الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 2

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 2


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام ابي البركات عبد الله بن احمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفي سنة. 71 ه‍ والشرح (البحر الرائق)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها يفسد الصلاة التكلم والدعاء بما يشبه كلامنا والانين والتاوه وارتفاع بكائه من باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها لما كان سبق الحدث عارضا سماويا والمفسدات عارضا كسبيا قدم ذاك وآخر هذا، والفساد والبطلان في العبادات سواء. قوله: (يفسد الصلاة التكلم) لحديث مسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1). وفي رواية البيهقي إنما هي وما لا يصلح فيها مباشرته يفسدها مطلقا كالاكل والشرب. والمكروه غير صالح من وجه دون وجه والنص يقتضي انتفاء الصلاح مطلقا، أطلقه فشمل العمد والنسيان والخطأ والقليل والكثير لا صلاح صلاته أو لا، عالما بالتحريم أو لا، ولهذا عبر بالتكلم دون الكلام ليشمل الكلمة الواحدة كما عبر بها في المجمع لان التكلم هو النطق. يقال تكلم بكلام وتكلم كلاما. كذا

[ 4 ]

في ضياء الحلوم. وسواء أسمع غيره أو لا، وإن لم يسمع نفسه وصحح الحروف فعلى قول لكرخي تفسد، وحكي عن الامام محمد بن الفضل عدمه والاختلاف فيه نظير الاختلاف فيما إذا قرأ في صلاته ولم يسمع نفسه هل تجوز صلاته، وقد بيناه. كذا في الذخيرة. وفي المحيط: النفخ المسموع المهجى مفسد عندهما خلافا لابي يوسف. لهما أن الكلام اسم لحروف منظومة مسموعة من مخرج الكلام لان الافهام بهذا يقع وأدنى ما يقع به انتظام الحروف حرفان اه‍. وينبغي أن يقال: إن أدناه حرفان أو حرف مفهم ك‍ " ع أمرا وكذا ق فإن فساد الصلاة بهما ظاهر. وشمل الكلام في النوم وهو قول كثير من المشايخ وهو المختار، واختار فخر الاسلام وغيره أنها لا تفسد، وأما ما رواه الحاكم وصححه إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1) فهو من باب المقتضى ولا عموم له لانه ضروري فوجب تقديره على وجه يصح والاجماع منعقد على أن رفع الاثم مراد فلا يراد غيره وإلا لزم تعميمه وهو في غير محل الضرورة. ولقائل أن يقول: إن حديث ذي اليدين الثابت في صحيح مسلم فإنه تكلم في الصلاة حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم على رأس الركعتين ساهيا وتكلم بعض الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم فكان حجة للجمهور بأن كلام الناسي ومن يظن أنه ليس فيها لا يفسدها. فإن أجيب بأن حديث ذي اليدين منسوخ كان في الابتداء حين كان الكلام فيها مباحا فممنوع لانه رواية أبي هريرة وهو متأخر الاسلام. وإن أجيب بجواز أن يرويه عن غيره ولم يكن حاضرا فغير صحيح لما في صحيح مسلم عنه بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الواقعة وهو صريح في حضوره ولم أر عنه جوابا شافيا. وأراد من التكلم التكلم لغير ضرورة لما سيأتي أنه لو عطس أو تجشأ فحصل منه كلام لا تفسد لتعذر الاحتراز عنه كما في المحيط. ودخل في التكلم المذكور قراءة التوراة والانجيل والزبور فإنه يفسد كما في

[ 5 ]

المجتبي. وقال في الاصل: لم يجزه. وفي جامع الكرخي فسدت. وعن أبي يوسف إن أشبه التسبيح جاز. قوله: (والدعاء بما يشبه كلامنا) أفرده وإن دخل في التكلم لان الشافعي لا يفسدها بالدعاء. وينبغي أن يتعلق قوله بما يشبه كلامنا بالتكلم والدعاء. وقد قدمنا بأن الدعاء بما يشبه كلامنا هو ما أمكن سؤاله من العباد كاللهم اطعمني أو اقض ديني وارزقني فلانة على الصحيح، وما استحال طلبه من العباد فليس من كلامنا مثل العافية والمغفرة والرزق، سواء كان لنفسه أو لغيره ولو لاخيه على الصحيح كما في المحيط. وفي الظهيرية: ولو قال أل ثم قال الحمد لله أو لم يقل لا تفسد صلاته. وقال المرغيناني: إن أنصاف الكلمة مثل كل الكلمة تفسد صلاته، ثم ذكر ضابطا للدعاء بما يشبه كلامنا فقال: الحاصل أنه إذا دعا بما جاء في الصلاة أو في القرآن أو في المأثور لا تفسد صلاته، وإن لم يكن في القرآن أو في المأثور ولا يستحيل سؤاله تفسد، وإن كان يستحيل سؤاله لا تفسد اه‍. ويشكل عليه اللهم اغفر لعمي أو خالي فإنه نقل أنها تفسد اتفاقا كما قدمناه قوله: (والانين والتاوه وارتفاع بكائه من وجع أو مصيبة لا من ذكر جنة أو نار) أي

[ 6 ]

يفسدها، أما الانين فهو أن يقول أه كما في الكافي، والتأوه هو أن يقول أوه ويقال أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه. وقال في المغرب: وهي كلمة توجع. ورجل أواه كثير التأوه. وذكر العلامة الحلبي في شرح المنية أن فيها ثلاث عشرة لغة فالهمزة مفتوحة في سائرها، ثم قد تمد وقد لا تمدمع تشديد الواو المفتوحة وسكون الهاء فهاتان لغتان، ولا تمد مع تشديد الواو المكسورة وسكون الهاء وكسرها فهاتان أخريان، ومع سكون الواو وكسر الهاء فهذه خامسة، ومع تشديد الواو مفتوحة ومكسورة بلا هاء فهاتان سادسة وسابعة، وأو على مثال أو العاطفة فهذه ثامنة، وتمد لكن يليها هاء ساكنة ومكسورة بلا واو فهاتان تاسعة وعاشرة، والحادية عشرة والثانية عشرة أو ياه بمد الهمزة وعدمه وفتح الواو المشدودة يليها ياء مثناة ثم ألف ثم هاء ساكنة، والثالثة عشرة آو وه بمد الهمزة وضم الواو الاولى وسكون الثانية بعدها هاء ساكنة، وحينئذ فتسمية آه أنيناوأوه تأوها اصطلاح اه‍. يعني لا لغة لان من لغات التأوه آه وهي العاشرة، وأما ارتفاع البكاء فهو أن يحصل به حروف وقوله من وجع أو مصيبة قيد للثلاثة، وقوله لامن ذكر جنة أو نار عائد إلى الكل أيضا. فالحاصل أنها إن كانت من ذكر الجنة أو النار فهو دال على زيادة الخشوع، ولو صرح بهما فقال اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار لم تفسد صلاته. وإن كان من وجع أو مصيبة فهو دال على إظهارهما فكأنه قال إني مصاب والدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يكن هناك صريح يخالفها. وهذا كله عندهما، وعن أبي يوسف أن قوله آه لا يفسد في الحالين وأوه يفسد، وقيل الاصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين وهما زائدان أو أحدهما لا تفسد، وإن كانتا أصليتين تفسد وحروف الزوائد مجموعة في قولنا أمان وتسهيل. ونعني بالزوائد أن الكلمة لو زيد فيها حرف لكان من هذه الحروف لا أن هذه الحروف زوائد أين ما وقعت. قال في الهداية: وقول أبي يوسف لا يقوى لان كلام الناس في متفاهمهم أي

[ 7 ]

أهل العرف يتبع وجود حروف الهجاء وإفهام المعنى، ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد اه‍. وتعقبه الشارحون بأن أبا يوسف إنما يجعل حروف الزوائد كأن لم تكن إذا قلت لا إذا كثرت. وأجاب عنه في فتح القدير بأنه أراد بالجمع الاثنين فصاعدا. وجعل في الظهيرية محل الخلاف فيما إذا أمكن الامتناع عنه أما ما لا يمكن الامتناع عنه فلا يفسد عند الكل كالمريض إذا لم يملك نفسه من الانين والتأوه لانه حينئذ كالعطاس والجشأ إذا حصل بهما حروف قيد بالانين ونحوه فإنه لو استعطف كلبا أو هرة أو ساق حمارا لم تفسد صلاته لانه صوت لا هجاء له. وقيد بارتفاع بكائه لانه لو خرج دمعه من غير صوت لا تفسد صلاته بلا خلاف في كل حال. كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان. والتأفيف كالانين كأف وتف. ثم أف اسم فعل لا تضجر، وقيل لتضجرت، وسواء أراد به تنقية موضع سجوده أو أراد به التأفيف فإن الصلاة تفسد عندهما مطلقا. وقال أبو يوسف بعدمه، لكن في المجتبى: الصحيح أن خلافه إنما هو في المخفف وفي المشدد تفسد عندهم ويعارضه ما في الخلاصة أن الاصل عنده أن في الحرفين لا تفسد صلاته، وفي أربعة أحرف تفسد، وفي ثلاثة أحرف اختلف المشايخ فيها والاصح أنها لا تفسد اه‍. وبما فيها اندفع ما اعترض به الشارحون على الهداية في قوله ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد كما لا يخفى. وفي الخانية: ولو لدغته عقرب أو أصابه وجع فقال بسم الله قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: تفسد صلاته ويكون بمنزلة الانين. وهكذا روي عن أبي حنيفة. وقيل لا تفسد لانه ليس من كلام الناس. وفي النصاب: وعليه الفتوى. وجزم به في الظهيرية، وكذا لو قال يا رب كما في الذخيرة. وفي الظهيرية: ولو وسوسه الشيطان فقال لا حول ولا قوة إلا بالله إن كان ذلك لامر الآخرة لا تفسد وإن كان لامر الدنيا تفسد خلافا لابي يوسف. ولو عوذ نفسه بشئ من القرآن للحمى ونحوها تفسد عندهم قوله: اه‍. بخلاف التعوذ لدفع الوسوسة لا تفسد مطلقا كما في القنية (والتنحنح بلا عذر) وهو أن يقول أح بالفتح والضم والعذر وصف يطرأ على المكلف يناسب التسهيل عليه، فإن كان التنحنح لعذر فإنه لا يبطل الصلاة بلا خلاف وإن حصل

[ 8 ]

به حروف لانه جاء من قبل من له الحق فجعل عفوا، وإن كان من غير عذر ولا غرض صحيح فهو مفسد عندهما خلافا لابي يوسف في الحرفين، وإن كان بغير عذر لكن لغرض صحيح كتحسين صوته للقراءة أو للاعلام أنه في الصلاة أو ليهدي إمامه عند خطائه ففيه اختلاف، فظاهر الكتاب والظهيرية اختيار الفساد لكن الصحيح عدمه لان ما للقراءة ملحق بها كما في فتح القدير وغيره. فلو قال بلا عذر وغرض صحيح لكان أولى إلا أن يستعمل العذر فيما هو أعم من المضطر إليه. قيدنا بأن يظهر له حروف لانه لو لم يظهر له حروف مهجاة فإنه لا يفسدها اتفاقا لكنه مكروه وهو محمل قول من قال إن التنحنح قصدا واختيارا مكروه لانه عبث لعروه عن الفائدة. وقيد بالتنحنح لانه لو تثاءب فحصل منه صوت أو عطس فحصل منه صوت مع الحروف لا تفسد صلاته. كذا في الظهيرية. ثم قال: التنحنح في الصلاة إن لم يكن مسموعا لا تفسد، وإن كان مسموعا يفسد. ظن بعض مشايخنا أن المسموع ما يكون مهجى. نحو أف وتف وغير المسموع ما لا يكون مهجى إلى هذا مال شمس الائمة الحلواني. وبعض مشايخنا لم يشترطوا وإليه مال الشيخ الامام خواهر زاده حتى قيل: إذا قال في صلاته ما يساق به الحمار لا تفسد إذا لم يحصل به الحروف اه‍. واختار الاول صاحب الخلاصة وذكر أنه إذا لم يفسد فهو مكروه قوله: (وجواب عاطس بيرحمك الله) أي يفسدها لانه من كلام الناس ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لقائله وهو معاوية بن الحكم أن صلاتنا هذه لا يصح فيها شئ من كلام الناس فجعل التشميت منه قيد بكونه جوابا لانه لو قال العاطس لنفسه يرحمك الله يا نفسي لا تفسد لانه لما لم يكن خطابا لغيره لم يعتبر من كلام الناس كما إذا قال يرحمني الله. وقيد بقوله يرحمك الله لانه لو قال العاطس أو السامع الحمد لله لا تفسد لانه لم يتعارف جوابا وإن قصده وفيه اختلاف المشايخ، ومحله عند إرادة الجواب، أما إذا لم يرده بل قاله رجاء الثواب لا تفسد بالاتفاق. كذا في غاية البيان. ومحله أيضا عند عدم إرادة التفهيم فلو أراده تفسد صلاة السامع القائل الحمد لله لانه تعليم للغير من غير حاجة كما في منية المصلي وشرحها. وأشار المصنف بالجواب إلى أن المصلي لو عطس فقال له رجل يرحمك الله فقال العاطس آمين تفسد صلاة. ولهذا قال في الظهيرية. رجلان يصليان فعطس أحدهما فقال رجل خارج الصلاة يرحمك الله فقالا جميعا آمين تفسد صلاته

[ 9 ]

العاطس ولا تفسد صلاة الآخر لانه لم يدع له اه‍. أي لم يجبه ويشكل عليه ما في الذخيرة إذا أمن المصلي لدعاء رجل ليس في الصلاة تفسد صلاته اه‍. وهو يفيد فساد صلاة المؤمن الذي ليس بعاطس وليس ببعيد كما لا يخفى. وأشار إلى أن المصلي إذا سمع الاذان فقال مثل ما يقول المؤذن، إن أراد جوابه تفسد وإلا فلا. وإن لم تكن له نية تفسد لان الظاهر أنه أراد به الاجابة، وكذلك إذا سمع اسم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه فهذا إجابة فتفسد، وإن صلى عليه ولم يسمع اسمه لا تفسد. ولو قال لبيك سيدي حين قرأ * (يا أيها الذين آمنوا) * ففيه قولان والاحسن أن لا يفعل. كذا في المحيط وفي الذخيرة معزيا إلى نوادر بشر عن أبي يوسف أنه إذا عطس الرجل في الصلاة حمد الله، فإن كان وحده فإن شاء أسر به وحرك لسانه، وإن شاء أعلن، وإن كان خلف إمام أسر به وحرك لسانه، ثم رجع أبو يوسف وقال: لا يحرك لسانه مطلقا اه‍. وهو متعين ولهذا قال في الخلاصة: وينبغي أن يقول في نفسه والاحسن هو السكوت. وفي القنية: مسجد كبير يجهر المؤذن فيه بالتكبيرات فدخل فيه رجل نادى المؤذن أن يجهر بالتكبير فرفع الامام للحال وجهر المؤذن بالتكبير، فإن قصد جوابه فسدت صلاته، وكذا لو قال عند ختم الامام قراءته صدق الله وصدق الرسول، وكذا إذا ذكر في تشهده الشهادتين عند ذكر المؤذن الشهادتين تفسد إن قصد الاجابة اه‍..

[ 10 ]

قوله: (وفتحه على غير إمامه) أي يفسدها لانه تعليم وتعلم لغير حاجة. قيد به لانه لو فتح على إمامه فلا فساد لانه تعلق به إصلاح صلاته، أما إن كان الامام لم يقرأ الفرض فظاهر، وأما إن كان قرأ ففيه اختلاف، والصحيح عدم الفساد لانه لو لم يفتح ربما يجري على لسانه ما يكون مفسدا فكان فيه إصلاح صلاته. ولاطلاق ما روي عن علي رضي الله عنه إذا استطعمكم الامام فأطعموه واستطعامه سكوته. ولهذا لو فتح على إمامه بعدما انتقل إلى آية أخرى لا تفسد صلاته وهو قول عامة المشايخ لاطلاق المرخص. وفي المحيط ما يفيد أنه المذهب فإن فيه وذكر في الاصل والجامع الصغير أنه إذا فتح على إمامه يجوز مطلقا لان الفتح وإن كان تعليما ولكن التعليم ليس بعمل كثير وأنه تلاوة حقيقة فلا يكون مفسدا وإن لم يكن محتاجا إليه. وصحح في الظهيرية أنه لا تفسد صلاة الفاتح على كل حال وتفسد صلاة الامام إذا أخذ من الفاتح بعدما انتقل إلى آية أخرى. وصحح المصنف في الكافي أنه لا تفسد صلاة الامام أيضا، فصار الحاصل أن الصحيح من المذهب أن الفتح على إمامه لا يوجب فساد صلاة أحد، لا الفاتح ولا الآخذ مطلقا في كل حال. ثم قيل: ينوي الفاتح بالفتح على إمامه التلاوة، والصحيح أنه ينوي الفتح دون القراءة لان قراءة المقتدي منهي عنها والفتح على إمامه غير منهي عنه. قالوا: يكره للمقتدي أن يفتح على إمامه من ساعته، وكذا يكره للامام أن يلجئهم إليه بأن يقف ساكتا بعد الحصر أو يكرر الآية بل يركع إذا جاء أوانه أو ينتقل إلى آية أخرى لم يلزم من وصلها ما يفسد الصلاة أو ينتقل إلى سورة أخرى كما في المحيط. واختلفت الرواية في وقت أوان الركوع ففي بعضها اعتبر أوانه المستحب، وفي بعضها اعتبر فرض القراءة يعني إذا قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة ركع. كذا في السراج الوهاج. وأراد من الفتح على غير إمامه تلقينه على قصد التعليم، أما إن قصد قراءة القرآن فلا تفسد عند الكل. كذا في الخلاصة وغيرها. وأطلق في الفتح المذكور فشمل ما إذا تكرر منه أو كان مرة واحدة وهو الاصح لانه لما اعتبر كلاما جعل نفسه قاطعا من غير فصل بين القليل والكثير كما في الجامع الصغير. وفصل في البدائع بأنه إن فتح بعد استفتاح فصلاته تفسد بمرة واحدة، وإن كان من غير استفتاح فلا تفسد بمرة واحدة وإنما تفسد بالتكرار اه‍. وهو خلاف المذهب كما سمعت، وشمل ما إذا كان المفتوح عليه مصليا أو لا. وأشار المصنف إلى أنه لو أخذ المصلي

[ 11 ]

غير الامام بفتح من فتح عليه فإن صلاته تفسد كما في الخلاصة. ثم اعلم أن هذا كله على قول أبي حنيفة ومحمد، وأما على قول أبي يوسف فلا تفسد صلاة الفاتح مطلقا لانه قرآن فلا يتغير بقصد القارئ عنده. وفي القنية: ارتج على الامام ففتح عليه من ليس في صلاته وتذكر فإذا أخذ في التلاوة قبل تمام الفتح لم تفسد وإلا فتفسد لان تذكره يضاف إلى الفتح، وفتح المراهق كالبالغ. ولو سمعه المؤتم ممن ليس في الصلاة ففتحه على إمامه يجب أن تبطل صلاة الكل لان التلقين من خارج اه‍. قوله: (والجواب بلا إله إلا الله) أي يفسدها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يكون مفسدا لانه ثناء بصيغته فلا يتغير بعزيمته. ولهما أنه أخرج الكلام مخرج الجواب وهو يحتمله فيجعل جوابا كتشميت العاطس. وليس مقصود المصنف خصوص الجواب بهذه الكلمة بل كل كلمة هي ذكر أو قرآن قصد بها الجواب فهي على الخلاف كما إذا أخبر بخبر يسره فقال الحمد لله، أو بأمر عجيب فقال سبحان الله. ثم نص المشايخ على أشياء موجبة للفساد باتفاقهم وهو ما لو كان بين يدي المصلي كتاب موضوع وعنده رجل اسمه يحيى فقال * (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) * (مريم: 12) أو رجل اسمه موسى وبيده عصا فقال له * (وما تلك بيمينك يا موسى) * (طه: 17) أو كان في السفينة وابنه خارجها فقال * (يا بني اركب معنا) * (هود: 42) أو طرق عليه الباب أو نودي من خارجه فقال * (ومن دخله كان آمنا) * (آل عمران: 97) وأراد بهذه الالفاظ الخطاب لانه لا يشكل على أحد أنه متكلم لا قارئ وهي مؤيدة لما قالاه واردة على أبي يوسف، ومما أورد على أبي يوسف الفتح على غير إمامه فإنه مفسد عنده وهو قرآن. كذا في فتح القدير. وأجاب عنه في غاية البيان بأن الفساد عنده فيه لامر آخر وهو التعليم والايراد مدفوع من أصله لان أبا يوسف لا يقول بالفساد بالفتح على غير إمامه كما ذكرها لزيلعي

[ 12 ]

وغيره. ثم اختلف المشايخ فيما إذا أخبر بخبر يسوءه فاسترجع لذلك بأن قال * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * مريدا بذلك الجواب، وصحح في الهداية والكافي الفساد عندهما خلافا لابي يوسف. وقال بعض المشايخ: إنه مفسد اتفاقا، ونسبه في غاية البيان إلى عامة المشايخ. وقال قاضيخان: إنه الظاهر. ولعل الفرق على قوله أن الاسترجاع لاظهار المصيبة وما شرعت الصلاة لاجله والتحميد لاظهار الشكر والصلاة شرعت لاجله. وحكم لا حول ولا قوة إلا بالله كالاسترجاع كما هو في منية المصلي. وقدمنا أنه لو قالها لدفع الوسوسة لامر الدنيا تفسد ولامر الآخرة لا تفسد. ثم أطلق المصنف الجواب بلا إله إلا الله وقيده في الكافي بصورة بأن قيل بين يديه أمع الله إله اخر فقال لاإله إلا الله والظاهر عدم التقييد بهذه الصورة في فتاوى قاضيخان أنه لو أخبر بخبر يهوله فقال لا إله إلا الله أو الله أكبر وأراد الجواب فسدت. ومما ألحق بالجواب ما في المجتبي: لو سج أو هلل يريد زجرا عن فعل أو أمرا به فسدت عندهما. وقيد بالجواب لانه لو أراد به إعلامه أنه في الصلاة كما إذا استأذن على المصلي إنسان فسبح وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم يقطع صلاته، وكذا لو عرض للامام شئ فسبح المأموم لا بأس به لان المقصود به إصلاح الصلاة فسقط حكم الكلام عند الحاجة إلى الاصلاح. ولا يسبح للامام إذا قام إلى الاخريين لانه لا يجوز له الرجوع إذا كان إلى القيام أقرب فلم يكن التسبيح مفيدا. كذا في البدائع وينبغي فساد الصلاة به لان القياس فسادها به عند قصد الاعلام، وإنما ترك للحديث الصحيح من نابه شئ في صلاته فليسبح (1) فللحاجة لم يعمل بالقياس، فعند عدمها يبقى الامر على أصل القياس. ثم رأيته في المجتبي قال: ولو قام إلى الثالثة في الظهر قبل أن يقعد فقال المقتدي سبحان الله، قيل لا تفسد. وعن الكرخي: تفسد عندهما اه‍. وقد قدمنا حكم ما

[ 13 ]

إذا أجاب المؤذن أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم. ولو لعن الشيطان في الصلاة عند قراءة ذكره لا تفسد. وفي الخانية والظهيرية: ولو قرأ الامام آية الترغيب أو الترهيب فقال المقتدي صدق الله وبلغت رسله فقد أساء ولا تفسد صلاته اه‍. وهو مشكل لانه جواب لامامه، ولهذا قال في المبتغى بالمعجمة: ولو سمع المصلي من مصل آخر * (ولا الضالين) * (الفاتحة: 7) فقال آمين لا تفسد، وقيل تفسد وعليه المتأخرون. وكذا بقوله عند ختم الامام قراءته صدق الله وصدق الرسول اه‍. وفي المجتبى: ولو لبى الحاج تفسد صلاته. ولو قال المصلي في أيام التشريق الله أكبر لا تفسد، ولو أذن في الصلاة وأراد به الاذان فسدت صلاته. وقال أبو يوسف: لا تفسد حتى يقول حي على الصلاة حي على الفلاح ولو جرى على لسانه نعم إن كان هذا الرجل يعتاد في كلامه نعم تفسد صلاته، وإن لم يكن عادة له لا تفسد لان هذه الكلمة في القرآن فتجعل منه. ثم اعلم أنه وقع في المجتبي وقيل لا تفسد في قولهم أي لا تفسد الصلاة بشئ من الاذكار المتقدمة إذا قصد بها الجواب في قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يخفى أنه خلاف المشهور المنقول متونا وشروحا وفتاوي، لكن ذكر في الفتاوي الظهيرية في بعض المواضع أنه لو أجاب بالقول بأن يخبر بخبر يسره فقال الحمد لله رب العالمين أو بخبر يسوءه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون تفسد صلاته والاصح أنه لا تفسد صلاته اه‍. وهو تصحيح مخالف للمشهور. قوله: (والسلام ورده) لانه من كلام الناس. أطلقه فشمل العمد والسهو كما صرح به في الخلاصة. وشمل ما إذا قال السلام فقط من غير أن يقول عليكم كما في الخلاصة أيضا. وفي الهداية ما يخالفه فإنه قال بخلاف السلام ساهيا لانه من الاذكار فيعتبر ذكرا في حالة النسيان وكلاما في حالة التعمد لما فيه من كاف الخطاب اه‍. وتبعه الشارحون. وهكذا قيد صدر الشريعة السلام بالعمد ولم يقيد الرد به. قال الشمنى: لان رد السلام مفسد، عمدا كان أو سهوا، لان رد

[ 14 ]

السلام ليس من الاذكار بل هو كلام وخطاب والكلام مفسد مطلقا اه‍. وهكذا قيد السلام بالعمد في المجمع ولم أر من وفق بين العبارات، وقد ظهر لي أن المراد بالسلام المفسد مطلقا أن يكون لمخاطب حاضر فهذا لا فرق فيه بين العمد والنسيان أي نسيان كونه في الصلاة، وأن المراد بالسلام المفسد حالة العمد فقط أن لا يكون لمخاطب حاضر كما قالوا: لو سلم على رأس الركعتين في الرباعية ساهيا، فإن صلاته لا تفسد. وكذا لو سلم المسبوق مع الامام. ثم بعد ذلك رأيت التصريح به في البدائع أن السلام على إنسان مبطل مطلقا، وأما السلام وهو الخروج من الصلاة فإنه مفسد إن كان عمدا والله الموفق. وفي القنية سلم قائما على ظن أنه أتم الصلاة ثم علم أنه لم يتم فسدت، وقيل يبنى لانه سلم في غير محله بخلاف القعود وصلاه الجنازة اه‍. وهو مقيد لاطلاقهم بما إذا كان السلام حالة القعود. وفيها: سلم المسبوق ساهيا ودعا بدعاء كان عادته أعاد، ولو قال استغفر الله وهو عادته لا يعيد. ولو قال المسبوق بعد الترويحة سبحان الله إلى آخره كما هو المعتاد ينبغي أن لا تفسد قرأ المسبوق الفاتحة بعد سلام الامام على المحتاج ناسيا فسدت اه‍. ثم هذا كله إذا سلم أورد بلسانه، أما إذا رد السلام بيده ففي الفتاوى الظهيرية والخلاصة وغيرهما ولو سلم إنسان على المصلي وأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا تفسد صلاته، ولو طلب إنسان من المصلي شيئا فأومأ برأسه أو قيل له أجيد هذا فأومأ برأسه بلا أو بنعم لا تفسد صلاته اه‍. وفي المجمع: لو رد السلام بلسانه أو بيده فسدت، ومن العجب أن العلامة ابن أمير حاج الحلبي مع سعة إطلاعه قال: إن بعض من ليس من أهل المذهب قد عزا إلى أبي حنيفة أن الصلاة تفسد بالرد باليد وأنه لم يعرف أن أحدا من أهل المذهب نقل الفساد في رد السلام باليد وإنما يذكرون عدم الفساد من غير حكاية خلاف في المذهب فيه، بل وصريح كلام الطحاوي في

[ 15 ]

شرح الآثار يفيد أن عدم الفساد قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وكأن هذا القائل فهم من نفي الرد بالاشارة الفساد على تقديره كما هو كذلك في الرد بالنطق لكن الثبت ما ذكرنا اه‍. فإن صاحب المجمع من أهل المذهب المتأخرين، والحق ما ذكره العلامة الحلبي أن الفساد ليس بثابت في المذهب وإنما استنبطه بعض المشايخ في فرع نقله من الظهيرية والخلاصة وغيرهما أنه لو صافح المصلي إنسانا بنية السلام فسدت صلاته. ونقل الزاهدي بعد نقله عن حسام الائمة المودني أنه قال: فعلى هذا تفسد أيضا إذا رد بالاشارة لانه كالتسليم باليد. وكذا نكره البقالي وقال: عند أبي يوسف لا تفسد اه‍. ويدل لعدم كونه مفسدا ما ثبت في سنن أبي داود وصححه الترمذي عنابن عمر قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الانصار فسلموا عليه وهو يصلي فقلت لبلال: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد السلام عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق. وما عن صهيب: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة ولا أعلمه قال الاشارة بأصبعه. رواه أبو داود والترمذي وحسنه. فإن قلت: إنها تقضي عدم الكراهة وقد صرحوا كما في منية المصلي وغيرها بكراهة السلام على المصلي ورده بالاشارة أجاب العلامة الحلبي بأنها كراهة تنزيهة وفعله عليه السلام لها إنما كان تعليما للجواز فلا يوصف بالكراهة، وقد أطال رحمه الله الكلام هنا إطالة حسنة كما هو دأبه. وحينئذ فيحتاج إلى الفرق بين المصافحة والرد باليد وقد علل

[ 16 ]

الولوالجي لفسادها بالمصافحة بأنها سلام وهو مفسد. وعلل الزيلعي بأنها كلام معنى ويرد عليه أن الرد بالاشارة كلام معنى، فالظاهر استواء حكمهما وهو عدم الفساد للاحاديث الواردة في ذلك. ثم اعلم أنه يكره السلام على المصلي والقارئ والجالس للقضاء أو البحث في الفقه أو التخلي، ولو سلم عليهم لا يجب عليهم الرد لانه في غير محله. كذا ذكر الشارح. وصرح في فتح القدير من باب الاذان أن السلام على المتغوط حرام ولا يخفى ما فيه إذ الدليل ليس بقطعي والله سبحانه أعلم. قوله: (وافتتاح العصر أو التطوع لا الظهر بعد ركعة الظهر) أي يفسدها انتقاله من صلاة إلى أخرى مغايرة للاولى، فقوله بعد ركعة الظهر ظرف للافتتاح وصورتها: صلى ركعة من الظهر ثم افتتح العصر أو التطوع بتكبيرة فقد أفسد الظهر. وتفسير المسألة أن لا يكون صاحب ترتيب بأن بطل عنه بضيق الوقت أو بكثرة الفوائت، فإن كان صاحب ترتيب فالمنتقل إلى العصر متطوع عند أبي حنيفة وأبي يوسف لانه لا يلزم من بطلان الوصف بطلان الاصل عندهما، وإن انتقل إلى عصر سابق على الظهر فقد انتقض وصف الفرضية قبل الدخول في العصر للترتيب فإنما انتقل عن تطوع لا فرض. كذا في الكافي. وإنما بطل ظهره لانه صح شروعه في غيره لانه نوى تحصيل ما ليس بحاصل فيخرج عنه ضرورة لمنافاة بينهما، فمناط الخروج عن الاولى صحة الشروع في المغاير ولو من وجه، فلذا لو كان منفردا

[ 17 ]

في فرض فكبر ينوي الاقتداء أو النفل أو الواجب أو شرع في جنازة فجئ بأخرى فكبر ينويهما أو الثانية يصير مستأنفا على الثانية فقط بخلاف ما إذا لم ينو شيئا، ولو كان مقتديا فكبر للانفراد يفسد ما أدى قبله ويصير مفتتحا ما أداه ثانيا. وقوله لا الظهر يعني لو صلى ركعة من الظهر فكبر ينوي الاستئناف للظهر بعينها فلا يفسد ما أداه فيحتسب بتلك الركعة حتى لو لم يقعد فيما بقي القعدة الاخيرة باعتبارها فسدت الصلاة فلغت النية الثانية، وتفرع عليه ما ذكره الولوالجي إذا صلى الظهر أربعا فلما سلم تذكر أنه ترك سجدة منها ساهيا ثم قام واستقبل الصلاة وصلى أربعا وسلم وذهب فسد ظهره لان نية دخوله في الظهر ثانيا وقع لغوا، فإذا صلى ركعة فقد خلط المكتوبة بالنافلة قبل الفراغ من المكتوبة اه‍. ومعلوم أن هذا إذا لم يتلفظ بلسانه، فإن قال نويت أن أصلي إلى آخره فسدت الاولى وصار مستأنفا للمنوي ثانيا مطلقا لان الكلام مفسد. وقيد بالصلاة لانه لو صام قضاء رمضان وأمسك بعد الفجر ثم نوى بعده نفلا لم يخرج عنه بنية النفل لان الفرض والنفل في الصلاة جنسان مختلفان لارجحان لاحدهما على الآخر في التحريمة وهما في الصوم والزكاة جنس واحد. كذا في المحيط. قوله: (وقراءته من مصحف) أي يفسدها عند أبي حنيفة. وقالا: هي تامة لانها عبادة انضافت إلى عبادة إلا أنه يكره لانه تشبه بصنيع أهل الكتاب. ولابي حنيفة وجهان: أحدهما أن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الاوراق عمل كثير. الثاني أنه تلقن من المصحف فصار كما إذا تلقن من غيره. وعلى هذا الثاني لا فرق بين الموضوع والمحمول عنده، وعلى الاول يفترقان. وصحح المصنف في الكافي الثاني وقال: إنها تفسد بكل حال تبعا لما صححه شمس وعلى الائمة السرخسي. وربما يستدل لابي حنيفة كما ذكره العلامة الحلبي بما أخرجه ابن أبي داود عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصحف فإن الاصل كون النهي يقتضي الفساد، وأراد بالمصحف المكتوب فيه شئ من القرآن فإن الصحيح أنه لو قرأ من

[ 18 ]

المحراب فسدت كما هو مقتضى الوجه الثاني كما صرحوا به. وأطلقه فشمل القليل والكثير وما إذا لم يكن حافظا أو حافظا للقرآن وهو إطلاق الجامع الصغير، وذهب بعضهم إلى أنه إنما تفسد إذا قرأ آية وبعضهم إذا قرأ الفاتحة. وقال الرازي: قول أبي حنيفة محمول على من لم يحفظ القرآن ولا يمكنه أن يقرأ إلا من مصحف، فأما الحافظ فلا تفسد صلاته في قولهم جميعا وتبعه على ذلك السرخسي في جامعة الصغير على ما في النهاية وأبو نصر الصفار على ما في الذخيرة معللا بأن هذه القراءة مضافة إلى حفظه لا إلى تلقنه من المصحف، وجزم به في فتح القدير والنهاية والتبيين وهو أوجه كمالا يخفى. وفي الظهيرية: ثم لم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يكن قادرا إلا على القراءة من المصحف فصلى بغير قراءة هل تجوز والاصح أنها لا تجوز ا ه‍. ويخالفه ما في النهاية نقلا عن مبسوط شيخ الاسلام وكان الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل يقول في التعليل لابي حنيفة أجمعنا على أن الرجل إذا كان يمكنه أن يقرأ من المصحف ولا يمكنه أن يقرأ على ظهر قلبه أنه لو صلى بغير قراءة أنه يجزئه، ولو كانت القراءة من المصحف جائزة لما أبيحت الصلاة بغير قراءة ولكن الظاهر أنهما لا يسلمان هذه المسألة وبه قال بعض المشايخ ا ه‍. والظاهر أن ما في الظهيرية متفرع على أن علة الفساد حمله والعمل الكثير فإذا لم يحفظ شيئا على ظهر قلبه يمكنه أن يقرأ من المصحف وهو موضوع فليس أميا لتجوز صلاته بغير قراءة، وما ذكره الامام الفضلي متفرع على الصحيح من أن علة الفساد تلقنه ولو كان موضوعا فحينئذ لا قدرة له على القراءة فكان أميا، وبهذا ظهر أن تصحيح الظهيرية مفرع على الضعيف. وأطلق في المصلي فشمل الامام والمنفرد، فما في الهداية من تقييده بالامام اتفاقي كما في غاية البيان. ثم اعلم أن التشبيه بأهل الكتاب لا يكره في كل شئ فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذموما وفيما يقصد به التشبيه. كذا ذكرهما قاضيخان في شرح الجامع الصغير فعلى هذا لو لم يقصد التشبه لا يكره عندهما.

[ 19 ]

قوله: (والاكل والشرب) أي يفسدانها لان كل واحد منهما عمل كثير وليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة إليه. وعلل قاضيخان وجه كونه كثيرا بقوله: لانه عمل اليد والفم واللسان. قال العلامة الحلبي: وهو مشكل بالنسبة إلى ما لو أخذ من خارج سمسمة فابتلعها أو وقع في فيه قطرة مطر فابتلعها فإنهم نصوا على فساد الصلاة في كل من هذه الصور مطلقا ا ه‍. أطلقه فشمل العمد والنسيان لان حالة الصلاة مذكرة فلا يعفى النسيان بخلاف الصوم فإنه لا مذكر فيه. وشمل القليل والكثير ولهذا فسره في الحاوي بقدر ما يصل إلى الحلق، وقيده الشارح بما يفسد الصوم وما لا يفسد الصوم لا يبطل الصلاة ا ه‍. وهو ممنوع كليا فإنه لو ابتلع شيئا بين أسنانه وكان قدر الحمصة لا تفسد صلاته وفي الصوم يفسد. وفرق بينهما الولوالجي وصاحب المحيبأن فساد الصلاة معلق بعمل كثير ولم يوجد بخلاف فساد الصوم فإنه معلق بوصول المغذي إلى جوفه لكن في البدائع والخلاصة أنه لا فرق بين فساد الصلاة والصوم في قدر الحمصة. وفي الظهيرية: لو ابتلع دما خرج من بين أسنانه لم تفسد صلاته إذا لم يكن مل ء الفم ا ه‍. وقالوا في باب الصوم: لو خرج من بين أسنانه دم ودخل حلقه وهو صائم إن كان الغلبة للدم أو كانا سواء فطره لان له حكم الخارج، وإن كانت الغلبة للبراق لا يضره كما في الوضوء فقد فرقوا بين الصلاة والصوم. وفي الظهيرية: لو قاء أقل من مل ء الفم فعاد إلى جوفه وهو لا يملك إمساكه لم تفسد صلاته، وإن أعاده إلى جوفه وهو قادر على أن يمجه يجب أن يكون على قياس الصوم عند أبي يوسف لا تفسد، وعند محمد تفسد. وإن تقيأ في صلاته إن كان أقل من مل ء الفم لا تفسد، وإن كان مل ء الفم تفسد صلاته ا ه‍. وفي المحيط وغيره: ولو مضغ العلك كثيرا فسدت، وكذا لو كان في فمه إهليلجة فلاكها فإن دخل في حلقه منها شئ يسير من غير أن يلوكها لا تفسد وإن كثر ذلك فسدت. وفي الخلاصة: ولو أكل شيئا من الحلاوة وابتلع عينها فدخل في الصلاة فوجد حلاوتها في فيه وابتلعها لا تفسد صلاته. ولو دخل الفانيد أو السكر في فيه ولم يمضغه لكن يصلي والحلاوة تصل إلى جوفه تفسد صلاته ا ه‍. وأشار بالاكل والشرب إلى أن كل عمل كثير فهو مفسد، واتفقوا على أن الكثير مفسد والقليل لا لامكان الاحتراز عن الكثير دون القليل فإن في الحي حركات من الطبع وليست من الصلاة، فلو اعتبر العمل مفسدا مطلقا لزم الحرج في إقامة صحتها وهو مدفوع بالنص.

[ 20 ]

ثم اختلفوا فيما يعين الكثرة والقلة على أقوال: أحدها ما اختاره العامة كما في الخلاصة والخانية أن كل عمل لا يشك الناظر أنه ليس في الصلاة فهو كثير، وكل عمل يشتبه على الناظر أن عامله في الصلاة فهو قليل. قال في البدائع: وهذا أصح. وتابعه الشارح والولوالجي. وقال في المحيط: إنه الاحسن. وقالالصدر الشهيد: إنه الصواب. وذكر العلامة الحلبي أن الظاهر أن مرادهم بالناظر من ليس عنده علم بشروع المصلي في الصلاة فحينئذ إذا رآه على هذا العمل وتيقن أنه ليس في الصلاة فهو عمل كثير، وإن شك فهو قليل. ثانيها أن ما يقام باليدين عادة كثير وإن فعله بيد واحدة كالتعمم ولبس القميص وشد السراويل والرمي عن القوس وما يقام بيد واحدة قليل، ولو فعله باليدين كنزع القميص وحل السراويل ولبس القلنسوة ونزعها ونزع اللجام وما أشبه ذلك. كذا ذكره الشارح ولم يقيد في الخلاصة والخانية ما يقام باليدين بالعرف، وقيد في الخانية ما يقام بيد واحدة بما إذا لم يتكرر والمراد بالتكرر ثلاث متواليات لما في الخلاصة: وإن حك ثلاثا في ركن واحد تفسد صلاته. هذا إذا رفع يده في كل مرة، أما إذا لم يرففي كل مرة فلا تفسد لانه حك واحد ا ه‍. وهو تقييد غريب وتفصيل عجيب ينبغي حفظ لكن في الظهيرية معزيا إلى الصدر الشهيد حسام الدين: لو حك موضعا من جسده ثلا ث مرات بدفعة واحدة تفسد صلاته ا ه‍. ولم أر من صحح القول الثاني في تحديد العمل وقد يقال إنه غير صحيح وإنه لو مضغ العلك في صلاته فسدت صلاته. كذا ذكره محمد كما في البدائع، لان الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة وليس فيه استعمال اليد رأسا فضلا عن استعمال اليدين، وكذا الاكل والشرب يعمل بيد واحدة وهو مبطل اتفاقا، وكذا قولهم لو دهن رأسه أو سرح شعره سواء كان شعر رأسه أو لحيته تفسد صلاته، لا يتخرج على أن العمل الكثير ما يقام باليدين لان دهن الرأس وتسريح الشعر عادة يكون بيد واحدة إلا أن يريد بالدهن تناوله القارورة وصب الدهن منها بيده الاخرى وهو كذلك فإن في المحيط قال: ولو صب الدهن على رأسه

[ 21 ]

بيد واحدة لا تفسد، وتعليل الولوالجي بأن تسريح الشعر يفعل باليدين ممنوع. وأما قولهم ولو حملت صبيا فأرضعته تفسد فهو على سائر التفاسير لكن ما في الخلاصة والخانية: المرأة إذا أرضعت ولدها تفسد صلاتها لانها صارت مرضعة، فشمل ما إذا حمل إليها فدفعت إليه الثدي فرضعها، وأما إذا ارتضع من ثديها وهي كارهة ففي الظهيرية والخلاصة والخانية إن مص ثلاثا فسدت وإن لم ينزل اللبن، فإن كان مصة أو مصتين فإن نزل لبن فسدت وإلا فلا. وفي المنية والمحيط: إن خرج اللبن فسدت وإلا فلا من غير تقييد بعدد. وصححه في معراج الدراية. وأما قولهم لو ضرب إنسانا بيد واحدة أو بسوط تفسد كما في المحيط والخلاصة والظهيرية والمنية فلا يتفرع على ما يقام باليدين على الصحيح لكن في الظهيرية لو ضرب دابته مرة أو مرتين لا تفسد وإن ضربها ثلاثا في ركعة واحدة تفسد. قال رضي الله عنه: وعندي إذا ضرب مرة واحدة وسكن ثم ضرب مرة أخرى وسكن ثم ضرب مرة أخرى لا تفسد صلاته كما قلنا في المشي ا ه‍. وهذا يصلح أن يتفرع على القولين، وأما اعتبارهم المرات الثلاث في الحك كما قدمناه عن الخلاصة فالظاهر تفريعه على قول من فسر العمل الكثير بما تكرر ثلاثا وهو القول الثالث لا على القولين الاولين، وأما قولهم لو قتل القملة مرارا إن قتل قتلا متداركا تفسد، وإن كان بين القتلات فرجة لا تفسد فيصلح تفريعه على الاقوال كلها. وإما قولهم لو قبل المصلي امرأته بشهوة أو بغير شهوة أو مسها بشهوة فسدت ينبغي تفريعه على القول الاصح، وكذا على قول من فسر العمل الكثير بما يستفحشه المصلي. وأما على اعتبار ما يفعل باليدين أو بما تكرر ثلاثا فلا وهو مما يضعفهما كما لا يخفى. كذا لو جامعها فيما دون الفرج من غير إنزال بخلاف النظر إلى فرجها بشهوة فإنه لا يفسد على المختار كما في الخلاصة. وأما قولهم كما في الخانية والخلاصة لو كانت المرأة هي المصلية دونه فقبلها فسدت بشهوة أو بغير شهوة ولو كان هو المصلي فقبلته ولم يشتهها فصلاته تامة فمشكل، إذ ليس من المصلي فعل في الصورتين فمقتضاه عدم الفساد فيهما، فإن جعلنا تمكينه من الفعل بمنزلة فعله اقتضى الفساد فيهما وهو الظاهر على اعتبار أن العمل الكثير ما لو نظر إليه الناظر لتيقن أنه ليس في الصلاة أو ما استفحشه المصلي لكن في شرح الزاهدي: ولو قبل المصلية لا

[ 22 ]

تفسد صلاتها. وقالابو جعفر: إن كان بشهوة فسدت ا ه‍. وهو مخالف لما في الخلاصة والخانية فسدت لتقبيله وتقبيلها. وفي منية المصلي: المشي في الصلاة إذا كان مستقبل القبلة لا يفسد إذا لم يكن متلاحقا ولم يخرج من المسجد وفي الفضاء ما لم يخرج عن الصفوف. هذا كله إذا لم يستدبر القبلة، وأما إذا استدبرها فسدت. وفي الظهيرية: المختار في المشي أنه إذا كثر أفسدها. وأما قولهم كما في منية المصلي لو أخذ حجرا فرمى به تفسد ولو كان معه حجر فرمى به لا تفسد وقد أساء، فظاهره التفريع على الصحيح لا على تفسيره بما يقام باليدين. وأما قولهم كما في الخلاصة وغيرها لو كتب قدر ثلاث كلمات تفسد وإن كان أقل لا، فالظاهر تفريعه على أن الكثير ما يستكثره المبتلي به أو أنه ما تكرر ثلاثا متواليات. وأما على الصحيح فالظاهر أن الفساد لا يتوقف على كتابة ثلاث كلمات بل يحصل الفساد بكتابة كلمة واحدة مستبينة على الارض ونحوها، وقد يشهد بذلك إطلاق ما في المحيط قال محمد: لو كتب في صلاته على شئ فسدت وإن كتب على شئ لا يرى لا تفسد لانه لا يسمى كتابة. وأما قولهم كما في الذخيرة لو حرك رجلا لا على الدوام لا تفسد وإن حرك رجليه تفسد فمشكل، لان الظاهر أن تحريك اليدين في الصلاة لا يبطلها حتى يلحق بهما تحريك الرجلين، فالاوجه قول بعضهم أنه إن حرك رجلية قليلا لا تفسد وإن كان كثيرا فسدت كما في الذخيرة أيضا، ولعله مفوض إلى ما يعده العرف قليلا أو كثيرا. وفي الظهيرية: إذا تخمرت المرأة فسدت صلاتها، ولو أغلق الباب لا تفسد، وإن فتح

[ 23 ]

الباب المغلق تفسد، وإن نزع القميص لا تفسد وللبس تفسد، ولو شد السراويل تفسد ولو فتح لا تفسد، ومن أخذ عنان دابته أو مقودها وهو نجس إن كان موضع قبضه نجسا لم يجز، وإن كان النجس موضعا آخر جاز، وإن كان يتحرك بتحركه هو المختار وإن جذبته الدابة حتى أزالته عن موضع سجوده تفسد. ولو آذاه حر الشمس فتحول إلى الظل خطوة أو خطوتين لا تفسد وقيل في الثلا ث كذلك والاول أصح. ولو رفع رجل المصلي عن مكانه ثم وضعه من غير أن يحوله عن القبلة لا تفسد، ولو وضعه على الدابة تفسد. ولو زر قميصا أو قباء فسدت لا إن حله، وإن ألجم دابة فسدت لا إن خلعه، ولو لبس خفية فسدت لا إن تنعل أو خلع نعليه كما لو تقلد سيفا أو نزعه أو وضع الفتيلة في مسرجة أو تروح بمروحة أو بكمه أو سوى من عمامته كورا أو كورين أو لبس قلنسوة أو بيضة. والحاصل أن فروعهم في هذا الباب قد اختلفت ولم تتفرع كلها على قول واحد بل بعضها على قول وبعضها على غير كما يظهر للمتأمل، والظاهر أن أكثرها تفريعات المشايخ لم تكن منقولة عن الامام الاعظم ولهذا جعل الاختلاف في حد العمل الكثير والقليل في التجنيس إنما هو بين المشايخ، وقد ذكرنا من الاقوال أربعة وذكروا قولا خامسا وهو أن العمل الكثير ما يكون

[ 24 ]

مقصودا للفاعل بأن أفرد له مجلسا على حدة، ولقد صدق من قال كثرة المقالات تؤذن بكثرة الجهالات، ولقد صدق صاحب الفتاوي الظهيرية حيث قال في الفصل الثالث في قراءة القرآن: إن كل ما لم يرو عن أبي حنيفة فيه قول بقي كذلك مضطربا إلى يوم القيامة كما حكي عن أبي يوسف أنه كان يضطرب في بعض المسائل وكان يقول: كل مسألة ليس لشيخنا فيها قول فنحن فيها هكذا اه‍. وإلى هنا تبين أن المفسد للصلاة كلام الناس مطلقا والعمل الكثير، ومن المفسد الموت والارتداد بالقلب والجنون والاغماء وكل حدث عمد، وما أوجب الغسل كالاحتلام والحيض ومحاذاة المرأة بشروطه وترك ركن من غير قضاء أو شرط لغير عذر. وأما استخلاف القارئ للامي والفتح على غير إمامه فداخل تحت العمل الكثير، وأما ترك القعدة الاخيرة مع التقييد بالسجدة، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر صاحب الترتيب الفائتة فيها، وطلوع الشمس في الفجر، ودخول وقت العصر في الجمعة ونظائرها، فمما يفسد وصف الفرضية لا أصل الصلاة، وأما فسادها بتقدم الامام أمام المصلي أو طرحه في صف النساء أو في مكان نجس أو سقوط الثوب عن عورته مع التعمد مطلقا ومع أداء ركن إن لم يتعمد علم أو لم يعلم، ومع المكث قدره إن لم يؤد عند أبي حنيفة ومحمد كما في الظهيرية فراجع إلى فوت الشرط كما لا يخفى. قوله: (ولو نظر إلى مكتوب وفهمه أو أكل ما بين أسنانه أو مر مار في موضع سجوده لا تفسد وإن أثم) أما الاول فلان الفساد إنما يتعلق في مثله بالقراءة وبالنظر مع الفهم لم تحصل، وصحح المصنف في الكافي أنه متفق عليه بخلاف من حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر إليه وفهمه فإنه يحنث عنه محمد لان المقصود فيه الفهم والوقوف على سره. أطلق المكتوب فشمل ما هو قرآن وغيره لكن في القرآن لا تفسد إجماعا بالاتفاق كما في النهاية، وشمل ما إذا استفهم أو لا، لكن إذا لم يكن مستفهما لا تفسد بالاجماع، وإن كان مستفهما ففي المنية تفسد عند محمد والصحيح عدمه اتفاقا لعدم الفعل منه ولشبهة الاختلاف قالوا: ينبغي للفقيه أن لا يضع جز تعليقه بين يديه في الصلاة لانه ربما يقع بصره على ما في الجزء فيفهم ذلك فيدخل فيه شبهة الاختلاف ا ه‍. وعبر في النهاية بالوجوب على الفقيه أن لا يضع لكن قد علمت أن شبهة الاختلاف فيما إذا كان مستفهما، وأما إذا لم يكن مستفهما فلا يعلل بما ذكر لعدم الاختلاف فيه بل لاشتغال قلبه به إذا خاف من وضعه بين يديه اشتغاله بالنظر إليه ولم يذكروا كراهة النظر إلى المكتوب متعمدا، وفي منية المصلي ما يقتضيها فإنه قال: ولو أنشأ شعرا أو خطبة ولم يتكلم بلسانه لا تفسد وقد أساء، وعلل الاساءة شارحها

[ 25 ]

باشتغالة بما ليس من أعمال الصلاة من غير ضرورة قال ثم ينبغي أن يكون عليه سجود السهو إذا أشغله ذلك عن أداء ركن أو واجب سهوا ا ه‍. وبهذا علم أن ترك الخشوع لا يخل بالصحة بل بالكمال ولذا قال في الخلاصة والخانية أذا تفكر في صلاته فتذكر شعرا أو خطبة فقرأهما بقلبه ولم يتكلم بلسانه لا تفسد صلاته اه‍. وأما الثاني وهو أكله ما بين أسنانه فلانه عمل قليل، أطلقه فشمل ما إذا كان قدر الحمصة كما قدمناه عن المحيط والوالجية من الفرق بين الصلاة والصوم. وفي البدائع: إن كان دون الحمصة لم يضره وإن كان قدر الحمصة فصاعدا فسدت صلاته، وهكذا في شرح الطحاوي. وقال بعضهم: لا تفسد صلاته بما دون مل ء الفم وعليه مشي في الخلاصة حيث قال: وقال الامام خواهر زاده: ولو أكل بعض اللقمة وبقي البعض في فيه حتى شرع في الصلاة وابتلع الباقي لا تفسد صلاته ما لم يكن مل ء الفم. فهذه ثلاثة أقوال في هذه المسألة كما ترى والشأن فيما هو الراجح منها وهو ينبني على معرفة العمل الكثير وفيه اختلاف كما سبق، وينبغي أن يكون محل الاختلاف فيما إذا ابتلع ما بين أسنانه من غير مضغ، أما إذا مضغه كثيرا فلا خلاف في فسادها كما قدمناه في مضغ العلك، وعلى هذا فلو عبر المصنف بالابتلاع كما في الخلاصة والمحيط والولوالجية وكثير دون الاكل لكان أولى. ثم إذا كان ابتلاع ما بين أسنانه غير مفسد بشرطه على الخلاف

[ 26 ]

فهو مكروه كما صرح به في منية المصلي لانه ليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة فيه فكان مكروها وإن كان قليلا. وأما الثالث وهو مرور المار في موضع سجود المصلي فإنما لا يفسدها عند عامة العلماء، سواء كان المار امرأة أو حمارا أو كلبا أو غيرها لحديث الصحيحين عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، ولقوله عليه السلام لا يقطع الصلاة مرور شئ وادرؤوا ما استطعتم فإنما هو شيطان لكن ضعفه النووي. وفي فتح القدير: والذي يظهر أنه لا ينزل عن الحسن لانه يروي من عدة طرق. ثم الكلام في هذه المسألة في سبعة عشرة موضعا: الاول ما ذكره في الكتاب من عدم الفساد. الثاني أن المار آثم للحديث لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه (1) قال الراوي: لا أدري أربعين عاما أو شهرا أو يوما. وأخرجه البزار وقال: أربعين خريفا. وروى ابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يد أخيه معترضا في الصلاة كان لان يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطى. وبهذا علم أن الكراهة تحريمية لتصريحهم بالاثم وهو المراد بقوله وإن أثم المار بين يديه. الثالث في الموضع الذي يكره المرور فيه وفيه اختلاف، واختار المصنف أنه موضع سجوده، وصححه في الكافي لان هذا القدر من المكان حقه وفي تحريم ما وراءه تصييق على المارة وهو يفيد أن المراد بموضع سجوده موضع صلاته وهو من قدمه إلى موضع سجوده كما صرح به الشارح وهو مختار صاحب الهداية وشمس الائمة السرخسي وقاضيخان، وفي المحيط إنه الاحسن لان ذلك القدر موضع صلاته دون ما وراءه. وذكر التمرتاشي أن الاصح أنه إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار فلا يكره المرور نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه. وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه، واختاره فخر الاسلام فإنه قال: إذا صلى راميا

[ 27 ]

ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع عليه بصره لم يكره وهذا حسن. وفي البدائع وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع وفيما وراء ذلك لا يكره وهو الاصح، ورجحه في النهاية بأنه أشبه إلى الصواب لان المصلي إذا صلى بخشوع وفيما وراء ذلك لا يكره وهو الاصح. ورجحه في النهاية بأنه أشبه إلى الصواب لان المصلي إذا صلى على الدكان وحاذ أعضاء المار أعضاءه فإن المرور أسفل الدكان مكروه وهو ليس بموضع سجود المصلي فهي واردة على من اعتبر موضع السجود، فما اختاره فخر الاسلام يمشي في كل الصور كما هو دأبه في اختياراته، وأقره عليه في فتح القدير. ووفق بينهما في العناية بأن المراد بموضع السجود الموضع القريب من موضع السجود فيؤل إلى ما اختاره فخر الاسلام بدليل أن صاحب الهداية بعد اعتباره موضع السجود شرط عدم الحائل كالاسطوانة، ولا يتصور أن يكون الحائل بينه وبين موضع سجوده وبدليل أنه صرح بمسألة المرور أسفل الدكان ا ه‍. وهو تكلف. والذي يظهر للعبد الضعيف أن الراجح ما في الهداية وأنه لا يرد عليه شئ مما ذكر لان مسألة الدكان إنما ترد عليه نقضا لو سكت عنها. وأما إذا صرح بها فلا فكأنه قال: العبرة بموضع السجود إن لم يكن يصلي علدكان، فأما إذا كان يصلي عليها فالعبرة للمحاذاة كما هو ظاهر عبارته لمن تأملها. وإنما شرط عدم الحائل لانه يتصور وجود الحائل. في موضع السجود كأن يصلي قريبا من جدار بالايماء للمرض بحيث لو لم يكن الجدار لكان موضعه موضع السجود فلا منافاة كما

[ 28 ]

في العناية، أو أن اشتراط عدم الحائل إنما هو بيان لمحل الخلاف فإن المرور وراء الحائل ليس بمكروه اتفاقا كما هو ظاهر عبارتهم لاشرط في المرور في موضع السجود. ومما يضعف تصحيح النهاية أنه يقتضي أن الموضع الذي يكره المرور فيه مختلف يكون في حالة القيام مخالفا لحالة الركوع وفي حالة الجلوس مخالفا للكل فيقتضي أنه لو مر إنسان بين يديه في موضع سجوده وهو جالس لا يكره لان بصره لا يقع عليه حالة كونه خاشعا، ولو مر في ذلك لم يمر في ذلك الموضع بعينه وهو قائم يكره لان بصره يقع عليه حالة خشوعه، وأنه لو مر داخل موضع سجوده وهو راكع لا يكره لان بصره لا يقع عليه حالة خشوعه، وأنه لو مر عن يمينه وهو يسلم بحيث يقع بصره عليه خاشعا يكره، وهذا كله بعيد عن المذهب لعدم انضباطه كما لا يخفى. والاختلاف في موضع المرور إنما هو منشأ بين المشايخ لعدم ذكره في الكتاب لمحمد بن الحسن كما في البدائع وحيث لم ينص صاحب المذهب على شئ فالترجيح لما في الهداية لانضباطه، وهو بإطلاقه يشمل الصحراء والمسجد وفي المسجد اختلاف، ففي الخلاصة: وإذا كان في المسجد لا ينبغي لاحد أن يمر بينه وبين حائط القبلة. وصحح في المحيط أنه لو مر عن بعد في المسجد فالاصح أنه لا يكره، وكذا صححه فخر الاسلام كما في غاية البيان. وذكر قاضيخان في شرحه أن المسجد إذا كان كبيرا فحكمه حكم الصحراء. وفي الذخيرة من الفصل التاسع: إن كان المسجد صغيرا يكره في أي موضع يمر وإليه أشار محمد في الاصل فإنه قال في الامام إذا فرغ من صلاته: فإن كانت صلاة لا تطوع بعدها فهو بالخيار إن شاء انحرف عن يمينه أو شماله وإن شاء قام وذهب وإن شاء استقبل الناس

[ 29 ]

بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلي، ولم يفصل بين ما إذا كان المصلي في الصف الاول أو في الصف الاخير وهذا هو ظاهر المذهب لانه إذا كان وجهه مقابل وجه الامام في حال قيامه يكره ذلك وإن كان بينهما صفوف. ووجه الاستدلال بهذه المسألة أن محمدا جعل جلوس الامام في محرابه وهو مستقبل له بمنزلة جلوسة بين يديه وموضع سجوده، وكذا مرور المار في أي موضع يكون من المسجد بمنزلة مروره بين يديه وفي موضع سجوده، وإن كان المسجد كبيرا بمنزلة الجامع قال بعضهم: هو بمنزلة المسجد الصغير فيكره المرور في جميع الاماكن. وقال بعضهم: هو بمنزلة الصحراء ا ه‍. وبهذا علم أن ما صححه في الذخيرة في الفصل الرابع أن بقاع المسجد في ذلك كله على السواء إنما هو في المسجد الصغير، ورجح في فتح القدير أنه لا فرق بين المسجد وغيره فإن المؤثم المرور بين يديه وكون ذلك البيت برمته اعتبر بقعة واحدة في حق بعض الاحكام لا يستلزم تغيير الامر الحسي من المرور من بعيد فيجعل البعيد قريبا ا ه‍. فحاصل المذهب على الصحيح أن الموضع الذي يكره المرور فيه هو أمام المصلي في مسجد صغير وموضع سجوده في مسجد كبير أو في الصحراء أو أسفل من الدكان أمام المصلي لو كان يصلي عليها بشرط محاذاة أعضاء المار أعضاءه. قال في النهاية:

[ 30 ]

إنما شرط هذا فإنه لو صلى على الدكان والدكان مثل قامة الرجل وهو سترة فلا يأثم المار وكذا السطح والسرير وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة وهو ذراع وهو غلط، لانه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب. وإن استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائما اختلفوا فيه، وإن استتر بدابة فلا بأس به وقالوا: حيلة الراكب إذا أراد أن يمر ينزل فيصير وراء الدابة ويمرا فتصير الدابة سترة ولا يأثم. وكذا لو مر رجلان متحاذيان فإن كراهة المرور وإثمه يلحق الذي يلي المصلي ا ه‍. الرابع أنه ينبغي لمن يصلي في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة لما رواه الحاكم وأحمد وغيرهما عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ولا يدع أحدا يمر بين يديه (1) وفي الصحيحين عن ابن عمر أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر. وفي منية المصلي: وتكره الصلاة في الصحراء من غير سترة إذا خاف المرور بين يديه. وينبغي أن تكون كراهة تحريم لمخالفة الامر المذكور لكن في البدائع: والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب شيئا ويستتر فأفاد أن الكراهة تنزيهية فحينئذ كان الامر للندب لكنه يحتاج إلى صارف عن الحقيقة. قال العلامة الحلبي في شرح المنية: إنما قيد بقوله في الصحراء لانها المحل الذي يقع فيه المرور غالبا وإلا فالظاهر كراهة ترك السترة فيما يخاف فيه المرور أي موضع كان. الخامس أن المستحب أن يكون مقدارها ذراعا فصاعدا لحديث مسلم عن

[ 31 ]

عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سترة المصلي فقال: بقدر مؤخرة الرحل. ومؤخرة بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة العود الذي في آخر الرحل من كور البعير، وفسرها عطاء بأنها ذراع فما فوقه كما أخرجه أبو داود. السادس اختلفوا في مقدار غلظها ففي الهداية: وينبغي أن تكون في غلظ الاصبع لان ما دونه لا يبدو للناظر وكأن مستنده ما رواه الحاكم مرفوعا استتروا في صلاتكم ولو بسهم ويشكل عليه ما رواه الحاكم عنأبي هريرة مرفوعا يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة ولهذا جعل بيان الغلظ في البدائع قولا ضعيفا وأنه لا اعتبار بالعرض وظاهره أنه المذهب. السابع أن من السنة غرزها إن أمكن. الثامن أن في استنان وضعها عند تعذر غرزها اختلافا فاختار في الهداية أنه لا عبرة بالالقاء، وعزاه في غاية البيان إلي أبحنيفة ومحمد وصححه جماعة منهم قاضيخان في شرح الجامع الصغير معللا بأنه لا يفيد المقصود. وقيل: يسن الالقاء ونقله القدوري عن أبي يوسف، ثم قيل يضعه طولا لا عرضا ليكون على مثال الغرز. التاسع أن السنة القرب منها لحديث أبي داود مرفوعا إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها (1) وذكر العلامة الحلبي أن السنة أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع. العاشر أن السنة أن يجعلها على أحد حاجبيه لحديث أبي داود عن المقداد بن الاسود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود أو شجرة إلا جعله على حاجبه الايمن أو الايسر ولا يصمد إليه صمدا. أي لا يقابله مستويا مستقيما بل كان يميل عنه. كذا في المغرب. الحادي عشر أن سترة الامام تجزئ عن أصحابه كما هو ظاهر الاحاديث الثابتة في الصحيحين من الاقتصار على سترته صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء في أن سترة الامام هل هي بنفسها سترة للقوم وله أو هي سترة له خاصة وهو سترة لمن خلفه، فظاهر كلام أئمتنا الاول ولهذا قال في الهداية: وسترة الامام سترة للقوم. الثاني عشر أنه لا بأس بالمرور وراء السترة كما دل عليه حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين من مروره وراء السترة ولم ينكر عليه. الثالث عشر أنه إذا لم يجد ما يتخذه سترة فهل ينوب الخط بين يديه منابها ففيه روايتان: الاولى أنه ليس بمسنون ومشى عليه كثير من المشايخ واختاره في الهداية لانه لا يحصل المقصود به إذ لا يظهر من بعيد، والثانية عن محمد أنه يخط لحديث أبي داود فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا وأجاب عنه في البدائع بأنه شاذ فيما تعم به البلوى وصرح النووي بضعفه وتعقب بتصحيح أحمد وابن حبان وغيرهما له كما ذكره العلامة الحلبي وجزم به المحقق في فتح القدير وقال: إن السنة

[ 32 ]

أولى بالاتباع مع أنه يظهر في الجملة إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر. الرابع عشر في بيان كيفيته، فمنهم من قال يخط بين يديه عرضا مثل الهلال، ومنهم من قال يخطه بين يديه طولا، وذكر النووي أنه المختار ليصير شبه ظل السترة. الخامس عشر درء المار بين يديه قالوا: ويدرؤه إن لم يكن سترة أو مر بينه وبينها للاحاديث الواردة، وهو بالاشارة باليد أو بالرأس أو بالعين أو بالتسبيح، وزاد الولوالجي أنه يكون برفع الصوت بقراءة القرآن، وينبغي أن يكون محله في الصلاة الجهرية فيما يجهر فيه منها. وفي الهداية: ويكره الجمع بين التسبيح والاشارة لان بأحدهما كفاية. قالوا: هذا في حق الرجال، أما النساء فإنهن يصفقن للحديث. وكيفيته أن تضرب بظهور أصابع اليمنى على صفحة الكف من اليسرى ولان في صوتهن فتنة فكره لهن التسبيح. كذا في غاية البيان. السادس عشر أن ترك الدرء أفضل لما في البدائع. ومن المشايخ من قال: إن الدرء رخصة والافضل أن لا يدرأ لانه ليس من أعمال الصلاة، وكذا رواه الماتريدي عن أبي حنيفة. والامر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة كالامر بقتل الاسودين ا ه‍. وذكر الشارح عن السرخسي أن الامر بالمقاتلة محمول على الابتداء حين كان العمل فيها مباحا، وفي غاية البيان معنى المقاتلة الدفع العنيف. السابع عشر أنه لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق لان اتخاذ السترة للحجاب عن المار ولا حاجة بها عند عدم المار. روي عن محمد أنه تركه في طريق الحجاز غير مرة. وقال العلامة الحلبي: ويظهر أن الاولى اتخاذها في هذا الحال وإن لم يكره الترك لمقصود آخر وهو كف بصره عما وراءها وجمع خاطره بربط الخيال بها ا ه‍. وقيدوا بقولهم ولم يواجه الطريق لان الصلاة في الطريق أي في طريق العامة مكروهة، وعلله في

[ 33 ]

المحيط بما يفيد أنها كراهة تحريم بقوله: لان فيه منع الناس عن المرور والطريق حق الناس أعد للمرور فيه فلا يجوز شغله بما ليس له حق الشغل. وإذا ابتلي بين الصلاة في الطريق وبين أرض غيره، فإن كانت مزروعة فالافضل أن يصلي في الطريق لان له حقا في الطريق ولا حق له في الارض، وإن تكن مزروعة وإن كانت لمسلم يصلي فيها فإن الظاهر أنه يرضى به لانه إذا بلغه يسر بذلك لانه أحرز أجرا من غير اكتساب منه وفي الطريق لا إذن لان الطريق حق المسلم والكافر وإن كانت لكافر يصلي على الطريق لانه لا يرضى به ا ه‍. قوله: (وكره عبثه بثوبه وبدنه) شروع في بيان المكروهات بعد بيان المفسدات لان كلا منهما من العوارض إلا أنه قدم المفسد لقوته. والمكروه في هذا الباب نوعان: أحدهما ما كره تحريما وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة كما ذكره في فتح القدير من كتاب الزكاة وذكر أنه في رتبة الواجب لا يثبت إلا بما يثبت به الواجب يعني بالنهي الظني الثبوت فإن الواجب يثبت بالامر الظني الثبوت. ثانيهما المكروه تنزيها ومرجعه إلى ما تركه أولى وكثيرا ما يطلقونه كما ذكره العلامة الحلبي في مسألة مسح العرق فحينئذ إذ ذكروا مكروها فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهيا ظنيا يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف للنهي عن التحريم إلى الندب، فإن لم يكن الدليل نهيا بل كان مفيدا للترك الغير الجازم فهي تنزيهية. واختلف في تفسير العبث فذكر الكردري أنه فعل فيه غرض ليس بشرعي والسفه ما لا غرض فيه أصلا،

[ 34 ]

والمذكور في شرح الهداية وغيرها أن العبث الفعل لغرض غير صحيح حتى قال في النهاية: وحاصله أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس بأن يأتي به، أصله ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرق في صلاة فسلت العرق عن جبينه أي مسحه لانه كان يؤذيه فكان مفيدا. وفي زمن الصيف كان إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة لانه كان مفيدا كيلا يبقى صورة، فأما ما ليس بمفيد فهو العبث اه‍. وتعقبه العلامة الحلبي بأنه إذا كان يكره رفع الثوب كيلا يتترب وأنه قد وقع الخلاف في أنه يكره مسح التراب عن جبهته في الصلاة وأنه قد وقع الندب إلى تتريب الوجه في السجود فضلا عن الثوب فكون نفض الثوب عن التراب عملا مفيدا وأنه لا بأس به مطلقا فيه نظر ظاهر، وأما أنه لا بأس بسلت العرق في الصلاة فهو قول بعض المشايخ واختاره في الخانية وغيرها. وفي منية المصلي: ويكره أن يمسح عرقه أو التراب عن جبهته في أثناء الصلاة أو في التشهد قبل السلام، ووفق بينهما بأن المراد بالعرق الممسوح عرق لم تدعه حاجة إلمسحه وبالكراهة الكراهة التنزيهية فحينئذ لا منافاة بينها وبين قولهم لا بأس لان تركه أولى، ويحمل فعله صلى الله عليه وسلم إن ثبت على أن به حاجة إلى مسحه أو بيانا للجواز ا ه‍. وفي الخانية: ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب أو الحشيش بعد الفراغ من الصلاة وقبله إذا كان يضره ذلك ويشغله عن الصلاة، وإذا كان لا يضره ذلك يكره في وسط الصلاة ولا يكره قبل التشهد والسلام ا ه‍. وصححه في المحيط وهو مع ما قدمناه من تعريف العبث يدل على أن الحك بيده في بدنه إنما يكون عبثا إذا كان لغير حاجة، أما إذا أكله شئ في بدنه ضره وأشغله فلا بأس بحكه ولا يكون من العبث. ثم ذكر الشارحون أنهم إنما قدموا مسألة العبث لانها كلية وغيرها نوعية لان تقليب الحصى والفرقعة والتخصر من أنواع العبث والكلي مقدم على النوعي. وتعقبه في العناية بأن العبث بالثوب لا يشمل ما بعده من تقليب الحصى وغيره بل إنما قدموه لانه أكثر وقوعا ا ه‍. وقد يقال: إن الشامل للتقليب وغيره العبث بالبدن ولا يتم ما قاله إلا لو اقتصروا على العبث بالثوب. ثم إن كراهة العبث تحريمية لما أخرجه القضاعي في مسند الشهاب مرسلا عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كره لكم ثلاثا العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك في المقابر وعلله في الهداية بأن العبث خارج الصلاة حرام فما ظنك في الصلاة ا ه‍. وأراد به كراهة التحريم وأورد عليه في غاية البيان بأنه إذا كان حراما ينبغي أن يكون مفسدا كالقهقهة،

[ 35 ]

وأجاب بأن فساد القهقهة لا باعتبار حرمتها بل باعتبار أنها تنقض الطهارة وهي شرط ولهذا لا يفسدها النظر إلى الاجنبية وإن كان حراما إلا إذا كثر العبث فحينئذ يفسدها لكونه عملا كثيرا. وفي الغاية للسروجي قوله ولان العبث خارج الصلاة حرام فيه نظر لان العبث خارجها بثوبه أو بدنه خلاف الاولى ولا يحرم والحديث قيد بكونه في الصلاة ا ه‍. قوله: (وقلب الحصى إلا للسجود مرة) أي كره قلبه لغير ضرورة لما أخرج في الكتب الستة عن معيقيب أنه صلى الله عليه وسلم قال لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة وعن أبي ذر أنه قال: سألت خليلي عن كل شئ حتى سألته عن تسوية الحصى في الصلاة فقال: يا أبا ذر مرة أو ذر. ولانه نوع عبث، أما إذا كان لا يمكنه السجو عليه فيسويه مرة لان فيه إصلاح صلاته. كذا في الهداية. يعني فيه تحصيل السجود على الوجه المطلوب شرعا وهو يفيد أن تسويته مرة لهذا الغرض أولى من تركها. وصرح في البدائع بأن التسوية مرة رخصة وأن الترك أولى لانه أقرب إلى الخشوع. وفي النهاية والخلاصة: إن الترك أحب إلي مستدلا في النهاية بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات وإن تركتها فهو خير لك من مائة ناقة سوداء الحدقة تكون لك (2) اه‍. فالحاصل أن التسوية لغرض صحيح مرة هل هي رخصة أو عزيمة وقد تعارض فيها جهتان، فبالنظر إلى أن التسوية مقتضية للسجود على الوجه المسنون كانت التسوية عزيمة، وبالنظر إلى أن تركها أقرب إلى الخشوع كان تركها عزيمة، والظاهر من الاحاديث الثاني ويرجحه أن الحكم إذا تردد بين سنة وبدعة كان ترك البدعة راجحا على فعل السنة مع أنه قد كان يمكنه التسوية قبل الشروع في الصلاة وتقييد المصنف بالمرة هو ظاهر الرواية والزيادة عليها مكروهة، وقيل يسويها مرتين. ذكره في منية المصلي قوله: (وفرقعة الاصابع) وهو غمزها أو مدها حتى تصوت. ونقل في الدراية الاجماع على كراهتها فيها، ومن السنة ما رواه ابن ماجه مرفوعا لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي (3) لكنه معلول بالحارث. وروى أحمد عن سهل بن معاذ رفعه الضاحك في الصلاة والملتفت والمفرقع أصابعه بمنزلة واحدة (4) ولعل

[ 36 ]

المراد التساوي في المعصية وإلا فالضحك مبطل لها. وينبغي أن تكون كراهة الفرقعة تحريمية للنهي الوارد في ذلك ولانها من أفراد العبث بخلاف الفرقعة خارج الصلاة لغير حاجة ولو لاراحة المفاصل فإنها تنزيهية على القول بالكراهة كما في المجتبي أنه كرهها كثير من الناس لانها من الشيطان بالحديث اه‍. لكن لما لم يكن فيها خارجها نهي لم تكن تحريمية كما أسلفناه قريبا، والحق في المجتبي المنتظر للصلاة والماشي إليها بمن في الصلاة في كراهتها وروى في ذلك حديثا أنه نهى أن يفرقع الرجل أصابعه وهو جالس في المسجد ينتظر الصلاة. وفي رواية وهو يمشي إليها. وأشار المصنف إلى كراهة تشبيك الاصابع وهو أن يدخل إحدى أصابع يديه بين أصابع الاخرى في الصلاة كما صرح به في المحيط وغيره لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعا إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبك بين يديه فإنه في الصلاة (1) ونقل في الدراية إجماع العلماء على كراهته فيها. ثم يظهر أيضا أنها تحريمية للنهي المذكور وظاهره الكراهة أيضا حالة السعي إلى الصلاة فإذا كان منتظرا لها بالاولى. وذكر العلامة الحلبي أنه لم يقف على حكمه خارج الصلاة لمشايخنا، والظاهر أنه في غير هذين الموضعين لا للعبث ليس بمكروه ولو لاراحة الاصابع وإن كان على سبيل العبث يكره تنزيها اه‍. وقد قدمنا عن الهداية أن العبث خارج الصلاة حرام وحملناه على كراهة التحريم فينبغي أن يكون العبث خارجها لغير حاجة كذلك قوله: (والتخصر) وهو وضع اليد على الخاصرة وهي ما فوق الطفطفة والشراسيف - كذا في المغرب - لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه كما في سنن أبي داود. وهذا التفسير هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة والفقود الحديث ورد مفسرا هكذا عن ابن عمر كما في السنن. وحكمته أنه في الصلاة راحة أهل النار كما رواه ابن حبان في صحيحه. قال ابن حبان: يعني فعل اليهود والنصار في صلاتهم وهم أهل النار لا أن لهم راحة في النار أو أنه فعل المتكبرين ولا يليق بالصلاة، أو أنه فعل الشيطان حتى قيل إن إبليس اهبط من الجنة لذلك فلهذا قال في المبسوط والمجتبى: ويكره التخصر خارج الصلاة أيضا. والذي يظهر أنها تحريمية فيها للنهي المذكور. وقد فسر التخصر بغير هذا أيضا منها أن يتوكأ في الصلاة

[ 37 ]

على عصا، ومنها أن يختصر السورة فيقرأ من أولها آية أو آيتين، ومنها أن يختصرها فيقرأ آخرها، ومنها أن يحذف آية السجدة، ومنها أن يختصر صلاته فلا يتم حدودها، ولا شك في كراهة الاتكاء في الفرض لغير ضرورة كما صرحوا به لا في النفل على الاصح كما في المجتبي، وأما الاختصار في القراءة فإن أخل بواجب بأن نقص عن ثلاث آيات مع الفاتحة كان مكروها كراهة تحريم لترك بعض الواجب إلا فلا. وقد صرح أصحاب الفتاوى بأن الصحيح أنه لا تكره القراءة من آخر السورة وقد صرحوا بكراهة قراءة السورة وترك آية السجدة في بابها، وأما اختصار الصلاة بحيث لا يتم حدودها فإن لزم منه ترك واجب كره تحريما وإن أخل بسنة كره تنزيها. هذا ما تقتضية القواعد والله سبحانه الموفق للصواب. قوله (والالتفات) لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وروى الترمذي وصححه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة (2). ثم المذكور في عامة الكتب إن الالتفات المكروه هو تحويل وجهه عن القبلة، وممن صرح به صاحب البدائع والنهاية والغاية والتبيين وفتح القدير والمجتبي والكافي وشرح المجمع، وقيده في الغاية بأن يكون لغير عذر، أما تحويل الوجه لعذر فغير مكروه. وينبغي أن تكون تحريمية كما هو ظاهر الاحاديث قالوا: وإنما كره لغير عذر لانه انحراف عن القبلة ببعض بدنه ولو انحرف عنها بجميع بدنه فسدت، فإن انحرف ببعض بدنه كره كالعمل القليل فإنه مكروه لان كثيره مفسد ويدل لعدم فسادها بهذا الالتفا ت قوله في الحديث يختلسها الشيطان من صلاة العبد فإنه سماها صلاة معه. وإنما لم يكره للعذر لحديث مسلم عن جابر: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا. وقد صرحوا بأن التفات البصر يمنة ويسرة من غير تحويل الوجه أصلا غير مكروه مطلقا والاولى تركه لغير حاجة، والظاهر أن فعله عليه السلام إياه كان لحاجة تفقد أحوال المقتدين به مع ما فيه من بيان الجواز وإلا فهو كان ينظر من خلفه كما ينظر أمامه كما في الصحيحين. وقد خالف صاحب

[ 38 ]

الخلاصة عامة الكتب في الالتفات المكروه فجعله مفسدا وعبارته: ولو حول المصلي وجهه عن القبلة من غير عذر فسدت. وكذا في الخانيوجعل فيها الالتفات المكروه أن يحول بعض وجهه عن القبلة والاشبه ما في عامة الكتب من أن الالتفات المكروه أعم من تحويل جميع الوجه أو بعضه. وذكر في منية المصلي أن كراهة الالتفات بالوجه فيما إذا استقبل من ساعته يعني فلو لم يستقبل من ساعته فسدت وكأنه جمع بين ما في الفتاوى وبين ما في عامة الكتب بحمل ما في الفتاوى على ما إذا لم يستقبل من ساعته، وحمل ما في العامة على ما إذا استقبل من ساعته وكأنه ناظر إلى أنه إذا لم يستقبل من ساعته صار عملا كثيرا فأفسدها، وإذا استقبل من ساعته كان عملا قليلا فكره وهو بعيد فإن الاستدامة على هذا القليل لا يجعله كثيرا وإنما كثيره تحويل صدره، وقد صرحوا بالفساد عند تحويل الصدر. ولا بد من تقييده بعدم العذر كما في منية المصلي لتصريحهم كما سبق بأنه لو ظن أنه أحدث فاستدبر القبلة ثم علم أنه لم يحدث قبل الخروج من المسجد لا تبطل، ومقتضى القواعد المذهبية اشتراط أن يؤدي ركنا وهو مستدبر لما صرحوا به من أن انكشاف العورة إنما يفسدها إذا لم يستتر من ساعته حتى أدى ركنا أما إذا سترها قبل أداء الركن فلا، فكذا استقبال القبلة بجامع الشرطية والمكث قدر أداء الركن فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد، فأبو يوسف لا يجعله كأداء الركن، ومحمد جعله كما عرف. وذكر الشارح أنه يكره رفع بصره إلى السماء لقوله عليه السلام ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، لينتهن أو لتخطفن أبصارهم (1) وفي التجنيس: ويكره أن يميل أصابع يديه ورجليه عن القبلة لانه مأمور بتوجيهها قال عليه السلام فليوجه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع.

