشا أن يتناقض كلامه ولانا لو حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج لانه يتعذر صون الاواني عنها فاشبه موت الدودة المتولدة عن الخل فيه وبه تبين أن النص لم يتناول محل الضرورة والحرج مع ما أن السمك والجراد مخصوصان عن النص إذ هما ميتتان بنص النبي صلى الله عليه وسلم والمخصص انعدام الدم المسفوح والدم المسفوح ههنا منعدم (وأما) الذى له دم سائل فلا خلاف في الاجزاء التى فيها دم من اللحم والشحم والجلد ونحوها أنها نجسة لاحتباس الدم النجس فيها وهو الدم المفسوح (وأما) الاجزاء التى لا دم فيها فان كانت صلبة كالقرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والشعر والصوف والعصب والانفحة الصلبة فليست بنجسة عند أصحابنا وقال الشافعي الميتات كلها نجسة لظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولاصحابنا طريقان أحدهما أن هذه الاشياء ليست بميتة لان الميتة من الحيوان في عرف الشرع اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير
مشروع ولا حياة في هذه الاشياء فلا تكون ميتة والثانى أن نجاسة الميتات ليست لاعيانها بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة ولم توجد في هذه الاشياء وعلى هذا ما أبين من الحى من هذه الاجزاء وان كان المبان جزأ فيه دم كاليد والاذن والانف ونحوها فهو نجس بالاجماع وان لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر ونحوها فهو على الاختلاف وأما الانفخة المائعة واللبن فطاهران عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد نجسان (لهما) أن اللبن وان كان طاهرا في نفسه لكنه صار نجسا لمجاورة النجس ولابي حنيفة قوله تعالى وان لكم من الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وصف اللبن مطلقا بالخلوص والسيوغ مع خروجه من بين فرث ودم وذا آية الطهارة وكذا الاية خرجت مخرج الامتنان والمنة في موضع النعمة تدل على الطهارة وبه تبين أنه لم يخالطه النجس إذ لا خلوص مع النجاسة ثم ما ذكرنا من الحكم في اجزاء الميتة التى لا دم فيها من غير الآدمى والخنزير فاما حكمهما فيهما فاما الآدمى فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية نجسة لا يجوز بيعها والصلاة معها إذا كان أكثر من قدر الدرهم وزنا أو عرضا على حسب ما يليق به ولو وقع في الماء القليل يفسده وفي رواية طاهر وهى الصحيحة لانه لا دم فيها والنجس هو الدم ولانه يستحيل أن تكون طاهرة من الكلب نجسة من الآدمى المكرم الا أنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بها احتراما للآدمي كما إذا طحن سن الادمى مع الحنطة أو عظمه لا يباح تناول الخبز المتخذ من دقيقها لا لكونه نجسا بل تعظيما له كيلا يصير متناولا من أجزاء الآدمى كذا هذا (وأما) الخنزير فقد روى عن أبى حنيفة أنه نجس العين لان الله تعالى وصفه بكونه رجسا فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه الا أنه رخص في شعره للخرازين للضرورة وروى عن أبى يوسف في غير رواية الاصول أنه كره ذلك أيضا نصا ولا يجوز بيعها في الروايات كلها ولو وقع شعره في الماء القليل روى عن أبى يوسف أنه ينجس الماء وعن محمد أنه لا ينجس ما لم يغلب على الماء كشعر غيره وروى عن أصحابنا في غير رواية الاصول أن هذه الاجزاء منه طاهرة لانعدام الدم فيها والصحيح أنها نجسة لان نجاسة الخنزير ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل لعينه (وأما) الكلب فالكلام فيه بناء على أنه نجس العين أم لا وقد اختلف مشايخنا فيه فمن قال انه نجس العين فقد الحقه بالخنازير فكان حكمه حكم الخنزير ومن قال انه ليس بنجس العين فقد جعله مثل سائر الحيوانات سوى الخنزير وهذا هو الصحيح لما نذكر (ومنها) سؤر الكلب والخنزير عند عامه العلماء وجملة الكلام في الاسآر أنها أربعة أنواع نوع طاهر متفق على طهارته من غير كراهة ونوع
مختلف في طهارته ونجاسته ونوع مكروه ونوع مشكوك فيه (أما) السؤر الطاهر المتفق على طهارته فسؤر الآدمى بكل حال مسلما كان أو مشركا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى طاهرا أو نجسا حائضا أو جنبا الا في حال شرب الخمر لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتى بعس من لبن فشرب بعضه وناول الباقي اعرابيا كان على
[ 64 ]
يمينه فشرب ثم ناوله أبا بكر فشرب وروى أن عائشة رضى الله عنها شربت من اناء في حال حيضها فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمه على موضع فمها حبا لها فشرب ولان سؤره متحلب من لحمه ولحمه طاهر فكان سؤره طاهرا الا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه وقيل هذا إذا شرب الماء من ساعته فاما إذا شرب الماء بعد ساعة معتبرة ابتلع بزاقه فيها ثلاث مرات يكون طاهرا عند أبى حنيفة خلافا لهما بناء على مسئلتين احداهما ازالة النجاسة الحقيقة عن الثوب والبدن بما سوى الماء من المائعات الطاهرة والثانية ازالة النجاسة الحقيقة بالغسل في الاواني ثلاث مرات وأبو يوسف مع أبى حنيفة في المسألة الاولى ومع محمد في المسألة الثانية لكن اتفق جوابهما في هذه المسألة لاصلين مختلفين أحدهما أن الصب شرط عند أبى يوسف ولم يوجد والثانى أن ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمد وبعض أصحاب الظواهر كرهوا سؤر المشرك لظاهر قوله تعالى انما المشركون نجس وعندنا هو محمول على نجاسة خبث الاعتقاد بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين ولو كان عينهم نجسا لما فعل مع أمره بتطهير المسجد واخباره عن انزواء المسجد من النخامة مع طهارتها وكذا سؤر ما يؤكل لحمه من الانعام والطيور الا الابل الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة المخلاة لان سؤره متولد من لحمه ولحمه طاهر وروى أن النبي صل الله عليه وسلم توضأ بسؤر بعير أو شاة الا انه يكره سؤر الابل الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة المخلاة لاحتمال نجاسة فمها ومنقارها لانها تأكل النجاسة حتى لو كانت محبوسة لا يكره (وصفة) الدجاجة المحبوسة أن لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها فان كان يصل فهى مخلاة لان احتمال بحث النجاسة قائم وأما سؤر الفرس فعلى قول أبى يوسف ومحمد طاهر لطهارة لحمه وعن أبى حنيفة روايتان كما في لحمه في رواية الحسن نجس كلحمه وفي ظاهر الرواية طاهر كلحمه وهى رواية أبى يوسف عنه وهو الصحيح لان كراهة لحمه لا لنجاسته بل لتقليل ارهاب العدو وآلة الكر والفر وذلك منعدم في السؤر والله أعلم (وأما) السؤر المختلف في طهارته ونجاسته فهو سؤر الخنزير والكلب وسائر سباع الوحش فانه نجس عند عامة
العلماء وقال مالك طاهر وقال الشافعي سؤر السباع كلها طاهر سوى الكلب والخنزير (أما) الكلام مع مالك فهو يحتج بظاهر قوله تعالى وهو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا أباح الانتفاع بالاشياء كلها ولا يباح الانتفاع الا بالطاهر الا أنه حرم أكل بعض الحيوانات وحرمة الاكل لا تدل على النجاسة كالآدمي وكذا الذباب والعقرب والزنبور ونحوها طاهرة ولا يباح أكلها الا أنه يجب غسل الاناء من ولوغ الكلب مع طهارته تعبدا ولنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فاغسلوه ثلاثا وفى رواية خمسا وفي رواية سبعا والامر بالغسل لم يكن تعبدا إذ لا قربة تحصل بغسل الاواني الا ترى أنه لو لم يقصد صب الماء فيه في المستقبل لا يلزمه الغسل فعلم أنه لنجاسته ولان سؤر هذه الحيوانات متحلب من لحومها ولحومها نجسة ويمكن التحرز عن سؤرها وصيانة الاواني عنها فيكون نجسا ضرورة (وأما) الكلام مع الشافعي فهو يحتج بما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلها وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المياه التى بين مكة والمدينة وما يردها من السباع فقال صلى الله عليه وسلم لها ما حملت في بطونها وما بقى فهو لنا شراب وطهور وهذا نص (ولنا) ما روى عن عمر وعمرو بن العاص انهما وردا حوضا فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض اترد السباع حوضكم فقال عمر رضى الله عنه يا صاحب الحوض لا تخبرنا ولو لم يتنجس الماء القليل بشربها منه لم يكن للسؤال ولا للنهى معنى ولان هذا حيوان غير مأكول اللحم ويمكن صون الاواني عنها ويختلط بشربها لعابها بالماء ولعابها نجس لتحلبه من لحمها وهو نجس فكان سؤرها نجسا كسؤر الكلب والخنزير بخلاف الهرة لان صيانة الاونى عنها غير تمكن وتأويل الحديثين انه كان قبل تحريم لحم السباع أو السؤال وقع عن المياه الكثيرة وبه نقول ان مثلها لا ينجس (واما) السؤر المكروه فهو سؤر سباع الطير كالبازي والصقر والحدأة ونحوها
[ 65 ]
استحسانا والقياس ان يكون نجسا اعتبارا بلحمها كسؤر سباع الوحش وجه الاستحسان انها تشرب بمنقارها وهو عظم جاف فلم يختلط لعابها بسؤرها بخلاف سؤر سباع الوحش ولان صيانة الاواني عنها متعذرة لانها تنقض من الهواء فتشرب بخلاف سباع الوحش الا انه يكره لان الغالب انها تتناول الجيف والميتات فكان منقارها في معنى منقار الدجاجة المخلاة (وكذا) سؤر سواكن البيوت كالفأرة والحية
والوزغة والعقرب ونحوها (وكذا) سؤر الهرة في رواية الجامع الصغير وذكر في كتاب الصلاة أحب إلى ان يتوضأ بغيره ولم يذكر الكراهة وعن أبى يوسف والشافعي لا يكره (واحتجا) بما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغى لها الاناء فتشرب منه ثم يشرب ويتوضأ به (ولابي) حنيفة ما روى أبو هريرة رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الهرة سبع وهذا بيان حكمها وقال النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا ومن ولوغ الهرة مرة والمعنى في كراهته من وجهين أحدهما ما ذكره الطحاوي وهو ان الهرة نجسة لنجاسة لحمها لكن سقطت نجاسة سؤرها لضرورة الطواف فبقيت الكراهة لامكان التحرز في الجملة والثانى ما ذكره الكرخي وهو انها ليست بنجسة لان النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنها النجاسة بقوله الهرة ليست بنجسة ولكن الكراهة لتوهم أخذها الفأرة فصار فمها كيد المستيقظ من نومه وما روى من الحديث يحتمل انه كان قبل تحريم السباع ثم نسخ عل مذهب الطحاوي ويحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم علم من طريق الوحى ان تلك الهرة لم يكن على فمها نجاسة على مذهب الكرخي أو يحمل فعله صلى الله عليه وسلم على بيان الجواز وعلى هذا تناول بقية طعام أكلته وتركها التلحس القدر ان ذلك محمول على تعليم الجواز ولو أكلت الفأرة ثم شربت الماء قال أبو حنيفة ان شربته على الفور تنجس الماء وان مكثت ثم شربت لا يتنجس وقال أبو يوسف ومحمد يتنجس بناء على ما ذكرنا من الاصلين في سؤر شارب الخمر والله اعلم (وأما) السؤر المشكوك فيه فهو سؤر الحمار والبغل في جواب ظاهر الرواية وروى الكرخي عن أصحابنا ان سؤرهما نجس وقال الشافعي طاهر وجه قوله ان عرقه طاهر لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار معروريا والحرحر الحجاز فقلما يسلم الثوب من عرقه وكان يصلى فيه فإذا كان العرق طاهرا فالسؤر أولى وجه رواية الكرخي ان الاصل في سؤره النجاسة لان سؤره لا يخلو عن لعابه ولعابه متحلب من لحمه ولحمه نجس فلو سقط اعتبار نجاسته انما يسقط لضرورة المخالطة والضرورة متعارضة لانه ليس في المخالطة كالهرة ولا في المجانبة كالكلب فوقع الشك في سقوط حكم الاصل فلا يسقط بالشك وجه ظاهر الرواية ان الآثار تعارضت في طهارة سؤره ونجاسته عن ابن عباس رضى الله عنه انه كان يقول الحمار يتعلف القت والتبن فسؤره طاهر وعن ابن عمر رضى الله عنهما انه كان يقول انه رجس وكذا تعارض الاخبار في أكل لحمه ولبنه روى في بعضها النهى وفى بعضها الاطلاق وكذا اعتبار عرقه يوجب طهارة سؤره واعتبار لحمه ولبنه يوجب نجاسته وكذا تحقق أصل الضرورة
لدورانه في صحن الدار وشربه في الاناء يوجب طهارته وتقاعدها عن ضرورة الهرة باعتبار انه لا يعلو الغرف ولا يدخل المضايق يوجب نجاسته والتوقف في الحكم عند تعارض الادلة واجب فلذلك كان مشكوكا فيه فاوجبنا الجمع بين التيمم وبين التوضؤ به احتياطا لان التوضؤ به لو جاز لا يضره التيمم ولو لم يجز التوضؤ به جازت صلاته بالتيمم فلا يحصل الجواز بيقين الا بالجمع بينهما وايهما قدم جاز عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز حتى يقدم الوضوء على التيمم ليصير عادما للماء والصحيح قول أصحابنا الثلاثة لما ذكرنا انه ان كان طاهرا فقد توضأ به قدم أو أخر وان كان نجسا فغرضه التيمم وقد أتى به فان قيل في هذا ترك الاحتياط من وجه آخر لان على تقدير كونه نجسا تنجس به أعضاؤه وثيابه فالجواب ان الحدث كان ثابتا بيقين فلا تحصل الطهارة بالشك والعضو والثوب كل واحد منهما كان طاهرا بيقين فلا يتنجس بالشك وقال بعضهم الشك في طهوريته ثم من مشايخنا من جعل هذا الجواب في سؤر الاتان وقال في سؤر الفحل انه نجس لانه يشم البول فتتنجس شفتاه وهذا غير سديد لانه
[ 66 ]
أمر موهوم لا يغلب وجوده فلا يؤثر في ازالة الثابت ومن مشايخنا من جعل الاسآر خمسة أقسام أربعة منها ما ذكرنا وجعل الخامس منها السؤر النجس المتفق على نجاسته وهو سؤر الخنزير وليس كذلك لان في الخنزير خلاف مالك كما في الكلب فانحصرت القسمة على أربعة (ومنها) الخمر والسكر أما الخمر فلان الله تعالى سماه رجسا في آية تحريم الخمر فقال رجس من عمل الشيطان والرجس هو النجس ولان كل واحد منهما حرام والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة (ومنها) غسالة النجاسة الحقيقية وجملة الكلام ان غسالة النجاسة نوعان غسالة النجاسة الحقيقية وغسالة النجاسة الحكمية وهى الحدث اما غسالة النجاسة الحقيقية وهى ما إذا غسلت النجاسة الحقيقية ثلاث مرات فالمياه الثلاث نجسة لان النجاسة انتقلت إليها إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة فاوجب تنجيسها وحكم المياه الثلاث في حق المنع من جواز التوضؤ بها والمنع من جواز الصلاة بالثوب الذى أصابته سواء لا يختلف وأما في حق تطهير المحل الذى أصابته فيختلف حكمها حتى قال مشايخنا ان الماء الاول إذا أصاب ثوبا لا يطهر الا بالعصر والغسل مرتين بعد العصر والماء الثاني يطهر بالغسل مرة بعد العصر والماء الثالث يطهر بالعصر لا غير لان حكم كل ماء حين كان في الثوب الاول كان هكذا فكذا في الثوب الذى أصابه واعتبروا ذلك بالدلو المنزوح من البئر النجسة إذا صب في بئر طاهرة ان الثانية تطهر بما تطهر به الاولى كذا هذا وهل يجوز
الانتفاع بالغسالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقى الدواب ونحو ذلك فان كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها لا يجوز الانتفاع لانه لما تغير دل ان النجس غالب فالتحق بالبول وان لم يتغير شئ من ذلك يجوز لانه لما لم يتغير دل ان النجس لم يغلب على الطاهر والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة وعلى هذا إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه انه ان كان جامدا تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي وان كان ذائبا لا يؤكل ولكن يستصبح به ويدبغ به الجلد ويجوز بيعه وينبغى للبائع ان يبين عبيه فان لم يبين وباعه ثم علم به المشترى فهو بالخيار ان شاء رده وان شاء رضى به وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به (واحتج) بما روى عن ابى موسى الاشعري رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال ان كان جامدا فالقوها وما حولها وكلوا الباقي وان كان ذائبا فاريقوه ولو جاز الانتفاع به لما أمر باراقته ولانه نجس فلا يجوز الانتفاع به ولا بيعه كالخمر (ولنا) ما روى ابن عمر رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي فقيل يا رسول الله أرأيت لو كان السمن ذائبا فقال لا تأكلوا ولكن انتفعوا به وهذا نص في الباب ولانها في الجامد لا تجاور الا ما حولها وفى الذائب تجاور الكل فصار الكل نجسا وأكل النجس لا يجوز فاما الانتفاع بما ليس بنجس العين فمباح كالثوب النجس وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقاء ما حولها في الجامد واراقة الذائب في حديث أبى موسى لبيان حرمة الاكل لان معظم الانتفاع بالسمن هو الاكل والحد الفاصل بين الجامد والذائب انه ان كان بحال لوقور ذلك الموضع لا يستوى من ساعته فهو جامد وان كان يستوى من ساعته فهو ذائب وإذا دبغ به الجلد يؤمر بالغسل ثم ان كان ينعصر بالعصر يغسل ويعصر ثلاث مرات وان كان لا ينعصر لا يطهر عند محمد أبدا وعند أبى يوسف يغسل ثلاث مرات ويجفف في كل مرة وعلى هذا مسائل نذكرها في موضعها ان شاء الله تعالى (واما) غسالة النجاسة الحكمية وهى الماء المستعمل فالكلام في الماء المستعمل يقع في ثلاثة مواضع أحدها في صفته أنه طاهر أم نجس والثانى في أنه في أي حال يصبر مستعملا والثالث في أنه باى سبب يصير مستعملا (أما) الاول فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ به ولم يذكر أنه طاهر أم نجس وروى محمد عن أبى حنيفة أنه طاهر غير طهور وبه أخذ الشافعي وهو أظهر أقوال الشافعي وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس غير أن الحسن روى عنه أنه نجس نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم وبه أخذ وأبو يوسف روى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش وبه أخذ وقال زفران كان
المستعمل متوضأ فالماء المستعمل طاهر وطهور وان كان محدثا فهو طاهر غير طهور وهو أحد أقاويل الشافعي وفى
[ 67 ]
قول له انه طاهر وطهور بكل حال وهو قول مالك ثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف فقالوا الماء المستعمل نجس عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد طاهر غير طهور ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا انه طاهر غير طهور عند أصحابنا حتى روى عن القاضى أبى حازم العراقى انه كان يقول انا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبى حنيفة وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر وجه قول من قال انه طهور ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ولم يوجد التغير بعد الاستعمال ولان هذا ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا فلا يصير نجسا كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر والدليل على انه لاقى محلا طاهرا ان اعضاء المحدث طاهرة حقيقة وحكما اما الحقيقة فلانعدام النجاسة الحقيقية حسا ومشاهدة وأما الحكم فلما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر في بعض سكك المدينة فاستقبله حذيفة بن اليمان فاراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يصافحه فامتنع وقال انى جنب يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان المؤمن لا ينجس وروى انه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضى الله عنها ناوليني الخمرة فقالت انى حائض فقال ليست حيضتك في يدك ولهذا جاز صلاة حامل المحدث والجنب وحامل النجاسة لا تجوز صلاته وكذلك عرقه طاهر وسؤره طاهر وإذا كانت اعضاء المحدث طاهرة كان الماء الذى لاقاها طاهرا ضرورة لان الطاهر لا يتغير عما كان عليه الا بانتقال شئ من النجاسة إليه ولا نجاسة في المحل على ما مر فلا يتصور الانتقال فبقى طاهرا وبهذا يحتج محمد لاثبات الطهارة الا انه لا يجوز التوضؤ به لانا تعبدنا باستعمال الماء عند القيام إلى الصلاة شرعا غير معقول التطهير لان تطهير الطاهر محال والشرع ورد باستعمال الماء المطلق وهو الذى لا يقوم به خبث ولا معنى يمنع جواز الصلاة وقد قام بالماء المستعمل أحد هذين المعنيين اما على قول محمد فلانه أقيم به قربة إذا توضأ به لاداء الصلاة لان الماء انما يصير مستعملا بقصد التقرب عنده وقد ثبت بالاحاديث ان الوضوء سبب لازالة الآثام عن المتوضئ للصلاه فينتقل ذلك إلى الماء فيتمكن فيه نوع خبث كالمال الذى تصدق به ولهذا سميت الصدقة غسالة الناس واما على قول زفر فلانه قام به معنى مانع من جواز الصلاة وهو الحدث لان الماء عنده انما يصير مستعملا بازالة الحدث وقد انتقل الحدث من البدن إلى الماء ثم الخبث والحدث وان كانا من صفات المحل والصفات لا تحتمل الانتقال لكن الحق
ذلك بالعين النجسة القائمة بالمحل حكما والاعيان الحقيقية قابلة للانتقال فكذا ما هو ملحق بها شرعا وإذا قام بهذا الماء أحد هذين المعنيين لا يكون في معنى الماء المطلق فيقتصر الحكم عليه على الاصل المعهود ان ما لا يعقل من الاحكام يقتصر على المنصوص عليه ولا يتعدى إلى غيره الا إذا كان في معناه من كل وجه ولم يوجد وجه رواية النجاسة ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة حرم الاغتسال في الماء القليل لاجماعنا على ان الاغتسال في الماء الكثير ليس بحرام فلو لا ان القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهى معنى لان القاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام اما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال وذا يقتضى التنجيس به ولا يقال انه يحتمل انه نهى لما فيه من اخراج الماء من ان يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك حرام لانا نقول الماء القليل انما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبا عليه كماء الورد واللبن ونحو ذلك فاما إذا كان مغلوبا فلا وههنا الماء المستعمل ما يلاقى البدن ولا شك ان ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من ان يكون مطهرا فاما ملاقاة النجس الطاهر فتوجب تنجيس الطاهر وان لم يغلب على الطاهر لاختلاطه بالطاهر على وجه لا يمكن التمييز بينهما فيحكم بنجاسة الكل فثبت ان النهى لما قلنا ولا يقال انه يحتمل انه نهى لان اعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية وذا يوجب تنجيس الماء القليل لانا نقول الحديث مطلق فيجب العمل باطلاقه ولان النهى عن الاغتسال ينصرف إلى الاغتسال المسنون لانه هو المتعارف فيما بين المسلمين والمسنون منه هو ازالة النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال على ان النهى عن ازالة النجاسة الحقيقية التى على البدن استفيد بالنهي عن البول فيه
[ 68 ]
فوجب حمل النهى عن الاغتسال فيه على ما ذكرنا صيانة الكلام صاحب الشرع عن الاعادة الخالية عن الافادة ولان هذا مما تستنخبثه الطباع السليمة فكان محرما لقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولان الامة اجمعت على ان من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف على نفسه العطش يباح له التيمم ولو بقى الماء طاهرا بعد الاستعمال لما أبيح لانه يمكنه ان يتوضأ ويأخذ الغسالة في اناء نظيف ويمسكها للشرب والمعنى في المسألة من وجهين أحدهما في المحدث خاصة والثانى يعم الفصلين اما الاول فلان الحدث هو خروج شئ نجس من البدن وبه يتنجس بعض البدن حقيقة فيتنجس الباقي تقديرا ولهذا أمرنا بالغسل
والوضوء وسمى تطهيرا وتطهير الطاهر لا يعقل فدل تسميتها تطهيرا على النجاسة تقديرا ولهذا لا يجوز له أداء الصلاة التى هي من باب التعظيم ولولا النجاسة المانعة من التعظيم لجازت فثبت ان على اعضاء المحدث نجاسة تقديرية فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء فيصير الماء نجسا تقديرا وحكما والنجس قد يكون حقيقا وقد يكون حكميا كالخمر والثانى ما ذكرنا انه يزيل نجاسة الآثام وخبثها فنزل ذلك منزلة خبث الخمر إذا أصاب الماء ينجسه كذا هذا ثم ان أبا يوسف جعل نجاسته خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة الثياب عنه ولكونه محل الاجتهاد فاوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل نجاسته غليظة لانها نجاسة حكمية وانها أغلظ من الحقيقية الا ترى انه عفى عن القليل من الحقيقية دون الحكمية بان بقى على جسده لمعة يسيرة وعلى هذا الاصل ينبنى ان التوضؤ في المسجد مكروه عند أبى حنيفة وأبى يوسف وقال محمد لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر فمحمد مر على أصله انه طاهر وأبو يوسف مر على أصله انه نجس واما عند أبى حنيفة فعلى رواية النجاسة لا يشكل واما على رواية الطهارة فلانه مستقذر طبعا فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل قال بعضهم لا يجوز التوضؤ به وان قل وهذا فاسد اما عند محمد فلانه طاهر لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهورية كاللبن واما عندهما فلان القليل مما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنه حين سئل عن القليل منه لا بأس به وسئل الحسن البصري عن القليل فقال ومن يملك نشر الماء وهو ما تطاير منه عن الوضوء وانتشر أشار إلى تعذر التحرز عن القليل فكان القليل عفوا ولا تعذر في الكثير فلا يكون عفوا ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق وعندهما ان يتبين مواقع القطرة في الاناء (واما) بيان حال الاستعمال وتفسير الماء المستعمل فقال بعض مشايخنا الماء المستعمل ما زايل البدن واستقر في مكان وذكر في الفتاوى ان الماء إذا زال عن البدن لا ينجس ما لم يستقر على الارض أو في الاناء وهذا مذهب سفيان الثوري فاما عندنا فما دام على العضو الذى استعمله فيه لا يكون مستعملا وإذا زايله صار مستعملا وان لم يستقر على الارض أو في الاناء فانه ذكر في الاصل إذا مسح رأسه بماء أخذه من لحيته لم يجزء وان لم يستقر على الارض أو في الاناء وذكر في باب المسح على الخفين ان من مسح على خفيه وبقى في كفه بلل فمسح به رأسه لا يجزيه وعلل بان هذا ماء قد مسح به مرة أشار إلى صيرورته مستعملا وان لم يستقر على الارض أو في الاناء وقالوا فيمن توضأ وبقى على رجله لمعة فغسلها ببلل أخذه من عضو آخر لا يجوز وان لم يوجد الاستقرار على المكان فدل على أن المذهب
ما قلنا (اما) سفيان فقد استدل بمسائل زعم انها تدل على صحة ما ذهب إليه (منها) إذا توضأ أو اغتسل وبقى على يده لمعة فاخذ البلل منها في الوضوء أو من أي عضو كان في الغسل وغسل اللمعة يجوز (ومنها) إذا توضأ وبقى في كفه بلل فمسح به رأسه يجوز وان زايل العضو الذى استعمله فيه لعدم الاستقرار في مكان (ومنها) إذا مسح اعضاءه بالمنديل وابتل حتى صار كثيرا فاحشا أو تقاطر الماء على ثوب مقدار الكثير الفاحش جاز الصلاة معه ولو أعطى له حكم الاستعمال عند المزايلة لما جازت (ولنا) ان القياس ان يصير الماء مستعملا بنفس الملاقاة لما ذكرنا فيما تقدم أنه وجد سبب صيرورته مستعملا وهو ازالة الحدث أو استعماله على وجه القربة وقد حصل ذلك بمجرد الملاقاة فكان ينبغى ان يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من الماء الا ان في ذلك حرجا فالشرع أسقط
[ 69 ]
اعتبار حالة الاستعمال في عضو واحد حقيقة أو في عضو واحد حكما كما في الجنابة ضرورة دفع الحرج فإذا زايل العضو زالت الضرورة فيظهر حكم الاستعمال بقضية القياس وقد خرج الجواب عن المسألة الاولى (واما) المسألة الثانية فقد ذكر الحاكم الجليل انها على التفصيل ان لم يكن استعمله في شئ من أعضائه يجوز اما إذا كان استعمله لا يجوز والصحيح أنه يجوز وان استعمله في المغسولات لان فرض الغسل انما تأدى بماء جرى على عضوه لا بالبلة الباقية فلم تكن هذه البلة مستعملة بخلاف ما إذا استعمله في المسح على الخف ثم مسح به رأسه حيث لا يجوز لان فرض المسح يتأدى بالبلة وتفصيل الحاكم محمول على هذا وما مسح بالمنديل أو تقاطر على الثوب فهو مستعمل الا انه لا يمنع جواز الصلاة لان الماء المستعمل طاهر عند محمد وهو المختار وعندهما وان كان نجسا لكن سقوط اعتبار نجاسته ههنا لمكان الضرورة (واما) بيان سبب صيرورة الماء مستعملا فعند أبى حنيفة وأبى يوسف الماء انما يصير مستعملا باحد أمرين اما بازالة الحدث أو باقامة القربة وعند محمد لا يصير مستعملا الا باقامة القربة وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا الا بازالة الحدث وهذا الاختلاف لم ينقل عنهم نصا لكن مسائلهم تدل عليه والصحيح قول أبى حنيفة وأبى يوسف لما ذكرنا من زوال المانع من الصلاة إلى الماء واستخباث الطبيعة اياه في الفصلين جميعا إذا عرفنا هذا فنقول إذا توضأ بنية اقامة القربة نحو الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ونحوها فان كان محدثا صار الماء مستعملا بلا خلاف لوجود السببين وهو ازالة الحدث واقامة القربة جميعا وان لم يكن محدثا يصير مستعملا عند أصحابنا الثلاثة لوجود اقامة القربة لكون الوضوء
على الوضوء نورا على نور وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا لانعدام ازالة الحدث ولو توضأ أو اغتسل للتبرد فان كان محدثا صار الماء مستعملا عند أبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والشافعي لوجود ازالة الحدث وعن محمد لا يصير مستعملا لعدم اقامة القربة وان لم يكن محدثا لا يصير مستعملا بالاتفاق على اختلاف الاصول ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملا بالاجماع لان التوضؤ به غير جائز فلم يوجد ازالة الحدث ولا اقامة القربة وكذا إذا غسل الاشياء الطاهرة من النبات والثمار والاوانى والاحجاز ونحوها أو غسل يده من الطين والوسخ وغسلت المرأة يدها من العجين أو الحناء ونحو ذلك لا يصير مستعملا لما قلنا ولو غسل يده للطعام أو من الطعام لقصد اقامة السنة صار الماء مستعملا لان اقامة السنة قربة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء قبل الطعام بركة وبعده ينفى اللمم ولو توضأ ثلاثا ثلاثا ثم زاد على ذلك فان أراد بالزيادة ابتداء الوضوء صار الماء مستعملا لما قلنا وان أراد الزيادة على الوضوء الاول اختلف المشايخ فيه فقال بعضهم لا يصير مستعملا لان الزيادة على الثلاث من باب التعدي بالنص وقال بعضهم يصير مستعملا لان الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء فكانت قربة ولو أدخل جنب أو حائض أو محدث يده في الاناء قبل أن يغسلها وليس عليها قذر أو شرب الماء منه فقياس أصل أبى حنيفة وأبى يوسف ان يفسد وفى الاستحسان لا يفسد وجه القياس أن الحدث زال عن يده بادخالها في الماء وكذا عن شفته فصار مستعملا وجه الاستحسان ما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من اناء واحد وربما كانت تتنازع فيه الايدى وروينا أيضا عن عائشة رضى الله عنها انها كانت تشرب من اناء وهى حائض وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب من ذلك الاناء وكان يتتبع مواضع فمها حبا لها ولان التحرز عن اصابة الحدث والجنابة والحيض غير ممكن وبالناس حاجة إلى الوضوء والاغتسال والشرب وكل واحد لا يملك الاناء ليغترف الماء من الاناء العظيم ولا كل أحد يملك أن يتخذ آنية على حدة للشرب فيحتاج إلى الاغتراف باليد والشرب من كل آنية فلو لم يسقط اعتبار نجاسة اليد والشفة لوقع الناس في الحرج حتى لو أدخل رجله فيه يفسد الماء لانعدام الحاجة إليه في الاناء ولو أدخلها في البئر لم يفسده كذا ذكر أبو يوسف في الامالى لانه يحتاج إلى ذلك في البئر لطلب الدلو فجعل عفوا ولو أدخل في الاناء أو البئر بعض جسده سوى اليد والرجل أفسده لانه لا حاجة إليه وعلى هذا الاصل تخرج مسألة البئر إذا انغمس الجنب فيها لطلب الدلو لا بنية الاغتسال وليس على
[ 70 ]
بدنه نجاسة حقيقية والجملة فيه أن الرجل المنغمس لا يخلو اما ان يكون طاهرا أو لم يكن بان كان على بدنه نجاسة حقيقية أو حكمية كالجنابة والحدث وكل وجه على وجهين اما أن ينغمس لطلب الدلو أو للتبرد أو للاغتسال وفى المسألة حكمان حكم الماء الذى في البئر وحكم الداخل فيها فان كان طاهرا أو انغمس لطلب الدلو أو للتبرد لا يصير مستعملا بالاجماع لعدم ازالة الحدث واقامة القربة وان انغمس فيها للاغتسال صار الماء مستعملا عند أصحابنا الثلاثة لوجود اقامة القربة وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا لانعدام ازالة الحدث والرجل طاهر في الوجهين جميعا وان لم يكن طاهرا فان كان على بدنه نجاسة حقيقية وهو جنب أولا فانغمس في ثلاثة آبار أو أكثر من ذلك لا يخرج من الاولى والثانية طاهرا بالاجماع ويخرج من الثالثة طاهرا عند أبى حنيفة ومحمد والمياه الثلاثة نجسة لكن نجاستها على التفاوت على ما ذكرنا وعند أبى يوسف المياه كلها نجسة والرجل نجس سواء انغمس لطلب الدلو أو التبرد أو الاغتسال وعندهما ان انغمس لطلب الدلو أو التبرد فالمياه باقية على حالها وان كان الانغماس للاغتسال فالماء الرابع فصاعدا مستعمل لوجود اقامة القربة وان كان على يده نجاسة حكمية فقط فان أدخلها لطلب الدلو أو التبرد يخرج من الاولى طاهرا عند أبى حنيفة ومحمد هو الصحيح لزوال الجنابة بالانغماس مرة واحدة وعند أبى يوسف هو نجس ولا يخرج طاهرا أبدا وأما حكم المياه فالماء الاول مستعمل عند أبى حنيفة لوجود ازالة الحدث والبواقي على حالها لانعدام ما يوجب الاستعمال أصلا وعند أبى يوسف ومحمد المياه كلها على حالها أما عند محمد فظاهر لانه لم يوجد اقامة القربة بشئ منها وأما أبو يوسف فقد ترك أصله عند الضرورة على ما يذكر وروى بشر عنه أن المياه كلها نجسة وهو قياس مذهبه والحاصل أن عند أبى حنيفة ومحمد يطهر النجس بوروده على الماء القليل كما يطهر بورود الماء عليه بالصب سواء كان حقيقيا أو حكميا على البدن أو على غيره غير أن النجاسة الحقيقية لا تزول الا بالملاقاة ثلاث مرات والحكمية تزول بالمرة الواحدة وعند أبى يوسف لا يطهر النجس عن البدن بوروده على الماء القليل الراكد قولا واحدا وله في الثوب قولان أما الكلام في النجاسة الحقيقية في الطرفين فسيأتي في بيان ما يقع به التطهير وأما النجاسة الحكمية فالكلام فيها على نحو الكلام في الحقيقية فابو يوسف يقول الاصل أن ملاقاة أول عضو المحدث الماء يوجب صيرورته مستعملا فكذا ملاقاة أول عضو الطاهر الماء على قصد اقامة القربة وإذا صار الماء مستعملا باول الملاقاة لا تتحقق طهارة بقية الاعضاء بالماء المستعمل فيجب العمل بهذا الاصل الا عند الضرورة كالجنب والمحدث إذا أدخل يده في الاناء لاغتراف
الماء لا يصير مستعملا ولا يزول الحدث إلى الماء لمكان الضرورة وههنا ضرورة لحاجة الناس إلى اخراج الدلاء من الآبار فترك أصله لهذه الضرورة ولان هذا الماء لو صار مستعملا انما يصير مستعملا بازالة الحدث ولو أزال الحدث لتنجس ولو تنجس لا يزيل الحدث وإذا لم يزل الحدث بقى طاهرا وإذا بقى طاهرا يزيل الحدث فيقع الدور فقطعنا الدور من الابتداء فقلنا انه لا يزيل الحدث عنه فبقى هو بحاله والماء على حاله وأبو حنيفة ومحمد يقولان ان النجاسة تزول بورود الماء عليها فكذا بورودها على الماء لان زوال النجاسة بواسطة الاتصال والملاقاة بين الطاهر والنجس موجودة في الحالين ولهذا ينجس الماء بعد الانفصال في الحالين جميعا في النجاسة الحقيقية الا أن حالة الاتصال لا يعطى لها حكم النجاسة والاستعمال لضرورة امكان التطهير والضرورة متحققة في الصب إذ كل واحد لا يقدر عليه على كل حال فامتنع ظهور حكمه في هذه الحالة ولا ضرورة بعد الانفصال فيظهر حكمه وعلى هذا إذا أدخل رأسه أو خفه أو جبيرته في الاناء وهو محدث قال أبو يوسف يجزئه في المسح ولا يصير الماء مستعملا سواء نوى أو لم ينو لوجود أحد سببي الاستعمال وانما كان لان فرض المسخ يتأدى باصابة البلة إذ هو اسم للاصابة دون الاسالة فلم يزل شئ من الحدث إلى الماء الباقي في الاناء وانما زال إلى البلة وكذا اقامة القربة تحصل بها فاقتصر حكم الاستعمال عليها وقال محمد ان لم ينو المسح يجزئه ولا يصير الماء مستعملا لانه لم توجد اقامة القربة فقد مسح بماء غير مستعمل فاجزأه وان نوى المسح اختلف المشايخ على قوله قال بعضهم
[ 71 ]
لا يجزئه ويصير الماء مستعملا لانه لما لاقى رأسه الماء على قصد اقامة القربة صيره مستعملا ولا يجوز المسح بالماء المستعمل والصحيح انه يجوز ولا يصير الماء مستعملا بالملاقاة لان الماء انما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال فلم يكن مستعملا قبله فيجزئه المسح به جنب على يده قذر فاخذ الماء بفمه وصبه عليه روى المعلى عن أبى يوسف انه لا يطهر لانه صار مستعملا بازالة الحدث عن الفم والماء المستعمل لا يزيل النجاسة بالاجماع وذكر محمد في الآثار انه يطهر لانه لم يقم به قربة فلم يصر مستعملا والله أعلم * (فصل) * وأما بيان المقدار الذى يصير به المحل نجسا شرعا فالنجس لا يخلو اما أن يقع في المائعات كالماء والخل ونحوهما واما أن يصيب الثوب والبدن ومكان الصلاة فان وقع في الماء فان كان جاريا فان كان النجس غير مرئى كالبول والخمر ونحوهما لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ويتوضأ منه من أي موضع كان من الجانب الذى
وقع فيه النجس أو من جانب آخر كذا ذكره محمد في كتاب الاشربة لو أن رجل صب خابية من الخمر في الفرات ورجل آخر أسفل منه يتوضأ به ان تغير لونه أو طعمه أو ريحه لا يجوز وان لم يتغير يجوز وعن أبى حنيفة في الجاهل بال في الماء الجارى ورجل أسفل منه يتوضأ به قال لا بأس به هذا لان الماء الجارى مما لا يخلص بعضه إلى بعض فالماء الذى يتوضأ به يحتمل أنه نجس ويحتمل انه طاهر والماء طاهر في الاصل فلا نحكم بنجاسته بالشك وان كانت النجاسة مرئية كالجيفة ونحوها فان كان جميع الماء يجرى على الجيفة لا يجوز التوضؤ من أسفل الجيفة لانه نجس بيقين والنجس لا يطهر بالجريان وان كان أكثره يجرى على الجيفة فكذلك لان العبرة للغالب وان كان أقله يجرى على الجيفة والاكثر يجرى على الطاهر يجوز التوضؤ به من أسفل الجيفة لان المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشرع وان كان يجرى عليها النصف أو دون النصف فالقياس أن يجوز التوضؤ به لان الماء كان طاهرا بيقين فلا يحكم بكونه نجسا بالشك وفى الاستحسان لا يجوز احتياطا وعلى هذا إذا كان النجس عند الميزاب والماء يجرى عليه فهو على التفصيل الذى ذكرنا وان كانت الانجاس متفرقة على السطح ولم تكن عند الميزاب ذكر عيسى ابن أبان أنه لا يصير نجسا ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وحكمه حكم الماء الجارى وقال محمد ان كانت النجاسة في جانب من السطح أو جانبين منه لا ينجس الماء ويجوز التوضؤ به وان كانت في ثلاثة جوانب ينجس اعتبارا للغالب وعن محمد في ماء المطر إذا مر بعذرات ثم استنقع في موضع فخاض فيه انسان ثم دخل المسجد فصلى لا بأس به وهو محمول على ما إذا مر أكثره على الطاهر واختلف المشايخ في حد الجريان قال بعضهم هو أن يجرى بالتبن والورق وقال بعضهم ان كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضا لم ينقطع جريانه فهو جار والا فلا وروى عن أبى يوسف ان كان بحال لو اغترف انسان الماء بكفيه لم ينحسر وجه الارض بالاغتراف فهو جار والا فلا وقيل ما يعده الناس جاريا فهو جار ومالا فلا وهو أصح الاقاويل وان كان راكدا فقد اختلف فيه قال أصحاب الظواهر ان الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلا سواء كان جاريا أو راكدا وسواء كان قليلا أو كثيرا تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير وقال عامة العلماء ان كان الماء قليلا ينجس وان كان كثيرا لا ينجس لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير قال مالك ان تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل وان لم يتغير فهو كثير وقال الشافعي إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير والقلتان عنده خمس قرب كل قربة خمسون منا فيكون جملته مائتين وخمسين منا وقال أصحابنا ان كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل وان كان لا يخلص فهو كثير فاما أصحاب الظواهر فاحتجوا
بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شئ (واحتج) مالك بقوله صلى الله عليه وسلم خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه وهو تمام الحديث أو بنى العام على الخاص عملا بالدليلين (واحتج) الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا أي يدفع الخبث عن نفسه قال الشافعي قال ابن جريح أراد بالقلتين قلال هجر كل قلة يسع فيها قربتان وشئ قال الشافعي وهو شئ مجهول فقدرته بالنصف احتياطا (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن
[ 72 ]
يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده ولو كان الماء لا ينجس بالغمس لم يكن للنهى والاحتياط لوهم النجاسة معنى وكذا الاخبار مستفيضة بالامر بغسل الاناء من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة من غير فصل بين دائم ودائم وهذا نهى عن تنجيس الماء لان البول والاغتسال فيما لا يتنجس لكثرته ليس بمنهى فدل على كون الماء الدائم مطلقا محتملا للنجاسة إذا النهى عن تنجيس مالا يحتمل النجاسة ضرب من السفه وكذا الماء الذى يمكن الاغتسال فيه يكون أكثر من قلتين والبول والاغتسال فيه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه وعن ابن عباس وابن الزبير رضى الله عنهما أنهما أمرا في زنجى وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الاجماع من الصحابة على ما قلنا وعرف بهذا الاجماع أن المراد بما رواه مالك هو الماء الكثير الجارى وبه تبين أن ما رواه الشافعي غير ثابت لكونه مخالفا لاجماع الصحابة رضى الله عنهم وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للاجماع يرد يدل عليه أن على بن المدينى قال لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبو داود السجستاني وقال لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية ثم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أنه ان كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وان كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وانما اختلفوا في جهة التحريك فروى أبو يوسف عن أبى حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف وروى محمد عنه أنه يعتبر التحريك بالوضوء وفى رواية باليد من غير اغتسال ولا وضوء
واختلف المشايخ فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري اعتبر الخلوص بالصبغ وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام اعتبره بالتكدير وأبو سليمان الجوزجانى اعتبره بالمساحة فقال ان كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص وان كان دونه فهو مما يخلص وعبد الله بن المبارك اعتبره بالعشرة أولا ثم بخمسة عشر واليه ذهب أبو مطيع البلخى فقال ان كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز وان كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبى شيأ وروى عن محمد أنه قدره بمسجده فكان مسجده ثمانيا في ثمان وبه أخذ محمد بن سلمة وقيل كان مسجده عشرا في عشر وقيل مسح مسجده فوجد داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر وذكر الكرخي وقال لا عبرة للتقدير في الباب وانما المعتبر هو التحرى فان كان أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى هذا الموضع الذى يتوضأ منه لا يجوز وان كان أكبر رأيه انها لم تصل إليه يجوز لان العمل بغالب الرأى وأكبر الظن في الاحكام واجب الا يرى أن خبر الواحد العدل يقبل في نجاسة الماء وطهارته وان كان لا يفيد برد اليقين وكذلك قال أصحابنا في الغدير العظيم الذى لو حرك طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر إذا وقعت فيه النجاسة انه ان كان في غالب الرأى انها وصلت إلى الموضع الذى يتوضأ منه لا يجوز وان كان فيه انها لم تصل يجوز وذكر في كتاب الصلاة في الميزاب إذا سال على انسان انه ان كان غالب ظنه أنه نجس يجب غسله والا فلا وان لم يستقر قلبه على شئ لا يجب غسله في الحكم ولكن المستحب أن يغسل وأما حوض الحمام الذى يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه النجاسة أو توضأ انسان روى عن أبى يوسف انه ان كان الماء يجرى من الميزاب والناس يغترفون منه لا يصير نجسا وهكذا روى الحسن عن أبى حنيفة لانه بمنزلة الماء الجارى ولو تنجس الحوض الصغير بوقوع النجاسة فيه ثم بسط ماؤه حتى صار لا يخلص بعضه إلى بعض فهو نجس لان المبسوط هو الماء النجس وقيل في الحوض الكبير وقعت فيه النجاسة ثم قل ماؤه حتى صار يخلص بعضه إلى بعض انه طاهر لان المجتمع هو الماء الطاهر هكذا ذكره أبو بكر الاسكاف واعتبر حالة الوقوع ولو وقع في هذا القليل نجاسة ثم عاوده الماء حتى امتلا الحوض ولم يخرج منه شئ قال أبو القاسم الصفار لا يجوز التوضؤ به لانه كلما دخل الماء فيه صار نجسا ولو أن حوضين صغيرين يخرج الماء من
[ 73 ]
أحدهما ويدخل في الآخر فتوضأ منه انسان في خلال ذلك جاز لانه ماء جار حوض حكم بنجاسته ثم نضب ماؤه وجف أسفله حتى حكم بطهارته ثم دخل فيه الماء ثانيا هل يعود نجسا فيه روايتان عن أبى حنيفة وكذا الارض إذا أصابتها
النجاسة فجفت وذهب أثرها ثم عاودها الماء وكذا المنى إذا أصاب الثوب فجف وفرك ثم أصابه بلل وكذا جلد الميتة إذا دبغ دباغة حكمية بالتشميس والتتريب ثم أصابه الماء ففى هذه المسائل كلها روايتان عن أبى حنيفة وأما البئر إذا تنجست فغار ماؤها وجف أسفلها ثم عاودها الماء فقال نصير بن يحيى هو طاهر وقال محمد بن سلمة هو نجس وكذا روى عن أبى يوسف وجه قول نصير ان تحت الارض ماء جار فيختلط الغائر به فلا يحكم بكون العائد نجسا بالشك وجه قول محمد بن سلمة أن مانع يحتمل أنه مانع يحتمل أنه ماء جديد ويحتمل أنه الماء النجس فلا يحكم بطهارته بالشك وهذا القول أحوط والاول أوسع هذا إذا كان الماء الراكد له طول وعرض فان كان له طول بلا عرض كالانهار التى فيها مياه راكدة لم يذكر في ظاهر الرواية وعن أبى نصر محمد بن محمد بن سلام انه ان كان طول الماء مما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ به وكان يتوضأ في نهر بلخ ويحرك الماء بيده ويقول لا فرق بين اجرائى اياه وبين جريانه بنفسه فعلى قوله لو وقعت فيه نجاسة لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وعن أبى سليمان الجوزجانى أنه قال لا يجوز التوضؤ فيه وعلى قوله لو وقعت فيه نجاسة أو بال فيه انسان أو توضأ ان كان في أحد الطرفين ينجس مقدار عشرة أذرع وان كان في وسطه ينجس من كل جانب مقدار عشرة أذرع فما ذهب إليه أبو نصر أقرب إلى الحكم لان اعتبار العرض يوجب التنجيس واعتبار الطول لا يوجب فلا ينجس بالشك وما قاله أبو سليمان أقرب إلى الاحتياط لان اعتبار الطول ان كان لا يوجب التنجيس فاعتبار العرض يوجب فيحكم بالنجاسة احتياطا وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض عن أبى سليمان الجوزجانى أنه قال ان أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق وعن الفقيه أبى جعفر الهندوانى ان كان بحال لو رفع انسان الماء بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل لا يتوضأ به وان كان بحال لا ينحسر اسفله لا بأس بالوضوء منه وقيل مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال وقيل أن يكون قدر شبر وقيل قدر ذراع ثم النجاسة إذا وقعت في الحوض الكبير كيف يتوضأ منه فنقول النجاسة لا تخلو اما أن تكون مرئية أو غير مرئية فان كانت مرئية كالجيفة ونحوها ذكر في ظاهر الرواية انه لا يتوضأ من الجانب الذى وقعت فيه النجاسة ولكن يتوضأ من الجانب الاخر ومعناه انه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ كذا فسره في الاملاء عن أبى حنيفة لانا تيقنا بالنجاسة في ذلك الجانب وشككنا فيما وراءه وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في موضع من حوض الحمام لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء وروى عن أبى يوسف انه يجوز التوضؤ