[ 39 ]

قوله (والاقعاء) لنهيه صلى الله عليه وسلم عن عقبة الشيطان كما في الصحيحين وهو الاقعاء ولما في مسند أحمد عن أبي هريرة: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة: عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب. شبه من يسرع في الركوع والسجود ويخفف فيهما بالديك الذي يلتقط الحبة كما في النهاية، وهي كراهة تحريم للنهي المذكور كما أسلفناه من الاصل. ثم اختلفوا في الاقعاء المذكور في الحديث. فصحح صاحب الهداية وعامتهم أنه أن يضع أليتيه على الارض وينصب ركبتيه نصبا كما هو قول الطحاوي. وزاد كثير ويضع يديه على الارض، وزاد بعضهم أن يضم ركبتيه إلى صدره لان إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة إلا أن إقعاء الكلب يكون في نصب اليدين وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره. وذهب الكرخي إلى أنه أن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه واضعا يديه على الارض وهو عقب الشيطان الذي نهى عنه في الحديث والكل مكروه لان فيه ترك الجلسة المسنونة. كذا في البدائع وغاية البيان والمجتبي. زاد في فتح القدير أن قوله الصحيح أي كون هذا هو المراد في الحديث لا أن ما قاله الكرخي غير مكروه بل يكره ذلك أيضا اه‍. والعقبة بضم العين وسكون القاف، والعقب بفتح العين وكسر القاف بمعنى الاقعاء. كذا في المغرب. وفي فتح القدير: وأما ما روى مسلم عن طاوس قلت لابن عباس في الاقعاء على القدمين فقال: هي السنة. فقلت: إنا نراه جفاء بالرجل. فقال: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. وما روى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا يقعون فالجواب المحقق عنه أن الاقعاء على ضربين: أحدهما مستحب أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه في الارض وهو المروي عن العبادلة، والنهي أن يضع أليتيه ويديه على الارض وينصب ساقييه اه‍. وهو مخالف لما ذكره هو وغيره أن الاقعاء بنوعيه مكروه، والحق أن هذا الجواب ليس لائمتنا وإنما هو جواب البيهقي والنووي وغيرهما بناء على أن مستحب عند الشافعي لانك قد علمت كراهته عندنا بنوعيه. ويمكن الجواب عنه

[ 40 ]

إما بحمله على حالة العذر إن ثبت في بعض رواياته أنه كان في الصلاة أو بحمله على كونه خارج الصلاة إن لم يثبت، أو لان المانع والمبيح إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ كان الترجيح للمانع. وقد فسر صاحب المغرب عقب الشيطان بالاقعاء عند الكرخي فكان مانعا، وينبغي أن تكون كراهته تنزيهية بخلاف النوع المتفق على كراهته قوله (وافترش ذراعيه) لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: وكان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وافتراشهما إلقاؤهما على الارض كما في المغرب. قيل: وإنما نهى عن ذلك لانها صفة الكسلان والتهاون بحاله مع ما فيه من التشبه بالسباع والكلاب، والظاهر أنها

[ 41 ]

تحريمية للنهي المذكور من غير صارف قوله (ورد السلام بيده) أي بالاشارة وقد قدمناه في بيان المفسدات فراجعه. قوله (والتربع بلا عذر) لان فيه ترك سنة القعود في الصلاة. كذا علل به في الهداية وغيرها، وما قيل في وجه الكراهة أنه جلوس الجبابرة ليس بصحيح لانه عليه السلام كان جل قعوده في غير الصلاة مع أصحابه التربع، وكذا عمر رضي الله عنه. كذا ذكره المصنف وغيره. وتعليلهم بأن فيه ترك السنة يفيد أنه مكروه تنزيها إذ ليس فيه نهي خاص ليكون فيه تحريما. وقيد بكونه بلا عذر لانه ليس بمكروه تنزيها مع العذرلان الواجب يترك مع العذر فالسنة أولى. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عبد الله أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس ففعلته وأنا يومئذ حديث السن فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجلي لا يحملاني. وعليه يحمل ما في صحيح ابن حبان عن عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. أو تعليما للجواز. ثم الجلوس متربعا معروف وإنما سمي بالتربع لان صاحب هذه الجلسة قد ربع نفسه كما يربع الشئ إذا جعل أربعا والاربع هنا الساقان والفخذان ربعها بمعنى أدخل بعضها تحت بعض قوله (وعقص شعره) أي عقص شعر الرأس فيها بمعنى أن يفعل ذلك قبل الدخول فيها ثم يدخل كذلك لما روى أصحاب الكتب الستة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أسجد على سبعة وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا (1) وفي العقص كفه ما رواه مسلم عن كريب أن ابن عباس رأى عبد الله بن الحر ث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فجعل يحله فلما انصرف قال: مالك ولرأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف (2) ولهذا قال العلماء: حكمة النهي عنه أن الشعر يسجد معه. والظاهر أن الكراهة تحريمية للنهي المذكور بلا صارف، ولا فرق فيه بين أن يتعمده للصلاة أولا وهو في اللغة جمع الشعر على الرأس، وقيل ليه وإدخال أطرافه في أصواله. كذا في المغرب. واختلف الفقهاء فيه على أقوال: فقيل أن يجمعه وسط رأسه ثم يشده، وقيل أن يلف ذوائبه حول رأسه كما يفعله النساء، وقيل أن يجمعه من قبل القفا ويمسكه بخيط أو

[ 42 ]

خرقة وكل ذلك مكروه. كذا في غاية البيان. وفي الظهيرية: ويكره الاعتجار وهو لف العمامة حول رأسه وإبداء الهامة كما يفعله الشطار اه‍. وفي المحيط: ويكره الاعتجار لانه عليه السلام نهى عنه وهو أن يكور عمامته ويترك وسط رأسه مكشوفا كهيئة الاشرار. وقيل: أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه كمعجز النساء إما لاجل الحر أو البرد أو للتكبر وهو مكروه لقول ابن عباس: لا يغطي الرجل وهو يصلي اه‍. وفي المغرب: وتفسير من قال هو أن يلف العمامة على رأسه ويبدي الهامة أقرب لانه مأخوذ من معجر المرأة وهو ثوب كالعصابة تلفه المرأة على استدارة رأسها اه‍. والمعجر على وزن منبر وعلل كراهة الاعتجار الامام الولوالجي بأنه تشبه بأهل الكتاب قال: وهو مكروه خارج الصلاة ففيها أولى قوله (وكف ثوبه) للحديث السابق سواء كان من بين يديه أو من خلفه عند الانحطاط للسجود. والكف هو الضم والجمع ولان فيه ترك سنة اليد، وذكر في المغرب عن بعضهم أن الائتزار فوق القميص من الكف اه‍. فعلى هذا يكره أن يصلي مشدود الوسط فوق القميص ونحوه أيضا وقد صرح به في العتابية معلللا بأنه صنيع أهل الكتاب لكن في الخلاصة أنه لا يكره. كذا في شرح منية المصلي. ويدخل أيضا في كف الثوب تشمير كميه كما في فتح القدير وظاهره الاطلاق وفي الخلاصة ومنية المصلي قيد الكراهة بأن يكون رافعا كميه إلى المرفقين وظاهره أنه لا يكره إذا كان يرفعهما إلى ما دونهما والظاهر الاطلاق لصدق كف الثوب على الكل. وذكر في المجتبى في كراهة تشمير الكمين قولين، وذكر في القنية أن القول بإمساك الكمين أحوط ولا يخفي ما فيه. وفي مذهب مالك تفصيل قد كنت رأيته لائمتنا في بعض الفتاوى ولم يحضرني تعيينها الآن وهو أنه يكره إن كان للصلاة لا إذا كان لاجل شغل ثم حضرته الصلاة فصلى وهو على تلك الهيئة ومن كف الثوب رفعه كيلا يتترب كما في منية المصلي، وقيل لا بأس بصونه عن التراب كما في المجتبى. قوله (وسدله) لنهيه عليه السلام عنه كما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه. يقال سدل الثوب سدلا من باب طلب إذا أرسله من غير أن يضم جانبه. وقيل: هو أن يلقيه على رأسه ويرخيه على منكبيه وأسدل خطأ. كذا في المغرب. وذكر في البدائع أن الكرخي فسره بأن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه إذا لم يكن عليه سراويل.

[ 43 ]

وعن أبي حنيفة أنه يكره السدل على القميص وعلى الازار وقال: لانه صنيع أهل الكتاب. فإن كان السدل بدون السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع، وإن كان مع الازار فكراهته لاجل التشبه بأهل الكتاب فهو مكروه مطلقا، سواء كان للخيلاء أو لغيره للنهي من غير فصل اه‍. وفي فتح القدير أن السدل يصدق على أن يكون المنديل مرسلا من كتفيه كما يعتاده كثير فينبغي لمن على عنقه منديل أن يضعه عند الصلاة، ويصدق أيضا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كميه وقد صرح بالكراهة فيه اه‍. وكذا صرح في النهاية بإدخال القباء المذكور في السدل وعزاه إلى مبسوط شيخ الاسلام والخلاصة لكن الذي في خلاصة الفتاوى: المصلي إذا كان لابسا شقة أو فرجيه ولم يدخل يديه اختلف المتأخرون في الكراهة والمختار أنه لا يكره اه‍. وظاهر ما في فتح القدير أن الشد الذي يعتاد وضعه على الكتفين إذا أرسل طرفا على صدره وطرفا على ظهره لا يخرج عن الكراهية فإنه عين الوضع، وظاهر كلامهم يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الثوب محفوظا من الوقوع أو لا، فعلى هذا يكره في الطيلسان الذي يجعل على الرأس، وقد صرح به في شرح الوقاية وصرح العلامة الحلبي بأن محل كراهة السدل عند عدم العذر، وأما عند العذر فلا كراهة وأنه إن كان للتكبر فهو مكروه مطلقا. واختلف المشايخ في كراهة السدل خارج الصلاة كما في الدراية وصحح في القنية من باب الكراهية أنه لا يكره. ومن المكروه اشتمال الصماء لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود (1) اه‍. واشتمال اليهود هو الصماء وهو إدارة الثوب على الجسد من غير إخراج اليد، سمي بها لعدم منفذ يخرج يده منها كالصخرة الصماء، وفسرها في المحيط بأن يجمع طرفي ثوبه ويخرجهما تحت إحدى يديه على أحد كتفيه اه‍. وقيده في البدائع بأن لا يكون عليه سراويل. وإنما كره لانه لا يؤمن انكشاف العورة، ومحمد رحمه الله فصل بين الاضطباع ولبسة الصماء فقال: إنما تكره الصماء إذا لم يكن عليه إزار فإن كان عليه إزار فهو اضطباع لان يدخل طرفي ثوبه تحت إحدى ضبعيه وهو مكروه لانه لبس أهل الكبر اه‍.

[ 44 ]

وفي الخلاصة وغيرها: لا بأس أن يصلي الرجل في ثوب واحد متوشحا به جميع بدنه ويؤم كذلك، والمستحب أن يصلي الرجل في ثلاثة أثواب: قميص وإزار وعمامة. أما لو صلى في ثوب واحد متوشحا به جميع بدنه كإزار الميت تجوز صلاته من غير كراهة. وتفسيره ما يجعله القصار في المقصرة. وإن صلى في إزار واحد يجوز ويكره، وكذا في السراويل فقط لغير عذر، وكذا مكشوف الرأس للتهاون والتكاسل لا للخشوع. وفسر في الذخيرة التوشيح أن يكون الثوب طويلا يتوشح به فيجعل بعضه على رأسه وبعضه على منكبيه وعلى كل موضع من بدنه، وذكر في شرح منية المصلي أن ستر المنكبين في الصلاة مستحب يكره تركه تنزيها عند أصحابنا، وفسره في المغرب بأن يدخله تحت يده اليمنى ويلقيه على منكبه الايسر كما يفعله المحرم اه‍. وفسره ابن السكيت بأن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الايمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الايسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره، وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقه، وفي لفظ مشتملا به واضعا طرفيه على عاتقيه، وفي لفظ مخالفا بين طرفيه، وفي حديث جابر متوشحا به، والالفاظ كلها بمعنى واحد كما ذكره النووي في شرح مسلم. ومن المكروه التلثم وتغطية الانف والوجه في الصلاة لانه يشبه فعل المجوس حال عبادتهم النيران. كذا ذكره الشارح لكن التلثم هو تغطية الانف والوجه كما في المحيط. وفي الخلاصة: ولو ستر قدميه في السجدة يكره. قوله (والتثاؤب) وهو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات وهو ينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن لما في الصحيحين عن أبي هريرة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع (1) والادب أن يكظمه ما استطاع أي يرده ويحبسه لما روينا، فإن لم يقد فليضع يده أو كمه على فيه، ووضع اليد ثابت في صحيح مسلم ووضع

[ 45 ]

الكم قياس عليه. وصرح في الخلاصة بأنه إن أمكنه عند التثاؤب أن يأخذ شفتيه بسنه فلم يفعل وغطفاه بيده أو بثوبه يكره. كذا روي عن أبي حنيفة اه‍. ووجهه أن تغطية الفم منهي عنها في الصلاة لما رواه أبو داود وغيره وإنما أبيحت للضرورة ولا ضرورة إذا أمكنه الدفع، ثم إذا وضع يده على فيه يضع ظهر يده. كذا في مختارات النوازل. قال العلامة الحلبي: وهل يفعل ذلك بيده اليمنى أو اليسرى لم أقف عليه مسطورا لمشايخنا أه‍. وهو عجيب مع كثرة مطالعته للمجتبى ونقله عنه وقد صرح بأنه يغطي فاه بيمينه في القيام وفي غيره بيساره ومن المكروه التمطي لانه من التكاسل قوله (وتغميض عينيه) لما رواه ابن عدي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه إلا أن في سنده من ضعف. والكراهة مروية عن مجاهد وقتادة. وعلله في البدائع بأن السنة أن يرمي بصره إلى موضع سجوده وفي التغميض ترك هذه السنة، ولان كل عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة فكذا العين اه‍. وظاهر كلامهم أن لا يغمض في السجود وقد قال جماعة من الصوفية نفعنا الله بهم: يفتح عينيه في السجود لانهما يسجدان. وينبغي أن تكون الكراهة تنزيهية إذا كالغير ضرورة ولا مصلحة، أما لو خاف فوات خشوع بسبب رؤية ما يفرق الخاطر فلا يكره غمضهما بسبب ذلك بل ربما يكون أولى لانه حينئذ لكمال الخشوع قوله (وقيام الامام لا سجوده في الطاق) أي المحراب لان قيامه فيه يشبه صنيع أهل الكتاب بخلاف سجوده فيه وقيامه خارجه. هكذا علل به في الهداية وهو أحد الطريقين للمشايخ، وأصله أن محمدا صرح بالكراهة في الجامع الصغير ولم يفصل، فاختلف المشايخ في سببها فقيل كونه يصير ممتازا عنهم في المكان لانه في معنى بيت آخر وذلك صنيع أهل الكتاب. واقتصر عليه في الهداية واختاره الامام السرخسي وقال: إنه الاوجه. وقيل: اشتباه حاله على من على يمينه ويساره، فعلى الطريقة الاولى يكره مطلقا، وعلى الثانية لا يكره عند عدم الاشتباه. وفي فتح القدير: ولا يخفي أن امتياز الامام مقرر مطلوب في الشرع في حق المكان حتى كان التقدم واجبا عليه وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان ولا أثر لذلك لانه يحاذي وسط الصف وهو المطلوب إذ قيامه في غير محاذاته مكروه وغايته اتفاق الملتين في بعض الاحكام، ولا بدع فيه على أن أهل الكتاب إنما

[ 46 ]

يخصون الامام بالمكان المرتفع على ما قيل فلا تشبه اه‍. وقد يقال إن امتياز الامام المطلوب في الشرع حاصل بتقدمه من غير أن يقف في مكان آخر، فمتى أمكن تمييزه من غير تشبه بأهل الكتاب تعين، فحينئذ وقوفه في المحرا ب تشبه بأهل الكتاب لغير حاجة فكره مطلقا ولهذا قال الولوالجي في فتاواه وصاحب التجنيس: إذا ضاق المسجد بمن خلف الامام على القوم لا بأس بأن يقوم الامام في الطاق لانه تعذر الامر عليه، وإن لم يضق المسجد بمن خلف الامام لا ينبغي للامام أن يقوم في الطاق لانه يشبه تباين المكانين اه‍. يعني وحقيقة اختلاف المكان تمنع الجواز فشبهة الاختلاف توجب الكراهة وهو وإن كان المحراب من المسجد كما هي العادة المستمرة فصورته وهيئته اقتضت شبهة الاختلاف. فالحاصل أن مقتضى ظاهر الرواية كراهة قيامه في المحراب مطلقا، سواء اشتبه حال الامام أو لا، وسواء كان المحراب من المسجد أم لا. وإنما لم يكره سجوده في المحراب إذا كان قدماه خارجه لان العبرة للقدم في مكان الصلاة حتى تشترط طهارته رواية واحدة بخلاف مكان السجود إذ فيه روايتان. وكذا لو حلف لا يدخل دار فلان يحنث بوضع القدمين وإن كان باقي بدنه خارجها، والصيد إذا كان رجلاه في الحرم ورأسه خارج منه فهو صيد الحرم ففيه الجزاء. قوله (وانفراد الامام على الدكان وعكسه) أما الاول فلحديث الحاكم مرفوعا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الامام فوق ويبقى الناس خلفه. وعللوه بأنه تشبه بأهل الكتاب فإنهم يتخذون لامامهم دكانا. أطلقه فشمل ما إذا كان الدكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك وهو ظاهر الرواية. وصححه في البدائع لاطلاق النهي وقيده الطحاوي بقدر القامة ونفى الكراهة فيما دونه. وقال قاضيخان في شرح الجامع الصغير: إنه مقدر بذراع اعتبارا بالسترة وعليه

[ 47 ]

الاعتماد، وفي غاية البيان وهو الصحيح، وفي فتح القدير وهو المختار لكن قال: الاوجه الاطلاق وهو ميقع به الامتياز لان الموجب وهو شبه الازدراء يتحقق فيه غير مقتصر على قدر الذراع اه‍. فالحاصل أن التصحيح قد اختلف والاولى العمل بظاهر الرواية وإطلاق الحديث، وأما عكسه وهو انفراد القوم على الدكان بأن يكون الامام أسفل فهو مكروه أيضا في ظاهر الرواية. وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره لان الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب ولا تشبه هنا لان مكان إمامهم لا يكون أسفل وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب لان كراهة كون المكان أرفع كان معلولا بعلتين: التشبه بأهل الكتاب ووجود بعض المفسد وهو اختلاف المكان، وههنا وجدت إحدى العلتين وهي وجود بعض المخالفة. كذا في البدائع. ومن المشايخ من علل الكراهة في الثانية بما في ذلك من شبه الازدراء بالامام ولعله أولى، وعلى ما ذكره الطحاوي من عدم الكراهة مشى قاضيخان في فتاواه وعزاه إلى النوادر وقال: وعليه عامة المشايخ اه‍. وهذا كله عند عدم العذر، أما عند العذر كما في الجمعة والعيدين فإن القوم يقومون على الرفوف والامام على الارض ولم يكره ذلك لضيق المكان. كذا في النهاية. وذكر في شرح منية المصلي: وهل يدخل في الحاجة في حق الامام إرادة تعليم المأمومين أعمال الصلاة وفي حق المأمومين إرادة تبليغ انتقالات الامام عند اتساع المكان وكثرة المصلين؟ فعند الشافعي نعم قيل وهو رواية عن أبي حنيفة اه‍. قيد بالانفراد لانه لو قام بعض القوم مع الامام قيل يكره والاصح أنه لا يكره وبه جرت العادة في جوامع المسلمين في أغلب الامصار. كذا في المحيط. وذكر في البدائع أن من اعتبر معنى التشبه قال لا يكره وهو قياس رواية الطحاوي لزوال معنى التشبه لان أهل الكتاب لا يشاركون الامام في المكان، ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال يكره وهو قياس ظاهر الرواية لوجود بعض المخالفة في المكان اه‍. وفيه نظر لا يخفى قوله (ولبس ثوب فيه تصاوير) لانه يشبه حامل الصنم فيكره. وفي الخلاصة: وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أو لم يصل اه‍. وهذه

[ 48 ]

الكراهة تحريميه، وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الاجماع على تحريم تصويره صورة الحيوان فإنه قال قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صور الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لانه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الاحاديث يعني مثل ما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم (1) ثم قال: وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام على كل حال لان فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم ودينار وفلس وإناء وحائط وغيرها اه‍. فينبغي أن يكون حراما لا مكروها إن ثبت الاجماع أو قطعية الدليل لتواتره. قيد بالثوب لانها لو كانت في يده وهو يصلي لا تكره لانه مستور بثياب، وكذا لو كان على خاتمه. كذا في الخلاصة. وفي المحيط: رجل في يديه تصاوير وهو يؤم الناس لا تكره إمامته لانها مستورة بالثياب فصار كصورة في نقش خاتم وهو غير مستبين اه‍. وهو يفيد أن المستبين في الخاتم تكره الصلاة معه ويفيد أنه لا يكره أن يصلي ومعه صرة أو كيس فيه دنانير أو دراهم فيها صور صغار لاستتارها، ويفيد أنه لو كان فوق الثوب الذي فيه صورة ثوب ساتر له فإنه لا يكره أن يصلي فيه لاستتارها بالثوب الآخر والله سبحانه أعلم. قوله (وأن يكون فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه صورة) لحديث الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لتدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة وفي المغرب: الصورة عام في كل ما يصور مشبها بخلق الله تعالى من ذوات الروح وغيرها، وقولهم ويكره التصاوير المراد بها التماثيل اه‍. فالحاصل أن الصورة عام والتماثيل خاص والمراد هنا الخاص فإن غير ذي الروح لا يكره كالشجر لما سيأتي والمراد بحذائه يمينه ويساره ولم يذكر ما إذا كانت خلفه للاختلاف، ففي رواية الاصل لا يكره لانه لا يشبه العبادة، وصرح في الجامع الصغير بالكراهة ومشى عليه في الخلاصة وبأنها إذا كانت في موضع قيامه أو جلوسه لا يكره لانها استهانة بها، وكذلك على الوسادة إن كانت قائمة يكره لانه تعظيم لها إن كانت مفروشة لا تكره. كذا في المحيط. قالوا: وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، والذي يليه ما يكون فوق رأسه،

[ 49 ]

والذي يليه ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط، والذي يليه ما يكون خلفه على الحائط أو الستر. وإنما لتكره الصلاة في بيت فيه صورة مهانة على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها مع عموم الحديث من أن الملائكة لا تدخله وهو علة الكراهة لان شر البقاع بقعة لا تدخلها الملائكة لوجود مخصص وهو ما في صحيح ابن حبان: استأذن جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادخل. فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير فإن كنت لا بد فاعلا فاقطع رؤوسها أو قطعها وسائد أو اجعلها بسطا. وفي البخاري في كتاب المظالم عن عائشة رضي الله عنها أنها اتخذت على سهوة لها سترا فيه تماثيل فهتكه النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فاتخذت منه نمرقتين فكانتا في البيت نجلس عليهما، زاد أحمد في مسنده: ولقد رأيته متكئا على أحدهما وفيه صورة. والسهوة كالصفة تكون بين البيت، وقيل بيت صغير كالخزانة. والنمرقة بكسر النون وسادة صغيرة والوسادة المخدة لكنه يقتضي عدم كراهة الصلاة على بساط فيه صورة وإن كانت في موضع السجود لان ذلك ليس بمانع من دخول الملائكة كما أفادته النصوص المخصصة وإن علل بالتشبه بعبادة الاصنام فممنوع فإنهم لا يسجدون عليها وإنما ينصبونها ويتوجهون إليها إلا أن يقال: إن فيها صورة التشبه بعبادتها حال القيام والركوع وفيه تعظيم لها إن سجد عليها، ولهذا أطلق الكراهة في الاصل فيما إذا كان على البساط المصلى عليه صورة لان الذي يصلي عليه معظم فوضع الصورة فيه تعظيم لها بخلاف البساط الذي ليس بمصلى، وتقدم عن الجامع الصغير التقييد بموضع السجود فينبغي أن يحمل إطلاق الاصل عليه، وإنها إذا كانت تحت قدميه لا يكره اتفاقا. وفي الخلاصة: ولا بأس بإن يصلي على بساط فيه تصاوير لكن لا يسجد عليها ثم قال: ثم التمثال إن كان على وسادة أو بساط لا بأس باستعمالهما وإن كان يكره اتخاذهما. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا كانت

[ 50 ]

الصورة على الدراهة والدنانير هل تمنع الملائكة من دخول البيت بسببها، فذهبالقاضي عياض إلى أنهم لا يمتنعون وأن الاحاديث مخصصة، وذهب النووي إلى القول بالعموم. ثم المراد بالملائكة المذكورين ملائكة الرحمة لا الحفظة لانهم لا يفارقونه إلا في خلوته بأهله وعند الخلاء. قوله (إلا أن تكون صغيرة) لان الصغار جدا لا تعبد فليس لها حكم الوثن فلا تكره في البيت، والكراهة إنما كانت باعتبار شبه العبادة. كذا قالوا، وقد عرفت ما فيه. والمراد بالصغيرة التي لا تبدو للناظر على بعد والكبيرة التي تبدو للناظر على بعد. كذا في فتح القدير. ونقل في النهاية أنه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان وأنه لما وجد خاتم دانيال عليه السلام في عهد عمر رضي الله عنه وجد عليه أسد ولبوة بينهما صبي يلحسانه، وذلك أن بختنصر قيل له يولد مولود يكون هلاكك على يديه فجعل يقتل من يولد، فلما ولدت أم دانيال ألقته في غيضرجاء أن يسلم فقيض الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه فنقشه بمرأى منه ليتذكر نعم الله عليه، ودفعه عمر إلى أبي موسى الاشعري وكان لابن عباس كانون محفوف بصور صغار اه‍. وفي الخلاصة من كتاب الكراهة: رجل صلى ومعه دراهم وفيها تماثيل ملك لا بأس به لصغرها اه‍. قوله (أو مقطوع الرأس) أي سواء كان من الاصل أو كان لها رأس ومحي، وسواء كان القطع بخيط خيط على جميع الرأس حتى لم يبق لها أثر أو يطليه بمغرة ونحوها أو بنحته أو بغسله. وإنما لم يكره لانه لا تعبد بدون الرأس عادة ولما رواه أحمد عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا قبرا إلا سواه ولا صورة إلا لطخها اه‍. وأما ما قطع الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس على حاله فلا ينفي الكراهة لان من الطيور ما هو مطوق فلا يتحقق القطع بذلك ولهذا فسر في الهداية المقطوع بمحو الرأس. كذا في النهاية. قيد بالرأس لانه لا اعتبار بإزالة الحاجبين أو العينين لانها تعبد بدونها، وكذا لا اعتبار بقطع اليدين أو الرجلين. وفي الخلاصة: وكذا لو محى وجه الصورة فهو كقطع الرأس قوله (أو لغير ذي روح) لما تقدم أنه ليس بتمثال ولما في الصحيحين عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها فقال له: ادن مني. فدنا ثم قال له: ادن مني. فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بمسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوكل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم (1) قال ابن عباس: فإن

[ 51 ]

كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له اه‍. ولا فرق في الشجر بين المثمر وغيره وهو مذهب العلماء كافة إلا مجاهدا فإنه كره المثمر. وفي الخلاصة ولو رأى صورة في بيت غيره يجوز له محوها وتغييرها. وفي النهاية عن محمد في الاجير لتصوير تماثيل الرجال أو ليزخرفها والاصباغ من المستأجر قال: لا أجر له لان عمله معصية. وفي التفاريق: هدم بيتا مصورا بالاصباغ ضمن قيمة البيت والاصباغ غير مصور اه‍. قوله: (وعد الآي والتسبيح) أي ويكره عد الآيات من القرآن والتسبيح وكذا السور لانه ليس من أعمال الصلاة. أطلقه فشمل العد في الفرائض والنوافل جميعا باتفاق أصحابنا في ظاهر الرواية، وروي عنهما في غير ظاهر الرواية أن العد باليد لا بأس به، كذا في العناية وغيرها لكن في الكافي: وقالا لا بأس به فجزم به عنهما وعلل لهما بأن المصلي يضطر إلى ذلك لمراعاة سنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة في صلاة التسبيح، وقال عليه السلام لنسوة سألنه عن التسبيح: أعددنه بالانامل فإنهن مسؤولات مستنطقات يوم القيامة. وقوله في الهداية قلنا يمكنه أن يعد ذلك قبل الشروع إنما يأتي هذا في الآي دون التسبيحات ا ه‍. قالوا: ومحل الاختلاف هو العد باليد كما وقع التقييد به في الهداية، سواء كان بأصابعه أو بخيط يمسكه، أما الغمز برؤوس الاصابع أو الحفظ بالقلب فهو غير مكروه اتفاقا والعد باللسان مفسد اتفاقا. وقيد بالآي والتسبيح لان عد الناس وغيرهم مكروه اتفاقا. كذا في غاية البيان. وقيد بالصلاة لانا لعد خارج الصلاة لا يكره على الصحيح كما ذكره المصنف في المستصفى لانه أسكن للقلب وأجلب للنشاط ولما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم قال صحيح الاسناد عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الارض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك. فلم ينهها عن ذلك

[ 52 ]

وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك. ثم هذا الحديث ونحوه مما يشهد بأنه لا بأس باتخاذ السبحة المعروفة لاحصاء عدد الاذكار إذ لا تزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى ونحوه في خيط، ومثل هذا لا يظهر تأثيره في المنع فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الاخيار وغيرهم اللهم إلا إذا ترتب عليها رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه. وهذا الحديث أيضا يشهد لافضلية هذا الذكر المخصوص على ذكر مجرد عن هذه الصيغة ولو تكرر يسيرا. ثم اعلم أن العلامة الحلبي ذكر أن كراهة العد باليد في الصلاة تنزيهية وظاهر النهاية أنها تحريمية فإنه قال: والصحيح أنه لا يباح العد أصلا لانه ليس في الكتاب فصل بين الفرض والنفل وقد يصير العد عملا كثيرا فيوجب فساد الصلاة وما روي في الاحاديث من قرأ في الصلاة كذا وكذا مرة قل هو الله أحد وكذا كذا تسبيحة فتلك الاحاديث لم يصححها الثقات، أما صلاة التسبيح فقد أوردها الثقات وهي صلاة مباركة فيها ثواب عظيم ومنافع كثيرة فإنه يقدر أن يحفظ بالقلب وإن احتاج يعد بالانامل حتى لا يصير عملا كثيرا ا ه‍. ثم صلاة التسبيح هذه ما رواها عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: يا عباس يا عماه إلا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته. عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد الثانية فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم

[ 53 ]

تفعل ففي عمرك مرة. رواه أبو داود وابن ماجه والطبراني وقال في آخره: فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفر الله لك. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وأمثلها حديث عكرمة هذا وقد صححه جماعة ا ه‍. وذكر فخر الاسلام في شرح الجامع الصغير قال مشايخنا: إن احتاج المرء إلى العد يعد إشارة لا إفصاحا ويعمل بقولهما في المضطر ا ه‍. قوله: (لا قتل الحية والعقرب) أي لا يكره قتلهما لحديث الصحيحين اقتلوا الاسودين في الصلاة الحية والعقرب (1) وفي صحيح مسلم مرفوعا أمر عليه الصلاة والسلام بقتل الكلب العقور والحية والعقرب في الصلاة. وأقل مراتب الامر الاباحة. وفي شرح منية المصلي: ويستحب قتل العقرب بالنعل اليسرى إن أمكن لحديث أبي داود كذلك، ولا بأس بقياس الحية على العقرب في هذا ا ه‍. أطلقه فشمل جميع أنواع الحيات وصححه في الهداية لاطلاق الحديث وجميع المواضع. وفي المحيط قالوا: وينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية لانها جان لقوله عليه السلام اقتلوا ذا الطفيتين والابتر وإياكم والحية البيضاء فإنها من الجن (2). وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الكل لان النبي صلى الله عليه وسلم عهد مع الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته وإذا دخلوا لم يظهرولهم فإذا دخلوا فقد نقضوا العهد فلا ذمة لهم. والاولى هو الاعذار والانذار فيقاارجع بإذن الله فإن أبى قتله ا ه‍. يعني الانذار في غير الصلاة. وفي النهاية معزيا إلى صدر الاسلام: والصحيح من الجواب أن يحتاط في قتل الحيات حتى لا يقتل جنيا فإنهم يؤذونه أذاء كثيرا بل إذا رأى حية وشك أنه جني يقول له خل طريق المسلمين ومر، فإن مرت تركه فإن واحدا من إخواني هو أكبر سنا مني قتل حية

[ 54 ]

كبيرة بسيف في دار لنا فضربه الجن حتى جعلوه زمنا كان لا يتحرك رجلاه قريبا من الشهر ثم عالجناه وداويناه بإرضاء الجن حتى تركوه فزال ما به وهذا مما عاينته بعيني ا ه‍. وأطلق في القتل فشمل ما إذا كان بعمل كثير. قال السرخسي: وهو الاظهر لان هذا عمل رخص فيه للمصلي كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ ا ه‍. وتعقبه في النهاية بأنه مخالف لما عليه عامة رواية شروح الجامع الصغير ورواية مبسوط شيخ الاسلام فإنهم لم يبيحوا العمل الكثير في قتلها ا ه‍. وتعقبه أيضا في فتح القدير بأنه يقضي أن الاستقاء غير مفسد في سبق الحدث وقد تقدم خلافه وبحثه بأنه لا يفسد للرخصة بالنص يستلزم مثله في علاج المار إذا كثر فإنه أيضا مأمور به بالنص كما قدمناه لكنه مفسد عندهم، فما هو جوابه عن علاج المار هو جوابنا في قتل الحية. ثم الحق فيما يظهر الفساد وقولهم الامر بالقتال لا يستلزم بقاء الصحة على نهج ما قالوه من الفساد في صلاة الخوف إذا قاتلوا في الصلاة بل أثره في رفع الاثم بمباشرة المفسد في الصلاة بعد أن كان حراما صحيح ا ه‍. وفي النهاية معزيا إلى الجامع الصغير البرهاني: إنما يباح قتلها في الصلاة إذا مرت بين يديه وخاف أن تؤذيه وإلا فيكره. وقيد بالحية والعقرب لان في قتل القملة والبرغوث اختلافا قال في الظهيرية: فإن أخذ قملة في الصلاة كره له أن يقتلها لكن يدفنها تحت الحصى وهو قول أبي حنيفة، وروي عنه إذا أخذ قملة أو برغوثا فقتله أو دفنه فقد أساء، وعن محمد إنه يقتلها وقتلها أحب إلى من دفنها وأي ذلك فعل فلا بأس به. وقال أبو يوسف: يكره كلاهما في الصلاة ا ه‍. وذكر في شرح منية المصلي أن دفنهما مكروه في المسجد في غير الصلاة. وأن الحاصل أنه يكره التعرض لكل منهما بالاخذ فضلا عن القتل أو الدفن عند عدم تعرضهما له بالاذى، وأما عند تعرضهما له بالاذى فإن كان خارج المسجد فلا بأس حينئذ بالاخذ والقتل أو الدفن بعد أن لا يكون ذلك بعمل كثير فإن كان خارج المسجد فلا بأس حينئذ بالاخذ والقتل أو الدفن بعد أن لا يكون ذلك بعمل كثير فإنه كما روي عن ابن مسعود من دفنها روي عن أنس أنهم كانوا يقتلون القنل والبراغيث في الصلاة، ولعل أبا حنيفة إنما اختار الدفن على القتل لما فيه من النزاهة عن إصابة دمهما ليد القاتل أو ثوبه في هذه الحالة وإن كان ذلك معفوا عنه، وأن ابن مسعود فعل أحسن الجائزين. وإن كان في المسجد فلا بأس بالقتل بالشرط المذكور ولا يطرحها في المسجد بطريق الدفن ولا غيره إلا إذا غلب على ظنه أنه يظفر

[ 55 ]

بها بعد الفراغ من الصلاة، وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين ما عنأبي حنيفة من أنه يدفنها في الصلاة وبين ما عنه أنه لو دفنها في المسجد فقد أساء ا ه‍. قوله: (والصلاة إلى ظهر قاعد يتحدث) أي لا تكره. كذا في الجامع الصغير. وفي رواية الحسن عن أبي حينفة: يكره له أن يصلي وقبله نيام أو قوم يتحدثون لما أخرجه البزار عن ابن عباس مرفوعا: نهيت أن أصلي إلى النيام والمحدثين. وأجيب بأنه محمول في النائمين على ما إذا خاف ظهور صوت منهم يضحكه ويخجل النائم إذا انتبه، وفي المحدثين على ما إذا كان لهم أصوات يخاف منها التغليط أو شغل البال، ونحن نقول بالكراهة في هذا ثم يعارض الحديث المذكور في النائمين ويقدم عليه لقوته ما في الصحيحين عن عائشة قالت: كان رسوالله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. وإنما قيد بقوله يتحدث ليفيد عدم الكراهة إلى ظهر من لا يتحدث بالاولى ولعله متفق عليه وقد كان يفعله ابن عمر إذا لم يجد سارية يقول لنافع: ول ظهرك. وأفاد كلامهم هنا أنه لا كراهة على المتحدث ولهذا نقل الشارح عن الصحابة رضي الله عنهم أن بعضهم كانوا يقرؤون القرآن وبعضهم يتذاكرون العلم والمواعظ وبعضهم يصلون ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولو كان مكروها لنهاهم ا ه‍. وقيد بالظهر لان الصلاة إلى وجه أحد مكروهة كما في الجامع الصغير. قال في المنية: والاستقبال إلى المصلي مكروه، سواء كان المصلي في الصف الاول أو في الصف الاخير ولهذا قال في الذخيرة: يكره للامام أن يستقبل المصلي وإن كان بينهما صفوف، وهذا هو ظاهر المذهب ذكره في الفصل الرابع من كتاب الصلاة. والحاصل أن استقبال المصلي إلى وجه الانسان مكروه واستقبال الانسان وجه المصلي مكروه فالكراهة من الجانبين. قالالعلامة الحلبي: وقد صرحوا بأنه لو صلى إلى وجه

[ 56 ]

إنسان وبينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لم يكره قوله: (وإلى مصحف أو سيف معلق) أي لا يكره أن يصلي وأمامه مصحف أو سيف، سواء كان معلقا أو بين يديه. أما المصحف فلان في تقديمه تعظيمه وتعظيمه عبادة والاستخفاف به كفر فانضمت هذه العبادة إلى عبادة أخرى فلا كراهة، ومن قال بالكراهة إذا كان معلقا معللا بأنه تشبه بأهل الكتاب مردود لان أهل الكتاب يفعلونه للقراءة منه وليس كلا منا فيه. وأما السيف فلانه سلاح ولا يكره التوجه إليه فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي للعنزة وهي سلاح قوله: (أو شمع أو سراج) لانهما لا يعبدان والكراهة باعتبارها وإنما يعبدها المجوس إذا كانت في الكانون وفيها الجمر أو في التنور فلا يكره التوجه إليها على غير هذا الوجه، وذكر في غاية البيان اختلاف المشايخ في التوجه إلى الشمع أو السراج والمختار أنه لا يكره ا ه‍. وينبغي أن يكون عدم الكراهة متفقا عليه فيما إذا كان الشمع على جانبيه كما هو المعتاد في مصر المحروسة في ليالي رمضان للتراويح. قال ابن قتيبة في أدب الكاتب في باب ما جاء فيه لغتان: استعمل الناس أضعفهما الشمع بالسكون والاوجه فتح الميم ا ه‍.. قوله: (وعلى بساط فيه تصاوير إن لم يسجد عليها) أي لا يكره. والتقييد المذكور بناء على ما في الجامع الصغير وقد قدمنا مفهومه وما في الاصل فلا حاجة إلى إعادته. ثم اعلم أن المصنف لم يستوف ذكر المكروهات في الصلاة فمنها أن كل سنة تركها فهو مكروه تنزيها كما صرح به في منية المصلي من قوله: ويكره وضع اليدين على الارض قبل الركبتين إذا سجد ورفعهما قبلهما إذا قام إلا من عذر، وأن يرفع رأسه أو ينكسه في الركوع، وأن يجهر بالتسمية والتأمين، وأن لا يضع يديه في موضعهما إلا من عذر، وأن يترك التسبيحات في الركوع والسجود، وأن ينقص من ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، وأن يأتي يأتي بالاذكار

[ 57 ]

المشروعة في الانتقالات بعد تمام الانتقال وفيه خللان: تركها في موضعها وتحصيلها في غير موضعها. ذكره في مواضع متفرقة من مكروهات الصلاة. وحاصله أن السنة إذا كانت مؤكدة قوية لا يبعد أن يكون تركها مكروها كراهة تحريم كترك الواجب فإنه كذلك، وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنزيها كما في هذه الامثلة، وإن كان ذلك الشئ مستحبا أو مندوبا وليس بسنة كما هو على اصطلاحنا فينبغي أن لا يكون تركه مكروها أصلا كما صرحوا به من أنه يستحب يوم الاضحى أن لا يأكل أولا إلا من أضحيته. قالوا: ولو أكل من غيرها فليس بمكروه فلم يلزم من ترك المستحب ثبوت كراهته إلا أنه يشكل عليه ما قالوه من أن المكروه تنزيها مرجعه إلى خلاف الاولى، ولا شك أن ترك المستحب خلاف الاولى. ومنها ما في الخلاصة والولوالجية: ولا ينبغي أن يقرأ في كل ركعة آخر سورة على حدة فإنه مكروه عند الاكثر وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة وهو أفضل من السورة إن كان الآخر أكثر آية ا ه‍. وصحح قاضيخان في شرح الجامع الصغير عدم الكراهة وإن كان الافضل خلافه. ومنها الانتقال من آية من سورة إلى آية أخرى من سورة أخرى أو آية من هذه السورة بينهما آيات، وكذا الجمع بين السورتين بينهما سور أو سورة واحدة في ركعة واحدة مكروه وفي الركعتين إن كان بينهما سور لا يكره، وإن كان بينهما سورة واحدة قال بعضهم يكره، وقال بعضهم إن كانت السورة طويلة لا يكره كما إذا كانت بينهما سورتان قصيرتان. ومنها أن يقرأ في ركعة أخرى سورة وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة أو فعل ذلك في ركعة فهو مكروه، وإن وقع هذا من غير قصد بأن قرأ في الركعة الاولى قل أعود برب الناس يقرأ في الركعة الثانية هذه السورة أيضا. وهذا كله في الفرائض، أما في النوافل لا يكره كذا في الخلاصة. ومنها ما إذا افتتح سورة وقصده سورة أخرى فلما قرأ آية أو آيتين أراد أن يترك تلك السورة ويفتتح التي أرادها يكره، وكذا لو قرأ أقل من آية وإن كان حرفا. ومنها أن يصلي في ثياب البذلة والمهنة واحتج له في الذخيرة بأنه روي عن عمر رضي الله

[ 58 ]

عنه أنه رأى رجلا فعل ذلك فقال: أرأيتك لو كنت أرسلتك إلى بع‍ ض الناس أكنت تمر في ثيابك هذه؟ فقال لا. فقال عمر: الله أحق أن يتزين له. وروى البيهقي عنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من أن يتزين له. والظاهر أنها تنزيهية. وفسر ثياب البذلة في شرح الوقاية بميلبسه في بيته ولا يذهب به إلى الاكابر. ومنها أن يحمل صبيا في صلاته، وأما حملصلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة فأجيب عنه بوجوه. منها: أنه منسوخ بقوله أن في الصلاة لشغلا. وقد أطال الكلام فيهالعلامة الحلبي. ومنها أن يضع في فيه دراهم أو دنانير بحيث لا تمنعه عن القراءة وإن منعه عن أداء الحروف لا يجوز كما في الخلاصة وغيرها. ومنها أن يتم القراءة في الركوع كما في منية المصلي وفي موضع آخر أن يقرأ في غير حالة القيام. ومنها أن يقوم خلف الصف وحده مقتديا بالامام إلا إذا لم يجد فرجة، وكذا يكره للمنفرد أن يقوم في خلال الصفوف فيصلي فيخالفهم في القيام والقعود. ومنها أنه تكره الصلاة في معاطن الابل والمزبلة والمجزرة والمغتسل والحمام والمقبرة وعلى سطح الكعبة، وذكر في الفتاوي إذا غسل موضعا في الحمام ليس فيه تمثال وصلي فيه لا بأس به، وكذا في المقبرة إذا كان فيها موضع آخر أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة. ومنها أنه يكره للامام أن يعجلهم عن إكمال السنة. ومنها ويكره أن يمكث في مكانه بعد ما سلم في صلى بعدها سنة إلا قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، به ورد الاثر كما في منية المصلي. ومنها أن يدخل في الصلاة وقد أخذه غائط أو بول وإن كان الاهتمام يشغله يقطعها وإن مضى عليها أجزأه وقد أساء، وكذا إن أخذه بعد

[ 59 ]

الافتتاح والاصل فيه ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الاخبثان (1) وجعل الشارح مدافعة الريح كالاخبثين وأن الحديث محمول على الكراهية ونفي الفضيلة حتى لو ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالوضوء يفوته يصلي لان مع الاداء الكراهية أولى من القضاء. ومنها أن كل عمل قليل لغير عذر فهو مكروه كما لو تروح على نفسه بمروحة أو كمه والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل لما فرغ من بيان الكراهة في الصلاة شرع في بيانها خارجها مما هو من توابعها قوله: (كره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء واستدبارها) والخلاء بالمد بيت التغوط وأما بالقصر فهو النبت. والكراهة تحريمية لما أخرجه الستة عنه صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (3) ولهذا كان الاصح من الروايتين كراهة الاستدبار كالاستقبال، وهو بإطلاقه يتناول الفضاء والبنيان. وفي فتح القدير: ولو نسي فجلس مستقبلا فذكر يستحب له الانحراف بقدر ما يمكنه لما أخرجه الطبري مرفوعا من جلس يبول قبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له وكما يكره للبالغ ذلك يكره له أن يمسك الصبي نحوها ليبول. وقالوا: يكره أن يمد رجليه في النوم وغيره إلى القبلة أو المصحف أو كتب الفقة إلا أن تكون على مكان مرتفع عن المحاذاة ا ه‍. قوله: (وغلق باب المسجد) لانه يشبه المنع من الصلاة قال تعالى * (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) * (البقرة: 114) والاغلاق يشبه المنع فيكره. قال في الهداية: وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد ا ه‍. وهو أحسن من التقييد بزماننا كما في عبارة بعضهم فالمدار خشية الضرر على المسجد، فإن ثبت في زماننا في جميع الاوقات ثبت كذلك إلا في

[ 60 ]

أوقات الصلاة أو لا فلا أو في بعضها ففي بعضها. كذا في فتح القدير. وفي العناية: والتدبير في الغلق لاهل المحلة فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليا بغير أمر القاضي يكون متوليا اه‍. وفي النهاية: وكان المتقدمون يكرهون شد المصاحف واتخاذ المشدة لها كيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثله أو فوقه لان المصحف ملك لصاحبه والمسجد ليس بملك لاحد ا ه‍. ومن هنا يعلم جهل بعض مدرسي زماننا من منعهم من يدرس في مسجد تقرر في تدريسه أو كراهتهم لذلك زاعمين الاختصاص بها دون غيرهم حتى سمعت من بعضهم أنه يضيفها إلى نفسه ويقول هذه مدرستي أو لا تدرس في مدرستي، وأعجب من ذلك أنه إذا غضب على شخص يمنعه من دخول المسجد خصوصا بسبب أمر دنيوي، وهذا كله جهل عظيم ولا يبعد أن يكون كبيرة فقد قال الله تعالى * (وإن المساجد لله) * (الجن: 18) وما تلوناه من الآية السابقة فلا يجوز لاحد مطلقا أن يمنع مؤمنا من عبادة يأتي بها في المسجد لان المسجد ما بني إلا لها من صلاة واعتكاف وذكر شرعي وتعليم علم وتعلمه وقراءة قرآن. ولا يتعين مكان مخصوص لاحد حتى لو كان للمدرس موضع من المسجد يدرس فيه فسبقه غيره إليه ليس له إزعاجه وإقامته منه فقد قال الامام الزاهدي في فتاويه المسماة بالقنية معزيا إلى فتاوي العصر: له في المسجد موضع معين يواظب عليه وقد شغله غيره قال الاوزاعي: له أن يزعجه وليس له ذلك عندنا ا ه‍. ومن الفروع الدالة على أن مدرس المسجد كغيره ما قاله في القنية أيضا: ليس للمدرس في المسجد أن يجعل من بيته بابا إلى المسجد وإن فعل أدى ضمان نقصان الجدار إن وقع فيه ا ه‍. وأعجب من ذلك أن بعض مدرسي الاروام يعتقد في المسجد الذي له مدرس أنه مدرسة وليس بمسجد حتى ينتهك حرمته بالمشي فيه بنعله المتنجس مع تصريح الواقف بجعله مسجدا، وسيأتي شروط المسجد إن شاء الله تعالى في كتاب الوقف. قوله: (والوطئ فوقه والبول والتخلي) أي وكره الوطئ فوق المسجد وكذا البول والتغوط لان سطح المسجد له حكم المسجد حتى يصح الاقتداء منه بمن تحته، ولا يبطل الاعتكاف بالصعود إليه ولا يحل للجنب الوقوف عليه. والمراد بالكراهة كراهة التحريم وصرح الشارح بأن الوطئ فيه حرام لقوله تعالى * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) وذكر في فتح القدير أن الحق أنها كراهة تحريم لان الآية ظنية الدلالة لانها محتملة كون التحريم للاعتكاف أو للمسجد وبمثلها لا يثبت التحريم ولان تطهيره واجب لقوله تعالى * (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (البقرة: 125) ولما أخرجه المنذري مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم وجمروها في الجمع واجعلوا على أبوابها المطاهر (1) ا ه‍. واختلف المشايخ في كراهية إخراج

[ 61 ]

الريح في المسجد. وأشار المصنف إلى أنه لا يجوز ادخال النجاسة المسجد وهو مصرح به فلذا ذكر العلامة قاسم في بعض فتاويه أن قولهم إن الدهن المتنجس يجوز الاستصباح به مقيد بغير المساجد فإنه لا يجوز الاستصباح به في المسجد لما ذكرنا، ولهذا قال في التجنيس: وينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة ثم يدخل فيه احترازا عن تلويث المسجد. وقد قيل: دخول المسجد متنعلا من سوء الادب وكان إبراهيم النخعي يكره خلع النعلين ويرى الصلاة معها أفضل لحديث خلع النعال. وعن علي رضي الله عنه أن كان له زوجان من نعل إذا توضأ انتعل بأحدهما إلى باب المسجد ثم يخلعه وينتعل بالآخر ويدخل المسجد إلى موضع صلاته ولهذا قالوا: إن الصلاة مع النعال والخفاف الطاهرة أقرب إلى حسن الادب ا ه‍. وفي الخلاصة وغيرها: ويكره الوضوء والمضمضمة في المسجد إلا أن يكون موضع فيه اتخذ للوضوء ولا يصلي فيه. زاد في التجنيس: لو سبقه الحدث وقت الخطبة يوم الجمعة فإن وجد الطريق انصرف وتوضأ وإن لم يمكنه الخروج يجلس ولا يتخطى رقاب الناس، فإن وجد ماء في المسجد وضع ثوبه بين يديه حتى يقع الماء عليه ويتوضأ بحيث لا ينجس المسجد ويستعمل الماء على التقدير، ثم بعد خروجه من المسجد يغسل ثوبه وهذا حسن جدا. ويكره مسح الرجل من الطين والردغة بإسطوانة المسجد أو بحائط من حيطان المسجد لان حكمه حكم المسجد، وإن مسح ببردي المسجد أو بقطعة حصير ملقاة فيه لا بأس به لان حكمه ليس حكم المسجد ولا له حرمة المسجد وهكذا قالوا: إن الاولى أن لا يفعل. وإن مسح بتراب في المسجد فإن كان مجموعا لا بأس به، وإن كان التراب منبسطا يكره هو المختار وإليه ذهب أبو القاسم الصفار لان له حكم الارض فكان من المسجد. وإن مسح بخشبة موضوعة في المسجد فلا بأس به لانه ليس لهذه الخشبة حكم المسجد فلا يكون لها حرمة المسجد، وكذا إذا مسح بحشيش مجتمع أو حصير مخرق لا بأس به لانه لا حرمة له إنما الحرمة للمسجد ا ه‍. ولكون المسجد يصان عن القاذورات ولو كانت طاهرة يكره البصاق فيه ولا يلقى لا فوق البواري ولا تحتها للحديث المعروف إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار ويأخذ النخامة بكمه أو بشئ من ثيابه، فإن اضطر إلى ذلك كان البصاق فوق البواري خيرا من البصاق تحتها لان البواري ليست من المسجد حقيقة ولها حكم المسجد، فإذا ابتلي ببليتين يختار أهونهما، فإن لم يكن فيها بوار يدفنها في التراب ولا يدعها على وجه الارض وقالوا: إذا نزح الماء النجس من البئر كره له أن يبل به الطين فيطين به المسجد على قول من اعتبر نجاسة الطين. وفي الظهيرية

[ 62 ]

وغيرها: ويكره غر س الاشجار في المسجد لانه يشبه البيعة إلا أن يكون به نفع للمسجد كأن يكون ذا نز أو اسطوانية لا تستقر فيغرس ليجذب عروق الاشجار ذلك النز فحينئذ يجوز وإلا فلا وإنمجوز مشايخنا في المسجد الجامع ببخارى لما فيه من الحاجة. قالوا: ولا يتخذ في المسجد بئر ماء لانه يخل حرمة المسجد فإنه يدخله الجنب والحائض، وإن حفر فهو ضامن بما حفر إلا أن ما كان قديما فيترك كبئر زمزم في المسجد الحرام. ولا بأس برمي عش الخفاش والحمام لان فيه تنقية المسجد من زرقها. وقالوا: ولا يجوز أن تعمل فيه الصنائع لانه مخلص لله تعالى فلا يكون محلا لغير العبادة غير أنهم قالوا في الخياط: إذا جلس فيه لمصلحته من دفع الصبيان وصيانة المسجد لا بأس به للضرورة ولا يدق الثوب عند طيه دقا عنيفا. والذي يكتب إن كان بأجر يكره وإن كان بغير أجر لا يكره. قال في فتح القدير: هذا إذا كتب القرآن والعلم لانه في عبادة، أما هؤلاء المكتبون الذين يجتمع عندهم الصبيان واللغط فلا، ولو لم يكن لغط لانهم في صناعة لا عبادة إذ هم يقصدون الاجارة ليس هو لله بل للارتزاق ومعلم الصبيان القرآن كالكاتب إن كان لاجر لا وحسبة لا بأس به ا ه‍. وفي الخلاصة: رجل يمر في المسجد ويتخذه طريقا إن كان لغير عذر لا يجوز وبعذر يجوز، ثم إذا جاز يصلي كل يوم تحية المسجد مرة ا ه‍. وفي القنية: يعتاد المرور في الجامع يأثم ويفسق ولو دخل المسجد للمرور فلما توسطه ندم، قيل يخرج من باب غير الذي قصده، وقيل يصلي ثم يتخير في الخروج، وقيل إن كان محدثا يخرج من حيث دخل إعداما لماجنى ويكره تخصيص مكان في المسجد لنفسه لانه يخل بالخشوع. أعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فإنها أخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها أحد إذا لم يكن لها إمام معلوم ومؤذن، ثم مساجد البيوت فإنه لا يجوز حتى الاعتكاف فيها إلا للنساء. وإذا قسم أهل المحلة المسجد وضربوا فيه حائطا ولكل منهم إمام على حدة ومؤذنهم واحد لا بأس به، والاولى أن يكون لكل طائفة مؤذن كما يجوز لاهل المحلة أن يجعلوا المسجد الواحد مسجدين فلهم أن يجعلوا المسجدين واحدا لاقامة الجماعات إما للتدريس أو للتذكير فلا، لانه ما بنى له وإن جاز فيه ولا يجوز التعليم في دكان في فناء المسجد عند أبي حنيفة وعندهما يجوز إذا لم يضر بالعامة ا ه‍. ما في القنية. ولا يخفى أن المسجد الجامع تدبيره وعمارته وإصلاحه للامام أو نائبه كما صرحوا به في كتاب القسامة، فللامام أو نائبه أن يجعل الجامع

[ 63 ]

مسجدين بضرب حائط ونحوه كالاهل المحلة. ولا بد أن نذكر أحكام تحية المسجد فنقول: هي على حذف مضاف أي تحية رب المسجد لان المقصود منها التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد لان الانسان إذا دخل بيت الملك فإنما يحيي الملك لا بيته. كذا ذكره العلامة الحلبي. وقد حكى الاجماع على سنيتها غير أن أصحابنا يكرهونها في الاوقات المكروهة تقديما لعموم الحاظر على عموم المبيح، وقد قدمنا أنه إذا تكرر دخوله في كل يوم فإنه يكفيه ركعتان لها في اليوم. وذكره في الغاية أنها لا تسقط بالجلوس عند أصحابنا فإنه قال في الحاكم إذا دخل المسجد للحكم فهو بالخيار عندنا إن شاء صلى تحية المسجد عند دخوله وإن شاء صلاها عند انصرافه فلم تسقط بالجلوس لانها لتعظيم المسجد وحرمته ففي أي وقت صلاها حصل المقصود من ذلك ا ه‍. وفي الظهيرية: ثم اختلفوا في صلاة التحية أنه يجلس ثم يقوم ويصلي أو يصلي قبل أن يجلس. قال بعضهم: يجلس ثم يقوم. وعامة العلماء قالوا: يصلي كما يدخل المسجد ا ه‍. قلت: ويشهد لقول العامة وهو الصحيح كما في القنية ما في الصحيحين عن أبي قتادة الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (1) وإنما قلنا بعدم سقوطها بالجلوس لما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده فقال: يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما فقمت فركعتهما ا ه‍. وقد قالوا: إن كل صلاة صلاها عند دخوله فرضا أو سنة فإنها تقوم مقام التحية بلا نية كما في البدائع وغيره، فلو نوى التحية الفرض فظاهر ما في المحيط وغيره أنه يصح عندهما، وعند محمد لا يكون داخلا في الصلاة فإنهم قالوا: لو نوى الدخول في الظهر والتطوع فإنه يجوز عن الفرض عند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن محمد لا يكون داخلا. وصرح في الظهيرية بكراهة الحديث أي كلام الناس في المسجد لكن قيده بأن يجلس لاجله. وفي فتح القدير: الكلام المباح فيه مكروه يأكل الحسنات، وينبغي تقييده بما في الظهيرية. أما إن جلس للعبادة ثم بعدها تكلم فلا. وأما النوم في المسجد فاختلف المشايخ فيه. وفي التجنيس: الاشبه بما تقدم من المسائل أنه يكره لانه ما أعد لذلك وإنما بني لاقامة الصلاة، وأما الجلوس في المسجد للمصيبة فمكروه لانه لم يبن له. وعن الفقيه أبي الليث أنه لا بأس به لان النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل جعفر وزيد بن حارثة جلس في المسجد والناس يأتونه ويعزونه، والمفتي به أنه

[ 64 ]

لا يلازم غريمه في المسجد لان المسجد بني لذكر الله تعالى. ويجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة، ولا بأس به للقضاء كالتدريس والفتوى ا ه‍. وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية أحكام المسجد في الوقف والكراهية والجنايات ومسألة الذهاب إلى الاقدم أو إلى مسجد حيه أو إلى من كان إمامه أصلح مذكورة في الخلاصة وغيرها بتفاريعها. قوله: (لا فوق بيت فيه مسجد) أي لا يكره ما ذكر في بيت فيه أو فوقه في ذلك البيت مسجد وهو مكان في البيت أعد للصلاة فإنه لم يأخذ حكم المسجد وإن كان يستحب للانسان، رجلا كان أو امرأة، أن يتخذ في داره مكانا خاليا لصلاته وبه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. واختلفوا في مصلى الجنازة والعيد فصحح في المحيط في مصلى الجنائز أنه ليس له حكم المسجد أصلا، وصحح في مصلى العيد كذلك إلا في حق جواز الاقتداء وإن لم تتصل الصفوف. وفي النهاية وغيرها: والمختار للفتوى في المسجد الذي اتخذ لصلاة الجنازة والعيد أنه مسجد في حق جواز الاقتداء وإن انفصل الصفوف رفقا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد ا ه‍. وظاهر ما في النهاية أنه يجوز الوطئ والبول والتخلي في مصلي الجنائز والعيد، ولا يخفى ما فيه فإن الباني لم يعده لذلك فينبغي أن لا، تجوز هذه الثلاثة وإن حكمنا بكونه غير مسجد، وإنما تظهر فائدته في بقية الاحكام التي ذكرناها ومن حل دخوله للجنب والحائض. قوله: (ولانقشه بالجص وماء الذهب) أي ولا يكره نقش المسجد وهو المذكور في الجامع الصغبلفظ لا بأس به. وقيل يكره للحديث إن من اشراط الساعة تزيين المساجد وقيل مستحب لانه من عمارته وقد مدح الله فاعلها بقوله * (إنما يعمر مساجد الله) * (التوبة:

[ 65 ]

18) وأصحابنا قالوا بالجواز من غير كراهة ولا استحباب لان مسجد رسول الله كان مسقفا من جريد النخل وكان يكف إذا جاء المطر وكان كذلك إلى زمن عثمان ثم رفعه عثمان وبناه وبسط فيه الحصى كما هو اليوم كذلك. ومحل الاختلاف في غير نقش المحراب، أما نقشه فهو مكروه لانه يلهي المصلي كما في فتح القدير وغيره. قال المصنف في الكافي: وهذا إذا فعل من مال نفسه أما المتولي فإنما يفعل من مال الوقف ما يحكم البناء دون النقش، فلو فعل ضمن حينئذ لما فيه من تضييع المال، فإن اجتمعت أموال المساجد وخاف الضياع بطمع الظلمة فيها لا بأس به حينئذ ا ه‍. وصرح في الغاية أن جعل البياض فوق السواد للنقاء موجب لضمان المتولي، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يكن الواقف فعل مثل ذلك، أما إن كان كذلك فله البياض لقولهم في عمارة الوقف أنه يعمر كما كان. وقيد بكونه للنقاء إذ لو قصد به أحكام البناء فإنه لا يضمن، وقيدوا بالمسجد إذ نقش غيره موجبللضمان إلا إذا كان مكانا معدا للاستغلال تزيد الاجرة به فلا بأس به. وأرادوا من المسجد داخله لقول صاحب النهاية: ولان من تزيينه ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة وذلك حسن ا ه‍. فيفيد أن تزيين خارجه مكروه، وأما من مال الوقف فلا شك أنه لا يجوز للمتولي فعله مطلقا لعدم الفائدة فيه خصوصا إذا قصد به حرمان أرباب الوظائف كما شاهدناه في زماننا من دهنهم الحيطان الخارجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بأتم من هذا في كتاب الوقف. وفي النهاية: وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران لما يخاف من سقوط الكتابة وأن توطأ. وفي جامع النسفي: مصلى أو بساط فيه أسماء الله تعالى يكره بسطوت استعماله في شئ، وكذا لو كان عليه الملك لا غير أو الالف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن من استعمال الغير فالواجب أن يوضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شئ، وكذا يكره كتابة الرقاع وإلصاقها في الابواب لما فيه من الاهانة ا ه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الوتر والنوافل لا خفاء في حسن تأخيرهما عن الفرائض. والوتر في اللغة خلاف الشفع وأوتر صلى

[ 66 ]

الوتر. كذا في المغرب. وهو في الشرع صلاة مخصوصة وهي ثلاث ركعات بعد العشاء، والنفل في اللغة الزيادة وفي الشريعة زيادة عبادة شرعت لنا لا علينا، ووجوه اشتقاقه يدل على الزيادة ولهذا يسمى ولد الولد نافلة لانه زيادة على الولد الصلبي وتسمى الغنيمة نفلا لانها زيادة على أصل المال قوله: (الوتر واجب) وهذا آخر أقوالابي حنيفة وهو الصحيح. كذا في المحيط. والاصح كما في الخانية وهو الظاهر من مذهبه كذا في المبسوط وروي عنه أنه فرض وعنه أنه سنة. ووفق المشايخ بينهما بأنه فرض عملا، واجب اعتقادا، سنة ثبوتا ودليلا. وأما عندهما فسنة عملا واعتقادا ودليلا لكن سنة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة كما في البدائع لظهور أثر السنن فيحيث لا يؤذن له ولم يثبت عندهما دليل الوجوب فنفياه. وأما استدلاله في الهداية لهما بأنه لا يكفر جاحده لا يفيد إذ إثبات اللازم لا يستلزم إثبات الملزوم المعين إلا إذا ساواه وهو هنا أعم، وإن عدم الاكفار بالجحد لازم الوجوب كما هو لازم السنة والمدعي الوجوب لا الفرض، وأما الامام فثبت عنده دليل الوجوب وهو الحديث وأحسن ما يعين منه ما رواه أبو داود مرفوعا الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني رواه الحاكم وصححه. وما رواه مسلم مرفوعا أوتر وأقبل أن تصبحوا والامر للوجوب. وأما ما في الصحيحين من أنه عليه السلام أو تر على بعيره فواقعة حال لا عموم لها فيجوز كونه كان للعذر والاتفاق على أن الفرض يصلي على الدابة لعذر الطين والمرض ونحوه أو أنه كان قبل وجوبه لان وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر، وقد روي أنه عليه السلام كان ينزل للوتر. وأما حديث الاعرابي حين قال له هل علي غيرها أي الصلوت الخمس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا إلا أن تطوع. فلا يدل على عدم وجوب الوتر كما زعمه النووي في شرح مسلم لانه كان في

[ 67 ]

أول الاسلام ثم وجب الوتر بعده بدليل أنه سأله عن العبادة المالية فأخبره بالزكاة فقال هل علي غيرها؟ فقال: لا. كما ذكر في الصلاة مع أن صدقة الفطر فرض عندهم بدليله فما هو جوابهم عنها فهو جوابنا عنه، ولا يلزم من القول بوجوبه الزيادة على الفرائض الخمس القطعية لانليس بفرض قطعي. وذكر في البدائع حكاية هي أن يوسف بن خالد السمي كان من أعيان فقهاء البصرة فسأل أبا حنيفة عنه فقال: إنه واجب. فقال له: كفرت يا أبا حنيفة ظنا منه أنه يقول إنه فريضة. فقال أبو حنيفة: أيهولني إكفارك إياي وأنا أعرف الفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والارض، ثم بين له الفرق بينهما فاعتذر إليه وجلس عنده للتعلم اه‍. وفي المحيط: لا يجوز الوتر قاعدا مع القدرة على القيام ولا على راحلته من غير عذر لان عنده الوتر واجب وأداء الواجبات والفرائض على الراحلة من غير عذر لا يجوز، وعندهما وإن كان سنة لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل على راحلته من غير عذر في الليل وإذا بلغ الوتر نزل فيوتر على الارض اه‍. فأفاد أنه لا يجوز قاعدا وراكبا من غير عذر باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه. وصرح في الهداية بأنه يجب قضاؤه إذا فاته بالاجماع وصححه في التجنيس، وعلل له في المحيط بقوله: أما عنده فلانه واجب، وأما عندهما فلقوله عليه السلام من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره (1) اه‍. وصرح في الكافي بأن وجوب قضائه ظاهر الرواية عنهما، وروي عنهما عدمه وسيأتي أنه لا يصلي خلف النفل اتفاقا، فظهر بهذا أنه لا فرق بين قوله بوجوبه وبين قولهما بسنيته من جهة الاحكام فإن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب إلا في فساد الصبح بتذكره وفي قضائه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس. قال في التجنيس: عند أبي حنيفة يقضيه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وبعد صلاة العصر لانه واجب عنده فيجوز قضاؤه فيه كقضاء سائر الفرائض، وعندهما لا لانه سنة عندهما ا ه‍. لكن تعقب صاحب الهداية في فتح القدير بأنه سنة عندهما فوجوب القضاء محل النزاع، وقد علمت دفعه بما في المحيط. وفي الظهيرية والولوالجية والتجنيس وغيرهما: أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر أدبهم الامام وحبسهم فإن لم يمتنعوا قاتلهم، وإن امتنعوا عن أداء السنن فجواب أئمة

[ 68 ]

بخارى بأن الامام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفرائض لما روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لو أن أهل بلدة أنكرو سنة السواك لقاتلتهم كما نقاتل المرتدين اه‍. وفي العمدة: اجتمع قوم على ترك الاذان يؤدبهم الامام وعلى ترك السنن يقاتلهم. زاد في الخلاصة بأن هذا إذا تركها جفاء لكن رآها حقا فإن لم يرها حقا يكفر. وذكر في التحقيق لصاحب الكشف أن الواجب نوعان: واجب في قوة الفرض في العمل كالوتر عند أبي حنيفة حتى منع تذكره صحة الفجر كتذكر العشاء، وواجب دون الفرض في العمل فوق السنة كتعيين الفاتحة حتى وجب سجود السهو بتركه ولكن لا تفسد الصلاة اه‍. وفي البدائع أن وجوبه لا يختص بالبعض دون البعض بل يعم الناس أجمع من الحر والعبد والذكر والانثى إن كان أهلا للوجوب لعموم الدلائل. قوله (وهو ثلاث ركعات بتسليمة) أي الوتر لما رواه الحاكم وصححه وقال على شرطهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. قيل للحسن: إن ابن عمر كان يسلم في الركعتين من الوتر فقال: كان عمر أفقه منه وكان ينهض في الثانية بالتكبير اه‍. ونقله الطحاوي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى (2) فليس فيه دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة ليحتاج إلى الاشتغال بجوابه إذا يحتمل كلا من ذلك ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة ومع الاحتمال لا يقاوم الصرائح الواردة، وقد روى الامام أبو حنيفة بسنده أنه عليه السلام كان يقرأ في الاولى سبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو الله أحد. وما وقع في السنن وغيرها من زياد المعوذتين أنكرها الامام أحمد وابن معين ولم يخترها أكثر أهل العلم كما ذكره الترمذي. كذا في شرح منية المصلي. وصحح الشارح الزيلعي أنه لا يجوز اقتداء الحنفي بمن يسلم من الركعتين في الوتر وجوزه أبو بكر الرازي ويصلي معه بقية الوتر لان

[ 69 ]

إمامه لم يخرج بسلامه عنده وهو مجتهد فيه كما لو اقتدى بإمام قد رعف. واشتراط المشايخ لصحة اقتداء الحنفي في الوتر بالشافعي أن لا يفصله على الصحيح مفيد لصحته إذا لم يفصله اتفاقا، ويخالفه ما ذكره في الارشاد من أنه لا يجوز الاقتداء في الوتر بالشافعي بإجماع أصحابنا لانه اقتداء المفترض بالمنتفل فإنه يفيد عدم الصحة فصل أو وصل فلذا قال بعده: والاول أصح مشيرا إلى أن عدم الصحة إنما هو عند الفصل لا مطلقا معللا بأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي اه‍. فمراده من الاول هو قوله في شروط الاقتداء بالشافعي ولا يقطع وتره بالسلام هو الصحيح، ويشهد للشارح ما في السراج الوهاج أن الاقتداء به في العيدين صحيح ولم يرد فيه خلاف مع أنه سنة عند الشافعي وواجب عندنا، وما نقله أصحاب الفتاوى عن ابن الفضل أن اقتداء الحنفي في الوتر بمن يرى أنه سنة كاليوسفي صحيح لان كلا يحتاج إلى نية الوتر فلم تختلف نيتهما فأهدر اختلاف الاعتقاد في صفة الصلاة واعتبر مجرد اتحاد النية. واستشكله في فتح القدير بما ذكره في التجنيس وغيره من أن الفرض لا يتأدى بنية النفل ويجوز عكسه، فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز وتر الحنفي اقتداء وتر الشافعي بناء على أنه لم يصح شروعه في الوتر لانه بنيته إياه إنما نوى النفل الذي هو الوتر فلا يتأدى الواجب بنية النفل، وحينئذ فالاقتداء به فيه بناء على المعدوم في زعم المقتدي. نعم يكن أن يقال: لو لم يخطر بخاطره عند النية صفة من السنة أو غيرها بل مجرد الوتر ينتفي المانع فيجوز لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضة أنه لا يجوز وإن لم يخطر بخاطره نفلية وفرضية بعد أن كان المتقرر في اعتقاده نفليته وهو غير بعيد للمتأمل اه‍..