من أي جانب الا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه لان حكمه حكم الماء الجارى ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض على قياس ظاهر الرواية ان كان بين الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ فيه والا فلا لما ذكرنا وان كانت غير مرئية بان بال فيه انسان أو اغتسل جنب اختلف فيه المشايخ قال مشايخ العراق ان حكمه حكم المرئية حتى لا يتوضا من ذلك الجانب وانما يتوضأ من الجانب الآخر لما ذكرنا في المرئية بخلاف الماء الجارى لانه ينقل النجاسة من موضع إلى موضع فلم يستقين بالنجاسة في موضع الوضوء ومشايخنا بما وراء النهر فصلوا بينهما ففى غير المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان كما قالوا جميعا في الماء الجارى وهو الاصح لان غير المرئية لا يستقر في مكان واحد بل ينتقل لكونه مائعا سيالا بطبعه فلم تستيقن بالنجاسة في الجانب الذى يتوضأ منه فلا نحكم بنجاسته بالشك على الاصل المعهود ان اليقين لا يزول بالشك بخلاف المرئية وهذا إذا كان الماء في الحوض غير جامد فان كان جامدا وثقب في موضع منه فان كان الماء غير متصل بالجمد يجوز التوضؤ منه بلا خلاف وان كان متصلا به فان كان الثقب واسعا بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض فكذلك لانه بمنزلة الحوض الكبير وان كان الثقب صغيرا اختلف المشايخ فيه قال نصير بن يحيى وأبو بكر
[ 74 ]
الاسكاف لا خير فيه وسئل ابن المبارك فقال لا باس به وقال أليس الماء يضطرب تحته وهو قول الشيخ أبى حفص الكبير وهذا أوسع والاول أحوط وقالوا إذا حرك موضع الثقب تحريكا بليغا يعلم عنده ان ما كان راكدا ذهب عن هذا المكان وهذا ماء جديد يجوز بلا خلاف ولو وقعت نجاسة في الماء القليل فالماء القليل لا يخلو من أن يكون في الاواني أو في البئر أو في الحوض الصغير فان كان في الاواني فهو نجس كيفما كانت النجاسة متجسدة أو مانعة لانه لا ضرورة في الاواني لامكان صونها عن النجاسات حتى لو وقعت بعرة أو بعرتان في المحلب عند الحلب ثم رميت من ساعتها لم ينجس اللبن كذا روى عنه خلف بن أيوب ونصير بن يحيى ومحمد بن مقاتل الرازي لمكان الضرورة وان كان في البئر فالواقع فيه لا يخلو من أن يكون حيوانا أو غيره من النجاسات فان كان حيوانا فاما ان أخرج حيا واما ان أخرج ميتا فان أخرج حيا فان كان نجس العين كالخنزير ينجس جميع الماء وفى الكلب اختلاف المشايخ في كونه نجس العين فمن جعله نجس العين استدل بما ذكر في العيون عن أبى يوسف ان الكلب إذا وقع في الماء ثم خرج منه فانتفض فاصاب انسانا منه أكثر من قدر الدرهم
لا تجوز صلاته وذكر في العيون أيضا ان كلبا لو أصابه المطر فانتفض فاصاب انسانا منه أكثر من قدر الدرهم ان كان المطر الذى أصابه وصل إلى جلده فعليه أن يغسل الموضع الذى أصابه والا فلا ونص محمد في الكتاب قال وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير فدل انه نجس العين وجه قول من قال انه ليس نجس العين انه يجوز بيعه ويضمن متلفه ونجس العين ليس محلا للبيع ولا مضمونا بالاتلاف كالخنزير دل عليه انه يطهر جلده بالدباغ ونجس العين لا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير وكذا روى ابن المبارك عن أبى حنيفة في الكلب والسنور وقعا في الماء القليل ثم خرجا انه يعجن بذلك ولذلك قال مشايخنا فيمن صلى وفى كمه جرو كلب انه تجوز صلاته وقيد الفقيه أبو جعفر الهندوانى الجواز بكونه مسدود الفم فدل انه ليس بنجس العين وهذا أقرب القولين إلى الصواب وان لم يكن نجس العين فان كان آدميا ليس على بدنه نجاسة حقيقية ولا حكمية وقد استنجى لا ينزح شئ في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبى حنيفة انه ينزح عشرون دلوا وهذه الرواية لا تصح لان الماء انما يصير مستعملا بزوال الحدث أو بقصد القربة ولم يوجد شئ من ذلك وان كان على بدنه نجاسة حقيقية أو لم يكن مستنجيا ينزح جميع الماء لاختلاط النجس بالماء وان كان على بدنه نجاسة حكمية بان كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فعلى قول من لا يجعل هذا الماء مستعملا لا ينزح شئ لانه طهور وكذا على قول من جعله مستعملا وجعل الماء المستعمل طاهرا لان غير المستعمل أكثر فلا يخرج عن كونه طهورا ما لم يكن المستعمل غالبا عليه كما لو صب اللبن في البئر بالاجماع أو بالت شاة فيها عند محمد واما على قول من جعل هذا الماء مستعملا وجعل الماء المستعمل نجسا ينزح ماء البئر كله كما لو وقعت فيها قطرة من دم أو خمر وروى الحسن عن أبى حنيفة انه ان كان محدثا ينزح أربعون وان كان جنبا ينزح كله وهذه الرواية مشكلة لانه لا يخلو اما ان صار هذا الماء مستعملا أولا فان لم يصر مستعملا لا يجب نزح شئ لانه بقى طهورا كما كان وان صار مستعملا فالماء المستعمل عند الحسن نجس نجاسة غليظة فينبغي أن يجب نزح جميع الماء وروى عن أبى حنيفة انه قال في الكافر إذا وقع في البئر ينزح ماء البئر كله لان بدنه لا يخلو عن نجاسة حقيقية أو حكمية حتى لو تيقنا بطهارته بأن اغتسل ثم وقع في البئر من ساعته لا ينزح منها شئ وأما سائر الحيوانات فان علم بيقين ان على بدنها نجاسة أو على مخرجها نجاسة تنجس الماء لاختلاط النجس به سواء وصل فمه إلى الماء أولا وان لم يعلم ذلك اختلف المشايخ فيه قال بعضهم العبرة لاباحة الاكل وحرمته ان كان مأكول اللحم لا ينجس ولا ينزح شئ سواء وصل لعابه إلى الماء
أولا وان لم يكن مأكول اللحم ينجس سواء كان على بدنه أو مخرجه نجاسة أولا وقال بعضهم المعتبر هو السؤر فان كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينزح شئ وان وصل فان كان سؤره طاهرا فالماء طاهر ولا ينزح منه شئ وان كان نجسا فالماء نجس وينزح كله وان كان مكروها يستحب أن ينزح عشر دلاء وان كان مشكوكا فيه فالماء
[ 75 ]
كذلك وينزح كله كذا ذكر في الفتاوى عن أبى يوسف وذكر ابن رستم في نوادره ان المستحب في الفأرة نزح عشرين وفى الهرة نزح أربعين لان ما كان أعظم جثة كان أوسع فما وأكثر لعابا وذكر في فتاوى أهل بلخ إذا وقعت وزغة في بئر فأخرجت حية يستحب نزح أربع دلاء إلى خمس أو ست وروى عن أبى حنيفة وأبى يوسف في البقر والابل انه ينجس الماء لانها تبول بين أفخاذها فلا تخلو عن البول غير ان عند أبى حنيفة ينزح عشرون دلوا لان بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة وقد ازداد خفة بسبب البئر فينزح أدنى ما ينزح من البئر وذلك عشرون وعند أبى يوسف ينزح ماء البئر كله لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجيس الماء هذا كله إذا خرج حيا فان خرج ميتا فان كان منتفخا أو متفسخا نزح ماء البئر كله وان لم يكن منتفخا ولا متفسخا ذكر في ظاهر الرواية وجعله ثلاث مراتب في الفأرة ونحوها ينزح عشرون دلوا أو ثلاثون وفى الدجاج ونحوه أربعون أو خمسون وفى الآدمى ونحوه ماء البئر كله وروى الحسن عن أبى حنيفة وجعله خمس مراتب في الحلمة ونحوها ينزح عشر دلاء وفى الفأرة ونحوها عشرون وفى الحمام ونحوه ثلاثون وفى الدجاج ونحوه أربعون وفى الآدمى ونحوه ماء البئر كله وقوله في الكتاب ينزح في الفأرة عشرون أو ثلاثون وفى الهرة اربعون أو خمسون لم يرد به التخيير بل أراد به عشرين وجوبا وثلاثين استحبابا وكذا في الاربعين والخمسين وقال بعضهم انما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر ففى الصغير منها ينزح الاقل وفى الكبير ينزح الاكثر والاصل في البئر انه وجد فيها قياسان احدهما ما قاله بشر بن غياث المريسى انه يطم ويحفر في موضع آخر لان غاية ما يمكن ان ينزح جميع الماء لكن يبقى الطين والحجارة نجسا ولا يمكن كبه ليغسل والشافعي ما نقل عن محمد انه قال اجتمع وأبى ورأى أبى يوسف ان ماء البئر في حكم الماء الجارى لانه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب الماء فيه من جانب ويغترف من جانب آخر انه لا ينجس بادخال اليد النجسة فيه ثم قلنا وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء ولا نخالف السلف الا انا تركنا القياسين الظاهرين
بالخبر والاثر وضرب من الفقه الخفى اما الخبر فما روى القاضى أبو جعفر الاستروشنى باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون وفى رواية ينزح ثلاثون دلوا وأما الاثر فما روى عن على رضى الله عنه انه قال ينزح عشرون وفى رواية ثلاثون وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه انه قال في دجاجة ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوا وعن ابن عباس وابن الزبير رضى الله عنهما انهما أمرا بنزح جميع ماء زمزم حين مات فيها زنجى وكان بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الاجماع عليه وأما الفقه الخفى فهو ان في هذه الاشياء دما مسفوحا وقد تشرب في أجزائها عند الموت فنجسها وقد جاورت هذه الاشياء الماء والماء يتنجس أو يفسد بمجاورة النجس لان الاصل ان ما جاور النجس نجس بالشرع قال صلى الله عليه وسلم في الفأرة تموت في السمن الجامد يقور ما حولها ويلقى ويؤكل الباقي فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة جار النجس وفى الفأرة ونحوها ما يجاورها من الماء مقدار ما قدره أصحابنا وهو عشرون دلوا أو ثلاثون لصغر جثتها فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء لان ما وراء هذا القدر لم يجاور الفأرة بل جاور ما جاور الفأرة والشرع ورد بتنجيس جار النجس لا بتنجيس جار جار النجس الا ترى ان النبي صلى الله عليه وسلم حكم بطهارة ما جاور السمن الذى جاور الفأرة وحكم بنجاسة ما جاور الفأرة وهذا لان جار جار النجس لو حكم بنجاسته لحكم ايضا بنجاسة ما جاور جار جار النجس ثم هكذا إلى ما لا نهاية له فيؤدى إلى ان قطرة من بول أو فأرة لو وقعت في بحر عظيم ان يتنجس جميع مائه لاتصال بين أجزائه وذلك فاسد وفى الدجاجة والسنور واشباه ذلك المجاورة أكثر لزيادة ضخامة في جثتها فقدر بنجاسة ذلك القدر والادمي وما كانت جثته مثل جثته كالشاة ونحوها يجاور جميع الماء في العادة لعظم جثته فيوجب تنجيس جميع الماء وكذا إذا تفسخ شئ من هذه الواقعات أو انتفخ لان عند ذلك تخرج البلة منها لرخاوة فيها فتجاور جميع اجزاء الماء وقيل ذلك لا يجاور الا قدر ما ذكرنا لصلابة فيها ولهذا قال محمد إذا وقع في
[ 76 ]
البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء لان موضع القطع لا ينفك عن بلة فيجاور اجزاء الماء فيفسدها هذا إذا كان الواقع واحدا فان كان أكثر روى عن أبى يوسف انه قال في الفأرة ونحوها ينزح عشرون إلى الاربع فإذا بلغت خمسا ينزح أربعون إلى التسع فإذا بلغت عشرا ينزح ماء البئر كله وروى عن محمد انه قال في الفأرتين ينزح عشرون وفى الثلاث أربعون وإذا كانت الفأرتان كهيئة الدجاج ينزج أربعون هذا إذا كان الواقع في البئر حيوانا فان كان
غيره من الانجاس فلا يخلوا ما ان يكون مستجسدا أو غير مستجسد فان كان غير مستجسد كالبول والدم والخمر ينزح ماء البئر كله لان النجاسة خلصت إلى جميع الماء وان كان مستجسدا فان كان رخوا متخلخل الاجزاء كالعذرة وخرء الدجاج ونحوهما ينزح ماء البئر كله قليلا كان أو كثيرا رطبا كان أو يابسا لانه لرخاوته يتفتت عند ملاقاة الماء فتختلط أجزاؤه باجزاء الماء فيفسده وان كان صلبا نحو بعر الابل والغنم ذكر في الاصل ان القياس ان ينجس الماء قل الواقع فيه أو كثر وفى الاستحسان ان كان قليلا لا ينجس وان كان كثيرا ينجس ولم يفصل بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر واختلف المشايخ قال بعضهم ان كان رطبا ينجس قليلا كان كان أو كثيرا وان كان يابسا فان كان منكسرا ينجس قل أو كثر وان لم يكن منكسرا لا ينجس ما لم يكن كثيرا وتكلموا في الكثير قال بعضهم ان يغطى جميع وجه الماء وقال بعضهم ربع وجه الماء وقال بعضهم الثلاث كثير لانه ذكر في الجامع الصغير في بعرة أو بعرتين وقعتا في الماء لا يفسد الماء ولم يذكر الثلاث فدل على ان الثلاث كثير وعن محمد بن سلمة ان كان لا يسلم كل دلو عن بعرة أو بعرتين فهو كثير وقال بعضهم الكثير ما استكثره الناظر وهو الصحيح وروى عن الحسن بن زياد انه قال ان كان يابسا لا ينجس صحيحا كان أو منكسرا قليلا كان أو كثيرا وان كان رطبا وهو قليل لا يمنع الضرورة وعن أبى يوسف في الروث اليابس إذا وقع في البئر ثم أخرج من ساعته لا ينجس والاصل في هذا ان للمشايخ في القليل من البعر اليابس الصحيح طريقتين احداهما ان لليابس صلابة فلا يختلط شئ من اجزائه باجزاء الماء فهذا يقتضى ان الرطب ينجس باختلاط رطوبته باجزاء الماء وكذلك ذكر في النوادر والحاكم في الاشارات وكذا اليابس المنكسر لما قلنا وكذا الروث لانه شئ رخو يداخله الماء لتخلخل اجزائه فتختلط اجزاؤه باجزاء الماء ويقتضى أيضا ان الكثير من اليابس الصحيح لا ينجس وكذلك قال الحسن بن زياد والصحيح ان الكثير ينجس لانها إذا كثرت تقع المماسة بينهما فيصطك البعض بالبعض فتتفتت اجزاؤها فتنجس والطريقة الثانية ان آبار الفلوات لا حاجز لها على رؤسها ويأتيها الانعام فتسقى فتبعر فإذا يبست الابعار عملت فيها الريح فالقتها في البئر فلو حكم بفساد المياه لضاق الامر على سكان البوادى وما ضاق أمره اتسع حكمه فعلى هذه الطريقة الكثير منه يفسد المياه لانعدام الضرورة في الكثير وكذا الرطب لان الريح تعمل في اليابس دون الرطب لثقله واليه أشار الشيخ أبو منصور الماتريدى وعن الشيخ أبى بكر محمد بن الفضل ان الرطب واليابس سواء لتحقق الضرورة في الجملة فاما اليابس المنكسر فلا يفسد إذا كان قليلا لان الضرورة في المنكسر أشد
والروث ان كان في موضع يتقدر بهذه الضرورة فالجواب فيه كالجواب في البعر هذا في آبار الفلوات (واما) الآبار التى في المصر فاختلف فيها المشايخ فمن اعتمد معنى الصلابة والرخاوة لا يفرق لان ذلك المعنى لا يختلف ومن اعتبر الضرورة فرق بينهما لان آبار الامصار لها رؤس حاجزة فيقع الامن عن الوقوع فيها ولو انفصلت بيضة من دجاجه فوقعت في البئر من ساعتها اختلف المشايخ فيه قال نصير بن يحيى ينتفع بالماء ما لم يعلم ان عليها قذرا وقال بعضهم ان كانت رطبة أفسدت وان كانت يابسة فوقعت في الماء أو في المرقة لا تفسدهما وهى حلال اشتد قشرها أو لم يشتد وعند الشافعي ان اشتد قشرها تحل والا فلا ولو سقطت السخلة من أمها وهى مبتلة فهى نجسة حتى لو حملها الراعى فاصاب بللها الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة ولو وقعت في الماء في ذلك الوقت أفسدت الماء وإذا يبست فقد طهرت وذكر الفقيه أبو جعفر ان هذا الجواب موافق قولهما فاما في قياس قول أبى حنيفة فالبيضة طاهرة رطبة كانت أو يابسة وكذا السخلة لانها كانت في مكانها ومعدنها كما قال في
[ 77 ]
الانفحة إذا خرجت بعد الموت انها طاهرة جامدة كانت أو مائعة وعندهما ان كانت مائعة فنجسة وان كانت جامدة تطهر بالغسل ولو وقع عظم الميتة في البئر فان كان عظم الخنزير أفسده كيفما كان واما عظم غيره فان كان عليه لحم أو دسم يفسد الماء لان النجاسة تشيع في الماء وان لم يكن عليه شئ لم يفسد لان العظم طاهر بئر وجب منها نزح عشرين دلوا فنزح الدلو الاول وصب في بئر طاهرة ينزح منها عشرون دلوا والاصل في هذا ان البئر الثانية تطهر بما تطهر به الاولى حين كان الدلو المصبوب فيها ولو صب الدلو الثاني ينزح تسعة عشر دلوا ولو صب الدلو العاشر في رواية أبى سليمان ينزح عشرة دلاء وفى رواية أبى حفص أحد عشر دلوا وهو الاصح والتوفيق بين الروايتين ان المراد من الاولى سوى المصبوب ومن الثانية مع المصبوب ولو صب الدلو الاخير ينزح دلوا واحدا لان طهارة الاولى به ولو أخرجت الفأرة وألقيت في بئر طاهرة وصب فيها أيضا عشرون دولوا من ماء الاولى تطرح الفأرة وينزع عشرون دلوا لان طهارة الاولى به فكذا الثانية بئران وجب من كل واحدة منهما نزح عشرين فنزح عشرون من أحدهما وصب في الاخرى ينزح عشرون ولو وجب من احداهما نزح عشرين ومن الاخرى نزح أربعين فنزح ما وجب من احداهما وصب في الاخرى ينزح أربعون والاصل فيه ان ينظر إلى ما وجب من النزح منها والى ما صب فيها فان كانا سواء تداخلا وان كان أحدهما أكثر دخل القليل في الكثير وعلى هذا ثلاثة آبار وجب
من كل واحدة نزح عشرين فنزح الواجب من البئرين وصب في الثالثة ينزح أربعون فلو وجب من احداهما نزح عشرين ومن الاخرى نزح أربعين فصب الواجبان في بئر طاهرة ينزح أربعون لما قلنا من الاصل ولو نزح دلو من الاربعين وصب في العشرين ينزح أربعون لانه لو صب في بئر طاهرة نزح كذلك فكذا هذا وهذا كله قول محمد وعن أبى يوسف روايتان في رواية ينزح جميع الماء وفى رواية ينزح الواجب والمصبوب جميعا فقيل له ان محمدا روى عنك الاكثر فانكر فأرة وقعت في حب ماء وماتت فيها يهراق كله ولو صب ماؤه في بئر طاهرة فعند أبى يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا وعند محمد ينظر إلى ماء الحب فان كان عشرين دلوا أو أكثر نزح ذلك القدر وان كان أقل من عشرين نزح عشرون لان الحاصل في البئر نجاسة الفأرة فأرة ماتت في البئر وأخرجت فجاؤا بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم فاستقوا منها دلوا واحدا اجزأهم وطهرت البئر لان الماء النجس قدر ما جاور الفأرة فلا فرق بين ان ينزح ذلك بدلوا واحد وبين ان ينزح بعشرين دلوا وكان الحسن بن زياد يقول لا يطهر الا بنزح عشرين دلوا لان عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجارى وهذا لا يحصل بدلوا واحد وان كان عظيما ولو صب الماء المستعمل في البئر ينزح كله عند أبى يوسف لانه نجس عنده وعند محمد ينزح عشرون دلوا كذا ذكره القدورى في شرح مختصر الكرخي وفيه نظر لان الماء المستعمل طاهر عند محمد والطاهر إذا اختلط بالطهور لا يغيره عن صفة الطهورية الا إذا غلب عليه كسائر المائعات الطاهرة ويحتمل ان يقال ان طهارته غير مقطوع بها لكونه محل الاجتهاد بخلاف المائعات فينزح أدنى ما ورد الشرع به وذلك عشرون احتياطا ولو نزح ماء البئر وبقى الدلو الاخير فهذا على ثلاثة أوجه اما ان لم ينفصل عن وجه الماء أو انفصل ونحى عن رأس البئر أو انفصل ولم ينح عن رأس البئر فان لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر حتى لا يجوز التوضؤ منه لان النجس لم يتميز من الطاهر وان انفصل عن وجه الماء ونحى عن رأس البئر طهر لان النجس قد تميز من الطاهر واما إذا انفصل عن وجه الماء ولم ينح عن رأس البئر والماء يتقاطر فيه لا يطهر عند أبى يوسف وعند محمد يطهر ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبى حنيفة وذكر الحاكم قوله مع قول أبى يوسف وجه قول محمد ان النجس انفصل من الطاهر فان الدلو الاخير تعين للنجاسة شرعا بدليل انه إذا نحى عن رأس البئر يبقى الماء طاهرا وما يتقاطر فيها من الدلو سقط اعتبار نجاسته شرعا دفعا للحرج إذا لو أعطى للقطرات حكم النجاسة لم يطهر بئر أبدا وبالناس حاجة إلى الحكم بطهارة الآبار بعد وقوع النجاسات فيها وجه قولهما انه لا يمكن الحكم بطهارة البئر الا بعد انفصال
النجس عنها وهو ماء الدلو الاخير ولا يتحقق الانفصال الا بعد تنحية الدلو عن البئر لان ماءه متصل بماء البئر ولم
[ 78 ]
يوجد فلا يحكم بطهارة البئر ولانه لو جعل منفصلا لا يمكن القول بطهارة البئر لان القطرات تقطر في البئر فإذا كان منفصلا كان له حكم النجاسة فتنجس البئر ثانيا لان ماء البئر قليل والنجاسة وان قلت متى لاقت ماء قليلا تنجسه فكان هذا تطهيرا للبئر أولا ثم تنجيسا له ثانيا وانه اشتغال بما لا يفيد وسقوط اعتبار نجاسة القطرات لا يجوز الا لضرورة والضرورة تندفع بان يعطى لهذا الدلو حكم الانفصال بعد انعدام التقاطر بالتنحية عن رأس البئر فلا ضرورة إلى تنجيس البئر بعد الحكم بطهارتها ولو توضأ من بئر وصلى أياما ثم وجد فيها فأرة فان علم وقت وقوعها أعاد الصلاة من ذلك الوقت لانه تبين أنه توضأ بماء نجس وان لم يعلم فالقياس أن لا يعيد شيأ من الصلوات ما لم يستيقن بوقت وقوعها وهو قول أبى يوسف ومحمد وفى الاستحسان ان كانت منتفخة أو متفسخة أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وان كانت غير منتفخة ولا متفسخة لم يذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يعيد صلاة يوم وليلة ولو اطلع على نجاسة في ثوبه أكثر من قدر الدرهم ولم يتيقن وقت اصابتها لا يعيد شيأ من الصلاة كذا ذكر الحاكم الشهيد وهو رواية بشر المريسى عن أبى حنيفة وروى عن أبى حنيفة انها ان كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة وان كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة ايام بلياليها وروى ابن رستم في نوادره عن أبى حنيفة انه ان كان دما لا يعيد وان كان منيا يعيد من آخر ما احتلم لان دم غيره قد يصيبه والظاهر أن الاصابة لم تتقدم زمان وجوده فاما منى غيره فلا يصيب ثوبه فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب خروجه حتى ان الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوى فيه حكم الدم والمنى ومشايخنا قالوا في البول يعتبر من آخر ما بال وفى الدم من آخر ما رعف وفى المنى من آخر ما احتلم أو جامع وجه القياس في المسألة أنه تيقن طهارة الماء فيما مضى وشك في نجاسته لانه يحتمل أنها وقعت في الماء وهى حية فماتت فيه ويحتمل انها وقعت ميتة بان ماتت في مكان آخر ثم ألقاها بعض الطيور في البئر على ما حكى عن أبى يوسف أنه قال كان قولى مثل قول أبى حنيفة إلى ان كنت يوما جالسا في بستاني فرأيت حدأة في منقارها جيفة فطرحتها في بئر فرجعت عن قول أبى حنيفة فوقع الشك في نجاسة الماء فيما مضى فلا يحكم بنجاسته بالشك وصار كما إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعلم وقت اصابتها أنه لا يعيد شيأ من الصلوات كذا هذا وجه الاستحسان أن وقوع الفأرة في البئر سبب لموتها والموت متى ظهر عقيب سبب صالح يحال به عليه كموت المجروح فانه يحال
به إلى الجرح وان كان يتوهم موته بسبب آخر وإذا حيل بالموت إلى الوقوع في الماء فأدنى ما يتفسخ فيه الميت ثلاثة أيام ولهذا يصلى على قبر ميت لم يصل عليه إلى ثلاثة أيام وتوهم الوقوع بعد الموت احالة بالموت إلى سبب لم يظهر وتعطيل للسبب الظاهر وهذا لا يجوز فبطل اعتبار الوهم والتحق الموت في الماء بالمتحقق الا إذا قام دليل المعاينة بالوقوع في الماء ميتا فحينئذ يعرف بالمشاهدة أن الموت غير حاصل بهذا السبب ولا كلام فيه وأما إذا لم تكن منتفخة فلانا إذا أحلنا بالموت إلى الوقوع في الماء ولا شك أن زمان الموت سابق على زمان الوجود خصوصا في الابار المظلمة العميقة التى لا يعاين ما فيها ولذا يعلم يقينا أن الواقع لا يخرج باول دلو فقدر ذلك بيوم وليلة احتياطا لانه أدنى المقادير المعتبرة (والفرق) بين البئر والثوب على رواية الحاكم أن الثوب شئ ظاهر فلو كان ما أصابه سابقا على زمان الوجود لعلم به في ذلك الزمان فكان عدم العلم قبل ذلك دليل عدم الاصابة بخلاف البئر على ما مر وعلى هذا الخلاف إذا عجن بذلك الماء انه يؤكل خبزه عندهما وعند أبى حنيفة لا يؤكل وإذا لم يؤكل ماذا يصنع به قال مشايخنا يطعم للكلاب لان ما تنجس باختلاط النجاسة به والنجاسة معلومة لا يباح أكله ويباح الانتفاع به فيما وراء الاكل كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحا إذا كان الطاهر غالبا فكذا هذا وبئر الماء إذا كانت بقرب من البالوعة لا يفسد الماء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وقدر أبو حفص المسافة بينهما بسبعة أذرع وأبو سليمان بخمسة وذا ليس بتقدير لازم لتفاوت الاراضي في الصلابة والرخاوة ولكنه خرج على الاغلب ولهذا قال محمد بعد هذا التقدير لو كان بينهما سبعة أذرع ولكن يوجد طعمه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به فدل على أن العبرة بالخلوص وعدم الخلوص وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار وعدمه ثم الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلوا ما ان كان له
[ 79 ]
دم سائل أو لم يكن ولا يخلوا ما ان يكون بريا أو مائيا ولا يخلوا ما ان مات في الماء أو في غير الماء فان لم يكن له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت ولا ينجس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماء أو غيره من المائعات كالخل واللبن والعصير وأشباء ذلك وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائى ونحوه وسواء كان السمك طافيا أو غير طاف وقال الشافعي ان كان شيأ يتولد من المائع كدود الخل أو ما يباح أكله بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا وله في الذباب والزنبور قولان (ويحتج) بظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ثم خص منه السمك والجراد بالحديث والذباب والزنبور بالضرورة (ولنا) ما ذكرنا ان نجاسة الميتة
ليست لعين الموت فان الموت موجود في السمك والجراد ولا يوجب التنجيس ولكن لما فيها من الدم المسفوح ولا دم في هذه الاشياء وان كان له دم سائل فان كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع الذى يموت فيه سواء كان ماء أو غيره وسواء مات في المائع أو في غيره ثم وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية لان الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره الا الآدمى إذا كان مغسولا لانه طاهر الا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وان كان مائيا كالضفدع المائى والسرطان ونحو ذلك فان مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف في غير رواية الاصول أنه قال لو أن حية من حيات الماء ماتت في الماء ان كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس وان كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب الصلاة فقال لان هذا مما يعيش في الماء ثم ان بعض المشايخ وهم مشايخ بلخ فهموا من تعليل محمد أنه لا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها لان معدنها الماء فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج وبعضهم وهم مشايخ العراق فهموا من تعليله انها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء وبين طبيعة الدم فلم تتنجس في نفسها لعدم الدم المسفوح فلا توجب تنجيس ما جاورها ضرورة وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة الا ترى أن السمك يحل يغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لاراقة الدم المسفوخ ولذا إذا شمس دمه يبيض ومن طبع الدم انه إذا شمس اسود وان مات في غير الماء فعلى قياس العلة الاولى يوجب التنجيس لانه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها وروى عن نصير بن يحيى أنه قال سألت أبا مطيع البلخى وأبا معاذ عن الضفدع يموت في العصير فقالا يصب وسألت أبا عبد الله البلخى ومحمد بن مقاتل الرازي فقالا لا يصب وعن أبى نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان يقول يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهكذا روى هشام عنهم وهذا أشبه بالفقه والله أعلم ويستوى الجواب بين المتفسخ وغيره في طهارة الماء ونجاسته الا أنه يكره شرب المائع الذى تفسخ فيه لانه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله ثم الحد الفاصل بين المائى والبرى أن المائى هو الذى لا يعيش الا في الماء والبرى هو الذى لا يعيش الا في البر وأما الذى يعيش فيهما جميعا كالبط والاوز ونحو ذلك فلا خلاف أنه إذا مات في غير الماء يوجب التنجيس لان له دما سائلا والشرع لم يسقط اعتباره حتى لا يباح أكله بدون الذكاة بخلاف السمك وان مات في الماء روى الحسن عن أبى حنيفة أنه يفسد
هذا الذى ذكرنا حكم وقوع النجاسة في المائع فاما إذا اصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة أما حكم الثوب والبدن فنقول وبالله التوفيق النجاسة لا تخلوا ما ان كانت غليظة أو خفيفة قليلة أو كثيرة أما النجاسة القليلة فانها لا تمنع جواز الصلاة سواء كانت خفيفة أو غليظة استحسانا والقياس أن تمنع وهو قول زفر والشافعي الا إذا كانت لا تأخذها العين أو مالا يمكن الاحتراز عنه وجه القياس أن الطهارة عن النجاسة الحقيقية شرط جواز الصلاة كما أن الطهارة عن النجاسة الحكمية وهى الحدث شرط ثم هذا الشرط ينعدم بالقليل من الحدث بان بقى على جسده لمعة فكذا بالقليل من النجاسة الحقيقية (ولنا) ما روى عن عمر رضى الله عنه أنه سئل عن القليل من النجاسة في الثوب فقال إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة ولان القليل من النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه فان
[ 80 ]
الذباب يقعن على النجاسة ثم يقعن على ثياب المصلى ولا بدو ان يكون على اجنحتهن وأرجلهن نجاسة قليلة فلو لم يجعل عفو الوقع الناس في الحرج ومثل هذه البلوى في الحدث منعدمة ولانا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء بالماء ومعلوم أن الاستنجاء بالاحجار لا يستأصل النجاسة حتى لو جلس في الماء القليل أفسده فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث كذا قاله ابراهيم النخعي انهم استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم تحسينا للعبارة وأخذا بصالح الادب وأما النجاسة الكثيرة فتمنع جواز الصلاة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير من النجاسة قال ابراهيم النخعي إذا بلغ مقدار الدرهم فهو كثير وقال الشعبى لا يمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم الكبير وهو قول عامة العلماء وهو الصحيح لما روينا عن عمر رضى الله عنه انه عد مقدار ظفره من النجلسة قليلا حيث لم يجعله مانعا من جواز الصلاة وظفره كان قريبا من كفنا فعلم أن قدر الدرهم عفو ولان أثر النجلسة في موضع الاستجناء عفو وذلك يبلغ قدر الدرهم خصوصا في حق المبطون ولان في ديننا سعة وما قلناه أوسع فكان اليق بالحنيفية السمحة ثم لم يذكر في ظاهر الرواية صريحا أن المراد من الدرهم الكبير من حيث العرض والمساحة أو من حيث الوزن وذكر في النوادر الدرهم الكبير ما يكون عرض الكف وهذا موافق لما روينا من حديث عمر رضى الله عنه لان ظفره كان كعرض كف أحدنا وذكر الكرخي مقدار مساحة الدرهم الكبير وذكر في كتاب الصلاة الدرهم الكبير المثقال فهذا يشير إلى الوزن وقال الفقيه أبو جعفر الهندوانى لما اختلفت عبارات محمد في هذا فنوفق ونقول أراد بذكر العرض
تقدير المائع كالبول والخمر ونحوهما ويذكر الوزن تقدير المستجسد كالعذرة ونحوها فان كانت أكثر من مثقال ذهب وزنا تمنع والا فلا وهو المختار عند مشايخنا بما وراء النهر وأما حد الكثير من النجلسة الخفيفة فهو الكثير الفاحش في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف انه قال سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش فكره أن يحد له حدا وقال الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويستكثرونه وروى الحسن عنه أنه قال شبر في شبر وهو المروى عن أبى يوسف أيضا وروى عنه ذراع في ذراع وروى أكثر من نصف الثوب وروى نصف الثوب ثم في رواية نصف كل الثوب وفى رواية نصف طرف منه أما التقدير باكثر من النصف فلان الكثرة والقلة من الاسماء الاضافية لا يكون الشئ قليلا الا أن يكون بمقابلتة كثير وكذا لا يكون كثيرا الا وأن يكون بمقابلته قليل والنصف ليس بكثير لانه ليس في مقابلته قليل فكان الكثير أكثر من النصف لان بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالنصف فلان العفو هو القليل والنصف ليس بقليل إذ ليس بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالشبر فلان أكثر الضرورة تقع لباطن الخفاف وباطن الخفين شبر في شبر وأما التقدير بالذراع فلان الضرورة في ظاهر الخفين وباطنهما وذلك ذراع في ذراع وذكر الحاكم في مختصره عن أبى حنيفة ومحمد الربع وهو الاصح لان للربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط ولا عبرة بالكثرة والقلة حقيقة الا ترى أن الدرهم جعل حدا فاصلا بين القليل والكثير شرعا مع انعدام ما ذكر الا أنه لا يمكن التقدير بالدرهم في بعض النجاسات لانحطاط رتبتها عن المنصوص عليها فقدر بما هو كثير في الشرع في موضع الاحتياط وهو الربع واختلف المشايخ في تفسير الربع قيل ربع جميع الثوب لانهما قدراه بربع الثوب والثوب اسم للكل وقيل ربع كل عضو وطرف اصابته النجاسة من اليد والرجل والذيل والكم والدخريص لان كل قطعة منها قبل الخياطة كان ثوبا على حدة فكذا بعد الخياطة وهو الاصح ثم لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير النجاسة الغليظة والخفيفة وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبى حنيفة ما ورد نص على نجاسته ولم يرد نص على طهارته معارضا له وان اختلف العلماء فيه والخفيفة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته وعند أبى يوسف ومحمد الغليظة ما وقع الاتفاق على نجاستة والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته (إذا) عرف هذا الاصل فالارواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبى حنيفة لانه ورد نص يدل على نجاستها وهو ما روينا عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه ليلة الجن أحجار الاستنجاء
[ 81 ]
فاتى بحجرين وروثة فاخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال انها رجس أو ركس أي نجس وليس له نص معارض وانما قال بعض العلماء بطهارتها بالرأى والاجتهاد والاجتهاد لا يعارض النص فكانت نجاستها غليظة وعلى قولهما نجاستها خفيفة لان العلماء اختلفوا فيها وبول مالا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالاجماع على اختلاف الاصلين (أما) عنده فلانعدام نص معارض لنص النجاسة (وأما) عندهما فلوقوع الاتفاق على نجاسته وبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق اما عنده فلتعارض النصين وهما حديث العرنيين مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا وأما عندهما فلاختلاف العلماء فيه (وأما) العذرات وخرء الدجاج والبط فنجاستها غليظة بالاجماع على اختلاف الاصلين هذا على وجه البناء على الاصل الذى ذكره الكرخي (وأما) الكلام في الا وراث على طريقة الابتداء فوجه قولهما أن في الا وراث ضرورة وعموم البلية لكثرتها في الطرقات فتتعذر صيانة الخفاف والنعال عنها وما عمت بليته خفت قضيته بخلاف خرء الدجاج والعذرة لان ذلك قلما يكون في الطرق فلا تعم البلوى باصابته وبخلاف بول ما يؤكل لحمه لان ذلك تنشفه الارض ويجف بها فلا تكثر اصابته الخفاف والنعال وروى عن محمد في الروث انه لا يمنع جواز الصلاة وان كان كثيرا فاحشا وقيل ان هذا آخر أقاويله حين كان بالرى وكان الخليفة بها فرأى الطرق والخانات مملوءة من الا وراث وللناس فيها بلوى عظيمة فعلى هذا القياس قال بعض مشايخنا بما وراء النهر ان طين بخارى إذا أصاب الثوب لا يمنع جواز الصلاة وان كان كثيرا فاحشا لبلوى الناس فيه لكثرة العذرات في الطرق وأبو حنيفة احتج بقوله تعالى من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين جمع بين الفرث والدم لكونهما نجسين ثم بين الاعجوبة للخلق في اخراج ما هو نهاية في الطهارة وهو اللبن من بين شيئين نجسين مع كون الكل مائعا في نفسه ليعرف به كمال قدرته والحكيم انما يذكر ما هو النهاية في النجاسة ليكون اخراجه ما هو النهاية في الطهارة من بين ما هو النهاية في النجاسة نهاية في الاعجوبة وآية لكمال القدرة ولانها مستخبثة طبعا ولا ضرورة في اسقاط اعتبار نجاستها لانها وان كثرت في الطرقات فالعيون تدركها فيمكن صيانة الخفاف والنعال كما في بول ما لا يؤكل لحمه والارض وان كانت تنشف الابوال فالهواء يجفف الارواث فلا تلتزق بالمكاعب والخفاف على أنا اعتبرنا معنى الضرورة بالعفو عن القليل منها وهو الدرهم فما دونه فلا ضرورة في الترقية بالتقدير بالكثير الفاحش والله أعلم ولو أن ثوبا اصابته النجاسة وهى كثيرة فجفت وذهب أثرها وخفى مكانها غسل جميع الثوب وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدرى أيهما هو غسلهما
جميعا وكذا إذا راثت البقرة أو بالت في الكديس ولا يدرى مكانه غسل الكل احتياطا وقيل إذا غسل موضعا من الثوب كالدخريص ونحوه واحد الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقي وهذا غير سديد لان موضع النجاسة غير معلوم وليس البعض أولى من البعض ولو كان الثوب طاهرا فشك في نجاسته جاز له أن يصلى فيه لان الشك لا يرفع اليقين وكذا إذا كان عنده ماء طاهر فشك في وقوع النجاسة فيه ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها الا الازار والسراويل فانه تكره الصلاة فيهما وتجوز (أما) الجواز فلان الاصل في الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك ولان التوارث جار فيما بين المسلمين بالصلاة في الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل وأما الكراهة في الازار والسراويل فلقربهما من موضع الحدث وعمى لا يستنزهون من البول فصار شبيه يد المستيقظ ومنقار الدجاجة المخلاة وذكر في بعض المواضع في الكراهة خلافا على قول أبى حنيفة ومحمد يكره وعلى قول أبى يوسف لا يكره وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الشراب في أواني المجوس فقال ان لم تجدوا منها بدا فاغسلوها ثم اشربوا فيها وانما أمر بالغسل لان ذبائحهم ميتة وأوانيهم قلما تخلو عن دسومة منها قال بعض مشايخنا وكذلك الجواب في ثياب الفسقة من المسلمين لان الظاهر انهم لا يتوقون اصابة الخمر ثيابهم في حال الشرب وقالوا في الديباج الذى ينسجه أهل فارس انه لا تجوز الصلاة فيه لانهم يستعملون فيه البول عند النسج يزعمون انه يزيد في بريقه ثم لا يغسلونه لان الغسل يفسده فان صح انهم يفعلون ذلك فلا شك انه لا تجوز
[ 82 ]
الصلاة معه (وأما) حكم مكان الصلاة فالمصلى لا يخلوا ما ان كان يصلى على الارض أو على غيرها من البساط ونحوه ولا يخلو اما ان كانت النجاسة في مكان الصلاة أو في غيره بقرب منه ولا يخلوا ما ان كانت قليلة أو كثيرة فان كان يصلى على الارض والنجاسة بقرب من مكان الصلاة جازت صلاته قليلة كانت أو كثيرة لان شرط الجواز طهارة مكان الصلاة وقد وجد لكن المستحب ان يبعد عن موضع النجاسة تعظيما لامر الصلاة وان كانت النجاسة في مكان الصلاة فان كانت قليلة تجوز على أي موضع كانت لان قليل النجاسة عفو في حق جواز الصلاة عندنا على ما مر وان كانت كثيرة فان كانت في موضع اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر والشافعي لا تجوز وجه قولهما انه أدى ركنا من أركان الصلاة مع النجاسة فلا يجوز كما لو كانت النجاسة على الثوب أو البدن أو في موضع القيام (ولنا) ان وضع اليدين والركبتين ليس بركن ولهذا لو أمكنه السجود بدون الوضع يجزئه فيجعل
كأنه لم يضع أصلا ولو ترك الوضع جازت صلاته فههنا أولى وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام ان ذلك ملحق بالعدم غير ان القيام ركن من أركان الصلاة فلا يثبت الجواز بدونه بخلاف الثوب لان لابس الثوب صار حاملا للنجاسة مستعملا لها لانها تتحرك بتحركه وتمشى بمشيه لكونها تبعا للثوب اما ههنا بخلافه وان كانت النجاسة في موضع القدمين فان قام عليها وافتتح الصلاة لم تجز لان القيام ركن فلا يصح بدون الطهارة كما لو افتتحها مع الثوب النجس أو البدن النجس وان قام على مكان طاهر وافتتح الصلاة ثم تحول إلى موضع النجاسة وقام عليها أو قعد فان مكث قليلا لا تفسد صلاته وان أطال القيام فسدت لان القيام من أفعال الصلاة مقصودا لانه ركن فلا يصح بدون الطهارة فيخرج من أن يكون فعل الصلاة لعدم الطهارة وما ليس من أفعال الصلاة إذا دخل في الصلاة ان كان قليلا يكون عفوا والا فلا بخلاف ما إذا كانت النجاسة على موضع اليدين والركبتين حيث لا تفسد صلاته وان أطال الوضع لان الوضع ليس من أفعال الصلاة مقصودا بل من توابعها فلا يخرج من أن يكون فعل الصلاة تبعا لعدم الطهارة لوجود الطهارة في الاصل وان كانت النجاسة في موضع السجود لم يجز في قول أبى يوسف ومحمد وعن أبى حنيفة روايتان روى عنه محمد انه لا يجوز وهو الظاهر من مذهبه وروى أبو يوسف عنه انه يجوز وجه قولهما ان الفرض هو السجود على الجبهة وقدر الجبهة أكثر من قدر الدرهم فلا يكون عفوا وجه رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة ان فرض السجود يتأدى بمقدار ارنبة الانف عنده وذلك أقل من قدر الدرهم فيجوز والصحيح رواية محمد لان الفرض وان كان يتأدى بمقدار الارنبة عنده ولكن إذا وضع الجبهة مع الارنبة يقع الكل فرضا كما إذا طول القراءة زيادة على ما يتعلق به جواز الصلاة ومقدار الجبهة والانف يزيد على قدر الدرهم فلا يكون عفوا ثم قوله إذا سجد على موضع نجس لم تجز أي صلاته كذا ذكر في ظاهر الرواية وهو قول زفر وروى عن أبى يوسف انه لم يجز سجوده فأما الصلاة فلا تفسد حتى لو أعاد السجود على موضع طاهر جاز صلاته ووجهه ان السجود على موضع نجس ملحق بالعدم لانعدام شرط الجواز وهو الطهارة فصار كأنه لم يسجد عليه وسجد على مكان طاهر وجه ظاهر الرواية ان السجدة أو ركن آخر لما لم يجز على موضع نجس صار فعلا كثيرا ليس من أفعال الصلاة وذا يوجب فساد الصلاة ولو كانت النجاسة في موضع احدى القدمين على قياس رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة يجوز لان أدنى القيام هو القيام باحدى القدمين واحداهما طاهرة فيتأدى به الفرض فكان وضع الاخرى فضلا بمنزلة وضع
اليدين والركبتين وعلى قياس رواية محمد عنه لا يجوز وهو الصحيح لانه إذا وضعهما جميعا يتأدى الفرض بهما كما في القراءة على ما مر والله أعلم هذا إذا كان يصلى على الارض فأما إذا كان يصلى على بساط فان كانت النجاسة في مكان الصلاة وهى كثيرة فحكمه حكم الارض على ما مر وان كانت على طرف من أطرافه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم ان كان البساط كبيرا بحيث لو رفع طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر يجوز والا فلا كما إذا تعمم بثوب وأحد طرفيه ملقى على الارض وهو نجس انه ان كان بحال لا يتحرك بتحركه جاز
[ 83 ]
وان كان يتحرك بحركته لا يجوز والصحيح انه يجوز صغيرا كان أو كبيرا بخلاف العمامة (والفرق) ان الطرف النجس من العمامة إذا كان يتحرك بتحركه صار حاملا للنجاسة مستعملا لها وهذا لا يتحقق في البساط الا ترى انه لو وضع يديه أو ركبتيه على الموضع النجس منه يجوز ولو صار حاملا لما جاز ولو صلى على ثوب مبطن ظهارته طاهرة وبطانته نجسة روى عن محمد أنه يجوز وكذا ذكر في نوادر الصلاة وروى عن أبى يوسف انه لا يجوز ومن المشايخ من وفق بين الروايتين فقال جواب محمد فيما إذا كان مخيطا غير مضرب فيكون بمنزلة ثوبين والا على منهما طاهر وجواب أبى يوسف فيما إذا كان مخيطا مضربا فيكون بمنزلة ثوب واحد ظاهره طاهر وباطنه نجس ومنهم من حقق فيه الاختلاف فقال على قول محمد يجوز كيفما ما كان وعلى قول أبى يوسف لا يجوز كيفما ما كان وعلى هذا إذا صلى على حجر الرحا أو على باب أو بساط غليظ أو على مكعب ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز عند محمد وبه كان يفتى الشيخ أبو بكر الاسكاف وعند أبى يوسف لا يجوز وبه كان يفتى الشيخ أبو حفص الكبير فأبو يوسف نظر إلى اتحاد المحل فقال المحل محل واحد فاستوى ظاهره وباطنه كالثوب الصفيق ومحمد اعتبر الوجه الذى يصلى عليه فقال انه صلى في موضع طاهر وليس هو حاملا للنجاسة فتجوز كما إذا صلى على ثوب تحته ثوب نجس بخلاف الثوب الصفيق لان الثوب وان كان صفيقا فالظاهر نفاذ الرطوبات إلى الوجه الآخر الا أنه ربما لا تدركه العين لتسارع الجفاف إليه ولو أن بساطا غليظا أو ثوبا مبطنا مضربا وعلى كلى وجيهه نجاسة أقل من قدر الدرهم في موضعين مختلفين لكنهما لو جمعا يزيد على قدر الدرهم على قياس رواية أبى يوسف يجمع ولا تجوز صلاته لانه ثوب واحد ونجاسة واحدة وعلى قياس رواية محمد لا يجمع وتجوز صلاته لان النجاسة في الوجه الذى يصلى فيه أقل من قدر الدرهم ولو كان ثوبا صفيقا
والمسألة بحالها لا يجوز بالاجماع لما ذكرنا ان الظاهر هو النفاذ إلى الجانب الآخر وان كان لا يدركه الحس فاجتمع في وجه واحد نجاستان لو جمعتا يزيد على قدر الدرهم فيمنع الجواز ولو أن ثوبا أو بساطا أصابه النجاسة ونفذت إلى الوجه الآخر وإذا جمعتا يزيد على قدر الدرهم لا يجمع بالاجماع اما على قياس رواية أبى يوسف فلانه ثوب واحد ونجاسة واحدة واما على قياس رواية محمد فلان النجاسة في الوجه الذى يصلى عليه أقل من قدر الدرهم وكذا إذا كان الثوب مبطنا مضربا والمسألة بحالها لا يجمع بالاجماع لما قلنا * (فصل) * وأما بيان ما يقع به التطهير فالكلام في هذا الفصل يقع في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ما يقع به التطهير والثانى في بيان طريق التطهير بالغسل والثالث في بيان شرائط التطهير (أما) الاول فما يحصل به التطهير أنواع منها الماء المطلق ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا لان الله تعالى سمى الماء طهورا بقوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا وكذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الماء طهور لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وكذا جعل الله تعالى الوضوء والاغتسال بالماء طهورا بقوله في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وقوله وان كنتم جنبا فاطهروا ويستوى العذب والملح لاطلاق النصوص واما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية وهى زوال الحدث وهل تحصل بها الطهارة الحقيقية وهى زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن اختلف فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف تحصل وقال محمد وزفر والشافعي لا تحصل وروى عن أبى يوسف انه فرق بين الثوب والبدن فقال في الثوب تحصل وفى البدن لا تحصل الا بالماء وجه قولهم ان طهورية الماء عرفت شرعا بخلاف القياس لانه بأول ملاقاته النجس صار نجسا والتطهير بالنجس لا يتحقق كما إذا غسل بماء نجس أو بالخمر الا أن الشرع أسقط اعتبار نجاسة الماء حالة الاستعمال وبقاؤه طهورا على خلاف القياس فلا يلحق به غيره ولهذا لم يلحق به في ازالة الحدث (ولهما) ان الواجب هو التطهير وهذه المائعات تشارك الماء في التطهير لان الماء انما كان مطهرا لكونه مائعا رقيقا يداخل أثناء الثوب فيجاور أجزاء النجاسة فيرققها ان كانت كثيفة فيستخرجها