[ 70 ]

وحاصلة ترجيح ما في الارشاد وتضعيف تصحيح الزيلعي، وما في الفتاوى عن ابن الفضل وليس فيما ذكره دليل عليه لان ما في التجنيس وغيره إنما هو في الفرض القطعي والوتر ليس بفرض قطعي إنما هو واجب ظني ثبت بالسنة فلا يلزم اعتقاد وجوبه للاختلاف فيه فلم يلزم في صحته تعيين وجوببل تعيين كونه وترا، بل صرح في المحيط والبدائع بأنه ينوي صلاة الوتر والعيديد فقط. وصرح بعض المشايخ كما في شرح منية المصلي بأنه لا ينوي في الوتر أنه واجب للاختلاف في وجوبه، فظهر بهذا أن المذهب الصحيح صحة الاقتداء بالشافعي في الوتر إن لم يسلم على رأس الركعتين وعدمها إن سلم والله الموفق للصواب. ثم اعلم أن قوله في فتح القدير لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضي إلى آخره غفلة عما ذكره صاحب التجنيس في باب الوتر منه ولفظه: إذا اقتدى في الوتر بمن يراه سنة وهو يراه واجبا ينظر إن كان نوى الوتر وهو يراه سنة أو تطوعا جاز الاقتداء بمنزلة من صلى الظهر خلف آخر وهو يرى أن الركوع سنة أو تطوع، وإن كان افتتح الوتر بنية التطوع أو بنية السنية لا يصح الاقتداء لانه يصير اقتداء المفترض بالمنتفل. كذا ذكره الامام الرستغفني. هذا والذي ينبغي أن يفهم من قولهم إنه لا ينوي أنه واجب أنه لا يلزمه تعيين الوجوب لا أن المراد منعه من أن ينوي وجوبه لانه لا يخلو إما أن يكون حنفيا أو غيره، فإن كان حنفيا فينبغي أن ينويه ليطابق اعتقاده، وإن كان غيره فلا تضره تلك النية فإن من المعلوم أن انتفاء الوصف لا يوجب انتفاء الاصل فيبقى الاصل وهو صلاة الوتر هنا وقد كان يخرج به عن العهدة. قوله (وقنت في ثالثته قبل الركوع ابدا) لما أخرجه النسائي عن أبي بن كعب أنه عليه الصلاة والسلام كان يقنت قبل الركوع. وما في حديث أنس من أنه عليه السلام قنت بعد الركوع فالمراد منه أن ذلك كان شهرا منه فقط بدليل ما في الصحيح عن عاصم الاحول

[ 71 ]

سألت أنسا عن القنوت في الصلاة قال: نعم. قلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعده قال: كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا. وظاهر الاحاديث يدل على القنوت في جميع السنة، وأما ما رواه أبو داود أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر - يعني رمضان - ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني فإذا كان العشر الاواخر تخلف فصلى في بيته، فلا يدل على تخصيصه بالنصف الثاني من رمضان لان القنوت فيه يحتمل أن يكون طول القيام فإنه يقال عليه كما يقال على الدعاء وترجح الاول لتخصيص النصف الاخير بزيادة الاجتهاد فليس هو المتنازع فيه. والكلام في القنوت في خمسة مواضع: في صفته ومحل أدائه ومقداره ودعائه وحكمه إذا فات. أما الاول فقد ذكره المصنف في باب صفة الصلاة من الواجبات وهو مذهب أبي حنيفة وعندهما سنة كالوتر، ويشهد للوجوب قوله صلى الله عليه وسلم للحسن حين علمه القنوت، اجعل هذا في وترك. والامر للوجوب لكنه تعقبه في فتح القدير بأنه لم يثبت، ومنهم من حاول الاستدلال

[ 72 ]

بالمواظبة المفادة من الاحاديث وهو متوقف على كونها غير مقرونة بالترك مرة لكن مطلق المواظبة أعم من المقرونة به أحيانا وغير المقرونة ولا دلالة للاعم على الاخص وإلا لوجبت بهذه الكلمات عينا أو كانت أولى من غيرها لكن المتقرر عندهم الدعاء المعروف اللهم إنا نستعينك كما سيأتي اه‍. وأطلقه فشمل الاداء والقضاء فلذا قالوا: ومن يقضي الصلوات والاوتار يقنت في الاوتار احتياطا. وعلله الولوالجي في فتاواه بأنه إن كان عليه الوتر كان عليه القنوت وإن لم يكن عليه الوتر فالقنوت يكون في التطوع والقنوت في التطوع لا يضر اه‍. وهو يقتضي أن قضاءه ليس لكونه لم يؤد حقيقة بل احتياطا وليس هو بمستحب. قال في مآل الفتاوى: ولما لم يفته شئ من الصلوات وأحب أن يقضي جميع الصلوات التي صلاها متداركا لا يستحب لذلك إذا كان غالب ظنه فساد ما صلى ورد النهي عنه صلى الله عليه وسلم. وما حكي عن أبي حنيفة أنه قضى صلاة عمره فإن صح النقل فنقول كان يصلي المغرب والوتر أربع ركعات بثلاث قعدات اه‍. وفي التجنيس: شك في الوتر وهو في حالة القيام أنفي الثانية أم في الثالثة يتم تلك الركعة ويقنت فيها لجواز أنها الثالثة، ثم يقعد فيقوم فيضيف إليها ركعة أخرى ويقنت فيها أيضا، وهو المختار. فرق بين هذا وبين المسبوق بركعتين في الوتر في شهر رمضان إذا قنت مع الامام في الركعة الاخيرة من صلاة الامام حيث لا يقنت في الركعة الاخيرة إذا قام إلى القضاء في قولهم جميعا. والفرق أن تكرار القنوت في موضعه ليس بمشروع وههنا أحدهما في موضعوالآخر ليس في موضعه فجاز، فأما المسبوق فهو مأمور بأن يقنت مع الامام فصار ذلك موضعا له، فلو أتى بالثاني كان ذلك تكرارا للقنوت في موضعه اه‍. وفي المحيط معزيا إلى الاجناس: لو شك أنه في الاولى أو في الثانية أو في الثالثة فإنه

[ 73 ]

يقنت في الركعة التي هو فيها ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعتين بقعدتين ويقنت فيهما احتياطا. وفي قول آخر: لا يقنت في الكل أصلا لان القنوت في الركعة الثانية والاولى بدعة وترك السنة أسهل من الاتيان بالبدعة والاول أصح لان القنوت واجب، وما تردد بين الواجب والبدعة يأتي به احتياطا اه‍. وفي الذخيرة: إن قنت في الاولى أو في الثانية ساهيا لم يقنت في الثالثة لانه لا يتكرر في الصلاة الواحدة اه‍. وفيه نظر لانه إذا كان مع الشك في كونه في محله يعيده ليقع في محله كما قدمناه فمع اليقين بكونه في غير محله أولى أن يعيده كما لو قعد بعد الاولى ساهيا لا يمنعه أن يقعد بعد الثانية، ولعل ما في الذخيرة مبني على القول الضعيف القائل بأنه لا يقنت في الكل أصلا كما لا يخفي. وأما الثاني فقد ذكرناه. وأما مقداره فقد ذكر الكرخي أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة إذا السماء انشقت وكذا ذكر في الاصل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في القنوت اللهم إنا نستعينك اللهم اهدنا وكلاهما على مقدار هذه السورة. وروي أنه عليه السلام كان لا يطول في دعاء القنوت. كذا في البدائع. وأما دعاؤه فليس فيه دعاء مؤقت. كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة لانه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت، ولان المؤقت من الدعاء يذهب بالرقة كما روي عن محمد فيبعد عن الاجابة، ولانه لا يؤقت في القراءة لشئ من الصلوات ففي دعاء القنوت، أولى. وقال بعض مشايخنا: المراد من قوله ليس فيه دعاء مؤقت ما سوى اللهم إنا نستعينك لان الصحابة

[ 74 ]

اتفقوا عليه فالاولى أن يقرأه ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسنا والاولى أن يقرأ بعده ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن على قنوته اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره. وقال بعضهم: الافضل من الوتر أن يكون فيه دعاء مؤقت لان الامام ربما يكون جاهلا فيأتي بدعاء يشبه كلام الناس فتفسد صلاته، وما روي عن محمد من أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب، محمول على أدعية المناسك دون الصلاة. كذا في البدائع. ورجح في شرح منية المصلي قول الطائفة الثانية لما ذكروا وتبركا بالمأثور الوارد به الاخبار وتوارثه الخلف عن السلف في سائر الاعصار اه‍. لكن ذكر الاسبيجابي أن ظاهر الرواية عدم توقيته. ثم إن الدعاء المشهور عند أبي حنيفة: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. لكن في المقدمة الغزنوية إن عذابك الجد. ولم يذكره في الحاوي القدسي إلا أنه أسقط الواو من نخلع. والظاهر ثبوتهما. أما إثبات الجد ففي مراسيل أبي داود. وأما إثبات الواو في ونخلع ففي رواية الطحاوي والبيهقي، وبه اندفع ما ذكره الشمني في شرح النقاية أنه لا يقول الجد واتفقوا على أنه بكسر الجيم بمعنى الحق. واختلفوا في ملحق وصحح الاسبيجابي كسر الحاء بمعنى لاحق بهم، وقيل بفتحها، ونص الجوهري على أنه صواب. وأما نحفد فهو بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة من الحفد بمعنى السرعة ويجوز ضم النون. يقال حفد بمعنى أسرع وأحفد لغة فيه حكاها ابن مالك في فعل وافعل. وصرح قاضيخان في فتاواه بأنه لو قرأها بالذال المعجمة بطلت صلاته، ولعله لانها كلمة مهملة لا معنى لها. ثم اعلم أن المشايخ اختلفوا في حقيقة القنوت الذي هو واجب عنده فنقل في المجتبى عن شرح المؤذني القنوت طول القيام دون الدعاء، وعن أبي عمرو لا أعرف من القنوت إلا طول القيام وبه فسر قوله تعالى * (أمن هو قانت آناء الليل) * (الزمر: 9) وعن الفتاوى الصغرى: القنوت في الوتر هو الدعاء دون القيام اه‍. وينبغي تصحيحه ومن لا يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه ففيه ثلاثة أقوال مختارة: قيل يقول يا رب ثلاث مرات ثم يركع، وقيل يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات، وقيل اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي

[ 75 ]

الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والظاهر أن الاختلاف في الافضلية لا في الجواز وإن الاخير أفضل لشموله، وإن التقييد بمن لا يحسن العربية ليس بشرط بل يجوز لمن يعرف الدعاء المعروف أن يقتصر على واحد مما ذكر لما علمت أن ظاهر الرواية عدم توقيته. وأما حكمه إذا فات محله فنقول: إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر، فإن كان بعد رفع الرأس من الركوع لا يعود وسقط عنه القنوت، وإن تذكره في الركوع فكذلك في ظاهر الرواية كما في البدائع وصححه في الخانية. وعن أبي يوسف أنه يعود إلى القنوت لشبهه بالقرآن كما لو ترك الفاتحة أو السورة فتذكرها في الركوع أو بعد رفع الرأس منه فإنه يعود وينتقض ركوعه. والفرق على ظاهر الرواية أن نقض الركوع في المقيس عليه لاكماله لانه يتكامل بقراءة الفاتحة والسورة لكونه لا يعتبر بدون القراءة أصلا، وفي المقيس ليس نقضه لاكماله لانه لا قنوت في سائر الصلوات والركوع معتبر بدونه، فلو نقض لكان نقض الفرض للواجب كذا في البدائع. فإن عاد إلى القيام وقنت ولم يعد الركوع لم تفسد صلاته لان ركوعه قائم لم يرتفض بخلاف المقيس عليه لان بعوده صارت قراءة الكل فرضا، والترتيب بين القراءة والركوع فرض، فارتفض ركوعه فلو لم يركع بطلت، فلو ركع وأدركه رجل في الركوع الثاني كان مدركا لتلك الركعة. وإنما لم يشرع القنوت في الركوع مثل تكبيرات العيد إذا تذكرها في حال الركوع حيث يكبر فيه لانه لم يشرع إلا في محض القيام غير معقول ا لمعنى فلا يتعدى إلى ما هو قيام من وجه دون وجه وهو الركوع، وأما تكبيرات العيد فلم تختص بمحض القيام لان تكبيرة الركوع يؤتى بها في حال الانحطاط وهي محسوبة من تكبيرات العيد بإجماع الصحابة، فإذا جاز أداء واحدة منها في غير محض القيام من غير عذر جاز أداء الباقي مع قيام العذر بالاولى. ولم يقيد المصنف القنوت بالمخافتة للاختلاف

[ 76 ]

فيه. قال في الذخيرة: استحسنوا الجهر في بلاد العجم للامام ليتعلموا كما جهرعمر رضي الله عنه بالثناء حين قدم عليه وفد العراق. ونص في الهداية على أن المختار المخافتة، وفي المحيط على أنه الاصح، وفي البدائع واختار مشايخنا بما وراء النهر الاخفاء في دعاء القنوت في حق الامام والقوم جميعا لقوله تعالى * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) * (الاعراف: 55) وقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الدعاء الخفي وهو مروي في صحيح ابن حبان. وفصل بعضهم بين أن يكون القوم لا يعلمونه فالافضل للامام الجهر ليتعلموا وإلا فالاخفاء أفضل كما في الذخيرة، ومن اختار الجهر به اختار أن يكون دون جهر القراءة كما في منية المصلي. قوله (وقرأ في كل ركعة منه فاتحة الكتاب وسورة) بيان لمخالفته للفرائض فيقرأ في كل ركعة منه حتما، ونقل في الهداية أنه بالاجماع. وفي التجنيس: لو ترك القراءة في الركعة الثالثة منه لم يجز في قولهم جميعا اه‍. أما عندهما فلانه نفل وفي النفل تجب القراءة في الكل، وكذا على قول أبي حنيفة لان الوتر عنده واجب يحتمل أنه نفل ولكن يترجح جهة الفرضية بدليل فيه شبهة فكان الاحتياط فيه وجوب القراءة في الكل، وقد قدمنا من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الركعة الاولى سبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد. فالحاصل أن قراءة آية في كل ركعة منه فرض وتعيين الفاتحة مع قراءة ثلاث آيات في كل ركعة واجب والسور الثلاث فيه سنة لكن ذكر في النهاية أنه لا ينبغي أن يقرأ سورة متعينة على الدوام لان الفرض هو مطلق القراءة بقوله تعالى * (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) * (المزمل: 20) والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس أنه واجب وأنه لا يجوز غيره لكن لو قرأ بما ورد به الآثار

[ 77 ]

أحيانا يكون حسنا، ولكن لا يواظب لما ذكرنا اه‍. وقد يقال: إنهم رجحوا جهة النفلية فيه احتياطا في القراءة فينبغي أن لا يقضي في الوقت المكروه كما بعد طلوع الفجر وبعد صلاة العصر احتياطا لجهة النفلية لان النفل فيه ممنوع، وقد قدمنا عن التجنيس خلافه وفيه: والوتر بمنزلة النفل في حق القراءة إلا أنه يشبه المغرب من حيث إنه لو استتم قائما في الثالثة قبل القعود ثم تذكر لا يعود لانها صلاة واحدة، وفي النفل يعود لانه كل شفع صلاة على حدة اه‍. وفي المجتبى: ولا تجب القعدة الاولى في الوتر. وفي الامتحان: صلى الوتر ولم يقعد في الثانية ناسيا ثم تذكر في الركوع لا يعود وإن عاد لا ينتقض ركوعه اه‍. ولا يخفى مفيه لان القعدة الاولى واجبة في الفرض والنفل والوتر ذو شبه لهما فوجبت القعدة الاولى فيه، وقد تقدم أنه يرفع يديه عند تكبيرة القنوت كما يرفعهما عند الافتتاح. وفي النهاية معزيا إلى محمد بن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة ودعاء رهبة ودعاء تضرع ودعاء خفية. ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء، وفي دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشئ، وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالابهام والوسطى ويشير بالسبابة، ودعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه. ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت للاختلاف فيها، واختار الفقيه أبو الليث أن الاولى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لان القنوت دعاء والاولى في الدعاء أن يكون مشتملا عليها. وذهب أبو القاسم الصفار إلى أنه لا يصلي فيه لانه ليس موضعها ومشى عليه في الخلاصة، ولما رواه الطبراني عن علي كل دعاء

[ 78 ]

محجوب حتى يصلي على محمد وفي الواقعات: ويستحب في كل دعاء أن تكون فيه الصلاة على النبي اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد اه‍. وهو يقتضي أنه يصلي عليه في القنوت بهذه الصيغة وهو الاولى. ومن الغريب ما في المجتبي: لو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت لا يصلي في القعدة الاخيرة، وكذا لو صلى عليه في القعدة الاولى سهوا لا يصلي عليه في القعدة الاخيرة ولا يصلي في القنوت اه‍.. قوله (ولا يقنت في غيره) أي في غير الوتر لما رواه الامام أبو حنيفة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقنت في الفجر قط إلا شهرا واحدا لم ير قبل ذلك ولا بعده، وإنمقنت في ذلك الشهر يدعو على أناس من المشركين، وكذا في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قنت شهرا يدعو على قوم من العرب ثم تركه. وقد أطال المحقق ابن الهمام هنا في الكلام معالشافعي كما هو دأبه ولسنا بصدده. وفي شرح النقاية معزية إلى الغاية: وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الامام في صلاة الجهر. وهو قول الثوري وأحمد. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل مشروع في الصلوات كلها اه‍. قوله (ويتبع المؤتم قانت الوتر) وقال محمد: لا يأتي به المأموم بل يؤمن لان للقنوت شبهة القرآن لاختلاف الصحابة في قوله اللهم إنا نستعينك أنه من القرآن أو لا فأورث شبهة وهو لا يقرأ، حقيقة القرآن فكذا ما له شبهه، والمختار ما في الكتاب كما في المحيط وغيره وصححوه لانه دعاء حقيقة كسائر الادعية والثناء والتشهد والتسبيحات، وظاهر الرواية أنه لا يكره قراءته للجنب لانه ليس بقرآن وعليه الفتوى كما في الولوالجية قوله (لا الفجر) أي لا يتبع المؤتم الامام القانت

[ 79 ]

في صلاة الفجر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يتابعه لانه تبع للامام والقنوت مجتهد فيه. ولهما أنه منسوخ فصار كما لو كبر خمسا في الجنازة حيث لا يتابعه في الخامسة، وإذا لم يتابعه فيه فقيل يقعد تحقيقا للمخالفة لان الساكت شريك الداعي بدليل مشاركة الامام في القراءة وإذا قعد فقد ت المشاركة. ولا يقال كيف يقعد تحقيقا للمخالفة وهي مفسدة للصلاة لان المخالفة فيمهوا من الاركان والشرائط مفسدة لا في غيرها. قال في الهداية: والاظهر وقوفه ساكت. وصححه قاضيخان وغيره لان فعل الامام يشتمل على مشروع وغيره، فما كان مشروعا يتبعه فيه، وما كان غير مشروع لا يتبعه. كذا في العناية. وقد يقال: إن طول القيام بعد رفع الرأس من الركوع ليس بمشروع فلا يتابعه فيه. قال في الهداية: ودلت المسألة على جواز الاقتداء بالشفعوية. وإذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه اه‍. ووجه دلالتها أنه لو لم يصح الاقتداء به لم يصح اختلاف علمائنا في أنه يسكت أو يتابعه، ووقع في بعض نسخها بالشافعية وهو الصواب لما عرف من وجوب حذف ياء النسب إذا نسب إلى ما هي فيه ووضع الياء الثانية مكانها حتى تتحد الصورة قبل النسبة الثانية وبعدها والتمييز حينئذ من خارج، فالياء المشددة فيه ياء النسبة لا آخر الكلمة ككرسي. وذكر في النهاية بنو شافع من بني المطلب ابن عبد مناف منهم الامام الشافعي الفقيه رحمه الله، ومن قال في نسبته الشفعوي فهو عامي وحقه أن يقال بالشافعي المذهب. فحاصله أن صاحب الهداية جوز الاقتداء بالشافعي بشرط أن لا يعلم المقتدي منه ما يمنع صحة صلاته في رأي المقتدي كالفصد ونحوه وعدد مواضع عدم صحة الاقتداء به في العناية وغاية البيان بقوله كما إذا لم يتوضأ من

[ 80 ]

الفصد والخارج من غير السبيلين، وكما إذا كان شاكا في إيمانه بقوله أنا مؤمن إن شاء الله أو متوضئا من القلتين أو يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع أو لم يغسل ثوبه من المني ولم يفركه أو انحرف عن القبلة إلى اليسار أو صلى الوتر بتسليمتين أو اقتصر على ركعة أو لم يوتر أصلا أو قهقه في الصلاة ولم يتوضأ أو صلى فرض الوقت مرة ثم أم القوم فيه. زاد في النهاية وأن لا يراعي الترتيب في الفوائت وأن لا يمسح ربع رأسه. وزاد قاضيخان وأن يكون متعصبا. والكل ظاهر ما عدا خمسة أشياء: الاول مسألة التوضؤ من القلتين فإنه صحيح عندنا إذا لم يقع في الماء نجاسة ولم يختلط بمستعمل مساو له أو أكثر فلا بد أن يقيد قولهم بالقلتين المتنجس ماؤهما أو المستعمل بالشرط المذكور لا مطلقا. الثاني مسألة رفع اليدين من وجهين: الاول أن الفساد برفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه رواية شاذة، رواها مكحول النسفي عن أبي حنيفة وليس بصحيحة رواية ودراية، لان المختار في العمل الكثير المفسد لها ما لورآه شخص من بعيد ظنه ليس في الصلاة لا ما يقام باليدين، ولان وضع هذه المسألة يدل على جواز الاقتداء بالشافعي وبقائه إلى وقت القنوت حتى اختلفوا هل يتابعه فيه أو لا - كما في الهداية - مع وجود رفع اليدين في الركعات الثلاث. الثاني أن الفساد عند الركوع لا يقتضي عدم صحة الاقتداء من الابتداء مع أن عروض البطلان غير مقطوع به حتى يجعل كالمتحقق عند الشروع لان الرفع جائز الترك عندهم لسنيته. الثالث مسألة الانحراف عن القبلة إلى اليسار لان الانحراف المانع عندنا أن يجاوز المشارق إلى المغارب كما نقله في فتح القدير في استقبال القبلة، والشافعية لا ينحرفون هذا الانحراف. الرابع مسألة التعصب وهو تعصب لان التعصب على تقدير وجوده منهم إنما يوجب الفسق لا الكفر والفسق لا يمنع صحة الاقتداء، والظاهر من الشارطين لعدمه أنه يوجب الكفر لكونه في الدين وهو بعيد كما لا يخفى. الخامس مسألة الاستثناء في الايمان. فاعلم أن عبارتهم قد اختلفت في هذه المسألة، فذهب طائفة من الحنفية إلى تكفير من قال أنا مؤمن إن شاء الله ولم يقيدوه بأن يكون شاكا في إيمانه، ومنهم الاتقاني في غاية البيان. وصرح في روضة العلماء بأن قوله إن شاء الله يرفع إيمانه فيبقى بلا إيمان فلا يجوز الاقتداء به. وذكر في الفتاو الظهيرية من المواعظ أن معاذ بن جبل سئل عمن يستثنى في الايمان فقال: إن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه ثلاثة أصناف قال تعالى في موضع * (أولئك هم المؤمنون حقا) * (الانفال: 40) وقال في موضع آخر * (أولئك هم الكافرون حقا) * (النساء: 151) وقال في

[ 81 ]

موضع آخر * (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) * (النساء: 143) فمن قال بالاستثناء في الايمان فهو من جملة المذبذبين اه‍. وفي الخلاصة والبزازية من كتاب النكاح عن الامام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في فوائده: لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا ولكن يتزوج بنتهم. زاد في البزازية تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب اه‍. وذهب طائفة إلى تكفير من شك منهم في إيمانه بقوله أنا مؤمن إن شاء الله على وجه الشك مطلقا وهو الحق لانه لا مسلم يشك في إيمانه. وقول الطائفة الاولى أنه يكفر غلط لانه لا خلاف بين العلماء في أنه لا يقال أنا مؤمن إن شاء الله للشك في ثبوته للحال بل ثبوته في الحال مجزوم به كما نقله المحقق ابن الهمام في المسايرة، وإنما محل الاختلاف في جوازه لقصد إيمان الموافاة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منعه وعليه الاكثرون، وأجازه كثير من العلماء منهم الشافعي وأصحابه لان بقاءه إلى الوفاة عليه وهو المسمى بإيمان الموافاة غير معلوم، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ عند المتكلم في ربطه بالمشيئة وهو أمر مستقبل، فالاستثناء فيه اتباع لقوله تعالى * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) * (الكهف: 23) وقال أئمة الحنفية: لما كان ظاهر التركيب الاخبار بقيام الايمان به في الحال مع اقتران كلمة الاستثناء به كان تركه أبعد عن التهمة فكان تركه واجبا، وأما من علم قصده فربما تعتاد النفس التردد لكثرة إشعارها بترددها في ثبوت الايمان واستمراره وهذه مفسدة إذ قد يجر إلى وجوده آخر الحياة الاعتياد خصوصا والشيطان منقطع مجرد نفسه لسبيل لا شغل له سواك فيجب ترك المؤدي إلى هذه المفسدة اه‍. فالحاصل أنه لا فائدة في هذا الشرط وهو قول الطائفة الثانية أن لا يكون شاكا في إيمانه إذ لا مسلم يشك فيه، وأما التكفير بمطلق الاستثناء فقد علمت غلطه وأقبح من ذلك من منع منا كحتهم وليس هو إلا محض تعصب نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، خصوصا قد نقل الامام السبكي في رسالة ألفها في هذه المسألة: أن القول بدخول الاستثناء في الايمان هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والشافعية والمالكية والحنابلة ومن المتكلمين الاشعرية والكلابية قال: وهو قول سفيان الثوري اه‍. فالقول بتكفير هؤلاء من أقبح الاشياء. ثم اعلم أنه قد صرح في النهاية والعناية وغيرهما بكراهة الاقتداء بالشافعي إذا لم يعلم حاله حتى صرح في النهاية بأنه إذا علم منه مرة عدم الوضوء من الحجامة ثم غاب عنه ثم رآه يصلي فالصحيح جواز الاقتداء به مع الكراهة، فصار الحاصل أن الاقتداء بالشافعي على ثلاثة أقسام: الاول أن يعلم منه الاحتياط في

[ 82 ]

مذهب الحنفي فلا كراهة في الاقتداء به. الثاني أن يعلم منه عدمه فلا صحة لكن اختلفوا هل يشترط أن يعلم منه عدمه في خصوص ما يقتدى به أو في الجملة، صحح في النهاية الاول وغيره اختار الثاني. وفي فتاوى الزاهدي: إذا رآه احتجم ثم غاب فالاصح أنه يصح الاقتداء به لانه يجوز أن يتوضأ احتياطا وحسن الظن به أولى. الثالث أن لا يعلم شيئا فالكراهة ولا خصوصية

[ 83 ]

لمذهب الشافعي بل إذا صلى حنفي خلف مخالف لمذهبه فالحكم كذلك، وظاهر الهداية أن الاعتبار لاعتقاد المقتدي ولا اعتبار لاعتقاد الامام حتى لو شاهد الحنفي إمامه الشافعي مس امرأة ولم يتوضأ ثم اقتدى به فإن أكثر مشايخنا قالوا يجوز وهو الاصح كما في فتح القدير وغيره. وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز ورجحه في النهاية بأنه أقيس لما أن زعم الامام أن صلاته ليست بصلاة فكان الاقتداء حينئذ بناء الموجود على المعدوم في زعم الامام وهو الاصل فلا يصح الاقتداء اه‍. ورد بأن المقتدي يرى جوازها والمعتبر في حقه رأى نفسه لا غيره. وأيضا ينبغي حمل حال الامام على التقليد لابي حنيفة حملا لحال المسلم على الصلاح ما أمكن فيتحد اعتقادهما وإلا لزم منه تعمد الدخول في الصلاة بغير طهارة على اعتقاده وهو حرام إلا أن تفرض المسألة أن المأموم علم به والامام لم يعلم بذلك كما ذكره الشارح فيقتصر على الجواب الاول. قوله: (والسنة قبل الفجر وبعد الظهر والمغرب والعشاء ركعتان وقبل الظهر والجمعة وبعدها أربع) شروع في بيان النوافل بعد ذكر الواجب فذكر أنها نوعان: سنة ومندوب. فالاول في كل يوم ما عدا الجمعة ثنتا عشرة ركعة، وفي يوم الجمعة أربع عشرة ركعة، والاصل فيه ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة وذكرها كما في الكتاب. وروى مسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها، وبدأ المصنف بسنة الفجر لانها أقوى السنن باتفاق الروايات لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (1) وفي أوسط الطبراني عنها أيضا: لم أره ترك الركعتين قبل صلاة الفجر في

[ 84 ]

سفر ولا حضر ولا صحة ولا سقم. وقد ذكروا ما يدل على وجوبها قال في الخلاصة: أجمعوا أن ركعتي الفجر قاعدا من غير عذر لا يجوز. كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ا ه‍. وفي النهاية قال مشايخنا: العالم إذا صار مرجعا في الفتاوى يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلى فتواه إلا سنة الفجر ا ه‍. وفي المضمرات معزيا إلى العتابي: من أنكر سنة الفجر يخشى عليه الكفر. وفي الخلاصة: الظاهر من الجواب أن السنة لا تقضي إلا سنة الفجر. ومما يدل على وجوبها ما في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل (2) فقد وجدت المواظب عليها بما قدمناه والنهي عن تركها لكن المنقول في أكثر الكتب أنها سنة مؤكدة، وإن قلنا إنها بمعنى الواجب هنا لم يصح لانها تتأدى بمطلق النية. قال في التجنيس: رجل صلى ركعتين تطوعا وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا الفجر طالع يجزئه عن ركعتي الفجر هو الصحيح لان السنة تطوع فتتأدى بنية التطوع ا ه‍. لكن في الخلاصة: الاصح أنها لا تنوب وهو يدل على الوجوب. وفيها أيضا عن

[ 85 ]

متفرقات شمس الائمة الحلواني: رجل صلى أربع ركعات في الليل فتبين أن الركعتين الآخرتين بعد طلوع الفجر تحتسب عن ركعتي الفجر عندهما وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة قال وبه يفتي ا ه‍. ورده في التجنيس بأن الاصح أنها لا تنوب عن ركعتي الفجر كما إذا صلى الظهر ستا وقد قعد على رأس الرابعة فإنه لا تنوب الركعتان عن ركعتي السنة في الصحيح من الجواب كذا هذا. وهذا لان السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها ومواظبته عليه السلام كانت بتحريمة مبتدأة. وفي الخلاصة: والسنة في ركعتي الفجر ثلاث: أحدها أن يقرأ في الركعة الاولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الاخلاص. والثانية أن يأتي بهما أول الوقت. والثالثة أن يأتي بهما في بيته وإلافعلى باب المسجد وإلا ففي المسجد الشتوي إن كان الامام في الصيفي أو عكسه إن كايرجو إدراكه، وإن كان المسجد واحدا يأتي بهما في ناحية من المسجد ولا يصليهما مخالطا للصف مخالفا للجماعة، فإن فعل ذلك يكره أشد الكراهة ولا يطول القراءة فيهما، ولو تذكر في الفجر أنه لم يصل ركعتي الفجر لم يقطع ا ه‍. وذكر الولوالجي: إمام يصلي الفجر في المسجد الداخل فجاء رجل يصلي الفجر في المسجد الخارج اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره لان ذلك كله كمكان واحد بدليل جواز الاقتداء لمن كان في المسجد الخارج بمن كان في المسجد الداخل، وإذا اختلف المشايخ فالاحتياط أن لا يفعل ا ه‍. وفي القنية: إذا لم يسع وقت الفجر إلا الوتر والفجر أو السنة والفجر فإنه يوتر ويترك السنة عند أبي حنيفة، وعندهما السنة أولى من الوتر ا ه‍. وفي المحيط: ولو صلى ركعتي الفجر مرتين بعد الطلوع فالسنة آخرهما لانه أقرب إلى المكتوبة ولم يتخلل بينهما صلاة والسنة ما تؤدي متصلا بالمكتوبة ا ه‍. وفي القنية: واختلف

[ 86 ]

في آكد السنن بعد سنة الفجر، فقيل الاربع قبل الظهر والركعتان بعده والركعتان بعد المغرب كلها سواء، والاصح أن الاربع قبل الظهر آكد ا ه‍. وهكذا صححه في العناية والنهاية لان فيها وعيدا معروفا قال عليه الصلاة والسلام من ترك أربعا قبل الظهر لم تنله شفاعتي. وفي التجنيس والنوازل والمحيط: رجل ترك سنن الصلوات الخمس إن لم ير السنن حقا فقد كفر لانه ترك استخفافا، وإن رأى حقا منهم من قال لا يأثم والصحيح أنه يأثم لانه جاء الوعيد بالترك ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بأن الاثم منوط بترك الواجب وقد قال صلى الله عليه وسلم للذي قال والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك شيئا: أفلح أن صدق ا ه‍. ويجاب عنه بأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب في الاثم بالترك كما صرحوا به كثيرا. وصرح به في المحيط هنا وأنه لا يجوز ترك السنن المؤكدة ولصلى وحده وهو أحوط ا ه‍. وبأن حديث الاعرابي كان متقدما وقد شرع بعده أشياء كالوتر فجاز أن تكون السنن المؤكدة كذلك لما قدمنا أنه لم يذكر له صدقة الفطر، وقد اتفقوا على أنه يأثم بتركها. وفي النهاية: ذكر الحلواني أنه لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الاوراد. وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون. وفي الشافي: كان عليه الصلاة والسلام إذا سلم يمكث قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام. وكذلك عن البقالي ولم يمر بي لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة، قيل تسقط وقيل لا تسقط ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم ا ه‍. وفي القنية: الكلام بعد الفرض لا يسقط السنة ولكن ينقص ثوابه وكل عمل ينافي التحريمة أيضا وهو الاصح اه‍. وفي الخلاصة: لو صلى ركعتي الفجر أو الاربع قبل الظهر واشتغل بالبيع والشراء أو الاكل فإنه يعيد السنة، أما بأكل لقمة أو شربة لا تبطل السنة ا ه‍. وفي المجتبي وفي الاربع قبل الظهر والجمعة وبعدها لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في القعدة الاولى ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة بخلاف سائر ذوات

[ 87 ]

الاربع من النوافل ا ه‍. وصحح في فتاواه أنه لا يأتي بهما في الكل لانها صلاة واحدة ا ه‍. ولا يخفى ما فيه فالظاهر الاول، والدليل على استنان الاربع قبل الجمعة ما رواه مسلم مرفوعا من كان مصليا قبل الجمعة فليصل أربعا مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع من قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شئ منهن. وعلى استنان الاربع بعدها ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا (1) وفي رواية إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا وذكر في البدائع إنه ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه ينبغي أن يصلي أربعا ثم ركعتين. وذكر محمد في كتاب الاعتكاف أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربعا أو ستا ا ه‍. وفي الذخيرة والتجنيس: وكثير من مشايخنا على قولابي يوسف. وفي منية المصلي: والافضل عندنا أن يصلي أربعا ثم ركعتين. وفي القنية: صلى الفريضة وجاء الطعام فإن ذهب حلاوة الطعام أو بعضها يتناول ثم يأتي بالسنة، وإن خاف الوقت يأتي بالسنة ثم يتناول الطعام، ولو نذر بالسنن وأتى بالمنذور به فهو السنة. وقال تاج الدين أبو صاحب المحيط: لا يكون آتيا بالسنة لانه لما التزمها صارت أخرى فلا تنوب مناب السنة، ولو أخر السنة بعد الفرض ثم أداها في آخر الوقت لا تكون سنة وقيل تكون سنة ا ه‍. والافضل في السنن أداؤها في المنزل إلا التراويح، وقيل إن الفضيلة لا تختص بوجه دون وجه وهو الاصح لكن كل ما كاأبعد من الرياء وأجمع للخشوع والاخلاص فهو أفضل. كذا في النهاية. وفي الخلاصة فسنة المغرب: إن خاف لو رجع إلى بيته شغله شأن آخر يأتي بها في المسجد وإن كان لا يخاف صلاها في المنزل، وكذا في سائر السنن حتى الجمعة والوتر في البيت أفضل ا ه‍. قوله: (وندب الاربع قبل العصر والعشاء وبعدها والست بعد المغرب) بيان للمندوب

[ 88 ]

من النوافل. أما الاربع قبل العصر فلما رواه الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. وروى أبو داود عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر ركعتين، فلذا خيره في الاصل بين الاربع وبين الركعتين، والافضل الاربع. وإنما لم تكن الركعتان سنة راتبة لانها ثابتة بيقين ويكون الاربع مستحبا لانه لم يذكر في حديث عائشة رضي الله عنها للعصر سنة راتبة أصلا كما في البدائع فلذا لم يجعل له سنة، وأما الاربع قبل العشاء فذكروا في بيانه أنه لم يثبت أن التطوع بها من السنن الراتبة فكان حسنا لان العشاء نظير الظهر في أنه يجوز التطوع قبلها وبعدها كذا في البدائع. ولم ينقلوا حديثا فيه بخصوصه لاستحبابه، وأما الاربع بعدها ففي سنن أبي داود عن شريح بن هاني قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما صلى العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى فيه أربع ركعات أو ست ركعات. قال في فتح القدير: الذي يقتضيه النظر كون الاربع بعد العشاء سنة لنقل

[ 89 ]

المواظبة عليها في أبي داود فإنه نص في مواظبته على الاربع دون الست للمتأمل ا ه‍. وقد يقال: إنما لم تكن الاربع سنة لما في الصحيحين عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين بعد الجمعة. وحدثتني حفصة بنت عمران النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر ا ه‍. فهو معارض لنقل المواظبة على الاربع فلذا لم تكن سنة. وأما الستة بعد المغرب فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الاوابين وتلا قوله تعالى * (إنه كان للاوابين غفورا) * (الاسراء: 25) وذكر في التجنيس أنه يستحب أن يصلي الست بثلاث تسليمات. ولم يذكر المصنف من المندوبات الاربع بعد الظهر. وصرح باستحبابها جماعة من المشايخ لحديث أبي داود والترمذي والنسائي. وحكى في فتح القدير اختلافا بين أهل عصره في مسألتين: الاولى هل السنة المؤكدة محسوبة من المستحب في الاربع بعد الظهر وبعد العشاء وفي الست بعد المغرب أو لا. الثانية على تقدير الاول هل يؤدي الكل بتسليمة واحدة أو بتسلمتين. واختار الاول فيهما وأطال الكلام

[ 90 ]

فيه إطالة حسنة كما هو دأبه، وظاهره أنه لم يطلع عليه في كلام من تقدمه. ولم يذكر المصنف من المندوبات صلاة الضحى للاختلاف فيها فقيل لا تستحب لما في صحيح البخاري من إنكار ابن عمر لها، وقيل مستحبة لما في صحيح مسلم عن عائشة أنه عليه السلام كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء، وهذا هو الراجح ولا يخالفه ما في الصحيحين عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لاسبحها لاحتمال أنها أخبرت في النفي عن رؤيتها ومشاهدتها وفي الاثبات عن خبره عليه السلام أو خبر غيره عنه أو أنها أنكرتها مواظبة وإعلانا. ويدل لذلك كله قولها وإني لاسبحها. وفي رواية الموطأ وإني لاستحبها من الاستحباب وهو أظهر في المراد. وظاهر ما في المنية يدل على أن أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشرة ركعة لما رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعا كتب من العابدين، ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيا كتبه الله من القانتين، ومن صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة، وما من يوم وليلة إلا ولله من يمن به على عباده وصدقة. وما من الله على أحد من

[ 91 ]

عباده أفضل من أن يلهمه ذكره قال المنذري: ورواته ثقات. ولم أر بيان أول وقتها وآخره لمشايخنا هنا ولعلهم تركوه للعلم به وهو أنه من ارتفاع الشمس إلى زوالها كما لا يخفى. ثم رأيت صاحب البدائع صرح به في كتاب الايمان فيما إذا حلف ليكلمنه الضحى فقال إنه من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى الزوال وهو وقت صلاة الضحى ا ه‍. ومن المندوبات تحية المسجد وقد قدمناها في أحكام المسجد قبيل باب الوتر، وصرح في الخلاصة باستحبابها وأنها ركعتان. ومن المندوبات ركعتان عقيب الوضوء كما في شرح النقاية والتبيين. ومن المندوبات صلاة الاستخارة وقد أفصحت السنة ببيانها، فعن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فقدر لي ويسره لي ثم بارك فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجله فاصرفه عني واصرفني عنه وقدر لي الخير حيث كان ثم رضني

[ 92 ]

به. قال: ويسمى حاجته. رواه البخاري وغيره. ومن المندوبات صلاة الحاجة وهي ركعتان كما ذكره في شرح منية المصلي مع ما قبله من الاستخارة والاحاديث بها مذكورة في الترغيب والترهب. ومن المندوبات صلاة الليل حثت السنة الشريفة عليها كثيرا وأفادت أن لفاعلها أجرا كبيرا فمنها ما في صحيح مسلم مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل وروى ابن خزيمة مرفوعا عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الاثم (2) وروى الطبراني مرفوعا لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل ا ه‍. وهو يفيد أن هذه السنة تحصل بالتنفل بعد صلاة العشاء قبل النوم وقد تردد في فتح القدير في صلاة التهجد أهي سنة في حقنا أم تطوع وأطال الكلام على وجه التحقيق كما هو دأبه وأوسع منه ما ذكره في أواخر شرح منية المصلي. ومن المندوبات إحياء ليالي

[ 93 ]

العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الاحاديث، وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة. والمراد بإحياء الليل قيامه وظاهره الاستيعاب ويجوز أن يراد غالبه. ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد قال في الحاوي القدسي: ولا يصلي تطوع بجماعة غير التراويح، وما روي من الصلوات في الاوقات الشريفة كليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلتي العيد وعرفة والجمعة وغيرها تصلى فرادى انتهى. ومن هنا يعلم كراهة الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في رجب في أول ليلة جمعة منه وأنها بدعة، وما يحتاله أهل الروم من نذرها لتخرج عن النفل والكراهة فباطل، وقد أوضحه العلامة الحلبي وأطال فيه إطالة حسنة كما هو دأبه وفي الفتاوي البزازية. قوله: (وكره الزيادة على أربع في نفل النهار وعلى ثمان ليلا) أي بتسليمة والاصل فيه أن النوافل شرعت توابع للفرائض والتبع لا يخالف الاصل فلو زيدت على الاربع في النهاية لخالفت الفرائض، وهذا هو القياس في الليل إلا أن الزيادة على الاربع إلى الثماني عرفناه بالنص وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بالليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة، والثلاث من كل واحد من هذه الاعداد الوتر وركعتان سنة الفجر فيبقى ركعتان وأربع وست وثمان فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من غير كراهة. واختلف المشايخ في الزيادة على الثماني بتسليمة واحدة مع اختلاف التصحيح فصحح الامام السرخسي عدم الكراهة معللا بأن فيه وصل العبادة بالعبادة وهو

[ 94 ]

أفضل. ورده في البدائع بأنه يشكل بالزيادة على الاربع في النهار قال: والصحيح أنه يكره لانه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وفي منية المصلي أن الزيادة المذكورة مكروهة بالاجماع أي بإجماع أبي حنيفة وصاحبيه وبه يضعف قول السرخسي، وصحح في الخلاصة ما ذهب إليه السرخسي ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها في حديث طويل إنه كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا في الثامنة فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا إلا أن هذا يقتضي عدم جواز القعود فيها أصلا إلا بعد الثامنة وجواز التنفل بالوتر من الركعات وكلمتهم على وجوب القعدة على رأس الركعتين من النفل مطلقا، وإنما الخلاف في الفساد بتركها وعلى كراهة التنفل بالوتر من الركعات، ومن العجب ما ذكره الطحاوي من رده استدلالهم على إباحة الثماني بتسليمة واحدة بما ثبت عن عائشة من رواية الزهري أنه كان يسلم من كل اثنتين منهن ولم نجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أن يصلي في الليل بتكبيرة أكثر من ركعتين وبذلك نأخذ وهو أصح القولين في ذلك انتهى. وذكر في غاية البيان أن الحق ما قاله الطحاوي لان استدلالهم استدلال بالمحتمل فلا يكون حجة، وهذا لانه يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي أربع ركعات فرض العشاء وأربع ركعات سنة العشاء وثلاث ركعات الوتر فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، وليس في حديث عائشة قيد التطوع حتى يدل على إباحة الثماني على أن عائشة في رواية الزهري عن عروة فسرت الاجمال وأزالت الاحتمال فلم يدل على إباحة ثماني ركعات بتسليمة انتهى. لان ما ذكرناه عن

[ 95 ]

صحيح مسلم صريح فرد كلام الطحاوي ومن تبعه لان الثماني كانت نفلا بتسليمة واحدة. قوله: (والافضل فيهما الرباع) أي الافضل في الليل والنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة عند أبي حنيفة. وقالا: في الليل ركعتان لحديث الصحيحين عن أبي عمر أن رجلا قال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة. ولابي حنيفة ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: ما كان يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. وما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان عليه الصلاة والسلام يصلي الضحى أربعا ولا يفصل بينهن بسلام. وما تقدم من حديث أبي أيوب وغيره في سنة الظهر والجمعة. ثم الجواب عن دليلهما كما أفاده المحقق في فتح القدير مختصرا أن مقتضى لفظ الحديث إما مثنى في حق الفضيلة بالنسبة إلى

[ 96 ]

الاربع أو في حق الاباحة بالنسبة إلى الفرد وترجيح أحدهما بمرجح وفعله صلى الله عليه وسلم ورد على كلا النحوين لكن عقلنا زيادة فضيلة الاربع لانها أكثر مشقة على النفس بسبب طول تقييدها في مقام الخدمة، ورأيناه صلى الله عليه وسلم قال: إنما أجرك على قدر نصبك فحكمنا بأن المراد الثاني لا واحدة أو ثلاث ولهذا ذكر في زيادات الزيارات أن من نذر أن يصلي أربعا بتسليمة فصلاها بتسليمتين لم يجزه، ولو نذر أن يصلي أربعا بتسلمتين فصلاها بتسليمة واحدة جاز عن نذره، وفي المحيط: وإنما اخترنا في التراويح مثنى مثنى لانها تؤدى بالجماعة وأداؤها على الناس مثنى مثنى أخف وأيسر. قوله: (وطول القيام أحب من كثرة السجود) أي أفضل من عدد الركعات. وقد اختلف النقل عن محمد في هذه المسألة فنقل الطحاوي عنه في شرح الآثار كما في الكتاب وصححه في البدائع ونسب ما قابله إلى الشافعي، ووجهه ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصلاة طول القنوت والمراد بالقنوت القيام بدليل ما رواه أحمد وأبو داود مرفوعا أي الصلاة أفضل قال عليه الصلاة والسلام: طول القيام. ولان ذكره القراءة وذكر الركوع والسجود التسبيح. ونقل عنه في المجتبي أن كثرة

[ 97 ]

الركوع والسجود أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام للسائل كما في صحيح مسلم عليك بكثرة السجود ولآخر أعني على نفسك بكثرة السجود، وقوله عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولان السجود غاية التواضع والعبودية، ولتعارض الادلة توقف الامام أحمد في هذه المسألة ولم يحكم فيها بشئ، وفصل الامام أبو يوسف كما في المجتبي والبدائع فقال: إذا كان له ورد في الليل بقراءة من القرآن فالافضل أن يكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل لان القيام في الاول لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود انتهى. والذي ظهر للعبد الضعيف أن كثرة الركعات أفضل من طول القيام لان القيام إنما شرع وسيلة إلى الركوع والسجود كما صرحوا به في صلاة المريض من أنه لو قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود سقط عنه القيام مع قدرته عليه لعجزه عما هو المقصود فلا تكون الوسيلة أفضل من المقصود. وأما لزومه لكثرة القراءة فلا يفيد الافضلية أيضا لان القراءة ركن زائد كما صرحوا به مع الاختلاف في أصل ركنيتها بخلاف الركوع والسجود أجمعوا على ركنيتهما وأصالتهما كما قدمناه مع تخلف القيام عن القراءة في الفرض فيما زاد على الركعتين، فترجح هذا القول بما ذكرنا بعد تعارض الدلائل المتقدمة. قوله: (والقراءة فرض في ركعتي الفرض) أي فرض عملي كما في السراج الوهاج للاختلاف فيه بين العلماء، ولم يقيد الركعتين بالاوليين لان تعيينهما للقراءة ليس بفرض وإنما هو واجب على المشهور في المذهب، وصرح به المصنف في عد الواجبا ت وصحح في البدائع أن محلها الركعتان الاوليان عينا في الصلاة الرباعية. وقال بعضها: ركعتان منها غير

[ 98 ]

عين مع اتفاقهم على أنه لو قرأ في الاخريين فقط فإنها صحيحة وأنه يجب عليه سجود السهو إن كان ساهيا على كلا القولين المذكورين، ففائدة الاختلاف إنما هو في سبب سجود السهو، فعلى ما صححه سببه تغيير الفرض عن محله وتكون قراءته في الاخريين قضاء عن قراءته في الاوليين، وعلى قول البعض سببه ترك الواجب وقراءته في الاخريين أداء لا قضاء والامر سهل. وما في غاية البيان من أن تعيين القراءة في الاوليين أفضل إن شاء قرأ فيهما وإن شاء قرأ في الاخريين أو في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين ضعيف لتصريح الجم الغفير بالوجوب في الاوليين لا بالافضلية. وإنما كانت فرضا في ركعتين لقوله تعالى * (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) * (المزمل: 20) وهو لا يقتضي التكرار فكان مؤداه افتراضها في ركعة إلا أن

[ 99 ]

الثانية اعتبرت شرعا كالاولى، فإيجاب القراءة فيها إيجاب فيهما دلالة. وأما قوله عليه السلام في حديث المسئ صلاته ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم قال في آخره ثم افعل ذلك في صلاتك كلها فلا يثبت به الفرض لان القطعي لا يثبت بالظني. وإنما لم تكن القراءة في الاخريين واجبة في الفرض كما هو الصحيح من المذهب مع وجود الامر المذكور المقضي للوجوب لوجود صارف له عنه وهو قول الصحابة على خلافه كما رواه ابن أبي شيبة عن على وابن مسعود قال: اقرأ في الاوليين وسبح في الاخريين لكن ذكر المحقق في فتح القدير أنه لا يصلح صارفا إلا إذا لم يرد عن غيرهما من الصحابة خلاف وإلا فاختلافهم في الوجوب لا يصرف دليل الوجو ب عنه، فالاحوط رواية الحسن رحمه الله بالوجوب في الاخريين انتهى. وقد يقال: إن مقتضاه لزوم قراءة ما تيسر في الاخريين وجوبا لا تعيين الفاتحة كما هو رواية الحسفليس موافقا لكل من الروايتين. وفي القنية: لم يقرأ في الاوليين وقرأ في الاخريين الفاتحة في الصلاة على قصد الثناء والدعاء لا يجزئه انتهى. مع أن المنقول في التجنيس أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة على قصد الثناء جازت صلاته لانه وجدت القراءة في محلها فلا يتغير حكمها بقصده، وهكذا في الظهيرية. ثم ذكر بعده ما في القنية عن شمس الائمة الحلواني ووجهه أن القراءة ليست في محلها فتغيرت بقصده كما يشير إليه تعليله في التجنيس قوله: (وكل النفل والوتر) أي القراءة فرض في جميع ركعات النفل والوتر، أما النفل فلان كل شفع منه صلاة على حدة والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة ولهذا لا يجب بالتحريمة الاولى إلا ركعتان في المشهور عن أصحابنا، ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة. وأما الوتر فللاحتياط كذا في الهداية. وزاد في فتح القدير ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل قعدة، وقياسه أن يتعوذ في كل شفع انتهى. إلا أنه لا يتم لانه لا يشمل السنة الرباعية المؤكدة كسنة الظهر القبلية فإن القراءة فرض في جميع ركعاتها مع أن القيام إلى الثالثة ليس كتحريمة مبتدأة بل هي صلاة واحدة ولهذا لا يستفتح في الشفع الثاني ولا يصلي في القعدة الاولى ولا يبطل خيارها بقيامها

[ 100 ]

فيها إلى الشفع الثاني، وإن أريد بالنفل في كلامهم ما ليس سنة مؤكدة لم يتم أيضا لخلوه عن إفادة حكم القراءة في السنة المؤكدة. وإنما لم تكن القعدة على رأس كل شفع فرضا كما هو قول محمد وهو القياس لانها فرض للخروج من الصلاة فإذا قام إلى الثالثة تبين أن ما قبلها لم يكن أوان الخروج من الصلاة فلم تبق القعدة فريضة بخلاف القراءة فإنها ركن مقصود بنفسه فإذا تركه تفسد صلاته. قوله (ولزم النفل بالشروع ولو عند الغروب والطلوع) بيان لما وجب على العبد من الصلاة بالتزامه وهو نوعان: ما وجب بالقول وهي النذر، وما وجب بالفعل وهو الشروع في النفل فنبدأ به تبعا للكتاب فنقول: إن إبطال العمل حرام بالنص * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) فيلزمه الاتمالان الاحتراز عن إبطال العمل فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي لا يكون إلا بالاتمام لا المؤدى وقع قربة بدليل أنه لو مات بعد القدر المؤدى يصير مثابا، وقد اتفق أصحابنا على لزوم القضاء في إفساد الصلاة والصوم، سواء كان بعذر كالحيض في خلالهما أو بغير عذر، وأنه يحل الافساد لعذر فيهما وأنه لا يحل الافساد في الصلاة لغير عذر. واختلفوا في إباحته في الصوم لغير عذر ففي ظاهر الرواية لا يباح، وفي رواية المنتقي يباح كما سيأتي في الصوم. وقوله ولو عند الغروب بيان لكونه لازما له إذا شرع في وقت مكروه وهو ظاهر الرواية، فإذا أفسده لزمه قضاؤه بخلاف الصوم إذا شرع في وقت مكروه فإنه لا قضاء عليه بالافساد، وسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى في الصوم. وفي البدائع: وعندنا الافضل أن يقطعها وإن أتم فقد أساء ولاقضاء عليه لانه أداها كما وجبت، فإذا قطعها لزمه القضاء انتهى. وينبغي أن يكوالقطع واجبا خروجا عن المكروه تحريما وليس بإبطال للعمل لانه إبطال ليؤديه على وجه أكمل فلا يعد إبطالا، ولو قضاه

[ 101 ]

في وقت مكروه آخر أجزأه لانها وجبت ناقصة وأداها كما وجبت فيجوز كما لو أتمها في ذلك الوقت. أطلق الشروع فانصرف إلى الصحيح فلو لم يكن صحيحا لاقضاء عليه كما لو شرع في صلاة أمي متطوعا أو في صلاة امرأة أو جنب أو محدث كما في البدائع وانصرف إلى القصدي، فالشروع في الصلاة المظنونة غير موجب والمراد بالشروع هو الدخول فيها بتكبيرة الافتتاح أو بالقيام إلى الشفع الثاني بعد الفراغ من الاول صحيحا، فإذا أفسد الشفع الثاني لزمه قضاؤه فقط و لا يسري إلى الاول لما تقدم أن كل شفع منه صلاة على حدة إلا إذا صلى ثلاث ركعات بقعدة واحدة فإن الاصح أنه لا يجوز وفسد الشفع الاول لان ما اتصل به القعدة وهي الركعة الاخيرة فسدت لان التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما قبلها. كذا في البدائع. ثم هذا النفل إذا صار لازما بالشروع لا يخرج عن أصل النفلية ولهذا لو اقتدى متطوعا بإمام مفترض ثم قطعه ثم اقتدى به ولم ينو القضاء فإنه يخرج عن العهدة، ولو نوى تطوعا آخر ذكر في الاصل أنه ينوب عما لزمه بالافساد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وذكر في زيادات الزيادات أنه لا ينوب كما في البدائع أيضا. وأما ما يجب بالقول وهو النذر ففي القنية: أداء النفل بعد النذر أفضل من أدائه بدون النذر. ثم نقل أنه لو أراد أن يصلي نوافل قيل ينذرها ثم يصليها، وقيل يصليها كما هي انتهى. ويشكل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من النهي عن النذر وهو مرجح لقول من قال لا ينذرها لكن بعضهم حمل النهي على النذر المعلق على شرط لانه يصير حصول الشرط كالعوض للعبادة فلم يكن مخلصا. ووجه من قال بنذرها وإن كانت تصير واجبة بالشروع أن الشروع في النذر يكون واجبا فيحصل له ثواب الواجب به بخلاف النفل، والاحسن عند العبد الضعيف أنه لا ينذرها خروجا عن عهدة النهي بيقين. ثم المنذور قسمان: منجز ومعلق. فالمنجز يلزم الوفاء به إن كان عبادة مقصودة بنفسها

[ 102 ]

ومن جنسها واجب فيحرم عليه الوفاء بنذر معصية، ولا يلزمه بنذر مباح من أكل وشرب ولبس وجماع وطلاق ولا بنذر ما ليس بعبادة مقصودة كنذر الوضوء لكل صلاة، وكذا لو نذر سجدة التلاوة خلافا لما في القنية من أنها تلزمه بخلاف ما إذا قال سجدة لا تلزمه، ولا بنذر ما ليس من جنسه واجب كعيادة المريض وتشييع الجنازة. قال في البدائع: ومن شروطه أن يكون قربة مقصودة فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والاذان وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك وإن كانت قربا لانها غير مقصودة. فلو قال لله علي أن أصلي أو أصلي صلاة أو علي صلاة لزمه ركعتان، وكذا لو قال لله علي أن أصلي يوما لزمه ركعتان كما في القنية، فلو نذر صلوات شهر فعليه صلوات شهر كالمفروضات مع الوتر دون السنن لكنه يصلي الوتر والمغرب أربعا. ولو نذر أن يصلي ركعة لزمه ركعتان أو ثلاثا فأربع لان ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله كما عرف. ولو نذر نصف ركعة لزمه ركعتان عند أبي يوسف وهو المختار كما في الخلاصة والتجنيس، ولو نذر أن يصلي الظهر ثمانيا أو أن يزكي النصاب عشرا أو حجة الاسلام مرتين لا يلزمه الزائد لانه التزام غير المشروع فهو نذر بمعصية كما لو نذصلاة بغير وضوء لانها ليست بعبادة بخلاف ما لو نذرها بغير قراءة أو عريانا فإنها تلزمه بقراءة مستورا على المختار لانها بغير قراءة عبادة كصلاة المأموم والامي وبغير ثوب لعادمه. والظاهر أن مرادهم بغير وضوء بغير طهارة أصلا تجوزا بالخاص عن العام ليكون المشروع الاصلي في مثله هو الخاص وإلا فالصلاة بغير وضوء مشروعة بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء. وينبغي أن يلزم النذر بالصلاة بغير طهارة على قول أبي يوسف كما قال به بغير وضوء لانه يقول بمشروعيتها لفاقد الطهورين كما عرف، وكأنه لنذرته لم يفرغ عليه. وفي شرح المجمع لمصنفه: لو قال صلاة بطهارة بلا طهارة يلزمه بطهارة اتفاقا.

[ 103 ]

وأما المعلق فظاهر الرواية أنه يلزمه الوفاء به عند وجود الشرط كما في الظهيرية. واختار المحققون أنه إن كان معلقا على شرط يريد كونه لجلب منفعة أو دفع مضرة كإن شفى الله مريضي أو مات عدوي فلله علي صوم أو صدقة أو صلاة لا يجزئه إلا فعل عينه، وإن كان معلقا على شرط لا يريد كونه كإن دخلت الدار أو كلمت فلانا كان مخيرا بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وصححه في الهداية وقال: إن أبا حنيفة رجع عن غيره. وكذا في الظهيرية وبه كان يفتى إسماعيل الزاهد. ثم في المعلق لا يجوز تعجيله قبل وجود الشرط بخلاف المضاف كأن نذر أن يصلي في غد فصلى اليوم فإنه يجوز عندهما خلافا لمحمد، والفرق أن المعلق لا ينعقد سببا في الحال بل عند الشرط والمضاف ينعقد في الحال كما عرف في الاصول وأوضحناه في لب الاصول. ولو عين مكانا فصلى فيما هو أشرف منه أو دونه جاز خلافا لزفر في الثاني. وذكر في المصفى أن أقوى الاماكن المسجد الحرام ثم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم مسجد بيت المقدس ثم الجامع ثم مسجد الحي ثم البيت. وذكر في الغاية بعد مسجد بيت المقدس مسجد قباء ثم الاقدم فالاقدم ثم الاعظم. وذكر النووي أن هذه الفضيلة مختصة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده، فعلى هذا تكون الصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل من الصلاة في تلك الزيادة إلا أن يكون فناء هذا المسجد في حكمه في الفضيلة تشريفا له وهي كانت من فنائه قبل أن تجعل منه والله أعلم بالصواب. وفي عدة المفتي للصدر الشهيد: مريض قال إن شفاني الله تعالى على أن أقدر فأصلي ركعة فلله علي أن أتصدق بدرهم هكذا إلى أربعة دراهم، فقدر على أربع ركعات يجب عليه التصديق بعشرة دراهم انتهى. ووجهه أنه يلزمه بالركعة الاولى درهم وبالثانية درهمان وبالثالثة ثلاثة وبالرابعة أربعة فالجملة عشرة دراهم. وفي القنية: أوج‍ ب على نفسه صلاة في وقت بعينه يتعين ولو فات يقضيها كالصوم، ولو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة يصلي في التشهد ويستفتح إذا قام إلى الثالثة اه‍.

[ 104 ]

قوله (وقضى ركعتين لو نوى أربعا وأفسده بعد القعود الاول أو قبله) يعني فيلزمه الشفع الثاني إن أفسده بعد القعود الاول والشروع في الثاني، والشفع الاول فقط إن أفسده قبل القعود بناء على أنه لا يلزمه بتحريمة النفل أكثر من الركعتين وإن نوى أكثر بل منهما وهو ظاهر الرواية عن أصحابنا إلا بعارض الاقتداء. وصحح في الخلاصة رجوع أبي يوسف إلى قولهما فهو باتفاقهم لان الوجوب بسبب الشروع لم يثبت وضعا بل لصيانة المؤدى وهو حاصل بتمام الركعتين فلا تلزم الزيادة بلا ضرورة. قيد بقوله نوى أربعا لأنه لو شرع في النفل ولم ينو لا يلزمه إلا ركعتان اتفاقا. وقيد بالشروع لانه لنذر صلاة ونوى أربعا لزمه أربع بلا خلاف كما في الخلاصة لان سبب الوجوب فيه هو النذر بصيغته وضعا. وأطلق في النفل فشمل السنة المؤكدة كسنة الظهر فلا يجب بالشروع فيها إلا ركعتان حتى لو قطعها قضى ركعتين في ظاهر الرواية عن أصحابنا لانها نفل، وعلى قول أبي يوسف يقضي أربعا في التطوع ففي السنة أولى. ومن المشايخ من اختار قوله في السنة المؤكدة لانها صلاة واحدة بدليل الاحكام من أنه لا يستفتح في الشفع الثاني، ولو أخبر الشفيع بالبيع فانتقل إلى الشفع الثاني لا تبطل شفعته وكذا المخيرة وتمنع صحة الخلوة. وظاهر ما في فتح القدير والتبيين والبدائع الاتفاق على هذه الاحكام، وينبغي أن تختص بقول أبي يوسف وتنعكس على ما هو ظاهر الرواية لكن ذكر في شرح منية المصلي أن هذه الاحكام مسلمة عند أهل المذهب فلذا اختار ابن الفضل قول أبي يوسف ونص صاحب النصاب على أنه الاصح حيث قال: وإن قطع سنة الظهر على رأس الركعتين أو الثالثة وشرع في الفرض لزمه قضاء الاربع وهو الاصح لانه بالشروع صار بمنزلة الفرض انتهى. وقيدنا بقولنا إلا بعارض الاقتداء لان المتطوع لو اقتدى بمصلي الظهر ثم قطعها فإنه يقضي أربعا، سواء اقتدى به في أولها أو في القعدة الاخيرة لانه بالاقتداء التزم صلاة الامام وهي أربع. كذا في البدائع. وقيد بقوله بعد القعود لانه لو صلى ثلاث ركعات ولم يقعد وأفسدها لزمه أربع ركعات على الصحيح كما قدمناه، وقد ذكره في شرح منية المصليي بحثا وهو منقول في البدائع كما سلف. فقولهم إن كل شفع في النفل صلاة على حدة مقيد بما إذا قعد على رأس الركعتين وإلا فالكل صلاة واحدة بمنزلة الفرض فإذا أفسده لزمه الكل قوله (أو لم يقرأ فيهن شيئا أو قرأ في الاوليين

[ 105 ]

أو الاخريين) أي قضى ركعتين في هذه المسائل الثلاث وهي من المسائل المعروفة بالثمانية، والاصل فيها أن الشفع الاول متى فسد بترك القراءة تبقى التحريمة عند أبي يوسف لان القراءة ركن زائد، ألا ترى أن للصلاة وجودا بدونها غير أنه لا صحة للاداء إلا بها وفساد الاداء لا يزيد على تركه فلا تبطل التحريمة. وعند محمد متى فسد الشفع الاول لا تبقى التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني لان القراءة فرض في كل من الركعتين، فكما يفسد الشفع بترك القراءة فيهما يفسد بتركها في إحداهما، وإذا فسدت الافعال لم تبق التحريمة لانها تعقد للافعال وقد فسدت. وعند الامام أبي حنيفة إن فسد الشفع الاول بترك القراءة فيهما بطلت التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني، وإن فسد بترك القراءة في إحداهما بقيت التحريمة فصح الشروع في الشفع الثاني إلا أن القياس ما قاله محمد لكن فسادها بترك القراءة في ركعة واحدة مجتهد فيه لان الحسن البصري كان يقول بجوازها بوجود القراءة في ركعة واحدة وقوله وإن كان فاسد الكن انما عرفنا فساده بدليل اجتهادي غير موجب على اليقين، بل يجوز أن يكون الصحيح قوله غير أنا عرفنا صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه بغالب الرأي فلم يحكم ببطلان التحريمة الثانية بيقين بالشك. وإذا عرف هذا فنقول: إذا ترك القراءة في الاربع قضى الركعتين الاوليين فقط عندهما لبطلان التحريمة خلافا لابي يوسف لبقائها عنده فيقضي الشفعين، وإن ترك القراءة في الاخريين فقد أفسدهما فقط فيلزمه قضاؤهما إجماعا. وإذا ترك القراءة في الاوليين فقط لزمه قضاؤهما فقط إجماعا لفسادهما ولم يصح الشروع في الشفع الثاني عندهما حتى لو قهقه فيه لا تنتقض طهارته، وعند أبي يوسف قد صح ولم يفسد لوجود القراءة فيه. وأشار المصنف بهذه الثلات إلى ثلاث أخرى أيضا فتصير المسائل ستا من الثمانية إحداها لو قرأ في الاوليين وإحدى الاخريين فعليه قضاء الاخريين إجماعا. ثانيها لو قرأ في الاخريين وإحدى الاوليين فعليه قضاء الاوليين اجماعا. ثالثها لوقرأ في إحدى الاخريين لا غير لزمه قضاء الاوليين عندهما، وعند أبي يوسف يقضي أربعة، وقد قدمنا أن فساد الشفع الثاني يسري إلى الاول إذا لم يقعد بينهما، فقوله أو قرأ في الاوليين مقيد بما إذا قعد على رأس الركعتين وإلا فعليه قضاء الاربع كما في العناية. وفي البدائع: هذا كله إذا قعد بين الشفعين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد تفسد صلاته عند محمد

[ 106 ]

بترك القعدة فلا تتأتى هذه التفريعات عنده انتهى. ثم اعلم أن هذه المسائل الست تسع من حيث التصوير لان الرابعة صادقة بصورتين ما إذا ترك في الركعة الثالثة أو ترك في الركعة الرابعة، والخامسة صادقة بصورتين أيضا ما ترك في الركعة الاولى أو ترك في الثانية، والسادسة صادقة بصورتين أيضا ما إذا قرأ في الثالثة أو قرأ في الرابعة، فالمسائل التي يجب فيها ركعتان تسع في التحقيق، فإن هذه المسائل وإن اشتهرت بالثمانية لكن هي في التحقيق خمسة عشر، تسع منها يلزم فيها ركعتان، وست منها يلزم فيها أربع أشار إليها بقوله. (وأربعا لو قرأ في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين) وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف على رواية محمد لبقاء التحريمة عندهما لما عرف في الاصل السابق، وعند محمد عليه قضاء الاوليين لا غير لان التحريمة قد ارتفعت عنده. قال في الهداية: وقد أنكر أبو يوسف هذه الرواية عنه وقال: رويت لك عن أبي حنيفة أنه يلزمه قضاء ركعتين ومحمد لم يرجع عن روايته عنه انتهى. وقال فخر الاسلام: واعتمد مشايخنا رواية محمد، ويحتمل أن يكون ما حكى أبو يوسف من قول أبي حنيفة قياسا، وما ذكره محمد استحسانا ذكر القياس والاستحسان في الاصل ولم يذكره في الجامع الصغير انتهى. وذكر قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن ما رواه محمد هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وفي فتح القدير: واعتمد المشايخ رواية محمد مع تصريحهم في الاصول بأن تكذيب الفرع الاصل يسقط الرواية إذا كان صريحا، والعبارة المذكورة في الكتاب وغيره عن أبي يوسف من مثل الصريح على ما يعرف في ذلك الموضع فليكن لا بناء على أنه رواية بل تفريع صحيح على أصلابي

[ 107 ]

حنيفة وإلا فهو مشكل انتهى. وبما ذكرناه عن قاضيخان ارتفع الاشكال لتصريحه بأنها ظاهر الرواية كأنه لثبوتها بالسماع لمحمد من أبي حنيفة لا بواسطة أبي يوسف فلذا اعتمدها المشايخ. وفي غاية البيان معزيا إلفخر الاسلام: كان أبو يوسف يتوقع من محمد أن يروي كتابا عنه فصنف محمد هذا الكتاب أي الجامع الصغير وأسنده عن أبي يوسف إلى أبي حنيفة، فلما عرض على أبي يوسف استحسنه وقال: حفظ أبو عبد الله إلا مسائل خطأه في روايتها عنه فلما بلغ ذلك محمدا قال: حفظتها ونسي وهي ست مسائل مذكورة في شرح الجامع الصغير انتهى ولم يبينها. وذكر العلامة السراج الهندي في شرح المغني فقال: الاولى مسألة ترك القراءة وقد علمتها. الثانية مستحاضة توضأت بعد طلوع الشمس تصلي حتى يخرج وقت الظهر قال أبو يوسف: إنما رويت لك حتى يدخل وقت الظهر. الثالثة المشتري من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المالك البيع نفذ العتق قال: إنما رويت لك أنه لا ينفد. الرابعة المهاجرة لا عدة عليها ويجوز نكاحها إلا أن تكون حبلى فحينئذ لا يجوز نكاحها قال: إنما رويت لك أنه يجوز نكاحها ولكن لا يقربها زوجها حتى تضع الحمل. الخامسة عبد بين اثنين قتل مولى لهما فعفا أحدهما بطل الدم كله عند أبي حنيفة، وقالا يدفع ربعه إلى شريكه أو يفديه بربع الدية،

[ 108 ]

وقال أبو يوسف: إنما حكيت لك عن أبي حنيفة كقولنا إنما الاختلاف الذي رويته في عبد قتل مولاه عمدا وله ابنان فعفا أحدهما إلا أن محمدا ذكر الاختلاف فيهما، وذكر قول نفسه مع أبي يوسف في الاولى. السادسة رجل مات وترك ابنا له وعبدا لا غير فادعى العبد أن الميت كان أعتقه في صحته وادعى رجل على الميت ألف دينار وقيمة العبد ألف، فقال الابن صدقتما يسعى العبد في قيمته وهو حر ويأخذها الغريم بدينه. وقال أبو يوسف: إنما رويت لك ما دام يسعى في قيمته أنه عبد انتهى. وأشار المصنف بهذه المسألة إلى مسألة أخرى تمام الثمانية وهي ما إذا قرأ (في إحدى الاوليين) لا غير فإنه يلزمه قضاء أربع عندهما، وعند محمد ركعتان. وفي التحقيق هي إشارة إلى خمسة أخرى فمسائل لزوم الاربع ست تمام الخمسة عشر فإن مسألة الكتاب أعني ما إذا قرأ في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين صادقة بأربع صور، لان إحدى الاوليين صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الاولى فقط أو في الثانية فقط، وإحدى الاخريين لا غير صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الثالثة فقط أو في الرابعة فقط. ومسألة ما إذا قرأ في إحدى الاوليين لا غير صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الاولى فقط أو في الثانية فقط، فصار الحاصل أن مسائل ترك القراءة خمسة عشر كما قدمناه وقد ذكرها في العناية مجملة وقال: فعليك بتمييز المتداخلة بالتفتيش في الاقسام قد يسر الله تعالى ذلك للعبد الضعيف مفصلة مميزة فلله الحمد والمنة. وفي البدائع: ولو كان خلفه رجل اقتدى به فحكمه حكم إمامه يقضي ما يقضي إمامه لان صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الامام صحة وفسادا، ولو تكلم المقتدي وقد أتم الامام الاربع فإن تكلم قبل قعود الامام فعليه قضاء الاوليين فقط لانه لم يلتزم الشفع الاخير، وإن تكلم بعد قعوده قبل قيامه إلى الثالثة لا شئ عليه، وأما إذا قام إلى الثالثة ثم تكلم المقتدي لم تذكر في الاصل، وذكر عصام أن عليه قضاء أربع، وخصه أبو المعين بقولهما أما عند محمد فيلزمه قضاء الاخير لا غير انتهى. وفي المحيط: ولو اقتدى به في الاخريين وصلاهما مع الامام قضى الاوليين لانه بالاقتداء التزم ما لزم الامام قوله (ولا يصلي بعد صلاة مثلها) هذا لفظ الحديث كما في كتب الفقه وجعله في فتح القدير وغاية البيان أثرا عن عمر رضي الله عنه. وقال عبد الله بن مسعود: لا يصلي على إثر صلاة مثلها. وهذا الحديث خص منه البعض لانه يصلي سنة الفجر ثم الفرض وهما مثلان، وكذا يصلي سنة الظهر أربعا ثم يصلي الفرض أربعا، ثم يصلي الفرض أربعا، وكذا يصلي الظهر ركعتين في السفر ثم يصلي السنة ركعتين، فلما لم يمكن

[ 109 ]

إجراؤه على العموم وجب حمله على أخص الخصوص كما هو الحكم، في العام إذا لم يمكن العمل بعمومه. فقال محمد في الجامع الصغير: المراد منه أن لا يصلي بعد أداء الظهر نافلة ركعتان بقراءة وركعتان بغير قراءة يعني لا تصلي النافلة كذلك حتى لا تكون مثلا للفرض بل يقرأ في جميع ركعات النفل. قال قاضيخان في شرح الجامع الصغير: ولو حمل على النهي عن تكرار الجماعة في المسجد أو على النهي عن قضاء الفرائض مخافة الخلل في المؤدي كان حسنا فإن ذلك مكروه انتهى. واستدل في فتح القدير للاول بما في أبي داود عن سليمان ابن يسار قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. وروى مالك في الموطأ حدثنا نافع أن رجلا سأل ابن عمر فقال: إني أصلي في بيتي ثم أدرك الصلاة مع الامام أفأصلي معه؟ فقال ابن عمر: نعم. فقال: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقالا بن عمر: ليس ذلك إليك إنمذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء. فهذا من ابن عمر دليل على أن الذي روي عن سليمان بن يسار عنه إنما أراد كلتاهما على وجه الفرض أو إذا صلى في جماعة فلا يعيد وفيه نفي لقول الشافعية انتهى. فالحاصل أن تكرار الصلاة إن كان مع الجماعة في المسجد على هيئته الاولى مكروه وإلا فإن كان في وقت يكره التنفل بعد الفرض فمكروه كما بعد الصبح والعصر، وإلا فإن كان لخلل في المؤدى، فإن كان ذلك الخلل محققا إما بترك واجب أو بارتكاب مكروه فغير مكروه بل واجب كما قدمناه مرارا. وصرح به في الذخيرة وقال: إنه لا يتناوله النهي، وإن كان ذلك الخلل غير محقق بل نشأ عن وسوسة فهو مكروه. وفي مآل الفتاوى: ولو لم يفته شئ من الصلوات وأحب أن يقضي جميع الصلوات التي صلاها متداركا لا يستحب له ذلك إلا إذا كان غالب ظنه فساد ما صلى لورود النهي عنه صلى الله عليه وسلم، وما حكي عن أبي حنيفة أنه قضى صلاة عمره فإن صح النقل فنقول: كان يصلي المغرب والوتر أربع ركعات بثلاث قعدات انتهى. وذكر في النهاية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر ضحى النهار بعد ليلة التعريس قال له أصحابه من الغد: ألا نعيد صلاة الامس؟ فقال: إن الله ينهاكم عن الربا أفيقبله منكم؟ كذا ذكره فخر الاسلام. وبما قررناه ظهر أن ذكر المصنف في المختصر لفظ الحديث مع أن عمومه ليس بمراد مما لا ينبغي.

[ 110 ]

قوله (ويتنفل قاعدا مع قدرته على القيام ابتداء وبناء) بيان أيضا لما خلف فيه النفل الفرائض والواجبات وهو جوازه بالقعود مع القدرة على القيام، وقد حكي فيه إجماع العلماء. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان يصلي كثيرا من صلاته وهو جالس. وروى البخاري عن عمران بن الحصين مرفوعا من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم (1) وقد ذكر الجمهور كما نقلهالنووي أنه محمول على صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام، وأما إذا صلاه مع عجزه فلا ينقص ثوابه عن ثوابه قائما، وأما الفرض فلا يصح قاعدا مع القدرة على القيام ويأثم ويكفر إن استحله، وإن صلى قاعدا لعجزه أو مضطجعا لعجزه فثوابه كثوابه اه‍. وتعقبه الاكمل في شرح المشارق بأنه ورد في بعض رواياته ومن صلى نائما - أي مضطجعا - فله نصف أجر القاعد (2) ولا يمكن حمله على النفل مع القدرة إذ لا يصح مضطجعا اللهم إلا أن يحكم بشذوذ هذه الرواية. وفي النهاية: انعقد الاجماع على أن صلاة القاعد لعذر بعجزه عن القيام مساوية لصلاة القائم في الفضيلة والاجر انتهى. وفيه نظر لما نقله النووي عن بعضهم أنه على

[ 111 ]

النصف من صلاة القائم مع العذر، وعليه حمل الحديث فلا إجماع إلا أن يريد به إجماع أئمتنا. وذكر في المجتبي بعد ما نقل الحديث قالوا: وهذا في حق القادر، أما العاجز فصلاته بإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لانه جهد المقل انتهى. ولا يخفى ما فيه بل الظاهر المساواة كما في النهاية وقد عدمن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفا له صلى الله عليه وسلم، ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر وقال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة. قال: فأتيته فوجدته يصلي قاعدا فوضعت يدي على رأسه فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعدا قال: أجل ولكني لست كأحد منكم انتهى. أطلق في التنفل فشمل السنة المؤكدة والتراويح لكن ذكرقاضيخان في فتاواه من باب التراويح الاصح أن سنة الفجر لا يجوز أداؤها قاعدا من غير عذر، والتراويح يجوز أداؤها قاعدا من غير عذر، والفرق أن سنة الفجر مؤكدة لا خلاف فيها والتراويح في التأكيد دونها انتهى. وقد نقلناه في سنة الفجر في موضعها من رواية الحسن وهكذا صححه حسام الدين ثم قال: الصحيح أنه لا يستحب في التراويح لمخالفته للتوارث وعمل السلف وهذا كله في الابتداء. وأما قوله وبناء بأن شرع فيه قائما ثم قعد من غير عذر فهو قول أبي حنيفة. وهذا استحسان، وعندهما لا يجزئه وهو قياس لان الشروع معتبر بالنذر، وله أنه لم يباشر القيام فيما بقي ولما باشر صحة بدونه بخلاف النذر لانه التزمه نصا حتى لو لم ينص على القيام لا يلزمه القيام عند بعضهم كما لو نذر صلاة لانه في النفل وصف زائد فلا يلزمه إلا شرط. وعند البعض يلزمه القيام لان إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله وأينما أوجبها الله تعالى أوجبها قائما، والصحيح الاول كالتتابع في الصوم. كذا في المحيط وغاية البيان.

[ 112 ]

ورجح الثاني في فتح القدير بحثا بأن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة إلى آخرها فهو الركن الاصلي غير أنه يجوز تركه إلى القعود رخصة في النفل فلا ينصرف المطلق إلا إليه. قيدنا بكونه شرع قائما ثم قعد لانه لو كان على عكسه فإنه يجوز اتفاقا وهو فعله صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة أنه كان يفتتح التطوع قاعدا فيقرأ ورده حتى إذا بقي عشر آيات ونحوها قام إلى آخره، وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية. وذكر في التجنيس أن الافضل أن يقوم فيقرأ شيئا ثم يركع ليكون موافقا للسنة، ولو لم يقرأ ولكنه استوى قائما ثم ركع جاز، وإن لم يستو قائما وركع لا يجزئه لانه لا يكون ركوعا قائما ولا ركوعا قاعدا انتهى. وليس هو بناء القوي على الضعيف لان القعود والقيام في النفل سواء، والفرق لمحمد بين هذا وبين قوله ببطلان صلاة المريض إذا قدر على القيام في أثناء صلاته أن تحريمة المتطوع لم تنعقد للقعود ألبتة بل للقيام لانه أصل هو قادر عليه، ثم جاز له شرعا تركه بخلاف المريض لانه لم يقدر على القيام فما انعقد إلا للمقدور وهو القعود. ولم يذكر المصنف كيفية القعود في النفل للاختلاف فيه، ففي الذخيرة والنهاية أنه في التشهد يقعد كما يقعد في سائر الصلوات إجماعا، سواء كان بعذر أو بغيره. أما حالة القراءة فعن أبي حنيفة تخييره بين القعود والتربع والاحتباء، ونقله الكرخي عن محمد. وعن أبي يوسف: يحتبي. وعنهما: يتربع. ثم قال أبو يوسف: محل القعدة عند السجود. وقال محمد: عند الركوع. وعن زفر إنه يقعد في جميع الصلاة كما في التشهد. قال الفقيه أبو الليث: وعليه الفتوى واختاره الامام السرخسي لانه المعهود شرعا في الصلاة، واختار الامام خواهر زاده الاحتباء لان عامة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر العمر كان محتبيا ولانه يكون أكثر توجيها لاعضائه إلى القبلة لان الساقين يكونان متوجهين كما يكون حالة القيام اه‍. وتفسير الاحتباء أن ينصب ركبتيه ويجمع يديه عند ساقيه. كذا في غاية البيان. وذكر في الخلاصة عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات فحينئذ فالافتاء على إحدى الروايات ولا حاجة إلى أن تضاف إلى زفر كما يخفى. وقيد بالتنفل قاعدا لان المتنفل مضطجعا لا يجوز عند عدم العذر كما سبق، والشروع وهو منحن قريبا من الركوع لا يصح أيضا في التنفل كما يشير إليه كلام التجنيس السابق وصرح به في موضع من شرح منية المصلي.

[ 113 ]

قوله (وراكبا خارج المصر موميا إلى أي جهة توجهت دابته) أي يتنفل راكبا لحديث الصحيحين عن ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء ولكنه يخفض السجدة من الركعتين. أطلقه فشمل ما إذا كان مسافرا أو مقيما خرج إلى بعض النواحي لحاجة وصححه في النهاية، وما إذا قدر على النزول أو لا. وقيد بخارج المصر لانه لا يجوز التنفل عليها في المصر. وقال أبو يوسف: لا بأس به. وقال محمد: يجوز ويكره كذا في الخلاصة. واختلفوا في حد خارج المصر والاصح أنه تجوز في كل موضع يجوز للمسافر أن يقصر فيه كما ذكره في الظهيرية وغيرها. وأشا بقوله توجهت دابته دون أن يقول وجه دابته إليها إلى أن محل جوازها عليها ما إذا كانت واقفة أو سارت بنفسها، أما إذا كانت تسير بتسيير صاحبها فلا تجوز الصلاعليها لا فرضا ولا نفلا كما في الخلاصة. وإلى أنه لا يشترط استقبال القبلة في الابتداء لانه لما جاز الصلاة إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير جهتها. كذا في غاية البيان. وإلى أنه إذا صلى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز لعدم الضرورة إلى ذلك. كذا في السراج الوهاج. ولم يشترط المصنف طهارة الدابة لانها ليست بشرط على قول الاكثر، سواء كانت على السراج أو على الركابين أو الدابة لان فيها ضرورة فيسقط اعتبارها. وصرح في المحيط والكافي بأنه الاصح، وفي الخلاصة بأنه ظاهر المذهب من غير تفصيل، وعلله في البدائع بأنه لما سقط اعتبار الاركان الاصيلة فلان يسقط شرط طهارة المكان أولى. وقيد بالنفل لان الفرض والواجب بأنواعه لا يجوز على الدابة من غير عذر من الوتر والمنذور وما لزمه بالمشروع والافساد وصلاة الجنازة والسجدة التي تليت على الارض لعدم لزوم الحرج في النزول ولا بلزمه الاعادة إذا استطاع النزول كما في الظهيرية

[ 114 ]

وغيرها. ومن الاعذار أن يخاف اللص أو السبع على نفسه أو ماله ولم يقف له رفقاؤه، وكذا إذا كانت الدابة جموحا لا يقدر على ركوبها إلا بمعين أو هو شيخ كبير لا يجد من يركبه، ومن الاعذار الطين والمطر بشرط أن يكون بحال يغيب وجهه في الطين، أما إذا لم يكن كذلك والارض ندية فإنه يصلي هناك كما في الخلاصة. والظاهر أن اعتبار المعين هنا إنما هو على قولهما لما عرف أن أبا حنيفة لا يعتبر قدرة الغير. وفي فتاوى قاضيخان والظهيرية: الرجل إذا حمل امرأته من القرية إلى المصر كان لها أن تصلي على الدابة في الطريق إذا كانت لا تقدر على الركوب والنزول انتهى. والظاهر منه أنها لا تقدر بنفسها من غير معين حتى إذا قدرت على الركوب والنزول بمحرمها أو زوجها فإنه لا يجب عليها ذلك، ويجوز لها صلاة الفرض على الدابة لان أبا حنيفة يجعل قدرة الانسان بغيره كقدرته بنفسه، لكن ذكر في منية المصلي أنه إذا لم يكن معها محرم فإنه تجوز صلاتها على الدابة إذا لم تقدر على النزول، والظاهر أن اشتراط عدم المحرم معها مفرع على قولهما فقط، ولم أرحكم ما إذا كان راكبا مع امرأته أو أمه كما وقع للفقير مع أمه في سفر الحج ولم تقدر المرأة على النزول والركوب، أيجوز للرجل المعادل لها أن يصلي الفرض على الدابة كما يجوز للمرأة إذا كان لا يتمكن من النزول وحده لميل المحمل بنزوله وحده، وينبغي أن يكون له ذلك كما لا يخفى. وأطلق في الدابة فشمل جميع الدواب وقيد به لانه لا تجوز صلاة الماشي بالاجماع. كذا في المجتبى. وأطلق في النفل فشمل السنن المؤكدة. قال في الهداية: وللسنن الرواتب نوافل. وعن أبي حنيفة أنه ينزل لسنة الفجر لانها آكد من سائرها انتهى. بل روي عنه أنها واجبة. وعلى هذا أداؤها قاعدا كما أسلفناه، وقد قدمنا أنه ينزل للوتر اتفاقا بينه وبينهما. وأطلق في الركوب خارج المصر فشمل ما إذا كان خارجه ابتداء وانتهاء إلى سلامه أو ابتداء فقط لما في الخلاصة ولو افتتحها خارج المصر ثم دخل المصر أتم على الدابة. وقال كثير من أصحابنا: ينزويتمها على الارض انتهى. وفي الظهيرية:

[ 115 ]

وإذا صلى على الدابة في محمل وهو يقد على النزول لا يجوز له أن يصلي على الدابة إذا كانت الدابة واقفة إلا أن يكون المحمل على عيدان على الارض، أما الصلاة على العجلة إن كان طرف العجلة على الدابة وهي تسير أو لا تسير فهي صلاة على الدابة تجوز في حالة العذر ولا تجوز في غير حالة العذر، وإن لم يكن طرف العجلة على الدابة جاز وهو بمنزلة الصلاة على السرير انتهى. وهذا كله في الفرض، أما في النفل فيجوز على المحمل والعجلة مطلقا كما لا يخفى. وفي الخلاصة: وكيفية الصلاة على الدابة أن يصلي بالايماء ويجعل السجود أخفض من الركوع من غير أن يضع رأسه على شئ سائرة أو واقفة دابته ويصلون فرادى، فإن صلوا بجماعة فصلاة الامام تامة وصلاة القوم فاسدة. وعن محمد يجوز إذا كان البعض بجنب البعض انتهى. وفي الظهيرية: رجلان في محمل واحد فاقتدى أحدهما بالآخر في التطوع أجزأهما، وهذا لا يشكل إذا كانا في شق واحد، وإذا كانا في شقين اختلف المشايخ، قال بعضهم: إذا كان أحد الشقين مربوطا بالآخر يجوز، وإذا لم يكن مربوطا لا يجوز. وقال بعضهم: يجوز كيفما كان إذا كانا على دابة واحدة كما لو كانا على الارض اه‍. وفي منية المصلي: ولو سجد على شئ وضع عنده أو على سرجه لا يجوز لان الصلاة على الدابة شرعت بالايماء اه‍. وينبغي حمله على ما إذ لم يكن بحيث يخفض رأسه وإلا فقد صرحوا في صلاة المريض أنه لا يرفع إلى وجهه شئ يسجد عليه، فإن فعل وهم يخفض رأسه أجزأه لوجود الايماء وإن وضع ذلك على جبهت لا يجزئه لانعدامه. كذا في الهداية وغيرها. قوله (وبني بنزوله لا بعكسه) أي إذا افتتح النفل راكبا ثم نزل بنى، ولا يبنى إذا افتتحه نازلا ثم ركب لان إحرام الراكب العقد مجوزا للركوع والسجود لقدرته على النزول فإذا أتى بهما صح، وإحرام النازل انعقد موجبا للركوع والسجود فلا يقدر على ترك ما لزمه من غير عذر. وعن أبي يوسف أنه يستقبل إذا نزل أيضا، وكذا عند محمد إذا نزل بعدما صلى ركعة،

[ 116 ]

والاصح هو الظاهر. كذا في الهداية. وقوله من غير عذر بيان للواقع لا للاحتراز عن العذر فإن المنقول في الخانية أن المصلي إذا ركب الدابة فسدت صلاته. ورد في غاية البيان تعليل من فرق بينهما بأن النزول عمل قليل والركوب عمل كثير بأنه ممنوع لانه لو رفع المصلي ووضع على السرج لا يبني مع أن العمل لم يوجد فضلا عن العمل الكثير والفرق الصحيح ما في الهداية اه‍. وأورد في النهاية أن القول بالبناء فيما إذا نزل يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف وذلك لا يجوز كالمريض إذا صلى بعض صلاته بالايماء ثم قدر على الاركان لا يجوز له البناء تحرزا عما قلنا. وأجاب بأن الايماء من المريض دون الايماء من الراكب لان الايماء من المريض بدل عن الاركان والايماء من الراكب ليس ببدل عنها لان البدل في العبادا ت اسم لما يصار إليه عند عجز غيره والمريض أعجزه مرضه عن الاركان فكان الايماء بدلا عنها والراكب لم يعجزه الركوب عن الاركان لانه يملك الانتصاب على الركابين فيكون ذلك منه قياما، وكذلك يمكنه أن يخر راكعا وساجدا، ومع هذا أطلق الشارع في الايماء فلا يكون الايماء بدلا فكان قويا في نفسه فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف. وفرق في المحيط بوجه آخر هو أن في المريض ليس له أن يفتتح الصلاة بالايماء مع القدرة على الركوع والسجود فلذلك إذا قدر على ذلك في خلال صلاته لا يبني، أما الراكب هنا له أن يفتتح الصلاة بالايماء على الدابة مع القدرة فالنزول لا يمنعه من البناء. قال في النهاية قلت: وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبنى في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبا ثم نزل لانه ليس له أن يفتتحها بالايماء على الدابة عند القدرة فلذلك قيد المسألة في الهداية بالتطوع. وذكر الامام الاسبيجابي أن استقبال المريض فيما إذا صح في خلال صلاته إنما كان في المكتوبة ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فاحتمل أن المريض لا يستقبل أيضا في التطوع فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أنه يستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بيناه اه‍.. قوله: (وسن في رمضان عشرون ركعة بعد العشاء قبل الوتر وبعده بجماعة والختم مرة بجلسة بعد كل أربع بقدرها) بيان لصلاة التراويح وإنما لم يذكرها مع السنن المؤكدة قبل النوافل المطلقة لكثرة شعبها ولاختصاصها بحكم من بين سائر السنن والنوافل وهو الاداء بجماعة. والتراويح جمع ترويحة وهي في الاصل مصد بمعنى الاستراحة سميت به الاربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هي السنة فيها. وصرح المصنف بأنها سنة وصححه صاحب الهداية والظهيرية، وذكر في الخلاصة أن المشايخ اختلفوا في كونها سنة وانقطع الاختلاف برواية الحسن عن أبي حنيفة أنها سنة. وذكر في الاختيار أن أبا يوسف

[ 117 ]

سأل أبا حنيفة عنها وما فعله عمر فقال: التراويح سنة مؤكدة. ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولا ينافيه قول القدوري أنها مستحبة كما فهمه في الهداية عنه لانه إنما قال يستحب أن يجتمع الناس وهو يدل على أن الاجتماع مستحب، وليس فيه دلالة على أن التراويح مستحبة. كذا في العناية. وفي شرح منية المصلي: وحكى غير واحد الاجماع على سنيتها. وقد سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وندبنا إليها وأقامها في بعض الليالي ثم تركها خشية أن تكتب على أمته كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، ثم وقعت المواظبة عليها في أثناء خلافة عمر رضي الله عنه ووافقه على ذلك عامة الصحابة رضي الله عنهم كما ورد ذلك في السنن، ثم ما زال الناس من ذلك الصدر إلى يومنا هذا على إقامتها من غير نكير وكيف لا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ (1) كما رواه أبو داود. وأطلقه فشمل الرجال والنساء كما صرح به في الخانية والظهيرية. وقوله عشرون ركعة بيان لكميتها وهو قول الجمهور لما في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة. وعليه عمل الناس شرقا وغربا لكن ذكر المحقق في فتح القدير ما حاصله أن الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله صلى الله عليه وسلم منها ثم تركه خشية أن تكتب علينا والباقي مستحب، وقد ثبت أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنا عشر انتهى. وذكر العلامة الحلبي أن الحكمة في كونها عشرين أن السنن شرعت مكملات للواجبات وهي عشرون بالوتر فكانت التراويح كذلك لتقع المساواة بين المكمل والمكمل انتهى. وأراد بالعشرين أن تكون بعشر تسليمات كما هو المتوارث يسلم على رأس كل ركعتين، فلو صلى الامام أربعا بتسليمة ولم يقعد في الثانية

[ 118 ]

فأظهر الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف عدم الفساد. ثم اختلفوا هل تنوب عن تسليمة أو تسليمتين، قال ابو الليث: تنوب عن تسليمتين. وقال أبوجعفوابن الفضل: تنوب عن واحدة وهو الصحيح. كذا في الظهيرية والخانية، وفي المجتبي وعليه الفتوى. ولو قعد على رأس الركعتين فالصحيح أنه يجوز عن تسليمتين وهو قول العامة. وفي منية المصلي: إذا شكوا أنهم صلوا تسع تسليمات أو عشر تسليمات ففيه اختلاف والصحيح أنهم يصلون بتسليمة أخرى فرادى. ولو سلم الامام على رأس ركعة ساهيا في الشفع الاول ثم صلى ما بقي على وجهها قال مشايخ بخاري: يقضي الشفع الاول لا غير. وقال مشايخ سمرقند: عليه قضاء الكل. وهذا إذا لم يفعل بعد السلام المذكور شيئا مما يفسد الصلاة من أكل أو شرب أو كلام، أما إذا فعل شيئا من ذلك فليس عليه إلا قضاء الشفع الاول لا غير كما في الذخيرة والخلاصة وغيرهما. وفي المحيط: لو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة وقد قعد على رأس كل ركعتين فالاصح أنه يجوز عن الكل لانه قد أكمل الصلاة ولم يخل بشئ من الاركان إلا أنه جمع المتفرق واستدام التحريمة فكان أولى بالجواز لانه أشق وأتعب للبدن انتهى. وظاهره أنه لا يكره، وقد صرح بعدم الكراهة في منية المصلي، ولا يخفى ما فيه لمخالفته المتوارث مع تصريحهم بكراهة الزيادة على ثمان في مطلق التطوع ليلا فلان يكره هنا أولى، فلهذا نقل العلامة الحلبي أن في النصاب وخزانة الفتاوي

[ 119 ]

الصحيح أنه لو تعمد ذلك يكره، فلو لم يقعد إلا في آخرها فقد علمت أن الصحيح أنه يجزئه عن تسليمة واحدة فيما لو صلى أربعا بتسليمة فكذلك هنا. وقوله بعد العشاء قبل الوتر وبعده بيان لوقتها وفيه ثلاثة أقوال: الاول ما اختاره اسمعيل الزاهدي وجماعة من بخاري أن الليل كله وقت لها قبل العشاء وبعده وقبل الوتر وبعده لانها قيام الليل ولم أر من صححه. الثاني ما قاله عامة مشايخ بخاري: وقتها ما بين العشاء إلى الوتر. وصححه في الخلاصة ورجحه في غاية البيان بأن الحديث ورد كذلك، وكان أبي رضي الله عنه يصلي بهم التراويح كذلك. الثالث ما اختاره المصنف وعزاه في الكافي إلى الجمهور وصححه في الهداية والخانية والمحيط لانها نوافل سنت بعد العشاء. وثمرة الاختلاف تظهر فيما لو صلاها قبل العشاء، فعلى القول الاول هي صلاة التراويح، وعلى الاخيرين لا. وفيما إذا صلاها بعد الوتر فعلى الثاني لا، وعلى الثالث نعم هي صلاة التراويح، وتظهر فيما إذا فاتته ترويحة أو ترويحتان ولو اشتغل بها يفوته الوتر بالجماعة، فعلى الاولى يشتغل بالوتر ثم يصلي ما فاته من التراويح، وعلى الثاني يشتغل بالترويحة الفائتة لانه لا يمكنه الاتيان بعد الوتر. كذا في الخلاصة. وينبغي أن يكون الثالث كالثاني كما لا يخفى ولو فاتته ترويحة وخاف لو اشتغل بها تفوته متابعة الامام فمتابعة الامام أولى. وقد اختلفوا فيما لو تذكر تسليمة بعد الوتر، فقيل لا يصلون بجماعة، وقيل يصلون بها كما في منية المصلي. وينبغي أن يكون مفرعا على القول الثاني والثالث. وفى فتاوى قاضيخان: ويستحب تأخير التراويح إلى ثلث الليل والافضل استيعاب أكثر الليل بالتراويح، فإن أخروها إلى ما بعد نصف الليل فالصحيح أنه لا بأس به. وإذا فاتت التراويح لا تقضى بجماعة والاصح أنها لا تقضى أصلا، فإن قضاها وحده كان نفلا مستحبا لا تروايح كسنة المغرب والعشاء.

[ 120 ]

قوله بجماعة متعلق بسن بيان لكون الجماعة سنة فيها وفيها ثلاثة أقوال: الاول ما اختاره المصنف أنه سنة على الاعيان حتى إن من صلى التراويح منفردا فقد أساء لتركه السنة، وإن صليت في المساجد وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني لصلاته عليه السلام إياها بالجماعة وبيان العذر في تركها. الثاني ما اختاره الطحاوي في مختصره حيث قال: يستحب أن يصلي التراويح في بيته إلا أن يكون فقيها عظيما يقتدي به فيكون في حضوره ترغيب لغيره وفي امتناعه تقليل الجماعة مستدلا بحديث أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (1) وهو رواية عن أبي يوسف كما في الكافي. الثالث ما صححه في المحيط والخانية واختاره في الهداية وهو قول أكثر المشايخ على ما في الذخيرة وقول الجمهور على ما في الكافي أن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية حتى لو ترك أهل المسجد كلهم الجماعة فقد أساؤوا وأثموا. وإن أقيمت التراويح بالجماعة في المسجد وتخلف عنها أفراد الناس وصلى في بيته لم يكن مسيئا لان أفراد الصحابة يروى عنهم التخلف كابن عمر على ما رواه الطحاوي. والجواب عن دليل الطحاوي أن قيام رمضان مستثنى من الحديث لفعله صلى الله عليه وسلم إياه في المسجد ثم فعل الخلفاء الراشدين بعده إذ لا يختار المفضول ويجمعون عليه. وأما من تخلف من الصحابة فإما لعذر أو لانه أفضل في اجتهاده وهو معارض بما هو أولى منه وهو اتفاق الجم الغفير على خلافه. فالحاصل أن القول الاول والثالث اتفقا على أفضليتها وإنما الكلام في الاساءة بالترك من البعض. وأطلق المصنف في الجماعة ولم يقيدها بالمسجد لما في الكافي والصحيح أن للجماعة في بيته فضيلة وللجماعة في المسجد فضيلة أخرى فهو حاز إحدى الفضيلتين وترك الفضيلة الاخرى انتهى. وفي الخلاصة: إذا صلى الترويحة الواحدة إمامان كل إمام ركعتين اختلف المشايخ والصحيح أنه لا يستحب ولكن كل ترويحة يؤديها إمام واحد إمام يصلي التراويح في مسجدين كل مسجد على وجه الكمال لا يجوز لانه لا يتكرر، ولو اقتدى بالامام في التراويح وهو قد صلى مرة لا بأس به ويكون هذا اقتداء المتطوع بمن يصلي السنة، ولو صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوا ثانيا يصلون فرادى انتهى. وقوله والختم مرة معطوف على عشرون بيان لسنة القراءة فيها وفيه اختلاف، والجمهور على أن السنة الختم مرة فلا يترك لكسل القوم، ويختم في الليلة السابع والعشرين لكثرة الاخبار أنها ليلة القدر، ومرتين فضيلة،

[ 121 ]

وثلاث مرات في كل عشر مرة أفضل. كذا في الكافي. وذكر في المحيط والاختيار أن الافضل أن يقرأ فيها مقدار ما لا يؤدي إلى تنفير القوم في زماننا لان تكثير الجمع أفضل من تطويل القراءة. وفي المجتبي: والمتأخرون كانوا يفتون في زماننا بثلاث آيات قصار أو آية طويلة حتى لا يمل القوم ولا يلزم تعطيلها وهذا حسن، فإن الحسن روى عنأبي حنيفة أنه إن قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات فقد أحسن ولم يسئ هذا في المكتوبة فما ظنك في غيرها ا ه‍. وفي التجنيس: ثم بعضهم اعتادوا قراءة قل هو الله أحد في كل ركعة وبعضهم اختاروا قراءة سورة الفيل إلى آخر القرآن وهذا حسن لانه لا يشتبه عليه عدد الركعات ولا يشتغل قلبه بحفظها فيتفرغ للتدبر والتفكر ا ه‍. وصرح في الهداية بأن أكثر المشايخ على أن السنة فيها الختم. وفي مختارا ت النوازل أنه يقرأ في كل ركعة عشر آيات وهو الصحيح لان السنة فيها الختم لان جميع عدد الركعات في جميع الشهر ستمائة ركعة وجيمع آيات القرآن ستة آلاف ا ه‍. ونص في الخانية على أنه الصحيح. وفي فتح القدير وغيره: وإذا كان إمام مسجد حيه لا يختم فله أن يترك إلى غيره. فالحاصل أن المصحح في المذهب أن الختم سنة لكن لا يلزم منه عدم تركه إذا لزم منه تنفير القوم وتعطيل كثير من المساجد خصوصا في زماننا، فالظاهر اختيار الاخف على القوم كما تفعله الائمة في زماننا من بداءتهم بقراءة سورة التكاثر في الركعة الاولى وبقراءتهم سورة الاخلاص في الثانية إلى أن تكون قراءتهم في الركعة التاسعة عشرة سورة تبت وفي العشرين سورة الاخلاص وليس فيه كراهة في الشفع الاولى من الترويحة الاخيرة بسبب الفصل بين الركعتين بسورة واحدة لانه خاص بالفرائض كما هو ظاهر الخلاصة وغيرها إلا أنه قد زاد بعض الائمة من فعلها على هذا الوجه منكرات من هذرمة القراءة وعدم الطمأنينة في الركوع والسجود وفيما بينهما وفيما بين السجدتين مع اشتمالها على ترك الثناء والتعوذ والبسملة في أول كل شفع وترك الاستراحة فيما بين كل ترويحتين. وفي الخلاصة: والافضل التعديل في القراءة بين التسليمات كذا روي عن أبي حنيفة، فإن فضل البعض على البعض في القراءة لا بأس به. أما التسليمة الواحدة إن فضل الثانية على الاولى لا شك أنه لا يستحب، وإن فضل الاولى على الثانية على الخلاف في الفرض. الامام إذا فرغ من التشهد في التراويح إن علم أن الزيادة على قدر التشهد لا تثقل يأتي بالدعوات، وإن علم أنها تثقل يقتصر على الصلاة لان الصلاة فرض عند الشافعي فيحتاط ا ه‍. وعلله في فتح القدير بأن الصلاة فرض أو سنة ولا تترك السنن للجماعات

[ 122 ]

كالتسبيحات ا ه‍. وقوله بجلسة متعلق بسن بيان لكونه سنة فيها، وتعقبه الشارح بأنه مستحب لا سنة. وصرح في الهداية باستحبابه بين الترويحتين وبين الخامسة وبين الوتر لعادة أهل الحرمين، واستحسن البعض الاستراحة على خمس تسليمات وليس بصحيح ا ه‍. وفي الكافي: والاستراحة على خمس تسليمات تكره عند الجمهور لانه خلاف عمل أهل الحرمين ا ه‍. وذكر العلامة الحلبي: ويعرف من هذا كراهة ترك الاستراحة مقدار ترويحة على رأس سائر الاشفاع كما هو شأن أكثر أئمة أهل زماننا في البلاد الشامية والمصرية بطريق أولى ا ه‍. ولا يخفى ما فيه لان الاستراحة لم توجد أصلا في مسألة الكافي إلا على خمس تسليمات مع أنها ليست محل الاستراحة، ولهذا قال الامام حسام الدين في تأليف له خاص بالتراويح: الاستراحة على خمس تسليمات لا تستحب على قول الاكثر وهذا هو الصحيح فإن الصحيح أنه لا يستحب إلا عند تمام كل ترويحة وهي خمس ترويحات ا ه‍. بخلاف فعل الائمة فإن الاستراحة قد وجدت وإن لم تكن تامة فكيف تكون مكروهة بالاولى وقد قالوا: إنهم مخيرون في حالة الجلوس إن شاؤا سبحوا وإن شاؤا قرؤا القرآن وإن شاؤا صلوا أربع ركعات فرادى وإن شاؤا قعدوا ساكتين، وأهل مكة يطوفون أسبوعا ويصلون ركعتين، وأهل المدينة يصلون أربع ركعات فرادى. وبهذا علم أنه لو قال بانتظار بعد كل ترويحة بدل قوله بجلسة لكان أولى. وفي الخانية: يكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الامام أن يركع يقوم لان فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالى * (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) * (النساء: 142) ا ه‍. قوله: (ويوتر بجماعة في رمضان فقط) أي على وجه الاستحباب وعليه إجماع المسلمين كما في الهداية. واختلفوا في الافضل ففي الخانية الصحيح أن أداء الوتر بجماعة في رمضان أفضل لانعمر رضي الله عنه كان يؤمهم في الوتر. وفي

[ 123 ]

النهاية: اختار علماؤنا أن يوتر في منزله لا بجماعة لان الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كما اجتمعوا على التراويح لان عمر كان يؤمهم فيه في رمضان وأبي بن كعب كان لا يؤمهم ا ه‍. ورجح الاول في فتح القدير بأنه صلى الله عليه وسلم كان أوتر بهم ثم بين العذر في تأخره عن مثل ما صنع فيما مضى فالوتر كالتراويح، فكما أن الجماعة فيها سنة فكذلك في الوتر، ولو صلوا الوتر بجماعة في غير رمضان فهو صحيح مكروه كالتطوع في غير رمضان بجماعة، وقيده في الكافي بأن يكون على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد أو اثنان بواحد لا يكره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحد اختلفوا فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقا ه‍. وفي القنية: صلى العشاء وحده فله أن يصلي التراويح مع الامام، ولو تركوا الجماعة في الفرض ليس لهم أن يصلوا التراويح جماعة لانها تبع للجماعة، ولو لم يصل التراويح جماعة مع الامام فله أن يصلي الوتر معه. ثم ذكر بعده أنه لو صلى التراويح مع غيره له أن يصلي الوتر معه هو الصحيح ا ه‍. ومن رام الزيادة على ما ذكرناه من أحكام التراويح فعليه بمؤلف خاص بها للامام الاجل حسام الدين قد اطلعت عليه والله الموفق للصواب. باب ادراك الفريضة حقيقة هذا الباب مسائل شتى تتعلق بالفرائض في الاداء الكامل وكله مسائل الجامع قوله: (صلي ركعة من الظهر فأقيم شفعا ويقتدي) لان الاصل أن نقض العبادة قصدا بلا عذر

[ 124 ]

حرام لقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) ولافضائه إلى السفه خصوصا إذا كانت فرضا، وأن النقض للاكمال إكمال معنى فيجوز كنقض المسجد للاصلاح، وكنقض الظهر للجمعة، وكمن أصاب جبهته شوك في سجوده فرفع ثم وضع لم يجعل سجدتين، وللجماعة مزية على الصلاة منفردا بالحديث فجاز نقض الصلاة منفردا لاحراز الجماعة، ولكن هذا إذا لتثبت شبهة الفراغ من صلاته منفردا فإن ثبتت شبهته لا ينقضها لان العبادة بعد ما فرغ منها لا تقبل البطلان إلا بالردة فنقول: إن صلى ركعة من الظهر يضم إليها أخرى ثم يسلم ويدخل مع القوم لانه يمكنه إحراز الجماعة مع إحراز النفل بإضافة ركعة أخرى إليها إذ التطوع شرع شفعا لا وترا، ومتى أمكن إدراك العبادتين لا يصار إلى إبطال أحدهما، وقد صرح الكل هنا بأنه إنما يضم ركعة أخرى صيانة للمؤدى عن البطلان وهو صريح فيمن صلى ركعة فقط فهي باطلة لا أنها صحيحة مكروهة كما توهمه بعض حنفية عصرنا. فإن قيل: لو ضم تفوته تكبيرة الافتتاح قلنا: ذلك أيسر من إبطال العمل إذ صيانته عن البطلان واجبة وادراكها فضيلة وجاز الابطال لما هو سنة لانه إكمال معنى كما قدمناه والمعاني أحق بالاعتبار من الصور كمن تذكر في الركوع السورة فإنه يرفضه لاجلها مع أنها واجبة وهو فرض لان في رفضه إقامته على أكمل الوجوه فصار حسنا مع أنه إبطال للوصف فقط، وقول محمد بطلان الوصف يستلزم بطلان الاصل هو فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي كما إذا قيد خامسة الظهر بسجدة ولم يكن قعد الاخيرة، أما إذا كان متمكنا من المضي لكن أذن له الشرع في عدمه فلا يبطل أصلها بل تبقى نفلا إذا ضم الثانية أراد بالظهر الفرض الرباعي وأراد بالاقامة شروع الامام في موضع هو فيه لا إقامة المؤذن لانه لا يقطع صلاته إذا أقام المؤذن وإن لم يقيد بالسجدة بل يتمها ركعتين كما في غاية البيان وغيره. ولو أقيمت في المسجد وهو في البيت أو كان في مسجد فأقيمت في مسجد آخر لا يقطعها مطلقا كما ذكره الشارح وغيره. وقيد بالركعة التي تتم بالسجدة لانه لو لم يقيد الاولى بالسجدة فإنه يقطع ويشرع مع الامام وهو الصحيح لانه بمحل الرفض والقطع للاكمال. كذا في الهداية. وفي المحيط والكافي هو الاشبه. وقيد بالفرض لانه لو كان في النفل لا يقطع مطلقا وإنما يتمه

[ 125 ]

ركعتين. واختلفوا في السنة قبل الظهر أو الجمعة إذا أقيمت أو خطب الامام فالصحيح أنه يتمها أربعا كما صرح به الولوالجي وصاحب المبتغى والمحيط ثم الشمني لانها صلاة واحدة وليس القطع للاكمال بل للابطال صورة ومعنى. وقيل يقطع على رأس الركعتين، ورجحه في فتح القدير بحثا بأنه يتمكن من قضائها بعد الفرض ولا إبطال في التسليم على الركعتين فلا يفوت فرض الاستماع والاداء على الوجه الاكمل بلا سبب ا ه‍. والظاهر ما صححه المشايخ لانه لا شك أن في التسليم على رأس الركعتين إبطال وصف السنية لا لاكمالها، وتقدم أنه لا يجوز ويشهد لهم إثبات أحكام الصلاة الواحدة للاربع من عدم الاستفتاح والتعوذ في الشفع الثاني إلى غير ذلك كما قدمناه، وأراد من الظهر الظهر المؤدى لانه لو شرع في قضاء الفوائت ثم أقيمت لا يقطع كالنفل والمنذورة كالفائتة. كذا في الخلاصة، وقيدنا بكون الابطال حراما لغير عذر لانه لو كان لعذر فإنه جائز كالمرأة إذا فار قدرها والمسافر إذا ندت دابته أو خاف فوت درهم من ماله بل قد يكون واجبا كالقطع لانجاء غريق. وفي فتاوى الولوالجي: المصلي إذا دعاه أحد أبويه فلا يجيبه ما لم يفرغ من صلاته إلا أن يستغيث به لان قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة، وكذلك الاجنبي إذا خاف أن يسقط من سطح أو تحرقه النار أو يغرقه الماء وجب عليه أن يقطع الصلاة. هذا إذا كان في الفرض، فأما في النوافل إذا ناداه أحد أبويه إن علم أنه في الصلاة وناداه لا بأس به أن لا يجيبه، وإن لم يعلم يجيبه ا ه‍. ومن العذر ما إذا شرع في نفل فحضرت جنازة خاف إن لم يقطعها تفوته فإنه

[ 126 ]

يقطعها ويصلي عليها لانه لا يتمكن من المصلحتين معا، وقطع النفل معقب للقضاء بخلاف الجنازة لو اختار تفويتها كان لا إلى خلف. كذا في فتح القدير. قوله: (ولو صلى ثلاثا يتم ويقتدي متطوعا) لان للاكثر حكم الكل فلا يحتمل النقض وإنما يقتدي متطوعا لان الفرض لا يتكرر في وقت واحد. وصرح في الحاوي القدسي أن ما يؤدي مع الامام نافلة يدرك بها فضيلة الجماعة ولا يرد عليه العصر فإنه لا يقتدي بعدها لما علم من باب الاوقات المكروهة، ولهذا قيد بالظهر قيد بالثلاث لانه لو كان في الثالثة ولم يقيدها بالسجدة فإنه يقطعها لانه بمحل الرفض ويتخير ان شاء عاد وقعد وسلم وإن شاء كبر قائما ينوي الدخول في صلاة الامام. كذا في الهداية. وفي المحيط: الاصح أنه يقطع قائما بتسليمة واحدة لان القعود مشروط للتحلل وهذا قطع وليس بتحلل فإن التحلل عن الظهر لا يكون على رأس الركعتين وتكفيه تسليمة واحدة للقطع ا ه‍. وهكذا صححه في غاية البيان معزيا إلى فخر الاسلام، واختلفوا فيما إذا عاد هل يعيد التشهد؟ قيل نعم لان الاول لم يكن قعود ختم، وقيل يكفيه ذلك التشهد لانه لما قعد ارتفض ذلك القيام فكأنه لم يقم وأورد على قوله ويقتدي متطوعا أن التطوع بجماعة مكروه خارج رمضان. وأجيب بنعم إذا كان الامام والقوم متطوعين، أما إذا أدى الامام الفرض والقوم النفل فلا لقوله عليه الصلاة والسلام للرجلين: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما صلاة قوم فصليا معهم واجعلا

[ 127 ]

صلاتكما معهم سبحة. أي نافلة كذا في الكافي قوله: (فإن صلى ركعة من الفجر أو المغرب فأقيم يقطع ويقتدي) لانه لو أضاف إليها أخرى لفاتته الجماعة لوجود الفراغ حقيقة في الفجر أو شبهه في المغرب لان للاكثر حكم الكل. وشمل كلامه ما إذا قام إلى الثانية ولم يقيدها بالسجدة، وقيد بالركعة احترازا عما إذا قيد الثانية بسجدة فإنه لا يقطعها ويتمها ولا يشرع مع الامام لكراهة النفل بعد الفجر، وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواية. علله في الكافي بأنه إن وافق إمامه خالف السنة بالتنفل بالثلاث، وإن وافق السنة فجعلها أربعا خالف إمامه وكل ذلك بدعة، فإن شرع أتمها أربعا لانه أحوط إذ فيه زيادة الركعة وموافقة السنة أحق لان مخالفة الامام مشروعة في الجملة كالمسبوق فيما يقضي والمقتدي إذا اقتدى بالمسافر ومخالفة السنة لم تشرع أصلا. كذا في الكافي. وعلله في الهداية بأن التنفل بالثلاث مكروه، وفي غاية البيان أنه بدعة، وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان أنه حرام، والظاهر ما في الهداية. ويراد بالكراهة التحريمية لان المشايخ يستدلون بأنه عليه السلام نهى عن البتيراء كما في غاية البيان وهو من قبيل ظني الثبوت قطعي الدلالة فيفيد كراهة التحريم على أصولنا. ولو سلم مع الامام فعن بشر لا يلزمه شئ، وقيل فسدت ويقضي أربعا لانه التزم بالاقتداء ثلاثا فيلزمه أربع كما لو نذر ثلاثا، وإذا أتمها أربعا يصلي ركعويقعد لان الاولى من الصلاة ثانية صلاته ولو تركها جازت في الاستحسان لا القياس. ولو صلى الامام أربعا ساهيا بعد ما قعد على رأس الثلاث وقد اقتدى به الرجل متطوعا قال ابن الفضل: تفسد صلاة المقتدي لان الرابعة وجبت على المقتدي بالشروع، وعلى الامام بالقيام إليها فصار كرجل أوجب على نفسه أربع ركعات بالنذر فاقتدي فيهن بغيره لا تجوز صلاة المقتدي. كذا هذا كذا في فتح القدير. قال في الخلاصة: المختار فساد صلاة المقتدي قعد الامام على رأس الثالثة أو لم يقعد ا ه‍. قوله: (وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلي وإن صلى لا إلا في الظهر والعشاء إن شرع في الاقامة) لحديث ابن ماجه من أدرك الاذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجوع فهو منافق (1) وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي الشعثاء قال: كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر قال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. والموقوف في مثله كالمرفوع، وهذا لا يدل على أن الكراهة تحريمية وهي المحمل

[ 128 ]

عند إطلاقها كما قدمناه. واستثنى المشايخ منها ما إذا كان ينتظم به أمر جماعة أخرى بأن كان مؤذنا أو إماما في مسجد تتفرق الجماعة بغيبته فإنه يخرج بعد النداء لانه ترك صورة تكميل معنى والعبرة للمعنى. زاد في النهاية أو يكون خرج ليصلي في مسجد حيه مع الجماعة فلا بأس به مطلقا من غير قيد بالامام والمؤذن ا ه‍. ولا يخفى ما فيه إذ خروجه مكروه تحريما والصلاة في مسجد حيه مندوبة فلا يرتكب المكروه لاجل المندوب ولا دليل يدل على تقييدها بما ذكره وأطلقه المصنف فشمل ما أذن فيه وهو داخله أو دخل بعد الاذان، والظاهر أن مرادهم من الاذان فيه هو دخول الوقت وهو داخله، سواء أذن فيه أو في غيره كما أن الظاهر من الخروج من غير صلاة عدم الصلاة مع الجماعة، وسواء خرج أو كان ماكثا في المسجد من غير صلاة كما نشاهده في زماننا من بعض الفسقة حتى لو كانت الجماعة يؤخرون لدخول الوقت المستحب كالصبح مثلا فخرج إنسان من المسجد بعد دخول الوقت ثم رجع وصلى مع الجماعة ينبغي أن لا يكون مكروها، ولم أره كله منقولا. وقوله وإن صلى لا أي وإن صلى الفرض وحده لا يكره خروجه قبل أن يصلي مع الجماعة لانه قد أجاب داعي الله مرة فلا يجب عليه ثانيا. والظاهر أن مرادهم عدم كراهة الخروج لا عدمها مطلقا لان من صلى وحده فقد ارتكب المكروه وهو ترك الجماعة لانها على الصحيح إما سنة مؤكدة أو واجبة، ولم أر من نبه عليه. واستثنى المصنف الظهر والعشاء عند الشروع في الاقامة فإنه يكره لمن صلى وحده أن يخرج قبل الصلاة مع الجماعة لانه يتهم بمخالفة الجماعة عيانا والنفل بعد هاتين الصلاتين ليس بمكروه، وأما في الفجر والعصر فلا يكره له الخروج لكراهة التنفل بعدهما، وأما في المغرب فلما فيه من التنفل بالثلاث أو مخالفة الامام إن أتمها أربعا وكل منهما مكروه كما سبق. ولم يذكر المصنف حكم المكث في المسجد بلا صلاة، أما في موضع لا يكره التنفل فالكراهة ظاهرة، وأما في موضع يكره التنفل فذكر في المحيط أنه

[ 129 ]

في العصر والمغرب والفجر يخرج لكراهة التطوع بعدها، وإن مكث وإن لم يدخل معهم يكره لان مخالفة الجماعة وزر عظيم ا ه‍. قوله: (ومن خاف فوت الفجر أن أدى سنته أيتم وتركها وإلا لا) لان الاصل أن سنة الفجر لها فضيلة عظيمة قال عليه الصلاة والسلام ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (1) وكذا ما قدمناه، وكذا للجماعة بالاحاديث المتقدمة، فإذتعارضا عمل بها بقدر الامكان وإن لم يمكن بأن خشي فوت الركعتين أحرز أحقهما وهي الجماعة لورود الوعد والوعيد في الجماعات، والسنة وإن ورد الوعد فيها لم يرد الوعيد بتركها، ولان ثواب الجماعة أعظم لانها مكملة ذاتية والسنة مكملة خارجية والذاتية أقوى. وشمل كلامه ما إذا كان يرجوا إدراكه في التشهد فإنه يأتي بالسنة، وظاهر ما في الجامع الصغير حيث قال: إن خاف أن تفوته الركعتان دخل مع الامام أن لا يأتي بالسنة. وفي الخلاصة ظاهر المذهب أنه يدخل مع الامام، ورجحه في البدائع بأن للاكثر حكم الكل فكأن الكل قد فاته فيقدم الجماعة. ونقل في الكافي والمحيط أنه يأتي بها عندهما خلافا لمحمد لان إدراك القعدة عندهما كإدراك ركعة في الجمعة خلافا له، وقد جعل المصنف لسنة الفجر حكمين، أما الفعل إن لم يخف فوت الجماعة وهو المراد بفوت الفجر بقرينة قوله أيتم، وأما الترك إن خاف فوت الجماعة فاندفع ما ذكره الفقيه

[ 130 ]

إسماعيل الزاهد من أنه ينبغي أن يفتتح ركعتي الفجر ثم يقطعهما ويدخل مع الامام حتى تلزمه بالشروع فيتمكن من القضاء بعد الفجر وهو مردود من وجهين: أحدهما ما ذكره الامام السرخسي أن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر وقد نص محمد أن المنذورة لا تؤدى بعد الفجر قبل طلوع الشمس. ثانيهما ما ذكره قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن المشايخ نكروا عليه ذلك لان هذا أمر بافتتاح الصلاة على قصد أن يقطع ولا يتم وأنه غير مستحسن. ثم إن هنا قيدا تركه المصنف في قوله وإلا لا وهو أن يجد مكانا عند باب المسجد يصلي السنة فيه، فإن لم يجد فينبغي أن لا يصلي السنة لان ترك المكروه مقدم على فعل السنة. كذا في فتح القدير وهو متفرع على أحد القولين لما في المحيط: ولو صلاهما في المسجد الخارج والامام يصلي في المسجد الداخل قيل لا يكره لانه لا يتصور بصورة المخالفة للقوم لاختلاف المكان حقيقة، وقيل يكره لان ذلك كله كمكان واحد فإذا اختلف المشايخ فيه كان الافضل أن لا يفعل ا ه‍. فالحاصل أن حكم المصلي نافلة أو سنة لا يخلوا ما أن يكون قبل شروع الامام في الفرض أو بعده، فإن كان الاول لا يخلوا ما أن يكون وقت إقامة المؤذن أو قبله، فإن كان قبل إقامة المؤذن فله أن يأتي بهما في أي موضع أراد من المسجد أو غيره إلا في الطريق كما قدمناه، وإن كان وقت إقامة المؤذن ففي البدائع إذا دخل المسجد للصلاة وقد كان المؤذن أخذ في الاقامة يكره له التطوع، سواء كان ركعتي الفجر أو غيرهما، لانه يتهم بأنه لا يرى صلاة الجماعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ا ه‍. وبحث العلامة الحلبي بأن هذا الظن يزول عنه في ثاني الحال إذا شوهد شروعه فيها بعد فراغه من السنة، وقد نص محمد في كتاب الصلاة من الاصل في المؤذن يأخذ في الاقامة أيكره أن يتطوع؟ قال: نعم إلا ركعتي الفجر. واختلف المشايخ في فهمه، فمنهم من قال موضوعها فيما إذا انتهى إلى الامام وقد سبقه بالتكبير فيأتي بركعتي الفجر وعامتهم على الاطلاق سواء وصل إلى الامام بعد شروعه أو قبله في الاقامة كما ذكره فخر

[ 131 ]

الاسلام ا ه‍. يعني فما في البدائع من التعميم لركعتي الفجر ليس على قول العامة ويشهد له ما في الحاوي القدسي والمحيط: ولا يتطوع إذا أخذ المؤذن في الاقامة إلا ركعتي الفجر ا ه‍. إلا أنه قد يقال: إن ما يوقع في التهمة لا يرتكب وإن ارتفعت بعده كما ورد عن علي: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره. وإن كان الثاني فيكره له أن يشتغل بنفل أو سنة مؤكدة إلا سنة الفجر على التفصيل السابق. ثم السنة في السنن أن يأتي بها في بيته أو عند باب المسجد وإن لم يمكن ففي المسجد الخارج وإن كان المسجد واحدا فخلف الاسطوانة ونحو ذلك، أو في آخر المسجد بعيدا عن الصفوف في ناحية منه. وتكره في موضعين: الاول أن يصليها مخالطا للصف مخالفا للجماعة. الثاني أن يكون خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف، والاول أشد كراهة من الثاني. وأما السنن التي بعد الفرائض فالافضل فعلها في المنزل إلا إذا خاف الاشتغال عنها لو ذهب إلى البيت فيأتي بها في المسجد في أي مكان منه ولو في مكان صلى فيه فرضه، والاولى أن يتنحى خطوة. ويكره للامام أن يصلي في مكان صلى فيه فرضه. كذا في الكافي وغيره. قوله: (ولم تقض إلا تبعا) أي لم تقض سنة الفجر إلا إذا فاتت مع الفرض فتقضي تبعا للفرض، سواء قضاها مع الجماعة أو وحده لان الاصل في السنة أن لا تقضى لاختصاص القضاء بالواجب. والحديث ورد في قضائها تبعا للفرض في غداة ليلة التعريس فبقي ما وراءه على الاصل، فأفاد المصنف أنها لا تقضى قبل طلوع الشمس أصلا ولا بعد الطلوع إذا كان قد أدى الفرض. وشمل كلامه ما إذا قضاهما بعد الزوال أو قبله ولا خلاف في الثاني. واختلف المشايخ في الاول على قولهم والصحيح كما في غاية البيان أنها لا تقضى تبعا لان

[ 132 ]

النص ورد بقضائها في الوقت المهمل بخلاف القياس، وما ورد على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس وهي واردة على المصنف، فلو قال ولم تقض إلا تبعا قبل الزوال لكان أولى. وقيد بسنة الفجر لان سائر السنن لا تقضى بعد الوقت لا تبعا ولا مقصودا. واختلف المشايخ في قضائها تبعا للفرض في الوقت والظاهر قضاؤها وأنها سنة لاختلاف الشيخين في قضاء الاربع قبل الظهر قبل الركعتين أو بعدهما كما سيأتي قوله: (وقضى التي قبل الظهر في وقته قبل شفعه) بيان لشيئين: أحدهما القضاء والثاني محله. أما الاول ففيه اختلاف والصحيح أنها تقتضي كما ذكره قاضيخان في شرحه مستدلا بما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعالى كان إذا فاتته الاربع قبل الظهر قضاهن بعده. وظاهر كلام المصنف أنها سنة لا نفل مطلق، وذكر قاضيخان أنه إذا قضاها فهي لا تكون سنة عند أبي حنيفة، وعندهما سنة، وتبعه الشارح، وتعقبه في فتح القدير بأنه من تصرف المصنفين فإن المذكور من وضع المسألة الاتفاق على قضاء الاربع، وإنما الاختلاف في تقديمها أو تأخيرها والاتفاق على أنها تقضى اتفاق على وقوعها سنة إلى آخر ما ذكره. وأما الثاني فاختلف فيه النقل عن الشيخين فذكر في الجامع الصغير للحسامي أن أبا يوسف يقدم الركعتين ومحمد يؤخرهما. وفي المنظومة وشروحها على العكس. وفي غاية البيان: ويحتمل أن يكون عن كل واحد من الامامين روايتان. ورجح في فتح القدير تقديم الركعتين لان الاربع فاتت عن الموضع المسنون فلا يفوت الركعتين عن موضعهما قصدا بلا ضرورة ا ه‍. وحكم الاربع قبل الجمعة كالاربع قبل الظهر كما لا يخفى. قوله: (ولم يصل

[ 133 ]

الظهر جماعة بإدراك ركعة) لما في الجامع الكبير: إذا قال عبده حر إن صلى الظهر بجماعة فسبق ببعضها لم يحنث. وهو شامل لما إذا سبق بركعة أو بأكثر. وذكر قاضيخان في شرحه أن الظاهر الجواب أنه إذا فاتته ركعة مع الامام وصلى الثلاث معه لا يحنث لانه لم يصل الكل مع الامام، فلو قال المصنف بإدراك بعضها لكان أولى لكن ذكر الامام السرخسي أنه يحنث لان للاكثر حكم الكل، ولا يحنث إذا صلى ركعتين فقط اتفاقا كما لا يخفى. أما على الاولى فظاهر، وأما على قول السرخسي فلانه ليس بأكثر حتى يقام مقام الكل. ومما يضعف قول السرخسي ما اتفقوا عليه في باب الايمان أنه لو حلف لا يأكل هذا الرغيف لا يحنث إلا بأكل كله فإن الاكثر لا يقام مقام الكل لكن في الخلاصة من كتاب الايمان: لو حلف لا يقرأ سورة فقرأها إلا حرفا حنث ولو قرأها إلا آية طويلة لا يحنث. قوله: (بل أدرك فضلها) أي فضل الجماعة لان من أدرك آخر الشئ فقد أدركه، ولحديث الصحيح من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (1) وهو مجمع عليه. وإنما

[ 134 ]

خص محمدا بالذكر في الهداية لان الشبهة وردت على قوله إن مدرك الامام في التشهد في صلاة الجمعة لا يكون مدركا للجمعة، فكان مقتضى قوله أن لا يدرك فضيلة الجماعة في هذه المسألة لانه مدرك للاقل فأزال الوهم بذكر محمد. وذكر في الكافي وغيره أنه لو قال عبده حر إن أدرك الظهر فإنه يحنث بإدراك ركعة لان إدراك الشئ بإدراك آخره يقال أدركت أيامه أي آخرها، وفي الخلاصة من كتاب الايمان من الفصل الحادي عشر: لو قال عبده حر إن أدرك الظهر مع الامام فأدرك الامام في التشهد ودخل في صلاته فإنه يحنث ا ه‍. فعلم أن إدراك الركعة ليس بشرط، فلو قال المصنف بل يكون مدركا لها لكان أولى ليشمل الثواب والحنث في اليمين المذكورة. وفي غاية البيان: إن المسبوق يكون مدركا لثواب الجماعة لكن لا يكون ثوابه مثل ثواب من أدرك أول الصلاة مع الامام لفوات التكبيرة الاولى ا ه‍. وقد صرح الاصوليون بأن فعل المسبوق أداء قاصر بخلاف المدرك فإنه أداء كامل، وأما اللاحق فصرحوا بأن ما يقضيه بعد فراغ الامام أداء شبيه بالقضاء، فظاهر كلام الشارح أن اللاحق كالمدرك لكونه خلف الامام حكما ولهذا لا يقرأ ا ه‍. فيقضتي أن يحنث في يمينه لو حلف لا يصلي بجماعة ولوفاته مع الامام الاكثر، فظاهر كلامهم أن من أدرك الامام في التشهد فقد أدرك فضلها قوله: (وتطوع قبل الفرض أن أمن فوت الوقت وإلا لا) أي وإن لم يأمن لا يتطوع لان صلاة التطوع عند ضيق الوقت حرام لتفويتها الفرض، وإن لم يضق الوقت فله أن يتطوع. فإن كانت سنة مؤكدة ولم تفته الجماعة فإنه يسن في حقه الاتيان بها باتفاق المشايخ، وإن فاتته الجماعة ففيه اختلاف والصحيح أنه يسن الاتيان بها كما ذكره قاضيخان في شرحه

[ 135 ]

لكونها مكملات للفرائض وإن لم تكن مؤكدة، فإن كان من المستحبات يستحب الاتيان بها وإلا فهو مخير قوله: (وإن أدرك إمامه راكعا فكبر ووقف حتى رفع رأسه لم يدرك الركعة) خلافا لزفر. هو يقول أدرك الامام فيما له حكم القيام، ولنا أن الشرط هو المشاركة في أفعال الصلاة ولم يوجد لا في القيام ولا في الركوع. وذكر قاضيخان أن ثمرة الخلاف تظهر في أن هذا عنده لاحق في هذه الركعة حتى يأتي بها قبل فراغ الامام، وعندنا هو مسبوق بها حتى يأتي بها بعد فراغ الامام، وأجمعوا أنه لو انتهى إلى الامام وهو قائم فكبر ولم يركع مع الامام حتى ركع الامام ثم ركع أنه يصير مدركا لتلك الركعة، وأجمعوا أنه لو اقتدى به في قومة الركوع لم يصر مدركا لتلك الركعة ا ه‍. وفي المصفي: وهذا إذا أمكنه الركوع، أما إذا لم يمكنه لا يعتد به عند زفر أيضا. وفي حيرة الفقهاء: إما افتتح الصلاة فلما ركع ورفع رأسه من الركوع ظن أنه لم يقرأ السورة فرجع وقرأ. ثم علم أنه كان قرأ السورة فجاء رجل ودخل معه في الصلاة ثم ركع ثانيا فإن هذا المسبوق يصير داخلا في الصلاة لكن عليه أن يقضي ركعة لان الركوع الاول كان فرضا تاما والآخر نفلا فصار كأن المسبوق لم يدرك الركوع من هذه الركعة ا ه‍. وفي فتح القدير: ومدرك الامام في الركوع لا يحتاج إلى تكبيرتين خلافا لبعضهم، ولو نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع لا الافتتاح جاز ولغت نيته ا ه‍. ثم اعلم أنه إذا لم يكن مدركا للركعة فإنه يجب عليه أن يتابع الامام في السجدتين وإن لم يحتسبا له كما لو اقتدى بالامام بعد ما رفع الامام رأسه من الركوع. صرح قاضيخان في فتاواه بأن عليه المتابعة في السجدتين وإن لم يحتسبا له، وصرح به في العمدة. وصرح في الذخيرة بأن المتابعة فيهما واجبة ومقتضاه أنه لو تركهما لا تفسد صلاته، وقد توقفنا في ذلك مدة حتى رأيت في التجنيس معزيا إلى فتاوى أئمة سمرقند أنه لا تفسد لو ترك وعبارته: رجل انتهى إلى الامام وقد سجد سجدة فكبر ونوى الاقتداء به ومكث قائما حتى قام الامام ولم يتابعه في السجدة

[ 136 ]

ثم تابعه في بقية الصلاة، فلما فرغ الامام قام وقضى ما سبق به تجوز الصلاة إلا أنه يصلي تلك الركعة الفائتة بسجدتيها بعد فراغ الامام وإن كانت المتابعة حين يشرع واجبة في تلك السجدة ا ه‍. قوله: (ولو ركع مقتد فأدركه إمامه فيه صح) وقالزفر: لا يجزئه لان ما أتى به قبل الامام غير معتد به فكذا ما يبنيه عليه. ولنا أن الشرط هو المشاركة في جزء واحد كما في الطرف الاول. قيد يكون إمامه شاركه فيه لان المقتدي لو رفع رأسه قبل أن يركع الامام فإنه لا يصح اتفاقا لعدم المشاركة فيه والمتابعة، وأراد بالركوع كل ركن سبقه المأموم به. وقيده في الذخيره بأن يركع المقتدي بعد فراغ الامام من القراءة، أما لو ركع قبل أن يأخذ الامام في القراءة ثم قرأ الامام وركع والرجل راكع فأدركه في الركوع لا يجزئه عن الركوع لانه ركع قبل أوانه. ولو ركع بعد ما قرأ الامام ثلاث آيات ثم أتم القراءة وأدركه جاء، ولو ركع الامام بعد ما قرأ الفاتحة ونسي السورة فرفع المقتدي معه ثم عاد الامام إلى السورة ثم ركع والمقتدي على ركوعه الاول أجزأه الركوع. ولو تذكر الامام في ركوعه في الركعة الثالثة أنه ترك سجدة من الركعة الثانية فاستوى الامام فسجد للثانية وأعاد التشهد ثم قام وركع للثالثة والرجل على حاله راكع لم يجز المقتدي ذلك الركوع والوجه ظاهر ا ه‍. وذكر المصنف في الكافي في مسألة الكتاب أنه يصح، ويكره لقوله عليه الصلاة والسلام لا تبادروني بالركوع والسجود (1) وقوله عليه السلام أما يخشى الذي يركع قبل الامام ويرفع أن يحول الله رأسه رأس حمار (2) ا ه‍. وهو يفيد أنها كراهة تحريم للنهي المذكور. وفي الخلاصة: المقتدي إذا

[ 137 ]

أتى بالركوع والسجود قبل الامام هذه على خمسة أوجه: إما أن يأتي بهما قبله أو بعده أو بالركوع قبله وسجد معه أو بالركوع معه وسجد قبله أو أتى بهما قبله ويدركه الامام في آخر الركعات، فإن أتبالركوع والسجود قبل الامام في كلها يجب عليه قضاء ركعة بلا قراءة ويتم صلاته، وإذا ركع معه وسجد قبله يجب عليه قضاء ركعتين وإذا ركع قبله وسجد معه يقضي أربعا بلا قراءة، وإذا ركع بعد الامام وسجد بعده جازت صلاته ا ه‍. ووجهه في فتح القدير بأن مدرك أول صلاة الامام لاحق وهو يقضي قبل فراغ الامام، ففي الصورة الاولى فاتته الركعة الاولى فركوعه وسجوده في الثانية قضاء عن الاولى، وفي الثالثة عن الثانية، وفي الرابعة عن الثالثة، ويقضي بعد الامام ركعة بغير قراءة لانه لاحق، وفي الثانية تلتحق سجدتاه في الثانية بركوعه في الاولى لانه كان معتبرا ويلغوا ركوعه في الثانية لوقوعه عقب ركوعه الاول بلا سجود. بقي عليه ركعة ثم ركوعه في الثالثة مع الامام معتبر ويلتحق به سجوده في رابعة الامام فيصير عليه الثانية والرابعة فيقضي ركعتين وقضاء الاربع في الثالثة ظاهر ا ه‍. وفي الخلاصة: المقتدي إذا رفع رأسه من السجدة قبل الامام وأطال الامام السجدة فظن المقتدي أن الامام في السجدة الثانية فسجد ثانيا والامام في السجدة الاولى إن نوى متابعة الامام أو نوى السجدة التي فيها الامام أو نوى السجدة الاولى جاز وإن نوى

[ 138 ]

السجدة الثانية وكان الامام في الاولى فرفع الامام رأسه من السجدة وانحط للثانية فقبل أن يضع الامام جبهته على الارض للسجدة رفع المقتدي من الثانية لا تجوز سجدة المقتدي وكان عليه إعادة تلك السجدة ولو لم يعد تفسد صلاته ا ه‍. والله أعلم. باب قضاء الفوائت لما كان القضاء فرع الاداء أخره. وقد قسم الاصوليون المأمور به إلى أداء وإعادة وقضاء، فالاداء ابتداء فعل الواجب في وقته المقيد به سواء كان ذلك الوقت العمر أو غيره. وإنما لم نقل إنه فعل الواجب كما قال غيرنا لانه لا يشترط فعله كله في وقته ليكون أداء لان وجود التحريمة في الوقت كاف لكون الفعل أداء. والاعادة فعل مثله في وقته لخلل غير

[ 139 ]

الفساد وعدم صحة الشروع وهو المراد بقولهم كل صلاة أديت مع كراهة التحريم فسبيلها الاعادة فكانت واجبة فلذا دخلت في أقسام المأمور به. والقضاء له تعريفان: أحدهما على المذهب الصحيح من أن القضاء يج‍ ب بما يجب به الاداء هو فعل الواجب بعد وقته وإن عرف بما يشمل غير الواجب من السنن التي تقضى فيبدل الواجب بالعبادة، فيقال هو فعل العبادة بعد وقتها ولا يكون خارجا عن المقسم لان المندوب مأمور به أيضا بقوله تعالى * (وافعلوا

[ 140 ]

الخير) * (الحج: 77) لكنه مجاز فلهذا لم يدخله أكثرهم في تعريفه. وإطلاق القضاء في عبارة الفقهاء على ما ليس بواجب مجاز كما وقع في عبارة المختصر حيث قال: وقضى التي قبل الظهر. وكذا إطلاق الفقهاء القضاء للحج بعد فساده مجاز إذ ليس له وقت يصير بخروجه قضاء. ثانيهما على القول المرجوح من أن القضاء يجب بسبب جديد فهو تسليم مثل الواجب ومن زاد عليه بالامر كصاحب المنار فقد تناقض كلامه لان المفعول بعد الوقت عين الواجب بالامر لا مثله إذ المستفاد من الامر طلب شيئين: الفعل وكونه في وقته، فإذا عجز عن الثاني لفواته بقي الامر مقتضيا للاول فتصريحه بالمثل مقتض لكونه بسبب جديد، وتصريحه بالامر مقتض لكونه عينه. وتمام تحقيقه في كتابنا المسمى بلب الاصول مختصر تحرير الاصول: ولم يظهر للاختلاف المذكور في سبب القضاء أثر كما يعلمه من طالع كتب الاصول. وفي كشف الاسرار أن المثلية في القضاء في حق إزالة المأثم لا في إحراز الفضيلة ا ه‍. والظاهر أن المراد بالمأثم ترك الصلاة فلا يعاقب عليها إذا قضاها، وأما إثم تأخيرها عن الوقت الذي هو كبيرة فباق لا يزول بالقضاء المجرد عن التوبة بل لا بد منها هذا. ويجوز تأخير الصلاة عن وقتها لعذر كما قال الولوالجي في فتاواه القائلة إذا اشتغلت بالصلاة تخاف أن يموت الولد لا بأس بأن تؤخر الصلاة وتقبل على الولد لان تأخير الصلاة عن الوقت يجوز بعذر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة عن وقتها يوم الخندق، وكذا المسافر إذا خاف من اللصوص وقطاع الطريق جاز لهم أن يؤخروا الوقتية لانه بعذر ا ه‍. وفي المجتبي: الاصح أن تأخير الفوائت لعذر السعي على العيال. وفي الحوائج: يجوز. قيل: وإن وجب على الفور يباح له التأخير. وعن أبي جعفر: سجدة التلاوة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع. وضيق الحلواني والعامري ا ه‍. وذكر الولوالجي من الصوم أن قضاء الصوم على التراخي وقضاء الصلاة على الفور إلا لعذر. قوله: (والترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق) مفيد لشيئين: أحدهما بالعبارة والآخر بالاقتضاء. أما الثانفهو لزوم قضاء الفائتة فالاصل فيه أن كل صلاة فاتت

[ 141 ]

عن الوقت بعد ثبوت وجوبهفيه فإنه يلزم قضاؤها، سواء تركها عمدا أو سهوا أو بسبب نوم، وسواء كانت الفوائت كثيرة أو قليلة فلا قضاء على مجنون حالة جنونه ما فاته في حالة عقله كملا قضاء عليه في حالة عقله لما فاته حالة جنونه، ولا على مرتد ما فاته زمن ردته، ولا على مسلم أسلم في دار الحرب ولم يصل مدة لجهله بوجوبها، ولا على مغمى عليه أو مريض عجز عن الايماء ما فاته في تلك الحالة وزادت الفوائت على يوم وليلة. ومن حكمه أن الفائتة تقضى على الصفة التي فاتت عنه إلا لعذر وضرورة فيقضي المسافر في السفر ما فاته في الحضر من الفرض الرباعي أربعا والمقيم في الاقامة ما فاته في السفر منها ركعتين كما سيأتي في آخر صلاة المسافر. وقد قالوا: إنما تقضى الصلوات الخمس والوتر على قول أبي حنيفة وصلاة العيد إذا فاتت مع الناس على تفصيل يأتي في بابها. وسنة الفجر تبعا للفرض قبل الزوال والقضاء فرض في الفرض واجب في الواجب سنة في السنة. ثم ليس للقضاء وقت معين بل جميع أوقات العمر وقت له إلا ثلاثة: وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب فإنه لا تجوز الصلاة في هذه الاوقات لما مر في محله. وأما الاول وهو الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت فهو واجب عندنا يفوت الجواز بفوته فهو شرط كما صرح به في المحيط لكنه ليس بشرط حقيقة لان بتركه لا تفوت الصحة أصلا بل الامر موقوف كما سيأتي، ولو كان شرطا لم يسقط بالنسيان كغيره من الشروط، ولما لم يكن واجبا اصطلاحيا ولا فرضا لعدم قطعية الدليل ولا شرطا كذلك من كل وجه أبهم أمره فعبر بالاستحقاق. والدليل على وجوبه ما في الصحيحين من حديث جابر أنعمر بن الخطاب شغل بسبب كفار قريش يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما صليتها قال: فنزلنا بطحان فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب. ولو كان الترتيب مستحبا لما أخر عليه الصلاة والسلام لاجله المغرب التي تأخيرها مكروه بناء على أن الكراهة للتحريم فلا ترتكب لفعل مستحب. وبناء على أن التأخير قدر أربع ركعات مكروه لكن لا دليل على كونه واجبا يفوت الجواز بفوته، وقد أطال فيه المحقق في فتح القدير إطالة حسنة كما هو دأبه، وغرضنا في هذا الكتاب تحرير المذهب في الاحكام لا تحرير الدلائل. وأما الترتيب بين الفوائت فلما رواه أحمد وغيره من أنه عليه الصلاة

[ 142 ]

والسلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبة وقال في حديث آخر صلوا كما رأيتموني أصلي فدل على الوجوب. قيد بالفائتة لان غير الفائتة لا يقضى ولهذا قال في الظهيرية والخلاصة: رجل يقضي صلوات عمره مع أنه لم يفته شئ منها احتياطا قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره لانه أخذ بالاحتياط لكنه لا يقضي بعد صلاة الفجر ولا بعد صلاة العصر ويقرأ في الركعات كلها الفاتحة مع السورة ا ه‍. وقد قدمنا عن مآل الفتاوي أنه يصلي المغرب أربعا بثلا ث قعدات وكذا الوتر، وذكر في القنية قولين فيها وأن الاعادة أحسن إذا كان فيها اختلاف المجتهدين، وقد قدمنا أن الاعادة فعل مثله في وقته لخلل غير الفساد وعدم صحة الشروع، وظاهره أن بخروج الوقت لا إعادة ويتمكن الخلل فيها مع أن قولهم كل صلاة أديت مع الكراهة فسبيلها الاعادة وجوبا مطلق. وفي القنية ما يفيد التقييد بالوقت فإنه قال: إذا لم يتم ركوعه ولا سجوده يؤمر بالاعادة في الوقت لا بعده ثم رقم رقما آخر أن الاعادة أولى في الحالتين ا ه‍. فعلى القولين لا وجوب بعد الوقت. فالحاصل أن من ترك واجبا من واجباتها أو ارتكب مكروها تحريميا لزمه وجوبا أن يعيد في الوقت فإن خرج الوقت بلا إعادة أثم ولا يجب جبر النقصان بعد الوقت، فلو فعل

[ 143 ]

فهو أفضل ولهذا حمل صاحب القنية قولهم بكراهة قضاء صلاة عمره مرة ثانية على ما إذا لم يكن فيها شبهة الخلاف ولم تكن مؤداة على وجه الكراهة. وفي التجنيس وغيره: رجل فاتته صلاة من يوم واحد ولا يدري أي صلاة هي يعيد صلاة يوم وليلة لان صلاة يوم كانت واجبة بيقين فلا يخرج عن عهدة الواجب بالشك، وإذا شك في صلاة أنه صلاها أم لا، فإن كان في الوقت فعليه أن يعيد لان سبب الوجوب قائم وإنما لا يعمل هذا السبب بشرط الاداء قبله وفيه شك، وإن خرج الوقت ثم شك فلا شئ عليه لان سبب الوجوب قد فات. وإنما يجب القضاء بشرط عدم الاداء قبله وفيه شك، وإن شك في نقصان الصلاة أنه ترك ركعة فإن لم يفرغ من الصلاة فعليه إتمامها ويقعد في كل ركعة، وإن شك بعد ما فرغ وسلم لا شئ عليه لما قلنا ا ه‍. وذكر في الخلاصة في مسألة الشك في الصلاة هل صلاها أو لا وكان في الوقت لو كان الشك في صلاة العصر يقرأ في الركعة الاولى والثالثة ولا يقرأ في الثانية والرابعة ا ه‍. وكان وجهه أن التنفل بعد صلاة العصر مكروه فإن قرأ في الكل أو

[ 144 ]

في الاوليين كان متنفلا بالاربع أو بالاوليين على تقدير أنه صلى الفرض أو لا. وإذا ترك القراءة في ركعة من كل شفع تمحض للفرض على تقدير أنه لم يصل أو للفساد على تقدير أنه صلى الفرض أو لا فلم يكن متنفلا على كل تقدير لكن مقتضاه أن يقول يقرأ في كل شفع من الشفعين في ركعة ويترك القراءة في ركعة من كل شفع من غير تعيين الاولى والثانية للقراءة لان القراءة في الفرض في ركعتين غير عين كما سبق تقريره. وقد يقال: إن التنفل المكروه هو القصدي وهذا ليس كذلك فلا يكون مكروها كما لا يخفى، فيقرأ في الاوليين أو في الكل. وفي الحاوي القدسي: لو شك في إتمام صلاته فأخبره عدلان أنك لا تتم أعاد وبقول الواحد لا تجب الاعادة ا ه‍. وفيه بحث لان خبر الواحد العدل مقبول في الديانات اللهم إلا أن يقال: إن فيه إلزاما من كل وجه فشابه حقوق العباد. وقيده في المحيط بالامام وعلله بأنها شهادة لان حكمه يلزم الغير دون المخبر وشهادة الفرد لا تقبل ا ه‍. فيفيد أنه لو لم يكن إماما فقول الواحد مقبوفإطلاق الحاوي ليس بالحاوي. وفي الحاوي أيضا: لو تذكر أنه ترك القراءة في ركعة من صلاة يوم وليلة قضى الفجر والوتر ا ه‍. ووجهه أن ترك القراءة في ركعة واحدة لا يبطلها في سائر الصلوات إلا الفجر والوتر، وينبغي تقييده بأن لا يكون مسافرا، أما لو كان مسافرا فينبغي أن يعيد صلاة يوم وليلة كما لا يخفى. وفي المحيط: رجل صلى شهرا ثم تذكر أنه ترك عشر سجدات من هذه الصلوات يقضي صلوا ت عشرة أيام لجواز أنه ترك كل سجدة في يوم ا ه‍. وتوضيحه أن العشر سجدات تجعل مفرقة على عشر صلوات احتياطا فصار كأنه ترك صلاة من صلوات كل يوم وإذا ترك صلاة ولم يدر تعينها يقضي صلاة يوم كامل فلزمه قضاء عشرة الايام. وفي القنية: صبي بلغ وقت الفجر ولم يصل الفجر وصلى الظهر مع تذكره يجوز ولا يجب الترتيب بهذا القدر ا ه‍. وهو إن صح يكون مخصصا للمتون وفي صحته نظر عندي لانه بالبلوغ صار مكلفا اللهم إلا أن يكون جاهلا به فيعذر لقرب عهده من زمن الصبا. قوله: (ويسقط بضيق الوقت) أي يسقط الترتيب المستحق بضيق وقت المكتوبة لانه وقت للوقتين بالكتاب ووقت للفائتة بخبر الواحد وهو قوله عليه الصلاة والسلام من نام عن

[ 145 ]

صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (1) والكتاب مقدم على خبر الواحد فلو قدم الفائتة في هذه الحالة ولم يكن وقت كراهة فهي صحيحة لان النهي عن تقديمها لمعنى في غيرها وهو لزوم تفويت الوقتية وهو لا يعدم المشروعية. واختلف في المراد بالنهي هنا فقيل نهى الشارح لان الامر بالشئ نهي عن ضده، وقيل نهي الاجماع لاجماعهم على أنه لا يقدم الفائتة وهو الاصح. كذا في المعراج. وإنما قلنا صحيحة ولم نقل جائزة لان هذا الفعل حرام كما لو اشتغل بالنافلة عند ضيق الوقت يحكم بصحتها مع الاثم، وتفسير ضيق الوقت أن يكون الباقي منه لا يسعهما معا عند الشروع في نفس الامر لا بحسب ظنه حتى لو ظن ضيقه فصلى الوقتية فلما فرغ ظهر أن فيه سعة بطل ما أداه. وفي المجتبي: ومن عليه العشاء فظن ضيق وقت الفجر فصلاها وفي الوقت سعة يكررها إلى أن تطلع الشمس وفرضه ما يلي الطلوع وما قبله تطوع، ولو كان فيه سعة عند الشروع فشرع في الوقتية وأطال القراءة فلما فرغ ضاق الوقت بطل ما أداه. واختلفوا فيما إذا كان الباقي منه يسع بعض الفوائت فقط، فظاهر كلامهم ترجيح أنه لا تجوز الوقتية ما لم يقض ذلك البعض. وفي المجتبى خلافه فإنه قال: ولو فاتته أربع والوقت لا يسع إلا الفائتتين والوقتية فالاصح أنه تجوز الوقتية ا ه‍. وظاهر كلام المصنف اعتبار أصل الوقت في الضيق لا الوقت المستحب، ولم يذكر في ظاهر الرواية ولذا وقع الاختلاف فيه بين المشايخ، ونسب الطحاوي الاول إلى أبي حنيفة وأبي يوسف، والثاني إلى محمد كما في الذخيرة، وثمرته تظهر فيما لو تذكر في وقت العصر أنه لم يصل الظهر وعلم أنه لو اشتغل بالظهر يقع قبل التغير ويقل العصر أو بعضها فيه، فعلى الاول يصلي الظهر ثم العصر، وعلى الثاني يصلي العصر ثم الظهر بعد الغروب. واختار الاول قاضيخان في شرح الجامع الصغير وذكره بصيغة عندنا. وفي المبسوط: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه مراعاة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة، وصحح في المحيط الثاني فقال: والاصح أنه يسقط الترتيب لما فيه من تغيير حكم الكتاب وهو نقصان الوقتية بخبر الواحد وذلك لا يجوز ا ه‍. فعلى هذا المراد يسقط بضيق الوقت المستحب ورجحه في الظهيرية بما في المنتقى من أنه إذا افتتح العصر في أول وقتها وهو ناس للظهر ثم احمرت

[ 146 ]

الشمس ثم ذكر الظهر مضى في العصر قال: فهذا نص على أن العبرة للوقت المستحب ا ه‍. فحينئذ انقطع اختلاف المشايخ لان المسألة حيث لم تذكر في ظاهر الرواية وثبتت في رواية أخرى تعين المصير إليها. وفي المجتبى: إن لم يمكنه أداء الوقتية إلا مع التخفيف في قصر القراءة والافعال فيرتب ويقتصر على أقل ما تجوز به الصلاة. قوله: (والنسيان) أي ويسقط الترتيب بالنسيان وهو عدم تذكر الشئ وقت حاجته وهو عذر سماوي مسقط للتكليف لانه ليس في وسعه، ولان الوقت وقت للفائتة بالتذكر وما لم يتذكر لا يكون وقتا لها. ومما ألحق بالنسيان الظن فليس مسقطا رابعا كما قد يتوهم فهو قسمان: معتبر وغير معتبر. واختلفت عباراتهم فيه ففي كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام أن الظن إنما يكون معتبرا إذا كان الرجل مجتهدا قد ظهر عنده أن مراعاة الترتيب

[ 147 ]

ليست بفرض فهو دليل شرعي كالنسيان، وأما إذا كان الرجل مجتهدا قد ظهر عنده أن مراعاة الترتيب ليست بفرض فهو دليل شرعي كالنسيان، فأما إذا كان ذاكرا وهو غير مجتهد فمجرد ظنه ليس بدليل شرعي فلا يعتبر ا ه‍. فجعل المعتبر ظن المجتهد لا غيره، وذكر شارحو الهداية كصاحب النهاية وفتح القدير أن فساد الصلاة إن كان قويا كعدم الطهارة استتبع الصلاة التي بعده، وإن كان ضعيفا كعدم الترتيب لا يستتبع وفرعوا على ذلك فرعين: أحدهما لو صلى الظهر بغير طهارة ثم صلى العصر ذاكرا لها وجب عليه إعادة العصر لان فساد الظهر قوي لعدم الطهارة فأوجب فساد العصر وإن ظن عدم وجوب الترتيب. ثانيهما لو صلى هذه الظهر بعد هذه العصر ولم يعد العصر حتصلى المغرب ذاكرا لها فالمغرب صحيحة إذا ظن عدم وجوب الترتيب لان فساد العصر ضعيف لقول بعض الائمة بعدمه فلا يستتبع فساد المغرب. وذكر الامام الاسبيجابي له أصلا فقال: إذا صلى وهو ذاكر للفائتة وهو يرى أنه يجزئه فإنه ينظر إن كانت الفائتة وجب إعادتها بالاجماع أعاد التي صلى وهو ذاكر لها، وإن كان عليه الاعادة عندنا. وفي قول بعض العلماء ليس عليه وهو يرى أن ذلك يجزئه فلا إعادة عليه وذكر الفرعين المذكورين. وعلل في شرح المجمع للمصنف للفرع الثاني بأن المانع من الجواز كون الفائتة متروكة بيقين فلم يتناولها النص المقتضى لمراعاة الترتيب لاختصاصه بالمتروك بيقين، والحق أن المجتهد لا كلام فيه أصلا وإن ظنه معتبر مطلقا، سواء كانت تلك الفائتة وجب إعادتها بالاجماع أو لا، إذ لا يلزمه اجتهاد أبي حنيفة ولا غيره وإن كان مقلدا فإن كان مقلدا لابي حنيفة فلا عبرة برأيه المخالف لمذهب إمامه

[ 148 ]

فيلزمه إعادة المغرب أيضا، وإن كان مقلدا للشافعي فلا يلزمه إعادة العصر أيضا، وإن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتيه كما صرحوا به، فإن أفتاه حنفي أعاد العصر والمغرب، وإن أفتاه شافعي فلا يعيدهما ولا عبرة برأيه، وإن لم يستفت أحدا وصادف الصحة على مذهب مجتهد أجزأه ولا إعادة عليه، ويدل عليه ما ذكره في الخلاصة معزيا إلى الفتاوي الصغرى: رجل يرى التيمم إلى الرسغ والوتر ركعة ثم رأى التيمم إلى المرفق والوتر ثلاثا لا يعيدما صلى، وإن فعل عن جهل من غير أن يسأل أحدا ثم سأل فأمر بالثلاث يعيد ما صلشفعوي المذهب إذا صار حنفيا وقد فاتته صلوات في وقت كان شفعويا، ثم أراد أن يقضيها في الوقت الذي صار حنفيا

[ 149 ]

يقضي على مذهب أبي حنيفة ا ه‍. وفي المجتبى: من جهل فرضية الترتيب لا يجب عليه كالناسي وهو قول جماعة من أئمة بلخ. وفي القدوري الكبير: ترك الظهر وصلى العصر ذاكرا حتى فسد ثم قضى الظهر وصلى المغرب قبل إعادة العصر صح مغربه، ولو علم أن عليه إعادة العصر لم تجز مغربه، ولم يفصل في الاصل بين ما إذا كان عالما أو جاهلا. قال رحمه الله: وهذا معنى قولهم الفاسد لا يوجب الترتيب. هذا ما ظهر للعبد الضعيف، هذا وقد ذكر في المحيط معزيا إلى النوادر: لو صلى الظهر على ظن أنه متوضئ ثم توضأ وصلى العصر ثم تبين يعيد الظهر خاصة لانه بمنزلة الناسي في حق الظهر فلم يلزمه مراعاة الترتيب ا ه‍. وليس بمخالف لما قدمناه عنهم لان فيما قدمناه كان وقت العصر ذاكرا أنه صلى الظهر بغير طهارة، وفي مسألة النوادر التذكر حصل بعد أداء العصر. قوله (وصيرورتها ستا) أي ويسقط الترتيب بصيرورة الفوائت ست صلوات لدخولها في حد الكثرة المفضية للحرج لو قلنا بوجوبه والكثرة بالدخول في حد التكرار وهو أن تكون الفوائت ستا وهو الصحيح، وبه اندفع ما روي عن محمد أن المعتبر دخول السادسة، واندفع ما في السراج الوهاج وغاية البييان وكثير أن المعتبر دخول وقت السابعة لتصير الفوائت ستا إذ لا يتوقف صيرورتها ستا على دخول السابعة كما لو ترك صلاة يوم كامل وفجر اليوم الثاني فإن الفوائت صارت ستة بطلوع الشمس في اليوم الثاني ولم يدخل وقت السابعة، وقد يقال لما كان فائدة السقوط صحة الوقتية وهي لا تكون إلا بدخول وقت السابعة اعتبر وقت السابعة. وجوابه أن فائدة السقوط لم تنحصر فيما ذكر لانه بدخول وقت السابعة لا يجب عليه الترتيب فيما بين الفوائت أيضا كما سيأتي، وعبارة المصنف أولى من عبارة الهداية والقدورى حيث قالا: إلا أن نزيد الفوائت على ست صلوات استثناء من قوله رتبها في القضاء لما يلزم من ظاهرها من كون الفوائت سبعا على ما في فتح القدير، أو تسعا على ما في النهاية. وإن أجاب عنه في غاية البيان بأن المراد بالفوائت الاوقات مجازا للاشتباه مع ما قدمناه من عدم اشتراط دخول وقت السابعة. وصرح في المحيط بأن ظاهر الرواية أن الترتييب يسقط بصيرورة الفوائت ستا موفقا لما في المختصر

[ 150 ]

وصححه في الكافي، وبه اندفع ما صححه الشارح الزيلعي من أن المعتبر في سقوط الترتيب أن تبلغ الاقات المتخللة منذ فاتته ستة أوقات وإن أدما بعدها في أوقاتها، ولهذا ذكر في الفتاوى الظهيرية: لو تذكر فائتة بعد شهر تجوز الوقتية مع تذكر الفائتة إلا إذا كانت الفوائت ستا. وقال الصدر الشهيد حسام الدين في واقعاته: إنه يجوز أه‍. وفي التجنيس: إن الجواز مختار الطحاوي والفقيه أبي الليث وبه نأخذ لان المتخلل بينهما أكثر من ست صلوات اه‍. وفي الولواجية: وهو المختار عند المشايخ وهو موافق لتصحيح الشارح. وحاصله أنهم اختلفوا هل المعتبر صيرورة الفوائت ستا في نفسها لو كانت متفرقة أو كون الاوقات المتخللة ستا، وثمرته تظهر فيما ذكرنا من الفروع. والظاهر اعتماد ما وافق المتون من اعتبار صيرورة الفوائت ستا حقيقة، وما ذكره الشارح الزيلعي ثمرة للخلاف المذكور من أنه لو ترك ثلاث صلوات مثلا الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ولا يدري أيتها أولى، فعلى اعتبار الاوقات سقط الترتيب لان المتخلل بين الفوائت كثيرة فيصلي ثلاثا فقط، وعلى اعتبار الفوائت في نفسها لا يسقط فيصلي سبع صلوات والاول أصح اه‍. فغير صحيح لوجهين: الاول أنه لا يتصور على قول أبي حنيفة كون المتخللات ست فوائت لان مذهبه أن الوقتية المؤداة مع تذكر الفائتة تفسد فسادا موقوفا إلى أن يصلي

[ 151 ]