[ 84 ]
بواسطة العصر وهذه المائعات في المداخلة والمجاورة والترقيق مثل الماء فكانت مثله في افادة الطهارة بل أولى فان الخل يعمل في ازالة بعض ألوان لا تزول بالماء فكان في معنى التطهير أبلغ (وأما) قولهم ان الماء بأول ملاقاة النجس
صار نجسا ممنوع والماء قط لا يصير نجسا وانما يجاور النجس فكان طاهرا في ذاته فصلح مطهرا ولو تصور تنجس الماء فذلك بعد مزايلته المحل النجس لان الشرع أمرنا بالتطهير ولو تنجس بأول الملاقاة لما تصور التطهير فيقع التكليف بالتطهير عبثا تعالى الله عن ذلك فهكذا نقول في الحدث الا أن الشرع ورد بالتطهير بالماء هناك تعبدا غير معقول المعنى فيقتصر على مورد التعبد وهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر فان كان لا ينعصر مثل العسل والسمن والدهن ونحوها لا تحصل به الطهارة أصلا لانعدام المعاني التى يقف عليها زوال النجاسة على ما بينا (ومنها) الفرك والحت بعد الجفاف في بعض الانجاس في بعض المحال (وبيان) هذه الجملة إذا أصاب المنى الثوب وجف وفرك طهر استحسانا والقياس ان لا يطهر الا بالغسل وان كان رطبا لا يطهر الا بالغسل والاصل فيه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضى الله عنها إذا رأيت المنى في ثوبك ان كان رطبا فاغسليه وان كان يابسا فافركيه ولانه شئ غليظ لزج لا يتشرب في الثوب الا رطوبته ثم تنجذب تلك الرطوبة بعد الجفاف فلا يبقى الا عينه وانها تزول بالفرك بخلاف الرطب لان العين وان زالت بالحت فاجزاؤها المتشربة في الثوب قائمة فبقيت النجاسة وان أصاب البدن فان كان رطبا لا يطهر الا بالغسل لما بينا وان جف فهل يطهر بالحت روى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا يطهر وذكر الكرخي أنه يطهر وجه رواية الحسن أن القياس أن لا يطهر في الثوب الا بالغسل وانما عرفناه بالحديث وأنه ورد في الثوب بالفرك فبقى البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس وجه قول الكرخي أن النص الوارد في الثوب يكون واردا في البدن من طريق الاولى لان البدن أقل تشربا من الثوب والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في ازالة العين (وأما) سائر النجاسات إذا أصابت الثوب أو البدن ونحوهما فانها لا تزول الا بالغسل سواء كانت رطبة أو يابسة كانت سائلة أو لها جرم ولو أصاب ثوبه خمر فالقى عليها الملح ومضى عليه من المدة مقدار ما يتخلل فيها لم يحكم بطهارته حتى يغسله ولو أصابه عصير فمضى عليه من المدة مقدار ما يتخمر العصير فيها لا يحكم بنجاسته وان أصاب الخف أو النعل ونحوهما فان كانت رطبة لا تزول الا بالغسل كيفما كانت وروى عن أبى يوسف أنه يطهر بالمسح على التراب كيفما كانت مستجسدة أو مائعة وان كانت يابسة فان لم يكن لها جرم كثيف كالبول والخمر والماء النجس لا يطهر الا بالغسل وان كان لها جرم كثيف فان كان منيا فانه يطهر بالحت بالاجماع وان كان غيره كالعذرة والدم الغليظ والروث يطهر بالحت عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يطهر الا بالغسل وهو أحد قولى الشافعي وما قالاه استحسان وما قاله قياس وجه القياس ان غير
الماء لا أثر له في الازالة وكذا القياس في الماء لما بينا فيما تقدم الا أنه يجعل طهورا للضرورة والضرورة ترتفع بالماء فلا ضرورة في غيره ولهذا لم يؤثر في ازالة الرطب واليابس وفى الثوب وهذا هو القياس في المنى الا أنا عرفناه بالنص وجه الاستحسان ما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناس نعالهم فلما فرغ من الصلاة قال ما بالكم خلعتم نعالكم فقالوا خلعت نعليك فخلعنا نعالنا فقال أتانى جبريل وأخبرني أن بهما أذى ثم قال إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فان كان بهما أذى فليمسحهما بالارض فان الارض لهما طهور وهذا نص والفقه من وجهين أحدهما أن المحل إذا كان فيه صلابة نحو الخف والنعل لا تتخلل اجزاء النجاسة فيه لصلابته وانما تتشرب منه بعض الرطوبات فإذا أخذ المستجسد في الجفاف جذبت تلك الرطوبات إلى نفسه شيأ فشيأ فكلما ازداد يبسا ازداد جذبا إلى أن يتم الجفاف فعند ذلك لا يبقى منها شئ أو يبقى شئ يسير فإذا جف الخف أو مسحه على الارض تزول العين بالكلية بخلاف حالة الرطوبة لان العين وان زالت فالرطوبات باقية لانه خروجها بالجذب بسبب اليبس ولم يوجد وبخلاف السائل لانه لم يوجد الجاذب وهو العين المستجسدة فبقيت الرطوبة المتشربة فيه فلا يطهر بدون الغسل وبخلاف
[ 85 ]
الثوب فان اجزاء النجاسة تتخلل في الثوب كما تتخلل رطوباتها لتخلخل اجزاء الثوب فبالجفاف انجذبت الرطوبات إلى نفسها فتبقى اجزاؤها فيه فلا تزول بازالة الجرم الظاهر على سبيل الكمال وصار كالمني إذا أصاب الثوب أنه يطهر بالفرك عند الجفاف لان المنى شئ لزج لا يداخل اجزاء الثوب وانما تتخلل رطوباته فقط ثم يجذبها المستجسد عند الجفاف فيطهر فكذلك هذا والثانى ان اصابة هذه الانجاس الخفاف والنعال مما يكثر فيحكم بطهارتها بالمسح دفعا للحرج بخلاف الثوب والحرج في الارواث لا غير وانما سوى في رواية عن أبى يوسف بين الكل لاطلاق ما روينا من الحديث وكذا معنى الحرج لا يفصل بين الرطب واليابس ولو أصابه الماء بعد الحت والمسح يعود نجسا هو الصحيح من الرواية لان شيأ من النجاسة قائم لان المحل إذا تشرب فيه النجس وأنه لا يحتمل العصر لا يطهر عند محمد ابدا وعند أبى يوسف ينقع في الماء ثلاث مرات ويخفف في كل مرة الا أن معظم النجاسة قد زال فجعل القليل عفوا في حق جواز الصلاة للضرورة لا أن يطهر المحل حقيقة فإذا وصل إليه الماء فهذا ماء قليل جاوره قليل نجاسة فينجسه وأطلق الكرخي أنه إذا حت طهر وتأويله في حق جواز الصلاة
ولو أصابت النجاسة شيأ صلبا صقيلا كالسيف والمرآة ونحوهما يطهر بالحت رطبة كانت أو يابسة لانه لا يتخلل في اجزائه شئ من النجاسة وظاهره يطهر بالمسح والحت وقيل ان كانت رطبة لا تزول الا بالغسل ولو أصابت النجاسة الارض فجفت وذهب أثرها تجوز الصلاة عليها عندنا وعند زفر لا تجوز وبه أخذ الشافعي ولو تيمم بهذا التراب لا يجوز في ظاهر الرواية وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم (ولنا) طريقان أحدهما ان الارض لم تطهر حقيقة لكن زال معظم النجاسة عنها وبقى شئ قليل فيجعل عفوا للضرورة فعلى هذا إذا أصابها الماء تعود نجسة لما بينا والثانى أن الارض طهرت حقيقة لان من طبع الارض أنها تحيل الاشياء وتغيرها إلى طبعها فصارت ترابا بمرور الزمان ولم يبق نجس أصلا فعلى هذا ان أصابها لا تعود نجسة وقيل ان الطريق الاول لابي يوسف والثانى لمحمد بناء على أن النجاسة إذا تغيرت بمضي الزمان وتبدلت أوصافها تصير شيأ آخر عند محمد فيكون طاهرا وعند أبى يوسف لا يصير شيأ آخر فيكون نجسا وعلى هذا الاصل مسائل بينهما (منها) الكلب إذا وقع في الملاحة والجمد والعذرة إذا أحرقت بالنار وصارت رمادا وطين البالوعة إذا جف وذهب أثره والنجاسة إذا دفنت في الارض وذهب أثرها بمرور الزمان وجه قول أبى يوسف ان أجزاء النجاسة قائمة فلا تثبت الطهارة مع بقاء العين النجسة والقياس في الخمر إذا تخلل أن لا يطهر لكن عرفناه نصا بخلاف القياس بخلاف جلد الميتة فان عين الجلد طاهرة وانما النجس ما عليه من الرطوبات وانها تزول بالدباغ وجه قول محمد أن النجاسة لما استحالت وتبدلت أوصافها ومعانيها خرجت عن كونها نجاسة لانها أسم لذات موصوفة فتنعدم بانعدام الوصف وصارت كالخمر إذا تخللت (ومنها) الدباغ للجلود النجسة فالدباغ تطهير للجلود كلها الا جلد الانسان والخنزير كذا ذكر الكرخي وقال مالك ان جلد الميتة لا يطهر بالدباغ لكن يجوز استعماله في الجامد لا في المائع بأن يجعل جرابا للحبوب دون الزق للماء والسمن والدبس وقال عامة أصحاب الحديث لا يطهر بالدباغ الا جلد ما يؤكل لحمه وقال الشافعي كما قلنا الا في جلد الكلب لانه نجس العين عنده كالخنزير وكذا روى عن الحسن بن زياد واحتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنتعفوا من الميتة باهاب ولا عصب واسم الاهاب يعم الكل الا فيما قام الدليل على تخصيصه (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ايما اهاب دبغ فقد طهر كالخمر تخلل فتحل وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بفناء قوم فاستسقاهم فقال هل عندكم ماء فقالت امرأة لا يا رسول الله الا في قربة لى ميتة فقال صلى الله عليه وسلم ألست دبغتيها فقالت نعم فقال دباغها طهورها ولان نجاسة الميتات لما
فيها من الرطوبات والدماء السائلة وانها تزول بالدباغ فتطهر كالثوب النجس إذا غسل ولان العادة جارية فيما بين المسلمين يلبس جلد الثعلب والفنك والسمور ونحوها في الصلاة وغيرها من غير نكير فدل على الطهارة ولا حجة لهم في الحديث لان الاهاب في اللغة اسم لجلد لم يدبغ كذا قاله الا صمعى والله أعلم ثم قول الكرخي الا جلد الانسان
[ 86 ]
والخنزير جواب ظاهر قول أصحابنا وروى عن أبى يوسف أن الجلود كلها تطهر بالدباغ لعموم الحديث والصحيح ان جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ لان نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة هو نجس العين فكان وجود الدباغ في حقه والعدم بمنزلة واحدة وقيل ان جلده لا يحتمل الدباغ لان له جلودا مترادفه بعضها فوق بعض كما للآدمي وأما جلد الانسان فان كان يحتمل الدباغ وتندفع رطوبته بالدبغ ينبغى أن يطهر لانه ليس بنجس العين لكن لا يجوز الانتفاع به احتراما له وأما جلد الفيل فذكر في العيون عن محمد أنه لا يطهر بالدباغ وروى عن أبى حنيفة وأبى يوسف أنه يطهر لانه ليس بنجس العين ثم الدباغ على ضربين حقيقي وحكمي فالحقيقي هو أن يدبغ بشئ له قيمة كالقرظ والعفص والسبخة ونحوها والحكمى أن يدبغ بالتشميس والتتريب والالفاء في الريح والنوعان مستويان في سائر الاحكام الا في حكم واحد وهو أنه لو أصابه الماء بعد الدباغ الحقيقي لا يعود نجسا وبعد الدباغ الحكمى فيه روايتان وقال الشافعي لا يطهر الجلد الا بالدباغ الحقيقي وانه غير سديد لان الحكمى في ازالة الرطوبات والعصمة عن النتن والفساد بمضي الزمان مثل الحقيقي فلا معنى للفصل بينهما والله أعلم (ومنها) الذكاة في تطهير الذبيح وجملة الكلام فيها أن الحيوان ان كان مأكول اللحم فذبح طهر بجميع اجزائه الا الدم المسفوح وان لم يكن مأكول اللحم فما هو طاهر من الميتة من الاجزاء التى لا دم فيها كالشعر وأمثاله يطهر منه بالذكاة عندنا وأما الاجزاء التى فيها الدم كاللحم والشحم والجلد فهل تطهر بالذكاة اتفق أصحابنا على ان جلده يطهر بالذكاة وقال الشافعي لا يطهر وجه قوله أن الذكاة لم تفد حلا فلا تفيد طهرا وهذا لان أثر الذكاة يظهر فيما وضع له أصلا وهو حل تناول اللحم وفى غيره تبعا فإذا لم يظهر أثرها في الاصل كيف يظهر في التبع فصار كما لو ذبحه مجوسي (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال دباغ الاديم ذكاته الحق الذكاة بالدباغ ثم الجلد يطهر بالدباغ كذا بالذكاة لان الذكاة تشارك الدباغ في ازالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة فتشاركه في افادة الطهارة وما ذكر من معنى التبعية فغير سديد لان طهارة الجلد حكم مقصود في الجلد كما ان تناول اللحم
حكم مقصود في اللحم وفعل المجوسى ليس بذكاة لعدم أهلية الذكاة فلا يفيد الطهارة فتعين تطهيره بالدباغ واختلفوا في طهارة اللحم والشحم ذكر الكرخي فقال كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فهذا يدل على أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر اجزائه لان الحيوان اسم لجملة الاجزاء وقال بعض مشايخنا ومشايخ بلخ ان كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فاما اللحم والشحم ونحوهما فلا يطهر والاول أقرب إلى الصواب لما مر ان النجاسة لمكان الدم المسفوح وقد زال بالذكاة (ومنها) نزح ما وجب من الدلاء أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في البئر من الآدمى أو غيره من الحيوان في تطهير البئر عرفنا ذلك بالخبر واجماع الصحابة رضى الله عنهم على ما ذكرنا فيما تقدم ثم إذا وجب نزح جيمع الماء من البئر فينبغي ان تسد جميع منابع الماء ان أمكن ثم ينزح ما فيها من الماء النجس وان لم يكن سد منابعه لغلبة الماء روى عن أبى حنيفة في غير رواية الاصول انه ينزح مائة دلو وروى مائتا دلو وعن محمد انه ينزح مائتا دلوا أو ثلثمائة دلو وعن أبى يوسف روايتان في رواية يحفر بجنبها حفيرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه ثم ينزح ماؤها ويصب في الحفيرة حتى تمتلئ فإذا امتلات حكم بطهارة البئر وفى رواية يرسل فيها قصبة ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشر دلاء مثلا ثم ينظركم انتقص فينزح بقدر ذلك والاوفق في الباب ما روى عن أبى نصر محمد بن محمد بن سلام انه يؤتى برجلين لهما بصارة في أمر الماء فينزح بقولهما لان ما يعرف بالاجتهاد يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك الباب ثم اختلف في الدلو الذى ينزح به الماء النجس قال بعضهم المعتبر في كل بئر دلوها صغيرا كان أو كبيرا وروى عن أبى حنيفة انه يعتبر دلو يسع قدر صاع وقيل المعتبر هو المتوسط بين الصغير والكبير واما حكم طهارة الدلو والرشاء فقد روى عن أبى يوسف انه سئل عن الدلو الذى ينزح به الماء النجس من البئر أيغسل أم لا قال لا بل يطهره ما طهر البئر وكذا روى عن الحسن بن زياد انه قال إذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشاء كما يطهر طين البئر وحمأته لان نجاستهما بنجاسة البئر وطهارتهما يكون بطهارة البئر
[ 87 ]
أيضا كالخمر إذا تخلل في دن انه يحكم بطهارة الدن (ومنها) تطهير الحوض الصغير إذا تنجس واختلف المشايخ فيه فقال أبو بكر الاعمش لا يطهر حتى يدخل الماء فيه ويخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرات فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثا وقال الفقيه أبو جعفر الهندوانى إذا دخل فيه الماء الطاهر وخرج بعضه يحكم بطهارته بعد ان لا تستبين فيه النجاسة لانه صار ماء جاريا ولم يستيقن ببقاء النجس فيه وبه أخذ الفقيه أبو الليث وقال إذا خرج منه مقدار الماء
النجس يطهر كالبئر إذا تنجست انه يحكم بطهارتها بنزح ما فيها من الماء وعلى هذا حوض الحمام أو الاواني إذا تنجس * (فصل) * واما طريق التطهير بالغسل فلا خلاف في ان النجس يطهر بالغسل في الماء الجارى وكذا يطهر بالغسل بصب الماء عليه واختلف في انه هل يطهر بالغسل في الاواني بان غسل الثوب النجس أو البدن النجس في ثلاث اجانات قال أبو حنيفة ومحمد يطهر حتى يخرج من الاجانة الثالثة طاهر أو قال أبو يوسف لا يطهر البدن وان غسل في اجانات كثيرة ما لم يصب عليه الماء وفى الثوب عنه روايتان وجه قول أبى يوسف ان القياس يأبى حصول الطهارة بالغسل بالماء أصلا لان الماء متى لا في النجاسة تنجس سواء ورد الماء على النجاسة أو وردت النجاسة على الماء والتطهير بالنجس لا يتحقق الا انا حكمنا بالطهارة لحاجة الناس إلى تطهير الثياب والاعضاء النجسة والحاجة تندفع بالحكم بالطهارة عند ورود الماء على النجاسة فبقى ما وراء ذلك على أصل القياس فعلى هذا لا يفرق بين البدن والثوب ووجه الفرق له على الرواية الاخرى ان في الثوب ضرورة إذ كل من تنجس ثوبه لا يجد من يصب الماء عليه ولا يمكنه الصب عليه بنفسه وغسله فترك القياس فيه لهذه الضرورة دفعا للحرج ولهذا جرى العرف يغسل الثياب في الاواني ولا ضرورة في العضو لانه يمكنه غسله بصب الماء عليه فبقى على ما يقتضيه القياس وجه قولهما ان القياس متروك في الفصلين لتحقق الضرورة في المحلين إذ ليس كل من أصابت النجاسة بعض بدنه يجد ماء جاريا أو من يصب عليه الماء وقد لا يتمكن من الصب بنفسه وقد تصيب النجاسة موضعا يتعذر الصب عليه فان من دمى فمه أو أنفه لو صب عليه الماء لوصل الماء النجس إلى جوفه أو يعلو إلى دماغه وفيه حرج بين فتركنا القياس لعموم الضرورة مع ان ما ذكره من القياس غير صحيح لما ذكرنا فيما تقدم ان الماء لا ينجس أصلا مادام على المحل النجس على ما مر بيانه وعلى هذا الخلاف إذا كان على يده نجاسة فادخلها في حب من الماء ثم في الثاني والثالث كذا ولو كان في الخوابى خل نجس والمسألة بحالها عند أبى حنيفة يخرج من الثالثة طاهرا خلافا لهما بناء على أصل آخر وهو ان المائعات الطاهرة تزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن عند أبى حنيفة والصب ليس بشرط وعند محمد لا تزيل أصلا وعنده أبى يوسف تزيل لكن بشرط الصب ولم يوجد فاتفق جوابهما بناء على أصلين مختلفين * (فصل) * واما شرائط التطهير بالماء فمنها العدد في نجاسة غير مرئية عندنا والجملة في ذلك ان النجاسة نوعان حقيقية وحكمية ولا خلاف في ان النجاسة الحكمية وهى الحدث والجنابة تزول بالغسل مرة واحدة ولا يشترط فيها
العدد واما النجاسة الحقيقية فان كانت غير مرئية كالبول ونحوه ذكر في ظاهر الرواية أنه لا تطهر الا بلغسل ثلاثا وعند الشافعي تطهر بالغسل مرة واحدة اعتبارا بالحدث الا في ولوغ الكلب في الاناء فانه لا يطهر الا بالغسل سبعا احداهن بالتراب بالحديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا احداهن بالتراب (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا فقد أمر بالغسل ثلاثا وان كان ذلك غير مرئى وما رواه الشافعي فذلك عند ما كان في ابتداء الاسلام لقلع عادة الناس في الالف بالكلاب كما أمر بكسر الدنان ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر دل عليه ما روى في بعض الروايات فليغسله سبعا أولاهن بالتراب أو أخراهن بالتراب وفى بعضها وعفروا الثامنة بالتراب وذلك غير واجب بالاجماع وروى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن بده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدرى أين باتت يده أمر بالغسل ثلاثا عند
[ 88 ]
توهم النجاسة فعند تحققها أولى ولان الظاهر ان النجاسة لا تزول بالمرة الواحدة الا ترى ان النجاسة المرئية قط لا تزول بالمرة الواحدة فكذا غير المرئية ولا فرق سوى ان ذلك يرى بالحس وهذا يعلم بالعقل والاعتبار بالحدث غير سديد لان ثمة لا نجاسة رأسا وانما عرفنا وجوب الغسل نصا غير معقول المعنى والنص ورد بالاكتفاء بمرة واحدة فان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به ثم التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم بل هو مفوض إلى غالب رأيه وأكبر ظنه وانما ورد النص بالتقدير بالثلاث بناء على غالب العادات فان الغالب انها تزول بالثلاث ولان الثلاث هو الحد الفاصل لا بلاء العذر كما في قصة العبد الصالح مع موسى حيث قال له موسى في المرة الثالثة قد بلغت من لدنى عذرا وان كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه فطهارتها زوال عينها ولا عبرة فيه بالعدد لان النجاسة في العين فان زالت العين زالت النجاسة وان بقيت بقيت ولو زالت العين وبقى الاثر فان كان مما يزول أثره لا يحكم بطهارته ما لم يزل الاثر لان الاثر لون عينه لا لون الثوب فبقاؤه يدل على بقاء عينه وان كانت النجاسة مما لا يزول أثره لا يضر بقاء أثره عندنا وعند الشافعي لا يحكم بطهارته مادام الاثر باقيا وينبغى ان يقطع بالمقراض لان بقاء الاثر دليل بقاء العين (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال للمستحاضة حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره وهذا نص ولان الله تعالى لما لم يكلفنا غسل
النجاسة الا بالماء مع علمه انه ليس في طبع الماء قلع الاثار دل على ان بقاء الاثر فيما لا يزول أثره ليس بمانع زوال النجاسة وقوله بقاء الاثر دليل بقاء العين مسلم لكن الشرع أسقط اعتبار ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ولا يضرك بقاء أثره ولما ذكرنا انه لم يأمرنا الا بالغسل بالماء ولم يكلفنا تعلم الحيل في قلع الآثار ولان ذلك في حد القلة والقليل من النجاسة عفو عندنا ولان أصابة النجاسة التى لها أثر باق كالدم الاسود العبيط مما يكثر في الثياب خصوصا في حقى النسوان فلو أمرنا بقطع الثياب لوقع الناس في الحرج وانه مدفوع وكذا يؤدى إلى اتلاف الاموال والشرع نهانا عن ذلك فكيف يأمرنا به (ومنها) العصر فيما يحتمل العصر وما يقوم مقامه فيما لا يحتمله والجملة فيه ان المحل الذى تنجس اما ان كان شيأ لا يتشرب فيه اجزاء النجس أصلا أو كان شيأ يتشرب فيه شئ يسير أو كان شيأ يتشرب فيه شئ كثير فان كان مما لا يتشرب فيه شئ أصلا كالأواني المتخذة من الحجر والصغر والنحاس والخزف العتيق ونحو ذلك فطهارته بزوال عين النجاسة أو العدد على ما مروان كان مما يتشرب فيه شئ قليل كالبدن والخف والنعل فكذلك لان الماء يستخرج ذلك القليل فيحكم بطهارته وان كان يتشرب فيه كثير فان كان مما يمكن عصره كالثياب فان كانت النجاسة مرئية فطهارته بالغسل والعصر إلى ان تزول العين وان كانت غير مرئية فطهارته بالغسل ثلاثا والعصر وفى كل مرة لان الماء لا يستخرج الكثير الا بواسطة العصر ولا يتم الغسل بدونه وروى عن محمد انه يكتفى بالعصر في المرة الاخيرة ويستوى الجواب عندنا بين بول الصبى والصبية وقال الشافعي بول الصبى يطهر بالنضح من غير عصر (واحتج) بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينضح بول الصبى ويغسل بول الجارية (ولنا) ما روينا من حديث عمار من غير فصل بين بول وبول وما رواه غريب فلا يقبل خصوصا إذا خالف المشهور وان كان مما لا يمكن عصره كالحصير المتخذ من البورى ونحوه أي ما لا ينعصر بالعصر ان علم انه لم يتشرب فيه بل أصاب ظاهره يطهر بازالة العين أو بالغسل ثلاث مرات من غير عصر فاما إذا علم أنه تشرب فيه فقد قال أبو يوسف ينقع في الماء ثلاث مرات ويجفف في كل مرة فيحكم بطهارته وقال محمد لا يطهر أبدا وعلى هذا الخلاف الخزف الجديد إذا تشرب فيه النجس والجلد إذا دبغ بالدهن النجس والحنطة إذا تشرب فيها النجس وانتفخت أنها لا تطهر أبدا عند محمد وعند أبى يوسف تنقع في الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة وكذا السكين اذاموه بماء نجس واللحم إذا طبخ بماء نجس فعند أبى يوسف يموه السكين ويطبخ اللحم بالطاهر ثلاث مرات ويجفف في كل مرة وعند محمد لا يطهر أبدا وجه قول محمد أن النجاسة إذا دخلت في الباطن يتعذر استخراجها
الا بالعصر والعصر متعذر وأبو يوسف يقول ان تعذرت العصر فالتجفيف ممكن فيقام التجفيف مقام العصر
[ 89 ]
دفعا للحرج وما قاله محمدا قيس وما قاله أبو يوسف أوسع ولو أن الارض أصابتها نجاسة رطبة فان كانت الارض رخوة يصب عليها الماء حتى ينسفل فيها فإذا لم يبق على وجهها شئ من النجاسة وتسفلت المياه يحكم بطهارتها ولا يعتبر فيها العدد وانما هو على اجتهاده وما في غالب ظنه انها طهرت ويقوم التسفل في الارض مقام العصر فيما يحتمل العصر وعلى قياس ظاهر الرواية يصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل في كل مرة وان كانت الارض صلبة فان كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفيرة ثم تكبر الحفيرة وان كانت مستوية بحيث لا يزول الماء عنها لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل وقال الشافعي إذا كوثرت بالماء طهرت وهذا فاسد لان الماء النجس باق حقيقة ولكن ينبغى أن تقلب فيجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ليصير التراب الطاهر وجه الارض هكذا روى أن اعرابيا بال في المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر موضع بوله فدل أن الطريق ما قلنا والله أعلم * (كتاب الصلاة) * يحتاج لمعرفة مسائل كتاب الصلاة إلى معرفة أنواع الصلاة وما يشتمل عليه كل نوع من الكيفيات والاركان والشرائط والواجبات والسنن وما يستحب فعله فيه وما يكره وما يفسده ومعرفة حكمه إذا فسد أو فات عن وقته (فنقول) وبالله التوفيق الصلاة في الاصل أربعة أنواع فرض وواجب وسنة ونافلة والفرض نوعان فرض عين وفرض كفاية وفرض العين نوعان احدهما الصلوات المعهودة في كل يوم وليلة والثانى صلاة الجمعة أما الصلوات المعهودة في كل يوم وليلة فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان أصل فرضيتها وفى بيان عددها وفى بيان عدد ركعاتها وفى بيان أركانها وفى بيان شرائط الاركان وفى بيان واجباتها وفى بيان سنتها وفى بيان ما يستحب فعله وما يكره فيها وفى بيان ما يفسدها وفى بيان حكمها إذا افسدت أو فاتت عن أوقاتها أو فات شئ من صلاة من هذه الصلوات عن الجماعة أو عن محله الاصلى ونذكره في آخر الصلاة (أما) فرضيتها فثابتة بالكتاب والسنة والاجماع والمعقول (أما) الكتاب فقوله تعالى في غير موضع من القرآن أقيموا الصلاة وقوله ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي فرضا مؤقتا وقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى
الصلوات المعهودة وهى التى تؤدى في كل يوم وليلة وقوله تعال أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل الآية يجمع الصلوات الخمس لان صلاة الفجر تؤدى في أحد طرفي النهار وصلاة الظهر والعصر يؤديان في الطرف الآخر إذا لنهار قسمان غداة وعشى والغداة اسم لاول النهار إلى وقت الزوال وما بعده العشى حتى ان من حلف لا يأكل العشى فأكل بعد الزوال يحنث فدخل في طرفي النهار ثلاث صلوات ودخل في قوله وزلفا من الليل المغرب والعشاء لانهما يؤديان في زلف من الليل وهى ساعاته وقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر قيل دلوك الشمس زوالها وغسق الليل أول ظلمته فيدخل فيه صلاة الظهر والعصر وقوله وقرآن الفجر أي وأقم قرآن الفجر وهو صلاة الفجر فثبتت فرضية ثلاث صلوات بهذه الآية وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر وقيل دلوك الشمس غروبها فيدخل فيه صلاة المغرب والعشاء تدخل صلاة الفجر في قوله وقرآن الفجر وفرضية صلاة الظهر والعصر ثبتت بدليل آخر وقوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الفجر وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر ذكر التسبيح وأراد به الصلاة أي صلوا لله اما لان التسبيح من لوازم الصلاة أو لانه تنزيه والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الرب عزوجل لما فيها من اظهار الحاجات إليه واظهار العجز والضعف وفيه وصف له بالجلال والعظمة والرفعة والتعالى عن الحاجة قال الشيخ أبو منصور الما تريدي السمرقندى انهم فهموا من هذه الاية فرضية الصلوات الخمس ولو كانت
[ 90 ]
افهامهم مثل افهام أهل زماننا لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور وقوله تعالى فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقيل غروبها ومن آناء الليل وفسجه واطراف النهار لعلك ترضى قيل في تأويل قوله فسبح أي فصل قبل طلوع الشمس هو صلاة الصبح وقبل غروبها هو صلاة الظهر والعصر ومن آناء الليل صلاة المغرب والعشاء وقوله واطراف النهار على التكرار والاعادة تأكيدا كما في قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ان ذكر الصلاة الوسطى على التأكيد لدخولها تحت اسم الصلوات كذا ههنا وقوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال قيل الذكر والتسبيح ههنا هما الصلاة وقيل الذكر سائر الاذكار والتسبيح الصلاة وقوله بالغد وصلاة الغداة والآصال صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وقيل الآصال
هو صلاة العصر ويحتمل العصر والظهر لانهما يؤديان في الاصيل وهو العشى وفرضية المغرب والعشاء عرفت بدليل آخر (وأما) السنة فما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال عام حجة الوداع اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وروى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله تعالى فرض على عباده المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات وعن عبادة أيضا رضى الله عنه انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن أتى بهن ولم يضيع من حقهن شيأ استخفا فابحقهن فان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ان شاء عذبه وان شاء أدخله الجنة وعليه اجماع الامة فان الامة أجمعت على فرضية هذه الصلوات (وأما) المعقول فمن وجوه أحدها ان هذه الصلوات انما وجبت شكرا للنعم منها نعمة الخلقة حيث فضل الجوهر الانسى بالتصوير على أحسن صورة وأحسن تقويم كما قال تعالى وصوركم فأحسن صوركم وقال لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم حتى لا ترى أحدا يتمنى أن يكون على غير هذا التقويم والصورة التى أنشئ عليها (ومنها) نعمة سلامة الجوارح عن الآفات اذبها يقدر على اقامة مصالحه أعطاه الله ذلك كله انعاما محضا من غير أن يسبق منه ما يوجب استحقاق شئ من ذلك فأمر باستعمال هذه النعمة في خدمة المنعم شكرا لما أنعم إذ شكر النعمة استعمالها في خدمة المنعم (ثم) الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح الظاهرة من القيام والركوع والسجود والقعود ووضع اليد مواضعها وحفظ العين وكذا الجوارح الباطنة من شغل القلب بالنية واشعاره بالخوف والرجاء واحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل ليكون عمل كل عضو شكرا لما أنعم عليه في ذلك (ومنها) نعمة المفاصل اللينة والجوارح المنقادة التى بها يقدر على استعمالها في الاحوال المختلفة من القيام والقعود والركوع والسجود والصلاة تشتمل على هذا الاحوال فأمرنا باستعمال هذه النعم الخاصة في هذه الاحوال في خدمة المنعم شكرا لهذه النعمة وشكر النعمة فرض عقلا وشرعا (ومنها) أن الصلاة وكل عبادة خدمة الرب جل جلاله وخدمة المولى على العبد لا تكون الا فرضا إذ التبرع من العبد على مولاه محال والعزيمة هي شغل جميع الاوقات بالعبادات بقدر الامكان وانتفاء الجرح الا أن الله تعالى بفضله وكرمه جعل لعبده أن يترك الخدمة في بعض الاوقات رخصة حتى لو شرع لم يكن له الترك لانه إذا شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة يحقق ما ذكرنا أن العبد لا بدله من اظهار سمة العبودية
ليخالف به من استعصى مولاه وأظهر الترفع عن العبادة وفى الصلاة اظهار سمة العبودية لما فيها من القيام بين يدى المولى جل جلاله وتحنية الظهر له وتعفير الوجه بالارض والجئو على الركبتين والثناء عليه والمدح له (ومنها) أنها مانعة للمصلى عن ارتكاب المعاصي لانه إذا قام بين يدى ربه خاشعا متذللا مستشعرا هيبة الرب جل جلاله خائفا تقصيره في عبادته كل يوم خمس مرات عصمه ذلك عن اقتحام المعاصي والامتناع عن المعصية فرض وذلك قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيآت وقوله تعالى وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (ومنها) انها جعلت مكفرة للذنوب والخطايا والزلات والتقصير إذا لعبد في أوقات
[ 91 ]
ليله ونهاره لا يخلو عن ذنب أو خطا أو زلة أو تقصير في العبادة والقيام بشكر النعمة وان جل قدره وخطره عند الله تعالى إذ قد سبق إليه من الله تعالى من النعم والاحسان ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن يؤدى شكرا لكل فيحتاج إلى تكفير ذلك إذ هو فرض ففرضت الصلوات الخمس تكفيرا لذلك * (فصل) * وأما عددها فالخمس ثبت ذلك بالكتاب والسنة واجماع الامه (أما) الكتاب فما تلونا من الايات التى فيها فرضية خمس صلوات وقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى اشارة إلى ذلك لانه ذكر الصلوات بلفظ الجمع وعطف الصلاة الوسطى عليها والمعطوف غير المعطوف عليه في الاصل فهذا يقتضى جمعا يكون له وسطى والوسطى غير ذلك الجمع وأقل جمع يكون له وسطى والوسطى غير ذلك الجمع هو الخمس لان الاربع والست لا وسطى لهما وكذا هو شفع إذ لوسط ما له حاشيتان متساويتان ولا يوجد ذلك في النفع والثلاث له وسطى لكن الوسطى ليس غير الجمع إذ لاثنان بجمع صحيح والسبعة وكل وتر بعدها له وسطى لكنه ليس بأقل الجمع لان الخمسة أقل من ذلك (وأما) السنة فما روينا من الاحاديث وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم الاعرابي الصلوات الخمس فقال هل على شئ غير هذا فقال عليه الصلاة والسلام لا الا أن تطوع والامة أجمعت على هذا من غير خلاف بينهم ولهذا قال عامة الفقهاء ان الوتر سنة لما ان كتاب الله والسنن المتواترة والمشهورة ما أوجبت زيادة على خمس صلوات فالقول بفرضية الزيادة عليها باخبار الاحاد يكون قولا بفرضية صلاة سادسة وانه خلاف الكتاب والسنة واجماع الامة ولا يلزم هذا أبا حنيفة لانه لا يقول بفرضية الوتر وانما يقول بوجوبه (والفرق) بين الواجب والفرض كما بين السماء والارض
على ما عرف في موضعه والله أعلم * (فصل) * وأما عدد ركعات هذه الصلوات فالمصلى لا يخلو اما أن يكون مقيما واما أن يكون مسافرا فان كان مقيما فعدد ركعاتها سبعة عشر ركعتان وأربع وأربع وثلاث وأربع عرفنا ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله صلوا كما رأيتموني أصلى وهذا لانه ليس في كتاب الله عدد ركعات هذه الصلوات فكانت نصوص الكتاب العزيز مجملة في حق المقدار ثم زال الاجمال ببيان النبي صلى الله الله عليه وسلم قولا وفعلا كما في نصوص الزكاة والعشر والحج وغير ذلك وان كان مسافر فعدد ركعاتها في حقه احدى عشرة عندنا ركعتان وركعتان وثلاث وركعتان وعند الشافعي سبعة عشر كما في حق المقيم * (فصل) * والكلام في صلاة المسافر يقع في ثلاث مواضع أحدها في بيان المقدار المفروض من الصلاة في حق المسافر والثانى في بيان ما يصير المقيم به مسافرا والثالث في بيان ما يصير به المسافر مقيما ويبطل به السفر ويعود إلى حكم الاقامة (أما) الاول فقد قال أصحابنا ان فرض المسافر من ذوات الاربع ركعتان لا غير وقال الشافعي أربع كفرض المقيم الا أن للمسافر أن يقصر رخصة من مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة والا كمال رخصة وهذا التلقيب على أصلنا خطأ لان الركعتين من ذوات الاربع في حق المسافر ليستا قصرا حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر والا كمال ليس رخصة في حقه بل هو اساءة ومخالفة للسنة هكذا روى عن أبى حنيفة أنه قال من أتم الصلاة في السفر فقد أساء وخالف السنة وهذا لان الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الاصلى لعارض إلى تخفيف ويسر لما عرف في أصول الفقه ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأسا إذا الصلاة في الاصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر جميعا لما يذكر ثم زيدت ركعتان في حق المقيم وأقرت الركعتان على حالهما في حق المسافر كما كانتا في الاصل فانعدم معنى التغيير أصلا في حقه وفى حق المقيم وجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر والرخصة تنبئ عن ذلك فلم يكن ذلك رخصة في حقه حقيقة ولو سمى فانما سمى مجاز الوجود بعض معاني الحقيقة وهو التغيير (احتج) الشافعي بقوله تعالى وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ولفظه لا جناح تستعمل
[ 92 ]
في المباحات والمرخصات دون الفرائض والعزائم وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان الله تعالى تصدق
عليكم بشطر الصلاة الا فاقبلوا صدقته والمتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في التصدق من العباد ولان القصر ثبت نظرا للمسافر تخفيفا عليه في السفر الذى هو محل المشقات المتضاعفة والتخفيف في التخيير فان شاء مال إلى القصر وان شاء مال إلى الا كمال كما في الافطار في شهر رمضان (ولنا) ما روى عن عمر رضى الله عنه انه قال صلاة المسافر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وروى تمام غير قصر وروى الفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندى وأبو الحسن الكرخي عن ابن عباس رضى الله عنه هكذا وروى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت فرضت الصلاه في الاصل ركعتين الا المغرب فانها وتر النهار ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر على ما كانت وروى عن عمران بن حصين رضى الله عنه انه قال ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وصلى ركعتين الا المغرب ولو كان القصر رخصة والاكمال هو العزيمة لما ترك العزيمة الا احيانا إذا لعزيمة أفضل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختار من الاعمال الا أفضلها وكان لا يترك الافضل الامرة أو مرتين للرخصة في حق الامة فاما ترك الافضل أبدا وفيه تضييع الفضيلة عن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره فما لا يحتمل والدليل عليه انه صلى الله عليه وسلم قصر بمكة وقال لاهل مكة أتموايا أهل مكة فانا قوم سفر فلو جاز الاربع لما اقتصر على الركعتين لوجهين أحدهما انه كان يغتنم زيادة العمل في الحرم لما للعبادة فيه من تضاعف الاجر والثانى انه صلى الله عليه وسلم كان اماما وخلفه المقيمون من أهل مكة فكان ينبغى أن يتم أربعا كيلا يحتاج أولئك القوم إلى التفرد ولينا لو افضلية الائتمام به في جميع الصلاة وحيث لم يفعل دل ذلك على صحة ما قلنا وروى أن عثمان رضى الله عنه أتم الصلاة بمنى فأنكر عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال لهم انى تأهلت بمكة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تأهل بقوم فهو منهم فدل انكار الصحابة رضى الله عنهم واعتذار عثمان رضى الله عنه ان الفرض ما قلنا إذ لو كان الاربع عزيمة لما أنكرت الصحابة عليه ولما اعتذر هو إذ لايلام على العزائم ولا يعتذر عنها فكان ذلك اجماعا من الصحابة رضى الله عنهم على ما قلنا وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما انه سئل عن الصلاة في السفر فقال ركعتان ركعتان من خالف السنة كفراى خالف السنة اعتقاد الا فعلا وروى عن ابن عباس رضى الله عنه ان رجلين سألاه وكان أحدهما يتم الصلاة في السفر والآخر يقصر عن حالهما فقال للذى قصر أنت أكملت وقال للآخر أنت قصرت ولا حجة له في الآية لان المذكور فيها أصل القصر لا صفته وكيفيته والقصر قد يكون
عن الركعات وقد يكون عن القيام إلى القعود وقد يكون عن الركوع والسجود إلى الايماء لخوف العد ولا بترك شطر الصلاة وذلك مباح مرخص عندنا فلا يكون حجة مع الاحتمال مع ما ان في الآية ما يدل على ان المراد منه ليس هو القصر عن الركعات وهو ترك شطر الصلاة لانه علق القصر بشرط الخوف وهو خوف فتنة الكفار بقوله ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا والقصر عن الركعات لا يتعلق بشرط الخوف بل يجوز من غير خوف والحديث دليلنا لانه أمر بالقبول فلا يبقى له خيار الرد شرعا إذ الامر للوجوب وقوله المتصدق عليه يكون مختارا في القبول قلنا معنى قوله تصدق عليكم أي حكم عليكم على ان التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الاسقاط كالعفو من الله تعالى وما ذكر من المعنى غير سديد لان هذا ليس ترفيها بقصر شطر الصلاه بل لم يشرع في السفر الا هذا القدر لما ذكرنا من الدلائل ولقول ابن عباس رضى الله عنه لا تقولوا قصرا فان الذى فرضها في الحضر أربعا هو الذى فرضها في السفر ركعتين وليس إلى العباد ابطال قدر العبادات الموظفة عليهم بالزيادة والنقصان الا ترى ان من أراد أن يتم المغرب أربعا أو الفجر ثلاثا أو أربعا لا يقدر على ذلك كذا هذا ولا قصر في الفجر والمغرب لان القصر بسقوط شطر الصلاة وبعد سقوط الشطر منهما لا يبقى نصف مشروع بخلاف ذوات الاربع وكذا لا قصر في السنن والتطوعات لان القصر بالتوقيف ولا توقيف
[ 93 ]
ثمة ومن الناس من قال بترك السنن في السفر وروى عن بعض الصحابة انه قال لو أتيت بالسنن في السفر لا تممت الفريضة وذلك عندنا محمول على حالة الخوف على وجه لا يمكنه المكث لاداء السنن وعلى هذا الاصل يبنى ان المسافر لو اختار الاربع لا يقع الكل فرضا بل المفروض ركعتان لا غير والشطر الثاني يقع تطوعا عندنا وعنده يقع الكل فرضا حتى لو لم يقعد على رأس الركعتين قدر التشهد فسدت صلاته عندنا لانها القعدة الاخيرة في حقه وهى فرض وعنده لا تفسد لانها القعدة الاولى عنده وهى ليست بفرض في المكتوبات بلا خلاف وعلى هذا الاصل يبنى اقتداء المقيم بالمسافر انه يجوز في الوقت وفى خارج الوقت وفى ذوات الاربع واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت ولا يجوز في خارج الوقت عندنا لان فرض المسافر قد تقرر ركعتين على وجه لا يحتمل التغيير بالاقتداء بالمقيم فكانت القعدة الاولى فرضا في حقه فيكون هذا اقتداء المفترض بالمتنقل في حق القعدة وهذا لا يجوز على أصل أصحابنا وهذا المعنى لا يوجد في الوقت ولا في اقتداء المقيم بالمسافر ولو ترك القراءة في الاوليين أو في واحدة
منهما تفسد صلاته لان القراءة في الركعتين في صلاة ذات ركعتين فرض وقد فات على وجه لا يحتمل التدارك بالقضاء فتفسد صلاته وعند الشافعي أيضا تفسد لان العزيمة وان كانت هي الاربع عنده لكن القراءة في الركعات كلها فرض عنده ولو اقتدى المسافر بالمقيم في الظهر ثم أفسدها على نفسه في الوقت أو بعد ما خرج الوقت فان عليه ان يصلى ركعتين عندنا وعنده يصلى أربعا ولا يجوز له القصر لان العزيمة في حق المسافر هي ركعتان عندنا وانما صار فرضه أربعا بحكم التبعية للمقيم بالاقتداء به وقد بطلت التبعية ببطلان الاقتداء فيعود حكم الاصل وعنده لما كانت العزيمة هي الاربع وانما أبيح القصر رخصة فإذا اقتدى بالمقيم فقد اختار العزيمة فتأكد عليه وجوب الاربع فلا تجوز له الرخصة بعد ذلك ويستوى في المقدار المفروض على المسافر من الصلاة سفر الطاعة من الحج والجهاد طلب العلم وسفر المباح كسفر التجارة ونحوه وسفر المعصية كقطع الطريق والبغى وهذا عندنا وقال الشافعي لا تثبت رخصة القصر في سفر المعصية وجه قوله ان رخصة القصر تثبت تخفيفا أو نظرا على المسافر والجانى لا يستحق النظر والتخفيف (ولنا) ان ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين مسافر ومسافر فوجب العمل بعمومها واطلاقها ويستوى فيما ذكرنا من اعداد الركعات في حق المقيم والمسافر صلاة الا من والخوف فالخوف لا يؤثر في نقصان العدد مقيما كان الخائف أو مسافرا وهو قول عامة الصحابة رضى الله عنهم وانما يؤثر في سقوط اعتبار بعض ما ينافى الصلاة في الاصل من المشى ونحو ذلك على ما نذكره في صلاة الخوف ان شاء الله تعالى * (فصل) * واما بيان ما يصير به المقيم مسافرا فالذي يصير المقيم به مسافرانية مدة السفر والخروج من عمران المصر فلا بد من اعتبار ثلاثة أشياء أحدها مدة السفر وأقلها غير مقدر عند أصحاب الظواهر وعند عامة العلماء مقدر واختلفوا في التقدير قال أصحابنا مسير ثلاثة أيام سير الابل ومشى الاقدام وهو المذكور في ظاهر الروايات وروى عن أبى يوسف يومان وأكثر الثالث وكذا روى الحسن عن أبى حنيفة وابن سماعة عن محمد ومن مشايخنا من قدره بخمسة عشر فرسخا وجعل لكل يوم خمس فراسخ ومنهم من قدره بثلاث مراحل وقال مالك أربعة يرد كل بريد اثنا عشر ميلا واختلفت أقوال الشافعي فيه قيل ستة وأربعون ميلا وهو قريب من قول بعض مشايخنا لان العادة ان القافلة لا تقطع في يوم أكثر من خمسة فراسخ وقيل يوم وليلة وهو قول الزهري والاوزاعي واثبت أقواله انه مقدر بيومين اما أصحاب الظواهر فاحتجوا بظاهر قوله تعالى وإذا ضربتم في الارض
فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة علق القصر بمطلق الضرب في الارض فالتقدير تقييد لمطلق الكتاب ولا يجوز الا بدليل (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام وليا لها جعل لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليها وان يتصور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها ومدة السفر أقل من هذه المدة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر ان تسافر
[ 94 ]
ثلاثة أيام الا مع محرم أو زوج فلو لم تكن المدة مقدرة بالثلاث لم يكن لتخصيص الثلاث معنى والحديثان في حد الاستفاضة والاشتهار فيجوز نسخ الكتاب بهما ان كان تقييد المطلق نسخا مع انه لا حجة لهم في الآية لان الضرب في الارض في اللغة عبارة عن السير فيها مسافرا يقال ضرب في الارض أي سار فيها مسافرا فكان الضرب في الارض عبارة عن سير يصير الانسان به مسافرا لا مطلق السير والكلام في انه هل يصير مسافرا بسير مطلق من غير اعتبار المدة وكذا مطلق الضرب في الارض يقع على سير يسمى سفرا والنزاع في تقديره شرعا والآية ساكتة عن ذلك وقد ورد الحديث بالتقدير فوجب العمل به والله الموفق (واحتج) مالك بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة فيما دون مكة إلى عسفان وذلك أربعة برد وهو غريب فلا يقبل خصوصا في معارضة المشهور وجه قول الشافعي ان الرخصة انما ثبت لضرب مشقة يختص بها المسافرون وهى مشقة الحمل والسير والنزول لان المسافر يحتاج إلى حمل رحله من غير أهله وحطه في غير أهله والسير وهذه المشقات تجتمع في يومين لانه في اليوم الاول يحط الرحل في غير أهله وفى اليوم الثاني بحمله من غير أهله والسير موجود في اليومين بخلاف اليوم الواحد لانه لا يوجد فيه الا مشقة السير لانه يحمل الرحل من وطنه ويحطه في موضع الاقامة فيقدر بيومين لهذا (ولنا) ما روينا من الحديثين ولان وجوب الاكمال كان ثابتا بدليل مقطوع به فلا يجوز رفعه الا بمثله وما دون الثلاث مختلف فيه والثلاث مجمع عليه فلا يجوز رفعه بما دون الثلاث وما ذكر من المعنى يبطل بمن سافر يوما على قصد الرجوع إلى وطنه فانه يلحقه مشقة الحمل والحط والسير على ما ذكر ومع هذا لا يقصر عنده وبه تبين ان الاعتبار لاجتماع المشقات في يوم واحد وذلك بثلاثة أيام لانه يلحقه في اليوم الثاني مشقة حمل الرحل من غير أهله والسير وحطه في غير أهله وانما قدرنا بسير الابل ومشى الاقدام لانه الوسط لان ابطأ السير سير العجلة والاسرع سير الفرس والبريد فكان أوسط أنواع السير سير الابل
ومشى الاقدام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم خير الامور أوساطها ولان الاقل والاكثر يتجاذبان فيستقر الامر على الوسط وعلى هذا يخرج ما روى عن أبى حنيفة فيمن سار في الماء يوما وذلك في البر ثلاثة ايام انه يقصر الصلاة لانه لا عبرة للاسراع وكذا لو سار في البر إلى موضع في يوم أو يومين وانه بسير الابل والمشى المعتاد ثلاثة أيام يقصر اعتبارا للسير المعتاد وعلى هذا إذا سافر في الجبال والعقبات أنه يعتبر مسيرة ثلاثة أيام فيها لا في السهل فالحاصل أن التقدير بمسيرة ثلاثة أيام أو بالمراحل في السهل والجبل والبر والبر والبحر ثم يعتبر في كل ذلك السير المعتاد فيه وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه والتقدير بالفراسخ غير سديد لان ذلك يختلف باختلاف الطريق وقال أبو حنيفة إذا خرج إلى مصر في ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليه من طريق آخر في يوم واحد قصر وقال الشافعي ان كان لغرض صحيح قصر وان كان من غير غرض صحيح لم يقصر ويكون كالعاصي في سفره والصحيح قولنا لان الحكم معلق بالسفر فكان المعتبر مسيرة ثلاثة أيام على قصد السفر وقد وجد والثانى فيه مدة السفر لان السير قد يكون سفر اوقد لا يكون لان الانسان قد يخرج من مصره إلى موضع لا صلاح الضيعة ثم تبدوله حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى موضع آخر ليس بينهما مدة سفر ثم وثم إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر لا لقصد السفر فلا بد من النية والمعتبر في النية هو نية الاصل دون التابع حتى يصير العبد مسافرا بتية مولاء والزوجة بنية الزوج وكل من لزمه طاعة غيره كالسلطان وأمير الجيش لان حكم التبع حكم الاصل وأما الغريم مع صاحب الدين فان كان مليا فالنية إليه لانه يمكنه قضاء الدين والخروج من يده وان كان مفلسا فالنية إلى الطالب لانه لا يمكنه الخروج من يده فكان تابعا له والثالث الخروج من عمران المصر فلا يصير مسافرا بمجرد نية السفر ما يخرج من عمران المصر وأصله ما روى عن على رضى الله عنه أنه لما خرح من البصرة يريد الكوفة صلى الظهر أربعا ثم نظر إلى خص امامه وقال لو جاوزنا الخص صلينا ركعتين ولان النية انما تعتبر إذا كانت مقارنة للفعل لان مجرد العزم عفو وفعل السفر لا يتحقق الا بعد الخروج من المصر فما لم يخرج لا يتحقق قران النية بالفعل فلا يصير
[ 95 ]
مسافرا وهذا بخلاف المسافر إذا نوى الاقامة في موضع صالح للاقامة حيث يصير مقيما للحال لان فية الاقامة هناك قارنت الفعل وهو ترك السفر لان ترك الفعل فعل كانت معتبرة وههنا بخلافه وسواء خرج في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره حتى لو بقى من الوقت مقدار ما يسع لاداء ركعتين فانه يقصر في ظاهر قول أصحابنا وقال محمد بن
شجاع البلخى وابراهيم النخعي انما يقصر إذا خرج قبل الزوال فاما إذا خرج بعد الزوال فانه يكمل الظهر وانما يقصر العصر وقال الشافعي إذا مضى من الوقت مقدار ما يمكنه اداء أربع ركعات فيه يجب عليه الاكمال ولا يجوز له القصر وان مضى دون ذلك اختلف أصحابه فيه وان بقى من الوقت مقدار ما يسع لركعة واحدة لا غير أو للتحريمة فقط يصلى ركعتين عندنا وعند زفر يصلى أربعا (اما) الكلام في المسألة الاولى فبناء على ان الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره فعندهم تجب في أول الوقت فكلما دخل الوقت أو مضى منه مقدار ما يسع لاداء الاربع وجب عليه اداء أربع ركعات فلا يسقط شطرها بسبب السفر بعد ذلك كما إذا صارت دينا في الذمة بمضي الوقت ثم سافر لا يسقط الشطر كذا ههنا وعند المحققين من أصحابنا لا تجب في أول الوقت على التعيين وانما تجب في جزء من الوقت غير معين وانما التعيين إلى المصلى من حيث الفعل حتى انه إذا شرع في أول الوقت يجب في ذلك الوقت وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره ومتى لم يعين بالفعل حتى بقى من الوقت مقدار ما يصلى فيه أربعا وهو مقيم يجب عليه تعيين ذلك الوقت للاداء فعلا حتى يأثم بترك التعيين وان كان لا يتعين للاداء بنفسه شرعا حتى لو صلى فيه التطوع جاز وإذا كان كذلك لم يكن اداء الاربع واجبا قبل الشروع فإذا نوى السفر وخرج من العمران حتى صار مسافرا تجب عليه صلاة المسافرين ثم ان كان الوقت فاضلا على الاداء يجب عليه اداء ركعتين في جزء من الوقت غير معين ويتعين ذلك بفعله وان لم يتعين بالفعل إلى آخر الوقت يتعين آخر الوقت لوجوب تعيينه للاداء فعلا وكذا إذا لم يكن الوقت فاضلا على الاداء ولكنه يسع للركعتين يتعين للوجوب ويبنى على هذا الاصل الطاهره إذا حاضت في آخر الوقت أو نفست والعاقل إذا جن أو أغمى عليه والمسلم إذا ارتد والعياذ بالله وقد بقى من الوقت ما يسع الفرض لا يلزمهم الفرض عند أصحابنا لان الوجوب يتعين في آخر الوقت عندنا إذا لم يوجدا لاداء قبله فيستدعى الاهلية فيه لاستحالة الايجاب على غير الاهل ولم يوجد وعندهم يلزمهم الفرض لان الوجوب عندهم بأول الوقت والاهلية ثابتة في أوله ودلائل هذا الاصل تعرف في أصول الفقه ولو صلى الصبى الفرض في أول الوقت ثم بلغ تلزمه الاعادة عندنا خلافا للشافعي وكذا إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة لا يجزيه عن حجة الاسلام عندنا خلافا له وجه قوله ان عدم الوجوب عليه كان نظرا له والنظر له هنا الوجوب كيلا تلزمه الاعادة فاشبه الوصية حيث صحت منه نظرا له وهو الثواب ولا ضرر فيه لان ملكه يزول بالميراث ان لم يزل بالوصية (ولنا) ان في نفس الوجوب ضررا فلا يثبت مع الصبى كما لو لم يبلغ فيه وانما انقلب نفعا بحالة انفقت وهى البلوغ فيه وانه نادر
فبقى عدم الوجوب لانه نفع في الاصل المسلم إذا صلى ثم ارتد عن الاسلام والعياذ بالله ثم أسلم في الوقت فعليه اعادة الصلاة عندنا وعند الشافعي لا اعادة عليه وعلى هذا الحج واحتج بقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة علق حبط العمل بالموت على الردة دون نفس الردة لان الردة حصلت بعد الفراغ من القربة فلا يبطلها كما لو تيمم ثم ارتد عن الاسلام ثم أسلم (ولنا) قوله تعالى ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وقوله تعالى ولو أشركوا الحبط عنهم ما كانوا يعملون علق حبط العمل بنفس الاشراك بعد الايمان واما الآية فنقول من علق حكما بشرطين وعلقه بشرط فالحكم يتعلق بكل واحد من التعليقين وينزل عند أيهما وجد كمن قال لعبده أنت حر إذا جاء يوم الخميس ثم قال له أنت حر إذا جاء يوم الجمعة لا يبطل واحد منهما بل إذا جاء يوم الخميس عتق ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه ثم اشتراه فجاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الآخر واما التيمم فهو ليس بعبادة وانما هو طهارة وأثر الردة في ابطال العبادات الا انه لا ينعقد مع الكفر لعدم الحاجة والحاجه ههنا متحققة والردة لا تبطلها لكونه مجبورا على الاسلام فبقيت
[ 96 ]
الحاجة على ما ذكرنا في فصل التيمم (واما) الكلام في المسألة الثانية فبناء على أصل مختلف بين اصحابنا وهو مقدار ما يتعلق به الوجوب في آخر الوقت قال الكرخي وأكثر المحققين من أصحابنا ان الوجوب يتعلق بآخر الوقت بمقدار التحريمة وقال زفر لا يجب الا إذا بقى من الوقت مقدار ما يؤدى فيه الفرض وهو اختيار القدورى وبنى على هذا الاصل الحائض إذا طهرت في آخر الوقت وبلغ الصبى وأسلم الكافر وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر أو سافر المقيم وهى مسألة الكتاب فعلى قول زفر ومن تابعه من أصحابنا لا يجب الفرض ولا يتغير الا إذا بقى من الوقت مقدار ما يمكن فيه الاداء وعلى القول المختار يجب الفرض ويتغير الاداء وان بقى مقدار ما يسع للتحريمة فقط وجه قول زفران وجوب الاداء يقتضى تصور الاداء واداء كل الفرض في هذا القدر لا يتصور فاستحال وجوب الاداء (ولنا) ان آخر الوقت يجب تغيينه على المكلف للاداء فعلا على ما مر فان بقى مقدار ما يسع لكل الصلاة يجب تعيينه لكل الصلاة فعلا بالاداء وان بقى مقدار ما يسع للبعض وجب تعيينه لذلك البعض لان تعيين كل الوقت لكل العبادة تعيين كل أجزائه لكل أجزائها ضرورة وفى تعيين جزء من الوقت لجزء من الصلاة فائدة وهى أن الصلاة لا تتجزأ فإذا وجب البعض فيه وجب الكل فيما يتعقبه من الوقت ان كان لا يتعقبه
وقت مكروه وان تعقبه يجب الكل ليؤدي في وقت آخر وإذا لم يبق من الوقت الا قدر ما يسع التحريمة وجب يحصيل التحريمة ثم تجب بقية الصلاة لضرورة وجوب التحريمة فيؤديها في الوقت المتصل به فيما وراء الفجر وفى الفجر يؤديها في وقت آخر لان الوجوب على التدريج الذى ذكرنا قد تقرر وقد عجز عن الاداء فيقضى وهذا بخلاف الكافر إذا أسلم بعد طلوع الفجر من يوم رمضان حيث لا يلزمه صوم ذلك اليوم لان هناك الوقت معيار للصوم فكل جزء منه على الاطلاق لا يصلح للجزء الاول من العبادة بل الجزء الاول من الوقت متعين للجزء الاول من العبادة ثم الثاني منه للثاني منها والثالث للثالث وهكذا فلا يتصور وجوب الجزء الاول من العبادة في الجزء الثاني أو الخامس من الوقت ولا الجزء الخامس من العبادة من الجزء السادس من الوقت فإذا فات الجزء الاول من الوقت وهو ليس باهل فلم يجب الجزء الاول من العبادة لاستحالة الوجوب على غير الاهل فبعد ذلك وان أسلم في الجزء الثاني أو العاشر لا يتصور وجوب الجزء الاول من الصوم في ذلك الجزء من للوقت لانه ليس بمحل لوجوبه فيه ولان وجوب كل جزء من الصوم في جزء من الوقت وهو محل أدائه والجزء الثاني من اليوم لا يتصور أن يكون محلا للجزء الاول من العبادة فلا يتصور وجوب الجزء الاول فلا يتصور وجوب الجزء الآخر لان الصوم لا يتجزأ وجوبا ولا أداء بخلاف الصلاة لان هناك كل جزء مطلق من الوقت يصلح ان يجب فيه الجزء الاول من الصلاة إذا التحريمة منها في ذلك الوقت لان الوقت ليس بمعيار للصلاة فهو الفرق والله الموفق ثم ما ذكرنا من تعلق الوجوب بمقدار التحريمة في حق الحائض إذا كانت أيامها عشرا فاما إذا كانت أيامها دون العشرة فانما تجب عليها الصلاة إذا طهرت وعليها من الوقت مقدار ما تغتسل فيه فان كان عليها من الوقت ما لا تستطيع ان تغتسل فيه أولا تستطيع أن تتحرم للصلاة فليس عليها تلك الصلاة حتى لا يجب عليها القضاء والفرض ان أيامها إذا كانت أقل من عشرة لا يحكم بخروجها من الحيض بمجرد انقطاع الدم ما لم تغتسل أو يمضى عليها وقت صلاة تصير تلك الصلاة دينا عليها وإذا كانت أيامها عشرة بمجرد الانقطاع يحكم بخروجها عن الحيض فإذا أدركت جزأ من الوقت يلزمها قضاء تلك الصلاة سواء تمكنت من الاغتسال أو لم تتمكن بمنزلة كافر أسلم وهو جنب أو صبى بلغ بالاحتلام في آخر الوقت فعليه قضاء تلك الصلاة سواء تمكن من الاغتسال في الوقت أو لم يتمكن وهذا لان الحيض هو خروج الدم في وقت معتاد فإذا انقطع الدم كان ينبغى ان يحكم بزواله لان الاصل ان ما انعدم حقيقة انعدم حكما الا انا لا نحكم بخروجها من الحيض ما لم تغتسل إذا كانت أيامها أقل من عشرة لاجماع الصحابة
رضى الله عنهم قال الشعبى حدثنى بضعة عشر نفرا من الصحابة ان الزوج أحق برجعتها ما لم تغتسل وكان المعنى في ذلك ان نفس الانقطاع ليس بدليل على الطهارة لان ذلك كثيرا ما يتخلل في زمان الحيض فشرطت زيادة
[ 97 ]
شئ له أثر في التطهير وهو الاغتسال أو وجوب الصلاة عليها لانه من أحكام الطهر بخلاف ما إذا كانت أيامها عشرا لان هناك الاجماع ومثل هذا الدليل المعقول منعدمان ولان الدليل قد قام لنا ان الحيض لا يزيد على العشرة وهذه المسألة تستقصى في كتاب الحيض وهل يباح للزوج قربانها قبل الاغتسال إذا كانت أيامها عشرا عند أصحابنا الثلاثة يباح وعند زفر لا يباح ما لم تغتسل وإذا كانت أيامها دون العشرة لا يباح للزوج قربانها قبل الاغتسال بالاجماع وإذا مضى عليها وقت صلاة فللزوج ان يقربها عندنا وان لم تغتسل خلافا لزفر على ما يعرف في كتاب الحيض ان شاء الله تعالى * (فصل) * واما بيان ما يصير المسافر به مقيما فالمسافر يصير مقيما بوجود الاقامة والاقامة تثبت باربعة أشياء أحدها صريح نية الاقامة وهو ان ينوى الاقامة خمسة عشر يوما في مكان واحد صالح للاقامة فلا بد من أربعة أشياء الاقامة ونية مدة الاقامة واتحاد المكان وصلاحيتة للاقامة (اما) نية الاقامة فامر لا بد منه عندنا حتى لو دخل مصر أو مكث فيه شهرا أو أكثر لا نتظلر القافلة أو لحاجة أخرى يقول اخرج اليوم أو غدا ولم ينو الاقامة لا يصير مقيما وللشافعي فيه قولان في قول إذا أقام أكثر مما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك كان مقيما وان لم ينو الاقامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك تسعة عشر يوما أو عشرين يوما وفى قول إذا أقام أربعة كان مقيما ولا يباح له القصر (احتج) لقوله الاول ان الاقامة متى وجدت حقيقة ينبغى ان تكمل الصلاة قلت الاقامة أو كثرت لانها ضد السفر والشئ يبطل بما يضاده الا ان النبي صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك تسعة عشر يوما وقصر الصلاة فتركنا هذا القدر بالنص فنأخذ بالقياس فيما وارءه ووجه قوله الآخر على النحو الذى ذكرنا ان القياس ان يبطل السفر بقليل الاقامة لان الاقامة قرار والسفر انتقال والشئ ينعدم بما يضاده فينعدم حكمه ضرورة الا ان قليل الاقامة لا يمكن اعتباره لان المسافر لا يخلو عن ذلك عادة فسقط اعتبار القليل لمكان الضرورة ولا ضرورة في الكثير والاربعة في حد الكثرة لان أدنى درجات الكثير ان يكون جمعا والثلاثة وان كانت جمعا لكنها أقل الجمع فكانت في حد القلة من وجه فلم تثبت الكثرة المطلقة فإذا صارت
أربعة صارت في حد الكثرة على الاطلاق لزوال معنى القلة من جميع الوجوه (ولنا) اجماع الصحابة رضى الله عنهم فانه روى عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه انه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصلاة وعن ابن عمر رضى الله عنهما انه أقام باذربيجان شهرا وكان يصلى ركعتين وعن علقمة انه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر وروى عن عمران بن حصين رضى الله عنه انه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة فاقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلى الا الركعتين ثم قال لاهل مكة صلوا أربعا فانا قوم سفر والقياس بمقابلة النص والاجماع باطل (واما) مدة الاقامة فاقلها خمسة عشر يوما عندنا وقال مالك والشافعي أقلها أربعة أيام وحجتهما ما ذكرنا وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجرين المقام بمكة بعد قضاء النسك ثلاثة أيام فهذه اشارة إلى ان الزيادة على الثلاث توجب حكم الاقامة (ولنا) ما روى عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم انهما قالا إذا ادخلت بلدة وأنت مسافر وفى عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوما فاكمل الصلاة وان كنت لا تدرى متى تظعن فاقصر وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد لانه من جملة المقادير ولا يظن بهما التكلم جزافا فالظاهر انهما قالاه سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عبد الله بن عباس وجابر وأنس رضى الله عنهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه دخلوا مكة صبيحة الرابع من ذى الحجة ومكثوا ذلك اليوم واليوم الخامس واليوم السادس واليوم السابع فلما كان صبيحة اليوم الثامن وهو يوم التروية خرجوا إلى منى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه ركعتين وقد وطنوا أنفسهم على اقامة أربعة ايام دل ان التقدير بالاربعة غير صحيح وما روى من الحديث فليس فيه ما يشير إلى تقدير أدنى مدة الاقامة بالاربعة لانه يحتمل انه علم ان حاجتهم ترتفع في تلك المدة فرخص بالمقام ثلاثا لهذا لا لتقدير
[ 98 ]
الاقامة (وأما) اتحاد المكان فالشرط نية مدة الاقامة في مكان واحد لان الاقامه قرار والانتقال يضاده ولابد من الانتقال في مكانين وإذا عرف هذا فنقول إذا نوى المسافر الاقامة خمسة عشر يوما في موضعين فان كانا مصرا واحدا أو قرية واحدة صار مقيما لانهما متحدان حكما ألا يرى انه لو خرج إليه مسافرا لم يقصر فقد وجد الشرط وهو نية كمال مدة الاقامة في مكان واحد فصار مقيما وان كانا مصرين نحو مكة ومنى أو الكوفة والحيرة أو قريتين أو أحدهما مصر والآخر قرية لا يصير مقيما لانهما مكانان متباينان حقيقة وحكما ألا ترى انه لو خرج
إليه المسافر يقصر فلم يوجد الشرط وهو نية الاقامه في موضع واحد خمسة عشر يوما فلغت نيته فان نوى المسافر أن يقيم بالليالى في أحد الموضعين ويخرج بالنهار إلى الموضع الاخر فان دخل أولا الموضع الذى نوى المقام فيه بالنهار لا يصير مقيما وان دخل الموضع الذى نوى الاقامة فيه بالليالى يصير مقيما ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا لان موضع اقامة الرجل حيث يبيت فيه ألا ترى انه إذا قيل للسوقى اين تسكن يقول في محلة كذا وهو بالنهار يكون بالسوق وذكر في كتاب المناسك ان الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الاقامة خمسة عشر يوما أو دخل قبل أيام العشر لكن بقى إلى يوم التروية أقل من خمسة عشر يوما ونوى الاقامه لا يصح لانه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا تتحقق نية اقامته خمسة عشر يوما فلا يصح وقيل كان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة وذلك انه كان مشغولا بطلب الحديث قال فدخلت مكة في أول العشر من ذى الحجة مع صاحب لى وعزمت على الاقامة شهرا فجعلت أتم الصلاة فلقينى بعض أصحاب أبى حنيفة فقال أخطأت فانك تخرج إلى منى وعرفات فلما رجعت من منى بدالصاحبى أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة فقال لى صاحب أبى حنيفة أخطأت فانك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا تصير مسافرا فقلت أخطأت في مسألة في موضعين فدخلت مجلس محمد واشتغلت بالفقه وانما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ علم الفقه فيصير مبعثة للطلبة على طلبه (وأما) المكان الصالح للاقامة فهو موضع اللبث والقرار في العادة نحو الامصار والقرى وأما المفازة والجزيرة والسفينة فليست موضع الاقامة حتى لو نوى الاقامة في هذه المواضع خمسة عشر يوما لا يصير مقيما كذا روى عن أبى حنيفة وروى عن أبى يوسف في الاعراب والاكراد والتركمان إذا نزلوا بخيامهم في موضع ونووا الاقامة خمسة عشر يوما صاروا مقيمين فعلى هذا إذا نوى المسافر الاقامة فيه خمسة عشر يوما يصير مقيما كما في القرية وروى عنه أيضا انهم لم يصيروا مقيمين فعلى هذا إذا نوى المسافر الاقامة فيه لا يصح ذكر الروايتين عن أبى يوسف في العيون فصار الحاصل ان عند أبى حنيفة لا يصير مقيما في المفازة وان كان ثمة قوم وطنوا ذلك المكان بالخيام والفساطيط وعن أبى يوسف روايتان وعلى هذا الامام إذا دخل دار الحرب مع الجند ومعهم أخبية وفساطيط فنووا الاقامة خمسة عشر يوما في المفازة والصحيح قول أبى حنيفة لان موضع الاقامة موضع القرار والمفازه ليست موضع القرار في الاصل فكانت النية لغو اولو حاصر المسلمون مدينة من مدائن أهل الحرب ووطنوا أنفسهم على اقامة خمسة عشر يوما لم تصح نية الاقامة ويقصرون وكذا إذا نزلوا المدينة وحاصروا أهلها في الحصن وقال أبو يوسف ان
كانوا في الاخبية والفساطيط خارج البلدة فكذلك وان كانوا في الابنية صحت نيتهم وقال زفر في الفصلين جميعا ان كانت الشوكة والغلبة للمسلمين صحت نيتهم وان كانت للعد ولم تصح وجه قول زفران الشوكة إذا كانت للمسلمين يقع الامن لهم من ازعاج العد واياهم فيمكنهم القرار ظاهرا فنية الاقامة صادفت محلها فصحت وأبو يوسف يقول الابنية موضع الاقامة فتصح نية الاقامة فيها بخلاف الصحراء (ولنا) ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه ان رجلا سأله وقال انا نطيل الثواء في أرض الحرب فقال صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك ولان نية الاقامة نية القرار وانما تصح في محل صالح للقرار ودار الحرب ليست موضع قرار المسلمين المحار بين لجواز أن بزعجهم العدو ساعة فساعة لقوة تظهر لهم لان الفتال سجال أو تنفذ لهم في المسلمين حيلة لان الحرب خدعة فلم تصادف النية محلها فلفت ولان غرضهم من المكث هنا لك فتح الحصن دون التوطن وتوهم انفتاح الحصن في كل ساعة قائم فلا
[ 99 ]
تتحقق نيتهم اقامة خمسة عشر يوما فقد خرج الجواب عما قالا وعلى هذا الخلاف إذا حارب أهل العدل البغاة في دار الاسلام في غير مصر أو حاصروهم ونووا الاقامة خمسة عشر يوما واختلف المتأخرون في الاعراب والاكراد والتركمان الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف قال بعضهم لا يكونون مقيمين أبدا وان نووا الاقامة مدة الاقامة لان المفازة ليست موضع الاقامة والاصح انهم مقيمون لان عادتهم الاقامة في المفاوز دون الامصار والقرى فكانت المفاوز لهم كالامصار والقرى لاهلها ولان الاقامة للرجل أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر بل ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى حتى لو ارتحلوا عن أماكنهم وقصدوا موضعا آخر بينهما مدة سفر صاروا مسافرين في الطريق ثم المسافر كما يصير مقيما بصريح نية الاقامة في مكان واحد صالح للاقامة خمسة عشر يوما خارج الصلاة يصير مقيما به في الصلاة حتى يتغير فرضه في الحالين جميعا سواء نوى الاقامة في أول الصلاة أو في وسطها أو في آخرها بعد ان كان شئ من الوقت باقيا وان قل وسواء كان المصلى منفردا أو مقتديا مسبوقا أو مدركا الا إذا أحدث المدرك أو نام خلف الامام فتوضأ أو انتبه بعد ما فرغ الامام من الصلاة ونوى الاقامة فانه لا يتغير فرضه عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر وانما كان كذلك لان نية الاقامة نية الاستقرار والصلاة لا تنافى نية الاستقرار فتصح نية الاقامة فيها فإذا كان الوقت باقيا والفرض لم يؤد بعد كان محتملا للتغيير فيتغير بوجود المغير وهو نية الاقامة وإذا خرج الوقت أو أدى الفرض لم يبق محتملا للتغيير فلا يعمل المغير فيه والمدرك الذى نام خلف الامام أو أحدث وذهب للوضوء كانه خلف
الامام ألا ترى انه لا يقرأ ولا يسجد للسهو فإذا فرغ الامام فقد استحكم الفرض ولم يبق محتملا للتغيير في حقه فكذا في حق اللاحق بخلاف المسبوق وإذا عرف هذا فنقول إذا صلى المسافر ركعة ثم نوى الاقامة في الوقت تغير فرضه لما ذكرنا ان الفرض في الوقت قابل للتغيير وكذا لو نوى الاقامة بعد ما صلى ركعة ثم خرج الوقت لما قلنا ولو خرج الوقت وهو في الصلاة ثم نوى الاقامة لا يتغير فرضه لان فرض السفر قد تقرر عليه بخروج الوقت فلا يحتمل التغيير بعد ذلك ولو صلى الظهر ركعتين وقعد قدر التشهد ولم يسلم ثم نوى الاقامة تغير فرضه لما ذكرنا وان نوى الاقامة بعد ما قعد قدر التشهد وقام إلى الثالثة فان لم يقيد الركعة بالسجدة تغير فرضه لانه لم يخرج عن المكتوبة بعد الا انه يعيد القيام والركوع لان ذلك نفل فلا ينوب عن الفرض وهو بالخيار في الشفع الاخيران شاء قرأ وان شاء سبح وان شاء سكت في ظاهر الرواية على ما ذكرنا فيما تقدم وان قيد الثالثة بالسجدة ثم نوى الاقامة لا يتغير فرضه لان الفرض قد استحكم بخروجه منه فلا يحتمل التغيير ولكنه يضيف إليها ركعة أخرى لتكون الركعتان له تطوعا لان التقرب إلى الله تعالى بالبتراء غير جائز ولو أفسد تلك الركعة فقرضه تام وليس عليه قضاء اشفع الثاني عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر بناء على مسألة المظنون هذا إذا قعد على رأس الركعتين قدر التشهد فاما إذا لم يقعد ونوى الاقامة وقام إلى الثالثة تغير فرضه لما قلنا ثم ينظران لم يقم صلبه عاد إلى القعدة وان أقام صلبه لا يعود كالمقيم إذا قام من الثالثة إلى الرابعة وهو في القراءة في الشفع الاخير بالخيار وكذا إذا قام إلى الثالثة ولم يقيدها بالسجدة حتى نوى الاقامة تغير فرضه وعليه اعادة القيام والركوع لما مر فان قيد الثالثة بالسجدة ثم نوى الاقامة لا تعمل نيته في هذه الصلاة لان فرضيتها قد فسدت بالاجماع لانه لما قيد الثالثة بالسجدة ثم شروعه في النفل لان الشروع اما أن يكون بتكبيرة الافتتاح أو بتمام فعل النفل وتمام فعل الصلاة بتقييد الركعة بالسجدة ولهذا لا تسمى صلاة بدونه وإذا صار شارعا في النفل صار خارجا عن الفرض ضرورة لكن بقيت التحريمة عند أبى حنيفة وأبى يوسف فيضيف إليها ركعة أخرى ليكون الاربع له تطوعا لان التنفل بالثلاث غير مشروع وعند محمد ارتفعت التحريمة بفساد الفرضية فلا يتصور انقلا به تطوعا مسافر صلى الظهر ركعتين وترك القراءة في الركعتين أو في واحدة منهما وقعد قدر التشهد ثم نوى الاقامة قبل أن يسلم أو قام إلى الثالثة ثم نوى الاقامة قبل أن يقيدها بالسجدة تحول فرضة أربعة عند أبى حنيفة وأبى يوسف ويقرأ في الاخيرتين قضاء عن الاوليين وتفسد صلاته عند محمد ولو قيد الثالثة بالسجدة ثم نوى الاقامة تفسد
[ 100 ]
صلاته بالاجماع لكن يضيف إليها ركعة أخرى ليكون الركعتان له تطوعا على قولهما خلافا لمحمد على ما مر وجه قول محمد ان ظهر المسافر كفجر المقيم ثم الفجر في حق المقيم يفسد بترك القراءة فيهما أو في احداهما على وجه لا يمكنه اصلاحه الا بالاستقبال فكذا الظهر في حق المسافر إذ لا تأثير لنية الاقامة في رفع صفة الفساد وجه قولهما ان المفسد لم يتقر ولان المفسد خلو الصلاة عن القراءة في ركعتين منها ولا يتحقق ذلك بترك القراءة في الاوليين لان صلاة المسافر بعرض أن يلحقها مدة نية الاقامة بخلاف الفجر في حق المقيم لان ثمة تقرر المفسد إذ ليس لها هذه العرضية وكذا إذا قيد الثالثة بالسجدة ولو قرأ في الركعتين جميعا وقعد قدر التشهد وسلم وعليه سهو فنوى الاقامة لم ينقلب فرضه أربعا وسقط عنه السهو عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد وزفر تغير فرضه أربعا ويسجد للسهو في آخر الصلاة ذكر الاختلاف في نوادر أبى سليمان ولو سجد سجدة واحدة لسهوه أو سجدهما ثم نوى الاقامة تغير فرضه أربعا بالاجماع ويعيد السجدتين في آخر الصلاة وكذا إذا نوى الاقامه قبل السلام الاول وهذا الاختلاف راجع إلى أصل وهو ان من عليه سجود السهو إذا سلم يخرج من الصلاة عند أبى حنيفة وأبى يوسف خروجا موقوفا ان عاد إلى سجدتي السهو وصح عوده اليهما تبين انه كان لم يخرج وان لم يعد تبين أنه كان خرج حتى لو ضحك بعد ما سلم قبل أن يعود إلى سجدتي السهو لا تنتقض طهارته عندهما وعند محمد وزفر سلامه لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلا حتى لو ضحك قهقهة بعد السلام قبل الاشتغال بسجدتي السهو تنتقض طهارته وجه قول محمد وزفر ان الشرع أبطال عمل سلام من عليه سجدتا السهو لان سجدتي السهو يؤتى بهما في تحريمه الصلاة لانهما شرعنا لجبر النقصان وانما ينجبران لو حصلتا في تحريمة الصلاة ولهذا يسقطان إذا وجد بعد العقود قدر التشهد ما ينافى التحريمة ولا يمكن تحصليهما في تحريمة الصلاة الا بعد بطلان عمل هذا السلام فصار وجوده وعدمه في هذه الحالة بمنزلة واحدة ولو انعدم حقيقة كانت التحريمة باقية فكذا إذا التحق بالعدم ولابي حنيفة وأبى يوسف ان السلام جعل محللا في الشرع قال النبي صلى الله عليه وسلم وتحليلها التسليم والتحليل ما يحصل به التحلل ولانه خطاب للقوم فكان من كلام الناس وانه مناف للصلاة غير ان الشرع أبطل عمله في هذه الحالة لحاجة المصلى إلى جبر النقصان ولا ينجبر الا عند وجود الجابر في التحريمة ليلحق الجابر بسبب بقاء التحريمة بمحل النقصان فينجبر النقصان فبقينا التحريمة مع وجود المنافى لها لهذه الضرورة فان اشتغل بسجدتي السهو وصح اشتغاله بهما تحققت الضرورة
إلى ابقاء التحريمة فبقيت وان لم يشتغل لم تتحقق الضرورة فعمل السلام في الاخراج عن الصلاة وابطال التحريمة وإذا عرف هذا الاصل فنقول وجدت نية الاقامة ههنا والتحريمة باقية عند محمد وزفر فتغير فرضه كما لو نوى الاقامة قبل السلام أو بعد ما عاد إلى سجدتي السهو وعند أبى حنيفة وأبى يوسف وجدت نية الاقامة ههنا والتحريمة منقطعة لان بقاءها مع وجود المنافى لضرورة العود إلى سجدتي السهو والعود إلى سجدتي السهو ههنا لا يصح لانه لو صح لتبين ان التحريمة كانت باقية فتبين ان فرضه صار أربعا وهذا وسطا الصلاة والاشتغال بسجدتي السهو في وسط الصلاة غير صحيح لان محلهما آخر الصلاة فلا فائدة في التوقف ههنا فلا يتوقف بخلاف ما إذا اقتدى به انسان في هذه الحالة لان الاقتداء موقوف ان اشتغل بالسجدتين تبين انه كان صحيحا وان لم يشتغل تبين انه وقع باطلا لان القول بالتوقف هناك مفيد لان العود إلى سجدتي السهو صحيح فسقط اعتبار المنافى للضرورة وههنا بخلافه بخلاف ما إذا سجد سجدة واحدة للسهو ثم نوى الاقامة أو سجد السجدتين جميعا حيث يصح وان كان يؤدى إلى ان سجدتي السهو لا يعتد بهما لحصولهما في وسط الصلاة لان هناك صح اشتغاله بسجدتي السهو فتبين ان التحريمة كانت باقية فوجدت نية الاقامة والتحريمة باقية فتغير فرضه أربعا وإذا تغير أربعا تبين ان السجدة حصلت في وسط الصلاة فيبطل اعتبارها ولكن لا يظهر انها ما كانت معتبرة معتدا بها حين حصلت بل بطل اعتبارها بعد ذلك وقت حصول نية الاقامة مقتصرا على الحال فاما فيما نحن فيه فبخلافه وفرق بين ما العقد صحيحا ثم انفسخ بمعنى يوجب انفساخه وبين ما لم ينعقد من الاصل لان في الاول ثبت الحكم عند انعقاده
[ 101 ]
وانتفى بعد انفساخه وفى الثاني لم يثبت الحكم أصلا نظيره من اشترى دارا فوجد بها عيبا فردها بقضاء القاضى حتى انفسخ البيع لا تبطل شفعة الشفيع الذى كان ثبت بالبيع ولو ظهر ان بدل الدار كان حر اظهر ان حق الشفيع لم يكن ثابتا لانه ظهر ان البيع ما كان منعقدا وفى باب الفسخ لا يظهر فكذا ههنا ويعيد السجدتين في آخر الصلاة عندنا خلافا لزفر والصحيح قولنا لانه شرع لجبر النقصان وانه لا يصلح جابرا قبل السلام ففى وسط الصلاة أولى فيعاد لتحقيق ما شرع له وبخلاف ما إذا نوى الاقامة قبل السلام الاول حيث تصح نية الاقامة لان التحريمة باقية بيقين ومن مشايخنا من قال لا توقف في الخروج عن التحريمة بسلام السهو عندهما بل يخرج جز ما من غير توقف وانما التوقف في عود التحريمه ثانيا ان عاد إلى سجدتي السهو يعود والا فلا وهذا أسهل
لتخريج المسائل وما ذكرنا ان التوقف في بقاء التحريمة وبطلانها أصح لان التحريمة تحريمة واحدة فإذا بطلت لا تعود الا بالاعادة ولم توجد والله أعلم (والثانى) وجود الاقامة بطريق التبعية وهو ان يصير الاصل مقيما فيصير التبع أيضا مقيما باقامة الاصل كالعبد يصير مقيما باقامة مولاه والمرأة باقامة زوجها والجيش باقامة الامير ونحو ذلك لان الحكم في التبع ثبت بعلة الاصل ولا تراعى له علة على حدة لما فيه من جعل التبع أصلا وانه قلب الحقيقة (واما) الغريم مع صاحب الدين فهو على التفصيل الذى ذكرنا في السفر انه ان كان المديون مليا فالمعتبر نيته ولا يصير تبعا لصاحب الدين لانه يمكنه تخليص نفسه بقضاء الدين وان كان مفلسا فالمعتبر نية صاحب الدين لان له حق ملازمته فلا يمكنه ان يفارق صاحب الدين فكانت نيته لغو العدم الفائدة ثم في هذه الفصول انما يصير التبع مقيما باقامة الاصل وتنقلب صلاته أربعا إذا علم التبع بنية اقامة الاصل فاما إذا لم يعلم فلا حتى لم صلى التبع صلاة المسافرين قبل العلم بنية اقامة الاصل فان صلاته جائزة ولا يجب عليه اعادتها وقال بعض أصحابنا ان عليه الاعادة وانه غير سديد لان في اللزوم بدون العلم به ضررا في حقه وحرجا ولهذا لم يصح عزل الوكيل بدون العلم به كذا هذا وعلى يبنى أيضا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت انه يصح وينقلب فرضه أربعا عند عامة العلماء وقال بعض الناس لا ينقلب وقال مالك ان أدرك مع الامام ركعة وصاعدا ينقلب فرضه أربعا وان أدرك ما دون الركعة لا ينقلب بان اقتدى به في السجدة الاخيرة أو بعد ما رفع رأسه منها والصحيح قول العامة لانه لما اقتدى به صار تبعا له لان متابعته واجبة عليه قال صلى الله عليه وسلم انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه والاداء أعنى الصلاة في الوقت مما يحتمل التغيير إلى الكمال إذا وجد دليل التغيير ألا ترى انه تتغير نية الاقامة في الوقت وقد وجد ههنا دليل التغيير وهو التبعية فيتغير فرضه أربعا فصار صلاة المقتدى مثل صلاة الامام فصح اقتداؤه به بخلاف ما إذا اقتدى به خارج الوقت حيث لا يصح لان الصلاة خارج الوقت من باب القضاء وانه خلف عن الاداء والاداء لم يتغير لعدم دليل التغيير القضاء ألا ترى انه لا يتغير بنية الاقامة بعد خروج الوقت وإذا لم يتغير فرضه بالاقتداء بقيت صلاته ركعتين والقعدة فرض في حقه نفل في حق الامام فلو صح الاقتداء كان هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة وكما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في جميع الصلاة لا يجوز في ركن منها وما ذكره مالك غير سديد لان الصلاة مما لا يتجزأ فوجود المغير في جزئها كوجوده في كلها ولو أن مقيما صلى ركعتين بقراءة فلما قام إلى الثالثة جاء مسافر واقتدى به بعد خروج الوقت لا يصح لما بينا ان فرض
المسافر تقرر ركعتين بخروج الوقت والقراءة فرض عليه في الركعتين نفل في حق المقيم في الاخيرتين فيكون اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراء فان صاد بغير قراءة والمسألة بحالها ففيه روايتان (وأما) اقتداء المقيم بالمسافر فيصح في الوقت وخارج الوقت لان صلاة المسافر في الحالتين واحدة والقعدة فرض في حقه نفل في حق المقتدى وافتداء المتنفل بالمفترض جائز في كل الصلاة فكذا في بعضها فهو الغرق ثم إذا سلم الامام على رأس الركعتين لا يسلم المقيم لانه قدبقى عليه شطر الصلاة فلو سلم لفسدت صلاته ولكنه يقوم ويتمها أربعا لقوله صلى الله عليه وسلم اتموا يا أهل مكة فانا قوم سفر وينبغى للامام المسافر إذا سلم أن يقول للمقيمين
[ 102 ]
خلفه اتموا اصلاتكم فانا قوم سفر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لا قراءة على المقتدى في بقية صلاته إذا كان مدركا أي الا يحب عليه لانه شفع أخير في حقه ومن مشايخنا من قال ذكر في الاصل ما يدل على وجوب القراء فانه قال إذا سها يلزمه سجود السهو والاستدلال به إلى العكس أولى لانه الحقه بالمنفرد في حق السهو فكذا في حق القراءة ولاقراءة على المنفرد في الشفع الاخير ثم المقيمون بعد تسليم الامام يصلون وحدانا ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الامام منهم تامة وصلاة المقتدين فاسدة لانهم اقتدوا في موضع يجب عليهم الانفراد ولو قام المقيم إلى اتمام صلاته ثم نوى الامام الاقامة قبل التسليم ينظران لم يقيد هذا المقيم ركعته بالسجدة رفض ذلك وتابع امامه حتى لو لم يرفض وسجد فسدت صلاته لان صلاته صارت أربعا تبعا لامامه لانه ما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يخرج عن صلاة الامام ولا يعتد بذلك القيام والركوع لانه وجد على وجه النفل فلا ينوب عن الفرض ولو قيد ركعته بالسجدة ثم نوى الامام الاقامة أتم صلاته ولا يتابع الامام حتى لو رفض ذلك وتابع الامام فسدت صلاته لانه اقتدى في موضع يجب عليه الانفراد والله أعلم وعلى هذا إذا اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت ثم خرج الوقت قبل الفراغ من الصلاة لا تفسد صلاته ولا يبطل اقتداؤه به وان كان لا يصح اقتداء المسافر بالمقيم في خارج الوقت ابتداء لانه لما صح اقتداؤه به وصار تبعا له صار حكمه حكم المقيمين وانما يتأكد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حق المسافر وهذا قد صار مقيما وصلاة المقيم لا تصير ركعتين بخروج الوقت كما إذا صار مقيما بصريح نية الاقامة ولو نام خلف الامام حتى خرج الوقت ثم انتبه أتمها أربعا لان المدرك يصلى ما نام عنه كانه خلف الامام وقد انقلب فرضه أربعا بحكم التبعية والتبعية باقية بعد خروج الوقت لانه بقى مقتديا به على ما مر ولو
تكلم بعد خروج الوقت أو قبل خروجه يصلى ركعتين عندنا خلافا للشافعي على ما مر ولو أن مسافرا أم قوما مقيمين ومسافرين في الوقت فاحدث واستخلف رجلا من المقيمين صح استخلافه لانه قادر على اتمام صلاة الامام ولا تنقلب صلاة المسافرين أربعا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر ينقلب فرضهم أربعا وجه قوله انهم صاروا مقتدين بالمقيم حتى تعلق صلاتهم بصلاته صحة وفسادا والمسافر إذا اقتدى بالمقيم ينقلب فرضه أربعا كما لو اقتدى به ابتداء ولان فرضهم لو لم ينقلب أربعا لما جاز اقتداؤهم به لان القعدة الاولى في حق الامام نفل وفى حق المسافرين فرض فيصير اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة ولهذا لا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت (ولنا) أن المقيم انما صار اما ما بطريق الخلافة ضرورة أن الامام عجز عن الاتمام بنفسه فيصير قائما مقامه في مقدار صلاة الامام إذا الخلف يعمل عمل الاصل كانه هو فكانوا مقتدين بالمسافر معين فلذلك لا تنقلب صلاتهم أربعا وصارت القعدة الاولى عليه فرضا لانه قائم مقام المسافر مؤد صلاته وعلى هذا لو قدم مسافر فنوى المقدم الاقامة لا ينقلب فرض المسافرين لما قلنا وإذا صح استخلافه ينبغى أن يتم صلاة الامام وهى ركعتان ويعقد قدر التشهد ولا يسلم بنفسه لانه مقيم بقى عليه شطر الصلاة فتفسد صلاته بالسلام ولكنه يستخلف رجلا من المسافرين حتى يسلم بهم ثم يقوم هو وبقية المقيمين ويصلون بقيه صلاتهم وحدانا لانهم بمنزلة اللاحقين ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الامام منهم تامة لانه منفرد على كل حال وصلاة المقتدين فاسدة لانهم تركوا ما هو فرض عليهم وهو الانفراد في هذه الحالة ولو أن مسافرا صلى بمسافرين ركعة في الوقت ثم نوى الاقامة يصلى بهم أربعا لان الامام ههنا أصل وقد تغيرت صلاته بوجود المغير وهو نية الاقامة فتتغير صلاة القوم بحكم التبعية بخلاف الفصل الاول فانه خلف عن الامام الاول مؤد صلاته لما بينا ولو أن مسافرا أم قوما مسافرين ومقيمين فلما صلى ركعتين وتشهد فقبل أن يسلم تكلم واحد من المسافرين خلفه أو قام فذهب ثم نوى الامام الاقامة فانه يتحول فرضه وفرض المسافرين الذين لم يتكلموا أربعا لوجود المغير في محله وصلاة من تكلم تامة لانه تكلم في وقت لو تكلم فيه امامه لا تفسد صلاته فكذا صلاة المقتدى إذا كان بمثل حال ولو تكلم بعد ما نوى الامام الاقامة فسدت صلاته لانه انقلبت صلاته أربعا تبعا للامام فحصل كلامه في وسط الصلاة فوجب فسادها
[ 103 ]
ولكن يجب عليه صلاة المسافرين ركعتان عندنا لانه صار مقيما تبعا وقد زالت التبعية بفساد الصلاة فعاد حكم
المسافرين في حقه (وأما) الثالث فهو الدخول في الوطن فالمسافر إذا دخل مصره صار مقيما سواء دخلها للاقامة أو للاجتياز أو لقضاء حاجة والخروج بعد ذلك لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج مسافرا إلى الغزوات ثم يعود إلى المدينة ولا يجدد نية الاقامة ولان مصره متعين للاقامة فلا حاجة إلى التعيين بالنية وإذا قرب من مصره فحضرت الصلاة فهو مسافر ما لم يدخل لما روى أن عليا رضى الله عنه حين قدم الكوفة من البصرة صلى صلاة السفر وهو ينظر إلى أبيات الكوفة وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما انه قال للمسافر صل ركعتين ما لم تدخل منزلك ولان هذا موضع لو خرج إليه على قصد السفر يصى مسافرا فلان يبقى مسافار بعد وصوله إليه أولى وذكر في العيون ان الصبى والكافر إذا خرجا إلى السفر فبقى إلى مقصدهما أقل من مدة السفر فاسلم الكافر وبلغ الصبى فان الصبى يصلى أربعا والكافر الذى أسلم يصلى ركعتين والفرق ان قصد السفر صحيح من الكافر الا انه لا يصلى لكفره فإذا أسلم زال المانع فاما الصبى فقصده السفر لم يصح وحين أدرك لم يبق إلى مقصده مدة السفر فلا يصير مسافرا ابتداء وذكر في نوادر الصلاة أن من قدم من السفر فلما انتهى قريبا من مصره قبل أن ينتهى إلى بيوت مصره افتتح الصلاة ثم أحدث في صلاته فلم يجد الماء فدخل المصر ليتوضأ ان كان اماما أو منفردا فحين انتهى إلى بيوت مصره صار مقيما وان كان مقتديا وهو مدرك فان لم يفرغ الامام من صلاته يصلى ركعتين بعد ما صار مقيما لانه كانه خلف الامام واللاحق إذا نوى الاقامة قبل فراغ الامام يصير مقيما فكذا إذا دخل مصره وان كان فرغ الامام من صلاته حين انتهى إلى بيوت مصره لا تصح نية اقامته ويصلى ركعتين عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر تصير صلاته أربعا بالدخول إلى مصره وكذا بنيته الاقامة في هذه الحالة وجه قوله أن المعير موجود والوقت باق فكان المحل قابلا للتغيير أربعا ولان هذا ان اعتبر بمن خلف الامام يتغير فرضه وان اعتبر بالمسبوق يتغير (ولنا) ان اللاحق ليس بمنفرد ألا ترى أنه لا قراءة عليه ولا سجود سهو ولكنه قاض مثل ما انعقد له تحريمة الامام لانه التزم اداء هذه الصلاة مع الامام وبفراغ الامام فات الاداء معه فيلزمه القضاء والقضاء لا يحتمل التغيير لان القضاء خلف فيعتبر بحال الاصل وهو صلاة الامام وقد خرج الاصل عن احتمال التغيير وصار مقيما على وظيفة المسافرين ولو تغير الخلف لا نقلب اصلا وهذا لا يجوز بخلاف من خلف الامام لانه لم يفته الاداء مع الامام فلم يصر قضاء فيتغير فرضه وبخلاف المسبوق لانه مؤد ما سبق به لانه لم يلتزم أداءه مع الامام والوقت باق فتغير ثم انما يتغير فرض المسافر بصيرورته مقيما بدخوله مصره إذا دخله في
الوقت فاما إذا دخله بعد خروج الوقت فلا يتغير لانه تقرر عليه فرض السفر بخروج الوقت فلا يتغير بالدخول في المصر ألا ترى أنه لا يتغير بصريح نية الاقامة وبالاقامة بطريق التبعية والله أعلم (ثم) الاوطان ثلاثة وطن أصلى وهو وطن الانسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دار أو توطن بها مع أهله وولده وليس من قصده الارتحال عنها بل التعيش بها (ووطن) الاقامة وهو أن يقصد الانسان أن يمكث في موضع صالح للاقامة خمسة عشر يوما أو أكثر (ووطن) السكنى وهو ان يقصد الانسان المقام في غير بلدته أقل من خمسة عشر يوما والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي قسم الوطن إلى قسمين وسمى أحدهما وطن قرار والاخر مستعارا فالوطن الاصلى ينتقض بمثله لا غير وهو أن يتوطن الانسان في بلدة أخرى وينقل الاهل إليها من بلدته فيخرج الاول من أن يكون وطنا أصليا له حتى لو دخل فيه مسافرا لا تصير صلاته أربعا وأصله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من أصحابه رضى الله عنهم كانوا من أهل مكة وكان لهم بها أوطان أصلية ثم لما هاجروا وتوطنوا بالمدينة وجعلوها دار الا نفسهم انتقض وطهنم الاصلى بمكة حتى كانوا إذا أتوا مكة يصلون صلاة المسافرين حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم حتى صلى بهم أتموا يا أهل مكة صلاتكم فانا قوم سفر ولان الشئ جاز أن ينسخ بمثله ثم الوطن الاصلى يجوز أن يكون واحدا أو أكثر من ذلك بان كان له أهل ودار في بلدتين أو أكثر ولم يكن من نية
[ 104 ]
أهله الخروج منها وان كان هو ينتقل من أهل إلى أهل في السنة حتى انه لو خرج مسافرا من بلدة فيها أهله ودخل في أي بلدة من البلاد التى فيها أهله فيصير مقيما من غير نية الاقامة ولا ينتقض الوطن الاصلى بوطن الاقامة ولا بوطن السكنى لانهما دونه والشئ لا ينسخ بما هو دونه وكذا لا ينتقض بنية السفر والخروج من وطنه حتى يصير مقيما بالعود إليه من غير نية الاقامة لما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة مسافرا وكان وطنه بها باقيا حتى يعود مقيما فيها من غير تجديد النية (ووطن) الاقامة ينتقض بالوطن الاصلى لانه فوقه وبوطن الاقامة أيضا لانه مثله والشئ يجوز أن ينسخ بمثله وينتقض بالسفر أيضا لان توطنه في هذا المقام ليس للقرار ولكن لحاجة فإذا سافر منه يستدل به على قضاء حاجته فصار معرضا عن التوطن به فصار ناقضا له دلالة ولا ينتقض وطن الاقامة بوطن السكنى لانه دونه فلا ينسخه (ووطن) السكنى ينتقض بالوطن الاصلى وبوطن الاقامة لانهما فوقه وبوطن السكنى لانه مثله وبالسفر لما بينا ثم ذكرنا من تفسير وطن
الاقامة جواب ظاهر الرواية وذكر الكرخي في جامعه عن محمد روايتين في رواية انما يصير الوطن وطن اقامة بشرطين أحدهما أن يتقدمه سفر والثانى أن يكون بين وطنه الاصلى وبين هذا الموضع الذى توطن فيه بنية الاقامة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فاما بدون هذين الشرطين لا يصير وطن اقامة وان نوى الاقامة خمسة عشر يوما في مكان صالح للاقامة حتى ان الرجل المقيم إذا خرج من مصره إلى قرية من قراها لا لقصد السفر ونوى أن يتوطن بها خمسة عشر يوما لا تصير تلك القرية وطن اقامة له وان كان بينهما مسيرة سفر لانعدام تقدم السفر وكذا إذا قصد مسيرة سفر وخرج حتى وصل إلى قرية بينها وبين وطنه إلا صلى مسيرة ما دون السفر ونوى أن يقيم بها خمسة عشر يوما لا يصير مقيما ولا تصير تلك القرية وطن اقامة له وفى رواية ابن سماعة عنه يصير مقيما من غير هذين الشرطين كما هو ظاهر الرواية وإذا عرف هذا الاصل يخرج بعض المسائل عليه حتى يسهل تخريج الباقي خراساني قدم الكوفة ونوى المقام بها شهرا ثم خرج منها إلى الحيرة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما ثم خرج من الحيرة يريد العود إلى خراسان ومر بالكوفة فانه يصلى ركعتين لان وطنه بالكوفة كان وطن اقامة وقد انتقض بوطنه بالحيرة لانه وطن اقامة أيضا وقد بينا ان وطن الاقامة ينتقض بمثله وكذا وطنه بالحيرة انتقض بالسفر لانه وطن اقامة فكما خرج من الحيرة على قصد خراسان صار مسافرا ولا وطن له في موضع فيصلى ركعتين حتى يدخل بلدته بخراسان وان لم يكن نوى المقام بالحيرة خمسة عشر يوما أتم الصلاة بالكوفة لان وطنه بالكوفة لم يبطل بالخروج إلى الحيره لانه ليس بوطن مثله ولا سفر فيبقى وطنه بالكوفة كما كان ولو أن خراسانيا قدم الكوفة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما ثم ارتحل منها يريد مكة فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد فاته يقصر لان وطنه بالكوفة قد بطل بالسفر كما يبطل بوطن مثله ولو ان كوفيا خرج إلى القادسية ثم خرج منها إلى الحيرة ثم عاد من الحيرة يريد الشام فمر بالقادسية قصر لان وطنه بالقادسية والحيرة سواء فيبطل الاول بالثاني ولو بداله أن يرجع إلى القادسية قبل أن يصل إلى الحيرة ثم يرتحل إلى الشام صلى بالقادسية أربعا لان وطنه بالقادسية لا يبطل الا بمثله ول يوجد وعلى هذا الاصل مسائل في الزيادات (وأما) الرابع فهو العزم على العود للوطن وهو ان الرجل إذا خرج من مصره بنية السفر ثم عزم على الرجوع إلى وطنه وليس بين هذا الموضع الذى بلغ وبين مصره مسيرة سفر يصير مقيما حين عزم عليه لان العزم على العود إلى مصره قصد ترك السفر بمنزلة نية الاقامة فصح وان كان بينه وبين مصره مدة سفر لا يصير مقيما لانه بالعزم على العود قصد ترك
السفر إلى جهة وقصد السفر إلى جهة فلم يكمل العزم على العود إلى السفر لوقوع التعارض فبقى مسافرا كما كان وذكر في نوادر الصلاة ان من خرج من مصره مسافرا فحضرت الصلاة فافتنحها ثم أحدت فلم يجد الماء هنا لك فنوى أن يدخل مصره وهو قريب فحين نوى ذلك صار مقيما من ساعته دخل مصره أو لم يدخل لما ذكرنا انه قصد الدخول في المصر بنية ترك السفر فحصلت النية مقارنة للفعل فصحت فإذا دخله صلى أربعا لان تلك صلاة
[ 105 ]