كمال خمس وقتيات، فإن لم يعد شيئا منها حتى دخل وقت السادس صارت كلها صحيحة كما سيأتي. فقوله وقيل يعتبر أن تبلغ الفوائت ستا ولو كانت متفرقة غير متصور على قوله فلا يبنى عليه شئ. الثاني أن اختلاف المشايخ في لزوم السبع أو الثلاث ليس مبنيا على ما ذكر وإنما هو مبني على أن العبرة في سقوط الترتيب لتحقق فوت الست حقيقة أو معنى، فمن أوجب السبع نظر إلى الاول لانه لم يفته إلا ثلاث فلم يسقط الترتيب فيعيد ما صلى أولا، ومن اقتصر على الثلاث نظر إلى الثاني لان بإيجاب السبع بإيجاب الترتيب تصير الفوائت كسبع معنى، فإذا كان الترتيب يسقط بست فأولى أن يسقط بسبع. فالحاصل أنا لو قلنا بوجوب الترتيب للزمه قضاء سبع وهي كسبع فوائت فلذا أسقطنا الترتيب، وقول من أسقطه أوجه لان المعنى الذي لاجله سقط الترتيب بالست وهو الدخول في حد الكثرة المقتضية للحرج موجود في إيجاب سبع بعينه، واقتصر عليه في التجنيس من غير حكاية خلاف ثم ذكر بعده الخلاف وقال: إن السقوط هو مختارنا وغيره لا يعتمد عليه. وذكر الولوالجي أن من أوجب الترتيب فيه لا اعتماد عليه لانه قد زاد على يوم وليلة فلا يبقى الترتيب واجبا اه‍. وصححه في الحقائق معللا بأن إعادة ثلاث صلوات في وقت الوقتية لاجل الترتيب مستقيم، أما إيجاب سبع صلوات في وقت واحد لا يستقيم لتضمنه تفويت الوقتية اه‍. يعني أنه مظنة تفويت الوقتية. فالحاصل أنه لا يلزمه إلا قضاء ما تركه من غير إعادة شئ على المذهب الصحيح إذا كانت الفوائت ثلاثا أو أكثر فيلزمه قضاء ثلاث في الفرع المذكور، ولو ترك مع ذلك عشاء من يوم آخر لزمه أربع، ولو ترك صبحا آخر لزمه خمس ولا يعيد شيئا مما صلاه وعلى القول الضعيف، ففي المسألة الاولى يصلي سبعا لانه إما أن يصلي ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين لاحتمال أن يكون ما صلاه أولا هو الآخر فيعيده ثم يصلي المغرب ثم يعيد ما صلاه أولا لاحتمال كون المغرب أولا، وفي المسألة الثانية يقضي خمس عشرة صلاة السبعة الاولى كما ذكرنا ثم يصلي بعدها العشاء ثم يعيد السبعة الاولى لاحتمال أن تكون العشاء هي الاولى، وفي المسألة الثالثة يقضي إحدى وثلاثين صلاة الخمسة عشر الاولى ثم يصلي الفجر ثم يعيد

[ 152 ]

الخمسة عشر لاحتمال أن يكون الفجر هي الاولى. وإنما قيدنا بكون الفائت ثلاثة فأكثر لانه لو فاتته صلاتان الظهر من يوم والعصر من يوم ولا يدري الاول فعند أبي حنيفة يلزمه قضاء ثلاث صلوات وهو إما ظهر بين عصرين أو عصر بين ظهرين لان المتروك أولا إن كان هو المؤدى أولا فالاخير نفل وإلا فالاول نفل. وقالا: لا يلزمه إلا صلاتان إلحاقا له بالناسي فيسقط الترتيب. وأبو حنيفة ألحقه بناسي التعيين وهو من فاته صلاة لم يدر ما هي ولم يقع تحريه على شي يعيد صلاة يوم وليلة بجامع تحقق طريق يخرج بها عن العهدة بيقين فيجب سلوكها، وهذا الوجه يصرح بإيجاب الترتيب في القضاء عنده فيجب الطريق التي يعينها إلا كما قيل إنه مستحب عندهم فلا خلاف بينهم. وفي فتاوى قاضيخان أن الفتوى على قولهما كأنه تخفيفا على الناس لكسلهم وإلا فدليلهما لا يترجح على دليله، وقد ذكر في آخر الحاوي القدسي أنه إذا اختلف أبو حنيفة وصاحباه فالاصح أن الاعتبار لقوة الدليل. فالحاصل أن الاصح المفتى به أنه لا يلزمه القضاء إلا بقدر ما ترك، سواء كان المتروك صلاتين أو أكثر، وقد أفاد كلام المصنف أن الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب فيما بين الفوائت نفسها كما سقط بينها وبين الوقتية، وقد صرح به في الهداية وجزم به في المحيط، وعلله في غاية البيان بأن الكثرة إذا كانت مسقطة للترتيب في غيرها كانت مسقطة له في نفسها بالطريق الاولى لان العلة إذا كان لها أثر في غير محلها فلان يكون لها أثر في محلها أولى اه‍. ونص الزاهدي على أنه الاصح وبهذا اندفع ما في الظهيرية والخانية من أن الفوائت لو كثرت وأراد أن يقضيها فإنه يراعي الترتيب في القضاء، وتفسير ذلك أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة فإن كان بين الاولى والثانية فوائت ست يجوز له قضاء الثانية، وإن كانت أقل من ست لا يجوز قضاء الثانية ما لم يقض ما قبلها. وقيل في الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب حتى لو قضى ثلاثين فجرا ثم قضى ثلاثين ظهرا ثم قضى ثلاثين عصرا جاز اه‍. وأفاد كلامه أيضا أنه لا فرق بين الفوائت القديمة والحديثة حتى لو ترك صلاة شهر فسقا ثم أقبل على الصلاة ثم ترك فائتة حادثة فإن الوقتية جائزة مع تذكر الفائتة الحادثة لانضمامها إلى الفوائت القديمة وهي كثيرة فلم يجب الترتيب، ولان بالحديثة ازدادت الكثرة فيتأكد السقوط، ولانه لو اشتغل بهذه الفائتة لكان ترجيحا بلا مرجح، ولو اشتغل بالكل تفوت الوقتية فتعين ما ذكرنا. وقال بعضهم: إن المسقط الفوائت الحديثة، وأما القديمة فلا تسقط ويجعل الماضي كأن لم يكن زجرا له عن التهاون بالصلوات فلا تجوز الوقتية مع تذكرها وصححه في معراج الدراية معزيا إلى المحيط للصدر الشهيد، وفي التجنيس وعليه الفتوى، وذكر في المجتبى أن الاول أصح، وفي الكافي والمعراج وعليه الفتوى فقد اختلف

[ 153 ]

التصحيح والفتوى كما رأيت والعمل بما وافق إطلاق المتون أولى خصوصا أن على القول الثاني يؤدي إلى التهاون لا إلى زجره عنه، فإن من اعتاد تفويت الصلوات لو أفتى بعدم الجواز يفوت أخرى ثم وثم حتى تبلغ الحديثة حد الكثرة كما في الكافي. قوله (ولم يعد بعودها إلى القلة) أي لم يعد وجوب الترتيب بعود الفوائت إلى القلة بسبب القضاء بعد سقوطه بكثرتها كما إذا ترك رجل صلاة شهر مثلا ثم قضاها إلا صلاة ثم صلى الوقتية ذاكرا لها فإنها صحيحة لان الساقط قد تلاشى فلا يحتمل العود كالماء القليل إذا تنجس فدخل عليه الماء الجاري حتى كثر وسال ثم عاد إلى القلة لا يعود نجسا. واختاره الامام السرخسي والامام البزدوي حيث قالا: ومتى سقط الترتيب لم يعد في أصح الروايتين. وصححه أيضا في الكافي والمحيط، وفي معراج الدراية وغيره وعليه الفتوى. وقيل يعود الترتيب وليس هو من قبيل عود الساقط بل من قبيل زوال المانع كحق الحضانة إذا ثبت للام ثم تزوجت ثم ارتفعت الزوجية فإنه يعود لها. واختاره في الهداية قال: إنه الاظهر مستدلا بما روي عن محمد فيمن ترك صلاة يوم وليلة وجعل يقضي من الغد مع كل وقتية فائتة فالفوائت جائزة على كل حال والوقتيات فاسدة إن قدمها لدخول الفوائت في حد القلة وإن أخرها فكذلك إلا العشاء الاخيرة لانه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها اه‍. ورده في الكافي والتبيين بأنه لا دلالة فيه لان الترتيب لو سقط لجازت الوقتية التي بدأ بها ولان الترتيب إنما يسقط بخروج وقت السادسة ولم يخرج هنا ولا يمكن حمله على ما روي عن محمد أن الترتيب يسقط بدخول وقت السادسة لان حكمه بفساد الوقتية التي بدأ بها يمنع من ذلك إذ لو كان مراده على تلك الرواية لما فسدت التي بدأ بها أول مرة لسقوط الترتيب عنده. وذكره في فتح القدير وارتضاه ورده الشيخ قاسم في حاشيته على الزيلعي بأنه مبني على ما روي عن محمد فقد نص جماعة من محققي المشايخ على أن من أصل محمد أنه إذا دخل وقت السادسة سقط الترتيب إلا أن سقوطه يتقرر بخروج وقت السادسة فإذا أدى وقتية توقف جوازها على قضاء الفائتة وعدمه، فإذا قضى دخلت الفوائت في حد القلة فبطلت الوقتية لانها أديت عند ذكر الفائتة ولذا صرح في رواية ابن سماعه عن محمد في تعليل ذلك بقوله لانه كلما فائتة عادت الفوائت أربعا وفسدت الوقتية إلا العشاء فإنه صلاها. وعنده أن جميع ما

[ 154 ]

عليه قد قضاه فأشبه الناسي اه‍. وما أجيب به في المعراج من أن المسألة مفروضة فيمن مد الوقتية التي شرع فيها إلى آخر الوقت ثم قضى الفائتة بعد خروج الوقت، ولا بد أن يكون الشروع في سعة الوقت إذلو كان عند الضيق لكانت الوقتية صحيحة رد بقوله في الكتاب صلى مع كل فائتة وقتية ومع للقرآن. وذكر في فتح القدير: ولا يخفى أن إبطال الدليل المعين لا يستلزم بطلان المدلول فكيف بالاستشها. وحاصله بطلان أن يكون ذلك نصا عن محمد في المسألة فليكن كذلك فهو غير منصوص عليه من المتقدمين لكن الوجه يساعده بجعله من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وذلك أن سقوط الترتيب كان بعلة الكثرة المفضية إلى الحرج أو أنها مظنة تفويب الوقتية، فلما قلت زالت العلة فعاد الحكم الذي كان قبل كحق الحضانة اه‍. وفيه نظر لانا قد نقلنا عن الامامين السرخسي والبزدوي كما في غاية البيان أنه متى سقط الترتيب لم يعد في أصح الروايتين. وفي المحيط: لم يعد في أصح الروايات فكيف يقال إنه غير منصوص عليه من المتقدمين وهو أصح الروايات عن المتقدمين إذا الروايات إنما هي منسوبة إليهم لا إلى المشايخ، وليس هو من قبيل زوال المانع في التحقيق لان المقتضى

[ 155 ]

للترتيب مع كثرة الفوائت ليس بموجود أصلا ولذا اتفقت كلمتهم متونا وشروحا على أن الترتيب يسقط بثلاثة أشياء، فصرح الكل بالسقوط والساقط لا يعود اتفاقا بخلاف حق الحضانة فإن المقتضى لها موجود مع التزوج لانه القرابة المحرمية مع صغر الولد وقد منع التزوج من عمل المقتضى، فإذا زال التزوج زال المانع فعمل المقتضى عمله، فالفارق بين البابين وجود المقتضى وعدمه، ولذا كان الاصح في مسألة المني إذا فرك من الثوب ثم أصابه ماء وأخواتها عدم عود النجاسة كما ذكرنا. ولو قال المصنف ولم يعد بزوالها ليكون الضمير راجعا إلى الثلاثة أعني ضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستا لكان أولى لان الحكم كذلك فيها. قال في المجتبي: ولو سقط الترتيب لضيق الوقت ثم خرج الوقت لا يعود على الاصح حتى لو خرج في خلال الوقتية لا تفسد على الاصح وهو مؤد على الاصح لا قاض، واقتداء المسافر بعد غروب الشمس في العصر بمقيم شرع فيه في الوقت لا يصح، وك‍ ذا لو سقط مع النسيان ثم تذكر لا يعود. ولو نسي الظهر وافتتح العصر ثم ذكره عند احمرار الشمس يمضي لضيق الوقت، وكذا لو غربت، وكذا لو افتتحها عند الاصفرار ذاكرا ثم غربت اه‍. وقوله واقتداء المسافر ينتجه كونه مؤديا كما لا يخفى. والذي ظهر للعبد الضعيف أن ما ذكره في المجتبي من عدم عوده بالتذكر خطأ لان كلمتهم اتفقت عند ذكر المسائل الاثني عشرية السابقة أنه لو تذكر فائتة وهو يصلي فإن كان قبل القعود قدر التشهد بطلت صلاته اتفاقا، وإن كان بعد القعود بطلت عنده، وعندهما لا تبطل. فقد حكموا بعوده بالتذكر ولهذا قال في معراج الدراية والنهاية: إنه لو سقط بالنسيان وضيق الوقت فإنه يعود بالتذكر وسعة الوقت بالاتفاق اه‍. ولذا والله أعلم اقتصر في المختصر على عدم العود بقلة الفوائت وإن حمل ما في المجتبي على تذكره بعد الفراغ من الصلاة فيكون محل الخلاف الترتيب بين الفائتة والوقتية في المستقبل لا فيما صلاه

[ 156 ]

حالة النسيان وتذكر قبل الفراغ فبعيد مخالف لسياق كلامه في ضيق الوقت لتصريحه فيه بعدم العود. ولو خرج في خلاله بقي ههنا كلام وهو أنه بعد أن حكم باستحقاق الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت حكم بسقوطه بثلاثة أشياء فشمل النوعين، وقد قدمنا أن سقوطه بكثرة الفوائت يشمل النوعين، وأما بالنسيان فالظاهر شموله لهما، وأما بضيق الوقت فهو خاص بالترتيب بين الفائتة والوقتية، وأما الترتيب فيما بين الفوائت فلا يسقط به حتى لو قدم المتأخرة من الفوائت عند ضيق الوقت لا يجوز لانه ليس بمسقط حقيقة، وإنما قدمت الوقتية عند العجز عن الجمع بينهما لقوتها مع بقاء الترتيب كما ذكره الشارح. قوله (فلو صلى فرضا ذاكرا فائتة ولو وترا فسد فرضه موقوفا) أي فساد هذا الفرض موقوف على قضاء الفائتة قبل أن تصير الفوائت كثيرة مع الفائتة فإن قضاها قبله فسد هذا الفرض وما صلاه بعده متذكرا، وإن لم يقضها حتى صارت الفوائت مع الفائتة ست صلوات فما صلاه متذكرا لها صحيح. قال في المبسوط: هذه المسألة هي التي يقال واحدة تصحح خمسا وواحدة تفسد خمسا فالواحدة المصححة للخمس هي السادسة قبل قضاء المتروكة، والواحدة المفسدة للخمس هي المتروكة تقضى قبل السادسة اه‍. وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما الفساد متحتم لا يزول وهو القياس لان سقوط الترتيب حكم والكثرة علة له فإنما يثبت الحكم إذا ثبتت العلة في حق ما بعدها فأما فحق نفسها فلا. وهذا لان العلة ما تحل بالمحل فيتغير لحلوله المحل فلا يجوز أن يكون نفس العلة محلا للعلة للاستحالة. ولابي حنيفة أن الحكم مع العلة يقترنان لما عرف في الاصول والكثرة صفة هذا المجموع وحكمها سقوط الترتيب فإذا ثبت صفة الكثرة بوجود الاخيرة استندت الصفة إلى أولها بحكمها فيجوز

[ 157 ]

الكل كمرض الموت لما ثبت له هذا الوصف استند إليه بحكمه، ولهذا لو أعادها بلا ترتيب جازت عندهما أيضا، وهذا لان المانع من الجواز قلتها وقد زالت فيزول المنع. وفي العناية: لا يقال كل واحدة من آحادها جزؤها متقدمة عليها فكيف يكون معلولا لها لانها جزؤها من حيث الوجود ولا كلام فيه وإنما الكلام من حيث الجواز وذلك متأخر لانه لم يكن ثابتا لكل واحدة منها قبل الكثرة ولا يمتنع أن يتوقف حكم على أمر حتى يتبين حاله كتعجيل الزكاة إلى الفقير يتوقف كونها فرضا على تمام الحول والنصاب نام، فإن تم على نمائه كان فرضا وإلا نفل. وكون المغرب في طريق مزدلفة فرضا على عدم إعادتها قبل الفجر فإن أعادها كانت نفلا. والظهر يوم الجمعة على عدم شهودها فإن شهدها إ كانت نفلا. وصحة صلاة المعذور إذا انقطع العذر فيها على عوده في الوقت الثاني فإن لم يعد فسدت وإلا صحت. وكون الزائد على العادة حيضا على عدم مجاوزة العشرة فإن جاوزت فاستحاضة وإلا حيض. وصحة الصلاة التي صلتها صاحبة العادة فيما إذا انقطع دمها دون العادة فاغتسلت وصلت على عدم العود فإن عادت ففاسدة وإلا فصحيحة. ثم اعلم أن المذكور في الهداية وشروحها كالنهاية والعناية وغاية البيان، وكذا في الكافي والتبيين وأكثر الكتب أن انقلاب الكل جائزا موقوف على أداء ست صلوات. وعبارة الهداية: ثم العصر تفسد فسادا موقوفا حتى لو صلى ست صلوات ولم يعد الظهر انقلب الكل جائزا. والصواب أن يقال: حتى لو صلى خمس صلوات وخرج وقت الخامسة من غير قضاء الفائتة انقلب الكل جائزا لان الكثرة المسقطة بصيرورة الفوائت ستا فإذا صلى خمسا وخرج وقت الخامسة صارت الصلوات ستا بالفائتة المتروكة أولا، وعلى ما صوره يقتضي أن تصير

[ 158 ]

الصلوات سبعا وليس بصحيح. وقد ذكره في فتح القدير بحثا ثم أطلعني الله عليه بفضله منقولا في المجتبى وعبارته: ثم اعلم أن فساد الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة، فإن كثرت وصارت الفواسد مع الفائتة ستا ظهر صحتها وإلا فلا اه‍. ولقد أحسن رحمه الله وأجاد هنا كما هو دأبه في التحقيق ونقل الغرائب وعلى هذا، فقول صاحب المبسوط أن الواحدة المصححة للخمس هي السادسة قبل قضاء المتروكة غير صحيح لان المصحح للخمس خروج وقت الخامسة كما علمت. وأطلق المصنف التوقف فشمل ما إذا ظن وجوب الترتيب أو ظن عدمه وتعليلهم أيضا يرشد إليه فما في شرح المجمع المصنف معزيا إلى المحيط أن عدم وجوب الاعادة عنده إذا لم يعلم من فاتته الصلاة وجوب الترتيب وفساد صلاته بدونه، أما إذا علم فعليه إعادة الكل اتفاقا لان العبد مكلف بما عنده ضعيف. وعلله في فتح القدير بأن التعليل المذكور يقطع بإطلاق الجواب ظن عدم الوجوب أولا وقيد بفساد الفرضية لانه لا يبطل أصل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يبطل لان التحريمة عقدت للفرض فإذا بطلت الفرضية بطلت التحريمة أصلا، ولهما أنها عقدت لاصل الصلاة بوصف الفرضية فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الاصل. كذا في الهداية، وفائدته تظهر في انتقاض الطهارة بالقهقهة. كذا في الغاية. وأطلق في التذكر ولم يقيده بالعلم لما في الولوالجية: رجل دخل في صلاة الظهر ثم شك

[ 159 ]

في صلاة الفجر أنه صلاها أم لا، فلما فرغ من صلاته تيقن أنه لم يصل الفجر يصلي الفجر ثم يعيد الظهر لانه لما تحقق ظنه صار كأنه في الابتداء متيقن كالمسافر إذا تيمم وصلى ثم رأى سرابا في صلاته ثم ظهر بعد فراغه من الصلاة أنه كان ماء يتوضأ ويعيد الصلاة كذا ههنا اه‍. وفي المحيط: رجل لم يصل الفجر وصلى بعدها أربع صلوات من يوم شهرا قيل لا تجزئه الصلوات الاربعة في اليوم الاول وتجزئه في اليوم الثاني لسقوط الترتيب عنه لكثرة الفوائت، ولا تجزئه في اليوم الثالث لكثرة الترتيب، وهكذا يجري فمن كل عشرة صلوات ستة صلوات فاسدة وأربعة منها جائزة. وكذا لو صلى الفجر شهرا ولم يصل سائر الصلوات يجزئه خمس عشرة صلاة من الفجر لا يجزئه غيرها. وقيل: إنه يجزئه الصلوات الاربعة في كل يوم إلا في اليوم الاول ويجزئه كل فجر إلا الفجر في اليوم الثاني لانه صلى الفجر الثاني وعليه أربع صلوا ت فلم يجزه لقلة الفوائت، وبعد ذلك كثرت الفوائت فسقط الترتيب والترتيب متسقط لا يعود اه‍. واقتصر على القول الاول في التجنيس وقال: إنه يؤيد قول من لا يعتبر الفوائت القديمة في إسقاط الترتيب، وقد أجاب الامام حسام الدين في نظيره في الفصل الذي قبله بخلاف هذا اه‍. فالمفتي به هو القول الثاني كما لا يخفى. وقوله ولو وترا بيان لقول أبي حنيفة لان عنده الوتر فرض عملي فوجب الترتيب بينه وبين الوقتية حتى لو صلى الفجر ذاكرا للوتر فسد فجره عنده موقوفا كما تقدم، وعندهما لا يفسد لان الوتر سنة ولا ترتيب بين الفرائض والسنن حتى لو تذكر فائتة في تطوعه لم يفسد تطوعه لانه عرف واجبا في الفرض بخلاف القياس فلا يلحق به غيره. تتمة: ترك الصلاة عمدا كسلا يضرب ويحبس حتى يصليها ولا يقتل وإذا جحد واستخف وجوبها يقتل. وفي الكافي: ومن قضى الفوائت ينوي أول ظهر لله عليه أو آخر ظهر لله عليه احتياطا ولو لم يقل الاول والآخر وقال نويت الظهر الفائتة جاز. وفي الخلاصة: غلام احتلم بعدما صلى العشاء ولم يستيقظ حتى طلع الفجر ليس عليه قضاء العشاء، والمختار أن عليه قضاء العشاء. وإذا استيقظ قبل الطلوع عليه قضاء العشاء بالاجماع

[ 160 ]

وهي واقعة محمد بن الحسن سألها أبا حنيفة فأجابه بما ذكرنا فأعاد العشاء. إذا فاتت صلاة عن وقتها ينبغي أن يقضيها في بيته ولا يقضيها في المسجد. إذا مات الرجل وعليه صلوات فائتة وأوصى بأن يعطى كفارة صلاته يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر، وللوتر نصف صاع، ولصوم يوم نصف صاع وإنما يعطى من ثلث ماله، وإن لم يترك مالا تستقرض ورثته نصف صاع ويدفع إلى المسكين ثم يتصدق المسكين على بعض ورثته ثم يتصدق ثم وثم حتى يتم لكل صلاة ما ذكرنا، ولو قضاها ورثته بأمره لا يجوز وفي الحج يجوز اه‍. وفي الظهيرية اتفق المشايخ على تنفيذ هذه الوصية من ثلث ماله، واختلفوا هل يقوم الاطعام مقام الصلاة، قال محمد بن مقاتل ومحمد بن سملة: يقوم. وقال البلخي: لا يقوم. ولا رواية في سجدة التلاوة أنه يجب أولا. ولو أعطى فقيرا واحدا جملة جاز بخلاف كفارة اليمين، ولو أعطى عن

[ 161 ]

خمس صلوات تسعة أمناء فقيرا ومنا فقيرا آخر قال أبو بكر الاسكاف: يجوز ذلك كله. وقال أبو القاسم: وهو اختيار الفقيه أبي الليث يجوز عن أربع صلوات دون الخامسة لانه متفرق، ولا يجوز أن يعطى كل مسكين أقل من نصف صاع في كفارة اليمين فكذلك هذا. فالحاصل أن كفارة الصلاة تفارق كفارة اليمين في حق أنه لا يشترط فيها العدد وتوافقها من حيث إنه لو أدى أقل من نصف صاع إلى فقير واحد لا يجوز اه‍ والله أعلم. باب سجود السهو لما فرغ من ذكر الاداء والقضاء شرع في بيان ما يكون جابر النقصان يقع فيهما. كذا في العناية. والاولى أن يقال: لما فرغ من ذكر الصلاة نفلها وفرضها أداء وقضاء شرع فيما يكون جابرا لنقصان يقع فيها فإن سجود السهو في مطلق الصلاة ولا يختص بالفرائض. وهذه الاضافة من باب إضافة الحكم إلى السبب وهي الاصل في الاضافات لان الاضافة للاختصاص وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص المسبب بالسبب. وذكر في التحرير أنه لا فرق في اللغة بين النسيان والسهو وهو عدم الاستحضار في وقت الحاجة. وفرق بينهما في السراج الوهاج بأن النسيان عزوب الشئ عن النفس بعد حضوره، والسهو قد يكون عما كان الانسان عالما به وعما لا يكون عالما به. وظاهر كلام الجم الغفير أنه لا يجب السجود في العمد وإنما تجب الاعادة إذا ترك واجبا عمدا جبرا لنقصانه. وذكر الولوالجي في فتاواه أن الواجب إذ تركه عمدا لا ينجبر بسجدتي السهو لانهما عرفتا جابرتين بالشرع والشرع ورد حالة السهو وجعلهما مثلا لهذا الفائت لا فوقه، لان الشئ لا يجبر بما فوقه والنقصان المتمكن بترك الواجب عامدا فوق النقصان المتمكن بتركه ساهيا، وهذا الجابر إذا كان مثلا للفائت سهوا كان أدون من الفائت عمدا والشئ لا يجبر بما هو دونه اه‍. وحاصله أن الملاءمة بين السبب والمسبب شرط والعمد جناية محضة والسجدة عبادة فلا تصلح سببا لها، وهذا بإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين واجب وواجب. فما في المجتبى من أنه لا سجود في

[ 162 ]

تركه عمدا إلا في مسألتين ذكره فخر الاسلام البديعي إذا ترك القعدة الاولى عمدا أو شك في بعض أفعال صلاته فتفكر عمدا حتى شغله ذلك عن ركن قلت له: كيف يجب سجود السهو بالعمد؟ قال: ذلك سجود العذر لا سجود السهو اه‍. وما في الينابيع عن الناطفي: لا يجب سجود السهو في العمد إلا في موضعين: الا وتأخير إحدى سجدتي الركعة الاولى إلى آخر الصلاة، والثاني ترك القعدة الاولى اه‍ فتحصل أنها ثلاثة مواضع مشكل. ولعلهم نظروا إلى أن هذه الواجبات الثلاثة أدنى الواجبات فصلح أن يجيرها سجود السهو حالة العمد، أما القعدة الاولى فللاختلاف في وجوبها بل قد أطلق أكثر مشايخنا عليها اسم السنة كما قدمناه، وكذا الثاني والثالث لم يكن لهما دليل صريح في الوجوب. قوله (يجب بعد السلام سجدتان بتشهد وتسليم بترك واجب وإن تكرر) بيان لاحكام: الاول وجوب سجدتي السهو وهو ظاهر الرواية لانه شرع لرفع نقص تمكن في الصلاة ورفع ذلك واجب. وذكر القدوري أنه سنة كذا في المحيط. وصحح في الهداية وغيرها الوجوب لانها تجب لجبر نقصان تمكن في العبادة فتكون واجبة كالدماء في الحج، ويشهد له من السنة ما ورد في الاحاديث الصحيحة من الامر بالسجود. والاصل في الامر أن يكون للوجوب ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ذلك. وفي معراج الدراية: إنما جبر النقصان في باب الحج بالدم وفي باب الصلاة بالسجود لان الاصل أن الجبر من جنس الكسر وللمال مدخل في باب الحج فيجبر نقصانه بالدم ولا مدخل للمال في باب الصلاة فيجبر النقصان بالسجدة اه‍.

[ 163 ]

وظاهر كلامهم أنه إذا لم يسجد فإنه يأثم بترك الواجب ولترك سجود السهو. ثم اعلم أن الوجوب مقيد بما إذا كان الوقت صالحا حتى إن من عليه السهو في صلاة الصبح إذا لم يسجد حتى طلعت الشمس بعد السلام الاول سقط عنه السجود، وكذا إذا سها في قضاء الفائتة فلم يسجد حتى احمرت، وكذا في الجمعة إذا خرج وقتها، وكل ما يمنع البناء إذا وجد بعد السلام يسقط السهو. الثاني محله المسنون بعد السلام سواء كان السهو بإدخال زيادة في الصلاة أو نقصان منها، وعند الشافعي قبله فيهما، وعند ما لك قبله في النقصان وبعده في الزيادة، وألزمه أبو يوسف فيما إذا كان عنهما فتحير وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل السلام وصح أنه سجد بعده فتعارضت روايتا فعله فرجعنا إلى قوله المروي في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال لكل سهو سجدتان بعد السلام. وفي صحيح البخاري في باب التوجه نحو القبلة حيث كان في حديث قال فيه إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين فهذا تشريع عام قولي بعد السلام عن سهو الشك والتحري ولا قائل بالفصل بينه وبين تحقق الزيادة والنقص، وهذا الخلاف في الاولوية حتى لو سجد قبل السلام لا يعيده لانه لو أعاد يتكرر وأنه خلاف الاجماع وذلك كان مجتهدا فيه. وروي عن أصحابنا أنه لا يجزئه ويعيده. كذا في المحيط. وفي غاية البيان: إن الجواز ظاهر الرواية. وفي التجنيس: لو كان الامام يرى سجدتي السهو وقبل السلام والمأموم بعد السلام، قال بعضهم: يتابع الامام لان حرمة الصلاة باقية فيترك رأيه برأي الامام تحقيقا للمتابعة. وقال بعضهم: لا يتابع ولو تابعه لا إعادة عليه اه‍. وكأن القول الاول مبني على ظاهر الرواية، والثاني على غيرها كما لا يخفى. وذكر الفقيه أبو الليث في الخزانة أنه قبل السلام مكروه والظاهر أنها كراهة تنزيه. وعلل في الهداية لكونه بعد السلام أن سجود السهو مما لا يتكرر فيؤخر عن السلام حتى

[ 164 ]

لو سها عن السلام ينجبر به. وصور في غاية البيان السهو عن السلام بأن قام إلى الخامسة مثلا ساهيا يلزمه سجود السهو لتأخير السلام. وصوره الاسبيجابي وصاحب التجنيس بما إذا بقي قاعدا على ظن أنه سلم ثم تبين أنه لم يسلم فإنه يسلم ويسجد للسهو ولكون سجود السهو لا يتكرر لو شك في السهو فإنه يتحرى ولا يسجد لهذا السهو. وحكى أن محمد بن الحسن قال للكسائي ابن خالته: لم لا تشتغل بالفقه؟ فقال: من أحكم علما فذلك يهديه إلى سائر العلوم. فقال محمد رحمه الله: أنا ألقي عليك شيئا من مسائل الفقه فتخرج جوابه من النحو فقال: هات. قال: فما تقول فيمن سها في سجود السهو فتفكر ساعة فقال: لا سجود عليه. فقال: من أي باب من النحو خرجت هذا الجواب؟ فقال: من باب أن المصغر لا يصغر، فتحير من فطنته. وأطلق المصنف في السلام فانصرف إلى المعهود في الصلاة وهو تسليمتان كما هو في الحديث، وصححه في الظهيرية والهداية، وذكر في التجنيس أنه المختار، وعلل علي البزدوي فقال: لم يجن ملك الشمال حتى تترك السلام عليه. وعزاه في البدائع إلى عامتهم، واختار فخر الاسلام أنه يسجد بعد التسليمة الاولى ويكون تلقاء وجهه لا ينحرف. وذكر في المحيط أنه الاصوب لان الاول للتحليل والثاني للتحية وهذا السلام للتحليل لا للتحية فكان ضم الثاني إلى الاول عبثا. واختاره المصنف في الكافي وقال: إن عليه الجمهور وإليه أشار في الاصل وهو الصواب، فقد تعارض النقل عن الجمهور. وهناك قولان آخران: أحدهما أنه يسلم عن يمينه فقط وصححه في المجتبى. ثانيهما لو سلم التسليمتين سقط عنه سجود السهو لانه بمنزلة الكلام حكاه الشارح عن خواهر زاده فقد اختلف التصحيح فيها. والذي ينبغي الاعتماد عليه تصحيح المجتبي أنه يسلم عن يمينه فقط لان السلام عن اليمين معهود

[ 165 ]

وبه يحصل التحليل فلا حاجة إلى غيره. الثالث فيما يفعله بين السجدتين فذكر أنه التشهد والسلام والظاهر وجوبهما كما صرح به في المجتبي ولما في الحاوي القدسي أن كل قعدة في الصلاة غير الاخيرة فهي واجبة ولم يذكر تكبير السجود وتسبيحه ثلاثا للعلم به وكل منهما مسنون كما في المحيط وغيره. وأشار بالتشهد والسلام إلى أن التشهد والسلام في القعود الاخير قد ارتفعا بالسجود، وإنما لم يرفع السجود القعود لانه أقوى من السجود لفرضيته ولذا قال في التجنيس: ولو سجدهما ولم يقعد لم تفسد صلاته لان القعود ليس بركن. واتفقوا على أنه في السجدة الصلبية لو تذكرها بعد قعوده فسجدها فإن القعود قد ارتفض فيقعد للفرض لان السجدة الصلبية أقوى من القعدة، وفيما إذا تذكر سجدة تلاوة فسجدها روايتان أصحهما أنها كالصلبية لانها أثر القراءة وهي ركن فأخذت حكمها. وعليه تفريع ما في عمدة الفتاوى: إذا سلم الامام وتفرق القوم ثم تذكر في مكانه أن عليه سجدة التلاوة يسجد ويقعد قدر التشهد، فإن لم يقعد فسدت صلاة الامام وصلاة القوم تامة لان ارتفاض القعدة في حق الامام ثبت بعد انقطاع المتابعة اه‍. ولم يذكر حكم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعدتين والادعية للاختلاف، فصحح في البدائع والهداية أنه يأتي بالصلاة والدعاء في قعدة السهو لان الدعاء موضعه آخر الصلاة ونسبة الاول إلى عامة المشايخ بما وراء النهر. وقال فخر الاسلام: إنه اختيار عامة أهل النظر من مشايخنا وهو المختار عندنا. واختار الطحاوي أنه يأتي بهما فيهما، وذكر قاضيخان وظهير الدين أنه الاحوط وجزم بهه في منية المصلي في الصلاة ونقل الاختلاف في الدعاء. وقيل: إنه يأتي بهما في الاول فقط وصححه الشارح معزيا إلى المفيد لانها للختم. الرابع سببه ترك واجب من واجبات الصلاة الاصلية سهوا وهو المراد بقوله بترك واجب لا كل واجب بدليل ما سنذكره من أنه لو ترك ترتيب السور لا يلزمه شئ مع كونه واجبا وهو أجمع ما قيل فيه، وصححه في الهداية وأكثر

[ 166 ]

الكتب. وما في القدوري من قوله أو ترك فعلا مسنونا أراد به فعلا واجبا ثبت وجوبه بالسنة. وقد عدها المصنف في باب صفة الصلاة اثني عشر واجبا: الاول قراءة الفاتحة فإن تركها في إحدى الاوليين أو أكثرها وجب عليه السجود، وإن ترك أقلها لا يجب لان للاكثر حكم الكل. كذا في المحيط. وسواء كان إماما أو منفردا. كذا في التجنيس. وفي المجتبي: إذا ترك من الفاتحة آية وجب عليه السجود وإن تركها في الاخريين لا يجب إن كان في الفرض، وإن كان في النفل أو الوتر وجب عليه لوجوبها في الكل، وقد قدمنا أنه لو تركها في الاوليين لا يقضيها في الاخريين في ظاهر الرواية بخلاف السورة وبينا الفرق. الثاني ضم سورة إلى الفاتحة وقد قدمنا أن المراد بها ثلاث آيات قصار أو آية طويلة فلو لم يقرأ شيئا مع الفاتحة أو قرأ آية قصيرة لزمه السجود. كذا ذكره الشارح، وظاهره أنه لو ضم إلى الفاتحة آيتين قصيرتين وترك آية فإنه لا سهو عليه لان للاكثر حكم الكل كما قالوا في الفاتحة، بل أولى لان وجوب الفاتحة آكد للاختلاف بين العلماء في ركنيتها لكن في الظهيرية: لقرأ الفاتحة وآيتين فخر راكعا ساهيا ثم تذكر فعاد وأتم ثلاث آيات فعليه سجود السهو، وفي المحيط: ولو ترك السورة فذكرها قبل السجود عاد وقرأها. وكذا لو ترك الفاتحة فذكرها قبل السجود قرأها ويعيد السورة لانها تقع فرضا بالقراءة بخلاف لو تذكر القنوت في الركوع فإنه لا يعيد، ومتى عاد في الكل فإنه يعيد ركوعه لارتفاضه. وفي الخلاصة: ويسجد للسهو فيما إذا عاد أو لم يعد إلى القراءة، وقد قدمنا في ذكر الواجبات أنه يجب تقديم الفاتحة على السورة وأنه يجب أن لا يؤخر السورة عن قراءة الفاتحة فكذا لو بدأ بالسورة ثم تذكر يبدأ بالفاتحة ثم يقرأ السورة ويسجد للسهو وإن قرأ من السورة حرفا. كذا في المجتبي. وقيده في فتح القدير بأن يكون مقدار ما يتأدى به ركن عن قراءة الفاتحة، ولو قرأ الفاتحة مرتين يجب عليه السجود لتأخير السورة. كذا في الذخيرة وغيرها. وذكر قاضيخان وجماعة أنها إن قرأها مرتين على الولاء وجب السجود وإن فصل بينهما بالسورة لا يجب وصححه الزاهدي للزوم تأخير السورة في الاول لا في الثاني إذ ليس الركوع واجبا بأثر السورة فإنه لو جمع بين سورتين بعد الفاتحة لم يمتنع ولا يجب عليه شئ‌بفعل مثل ذلك في

[ 167 ]

الاخريين لانهما محل القراءة وهي ليست بواجبة فيهما وقراءة أكثر الفاتحة ثم إعادتها كقراءتها مرتين كما في الظهيرية. ولو ضم السورة إلى الفاتحة في الاخريين لا سهو عليه في الاصح. وفي التجنيس: لو قرأ سورة ثم قرأ في الثانية سورة قبلها ساهيا لا يجب عليه السجود لان مراعاة ترتيب السور من واجبات نظم القرآن لا من واجبات الصلاة فتركها لا يوجب سجود السهو. الثالث تعيين القراءة في الاوليين، فلو قرأ في الاخريين أو في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين ساهيا لزمه السجود وهو خاص بالفرض، أما في النفل والوتر فلا بد من القراءة في الكل، واختلفوا في قراءته في الاخريين هل هي قضاء عن الاوليين أو أداء، فذكر القدوري أنها أداء لان الفرض هو القراءة في ركعتين غير عين. وقال غيره: إنه قضاء استدلالا بعدم صحة اقتداء المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت وإن لم يكن الامام قرأ في الشفع الاول، ولو كانت في الاخريين أداء لجاز لانه يكون اقتداء المفترض بالمفترض في حق القراءة فلما لم يجز علم أنها قضاء وإن الاخريين خلت عن القراءة وبوجوب القراءة على مسبوق أدرك إمامه في الاخريين ولم يكن قرأ في الاوليين. كذا في البدائع. الرابع رعاية الترتيب في فعل مكرر فلو ترك سجدة من ركعة فتذكرها في آخر صلاة سجدها وسجد للسهو لترك الترتيب فيه وليس عليه إعادة ما قبلها، وكذا لو قدم الركوع على القراءة لزمه السجود لكن لا يعتد بالركوع فيفترض إعادته بعد القراءة. وفي المجتبي: وفي تأخير سجدة التلاوة روايتان، وجزم في التجنيس بعدم الوجوب لان سجدة التلاوة ليس بواجب أصلي في الصلاة. الخامس تعديل الاركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود، وقد اختلف في

[ 168 ]

وجوب السجود بتركه بناء على أنه واجب أو سنة، والمذهب الوجوب ولزوم السجود بتركه ساهيا، وصححه في البدائع. قال في التجنيس: وهذا التفريع على قول أبي حنيفة ومحمد لان تعديل الاركان فرض عند أبي يوسف. السادس القعود الاول وكذا كل قعدة ليست أخيرة سواء كان في الفرض أو في النفل فإنه يلزمه سجود السهو بتركها ساهيا. السابع التشهد فإنه يجب سجود السهو بتركه ولو قليلا في ظاهر الرواية لانه ذكر واحد منظوم فترك بعضه كترك كله ولا فرق بين القعدة الاولى أو الثانية، ولهذا قال في الظهيرية: لو ترك قراءة التشهد ساهيا في القعدة الاولى أو الثانية وتذكر بعد السلام يلزمه سجود السهو، وعن أبي يوسف لا يلزمه قالوا: إن كان المصلي إماما يأخذ بقول أبي يوسف، وإن لم يكن إماما يأخذ بقول محمد. وفي فتح القدير: ثم قد لا يتحقق ترك التشهد على وجه يوجب السجود إلا في الاول، أما في التشهد الثاني فإنه لو تذكره بعد السلام يقرأ ثم يسلم ثم يسجد فإن تذكره بعد شئ يقطع البناء لم يتصور إيجاب السجود، ومن فروع هذا أنه لو اشتغل بعد السلام والتذكر به فلما قرأ بعضه سلم قبل تمامه فسدت صلاته عند أبي يوسف لان بعوده إلى قراءة التشهد ارتفض قعوده، فإذا سلم قبل إتمامه فقد سلم قبل قعوده قدر التشهد، وعند محمد تجوز صلاته لان قعوده ما ارتفض أصلا لان محل قراءة التشهد القعدة فلا ضرورة إلى رفضها وعليه الفتوى ا ه‍. وظاهره أنه لو تذكره بعد السلام ولم يقرأ لا يسجد للسهو وبتركه لانه لما تذكره وأمكنه فعله ولم يفعله صار كأنه تركه عمدا فلا يلزمه السجود وإنما يكون مسيئا، ولو وجب عليه السجود لتحقق وجوبه بتركه. وعلى هذا تصير كلية أن من ترك واجبا سهوا وأمكنه فعله بعد تذكره فلم يفعله لا سجود عليه كمن تركه عمدا وفي الهداية: ثم ذكر التشهد يحتمل القعدة الاولى والثانية

[ 169 ]

والقراءة فيهما وكل ذلك واجب وفيها سجدة هو الصحيح، واعترض عليه بالقعدة الاخيرة فإنها فرض لا واجب. فأجاب في المعراج بأن المراد غيرها إذا لتخصيص شائع بقرينة ذكره لها سابقا أنها فرض، وما أجاب به في غاية البيان من حمل الترك فيها على تأخيرها فاسد لانه أراد حقيقة الترك في غيرها، فلو أراد التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا لو أراد بالواجب حينئذ الفرض فيها والواجب الاصطلاحي في غيرها وهو جمع كذلك. كذا في الغاية. ورده في الكافي بأن الممنوع اجتماعهما مرادين بلفظ واحد وهو لم يتعرض للارادة بل قال: يحتمل هذا وذاك ولا فساد كاحتمال القرء الحيض والطهر كما في المجتبي وغيره. وما في النهاية من أن الاوجه فيه أن يحمل على رواية الحسن عن أبي حنيفة بأنه تجوز الصلاة بدون القعدة الاخيرة ليس بأوجه لانها رواية ضعيفة جدا لانهم نقلوا الاجماع على فرضيتها كما قدمناه، والظاهر أنه سهو وقع من صاحب الهداية. الثامن لفظ السلام ولا يتصور إيجاب السجود بتركه لانه بعد القعود الاخير إذا لم يأت بمناف فإنه يسلم، وإن أتى بمناف فلا سجود ولهذا قال في التجنيس: والسهو عن السلام يوجب سجودا السهو والسهو عنه أن يطيل القعدة ويقع عنده أنه خرج من الصلاة ثم يعلم ذلك فيسلم ويسجد لانه أخر واجبا أو ركنا على اختلاف الاصلين ا ه‍. وإنما يتصور إيجابه بتأخيره كما قدمناه وذكرنا في باب صفة الصلاة أن الواجب منه التسليمة الاولى وهي السلام دون عليكم ورحمة الله. وفي البدائع: إنه لو سلم عن يساره أولا لا سهو عليه لانه ترك السنة. وفي الظهيرية: وإذا سلم الرجل عن يمينه وسها عن التسليمة الاخرى فما دام في المسجد يأتي بالاخرى وإن استدبر القبلة، وعامة المشايخ على أنه لا يأتي متى استدبر القبلة ا ه‍. التاسع قنوت الوتر وقدمنا أنه لا يختص بدعاء وأنه لا يعود إليه لو ركع على الصحيح كما في المجتبي وغيره، فحينئذ يتحقق تركه بالركوع وأنه سنة عندهما كالوتر فالوجوب بتركه إنما هو قوله فقط. وفي فتح القدير: ولو قرأ القنوت في الثالثة ونسي قراءة الفاتحة أو السورة أو كليهما فتذكر بعد ما ركع قام وقرأ وأعاد القنوت والركوع لانه رجع إلى محله قبله ويسجد للسهو بخلاف ما لو نسي سجدة التلاوة ومحلها فتذكرها في الركوع أو السجود أو القعود فإنه ينحط لها ثم يعود إلى ما كان فيه فيعيده استحبابا ا ه‍. ومما ألحق به تكبيره وجزم الشارح بوجوب السجود بتركها. وذكر في الظهيرية أنه لو ترك تكبيرة القنوت فإنه لا رواية لهذا، وقيل يجب سجود السهو اعتبارا بتكبيرات العيد، وقيل لا يجب ا ه‍. وينبغي ترجيح عدم الوجوب لانه الاصل ولا دليل عليه بخلاف تكبيرات العيد فإن دليل الوجوب المواظبة مع قوله تعالى * (ويذكروا اسم الله في أيام

[ 170 ]

معلومات) * (الحج: 28) العاشر تكبيرات العيدين. قال في البدائع: إذا تركها أو نقص منها أو زاد عليها أو أتى بها في غير موضعها فإنه يجب عليه السجود، وذكر في كشف الاسرار أن الامام إذا سها عن التكبيرات حتى ركع فإنه يعود إلى القيام لانه قادر على حقيقة الاداء فلا يعمل بشبهه بخلاف المسبوق إذا أدرك الامام في الركوع فإنه يأتي بالتكبيرات في الركوع لانه عجز عن حقيقته فيعمل بشبهه ا ه‍. ومما ألحق بها تكبيرة الركوع الثاني من صلاة العيد فإنه يجب سجود السهو بتركها لانها واجبة تبع التكبيرات العيد بخلاف تكبيرة الركوع الاول لانها ليست ملحقة بها. ذكره الشار وصاحب المجتبى. وفي البدائع: ولو نسي التكبير في أيام التشريق لا سهو عليه لانه لم يترك واجبا من واجبات الصلاة. الحادي عشر والثاني عشر الجهر الامام فيما يجهر فيه والمخافتة مطلقا فيما يخافت فيه، واختلفت الرواية في المقدار والاصح قدر ما تجوز به الصلاة في الفصلين لان اليسير من الجهر والاخفاء لا يمكن الاحتراز عنه، وعن الكثير يمكن وما تصح به الصلاة كثير غير أن ذلك عنده آية واحدة، وعندهم ثلاث آيات. وهذا في حق الامام دون المنفرد لان الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة. كذا في الهداية. وذكر قاضيخان في فتاواه أن ظاهر الرواية وجوب السجود على الامام إذا جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر قل ذلك أو كثر، وكذا في الظهيرية والذخيرة، زاد في الخلاصة وعليه اعتماد شمس الائمة الحلواني لا على رواية النوادر. وفي الظهيرية: وروى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن إنه إمام فجهركما يجهر الامام يلزمه سجود السهو ا ه‍. وهو مبني على وجوب المخافتة عليه وهو رواية الاصل وهو الصحيح كما في البدائع. وفي العناية: إن

[ 171 ]

ظاهر الرواية أن الاخفاء ليس بواجب عليه، وذكر الولوالجي أنه إذا جهر فيما يخافت فيه يجب سجدة السهو قل أو كثر، وإذا خافت فيما يجهر به لا يجب ما لم يكن قدر ما يتعلق به وجوب الصلاة على الاختلاف الذي مر وهذا أصح ا ه‍. فقد اختلف الترجيح على ثلاثة أقوال، وينبغي عدم العدول عن ظاهر الرواية الذي نقله الثقات من أصحاب الفتاوي كما لا يخفى. وذكر في الخلاصة أنه لو سمع رجلا أو رجلين لا يكون جهرا والجهر أن يسمع الكل ا ه‍. وصرحوا بأنه إذا جهر سهوا بشئ من الادعية والاثنية ولو تشهدا فإنه لا يجب عليه السجود. قال العلامة الحلبي: ولا يعرى القول بذلك في التشهد من تأمل ا ه‍. وقد اقتصر

[ 172 ]

المصنف على هذه الواجبات في باب صفة الصلاة وبقي واجب آخر وهو عدم تأخير الفرض والواجب وعدم تغييرهما وعليه تفرع مسائل منها: لو ركع ركوعين أو سجد ثلاثا في ركعة لزمه السجود لتأخير الفرض وهو السجود في الاول والقيام في الثاني، وكذا لو قعد في محل القيام أو قام في محل القعود المفروض. وإنما قيدنا بالمفروض لانه لو قام في محل الواجب فقد لزمه السجود لترك الواجب لا لتأخيره، وكذا لو قرأ آية في الركوع أو السجود أو القومة فعليه السهو كما في الظهيرية وغيرها. وعلله في المحيط بتأخير ركن أو واجب عليه، وكذا لو قرأها في القعود إن بدأ بالقراءة وإن بدأ بالتشهد ثم قرأها فلا سهو عليه كما في المحيط. وفي البدائع: لو قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده لا سهو عليه لانه ثناء وهذه الاركان مواضع الثناء ا ه‍. ولا يخفى ما فيه فالظاهر الاول. ومنها لو كرر الفاتحة في الاوليين فعليه السهو لتأخير السورة، ومنها لو تشهد في قيامه بعد الفاتحة لزمه السجود وقبلها لا على الاصح لتأخير الواجب في الاول وهو السورة، وفي الثاني محل الثناء وهو منه. وفي الظهيرية: لو تشهد في القيام إن كان في الركعة الاولى لا يلزمه شئ، وإن كان في الثانية اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه لا يجب ا ه‍. فقد اختلف التصحيح والظاهر الاول المنقول في التبيين وغيره. ومنها لو كرر التشهد في القعدة الاولى فعليه السهو ولتأخير القيام وكذا لو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فيها لتأخيره. واختلفوا في قدره والاصح وجوبه باللهم صل على محمد وإن لم يقل وعلى آله. وذكر في البدائع أنه يجب عليه السجود عنده، وعندهما لا يجب لانه لو وجب لوجب لجبر النقصان ولا يعقل نقصان في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: لا يجب عليه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بل بتأخير الفرض وهو القيام إلا أن التأخير حصل بالصلاة فيجب عليه من حيث أنها تأخير لا من حيث أنها صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ا ه‍. وقد حكي في المناقب أن أبا حنيفة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: كيف أوجبت على من صلى علي سجود السهو فأجابه بكونه صلى عليك ساهيا فاستحسنه منه. ولو كرر التشهد

[ 173 ]

في القعدة الاخيرة فلا سهو عليه. وفي شرح الطحاوي لم يفصل وقال: لا سهو عليه فيهما. كذا في الخلاصة. ومنها إذا شك في صلاته فتفكر حتى استيقن ولا يخلو إما أن يشك في شئ من هذه الصلاة أو في صلاة قبلها وكل على وجهين: أما إن طال تفكره بأن كان مقدار ما يمكنه أن يؤدي فيه ركنا من أركان الصلاة أو لم يطل، وإن لم يطل فلا سهو عليه سواء كان تفكره بسبب شك في هذه الصلاة أو في غيرها لان الفكر القليل لا يمكن الاحتراز عنه فكان عفوا دفعا للحرج. وإن طال تفكره، فإن كان في غير هذه الصلاة فلا سهو عليه. وإن كان فيها فعليه السهو استحسانا لتأخير الاركان عن أوقاتها فتمكن النقصان فيها بخلاف ما إذا شك في صلاة أخرى وهو في هذه الصلاة لان الموجب للسهو في هذه الصلاة سهو هذه الصلاة لا سهو صلاة أخرى. كذا في البدائع. وفي الذخيرة: هذا إذا كان التفكر يمنعه عن التسبيح، إما إذا كان يسبح أو يقرأ ويتفكر فلا سهو عليه. وفي الظهيرية: ولو سبقه الحدث فذهب ليتوضأ فشك أنه صلى ثلاثا أو أربعا وشغله ذلك عن وضوئه ساعة ثم استيقن فأتم وضوءه فعليه السهو لانه في حرمة الصلاة، فكان الشك في هذه الحالة بمنزلة الشك في حالة الاداء. وإذا قعد في صلاته قدر التشهد ثم شك في شئ من صلاته أنه صلى ثلاثا أو أربعا حتى شغله ذلك عن التسليم ثم استيقن وأتم صلاته فعليه السهو ا ه‍. فالاحسن أن يفسر طول التفكر بأن يشغله عن مقدار أداء ركن أو واجب ليدخل السلام كما في المحيط قيد بترك

[ 174 ]

الواجب لانه لا يجب بترك سنة كالثناء والتعوذ والتسمية وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها ورفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وتكبيرات العيدين والتأمين والتسميع والتحميد. كذا في المحيط والخلاصة. وجزم الشارح بوجوب السجود بترك التسمية مصدرا به ثم قال: وقيل لا يجب. وكذا في المجتبي، وصرح في القنية بأن الصحيح وجوب التسمية في كل ركعة، وتبعه العلامة ابن وهبان في منظومته وكله مخالف لظاهر المذهب المذكور في المتون والشروح والفتاوي من أنها سنة لا واجب فلا يجب بتركها شئ. ولو ترك فرضا فإنه لاينجبر بالسجود بل تبطل الصلاة أصلا. وفي البدائع: وأما بيان أن المتروك ساهيا هل يقضي أو لا فنقول: إنه يقضي إن أمكنه التدارك بالقضاء، سواء كان من الافعال أو الاذكار. وإن لم يمكن فإن كان المتروك فرضا فسدت، وإن كان واجبا لا تفسد ولكنه ينقص ويدخل في حد الكراهة، فإذا ترك سجدة صلبية من ركعة قضاها في آخرها إذا تذكر ولا تلزمه إعادة ما بعدها، وإذا كانا سجدتين قضاهما ويبدأ بالاولى ث‍ بالثانية لان القضاء على حسب الاداء، ولو كانت إحداهما سجدة تلاوة وتركها من الاولى والاخرى صلبية تركها من الثانية يراعى الترتيب أيضا فيبدأ بالتلاوية عند عامة العلماء. ولو كان المتروك ركوعا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة لانه لا يعتد بالسجود قبل الركوع لعدم مصادفته محله، فلو قرأ وسجدولم يركع ثم قام فقرأ وركع وسجد فهذا قد صلى ركعة ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الاول، وكذا لو قرأ وركع ولم يسجد ثم رفع رأسه فقرأ ولم يركع ثم سجد فهذا قد صلركعة ولا يكون هذا السجود قضاء عن الاول، وكذا إذا قرأ وركع ثم رفع رأسه وقرأ وركع وسجد وإنما صلى ركعة، والصحيح أن المعتبر الركوع الاول لكونه صادف محله فوقع الثاني مكررا. وكذا إذا قرأ ولم يركع وسجد ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ ولم يركع وسجد فإنما صلى ركعة، وأما الاذكار فإذا ترك القراءة في الاوليين قضاها في الاخريين، وقد تقدم حكم ترك الفاتحة أو السورة في الاوليين. وإذا ترك التشهد في القعدة الاخيرة ثم قام فتذكر عاد وتشهد إذا لم يقيد بالسجدة بخلافه في الاولى كما سيأتي مفصلا. الخامس أنه لا يتكرر الوجوب بترك أكثر من واجب حتى لو ترك جميع واجبات الصلاة

[ 175 ]

ساهيا فإنه لا يلزمه أكثر من سجدتين لانه تأخر عن زمان العلة وهو وقت وقوع السهو مع أن الاحكام الشرعية لا تؤخر عن عللها، فعلم أنه لا يتكرر إذ الشرع لم يرد به، وسيأتي أن المسبوق يتابع إمامه في سجود السهو، ثم إذا قام إلى القضاء وسها فإنه يسجد ثانيا فقد تكرر سجود السهو. وأجاب عنه في البدائع بأن التكرار في صلاة واحدة غير مشروع وهما صلاتان حكما وإن كانت التحريمة واحدة لان المسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر فسها الامام يتابعه المقيم في السهو وإن كان المقيم ربما يسهو في إتمام صلاته، وعلى تقدير السهو يسجد في أصح الروايتين لكن لما كان منفردا في ذلك كان صلاتين حكما ا ه‍. وعلله في المحيط بأن السجدة المتقدمة لا ترفع النقصان المتأخر، فأما السجدة المتأخرة فإنها ترفع النقصان المتقدم، ولا يشكل عليه ما في عمدة الفتاوي للصدر الشهيد وخزانة الفقه لابي الليث من أن التشهد يقع في صلاة واحدة عشر مرات وصورته: رجل أدرك الامام في التشهد الاول من المغرب وتشهد معه ثم يتشهد معه في الثانية وكان على الامام سهو فتشهد معه في الثالثة، ثم ذكر الامام أن عليه سجدة التلاوة فإنه يسجد معه ويتشهد معه الرابعة ثم يسجد للسهو ويتشهد معه الخامسة، فإذا سلم الامام فإنه يقوم إلى قضاء ما سبق به فيصلي ركعة ويتشهد السادسة، فإذا صلى ركعة أخرى يتشهد السابعة وكان قد سها فيما يقضي فيسجد ويتشهد الثامنة، ثم تذكر أنه قرأ آية السجدة في قضائه فإنه يسجد ويتشهد التاسعة ثم يسجد للسهو ويتشهد للعاشرة ا ه‍. مع أنه قد تكرر السجود للسهو في صلاة واحدة حقيقة وحكما وهي صلاة الامام والمسبوق بسبب السجدة الخامسة فيهما، وأما التشهد الرابع فلكونه بسبب سجود التلاوة ارتفع تشهد القعدة لا أن لسجود التلاوة تشهدا لان سجود التلاوة رفع ما كان قبله من التشهد والقعود وسجود السهو فكأنه لم يسجد للسهو، فلذا يسجد آخرا كما لو سجد للسهو ثم نوى الاقامة حتى صار فرضه أربعا فإنه يعيد سجود السهو. وفي الظهيرية: إذا سها الامام ثم سها خليفته سجد الثاني سجدتين وكفاه. قوله: (وبسهو إمامه لا بسهوه) معطوف على قوله بترك واجب فأفاد أن السجود له سببان: إما ترك الواجب أو سهو إمامه فإنه يجب عليه متابعته إذا سجد لانه عليه الصلاة والسلام سجد له وتبعه القوم ولانه تبع لامامه فيلزمه حكم فعله كالمفسد ونية الاقامة. أطلقه فشمل ما إذا كان مقتديا به وقت السهو أو لم يكن وما إذا سجد سجدة واحدة ثم اقتدى به فإنه يتابعه في الاخرى ولا يقضي الاولى كما لا يقضيهما لو اقتدى به بعد ما سجدهما لانه حين دخل في تحريمة الامام كان النقص قد انجبر بالسجدتين أو بإحداهما، ولا يعقل وجوب

[ 176 ]

جابر من غير نقص. وقيد بأن يكون الامام سجد لانه لو سقط عن الامام بسبب من الاسباب بأن تكلم أو أحدث متعمدا أو خرج من المسجد فإنه يسقط عن المقتدي بخلاف تكبير التشريق حيث يأتي به المؤتم وإن تركه الامام لكونه لا يؤدي في حرمتها. وشمل كلامه المدرك والمسبوق واللاحق فإنه يلزمهم بسهو إمامهم لكن اللاحق لا يتابع الامام في سجود السهو إذا انتبه في حال اشتغال الامام بسجود السهو أو جاء إليه من الوضوء في هذه الحالة، وإنما يبدأ بقضاء ما فاته ثم يسجد في آخر صلاته، والمسبوق والمقيم خلف المسافر يتابعان الامام في سجود السهو ثم يشتغلان بالاتمام. والفرق أن اللاحق التزم متابعة الامام فيما اقتدى به على نحو ما يصلي الامام وأنه اقتدى به في جميع الصلاة فيتابعه في جميعها على نحو ما أدى الامام والامام أدى الاول فالاول وسجد لسهوه في آخر صلاته، فكذا اللاحق، فأما المسبوق فقد التزم بالاقتداء متابعته بقدر ما هو صلاة الامام وقد أدرك هذا القدر فيتابعه فيه ثم ينفرد، وكذا المقيم المقتدي بالمسافر فلو كان مسبوقا بثلاث ولاحقا بركعة فسجد إمامه للسهو فإنه يقضي ركعة بغير قراءة لانه لا ح‍، ويتشهد ويسجد للسهو لان ذلك موضع سجود الامام، ثم يصلي ركعة بقراءة ويقعد لانها ثانية صلاته، ولو كان على العكس سجد للسهو بعد الثالثة. كذا في المحيط. ولسجد اللاحق مع الامام للسهو ولم يجزه لانه في غير أوانه في حقه فعليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه ولكن لا تفسد صلاته لانه ما زاد إلا سجدتين بخلاف المسبوق إذا تابع الامام في سجود السهو ثم تبين أنه لم يكن على الامام سهو حيث تفسد صلاة المسبوق لكونه اقتدى في موضع الانفراد لا لزيادة السجدتين ولم يوجد في اللاحق لانه مقتد في جميع ما يؤدي. كذا في البدائع. وفصل في المحيط بين أن يعلم أنه ليس على إمامه سهو فيفسد، وبين أن لا يعلم أنه لم يكن عليه فلا يفسد لان كثيرا ما يقع لجهلة الائمة فسقط اعتبار المفسد هنا للضرورة ا ه‍. ولو لم يتابع المسبوق إمامه وقام إلى قضاء ما سبق به فإنه يسجد في آخر صلاته استحسانا لان التحريمة متحدة فجعل كأنها صلاة واحدة. ولو سها فيما يقضي ولم يسجد لسهو إمامه كفاه سجدتان، ولو سجد مع الامام ثم سها فيما يقضي فعليه السهو ثانيا لما مر أن ذلك أداء السهو في صلاتين حكما فلم يكن تكرارا. ثم المسبوق إنما يتابع الامام في السهو لا في السلام فيسجد معه ويتشهد، فإذا سلم الامام قام إلى القضاء، فإن سلم فإن كان عامدا فسدت وإلا فلا ولا سجود عليه إن سلم قبل الامام أو معه، وإن سلم بعده لزمه لكونه منفردا حينئذ. وعلى هذا لو أحدث الامام بعد السلام قبل السجود فاستخلف مسبوقا وارتكب خلاف الاولى وتقدم ينبغي أن يستخلف مدركا ليسجد بهم ويسجد هو معهم، وإن لم يسجد مع خليفته سجد في آخر صلاته، فإن لم يجد المسبوق مدركا وكانوا كلهم مسبوقين قاموا وقضوا ما سبقوا به فرادى، ثم إذا فرغوا يسجدون. ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق

[ 177 ]

به بعد ما سلم الامام ثم تذكر الامام أن عليه سجود السهو قبل أن يقيد المسبوق ركعة بسجدة فعليه أن يرفض ذلك ويعود إلى متابعة الامام، ثم إذا سلم الامام قام إلى قضاء ما سبق به ولا يعتد بما فعل من القيام والقراءة والركوع، ولو لم يعد إلى الامام ومضى على صلاته يجوز ويسجد للسهو بعد ما فرغ من القضاء استحسانا. ولو تذكر الامام أن عليه سجدتي السهو بعد ما قيد المسبوق ركعته بسجدة فإنه لا يعود إلى الامام ولا يتابعه في سجود السهو، ولو تابعه فيها تفسد صلاته لزيادة ركعة، وقد ذكرنا بقية مسائل المسبوق في باب الحدث في الصلاة. ولو سها الامام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه فيها الطائفة الثانية، وأما الطائفة الاولى وإنما يسجدون بعد الفراغ من الاتمام لان الثانية بمنزلة المسبوقين والاولى بمنزلة اللاحقين. وإنما لم يلزم المأموم سهو نفسه لانه لو سجد وحده كان مخالفا لامامه إن سجد قبل السلام وإن أخره إلى ما بعد سلام الامام يخرج من الصلاة بسلام الامام لانه سلام عمد ممن لا سهو عليه، ولو تابعه الامام ينقلب التبع أصلا. وشمل كلامه المدرك واللاحق فإنه مقتد في جميع صلاته بدليل أنه لا قراءة عليه فلا سجود لو سهفيما يقضيه مطلقا، وأما المقيم إذا اقتدى بالمسافر ثم قام لاتمام صلاته وسها فذكر الكرخي أنه كاللاحق فلا سجود عليه بدليل أنه لا يقرأ، وذكر في الاصل أنه يلزمه السجود وصححه في البدائع لانه إنما اقتدى بالامام بقدر صلاة الامام، فإذا انقضت صلاة الامام صارت منفردا فيما وراء ذلك. وإنما لا يقرأ فيما يتم لان القراءة فرض في الاوليين وقد قرأ الامام فيهما، وشمل المسبوق فيما يؤديه مع الامام، وأما فيما يقضيه فهو كالمنفرد كما تقدم. وعليه يفرع ما إذا سلم

[ 178 ]

ساهيا، فإن كان قبل الامام أو معه فلا سهو، وإن كان بعده فعليه كما ذكرناه. وفي المحيط وغيره: وينبغي للمسبوق أن يمكث ساعة بعد فراغ الامام ثم يقوم لجواز أن يكون على الامام سهو. قوله: (وإن سها عن القعود الاول وهو إليه أقرب عاد وإلا لا) أي إلى القعود لان الاصل أن ما يقرب من الشئ يأخذ حكمه كفناء المصر وحريم البئر، فإن كان أقرب إلى القعود بأن رفع أليتيه من الارض وركبتاه عليها أو ما لم ينتصب النصف الاسفل. وصححه في الكافي فكأنه لم يقم أصلا، فإن كان إلى القيام أقرب فكأنه قد قاوهو فرض قد تلبس به فلا يجوز رفضه لاجل واجب وهو القعدة. وهذا التفصيل مروي عن ابي يوسف واختاره مشايخ بخارى وارتضاه أصحاب المتون. وفي الكافي: واستحسن مشايخنا روايته. وذكر في المبسوط أن ظاهر الرواية إذا لم يستتم قائما يعود وإذا استتم قائما لا يعود لانه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبحوا به فعاد، روي أنه لم يعد وكان بعد ما استتم قائما، وهذا لانه لما استتم قائما اشتغل بفرض القيام فلا يترك ا ه‍. وصححه الشارح. وفي فتح القدير أنه ظاهر المذهب. والتوفيق بين الفعلين المرويين بالحمل على حالتي القرب من القيام وعدمه ليس بأولى منه بالحمل على الاستواء وعدمه. ثم لو عاد في موضع وجوب عدمه اختلفوا في فساد صلاته، فصحح الشارح الفساد لتكامل الجنابة برفض الفرض بعد الشروع فيه لاجل ما ليس بفرض. وفي المبتغى بالغين المعجمة: إنه غلط لانه ليس بترك وإنما هو تأخير كما لو سها عن السورة فركع فإنه يرفض الركوع ويعود إلى القيام ويقرأ لاجل الواجب، وكما لوسها عن القنوت فركع فإنه لو عاد وقنت لا تفسد على الاصح. وقد يقال: إنه لو عاوقرأ السورة صارت السورة فرضا فقد عاد من فرض إلى فرض، والقنوت له شبهة القرآنية على ما قيل إنه كان قرآنا فنسخ فقد عاد إلى ما فيه شبهة

[ 179 ]

القرآنية، أو عاد إلى فرض وهو القيام فإن كل ركن طوله فإنه يقع فرضا كله. وفي فتح القدير: وفي النفس من التصحيح شئ وذلك أن غاية الامر في الرجوع إلى القعدة الاولى أن تكون زيادة قيام ما في الصلاة وهو وإن كان لا يحل فهو بالصحة لا يخل لما عرف أن زيادة ما دون ركعة لا يفسد إلا أن يفرق باقتران هذه الزيادة بالرفض لكن قد يقال: المستحق لزوم الاثم أيضا بالرفض، أما الفساد فلم يظهر وجه استلزامه إياه فترجح بهذا البحث القول المقابل للمصحح ا ه‍. فظاهره أنه لم يطلع على تصحيح آخر، وقد ذكر في المجتبي ومعراج الدراية أنه لو عاد بعد الانتصاب مخطئا قيل يتشهد لنقضه القيام والصحيح أنه لا يتشهد ويقوم ولا ينتقض قيامه بقعود لم يؤمر به كمن نقص الركوع بسورة أخرى لا ينتقض ركوعه ا ه‍. فقد اختلف التصحيح كما رأيت، والحق عدم الفساد ولا يلزم سجدة التلاوة فإنه يترك الفرض لاجلها وهي واجبة لان ذلك ثبت بالنص على خلاف القياس. وأراد بالقعود الاول القعود في صلاة الفرض رباعيا كان أو ثلاثيا، وكذا في صلاة الوتر كما في المحيط. أما في النفل إذا قام إلى الثالثة من غير قعدة فإنه يعود ولو استتم قائما ما لم يقيدها بسجدة. كذا في السرا الوهاج. وحكى فيه خلافا في المحيط قيل لا يعود لانه صار كالفرض، وقيل يعود ما لم يقيدها بالسجدة لان كل شفع صلاة على حدة في حق القراءة فأمرناه بالعود إلى القعدة احتياطا، ومتى عاد تبين أن القعدة وقعت فرضا فيكون رفض الفرض لمكان الفرض فيجوز ا ه‍. وهذا كله في حق الامام والمنفرد، وأما المأموم إذا قام ساهيا فإنه يعود ويقعد لان القعود فرض عليه بحكم المتابعة. إليه أشار في السراج الوهاج فإنه قال: إذا تشهد الامام وقام من القعدة الاولى إلى الثالثة فنسي بعض من خلفه التشهد حتى قاموا جميعا، فعلى من لم يتشهد أن يعود ويتشهد ثم يتبع إمامه وإن خاف أن تفوته الركعة الثالثة لانه تبع لامامه فيلزمه

[ 180 ]

أن يتشهد بطريق المتابعة. وهذا بخلاف المنفرد لان التشهد الاول في حقه سنة، وبعد ما اشتغل بفرض القيام لا يعود إلى السنة وههنا التشهد فرض عليه بحكم المتابعة ا ه‍. وكذا في القنية: ففي القعود أولى وظاهره أنه لو لم يعد تبطل صلاته لترك الفرض. وفي المجمع: ولو نام لاحق سها إمامه عن القعدة الاولى فاستيقظ بعد الفراغ أمرناه بترك القعدة ا ه‍. وفي آخر فتاوى الولوالجي من مسائل متفرقة: مريض يصلي بالايماء فلما بلغ حالة التشهد فظن أنه حالة القيام فاشتغل بالقراءة ثم تذكر أنه حالة التشهد، فلا يخلو إما إن كان التشهد الاول أو التشهد الثاني، فإن كان التشهد الاول فحالة القراءة تنوب عن القيام فلا يعود إلى التشهد ويتم الصلاة، وإن كان التشهد الثاني رجع إلى التشهد ويتم الصلاة، وكذلك الجواب في الصحيح إذا قام قبل أن يتشهد ا ه‍. قوله: (ويسجد للسهو) خاص بقوله وإلا لا كما صححه المصنف في الكافي تبعا لصاحب الهداية لترك الواجب. وأما إذا كان إلى القعود أقرب وعاد فلا سجود عليه كما إذا لم يقم لان الشرع لم يعتبره قياما وإلا لم يطلق له القعود فكان معتبرا قعودا أو انتقالا للضرورة، وهذا الاعتبار ينافيه اعتبار التأخير المستتبع لوجوب السجود. وفي الخلاصة: وفي رواية إذا قام على ركبتيه لينهض يقعد وعليه السهو ويستوي فيه القعدة الاولى والثانية وعليه الاعتماد، وإن رفع أليتيه عن الارض وركبتاه على الارض ولم يرفعهما لا سهو عليه. كذا روي عن أبي يوسف. وفي الاجناس: عليه السهو ويستوي في ذلك القعدة الاولى والاخيرة ا ه‍. فالحاصل على هذا المعتمد أنه إن كان إلى القعود أقرب فإنه يعود مطلقا، فإنه رفع ركبتيه من الارض لزمه السجود وإلا فلا وهو مخالف للتصحيح السابق في بعضه. وفي الولوالجية:

[ 181 ]

المختار وجوب السجود لانه بقدر ما اشتغل بالقيام صار مؤخرا واجبا وجب وصله بما قبله من الركن فصار تاركا للواجب فيجب عليه سجدتا السهو ا ه‍. فاختلف الترجيح على أقوال ثلاثة والاكثر على الاول قوله: (وإن سها عن الاخير عاد ما لم يسجد) لان فيه إصلاح صلاته فأمكنه ذلك لان ما دون الركعة بمحل الرفض. أراد بالاخير القعود المفروض ليشمل الفرض الرباعي والثلاثي والثنائي فإن قعوده ليس متعددا إلا أن يقال إنه يسمى أخيرا باعتبار أنه آخر الصلاة لا باعتبار أنه مسبوق بمثله. أطلقه فشمل ما إذا لم يقعد أصلا أو جلس جلسة خفيفة أقل من قدر التشهد وإذا عاد احتسب له الجلسة الخفيفية حتى لو كان كلا الجلستين مقدار التشهد ثم تكلم بعده جازت صلاته كما قدمناه في باب صفة الصلاة عن الولوالجية قوله: (وسجد للسهو) لتأخيره فرضا وهو القعود الاخير. وعلله في الهداية بأنه أخر واجبا فقالوا: أراد به الواجب القطعي وهو الفرض وهو أولى مما في العناية من تفسير بإصابة لفظ السلام لانه لم يؤخره عن محله لان محله بعد القعود ولم يقعد وإنما أخر القعود والاولى أن يقال: أراد به الواجب الذي يفوت الجواز بفوته إذ ليس دليلها قطعيا. قوله (فإن سجد بطل فرضه برفعه) لان استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة ومن ضرورته خروجه عن الفرض، وهذا لان الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة حتى بحنث في يمينه لا يصلي. وقوله برفعه أي برفع الوجه عن الارض إشارة إلى أن

[ 182 ]

المختار الفتوى أنه لا يبطل بوضع الجهة كما هو مروي عن أبي يوسف لان تمام الشئ بآخره وآخر السجدة الرفع إذ الشئ إنما ينتهي بضده، ولهذا لو سجد قبل إمامه فأدركه إمامه فيه جاز ولو تمت بالوضع لما جاز لان كل ركن أداه قبل إمامه لا يجوز، ولانه لو تم قبل الرفع لم ينقضه الحدث لكن الاتفاق على لزوم إعادة كل ركن وجد فيه سبق الحد ث بقيد البناء. وثمرة الاختلاف فيما إذا أحدث في السجود فانصرف وتوضأ ثم تذكر أنه لم يقعد في الرابعة. قال أبو يوسف: لا يعود إلى القعود وبطل فرضه. وقال محمد: يعود ويتم فرضه. قالوا: أخبر أبو يوسف بجواب محمد فقال: زه صلاة فسد ت يصلحها الحدث وهذا معنى ما يسأله العامة أي صلاة يصلحها الحدث فهي هذه الصلاة على قول محمد. وزه كلمة استعجاب وإنما قالها أبو يوسف تهكما. وقيل: الصواب بالضم والزاي ليست بخالصة. كذا في المغرب. وفي فتح القدير: وهذا أعني صحة البناء بسبب سبق الحدث إذا لم يتذكر في ذلك السجود أنه ترك سجدة صلبية من صلاته فإن تذكر ذلك فسدت اتفاقا اه‍. ولا يخفى ما فيه بل لا يصح هذا التقييد لانه إذا سبقه الحدث وهو ساجد لم يخلط النفل بالفرض قبل إكماله عند محمد، سواء تذكر أن عليه سجدة صلبية أو لا، إذ لا فرق بين أن يكون عليه ركن واحد أو ركنان. وعبارة الخلاصة أولى وهي: ولو قيد الخامسة بالسجدة فتذكر أنه ترك سجدة صلبية من صلاته لا تنصرف هذه السجدة إليها لما أنه تشترط النية في السجدة وصلاته فاسدة اه‍. وإذا بطل فرض الامام برفعة بطل فرض المأموم سواء كان قعد أو لا، ولذا ذكرقاضيخان في فتاواه: ولو أن الامام لم يقعد على رأس الرابعة وقام إلى الخامسة ساهيا وتشهد المقتدي وسلم

[ 183 ]

قبل أن يقيد الامام الخامسة بالسجدة ثم قيدها بالسجدة فسدت صلاتهم جميعا اه‍. وسواء كان المأموم مسبوقا أو مدركا كما في الظهيرية. وإذا لم يبطل فرض الامام بعوده قبل السجود لم يبطل فرض المأموم وإن سجد لما في المحيط: لو صلى إمام ولم يقعد في الرابعة من الظهر وقام إلى الخامسة فركع وتابعه القوم ثم عاد الامام إلى القعدة ولم يعلم القوم حتى سجد واسجدة لا تفسد صلاتهم لانهم لما عاد الامام إلى القعدة ارتفض ركوعه فيرتفض ركوع القوم أيضا تبعا له لانه بناء عليه فبقي لهم زيادة سجدة وذلك لا يفسد الصلاة اه‍. وهذا مما يلغزبه فيقال: مصل ترك القعدة الاخيرة وقيد الخامسة بسجدة ولم تبطل صلاته، ومصل قعد ولم يعتبر قعودة وبطلت بتركه. وقيد بقوله ولم يعلم القوم لما في المجتبي أنه لو عاد الامام إلى القعود قبل السجود وسجد المقتدي عمدا تفسد وفي السهو خلاف، والاحوط الاعادة اه‍. وفي فتح القدير: ولا يخفى عدم متابعتهم له فيما إذا قام قبل القعدة وإذا عاد لا يعيد والتشهد. قوله (فصارت نفلا فيضم إليها سادسة) لما سبق مرارا من أنه لا يلزم من بطلان الوصف بطلان الاصل عندهما خلافا لمحمد فيضم سادسة لا التنفل بالوتر غير مشروع ولو لم يضم فلا شئ عليه لانه ظان وشروعه ليس بملزم. وإذا اقتدى به إنسان في الخامسة ثم أفسدها فعلى قول محمد لا يتصور القضاء، وعندهما يقضي ستا لشروعة في تحريمة الست بخلاف ما إذا عاد الامام قبل السجدة فإنه يقضي أربعا. ثم صرح المصنف في الوافي بأن ضم السادسة مندوب وتركه في المختصر للاختلاف. وفي عبارة القدوري تبعا لرواية الاصل إشارة إلى الوجوب فإنه قال: وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة. ووجهه في فتح القدير بعدم جواز التنفل بالوتر. وفي المبسوط: وأحب إلي أن يشفع الخامسة لان النفل شرع شفعا لا وترا. كذا في البدائع. والاظهر الندب لان عدم جواز التنفل بالوتر إنما هو عند القصد، أما عند عدمه فلا ولهذا لا يلزمه شئ لو قطعه. وفي السراج الوهاج: إن ضم السادسة في سائر الصلوات إلا في العصر فإنه لا يضم إليها لانه يكون تطوعا قبل المغرب وذلك مكروه، وفي قاضيخان إلا الفجر فإنه لا يضيف إليها لان التنفل قبلها وبعدها مكروه اه‍. وسيأتي أن

[ 184 ]

الصحيح أنه لو قعد على رأس الرابعة وقام إلى الخامسة وقيدها بسجدة فإنه يضم سادسة ولو كان في الاوقات المكروهة فينبغي أن لا يكره هنا أيضا على الصحيح إذ لا فرق بينهما، ولم يذكر المصنف سجود السهود لان الاصح عدمه لان النقصان بالفساد لا ينجبر بالسجود. ثم اعلم أنه لا فرق في عدم البطلان عند العود قبل السجود والبطلان إن قيد بالسجود بين العمد والسهو ولذا قال في الخلاصة: فإن قام إلى الخامسة عمدا أيضا لا تفسد ما لم يقيد الخامسة بالسجدة عندنا. ثم اعلم أيضا أن البطلان بالتقييد بالسجدة أعم من أن يكون قد قرأ في الركعة الخامسة أو لا كما في الخلاصة، وقد يقال: إن المفسد خلط النفل بالفرض قبل إكماله والركعة بلا قراءة في النفل غير صحيحة فلم يوجد الخلط فكان زيادة ما دون الركعة وهو ليس بمفسد قوله: (وإن قعد في الرابعة ثم قام عاد وسلم) لان التسليم في حالة القيام غير مشروع وأمكنه الاقامة على وجهه بالقعود لان ما دون الركعة بمحل الرفض، ثم إذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو نام قاعدا. وقالالناطفي: يعيد ثم قيل القوم يتبعونه فإن عاد عادوا معه وإن مضى في النافلة اتبعوه لان صلاتهم تمت بالقعدة، والصحيح أنهم لا يتبعونه لانه لا اتباع في البدعة فإن عاد قبل تقييد الخامسة بالسجدة اتبعوه بالسلام فإن قيد سلموا في الحال. قوله: (وإن سجد للخامسة تم فرضه وضم إليه سادسة) أي لم يفسد فرضه بسجوده كما فسفيما إذا لم يقعد. هذا ا هو المراد بالتمام وإلا فصلاته ناقصة كما سيأتي. وإنما لم يفسد لان الباقي إصابة لفظ السلام وهي واجبة وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان له نفلا للنهي عن الركعة الواحدة، وإذا ضم فإنه يتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو كما سيأتي ثم لا ينوبان عن سنة الظهر وهو الصحيح لان المواظبة عليهما إنما كانت بتحريمة مبتدأه. أطلق في الضم فشمل ما إذا كان في وقت مكروه كما بعد الفجر والعصر لان التطوع إنما يكره

[ 185 ]

فيهما إذا كان عن اختيار أما إذا لم يكن عن اختيار فلا وعليه الاعتماد. وكذا في الخانية وهو الصحيح. كذا في التبيين وعليه الفتوى. كذا في المجتبى لكن اختلف في الضم في غير وقت الكراهة قيل بالوجوب وقيل بالاستحباب كما قدمناه. وأما في وقت الكراهة فقيل بالكراهة والمعتمد المصحح أنه لا بأس به كما عبروا به بمعنى أن الاولى تركه فظاهره أنه لم يقل أحد بوجوبه ولا باستحبابه. وفرق الشارح بين الفجر والعصر فصحح أنه لا يكره في العصر وجزم بالكراهة في الصبح وفيه نظر، إذ لا فرق بين الفجر والعصر فكما صحح عدمها في العصر لزمه تصحيح عدمها في الفجر ولذا سوى بينهما في فتح القدير وقال: والنهي عن التنفل القصدي بعدهما ولذا إذا تطوع من آخر الليل فلما صلى ركعة طلع الفجر الاول أن يتمها ثم يصلي ركعتي الفجر لانه لم يتنفل بأكثر من ركعتي الفجر قصدا اه‍. وصرح في التجنيس بأن الفتوى على رواية هشام من عدم الفرق بين الصبح والعصر في عدم كراهة الضم وإن لم يتم الركعتين نفلا فلا شئ عليه كما قدمناه. وفي المحيط: وإن شرع معه رجل في الخامسة يصلي ركعتين عند أبي يوسف وعند محمد ستا بناءا على أن إحرام الفرض انقطع بالانتقال إلى النفل عند أبي يوسف لان من ضرورة الانتقال إلى النفل انقطاع الفرض فلم يصح شارعا إلا في هذا الشفع، وعند محمد لم ينقطع إحرام الفرض وهو الاصح لانه صار شارعا في النفل من غير تكبيرة جديدة، ولو انقطعت التحريمة لاحتاج إلى تكبيرة جديدة لان الاحرام الجديد لا ينعقد إلا بتكبيرة جديدة، ولما بقيت التحريمة صار شارعا في الكل. ولو قطع المقتدي هذا النفل قال محمد: لا شئ عليه لانها غير مضمونة على الامام فلا تصير مضمونة على المقتدي. وقال ابو يوسف: يلزمه قضاء ركعتين وهو الاصح لان النفل مضمون في الاصل وإنما لم يصر مضمونا على الامام هنا لعارض وهو شروعه فيه ساهيا، وقد انعدم هذا العارض في حق المقتدي فبقيت صلاة الامام مضمونة في حق المقتدي بخلاف اقتداء البالغ بالصبي في النوافل فلا يصح عند عامة المشايخ لان التطوع إنما لم يصر مضمونا على الصبا بأمر أصلي وهو الصبى فلا يمكن أن يجعل معدوما في حق المقتدي فبقي بمنزلة اقتداء المفترض بالمتنفل اه‍. فالحاصل أن المصحح قول محمد في كونه يصلي ستا وقول أبي يوسف في لزوم

[ 186 ]

ركعتين لو أفسدها. وفي السراج الوهاج: وعليه الفتوى. وقد قدمنا أنه إذا اقتدى به في الخامسة ولم يكن قعد الامام قدر التشهد ولم يعد فإنه يلزمه الست، والفرق بين المسألتين أن في المسألة الاولى التزم صلاة الامام وهي ست ركعات نفلا والشروع في النفل لا يوجب أكثر من ركعتين إلا بالاقتداء، وههنا الامام لم يكن متنفلا إلا بركعتين فلزم المأموم ركعتان. وفي السراج الوهاج: إذا قعد في الرابعة قدر التشهد وقام إلى الخامسة ساهيا واقتدى به رجل لا يصح اقتداؤه ولو عاد إلى القعدة لانه لما قام إلى الخامسة فقد شرع في النفل فكان اقتداء المفترض بالمتنفل ولو لم يقعد مقدار التشهد صح الاقتداء لانه لم يخرج من الفرض قبل أن يقيدها بسجدة اه‍.. قوله (وسجد للسهو) الظاهر رجوعه إلى كل من المسألتين، فإن كانت الاولى وهي ما إذا عاد وسلم فظاهر لانه آخر الواجب وهو السلام، وكذا إذا شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فاشتغل بفكره حتى آخر السلام لزمه السهو، وإن كانت الثانية وهي ما إذا لم يعد حتى سجد ففيه ثلاثة أقوال، فعند أبي يوسف سبب سجوده النقصان المتمكن في النفل بالدخول فيه لا على الوجه المسنون لانه لا وجه لان يجب لجبر نقصان في الفرض لانه قد انتقل منه إلى النفل، ومن سها في صلاة لا يجب عليه أن يسجد في أخرى، وعند محمد هو لجبر نقصان تمكن بالدخول فيه في الفرض بترك الواجب وهو السلام. وصحح الماتريدي أنه جابر للنقص المتمكن في الاحرام فينجبر النقص المتمكن في الفرض والنفل جميعا واختاره في الهداية قوله ولو سجد للسهو في شفع التطوع لم يبن شفعا آخر عليه) لان السجود يبطل لوقوعه في وسط الصلاة وهو غير مشروع إلا على سبيل المتابعة، وظاهر كلامهم أنه يكره البناء كراهة تحريم لتصريحهم بأنه غير مشروع. وفي فتح القدير: الحاصل أن نقض الواجب

[ 187 ]

وإبطاله لا يجوز لا إذا استلزم تصحيحه نقض ما هو فوقه اه‍. وإنما قال لم يبن ولم يقل لم يصح البناء لان البناء صحيح وإن كان مكروها لبقاء التحريمة. واختلفوا في إعادة سجود السهو والمختار إعادته لان ما أتى به من السجود وقع في وسط الصلاة فلا يعتد به كالمسافر إذا نوى الاقامة بعدما سجد للسهو ويلزم الاربع ويعيد السجود. قيد بشفع التطوع لانه لو كان مسافرا فسجد للسهو وثم نوى الاقامة فله ذلك لانه لو لم يبن وقد لزم الاتمام بنية الاقامة بطلت صلاته، وفي البناء نقض الواجب ونقض الواجب أدنى فيتحمل دفعا للاعلى لكن يرد على التقييد بشفع التطوع أنه لو صلى فرضا تاما وسجد للسهو وثم أراد أن يبني نفلا عليه ليس له ذلك لما تقدم، فلو قال فلو سجد في صلاة لم يبن صلاة عليها إلا في المسافر لكان أولى ولذا لم يقيد في الخلاصة بالتطوع وإنما قال:: وإذا صلى ركعتين وسها فيها فسجد لسهوه بعد السلام ثم أراد أن يبني عليها ركعتين لم يكن له ذلك بخلاف المسافر إلا أن يقال: إن الحكم في الفرض يكون بالاولى لانه يكره البناء على تحريمته، سواء كان سجد للسهو أو لا بخلاف شفع التطوع قوله (ولو سلم الساهي فاقتدى به غيره فإن سجد صح وإلا لا) وقال محمد: هو صحيح، سجد الامام أو لم يسجد، لان عنده سلام من عليه السهو ولا يخرجه عن الصلاة أصلا لانها وجبت جبرا للنقصان فلا بد أن يكون في إحرام الصلاة. وعندهما يخرجه على سبيل التوقف لانه محلل في نفس وإنما لا يعمل لحاجته إلى أداء السجدة فلا تظهر دونها ولا حاجة على اعتبار عدم العود. ويظهر الاختلاف في صحة الاقتداء وفي انتقاض

[ 188 ]

الطهارة بالقهقهة وتغيير الفرض بنية الاقامة في هذه الحالة. كذا في الهداية وغيرها. وظاهره أن الطهارة تنتقض عنده بالقهقهة مطلقا، وعندهما إن عاد إلى السجود انتقضت وإلا فلا كما صرح به في غاية البيان وهو غلط، فإنه لا تفصيل فيه بين السجود وعدمه عندهما لان القهقهة أوجبت سقوط سجود السهو عند الكل لفوات حرمة الصلاة لانها كلام، وإنما الحكم هو النقض عنده وعدمه عندهما كما صرح به في المحيط وشرح الطحاوي، وظاهره أيضا أنه لو نوى الاقامة فالامر موقوف عندهما إن سجد لزمه الاتمام وإلا فلا، وعند محمد يتم مطلقا وقد صرح به في غاية البيان وهو غلط أيضا فإن الحكم فيه إذا نوى الاقامة قبل

[ 189 ]

السجود أنه لا يتغير فرضه عندهما ويسقط عند سجود السهو لانه لو سجد فقد عاد إلى حرمة الصلاة فيتغير فرضه أربعا فيقع سجوده في خلال الصلاة فلا يعتد به فلا فائدة في الاشتغال به، وعنده يتمها أربعا ويسجد في آخر صلاته. كذا في المحيط. وذكر في معراج الدراية أن عندهما لا يتغير فرضه، سواء سجد للسهو أو لا، لانه لو تغير قبل السجود لصحت النية قبل السجود ولو صحت لوقعت السجدة في وسط الصلاة فصار كأنه لم يسجد أصلا، فلو الصحت لصحت بلا سجود ولا وجه له عندهما لانه يحصل بعد الخروج فلا يتغير فرضه اه‍. وقيدنا بكونه نوى الاقامة قبل السجود لانه لو نواها بعدما سجد سجدة أو سجدتين تغير فرضه اتفاقا ويسجد في آخرها للسهو لان النية صادفت حرمة الصلاة فصار مقيما. كذا في المحيط. وما في غاية البيان من أن ثمرة الاختلاف تظهر في مسألة رابعة وهي ما إذا اقتدى به إنسان في هذه الحالة ثم وجد منه ما ينافي الصلاة قصدا هل يقضي أم لا، فعند محمد يقضي سجد الامام أو لم يسجد لصحة الاقتداء، وعندهما لا يقضي لعدم صحة الاقتداء، فليست مسألة رابعة بل متفرعة على مسألة المتن وهي صحة الاقتداء فإنه إن صح الاقتداء أو أفسدها لزمه القضاء وإلا فلا. وجعل في الخلاصة ثمرة الاختلاف تظهر أيضا في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والادعية، فعند محمد يأتي بهما في القعدة الاخيرة وهي قعدة سجود السهو لانها قعدة الختم عنده، وعندهما يأتي بهما في قعدة الصلاة لانه لما عاد إلى السجود تبين أنه لم يكن خارجا فكان الاولى قعدة الختم.