المقيمين فان علم قبل أن يدخل المصر ان الماء أمامه فشى إليه فتوضأ صلى أربعا أيضا لانه بالنية صار مقيما فبالمشي بعد ذلك في الصلاة امامه لا يصير مسافرا في حق تلك الصلاة وان حصلت النية مقارنة لفعل السفر حقيقة لانه لو جعل مسافرا لفسدت صلاته لان السفر عمل فحرمة الصلاة منعته عن مباشرة العمل شرعا بخلاف الاقامة لانها ترك السفر وحرمة الصلاة لا تمنعه عن ذلك فلو تكلم حين علم بالماء أمامه أو أحدث متعمدا حتى فسدت صلاته ثم وجد الماء في مكانه يتوضأ ويصلى أربعا لانه صار مقيما ولو مشى أمامه ثم وجد الماء يصلى ركعتين لانه صار مسافرا ثانيا بالمشى إلى الماء بنية السفر خارج الصلاة فيصلى صلاة المسافرين بخلاف المشى في الصلاة لان حرمة الصلاة أخرجته من أن يكون سفرا والله أعلم * (فصل) * وأما أركانها فستة منها القيام والاصل ان كل متركب من معان متغايرة ينطلق اسم المركب عليها عند اجتماعها كان كل معنى منها ركنا للمركب كاركان البيت في المحسوسات والايجاب والقبول في باب البيع في المشروعات وكل ما يتغير الشئ به ولا ينطلق عليه اسم ذلك الشئ كان شرطا كالشهود في باب النكاح فهذا تعريف الركن والشرط بالتحديد وأما تعريفهما بالعلامة في هذا الباب فهو ان كل ما يدوم من ابتداء الصلاة إلى انتهائها كان شرطا وما ينقضى ثم يوجد غيره فهو ركن وقد وجد حد الركن وعلامته في القيام لانه إذا وجد مع المعاني الاخر من القراءة والركوع والسجود ينطلق عليها اسم الصلاة وكذا لا يدوم من أول الصلاة إلى آخرها بل ينقضى ثم يوجد غيره فكان ركنا وقال الله تعالى وقوموا الله قانتين والمراد منه القيام في الصلاة (ومنها) الركوع (ومنها) السجود لوجود حد الركن وعلامته في كل واحد منهما وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا وللقدر المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل ومن السجود أصل الوضع فاما الطمأنينة عليهما فليست بفرض في قول أبى حنيفة ومحمد وعند أبى يوسف فرض وبه أخذ الشافعي ولقب المسألة ان تعديل الاركان ليس بفرض
عندهما وعنده فرض ونذكر المسألة عند ذكر واجبات الصلاة وذكر سننها ان شاء الله تعالى واختلف في محل اقامة فرض السجود قال أصحابنا الثلاثة هو بعض الوجه وقال زفر والشافعي السجود فرض على الاعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين والقدمين واحتجا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وفى رواية على سبعة آراب الوجه واليدين والركبتين والقدمين (ولنا) ان الامر تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو ثم انعقد الاجماع على تعيين بعض الوجه فلا يجوز تعيين غيره ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فنحمله على بيان السنة عملا بالدليلين ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض قال أبو حنيفة هو الجبهة أو الانف غير عين حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه غير انه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة ولو وضع الانف وحده يجوز مع الكراهة وعند أبى يوسف ومحمد هو الجبهة على التعيين حتى لو ترك السجود عليها خال الاختيار لا يجزيه وأجمعوا على انه لو وضع الانف وحده في حال العذر يجزيه ولا خلاف في ان المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار احتجا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال مكن جبهتك وانفك من الارض أمر بوضعهما جميعا الا انه إذا وضع الجبهة وحدها وقع معتدا به لان الجبهة هي الاصل في الباب والانف تابع ولا عبرة لفوات التابع عند وجود الاصل ولانه أتى بالاكثر وللاكثر حكم الكل ولابي حنيفة ان المأمور به هو السجود مطلقا عن التعيين ثم قام الدليل على تعيين بعض الوجه باجماع بيننا لاجماعنا على ان ما سوى الوجه وما سوى هذين العضوين من الوجه غير مراد والانف بعض الوجه كالجبهة ولا اجماع على تعيين الجبهة فلا يجوز تعيينها وتقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد لانه لا يصلح ناسخا للكتاب فنحمله على بيان السنة احترازا عن الرد والله أعلم هذا إذا كان قادرا على ذلك فاما إذا كان عاجزا عنه فان كان عجزه عنه بسبب المرض بان كان مريضا لا يقدر على القيام والركوع والسجود يسقط عنه لان العاجز عن الفعل لا يكلف به وكذا إذا خاف زيادة العلة من ذلك لانه يتضرر به وفيه أيضا حرج فإذا عجز عن القيام يصلى قاعدا بركوع وسجود فان عجز
[ 106 ]
عن الركوع والسجود يصلى قاعدا بالايماء ويجعل السجود أخفض من الركوع فان عجز عن القعود يستلقى ويومئ ايماء لان السقوط لمكان العذر فيتقدر بقدر العذر والاصل فيه قوله تعالى واذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم قيل المراد من الذكر المأمور به في الاية هو الصلاة أي صلوا ونزلت الاية في
رخصة صلاة المريض انه يصلى قائما ان استطاع والا فقاعد أو الا فمضطجعا كذا روى عن ابن مسعود وابن عمر وجابر رضى الله عنهم وروى عن عمران بن حصين رضى الله عنه انه قال مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنبك تومئ ايماء وانما جعل السجود أخفض من الركوع في الايماء لان الايماء أقيم مقام الركوع والسجود وأحدهما أخفض من الاخر كذا الايماء بهما وعن على رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة المريض ان لم يستطع أن يسجد أو مأو جعل سجوده أخفض من ركوعه وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من لم يقدر على السجود فليجعل سجوده ركوعا وركوعه ايماء والركوع أخفض من الايماء ثم ما ذكرنا من الصلاة مستلقيا جواب المشهور من الروايات وروى انه ان عجز عن القعود يصلى على شقه الايمن ووجهه إلى القبلة وهو مذهب ابراهيم النخعي وبه أخذ الشافعي وجه هذا القول قوله تعالى وعلى جنوبكم وقوله صلى الله عليه وسلم لعمران ابن حصين فعلى جنبك تومئ ايماء ولان استقبال القبلة شرط جواز الصلاة وذلك يحصل بما قلنا ولهذا يوضع في اللحد هكذا ليكون مستقبلا للقبلة فاما المستلقى يكون مستقبل السماء وانما يستقبل القبلة رجلاه فقط (ولنا) ما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في المريض ان لم قال في المريض ان لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ ايماء فان لم يستطع فالله أولى بقبول العذر ولان التوجه إلى القبلة بالقدر الممكن فرض وذلك في الاستلقاء لان الايماء هو تحريك الرأس فإذا صلى مستلقيا ايماؤه إلى القبلة وإذا صلى على الجنب يقع منحر فاعنها ولايجوز الانحراف عن القبلة من غير ضرورة وبه تبين ان الاخذ بحديث ابن عمر أولى وقيل ان المرض الذى كان بعمران كان باسورا فكان لا يستطيع أن يستلقى على قفاه والمراد من الاية الاضطجاع يقال فلان وضع جنبه إذا نام وان كان مستلقيا وهو الجواب عن التعلق بالحديث على ان الاية والحديث دليلنا لان كل مستلق فهو مستلق على الجنب لان الظهر متركب من الضلوع فكان له النصف من الجنين جميعا وعلى ما يقوله الشافعي يكون على جنب واحد فكان ما قلناه أقرب إلى معنى الآية والحديث فكان أولى وهذا بخلاف الوضع في اللحد لانه ليس على الميت في اللحد فعل يوجب توجيهه إلى القبلة ليوضع مستلقيا فكان استقبال القبلة في الوضع على الجنب وضع كذلك ولو قدر على القعود لكن نزع الماء من عينيه فأمر أن يستلقى أيا ما على ظهره ونهى عن العقود والسجود أجزأه أن يستلقى ويصلى بالايماء وقال مالك لا يجزئه (واحتج) بحديث ابن عباس
رضى الله عنهما ان طبيبا قال له بعدما كف بصره لو صبرت أياما مستلقيا صحت عيناك فشاور عائشة وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم فلم يرخصوا له في ذلك وقالوا له أرأيت لو مت في هذه الايام كيف تصنع بصلاتك (ولنا) ان حرمة الاعضاء كحرمة النفس ولو خاف على نفسه من عدو أو سبع لو قعد جاز له أن يصلى بالاستلقاء فكذا إذا خاف على عينيه وتأويل حديث ابن عباس رضى الله عنهما انه لم يظهر لهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعى ثم إذا صلى المريض قاعدا بركوع وسجود وبايماء كيف يقعدا ما في حال التشهد فانه يجلس كما يجلس للتشهد بالاجماع وأما في حال القراءة وفى حال الركوع روى عن أبى حنيفة انه يقعد كيف شاء من غير كراهة ان شاء محتبيا وان شاء متربعا وان شاء على ركبتيه كما في التشهد وروى عن أبى يوسف انه إذا افتتح تربع فإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى وجلس عليها وروى عنه انه يتربع على حاله وانما ينقض ذل إذا أراد السجدة وقال زفر يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته والصحيح ماروى عن أبى حنيفة لان عذر المرض أسقط عنه الاركان فلان يسقط عنه الهيات أولى وان كان قادر اعلى القيام دون الركوع والسجود يصلى قاعد ابا لايماء وان صلى قائما
[ 107 ]
بالايماء أجزأه ولا يستحب له ذلك وقال زفر والشافعي لا يجزئه الا أن يصلى قائما (واحتجا) بما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لعمران بن حصين رضى الله عنه فان لم تستطع فقاعدا علق الجواز قاعدا بشرط العجز عن القيام ولا عجز ولان القيام ركن فلا يجوز تركه مع القدرة عليه كما لو كان قادرا على القيام والركوع والسجود والايماء حالة القيام مشروع في الجملة بان كان الرجل في طين وردغة راجلا أو في حالة الخوف من العدو وهو راجل فانه يصلى قائما بالايماء كذا ههنا (ولنا) ان الغالب ان من عجز عن الركوع والسجود كان عن القيام أعجز لان الانتقال من القعود إلى القيام أشق من الانتقال من القيام إلى الركوع والغالب ملحق بالمتيقن في الاحكام فصار كأنه عجز عن الامرين الا أنه متى صلى قائما جاز لانه تكلف فعلا ليس عليه فصار كما لو تكلف الركوع جاز وان لم يكن عليه كذا ههنا ولان السجود أصل وسائرا الاركان كالتابع له ولهذا كان السجود معتبرا بدون القيام كما في سجدة التلاوة وليس القيام معتبرا بدون السجود بل لم يشرع بدونه فإذا سقط الاصل سقط التابع ضرورة ولهذا سقط الركوع عمن سقط عنه السجود وان كان قادرا على الركوع وكان الركوع بمنزلة التابع له فكذا القيام بل أولى لان الركوع أشد تعظيما واظهار الذل العبودية من القيام ثم لما جعل تابعا له وسقط بسقوطه فالقيام اولى الا انه لو تكلف وصلى قائما يجوز
لما ذكرنا ولكن لا يستحب لان القيام بدون السجود غير مشروع بخلاف ما إذا كان قادرا على القيام والركوع والسجود لانه لم يسقط عنه الاصل فكذا التابع وأما الحديث فنحن نقول بموجبه ان العجز شرط لكنه موجود ههنا نظرا إلى الغالب لما ذكرنا ان الغالب هو العجز في هذه الحالة والقدرة في غاية الندرة والنادر ملحق بالعدم ثم المريض انما يفارق الصحيح فيما يعجز عنه فاما فيما يقدر عليه فهو كالصحيح لان المفارقة للعذر فتتقدر بقدر العذر حتى لو صلى قبل وقتها أو بغير وضوء أو بغير قراءة عمدا أو خطأ وهو يقدر عليها لم يجزه وان عجز عنها أو مأ بغير قراءة لان القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام الا ترى انها سقطت في حق الامي وكذا إذا صلى لغير القبلة متعمدا لذلك لم يجزه وان كان ذلك خطأ منه أجزأه بأن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها فتحرى وصلى ثم تبين انه أخطأ كما في حق الصحيح وان كان وجه المريض إلى غير القبلة وهو لا يجد من يحول وجهه إلى القبلة ولا يقدر على ذلك بنفسه يصلى كذلك لانه ليس في وسعه الا ذلك وهل يعيدها إذا برئ روى عن محمد ابن مقاتل الرازي انه يعيدها وأما في ظاهر الجواب فلا اعادة عليه لان العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الاركان وثمة لا تجب الاعادة فههنا أولى ولو كان بجبهته جرح لا يستطيع السجود على الجبهة لم يجزه الايماء وعليه السجود على الانف لان الانف مسجد كالجبهة خصوصا عند الضرورة على ما مر وهو قادر على السجود عليه فلا يجزئه الايماء ولو عجز عن الايماء وهو تحريك الرأس فلا شئ عليه عندنا وقال زفر يومئ بالحاجبين أولا فان عجز فبالعينين فان عجز فبقلبه وقال الحسن بن زياد يومئ بعينيه وبحاجبيه ولا يومئ بقلبه وجه قول زفران الصلاة فرض دائم لا يسقط الا بالعجز فما عجز عنه يسقط وما قدر عليه يلزمه بقدره فإذا قدر بالحاجبين كان الايماء بهما أولى لانهما أقرب إلى الرأس فان عجز الان يومئ بعينيه لانهما من الاعضاء الظاهرة وجميع البدن ذو حظ من هذه العبادة فكذا العينان فان عجز فبالقلب لانه في الجملة ذو حظ من هذه العبادة وهو النية الا ترى ان النية شرط صحتها فعند العجز تنتقل إليه وجه قول الحسن ان أركان الصلاة تؤدى بالاعضاء الظاهرة فأما الباطنة فليس بذى حظ من أركانها بل هو ذو حظ من الشرط وهو النية وهى قائمة أيضا عند الايماء فلا يؤدى به الاركان والشرط جميعا (ولنا) ما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في المريض ان لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ ايماء فان لم يستطع فالله أولى بقبول العذر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه معذور عند الله تعالى في هذه الحالة فلو كان عليه الايماء بما ذكرتم لما كان
معذورا ولان الايماء ليس بصلاة حقيقة ولهذا لا يجوز التنقل به في حالة الاختيار ولو كان صلاة لجاز كما لو تنفل قاعدا الا أنه أقيم مقام الصلاة بالشرع والشرع ورد بالايماء بالرأس فلا يقام غيره مقامه ثم إذا سقطت عنه الصلاة بحكم
[ 108 ]
العجز فان مات من ذلك المرض لقى الله تعالى ولا شئ عليه لانه لم يدرك وقت القضاء وأما إذا بر أو صح فان كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء بالاجماع وان كان أكثر من ذلك فقال بعض مشايخنا يلزمه القضاء أيضا لان ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب فوجبت عليه الصلاة فيؤاخذ بقضائها بخلاف الاغماء لانه يعجزه عن فهم الخطاب فيمنع الوجوب عليه والصحيح انه لا يلزمه القضاء لان الفوائت دخلت في حد التكرار وقد فاتت لا بتضييعه القدرة بقصده فلو وجب عليه قضاؤها لوقع في الحرج وبه تبين ان الحال لا يختلف بين العلم والجهل لان معنى الحرج لا يختلف ولهذا سقطت عن الحائض وان لم يكن الحيض يعجزها عن فهم الخطاب وعلى هذا إذا أغمى عليه يوما وليلة أو أقل ثم أفلق قضى ما فاته وان كان أكثر من يوم وليلة لا قضاء عليه عندنا استحسانا وقال بشر الاغماء ليس بمسقط حتى يلزمه القضاء وان طالت مدة الاغماء وقال الشافعي الاغماء يسقط إذا استوعب وقت صلاة كامل وتذكر هذه المسائل في موضع آخر عند بيان ما يقضى من الصلاة التى فاتت عن وقتها ومالا يقضى منها ان شاء الله تعالى ولو شرع في الصلاة قاعدا وهو مريض ثم صح وقدر على القيام فان كان شروعه بركوع وسجود بنى في قول أبى حنيفة وأبى يوسف استحسانا وعند محمد يستقبل قياسا بناء على ان عند محمد القائم لا يقتدى بالقاعد فكذا لا يبنى أول صلاته على آخرها في حق نفسه وعندهما يجوز الاقتداء فيجوز البناء والمسألة تأتى في موضعها وان كان شروعه بالايماء يستقبل عند علمائنا الثلاثة وعند زفر يبنى لان من أصله أنه يجوز اقتداء الراكع الساجد بالمومى فيجوز البناء وعندنا لا يجوز الاقتداء فلا يجوز البناء على ما يذكر (وأما) الصحيح إذا شرع في الصلاة ثم عرض له مرض بنى على صلاته على حسب امكانه قاعدا أو مستلقيا في ظاهر الرواية وروى عن أبى حنيفة أنه إذا صار إلى الايماء يستقبل لانهما فرضان مختلفان فعلا فلا يجوز اداؤهما بتحريمة واحدة كالظهر مع العصر والصحيح ظاهر الرواية لان بناء آخر الصلاة على أول الصلاة بمنزلة بناء صلاة المقتدى على صلاة الامام وثمة يجوز اقتداء المومى بالصحيح لما يذكر فيجوز البناء ههنا ولانه لو بنى لصار مؤديا بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا ولو استقبل لادى الكل ناقصا ولا شك أن الاول أولى ولو رفع إلى وجه المريض وسادة أو شئ فسجد عليه
من غير أن يومئ لم يجز لان الفرض في حقه الايماء ولم يوجد ويكره أن يفعل هذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على مريض يعوده فوجده يصلى كذلك فقال ان قدرت أن تسجد على الارض فاسجد والا فاوم برأسك وروى أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجده يصلى ويرفع إليه عود فيسجد عليه فنزع ذلك من يد من كان في يده وقال هذا شئ عرض لكم الشيطان أوم لسجودك وروى ان ابن عمر رأى ذلك من مريض فقال أتتخذون مع الله آلهة أخرى فان فعل ذلك ينظران كان يخفض رأسه للركوع شيأ ثم للسجود ثم يلزق بجبينه يجوز لوجود الايماء لا للسجود على ذلك الشئ فان كانت الوسادة موضوعة على الارض وكان يسجد عليها جازت صلاته لما روى أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها لرمد بها ولم يمنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحيح إذا كان على الراحلة وهو خارج المصر وبه عذر مانع من النزول عن الدابة من خوف العدو أو السبع أو كان في طين اوردغة يصلى الفرض على الدابة قاعدا بالايماء من غير ركوع وسجود لان عند اعتراض هذه الاعذار عجز عن تحصيل هذه الاركان من القيام والركوع والسجود فصار كما لو عجز بسبب المرض ويومئ ايماء لما روى في حديث جابر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يومئ على راحلته ويجعل السجود أخفض من الركوع لما ذكرنا ولا تجوز الصلاة على الدابة بجماعة سواء تقدمهم الامام أو توسطهم في ظاهر الرواية وروى عن محمد أنه قال استحسن أن يجوز اقتداؤهم بالامام إذا كانت دوابهم بالقرب من دابة الامام على وجه لا يكون بينهم وبين الامام فرجة الا بقدر الصف بالقياس على الصلاة على الارض والصحيح جواب ظاهر الرواية لان اتحاد المكان من شرائط صحة الاقتداء ليثبت اتحاد الصلاتين تقديرا بواسطة اتحاد المكان وهذا ممكن على الارض لان المسجد جعل كمكان واحد شرعا وكذا في الصحراء تجعل الفرج التى بين
[ 109 ]
الصفوف مكان الصلاة لانها تشغل بالركوع والسجود أيضا فصار المكان متحدا ولا يمكن على الدابة لانهم يصلون عليها بالايماء من غير ركوع وسجود فلم تكن الفرج التى بين الصفوف والدواب مكان الصلاة فلا يثبت اتحاد المكان تقديرا ففات شرط صحة الاقتداء فلم يصح ولكن تجوز صلاة الامام لانه منفرد حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحد أو في شقى محمل واحد كل واحد منهما في شق على حدة فاقتدى أحدهما بالآخر جاز لاتحاد المكان وتجوز الصلاة على أي دابة كانت سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم لما روى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم صلى على حماره وبعيره ولو كان على سرجه قدر جازت صلاته كذا ذكر في الاصل وعن أبى حفص البخاري ومحمد بن مقاتل الرازي انه إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم لا تجوز اعتبارا بالصلاة على الارض وأولا العذر المذكور في الاصل بالعرف وعند عامة مشايخنا تجوز كما ذكر في الاصل لتعليل محمد وهو قوله والدابة أشد من ذلك وهو يحتمل معنيين أحدهما ان ما في بطنها من النجاسات أكثر من هذا ثم إذا لم يمنع الجواز فهذا أولى والثانى أنه لما سقط اعتبار الاركان الاصلية بالصلاة عليها من القيام والركوع والسجود مع ان الاركان أقوى من الشرائط فلان يسقط شرط طهارة المكان أولى ولان طهارة المكان انما تشترط لاداء الاركان عليه وهو لا يؤدى على موضع سرجه وركابيه ههنا ركنا ليشترط طهارتها انما الذى يوجد منه الايماء وهو اشارة في الهواء فلا يشترط له طهارة موضع السرج والركابين وتجوز الصلاة على الدابة لخوف العدو كيف ما كانت الدابة واقفة أو سائرة لانه يحتاج إلى السير فاما العذر الطين والردغة فلا يجوز إذا كانت الدابة سائرة لان السير مناف للصلاة في الاصل فلا يسقط اعتباره الا لضرورة ولم توجد ولو استطاع النزول ولم يقدر على القعود للطين والردغة ينزل ويومئ قائما على الارض وان قدر على القعود ولم يقدر على السجود ينزل ويصلى قاعدا بالايماء لان السقوط بقدر الضرورة والله الموفق وعلى هذا يخرج الصلاة في السفينة إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود أنه يجوز إذا كان عاجزا عن القيام والسفينة جارية ولو قام يدور رأسه وجملة الكلام في الصلاة في السفينة أن السفينة لا تخلوا ما ان كانت واقفة أو سائرة فان كانت واقفة في الماء أو كانت مستقرة على الارض جازت الصلاة فيها وان أمكنه الخروج منها لانها إذا استقرت كان حكمها حكم الارض ولا تجوز الا قائما بركوع وسجود متوجها إلى القبلة لانه قادر على تحصيل الاركان والشرائط وان كانت مربوطة غير مستقرة على الارض فان أمكنه الخروج منها لا تجوز الصلاة فيها قاعدا لانها إذا لم تكن مستقرة على الارض فهى بمنزلة الدابة ولا يجوز اداء الفرض على الدابة مع امكان النزول كذا هذا وان كانت سائرة فان أمكنه الخروج إلى الشط يستحب له الخروج إليه لانه يخاف دوران الرأس في السفينة فيحتاج إلى القعود وهو آمن عن الدوران في الشط فان لم يخرج وصلى فيها قائما بركوع وسجود اجزأه لما روى عن ابن سيرين أنه قال صلى بنا أنس رضى الله عنه في السفينة قعودا ولو شئنا لخرجنا إلى الحد ولان السفينة بمنزلة الارض لان سيرها غير مضاف إليه فلا يكون منافيا للصلاة بخلاف الدابة فان سيرها مضاف إليه وإذا دارت السفينة وهو يصلى يتوجه إلى القبلة حيث ذارت لانه قادر على تحصيل هذا الشرط من غير تعذر فيجب عليه
تحصيله بخلاف الدابة فان هناك لا امكان وأما إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود فان كان عاجزا عن القيام بان كان يعلم أنه يدور رأسه لو قام وعن الخروج إلى الشط أيضا يجزئه بالاتفاق لان أركان الصلاة تسقط بعذر العجز وان كان قادرا على القعود بركوع وسجود فصلى بالايماء لا يجزئه بالاتفاق لانه لا عذر وأما إذا كان قادرا على القيام أو على الخروج إلى الشط فصلى قاعدا بركوع وسجود أجزأه في قول أبى حنيفة وقد أساء وعند أبى يوسف ومحمد لا يجزئه (واحتجا) يقول النبي صلى الله عليه وسلم فان لم تستطع فقاعدا وهذا مستطيع للقيام وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه إلى الحبشة أمره أن يصلى في السفينة قائما الا أن يخاف الغرق ولان القيام ركن في الصلاة فلا يسقط الا بعذر ولم يوجد (ولابي) حنيفة ما روينا من حديث انس رضى الله عنه وذكر الحسن بن زياد في كتابه باسناده عن سويد بن غفلة أنه قال سألت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما عن الصلاة في
[ 110 ]
السفينة فقالا ان كانت جارية يصلى قاعدا وان كانت راسية يصلى قائما من غير فصل بين ما إذا قدر على القيام أولا ولان سير السفينة سبب لدوران الرأس غالبا والسبب يقوم مقام المسبب إذا كان في الوقوف على المسبب حرج أو كان المسبب بحال يكون عدمه مع وجود السبب في غاية الندرة فالحقوا النادر بالعدم ولهذا أقام أبو حنيفة المباشرة الفاحشة مقام خروج المذى لما ان عدم الخروج عند ذلك نادر ولا عبرة بالنادر وههنا عدم دوران الرأس في غاية الندرة فسقط اعتباره وصار كالراكب على الدابة وهى تسير أنه يسقط القيام لتعذر القيام عليها غالبا كذا هذا والحديث محمول على الندب دون الوجوب فان صلوا في السفينة بجماعة جازت صلاتهم ولو اقتدى به رجل في سفينة أخرى فان كانت السفينتان مقرونتين جاز لانهما بالاقتران صارتا كشئ واحد ولو كانا في سفينة واحدة جاز كذا هذا وان كانتا منفصلتين لم يجز لان تخلل ما بينهما بمنزلة النهر وذلك يمنع صحة الاقتداء وان كان الامام في سفينة والمقتدون على الحد والسفينة واقفة فان كان بينه وبينهم طريق أو مقدار نهر عظيم لم يصح اقتداؤهم به لان الطريق ومثل هذا النهر يمنعان صحة الاقتداء لما بينا في موضعه ومن وقف على سطح السفينة يقتدى بالامام في السفينة صح اقتداؤه الا أن يكون امام الامام لان السفينة كالبيت واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن امام الامام ولا يخفى عليه حاله كذا ههنا (ومنها) القراءة عند عامة العلماء لوجود حد الركن وعلامته وهما ما بينا وقال الله تعالى فاقرؤا وما تيسر من القرآن والمراد
منه في حال الصلاة والكلام في القراءة في الاصل يقع في ثلاث مواضع أخدها في بيان فرضية أصل القراءة والثانى في بيان محل القراءة المفروضة والثالث في بيان قدر القراءة (أما) الاول فالقراءة فرض في الصلاة عند عامة العلماء وعند أبى بكر الاصم وسفينان بن عيينة ليست بفرض بناء على أن الصلاة عندهما اسم للافعال لا للاذكار حتى قالا يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير وجه قولهما أن قوله تعالى أقيموا للصلاة مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلى والمرئي هو الافعال دون الاقوال فكانت الصلاة اسما للافعال ولهذا تسقط الصلاة عن العاجز عن الافعال وان كان قادرا على الاذكار ولو كان على القلب لا يسقط وهو الاخرس (ولنا) قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن ومطلق الامر للوجوب وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بقراءة وأما قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلى فالرؤية أضيفت إلى ذاته لا إلى الصلاة فلا يقتضى كون الصلاة مرئيه وفى كون الاعراض مرئية اختلاف بين أهل الكلام مع اتفاقهم على انها جائزة الرؤية والمذهب عند أهل الحق أن كل موجود جائز الرؤية يعرف ذلك في مسائل الكلام على أنا نجمع بين الدلائل فنثبت فرضية الاقوال بما ذكرنا وفرضية الافعال بهذا الحديث وسقوط الصلاة عن العاجز عن الافعال لكون الافعال أكثر من الاقوال فمن عجز عنها فقد عجز عن الاكثر وللاكثر حكم الكل وكذا القراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضى الله عنهم وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال لا قراءة في الظهر والعصر لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النهار عجماء أي ليس فيها قراءة إذا لا عجم اسم لمن لا ينطق (ولنا) ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة وفى الباب نص خاص وهو ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه وأبى قتادة الانصاريين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفى الاخر بين بفاتحة الكتاب لا غير وما روى عن ابن عباس رضى الله عنه فقد صح رجوعه عنه فانه روى ان رجلا سأله وقال أقر أخلف امامى فقال اما في صلاة الظهر والعصر فنعم وأما الحديث فقد قال الحسن البصري معناه لا تسمع فيها قراءة ونحن نقول به وهذا إذا كان اماما أو منفردا فاما المقتدى فلا قراءة عليه عندنا وعند الشافعي يقرأ بفاتحة الكتاب في كل صلاة يخافت فيها بالقراءة قولا واحدا وله في الصلاة التى يجهر فيها بالقراءة قولان (واحتج) بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صلاة الا بقراءة ولا شك أن لكل واحد صلاة على حدة ولان القراءة ركن في الصلاة فلا تسقط بالاقتداء كسائر الاركان
[ 111 ]
(ولنا) قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستعموا له وانصتوا لعكم ترحمون أمر بالاستماع والانصات والاستماع وان لم يكن ممكنا عند المخافتة بالقراءة فالانصات ممكن فيجب بظاهر النص وعن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الامام وامامهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فالظاهرا انه كان بأمره وقال صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا الحديث أمر بالسكوت عند قراءة الامام وأما الحديث فعندنا لا صلاة بدون قراءة أصلا وصلاة المقتدى ليست صلاة بدون قراءة أصلا بل هي صلاة بقراءة وهى قراءة الامام على ان قراءة للمقتدى قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان له امام فقراءة الامام له قراءة ثم المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين فأما قراءة الفاتحة والسورة عينا في الاوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة على ما يذكر في بيان واجبات الصلاة (وأما) بيان محل القراءة المفروضة فمحلها الركعتان الاوليان عينا في الصلاة الرباعية هو الصحيح من مذهب أصحابنا وقال بعضهم ركعتان منها غير عين واليه ذهب القدورى وأشار في الاصل إلى القول الاول فانه قال إذا ترك القراءة في الاوليين يقضيها في الاخريين فقد جعل القراءة في الاخريين قضاء عن الاوليين فدل أن محلها الاوليان عينا وقال الحسن البصري المفروض هو القراءة في ركعة واحدة وقال مالك في ثلاث ركعات وقال الشافعي في كل ركعة احتج الحسن بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن والامر بالفعل لا يقتضى التكرار فإذا قرأ في ركعة واحدة فقد امتثل أمر الشرع وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بقراءة اثبت الصلاة بقراءة وقد وجدت القراءة في ركعة فثبتت الصلاة ضرورة وبهذا يحتج الشافعي الا أنه يقول اسم الصلاة ينطلق على كل ركعة فلا تجوز كل ركعة الا بقراءة لقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بقراءة ولان القراءة في كل ركعة فرض في النفل ففى الفرض أولى لانه أقوى ولان القراءة ركن من أركان الصلاة ثم سائر الاركان من القيام والركوع والسجود فرض في كل ركعة فكذا القراءة وبهذا يحتج مالك الا أنه يقول القراءة في الاكثر أقيم مقام القراءة في الكل تيسيرا (ولنا) اجماع الصحابة رضى الله عنهم فان عمر رضى الله عنه ترك القراءة في المغرب في احدى الاوليين فقضاها في الركعة الاخيرة وجهر وعثمان رضى الله عنه ترك القراءة في الاوليين من صلاة العشاء فقضاها في الاخريين وجهر وعلى وابن مسعود رضى الله عنهما كانا يقولان المصلى بالخيار في الاخريين
ان شاء قرأ وان شاء سكت وان شاء سبح وسأل رجل عائشة رضى الله عنها عن قراءة الفاتحة في الاخريين فقالت ليكن على وجه الثناء ولم يرو عن غيرهم خلاف ذلك فيكون ذلك اجماعا ولان القراءة في الاخريين ذكر يخافت بها على كل حال فلا تكون فرضا كثناء الافتتاح وهذا لان مبنى الاركان على الشهرة والظهور ولو كانت القراءة في الاخريين فرضا لما خالفت الاخريان الاوليين في الصفة كسائر الاركان وأما الاية فنحن ما عرفنا فرضية القراءة في الركعة الثانية بهذه الآية بل باجماع الصحابة رضى الله عنهم على ما ذكرناه والثانى انا ما عرفنا فرضيتها بنص الامر بل بدلالة النص لان الركعة الثانية تكرار للاولى والتكرار في الافعال اعادة مثل الاول فيقتضى اعادة القراءة بخلاف الشفع الثاني لانه ليس بتكرار الشفع الاول بل هو زيادة عليه قالت عائشة رضى الله عنها الصلاة في الاصل ركعتان زيدت في الحضر واقرت في السفر والزيادة على الشئ لا يقتضى أن يكون مثله ولهذا اختلف الشفعان في وصف القراءة من حيث الجهر والاخفاء وفى قدرها وهو قراءة السورة فلم يصح الاستدلال على أن في الكتاب والسنة بيان فرضية القراءة وليس فيهما بيان قدر القراءة المفروضة وقد خرج فعل الصحابة رضى الله عنهم على مقدار فيجعل بيانا لمجمل الكتاب والسنة بخلاف التطوع لان كل شفع من التطوع صلاة على حدة حتى ان فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الاول بخلاف الفرض والله أعلم وأما في الاخريين فالافضل أن يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ولو سبح في كل ركعة ثلاث تسبيحات مكان فاتحة الكتاب أو سكت اجزأته صلاته ولا يكون مسيئاان كان عامدا ولا سهو عليه ان كان ساهيا كذا روى أبو يوسف عن أبى حنيفة أنه مخير بين
[ 112 ]
قراءة الفاتحة والتسبيح والسكوت وهذا جواب ظاهر الرواية وهو قول أبى يوسف ومحمد وروى الحسن عن أبى حنيفة في غير رواية الاصول أنه ان ترك الفاتحة عامدا كان مسيئا وان كان ساهيا فعليه سجدتا السهو والصحيح جواب ظاهر الرواية لما روينا عن على وابن مسعود رضى الله عنهما انهما كانا يقولان ان المصلى بالخيار في الاخريين ان شاء قرأ وان شاء سكت وان شاء سبح وهذا باب لا يدرك بالقياس فالمروى عنهما كالمروى عن النبي صلى الله عليه وسلم (وأما) بيان قدر القراءة فالكلام فيه يقع في ثلاث مواضع أحدها في بيان القدر المفروض الذى يتعلق به أصل الجواز والثانى في بيان القدر الذى يخرج به عن حد الكراهة والثالث في بيان القدر المستحب (أما) الكلام فيما يستحب من القراءة وفيما يكره فنذكره في موضعه وههنا نذكر القدر
الذى يتعلق به أصل الجواز وعن أبى حنيفة فيه ثلاث روايات في ظاهر الرواية قدر أدنى المفروض بالآية التامة طويلة كانت أو قصيرة كقوله تعالى مدهامتان وقوله ثم نظر وقوله ثم عبس وبسر وفى رواية الفرض غير مقدر بل هو على أدنى ما يتناوله الاسم سواء كانت آية أو ما دونها بعد ان قرأها على قصد القراءة وفى رواية قدر الفرض بآية طويلة كآية الكرسي وآية الدين أو ثلاث قصار وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وأصله قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن فهما يعتبر ان العرف ويقولان مطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف وأدنى ما يسمى المرءبه قارئا في العرف أن يقرأ آية طويلة أو ثلاث آيات فصار وأبو حنيفة يحتج بالآية من وجهين أحدهما أنه أمر بمطلق القراءة وقرآة آية قصيرة قراءة والثانى أنه أمر بقراءة ما تيسر من القرآن وعسى لا يتيسر الا هذا القدر وما قاله أبو حنيفة أقيس لان القراءة مأخوذة من القرآن أي الجمع سمى بذلك لانه يجمع السور فيضم بعضها إلى بعض ويقال قرأت الشئ قرآنا أي جمعته فكل شئ جمعته فقد قرأته وقد حصل معنى الجمع بهذا القدر لاجتماع حروف الكلمة عند التكلم وكذا العرف ثابت فان الآية التامة أدنى ما ينطلق عليه اسم القرآن في العرف فاما ما دون الآية فقد يقرأ لا على سبيل القرآن فيقال بسم الله أو الحمد لله أو سبحان الله فلذلك قدرنا بالاية التامة على انه لا عبرة لتسميته قارئا في العرف لان هذا أمر بينه وبين الله تعالى فلا يعتبر فيه عرف الناس وقد قرر القدورى الرواية الاخرى وهى ان المفروض غير مقدر وقال المفروض مطلق القراءة من غير تقدير ولهذا يحرم ما دون الاية على الجنب والحائض الا أنه قد يقرأ لا على قصد القرآن وذا لا يمنع الجواز فان الآية التامة قد تقرأ لا على قصد القرآن في الجملة ألا ترى ان التسمية قد تذكر لافتتاح الاعمال لا لقصد القرآن وهى آية تامة وكلامنا فيما إذا قرأ على قصد القرآن فيجب أن يتعلق به الجواز ولا يعتبر فيه العرف لما بينا ثم الجواز كما يثبت بالقراءة بالعربية يثبت بالقراءة بالفارسية عند أبى حنيفة سواء كان يحسن العربية اولا يحسن وقال أبو يوسف ومحمد ان كان يحسن لا يجوز وان كان لا يحسن يجوز وقال الشافعي لا يجوز أحسن أو لم يحسن وإذا لم يحسن العربية يسبح ويهلل عنده ولا يقرأ بالفارسية وأصله قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن أمر بقراءة القرآن في الصلاة فهم قالوا ان القرآن هو المنزل بلغة العرب قال الله تعالى انا أنزلناه قرآنا عربيا فلا يكون الفارسى قرآنا فلا يخرج به عن عهدة الامر ولان القرآن معجز والاعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال النظم العربي فلا يكون الفارسى قرآنا لانعدام الاعجاز ولهذا لم تحرم قراءته على
الجنب والحائض الا انه إذا لم يحسن العربية فقد عجز عن مراعاة لفظه فيجب عليه مراعاة معناه ليكون التكليف بحسب الامكان وعند الشافعي هذا ليس بقرآن فلا يؤمر بقراءته وأبو حنيفة يقول ان الواجب في الصلاة قراءة القرآن من حيث هو لفظ دال على كلام الله تعالى الذى هو صفة قائمة به لما يتضمن من العبر والمواعظ والترغيب والترهيب والثناء والتعظيم لا من حيث هو لفظ عربي ومعنى الدلالة عليه لا يختلف بين لفظ ولفظ قال الله وانه لفى زبر الاولين وقال ان هذا لفى الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى ومعلوم انه ما كان في كتبهم بهذا اللفظ بل بهذا المعنى (وأما) قولهم ان القرآن هو المنزل بلغة العرب (فالجواب) عنه من وجهين أحدهما أن كون العربية قرآنا لا ينفى
[ 113 ]
أن يكون غيرها قرآنا وليس في الآية نفيه وهذا لان العربية سميت قرآنا لكونها دليلا على ما هو القرآن وهى الصفة التى هي حقيقة الكلام ولهذا قلنا ان القرآن غير مخلوق على ارادة تلك الصفة دون العبارات العربية ومعنى الدلالة يوجد في الفارسية فجاز تسميتها قرآنا دل عليه قوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا أخبر انه لو عبر عنه بلسان العجم كان قرآنا والثانى ان كان لا يسمى غير العربية قرآنا لكن قراءة العربية ما وجبت لانها تسمى قرآنا بل لكونها دليلا على ما هو القرآن الذى هو صفة قائمة بالله بدليل انه لو قرأ عربية لا يتأدى بها كلام الله تفسد صلاته فضلا من أن تكون قرآنا واجبا ومعنى الدلالة لا يختلف فلا يختلف الحكم المتعلق به والدليل على ان عندهما تفترض القراءة بالفارسية على غير القادر على العربية وعذرهما غير مستقيم لان الوجوب متعلق بالقرآن وانه قرآن عندهما باعتبار اللفظ دون المعنى فإذا زال اللفظ لم يكن المعنى قرآنا فلا معنى للايجاب ومع ذلك وجب فدل ان الصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة ولان غير العربية إذا لم يكن قرآنا لم يكن من كلام الله تعالى فصار من كلام الناس وهو يفسد الصلاة والقول بتعلق الوجوب بما هو مفسد غير سديد (وأما) قولهم ان الاعجاز من حيث اللفظ لا يحصل بالفارسية فنعم لكن قراءة ما هو معجز النظم عنده ليس بشرط لان التكليف ورد بمطلق القراءة لا بقراءة ما هو معجز ولهذا جوز قراءة آية قصيرة وان لم تكن هي معجزة ما لم تبلغ ثلاث آيات وفصل الجنب والحائض ممنوع ولو قرأ شيأ من التوراة أو الانجيل أو الزبور في الصلاة ان تيقن انه غير محرف يجوز عند أبى حنيفة لما قلنا وان لم يتيقن لا يجوز لان الله تعالى أخبر عن تحريفهم بقوله يحرفون الكلم عن مواضعه فيحتمل ان المقروء محرف فيكون من كلام الناس فلا يحكم بالجواز بالشك والاحتمال وعلى هذا الخلاف إذا تشهد أو
خطب يوم الجمعة بالفارسية ولو أمن بالفارسية أو سمى عند الذبح بالفارسية أو لبى عند الاحرام بالفارسية أو باى لسان كان يجوز بالاجماع ولو أذن بالفارسية قيل انه على هذا الخلاف وقيل لا يجوز بالاتفاق لانه لا يقع به الاعلام حتى لو وقع به الاعلام يجوز والله أعلم (ومنها) القعدة الاخيرة مقدار التشهد عند عامة العلماء وقال مالك انها سنة وجه قوله ان اسم الصلاة لا يتوقف عليها ألا ترى ان من حلف لا يصلى فقام وقرأ وركع وسجد يحنث وان لم يقعد (ولنا) ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال للاعرابي الذى علمه الصلاة إذا رفعت رأسك من آخر السجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك علق تمام الصلاة بالقعدة الاخيرة وأراد به تمام الفرائض إذ لم يتم أصل العبادة بعد فدل انه لاتمام قبلها إذا لمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الخامسة فسبح به فرجع ولو لم يكن فرضا لما رجع كما في القعدة الاولى ولان حد الركن موجود فيها وهو ما ذكرنا وانما لم يتوقف عليها اسم الصلاة لانها ليست من الاركان الاصلية التى تتركب منها الصلاة على ما ذكرنا في أول الكتاب لا لانها ليست من فرائض الصلاة ثم القدر المفروض من القعدة الاخيرة هو قدر التشهد حتى لو انصرف قبل أن يجلس هذا القدر فسدت صلاته لما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إذا رفع الامام رأسه من السجدة الاخيرة وقعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته علق تمام الصلاة بالقعدة قدر التشهد فدل انه مقدر به والله أعلم (ومنها) الانتقال من ركن إلى ركن لانه وسيلة إلى الركن فكان في معنى الركن فهذه الستة أركان الصلاة الا ان الاربعة الاول من الاركان الاصلية دون الباقيتين وقال بعضهم القعدة من الاركان الاصلية أيضا واليه مال عصام بن يوسف ووجهه انها فرض تنعدم الصلاة بانعدامها كسائر الاركان والصحيح انها ليست بركن أصلى لان اسم الصلاة ينطلق على المتركب من الاركان الاربعة بدون القعود ولهذا يتوجه النهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت الزوال ولهذا لو حلف لا يصلى فقيد الركعة بالسجدة يحنث وان لم توجد القعدة ولو أتى بما دون الركعة لا يحنث ولان القعدة بنفسها غير صالحة للخدمة لانها من باب الاستراحة بخلاف سائر الاركان فتمكن الخلل في كونها ركنا أصليا فلم تكن هي من الاركان الاصلية للصلاة وان كانت من فروضها حتى لا تجوز الصلاة
[ 114 ]
بدونها ويشترط لها ما يشترط لسائر الاركان فاما التحريمة فليست بركن عند المحققين من أصحابنا بل هي شرط وعند
الشافعي بركن وهو قول بعض مشايخنا واليه مال عصام بن يوسف وعلى هذا الخلاف الاحرام في باب الحج انه شرط عندنا وعنده ركن وثمرة الخلاف ان عندنا يجوز بناء النفل على الفرض بان يحرم للفرض ويفرغ منه ويشرع في النفل قبل التسليم من غير تحريمة جديدة وعنده لا يجوز ووجه البناء على هذا الاصل ان التحريمة لما كانت شرطا جاز أن يتأدى النفل بتحريمة الفرض كما يتأدى بطهارة وقعت للفرض وعنده لما كانت ركنا وقد انقضى الفرض باركانه فتنقضى التحريمة أيضا وجه قول الشافعي ان حد الركن موجود فيها وهو ما ذكرنا وكذا وجدت علامة الاركان فيها لانها لا تدوم بل تنقضي والدليل عليه انه يشترط لصحتها ما يشترط لسائر الاركان بخلاف الشروط (ولنا) قوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى عطف الصلاة على الذكر الذى هو التحريمة بحرف التعقيب والاستدلال بالآية من وجهين أحدهما ان مقتضى العطف بحرف التعقيب ان توجد الصلاة عقيب ذكر اسم الله تعالى ولو كانت التحريمة ركنا لكانت الصلاة موجودة عند الذكر لاستحالة انعدام الشئ في حال وجود ركنه وهذا خلاف النص والثانى ان العطف يقتضى المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ولو كانت التحريمة ركنا لا يتحقق المغايرة لانها تكون بعض الصلاة وبعض الشئ ليس غيره ان لم يكن عينه وكذا الموجود فيها حد الشرط لا حد الركن فانه يعتبر الصلاة بها ولا ينطلق اسم الصلاة عليها مع سائر الشرائط فكانت شرطا وكذا علامة الشروط فيها موجودة فانها باقية ببقاء حكمها وهو وجوب الانزجار عن محظورات الصلاة على ان العلامة إذا خالفت الحد لا يبطل به الحد بل يظهر ان العلامة كاذبة وأما قوله يشترط لها ما يشترط لسائر الاركان فممنوع انه يشترط ذلك لها بل للقيام المتصل بها والقيام ركن حتى ان الاحرام بالحج لما لم يكن متصلا بالركن جوزنا تقديمه على الوقت * (فصل) * وأما شرائط الاركان فجملة الكلام في الشرائط انها نوعان نوع يعم المنفرد والمقتدى جميعا وهو شرائط أركان الصلاة ونوع يخص المقتدى وهو شرائط جواز الاقتداء بالامام في صلاته (أما) شرائط أركان الصلاة (فمنها) الطهارة بنوعيها من الحقيقية والحكمية والطهارة الحقيقية هي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة عن النجاسة الحقيقية والطهارة الحكمية هي طهارة أعضاء الوضوء عن الحدث وطهارة جميع الاعضاء الظاهرة عن الجنابة (أما) طهارة الثوب وطهارة البدن عن النجاسة الحقيقية فلقوله تعالى وثيابك فطهر وإذا وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى (وأما) الطهارة عن الحدث والجنابة فلقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى قوله ليطهركم وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة الا بطهور وقوله عليه الصلاة
والسلام لا صلاة الا بطهارة وقوله صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور وقوله تعالى وان كنتم جنبا فاطهروا وقوله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة الا فبلوا الشعر وانقوا البشرة والانقاء هو التطهير فدلت النصوص على ان الطهارة الحقيقية عن الثوب والبدن والحكمية شرط جواز الصلاة والمعقول كذا يقتضى من وجوه أحدها ان الصلاة خدمة الرب وتعظيمه جل جلاله وعم نواله وخدمة الرب وتعظيمه بكل الممكن فرض ومعلوم ان القيام بين يدى الله تعالى ببدن طاهر وثوب طاهر على مكان طاهر يكون أبلغ في التعظيم وأكمل في الخدمة من القيام ببدن نجس وثوب نجس وعلى مكان نجس كما في خدمة الملوك في الشاهد وكذلك الحدث والجنابة وان لم تكن نجاسة مرئية فهى نجاسة معنوية توجب استقذار ما حل به الا ترى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصافح حذيفة بن اليمان رضى الله عنه امتنع وقال انى جنب يا رسول الله فكان قيامه مخلا بالتعظيم على انه ان لم يكن على أعضاء الوضوء نجاسة رأسا فانها لا تخلو عن الدرن والوسخ لانها أعضاء بادية عادة فيتصل بها الدرن والوسخ فيجب غسلها تطهيرا لها من الوسخ والدرن فتتحقق الزينة والنظافة فيكون أقرب إلى التعظيم وأكمل في الخدمة فمن أراد أن يقوم بين يدى الملوك للخدمة في الشاهد انه يتكلف للتنظيف والتزيين ويلبس أحسن ثيابه تعظيما للملك ولهذا كان الافضل للرجل أن يصلى في أحسن ثيابه وأنظفها التى أعدها لزيارة العظماء
[ 115 ]
ولمحافل الناس وكانت الصلاة متعمما أفضل من الصلاة مكشوف الرأس لما ان ذلك أبلغ في الاحترام والثانى انه أمر بغسل هذه الاعضاء الظاهرة من الحدث والجنابة تذكير التطهير الباطن من الغش والحسد والكبر وسوء الظن بالمسلمين ونحو ذلك من أسباب المآثم فامر لا لازالة الحدث تطهيرا لان قيام الحدث لا ينافى العبادة والخدمة في الجملة الا ترى انه يجوز أداء الصوم والزكاة مع قيام الحدث والجنابة واقرب من ذلك الايمان بالله الذى هو رأس العبادات وهذا لان الحدث ليس بمعصية ولا سبب مأثم وما ذكرنا من المعاني التى في باطنه أسباب المآثم فأمر بغسل هذه الاعضاء الظاهرة دلالة وتنبيها على تطهير الباطن من هذه الامور وتطهير النفس عنها واجب بالسمع والعقل والثالث انه وجب غسل هذه الاعضاء شكر النعمة وراء النعمة التى وجبت لها الصلاة وهى ان هذه الاعضاء وسائل إلى استيقاء نعم عظيمة بل بها تنال جل نعم الله تعالى فاليد بها يتناول ويقبض ما يحتاج إليه والرجل يمشى بها إلى مقاصده والوجه والرأس محل الحواس ومجمعها التى بها يعرف عظم نعم الله تعالى من العين
والانف والفم والاذن التى بها البصر والشم والذوق والسمع التى بها يكون التلذذ والتشهى والوصول إلى جميع النعم فأمر بغسل هذه الاعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى هذه النعم والرابع أمر بغسل هذه الاعضاء تكفيرا لما ارتكب بهذه الاعضاء من الاجرام إذ بها يرتكب جل المآثم من أخذ الحرام والمشى إلى الحرام والنظر إلى الحرام وأكل الحرام وسماع الحرام من اللغو والكذب فأمر بغسلها تكفيرا لهذه الذنوب وقد وردت الاخبار يكون الوضوء تكفيرا للمآثم فكانت مؤيدة لما قلنا (وأما) طهارة مكان الصلاة فلقوله تعالى أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود وقال في موضع والقائمين والركن السجود ولما ذكرنا ان الصلاة خدمة الرب تعالى وتعظيمه وخدمة المعبود المستحق للعبادة وتعظيمه بكل الممكن فرض وأداء الصلاة على مكان طاهر أقرب إلى التعظيم فكان طهارة مكان الصلاة شرطا وقد روى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن الصلاة في المزيلة والمجزرة ومعاطن الابل وقوارع الطرق والحمام والمقبرة وفوق ظهر بيت الله تعالى اما معنى النهى عن الصلاة في المزيلة والمجزرة فلكونهما موضع النجاسة واما معاطن الابل فقد قيل ان معنى النهى فيها انها لا تخلو عن النجاسات عادة لكن هذا يشكل بما روى من الحديث صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الابل مع ان المعاطن والمرابض في معنى النجاسة سواء وقيل معنى النهى ان الابل ربما تبول على المصلى فيبتلى بما يفسد صلاته وهذا لا يتوهم في الغنم واما قوارع الطرق فقيل انها لا تخلو عن الارواث والابوال عادة فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق وقيل معنى النهى فيها انه يستضر به المارة وعلى هذا إذا كان الطريق واسعا لا يكره وحكى ابن سماعة ان محمدا كان يصلى على الطريق في البادية وأما الحمام فمعنى النهى فيه انه مصب الغسالات والنجاسات عادة فعلى هذا لو صلى في موضع الحمامى لا يكره وقيل معنى النهى فيه ان الحمام بيت الشيطان فعلى هذا تكره الصلاة في كل موضع منه سواء غسل ذلك الموضع أو لم يغسل وأما المقبرة فقيل انما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لعن الله اليهود اتخذوا قبور انبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدى مسجدا وروى ان عمر رضى الله عنه رأى رجلا يصلى بالليل إلى قبر فناداء القبر القبر فظن الرجل انه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبسه فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره وقيل معنى النهى ان المقابر لا تخلو عن النجاسات لان الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان واما فوق بيت الله تعالى فمعنى النهى
عندنا ان الانسان منهى عن الصعود على سطح الكعبة لما فيه من ترك التعظيم ولا يمنع جواز الصلاة عليه وعند الشافعي هذا النهى للافساد حتى لو صلى على سطح الكعبة وليس بين يديه سترة لا تجوز صلاته عنده وسنذكر الكلام فيما بعد ولو صلى في بيت فيه تماثيل فهذا على وجهين اما ان كانت التماثيل مقطوعة الرؤس أو لم تكن مقطوعة الرؤس فان كانت مقطوعة الرؤس فلا بأس بالصلاة فيه لانها بالقطع خرجت من أن تكون تماثيل
[ 116 ]
والتحقت بالنقوش والدليل عليه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه ترس فيه تثمال طير فأسبحوا وقد محى وجهه وروى ان جبريل عليه السلام استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذن له فقال كيف أدخل وفى البيت قرام فيه تماثيل خيول ورجال فاما ان تقطع رؤسها أو تتخذ وسائد فتطوطأ وان لم تكن مقطوعة الرؤس فتكره الصلاة فيه سواء كانت في جهة القبلة أو في السقف أو عن يمين القبلة أو عن يسارها فأشد ذلك كراهة أن تكون في جهة القبلة لانه تشبه بعبدة الاوثان ولو كانت في مؤخر القبلة أو تحت القدم لا يكره لعدم التشبه في الصلاة بعبدة الاوثان وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه أو على الستور والازر والوسائد العظام لان جبريل عليه السلام قال انا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة ولاخير في بيت لا تدخله الملائكة وكذا نفس التعليق لتلك الستور والازر على الجدار ووضع الوسائد العظام عليه مكروه لما في هذا الصنيع من التشبه بعباد الصور لما فيه من تعظيمها وروى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى وأنا مستترة بستر فيه تماثيل فتغير لون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهة في وجهه فأخذه منى وهتكه بيده فجعلناه نمرقة أو نمرقتين وان كانت الصور على البسط والوسائد الصغار وهى تداس بالارجل لا تكره لما فيه من اهانتها والدليل عليها حديث جبريل صلى الله عليه وسلم وعائشة رضى الله عنها ولو صلى على هذا البساط فان كانت الصورة في موضع سجوده يكره لما فيه من التشبه بعبادة الصور والاصنام وكذا إذا كانت امامه في موضع لان معنى التعظيم يحصل بتقريب الوجه من الصورة فأما إذا كانت في موضع قدميه فلا بأس به لما فيه من الاهانة دون التعظيم هذا إذا كان الصورة كبيرة فاما إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد فلا بأس به لان من يعبد الصنم لا يعبد الصغير منها جدا وقد روى انه كان على خاتم أبى موسى ذبابتان وروى أنه لما وجد خاتم دانيال على عهد عمر رضى الله عنه كان على فصه أسد ان بينهما رجل يلحسانه ويحتمل
أن يكون ذلك في ابتداء حاله أو لان التمثال في شريعة من قبلنا كان حلالا قال الله تعالى في قصة سليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ثم ما ذكرنا من الكراهة في صورة الحيوان فأما صورة ما لا حياة كالشجر ونحو ذلك فلا يوجب الكراهة لان عبدة الصورة لا يعبدون تمثال ما ليس بذى روح فلا يحصل التشبه بهم وكذا النهى انما جاء عن تصوير ذى الروح لما روى عن على رضى الله عنه انه قال من صور تمثال ذى الروح كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وليس بنافخ فاما لا نهى عن تصوير مالا روح له لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه انه نهى مصورا عن التصوير فقال كيف أصنع وهو كسبى فقال ان لم يكن بد فعليك بتمثال الاشجار ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى حمام أو قبر أو مخرج لان جهة القبلة يجب تعظيمها والمساجد كذلك قال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال ومعنى التعظيم لا يحصل إذا كانت قبلة المسجد إلى هذه المواضع لانها لا تحلو عن الاقذار وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة انه قال هذا في مساجد الجماعات فاما مسجد الرجل في بيته فلا بأس بان يكون قبلته إلى هذه المواضع لانه ليس له حرمة المساجد حتى يجوز بيعه وكذا للناس فيه بلوى بخلاف مسجد الجماعة ولو صلى في مثل هذا المسجد جازت صلاته عند عامة العلماء وعلى قول بشر بن غياث المريسى لا تجوز وعلى هذا المصلى في أرض مغصوبة أو صلى وعليه ثوب مغصوب لا تجوز عنده وجه قوله ان العبادة لا تتأدى بما هو منهى عنه (ولنا) ان النهى ليس لمعنى في الصلاة فلا يمنع جواز الصلاة وهذا إذا لم يكن بين المسجد وبين هذه المواضع حائل من بيت أو جدار أو نحوه ذلك فان كان بينهما حائل لا يكره لان معنى التعظيم حاصل فالتحن زعنه غير ممكن (ومنها) ستر العورة لقوله تعالى يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد قيل في التأويل الزينة ما يوارى العورة والمسجد الصلاة فقد أمر بمواراة العورة في الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة للحائض الا بخمار كنى بالحائض عن البالغة لان الحيض دليل البلوغ فذكر الحيض وأراد به البلوغ لملازمة بينهما وعليه اجماع الامة ولان ستر العورة حال القيام بين يدى الله تعالى من باب التعظيم وانه فرض عقلا وشرعا
[ 117 ]
وإذا كان الستر فرضا كان الانكشاف مانعا جواز الصلاة ضرورة والكلام في بيان ما يكون عورة وما لا يكون موضعه كتاب الاستحسان وانما الحاجة ههنا إلى بيان المقدار الذى يمنع جواز الصلاة فنقول قليل الانكشاف لا يمنع الجواز لما فيه من الضرورة لان الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة والكثير يمنع لعدم الضرورة واختلف
في الحد الفاصل بين القليل والكثير فقدر أبو حنيفة ومحمد الكثير بالربع فقالا الربع وما فوقه من العضو كثير وما دون الربع قليل وابوسف جعل الاكثر من النصف كثيرا وما دون النصف قليلا واختلفت الرواية عنه في النصف فجعله في حكم القليل في الجامع الصغير وفى حكم الكثير في الاصل وجه قول أبى يوسف ان القليل والكثير من المتقابلات فانما تظهر بالمقابلة فما كان مقابله أقل منه فهو كثير وما كان مقابله أكثر منه فهو قليل (ولهما) ان الشرع أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع كما في حلق الرأس في حق المحرم ومسح ربع الرأس كذا ههنا إذا لموضع موضع الاحتياط واما قوله ان القليل والكثير من أسماء المقابلة فانما يعرف ذلك بمقابله فنقول الشرع قد جعل الربع كثيرا في نفسه من غير مقابله في بعض المواضع على مابينا فلزم الاخذ به في موضع الاحتياط ثم كثير الانكشاف يستوى فيه العضو الواحد والاعضاء المتفرقة حتى لو انكشف من أعضاء متفرقة ما لو جمع لكان كثيرا يمنع جواز الصلاة ويستوى فيه العورة الغليظة وهى القبل والدبر والخفيفة كالفخذ ونحوه ومن الناس من قدر العورة الغليظه بالدرهم تغليظ الامرها وهذا غير سديد لان العورة الغليظة كلها لا تزيد على الدرهم فنقد يرها بالدرهم يكون تخفيفا لامرها لاتغليظا له فتنعكس القضبة وذكر محمد في الزيادات ما يدل على ان حكم الغليظة والخفيفة واحد فانه قال في امرأة صلت فانكشف شئ من شعرها وشئ من ظهرها وشئ من فرجها وشئ من فخذها انه ان كان بحال لو جمع بلغ الربع منع اداء الصلاة وان لم يبلغ لايمنع فقد جمع بين العورة الغليظة الخفيفة واعتبر فيها الربع فثبت ان حكمها لا يختلف وان الخلاف فيهما واحد وهذا في حالة القدرة فاما في حالة العجز فالانكشاف لايمنع جواز الصلا ة بان حضرته الصلاة وهو عريان لا يجد ثوبا للضرورة ولو كان معه ثوب نجس فلا يخلوا ما ان كان الربع منه طاهرا واما ان كان كله نجسا فان كان ربعه طاهر الم يجزه أن يصلى عريانا بل يجب عليه أن يصلى في ذلك الثوب لان الربع فما فوقه في حكم الكمال كما في مسح الرأس وحلق المحرم ربع الرأس و كما يقال رأيت فلانا وان عاينه من احدى جهاته الاربع فجعل كان الثوب كله طاهرا وان كان كله نجسا أو الطاهر منه أقل من الربع فهو بالخيار في قول أبى حنيفة وأبى يوسف ان شاء صلى عريانا وان شاء مع الثوب لكن الصلاة في الثوب أفضل وقال محمد لا تجزئه الا مع الثوب وجه قوله ان ترك استعمال النجاسة فرض وستر العورة فرض الا ان ستر العورة أهمهما وآكدهما لانه فرض في الاحوال أجمع وفرضية ترك استعمال النجاسة مقصورة على حالة الصلاة فيصار إلى الا هم فتستر العورة ولا تجوز الصلاة بدونه ويتحمل
استعمال النجاسة ولانه لو صلى عريانا كان تاركا فرائض منها ستر العورة والقيام والركوع والسجود ولو صلى في الثوب النجس كان تاركا فرضا واحدا وهو ترك استعمال النجاسة فقط فكان هذا الجانب أهون وقد قالت عائشة رضى الله عنها ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين الا اختارا هو نهما فمن ابتلى ببليتين فعليه أن يختار أهونهما (ولهما) ان الجانبين في الفرضية في حق الصلاة على السواء الا ترى انه كما لا تجوز الصلاة حالة الاختيار عريانا لا تجوز مع الثوب المملوء نجاسة ولا يمكن اقامة أحد الفرضين في هذه الحالة الا بترك الآخر فسقطت فريضتهما في حق الصلاة فيخير فيجزئه كيف ما فعل الا ان الصلاة في الثوب أفضل لما ذكر محمد (ومنها) استقبال القبلة لقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر وعليه اجماع الامة والاصل ان استقبال القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه بدليل انه لا يجب الاستقبال فيما هو رأس العبادات وهو الايمان وكذا في عامة العبادات من الزكاة والصوم والحج وانما عرف شرطا في باب الصلاة شرعا فيجب اعتباره بقدر ما ورد الشرع به
[ 118 ]
وفيما وراءه يرد إلى أصل القياس ثم جملة الكلام في هذا الشرط ان المصلى لا يخلو اما ان كان قادرا على الاستقبال أو كان عاجزا عنه فان كان قادرا يجب عليه التوجه إلى القبلة ان كان في حال مشاهدة الكعبة فالى عينها أي أي جهة كانت من جهات الكعبة حتى لو كان منحرفا عنها غير متوجه إلى شئ منها لم يجز لقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وفى وسعة تولية الوجه إلى عينها فيجب ذلك وان كان نائيا عن الكعبة غائبا عنها يجب عليه التوجه إلى جهتها وهى المحاريب المنصوبة بالامارات الدالة عليها لا إلى عينها وتعتبر الجهة دون العين كذا ذكر الكرخي والرازي وهو قول عامة مشايخنا بما وراء النهر وقال بعضهم المفروض اصابة عين الكعبة بالاجتهاد والتحرى وهو قول أبى عبد الله البصري حتى قالوا ان نية الكعبة شرط وجه قول هؤلاء قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة ولان لزوم الاستقبال لحرمة البقعة وهذا المعنى في العين لا في الجهة ولان قبلته لو كانت الجهة لكان ينبغى له إذا اجتهد فأخطأ الجهة يلزمه الاعادة لظهور خطئه في اجتهاده بيقين ومع ذلك لا تلزمه الاعادة بلا خلاف بين أصحابنا فدل ان قبلته في هذه الحالة عين الكعبة بالاجتهاد والتحرى وجه قول الاولين ان المفروض هو المقدور عليه
واصابة العين غير مقدور عليها فلا تكون مفروضة ولان قبلته لو كانت عين الكعبة في هذه الحالة بالتحرى والاجتهاد لترددت صلاته بين الجواز والفساد لانه ان أصاب عين الكعبة بتحريه جازت صلاته وان لم يصب عين الكعبة لا تجوز صلاته لانه ظهر خطأه بيقين الا أن يجعل كل مجتهد مصيبا وانه خلاف المذهب وقد عرف بطلانه في أصول الفقه أما إذا جعلت قبلته الجهة وهى المحاريب المنصوبة لا يتصور ظهور الخطأ فنزلت الجهة في هذه الحالة منزلة عين الكعبة في حال المشاهدة ولله تعالى أن يجعل أي جهة شاء قبلة لعباده على اختلاف الاحوال واليه وقعت الاشارة في قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ولانهم جعلوا عين الكعبة قبلة في هذه الحالة بالتحرى وانه مبنى على تجرد شهادة القلب من غير امارة والجهة صارت قبلة باجتهادهم المبنى على الامارات الدالة عليها من النجوم والشمس والقمر وغير ذلك فكان فوق الاجتهاد بالتحرى ولهذا أن من دخل بلدة وعاين المحاريب المنصوبة فيها يجب عليه التوجه إليها ولا يجوز له التحرى وكذا إذا دخل مسجد الا محراب له وبحضرته أهل المسجد لا يجوز له التحرى بل يجب عليه السؤال من أهل المسجد لان لهم علما بالجهة المبنية على الامارات فكان فوق الثابت بالتحرى وكذا لو كان في المفازة والسماء مصحية وله علم بالاستدلال بالنجوم على القبلة لا يجوز له التحرى لان ذلك فوق التحرى وبه تبين ان نية الكعبة ليست بشرط بل الافضل أن لا ينوى الكعبة لاحتمال أن لا تحاذى هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته ولا حجة لهم في الآية لانها تناولت حالة القدرة والقدرة حال مشاهدة الكعبة لا حال البعد عنها وهو الجواب عن قولهم ان الاستقبال لحرمة البقعة ان ذلك حال القدرة على الاستقبال إليها دون حال العجز عنه وأما إذا كان عاجزا فلا يخلو اما ان كان عاجزا بسبب عذر من الاعذار مع العلم بالقبلة واما ان كان عجزه بسبب الاشتباه فان كان عاجز العذر مع العلم بالقبلة فله أن يصلى إلى أي جهة كانت ويسقط عنه الاستقبال نحو أن يخاف على نفسه من العدو في صلاة الخوف أو كان بحال لو استقبل القبلة يثب عليه العدو أو قطاع الطريق أو السبع أو كان على لوح من السفينة في البحر لو وجهه إلى القبلة يغرق غالبا أو كان مريضا لا يمكنه أن يتحول بنفسه إلى القبلة وليس بحضرته من يحوله إليها ونحو ذلك لان هذا شرط زائد فيسقط عند العجز وان كان عاجزا بسبب الاشتباه وهو أن يكون في المفازة في ليلة مظلمة أو لا علم له بالامارات الدالة على القبلة فان كان بحضرته من يسأله عنها لا يجوز له التحرى لما قلنا بل يجب عليه السؤال فان لم يسأل وتحرى وصلى فان أصاب جازوا لا فلا فان لم يكن
بحضرته أحد جاز له التحرى لان التكليف بحسب الوسع والامكان وليس في وسعه الا التحرى فتجوز له الصلاة التحرى لقوله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله وروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحروا عند الاشتباه
[ 119 ]
وصلوا ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فدل على الجواز فإذا صلى إلى جهة من الجهات فلا يخلوا ما أن صلى إلى جهة بالتحرى أو بدون التحرى فان صلى بدون التحرى فلا يخلو من أوجه اما ان كان لم يخطر بباله شئ ولم يشك في جهة القبلة أو خطر بباله وشك في جهة القبلة وصلى من غير تحر أو تحرى ووقع تحريه على جهة فصلى إلى جهة أخرى لم يقع عليها التحرى أما إذا لم يخطر بباله شئ ولم يشك وصلى إلى جهة من الجهات فالاصل هو الجواز لان مطلق الجهة قبلة بشرط عدم دليل يوصله إلى جهة الكعبة من السؤال أو التحرى ولم يوجد لان التحرى لا يجب عليه إذا لم يكن شاكا فإذا مضى على هذه الحالة ولم يخطر بباله شئ صارت الجهة التى صلى إليها قبلة له ظاهرا فان ظهرانها جهة الكعبة تقرر الجواز فاما إذا ظهر خطأه بيقين بان انجلى الظلام وتبين انه صلى إلى غير جهة الكعبة أو تحرى ووقع تحريه على غير الجهة التى صلى إليها ان كان بعد الفراغ من الصلاة يعيدوان كان في الصلاة يستقبل لان ما جعل حجة بشرط عدم الاقوى يبطل عند وجوده كالاجتهاد إذا ظهر نص بخلافه وأما إذا شك ولم يتحر وصلى إلى جهة من الجهات فالاصل هو الفساد فإذا ظهر أن الصواب في غير الجهة التى صلى إليها اما بيقين أو بالتحرى تقرر الفساد وان ظهر أن الجهة التى صلى إليها قبلة ان كان بعد الفراغ من الصلاة أجزأه ولا يعيد لانه إذا شك في جهة الكعبة وبنى صلاته على الشك احتمل أن تكون الجهة التى صلى إليها قبلة واحتمل أن لا تكون فان ظهرانها لم تكن قبلة يظهر أنه صلى إلى غير القبلة وان ظهرانها كانت قبلة يظهر أنه صلى إلى القبلة فلا يحكم بالجواز في الابتداء بالشك والاحتمال بل يحكم بالفساد بناء على الاصل وهو العدم بحكم استصحاب الحال فإذا تبين انه صلى إلى القبلة بطل الحكم باستصحاب الحال وثبت الجواز من الاصل وأما إذا ظهر في وسط الصلاة روى عن أبى يوسف أنه يبنى على صلاته لما قلنا وفى ظاهر الرواية يستقبل لان شروعه في الصلاة بناء على الشك ومتى ظهرت القبلة اما بالتحرى أو بالسؤال من غيره صارت حالته هذه أقوى من الحالة الاولى ولو ظهرت في الابتداء لا تجوز صلاته الا إلى هذه الجهة فكذا إذا ظهرت في وسط الصلاة وصار كالمومى إذا قدر على القيام في وسط الصلاة أنه يستقبل لما ذكرنا كذا هذا وأما إذا تحرى ووقع تحريه إلى جهة فصلى إلى جهة أخرى من غير تحر فان اخطأ
لا تجزيه بالاجماع وان أصاب فكذلك في ظاهر الرواية وروى عن أبى يوسف أنه يجوز (ووجهه) أن المقصود من التحرى هو الاصابة وقد حصل هذا المقصود فيحكم بالجواز كما إذا تحرى في الاواني فتوضأ بغير ما وقع عليه التحرى ثم تبين أنه أصاب يجزيه كذا هذا وجه ظاهر الرواية أن القبلة حالة اشتباه هي الجهة التى مال إليها المتحرى فإذا ترك الاقبال إليها فقد أعرض عما هو قبلته مع القدرة عليه فلا يجوز كمن ترك التوجه إلى المحاريب المنصوبة مع القدرة عليه بخلاف الاواني لان الشرط هو التوضؤ بالماء الطاهر حقيقة وقد وجد فاما إذا صلى إلى جهة من الجهات بالتحرى ثم ظهر خطأه فان كان قبل الفراغ من الصلاة استدار إلى القبلة وأتم الصلاة لما روى أن أهل قبا لما بلغهم فسخ القبلة إلى بيت المقدس استداروا كهيئتهم وأتموا صلاتهم ولم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعادة ولان الصلاة المؤداة إلى جهة التحرى مؤداة إلى القبلة لانها هي القبلة حال الاشتباه فلا معنى لوجوب الاستقبال ولان تبدل الرأى في معنى انتساخ النص وذا لا يوجب بطلان العمل بالمنسوخ في زمان ما قبل النسخ كذا هذا وان كان بعد الفراغ من الصلاة فان ظهر أنه صلى يمنة أو يسرة يجزيه ولا يلزمه الاعادة بلا خلاف وان ظهر أنه صلى مستدبر الكعبة يجزيه عندنا وعند الشافعي لا يجزيه وعلى هذا إذا اشتبهت القبلة على قوم فتحروا وصلوا بجماعة جازت صلاة الكل عندنا الا صلاة من تقدم على امامه أو علم بمخالفته اياه وجه قول الشافعي أنه صلى إلى القبلة بالاجتهاد وقد ظهر خطأه بيقين فيبطل كما إذا تحرى وصلى في ثوب على ظن أنه طاهر ثم تبين أنه نجس انه لا يجزيه وتلزمه الاعادة كذا ههنا (ولنا) أن قبلته حال الاشتباه هي الجهة التى تحرى إليها وقد صلى إليها فتجزيه كما إذا صلى إلى المحاريب المنصوبة والدليل على أن قبلته هي جهة التحرى النص والمعقول أما النص فقوله تعالى فاينما تولوا فثم وجه الله قيل في بعض وجوه التأويل ثمة قبلة
[ 120 ]
الله وقيل ثمة رضاء الله وقيل ثمة وجه الله الذى وجهكم إليه إذا لم يجئ منكم التقصير في طلب القبلة واضاف التوجه إلى نفسه لانهم وقعوا في ذلك بفعل الله تعالى بغير تقصير كان منهم في الطلب ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل ناسيا لصومه ثم على صومك فانما أطعمك الله وسقاك وان وجد الاكل من الصائم حقيقة لكن لما لم يكن قاصدا فيه أضاف فعله إلى الله تعالى وصيره معذورا كانه لم يأكل كذلك ههنا إذا كان توجهه إلى هذه الجهة من غير قصد منه حيث أتى بجميع ما في وسعه وامكانه أضاف الرب سبحانه وتعالى ذلك إلى ذاته وجعله
معذورا كانه توجه إلى القبلة (وأما) المعقول فما ذكرنا أنه لا سبيل له إلى اصابة عين الكعبة ولا إلى اصابة جهتها في هذه الحالة لعدم الدلائل الموصلة إليها والكلام فيه والتكليف بالصلاة متوجه وتكليف ما لا يحتمله الوسع ممتنع وليس في وسعه الا الصلاة إلى جهة التحر فتعينت هذه قبلة له شرعا في هذه الحالة فنزلت هذه الجهة حالة العجز منزلة عين الكعبة والمحراب حالة القدرة وانما عرف التحرى شرطا نصا بخلاف القياس لا لاصابة القبلة وبه تبين أنه ما اخطأ قبلته لان قبلته جهة التحرى وقد صلى إليها بخلاف مسألة الثوب لان الشرط هناك هو الصلاة بالثوب الطاهر حقيقة لكنه أمر باصابته بالتحرى فإذا لم يصب انعدم الشرط فلم يجز أما ههنا فالشرط استقبال القبلة وقبلته هذه في هذه الحالة وقد استقبلها فهو الفرق والله أعلم ويخرج على ما ذكرنا الصلاة بمكة خارج الكعبة أنه ان كان في حال مشاهدة الكعبة لا تجوز صلاته الا إلى عين الكعبة لان قبلته حالة المشاهدة عين الكعبة بالنص ويجوز إلى أي الجهات من الكعبة شاء بعد ان كان مستقبلا لجزء منها لوجود تولية الوجه شطر الكعبة فان صلى منحرفا عن الكعبة غير مواجه لشئ منها لم يجز لانه ترك التوجه إلى قبلته مع القدرة عليه وشرائط الصلاة لا تسقط من غير عذر (ثم) ان صلوا بجماعة لا يخلوا ما ان صلوا متحلقين حول الكعبة صفا بعد صف واما ان صلوا إلى جهة واحدة منها مصطفين فان صلوا إلى جهة واحدة جازت صلاتهم إذا كان كل واحد منهم مستقبلا جزأ من الكعبة ولا يجوز لهم أن يصطفوا زيادة على حائط الكعبة ولو فعلوا ذلك لا تجوز صلاة من جاوز الحائط لان الواجب حالة المشاهدة استقبال عينها وان صلوا حول الكعبة متحلقين جاز لان الصلاة بمكة تؤدى هكذا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا والافضل للامام أن يقف في مقام ابراهيم صلوات الله عليه ثم صلاة الكل جائزة سواء كانوا أقرب إلى الكعبة من الامام أو أبعد الا صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من الامام في الجهة التى يصلى الامام إليها بأن كان متقدما على الامام بحذائه فيكون ظهره إلى وجه الامام أو كان على يمين الامام أو يساره متقدما عليه من تلك الجهة ويكون ظهره إلى الصف الذى مع الامام ووجهه إلى الكعبة لانه إذا كان متقدما على امامه لا يكون تابعا له فلا يصح اقتداؤه به بخلاف ما إذا كان أقرب إلى الكعبة من الامام من غير الجهة التى يصلى إليها الامام لانه في حكم المقابل للامام والمقابل لغيره يصلح أن يكون تابعا بخلاف المتقدم عليه وعلى هذا إذا قامت امرأه بجنب الامام في الجهة التى يصلى إليها الامام ونوى الامام امامتها فسدت صلاة الامام لوجود المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة
وفسدت صلاة القوم بفساد صلاة الامام ولو قامت في الصف في غير جهة الامام لا تفسد صلاة الامام لانها في الحكم كأنها خلف الامام وفسدت صلاة من على يمينها ويسارها ومن كان خلفها على ما يذكر في موضعه ولو كانت الكعبة منهدمة فتحلق الناس حول أرض الكعبة وصلوا هكذا أو صلى منفردا متوجها إلى جزء منها جاز وقال الشافعي لا يجوز الا إذا كان بين يديه سترة وجه قوله أن الواجب استقبال البيت والبيت اسم للبقعة والبناء جميعا الا إذا كان بين يديه سترة لانها من توابع البيت فيكون مستقبلا لجزء من البيت معنى (ولنا) اجماع الامة فان الناس كانوا يصلون إلى البقعة حين رفع البناء في عهد ابن الزبير حين بنى البيت على قواعد الخليل صلوات الله عليه وفى عهد الحجاج حين أعاده إلى ما كان عليه في الجاهلية وكانت صلاتهم مقضية بالجواز وبه تبين أن الكعبة اسم للبقعة سواء كان ثمة بناء أو لم يكن وقد وجد التوجه إليها الا أنه يكره ترك اتخاذ السترة لما فيه من استقبال الصورة الصورة
[ 121 ]
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الصلاة وروى أنه لما رفع البناء في عهد ابن الزبير أمر ابن عباس بتعليق الانطاع في تلك البقعة ليكون ذلك بمنزلة السترة لهم وعلى هذا إذا صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته عندنا وان لم يكن بين يديه سترة وعند الشافعي لا تجزيه بدون السترة والصحيح قولنا لما ذكرنا أن الكعبة اسم للعرصة ولان النباء لا حرمة له لنفسه بدليل أنه لو نقل إلى عرصة أخرى وصلى إليها لا يجوز بل كانت حرمته لاتصاله بالعرصة المحترمة والدليل عليه أن من صلى على جبل أبى قبيس جازت صلاته بالاجماع ومعلوم أنه لا يصلى إلى البناء بل إلى الهواء دل أن العبرة للعرصة والهواء دون البناء هذا إذا صلوا خارج الكعبة فاما إذا صلوا في جوف الكعبة فالصلاة في جوف الكعبة جائزة عند عامة العلماء نافلة كانت أو مكتوبة وقال مالك لا يجوز اداء المكتوبة في جوف الكعبة وجه قوله أن المصلى في جوف الكعبة ان كان مستقبلا جهة كان مستدبرا جهة أخرى والصلاة مع استدبار القبلة لا تجوز فأخذنا بالاحتياط في المكتوبات فاما في التطوعات فالامر فيها أوسع وصار كالطواف في جوف الكعبة (ولنا) أن الواجب استقبال جزء من الكعبة غير عين وانما تيعين الجزء قبلة له بالشروع في الصلاة والتوجه إليه ومتى صارت قبله فاستدبارها في الصلاة من غير ضرورة يكون مفسدا فاما الاجزاء التى لم يتوجه إليها لم تصر قبلة في حقه فاستبدارها لا يكون مفسد أو على هذا ينبغى أن من صلى في جوف الكعبة ركعة إلى جهة وركعة إلى جهة أخرى لا تجوز صلاته لانه صار مستدبرا عن الجهة التى صارت قبلة في حقه بيقين من غير ضرورة والانحراف من غير
ضرورة مفسد للصلاة بخلاف النائى عن الكعبة إذا صلى بالتحرى إلى الجهات الاربع بان صلى ركعة إلى جهة ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى فصلى ركعة إليها هكذا جاز لان هناك لم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين لان الجهة التى تحرى إليها ما صارت قبلة له بيقين بل بطريق الاجتهاد فحين تحول رأيه إلى جهة أخرى صارت قبلته هذه الجهة في المستقبل ولم يبطل ما أدى بالاجتهاد الاول لان ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله فصار مصليا في الاحوال كلها إلى القبلة فلم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين فهو الفرق ثم لا يخلوا ما ان صلوا في جوف الكعبة متحلقين أو مصطفين خلف الامام فان صلوا بجماعة متحلقين جازت صلاة الامام وصلاة من وجهه إلى ظهر الامام أو إلى يمين الامام أو إلى يساره أو ظهره إلى ظهر الامام وكذا صلاة من وجهه إلى وجه الامام الا أنه يكره لما فيه من استقبال الصورة الصورة فينبغي أن يجعل بينه وبين الامام سترة وأما صلاة من كان متقدما على الامام وظهره إلى وجه الامام وصلاة من كان مستقبلا جهة الامام وهو أقرب إلى الحائط من الامام فلا تجوز لما بينا وهذا بخلاف جماعة تحروا في ليلة مظلمة واقتدوا بالامام حيث لا تجوز صلاة من علم أنه مخالف للامام في جهته لان هناك اعتقد الخطأ في صلاة امامه لان عنده أن امامه غير مستقبل للقبلة فلم يصح اقتداؤه فلم يصح اقتداؤه به أما ههنا فما اعتقد الخطأ في صلاة امامه لان كل جانب من جوانب الكعبة قبلة بيقين فصح اقتداؤه به فهو الفرق وان صلوا مصطفين خلف الامام إلى جهة الامام فلا شك أن صلاتهم جائزة وكذا إذا كان وجه بعضهم إلى ظهر الامام وظهر بعضهم إلى ظهره لوجود استقبال القبلة والمتابعة لانهم خلف الامام لا أمامه ولهذا قلنا ان الامام إذا نوى امامة النساء فقامت امرأه بحذائه مقابلة له لا تفسد صلاة الامام لانها في الحكم كأنها خلف الامام وتفسد صلاة من كان عن يمينها ويسارها وخلفها في الجهة التى هي فيها واختلفت الرواية في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل صلى في الكعبة حين دخلها روى اسامة بن زيد أنه لم يصل فيها وروى ان عمر أنه صلى فيها ركعتين بين الساريتين المتقدمتين (ومنها) الوقت لان الوقت كما هو سبب لوجوب الصلاة فهو شرط لادائها قال الله تعالى ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوفا أي فرضا مؤقتا حتى لا يجوز اداء الفرض قبل وقته الا صلاة العصر يوم عرفة على ما يذكر والكلام فيه يقع في ثلاث مواضع في بيان أصل أوقات الصلوات المفروضة وفى بيان حدودها بأوائها وأواخرها وفى بيان الاوقات المستحبة منها وفى بيان الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة (أما) الاول فاصل أوقاتها عرف بالكتاب وهو قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون وقوله تعالى أقم الصلاة طرفي
[ 122 ]
النهار وزلفا من الليل وقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا وقوله تعالى فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار فهذه الآيات تشتمل على بيان فرضية هذه الصلوات وبيان أصل أوقاتها لما بينا فيما تقدم والله اعلم (وأما) بيان حدودها بأوائلها وأواخرها فانما عرف بالاخبار أما الفجر فاول وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر الثاني وآخره حين تطلع الشمس لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان للصلاة أولا وآخرا وان أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وآخره حين تطلع الشمس والتقييد بالفجر الثاني لان الفجر الاول هو البياض المستطيل يبدو في ناحية من السماء وهو المسمى بذنب السرحان عند العرب ثم ينكتم ولهذا يسمى فجرا كاذبا لانه يبدو نوره ثم يخلف ويعقبه الظلام وهذا الفجر لا يحرم به الطعام والشراب على الصائمين ولا يخرج به وقت العشاء ولا يدخل به وقت صلاة الفجر والفجر الثاني وهو المستطير المعترض في الافق لا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس يسمى هذا فجرا صادقا لانه إذا بدا نوره ينتشر في الافق ولا يخلف وهذا الفجر يحرم به الطعام والشراب على الصائم ويخرج به وقت العشاء ويدخل به وقت صلاة الفجر وهكذا روى عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الفجر فجر ان فجر مستطيل يحل به الطعام وتحرم فيه الصلاة وفجر مستطير يحرم به الطعام وتحل فيه الصلاة وبه تبين أن المراد من الفجر المذكور في حديث أبى هريرة رضى الله عنه هو الفجر الثاني لا الاول وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يغرنكم اذان بلال ولا الفجر المستطيل لكن الفجر المستطير في الافق وروى لا يغرنكم الفجر المستطيل ولكن كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير أي المنتشر في الافق وقال الفجر هكذا ومديده عرضا لا هكذا ومديده طولا ولان المستطيل ليل في الحقيقة لنعقب الظلام اياه وروى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت الفجر ما لم تطلع الشمس وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها فدل الحديثان أيضا على ان آخر وقت الفجر حين تطلع الشمس (وأما) أول وقت الظهر فحين تزول الشمس بلا خلاف لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول وقت الظهر حين تزول الشمس وأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا واختلفت الرواية عن أبى حنيفة روى محمد عنه إذا صار ظل كل شئ مثله سوى فئ الزوال والمذكور في
الاصل ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين ولم يتعرض لآخر وقت الظهر وروى الحسن عن أبى حنيفة أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شئ مثله سوى فئ الزوال وهو قول أبى يوسف ومحمد وزفر والحسن والشافعي وروى أسد بن عمر وعنه إذا صار ظل كل شئ مثله سوى فئ الزوال خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر ما لم يصر ظل كل شئ مثليه فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الفجر والظهر والصحيح رواية محمد عنه فانه روى في خبر أبى هريرة وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وهذا ينفى الوقت المهمل ثم لابد من معرفة زوال الشمس روى عن محمد أنه قال حد الزوال أن يقوم الرجل مستقبل القبلة فإذا مالت الشمس عن يساره فهو الزوال واصح ما قيل في معرفة الزوال قول محمد بن شجاع البلخى انه يغرز عودا مستويا في أرض مستوية ويجعل على مبلغ الظل منه علامة فما دام الظل ينتقص من الخط فهو قبل الزوال فإذا وقف لا يزداد ولا ينتقص فهو ساعة الزوال وإذا أخذ الظل في الزيادة فالشمس قد زالت وإذا أردت معرفة فئ الزوال فخط على رأس موضع الزيادة خطا فيكون من رأس الخط إلى العود فئ الزوال فإذا صار ظل العود مثليه من رأس الخط لا من العود خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر عند أبى حنيفة وإذا صار ظل العود مثله من رأس الخط خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر عندهم وجه قولهم حديث امامة جبريل عليه السلام فانه روى عن رسول الله صل الله عليه وسلم أنه قال أمنى جبريل عند البيت مرتين فصلى بى الظهر في اليوم الاول حين زالت الشمس وصلى بى العصر حين صار ظل كل شئ مثله وصلى بى المغرب حين غربت الشمس وصلى بن العشاء حين غاب الشفق وصلى بى الفجر حين طلع الفجر الثاني وصلى بى الظهر
[ 123 ]
في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثله وصلى بى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثليه وصلى بى المغرب في اليوم الثاني في الوقت الذى صلى بى في اليوم الاول وصلى بى العشاء في اليوم الثاني حين مضى ثلث الليل وصلى بى الفجر في اليوم الثاني حين أسفر النهار ثم قال الوقت ما بين الوقتين فالاستدلال بالحديث من وجهين أحدهما انه صلى العصر في اليوم الاول حين صار ظل كل شئ مثله فدل أن أول وقت العصر هذا فكان هو آخر وقت الظهر ضرورة والثانى ان الامامة في اليوم الثاني كانت لبيان آخر الوقت ولم يؤخر الظهر في اليوم الثاني إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه فدل ان آخر وقت الظهر ما ذكرنا (ولابي) حنيفة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ان مثلكم ومثل من قبلكم من الامم مثل رجل استأجر أجيرا فقال من يعمل لى من الفجر إلى الظهر بقيراط فعملت
اليهود ثم قال من يعمل لى من الظهر إلى العصر بقيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لى من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم أنتم فكنتم عملا وأكثر أجرا فدل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر وانما يكون أقصر ان لو كان الامر على ما قاله أبو حنيفة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أبرد وبالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم والابراد يحصل بصيرورة ظل كل شئ مثليه فان الحر لا يفتر خصوصا في بلادهم على أن عند تعارض الادلة لا يمكن اثبات وقت العصر لان موضع التعارض موضع الشك وغير الثابت لا يثبت بالشك فان قيل لا يبقى وقت الظهر بالشك أيضا فالجواب انه كذلك يقول أبى حنيفة في رواية أسد بن عمرو أخذا بالمتيقن فيهما والثانى أن ما ثبت لا يبطل بالشك وغير الثابت لا يثبت بالشك وخبر امامة جبريل عليه السلام منسوخ في المتنازع فيه فان المزوى انه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذى صلى فيه العصر في اليوم الاول والاجماع منعقد على تغاير وقتى الظهر والعصر فكان الحديث منسوخا في الفرع ولا يقال معنى ما ورد انه صلى العصر في اليوم الاول حين صار ظل كل شئ مثله أي بعد ما صار ومعنى ما ورد انه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثليه أي قرب من ذلك فلا يكون منسوخا لا بالقول هذا نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغفلة وعدم التميين بين الوقتين أو إلى التساهل في أمر تبليغ الشرائع والتسوية بين أمرين مختلفين وترك ذلك مبهما من غير بيان منه أو دليل يمكن الوصول به إلى الافتراق بين الامرين ومثله لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم (وأما) أول وقت العصر فعلى الاختلاف الذى ذكرنا في آخر وقت الظهر حتى روى عن أبى يوسف أنه قال خالفت أبا حنيفة في وقت العصر فقلت أوله إذا دار الظل على قامة اعتمادا على الآثار التى جاءت وآخره حين تغرب الشمس عندنا وعند الشافعي قولان في قول إذا صار ظل كل شئ مثليه يخرج وقت العصر ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس فيكون بينهما وقت مهمل وفى قول إذا صار ظل كل شئ مثليه يخرج وقته المستحب ويبقى أصل الوقت إلى غروب الشمس والصحيح قولنا لما روى في حديث أبى هريرة رضى الله عنه في وقت العصر وآخرها ين تغرب الشمس وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من فاته العصر حتى غربت الشمس فكانما وتراهله وماله (وأما) أول وقت المغرب فحين تغرب الشمس بلا خلاف وفى خبر أبى هريرة رضى الله عنه وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس وكذا حديث جبريل عليه الله صلى المغرب بعد غروب الشمس في
اليومين جميعا والصلاة في اليوم الاول كانت بيانا لاول الوقت وأما آخره فقد اختلفوا فيه قال أصحابنا حين يغيب الشفق وقال الشافعي وقتها ما يتطهر الانسان ويؤذن ويقيم ويصلى ثلاث ركعات حتى لو صلاها بعد ذلك كان قضاء لا أداء عنده لحديث امامة جبريل صلى الله عليه وسلم انه صلى المغرب في المرتين في وقت واحد (ولنا) ان في حديث أبى هريرة رضى الله عنه وأول وقت المغرب حتى تغرب الشمس وآخره حين يغيب الشفق وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وقت المغرب ما لم يغب الشفق وانما لم يؤخره جبريل عن أول الغروب لان التأخير عن أول الغروب مكروه الا لعذر وأنه جاء ليعلمه المباح من الاوقات الا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب
[ 124 ]
مع بقاء الوقت إليه وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وان كان بعده وقت العشاء بالاجماع (وأما) أول وقت العشاء فحين يغيب الشفق بلا خلاف بين أصحابنا لما روى في خبر أبى هريرة رضى الله عنه وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق واختلفوا في تفسير الشفق فعند أبى حنيفة هو البياض وهو مذهب أبى بكر وعمر ومعاذ وعائشة رضى الله عنهم وعند أبى يوسف ومحمد والشافعي هو الحمرة وهو قول عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضى الله عنهم وهو رواية أسد بن عمرو عن أبى حنيفة وجه قولهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تزال أمتى بخير ما عجلوا المغرب وآخر والعشاء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى العشاء بعد مضى ثلث الليل فلو كان الشفق هو البياض لما كان مؤخرا لها بل كان مصليا في أول الوقت لان البياض يبقى إلى ثلث الليل خصوصا في الصيف (ولابي) حنيفة النص والاستدلال (أما) النص فقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل جعل الغسق غاية لوقت المغرب ولا غسق ما بقى التور المعترض وروى عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال آخر وقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق وبياضه والمعترض نوره وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه وان آخر وقت المغرب حين يسود الافق وانما يسود باخفائها بالظلام (وأما) الاستدلال فمن وجهين لغوى وفقهي أما اللغوى فهو ان الشفق اسم لما رق يقال ثوب شفيق أي رقيق اما من رقة النسج واما لحدوث رقة فيه من طول اللبس ومنه الشفقة وهى رقة القلب من الخوف أو المحبة ورقة نور الشمس باقية ما بقى البياض وقيل الشفق اسم لردى الشئ وباقية ولبياض باقى آثار الشمس وأما الفقهى فهوان صلاتين يؤديان في اثر الشمس وهو المغرب هو الفجر وصلاتين تؤديان في وضح النهار وهما الظهر والعصر فيجب أن يؤدى صلاتين في غسق الليل بحيث لم يبق أثر من آثار الشمس
وهما العشاء والوتر وبعد غيبوبة البياض لا يبقى أثر للشمس ولا حجة لهم في الحديث لان البياض يغيب قبل مضى ثلث الليل غالبا وأما آخر وقت العشاء فحين يطلع الفجر الصادق عندنا وعند الشافعي قولان في قول حين يمضى ثلث الليل لان جبريل عليه السلام صلى في المرة الثانية بعد مضى ثلث الليل وكان ذلك بيانا لاخر الوقت وفى قول يؤخر إلى آخر نصف الليل بعذر السفر لان النبي صلى الله عليه وسلم أخر ليلة إلى النصف ثم قال هو لنا بعذر السفر (ولنا) ما روى أبو هريرة وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق وآخره حين يطلع الفجر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت أخرى وقت عدم دخول وقت الصلاة إلى غاية خروج وقت صلاة أخرى فلو لم يثبت الدخول عند الخروج لم يتوقف ولان الوتر من توابع العشاء ويؤدى في وقتها وأفضل وقتها السحر دل أن السحر آخر وقت العشاء ولان أثر السفر في قصر الصلاة لا في زيادة الوقت وامامة جبريل عليه السلام كان تعليما لآخر الوقت المستحب ونحن نقول ان ذلك ثلث الليل (وأما) بيان الاوقات المستحبة فالسماء لا تخلوا ما ان كانت مصحية أو مغيمة فان كانت مصحية ففى الفجر المستحب آخر الوقت والاسفار بصلاة الفجر أفضل من التغليس بها في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس الا في حق الحاج بمزدلفة فان التغليس بها أفضل في حقه وقال الطمارى ان كان من عزمه تطويل القراءة فالافضل ان يبدأ بالتغليس بها ويختم بالاسفار وان لم يكن من عزمه تطويل القراءة فالاسفار أفضل من التغليس وقال الشافعي التغليس بها أفضل في حق الكل وجملة المذهب عنده ان أداء الفرض لاول الوقت أفضل وحده مادام في النصف الاول من الوقت (واحتج) بقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير وذم الله تعالى أقواما على الكسل فقال وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى والتأخير من الكسل وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الاعمال فقال الصلاة لاول وقتها وقال صلى الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله أي ينال باداء الصلاة في أول الوقت رضوان الله وينال بادائها في آخره عفو الله تعالى واستيجاب الرضوان خير من استيجاب العفو لان الرضوان أكبر لثواب لقوله تعالى ورضوان من الله أكبر وينال بالطاعات والعفو ينال بشرط سابقية الجنابة وروى في الفجر خاصة عن عائشة رضى الله عنها أن النساء كن
[ 125 ]
يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن وما يعرفن من شدة الغلس (ولنا) قول النبي صلى الله عليه
وسلم أسفروا بالفجر فانه اعظم للاجر رواه رافع بن خديج وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قبل ميقاتها الا صلاتين العصر بعرفة وصلاة الفجر بمزدلفة قد غلس بها فسمى التغليس بالفجر صلاة قبل المقيات فعلم ان العادة كانت في الفجر الاسفار وعن ابراهيم النخعي انه قال ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شئ كاجتماعهم على تأخير العصر والتنوير بالفجر ولان في التغليس تقليل الجماعة لكونه وقت نوم وغفلة وفى الاسفار تكثيرها فكان أفضل ولهذا يستحب الايراد بالظهر في الصيف لاشتغال الناس بالقيلولة ولان في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج خصوصا في حق الضعفاء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صل بالقوم صلاة أضعفهم ولان المكث في مكان صلاة الفجر إلى طلوع الشمس مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكانما أعتق أربع رقاب من ولد اسمعيل وقلما يتمكن من احراز هذه الفضيلة عند التغليس لانه قلما يمكث فيها الطول المدة ويتمكن من احرازها عند الاسفار فكان أولى وما ذكر من الدلائل الجملية فنقول بها في بعض الصلوات في بعض الاوقات على ما نذكر لكن قامت الدلائل في بعضها على ان التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير ولهذا قال الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل لئلا يقع في السمر بعد العشاء ثم الامر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها الا ترى ان الاداء قبل الوقت لا يجوز وان كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها وقيل في الحديث ان العفو عبارة عن الفضل قال الله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفضل فكان معنى الحديث على هذا والله أعلم ان من أدى الصلاة في أول الاوقات فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه لامتثاله أمره وأدائه ما أوجب عليه ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك وأما حديث عائشة رضى الله عنها فالصحيح من الروايات اسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر لما روينا من حديث أبن مسعود رضى الله عنه فان ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في الابتداء حين كن النساء يحضرن الجماعات ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك والله اعلم وأما في الظهر فالمستحب هو آخر الوقت في الصيف وأوله في الشتاء وقال الشافعي ان كان يصلى وحده يعجل في كل وقت وان كان يصلى بالجماعة يؤخر يسيرا لما ذكرنا وروى عن خباب بن الارت انه قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرالرمضاء في جباهناوا كفنا فلم يشكنا فدل أن السنة في التعجيل (ولنا) ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه
قال أبرد وبالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم ولان التعجيل في الصيف لا يخلو عن أحد أمرين اما تقليل الجماعة لاشتغال الناس بالقيلولة واما الاضراريهم لتأذيهم بالحر وقد انعدم هذان المعنيان في الشتاء فيعتبر فيه معنى المسارعة إلى الخير وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لمعاذ رضى الله عنه حين وجهه إلى اليمن إذا كان الصيف فابرد بالظهر فان الناس يقيلون فامهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فان الليالى طوال وتأويل حديث خباب انهم طلبوا ترك الجماعة أصلا فلم يشكهم لهذا على ان معنى قوله فلم يشكنا أي لم يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها والله أعلم (وأما) العصر فالمستحب فيها هو التأخير ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغيير في الشتاء والصيف جميعا وعند الشافعي التعجيل أفضل لما ذكرنا وروى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى العصر والشمس طالعة في حجرتي وعن أنس بن مالك رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي وينحر الجزور ويطبخ القدور ويأكل قبل غروب الشمس (ولنا) ماروى عن عبد الله بن مسعود انه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى العصر والشمس بيضاء نقية وهذا منه بيان تأخيره للعصر وقيل سميت العصر لانها تعصر أي تؤخر ولان في التأخير تكثير النوافل لان النافلة بعدها مكروهة فكان التأخير أفضل ولهذا
[ 126 ]