[ 190 ]

قوله (وسجد للسهو وإن سلم للقطع) رفع لايهام التخيير بين السجود وعدمه من قوله فإن سجد صح وإلا لا، فأفاد أن السجود واجب وإن قصد بسلامه قطع صلاته لان هذا السلام غير قاطع لحرمة الصلاة، أما عند محمد فظاهر لانه لا يخرجه عن حرمتها أصلا عنده، وأما عندهما فلا يخرجه خروجا باتا لا ينقطع الاحرام مطلقا، فلما نوى القطع تكون نيته مبدلة للمشروع فلغت كنية الابانة بصريح الطلاق، وكنية الظهر ستا بخلاف ما إذا نوى الكفر فإنه يحكم بكفره لزوال الاعتقاد. قيد بسجود السهو لانه لو سلم وهو ذاكر للسجدة الصلبية تفسد صلاته، والفرق أن سجود السهو يؤتى به في حرمة الصلاة وهي باقية، والصلبية يؤتى بها في حقيقتها وقد بطلت بالسلام العمد. وففتح القدير: واعلم أن ما قدمناه من قولنا أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة لا يستلزم وقوعه قاطعا وإلا لم يعد إلى حرمتها، بل الحاصل من هذا أنه إذا وقع في محله كان محللا مخرجا وبعد ذلك فإن لم يكن عليه شئ مما يجب وقوعه في حرمة الصلاة كان قاطعا مع ذلك، وإن كان فإن سلم ذاكرا له وهو من الواجبات فقد قطع وتقرر النقص وتعذر جبره إلا أن يكون ذلك الواجب نفس سجود السهو، وإن كان ركنا فسدت، وإن سلم غير ذاكر. أن عليه شيئا لم يصر خارجا وعلى هذا تجري الفروع اه‍. وأما إذا سلم وعليه سجدة التلاوة فقد ذكر في الخلاصة وغيرها: ولو سلم وعليه سجدة التلاوة وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما أو ذاكر للسهو خاصة فإن سلامه لا يكون قاطعا للصلاة ويسجد للتلاوة أولا ثم يتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر للتلاوة خاصة فإن سلامه يكون قاطعا وسقطت عنه التلاوة والسهو، وإن سلم وعليه سجدة صلبية وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما أو ذاكر للسهو فإن سلامه لا يكون قاطعا وسجد للصلبية ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو، وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر للصلبية خاصة فإن سلامه يكون قاطعا وفسد ت صلاته، ولو سلم وعليه السجدة الصلبية والتلاوة والسهو إن سلم وهو غير ذاكر للكل أو ذاكر للسهو لا يكون سلامه قاطعا ويسجد للاول فالاول إن كانت سجدة التلاوة

[ 191 ]

أولا فإنه يسجدها. وإن كانت الصلبية أولا فإنه يسجدها ثم يتشهد بعدها وسلم ثم يسجد سجدتي السهو. وإن كان ذاكرا للصلبية أو التلاوة أو لهما فسدت صلاته وصار سلامه قاطعا للصلاة لانه سلام سهو في حق أحدهما وسلام عمد في حق الآخر وسلام السهو لا يخروسلام العمد يخرج فترجح جانب الخروج احتياطا. ولو سلم وعليه السهو والتكبير والتلبية بأن كان محرما وهو في أيام التشريق فإنه لا يسقط عنه ذلك كله سواء كان ذاكرا للكل أو ساهيا للكل اه‍. وبهذا علم أن قوله وسجد للسهو وإن سلم للقطع مقيد بما إذا لم يكن عليه سجدة صلبية أو سجدة تلاوة متذكرا لها، فإن كانت صلبية فسدت الصلاة، وإن كانت تلاوة لم تفسد وسقط عنه سجود السهو كما سقط عنه سجود التلاوة، وفي نفسي من سقوط سجود السهو شئ لان التلاوة إنما سقطت لكون الصلاة خارجها وقد صار خارجا. وأما سجود السهو شئ لان التلاوة إنما سقطت لكون الصلاتية لا تقضى خارجها وقد صار خارجا. وأما سجود السهو فإنه لا يؤدى في نفس الصلاة وإنما يؤدي في حرمتها، وقد علل في فتح القدير لسقوطهما بامتناع البناء بسبب الانقطاع إلا إذا تذكر أنه لم يتشهد فإنه يتشهد ويسجد للتلاوة وصلاته تامة اه‍. وعلل لسقوطها في البدائع بأنه سلام عمد صار به خارجا من الصلاة اه‍. ولعله لما صار قاطعا بالنسبة إلى التلاوة صار قاطعا لسجود السهو بطريق التبعية بخلاف ما إذا لم يكن عليه تلاوية ولا صلبية فإنه لم يجعل قاطعا بالنسة إلى شئ. وفي الولوالجية: ولوسها فسلم ثم قام فكبر ودخل في صلاة أخرى فرضا كان أو نفلا لا يجب عليه سجود السهلان التحريمة الاولى قد انقطعت وهذه تحريمة قد استؤنفت، فالنقصان الذي حصل في التحريمة الاولى لا يمكن جبره بفعله في التحريمة الاخرى.

[ 192 ]

قوله (وإن شك أنه كصلى أول مرة استأنف وإن كثر تحري وإلا أخذ بالاقل) لقوله عليه الصلاة والسلام إذا شك أحدكم في صلاته فليستقبل بحمله على ما إذا كان أول شك عرض له توفيقا بينه وبين ما في الصحيح مرفوعا إذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه (1) بحمله على ما إذا كان الشك يعرض له كثيرا، وبين ما رواه الترمذي مرفوعا إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، وإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم (2) وصححه بحمله على ما إذا لم يكن له ظن فإنه يبني على الاقل، ويساعد هذا الجمع المعنى وهو أنه قادر على إسقاط ما عليه دون حرج لان الحرج بإلزام الاستقبال إنما يلزم عند كثرة عروض الشك له وصار كما إذا شك أنه صلى أولا والوقت باق يلزمه الصلاة لقدرته على حكم الظاهر، وحمل عدم الفساد الذي تظافر عليه الحديثان الآخران على ما إذا كان يكثر منه للزوم الحرج بتقدير الالزام وهو منتف شرعا بالنافي فوجب أن حكمه بالعمل بما يقع عليه التحري قيد بالشك في الصلاة لانه لو شك في أركان الحج ذكر الجصاص أنه يتحرى كما في الصلاة. وقال عاممشايخنا: يؤدي ثانيا لان تكرار الركن والزيادة عليه لا تفسد الحج وزيادة الركعة تفسد الصلاة فكان التحري في باب الصلاة أحوط. كذا في المحيط. وفي البدائع: إنه يبني في الحج على الاقل في ظاهر الرواية، وأفاد كلامه أن الشك كان قبل الفراغ منها فلو شك بعد الفراغ منها أنه صلى ثلاثا أو أربعا لا شئ عليه، ويجعل كأنه صلى أربعا حملا لامره على الصلاح. كذا في المحيط. والمراد بالفراغ منها الفراغ من أركانها، سواء كان قبل السلام أو بعده. كذا في الخلاصة. واستثنى في فتح القدير ما إذا وقع الشك في التعيين ليس غير بأن تذكر بعد الفراغ أنه ترك فرضا وشك في تعيينه قالوا: يسجد سجدة واحدة ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعة بسجدتين ثم يقعد ثم يسجد للسهو وإلى آخره. ولا حاجة إلى هذا الاستثناء لان كلامنا في الشك بعد الفراغ، وهذا قد تذكر ترك ركن يقينا إنما وقع الشك في تعيينه. نعم يستثنى منه ما ذكره في الخلاصة من أنه

[ 193 ]

لو أخبره رجل عدل بعد السلام أنك صليت الظهر ثلاثا وشك في صدقه وكذبه فإنه يعيد احتياطا لان الشك في صدقة شك في الصلاة بخلاف من إذا كان عنده أنه صلى أربعا فإنه لا يلتفت إلى قول المخبر، وكذا لو وقع الاختلاف بين الامام والقوم إن كان الامام على يقين لا يعيد وإلا أعاد بقولهم. ولو اختلف القوم قال بعضهم صلى ثلاثا، وقال بعضهم صلى أربعا والامام مع أحد الفريقين يؤخذ بقول الامام وإن كان معه واحد، فإن أعاد الامام الصلاة وأعاد القوم معه مقتدين به صح اقتداؤهم لانه إن كان الامام صادقا يكون هذا اقتداء المتنفل بالمتنفل، وإن كان كاذبا يكون اقتداء المفترض بالمفترض إلى آخر ما في الخلاصة. وقيد بكون الشك في العدد بتعبيره بكلمة كم لان مصلي الظهر إذا صلى ركعة بنية الظهر ثم شك في الثانية أنه في العصر ثم شك في الثالثة أنه في التطوع ثم شك في الرابعة أنه في الظهر قالوا: يكون في الظهر والشك ليس بشئ. ولو تذكر مصلي العصر أنه ترك سجدة ولا يدري أنه تركها من صلاة الظهر أو من صلاة العصر الذي هو فيها فإنه يتحرى فإن لم يقع تحريه على شئ يتم العصر ويسجد سجدة واحدة لاحتمال أنه تركها من العصر ثم يعيد الظهر احتياطا ثم يعيد العصر، فإن لم يعد فلا شئ عليه. واختلفوا في معنى قولهم أول مرة فأكثر مشايخنا كما في الخلاصة والخانية والظهيرية على أن معناه أول ما وقع له في عمره يعني لم يكن سها في صلاة قط بعد بلوغه كما ذكره الشارح. وذهب الامام السرخسي إلى أن معناه أن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يسه قط. وقال فخر الاسلام: أي في هذه الصلاة. واختارها بن الفضل كما في الظهيرية وكلاهما قريب. كذا في غاية البيان. وفائدة الخلاف بين العبارات أنه إذا سها في صلاته أول مرة واستقبله ثم وقف سنين ثم سها على قول شمس الائمة يستأنف لانه لم يكن من عادته وإنما حصل له مرة واحدة والعادة إنما هي من المعاودة، وعلى العبارتين الاخريين يجتهد في ذلك. كذا في السراج الوهاج وفيه نظر، بل يستأنف على عبارة السرخسي وفخر الاسلام، ويتحرى على قول الاكثر فقط لانه أول سهو وقع له في تلك الصلاة فيستأنف على قول فخر الاسلام كما لا يخفى. وهذا الاختلاف يفسر قولهم وإن كثر تحرى. فعلى قول الاكثر المراد بالكثرة مرتان بعد بلوغه، وعلى قول فخر الاسلام مرتان في صلاة واحدة. وفي المجتبى: وقيل مرتين في سنته، ولعله

[ 194 ]

على قول السرخسي. وأشار المصنف إلى أنه لو شك في بعض وضوئه وهو أول ما عرض له غسل ذلك الموضع وإن كان يعرض له كثيرا لا يلتفت إليه. كذا في معراج الدراية. وفي المجتبى والمبتغي: ومن شك أنه كبر للافتتاح أولا، أو هل أحدث أو لا، أو هل أصابت النجاسة ثوبه أو لا، أو مسح رأسه أم لا، استقبل إن كان أول مرة وإلا فلا اه‍. بخلاف ما لو شك أن هذه تكبيرة الافتتاح أو القنوت فإنه لا يصير شارعا لانه لا يثبت له شروع بعد الجعل للقنوت ولا يعلم أنه نوى ليكون للافتتاح. والمراد بالاستقبال الخروج من الصلاة بعمل مناف لها والدخول في صلاة أخرى والاستقبال بالسلام قاعدا أولى لانه عرف محللا دون الكلام ومجرد النية لغو لا يخرج بها من الصلاة. كذا قالوا وظاهره أنه لا بد من عمل فلو لم يأت بمناف وأكملها على غالب ظنه لم تبطل إلا أنها تكون نفلا ولزمه أداء الفرض لو كانت الصلاة التي شك فيها فرضا، فلو كانت نفلا ينبغي أن يلزمه قضاؤه وإن أكملها لوجوب الاستئناف، ولم أر هذا التفريع منقولا إلا أن قول الشارح وغيره أن الاستقبال لا يتصور إلا بالخروج عن الاولى وذلك بعمل مناف يدل على عدم بطلانها بمجرد الشك كما لا يخفى. والتحري طلب الاخرى وهو ما يكون أكبر رأيه عليه، وعبروا عنه تارة بالظن وتارة بغالب الظن، وذكروا أن الشك تساوي الامرين، والظن رجحان جهة الصواب، والوهم رجحان جهة الخطأ، فإن لم يترجح عنده شئ بعد الطلب فإنه يبني على الاقل فيجعلها واحدة لو شك أنها ثانية، وثانية لو شك أنها ثالثه، وثالثة لو شك أنها رابعة. وعند البناء على الاقل يقعد في كل موضع يتوهم أنه محل قعود فرضا كان القعود أو واجبا كيلا يصير تاركا فرض القعدة أو واجبها، فإن وقع في رباعي أنها الاولى أو الثانية يجعلها الاولى ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى فيأتي بأربع قعدات، قعدتان مفروضتان وهي الثالثة والرابعة، وقعدتان واجبتان لكن اقتصر في الهداية على قوله: يقعد في كل

[ 195 ]

موضع يتوهم أنه أخر صلاته كيلا يصير تاركا فرض القعدة. فنسبه في فتح القدير إلى القصور والعذر له أن قعوده في موضع يتوهم أنه محل القعود الواجب ليس متفقا عليه بل فيه اختلاف المشايخ كما نقله في المجتبي، فلعل ما في الهداية مبني على أحد القولين وإن كان الظاهر خلافه وهو القعود مطلقا. وظاهر كلامهم يدل على أن القعود في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته فرض، ولو شك أنها الثانية أو الثالثة أتمها وقعد ثم قام فصلى أخرى وقعد ثم الرابعة وقعد، ولو شك في صلاة الفجر وهو في القيام أنها الثالثة أو الاولى لا يتم ركعته بل يقعد قدر التشهد ويرفض القيام ثم يقوم فيصلي ركعتين ويقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة ثم يتشهد ثم يسجد للسهو. وإن شك وهو ساجد فإن شك أنها الاولى أو الثانية فإنه يمضي فيها سواء شك في السجدة الاولى أو الثانية لانها إن كانت الاولى لزمه المضي فيها، وإن كانت الثانية يلزمه تكميلها. وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية يقعد قدر التشهد ثم يقوم فيصلي ركعة، ولو شك في صلاة الفجر في سجوده أنه صلى ركعتين أو ثلاثا إن كان في السجدة الاولى أمكنه إصلاح صلاته لانه إن كان صلى ركعتين كان عليه إتمام هذه الركعة لانها ثانية فيجوز، وإن كانت ثالثة من وجه لا تفسد صلاته عند محمد لانه كما تذكر في السجدة الاولى ارتفعت تلك السجدة وصارت كأنها لم تكن كما لو سبقه الحدث في السجدة الاولى في الركعة الخامسة وهي مسألة زه، وإن كان هذا الشك في السجدة الثانية فسدت صلاته. ولو شك في الفجر أنها ثانية أم ثالثة ولم يقع تحريه على شئ وكان قائما يقعد في الحال ثم يقوم ويصلي ركعة ويقعد، وإن كان قاعدا والمسألة بحالها يتحرى إن وقع تحريه أنها ثانية مضى على صلاته، وإن وقع تحريه أنها ثالثة يتحرى في القعدات، إن وقع تحريه أنه لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن لم يقع تحريه على شئ فسدت صلاته أيضا. وكذا في ذوا ت الاربع إذا شك أنها الرابعة أو الخامسة، ولو شك أنها ثالثة أو خامسة. فعلى مذكرنا في الفجر فيعود إلى القعدة ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ويسجد للسهو.

[ 196 ]

ولو شك الوتر وهو قائم أنها ثانيته أم ثالثته يتم تلك الركعة ويقنت فيها ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقنت فيها أيضا هو المختار إلى هنا عبارة الخلاصة. ولم يذكر المصنف رحمه الله سجود السهو في مسائل الشك تبعا لما في الهداية وهو مما لا ينبغي إغفاله فإنه يجب السجود في جميع صور الشك، سواء عمل بالتحري أو بنى على الاقل. كذا في فتح القدير. وترك المحقق قيدا لا بد منه مما لا ينبغي إغفاله وهو أن يشغله الشك قدر أداء ركن ولم يشتغل حالة الشك بقراءة ولا تسبيح كما قدمناه أول الباب لكن ذكر في السراج الوهاج أن في فصل البناء على الاقل يسجد للسهو، وفي فصل البناء على غلبة الظن إن شغله تفكره مقدار أداء الركن وجب السهو وإلا فلا اه‍. وكأنه في فصل البناء على الاقل حصل النقص مطلقا باحتمال الزيادة فلا بد من جابر، وفي الفصل الثاني النقصان بطول التفكر لا بمطلقه قوله (وإن توهم مصلى الظهر أنه أتمها فسلم ثم علم أنه صلى ركعتين أتمها وسجد للسهو) لانه عليه السلام فعل كذلك في حديث ذي اليدين ولان السلام ساهيا لا يبطل الصلاة لكونه دعاء من وجه قيد به لانه لو سلم على ظن أنه مسافر أو على ظن أنها الجمعة أو كان قريب العهد بالاسلام فظن أن فرض الظهر ركعتان أو كان في صلاة العشاء فظن أنها التراويح فسلم أو سلم ذاكرا أن عليه ركنا فإن صلاته تبطل لانه سلم عامدا. وفي المجتبي: ولو سلم المصلي عمدا قبل التمام قيل تفسد وقيل لا تفسد حتى يقصد به خطاب آدمي اه‍. فينبغي أن لا تفسد في هذه المسائل على القول الثاني. ومراده من قوله ثم علم أنه صلى ركعتين العلم بعدم تمامها ليدخل فيه ما إذا علم أنه ترك سجدة صلبية أو تلاوية بعد السلام، وحكمه أنه إن كان في المسجد ولم يتكلم وجب أن يأتي به وإن انصرف عن القبلة لان سلامه لم يخرجه عن الصلاة حتى لو اقتدى به إنسان بعد هذا السلام صار داخلا فإن سجد سجد معه وإن لم يسجد فسدت صلاته إذا كان المتروك صلبية، وفسدت صلاة الداخل بفسادها بعد صحة الاقتداء ووجب القضاء على الداخل حتى لو دخل في فرض رباعي مثلا يلزمه قضاء الاربع إن كان الامام مقيما، وركعتين إن كان مسافرا وإن كان في الصحراء فانصرف إن جاوز الصفوف خلفه أو يمنة أو يسرة فسدت في الصلبية وتقرر النقص وعدم الجبر في التلاوة، وإن مشى إمامه لم يذكر في ظاهر الرواية، وحكمه إن كان له سترة بني ما لم يجاوزها، وإن لم يكن له سترة فقيل إن مشى قدر الصفوف خلفه عاد أو أكثر امتنع وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارا لاحد الجانبين بالآخر. وقيل: إن جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الاصح لان ذلك القدر في حكم خروجه من المسجد فكان مانعا من الاقتداء. كذا في فتح

[ 197 ]

القدير. وذكر في التجنيس: إذا سلم الرجل في صلاة الفجر وعليه سجود السهو فسجد ثم تكلم ثم تذكر أنه ترك سجدة صلبية إن تركها من الركعة الاولى فسدت صلاته لانها صارت دينا في ذمته فصارت قضاء وانعدمت نية القضاء، وإن تركها من الركعة الثانية لا تفسد إلا رواية عن أبي يوسف لانها لم تصر دينا في ذمته فنابت سجدتا السهو عن الصلبية ولو كانت المسألة بحالها إلا أنه لما سلم للفجر تذكر أن عليه سجدة التلاوة فسجد لها ثم تذكر أن عليه سجدة صلبية فصلاته فاسدة في الوجهين لان سجدة التلاوة دين عليه فانصرف نيته إلى قضاء الدين فلا تنصرف السجدة إلى غير القضاء اه‍. وفي الظهيرية: وإذا سلم ساهيا وعليه سجدة فإن كان سجدة تلاوة يأتي بها وفي ارتفاض القعدة روايتان، والاصح رواية الارتفاض، وإن كانت صلبية يأتي بها وترتفض القعدة اه‍. وفي التجنيس: إذا صلى رجل من المغرب ركعتين وقعد قدر التشهد فزعم أنه أتمها فسلم ثم قام فكبر ينوي الدخول في سنة المغرب ثم تذكر أنه لم يصل المغرب وقد سجد للسنة أولا فصلاة المغرب فاسدة لانه كبر ونوى الشروع في صلاة أخرى فيكون ناقلا من الفرض إلى النفل قبل إتمامها، وأما إذا سلم ثم تذكر أنه لم يتم فحسب أن صلاته قد فسدت وقام وكبر للمغرب ثانيا وصلى ثلاثا إن صلى ركعة وقعد قدر التشهد أجزأه المغرب الاول لان نية المغرب ثانيا لا تصح، بقي مجرد التكبير وذا لا يخرجه عن الصلاة اه‍. ومسائل السجدات معلومة في كتب الفتاوى وغيرها فلا نطيل بذكرها والله سبحانة وتعالى أعلم بالصواب. باب صلاة المريض ذكرها عقب سجود السهو لانها من العوارض السماوية، والاول أعم موقعا لشموله المريض والصحيح فكانت الحاجة إلى بيانه أمس فقدمه. وتصور مفهوم المرض ضروري إذ لا

[ 198 ]

شك أن فهم المراد من لفظ المرض أجلى من فهمه من قولنا معنى يزول بحلوله في بدن الحي اعتدال الطبائع الاربع، بل ذلك يجري مجرى التعريف بالاخفى. وعرفه في كشف الاسرار بأنه حالة للبدن خارجة عن المجرى الطبيعي، والاضافة فيه من باب إضافة الفعل إلى فاعله كقيام زيد أو إلى محله كتحريك الخشب قوله: (تعذر عليه القيام أو خاف زيادة المرض صلى قاعدا يركع ويسجد) لقوله تعالى * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) * (آل عمران: 191) قال ابن مسعود وجابر وابن عمر: الآية نزلت في الصلاة أي قياما إن قدروا، وقعودا إن عجزوا عنه، وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود. ولحديث عمران بن حصين أخرجه الجماعة إلا مسلما قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك. زاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيا * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *. ثم المصنف رحمه الله أراد بالتعذر التعذر الحقيقي بحيث لو قام سقط بدليل أنه عطف عليه التعذر الحكمي وهو خوف زيادة المرض. واختلفوا في التعذر فقيل ما يبيح الافطار، وقيل التيمم، وقيل بحيث لو قام سقط، وقيل ما يعجزه عن القيام بحوائجه، والاصح أن يلحقه ضرر بالقيام. كذا في النهاية والمجتبي وغيرهما. وإذا كان التعذر أعم من الحقيقي والحكمي فلا حاجة إلى جعل التعذر بمعنى التعسر وأنهم لا يريدون به عدم الامكان كما في الذخيرة. وفي المجتبى: حد المرض المسقط للقيام والجمعة والمبيح للافطار والتيمم زيادة العلة أو امتداد المرض أو اشتداده أو يجد به وجعا ا ه‍. قيد بتعذر القيام أي جميعه لانه لو قدر عليه متكئا أو متعمدا على عصا أو حائظ لا يجزئه إلا كذلك خصوصا على قولهما فإنهما يجعلان قدرة الغير قدرة له. قال الهندواني: إذا قدر على بعض القيا يقوم ذلك ولو قدر آية أو تكبيرة ثم يقعد وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته. هذا هو المذهب ولا يروى عن أصحابنا خلافه. وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك، ولو

[ 199 ]

استلقى لا يجزئه. ودخل تحت العجز الحكمي ما لو صام رمضان صلى قاعدا وإن أفطر صلى قائما يصوم ويصلي قاعدا، وما لو عجز عن السجود وقدر على القيام فإنه لا يجب عليه القيام. وما لو صلى قائما سلس بوله ولو صلى قاعدا لا فإنه يصلي قاعدا بخلاف ما لو كان لو قام أو قعد سال بوله ولو استلقى لا فإنه يصلي قاعدا ولا يستلقي لانها مستلقيا لا تجوز عند الاختيار بحال كما لا تجوز مع الحدث فاستويا، وتمامه في المحيط: وما لو كان في بطنها ولد فأخرجت إحدى يديه وتخاف خروج الوقت تصلي بحيث لا يلحق الولد ضرر لان الجمع بين حق الله وحق الولد ممكن كما في التجنيس، وما لو خاف من العدوان صلى قائما أو كان في خباء لا يستطيع أن يقيم صلبه فيه وإن خرج لم يستطع أن يصلي من الطين والمطر أنه يصلي قاعدا ومن به أدنى علة وهو في طريق فخاف إن نزل عن المحمل للصلاة بقي في الطريق فإنه يجوز أن يصلي الفرائض على محمله، وكذا المريض الراكب إذا لم يقدر على النزول ولا على من ينزله بخلاف ما لو قدر على من ينزله. واختلف المشايخ فيما إذا كان يستطيع القيام لو صلى فبيته ولو خرج إلى الجماعة يعجز عن القيام، والاصح أنه يخرج إلى الجماعة ويصلن قاعدا. كذا في الولوالجية وقدمنا في باب صفة الصلاة أن الفتوى على خلافه. قوله: (وموميا إن تعذر) أي يصلي موميا وهو قاعد إن تعذر الركوع والسجود لما قدمناه، ولان الطاعة بحسب الطاقة. وفي المجتبى: وقد كان كيفية الايماء بالركوع والسجود مشتبها على أنه يكفيه بعض الانحناء أم أقصى ما يمكنه إلى أن ظفرت بحمد الله على الرواية وهو ما ذكره شمس الائمة الحلواني أن المومي إذا خفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود جاز، ولو وضع بين يديه وسائد وألصق جبهته عليها ووجد أدنى الانحناء جاز عن الايماء وإلا فلا. ومثله في تحفة الفقهاء وذكر أبو بكر إذا كان بجبهته وأنفه عذر يصلي بالايماء ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الارض بأقصى ما يمكنه وهذا نص في بابه ا ه‍. ثم إذا صلى المريض قاعدا بركوع وسجود أو بإيماء كيفيقعد، أما في حال التشهد فإنه يجلس كما يجلس للتشهد بالاجماع، وأما في حالة القراءة وحال الركوع روي عن أبي حنيفة أنه يجلس كيف شاء من غير كراهة إن شامحتبيا وإن شاء متربعا وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد. وقالزفر: يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته. والصحيح ما روي عن أبي حنيفة لان عذر المرض أسقط عنه الاركان فلان يسقط عن الهيئات أولى. كذا في البدائع. وفي الخلاصة والتجنيس والولوالجية: الفتوى على قول زفر لان ذلك أيسر على المريض ولا يخفى ما فيه، بل الايسر

[ 200 ]

عدم التقييد بكيفية من الكيفيات والمذهب الاول. وفي الخلاصة: وإن لم يقدر على السجود من جرح أو خوف أو مرض فالكل سواء. ومن صلى وبجبهته جرح لا يستطيع السجود عليه لم يجزه الايماء وعليه أن يسجد على أنفه وإن لم يسجد على أنفه لم يجزه. ثم قال: وفي الزيادات: رجل بحلقه جراح لا يقدر على السجود ويقدر على غيره من الافعال فإنه يصلي قاعدا بالايماء ا ه‍. وبهذا ظهر أن تعذر أحدهما كا ف للايماء بهما. وفي البدائع: إن الركوع يسقط عمن يسقط عنه السجود وإن كان قادرا على الركوع ا ه‍. ولم أر حكم ما إذا تعذر الركوع دون السجود وكأنه غير واقع وفي القنية: أخذته شقيقة لا يمكنه السجود يومئ قوله: (وجعل سجوده أخفض) أي أخفض من ركوعه لانه قائم مقامهما فأخذ حكمهما، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة المريض: إن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لم يقدر على السجود فليجعل سجوده ركوعا وركوعه إيماء والركوع أخفض من الايماء كذا في البدائع. وظاهره كغيره أنه يلزمه جعل السجود أخفض من الركوع حتى لو سواهما لا يصح ويدل عليه أيضا ما سيأتي قوله: (ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه فإن فعل وهو يخفض رأسه صح وإلا لا) أي وإن لم يخفض رأسه لم يجز لان الفرض في حقه الايماء ولم يوجد فإن لم يخفض فهو حرام لبطلان الصلاة المنهي عنه بقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) وأما نفس الرفع المذكور فمكروه، وصرح به في البدائع وغيره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على مريض يعوده فوجده يصل كذلك فقال: إن قدرت أن تسجد على الارض فاسجد وإلا فأوم برأسك. وروي أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجده يصلي ويرفع إليه عود فيسجد عليه فنزع ذلك من يد من كان في يده وقال: هذا شئ عرض لكم الشيطان أوم بسجودك. وروي أن ابن عمر رأى ذلك من مريض فقال: أتتخذون مع الله آلهة؟ ا ه‍. واستدل للكراهة في المحيط بنهيه عليه السلام عنه وهو يدل على كراهة التحريم. وأراد بخفض الرأس خفضها للركوع ثم للسجود أخفض من الركوع حتى لو سوى لم يصح كما ذكره الولوالجي في

[ 201 ]

فتاواه. ولو رفع المريض شيئا يسجد عليه ولم يقدر على الارض لم يجز إلا أن يخفض برأسه لسجوده أكثر من ركوعه ثم يلزقه بجبينه فيجوز لانه لما عجز عن السجود وجب عليه الايماء والسجود على الشئ المرفوع ليس بالايماء إلا إذا حرك رأسه فيجوز لوجود الايماء لا لوجود السجود على ذلك الشئ ا ه‍. وصححه في الخلاصة. قيد بكوفرضه الايماء لعجزه عن السجود إذ لو كان قادرا على الركوع والسجود فرفع إليه شئ‌فسجد عليه قالوا: إن كان إلى السجود أقرب منه إلى القعود جاز وإلا فلا. كذا في المحيط. وفي السراج الوهاج: ثم إذا وجد الايماء فهو مصل بالايماء على الاصح لا بالسجود حتى لا يجوز اقتداء من يركع ويسجد به. قوله: (وإن تعذر القعود أومأ مستلقيا أو على جنبه) لان الطاعة بحسب الاستطاعة. والتخيير بين الاستلقاء على القفا والاضطجاع على الجنب جواب الكتب المشهورة كالهداية وشروحها. وفي القنية: مريض اضطجع على جنبه وصلى وهو قادر على الاستلقاء، وقيل يجوز والاظهر أنه لا يجوز. وإن تعذر الاستلقاء يضطجع على شقه الايمن أو الايسر ووجهه إلى القبلة ا ه‍. وهذا الاظهر خفي والاظهر الجواز. وقدم المصنف الاستلقاء لبيان الافضل وهو جواب المشهور من الروايات. وعن أبي حنيفة أن الافضل أن يصلي على شقه الايمن. وبه أخذ الشافعي لحديث عمران بن حصين السابق، وللتصريح به في الآية، ولان استقبال القبلة يحصل به، ولهذا يوضع في اللحد هكذا ليكون مستقبلا للقبلة. فأما المستلقي يكون مستقبل السماء وإنما يستقبل القبلة رجلاه فقط ولنا ما روي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

[ 202 ]

في المريض: إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ إيماء، ولان التوجه إلى القبلة بالقدر الممكن فرض وذلك في الاستلقاء لان الايماء هو تحريك الرأس فإذا صلى مستلقيا يقع إيماؤه إلى القبلة، وإذا صلى على الجنب يقع منحرفا عنها ولا يجوز الانحراف عنها من غير ضرورة. وقيل: إن المرض الذي كان بعمران باسور فكان لا يستطيع أن يستلقي على قفاه. والمراد في الآية الاضطجاع يقال فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان مستلقيا بخلاف الوضع في اللحد لانه ليس على الميت فعل يجب توجيهه إلى القبلة ليوضع مستلقيا فكان الاستقبال في الوضع على الجنب. وأطلق في تعذر العقود فشمل التعذر الحكمي كما لو قدر على القعود ولكن بزغ الماء من عينيه فأمره الطبيب أن يستلقي أياما على ظهره ونهاه عن القعود والسجود أجزأه أن يستلقي ويصلي بالايماء لان حرمة الاعضاء كحرمة النفس. كذا في البدائع. وفي الخلاصة: وإذا لم يقدر على القعود صلى مضطجعا على قفاه متوجها نحو القبلة ورأسه إلى المشرق ورجلاه إلى المغرب. وفي المجتبى: وينبغي للمستلقي أينصب ركبتيه إن قدر حتى لا يمد رجليه إلى القبلة. وفي العناية: يجعل وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الايماء بالركوع والسجود لان حقيقة الاستلقاء تمنع الاصحاء عن الايماء فكيف بالمرضى؟ واقتصار المصنف على بيان البدل للاركان الثلاثة أعني القيام والركوع والسجود إشارة إلى أن القراءة لا بدل لها عند العجز عنها فيصلي بغير القراءة وفي المجتبى: قيل في الامي والاخرس يجب تحريك الشفة واللسان كتلبية الحج، وقيل لا يجب وإذا لم يعرف إلا قوله الحمد لله يأتي به في كل ركعة ولا يكررها بخلاف التحيات في التشهد فإنه يكررها قدر التشهد لكون القعود مقدرا ا ه‍. وأشار بسقوط الاركان عند العجز إلى سقوط الشرائط عند العجز عنها بالاولى، فلو كان وجه المريض إلى غير القبلة ولم يقدر على التحويل إليها بنفسه ولا بغيره يصلي كذلك لانه ليس في وسعه إلا ذلك، ولا إعادة عليه بعد البرء في ظاهر الجواب لان العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الاركان وثمة لا تجب الاعادة فههنا أولى. كذا في البدائع. وفي الخلاصة: فإن وجد أحدا يحوله فلم يأمره وصلى إلى غير القبلة جاز عند أبي حنيفة بناء على أن الاستطاعة بقوة الغير ليست بثابتة عنده، وعلى هذا لو صلى على فراش نجس ووجد أحدا يحوله إلى مكان طاهر ثم قال مريض مجروح تحته ثياب نجسة، إن كان بحال لا يبسط تحته شئ‌إلا تنجس من ساعته له أن يصلي على حاله، وكذا لو لم يتنجس الثاني إلا أنه يزدا مرضه له أن يصلي فيه ا ه‍. وفي الولوالجيه: المريض إذا كان لا يمكنه

[ 203 ]

الوضوء أو التيمم وله جارية فعليها أن توضئه لانها مملوكة وطاعة المالك واجبة إذا عرى عن المعصية، وإذا كان له امرأة لا يجب عليها أن توضئه لان هذا ليس من حقوق النكاح إلا إذا تبرعت فهو إعانة على البر. والعبد المريض إذا كان لا يستطيع أن يتوضأ يجب على مولاه أن يوضئه بخلاف المرأة المريضة حيث لا يجب على الزوج أن يتعاهدها لان المعاهدة إصلاح الملك وإصلاح الملك على المالك، وأما المرأة حرة فكا إصلاحها عليها ا ه‍. وفي التجنيس: قال أبو حنيفة في متوضئ لا يقدر على مكان طاهوقد حضرت الصلاة صلى بالايماء ثم يعيد ما صلى بالايماء قضاء لحق الوقت بالتشبه وإنما يعيد لان العذر جاء من قبل العبد. وقال محمد: لا يصلي الماشي وهو يمشي ولا السابح وهو يسبح في البحر ولا السائف وهو يضرب بالسيف لان هذه الافعال منافية للصلاة، ولهذا شغل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاته يوم الخندق لاجل القتال ثم قال: الغريق في البحر إذا حضرته الصلاة إن وجد ما يتعلق به أو كان ماهرا في السباحة بحيث يمكنه الصلاة بالايماء من غير أن يحتاج فيه إلى عمل كثير افترض عليه أداء الصلاة لانه قادر، ولو لم يجد ما يتعلق به ولم يكن ماهرا في السباحة يعذر بالتأخير إلى أن يخرج لانه غير قادر على أداء الصلاة ا ه‍. وفي القنية: مريض لا يمكنه الصلاة إلا بأصوات مثل أوه ونحوه يجب عليه أن يصلي ولو اعتقل لسانه يوما وليلة فصلى صلاة الاخرس ثم انطلق لسانه لا تلزمه الاعادة. قوله: (وإلا أخرت) أي وإن لم يقدر على الايماء برأسه أخرت الصلاة إلى القدرة. وفي الهداية: وقوله أخرت عنه إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة عنه، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا هو الصحيح لانه يفهم مضمون الخطاب بخلاف المغمى عليه ا ه‍. وذهب شيخ الاسلام وقاضيخان وقاضي غنى إلى أن الصحيح هو السقوط عند الكثرة لا القلة. وفي الظهيرية: وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى. وفي الخلاصة: وهو المختار لان مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب. وصححه في البدائع وجزم به الولوالجي وصاحب التجنيس مخالفا لما في الهداية، واختاره المصنف في الكافي وصححه في الينابيع ورجحه في فتح القدير بالقياس على المغمى عليه ا ه‍. وعلى هذا فمعنى قوله عليه السلام فالله أحق بقبول العذر أي عذر السقوط، وعلى ما اختاره صاحب الهداية معناه بقبول عذر التأخير. كذا في معراج الدراية. واستشهد قاضيخان بما ذكره محمد فيمن قطعت يداه من المرفقين ورجلاه من الساقين لا صلاة عليه، فثبت أن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب. ورده في

[ 204 ]

التبيين بأنه لا دليل فيه على السقوط لان هناك العجز متصل بالموت وكلامنا فيما إذا صح المريض حتى لو مات المريض أيضا من ذلك الوجه ولم يقدر على الصلاة لا يجب عليه القضاء حتى لا يلزمه الايصاء به فصار كالمسافر والمريض إذا أفطر في رمضان وماتا قبل الاقامة والصحة ا ه‍. ثم اعلم أن ظاهر ما في بعض الكتب يوهم أن في المسألة ثلاثة أقوال: عدم السقوط مطلقا والسقوط مطلقا والتفصيل وليس كذلك، فإن الفوائت إذا كانت صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء بالاجماع كما في البدائع. وغاية البيان إنما محل الاختلاف فيما إذا كثرت وزادت على يوم وليلة فليس فيها إلا قولان، ولانقاضيخان صحح التفصيل في الفتاوى وصاحب الهداية صحح عدم السقوط مطلقا فيما إذا برأ من مرضه، أما إذا مات منه فإنه يلقى الله ولا شئ عليه اتفاقا ينبغي أن يقال: إن محله إذا لم يقدر في مرضه على الايماء بالرأس، إما إن قدر عليه بعد عجزه فإنه يلزمه القضاء، وإن كان القضاء يجب موسعا لتظهر فائدته في الايصاء بالاطعام عنه. وفي السراج الوهاج: إن هذه المسألة على أربعة أوجه: إن دام به المرض أكثر من يوم وليلة وهو لا يعقل لا يقضي إجماعا، وإن كان أقل من يوم وليلة أو يوما وليلة وهو يعقل قضى إجماعا، وإن كان أكثر وهو يعقل أو أقل وهو لا يعقل فهو محل الاختلاف، وفي القنية ولا فدية في الصلاة حالة الحياة بخلاف الصوم. ولو كان يشتبه

[ 205 ]

على المريض أعداد الركعات أو السجدات لنعاس يلحقه لا يلزمه الاداء، ولو أداها بتلقين غيره ينبغي أن يجزئه ا ه‍. قوله: (ولم يوم بعينه وقلبه وحاجبه) وقال زفر: يومئ بحاجبه فإن عجز فبعينيه فإن عجز فبقلبه. وقال الشافعي: بعينيه وقلبه. وقالالحسن: بحاجبيه وقلبه ويعيد إذا صح. والصحيح مذهبنا لحديث عمران وابن عمر فإن لم يستطع الايماء برأسه فالله أحق بقبول العذر منه، ولان فرض السجود تعلق بالرأس دون العين والقلب والحاجب فلا ينقل إليها كاليد واعتبارا بالصوم والحج حيث لا ينتقلان إلى القلب بالعجز. وفي فتاوى قاضيخان: المريض إذا عجز عن الايماء فحرك رأسه عن أبي حنيفة أنه قال: تجوز صلاته. وقال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: لا يجوز لانه لم يوجد منه الفعل ا ه‍. فعلى هذا حقيقة الايماء إنما هي طأطأة الرأس قوله: (وإن تعذر الركوع والسجود لا القيام أومأ قاعدا) لان ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيها من نهاية التعظيم وإذا كان لا يتعقبه السجود لا يكون ركنا فيتخير، والافضل هو الايماء قاعدا لانه أشبه بالسجود، ولا ترد صلاة الجنازة حيث لم يلزمه ثمة سقوط القيام بسبب سقوط السجود لان صلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقة بل هي دعاء. وفي المجتبى: وإن أومأ بالسجود قائما لم يجزه وهذا أحسن وأقيس كما لو أومأ بالركوع جالسا لا يصح على الاصح ا ه‍. والظاهر من المذهب جواز الايماء بهما قائما وقاعدا كما لا يخفى. وذكر الولوالجي في فتاواه: رجل به جرح إن صلى بالايماء قائما لا يسيل جرحه وإن ركع وسجد يسيل جرحه يصلي قائما ويومئ للركوع ثم يجلس ويومئ للسجود ليكون أداء الصلاة مع الطهارة، فإن لم يفعل كذلك وصلى قائما هكذا يومئ إيماء

[ 206 ]

لا تجوز صلاته لان الايماء للسجود جالسا أقرب إلى حقيقة السجود ا ه‍. وأومأ بالهمز كذا في السراج الوهاج قوله: (ولو مرض في صلاته يتم بما قدر) يعني قاعدا يركع ويسجد أو مومئا إن تعذر أو مستلقيا إن لم يقدر لانه بناء الادنى على الاعلى فصار كالاقتداء وهذا هو المشهور. وعن أبي يوسف أنه إذا صار إلى حالة الايماء يستقبل الصلاة لان تحريمته انعقدت موجبة للركوع والسجود فلا تجوز بدونهما، ووجه المشهور أنه إذا بنى كان بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا وإذا استقبل كانت كلها ناقصة فلان يؤدي بعضها كاملا أولى وهو الصحيح قوله: (ولو صلى قاعدا يركع ويسجد فصح بني ولو كان موميا لا أي لو كان يصلي بالايماء فصح لا يبني لانه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ فكذا البناء، ويجوز اقتداء القائم بالقاعد الذي يركع ويسجد خلافا لمحمد كما سبق. قيد بكونه صلى بالايماء لانه لو كان افتتحها بالايماء ثم قدر قبل أن يركع ويسجد بالايماء جاز له أن يتمها لانه لم يؤد ركنا بالايماء وإنما هو مجرد تحريمة فلا يكون بناء القوي على الضعيف. وأشار إلى أنه لو كان يومئ مضطجعا ثم قدر على القعود ولم يقدر على الركوع والسجود فإنه يستأنف وهو المختار لان حالة القعود أقوى فلا يجوز بناؤه على الضعيف. قوله: (وللمتطوع أن يتكئ على شئ إن أعيا) أي تعب لانه عذر أطلق في الشئ فشمل العصا والحائط. وأشار إلى أن له أن يقعد أيضا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز له القعود إلا إذا عجز لما مر من قبل وقيد بقوله إن أعيا لان الاتكاء مكروه بغير عذر لانه إساءة في الادب وفيه اختلاف المشايخ والصحيح كراهته من غير عذر وعدم كراهة القعود من غير عذر عنده قوله: (ولو صلى في فلك قاعدا بلا عذر صح) يعني صلى فرضا قاعدا بلا عذر صحت عند أبي حنيفة وقد أساء كما في البدائع. وقالا: لا يجزئه إلا من علة لان القيام مقدور عليه فلا يترك، وله أن الغالب فيها دوران الرأس وهو كالمحقق الآن أن القيام أفضل لانه أبعد عن شبهة الخلاف والخروج أفضل إن أمكنه لانه أمكن لقلبه والخلاف في غير المربوطة والمربوطة كالشط هو الصحيح. كذا في الهداية وهو مقيد بالمربوطة بالشط، أما إذا كانت مربوطة في لجة البحر فالاصح إن كان الريح يحركها شديدا فهي كالسائرة وإلا فكالواقفة. ثم ظاهر الهداية والنهاية والاختيار جواز الصلاة في المربوطة في الشط مطلقا. وفي الايضاح: فإن كانت موقوفة في الشط وهي على قرار الارض

[ 207 ]

فصلى قائما جاز لانها إذا استقرت على الارض فحكمها حكم الارض، فإن كانت مربوطة ويمكنه الخروج لم تجز الصلاة فيها لانها إذا لم تستقر فهي كالدابة بخلاف ما إذا استقرت فإنها حينئذ كالسرير. واختاره في المحيط والبدائع. وفي الخلاصة: وأجمعوا أنه لو كان بحالة يدور رأسه لو قام تجوز الصلاة فيها قاعدا وأراد بالصلاة قاعدا أن تكون بركوع وسجود لانها لو كانت بالايماء لا تجوز اتفاقا لانه لا عذر. وأطلقها فشمل ما إذا كان منفردا أو بجماعة فلو اقتدى به رجل في سفينة أخرى، فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز لانهما بالاقتران صارتا كشئ واحد، وإن كانتا منفصلتين لم يجز لان تخلل ما بينهما بمنزلة النهر وذلك يمنع صحة الاقتداء. وإن كان الامام في سفينة والمقتدون على الجد والسفينة واقفة. فإن كان بينه وبينهم طريق أو مقدار نهر عظيم لم يصح اقتداؤهم به لان الطريق ومثل هذا النهر يمنعان صحة الاقتداء. ومن وقف على أطلال السفينة يقتدي بالامام في السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الامام لان السفينة كالبيت واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الامام، ولا يخفى عليه حاله كذا ههنا. كذا في البدائع. وقيد بترك القيام لانه لو ترك استقبال وجهه إلى القبلة وهو قادر عليه لا يجزئه في قولهم جميعا فعليهم أن يستقبلوا بوجههم القبلة كلما دارت السفينة يحول وجهه إليها. كذا في الاسبيجابي. قوله: (ومن جن أو أغمي عليه خمس صلوات قضى ولو أكثر لا) وهذا استحسان، والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب الاغماء وقت صلاة كاملة لتحقق العجز. وجه الاستحسان أن المدة إذا طالت كثرت الفوائت فيحرج في الاداء وإذا قصرت قلت: فلا حرج والكثير أن يزيد على يوم وليلة لانه يدخل في حد التكرار والجنون كالاغماء على الصحيح. وفي تحرير الاصول: الجنون ينافي شرط العبادات وهي النية فلا تجب مع الممتد منه مطلقا للحرج وما لا يمتد طارئا جعل كالنوم من حيث إنه عارض يمنع فهم الخطاب زال قبل الامتداد ولانه لا ينفي أصل الوجوب إذ هو بالذمة وهي له حتى ورث وملك وكان أهلا للثواب كأن نوى صوم الغد فجن فيه ممسكا كله صح فلا يقضي لو أفاق بعده ا ه‍. قيد بالجنون والاغماء لان النوم لا يسقط مطلقا حتى لو نام أكثر من يوم وليلة يقضي لان النوم مما لا يمتد يوما وليلة غالبا فلا يحرج في القضاء بخلاف الاغماء لان مما يمتد عادة. وقيده

[ 208 ]

بدوام الاغماء لانه إذا كان يفيق فيها فإنه ينظر، فإن كان لافاقته وقت معلوم مثل أن يخف عنه المرض عند الصبح مثلا فيفيق قليلا ثم يعاوده فيغمى عليه تعتبر هذه الافاقة فيبطل ما قبلها محكم الاغماء إذا كان أقل من يوم وليلة، وإن لم يكن لافاقته وقت معلوم لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الاصحاء ثم يغمى عليه فلا عبرة بهذه الافاقة. أطلق في الاغماء والجنون فشمل ما إذا كان بسبب فزع من سبع أو خوف من عدو فلا يجب القضاء إذا امتد إجماعا لان الخوف بسبب ضعف قلبه وهو مرض إلا أنه يرد عليه ما إذا زال عقله بالخمر أو أغمي عليه بسبب شرب البنج أو الدواء فإنه لا يسقط عنه القضاء في الاول وإن طال اتفاقا لانه حصل بما هو معصية فلا يوجب التخفيف، ولهذا يقع طلاقه ولا يسقط أيضا في الثاني عند أبي حنيفة لان النص ورد في إغماء حصل بآفة سماوية فلا يكون واردا في إغماء حصل بصنع العباد لان العذر إذا جاء من جهة غير من له الحق لا يسقط الحق. وقال محمد: يسقط القضاء إذا كثر لانه إنما حصل بما هو مباح. كذا في المحيط. وشمل ما إذا كان الجنون أصليا كما إذا بلغ مجنونا وزال وهو قول محمد، فالعارض والاصلي عنده سواء في سقوط القضاء إذا كثر وعدمه إذا قل. وقالابو يوسف: الاصلي كالصبا فلا قضاء مطلقا. كذا في السراج الوهاج. وقيد بالصلاة في تسوية الجنون بالاغماء لان بينهما فرقا في الصوم فإنه إذا أغمي عليه قبل شهر رمضان حتى مضى رمضان كله ثم أفاق فإنه يلزمه قضاء شهر رمضان، فلو جن قبل رمضان وأفاق بعد ما مضي شهر رمضان لا يلزمه قضاء الصوم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وظاهر كلامه أن الاكثرية من حيث الصلوات فإن الاكثر من خمس صلوات ست فأكثر وهو قول محمد ورواية عن أبي حنيفة وهو الاصح، وعند أبي يوسف وهو رواية عنه أيضا العبرة للزيادة من حيث الساعات، وفائدته تظهر فيما إذا أغمي عليه قبل الزوال فأفاق من الغد بعد الزوال، فعند أبي يوسف لا يجب القضاء، وعند محمد يجب إذا أفاق قبل خروج وقت الظهر والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

[ 209 ]

باب سجود التلاوة كان من حق هذا الباب أن يقترن بسجود السهو لان كلا منهما سجدة لكن لما كان صلاة المريض بعارض سماوي كالسهو وألحقتها المناسبة به فتأخر سجوالتلاوة ضرورة، وهو من قبيل إضافة الحكم إلى سببه. وإنما لم يقل سجود التلاوة والسماع بيانا للسببين لان السماع سبب أيضا لما أن التلاوة لما كانت سببا للسماع أيضا كان ذكرها مشتملا على السماع من وجه فاكتفي به. وفي إضافة السجود إلى التلاوة إشارة إلى أنه إذا كتبها أو تهجاها لا يجب عليه سجود ولا تفسد الصلاة بالهجاء لانه موجود في القرآن، وشرائطها شرائط الصلاة إلا التحريمة لانها لتوحيد الافعال المختلفة ولم يوجد. وركنها وضع الجبهة على الارض أو ما يقوم مقامه من الركوع كما سيأتي، أو من الايماء للمريض أو كان راكبا على الدابة في السفر وتلاها أو سمعها، والقياس أن لا يجزئه الايماء على الراحلة لانها واجبة فلا يجوز أداؤها على الراحلة من غير عذر لكنهم استحسنوه لان التلاوة أمر دائم بمنزلة التطوع فكان في اشتراط النزول له حرج بخلاف الفرض والمنذور. وما وجب من السجدة على الارض لا يجوز على الدابة، وما وجب على الدابة يجوز على الارض لان ما وجب على الارض وجبت تامة فلا تسقط بالايماء، ولو تلاها على الدابة فنزل ثم ركب فأداها بالايماء جاز. ويفسدها ما يفسد الصلاة من الحدث العمد والكلام والقهقهة وعليه إعادتها كما لو وجدت في سجدة الصلاة، وقيل هذا على قول محمد لان العبرة عنده لتمام الركن وهو الرفع ولم يحصل بعده، فأما عند أبي يوسف فقد حصل قبل هذه العوارض والعبرة عنده للوضع فينبغي أن لا يفسدها. وفي

[ 210 ]

الخانية: إنها تفسد على ظاهر الجواب اتفاقا إلا أنه لا وضوء عليه في القهقهة، وكذا محاذاة المرأة لا تفسدها كما في صلاة الجنازة، ولو نام فيها لا تنتقض طهارته كالصلبية على الصحيح وسيأتي بقية أحكامها. قوله: (تجب بأربع عشرة آية) أي تجب سجدة التلاوة بسبب تلاوة آية من أربع عشرة آية في أربع عشرة سورة وهي الاعراف في آخرها، والرعد، والنحل، وبني اسرائيل، ومريم، والاولى من الحج. والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق. هكذا كتب في مصحف عثمان وهو المعتمد فهي أربع في النصف الاول وعشر في النصف الآخر. وإنما كانت واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام السجدة على من سمعها (1) وعلى للالزام. ولما رواه مسلم عن أبي هريرة في الايمان يرفعه إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فامتنعت فلي النار (1) والاصل أن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاما ولم يعقبه بالانكار كان دليل صحته. فهذا ظاهر في الوجوب مع أن آي السجدة تفيده أيضا لانها ثلاثة أقسام: قسم فيه الامر الصريح به، وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث امرو به وقسم فيه حكاية فعل الانبياء السجود. وكل من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه لكن دلالتها فيه ظنية فكان الثابت الوجوب لا الفرض، والاتفاق على أن ثبوتها على المكلفين مقيد بالتلاوة لا مطلقا فلزم كذلك. ثم هي واجبة على التراخي إن لم تكن صلاتية لان دلائل الوجوب مطلقة عن تعيين الوقت فيجب في

[ 211 ]

جزء من الوقت غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا. وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره كما في سائر الواجبات الموسعة، وأما المتلوة في الصلاة فإنها تجب على سبيل التضييق لقيام دليل التضييق وهو أنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة فالتحقت بأقوالها وصارت جزءا من أجزائها، ولهذا قلنا: إذا تلا آية السجدة ولم يسجد ولم يركع حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى السجدة لم تجز، وكذا إذا نواها في السجدة الصلبية لانها صارت دينا والدين يقضي بماله لا بما عليه. وأما بيان من تجب عليه فكل من كان أهلا لوجوب الصلاة عليه إما أداء أو قضاء فهو من أهل وجوب السجدة عليه ومن لا فلا، لان السجدة جزء من أجزاء الصلاة فيشترط لوجوبها أهلية وجوب الصلاة من الاسلام والعقل والبلوغ والطهارة من الحيض والنفاس حتى لا تجب على كافر وصبي ومجنون وحائض ونفساء، قرؤا أو سمعوا. وتجب على المحدث والجنب، وكذا تجب على السامع بتلاوة هؤلاء إلا المجنون لعدم أهليته لانعدام التمييز كالسماع من الصدى. كذا في البدائع. والصدى ما يعارض الصوت في الاماكن الخالية، وفي القنية: ولا يجب على المحتضر الايصاء بسجدة التلاوة، وقيل يجب ولا تجب نية التعيين في السجدات اه‍. وفي التجنيس: وهل يكره تأخيرها عن وقت القراءة ذكر في بعض المواضع أنه إذا قرأها في الصلاة فتأخيرها مكروه، وإن قرأها خارج الصلاة لا يكره تأخيرها، وذكر الطحاوي أن تأخيرها مكروه مطلقا وهو الاصح ا ه‍. وهي كراهة تنزيهية في غير الصلاتية لانها لو كانت تحريمية لكان وجوبها على الفور وليس كذلك.

[ 212 ]

قوله: (منها أولى الحج وص) ذكرهما للاختلاف فيهما فقد نفى الشافعي السجود في ص ولم يخص الاولى من الحج بل قال: إن الثانية منها أيضا فهي عنده أيضا أربع عشرة آية. ونفى مالك السجود في المفصل، وبيان الحجج معلوم في المطولات ولسنا إلا بصدد تحرير المذهب غالبا. وفي التجنيس: التالي والسامع ينظر كل واحد منهما إلى اعتقاد نفسه كالسجدة الثانية في سورة الحج ليس بموضع السجود عندنا، وعند الشافعي هو موضع السجدة لان السامع ليس بتابع للتالي تحقيقا حتى يلزمه العمل برأيه لان لا شركة بينهما ا ه‍. ثم في سورة حم السجدة عندنا السجدة عند قوله * (وهم لا يسأمون) * (فصلت: 38) وهو مذهب عبد الله بن عباس ووائل بن حجر، وعند الشافعي عند قوله * (إن كنتم إياه تعبدون) * (فصلت: 37) وهو مذهب علي ومروي عن ابن مسعود وابن عمر. ورجح أئمتنا الاول أخذا بالاحتياط عند اختلاف مذاهب الصحابة فإن السجدة لو وجبت عند قوله تعبدون فالتأخير إلى قوله لا يسأمون لا يضر ويخرج عن الواجب، ولو وجبت عند قوله * (لا يسأمون) * لكانت السجدة المؤداة قبله حاصلة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها فيوجب نقصانا في الصلاة لو كانت صلاتية ولا نقص فيما قلنا أصلا، وهذا هو أمارة التبحر في الفقه. كذا في البدائع. قوله: (على من تلا ولو إماما أو سمع ولو غير قاصد أو مؤتما لا بتلاوته) بيان لسببها وهو أحد ثلاثة: التلاوة ولو لم يوجد السماع كتلاوة الاصم والسماع بتلاوة وغيره، والاقتداء بإمام تلاها وإن لم يسمع المأموم تبعا لامامه بأن قرأ الامام سرا أو لم يكن حاضرا عند القراءة واقتدى به قبل أن يسجد لها، ولذا قالوا: إن الابكم إذا رأى قوما يسجدون لا يجب عليه السجود لانه لم يقرأ ولم يسمع. والمصنف جعل المؤتم معطوفا على غير قاصد فأفاد أن المؤتم يلزمه بسماعه وليس كذلك، وإنما يلزمه باقتدائه وإن لم يسمع، فلو قال المصنف أو اقتدى معطوفا على تلا لكان أولى كما لا يخفي. فقد قال في المجتبى: الموجب لها أحد ثلاثة: التلاوة والسماع والائتمام وإنما قال ولو إماما لما أن المنقول في البدائع أنه يكره للامام أن يتلو آية السجدة في صلاة يخافت فيها بالقراءة فإنه لا ينفك عن مكروه من ترك السجدة إن لم يسجد أو التلبيس على القوم إن سجد ا ه‍. وكذا لا ينبغي أن لا يقرأها في الجمعة والعيدين لما ذكرنا كما في السراج الوهاج فربما يتوهم من ذلك عدم وجوبها على الامام فصرح به نفيا له، وقد قدمنا شرائط الوجوب على التالي والسامع. وصحح المصنف في الكافي أن السبب

[ 213 ]

في حق السامع التلاوة والسماع شرط وسنحققه من بعد إن شاء الله تعالى. وأطلق في التلاوة والسماع فشمل ما إذا كانت التلاوة بالعربية أالفارسية وهو في التالي بالاتفاق فهم أو لم يفهم، وفي السامع عند أبي حنيفة بعد أن أخبر أنها آية السجدة، وعندهما إن كان السامع يعلم أنه يقرأ القرآن فعليه السجدة وإلا فلا. وفي البدائع: وهذا غير سديد لانهما إن جعلا الفارسية قرآنا لزم الوجوب مطلقا كالعربية، وإن لم يجعلاها قرآنا لم يجب وإن فهم. وأطلق في السماع فشمل السامع ممن تجب عليه الصلاة أو لا إلا المجنون كما قدمناه، وكذا الطير على المختار وإن سمعها من نائم اختلفوا فيه، والصحيح هو الوجوب. كذا في الخانية. وفي شرح المجمع: لو قرأها السكران تجب عليه وعلى من سمعها منه لان عقله اعتبر ثابتا زجرا له. وأفاد بقوله لا بتلاوته أنه لا يجب على المأموم بتلاوته ولا على السامع منه، وأطلقه فشمل عدم السجود في الصلاة وبعد الفراغ عندهما. وقال محمد: يسجدونها إذا فرغوا لان السبب قد تقرر ولا مانع بخلاف حالة الصلاة لانه يؤدي إلى خلاف موضوع الامامة لو تابعه الامام أو التلاوة لو تابعه المؤثم. ولهما: المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الامام عليه وتصرف المحجور لا حكم له بخلاف الجنب والحائض لانهما منهيان عن القراءة إلا أنه لا يجب على الحائض بتلاوتها كما لا يجب بسماعها لانعدام أهلية الصلاة بخلاف الجنب. وشمل أيضا من سمعها من المؤتم وليس في الصلاة وهو قول البعض، وصحح في الهداية الوجوب لان الحجر ثبت في حقهم فلا يعدوهم. وتعقبه في غاية البيان بأنه لما علم أن هذا الشخص محجور عليه وجب عليه أن يقول بعدم وجوب السجود على السامع خارج الصلاة لانه قد ثبت من أصولنا أن تصرف المحجور لا حكم له ا ه‍. وهو مردود لان تصرف المحجور لغيره صحيح كالصبي إذ حجر عليه يظهر في حقه لا في حق غيره حتى يصح تصرفه لغيره. وذكر الشارح: ولو تلا آية السجدة في الركوع أو السجود أو

[ 214 ]

التشهد لا يلزم السجود للحجر عن القراءة فيه قال المرغيناني، وعندي أنها تجب وتتأدي فيه ا ه‍. وذكر في المجتبى في الفرق بين الجنب والحائض وبين المقتدي أن القدر الذي يجب به السجدة مباح لهما على الاصح دون المقتدي. قوله (ولو سمعها المصلي من غيره سجد بعد الصلاة) لتحقق سببها وهو السماع. قيد بقوله بعد الصلاة لانه لا يسجدها فيها لانها ليست بصلاتية لان سماعه هذه السجدة ليس من أفعال الصلاة فيكون إدخالها فيها منهيا عنه لان المصلي عند اشتغاله بسجدة التلاوة كان مأمورا بإتمام ركن هو فيه أو بانتقال إلى ركن آخر فيكون منهيا عن هذه السجدة. فإن قيل: يجب أن يسجدها قبل الفراغ لان سبب الوجوب السماع وهو وجد في الصلاة. قلنا: نعم وجد فيها لكنه حصل بناء على التلاوة والتلاوة حصلت خارج الصلاة فتؤدى خارجها. قوله (ولو سجد فيها أعادها لا الصلاة) أي أعاد السجدة ولا يلزمه إعادة الصلاة لانها ناقصة للنهي فلا يتأدى بها الكامل، وهذا لان حكم هذه التلاوة مؤخر إلى ما بعد الفراغ عن الصلاة فلا تصير سببا إلا بعده فلا يجوز تقديمه على سببه بخلاف ما لو تلاها في الاوقات المكروهة حيث يجوز أداؤها فيها وإن كانت ناقصة لتحقق السبب للحال. ومحل إعادتها ما إذا لم يقرأها المصلي السامع غير المؤتم، وأما إن قرأها وسجد لها فيها فإنه لا إعادة عليه، أما إن كانت تلاوتها سابقة على سماعها فهو ظاهر الرواية لان التلاوة الاولى من أفعال صلاته والثانية لا، فحصلت الثانية تكرارا للاولى من حيث الاصل والاولى باقية فجعل وصف الاولى للثانية فصارت من الصلاة فيكتفي بسجدة واحدة. وإن سمعها أولا من أجنبي ثم تلاها المصلي وسجد لها فيها ففيه روايتان، وجزم في السراج الوهاج بأنه لا يعيدها. ولو تلاها وسجد لها

[ 215 ]

ثم أحدث فذهب وتوضأ ثم عاد إلى مكانه وبنى على صلاته ثم قرأ ذلك الاجنبي تلك الآية، فعلى هذا المصلي أن يسجدها إذا فرغ من صلاته لانه تحول عن مكانه فسمع الثانية بعدما تبدل المجلس. فرق بين هذا وبين ما إذا قرأ آية سجدة ثم سبقه الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء وقرأ مرة أخرى لا تلزمه سجدة وإن قرأ الثانية بعدما تبدل المكان، والفرق أن في المسألة الاولى المكان قد تبدل حقيقة وحكما، أما الحقيقة فظاهر، وأما الحكم فلان السماع ليس من أفعالها بخلاف الثانية. وتمامه في البدائع. وإنما لم يعد الصلاة لان زيادة ما دون الركعة لا يفسدها. وقيده في التجنيس والمجتبى والولوالجية بأن لا يتابع المصلي السامع القارئ فإن سجد القارئ فتابعه المصلي فيها فسدت صلاته للمتابعة ولا تجزئه السجدة عما سمع اه‍. وقد قدمنا أن زيادة سجدة واحدة بنية المتابعة لغير إمامه مبطلة لصلاته. وفي النوادر: ولو قرأ الامام السجدة فظن القوم أنه ركع فبعضهم ركع وبعضهم ركع وسجد سجدة وبعضهم ركع وسجد سجدتين، فمن ركع ولم يسجد يرفض ركوعه ويسجد للتلاوة، ومن ركع وسجد فصلاته تامة وسجدته تجزئه عن سجدة التلاوة، ومن ركع وسجد سجدتين فصلاته فاسدة لانه انفرد بركعة واحدة تامة اه‍. وذكر في الخلاصة في مسألة الكتاب لا تفسد صلاته هو الصحيح بناء على أن زيادة سجدة واحدة ساهيا أو سجدتين لا تفسد صلاته بالاجماع، وإن كان عمدا فكذلك. وإن ذكر في الجامع الصغير أنه يفسد عند محمد وذلك ليس بصحيح. ذكره الصدر الشهيد في المبسوط اه‍. قوله (ولو سمع من إمام فأتم به قبل أن يسجد سجد معه وبعده لا) أي لو ائتم به بعد أن سجدها الامام لا يسجدها لانه في الاول تابع له فيسجد معه وإن لم يسمع، وفي الثاني صار مدركا لها بإدراك تلك الركعة كمن أدرك الامام في ركوع ثالثة الوتر فإنه لا يقنت فيما يأتي به بعد فراغ الامام. قيد بقوله سجد معه لان الامام لو لم يسجد لا يسجد المأموم وإن سمعها لانه إن سجدها في الصلاة وحده صار مخالف إمامه، وإن سجد بعد الفراغ وهي صلاتية لا تقضى خارجها. وأطلق في قوله وبعده لا فشمل ما إذا دخل معه في الركعة الثانية وفيه اختلاف، وظاهر الهداية يقتضي أن يسجد لها بعد الفراغ لانه لما لم يدرك ركعه التلاوة لم يصر مدركا لها وليست صلاتية فيقضي خارجها، وقيل هي صلاتية فلا تقضى خارجها قوله (وإن لم يقتد سجدها) لتقرر السبب في حقه وعدم المانع. قوله (ولم تقض الصلاتية خارجها) أي خارج الصلاة لان السجد المتلوة في الصلاة أفضل من غيرها لان قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها في غيرهما فلم يجز أداؤها خارج الصلاة لان الكامل لا يتأدى بالناقص. وهذا إذا لم تفسد الصلاة، أما إن تلاها في الصلاة ولم يسجد ثم فسدت الصلاة فعليه السجدة خارجها لانها لما فسدت بقي مجرد تلاوة فلم تكن صلاتية، ولو أداها فيها ثم فسدت لا يعيد السجدة لان بالمفسد لا يفسد جميع أجزاء الصلاة

[ 216 ]

وإنما يفسد الجزء المقارن فيمتنع البناء عليه. كذا في القنية. ويستثنى من فسادها ما إذا فسدت بالحيض. قال في الخلاصة: المرأة إذا قرأت آية السجدة في صلاتها فلم تسجد حتى حاضت تسقط عنها السجدة. وفي فتح القدير: ثم صواب النسبة فيه صلوية برد ألفه واوا وحذف التاء وإذ كانوا قد حذفوها في نسبة المذكر إلى المؤنث كنسبة الرجل إلى بصرة مثلا فقالوا بصري لا بصرتي كيلا يجتمع تاءان في نسبة المؤنث فيقولون بصرتية فكيف بنسبة المؤنث إلى المؤنث اه‍. وفي العناية: إنه خطأ مستعمل وهو عند الفقهاء خير من صواب نادر انتهى. ثم مقتضى قواعدهم أنه إذا لم يسجد في الصلاة حتى فرغ فإنه يأثم لانه لم يؤد الواجب ولم يمكن قضاؤها لما ذكرنا، وهذا متن الواجبات الذي إذا فات وقته تقرر الاثم على المكلف والمخرج له عنه التوبة كسائر الذنوب، وإياك أن تفهم من قولهم بسقوطها عدم الاثم فإنه خطأ فاحش كما رأيت بعضهم يقع فيه. ثم رأيت بعد ذلك التصريح به في البدائع قال: وإذا لم يسجد لم يبق عليه إلا الاثم، ومحل سقوطها ما إذا لم يركع لصلاته ولم يسجد لها صلبية، أما إن ركع أو سجد صلبية فإنه ينوب عنها إذا كان على الفور ولم يذكره المصنف رحمه الله. وحاصله على ما ذهب إليه الاصوليون أن الركوع ينوب عن سجدة التلاوة قياسا لما فيه من معنى الخضوع ولا ينوب استحسانا لانه خلاف المأمور به. وقدم القياس هنا على الاستحسان لقوة أثره الباطن وعكسه في المجتبى فقال: تلاها وركع للتلاوة مكان السجود يجزئه قياسا لا استحسانا، والاصح أنه يجزئه استحسانا لا قياسا وبه قال علماؤنا اه‍. ووجه الاصح أن القياس لا يقتضي عدم جوازه لانه الامر الظاهر بالسجود والركوع خلاف السجود، ولكن الحق الاول لتصريح محمد به فإنه قال في الكتاب: فإن أراد أن يركع بالسجدة نفسها هل يجزئه ذلك قال: أما في القياس فالركوع في ذلك والسجدة سواء لان كل ذلك صلاة، وأما في الاستحسان فينبغي له أن يسجد وبالقياس نأخذ اه‍. وحاصله على ما ذكره الفقهاء كما في البدائع ملخصا أن المتلوة خارج الصلاة تؤدى على نعت سجدات الصلاة والمتلوة في الصلاة الافضل أن يسجد لها ثم إذا سجد وقام يكره له أن يركع كما رفع رأسه، سواء كان آية السجدة في وسط السورة أو عند ختمها. وبقي بعدها إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث فينبغي أن يقرأ ثم يركع فينظر إن كانت الآية في الوسط فإنه ينبغي أن يختمها ثم يركع، وإن كانت

[ 217 ]

عند الختم فينبغي أن يقرأ آيات من سورة أخرى ثم يركع، وإن كان بقي إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث كما في بني إسرائيل * (وإذا السماء انشقت) * ينبغي أن يقرأ بقية السورة ثم يركع، فإن وصل إليها سورة أخرى فهو أفضل، ولو لم يسجد وإنما ركع ذكر في الاصل أن القياس أنهما سواء، والاستحسان أنه لا يجزئه وبالقياس نأخذ. والتفاوت ما بينهما أن ما ظهر من المعاني فقياس وما خفي فاستحسان ولا ترجيح في الخفي لخفائه ولا للظاهر لظهوره فيرجع إلى طلب الرجحان إلى ما اقترن بهما من المعاني، فمتى قوي الخفي أخذوا به، ومتى قوي الظاهر أخذوا به، وههنا قوي دليل القياس فأخذوا به لما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما أجازا أن يركع عن السجود في الصلاة ولم يرد عن غيرهما خلافه فكان كالاجماع. ثم اختلفوا في محل القياس والاستحسان، فذكر العامة أنه في إقامة الركوع مقام السجدة في الصلاة. وقال بعضهما: إنه خارج الصلاة بأن تلاها في غير الصلاة فركع وليس هذا بسديد بل لا يجزئه ذلك قياسا واستحسانا، لان الركوع خارج الصلاة لم يجعل قربة فلا ينوب مناب القربة. وعن محمد بن سلمة أن السجدة الصلبية هي التي تقوم مقام سجدة التلاوة لا الركوع. ويرده ما صرح به محمد في الكتاب كما أسلفناه. ولو لم يركع حتى طالت القراءة لم يجز وإن نواه عن السجدة، وكذا السجدة الصلبية لا تنوب عنها إذا طالت القراءة لانها صارت دينا لوجوبها مضيقا والدين يقضي بما له لا بما عليه، والركوع والسجود عليه فلا يتأدى به الدين. وإذا لم تطل القراءة لا يحتاج الركوع أو السجدة الصلبية في إقامتهما عن سجود التلاوة إلى النية فالفرض ينوب عن تحية المسجد وإن لم ينو، ومن المشايخ من قال: يحتاج إلى النية. وذكر الاسبيجابي أنه لو لم توجد النية منه عند الركوع لا يجزئه، ولو نوى في الركوع فيه قولان، ولو نوى بعد رفع الرأس منه لا يجوز بالاجماع، وأكثر المشايخ لم يقدروا لطول القراءة شيئا فكان الظاهر أنهم فوضوا ذلك إلى رأي المجتهد. وبعضهم قالوا: إن قرأ آية أو آيتيلم تطل، وإن قرأ ثلاثا طالت وصارت بمحل القضاء، والظاهر أن الثلاثة لا تعدم الفور اه‍. واختار قاضيخان أن الركوع خارج الصلاة ينوب عنها. وفي المجتبى: وإنما ينوب الركوع عنها بشرطين: أحدهما النية، والثاني أن لا يتخلل بين التلاوة والركوع ثلاث آيات إلا إذا كانت الآيات الثلاث من آخر السورة ك‍ " بني إسرائيل * (وإذا السماء انشقت) * اه‍. واختلف فيما إذا ركع على الفور للصلاة وسجد هل المجزئ عن سجدة التلاوة الركوع أو

[ 218 ]

السجود؟ فقيل الركوع لانه أقرب، وقيل السجود لان الركوع بدون النية لا يجزئ وفي السجود اختلاف، وفائدته تظهر فيما إذا تلا الفاتحة وعشرين آية مثلا آخرها آية السجدة وركع عقبها ثم رفع رأسه وقرأ عشر آيات مثلا ثم سجد ولم يكن نواها في الركوع يجب عليه سجدة التلاوة على حدة، أما إذا سجد عقب الركوع فإنه خرج عن العهدة لا محالة في ظاهر الرواية نواها في الركوع أولم ينو اه‍. وفي القنية: ولو نواها في الركوع عقب التلاوة ولم ينوها المقتدي لا ينوب عنه ويسجد إذا سلم الامام ويعيد القعدة ولو تركها تفسد صلاته اه‍. ثم قال: السجود أولى من الركوع لها في صلاة الجهر دون المخافته. وقيد المصنف بكونها لا تقضى خارجها لانه لو أخرها من ركعة إلى ركعة فإنها تقضى ما دام في الصلاة لان الصلاة واحدة لكن لا يلزم جواز التأخير، بل المراد الاجزاء لما في البدائع من أنها واجبة على الفور وأنه إذا أخرها حتى طالت القراءة تصير قضاء ويأثم لان هذه السجدة صارت من أفعال الصلاة ملحقة بنفس التلاوة، ولذا فعلت فيها مع أنها ليست من أصل الصلاة بل زائدة بخلاف غير الصلاتية فإنها واجبة على التراخي على ما هو المختار اه‍.