كان التعجيل في المغرب أفضل لان النافلة قبلها مكروهة ولان المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى العصر ثم مكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأما أعتق ثمانيا من ولد اسماعيل وانما يتمكن من احراز هذه الفضيلة بالتأخير لا بالتعجيل لانه قلما يمكث وأما حديث عائشة رضى الله عنها فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير وأما حديث أنس فقد كان ذلك في وقت الصيف ومثله يتأتى للمستعجيل إذ كان ذلك في وقت مخصوص لعذر والله أعلم (وأما) المغرب فالمستحب فيها التعجيل في الشتاء والصيف جميعا وتأخيرها إلى اشتباك النجوم مكروه لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تزال أمتى بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء ولان التعجيل سبب لتكثير الجماعة والتأخير سبب لتقليلها لان الناس يشتغلون بالتعشى والاستراحة فكان التعجيل أفضل وكذا هو من باب الساعة إلى الخير فكان أولى (وأما) العشاء فالمستحب فيها التأخير إلى ثلث الليل في الشتاء ويجوز التأخير نصف الليل ويكره التأخير عن النصف وأما
في الصيف فالتعجيل أفضل وعند الشافعي المستحب تعجيلها بعد غيبوبة الشفق لما ذكر وعن النعمان بن بشير ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى العشاء حين يسقط القمر في الليلة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون ولنا ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال اما انه لا ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لاسفرت العشاء إلى هذا الوقت وفى حديث آخر قال لولا ان أشق على أمتى لاخرت العشاء إلى ثلث الليل وروى عن عمر رضى الله عنه انه كتب إلى أبى موسى الاشعري ان صل العشاء حين يذهب ثلث الليل فان أبيت فالى نصف الليل فان نمت فلا نامت عيناك وفى رواية فلا تكن من الغافلين ولان التأخير عن النصف الاخير تعريض لها للفوات فان من لم ينم إلى نصف الليل ثم نام فغلبه النوم فلا يستيقظ في المعتاد إلى ما بعد انفجار الصبح وتعريض الصلاة للفوات مكروه ولانه لو عجل في الشتاء ربما يقع في السمر بعد العشاء لان الناس لا ينامون إلى ثلث الليل لطول الليالى فيشتغلون بالسمر عادة وانه منهى عنه ولان يكون اختتام صحيفته بالطاعة أولى من أن يكون بالمعصية والتعجيل في الصيف لا يؤدى إلى هذا القبيح لانهم ينامون لقصر الليالى فتعتبر فيه المسارعة إلى الخير والحديث محمول على زمان الصيف أو على حال العذر وكان عيسى بن أبان يقول الاولى تعجيلها للآثار ولكن لا يكره التاخير مطلقا ألا ترى ان العذر لمرض ولسفر يؤخر المغرب للجمع بينهما وبين العشاء فعلا ولو كان المذهب كراهة التأخير مطلقا لما أبيح ذلك بعذر المرض والسفر كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس هذا إذا كانت السماء مصحية فان كانت متغيمة فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب هو التأخير وفى العصر والعشاء التعجيل وان شئت أن تحفظ هذا فكل صلاة في أول اسمها عين تعجيل وما ليس في أول اسمها عين تؤخر أما التأخير في الفجر فلما ذكرنا ولانه لو غلس بها فربما تقع قبل انفجار الصبح وكذا لو عجل الظهر فربما يقع قبل الزوال ولو عجل المغرب عسى يقع قبل الغروب ولا يقال لو أخر ربما يقع في وقت مكروه لان الترجيح عند التعارض للتأخير ليخرج عن عهدة الفرض بيقين وأما تعجيل العصر عن وقتها المعتاد فلئلا يقع في وقت مكروه وهو وقت تغير الشمس وليس فيه وهم الوقوع قبل الوقت لان الظهر قد أخر في هذا اليوم وتعجيل العشاء كيلا تقع بعد انتصاف الليل وليس في التعجيل توهم الوقوع قبل الوقت لان المغرب قد أخر في هذا اليوم والله أعلم وروى الحسن عن أبى حنيفة أن التأخير في الصلوات كلها أفضل في جميع الاوقات والاحوال وهو اختيار الفقيه الجليل أبى أحمد العياضي وعلل وقال ان في التأخير ترددا بين وجهى الجواز
اما القضاء واما الاداء وفى التعجيل ترددا بين وجهى الجواز والفساد فكان التأخير أولى والله الموفق وعلى هذا الاصل اقال أصحابنا انه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما الا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة اتفق عليه رواة نسك رسول الله صلى الله عليه وسلم انه فعله ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر وقال الشافعي يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء
[ 127 ]
في وقت العشاء بعذر السفر والمطر (واحتج) بما روى ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء ولانه يحتاج إلى ذلك في السفر كيلا ينقطع به السير وفى المطر كى تكثر الجماعة إذ لو رجعوا إلى منازلهم لا يمكنهم الرجوع فيجوز الجمع بهذا كما يجوز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء (ولنا) أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا يباح بعذر السفر والمطر كسائر الكبائر والدليل على انه من الكبائر ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جمع بين صلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر وعن عمر رضى الله عنه انه قال الجمع بين الصلاتين من الكبائر ولان هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والاجماع فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها يضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد مع ان الاستدلال فاسد لان السفر والمطر لا أثر لهما في اباحة تفويت الصلاة عن وقتها الا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة لان الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الاجماع والتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فصلح معارضا للدليل المقطوع به وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير ألا ترى انه لا يفيد اباحة الجمع بين الفجر والظهر وما روى من الحديث في خبر الاحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به مع أنه غريب ورد في حادثة نعم بها البلوى ومثله غير مقبول عندنا ثم هو مؤول وتأويله انه جمع بينهما فعلا لا وقتا بان أخر الاولى منهما إلى آخر الوقت ثم أدى الاخرى في أول الوقت ولا واسطة بين الوقتين فوقعتا مجتمعتين فعلا كذا فعل ابن عمر رضى الله عنه في سفر وقال هكذا كان يفعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دل عليه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير مطر ولا سفر وذلك لا يجوز الا فعلا وعن على رضى الله عنه انه جمع بينهما فعلا ثم قال
هكذا فعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا روى عن أنس بن مالك انه جمع بينهما فعلا ثم قال هكذا فعل بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واما الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة فهو وقت تغير الشمس للمغيب لاداء صلاة العصر يكره أداؤها عنده للنهى عن عموم الصلوات في الاوقات الثلاثة منها إذا تضيغت الشمس للمغيب على ما يذكر وقد ورد وعيد خاص في أداء صلاة العصر في هذا الوقت وهو ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال يجلس أحدكم حتى إذا كانت الشمس بين قرنى شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا تلك صلاة المنافقين قالها ثلاثا لكن يجوز أداؤها مع الكراهة حتى يسقط الفرض عن ذمته ولا يتصور أداء الفرض وقت الاستواء قبل الزوال لانه لا فرض قبله وكذا لا يتصور اداء الفجر مع طلوع الشمس عندنا حتى لو طلعت الشمس وهو في خلال الصلاة تفسد صلاته عندنا وعند الشافعي لا تفسد ويقول ان النهى عن النوافل لا عن الفرائض بدليل ان عصر يومه جائز بالاجماع (ونحن) نقول النهى عام بصيغته ومعناه أيضا لما يذكر في قضاء الفرائض في هذه الاوقات وروى عن أبى يوسف ان الفجر لا تفسد بطلوع الشمس لكنه يصبر حتى ترتفع الشمس فيتم صلاته لانا لو قلنا كذلك لكان مؤديا بعض الصلاة في الوقت ولو أفسدنا لوقع الكل خارج الوقت ولا شك ان الاول أولى والله أعلم (والفرق) بينه وبين مؤدى العصر إذا غربت عليه الشمس وهو في خلال الصلاة قد ذكرناه فيما تقدم (ومنها) النية وانها شرط صحة الشروع في الصلاة لان الصلاة عبادة والعبادة اخلاص العمل بكليته لله تعالى قال الله تعالى وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين والاخلاص لا يحصل بدون النية وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا عمل لمن لا نية له وقال الاعمال بالنيات ولكن امرئ ما نوى والكلام في النية في ثلاث مواضع احدها في تفسير النية والثانى في كيفية النية والثالث في وقت النية (أما) الاول فالنية هي الارادة فنية الصلاة هي ارادة الصلاة لله تعالى على الخلوص والارادة عمل القلب (وأما) كيفية النية فالمصلى لا يخلو اما أن يكون منفردا واما أن يكون اماما واما أن يكون مقتديا فان كان منفردا ان كان
[ 128 ]
يصلى التطوع تكفيه نية الصلاة لانه ليس لصلاة التطوع صفة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينو بها فكان شرط النية فيها لتصير لله تعالى وانها تصير لله تعالى بنية مطلق الصلاة ولهذا يتأدى صوم النفل خارج رمضان بمطلق النية وان كان يصلى الفرض لا يكفيه نية مطلق الصلاة لان الفرضية صفة زائدة على أصل الصلاة فلا بد وأن ينويها
فينوي فرض الوقت أو ظهر الوقت أو نحو ذلك ولا تكفيه نية مطلق الفرض لان غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في الوقت فلا بد من التعيين وقال بعضهم تكفيه نية الظهر والعصر لان ظهر الوقت هو المشروع الاصلى فيه وغيره عارض فعند الاطلاق ينصرف إلى ما هو الاصل كمطلق اسم الدرهم انه ينصرف إلى نقد البلد والاول أحوط وحكى عن الشافعي انه يحتاج مع نية ظهر الوقت إلى نية الفرض وهذا بعيد لانه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض إذا الظهر لا يكون الا فرضا وكذا ينبغى أن ينوى صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الجنازة وصلاة الوتر لان التعيين يحصل بهذا وان كان اماما فكذلك الجواب لانه منفرد فينوي ما ينوى المنفرد وهل يحتاج إلى نية الامامة أمانية امامة الرجال فلا يحتاج إليها ويصح اقتداؤهم به بدون نية امامتهم وأما نية امامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عند اصحابنا الثلاثة وعند زفر ليس بشرط حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا خلافا لزفر قاس امامة النساء بامامة الرجال وهناك النية ليست بشرط كذا هذا وهذا القياس غير سديد لان المعنى يوجب الفرض بينهما وهو انه لو صح اقتداء المرأة بالرجل فربما تحاذيه فتفسد صلاته فيلحقه الضرر من غير اختياره فشرط نية اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال ولانه مأمور باداء الصلاة فلا بد من أن يكون متمكنا من صيانتها عن النواقض ولو صح اقتداؤها به من غير نية لم يتمكن من الصيانة لان المرأة تأتى فتقتدى به ثم تحاذيه فتفسد صلاته وأما في الجمعة والعيدين فاكثر مشايخنا قالوا ان نية امامتهن شرط فيهما ومنهم من قال ليست بشرط لانها لو شرطت للحقها الضرر لانها لا تقدر على أداء الجمعة والعيدين وحدها ولا تجد اماما آخر تقتدي به والظاهر انها لا تتمكن من الوقوف بجنب الامام في هاتين الصلاتين لازدحام الناس فصح اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات وان كان مقتديا فانه يحتاج إلى ما يحتاج إليه المنفرد ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالامام لانه ربما يلحقه الضرر بالاقتداء فتفسد صلاته بفساد صلاة الامام فشرط نية الاقتداء حتى يكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه ثم تفسير نية الاقتداء بالامام هو أن ينوى فرض الوقت والاقتداء بالامام فيه أو ينوى الشروع في صلاة الامام أو ينوى الاقتداء بالامام في صلاته ولو نوى الاقتداء بالامام ولم يعين صلاة الامام ولا نوى فرض الوقت هل يجزيه عن الفرض اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجزيه لان اقتداءه به يصح في الفرض والنفل جميعا فلا بد من التعيين مع ان النفل أدناهما فعند الاطلاق ينصرف إلى الادنى ما لم يعين الا على وقال بعضهم يجزيه لان الاقتداء عبارة عن المتابعة والشركة فيقتضى المساواة ولا مساواة
الا إذا كانت صلاته مثل صلاة الامام فعند الاطلاق ينصرف إلى الفرض الا إذا نوى الاقتداء به في النفل ولو نوى صلاة الامام ولم ينو الاقتداء به لم يصح الاقتداء به لانه نوى أن يصلى مثل صلاة الامام وذلك قد يكون بطريق الانفراد وقد يكون بطريق التبعية للامام فلا تتعين جهة التبعية بدون النية من مشايخنا من قال إذا انتظر تكبير الامام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء لان انتظاره تكبيرة الامام قصد منه الاقتداء به وهو تفسير النية وهذا غير سديد لان الانتظار متردد قد يكون لقصد الاقتداء وقد يكون بحكم العادة فلا يصير مقتديا بالشك والاحتمال ولو اقتدى بامام ينوى صلاته ولم يدر انها الظهر أو الجمعة أجزأه أيهما كان لانه بنى صلاته على صلاة الامام وذلك معلوم عند الامام والعلم في حق الاصل يغنى عن العلم في حق التبع والاصل فيه ما روى ان عليا وأبا موسى الاشعري رضى الله عنهما قدما من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقال صلى الله عليه وسلم بم أهللتما فقالا باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوز ذلك لهما وان لم يكن معلوما وقت الاهلال فان لم ينو صلاة الامام ولكنه نوى الظهر والاقتداء فإذا هي جمعة فصلاته فاسدة لانه نوى غير صلاة الامام وتغاير الفرضين يمنع
[ 129 ]
صحة الاقتداء على ما نذكر ولو نوى صلاة الامام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته لانه لما نوى صلاة الامام فقد تحقق البناء فلا يعتبر ما زاد عليه بعد ذلك كمن نوى الاقتداء بهذا الامام وعنده انه زيد فإذا هو عمر وكان اقتداؤه صحيحا بخلاف ما إذا نوى الاقتداء يزيد والامام عمر وثم المقتدى إذا وجد الامام في حال القيام يكبر للافتتاح قائما ثم يتابعه في القيام ويأتى بالثناء وان وجده في الركوع يكبر للافتتاح قائما ثم يكبر أخرى مع الانحطاط للركوع ويتابعه في الركوع ويأتى بتسبيحات الركوع وان وجده في القومة التى بين الركوع والسجود أو في القعدة التى بين السجدتين يتابعه في ذلك ويسكت ولا خلاف في أن المسبوق يتابع الامام في مقدار التشهد إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وهل يتابعه في الزيادة عليه ذكر القدورى انه لا يتاعبه عليه لان الدعاء مؤخر إلى القعدة الاخيرة وهذه قعدة أولى في حقه وروى ابراهيم بن رستم عن محمد انه قال يدعو بالدعوات التى في القرآن وروى هشام عن محمد انه يدعو بالدعوات التى في القرآن ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم يسكت وعن هشام من ذات نفسه ومحمد بن شجاع البلخى انه يكرر التشهد إلى أن يسلم الامام لان هذه قعدة أولى في حقه والزيادة على التشهد في القعدة الاولى غير مسنونة ولا معنى للسكوت في الصلاة الا الاستماع فينبغي أن يكرر التشهد مرة بعد
أخرى (وأما) بيان وقت النية فقد ذكر الطحاوي انه يكبر تكبيرة الافتتاح مخالطا لنيته اياها أي مقارنا أشار إلى ان وقت النية وقت التكبير وهو عندنا محمول على الندب والاستحباب دون الختم والايجاب فان تقديم النية على التحريمة جائز عندنا إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر والقران ليس بشرط وعند الشافعي القران شرط (وجه) قوله ان الحاجة إلى النية لتحقيق معنى الاخلاص وذلك عند الشروع لا قبله فكانت النية قبل التكبير هدر أو هذا هو القياس في باب الصوم الا انه سقط القران هناك لمكان الحرج لان وقت الشروع في الصوم وقت غفلة ونوم ولا حرج في باب الصلاة فوجب اعتباره (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم الاعمال بالنيات مطلقا عن شرط القران وقوله لكل امرئ ما نوى مطلقا أيضا وعنده لو تقدمت النية لا يكون له ما نوى وهذا خلاف النص ولان شرط القران لا يخلو عن الحرج فلا يشترط كما في باب الصوم فإذا قدم النية ولم يشتغل بعمل يقطع نيته يجزئه كذا روى عن أبى يوسف ومحمد فان محمدا ذكر في كتاب المناسك ان من خرج من بيته يريد الحج فاحرم ولم تحضره نية الحج عند الاحرام يجزئه وذكر في كتاب التحرى ان من أخرج زكاة ماله يريد أن يتصدق به على الفقراء فدفع ولم تحضره نية عند الدفع أجزأه وذكر محمد بن شجاع البلخى في نوادره عن محمد في رجل توضأ يريد الصلاة فلم يشتغل بعمل آخر وشرع في الصلاة جازت صلاته وان عريته النية وقت الشروع وروى عن أبى يوسف فيمن خرج من منزله يريد الفرض في الجماعة فلما انتهى إلى الامام كبر ولم تحضره النية في تلك الساعة انه يجوز قال الكرخي ولا أعلم أحدا من أصحابنا خالف أبا يوسف في ذلك وذلك لانه لما عزم على تحقيق ما نوى فهو على عزمه ونيته إلى أن يوجد القاطع ولم يوجد وبه تبين ان معنى الاخلاص يحصل بنية متقدمة لانها موجودة وقت الشروع تقديرا على ما مروعن محمد بن سملة انه إذا كان بحال لو سئل عن الشروع أي صلاة تصلى يمكنه الجواب على البديهة من غير تأمل يجزئه والا فلا وان نوى بعد التكبير لا يجوز الا ما روى الكرخي انه إذا نوى وقت الثناء يجوز لان الثناء من توابع التكبير وهذا فاسد لان سقوط القران لمكان الحرج والحرج يندفع بتقديم النية فلا ضرورة إلى التأخير ولو نوى بعد قوله الله قبل قوله أكبر لا يجوز لان الشروع يصح بقوله الله لما يذكر فكأنه نوى بعد التكبير واما نية الكعبة فقد روى الحسن عن أبى حنيفة أنها شرط لان التوجه إلى الكعبة هو الواجب في الاصل وقد عجز عنه بالبعد فينويها بقلبه والصحيح انه ليس بشرط لان قبلته حالة البعد جهة الكعبة وهى المحاريب لا عين الكعبة لما بينا فيما تقدم فلا حاجة إلى النية وقال بعضهم ان أتى به
فحسن وان تركه لا يضره وان نوى مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام أو المسجد الحرام ولم ينو الكعبة لا يجوز لانه ليس من الكعبة وعن الفقيه الجليل أبى أحمد العياضي انه سئل عمن نوى مقام ابراهيم عليه السلام فقال ان
[ 130 ]
كان هذا الرجل لم يأت مكة أجزأه لان عنده أن البيت والمقام واحد وان كان قد أتى مكة لا يجوز لانه عرف ان المقام غير البيت (ومنها) التحريمة وهى تكبيرة الافتتاح وانها شرط صحة الشروع في الصلاة عند عامة العلماء وقال ابن علية وأبو بكر الاصم انها ليست بشرط ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية من غير تكبير فزعما ان الصلاة أفعال وليست باذكار حتى أنكرا افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدم (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى قبول الصلاة بدون التكبير فدل على كونه شرطا لكن انما يؤخذ هذا الشرط على القادر دون العاجز فلذلك جازت صلاة الاخرس ولان الافعال أكثر من الاذكار فالقادر على الافعال يكون قادرا على الاكثر وللاكثر حكم الكل فكأنه قدر على الاذكار تقديرا ثم لابد من بيان صفة الذكر الذى يصير به شارعا في الصلاة وقد اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومحمد يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير مثل أن يقول الله أكبر الله الاكبر الله الكبير الله أجل الله أعظم أو يقول الحمد لله أو سبحان الله أو لا اله الا الله وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول الرحمن أعظم الرحيم أجل سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن وهو قول ابراهيم النخعي وقال أبو يوسف لا يصير شارعا الا بالفاظ مشتقة من التكبير وهى ثلاثة الله أكبر الله الاكبر الله الكبير الا إذا كان لا يحسن التكبير أو لا يعلم ان الشروع بالتكبير وقال الشافعي لا يصير شارعا الا بلفظين الله أكبر الله الاكبر وقال مالك لا يصير شارعا الا بلفظ واحد وهو الله أكبر واحتج بما روينا من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى القبول بدون هذه اللفظة فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل إذا لتعليل للتعدية لا لابطال حكم النص كما في الاذان ولهذا الايقام السجود على الخدو الذقن مقام السجود على الجبهة وبهذا يحتج الشافعي الا انه يقول في الاكبر أتى بالمشروع وزيادة شئ فلم تكن الزيادة مانعة كما إذا قال الله أكبر كبيرا فاما العدول عما ورد الشروع به فغير جائز وأبو يوسف يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبير والتكبير حاصل بهذه الالفاظ الثلاثة فان أكبر هو
الكبير قال الله تعالى وهو أهون عليه أي هين عليه عند بعضهم إذ ليس شئ أهون على الله من شئ بل الاشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشئ واحد والتكبير مشتق من الكبرياء والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم يقال هذا أكبر القوم أي أعظمهم منزلة وأشرفهم قدر أو يقال هو أكبر من فلان أي أقدم منه فلا يمكن اقامة غيره من الالفاظ مقامه لانعدام المساواة في المعنى الا انا حكمنا بالجواز إذا لم يحسن أولا يعلم ان الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة وأبو حنيفة ومحمد احتجا بقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة لانه عقب الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل والذكر الذى تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء باخبار الاحاد وبه تبين ان الحكم تعلق بتلك الالفاظ من حيث هي مطلق الذكر لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص وان الحديث معلول به لانا إذا عللناء بما ذكر بقى معمولا به من حيث اشتراط مطلق الذكر ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلا لمخالفته الكتاب فإذا ترك التعليل هو المؤدى إلى ابطال حكم النص دون التعليل على ان التكبير يذكر ويراد به التعظيم قال تعالى وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما وقال تعالى فلما رأينه أكبرنه أي عظمته وقال تعالى وربك فكبر أي فعظم فكان الحديث وارد بالتعظيم وبأى اسم ذكر فقد عظم الله تعالى وكذا من سبح الله تعالى فقد عظمه ونزهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدث فصار واصفا له بالعظمة والقدم وكذا إذا هلل لانه إذا وصفه بالتفرد والالوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الالهية دونهما وانما لم يقم السجود على الخد مقام السجود على الجبهة للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد بخلاف الاذان لان المقصود منه هو الاعلام وانه لا يحصل الا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما بين الناس حتى لو حصل الاعلام بغير هذه
[ 131 ]
الالفاظ يجوز كذا روى الحسن عن أبى حنيفة وكذا روى أبو يوسف في الامالى والحاكم في المنتقى والدليل على ان قوله الله أكبر أو الرحمن أكبر سواء قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى ولهذا يجوز الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم فكذا هذا والذى يحقق مذهبهما ما روى عن عبد الرحمن السلمى ان الانبياء صلوات الله عليهم كانوا يفتتحون الصلاة بلا اله الا الله ولنا بهم اسوة هذا إذا ذكر الاسم والصفة فاما إذا ذكر الاسم لا غير بان قال الله لا يصير شارعا عند محمد وروى الحسن عن أبى حنيفة انه يصير شارعا وكذا روى بشر عن
أبى يوسف عن أبى حنيفة (لمحمد) أن النص ورد بالاسم والصفة فلا يجوز الاكتفاء بمجرد الاسم (ولابي) حنيفة ان النص معلول بمعنى التعظيم وأنه يحصل بالاسم المجرد والدليل عليه انه يصير شارعا بقوله لا اله الا الله والشروع انما يحصل بقوله الله لا بالنفى ولو قال اللهم اغفر لى لا يصير شارعا بالاجماع لانه لم بخلص تعظيما لله تعالى بل هو للمسألة والدعاء دون خالص الثناء والتعظيم ولو قال اللهم اختلف المشايخ فيه لاختلاف اهل اللغة في معناه قال بعضهم يصير شارعا لان الميم في قوله اللهم بدل عن النداء كأنه قال يا الله وقال بعضهم لا يصير شارعا لان الميم في قوله اللهم بمعنى السؤال معناه اللهم آمنا بخير أي أردنا به فيكون دعاء لاثناء خالصا كقوله اللهم اغفر لي ولو افتتح الصلاة بالفارسية بان قال خداى بزركنر أو خداى بزرك يصير شارعا عند أبى حنيفة وعندهما لا يصير شارعا الا إذا كان لا يحسن العربية ولو ذبح وسمى بالفارسية يجوز بالاجماع فأبو يوسف مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه والمنصوص عليه لفظة التكبير بقوله صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبير وهى لا تحصل بالفارسية وفى باب الذبح المنصوص عليه هو مطلق الذكر بقوله فاذكروا اسم الله عليها صواف وذا يحصل بالفارسية ومحمد فرق فجوز النقل إلى لفظ آخر من العربية ولم يجوز النقل إلى الفارسية فقال العربية لبلاغتها ووجازتها تدل على معان لا تدل عليها الفارسية فتحتمل الخلل في المعنى عند النقل منها إلى الفارسية وكذا للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الا لسنة ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى الاجابة ولذلك خص الله تعالى أهل كرامته في الجنة بالتكلم بهذه اللغة فلا يقع غيرها من الا لسنة موقع كلام العرب الا انه إذا لم يحسن جاز لمكان العذر وأبو حنيفة اعتمد كتاب الله تعالى في اعتبار مطلق الذكر واعتبر معنى التعظيم وكل ذلك حاصل بالفارسية ثم شرط صحة التكبير أن يوجد في حالة القيام في حق القادر على القيام سواء كان اماما أو منفردا أو مقتديا حتى لو كبر قاعدا ثم قام لا يصير شارعا ولو وجد الامام في الركوع أو السجود والقعود ينبغى أن يكبر قائما ثم يتبعه في الركن الذى هو فيه ولو كبر للافتتاح في الركن الذى هو فيه لا يصير شارعا لعدم التكبير قائما مع القدره عليه (ومنها) تقدم قضاء الفائتة التى يتذكرها إذا كانت الفوائت قليلة وفى الوقت سعة هو شرط جواز اداء الوقتية فهذا عندنا وعند الشافعي ليس بشرط ولقب المسألة أن الترتيب بين القضاء والاداء شرط جواز الاداء عندنا وانما يسقط بمسقط وعنده ليس بشرط أصلا ويجوز اداء الوقتية قبل قضاء الفائتة فيقع الكلام فيه في الاصل في موضعين أحدهما في اشتراط هذا النوع من الترتيب والثانى في بيان ما يسقطه (أما) الاول فجملة الكلام فيه أن الترتيب في الصلاة على أربعة أقسام أحدها الترتيب في اداء هذه الصلوات
الخمس والثانى الترتيب في قضاء الفائتة واداء الوقتية والثالث الترتيب في الفوائت والرابع الترتيب في أفعال الصلاة (أما) الاول فلا خلاف في أن الترتيب في اداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها شرط جواز أدائها حتى لا يجوز اداء الظهر في وقت الفجر والاداء العصر في وقت الظهر لان كل واحدة من هذه الصلوات لا تجب قبل دخول وقتها واداء الواجب قبل وجوبه محال واختلف فيما سوى ذلك (أما) الترتيب بين قضاء الفائتة واداء الوقتية فقد قال أصحابنا انه شرط وقال الشافعي ليس بشرط وجه قوله أن هذا الوقت صار للوقتية بالكتاب والسنة المتواترة واجماع الامة فيجب اداؤها في وقتها كما في حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكر فان ذلك وقتها وفى بعض الروايات لا وقت لهما الا ذلك فقد جعل وقت التذكر وقت الفائتة فكان اداء الوقتية قبل قضاء الفائتة اداء قبل وقتها فلا يجوز
[ 132 ]
وروى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نسى صلاة فلم يذكرها الا وهو مع الامام فليصل مع الامام وليجعلها تطوعا ثم ليقض ما تذكر ليعد ما كان صلاة مع الامام وهذا عين مذهبنا انه تفسد الفرضية للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها ويلزمه الاعادة بخلاف حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان لانا انما عرفنا كون هذا الوقت وقتا للوقتية بنص الكتاب والسنة المتواترة والاجماع وعرفنا كونه وقتا للفائتة بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد انما يجب على وجه لا يؤدى إلى ابطال العمل بالدليل المقطوع به والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت ابطال العمل به لانه تفويت للوقتية عن الوقت وكذا عند كثرة الفوائت لان الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت فتفوت الوقتية عن وقتها ولان الشرع انما جعل الوقت وقنا للفائتة لتدارك ما فات فلا يصير وقتا لها على وجه يؤدى إلى تفويت صلاة أخرى وهى الوقتية ولان جعل الشرع وقت التذكر وقتا للفائتة على الاطلاق ينصرف إلى وقت ليس بمشغول لان المشغول لا يشغل كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه (وأما) النسيان فلان خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة ولا تذكر ههنا فلم يصير الوقت وقتا للفائتة فبقى وقتا للوقتية فاما ههنا فقد وجد التذكر فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد وليس في هذا ابطال العمل بالدليل المقطوع به بل هو جمع بين الدلائل إذ لا يفوته شئ من الصلوات عن وقتها وليس فيه أيضا شغل ما هو مشغول وهذا لانه لو أخر الوقتية وقضى الفائتة تبين أن وقت الوقتية ما تصل به الاداء وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتا لها
بل كان وقتا للفائتة بخبر الواحد فلا يؤدى إلى ابطال العمل بالدليل المقطوع به فاما عند ضيق الوقت وان لم يتصل به اداء الوقتية لا يتبين أنه ما كان وقتا له حتى تصير الصلاة فائتة وتبقى دينا عليه وعلى هذا الخلاف الترتيب في الفوائت أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة عندنا يجب مراعاته بين الفوائت إذا انت الفوائت في حد القلة عندنا أيضا لان قلة الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الاداء فكذا في القضاء والاصل فيه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق قضاهن بعد هوى من الليل على الترتيب ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلى ويبنى على هذا إذا ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين ولا يدرى أيتهما أولى فانه يتحرى لانه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين وهو الترتيب فيصار إلى التحرى لانه عند انعدام الادلة قام مقام الدليل الشرعي كما إذا اشتبهت عليه القلة فان مال قلبه إلى شئ عمل به لانه جعل كالثابت بالدليل وان لم يستقر قلبه على شئ وأراد الاخذ بالثقة يصليهما ثم يعيد ما صلى أولا أيتهما كانت الا أن البداءة بالظهر أولى لانها أسبق وجوبا في الاصل فيصلى الظهر ثم العصر ثم الظهر لان الظهر لو كانت هي التى فاتت أولا فقد وقعت موقعها وجازت وكانت الظهر التى أداها بعد العصر ثانية نافلة له ولو كانت العصر هي المتروكة أولا كانت الظهر التى أداها قبل العصر نافلة فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موضعها وجازت ثم إذا أدى الظهر بعدها وقعت موقعها وجازت فيعمل كذلك ليخرج عما عليه بيقين وهذا قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا نأمره لا بالتحرى كذا ذكره أبو الليث ولم يذكر أنه إذا استقر قلبه على شئ كيف يصنع عندهما وذكر الشيخ الامام صدر الدين أبو المعين انه يصلى كل صلاة مرة واحدة وقيل لا خلاف في هذه المسألة على التحقيق لانه ذكر الاستحباب على قول أبى حنيفة وهما ما بينا الاستحباب وذكر عدم وجوب الاعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الاعادة وجه قولهما أن الواجب في موضع الشك والاشتباه هو التحرى والعمل به لا الاخذ باليقين ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يعمل بالتحرى ولا يأخذ باليقين بأن يصلى صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات وكذا من شك في صلاة واحدة فلم يدرا ثلاثا صلى أم أربعا يتحرى ولا يبنى على اليقين وهو الاقل كذا هذا ولانه لو صلى احدى الصلاتين مرتين فانما يصلى مراعاة للترتيب والترتيب في هذه الحالة ساقط لانه حين بد أباحداهما لم يعلم يقينا أن عليه صلاة أخرى قبل هذه لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب (ولابي) حنيفة أنه مهما أمكن الاخذ باليقين كان أولى الا إذا تضمن فإذا كما في مسألة القبلة فان الاخذ بالثقة ثمة يؤدى إلى الفساد
[ 133 ]
حيث يقع ثلاث من الصلوات إلى غير القبلة بيقين ولا تجوز الصلاة إلى غير القبلة بيقين من غير ضرورة فيتعذر العمل باليقين دفعا للفساد وهها لا فساد لان أكثر ما في الباب أنه يصلى احدى الصلاتين مرتين فتكون احداهما تطوعا وكذا في المسألة الثانية انما لا يبنى على الاقل لاحتمال الفساد لجواز أنه قد صلى أربعا فيصير بالقيام إلى الاخرى تاركا للقعدة الاخيرة وهى فرض فتفسد صلاته ولو أمر بالقعدة أولا ثم بالركعة لحصلت في الثالثة وأنه غير مشروع وههنا يصير آتيا بالواجب وهو الترتيب من غير أن يتضمن فسادا فكان الاخذ بالاحتياط أولى وصار هذا كما إذا فاتته واحدة من الصلوات الخمس ولا يدرى أيتها هي أنه يؤمر باعادة صلاة يوم وليلة احتياطا كذا ههنا (أما) قولهما حين بد أحداهما لا يعلم يقينا أن عليه أخرى قبل هذه فكان الترتيب عنه ساقطا فنقول حين صلى هذه يعلم يقينا أن عليه أخرى لكنه لا يعلم انها سابقة على هذه أو متأخرة عنها فان كانت سابقة عليها لم تجز المؤداة لعدم مراعاة الترتيب وان كانت الموداة سابقة جازت فوقع الشك في الجواز فصارت المؤداة أول مرة دائرة بين الجواز والفساد فلا يسقط عنه الواجب بيقين عند وقوع الشك في الجواز فيؤمر بالاعادة والله أعلم ولو شك في ثلاث صلوات الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ذكر القدورى أن المتأخرين اختلفوا في هذا منهم من قال انه يسقط الترتيب لان ما بين الفوائت يزيد على هذا ست صلوات فصارت الفوائت في حد الكثرة فلا يجب اعتبار الترتيب في قضائها فيصلى أية صلاة شاء وهذا غير سديد لان موضع هذه المسائل في حالة النسيان على ما يذكر والترتيب عند النسيان ساقط فكانت المؤديات بعد الفائتة في أنفسها جائزة لسقوط الترتيب فبقيت الفوائت في أنفسها في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها فينبغي أن يصلى في هذه الصورة سبع صلوات يصلى الظهر أولا ثم العصر ثم الظهر ثم المغرب ثم الظهر ثم العصر ثم الظهر مراعاة للترتيب بيقين والاصل في ذلك أن يعتبر الفائتتين إذا انفردنا فيعيدهما على الوجه الذى بينا ثم يأتي بالثالثة ثم يأتي بعد الثالثة ما كان يفعله في الصلاتين وعلى هذا إذا كانت الفوائت أربعا بأن ترك العشاء من يوم آخر فانه يصلى سبع صلوات كما ذكرنا في المغرب ثم يصلى العشاء ثم يصلى بعدها سبع صلوات مثل ما كان يصلى قبل الرابعة فان قيل في الاحتياط ههنا حرج عظيم فانه إذا فانته خمس صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أيام المختلفة لا يدرى أي ذلك أول يحتاج إلى أن يؤدى احدى وثلاثين صلاة وفيه من الحرج ما لا يخفى فالجواب أن بعض مشايخنا قالوا ان ما قالاه هو الحكم
المراد لانه لا يمكن ايجاب القضاء مع الاحتمال الا أن ما قاله أبو حنيفة احتياط لا حتم ومنهم من قال لابل الاختلاف بينهم في الحكم المراد واعادة الاولى واجبة عند أبى حنيفة لان الترتيب في القضاء واجب فإذا لم يعلم به حقيقة وله طريق في الجملة يجب المصير إليه وهذا وان كان فيه نوع مشقة لكنه مما لا يغلب وجوده فلا يؤدى إلى الحرج ثم ما ذكرنا من الجواب في حالة النسيان بأن صلى أياما ولم يخطر بباله أنه ترك شيأ منها ثم تذكر الفوائت ولم يتذكر الترتيب فاما إذا كان ذاكر اللفوائت حتى صلى أيامها مع تذكرها ثم نسى سقط الترتيب ههنا لان الفوائت صارت في حد الكثرة لان المؤديات بعد الفوائت عندهما فاسدة إلى الست وإذا فسدت كثرت الفوائت فسقط الترتيب فله أن يصلى أية صلاة شاه من غير الحاجة إلى التحرى وأما على قياس قول أبى حنيفة لا يسقط الترتيب لان المؤديات عنده تنقلب إلى الجواز إذا بلغت مع الفائتة ستا وإذا انقلبت إلى الجواز بقيت الفوائت في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها فالحاصل أنه يجب النظر إلى الفوائت فما دامت في حد القلة وجب مراعاة الترتيب فيها وإذا كثرت سقط الترتيب فيها لان كثرة الفوائت تسقط الترتيب في الاداء فلان يسقط في القضاء أولى هذا إذا شك في صلاتين فأكثر فأما إذا شك في صلاة واحدة فائتة ولا يدرى أية صلاة هي يجب عليه التحرى لما قلنا فان لم يستقر قلبه على شئ يصلى خمس صلوات ليخرج عما عليه بيقين وقال محمد بن مقاتل الرازي انه يصلى ركعتين ينوى بهما الفجر ويصلى ثلاث ركعات أخر بتحريمة على حدة ينوى بها المغرب ثم يصلى أربعا ينوى بها ما فائتة فان كانت الفائتة ظهرا أو عصرا أو عشاء انصرفت هذه إليها وقال سفيان الثوري يصلى أربعا ينوى بها ما
[ 134 ]
عليه لكن بثلاث قعدات فيقعد على رأس الركعتين والثلاث والاربع وهو قول بشر حتى لو كانت المتروكة فجر الجازت لقعوده على رأس الركعتين والثانى يكون تطوعا ولو كانت المغرب لجازت لقعوده على الثلاث ولو كانت من ذوات الاربع كانت كلها فرضا وخرج عن العهدة بيقين الا ان ما قلناه أحوط لان من الجائز أن يكون عليه صلاة أخرى كان تركها في وقت آخر ولو نوى ما عليه ينصرف إلى تلك الصلاة أو يقع التعارض فلا ينصرف إلى هذه التى يصلى فيعيد صلاة يوم وليلة ليخرج عن عهدة ما عليه بيقين وعلى هذا لو ترك سجدة من صلب صلاة مكتوبة ولم يدر أية صلاة هي يؤمر باعادة خمس صلوات لانها من أركان الصلاة فصار الشك فيها كالشك في الصلاة (وأما) بيان ما يسقط به الترتيب فالترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية يسقط باحد خصال
ثلاث أحدها ضيق الوقت بأن يذكر في آخر الوقت بحيث لو اشتغل بالفائتة يخرج الوقت قبل أداء الوقتية سقط عنه الترتيب في هذه الحالة لما ذكرنا ان في مراعاة الترتيب فيها ابطال العمل بالدليل المقطوع به بدليل فيه شبهة وهذا لا يجوز ولو تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر بعد ما تغيرت الشمس فانه يصلى العصر ولا يجزئه قضاء الظهر لما ذكرنا فيما تقدم ان قضاء الصلاة في هذا الوقت قضاء الكامل بالناقص بخلاف عصر يومه وأما إذا تذكرها قبل تغير الشمس لكنه بحال لو اشتغل بقضائها لدخل عليه وقت مكروه لم يذكر في ظاهر الرواية واختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجوز له أن يؤدى العصر قبل أن يراعى الترتيب فيقضى الظهر ثم يصلى العصر لانه لا يخاف خروج الوقت فلم يتضيق الوقت فبقى وجوب الترتيب وقال بعضهم لا بل يسقط الترتيب فيصلى العصر قبل الظهر ثم يصلى الظهر بعد غروب الشمس وذكر الفقيه أبو جعفر الهندوانى وقال هذا عندي على الاختلاف الذى في صلاة الجمعة وهو ان من تذكر في صلاة الجمعة انه لم يصل الفجر ولو اشتغل بالفجر يخاف فوت الجمعة ولا يخاف فوت الوقت على قول أبى حنيفة وأبى يوسف يصلى الفجر ثم الظهر فلم يجعلا فوت الجمعة عذرا في سقوط الترتيب وعلى قول محمد يصلى الجمعة ثم الفجر فجعل فوت الجمعة عذار في سقوط الترتيب فكذا في هذه المسألة على قولهما يجب أن لا يجوز العصر وعليه الظهر فيصلى الظهر ثم العصر وعلى قول محمد يمضى على صلاته ولو افتتح العصر في أول الوقت وهو ذاكر أن عليه الظهر وأطال القيام والقراءة حتى دخل عليه وقت مكروه لا تجوز صلاته لان شروعه في العصر مع ترك الظهر لم يصح فيقطع ثم يفتتحها ثانيا ثم يصلى الظهر بعد الغروب ولو افتتحها وهو لا يعلم ان عليه الظهر فأطال القيام والقراءة حتى دخل وقت مكروه ثم تذكر يمضى على صلاته لان المسقط للترتيب قد وجد عند افتتاح الصلاة واختتامها وهو النسيان وضيق الوقت ولو افتتح العصر في حال ضيق الوقت وهو ذاكر للظهر فلما صلى منها ركعة أو ركعتين غربت الشمس القياس أن يفسد العصر لان العذر قد زال وهو ضيق الوقت فعاد الترتيب وفى الاستحسان يمضى فيها ثم يقضى الظهر ثم يصلى المغرب ذكره في نوادر الصلاة (والثانى) النسيان لما ذكرنا أن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة ولا تذكر ههنا فوجب العمل بالدليل المقطوع به وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوما ثم قال رأني أحد منكم صليت العصر فقالوا لا فصلى العصر ولم يعد المغرب ولو وجب الترتيب لا عاد وعلى هذا لو صلى الظهر على غير وضوء وصلى العصر بوضوء وهو ذاكر لما صنع فأعاد الظهر ولم يعد العصر وصلى المغرب وهو يظن أن العصر تجزئه أعاد العصر ولم يعد المغرب لان أداء
الظهر على غير وضوء والامتناع عنه بمنزلة فوات شرط أهلية الصلاة فحين صلى العصر وهو يعلم أن الظهر غير جائزة ولو لم يعلم وكان يظن انها جائزة لم يكن هذا الظن معتبرا لانه نشأ عن جهل والظن انما يعتبر إذا نشأ عن دليل أو شبهة دليل ولم يوجد فكان هذا جهلا محضا فقد صلى العصر وهو عالم ان عليه الظهر فكان مصليا العصر في وقت الظهر فلم يجز ولو صلى المغرب قبل اعادتهما جميعا لو يجوز لانه صلى المغرب وهو يعلم أن عليه الظهر فصار المغرب في وقت الظهر فلم يجز فأما لو كان أعاد الظهر ولم يعد العصر فظن جوازها ثم صلى المغرب فانه يؤمر باعادة العصر ولا يؤمر باعادة المغرب لان ظنه ان عصره جائز ظن معتبر لانه نشأ عن شبهة دليل ولهذا خفى على الشافعي فحين
[ 135 ]
صلى المغرب صلاها وعنده أن لا عصر عليه لانه أداها بجميع أركانها وشرائطها المختصة بها انما خفى عليه ما يخفى بناء على شبهة دليل ومن صلى المغرب وعنده أن لا عصر عليه حكم بجواز المغرب كما لو كان ناسيا للعصر بل هذا فوق النسيان لان ظن الناسي لم ينشأ عن شبهة دليل بل عن غفلة طبيعة وهذا الظن نشأ عن شبهة دليل فكان هذا فوق ذلك ثم هناك حكم بجواز المغرب فههنا أولى ثم العلم بالفائتة كما هو شرط لوجوب الترتيب فالعلم بوجوبها حال الفوات شرطا وجوب قضائها حتى ان الحربى إذا أسلم في دار الحرب ومكث فيها سنة ولم يعلم أن عليه الصلاة فلم يصل ثم علم لا يجب عليه قضاؤها في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر عليه قضاؤها ولو كان هذا ذميا أسلم في دار الاسلام فعليه قضاؤه استحسانا والقياس أن لا قضاء عليه وهو قول الحسن وجه قول زفرانه بالاسلام التزم احكامه ووجوب الصلاة من أحكام الاسلام فيلزمه ولا يسقط بالجهل كما لو كان هذا في دار الاسلام (ولنا) ان الذى أسلم في دار الحرب منع عنه العلم لانعدام سبب العلم في حقه ولا وجوب على من منع عنه العلم كما لا وجوب على من منع عنه القدرة بمنع سببها بخلاف الذى أسلم في دار الاسلام لانه ضيع العلم حيث لم يسأل المسلمين عن شرائع الدين مع تمكنه من السؤال والوجوب متحقق في حق من ضيع العلم كما يتحقق في حق من ضيع القدرة ولم يوجد التضييع ههنا إذ لا يوجد في الحرب من يسأله عن شرائع الاسلام حتى لو وجد ولم يسأله يجب عليه ويؤاخذ بالقضاء إذا علم بعد ذلك لانه ضيع العلم وما منع منه كالذى أسلم في دار الاسلام وقد خرج الجواب عما قاله زفر أنه التزم أحكام الاسلام لانا نقول نعم لكن حكما له سبيل الوصول إليه ولم يوجد فان بلغه في دار الحرب رجل واحد فعليه القضاء فيما يترك بعد ذلك في قول أبى يوسف ومحمد وهو احدى الروايتين عن أبى حنيفة وفى
رواية الحسن عنه لا يلزمه ما لم يخبره رجلان أو رجل وامرأتان وجه هذه الرواية ان هذا خبر ملزم ومن أصله اشتراط العدد في الخبر الملزم كما في الحجر على المأذون وعزل الوكيل والاخبار بجناية العبد وجه الرواية الاخرى وهى الاصح ان كل واحد مأمور من صاحب الشرع بالتبليغ قال النبي صلى الله عليه وسلم الا فليبلغ الشاهد الغائب وقال صلى الله عليه وسلم نضر الله امر أسمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من لم يسمعها فهذا المبلغ نظير الرسول من المولى والموكل وخبر الرسول هناك ملزم فههنا كذلك والله أعلم (والثالث) كثرة الفوائت وقال بشر المريسى الترتيب لا يسقط بكثرة الفوائت حتى ان من ترك صلاة واحدة فصلى في جميع عمره وهو ذاكر للفائتة فصلاة عمره على الفساد ما لم يقض الفائتة وجه قوله ان الدليل الموجب للترتيب لا يوجب الفصل بين قليل الفائت وكثيره ولان كثرة الفوائت تكون عن كثة تفريطه فلا يستحق به التخفيف (ولنا) ان الفوائت إذا كثرت لو وجب مراعاة الترتيب معها لفائت الوقتية عن الوقت وهذا لا يجوز لما ذكرنا ان فيه ابطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بخبر الواحد ثم اختلف في حد أدنى الفوائت الكثيرة في ظاهر الرواية أن تصير الفوائت ستا فإذا خرج وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السابعة قبلها وروى ابن سماعة عن محمد هو أن تصير الفوائت خمسا فإذا دخل وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السادسة وعن زفرانه يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر ولم يروعنه أكثر من شهر فكأنه جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر وجه ما روى عن محمد ان الكثير في كل باب كل جنسه كالجنون إذا استغرق الشهر في باب الصوم والصحيح جواب ظاهر الرواية لان الفوائت لا تدخل في حد التكرار بدخول وقت السادسة وانما تدخل بخروج وقت السادسة لان كل واحدة منها تصير مكروة فعلى هذا لو ترك صلاة ثم صلى بعدها خمس صلوات وهو ذاكر للفائتة فانه يقضيهن لانهن في حد القلة بعد ومراعاة الترتيب واجبة عند قلة الفوائت لانه يمكن جعل الوقت وقتا لهن على وجه لا يؤدى إلى اخراجه من أن يكون وقتا للوقتية فصار مؤديا كل صلاة منها في وقت المتروكة والمتروكة قبل المؤداة فصار مؤديا المؤداة قبل وقتها فلم يجز وعلى قياس ما روى عن محمد يقضى المتروكة وأربعا بعدها لان السادسة جائزة ولو لم يقضها حتى صلى السابعة فالسابعة جائزة بالاجماع لان وقت السابعة وهى المؤداة السادسة لم يجعل وقتا للفوائت
[ 136 ]
لانه لو جعل وقتا لهن لخرج من أن يكون وقتا للوقتية لاستيعاب تلك الفوائت هذا الوقت وفيه ابطال العمل بالدليل
المقطوع به بخبر الواحد على ما بينا فبقى وقتا للوقتية فإذا أداها حكم بجوازها لحصولها في وقتها بخلاف ما إذا كانت المؤديات بعد المتروكة خمسا لان هناك أمكن ان يجعل الوقت وقفا للفائتة على وجه لا يخرج من أن يكون وقتا للوقتية فيجعل عملا بالدليلين ثم إذا صلى السابعة تعود المؤديات الخمس إلى الجواز في قول أبى حنيفة وعليه قضاء الفائتة وحدها استحسانا وعلى قولهما عليه قضاء الفائتة وخمس صلوات بعدها وهو القياس وعلى هذا إذا ترك خمس صلوات ثم صلى السادسة وهو ذاكر للفوائت فالسادسة موقوفة عند أبى حنيفة حتى لو صلى السابعة تنقلب السادسة إلى الجواز عنده وعليه قضاء الخمس وعندهما لا تنقلب وعليه قضاء الست وكذلك لو ترك صلاة ثم صلى شهرا وهو ذكر للفائتة فعليه قضاؤها لا غير عند أبى حنيفة وعندهما عليه قضاء الفائتة وخمس بعدها الا على قياس ما روى عن محمد ان عليه قضاء الفائتة وأربع بعدها وعلى قول زفر يعيد الفائتة وجميع ما صلى بعدها من صلاة الشهر وهذه المسألة التى يقال لها واحدة تصحح خمسا وواحدة تفسد خمسا لانه ان صلى السادسة قبل القضاء صح الخمس عند أبى حنيفة وان قضى المتروكة قبل أن يصلى السادسة فسدت الخمس وجه قولهما أن كل مؤداة إلى الخمس حصلت في وقت المتروكة لانه يمكن جعل ذلك الوقت وقتا للمتروكة لكون المتروكة في حد القلة ووقت المتروكة قبل وقت هذه المؤداة فحصلت المؤداة قبل وقتها ففسدت فلا معنى بعد ذلك للحكم بجوازها ولا للحكم بتوقفها للحال (وأما) وجه قول أبى حنيفة فقد اختلف فيه عبارات المشايخ قال مشايخ بلخ انا وجدنا صلاة بعد المتروكة جائزة وهى السادسة وقد أداها على نقص التركيب وترك التأليف فكذا يحكم بجواز ما قبلها وان أداها على ترك التأليف ونقص التركيب وهذه نكتة واهية لانه جمع بين السادسة وبين ما قبلها في الجواز من غير جامع بينهما بل مع قيام المعنى المفرق لما ذكرنا أن وقت السادسة ليس بوقت للمتروكة على ما قررنا ووقت كل صلاة مؤداة قبل السادسة وقت للمتروكة فكان أداء السادسة أداء في وقتها فجازت وأداء كل مؤداة أداء قبل وقتها فلم تجز (وقال) مشايخ العراق ان الكثرة علة سقوط الترتيب فإذا أدى السادسة فقد تثبت الكثرة وهى صفة للكل لا محالة فاستندت إلى أول المؤديات فتستند لحكمها فيثبت الجواز للكل وهذه نكتة ضعيفة أيضا لان الكثرة وان صارت صفة للكل لكنها نثبت للحال الا أن يتبين أن أول المؤديات كما أديت تثبت لها صفة الكثرة قبل وجود ما يتعقبها لاستحالة كثرة الوجود بما هو في حيز العدم بعد ولو اتصفت هي بالكثرة ولا تتصف الذات بها وحدها لاستحالة كون الواحد كثيرا بما يتعقبها من المؤديات وتلك معدومه فيؤدى إلى اتصاف المعدوم