[ 219 ]

قوله (ولو تلاها خارح الصلاة فسجد وأعادها فيها) أي أعاد تلاوتها في الصلاة (سجد أخرى) لان الصلاتية أقوى فلا تكون تبعا للاضعف قوله (وإن لم يسجد أولا كفته واحدة) وهي صلاتية تنوب عنها وعن الخارجية لان المجلس متحد والصلاتية أقوى فصارت الاولى تبعا لها، فلو لم يسجد في الصلاة سقطتا لان الخارجية أخذت حكم الصلاتية فسقطت تبعا لها. أراد بالاكتفاء أن يكون بشرط اتحاد المجلس فإن تبدل مجلس التلاوة مع مجلس الصلاة فلكل سجدة. وإنما أفردها بالذكر مع دخولها تحت قوله كمن كررها في مجلس لا في مجلسين لمخالفتها لها في أنه إذا سجد للخارجية لا تكفي عن الصلاتية بخلاف ما إذا لم تكن صلاتية وسجد للاولى ثم أعادها فإن السجدة السابقة تكفي. والحاصل أنه يجب التداخل في هذه على وجه تكون الثانية مستتبعة للاولى إن لم يسجد للاولى لان اتحاد المجلس يوجب التداخل، وكون الثانية قوية منع من جعل الاولى مستتبعة إذ استتباع الضعيف للقوي عكس المعقول ونقض للاصول فوجب التداخل على الوجه المذكور. وأشار إلى أنه لو تلاها المصلي بعدما سمعها من غيره مرة أو مرارا تكفيه سجدة واحدة. وقيد بكون الاولى تلاها خارج الصلاة لانه لو قرأها في الصلاة أولا ثم سلم فأعادها في مكانه ذكر في كتاب الصلاة أنه يلزمه أخرى لان المتلوة في الصلاة لا وجود لها لا حقيقة ولا حكما، والموجود هو الذي يستتبع دون المعدوم بخلاف ما إذا كانت الاولى خارجة فإنها باقية بعد

[ 220 ]

التلاوة حكما. وذكر في النوادر أنه لا يلزمه. ووفق الزاهد السرخسي بينهما بحمل الاولى على ما إذا أعادها بعد الكلام، وحمل الثاني على ما إذا كان قبله، فلو لم يسجدها في الصلاة حتى سجدها الآن قال في الاصل: أجزأه ههنا وهو محمول على ما إذا أعادها بعد السلام قبل الكلام لانه لم يخرج عن حرمة الصلاة فكأنه كررها في الصلاة وسجد إذ لا يستقيم هذا الجواب فيما إذا أعادها بعد الكلام لان الصلاتية قد سقطت عنه بالكلام. كذا في البدائع وصحح التوفيق في المحيط، وهذا يفيد أن الصلاتية تقضى بعد السلام قبل أن يتكلم وإن لم يأت بمناف لحرمتها فينبغي أن يقيد قولهم الصلاتية لا تقضى خارجها بهذا وأن يراد بالخارج الخارج عن حرمتها. قوله (كمن كررها في مجلس لا في مجلسين) فإنه يكفيه واحدة في الاول دون الثاني والاصل فيه ما روي أن جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ على أصحابه وكان لا يسجد إلا مرة واحدة، وهو مروي عن عدة من الصحابة ولان المجلس جامع المتفرقات ولان في إيجاب السجدة لكل تلاوة حرجا خصوصا للمعلمين والمتعلمين وهو منفي بالنص. قيد بسجدة التلاوة لان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأن سمعه أو ذكره في مجلس واحد مرارا فيها اختلاف، فبعضهم قاسها عليها، وبعضهم منعه وأوجبها لكل مرة لانه من حقوق العباد ولا تداخل فيها وهو جفاء له كما ورد في الحديث وقدمنا ترجيحه. وأما تشميت من عطس في مجلس واحد مرارا فأوجبه بعضهم كل مرة والصحيح أنه إن زاد على الثلاث لا يشمت لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للعاطس في مجلسه بعد الثلاث قم فانتثر فإنك مزكوم. وفي المجتبى: ولا خلاف في وجوب تعظيم اسمه تعالى عند ذكره في كل مرة، وأطلقه فشمل ما إذا تلا مرارا ثم سجد وما إذا تلا وسجد ثم تلا بعده مرارا في مجلس واحد وهو تداخل في السبب دون الحكم ومعناه أن يجعل التلاوة المتعددة كتلاوة واحدة تكون الواحدة منها سببا والباقي تبع لها وهو أليق بالعبادات إذ السبب متى تحقق لا يجوز ترك حكمه، ولهذا يحكم بوجوبها في موضع الاحتياط حتى تبرأ ذمته بيقين، والتداخل في الحكم أليق في العقوبات لانها شرعت للزجر فهو ينزجر بواحدة فيحصل المقصود فلا حاجة إلى الثانية. والفرق بينهما أن التداخل في السبب ينوب فيه الواحدة عما قبلها وعما بعدها، وفي التداخل في الحكم لا تنوب إلا عما قبلها حتى لو زنا ثم زنا في المجلس يحد ثانيا بخلاف حد القذف إذا أقيم مرة ثم قذفه مرارا

[ 221 ]

لم يحد لان العار قد اندفع بالاول لظهور كذبه. وقيد بكون الآية واحدة لان من قرأ القرآن كله في مجلس واحد لزمه أربع عشرة سجدة لان المجلس لا يجعل الكلما ت المختلفة الجنس بمنزلة كلام واحد كمن أقر لانسان بألف درهم ولآخر بمائه دينار ولعبده بالعتق لا يجعل المجلس الواحد الكل إقرارا واحدا، وكذا الحرج منتف. وأطلق في المجلس فشمل ما إذا طال فإنه لا يتبدل به حتى لو تلاها في الجامع في زاوية ثم تلاها في زاوية أخرى لا يجب عليه إلا سجدة واحدة، وكذلك حكم السماع، وكذلك البيت والمحمل والسفينة في حكم التلاوة والسماع، سواء كانت السفينة واقفة أو جارية، وكذلك لا يختلف بمجرد القيام ولا بخطوة وخطوتين وكلمة أو كلمتين ولا بلقمة أو لقمتين بخلاف ما إذا كان كثيرا وبخلاف ما إذا نام مضطجعا أو باع ونحوه فإنه يتبدل المجلس، وكذا لو أرضعت صبيا. وكل عمل يعلم أنه قطع للمجلس بخلاف التسبيح ونحوه فإنه ليس بقاطع كالنوم قاعدا. وفي الدوس وتسدية الثوب ورحا الطحن والانتقال من غصن إلى غصن والسبح في نهر أو حوض يتكرر على الاصح، ولو كررها راكبا على الدابة وهي تسير يتكرر إلا إذا كان في الصلاة لان الصلاة جامعة للاماكن إذ الحكم بصحة الصلاة دليل اتحاد المكان. قالوا: إذا كان معه غلام يمشي وهو في الصلاة راكبا وكررها تكرر الوجوب على الغلام دون الراكب. وهذا إذا كان في ركعة واحدة، وأما إذا كان كررها في ركعتين فالقياس أن تكفيه واحدة وهو قول أبي يوسف الاخير، وفي الاستحسان أن يلزمه لكل تلاوة سجدة وهو قول أبي يوسف الاول وهو قول محمد. وهذه المسائل الثلاث التي رجع فيها أبو يوسف عن الاستحسان إلى القياس: إحداها هذه، والثانية أن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنا بالمتعة قياسا وهو قول أبي يوسف الاخير، وفي الاستحسان أن يكون رهنا بها وهو قوله الاول وقول

[ 222 ]

محمد. والثالثة إذا جنى العبد جناية فيما دون النفس واختار المولى الفداء ثم مات المجني عليه، القياس أن يخير المولى ثانيا وهو قوله الاخير وفي الاستحسان لا يخير وهو قوله الاول وقول محمد. وعلى هذا الخلاف إذا صلى على الارض وقرأ آية السجدة في ركعتين لو سمعها المصلي الراكب من رجل ثم سارت الدابة ثم سمعها ثانيا عليه سجدتان هو الصحيح لانها ليست بصلاتية، ولو سارت الدابة ثم نزل فتلاها أخرى يلزمه أخرى. كذا في المحيط. وفي فتح القدير: واعلم أن تكرار الوجوب في التسدية بناء على المعتاد في بلادهم من أنها أن يغرس الحائك خشبات يسوي فيها السدى ذاهبا وآيبا، أما على ما هي ببلاد الاسكندرية وغيرها بأن يديرها على دائرة عظمي وهو جالس في مكان واحد فلا يتكرر الوجوب اه‍. فالحاصل أن اختلاف المجلس حقيقي باختلاف المكان وحكمي باختلاف الفعل، ولو تبدل مجلس السامع دون التالي تكرر الوجوب على السامع واختلفوا في عكسه والاصح أنه لا يتكرر على الساملان السبب في حقه التلاوة والسماع شرط يتكرر الوجوب عليه لان الحكم يضاف إلى السبب لا الشرط. وإنما تكرر الوجوب عليه في المسألة الاولى مع اتحاد مجلس السبب لان الشرع أبطل تعدد التلاوة المتكررة في حق التالي حكما لاتحاد مجلسه لا حقيقة فلم يظهر ذلك في حق السامع فاعتبرت حقيقة التعدد فتكرر الوجوب، فعلى هذا يتكرر على السامع، إما بتبدل مجلسه أو بتبدل مجلس التالي. وفي القنية: تلا آية السجدة ويريد أن يكررها للتعليم في المجلس فالاولى أن يبادر فيسجد ثم يكرر اه‍. وقد يقال: إن الاولى أن يكررها ثم يسجد آخرا لما أن بعضهم قال: إن التداخل في الحكم لا في السبب حتى لو سجد للاولى ثم أعادها لزمته أخرى كحد الشر ب والزنا. نقله في المجتبي. فالاحتياط على هذا التأخير كما لا يخفى. وفي القنية أيضا: ولو صليا على الدابة فقرأ أحدهما آية السجدة في الصلاة مرة والآخر في صلاته مرتين وسمع كلاهما من صاحبه، فعلى من تلاها مرتين سجدة واحدة خارج الصلاة وعلى صاحبه سجدتان اه‍. وقد يقال: بل الواجب على من تلاها مرتين سجدتان أيضا صلاتية بتلاوته

[ 223 ]

وخارجية بتلاوة صاحبه. ثم رأيته بحمد الله تعالى في فتاوى قاضيخان أن على كل منهما سجدتين صلاتية بتلاوته وخارجية بسماعه من صاحبه، وأطال الكلام في بيانه فراجعه. قوله (وكيفيته أن يسجد بشرائط الصلاة بين تكبيرتين بلا رفع يد وتشهد وتسليم) أي وكيفية السجود وقدمنا أنه يستثنى من شرائط الصلاة التحريمة. والمراد بالتكبيرتين تكبيرة الوضع وتكبيرة الرفع وكل منهما سنة كما صححه في البدائع لحديث أبي داود في السنن من فعله عليه الصلاة والسلام كذلك. وإنما لا يرفع يديه عند التكبيرة لان هذا التكبير مفعول لاجل الانحطاط لا للتحريمة كما في سجود الصلاة، وكذا التكبير للرفع كما في سجود الصلاة وهو المروي من فعله عليه السلام وابن مسعود من بعده. وإنما لا يتشهد ولا يسلم لانه للتحليل وهو يستدعي سبق التحريمة وهي معدومة. واختلفوا فيما يقوله في هذه السجدة، والاصح أنه يقول سبحان ربي الاعلى ثلاثا كسجدة الصلاة ولا ينقص منها. وينبغي أن لا يكون ما صحح على عمومه فإن كانت السجدة في الصلاة، فإن كانت فريضة قال سبحان ربي الاعلى أو نفلا قال ما شاء مما ورد كسجد وجهي للذي خلقه إلى آخره. وقوله اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود وإن كان خارج الصلاة قال: كلما أثر من ذلك. كذا في فتح القدير. ومما يستحب لادائها أن يقوم فيسجد لان الخرور سقوط من القيام والقرآن ورد به وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها وإن لم يفعل لم يضره. وما وقع في السراج الوهاج من أنه إذا كان قاعدا لا يقوم لها، فخلاف المذهب. وفي المضمرات: يستحب أن يقوم ويسجد ويقوم بعد رفع الرأس من السجدة ولا يقعد اه‍. والثاني غريب. وأفاد في القنية أنه يقوم لها وإن كانت كثيره وأراد أن يسجدها مترادفة، ومن المستحب أن يتقدم التالي ويصف القوم

[ 224 ]

خلفه فيسجدون، ويستحب أن لا يرفع القوم رؤوسهم قبله وليس هو اقتداء حقيقة لانه لو فسدت سجد: الامام بسبب لا يتعدى إليهم. وفي المجتبى معزيا إلى شيخ الاسلام: لا يؤمر التالي بالتقديم ولا بالصف ولكنه يسجد ويسجدون معه حيث كانوا وكيف كانوا. وذكر أبو بكر أن المرأة تصلح إماما للرجل فيها اه‍. وفي السراج الوهاج: ثم إذا أراد السجود ينويها بقلبه ويقول بلسانه أسجد لله سجدة التلاوة الله أكبر كما يقول أصلي لله تعالى صلاة كذا. قوله (وكره أن يقرأ سورة ويدع آية السجدة لا عكسه) لانه يشبه الاستنكا ف عنها عمدا في الاول وفي الثاني مبادرا لها. قال محمد: وأحب إلى أن يقرأ قبلها آية أو آيتين. وذكر قاضيخان إن قرأ معها آية أو آيتين فهو أحب وهذا أعم من الاول لصدقه بما إذا قرأ بعدها آية أو آيتين بخلاف الاول، وعلله بقوله دفعا لوهم التفضيل أي تفضيل آي السجدة على غيرها إذ الكل من حيث إنه كلام الله تعالى في رتبة وإن كان لبعضها بسبب اشتماله على ذكر صفات الحق جل جلاله زيادة فضيلة باعتبار المذكور لا باعتباره من حيث هو قرآن. وفى الكافي: قيل من قرأ آي السجدة كلها في مجلس واحد وسجد لكل منها كفاه الله ما أهمه. وما ذكر في البدائع في كراهة ترك آية السجدة من سورة يقرأها لان فيه قطعا لنظم القرآن وتغييرا لتأليفه واتباع النظم والتأليف مأمور به قال الله تعالى * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * (القيامة: 18) أي تأليفه فكان التغيير مكروها يقتضي كراهة ذلك. كذا في فتح القدير. وأقول: وإن كان ذلك مقتضاه لكن صرح بعده في البدائع بخلافه فقال: ولو قرأ آية السجدة من بين

[ 225 ]

السور لم يضره ذلك لانها من القرآن، وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السور. وقيده قاضيخان بأن يكون في غير الصلاة فظاهر أنه لو كان في الصلاة كره فهو مقيد لقوله لا عكسه. ثم قال في البدائع: ولو قرأ آية السجدة وعنده ناس فإن كانوا متوضئين متأهبين للسجدة قرأها جهرا، وإن كانوا غير متأهبين ينبغي أن يخفض قراءته لانه لو جهر بها لصار موجبا عليهم شيئا ربما يتكاسلون عن أدائه فيقعون في المعصية اه‍. وذكر الشارح: ولو قرأ آية السجدة إلا الحرف الذي في آخرها لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لا يسجد إلا أن يقرأ أكثر آية السجدة بحرف السجدة. وفي مختصر البحر: لو قرأ وسجد وسكت ولم يقرأ واقترب تلزمه السجدة اه‍. وفي فتاوى قاضيخان: رجل سمع آية السجدة من قوم من كل واحد منهم حرفا ليس عليه أن يسجد لانه لم يسمعها من تال والله سبحانه أعلم وبعباده أرحم. باب المسافر أي باب صلاة المسافر لان الكلام في أبواب الصلاة، ولا شك أن السفر عارض مكتسب كالتلاوة إلا أن التلاوة عارض هو عبادة في نفسه إلا بعارض بخلاف السفر إلا بعارض فلذا أخر هذا الباب عن ذاك. والسفر لغة قطع المسافة من غير تقدير بمدة لانه عبارة

[ 226 ]

عن الظهور، ولهذا حمل أصحابنا رحمهم الله قوله صلى الله عليه وسلم ليس على الفقير والمسافر أضحية على الخروج من بلد أو قرية حتى سقط الاضحية بذلك القدر. كذا في المجتبيى. وذكر في غاية البيان والسراج الوهاج أن من الاحكام التي تغيرت بالسفر الشرعي سقوط الاضحية وجعله كالقصر، وظاهره أنها لا تسقط إلا بالسفر الشرعي وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في محله. والاضافة في صلاة المسافر إضافة الشئ إلى شرطه والفعل إلى فاعله قوله (من جاوز بيوت مصره مريدا سيرا وسطا ثلاثة أيام في بر أو بحر أو جبل قصر الفرض الرباعي) بيان للموضع الذي يبتدأ فيه القصر ولشرط القصر ومدته وحكمه. أما الاول فهو مجاوزة بيوت المصر لما صح عنه عليه السلام أنه قصر العصر بذي الخليفة. وعن علي أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعا ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين. والخص بالخاء المعجمة والصاد المهملة بيت من قصب. كذا ضبطه في السراج الوهاج. ويدخل في بيوت المصر ربضه وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن، ويقال لحرم المسجد ربض أيضا. وظاهر كلام المصنف أنه لا يشترط مجاوزة القرية المتصلة بربض المصر وفيه اختلاف، وظاهر المجتبى ترجيح عدم الاشتراط وهو الذي يفيده كلام أصحاب المتون كالهداية أيضا. وجزم في فتح القدير بالاشتراط واعترض به على الهداية وصحح قاضيخان في فتاواه أنه لا بد من مجاوزة القرية المتصلة بربض المصر بخلاف القرية المتصلة بفناء المصر فإنه يعتبر مجاوزة الفناء لا القرية. ولم يذكر المصنف مجاوزة الفناء للاختلاف، وفصل قاضيخان في فتاواه فقال: إن كان بينه وبين المصر أقل من قدر غلوة ولم يكن بينهما مزرعة يعتبر مجاوزة الفناء أيضا، وإن كانت بينهما مزرعة أو كانت المسافة بينه وبين المصر قدر غلوة يعتبر مجاوزة عمران المصر اه‍. وأطلق في المجاوزة فانصرفت من الجانب الذي خرج منه ولا يعتبر مجاوزة محلة بحذائه من الجانب الآخر، فإن كانت في الجانب الذي خرج منه محلة منفصلة عن المصر وفي القديم كانت متصلة بالمصر لا يقصر الصلاة حتى يجاوز تلك المحلة. كذا في الخلاصة. وذكر في المجتبى أن قدر الغلوة ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة وهو الاصح. وفي المحيط: وكذا إذا عاد من سفره إلى مصر لم يتم حتى يدخل العمران. وأما الثاني فهو أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام فلو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة

[ 227 ]

ثلاثة أيام لا يترخص، وعلى هذا قالوا: أمير خرج مع جيشه في طلب العدو ولم يعلم أين يدركهم فإنهم يصلون صلاة الاقامة في الذهاب وإن طالت المدة، وكذلك المكث في ذلك الموضع، أما في الرجوع فإن كانت مدة سفر قصروا وعلى اعتبار القصد تفرع في صبي ونصراني خرجا قاصدين مسيرة ثلاثة أيام ففي أثنائها بلغ الصبي وأسلم الكافر، يقصر الذي أسلم فيما بقي ويتم الذي بلغ لعدم صحة القصد والنية من الصبي حين أنشأ السفر بخلاف النصراني والباقي بعد صحة النية أقل من ثلاثة أيام وسيأتي أيضا. وإنما اكتفى بالنية في الاقامة واشترط العمل معها في السفر لما أن في السفر الحاجة إلى الفعل وهو لا يكفيه مجرد النية ما لم يقارنها عمل من ركوب أو مشي كالصائم إذا نوى الافطار لا يكون مفطرا ما لم يفطر، وفي الاقامة الحاجة إلى ترك الفعل وفي الترك يكفي مجرد النية كعبد التجارة إذا نواه للخدمة. وأشار المصنف إلى أن النية لا بد أن تكون قبل الصلاة ولذا قال في التجنيس: إذا افتتح الصلاة في السفينة حال إقامته في طرف البحر فنقلها الريح وهو في السفينة ونوى السفر يتم صلاة المقيم عند أبي يوسف خلافا لمحمد لانه اجتمع في هذه الصلاة ما يوجب الاربع وما يمنع فرجحنا ما يوجب الاربع احتياطا اه‍. وفيه أيضا: ومن حمل غيره ليذهب معه والمحمول لا يدري أين يذهب معه فإنه يتم الصلاة حتى يسير ثلاثا لانه لم يظهر المغير، وإذا سار ثلاثا فحينئذ قصر لانه وجب عليه القصر من حين حمله، ولو كان صلى ركعتين من يوم حمل وسار به مسيرة ثلاثة أيام فإن صلاته تجزئه، وإن سار به أقل من مسيرة ثلاثة أيام أعاد كل صلاة صلاها ركعتين لانه تبين أنه صلى صلاة المسافرين وهو مقيم وفي الوجه الاول تبين أنه مسافر اه‍. ففي هذه المسألة يكون مسافرا بغير قصد وهو غير مشكل لما سيأتي أن الاعتبار بنية المتبوع لا التابع. وأما التقدير بثلاثة أيام فهو ظاهر المذهب وهو الصحيح لاشارة قوله صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام (1) عم الرخصة الجنس ومن ضرورته عموم التقدير وتمام تحقيقه في فتح القدير. والمراد باليوم النهار دون الليل لان الليل

[ 228 ]

للاستراحة فلا يعتبر، والمراد ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة. وهل يشترط سفر كل يوم إلى الليل؟ اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يشترط حتى لو بكر في اليوم الاول ومشى إلى الزوال ثم في اليوم الثاني كذلك، ثم في اليوم الثالث كذلك فإنه يصير مسافرا لان المسافر لا بد له من النزول لاستراحة نفسه ودابته فلا يشترط أن يسافر من الفجر إلى الفجر لان الآدمي لا يطيق ذلك، وكذلك الدواب فألحقت مدة الاستراحة بمدة السفر لاجل الضرورة. كذا في السراج الوهاج. وبه اندفع ما في فتح القدير لان أقل اليوم إذا كان ملحقا بأكثره للضرورة لم يكن فيه مخالفة للحديث المفيد للثلاثة كما أن الليل للاستراحة وهو مذكور في الحديث. وأشار المصنف إلى أنه لا اعتبار بالفراسخ وهو الصحيح لان الطريق لو كان وعرا بحيث يقطع في ثلاثة أيام أقل من خمسة عشر فرسخا قصر بالنص، وعلى التقدير بها لا يقصر فيعارض النص فلا يعتبر سوى سير الثلاثة. وفي النهاية: الفتوى على اعتبار ثمانية عشر فرسخا. وفي المجتبى: فتوى أكثر أئمة خوارزم على خمسة عشر فرسخا اه‍. وأنا أتعجب من فتواهم في هذا وأمثاله بما يخالف مذهب الامام خصوصا المخالف للنص الصريح. وفي فتاوى قاضيخان: الرجل إذا قصد بلدة وإلى مقصده طريقان أحدهما مسيرة ثلاثة أيام ولياليها والآخر دونها فسلك الطريق الابعد كان مسافرا عندنا ا ه‍ وإن سلك الاقصر يتم وهذا جواب واقعة الملاحين بخوارزم فإن من الجرجانية إلى مدانق اثني عشر فرسخا في البر، وفي جيحون أكثر من عشرين فرسخا، فجاز لركاب السفينة والملاحين القصر والافطار فيه صاعدا ومنحدرا. كذا في المجتبى. وذكر الاسبيجابي المقيم إذا قصد مصرا من الامصار وهو ما دون مسيرة ثلاثة أيام لا يكون مسافرا، ولو أنه خرج من ذلك المصر الذي قصد إلى مصر آخر وهو أيضا أقل من ثلاثة أيام فإنه لا يكون مسافرا، وإن طاف آفاق الدنيا على هذا السبيل لا يكون مسافرا اه‍. وفي السراج الوهاج: إذا

[ 229 ]

كانت المسافة ثلاثة أيام بالسير المعتاد فسار إليها على البريد سيرا مسرعا أو على الفرس جريا حثيثا فوصل في يومين قصر اه‍. والمراد بسير البر والجبل أن يكون بالابل ومشي الاقدام، والمراد بالابل إبل القافلة دون البريد. وأما السير في البحر فيعتبر ما يليق بحاله وهو أن يكون مسافة ثلاثة فيه إذا كانت تلك الرياح معتدلة، وإن كانت تلك المسافة بحيث تقطع في البر في يوم كما في الجبل يعتبر كونها من طريق الجبل بالسير الوسط ثلاثة أيام، وإن كانت تقطع من طريق السهل بيوم فالحاصل أن تعتبر المدة من أي طريق أخذ فيه، ولهذا عمم المصنف رحمه الله. وخرج سير البقر بجر العجلة ونحوه لانه أبطأ السير كما أن أسرعه سير الفرس والبريد والوسط ما ذكرنا وفي البدائع: ثم يعتبر في كل ذلك السير المعتاد فيه وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه. وأما الثالث أعني حكم السفر فهو تغيير بعض الاحكام فذكر المصنف منها قصر الصلاة والمراد وجوب قصرها حتى لو أتم فإنه آثم عاص لان الفرض عندنا من ذوات الاربع ركعتان في حقه لا غير، ومن مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة والاكمال رخصة. قال في البدائع: وهذا التلقيب على أصلنا خطأ لان الركعتين في حقه ليستا قصرا حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر والاكمال ليس رخصة في حقه بل إساءة ومخالفة للسنة، ولان الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الاصلي بعارض إلى تخفيف ويسر ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأسا إذ الصلاة في الاصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر ثم زيدت ركعتين في حق المقيم كما روته عائشة رضي الله عنها فانعدم معنى التغيير في حقه أصلا، وفي حق المقيم وجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر، والرخصة تنبئ عن ذلك فلم يكن رخصة حقيقة في حق المقيم أيضا، ولو سمى فإنما هو مجاز لوجود بعض معاني الحقيقة وهو التغيير اه‍. فعلى هذا لو قال في جواب الشرط صلى الفرض الرباعي ركعتين لكان أولى. وقيد بالفرض لانه لا قصر في الوتر والسنن. واختلفوا في ترك السنن في السفر، فقيل الافضل هو الترك ترخيصا، وقيل الفعل تقربا. وقال الهندواني: الفعل حال النزول والترك حال السير،

[ 230 ]

وقيل يصلي سنة الفجر خاصة، وقيل سنة المغرب أيضا. وفي التجنيس: والمختار أنه إن كان حال أمن وقرار يأتي بها لانها شرعت مكملات والمسافر إليه محتاج، وإن كان حال خوف لا يأتي بها لانه ترك بعذر اه‍. وقيد بالرباعي لانه لا قصر في الفرض الثنائي والثلاثي فالركعات المفروضة حال الاقامة سبعة عشر، وحال السفر إحدى عشر. وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد: إذا قال لنسائه من لم يدر منكن كم ركعة فرض يوم وليلة فهي طالق فقالت إحداهن عشرون ركعة والاخرى سبع عشرة ركعة والاخرى خمسة عشرة والاخرى إحدى عشر، لا تطلق واحدة منهن. أما السبع عشرة لا يشكل، ومن قالت عشرون ركعة فقد ضمت الوتر إليها، ومن قالت خمس عشرة فيوم الجمعة، ومن قالت إحدى عشرة ففرض المسافر اه‍. أطلق الارادة فشملت إرادة الكافر. قال في الخلاصة: صبي ونصراني خرجا إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فلما سارا يومين أسلم النصراني وبلغ الصبي، فالنصراني يقصر الصلاة فيما بقي من سفره، والصبي يتم الصلاة بناء على أن نية الكافر معتبرة وهو المختار، والامام الجليل الفضلي سوى بينهما يعني كلاهما يتمان الصلاة اه‍.. قوله: (فلو أتم وقعد في الثانية صح وإلا لا) أي وإن لم يقعد على رأس الركعتين لم يصح فرضه لانه إذا قعد فقد تم فرضه وصارت الاخريان له نفلا كالفجر وصار آثما لتأخير السلام، وإن ليقعد فقد خلط النفل بالفرض قبل إكماله. وأشار إلى أنه لا بد أن يقرأ في الاوليين فلو ترك فيهما أو في إحداهما وقرأ في الاخريين لم يصح فرضه. وهذا كله إن لم ينو الاقامة، فإن نواها قال الاسبيجابي: لو صلى المسافر ركعتين وقرأ فيهما وتشهد ثم نوى الاقامة قبل التسليم أو بعد ما قام إلى الثالثة قبل أن يقيدها بسجدة فإنه يتحول فرضه إلى الاربع إلا أنه يعيد القيام والركوع لانه فعله بنية التطوع فلا ينوب عن الفرض وهو مخير في القراءة، فلو قيدها بسجدة ثم نواها لم يتحول فرضه ويضيف إليها أخرى، ولو أفسدها لا شئ عليه. ولو لم يتشهد وقام إلى الثالثة ثم نوى الاقامة تحول فرضه أربعا اتفاقا، فإن لم يقم صلبه عاد إلى التشهد، وإن أقامه يعود وهو مخير في القراءة. ولو قام إلى الثالثة ثم نوى قبل السجدة تحول الفرض ويعيد القيام والركوع، ولو قيد بالسجدة فقد تأكد الفساد فيضيف أخرى فتكون الاربع تطوعا على قولهما خلافا لمحمد، فعنده لا تنقلب بعد الفساد تطوعا. ولو ترك القراءة وأتى بالتشهد ثم نوى الاقامة قبل أن يسلم أو قام إلى الثالثة ثم نوى الاقامة قبل أن يقيدها بالسجدة فإنه يتحول إلى الاربع ويقرأ في الاخريين قضاء عن الاوليين، ولو قيد الثالثة بسجدة ثم نوى فسدت اتفاقا ويضيف رابعة لتكون تطوعا عندهما ا ه‍. قوله: (حتى يدخل مصره أو ينوي الاقامة نصف شهر في بلد أو قرية) متعلق بقوله قصر أي قصر إلى غاية دخول المصر أو نية الاقامة في موضع صالح للمدة المذكورة فلا يقصر. أطلق في

[ 231 ]

دخول مصره فشمل ما إذا نوى الاقامة به أولا، وشمل ما إذا كان في الصلاة كما إذا سبقه حدث وليس عنده ماء فدخله للماء إلا اللاحق إذا أحدث ودخل مصره ليتوضأ لا يلزمه الاتمام ولا يصير مقيما بدخوله المصر. كذا في الفتاوى الظهيرية. وشمل ما إذا كان سار ثلاثة أيام أو أقل لكن المذكور في الشرح أنه يتم إذا سار أقل بمجرد العزم على الرجوع وإن لم يدخل مصره لانه نقض للسفر قبل الاستحكام إذ هو يحتمل النقض. قال في فتح القدير: وقياسه أن لا يحل فطره في رمضان إذا كان بينه وبين بلده يومان. وفي المجتبى: لا يبطل السفر إلا بنية الاقامة أو دخول الوطن أو الرجوع قبل الثلاثة ا ه‍. والمذكور في الخانية والظهيرية وغيرهما أنه إذا رجع لحاجة نسيها ثم تذكرها، فإن كان له وطن أصلي يصير مقيما بمجرد العزم على الرجوع، وإن لم يكن له وطن أصلي يقصر ا ه‍. والذي يظهر أنه لا بد من دخول المصر مطلقا لان العلة مفارقة البيوت قاصدا مسيرة ثلاثة أيام لا استكمال سفر ثلاثة أيام بدليل ثبوت حكم السفر بمجرد ذلك فقد تمت العلة لحكم السفر فيثبت حكمه ما لم تثبت علة حكم الاقامة. وروى البخاري تعليقا أن عليا خرج فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له: هذه الكوفة قال: لا حتى ندخلها، يريد أنه صلى ركعتين والكوفة بمرأى منهم فقيل له إلى آخره. وقيد بنية الاقامة لانه لو دخل بلدا ولم ينو أنه يقيم فيها خمسة عشر يوما وإنما يقول غدا أخرج أو بعد غد أخرج حتى بقي على ذلك سنين قصر. وفي المجتبى: والنية إنما تؤثر بخمس شرائط: أحدها ترك السير حتى لو نوى الاقامة وهو يسير لم يصح. وثانيها صلاحية الموضع حتى لو أقام في بحر أو جزيرة لم تصح. واتحاد الموضع والمدة والاستقلال بالرأي ا ه‍. وأطلق النية فشمل الحكمية كما لو وصل الحاج إلى الشام وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يوما وعزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر لانه كناوي الاقامة. كذا في المحيط. وشمل ما إذا نواها في خلال الصلاة في الوقت فإنه يتم، سواء كان في أولها أو وسطها أو في آخرها، وسواء كان منفردا أو مقتديا أو مدركا أو مسبوقا. أما اللاحق إذا أدرك أول الصلاة والامام مسافر فأحدث أو نام فانتبه بعد فراغ الامام ونوى الاقامة لم يتم لان اللاحق في الحكم كأنه خلف الامام، فإذا فرغ الامام فقد استحكم الفرض فلا يتغير في

[ 232 ]

حق الامام فكذا في حق اللاحق. ولو نواها بعد ما صلى ركعة ثم خرج الوقت فإنه يتحول فرضه إلى الاربع، ولو خرج الوقت وهو في الصلاة فنوى الاقامة فإنه لا يتحول فرضه إلى الاربع في حق تلك الصلاة. كذا في الخلاصة. وقيد بنصف شهر لان نية إقامة ما دونها لا توجب الاتمام لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قدراها بذلك والاثر في المقدرات كالخبر، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة مع أصحابه سبعة أيام وهو يقصر، وقيد بالبلد والقرية لان نية الاقامة لا تصح في غيرهما فلا تصح في مفازة ولا جزيرة ولا بحر ولا سفينة. وفي الخانية والظهيرية والخلاصة: ثم نية الاقامة لا تصح إلا في موضع الاقامة ممن يتمكن من الاقامة، وموضع الاقامة العمران والبيوت المتخذة من الحجر والمدر والخشب لا الخيام والاخبية والوبر ا ه‍. وقيد الشارحون اشتراط صلاحية الموضع بأن يكون سار ثلاثة أيام فصاعدا، أما إذا لم يسر ثلاثة أيام فلا يشترط أن تكون الاقامة في بلد أو قرية بتصح ولو في المفازة وفيه من البحث ما قدمناه. وقول المصنف حتى يدخل مصره أولى من قول صاحب المجمع إلى أن يدخل وطنه لان الوطن مكان الانسان ومحله كما في المغرب، وليس الاتمام متوقفا على دخوله بل على دخول مصره، وإن لم يدخل وطنه ويصير المصر مصرا للانسان بكونه ولد فيه. واختلفوا فيما إذا دخل المسافر مصرا وتزوج بها والظاهر أنه يصير مقيما لحديث عمر رضي الله عنه ولقوله عليه الصلاة والسلام من تزوج في بلدة فهو منها والمسافرة تصير مقيمة بنفس التزوج عندهم. كذا في القنية. قوله: (لا بمكة ومنى) أي لو نوى الاقامة بمكة خمسة عشر يوما فإنه لايتم الصلاة لان الاقامة لا تكون في مكانين إذ لو جازت في مكانين لجازت في أماكن فيؤدي إلى أن السفر لا يتحقق لان إقامة المسافر في المراحل لو جمعت كانت خمسة عشر يوما أو أكثر إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في أحدهما فيصير مقيما بدخوله فيه لان إقامة المرء تضاف إلى مبيته. يقال فلان يسكن في حارة، كذا وإن كان بالنهار في الاسواق ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا. وذكر في كتاب المناسك أن الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الاقامة نصف شهر لا يصح لانه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا يتحقق الشرط. وقيل: كان

[ 233 ]

سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة وذلك أنه كان مشغولا بطلب الحديث قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الاقامة شهرا وجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت فإنك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا تصير مسافرا فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين فرحلت إلى مجلس محمد واشتغلت بالفقه. قال في البدائع: وإنما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ العلم فيصير مبعثة للطلبة على طلبه. قيد بالمصرين ومراده موضعان صالحان للاقامة لا فرق بين المصرين أو القريتين أو المصر والقرية للاحتراز عن نية الاقامة في موضعين من مصر واحد أو قرية واحدة فإنها صحيحة لانهما متحدان حكما، ألا ترى أنه لو خرج إليه مسافرا لم يقصر قوله: (وقصر إنوى أقل منها أو لم ينو وبقي سنين) أي أقل من نصف شهر وقد قدمنا تقريره قوله: (أو نوى عسكر ذلك بأرض

[ 234 ]

الحرب وإن حاصروا مصر أو حاصروا أهل البغي في دارنا في غيره) معطوف على قوله نوى أقل منه أي وقصر إن نوى عسكر نصف شهر بأرض الحرب، ولا فرق بين أن يكون العسكر مشغولين بالقتال أو المحاصرة، ولا فرق في المحاصرة بين أن تكون للمدينة أو للحصن بعد أن دخلوا المدينة، ولا فرق بين أن يكون العسكر في أرض الحرب أو أرض الاسلام مع أهل البغي في غير المصر لان نية الاقامة في دار الحرب أو البغي لا تصح لان حالهم يخالف عزيمتهم للتردد بين القرار والفرار، ولهذا قال أصحابنا في تاجر دخل مدينة لحاجة ونوى أن يقيم خمسة عشيوما لقضاء تلك الحاجة لا يصير مقيما لانه متردد بين أن يقضي حاجته فيرجع، وبين أن لا يقضي فيقيم فلا تكون نيته مستقرة كنية العسكر في دار الحرب. وهذا الفصل حجة على من يقول من أراد الخروج إلى مكان ويريد أن يترخص ترخص السفر ينوي مكانا أبعد منه وهذا غلط. كذا ذكر التمرتاشي ا ه‍. كذا في معراج الدراية. وعلى هذا واقعة الفتوى وهي أن إنسانا يحلف بالطلاق أنه يسافر في هذا الشهر فينوي مسيرة ثلاثة أيام ويقصد مكانا قريبا فهذا لم يكن مخلصا له لتعارض نيته إذ الاولى ليست بنية أصلا. وأطلق في العسكر فشمل ما إذا كانت الشوكة لهم وقيد به لان من دخل دار الحرب بأمان فنوى إقامة نصف شهر فيها فإنه يتم أربعا لان أهل الحرب لا يتعرضون له لاجل الامان. كذا في النهاية. وأشار إلى أن الاسير لو انفلت من أيدي الكفار وتوطن في

[ 235 ]

غار ونوى الاقامة خمسة عشر يوما لم يصر مقيما كما لو علم أهل الحرب بإسلامه فهرب منهم يريد السفر ثلاثة أيام ولياليها لم تعتبر نيته. كذا في الخلاصة. وفي فتاوى قاضيخان: وحكم الاسير في دار الحرب حكم العبد لا تعتبر نيته والرجل الذي يبعث إليه الوالي أو الخليفة ليؤتى به إليه فهو بمنزلة الاسير. وفي التجنيس: عسكر المسلمين إذا دخلوا دار الحرب وغلبوا في مدينة إن اتخذوها دارا يتمون الصلاة، وإن لم يتخذوها دارا ولكن أرادوا والاقامة بها شهرا أو أكثر فإنهم يقصرون لانها في الوجه الثاني بقيت دار حرب وهم محاربون فيها وفي الوجه الاول لا ا ه‍. قوله: (بخلاف أهل الاخبية) حيث تصح منهم نية الاقامة في الاصح وإن كانوا في المفازة لان الاقامة أصل فلا تبطل بالانتقال من مرعى إلى آخر إلا إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف وقصدوا موضع إقامتهم في الشتاء وبينهما مسيرة ثلاثة أيام فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق. وظاهر كلام البدائع أن أهل الاخبية مقيمون لا يحتاجون إلى نية الاقامة فإنه جعل المفاوز لهم كالامصار والقرى لاهلها، ولان الاقامة للرجل أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر وإنما ينتقلون من ماء إلى ماء وم‍ مرعى إلى آخر ا ه‍. والاخبية جمع خباء البيت من صوف أو وبر. فإن كان من الشعر فليس بخباء. كذا في ضياء الحلوم. وفي المغرب: الخباء الخيمة من الصوف ا ه‍. والمراد هنا الاعم لما في البدائع من التسوية بين من يسكن في بيت صوف أو بيت شعر. وقيد بأهل الاخبية لان غيرهم من المسافرين لو نوى الاقامة معهم فعن أبي يوسف روايتان، وعند أبي حنيفة لا يصيرون مقيمين وهو الصحيح، كذا في البدائع. وفي المجتبى: والملاح مسافر إلا عند الحسن وسفينته أيضا ليست بوطن قوله: (ولو اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح وأتم) لانه يتغير فرضه إلى الاربع للتبعية كما

[ 236 ]

تتغير نية الاقامة لاتصال المغير بالسبب وهو الوقت وفرض المسافر قابل للتغير حال قيام الوقت كنية الاقامة فيه، وإذا كان التغيير لضرورة الاقتداء فلو أفسده صلى ركعتين لزواله بخلاف ما لو اقتدى بالمقيم في فرضه ينوي النفل حيث يصلي أربعا إذا أفسده لانه التزم أداء صلاة الامام وهنا لم يقصد سوى إسقاط فرضه غير أنه تغير ضرورة متابعته. ويستثنى من مسألة الكتاب ما لو اقتدى المقيم بالمسافر فأحدث الامام فاستخلف المقيم فإنه لا يتغير فرضه إلى الاربع مع أنه صار مقتديا بالخليفة المقيم لانه لما كان المؤتم خليفة عن المسافر كان المسافر كأنه الامام فيأخذ الخليفة صفة الاول حتى لو لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاة الكل. ثم في اقتداء المسافر بالمقيم إذا لم يجلس الامام قدر التشهد في الركعتين عامدا أو ساهيا وتابعه المسافر فقد قيل تفسد صلاة المسافر، وقيل لا تفسد. كذا في السراج الوهاج. والفتوى على عدم الفساد لان صلاته صارت أربعا بالتبعية. كذا في التجنيس وصححه في القنية. وأشار المصنف إلى أن الامام المسافر لو نوى الاقامة لزم المأموم المسافر الاتمام وإن لم ينو للتبعية، فلو أم المسافر مسافرين ومقيمين فلما صلى ركعتين وتشهد فقبل أن يسلم تكلم واحد من المسافرين أو قام فذهب ثم نوى الامام الاقامة فإنه يتحول فرضه وفرض المسافرين الذين لم يتكلموا إلى الاربع وصلاة من تكلم تامة، فلو تكلم بعد نية الامام الاقامة فسدت صلاته ولزمه صلاة المسافر ركعتين. ذكره الاسبيجابي. قوله: (وبعده لا) أي بعد خروج الوقت لا يصح اقتداء المسافر بالمقيم لان فرضه لا يتغير بعد الوقت لانقضاء السبب كما لا يتغير بنية الاقامة فيكون اقتداء المفترض بالتنفل في حق القعدة أو القراءة أو التحريمة. كذا ذكر الشارح. والمذكور في الهداية وغيرها في حق القعدة أو القراءة، ولم أر من ذكر التحريمة غير الشارح والحدادي، وتوضيحه أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم أول الصلاة فإن القعدة تصير فرضا في حق المأموم وغير فرض في حق الامام وهو المراد بالنفل في عبارتهم لانه ما قابل الفرض فيدخل فيه الواجب فإن القعدة الاولى واجبة. وإن اقتدى به في الشفع الثاني وكان الامام قد قرأ في الشفع الاول فالقراءة في الشفع الثاني نافلة في حق الامام فرض في حق المأموم، فإن كان الامام صلى الشفع الاول بغير قراءة واقتدى به في الشفع الثاني ففيه روايتان كما في البدائع. ومقتضى المتون عدم الصحة مطلقا،

[ 237 ]

ومقتضى التعليل في هذه المسألة الصحلانه ليس اقتداء المفترض بالمتنفل لا في حق القعدة ولا القراءة، وأما التحريمة فهي لا تكون إلا فرضا ولم يظهر قول الحدادي لان تحريمة الامام اشتملت على الفرض لا غير. وأجاب في المحيط عما إذا لم يقرأ في الاوليين وقرأ في الاخريين بأن القراءة في الاخريين قضاء عن الاوليين والقضاء يلتحق بمحله فلا يبقى للاخريين قراءة ا ه‍. يعني فلا يصح مطلقا وقيد في السراج الوهاج عدم صحة الاقتداء بعد الوقت بقيدين: الاول أن تكون فائتة في حق الامام والمأموم. الثاني أن تكون الصلاة رباعية، أما إذا كانت ثنائية أو ثلاثية أو كانت فائتة في حق الامام مؤداة في حق المأموم كما إذا كان المأموم يرى قولابي حنيفة في الظهر والامام يرى قولهما وقول الشافعي فإنه يجوز دخوله معه في الظهر بعد المثل قبل المثلين فإنها صحيحة ا ه‍. وهو تقييد حسن لكن الاولى أن يكون الشرط كونها فائتة في حق المأموم فقط، سواء كانت فائتة في حق الامام أو لا بأن صلى ركعة من الظهر مثلا أو ركعتين ثم خرج الوقت فاقتدى به مسافر لان الظهر فائتة في حق المسافر لا في حق المقيم. والقيد الاول مفهوم من قوله صح وأتم فإنه يفيد أن الكلام في الرباعية الذي يظهر فيها القصر والاتمام بل لا حاجة إليه أصلا لان السفر مؤثر في الرباعي فقط. وقيد بكون الاقتداء بعد خروج الوقت لانه لو اقتدى به في الوقت ثم خرج الوقت قبل الفراغ من الصلاة تبطل صلاته ولا يبطل اقتداؤه به لانه لما صح اقتداؤه به وصار تبعا له صار حكمه حكم المقيمين، وإنما يتأكد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حق المسافر. ولو نام خلف الامام حتى خرج الوقت ثم انتبه أتمها أربعا، ولو تكلم بعد خروج الوقت أو قبل خروجه يصلي ركعتين عندنا. كذا في البدائع. قوله: (وبعكسه صح فيهما) وهو اقتداء المقيم بالمسافر فهو صحيح في الوقت وبعده لان صلاة المسافر في الحالين واحدة والقعدة فرض في حقه غير فرض في حق المقتدي، وبناء الضعيف على القوي جائز وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسافر أهل مكة وقال: أتموا صلاتكم

[ 238 ]

فإنا قوم سفر. وهو جمع سافر كركب جمع راكب. ويستحب أن يقول ذلك بعد السلام كل مسافر صلى بمقيم لاحتمال أن خلفه لا يعرف حاله ولا يتيسر له الاجتماع بالامام قبل ذهابه فيحكم حينئذ بفساد صلاة نفسه بناء على ظن إقامة الامام ثم إفساده بسلامه على رأس الركعتين، وهذا محمل ما في الفتاوى إذا اقتدى بالامام لا يدري أمسافر هو أم مقيم لا يصح لان العلم بحال الامام شرط الاداء بجماعة ا ه‍. لا أنه شرط في الابتداء لما في المبسوط: رجل صلى الظهر بالقوم بقرية أو مصر ركعتين وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم فصلاتهم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أم مسافرين، لان الظاهر من حال من في موضع الاقامة أنه مقيم والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم ا ه‍. وفي القنية: وإن كان خارج المصر لا تفسد ويجوز الاخذ بالظاهر في مثله. وإنما كان قول الامام ذلك مستحبا لانه لم يتعين معرفا صحة سلامه لهم فإنه ينبغي أن يتموا ثم يسألوه فتحصل المعرفة. واختلفوا هل يقوله بعد التسليمة الاولى أو بعد التسليمتين؟ الاصح الثاني كذا في السراج الوهاج. ولو قام المقتدي المقيم قبل سلام الامام فنوى الامام الاقامة قبل سجوده رفض ذلك وتابع الامام، فإن لم يفعل وسجد فسدت لانه ما لم يسجد لم يستحكم خروجه عن صلاة الامام قبل سلام الامام وقد بقي ركعتان على الامام بواسطة التغير فوجب عليه الاقتداء فيهما، فإذا انفرد فسدت بخلاف ما لو نوى الامام بعد ما سجد المقتدى فإنه يتم منفردا، فلو رفض وتابع فسدت لاقتدائه حيث وجب الانفراد. كذا في فتح القدير. وفي الخانية والخلاصة: مسافر أم قوما مقيمين فلما صلى ركعتين نوى الاقامة لا لتحقيق الاقامة بل ليتم صلاة المقيمين لا يصير مقيما ولا ينقلب فرضه أربعا ا ه‍. وفي العمدة: مسافر سبقه الحدث فقدم مقيما يتم صلاة الامام ويتأخر ويقدم مسافرا يسلم ثم يتم المقيم صلاته. وفي الخلاصة: مسافر أم مسافرين فأحدث فقدم مسافرا آخر فنوى الثاني الاقامة لا يجب على القوم أن يصلوا أربعا ا ه‍. وفي الهداية: وإذا صلى المسافر بالمقيم ركعتين سلم وأتم المقيمون صلاتهم لان المقتدي التزم الموافقة في الركعتين فينفرد في الباقي كالمسبوق إلا أن أنه لا يقرأ في الاصح لانه مقتد تحريمة لا فعلا والفرض صار مؤدى فيتركها احتياطا بخلاف المسبوق لانه أدرك قراءة نافلة فلم يتأد الفرض فكان الاتيان أولى ا ه‍. وفي الخانية: لا قراءة عليهم

[ 239 ]

فيما يقضون ولا سهو عليهم إذا سهوا ولا يقتدي أحدهم بالآخر ا ه‍. فلو اقتدى أحدهم بالآخر فسدت صلاة المقتدي لانه اقتدى في موضع يجب عليهم الانفراد وصلاة الامام تامة. كذا في البدائع. وفي القنية: اقتدى مقيم بمسافر فترك القعدة مع إمامه فسدت فالقعدتان فرض في حقه، وقيل لا تفسد وهي نفل في حق المقتدي ا ه‍. قوله: (ويبطل الوطن الاصلي بمثله لا السفر ووطن الاقامة بمثله والسفر والاصلي) لان الشئ يبطل بما هو مثله لا بما هو دونه فلا يصلح مبطلا له: وروي أن عثمان رضي الله عنه كان حاجا يصلي بعرفات أربعا فاتبعوه فاعتذر وقال: إني تأهلت بمكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم من تأهل ببلدة فهو منها والوطن الاصلي هو وطن الانسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله وولده وليس من قصده الارتحال عنها بل التعيش بها، وهذا الوطن يبطل بمثله لا غير وهو أن يتوطن في بلدة أخرى وينقل الاهل إليها فيخرج الاول من أن يكون وطنا أصليا حتى لو دخله مسافرا لا يتم. قيدنا بكونه انتقل عن الاول بأهله لانه لو لم ينتقل بهم ولكنه استحدث أهلا في بلدة أخرى فإن الاول لم يبطل ويتم فيهما. وقيد بقوله بمثله لانه لو باع داره ونقل عياله وخرج يريد أن يتوطن بلدة أخرى ثم بدا له أن لا يتوطن ما قصده أولا ويتوطن بلدة غيرها فمر ببلده الاول فإنه يصلي أربعا لانه لم يتوطن غيره. وفي المحيط: ولو كان له أهل بالكوفة وأهل بالبصرة فمات أهله بالبصرة وبقي له دور وعقار بالبصرة، قيل البصرة لا تبقى وطنا له لانها إنما كانت وطنا بالاهل لا بالعقار، ألا ترى أنه لو تأهل ببلدة لم يكن له فيها عقار صارت وطنا له. وقيل: تبقى وطنا للانها كانت وطنا له بالاهل والدار جميعا، فبزوال أحدهما لا يرتفع الوطن كوطن الاقامة تبقى ببقاء الثقل وإن أقام بموضع آخر ا ه‍. وفي المجتبى: نقل القولين فيما إذا نقل أهله ومتاعه وبقي له دور وعقار ثم قال: وهذا جواب واقعة ابتلينا بها وكثير من المسلمين المتوطنين في البلاد ولهم دور وعقار في القرى البعيدة منها يصيفون بها بأهلهم ومتاعهم فلا بد من حفظها أنهما وطنان له لا يبطل أحدهما بالآخر. وقوله لا السفر أي لا يبطل الاصلي بالسفر حتى يصير مقيما بالعود إليه من غير نية الاقامة، وكذا لا يبطل بوطن الاقامة. وأما وطن الاقامة فهو الوطن الذي يقصد المسافر الاقامة فيه وهو صالح لها نصف شهر وهو ينتقض بواحد من ثلاثة: بالاصلي لانه فوقه، وبمثله وبالسفر لانه ضده.

[ 240 ]

أطلقه فأفاد أن تقديم السفر ليس بشرط لثبوت الوطن الاصلي ووطن الاقامة فالاصلي بالاجماع ووطن الاقامة فيه روايتان، ظاهر الرواية أنه ليس بشرط، وفي أخرى عن محمد إنما يصير الوطن وطن إقامة بشرط أن يتقدمه سفر ويكون بينه وبين ما صار إليه منه مدة سفر حتى لو خرج من مصره لا لقصد السفر فوصل إلى قرية ونوى الاقامة بها خمسة عشر يوما لا تصير تلك القرية وطن الاقامة وإن كان بينهما مدة سفر لعدم تقدم السفر. وكذا إذا قصد مسيرة سفر وخرج فلما وصل إلى قرية مسيرتها من وطنه دون مدة السفر نوى الاقامة بها خمسة عشر يوما لا يصير مقيما ولا تصير تلك القرية وطن الاقامة مثاله: قاهري خرج إلي بلبيس فنوى الاقامة بها نصف شهر ثم خرج منها، فإن قصد مسيرة ثلاثة أيام وسافر بطل وطنه ببلبيس حتى لو مر به في العود لا يتم، وإن لم يقصد ذلك وخرج إلى الصالحية فإن نوى الاقامة بها نصف شهر أتم بها وبطل وطنه ببلبيس حتى لو عاد إليه مسافرا لا يتم، وإن لم ينو الاقامة بها

[ 241 ]

لم يبطل وطنه ببلبيس حتى يتم إذا دخله، وإن عاد إلى مصر بطل الوطنان حتى لو عاد إليهما في سفرة أخرى لا يتم إذا لم ينو الاقامة. ولم يذكر المصنف رحمه الله وطن السكنى وهو المكان الذي ينوى أن يقيم فيه أقل من خمسة عشر يوما تبعا للمحققين قالوا: لانه لا فائدة فيه لانه يبقى فيه مسافرا على حاله فصار وجوده كعدمه. وذكر الشارح أن عامتهم على أنه يفيد في رجل خرج من مصره إلى قرية لحاجة ولم يقصد السفر ونوى أن يقيم فيها أقل من خمسة عشر يوما فإنه يتم فيها لانه مقيم ثم خرج من القرية لا للسفر ثم بدا له أن يسافر قبل أن يدخل مصره وقبل أن يقيم ليلة في موضع آخر فسافر فإنه يقصر، ولو مر بتلك القرية ودخلها أتم لانه لم يوجد ما يبطله مما هو فوقه أو مثله ا ه‍. وصحح في السراج الوهاج وشرح المجمع عدم اعتباره وقول الشارح لو مر بها أتم لا يصح لان السفر باق لم يوجد ما يبطله وهو مبطل لوطن السكنى على تقدير اعتباره لان السفر يبطل وطن الاقامة فكيف لا يبطل وطن السكنى، فقوله لانه لم يوجد ما يبطله ممنوع. قوله: (وفائتة السفر والحضر تقضي ركعتين وأربعا) لف ونشر مرتب أي فائتة السفر تقضى ركعتين وفائتة الحضر تقضى أربعا لان القضاء بحسب الاداء بخلاف ما لو فاتته في

[ 242 ]

المرض في حالة لا يقدر على الركوع والسجود حيث يقضيها في الصحة راكعا وساجدا أو فاتته في الصحة حيث يقضيها في المرض بالايماء لان الواجب هناك الركوع والسجود إلا أنهما يسقطان عنه بالعجز، فإذا قدر أتى بهما بخلاف ما نحن فيه فإن الواجب على المسافر ركعتان كصلاة الفجر وعلى المقيم أربع فلا يتغير بعد الاستقرار. قوله: (والمعتبر فيه آخر الوقت) أي المعتبر في وجوب الاربع أو الركعتين عند عدم الاداء في أول الوقت الجزء الاخير من الوقت وهو قدر ما يسع التحريمة، فإن كان فيه مقيما وجب عليه أربع، وإن كان مسافرا فركعتان لانه المعتبر في السببية عند عدم الاداء في أول الوقت، إن أدى آخره وإلا فكل الوقت هو السبب ليثبت الواجب عليه بصفة الكمال. وفائدة إضافته إلى الجزء الاخير اعتبار حال المكلف فيه، فلو بلغ صبي أو أسلم كافرا وأفاق مجنون أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر الوقت بعد مضي الاكثر تجب عليهم الصلاة، ولو كان الصبي قد صلاها في أوله، وبعكسه لو جن أو حاضت أو نفست فيه لم يجب لفقد الاهلية عند وجود السبب. وفائدة إضافته إلى الكل عند خلوه عن الاداء أنه لا يجوز قضاء عصر اليوم وقت التغير في اليوم الآتي، ولو كان السبب هو الجزء الاخير لجاز. وتمام تحقيقه في كتابنا المسمى بلب الاصول مختصر تحرير الاصول، وسيأتي في الجمعة أن المعتبر أول الوقت في وجوبها. واعتبر زفر رحمه الله تعالى في السببية الجزء الذي يلزمه الشروع فيه، واختاره القدوري كما في البدائع لان الوقت جعل سببا ليؤدي فيه فإذا تأخر عن أول الوقت وبقي مقدار ما يسع الركعتين يجعل سببا فيتغير فرضه، وإن لم يبق مقدار ذلك كان السبب أول الوقت وهو كان مقيما حينئذ إلا أنه يشكل عليه ما إذا أقام المسافر في آخر جزء من الوقت فإن عليه أربع ركعات اتفاقا. كذا في المصفى. فيحتاج زفر إلى الفرق. قيدنا بعدم الاداء أول الوقت لانه لو صلى صلاة السفر أول الوقت ثم أقام في الوقت لا يتغير فرضه. كذا في الخانية. وذكر في الخلاصة: رجل صلى الظهر في منزله وهو مقيم ثم خرج إلى السفر وصلى العصر في سفره في ذلك اليوم ثم تذكر أنه ترك شيئا في منزله فرجع إلى منزله لاجل ذلك، ثم

[ 243 ]

تذكر أنه صلى الظهر والعصر بغير وضوء قالوا: يجب عليه أن يصلي الظهر ركعتين والعصر أربعا، ولو صلى الظهر والعصر وهو مقيم ثم سافر قبل غروب الشمس والمسألة بحالها يصلي الظهر أربعا والعصر ركعتين ا ه‍. قيد بالصلاة لان المعتبر في الصوم أول جزء من اليوم حتى لو أسلم بعد طلوع الفجر لا يلزمه صوم ذلك اليوم لكونه معيارا. قوله: (والعاصي كغيره) أي في الترخص برخص المسافر لاطلاق النصوص ولان السفر الموجب للرخص ليس بمعصية إنما هو فيما جاوره كخروجه عاقا لوالديه أو عاصيا على الامام أو آبقا من مولاه أو خرجت المرأة بلا محرم أو في العدة أو قاطعا للطريق وقد تكون بعده كما إذا خرج للحج أو للجهاد ثم قطع الطريق. والقبح المجاور لا يعدم المشروعية أصلا كالصلاة في الارض المغصوبة والبيع وقت النداء فصلح السفر مناطا للرخصة قوله: (وتعتبر نية الاقامة والسفر من الاصل دون التبع أي المرأة والعبد والجندي) تفسير للتبع لان الاصل هو المتمكن من الاقامة والسفر دون التبع لكن لا يلزم التبع الاتمام إلا بعد علمه بنية المتبوع كما في توجه الخطاب الشرعي وعزل الوكيل. وقيل: يلزمه كالعزل الحكمي وهو أحوط كما في فتح القدير وهو ظاهر الرواية كما في الخلاصة، والاول أصح لان في لزوم الحكم قبل العلم حرجا وضررا وهو مدفوع شرعا بخلاف الوكيل فإنه غير ملجأ إلى البيع فإن له أن لا يبيع فيمكنه دفع الضرر بالامتناع عن البيع، فإذا باع بناء على ظاهر أمره ولحقه ضرر كان الضرر ناشئا من جهته من وجه ومن جهة الموكل من وجه فيصح العزل حكما لا قصدا، وههنا التبع مأمور بقصر صلاته منهي عن إتمامها فكان مضطرا، فلو صار فرضه أربعا بإقامة الاصل وهو لا يشعر به لحقه ضرر عظيم من جهة غيره بكل وجه وأنه منفي. كذا في المحيط وشرح الطحاوي. وعلى هذا فما في الخلاصة من أن العبد إذا أم مولاه في السفر فنوى المولى الاقامة صحت حتى لو سلم العبد على رأس الركعتين كان عليهما إعادة تلك الصلاة ا ه‍. وكذا العبد إذا كان مع مولاه في السفر فباعه من مقيم والعبد كان في الصلاة ينقلب فرضه أربعا حتى لو سلم على رأس الركعتين كان عليه إعادة تلك الصلاة ا ه‍. مبني على غير الصحيح أن فرض عدم علم العبد أو على الكل إن علم أطلق في تبعية المرأة والجندي، وقيدوه بأن تستوفي المرأة مهرها المعجل وإلا فلا تكون تبعا فالعبرة بنيتها لان لها أن تحبس نفسها عن الزوج للمعجل دون المؤجل ولا تسكن حيث يسكن هو، وبأن يكون الجندي يرزق من بيت المال، فإن كان رزقه في ماله فالعبرة لنيته لان له أن يذهب حيث شاء لطلب الرزق. وأطلق في العبد فشمل القن والمدبر وأم الولد، وأما المكاتب فينبغي أن لا يكون تبعا لان له السفر بغير إذن المولى فلا يلزمه طاعته. وليس مراد

[ 244 ]

المصنف قصر التبع على هؤلاء الثلاثة بل هو كل من كان تبعا لانسان ويلزمه طاعته فيدخل الاجير مع مستأجره، والمحمول مع حامله، والغريم مع صاحب الدين إن كان معسرا مفلسا فإن كان مليا فالنية إليه لانه يمكنه قضاء الدين فيقيم في أي موضع شاء. وأما الاعمى مع قائده فإن كان القائد أجيرا فالعبرة لنية الاعمى. وإن كان متطوعا في قيادة تعتبر نيته. والعبد بين شريكين إذا سافر معهما ثم نوى أحدهما الاقامة قيل لا يصير العبد مقيما لوقوع الشك في صيرورته مقيما فيبقى مسافرا. وقيل يصير مقيما ترجيحا لنية الاقامة احتياطا لامر العبادة. كذا في المحيط. ومحله ما إذا لم يكن بينهما مهايأة، فإن كان بينهما مهايأة في الخدمة فإن العبد يصلي صلاة الاقامة، وإذا خدم المولى الذي لم ينو الاقامة يصلي صلاة السفر. وفي نسخة القاضي الامام: العبد إذا خرج مع مولاه ولا يعلم سير المولى فإنه يسأله إن أخبره أن مسيره مدة السفر صلى صلاة المسافرين، وإن كان دون ذلك صلى صلاة الاقامة، وإن لم يخبره بذلك إن كان مقيما قيل ذلك صلى صلاة الاقامة، وإن كان مسافرا قبل صلى صلاة المسافرين. كذا في الخلاصة. وفي القنية: مسافر ومقيم اشتريا عبدا الاصح أن العبد يصلي صلاة المقيم. ودخل تحت الجندي الامير مع الخليفة كما في الخلاصة وفيها: وعلى هذا الحجاج إذا وصلوا بغداد شهر رمضان ولم ينو والاقامة صلوا صلاة المقيمين ا ه‍. وظاهره أن الحجاج تبع لامير القافلة وليس كذلك، ولا ينبغي إدخاله في هذا المبحث بل علته أنهم لما علموا أن القافلة لا تخرج إلا بعد خمسة عشر يوما نزل ذلك منزلة نيتهم الاقامة نصف شهر كما علل به في التجنيس. وفي المحيط: مسلم أسره العدو إن كان مسيرة العدو ثلاثة أيام يقصر، وإن كان دون ذلك يتم، وإن لم يعلم يسأل كما مر في العبد، ولو دخل مسافر مصرا فأخذه غريمه فحبسه، فإن كان معسرا قصر لانه لم ينو الاقامة ولا يحل للطالب حبسه، وإن كان موسرا، إن عزم أن يقضي دينه أو لم يعزم شيئا قصر، وإن عزم واعتقد أن لا يقضيه أتم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب صلاة الجمعة مناسبته مع ما قبله تنصيف الصلاة لعارض إلا أن التنصيف هنا في خاص من الصلاة وهو الظهر، وفيما قبله في كل رباعية وتقديم العام هو الوجه، ولسنا نعني أن الجمعة

[ 245 ]

تنصيف الظهر بعينه بل هي فرض ابتداء نسبته النصف منها. وهي فريضة محكمة بالكتاب والسنة والاجماع يكفر جاحدها. وقد أطال المحقق في فتح القدير في بيان دلائلها ثم قال: وإنما أكثرنا فيه نوعا من الاكثار لما نسمع عن بعض الجهلة أنهم ينسبون إلى مذهب الحنفية عدم افتراضها، ومنشأ غلطهم ما سيأتي من قول القدوري: ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة ولا عذر له كره وجازت صلاته. وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر فالحرمة لترك الفرض وصحه الظهر لما سنذكره، وقصرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر وبإكفار جاحدها ا ه‍. أقول: وقد كثر ذلك من جهلة زماننا أيضا ومنشأ جهلهم صلاة الاربع بعد الجمعة بنية الظهر، وإنما وضعه بعض المتأخرين عند الشك في صحة الجمعة بسبب رواية عدم تعددها في مصر واحد وليست هذه الرواية بالمختارة، وليس هذا القول - أعني اختيار صلاة الاربع بعدها - مرويا عن أبي حنيفة وصاحبيه حتى وقع لي أني أفتيت مرارا بعدم صلاتها خوفا على اعتقاد الجهلة بأنها الفرض وأن الجمعة ليست بفرض، وسنوضحه من بعد إن شاء الله تعالى. وأما شرائطها فنوعان: شرائط صحة وشرائط وجوب، فالاول ستة كما ذكره المصنف: المصر والسلطان والوقت والخطبة والجماعة والاذان العام. والثاني ستة أيضا كما سيأتي وهي بضم الميم وإسكانها وفتحها حكى ذلك الفراء والواحدي من الاجتماع كالفرقة من الافتراق أضيف إليها اليوم والصلاة ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف وجمعت فقيل جمعات وجمع. كذا في المغرب. وكان يوم الجمعة في الجاهلية يسمى عروبة بفتح العين المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة، وأول من سماها يوم الجمعة كعب بن لؤي، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقام يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف وأسس مسجدهم ثم خرج من عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي - وادي راتونا - فكانت أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام بالمدينة. قوله (شرط أدائها المصر) أي شرط صحتها أن تؤدى في مصر حتى لا تصح في قرية ولا مفازة لقول علي رضي الله عنه: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو في مدينة عظيمة. رواه ابن أبي شيبة وصححه ابن خرم، وكفى بقوله قدوة وإماما. وإذا لم تصح في غير المصر فلا تجب على غير أهله. وفي الخلاصة: القروي إذا دخل المصر يوم الجمعة إن نوى أن يمكث فيه يوم الجمعة لزمته الجمعة، وإن نوى الخروج من ذلك المصر من يومه قبل دخول وقت الصلاة لا تلزمه وبعد دخول وقت الجمعة تلزمه. قال

[ 246 ]

الفقيه: إن نوى الخروج من يومه ذلك وإن كان بعد دخول وقت الجمعة لا تلزمه المصري إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة لا بأس به إذا خرج من العمران قبل خروج وقت الظهر لان الجمعة إنما تجب في آخر الوقت وهو مسافر في آخر الوقت، والمسافر إذا قدم المصر يوم الجمعة على عزم أن لا يخرج يوم الجمعة لا تلزمه الجمعة ما لم ينو الاقامة خمسة عشر يوما اه‍. قوله (وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الاحكام ويقيم الحدود) أي حد المصر المذكور هو ظاهر المذهب كما ذكره الامام السرخسي. زاد في الخلاصة: ويشترط المفتي إذا لم يكن القاضي أو الوالي مفتيا. وأسقط في الظهيرية الامير فقال: المصر في ظاهر الرواية أن يكون فيه مفت وقاض يقيم الحدود وينفذ الاحكام وبلغت أبنيته أبنية منى اه‍. واحترز المصنف بقوله ويقيم الحدود عن المحكم والمرأة إذا كانت قاضية فإنهما لا يقيمان الحدود وإن نفذ الاحكام، واكتفى بذكر الحدود عن القصاص لان من ملك إقامتها ملكه. كذا في فتح القدير وظاهره أن البلدة إذا كان قاضيها أو أميرها امرأة لا يكون مصرا فلا تصح إقامة الجمعة فيها والظاهر خلافه. قال في البدائع: وأما المرأة والصبي العاقل فلا تصح منهما إقامة الجمعة لانهما لا يصلحان للامامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى إلا أن المرأة إذا كانت سلطانا فأمرت رجلا صالحا للامامة حتى يصلي بهم الجمعة جاز لان المرأة تصلح سلطانا أو قاضية في الجملة فتصح إنابتها اه‍. وفي حد المصر أقوال كثيرة اختاروا منها قولين: أحدهما ما في المختصر. ثانيهما ماعزوه لابي حنيفة أنه بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق وفيها وال يقدر على انصاف المظلوم من الظالم بحشمة وعلمه أو علم غيره والناس يرجعون إليه في الحوادث. قال في البدائع: وهو الاصح وتبعه الشارح وهو أخص ما في المختصر. وفي

[ 247 ]

المجتبى وعن أبي يوسف أنه ما إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم للصلوات الخمس لم يسعهم وعليه فتوى أكثر الفقهاء. وقال أبو شجاع: هذا أحسن ما قيل فيه. وفي الولوالجية: وهو الصحيح. وفي الخلاصة: الخليفة إذا سافر وهو في القرى ليس له أن يجمع بالناس ولو مر بمصر من أمصار ولايته فجمع بها وهو مسافر جاز. قوله (أو مصلاه) أي مصلى المصر لانه من توابعه فكان في حكمه والحكم غير مقصور على المصلي بل يجوز في جميع أقنية المصر لانها بمنزلة المصر في حوائج أهله. والفناء في اللغة سعة أمام البيوت، وقيل ما امتد من جوانبه. كذا في المغرب. واختلفوا فيما يكون من توابع المصر في حق وجوب الجمعة على أهله، فاختار في الخلاصة والخانية أنه الموضع المعد لمصالح المصر متصل به ومن كان مقيما في عمران المصر وأطرافه وليس بين ذلك الموضع وبين عمران المصر فرجة فعليه الجمعة، ولو كان بين ذلك الموضع وبين عمران المصر فرجة من مزارع أو مراع كالقلع ببخارى لا جمعة على أهل ذلك الموضع وإن سمعوا النداء، والغلوة والميل والاميال ليس بشرط اه‍. واختار في البدائع ما قاله بعضهم أنه إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة وإلا فلا قال: وهذا أحسن اه‍. واختار في المحيط اعتبار الميلين فقال: وعن أبي يوسف في

[ 248 ]

المنتقى: لو خرج الامام عن المصر مع أهله لحاجة مقدار ميل أو ميلين فحضرت الجمعة جاز أن يصلي بهم الجمعة وعليه الفتوى، لان فناء المصر بمنزلته فيما هو من حوائج أهله وأداء الجمعة منها اه‍. وذكر الولوالجي في فتاواه أن المختار للفتوى قدر الفرسخ لانه أسهل على العامة وهو ثلاثة أميال اه‍. وذكر في المضمرات وقال الشيخ الامام الاجل حسام الدين: يجب على أهل المواضع القريبة إلى البلد التي هي توابع العمران الذين يسمعون الاذان على المنارة بأعلى الصوت وهو الصحيح لزوما وإيجابا اه‍. فقد اختلف التصحيح والفتوى كما رأيت، ولعل الاحوط ما في البدائع فكان أولى. وذكر في غاية البيان أن فناء المصر ملحق به في وجوب الجمعة لا في إتمام الصلاة بدليل أنه يقصر الصلاة فيه ذهابا وإيابا. وفي المضمرات معزيا إلى فتاوى الحجة: وجوب الجمعة على ثلاثة أقسام: فرض على البعض، وواجب على البعض، وسنة على البعض. أما الفرض فعلى الامصار، وأما الواجب فعلى نواحيها، وأما السنة فعلى القرى الكبيرة والمستجمعة للشرائط اه‍. وفيه نظر لانها فرض على من هو من توابع الامصار لا يجوز التخلف عنها، وأما القرى فإن أراد الصلاة فيها فغير صحيحة على المذهب، وإن أراد تكلفهم وذهابهم إلى المصر فممكن لكنه بعيد، وأغرب من هذا ما في القنية من أنه يلزم حضور الجمعة في القرى ويعمل بقول علي رضي الله عنه: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرا تطيق أن تسمعه عذرا اه‍. فالمذهب عدم صحتها في القرى فضلا عن لزومها. وفي التجنيس: ولا تجب الجمعة على أهل القرى وإن كانوا قريبا من المصر لان الجمعة إنما تجب على أهل الامصار اه‍. وفي فتح القدير: وقد وقع الشك في بعض قرى مصر مما ليس فيها وال وقاض نازلان بها بل لها قاض يسمى قاضي الناحية وهو قاضي يولى الكورة بأسرها فيأتي القرية أحيانا فيفصل ما اجتمع فيها من التعلقات وينصرف ووال كذلك هل هو مصر نظرا إلى أن لها واليا أو لا نظرا إلى عدمهما بها، والذي يظهر اعتبار كونهما مقيمين بها وإلا لم تكن

[ 249 ]