بالكثرة وهو محال فدل أن صفة الكثرة تثبت للكل مقتصرا على وجود الاخيرة منها كما إذا خلق الله تعالى جوهرا واحدا لم يتصف بكونه مجتمعا فلو خلق منضما إليه جوهرا آخر لا يطلق اسم المجتمع على كل واحدا منهما مقتصرا على الحال لما بينا فكذا هذا على أنا ان سلمنا هذه الدعوى الممتنعة على طريق المساهلة فلا حجة لهم فيها أيضا لان المؤداة الاولى وان اتصفت بالكثرة من وقت وجودها لكن لا ينبغى أن يحكم بجوازها وسقوط الترتيب لان سقوط الترتيب كان متعلقا لمعنى وهو استيعاب الفوائت وقت الصلاة وتفويت الوقتية عن وقتها عند وجوب مراعاة الترتيب فلم تجب المراعاة لئلا يؤدى إلى ابطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بما ثبت بخبر الواحد وهذا المعنى منعدم في المؤديات الخمس وان اتصفت بالكثرة ولان هذا يؤدى إلى الدور فان الجواز وسقوط الترتيب بسبب صفة كثرة الفوائت ومتى حكم بالجواز لم تبق كثرة الفوائت فيجئ الترتيب ومتى جاء الترتيب جاء الفساد فلا يمكن القول بالجواز فثبت أن الوجهين غير صحيحين والوجه الصحيح لتصحيح مذهب أبى حنيفة ما ذكره الشيخ الامام أبو المعين وهو أن أداء السادسة من المؤديات حصل في وقت هو وقتها بالدلائل أجمع وليس بوقت للفائتة بوجه من الوجوه لما ذكرنا ان في جعل هذا الوقت وقتا للفائتة ابطال العمل بالدليل المقطوع به فسقط العمل بخبر الواحد أصلا وانتهى ما هو وقت الفائتة فإذا قضيت الفائتة بعد
[ 137 ]
أداء السادسة من المؤديات التحقت بمحلها الاصلى وهو وقتها الاصلى لانه لابد لها من محل فالتحقاقها بمحلها أولى لوجهين أحدهما أنه لا مزاحم لها في ذلك الوقت لانه وقت متعين له وله في هذا الوقت مزاحم لانه وقت خمس صلوات وليس البعض في القضاء في هذا الوقت أولى من البعض فالتحاقها بوقت لا مزاحم لها فيه أولى (والثانى) أن ذلك وقته بالدليل المقطوع به وهذا وقت غيره بالدليل المقطوع به وانما يجعل وقتا له بخبر الواحد فيرجع ذلك على هذا فالتحقت بمحلها الاصلى حكما والثابت حكما كالثابت حقيقية وإذا التحقت بمحلها الاصلى تبين أن الخمس المؤديات أديت في أوقاتها فحكم بجوازها بخلاف ما إذا قضيت المتروكة قبل أداء السادسة لانها قضيت في وقت هو وقتها من حيث الظاهر لان خبر الواحد اوجب كونه وقتا لها فإذا قضيت فيما هو وقتها ظاهرا تتقرر فيه ولا تلتحق بمحلها الاصلى فلم يتبين أن المؤديات الخمس أديت بعد الفائتة بل تبين انها أديت قبل الفائتة لاستقرار الفائتة بمحل قضائها وعدم التحاقها بمحلها الاصلى فحكم بفساد المؤديات وبخلاف حال النسيان
وضيق الوقت إذا أدى الوقتية ثم قضى الفائتة حيث لا تجب اعادة الوقتية ولو التحقت الفائتة بمحلها الاصلى لوجب اعادة الوقتية لانه تبين انها حصلت قبل وقت الفائتة لان هناك المؤدى حصل في وقت هو وقت لها من جميع الوجوه على ما مر فاداء الفائتة بعد ذلك لا يخرج هذا الوقت من أن يكون وقتا للمؤداة فتقررت المؤداة في محلها من جميع الوجوه والتحقت الفائتة في حق المؤداة بصلاة وقتها بعد وقت المؤداة فلم يؤثر ذلك في افساد المؤداة وهذا بخلاف ما إذا قام المصلى وقرأ وسجد ثم ركع حيث لم يلتحق الركوع بمحله وهو قبل السجود حتى كان لا يجب اعادة السجود ومع ذلك لم يلتحق حتى يجب اعادة السجود لان الشئ انما يجعل حاصلا في محله ان لو وجد شئ آخر في محله بعده ووقع ذلك الشئ معتبرا في نفسه فإذا حصل هذا التحق بمحله وهناك السجود وقع قبل أو انه فما وقع معتبرا فلغا فبعد ذلك كان الركوع حاصلا في محله فلابد من تحصيل السجدة بعد ذلك في محلها والله الموفق (وقالوا) فيمن ترك صلوات كثيرة مجانة ثم ندم على ما صنع واشتغل باداء الصلوات في مواقتيها قبل أن يقضى شيأ من الفوائت فترك صلاة ثم صلى أخرى وهو ذاكر لهذه الفائتة الحديثة انه لا يجوز ويجعل الفوائت الكثيرة القديمة كأنها لم تكن ويجب عليه مراعاة الترتيب والقياس أن يجوز لان الترتيب قد سقط عنه لكثرة الفوائت وتضم هذه المتروكة إلى ما مضى الا أن المشايخ استحسنوا فقال انه لا يجوز احتياطا زجرا للسفهاء عن التهاون بامر الصلاة ولئلا تصير المقضية وسيلة إلى التخفيف ثم كثرة الفوائت كما تسقط الترتيب في الاداء تسقطه في القضاء لانها لما عملت في اسقاط الترتيب في غيرها فلان تعمل في نفسها أولى حتى لو قضى فوائت الفجر كلها ثم الظهر كلها ثم العصر كلها هكذا جاز وروى ابن سماعة عن محمد فيمن ترك صلاة يوم وليلة وصلى من الغد مع كل صلاة صلاة قال الفوائت كلها جائزة سواء قدمها أو أخرها وأما الوقتية فان قدمها لم يجز شئ منها لانه متى صلى واحدة منها صارت الفوائت ستا لكنه متى قضى فائتة بعدها عادت خمسا ثم وثم فلا تعود إلى الجواز وان أخرها لم يجز شئ منها الا العشاء الاخيرة لانه كلما قضى فائتة عادت الفوائت أربعا دو فسدت الوقتية الا العشاء لانه صلاها وعنده أن جميع ما عليه قد قضاء فاشبه الناسي (وأما) الترتيب في أفعال الصلاة فانه ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر شرط وبيان ذلك في مسائل إذا أدرك أول صلاة الامام ثم نام خلفه أو سبقه الحدث فسبقه الامام ببعض الصلاة ثم انتبه من نومه أو عاد من وضوئه فعليه أن يقضى ما سبقة الامام به ثم يتابع امامه لما يذكر ولو تابع امامه أولا ثم قضى ما فاته بعد تسليم الامام جاز عندنا وعند زفر لا يجوز وكذلك إذا رحمه الناس في صلاة الجمعة والعيدين فلم
يقدر على أداء الركعة الاولى مع الامام بعد الاقتداء به وبقى قائما وأمكنه أداء الركعة الثانية مع الامام قبل أن يؤدى الاولى ثم قضى الاولى بعد تسليم الامام أجزأه عندنا وعند زفر لا يجزئه وكذلك لو تذكر سجدة في الركوع وقضاها أو سجدة في السجدة وقضاها فالافضل ان يعيد الركوع أو السجود الذى هو فيهما ولو اعتد بهما ولم يعد أجزأه عندنا وعند زفر لا يجوز له أن يعتد بهما وعليه اعادتهما وجه قول زفر أن المأتى به في هذه المواضع وقع في غير محله
[ 138 ]
فلا يقع معتدا به كما ذا قدم السجود على الركوع وجب عليه اعادة السجود لما قلنا كذا هذا (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم ما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا والاستدلال به من وجهين أحدهما انه أمر بمتابعة الامام فيما أدرك بحرف الفاء المقتضى للتعقيب بلا فصل ثم أمر بقضاء الفائتة والامر دليل الجواز ولهذا يبدأ المسبوق بما أدرك الامام فيه لا بما سبقه وان كان ذلك أول صلاته وقد أخره والثانى أنه جمع بينهما في الامر بحرف الواو وانه للجمع المطلق فايهما فعل يقع مأمورا به فكان معتدا به الا أن المسبوق صار مخصوصا بقول النبي صلى الله عليه وسلم سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها والحديث حجة في المسئلتين الاوليين بظاهره وبضرورته في المسألة الثالثة لان الركوع والسجود من أجزاء الصلاة فاسقاط الترتيب في نفس الصلاة اسقاط فيما هو من أجزائها ضرورة الا انه لا يعتد بالسجود قبل الركوع لان السجود لتقييد الركعة بالسجدة وذلك لا يتحقق قبل الركوع على ما يذكر في سجود السهو ان شاء الله تعالى هذا الذى ذكرنا بيان شرائط أركان الصلاة وهى الشرائط العامة التى تعم المنفرد والمقتدى جميعا (فاما) الذى يخص المقتدى وهو شرائط جواز الاقتداء بالامام في صلاته فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ركن الاقتداء والثانى في بيان شرائط الركن (أما) ركنه فهو نية الاقتداء بالامام وقد ذكر تفسيرها فيما تقدم (وأما) شرائط الركن فانواع منها الشركة في الصلاتين واتحادهما سببا وفعلا ووصفا لان الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة فالمقتدى عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الامام فكلما انعقدت له تحريمة الامام جاز البناء من المقتدى ومالا فلا وذلك لا يتحقق الا بالشركة في الصلاتين واتحادهما من الوجوه الذى وصفنا وعلى هذا الاصل يخرج مسائل المقتدى إذا سبق الامام بالافتتاح لم يصح اقتداؤه لان معنى الاقتداء وهو البناء لا يتصور ههنا لان البناء على العدم محال وقال النبي صلى الله عليه وسلم انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه وما لم يكبر الامام لا يتحقق الائتمام به وكذا إذا كبر قبله فقد اختلف
عليه ولو جدد التكبير بعد تكبير الامام بنية الدخول في صلاته اجزأه لانه صار قاطعا لما كان فيه شارعا في صلاة الامام كمن كان في النفل فكبر ونوى الفرض يصير خارجا من النفل داخلا في الفرض وكمن باع بألف ثم بألفين كان فسخا للاول وعقدا آخر كذا هذا ولو لم يجدد حتى لم يصح اقتداؤه هل يصير شارعا في صلاة نفسه أشار في كتاب الصلاة إلى أنه يصير شارعا لانه علل فيما إذا جدد التكبير ونوى الدخول في صلاة الامام فقال التكبير الثاني قطع لما كان فيه وأشار في نوادر أبى سليمان إلى أنه لا يصير شارعا في نفسه فانه ذكر أنه لو قهقه لا تنتقض طهارته ثم من مشايخنا من حمل اختلاف الجواب على اختلاف موضوع المسألة فقال موضوع المسألة في النوادر أنه إذا كبر ظنا منه أن الامام كبر فيصير مقتديا بمن ليس في الصلاة كالمقتدى بالمحدث والجنب وموضوع المسألة في كتاب الصلاة أنه كبر على علم منه أن الامام لم يكبر فيصير شارعا في صلاة نفسه ومنهم من حقق الاختلاف بين الروايتين وجه رواية النوادر أنه نوى الاقتداء بمن ليس في الصلاة فلا يصير شارعا في صلاة نفسه كما لو اقتدى بمشرك أو جنب أو بمحدث وهذا لان صلاة المنفرد غير صلاة المقتدى بدليل أن المنفرد لو استأنف التكبيرنا ويا الشروع في صلاة الامام صار شارعا مستأنفا واستقبال ما هو فيه لا يتصور دل أن هذه الصلاة الصلاة غير تلك الصلاة فلا يصير شارعا في احداهما بنية الاخرى وجه ما ذكر في كتاب الصلاة انه نوى شيئين الدخول في الصلاة والاقتداء بالامام فبطلت احدى نيتيه وهى نية الاقتداء لانها لم تصادف محلها فتصح الاخرى وهى نية الصلاة وصار كالشارع في الفرض على ظن انه عليه وليس عليه بخلاف ما إذا اقتدى بالمشرك والمحدث والجنب لانهم ليسوا من أهل الاقتداء بهم فصار بالاقتداء بهم ملغيا صلاته وأما هذا فمن أهل الاقتداء به والصلاة خلفه معتبرة فلم يصير بالاقتداء به ملغيا صلاته والله أعلم هذا إذا كبر المقتدى وعلم انه كبر قبل الامام فاما إذا كبر ولم يعلم أنه كبر قبل الامام أو بعده ذكر هذه المسألة في الهارونيات وجعلها على ثلاثة أوجه ان كان أكبر رأيه أنه كبر قبل الامام لا يصير شارعا في صلاة الامام وان كان أكبر رأيه أنه كبر بعد الامام يصير شارعا في صلاته لان غالب الرأى حجة عند عدم اليقين بخلافه وان لم يقع رأيه
[ 139 ]
على شئ فالاصل فيه هو الجواز ما لم يظهر أنه كبر قبل الامام بيقين ويحمل على الصواب احتياطا ما لم يسنيقن بالخطا كما قلنا في باب الصلاة عند الاشتباه في جهة القبلة ولم يخطر بباله شئ ولم يشك أن الجهة التى صلى إليها قبلة أم لا انه يقضى بجوازها ما لم يظهر خطأه بيقين وكذا في باب الزكاة كذلك ههنا ولو كبر المقتدى مع الامام
الا أن الامام طول قوله حتى فرغ المقتدى من قوله الله أكبر قبل أن يفرغ الامام من قوله الله لم يصر شارعا في صلاة الامام كذا روى ابن سماعة في نوادره ويجب أن تكون هذه المسألة بالاتفاق أما على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فلانه يصح الشروع في الصلاة بقوله الله وحده فإذا فرغ المقتدى من ذلك قبل فراغ الامام صار شارعا في صلاة نفسه فلا يصير شارعا في صلاة الامام وأما على قول أبى يوسف ومحمد فلان الشروع لا يصح الا بذكر الاسم والنعت فلا بد من المشاركة في ذكرهما فإذا سبق الامام بالاسم حصلت المشاركة في ذكر النعت لا غير وهو غير كاف لصحة الشروع في الصلاة وعلى هذا لا يجوز اقتذاء اللابس بالعارى لان تحريمة الامام ما انعقدت بها الصلاة مع الستر فلا يقبل البناء لاستحالة البناء على العدم ولان ستر العورة شرط لا صحة للصلاة بدونها في الاصل الا أنه سقط اعتبار هذا الشرط في حق العارى لضرورة لعدم ولا ضرورة في حق المقتدى فلا يظهر سقوط الشرط في حقه فلم تكن صلاة في حقه فلم يتحقق معنى الاقتداء وهو البناء لان البناء على العدم مستحيل ولا يصح اقتداء الصحيح بصاحب العذر الدائم لان تحريمة الامام ما انعقدت للصلاة مع انقطاع الدم فلا يجوز البناء ولان الناقض للطهارة موجود لكن لم يظهر في حق صاحب العذر للعذر ولا عذر في حق المقتدى ولا يجوز اقتداء القارى بالامى والمتكلم بالاخرس لان تحريمة الامام ما انعقدت بقراءة فلا يجوز البناء من المقتدى ولان القراءة ركن لكنه سقط عن الامي والاخرس للعذر ولا عذر في حق المقتدى وكذا لا يجوز اقتداء الامي بالاخرس لما ذكرنا أن الاقتداء بناء التحريمة على تحريمة الامام ولا تحريمة من الامام أصلا فاستحال البناء الا أن الشرع جوز صلاته بلا تحريمة للضرورة ولان التحريمة من شرائط الصلاة لا تصح الصلاة بدونها في الاصل وانما سقطت عن الاخرس للعذر ولا عذر في حق الامي لانه قادر على التحريمة فنزل الامي الذى يقدر على التحريمة من الاخرس منزلة القارئ من الامي حتى انه لو لم يقدر على التحريمة جاز اقتداؤه بالاخرس لاستوائهما في الدرجة ولا يجوز اقتداء من يركع ويسجد بالمومئ عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجوز وجه قوله أن فرض الركوع والسجود سقط إلى خلف وهو الايماء واداء القرض بالخلف كادائه بالاصل وصار كاقتداء الغاسل بالماسح والمتوضئ بالمتيمم (ولنا) أن تحريمة الامام ما انعقدت للصلاة بالركوع والسجود والايماء وان كان يحصل فيه بعض الركوع والسجود لما أنهما للانحناء والتطأطؤ وقد وجد أصل الانحناء والتطأطؤ في الايماء فليس فيه كمال الركوع والسجود تنعقد تحريمته لتحصيل وصف الكمال فلم يمكن بناء كمال الركوع والسجود على تلك
التحريمة ولانه لا صحة للصلاة بدون الركوع والسجود في الاصل لانه فرض وانما سقط عن المومئ للضرورة ولا ضرورة في حق المقتدى فلم يكن ما اتى به المومئ صلاة شرعا في حقه فلا يتصور البناء وقد خرج الجواب عن قوله انه خلف لانا نقول ليس كذلك بل هو تحصيل بعض الركوع والسجود الا أنه اكتفى بتحصيل بعض الفرض في حالة العذر لا ان يكون خلفا بخلاف المسح مع الغسل والتيمم مع الوضوء لانه ذلك خلف فامكن أن يقام مقام الاصل ولا يجوز اقتداء من يومئ قاعدا أو قائما بمن يومئ مضطجعا لان تحريمة الامام ما انعقدت للقيام أو القعود فلا يجوز البناء ثم صلاة الامام صحيحة في هذه الفصول كلها الا في فصل واحد وهو أن الامي إذا ام القارئ أو القارئ والاميين فصلاة الكل فاسدة عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف ومحمد صلاة الامام الامي ومن لا يقرأ تامة وجه قولهما أن الامام صاحب عذر اقتدى به من هو بمثل حاله ومن لا عذر له فتجوز صلاته وصلاة من هو بمثل حاله كالعارى إذا أم العراة أو اللابسين وصاحب الجرح السائل يؤم الاصحاء وأصحاب الجراح والمومئ إذا أم المومئين والراكعين والساجدين أنه تصح صلاة الامام ومن بمثل حاله كذا ههنا (ولابي) حنيفة طريقتان
[ 140 ]
في المسألة احداهما ما ذكره القمى وهو أنهم لما جاؤا مجتمعين لاداء هذه الصلاة بالجماعة فالامي قادر على أن يجعل صلاته بقراءة بان يقدم القارئ فيقتدى به فتكون قراءته له قال صلى الله عليه وسلم من كان له امام فقراءة الامام له قراءة فإذا لم يفعل فقد ترك اداء الصلاة بقراءة مع القدرة عليها ففسدت بخلاف سائر الاعذار لان لبس الامام لا يكون لبسا للمقتدى وكذا ركوع الامام وسجوده ولا ينوب عن المقتدى ووضوء الامام لا يكون وضوأ للمقتدى فلم يكن قادرا على ازالة العذر بتقديم من لا عذر له ولا يلزم على هذه الطريقة ما إذا كان الامي يصلى وحده وهناك قارئ يصلى تلك الصلاة حيث تجوز صلاة الامي وان كان قادرا على ان يجعل صلاته بقراءة بان يقتدى بالقارئ لان هذه المسألة ممنوعة وذكر أبو حازم القاضى أن على قياس قول أبى حنيفة لا تجوز صلاة الامي هو قول مالك ولئن سلمنا فلان هناك لم يقدر على أن يجعل صلاته بقراءة إذا لم يظهر من القارئ رغبة في اداء الصلاة بجماعة حيث اختار الانفراد بخلاف ما نحن فيه (والطريقة) الثانية ما ذكره غسان وهو أن التحريمة انعقدت موجبة للقراءة فإذا صلوا بغير قراءة فسدت صلاتهم كالقارئين وانما قلنا ان التحريمة انعقدت موجبة للقراءة لانه وقعت المشاركة في التحريمة لانها غير مفتقرة إلى القراءة فانعقدت موجبة للقراءة لاشتراكها بين القارئين
وغيرهم ثم عند أو ان القراءة تفسد لانعدام القراءة بخلاف سائر الاعذار لان هناك التحريمة لم تنعقد مشتركة لان تحريمة اللابس لم تنعقد إذا اقتدى بالعارى لافتقارها إلى ستر العورة والى ارتفاع سائر الاعذار فلم تنعقد مشتركة بخلاف ما نحن فيه فالمها غير مفتقرة إلى القراءة فانعقدت تحريمة القارئ مشتركة فانعقدت موجبة للقراءة ولا يلزم على هذه الطريقة ما ذكرنا من المسألة لان هناك تحريمة الامي لم تنعقد موجبة للقراءة لانعدام الاشتراك بينه وبين القارئ فيها أما ههنا فبخلافه ولا يلزم ما إذا اقتدى القارئ بالامى بنية التطوع حيث لا يلزم القضاء ولو صح شروعه في الابتداء للزمه القضاء لانه صار شارعا في صلاة لا قراءة فيها والشروع كالنذر ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه شئ الا في رواية عن أبى يوسف فكذلك إذا شرع فيها ولا يجوز الاقتداء بالكافر ولا اقتداء الرجل بالمرأة لان الكافر ليس من أهل الصلاة والمرأة ليست من أهل امامة الرجال فكانت صلاتها عدما في حق الرجل فانعدم معنى الاقتداء وهو البناء ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأه ويجوز اقتداء المرأة لاستواء حالهما الا ان صلاتهن فرادى أفضل لان جماعتهن منسوخة ويجوز اقتداء المرأة بالرجل إذا نوى الرجل امامتها وعند زفر نية الامامة ليست بشرط على ما مر وروى الحسن عن أبى حنيفة انها إذا وقفت خلف الامام جاز اقتداؤها به وان لم ينو امامتها ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها خاصة لا صلاة الرجل وان كان نوى امامتها فسدت صلاة الرجل وهذا قول أبى حنيفة الاول ووجهه انها إذا وقفت خلفه كان قصدها أداء الصلاة لا افساد صلاة الرجل فلا تشترط نية الامامة وإذا قامت إلى جنبه فقد قصدت افساد صلاته فيرد قصدها بافساد صلاتها الا أن يكون الرجل قد نوى امامتها فحينئذ تفسد صلاته لانه ملتزم لهذا الضرر وكذا يجوز اقتداؤها بالخنثى المشكل لانه ان كان رجلا فاقتداء المرأة بالرجل صحيح وان كان امرأة فاقتداء المرأة بالمرأة أيضا لكن ينبغى للخنثى أن يتقدم ولا يقوم في وسط الصف لاحتمال أن يكون رجلا فتفسد صلاته بالمحاذاة وكذا تشترط نية امامة النساء لصحة اقتدائهن به لاحتمال انه رجل ولا يجوز اقتداء الخنثى المشكل بالخنثى المشكل لاحتمال أن يكون الامام امرأة والمقتدى رجلا فيكون اقتداء الرجل بالمرأة على بعض الوجوه فلا يجوز احتياطا (وأما) الاقتداء بالمحدث أو الجنب فان كان عالما بذلك لا يصح بالاجماع وان لم يعلم به ثم علم فكذلك عندنا وقال الشافعي القياس أن لا يصح كما في الكافر لكنى تركت القياس بالاثر وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابة أعاد ولم يعيدوا (واما) ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى باصحابه
ثم تذكر جنابة فاعاد وأمر أصحابه بالاعادة فاعادوا وقال أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابة أعاد وأعادوا وقد روى نحو هذا عن عمر وعلى رضى الله عنهما حتى ذكر أبو يوسف في الامالى ان عليا رضى الله عنه صلى باصحابه يوما ثم
[ 141 ]
علم انه كان جنبا فامر مؤذنه أن ينادى الا ان أمير المؤمنين كان جنبا فاعيدوا صلاتكم ولان معنى الاقتداء وهو البناء ههنا لا يتحقق لانعدام تصور التحريمة مع قيام الحدث والجنابة وما رواه محمول على بدو الامر قبل تعلق صلاة القوم بصلاة الامام على ما روى ان المسبوق كان إذا شرع في صلاة الامام قضى ما فاته أولا ثم يتابع الامام حتى تابع عبد الله بن مسعود أو معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قضى ما فاته فصار شريعة بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجوز اقتداء العارى باللابس لان تحريمة الامام انعقدت لما يبنى عليه المقتدى لان الامام يأتي بما يأتي به المقتدى وزيادة فيقبل البناء وكذا اقتداء العارى بالعارى لاستواء حالهما فتتحقق المشاركة في التحريمة ثم العراة يصلون قعودا بايماء وقال بشر يصلون قياما بركوع وسجود وهو قول الشافعي وجه قولهما انهم عجزوا عن تحصيل شرط الصلاة وهو ستر العورة وقد روا على تحصيل أركانها فعليهم الاتيان بما قدروا عليه وسقط عنهم ما عجزوا عنه ولانهم لو صلوا قعودا تركوا أركانا كثيرة وهى القيام والركوع والسجود وان صلوا قياما تركوا فرضا واحدا وهو ستر العورة فكان أولى والدليل عليه حديث عمران بن حصين رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى الجنب فهذا يستطيع أن يصلى قائما فعليه الصلاة قائما (ولنا) ما روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه انه قال ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا البحر فانكسرت بهم السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعود بايماء وروى عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهما انهما قالا العارى يصلى قاعدا بالايماء والمعنى فيه ان للصلاة قاعدا ترجيحا من وجهين أحدهما انه لو صلى قاعدا فقد ترك فرض ستر العورة الغليظة وما ترك فرضا آخر أصلا لانه أدى فرض الركوع والسجود ببعضهما وهو الايماء وأدى فرض القيام ببدله وهو القعود فكان فيه مراعاة الفرضين جميعا وفيما قلتم اسقاط أحدهما أصلا وهو ستر العورة فكان ما قلناه أولى والثانى ان ستر العورة أهم من أداء الاركان لوجهين أحدهما أن ستر العورة فرض في الصلاة وغيرها والاركان فرائض الصلاة لا غيرها والثانى ان سقوط هذه الاركان إلى الايماء جائز في النوافل من غير ضرورة كالمتنفل على الدابة وستر العورة لا تسقط فرضيته قط من غير ضرورة
فكان أهم فكان مراعاته أولى فلهذا جعلنا الصلاة قاعدا بالايماء أولى غير انه ان صلى قائما بركوع وسجود أجزأه لانه وان ترك فرضا آخر فقد كمل الاركان الثلاثة وهى القيام والركوع والسجود وبه حاجة إلى تكميل هذه الاركان فصارتار كالفرض ستر العورة الغليظة أصلا لغرض صحيح فجوزنا له ذلك لوجود أصل الحاجة وحصول الغرض وجعلنا القعود بالايماء أولى لكون ذلك الفرض أهم ولمراعاة الفرضين جميعا من وجه وقد خرج الجواب عما ذكروا من المعنى وتعلقهم بحديث عمران بن حصين غير مستقيم لانه غير مستطيع حكما حيث افترض عليه ستر العورة الغليظة ثم لو كانوا جماعة ينبغى لهم أن يصلوا فرادى لانهم لو صلوا بجماعة فان قام الامام وسطهم احترازا عن ملاحظة سوأة الغير فقد ترك سنة التقدم على الجماعة والجماعة أمر مسنون فإذا كان لا يتوصل إليه الا بارتكاب بدعة وترك سنة أخرى لا يندب إلى تحصيلها بل يكره تحصيلها وان تقدمهم الامام وأمر القوم بغض أبصارهم كما ذهب إليه الحسن البصري لا يسلمون عن الوقوع في المنكر أيضا فانه قلما يمكنهم غض البصر على وجه لا يقع على عورة الامام مع ان غض البصر في الصلاة مكروه أيضا نص عليه القدورى لما يذكر انه مأموران ينظر في كل حالة إلى موضع مخصوص ليكون البصر ذاحظ من أداء هذه العبادات كسائر الاعضاء والاطراف وفى غض البصر فوات ذلك فدل انه لا يتوصل إلى تحصيل الجماعه الا بارتكاب أمر مكروه فتسقط الجماعة عنهم فلو صلوا مع هذه الجماعة فالاولى لامامهم أن يقوم وسقطهم لئلا يقع بصرهم على عورته فان تقدمهم جاز أيضا وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة الا ان الاولى أن يصلين وحدهن وان صلين بجماعة قامت امامتهن وسطهن وان تقدمتهن جاز فكذلك حال العراة ويجوز اقتادء صاحب العذر بالصحيح وبمن هو بمثل حاله وكذا اقتداء الامي بالقارئ وبالامى لما مر ويجوز اقتداء المومئ بالراكع الساجد وبالمومئ لما مر ويستوى الجواب
[ 142 ]
بينما إذا كان المقتدى قاعدا يومئ بالامام القاعد المومئ وبينما إذا كان قائما والامام قاعد ولان هذا القيام ليس بركن ألا ترى ان الاولى تركه فكان وجوده وعدمه بمنزلة ويجوز اقتداء الغاسل بالماسح على الخف لان المسح على الخف بدل عن الغسل وبدل الشئ يقوم مقامه عند العجز عنه أو تعذر تحصيله فقام المسح مقام الغسل في حق تطهير الرجلين لتعذر غسلهما عند كل حدث خصوصا في حق المسافر على ما مر فانعقدت تحريمة الامام للصلاة مع غسل الرجلين لانعقادها لما هو بدل عن الغسل فصح بناء تحريمة المقتدى على تلك التحريمة ولان طهارة القدم حصلت
بالغسل السابق واخلف مانع سراية الحدث إلى القدم فكان هذا اقتداء الغاسل بالغاسل فصح وكذا يجوز اقتداء الغاسل بالماسح على الجبائر لما مر أنه بدل عن المسح قائم مقامه فيمكن تحقيق معنى الاقتداء فيه ويجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند أبى حنيفة وأبى يوسف وعند محمد لا يجوز وقد مر الكلام فيه في كتاب الطهارة ويجوز اقتداء القائم الذى يركع ويسجد بالقاعد الذى يركع ويسجد استحسانا وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف والقياس أن لا يجوز وهو قول محمد وعلى هذا الاختلاف اقتداء القائم المومئ بالقاعد المومئ وجه القياس ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يؤمن أحد بعدى جالسا أي لقائم لاجماعنا على انه لو أم لجالس جاز ولان المقتدى اعلى حالا من الامام فلا يجوز اقتداؤه به كاقتداء الراكع الساجد بالمومئ واقتداء القارئ بالامى (وفقهه) ما بينا ان المقتدى يبنى تحريمته على تحريمة الامام وتحريمة الامام ما انعقدت للقيام بل انعقدت للقعود فلا يمكن تبناء القيام عليها كما لا يمكن بناء القراءة على تحريمة الامي وبناء الركوع والسجود على تحريمة المومئ وجه الاستحسان ما روى ان آخر صلاة صلاها رسول الله صلبى الله عليه وسلم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا وأصحابه خلفه قيام يقتدون به فانه لما ضعف في مرضه قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة لحفصة رضى الله عنهما قولى له ان أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكالك لا يملك نفسه فلو أمرت غيره فقالت حفصة ذلك فقال صلى الله عليه وسلم أفتن صويجبات يوسف مروا أبا بكر يصلى بالناس فلما افتتح أبو بكر رضى الله عنه الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج وهو يهادى بين على والعباس ورجلاه يخطان الارض حتى دخل المسجد فلما سمع أبو بكر رضى الله عنه حسه تأخر فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس يصلى وأبو بكر يصلى بصلاته والناس يصلون بصلاة أبى بكر يعنى ان أبا بكر رضى الله عنه كان يسمع تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكبر والناس يكبرون بتكبير أبى بكر فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهم ورود النسخ عليه ولو توهم ورود النسخ يثبت الجواز ما لم يثبت النسخ فإذا لم يتوهم ورود النسخ أولى ولان القعود غير القيام وإذا أقيم شئ مقام غيره جعل بدلا عنه كالمسح على الخف مع غسل الرجلين وانما قلنا انهما متغاير ان بدليل الحكم والحقيقة (أما) الحقيقة فلان القيام اسم لمعنيين متفقين في محلين مختلفين وهما الانتصابان في النصف الاعلى والنصف الاسفل وفلو تبدل الانتصاب في النصف الاعلى بما يضاده وهو الانحناء سمى ركوعا لوجود الانحناء لانه في اللغة عبارة عن الانحناء من غير اعتبار النصف الاسفل لان ذلك وقع
وفاقا فأما هو في اللغة فاسم لشئ واحد فحسب وهو الانحناء ولو تبدل الانتصاب في النصف الاسفل بما يضاده وهو انضمام الرجلين والصاق الالية بالارض يسمى قعودا فكان القعود اسما لمعنيين مختلفين في محلين مختلفين وهما الانتصاب في النصف الاعلى والانصمام والاستقرار على الارض في النصف الاسفل فكان القعود مضادا للقيام في أحد معنييه وكذا الركوع والركوع مع القعود يضاد كل واحد منهما للآخر بمعنى واحد وهو صفة النصف الاعلى واسم المعنيين يفوت بالكية يوجود مضاد احد معنيية كالبلوغ واليتم فيفوت القيام بوجود القعود أو الركوع بالكلية ولهذا لو قال قائل ما قمت بل قعدت وما أدركت القيام بل أدركت الركوع لم يعد مناقضا في كلامه وأما الحكم فلان ما صار القيام لاجله طاعة يفوت عند الجلوس بالكلية لان القيام اما صار طاعة لانتصاب نصفه الا على بل لانتصاب رجليه لما يلحق رجليه من المشقة وهو بالكلية يفوت عند الجلوس فثبت حقيقية
[ 143 ]
وحكما ان القيام يفوت عند الجلوس فصار الجلوس بدلا عنه والبدل عند العجز عن الاصل أو تعذر تحصيله يقوم مقام الاصل ولهذا جوزنا اقتداء الغاسل بالماسح لقيام المسح مقام الغسل في حق تطهير الرجلين عند تعذر الغسل لكونه بدلا عنه فكان القعود من الامام بمنزلة القيام لو كان قادرا عليه فجعلت تحريمة الامام في حق الامام منعقدة للقيام لانعقادها لما هو بدل القيام فصح بناء قيام المقتدى على تلك التحريمة بخلاف اقتداء القارئ بالامى لان هناك لم يوجد ما هو بدل القراءة بل سقطت أصلا فلم تنعقد تحريمة الامام للقراءة فلا يجوز بناء القراءة عليه اماههنا لم يسقط القيام أصلا بل أقيم بدله مقامه ألا ترى انه لو اضطجع وهو قادر على القعود لا يجوز ولو كان القيام يسقط أصلا من غير بدل وذا ليس وقت وجوب القعود بنفسه كان ينبغى انه لو صلى مضطجعا يجوز وحيث لم يجز دل انه انما لا يجوز لسقوط القيام إلى بدله وجعل بدله كانه عين القيام وبخلاف اقتداء الراكع الساجد بالمومئ لما مر أن الايماء ليس عين الركوع والسجود بل هو تحصيل بعض الركوع والسجود الا أنه ليس فيه كمال الركوع والسجود فلم تنعقد تحريمة الامام للفائت وهو الكمال فلم يمكن بناء كمال الركوع والسجود على تلك التحريمة وقد خرج الجواب عما ذكر من المعنى وما روى من الحديث كان في الابتداء فانه روى ان النبي صلى الله عليه وسلم سقط عن فرص فجحش جنبه فلم يخرج أياما ودخل عليه أصحابه فوجدوه يصلى قاعدا فافتتحوا الصلاة خلفه قياما فلما رآهم على ذلك قال استنان بالفارس والروم وأمرهم بالقعود ثم نهاهم
عن ذلك فقال لا يؤمن أحد بعدى جالسا ألا ترى انه تكلم في الصلاة فقال استنان بفارس والروم وأمرهم بالقعود فدل ان ذلك كان في الابتداء حين كان التكلم في الصلاة مباحا وما روينا آخر صلاة صلاها فانتسخ قوله السابق بفعله المتأخر وعلى هذا يخرج اقتداء المفترض بالمتنفل انه لا يجوز عندنا خلافا للشافعي ويجوز اقتداء المتنفل بالمفترض عند عامة العلماء خلافا لمالك (احتج) الشافعي بما روى جابر بن عبد الله ان معاذا كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يرجع فيصليها بقومه في بنى سلمة ومعاذ كان متنفلا وكان يصلى خلفه المفترضون ولان كل واحد منهم يصلى صلاة نفسه لا صلاة صاحبه لاستحالة أن يفعل العبد فعل غيره فيجوز فعل كل واحد منهما سواء وافق فعل أمامه أو خالفه ولهذا جاز اقتداء المتنفل بالمفترض (ولنا) ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس صلاة الخوف وجعل الناس طائفتين وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لاتم الصلاة بالطائفة الاولى ثم نوى النفل وصلى بالطائفة الثانية لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشى وافعال كثيرة ليست من الصلاة ولان تحريمة الامام ما انعقدت لصلاة الفرض والفرضية وان لم تكن صفة زائدة على ذات الفعل فليست راجعة إلى الذات ايضا بل هي من الاوصاف الاضافية على ما عرف في موضعه فلم يصح البناء من المقتدى بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض لان النفلية ليست من باب الصفة بل هي عدم إذا لنفل عبارة عن أصل لا وصف له فكانت تحريمة الامام منعقدة لما يبنى عليه المقتدى وزيادة فصح البناء وقد خرج الجواب عن معناه فان كل واحد منهما يصلى صلاة نفسه لانا نقول نعم لكن احداهما بناء على الاخرى وتعذر تحقيق معنى البناء وما روى من الحديث فليس فيه ان معاذا كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الفرض فيحتمل أنه كان ينوى النفل ثم يصلى بقومه الفرض ولهذا قال له صلى الله عليه وسلم لما بلغه طول قراءته اما ان تخفف بهم والا فاجعل صلاتك معنا على انه يحتمل انه كان في الابتداء حين كان تكرار الفرض مشروعا وينبنى على هذا الخلاف اقتداء البالغين بالصبيان في الفرائض انه لا يجوز عندنا لان الفعل من الصبى لا يقع فرضا فكان اقتداء المفترض بالمتنفل وعند الشافعي يصح (واحتج) بما روى ان عمر بن سلمة كان يصلى بالناس وهو ابن تسع سنين ولا يحمل على صلاة التروايج لانها لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بجماعة فدل انه كان في الفرائض والجواب ان ذلك كان في ابتداء الاسلام حين لم تكن صلا المقتدى متعلقة بصلاة الامام على ما ذكرنا ثم نسخ واما في التطوعات فقد روى عن محمد بن مقاتل الرازي انه أجاز ذلك في التروايج والاصح ان
[ 144 ]
ذلك لا يجوز عندنا لا في الفرضية ولا في التطوع لان تحريمة الصبى انعقدت لنفل غير مضمون عليه بالافساد ونفل المقتدى البالغ مضمون عليه بالافساد فلا يصح البناء وينبغى للرجل ان يؤدب ولده على الطهارة والصلاة إذا عقلهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشر اولا يفترض عليه الا بعد البلوغ ونذكر حد البلوغ في موضع آخر ان شاء الله تعالى ولو احتلم الصبى ليلا ثم انتبه قبل طلوع الفجر قضى صلاة العشاء بلا خلاف لانه حكم ببلوغه بالاحتلام وقد انتبه والوقت قائم فيلزمه أن يؤديها وان لم ينتبه حتى طلع الفجر اختلف المشايخ فيه قال بعضهم ليس عليه قضاء صلاة العشاء لانه وان بلغ بالاحتلام لكنه نائم فلا يتناوله الخطاب ولانه يحتمل انه احتلم بعد طلوع الفجر ويحتمل قبله فلا تلزمه الصلاة بالشك وقال بعضهم عليه صلاة العشاء لان النوم لا يمنع الوجوب ولانه إذا احتمل انه احتلم قبل طلوع الفجر واحتمل بعده فالقول بالوجوب أحوط وعلى هذا لا يجوز اقتداء مصلى الظهر بمصلى العصر ولا اقتداء من يصلى ظهرا بمن يصلى ظهر يوم غير ذلك اليوم عندنا لاختلاف سبب وجوب الصلاتين وصفتهما وذلك يمنع صحة الاقتداء لما مر وروى عن أفلح بن كثير أنه قال دخلت المدينة ولم أكن صليت الظهر فوجدت الناس في الصلاة فظننت انهم في الظهر فدخلت معهم ونويت الظهر فلما فرغوا علمت انهم كانوا في العصر فقمت وصليت الظهر ثم صليت العصر ثم خرجت فوجدت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرين فاخبرتهم بما فعلت فاستصوبوا ذلك وأمروا به فانعقد الاجماع من الصحابة رضى الله عنهم على ما قلنا وعلى هذا لا يجوز اقتداء الناذر بان نذر رجلان كل واحد منهما أن يصلى ركعتين فاقتدى أحدهما بالآخر فيما نذر وكذا إذا شرع رجلان كل واحد منهما في صلاة التطوع وحده ثم أفسدها على نفسه حتى وجب عليه القضاء فاقتدى أحدهما بصاحبه لا يصح لان سبب وجوب الصلاتين مختلف وهو نذر كل واحد منهما وشروعه فاختلف الواجبان وتغايرا وذلك يمنع صحة الاقتداء لما بينا بخلاف اقتداء الحالف بالحالف حيث يصح لان الواجب هناك تحقيق البر لا نفس الصلاة فبقيت كل واحدة من الصلاتين في حق نفسها نفلا فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل فصح وكذا لو اشتركا في صلاة التطوع بان اقتدى احدهما بصاحبه فيها ثم أفسداها حتى وجب القضاء عليهما فاقتدى أحدهما بصاحبه في القضاء جاز لانها صلاة واحدة مشتركة بينهما فكان سبب الوجوب واحدا معنى فصح الاقتداء ثم إذا لم يصح الاقتداء عند
اختلاف الفرضين فصلاة الامام جائزة كيفما كان لان صلاته غير متعلقة بصلاة المقتدى وأما صلاة المقتدى إذا فسدت عن الفرضية هل يصير شارعا في التطوع ذكر في باب الاذان انه يصير شارعا في النفل وذكر في زيادات الزيادات وفى باب الحدث ما يدل على انه لا يصير شارعا فانه ذكر في باب الحدث في الرجل إذا كان يصلى الظهر وقد نوى امامة النساء فجاءت امرأة واقتدت به فرضا آخر لم يصح اقتداؤها به ولا يصير شارعا في التطوع حتى لو حاذت الامام لم تفسد عليه صلاته فمن مشايخنا من قال في المسألة روايتان ومنهم من قال ما ذكر في باب الاذان قول أبى حنيفة وأبى يوسف وما ذكر في باب الحدث قول محمد وجعلوه فرعية مسألة وهى ان المصلى إذا لم يفرغ من الفجر حتى طلعت الشمس بقى في التطوع عندهما الا انه يمكث حتى ترتفع الشمس ثم يضم إليها ما يتمها فيكون تطوعا وعنده يصير خارجا من الصلاة بطلوع الشمس وكذا إذا كان في الظهر فتذكر انه نسى الفجر ينقلب ظهره تطوعا عندهما وعند محمد يصير خارجا من الصلاة وجه قول محمد انه نوى فرضا عليه ولم يظهر انه ليس عليه فرض فلا يلغونية الفرض فمن حيث انه لم يلغ نية الفرض لم يصر شارعا في النفل ومن حيث انه يخالف فرضه فرض الامام لم يصح الاقتداء فلم يصر شارعا في الصلاة أصلا بخلاف ما إذ لم يكن عليه الفرض لان نية الفرض لغت أصلا كانه لم ينو وجه قولهما انه بنى أصل الصلاة ووصفها على صلاة الامام وبناء الاصل صح وبناء الوصف لم يصح فلغا بناء الوصف وبقى بناء الاصل وبطلان بناء الوصف لا يوجب بطلان بناء الاصل لاستغناء الاصل عن هذا الوصف فيصير هذا اقتداء المتنفل بالمتفرض وانه جائز وذكر في النوادر عن محمد
[ 145 ]
في رجلين يصليان صلاة واحدة معاوينوى كل واحد منهما أن يؤم صاحبه فيها ان صلاتهما جائزة لان صحة صلاة الامام غير متعلقة بصلاة غير فصار كل واحد منهما كالمنفرد في حق نفسه ولو اقتدى كل واحد منهما بصاحبه فيها فصلاتهما فاسدة لان صلاة المقتدى متعلقة بصلاة الامام ولا امام ههنا (ومنها) أن لا يكون المقتدى عند الاقتداء متقدما على امامه عندنا وقال مالك هذا ليس بشرط ويجزئه إذا أمكنه متابعة الامام وجه قوله أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة والمكان ليس من الصلاة فلا يجب المتابعة فيه الا ترى أن الامام يصلى عند الكعبة في مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام والقوم صف حول البيت ولا شك أن أكثرهم قبل الامام (ولنا) قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس مع الامام من تقدمه ولانه إذا تقدم الامام يشتبه عليه حاله أو
يحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليتابعه فلا يمكنه المتابعة ولان المكان من لوازمه الا ترى أنه إذا كان بينه وبين الامام نهر أو طريق لم يصح الاقتداء لانعدام التبعية في المكان كذا هذا بخلاف الصلاة في الكعبة لان وجهه إذا كان إلى الامام لم تنقطع التبعية ولا يسمى قبله بل هما متقابلان كما إذا حاذى امامه وانما تتحقق القبلية إذا كان ظهره إلى الامام ولم يوجد وكذا لا يشتبه عليه حال الامام والمأموم (ومنها) اتحاد مكان الامام والمأموم لان الاقتداء يقتضى التبعية في الصلاة والمكان من لوازم الصلاة فيقتضى التبعية في المكان ضرورة وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها ولان اختلاف المكان يوجب خفاء حال الامام على المقتدى فتتعذر عليه المتابعة التى هي معنى الاقتداء حتى انه لو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس أو نهر عظيم لا يصح الاقتداء لان ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفا مع اختلافهما حقيقة فيمنع صحة الاقتداء واصله ما روى عن عمر رضى الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان بينه وبين الامام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له ومقدار الطريق العام ذكر في الفتاوى أنه سئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن مقدار الطريق الذى يمنع صحة الاقتداء فقال مقدار ما تمر فيه العجلة أو تمر فيه الاوقار وسئل أبو القاسم الصفار عنه فقال مقدار ما يمر فيه الجمل وأما النهر العظيم فما لا يمكن العبور عليه الا بعلاج كالقنطرة ونحوها وذكر الامام السرخسى أن المراد من الطريق ما تمر فيه العجلة وما وراء ذلك طريقة لا طريق والمراد بالنهر ما تجرى فيه السفن وما دون ذلك بمنزلة الجدول لا يمنع صحة الاقتداء فان كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز الاقتداء لان اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس فلم يبق طريقا بل صار مصلى في حق هذه الصلاة وكذلك ان كان على النهر جسر وعليه صف متصل لما قلنا ولو كان بينهما حائط ذكر في الاصل انه يجزئه وروى الحسن عن أبى حنيفة انه لا يجزئه وهذا في الحاصل على وجهين ان كان الحائط قصيرا ذليلا بحيث يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة لا يمنع الاقتداء لان ذلك لا يمنع التعبية في المكان ولا يوجب خفاء حال الامام ولو كان بين الصفين حائط ان كان طويلا وعريضا ليس فيه ثقب يمنع الاقتداء وان كان فيه ثقب لا يمنع مشاهدة حال الامام لا يمنع بالاجماع وان كان كبيرا فان كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك وان لم يكن عليه شئ من ذلك ففيه روايتان وجه الرواية الاولى التى قال لا يصح انه يشتبه عليه حال امامه فلا يمكنه المتابعة وجه الرواية الاخرى الوجود وهو ما ظهر من عمل الناس في الصلاة بمكة
فان الامام يقف في مقام ابراهيم صلوات الله عليه وسلامه وبعض الناس يقفون وراء الكعبة من الجانب الاخر فبينهم وبين الامام حائط الكعبة ولم يمنعهم أحد من ذلك فدل على الجواز ولو كان بينهما صف من النساء يمنع صحة الاقتداء لما روينا من الحديث ولان الصف من النساء بمنزلة الحائط الكبير الذى ليس فيه فرجة وذا يمنع صحة الاقتداء كذا هذا ولو اقتدى بالامام في أقصى المسجد والامام في المحراب جاز لان المسجد على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد ولو وقف على سطح المسجد واقتدى بالامام فان كان وقوفه خلف الامام أو بحذائه اجزأه لما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه وقف على سطح واقتدى بالامام وهو في جوفه ولان سطح المسجد تبع
[ 146 ]
للمسجد وحكم التبع حكم الاصل فكأنه في جوف المسجد وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال امامه فان كان يشتبه لا يجوز وان كان وقوفه متقدما على الامام لا يجزئه لانعدام معنى التبعية كما لو كان في جوف المسجد وكذلك لو كان على سطح بجنب المسجد متصل به ليس بينهما طريق فاقتدى به صح اقتداؤه عندنا وقال الشافعي لا يصح لانه ترك مكان الصلاة بالجماعة من غير ضرورة (ولنا) ان السطح إذا كان متصلا بسطح المسجد كان تبعا لسطح المسجد وتبع سطح المسجد في حكم المسجد فكان اقتداؤه وهو عليه كاقتدائه وهو في جوف المسجد إذا كان لا يشتبه عليه حال الامام ولو اقتدى خارج المسجد بامام في المسجد ان كانت الصفوف متصلة جاز والا فلا لان ذلك الموضع بحكم اتصال الصفوف يلتحق بالمسجد هذا إذا كان الامام يصلى في المسجد فاما إذا كان يصلى في الصحراء فان كانت الفرجة التى بين الامام والقوم قدر الصفين فصاعدا لا يجوز اقتداؤهم به لان ذلك بمنزلة الطريق العام أو النهر العظيم فيوجب اختلاف المكان وذكر في الفتاوى انه سئل أبو نصر عن امام يصلى في فلاة من الارض كم مقدار ما بينهما حتى يمنع صحة الاقتداء قال إذا كان مقدار ما لا يمكن ان يصطف فيه جازت صلاتهم فقيل له لو صلى في مصلى العيد قال حكمه حكم المسجد ولو كان الامام يصلى على دكان والقول أسفل منه أو على القلب جاز ويكره (أما) الجواز فلان ذلك لا يقطع التبعية ولا يوجب خفاء حال الامام (وأما) الكراهة فلشبهة اختلاف المكان ولما يذكر في بيان ما يكره للمصلى أن يفعله في صلاته ان شاء الله تعالى وانفراد المقتدى خلف الامام عن الصف لا يمنع صحة الاقتداء عند عامة العلماء وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل يمنع (واحتجوا) بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صلاة لمنفرد خلف الصف وعن وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم
رأى رجلا يصلى في حجرة من الارض فقال أعد صلاتك فانه لا صلاة لمنفرد خلف الصف (ولنا) ما روى عن أنس ابن ملك رضى الله عنه أنه قال أقامنى النبي صلى الله عليه وسلم واليتيم وراءه وأقام أمي أم سليم وراءنا جوز اقتداءها به عن انفرادها خلف الصفوف ودل الحديث على أن محاذاة المرأة مفسدة صلاة الرجل لانه أقامها خلفهما مع نهية عن الانفراد خلف الصف فعلم أنه انما فعل صيانة لصلاتهما وروى أن أبا بكرة رضى الله عنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع فكبر وركع ودب حتى التحق بالصفوف فلما فرغ النبي من صلاته قال زادك الله حرصا ولا تعدا وقال لا تعد جوز اقتداء به خلف الصف والدليل عليه أنه لو تبين أن من بجنبه كان محدثا تجوز صلاته بالاجماع وان كان هو منفردا خلف الصف حقيقة والحديث محمول على نفى الكمال والامر بالاعادة شاذ ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الامام ما يمنع الاقتداء وفى الحديث ما يدل عليه فانه قال في حجرة من الارض أي ناحية لكن الاولى عندنا أن يلتحق بالصف ان وجد فرجه ثم يكبر ويكره له الانفراد من غير ضرورة ووجه الكراهة نذكره في بيان ما يكره فعله في الصلاة ولو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف ذكر في الفتاوى عن محمد بن سلمه انه ان مشى في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد وان مشى أكثر من ذلك ففسدت وكذلك المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق به فتقدم حتى لا يمر الناس بين يديه انه ان مشى قدر صف لا تفسد صلاته وان كان أكثر من ذلك فسدت وهو اختيار الفقيه أبى الليث سواء كان في المسجد أو في الصحراء ومشى مقدار صف ووقف لا تفسد صلاته وقدر بعض أصحابنا بموضع سجوده وبعضهم بمقدار الصفين ان زاد على ذلك فسدت صلاته * (فصل) * وأما واجبانها فانواع بعضها قبل الصلاة وبعضها في الصلاة عند الخروج من الصلاة وبعضها في حرمة الصلاة بعد الخروج منها (أما) الذى قبل الصلاة فاثنان أحدهما الاذان والاقامة والكلام في الاذان يقع في مواضع في بيان وجوبه في الجملة وفى بيان كيفيته وفى بيان سببه وفى بيان محل وجوبه وفى بيان وقته وفى بيان ما يجب على السامعين عند سماعه (أما) الاول فقد ذكر محمد ما يدل على الوجوب فانه قال ان أهل بلدة لو اجتمعوا على ترك الاذان لقاتلتهم عليه ولو تركه واحد ضربته وحبسته وانما يقاتل ويضرب