قرية أصلا إذ كل قرية مشمولة بحكم. وقد يفرق بين قرية لا يأتيها حاكم يفصل بها الخصومات حتى يحتاجون إلى دخول المصرفي كل حادثة يفصلها، وبين ما يأتيها فيفصل فيها، وإذا اشتبه على الانسان ذلك فينبغي أن يصلي أربعا بعد الجمعة وينوي بها آخر فرض أدركت وقته ولم أؤد بعد، فإن لم تصح الجمعة وقعت ظهره وإن صحت كانت نفلا اه‍. وفي القنية: مصلي الجمعة في الرستاق لا ينوي الفرض بل ينوي صلاة الامام ويصلي الظهر وأيهما قدم جاز اه‍. قوله (ومنى مصر لا عرفات) فتجوز الجمعة بمنى ولا تجوز بعرفات: أما الاول فهو قولهما. وقال محمد: لا تجوز بمنى كعرفات. واختلفوا في بناء الخلاف فقيل منى على أنها من توابع مكة عندهما خلافا له وهذا غير سديد، لان بينهما أربع فراسخ وتقدير التوابع للمصرية غير صحيح، والصحيح أنه مبني على أنها تتمصر في أيام الموسم عندهما لان لها بناء وتنقل إليها الاسواق ويحضرها وال وقاض بخلاف عرفات لانها مفازة فلا تتمصر باجتماع الناس وحضرة السلطان. أطلق المصنف فشمل ما إذا كان المصلي بها الجمعة الخليفة أو أمير الحجاز أو أمير العراق أو أمير مكة أو أمير الموسم مقيما كان أو مسافرا، وقد أخرجوا منه أمير الموسم وهو الذي أمر بتسوية أمور الحجاج لا غير فإنه لا يجوز له إقامتها، سواء كان مقيما أو مسافرا إلا إذا كان مأذونا من جهة أمير العراق أو أمير مكة. وقيل: إن كان مقيما يجوز وإن كان مسافرا لا يجوز والصحيح هو الاول. كذا في البدائع. وشمل التجميع بها في غير أيام الموسم. وفي المحيط: قيل إنما تجوز الجمعة عندهما بمنى في أيام الموسم لا في غيرها، وقيل تجوز في جميع الايام لان منى من فناء مكة اه‍. وقد علمت فساد كونها من فناء مكة فترجح تخصيص جوازها بأيام الموسم وأنها تصير مصرا في تلك الايام وقرية في غيرها. قال في فتح القدير: وهذا يفيد أن الاولى في قرى مصر أن لا تصح فيها إلا حال حضور المتولي فإذا حضر صحت وإذا ظعن امتنعت اه‍. وفي التجنيس: ولو نزل الخليفة أو والي العراق في المنازل التي في طريق مكة كالتغلبية ونحوها جمع لانها قرى تتمصر بمكان الحج

[ 250 ]

فصار كمنى. وأطلق في عرفات فشمل ما إذا كان الخليفة حاضرا بالاجماع. كذا في البدائع. وإنما لا تقام صلاة العيد بمنى اتفاقا للتخفيف لا لكونها ليست مصرا قوله (وتؤدى في مصر في مواضع) أي يصح أداء الجمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الاصح، لان في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجا بينا وهو مدفوع. كذا ذكر الشارح. وذكر الامام السرخسي أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز إقامتها في مصر واحد في مسجدين وأكثر، وبه نأخذ لاطلاق لا جمعة إلا في مصر شرط المصر فقط. وفي فتح القدير: الاصح الجواز مطلقا خصوصا إذا كان مصرا كبيرا كمصر فإن في إلزام اتحاد الموضع حرجا بينا لا ستدعائه تطويل المسافة على الاكثر. وذكر في باب الامامة أن الفتوى على جواز التعدد مطلقا. وبما ذكرناه اندفع ما في البدائع من أن ظاهر الرواية جوازها في موضعين ولا يجوز في أكثر من ذلك وعليه الاعتماد اه‍. فإن المذهب الجواز مطلقا. وإذا علمت ذلك فما في القنية: ولما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها مع اختلاف العلماء في جوازهما، ففي قول أبي يوسف والشافعي ومن تابعهما باطلتان إن وقعتا معا وإلا فجمعة المسبوقين باطلة أمر أئمتهم بأداء الاربع بعد الجمعة حتما احتياطا، ثم اختلفوا في نيتها والاحسن أن ينوي آخر ظهر عليه، والاحوط أن يقول، نويت آخر ظهرأدركت وقته ولم أصله بعد لان ظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت في ظاهر المذهب. ثم اختلفوا في القراءة فقيل يقرأ الفاتحة والسورة في الاربع، وقيل في الاوليين كالظهر وهو اختياري، والمختار عندي أن يحكم فيها رأيه. واختلفوا أنه هل يجب مراعاة الترتيب في الاربع بعد الجمعة بمرور العصر حسب اختلافهم في نيته، واختلفوا في سبق الجمعة بماذا يعتبر إذا اجتمعا في مصر واحد فقيل بالشروع، وقيل بالفراغ وقيل بهما والاول أصح اه‍. مبني كله على القول الضعيف المخالف للمذهب فليس الاحتياط في فعلها لانه العمل بأقوى الدليلين، وقد علمت أن مقتضى الدليل هو الاطلاق، وأما ما استدل به من يمنع التعدد من أنها

[ 251 ]

سميت جمعة لاستدعائها الجماعات فهي جامعة لها فلا يفيده لانه حاصل مع التعدد، ولهذا قال العلامة ابن جرباش في النجعة في تعداد الجمعة: لا يقال إن القول بالاجتماع المطلق قول بالاحتياط وهو متعين في مثله ليخرج به المكلف عن عهدة ما كلف به بيقين لان الاجتماع أخص من مطلق الاجتماع، ووجود الاخص يستلزم وجود الاعم من غير عكس، ولان الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين ولم يوجد دليل عدم جواز التعدد بل قضية الضرورة عدم اشتراطه، وقد قال الله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286) وقال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) اه‍. بلفظه مع ما لزم من فعلها

[ 252 ]

في زماننا من المفسدة العظيمة، وهو اعتقاد الجهلة أن الجمعة ليست بفرض لما يشاهدون من صلاة الظهر فيظنون أنها الفرض، وأن الجمعة ليست بفرض فيتكاسلون عن أداء الجمعة فكان الاحتياط في تركها، وعلى تقدير فعلها ممن لا يخاف عليه مفسدة منها فالاولى أن تكون في بيته خفية خوفا من مفسدة فعلها والله سبحانه الموفق للصواب. قوله (والسلطان أو نائبه) معطوف على المصر. والسلطان هو الوالي الذي لا والي فوقه. وإنما كان شرطا للصحة لانها تقام بجمع عظيم وقد تقع المنازعة في التقديم والتقدم وقد تقع في غيره فلا بد منه تتميما لامره، ودخل تحت النائب العبد إذا قلد عمل ناحية فصلى بهم الجمعة جاز. ولا تجوز إلا نكحة بتزويجه ولا قضائه، ودخل القاضي والشرطي لكن قال في الخلاصة: وليس للقاضي أن يصلي الجمعة بالناس إذا لم يؤمر به، ويجوز لصاحب الشرط وإن لم يؤمر به وهذا في عرفهم اه‍. وفيها: والي مصر مات ولم يبلغ الخليفة موته حتى مضت بهم جمع فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب الشرط أو القاضي أجزأهم، ولو اجتمعت العامة على تقديم رجل لم يأمره القاضي ولا خليفة الميت لم يجز ولم تكن جمعة، ولو لم يكن ثمة قاض ولا خليفة الميت فاجتمع العامة على تقديم رجل جاز للضرورة، ولو مات الخليفة وله ولاة وأمراء على أشياء من أمور المسلمين كانوا على ولايتهم يقيمون الجمع اه‍. وأطلق في السلطان فشمل العادل والجائز والمتغلب ولهذا قال في الخلاصة: والمتغلب الذي لا عهد له أي لا منشور له إن كان سيرته فيما بين الرعية سيرة الامراء ويحكم فيما بينهم بحكم الولاية تجوز الجمعة بحضرته اه‍. والعبرة لاهلية النائب وقت الصلاة لا وقت الاستنابة حتى لو أمر الصبي أو الذمي وفوض إليهما الجمعة قبل يوم الجمعة فبلغ الصبي وأسلم الذمي كان لهما أن يصليا الجمعة، ولا ينافيه ما كره في الخلاصة قبله النصراني إذا مر على مصر ثم أسلم ليس له أن يصلي الجمعة بالناس حتى يؤمر بعد الاسلام، وكذا الصبي إذا أمر ثم أدرك، وكذا لو استقضي صبي أو نصراني ثم أدرك الصبي وأسلم النصراني لم يجز حكمهما اه‍. لانه في الاول فوض إليه أمر الجمعة صريحا، وفي الثاني لا، وظاهر ما في الخانية أن الفرق إنما هو قول بعض المشايخ وأن الراجح عدم الفرق لان التفويض وقع باطلا، فعلى هذا المعتبر أهليته وقت الاستنابة ولا خفاء في أن من فوض إليه أمر العامة في مصر فإن له أن يقيم الجمعة وإن لم يفوضها إليه السلطان صريحا كما في الخلاصة من أن من فوض إليه أمر العامة من

[ 253 ]

أصحاب السلطان فإن له إقامتها، ولا يخفى أن له الاستنابة كتولية خطيب في جامع كما هو الواقع في الامصار وهذا متفق عليه، وإنما وقع الاشتباه في أن الخطيب المقرر من جهة الحاكم هل له أن يستنيب من غير ضرورة؟ فصرح منلا خسرو في شرح الدرر والغرر بأن الخطيب ليس له الاستنابة إلا أن يفوض إليه ذلك، وهذا مما يجب حفظه والناس عنه غافلون اه‍. وقد عمل بذلك بعض القضاة في زماننا حتى أخرج خطيبا من وظيفته بسبب استنابته من غير إذن. وفي النجعة في تعداد الجمعة للعلامة ابن جرباش أحد شيوخ مشايخي: إن أذن السلطان أو نائبه إنما هو شرط لاقامتها عند بناء المسجد، ثم بعد ذلك لا يشترط الاذن لكل خطيب، فإذا قرر الناظر خطيبا في مسجد فله إقامتها بنفسه وبنائبه وأن الاذن منسحب لكل من خطب وعبارته. والحاصل أن حق التقدم في إمامة الجمعة حق الخليفة إلا أنه لا يقدر على إقامة هذا الحق ينفسه في كل الامصار فيقيمها غيره بنيابته، فالسابق في هذه النيابة في كل بلدة الامير الذي ولي على تلك البلدة ثم الشرطي ثم القاضي ثم الذي ولاه قاضي القضاة. وفي العتابية عن ابن المبارك: الشرطي أولى من القاضي. وفي الخانية: الامام إذا أحدث بعدما صلى ركعة من الجمعة فتقدم واحد من القوم لا بتقديم أحد لا تجوز صلاتهم خلفه، وإن قدمه واحد من جماعة السلطان ممن فوض إليه أمر العامة يجوز. وإذ قد عرفت هذا فيتمشى عليه ما يقع في زماننا هذا من استئذان السلطان في إقامة الجمعة فيما يستجد من الجوامع فإن أذنه بإقامتها في ذلك الموضع لربه مصحح لاذن رب الجامع لمن يقيمه خطيبا ولاذن ذلك الخطيب لمن عساه أن يستنيبه، ولا يكون ذلك إذنا لمجهول ليقع فاسدا على ما توهمه البعض لانه لا بد أن يسأل السلطان في ذلك شخص معين

[ 254 ]

بالضرورة لنفسه أو لغيره، فبروز الاذن يكون على وجه التعيين لا محالة لان الاذن إن كان للسائل فظاهر، وإن كان لغيره، فكذلك لان إذنه يقع إذنا للمسؤول له وهو معلوم عند السائل معين له، بل للامام أيضا لان السائل يجري ذكره عنده بما يصحح السؤال له وهو كاف في صحة الاذن فإن مثل ذلك كاف في تولية القضاة والولاة، ألا ترى أن شخصا نائبا عن الامام أو قريبا غائبا عن حضرته لو وصف له بأوصاف حميدة فولاه حال غيبته عنه صح ولا يشترط معرفة شخصه في صحة توليته له، فما بالك بما نحن فيه؟ وإذا صح الاذن أعطي لمن أذن له حكم الوالي والقاضي في صحة الاقامة منه وممن يأذن له لان المصحح لصحتها ممن سوى الامام من الامام والشرطيين والقضاة إنما هو إقامة الامام لهم وإذنه المحصل لدفع الفتنة الذي هو السبب الداعي لاشتراط الامام في صحة إقامة الجمعة، وهو حاصل فيما ذكرنا فلا التفات لمتعنت والله سبحانه وتعالى أعلم اه‍. كلامه. وهو كلام حسن لكنه لم يستند فيه إلى نقل عن المشايخ وظاهر كلامهم يدل عليه. قال الولوالجي ففتاواه: الامام إذا خطب فأمر من لم يشهد الخطبة أن يجمع بهم فأمر ذلك الرجل من شهد الخطبة فجمع بهم، جاز لان الذي لم يشهد الخطبة من أهل الصلاة فصح التفويض إليه لكنه عجز لفقد شرط الصلاة وهو سماع الخطبة فملك التفويض إلى الغير، ولو جمع هو ولم يأمر لغيره لا يجوز بخلاف ما لو شرع في الصلاة ثم استخلف من لم يشهد الخطبة فإنه يجوز، وكذلك إن تكلم هذا المقدم فاستقبل بهم جاز لانه إنما يؤدي الصلاة بالتحريمة الاولى اه‍. ووجه الدلالة أن الامام إن كان المراد به نائب الوالي وهو الخطيب فقد جوز له الاستنابة في إقامة الجمعة ولم يقيده بالحدث ولا بالعذر، وجوز لنائبه أن يستنيب مع أنه لم يفوض إليه ذلك صريحا. وإن كان المراد بالامام الوالي فقد جوز لنائبه أن يستنيب وكل منهما يدل على جواز الاستنابة للخطيب من غير إذن. وقال في الهداية من باب القضاء: وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك بخلاف المأمور بإقامة الجمعة حيث له أن يستخلف لانه على شرف الفوات لتوقته فكان الامر به إذنا بالاستخلاف دلالة ولا كذلك القضاء. اه‍. فقد جوز للمأمور بإقامتها الاستنابة ولم يقيد بالعذر، فدل على جوازها مطلقا. وأما تقييد الشارح الزيلعي الاستخلاف بأن يكون أحدث فلا دليل عليه، والظاهر من عباراتهم الاطلاق. وذكر في البدائع أن كل من ملك إقامة صلاة الجمعة فإنه يملك إقامة غيره مقامه اه‍. وهو

[ 255 ]

صريح في جواز الاستنابة للخطيب مطلقا أو كالصريح فيه. وأيضا ليس الحدث قبل الصلاة من الضروريات لامكان أن يذهب الخطيب للوضوء ثم يأتي فيصلي، وقد اتفقت كلمتهم على أن له الاستخلاف بشرط أن يكون النائب شهد الخطبة ليكون كأن النائب خطب بنفسه، ولم يقيدوا وبإذن الحاكم فدل على ما قلنا. وفي فتاوى الولوالجي: إذا أحدث الامام فقال لواحد فيهم اخطب ولا تصل بهم فذهب ولم يجئ أجزأه أن يخطب ويصلي بهم لانه نهاه عن الصلاة لكي يأتي فيصلي بهم، فإذا لم يأت كان هذا تفويض الصلاة إليه. وقد وقع لبعض قضاة العساكر في زماننا بالقاهرة أنه كان يرى بأنه لا يصح تقريره في وظيفة الخطابة وإنما يقرر فيها الحاكم وهو المسمى بالباشا، ولعله استند في ذلك إلى ما قدمناه عن الخلاصة من أن القاضي لا يقيمها إلا بإذن. لكن قال في الظهيرية بعد نقل ما في الخلاصة: وعن أبي يوسف أنه قال: أما اليوم فالقاضي يصلي بهم الجمعة لان الخلفاء يأمرون القضاء أن يجمعوا بالناس لكن قيل أراد بهذا قاضي القضاة الذي يقال له قاضي قضاة الشرق والغرب كأبي يوسف في وقته، أما في زماننا فالقاضي وصاحب الشرط لا يوليان ذلك اه‍. فالحاصل أن السلطان إذا ولى إنسانا قاضي القضاة بمصر فإن له أن يولي الخطباء ولا يتوقف على إذن كما أن له أن يستخلف للقضاء وإن لم يؤذن له مع أن القاضي ليس له الاستخلاف إلا بإذن السلطان لان توليته قاضي إذن بذلك دلالة كما صرح به في فتح القدير من باب القضاء، لكن ذكر في التجنيس أن في إقامة الجمعة للقاضي روايتين، وبرواية المنع يفتي في ديارنا إذا لم يؤمر به ولم يكتب في منشوره. وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أن الامام إذا منع أهل المصر أن يجمعوا لم يجمعوا كما أن له أن يمصر موضعا كان له أن ينهاهم. قال الفقيه أبو جعفر: هذا إذا نهاهم مجتهدا بسبب من الاسباب وأراد أن يخرج ذلك المصر من أن يكون مصرا، أما إذا نهاهم متعنتا أو إضرارا بهم فلهم أن يجمعوا على رجل يصلي بهم الجمعة. ولو أن إماما مصر مصرا ثم نفر الناس عنه لخوف عدو أو ما أشبه ذلك ثم عادوا إليه فإنهم لا يجمعوا إلا بإذن مستأنف من الامام. كذا في الخلاصة. ودل كلامهم أن النائب إذا عزل قبل الشروع في الصلاة ليس له إقامتها لانه لم

[ 256 ]

يبق نائبا لكن شرطوا أن يأتيه الكتاب بعزله أو يقدم عليه الامير الثاني، فإن وجد أحدهما فصلاته باطلة، فإن صلى صاحب شرط جاز لان عمالهم على حالهم حتى يعزلوا. كذا في الخلاصة. وبه علم أن الباشا بمصر إذا عزل فالخطباء على حالهم ولا يحتاجون إلى إذن جديد من الثاني إلا إذا عزلهم. وقيدنا بكونه علم العزل قبل الشروع لانه لو شرع ثم حضر وال آخر فإنه يمضي في صلاته كرجل أمره الامام أن يصلي بالناس الجمعة ثم حجر عليه وهو في الصلاة لا يعمل حجره لان شروعه صح إن حجر عليه قبل الشروع عمل حجره. قوله (ووقت الظهر) أي شرط صحتها أن تؤدى في وقت الظهر فلا تصح قبله ولا بعده لان شرعية الجمعة مقام الظهر على خلاف القياس لانه سقوط أربع بركعتين فتراعى الخصوصيات التي ورد الشرع بها مما لم يثبت دليل على نفي اشتراطها، ولم يصلها عليه السلام خارج الوقت في عمره ولا بدون الخطبة فيه فيثبت اشتراطهما وكون الخطبة في الوقت بخلاف ما قام الدليل على عدم اشتراطه ككونها خطبتين بينهما جلسة إلى غير ذلك مما هو مسنون أو واجب كما سيأتي بيانه قوله (فتبطل بخروجه) أي صلاة الجمعة بخروج وقت الظهر ولو بعد القعود قدر التشهد لفوات شرطها فلا يبني الظهر لاختلاف الصلاتين قدرا وحالا واسما. أطلقه فشمل كل مصل لها ولهذا قال في المحيط: لو نام خلف الامام في الجمعة ولم ينتبه حتى خرج الوقت فسدت صلاته لانه لو أتم لصار قاضيا وقضاء الجمعة في غير وقتها لا يجوز، ولو انتبه في الوقت لم تفسد لانه صار مؤديا للجمعة في وقتها اه‍. وفي تهذيب القلانسي من باب المواقيت: وفي الجمعة لو خرج وقت الظهر تنقلب تطوعا عند أبي حنيفة وعندهما يبطل أصلا اه‍. ولا يخفى مخالفة أبي يوسف أصله هنا فإنه موافق للامام في أنه إذا بطل الوصف لا تبطل الاصل. وفي السراج الوهاج معزيا إلى النوادر: إمام صلى بالناس الجمعة فدخل معه رجل في الصلاة فزحمه الناس فلم يستطع الركوع والسجود حتى فرغ الامام ودخل وقت العصر، فإنه يتم الجمعة بغير قراءة بخلاف ما لو كان في الفجر والمسألة بحالها ثم طلعت الشمس حيث تفسد صلاته لعدم مصادفة الوقت، وينبغي أن يكون ما في النوادر ضعيفا لان ما في المحيط يخالفه لانه لا فرق في اللاحق بين أن يكون عذره النوم أو الزحمة قوله (والخطبة قبلها) أي وشرط صحتها الخطبة وكونها قبل الصلاة لما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلاها دون الخطبة. ونقل في فتح القدير الاجماع على اشتراط نفس الخطبة ولانها شرط وشرط الشئ سابق عليه، ولو قال فيه أي في وقت الظهر لكان أولى لانه شرط حتى لو خطب قبله وصلى فيه لم تصح. وشرط الشارح أن يكون بحضرة جماعة تنعقد بهم

[ 257 ]

الجمعة وإن كانوا صما أو نياما، وظاهره أنه لا يكفي لوقوعها الشرط حضور واحد. وفي الخلاصة ما يخالفه فإنه قال: لو خطب وحده ولم يحضره أحد لا يجوز. وفي الاصل قال: فيه روايتان. ولو حضر واحد أو اثنان وخطب وصلى بالثلاثة جاز، ولو خطب بحضرة النساء لم يجز إن كن وحدهن انتهى. وفي فتح القدير: المعتمد أنه لو خطب وحده فإنه يجوز أخذا من قولهم يشترط عنده في التسبيحة والتحميدة أن يقال على قصد الخطبة، فلو حمد لعطاس لا يجزئ عن الواجب انتهى. وفيه نظر ظاهر لانه لا يدل على ما ذكره بشئ من أنواع الدلالات كما لا يخفى. وصحح في الظهيرية أنه لو خطب وحده فإنه لا يجوز. وفي المضمرات معزيا إلى الزاد: وهل تقوم الخطبة مقام الركعتين؟ اختلف المشايخ منهم من قال تقوم ولهذا لا تجوز إلا بعد دخول الوقت، ومنهم من قال لا تقوم وهو الاصح لانه لا يشترط لها سائر شروط الصلاة من استقبال القبلة والطهارة وغير ذلك انتهى. وفي البدائع: ثم هي وإن كانت قائمة مقام الركعتين شرط وليست بركن لان صلاة الجمعة لا تقام بالخطبة فلم تكن من أركانها اه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن الخطبة شرط الانعقاد في حق من ينشئ التحريمة للجمعة لا في حق كل من صلاها، واشتراط حضور الواحد أو الجمع ليتحقق معنى الخطبة لانها من النسبيا ت فعن هذا قالوا: لو أحدث الامام فقدم من لم يشهدها جاز أن يصلي بهم الجمعة لانه بان تحريمته على تلك التحريمة المنشأة، فالخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق من ينشئ التحريمة فقط، ألا ترى إلى صحتها من المقتدين الذين لم يشهدوا الخطبة؟ فعلى هذا كان القياس فيما لو أفسد هذا الخليفة أن لا يجوز أن يستقبل بهم الجمعة لكنهم استحسنوا جواز استقباله لهم لانه لما قام مقام الاول التحق به حكما، فلو فسد الاول استقبل بهم فكذلك الثاني، فلو كان الاول أحدث قبل الشروع فقدم من لم يشهد الخطبة لا يجوز اه‍. ولم يشترط المصنف أنه يصلي عقب الخطبة بلا تراخ، ففيه أشار إلى أنه ليس بشرط فلذا قالوا: إن الخطبة تعاد على وجه الاولوية لو تذكر الامام فائتة في صلاة الجمعة ولو كانت الوتر حتى فسدت

[ 258 ]

الجمعة لذلك فاشتغل بقضائها، وكذا لو كان أفسد الجمعة فاحتاج إلى إعادتها أو افتتح التطوع بعد الخطبة وإن لم يعد الخطبة أجزأه، وكذا إذا خطب جنبا. كذا في فتح القدير. ولم يفرق بين الفصل القليل والكثير، وفرق بينهما في الخلاصة فقال: ولو خطب محدثا أو جنبا ثم توضأ أو اغتسل وصلى جاز، ولو خطب ثم رجع إلى بيته فتغدى أو جامع واغتسل ثم جاء استقبل الخطبة، وكذا في المحيط معللا بأن الاول من أعمال الصلاة بخلاف الثاني فإن ظاهره أن الاستقبال في الثاني لازم وإلا فلا فرق بين الكل. وقد صرح في السراج الوهاج بلزوم الاستئناف وبطلان الخطبة وهذا هو الظاهر لانه إذا طال الفصل لم يبق خطبة للجمعة بخلاف ما إذا قل، وقد علم من تفاريعهم أنه لا يشترط في الامام أن يكون هو الخطيب، وقد صرح في الخلاصة بأنه لو خطب صبي بإذن السلطان وصلى الجمعة رجل بالغ يجوز. قوله (وسن خطبتان بجلسة بينهما وطهارة قائما) كما روي عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة يفتتح بحمد الله تعالى ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويعظ ويذكر ويقرأ سورة ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى يحمد الله تعالى ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات كما في البدائع. وقد علم من هذا أنه لا يعظ في الثانية ولهذا قال في التجنيس: إن الثانية كالاولى إلا أنه يدعو للمسلمين مكان الوعظ، وظاهره أنه يسن قراءة آية في الثانية كالاولى. والحاصل كما في المجتبي أن الكلام في الخطبة في أربعة مواضع: في الخطبة والخطيب والمستمع وشهود الخطبة. أما الخطبة فتشتمل على فرض وسنة، فأما الفرض فشيئان: الوقت وذكر الله تعالى، وأما سننها فخمس عشرة: أحدها الطهارة حتى كرهت للمحدث والجنب. وقال أبو يوسف: لا يجوز. وثانيها القيام. وثالثها استقبال القوم بوجهه. ورابعها قال أبو يوسف في الجوامع: التعوذ في نفسه قبل الخطبة. وخامسها أن يسمع القوم الخطبة فإن لم يسمع أجزأه. وسادسها ماروى الحسن عن أبي عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة وهي تشتمل على عشرة: أحدها البداءة بحمد الله. وثانيها الثناء عليه بما هو أهله. وثالثها الشهادتان. ورابعها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وخامسها العظة والتذكير. وسادسها قراءة القرآن وتاركها مسئ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها سورة العصر ومرة أخرى * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة

[ 259 ]

أصحاب الجنة هم الفائزون) * (الحشر: 20) وأخرى * (ونادوا يا مالك) * (الزخرف: 77) وسابعها الجلوس بين الخطبتين. وثامنها أن يعيد في الخطبة الثانية الحمد لله والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. تاسعها أن يزيد فيها الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وعاشر ها تخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل ويكره التطويل، وأما الخطيب فيشترط فيه أن يتأهل للامامة في الجمعة. والسنة في حقه الطهارة والقيام والاستقبال بوجهه للقوم وترك السلام من خروجه إلى دخوله في الصلاة وترك الكلام. وقال الشافعي: إذا استوى على المنبر سلم على القوم، وقوله صلى الله عليه وسلم إذا خرج الامام فلا صلاة ولا كلام يبطل ذلك. وأما المستمع فيستقبل الامام إذا بدأ بالخطبة وينصت ولا يتكلم ولا يرد السلام ولا يشمت ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وقالا: يصلي السامع في نفسه، وفي جواز قراءة القرآن وذكر الفقه والنظر فيه لمن يستمع الخطبة اختلاف المشايخ. ويكره لمستمع الخطبة ما يكره في الصلاة كالاكل والشرب والعبث والالتفات، وأما التخطي فمكروه عند أبي حنيفة. وقالا: إنما يكره بعد خروج الامام. وقال الرازي: إنما يجوز قبله إذا لم يؤذ أحدا فأما تخطي السؤال فمكروه في جميع الاحوال بالاجماع وأما شهود الخطبة فشرط في حق الامام دون المأموم اه‍. ما في المجتبي. وأطلق المصنف في الجلسة ولم يبين قدرها للاختلاف، فعند الطحاوي مقدار ما يمس موضع جلوسه من المنبر، وفي ظاهر الرواية مقدار ثلاث آيات كما في التجنيس وغيره، ومن الغريب ما ذكره في السراج الوهاج أنه يستحب للامام إذا صعد المنبر وأقبل على الناس أن يسلم عليهم لانه استدبرهم في صعوده اه‍. ومن المستحب أن يرفع الخطيب صوته كما في السراج الوهاج، ومنه أن يكون الجهر في الثانية دون الاولى كما في شرح الطحاوي وفي التجنيس: وينبغي أن تكون الخطبة الثانية الحمد لله نحمده ونستعينه إلى آخره. لان هذا هو الثانية التي كان يخطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الخلفاء الراشدين مستحسن، بذلك جرى التوارث ويذكر العمين اه‍. ثم قولهم إن السنة في المستمع استقبال الامام مخالف لما عليه عمل الناس من استقبال المستمع للقبلة، ولهذا قال في التجنيس: والرسم في زماننا أن القوم يستقبلون القبلة قال: لانهم لو استقبلوا الامام لخرجوا في تسوية الصفوف بعد فراغه لكثرة الزحام. وجزم في الخلاصة بأنه يستحب استقباله إن كان أمام الامام، فإن كان عن يمين الامام أو عن يساره قريبا من الامام ينحرف إلى الامام مستعدا للسماع. ومن السنة أن يكون الخطيب على منبر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المضمرات معزيا إلى روضة العلماء: الحكمة في أن الخطيب يتقلد سيفا ما قد سمعت الفقيه أبا الحسن الرستغفني يقول: كل بلدة فتحت عنوة بالسيف يخطب الخطيب على منبرها متقلدا بالسيف يريهم أنها فتحت بالسيف فإذا رجعتم عن الاسلام فذلك السيف باق في أيدي المسلمين نقاتلك به حتى ترجعوا إلى الاسلام، وكل بلدة أسلم أهلها طوعا يخطبون فيها بلا سيف ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم فتحت بالقرآن فيخطب

[ 260 ]

الخطيب بلا سيف وتكون تلك البلدة عشرية. ومكة فتحت بالسيف فيخطب مع السيف اه‍. وهذا مفيد لكونه يتقلد بالسيف لا أنه يمسكه بيده كما هو المتعارف مع أن ظاهر ما في الخلاصة كراهة ذلك فإنه قال: ويكره أن يخطب متكئا على قوس أو عصا لكن قال في الحاوي القدسي: إذا فرغ المؤذنون قام الامام والسيف بيساره وهو متكئ عليه اه‍. وهو صريح فيه إلا أن يفرق بين السيف وغيره. وفي المجتبى: ويخطب بالسيف في البلدة التي فتحت بالسيف. وفي السراج الوهاج: وأما الدعاء للسلطان في الخطبة فلا يستحب لما روي أن عطاء سئل عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيرا. وفي الخلاصة وغيرها: الدنو من الامام أفضل من التباعد على الصحيح، ومنهم من اختار التباعد حتى لا يسمع مدح الظلمة في الخطبة، ولهذا اختار بعضهم أن الخطيب ما دام في الحمد والمواعظ فعليهم الاستماع فإذا أخذ في مدح الظلمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ. وحكى في الظهيرية والخانية عن إبراهيم النخعي وإبراهيم بن مهاجر أنهما كانا يتكلمان وقت الخطبة، فقيل لابراهيم النخعي في ذلك فقال: إني صليت الظهر في داري ثم رحت إلى الجمعة ثقية ولذلك تأويلان: أحدهما أن الناس كانوا في ذلك الزمان فريقين: فريق منهم لا يصلي الجمعة لانه كان لا يرى الجائر سلطانا وسلطانهم يومئذ كان جائرا فإنهم كانوا لا يصلون الجمعة من أجل ذلك، وكان فريق منهم يترك الجمعة لان السلطان كان يؤخر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان فكانوا يأتون الظهر في دارهم ثم يصلون مع الامام ويجعلونها سبحة أي نافلة اه‍. وقد سمعت في زماننا أن بعضهم يترك الجمعة متأولا بالتأويل الاول وهو فاسد لان فاعله مجتهد رأى ذلك. وأما المقلد لابي حنيفة فحرام عليه ذلك لان مذهب إمامه أن الجائر سلطان كما قدمناه. وفي أول التجنيس معزيا إلى الفقيهأبي الليث: ينبغي أيكون في مجلس الواعظ الخوف والرجاء ولا يجعل كله خوفا ولا كله رجاء لانه ور النهي عن ذلك، ولان الاول يفضي إلى القنوط، والثاني إلى الامن فيجمع بينهما. وقال الامام أبو بكر الرستغفني: يجب أن يتكلم في الرحمة والرجاء لقوله عليه الصلاة والسلام يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (1) ولان من رجع إلى الباب بالكرامة يكون أثبت اه‍. وفي القنية قال أبو يوسف في الجامع: ينبغي للخطيب إذا صعد المنبر أن يتعوذ بالله في نفسه قبل الخطبة اه‍. وفي ضياء الحلوم مختصر شمس العلوم: خطب على المنبر خطبة - بضم الخاء - وخطب المرأة خطبة بكسر الخاء. قال الله تعالى * (من خطبة النساء)

[ 261 ]

* (البقرة: 235) وفي الحديث لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه (2) اه‍. وفي الحاوي القدسي: والسنة أن يكون جلوس الامام في مخدعه عن يمين المنبر فإن لم يكن ففي جهته أو ناحيته، وتكره صلاته في المحراب قبل الخطبة، وليلبسن السواد اقتداء بالخلفاء وللتوارث في الاعصار والامصار اه‍. ولم أر فيما عندي من كتب أئمتنا حكم المرقي الذي يخرج الخطيب من مخدعه ويقرأ الآية كما هو المعهود هل هو مسنون أم لا. وفي البدائع: ويكره للخطيب أن يتكلم في حال خطبته إلا إذا كان أمرا بمعروف فلا يكره لكونه منها. وفي خزانة الفقه لابي الليث: الخطب ثمان: خطبة الجمعة، وخطبة عيد الفطر، وخطبة عيد الاضحى، وخطبة النكاح، وخطبة الاستسقاء في قول أبي يوسف ومحمد، وثلاث خطب في الحج واحدة منها بلا جلسة بمكة قبل يوم التروية بعد الظهر، والثاني بعرفات قبل الظهر يجلس فيها جلسة خفيفة، والثالثة بعد يوم التحر بيوم في منى يخطب خطبة واحدة بعد الظهر فيبدأ في ثلاث خطب منها بالتحميد وهي خطبة الجمعة والاستسقاء وخطبة النكاح، وفي خمس يبدأ بالتكبير وهي خطبة عيد الفطر والاضحى وثلاث خطب الحج إلا أن الخطبة التي بمكة وعرفة يبدأ فيها بالتكبير ثم بالتلبية ثم بالخطبة اه‍.. قوله: (وكفت تحميدة أو تم ليلة أو تسبيحة) أي وكفى في الخطبة المفروضة مطلق ذكر الله تعالى على وجه القصد عند أبي حنيفة لاطلاقه في الآية الشريفة. وقالا: الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف. وأقله قدر التشهد إلى عبده ورسوله تقييدا له بالمتعارف كما قالاه في القراءة. وأبو حنيفة عمل بالقاطع والظني فقال بافتراض مطلق الذكر للآية وباستنان الخطبة المتعارفة لفعله عليه الصلاة والسلام تنزيلا للمشروعات على حسب أدلتها، ويؤيده قصة عثمان المذكورة في كتب الفقه وهي أنه لما خطب في أول جمعة ولي الخلافة صعد المنبر فقال: الحمد لله فارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم

[ 262 ]

إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب بعد وأستغفر الله لي ولكم ونزل وصلى بهم. ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعا. وارتج بالتخفيف على الاصح أي استغلق عليه الخطبة فلم يقدر على إتمامها كذا في المغرب. ومراد عثمان بقوله إنكم إلى إمام إلى آخره أن الخلفاء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين تكون على كثرة المقال مع قبح الفعال فأنا وإن لم أكن قوالا مثلهم فأنا على الخير دون الشر، فأما أن يريد بهذا القول تفضيل نفسه على الشيخين فلا. كذا في النهاية: قيدنا الخطبة بالمفروضة لان المسنونة لا يكفي فيها مطلقه بل لا بد أن يأتي بما قدمناه. وقيدنا بالقصد لانه لو عطس على المنبر فقال الحمد لله على عطاسه لا ينوب عن الخطبة عند أبي حنيفة أيضا كما في التسمية على الذبيحة، وعن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه يجزئه، والفرق على هذه الرواية وهو أن المأمور به في الخطبة الذكر مطلقا لقوله تعالى * (فاسعوا إلى ذكر الله) * (الجمعة: 9) وقد وجد، وفي باب الذبيحة المأمور الذكر عليه وذلك بأن يقصده والاول أصح. كذا في التجنيس قوله: (والجماعة وهم ثلاثة) أي شرط أن يصلي مع الامام ثلاثة فأكثر لاجماع العلماء على أنه لا بد فيها من الجماعة كما في البدائع. وإنما اختلفوا في مقدارها فما ذكره المصنف قولابي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: اثنان سوى الامام لانهما مع الامام ثلاثة وهي جمع مطلق ولهذا يتقدمهما الامام ويصطفان خلفه. ولهما: إن الجمع المطلق شرط انعقاد الجمعة في حق كل واحد منهم وشرط جواز صلاة كل واحد منهم ينبغي أن يكون سواه، فيحصل هذا الشرط ثم يصلي ولا يحصل هذا الشرط إلا إذا كان سوى الإمام ثلاثة إذ لو كان مع الإمام اثنان لم يوجد في حق كل واحد منهم بخلاف سائر الصلوات لان الجماعة فيها ليست بشرط. كذا في البدائع. أطلق الثلاثة فشمل العبيد والمسافرين والمرضى والاميين والخرسى لصلاحيتهم للامامة في الجمعة، أما لكل واحد أو لمن هو مثل حالهم في الامي والاخرس فصلحا أن يقتديا بمن فوقهما. كذا في المحيط. ولا يرد عليه النساء والصبيان فإن الجمعة لا تصح بهم وحدهم لعدم صلاحيتهم للامامة فيها بحال لان النساء خرجن بالتاء في ثلاثة أي ثلاثة رجال، وكذا الصبي لانه ليس برجل كامل والمطلق ينصرف إلى الكامل. وشمل ثلاثة غير الثلاثة الذين حضروا الخطبة لما في التجنيس وغيره: إذا خطب بحضره جماعة ثم نفروا وجاء آخرون لم يشهدوا الخطبة فصلى بهم الجمعة أجزأهم.

[ 263 ]

قوله: (فإن نفروقبل سجوده بطلت) بيان لكون الجماعة شرط انعقاد الاداء لا شرط انعقاد التحريمة عند أبي حنيفة، وعندهما شرط انعقاد التحريمة. وفائدته أنهم لو نفروا بعد التحريمة قبل تقييد الركعة بالسجدة فسدت الجمعة ويستقبل الظهر عنده، وعندهما يتم الجمعة لانها شرط انعقاد التحريمة في حق المقتدي فكذا في حق الامام. والجامع أن تحريمة الجمعة. إذا صحت صح بناء الجمعة عليها، ولهذا لو أدركه إنسان في التشهد صلى الجمعة عنده وهو قول أبي يوسف إلا أن محمدا تركه هنا لما سيأتي، ولابي حنيفة أن الجماعة في حق الامام لو جعلت شرط انعقاد التحريمة لادى إلى الحرج لان تحريمته حينئذ لا تنعقد بدون مشاركة الجماعة إياه فيها، وذا لا يحصل إلا أن تقع تكبيراتهم مقارنة لتكبيرة الامام وأنه مما يتعذر مراعاته. وبالاجماع ليس بشرط فإنهم لو كانوا حضروا وكبر الامام ثم كبروا صح تكبيره وصار شارعا في الصلاة وصحت مشاركتهم إياه فلم يجعل شرط انعقاد التحريمة لعدم الامكان فجعلت شرط انعقاد الاداء وهو بتقييد الركعة بالسجدة لان الاداء فعل والحاجة إلى كون الفعل أداء للصلاة وفعل الصلاة هو القيام والقراءة والركوع والسجود، ولهذا لو حلف لا يصلي فما لم يقيد الركعة بسجدة لا يحنث، فإذا لم يقيدها لم يوجد الاداء فلم ينعقد فشرط دوام مشاركة الجماعة الامام إلى الفراغ عن الاداء، ولا معتبر ببقاء النسوان والصبيان ولا بما دون الثلاث من الرجال لان الجمعة لا تنعقد بهم. فلو قال فإن نفر واحد منهم لكان أولى. قيد بقوله قبل سجوده أي الامام لانهم لو نفروا بعد سجوده فإنها لا تبطل عندنا خلافا لزفر، بناء على أنها عنده شرط بقائها منعقدة إلى آخر الصلاة كالطهارة وستر العورة. وعندنا ليست بشرط للبقاء لما عرف في البدائع ومن فروع المسألة ما لو أحرم الامام ولم يحرموا حتى قرأ وركع فأحرموا بعد ما ركع، فإن أدركوه في الركوع صحت الجمعة لوجود المشاركة في الركعة الاولى وإلا فلا لعدمها، بخلاف المسبوق فإنه تبع للامام فيكتفي بالانعقاد في حق الاصل لكونه بانيا على صلاته. ولا يخفى أن مراد المصنف أنهم نفروا قبل سجوده ولم يعودوا قبل سجوده وإلا فلو نفروا قبله وعادوا إليه قبله فلا فساد كما في الخلاصة. وفيها: وإذا كبر الامام ومعه قوم متوضئون فلم يكبروا معه حتى أحدثوا ثم جاء آخرون وذهب الاولون جاز استحسانا، ولو كانوا محدثين فكبر ثم جاء آخرون استقبل التكبير ا ه‍. قوله: (والاذن العام)

[ 264 ]

أي شرط صحتها الاداء على سبيل الاشتهار حتى لو أن أميرا أغلق أبواب الحصن وصلى فيه بأهله وعسكره صلاة الجمعة لا تجوز. كذا في الخلاصة. وفي المحيط: فإن فتح باب قصره وأذن للناس بالدخول جاز ويكره لانه لم يقض حق المسجد الجامع، وعللوا الاول بأنها من شعائر الاسلام وخصائص الدين فيجب إقامتها على سبيل الاشتهار. وفي المجتبى: فانظر إلى السلطان يحتاج إلى العامة في دينه ودنياه احتياج العامة إليه فلو أمر إنسانا يجمع بهم في الجامع وهو في مسجد آخر جاز لاهل الجامع دون أهل المسجد إلا إذا علم الناس بذلك ا ه‍. ولم يذكر صاحب الهداية هذا الشرط لانه غير مذكور في ظاهر الرواية وإنما هو رواية النوادر كما في البدائع. قوله: (وشرط وجوبها الاقامة والذكورة والصحة والحرية وسلامة العينين والرجلين) فلا تجب على مسافر ولا على امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى ولا مقعد، لان المسافر يحرج في الحضور وكذا المريض والاعمى والعبد مشغول بخدمة المولى والمرأة بخدمة الزوج فعذروا دفعا للحرج والضرر. ولم أر حكم الاعمى إذا كان مقيما بالجامع الذي تصلى فيه الجمعة وأقيمت وهو حاضر هي تجب عليه لعدم الحرج أو لا، وإنما لم يذكر العقل والبلوغ والاسلام لانها شرط كل تكليف فلا حاجة إلى ذكرها هنا كما في الخلاصة. وأما الشيخ الكبير الذي ضعف فهو ملحق بالمريض فلا يجب عليه. وفي فتح القدير: والمطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم مسقط. فلو قال المصنف وشرط وجوبها الاقامة والذكورة والصحة والحرية ووجود البصر والقدرة على المشي وعدم الحبس والخوف والمطر الشديد لكان أشمل. وأشار المصنف باشتراط الحرية إلى عدم وجوبها على المكاتب والمأذون والعبد الذي حضر مع مولاه باب المسجد لحفظ الدابة ولم يخل بالحفظ، والعبد الذي يؤدي الضريبة لفقد الشرط لكن هل له صلاتها بغير إذن المولى. قال في التجنيس: وإذا أراد العبد أن يخرج إلى الجمعة أو إلى العيدين بغير إذن مولاه إن كان يعلم أن مولاه يرضى بذلك جاز وإلا فلا يحل له الخروج بغير إذنه لان الحق له في ذلك، ولو رآه فسكت حل له الخروج إليها لان السكوت بمنزلة الرضى. وعن محمد في العبد يسوق دابة مولاه إلى الجامع فإنه يشتغل بالحفظ ولا يصلي

[ 265 ]

الجمعة لانه لم يوجد الرضا بأداء الجمعة، والاصح أن له ذلك إذا كان لا يخل بحق المولى في إمساك دابته ا ه‍. وفي السراج الوهاج: فإن أذن للعبد مولاه وجب عليه الحضور. وقال بعضهم: يتخير وصحح الوجوب على المكاتب ومعتق البعض ولا يخفى ما فيه. وجزم في الظهيرية في العبد الذي أذن له مولاه بالتخيير وهو أليق بالقواعد فأشار باشتراط سلامة العينين إلى عدم وجوبها على الاعمى مطلقا، أما إذا لم يجد قائدا فمجمع عليه وإن وجده إما بطريق التبرع أو الاجارة أو معه مال يستأجره به فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما تجب عليه. وأشار باقتصاره على هذه الشروط إلى أنها لا تسقط عن الاجير. وفي الخلاصة: وللمستأجر منع الاجير عن حضور الجمعة وهذا قول الامام أبي حفص. وقال الامام أبو علي الدقاق: ليس له أن يمنعه لكن تسقط عنه الاجرة بقدر اشتغاله بذلك إن كان بعيدا، وإن كان قريبا لا يحط عنه شئ، وإن كان بعيدا واشتغل قدر ربع النهار حط عنه ربع الاجرة، فإن قال الاجير حط عني الربع بمقدار اشتغالي بالصلاة لم يكن له ذلك ا ه‍. وظاهر المتون يشهد للدقاق، ولا حاجة إلى ذكر سلامة العينين والرجلين لدخولهما تحت الصحة كما وقع في كثير من الكتب مع أن ظاهر العبارة مشكل لانه يقتضي أن إحداهما لو لم تسلم فإنه لا تجب عليه صلاة الجمعة مع أن الامر بخلافه لانه ليس بأعمى ولا بمقعد، فلو قال ووجود البصر والقدرة على المشي لكان أولى إلا أن يقال: إن الالف واللام إذا دخلت على المثنى أبطلت معنى التثنية كالجمع فصار بمعنى المفرد. وألحق بالمريض الممرض. وفي السراج الوهاج: الاصح أنه إن بقي المريض ضائعا بخروجه لم يجب عليه. وفي التجنيس: الرجل إذا أراد السفر يوم الجمعة لا بأس به إذا خرج من العمران قبل خروج وقت الظهر لان الوجوب بآخر الوقت وآخر الوقت هو مسافر فلم يجب عليه صلاة الجمعة. قال رضي الله عنه: وحكي عن شمس الائمة الحلواني أنه كان يقول لي: في هذه المسألة إشكال وهو أن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد بأدائه وهو سائر الصلوات، فأما الجمعة لا ينفرد هو بأدائها وإنما يؤديها الامام

[ 266 ]

والناس فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة ا ه‍. قوله: (ومن لا جمعة عليه أن أداها جاز عن فرض الوقت) لانهم تحملوه فصاروا كالمسافر إذا صام. وأشار بقوله جاز عن الفرض إلى أنهم أهل التكليف فلا يرد عليه الصبي والمجنون وإن دخلا تحت قوله ومن لا جمعة عليه ولهذا فصل في البدائع فيمن لا جمعة عليه فقال: إن كان صبيا وصلاها فهي تطوع له، وإن كان مجنونا فلا صلاة له أصلا. وأما من كان أهلا للوجوب كالمريض والمسافر والمرأة والعبد يجزئهم ويسقط عنهم الظهر. قيد بالجمعة لان من لا حج عليه إذا أدى الحج فإن كان لفقد المال فإن الحج يسقط عنه حتى لو أيسر بعده فإنه لا حج عليه لما ذكرنا، وإن كان لعدم أهليته كالعبد إن أدى الحج مع مولاه فإنه لا يحكم بجوازه فرضا حتى يؤاخذ بحجة الاسلام بعد حريته. والفرق أن المنع من الجمعة كان نظرا للمولى والنظر ههنا في الحكم بالجواز لانا لو لم نجوز وقد تعطلت منافعه على المولى لوجب عليه الظهر فتتعطل عليه منافعه ثانيا فينقلب النظر ضررا، وذا ليس بحكمة فتبين في الآخرة أن النظر في الحكم بالجواز فصار مأذونا دلالة كالعبد المحجور عليه إذا أجر نفسه أنه لا يجوز، ولو سلم من العمل يجوز ويجب عليه كمال الاجرة لما ذكرنا. كذا هذا بخلاف الحج فإن هناك لا يتبين أن النظر للمولى في الحكم بالجواز لا يؤاخذ للحال بشئ آخر إذا لم يحكم بجوازه بل يخاطب بحجة الاسلام بعد الحركة فلا يتعطل على المولى منافعه. كذا في البدائع. ولم أر نفلا صريحا هل الافضل لمن لا جمعة عليه صلاة الجمعة أو صلاة الظهر، لكن ظاهر الهداية والعناية وغاية البيان أن الافضل لهم صلاة الجمعة لانهم ذكروا أن صلاة الظهر لهم يوم الجمعة رخصة فدل أن العزيمة صلاة الجمعة، وينبغي أن يستثنى منه المرأة، فإن صلاتها في بيتها أفضل والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وللمسافر والعبد والمريض أن يؤم فيها) أي في الجمعة. وقال زفر: لا يجزئه لانه لا فرض عليه فأشبه الصبي والمرأة. ولنا أن هذه رخصة فإذا حضروا تقع فرضا على ما بينا، أما أداء الصبي فمسلوب الاهلية والمرأة لا تصلح لامامه الرجال قوله: (وتنعقد بهم) أي الجمعة بالمسافر والعبد والمريض للاشارة إلى رد قول الشافعي أن هؤلاء تصح إمامتهم لكن لا يعتد بهم في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وذلك لانهم لما صلحوا للامامة فلان يصلحوا للاقتداء أولى. كذا في العناية. قوله: (ومن لا عذر له لو صلى الظهر قبلها كره) أي حرم قطعا. وإنما ذكر الكراهة اتباعا للقدوري مع أنه مما لا ينبغي فإنه أوقع بعض الجهلة في ضلالة من اعتقاد جواز تركها،

[ 267 ]

وقد قدمنا أن من أنكر فريضتها فهو كافر بالله تعالى. قال في فتح القدير: لا بد من كون المراد حرم عليه ذلك وصحت الظهر لان ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو آكد من الظهر، فكيف لا يكون مرتكبا محرما غير أن الظهر تقع صحيحة ا ه‍. فالحاصل أن فرض الوقت هو الظهر عندنا بدلالة الاجماع على أن بخروج الوقت يصلي الظهر بنية القضاء، فلو لم يكن أصل فرض الوقت الظهر لما نوى القضاء. ثم هو مأمور بإسقاطه والاتيان بالجمعة. وعند زفر: فرض الوقت هو الجمعة، وفائدة الاختلاف تظهر في ثلاثة: أحدها في هذه المسألة. ثانيها لو نوى فرض الوقت يصير شارعا في الظهر عندنا، وعنده في الجمعة. ثالثها لو تذكر فائتة عليه وكان لو اشتغل بالقضاء تفوته الجمعة دون الظهر فإنه يقضي ويصلي الظهر بعده عندنا، وعنده يصلي الجمعة، ولو كان بحال تفوته الظهر والجمعة لا يقضيها اتفاقا. كذا في أكثر الكتب. وفي المحيط ذكر ثلاثة أقوال عندهما فرض الوقت الظهر لكن العبد مأمور بإسقاطه عنه بأداء الجمعة، وعند محمد: الفرض هو الجمعة وله أن يسقط بالظهر رخصة، وروي عنه الفرض أحدهما لا بعينه ويتعين ذلك بأدائه، وعند زفر والشافعي: الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها في حق المعذور ا ه‍. وقد ظهر للعبد الضعيف صحة كلاما لقدوري ومن تبعه في التعبير بالكراهة لان صلاة الظهر قبل أداء الجمعة من الامام ليست مفوتة للجمعة حتى تكون حراما إنما المفوت لها عدم سعيه، فإن سعيه بعصلاة الظهر إليها فرض كما صرحوا به، فإن لم يسع فقد فوتها فحرم عليه ذلك. وأما الصلاة فإنها مكروهة فقط باعتبار أنها قد تكون سببا للتفويت باعتبار اعتماده عليها وهم إنما حكموا على صلاة الظهر بالكراهة ولم يقل أحد أن ترك الجمعة بغير عذر مكروه حتى يلزم ما ذكر من الايقاع في جهالة. فقوله في فتح القدير لانه ترك الفرض القطعي ممنوع لما علمت أنه لا يلزم من صلاة الظهر ترك الفرض والله سبحانه الموفق للصواب. قيد بقوله قبلها لانه لو صلى الظهر في منزله بعد ما صلى الامام الجمعة يجوز اتفاقا بلا كراهة. كذا في غاية البيان. مع أنه قد فوت الجمعة فنفس الصلاة غير مكروهة وتفويت الجمعة حرام وهو مؤيد لما قلنا. وقيد بقوله لا عذر له لان المعذور إذا صلى الظهر قبل الامام فلا كراهة اتفاقا. قوله: (فإن سعى إليها بطل) أي الظهر المؤدى عند أبي حنيفة بمجرد السعي إليها لانه

[ 268 ]

مأمور بعد صلاة الظهر ينقضها بالذهاب إلى الجمعة، فالذهاب إليها شروع في طريق نقضها المأمور به فيحكم بنقضها به احتياطا لترك المعصية. وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الامام. واختلفوا في معنى السعي إليها والمختار أنه الانفصال عن داره حتى لا يبطل قبله على المختار لان السعي الرافض لها هو السعي إليها على الخصوص، ومثل ذلك السعي إنما يكون بعد خروجه من باب داره، والمراد من السعي المشي لا الاسراع فيه، وإنما عبروا به اتباعا للآية. وقيد بقوله سعى لانه لو كان جالسا في المسجد بعد ما صلى الظهر فإنه لا يبطل حتى يشرع مع الامام اتفاقا. كذا في الحقائق. وقيد بقوله إليها لانه لو خرج لحاجة أو خرج لحاجة أو خرج وقد فرغ الامام لم يبطل ظهره إجماعا، فالبطلان به مقيد بما إذا كان يرجو إدراكها بأن خرج والامام فيها أو لم يكن شرع. وأطلق فشمل ما إذا لم يدركها لبعد المسافة مع كون الامام فيها وقت الخروج أو لم يكن شرع وهو قول البلخيين. قال في السراج الوهاج: وهو الصحيح لانه توجه إليها وهي لم تفت بعد حتى لو كان بيته قريبا من المسجد وسمع الجماعة في الركعة الثانية وتوجه إليها وهي لم تفت بعد حتى لو كان بيته قريبا من المسجد وسمع الجماعة في الركعة الثانية وتوجه بعد ما صلى الظهر في منزله بطل الظهر على الاصح أيضا لما ذكرنا. وفي النهاية: إذا توجه إليها قبل أن يصليها الامام ثم إن الامام لم يصلها لعذر أو لغيره اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنها لا تبطل، وكذا لو توجه إليها والامام والناس فيها إلا أنهم خرجوا منها قبل إتمامها لنائبة فالصحيح أنه لا يبطل ظهره. ثم اعلم أن الضمير المستتر في قوله سعى يعود إلى مصلي الظهر لا إلى من عذر له ليكون أفود وأشمل فإنه لا فرق بين المعذور وغيره في بطلان ظهره بسعيه كما في غاية البيان والسراج الوهاج، لكن التعليل المذكور أولا لا يشمله لان المعذور ليس بمأمور بالسعي إليها مطلقا، فكيف يبطل به؟ فينبغي أن لا يبطل الظهر بالسعي ولا بشروعه في صلاة الجمعة لان الفرض قد سقط عنه ولم يكن مأمورا بنقضه فتكون الجمعة نفلا منه كما قاله به زفر والشافعي، وظاهر ما في المحيط أن ظهره إنما يبطل بحضوره الجمعة لا بمجرد سعيه كما في غير المعذور هو أخف إشكالا.

[ 269 ]

وأسند المصنف البطلان إلى الظهر ليفيد أن أصل الصلاة لم يبطل فينقلب نفلا كما في السراج الوهاج. وذكر في الظهيرية والخلاصة الرستاقي إذا سعى يوم الجمعة إلى مصر يريد به إقامة الجمعة وإقامه حوائج نفسه في المصر ومعظ مقصوده إقامة الجمعة ينال ثواب السعي إلى الجمعة وإن كان قصده إقامة الحوائج لا غير أو كان معظم مقصوده إقامة الحوائج لا ينال ثواب السعي إلى الجمعة ا ه‍. وبهذا يعلم أن من شرك في عبادته فإن العبرة للاغلب. وقيد بسعي المصلي لان المأموم لو لم يسع إليها وسعى إمامه فإنه لا يبطل ظهر المأموم وإن بطل ظهر إمامه لان بطلانه في حق الامام بعد الفراغ فلا يضر المأموم كما صرح به في المحيط. قوله: (وكره للمعذور والمسجون أداء الظهر بجماعة في العصر) لان المعذور قد يقتدي به غيره فيؤدي إلى تركها، وما علل به في الهداية أولا بقوله لما فيه من الاخلال بالجمعة إذ هي جامعة للجماعات مبني على عدم جواز تعددها في مصر واحد وهو خلاف المنصوص عليه رواية ودراية. قيد بالمصر لان الجماعة غير مكروهة في حق أهل السواد لانه لا جمعة عليهم، وأفاد بالكراهة أن الصلاة صحيحة لاستجماع شرائطها، وفي فتاوي الولوالجي: قوم لا يجب عليهم أن يحضروا الجمعة لبعد الموضع صلوا الظهر جماعة لانه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة في الجمعة ا ه‍. فإن كانوا في السواد فظاهر، وإن كانوا في المصر فهي مستثناة من كلام المصنف، ولو حذف المصنف المعذور والمسجون لكان أولى فإن أداء الظهر بجماعة مكروه يوم الجمعة مطلقا. قال في الظهيرية: جماعة فاتتهم الجمعة في المصر فإنهم يصلون الظهر بغير آذان ولا إقامة ولا جماعة ا ه‍. وذكر الولوالجي: ولا يصلي يوم الجمعة جماعة في مصر ولا يؤذن ولا يقيم في سجن وغيره لصلاة، ولو زاد أداؤه منفردا قبل صلاة الامام لكان أولى لما في الخلاصة: ويستحب للمريض أن يؤخر الصلاة إلى أن يفرغ الامام من صلاة الجمعة وإن لم يؤخره يكره هو الصحيح ا ه‍. ولعله إما لاحتمال أن يقتدي به غيره فيؤدي إلى تركها أو يعافى فيحضرها. وقد اقتصر في المجتبى على الثاني. وإنما صرح بالمسجون مدخوله في المعذور للاختلاف في أهل السجن فإن السراج الوهاج أن المسجونين إن كانوا ظلمة قدروا على إرضاء الخصوم، وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستغاثة وكان عليه حضور الجمعة. وقيد بالجماعة لما في التفاريق أن المعذور يصلي الظهر بأذان، وإقامة وإن كان لا تستحب الجماعة، وقيد بالظهر لان في غيرها لا بأس أن يصلوا جماعة. وأشار المصنف إلى أن المساجد تغلق يوم الجمعة إلا الجامع لئلا يجتمع

[ 270 ]

فيها جماعة. كذا في السراج الوهاج. وظاهر كلامهم أن الكراهة في مسألة الكتاب تحريمية لان الجماعة مؤدية إلى الحرام وما أدى إليه فهو مكروه تحريما قوله: (ومن أدركها في التشهد أو في سجود السهو أتم جمعة) يعني عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بني عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر لانه جمعة من وجه ظهر من وجه لفوات بعض الشرائط في حقه فيصلي أربعا اعتبارا للظهر، ويقعد لا محالة على رأس الركعتين اعتبارا للجمعة، ويقرأ في الاخريين لاحتمال النفلية. ولهما: إنه مدرك للجمعة في هذه الحالة حتى تشترط نية الجمعة وهي ركعتان ولا وجه لما ذكر لانهما مختلفان لا ينبني أحدهما على تحريمة الآخر، ووجود الشرائط في حق الامام يجعل موجودا في حق المسبوق. وأشار المصنف رحمه الله إلى أنه لا بد أن ينوي الجمعة دون الظهر حتى لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه. كذا في المبسوط. وفي المضمرات: إنه مجمع عليه. وأشار أيضا إلى أن الامام يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، والمختار عند المتأخرين أن لا يسجد في الجمعة والعيدين لتوهم الزيادة من الجهال. كذا في السراج الوهاج وغيره. ثم إذا قام هذا المسبوق إلى قضائه كان مخيرا في القراءة إن شاء جهر وإن شاخافت. كذا في السراج الوهاج أيضا. وفي المجتبى: ولو زحمه الناس فلم يستطع السجود فوقف حتى سلم الامام فهو لاحق يمضي في صلاته بغير قراءة ا ه‍. وقيد بالجمعة لان من أدرك الامام في صلاة العيد في التشهد فإنه يتم العيد اتفاقا. كذا في فتح القدير من صلاة العيد. وذكر في السراج أن عند محمد لم يصر مدركا للعيد. وفي الظهيرية معزيا إلى المنتفى: مسافر أدرك الامام يوم الجمعة في التشهد يصلي أربعا بالتكبير الذي دخل فيه ا ه‍. وهو مخصص لما في المتون مقتض لحملها على ما إذا كانت الجمعة واجبة على المسبوق أما إذا لم تكن واجبة فإنه يتم ظهرا. قوله: (وإذا خرج الامام فلا صلاة ولا كلام) لما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام. وقول الصحابي حجة ولان الكلام يمتد طبعا فيخل بالاستماع والصلاة قد تستلزمه أيضا. وبه اندفع قولهما إنه لا بأس بالكلام إذا خرج قبل أن يخطب وإذا نزل قبل أن يكبر. وأجمعوا أن الخروج قاطع للصلاة. وفي العيون: المراد إجابة المؤذن، أما غيره من الكلام فيكره إجماعا. كذا في السراج الوهاج. وفسر الشارح الخروج بالصعود على المنبر وهكذا في المضمرات. وذكر في السراج الوهاج يعني خرج من المقصورة وظهر عليهم، وقيل صعد المنبر فإن لم يكن في المسجد مقصورة يخرج منها لم يتركوا القراءة والذكر إلا إذا قام الامام إلى

[ 271 ]

الخطبة ا ه‍. وفي شرح المجمع: عبارة الخروج واردة على عادة العرب من أنهم يتخذون للامام مكانا خاليا تعظيما لشأنه، فيخرج منه حين أراد الصعود هكذا شاهدناه في ديارهم، والقاطع في ديارنا يكون قيام الامام للصعود ا ه‍. فالحاصل أن الامام إن كان في خلوة فالقاطع انفصاله عنها وظهوره للناس وإلا فقيامه للصعود. وأطلق في الصلاة فشمل السنة وتحية المسجد ويدل عليه الحديث إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت (1 فإنه يفيد بطريق الدلالة منعهما بالاولى لان المنع من الامر بالمعروف وهو أعلى من السنة وتحية المسجد. وما في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما (2) فمحمول على ما قبل تحريم الكلام فيها دفعا للمعارضة. وجوابهم بحمله على ما إذا أمسك عن الخطبة حتى يفرغ من صلاته كما أجابوا به في واقعة سليك الغطفاني، فغير مناسب لمذهب الامام لما علمت أنه يمنع الصلاة بمجرد خروجه قبل الخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة. وفي فتح القدير: ولو خرج وهو في السنة يقطع على ركعتين ا ه‍. وهو قول ضعيف وعزاه قاضيخان إلى النوادر قال: فإذا قطع يلزمه أربع ركعات والصحيح خلافه كما في المحيط. قال الولوالجي في فتاواه: إذا شرع في الاربع قبل الجمعة ثم افتتح الخطبة أو الاربع قبل الظهر ثم أقيمت هل يقطع على رأس الركعتين؟ تكلموا فيه والصحيح أنه يتم ولا يقطع لانها بمنزلة صلاة واحدة واجبة ا ه‍. وكذا في المبتغى بالغين المعجمة. ولا يرد عليه قضاء فائتة لم يسقط الترتيب بينها وبين الوقتية فإنها لا تكره كما في السراج الوهاج لانه أطلق فيها ما قدمه أن الترتيب واجب بمعنى الشرط. وأطلق في منع الكلام فشمل الخطيب. قال في البدائع: ويكره للخطيب أن يتكلم في حال الخطبة إلا إذا كان أمرا بمعروف فلا يكره لما روي أن عمر كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه عثمان فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال له: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير المؤمنين على أن توضأت فقال:

[ 272 ]

والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله أمر بالاغتسال ا ه‍. فاستفيد منه أنه لا يسلم إذا صعد المنبر. وروي أنه يسلم كما في السراج الوهاج. وشمل التسبيح والذكر والقراءة وفي النهاية: اختلف المشايخ على قولابي حنيفة، قال بعضهم: إنما كان يكره ما كان من كلام الناس. أما التسبيح ونحوه فلا. وقال بعضهم: كل ذلك مكروه والاول أصح ا ه‍. وكذا في العناية وذكر الشارح أن الاحوط الانصات ا ه‍. ويجب أن يكون محل الاختلاف قبل شروعه في الخطبة ويدل عليه قوله على قول أبي حنيفة: وأما وقت الخطبة فالكلام مكروه تحريما ولو كان أمرا بمعروف أو تسبيحا أو غيره كما صرح به في الخلاصة وغيرها. وزاد فيها أن ما يحرم في الصلاة يحرم في الخطبة من أكل وشرب وكلام. وهذا إن كان قريبا، فإن كان بعيدا فقد تقدم من المصنف أن النائي كالقريب وهو الاحوط في المحيط وهو الاصح. وأما دراسة الفقه والنظر في كتب الفقه ففيه اختلاف. وعن أبي يوسف أنه كان ينطر في كتابه ويصححه وقت الخطبة ولو لم يتكلم لكن أشار بيده أو بعينه حين رأى منكرا، الصحيح أنه لا بأس به، وشمل تشميت العاطس ورد السلام. وعن أبي يوسف: لا يكره الرد وهو خلاف المذهب. واختلفوا في الحمد إذا عطس السامع، وصححوا أنه يرد في نفسه لكن ذكر الولوالجي أن الاصوب أنه لا يجب فيهما لانه يختل الانصات وأنه مأمور به، وعليه الفتوى. وكذا اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع اسمه، والصواب أنه يصلي في نفسه كما في فتح القدير. ولا يرد على المصنف لو رأى رجلا عند بئر فخاف وقوعه فيها أو رأى عقربا تدب إلى إنسان فإنه يجوز له أن يحذره وقت الخطبة لان ذلك يجب لحق آدمي وهو محتاج إليه والانصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة كما في السراج الوهاج. وفي المجتبى: الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب والاصح الاستماع إلى الخطبة من أولها إلى آخرها وإن كان فيها ذكر الولاة ا ه‍. ثم اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوي وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالرضى وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك، فكله حرام

[ 273 ]

على مقتضى مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأغرب منه أن المرقي ينهى عن الامر بالمعروف بمقتضى الحديث الذي يقرأه ثم يقول أنصتوا رحمكم الله، ولم أر نقلا في وضع هذا المرقي في كتب أئمتنا. قوله: (ويجب السعي وترك البيع بالاذان الاول) لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * (الجمعة: 9) وإنما اعتبر الاذان الاول لحصول الاعلام به، ومعلوم أنه بعد الزوال إذ الاذان قبله ليس بأذان، وهذا القول هو الصحيح في المذهب. وقيل: العبرة للاذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر لانه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام إلا هو وهو ضعيف لانه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة. وفي صحيح البخاري مسندا إلى السائب بن يزيد قال: كان النداء ليوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. قال البخاري: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. وفي فتح القدير: وقد تعلق بما ذكرنا بعض من نفى أن للجمعة سنة فإنه من المعلوم أنه كان عليه السلام إذا رقي المنبر أخذ بلال في الاذان فإذا أكمله أخذ عليه السلام في الخطبة فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم إذا فرغ من الاذان قاموا فركعوا فهو من أجهل الناس، وهذا مدفوع بأن خروجه عليه السلام كان بعد الزوال بالضرورة فيجوز كونه بعد ما كان يصلي الاربع، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوز لما قدمناه من عموم أنه كان عليه السلام يصلي إذا زالت الشمس أربعا، وكذا يجب في حقهم لانهم أيضا يعلمون الزوال كالمؤذن بل ربما يعلمونه بدخول الوقت ليؤذن ا ه‍. والمراد من البيع ما يشغل عن السعي إليها حتى لو اشتغل بعمل آخر سوى البيع فهو مكروه أيضا. كذا في السراج الوهاج. وأشار بعطف ترك البيع على السعي إلى أنه لو باع أو اشترى حالة

[ 274 ]

السعي فهو مكروه أيضا. وصرح في السراج الوهاج بعدمها إذا لم يشغله وصرح بالوجوب ليفيد أن الاشتغال بعمل آخر مكروه كراهة تحريم لانه في رتبته ويصح إطلاق اسم الحرام عليه كما وقع في الهداية. وبه اندفع ما في غاية البيان من أن فيه نظرا لان البيع وقت الاذان جائز لكنه مكروه فإن المراد بالجواز الصحة لا الحل، وبه اندفع أيضا ما ذكره القاضي الاسبيجابي من أن البيع وقت النداء مكروه للآية ولو فعل كان جائزا، والامر بالسعي من الله تعالى على الندب والاستحباب لا على الحتم والايجا ب ا ه‍. فإنه يفيد أن الكراهة تنزيهية وليس كذلك بل تحريمية اتفاقا ولهذا وجب فسخه لو وقع. وأيضا قوله إن الامر بالسعي للندب غير صحيح لانهم استدلوا به على فرضية صلاة الجمعة فعلم أنه للوجوب. وقول الاكمل في شرح المنار أن الكراهة تنزيهية مردود لما علمت. وإنما لم يقل ويفترض السعي مع أنه فرض للاختلاف في وقته هل هو الاذان الاول أو الثاني أو العبرة لدخول الوقت. وفي المضمرات: والذي يبيع ويشتري في المسجد أو على باب المسجد أعظم إثما وأثقل وزرا. قوله: (فإذا جلس على المنبر أذن بين يديه وأقيم بعد تمام الخطبة) بذلك جرى التوارث، والضمير في قوله بين يديه عائد إلى الخطيب الجالس. وفي القدوري: بين يديه المنبر وهو مجاز إطلاقا لاسم المحل على الحال كما في السراج الوهاج، فأطلق اسم المنبر على الخطيب. وفي كثير من الكتب: لو سمع النداء وقت الاكل يتركه إذا خاف فوت الجمعة كخروج وقت المكتوبات بخلاف الجماعة في سائر الصلوات. وفي المحيط وغيره: ويستحب لمن حضر الجمعة أن يدهن ويمس طيبا إن جده، ويلبس أحسن ثيابه ويغتسل ويجلس في الصف الاول لان الصلاة فيه أفضل. ثم تكلموا في الصف الاول قيل هو خلف الامام في المقصورة،

[ 275 ]

وقيل ما يلي المقصورة وبه أخذ الفقيه أبو الليث لانه يمنع العامة عن الدخول في المقصورة فلا تتوصل العامة إلى نيل فضيلة الصف الاول، ومن مات يوم الجمعة يرجى له فضل. وفي البدائع: وينبغي للامام أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر، ولو قرأ في الاولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بسورة المنافقين أو في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية بسورة هل أتاك حديث الغاشية فحسن تبركا بفعله عليه السلام ولكن يواظب على قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الاوقات كيلا يؤدي إلى هجر الباقي ولا يظنه العامة حتما. وفي الخلاصة: ولا يحل للرجل أن يعطى سؤال المساجد. هكذا ذكر في الفتاوى. قال الصدر الشهيد: المختار أن السائل إذا كان لا يمر بين يدي المصلي ولا يتخطى رقاب الناس ولا يسأل الحافا ويسأل لامر لا بد له منه لا بأس بالسؤال والاعطاء، وإذا حضر الرجل الجامع وهو ملآن إن تخطى يؤذي الناس لم يتخط وإن كان لا يؤذي أحدا بأن كان لا يطأ ثوبا ولا جسدا فلا بأس بأن يتخطى ويدنو من الامام. وعن أصحابنا بأنه لا بأس بالتخطي ما لم يأخذ الامام في الخطبة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب العيدين أي صلاة العيدين. ولا خفاء في وجه المناسبة وسمي به لما أن لله سبحانه وتعالى فيه

[ 276 ]

عوائد الاحسان إلى عباده، أو لانه يعود ويتكرر، أو لانه يعود بالفرح والسرور، أو تفاؤلا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة قافلة تفاؤلا بقفولها أي برجوعها. وجمعه أعياد وكان حقه أعواد لانه من العود ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد أو للفرق بينه وبين عود الخشب فإنه يجمع على عيدان وعود اللهو فإنه يجمع على أعواد كما في العيني. وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الاولى من الهجرة كما رواه أبو داود مسندا إلى أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أيدلكم بهما خيرا منهما يوم الاضحى ويوم الفطر قوله: (تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة بشرائطها سوى الخطبة) تصريح بوجوبها وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو الاصح كما في الهداية والمختار كما في الخلاصة وهو قول الاكثرين كما في المجتبى، ويدل عليه من جهة الرواية قول محمد في الاصل: ولا يصلي نافلة في جماعة إلا قيام رمضان وصلاة الكسوف فإنه لم يستثن العيد فعلم أنه ليس من النوافل. ومن جهة الدليل مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها من غير ترك. وفي رواية أخرى أنها سنة لقول محمد في الجامع الصغير في العيدين يجتمعان في يوم واحد قال: يشهدهما جميعا ولا يترك واحدا منهما. والاولى منهما سنة والاخرى فريضة. قال في غاية البيان: وهذا أظهر ولم يعلله وهو كذلك لوجهين: أحدهما أن الجامع الصغير صنفة بعد الاصل فما فيه هو المعول عليه. وثانيهما أنه صرح بالسنة بخلاف ما في الاصل، والظاهر أنه لا خلاف في الحقيقة لان المراد من السنة السنة المؤكدة بدليل قوله ولا يترك واحدا منهما، وكما صرح به في المبسوط، وقد ذكرنا مرارا أنها بمنزلة الواجب عندنا ولهذا كان

[ 277 ]

الاصح أنه يأثم بترك المؤكدة كالواجب وفي المجتبى: الاصح أنها سنة مؤكدة وأفاد أن جميع شرائط الجمعة وجوبا وصحة شرائط للعيد إلا الخطبة فإنها ليست بشرط حتى لو لم يخطب أصلا صح وأساء لترك السنة، ولو قدمها على الصلاة صحت وأساء ولا تعاد الصلاة وبه اندفع ما في السراج الوهاج من أن المملوك تجب عليه العيد إذا أذن له مولاه ولا تجب عليه الجمعة لان الجمعة لهبدل وهو الظهر وليس كذلك العيد فإنه لا بدل له لان منافعه لا تصير مملوكة له بالاذن، فحاله بعد الاذن كحاله قبله. وفي القنية: صلاة العيد في الرساتيق تكره كراهة تحريم ا ه‍. لانه اشتغال بما لا يصح لان المصر شرط الصحة. قوله (وندب يوم الفطر أن يطعم ويغتسل ويستاك ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه) اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويستحب كون ذلك المطعوم حلوا لما روى البخاري: كان عليه الصلاة والسلام لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا. وأما ما يفعله الناس في زماننا من جمع التمر مع اللبن والفطر عليه فليس له أصل في السنة، وظاهر كلامهم تقديم الاحسن من الثياب في الجمعة والعيدين وإن لم يكن أبيض والدليل دال عليه فقد روى البيهقي أنه عليه الصلاة والسلام كان يلبس يوم العيد بردة حمراء. وفي فتح القدير: واعلم أن الحلة الحمراء عبارة عن ثوبين من اليمن فيهما خطوط حمر وخضر لا أنها أحمر بحت فليكن محمل البردة أحدهما اه‍. بدليل نهيه عليه السلام عن لبس الاحمر كما رواه أبو داود. والقول مقدم على الفعل والحاظر مقدم على المبيح لو تعارضا، فكيف إذا لم يتعارضا بالحمل المذكور. وزاد في الحاوي القدسي أن من المستحبات التزين وأن يظهر فرحا وبشاشة ويكثر من الصدقة حسب طاقته وقدرته. وزاد في القنية استحباب التختم والتبكير وهو سرعة الانتباه والابتكار وهو المسارعة إلى المصلى وصلاة الغداة في مسجد حيه والخروج إلى المصلى ماشيا والرجوع في طريق آخر والتهنئة بقوله تقبل الله منا ومنكم لا تنكر. وفي المجتبى: فإن قلت عد الغسل ههنا مستحبا وفي الطهارة سنة قلت: للاختلاف فيه والصحيح أنه سنة، وسماه مستحبا لاشتمال السنة على المستحب وعد سائر المستحبات المذكورة هنا في بعض الكتب سنة اه‍. قوله (ويؤدي صدقة الفطر) معطوف على يطعم فيقتضي أن يكون الاداء مندوبا وهو كذلك لان الكلام كله قبل الخروج إلى المصلى

[ 278 ]

فلصدقة الفطر أحوال: أحدها قبل دخول يوم العيد وهو جائز. ثانيها يومه قبل الخروج إلى المصلى فلصدقة الفطر أحوال: أحدها قبل دخول يوم العيد وهو جائز. ثانيها يومه قبل الخروج وهو مستحب. ثالثها يومه بعد الصلاة وهو جائز. رابعها بعد يوم الفطر وهو صحيح ويأتم بالتأخير إلا أنه يرتفع بالاداء كمن أخر الحج بعد القدرة فإنه يأثم، ثم يزول بالاداء كما سيأتي. وإنما استحب الاداء قبله للحديث من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (1) ولقوله عليه الصلاة والسلام أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة ولان المستحب أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى فيقدم للفقير ليأكل قبلها فيتفرغ قبله للصلاة قوله (ثم يتوجه إلى المصلى) ضبطه في غاية البيان بالرفع وقال لا بالنصب، ولم يبين وجهه. ووجهه أن التوجه واجب وليس بمستحب ولهذا أتى بأسلوب آخر وهو العطف بثم. وفي السراج الوهاج: المستحب أن يتوجه ماشيا ولا يركب في الرجوع لان النبي صلى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة. ولا بأس أن يركب في الرجوع لانه غير قاصد إلى قربة. وفي التجنيس: والخروج إلى الجبانة سنة لصلاة العيد وإن كان يسعهم المسجد الجامع عند عامة المشايخ هو الصحيح اه‍. وفي المغرب: الجبانة المصلى العام في الصحراء. وعلى هذا فيجوز أن يكون منصوبا عطفا على يطعم لان التوجه إلى المصلي مندوب كما أفاده في التجنيس، فإن كانت صلاة العيد واجبة حتى لو صلى العيد في الجامع ولم يتوجه إلى المصلى فقد ترك السنة وإنما أتى بثم لافادة أن التوجه متراخ عن جميع الافعال السابقة. وفي الخلاصة: ولا يخرج المنبر إلى الجبانة يوم العيد، واختلف المشايخ في بناء المنبر في الجبانة، قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره، وفي نسخة الامام خواهر زاده هذا حسن في زماننا، وعن أبي حنيفة أنه لا بأس به اه‍. قوله (غير مكبر ومتنفل قبلها) أي قبل صلاة العيد. أما الاول فظاهر كلامه أنه لا يكبر يوم الفطر قبل صلاة العيد لا جهرا ولا سرا وأنه لافرق بين التكبير في البيت أو في الطريق أو في المصلي قبل الصلاة لكن أفاد بعد ذلك أن أحكام الاضحى كالفطر إلا أنه يكبر في الطريق جهرا، فصار معنى كلامه هنا أنه لا يكبر في الطريق جهرا. وفي غاية البيان: المراد من نفي التكبير بصفة الجهر لان التكبير خير موضوع لا خلاف في جوازه بصفة الاخفاء اه‍. وفي الخلاصة: ما يخالفه قال: ولا يكبر يوم الفطر. وعندهما يكبر ويخافت وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، والاصح ما ذكرنا أنه لا يكبر في عيد الفطر اه‍. فأفاد أن الخلاف

[ 279 ]

في أصله لا في صفته وأن الاتفاق على عدم الجهرية. ورده في فتح القدير بأنه ليس بشئ إذ لا يمنع من ذكر الله بسائر الالفاظ في شئ من الاوقات بل من إيقاعه على وجه البدعة فقال أبو حنيفة: رفع الصوت بالذكر بدعة ويخالف الامر من قوله تعالى * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) * (الاعراف: 205) فيقتصر على مورد الشرع، وقد ورد به في الاضحى وهو قوله تعالى * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) جاء في التفسير أن المراد التكبير في هذه الايام اه‍. وهو مردود لان صاحب الخلاصة أعلم بالخلاف منه ولان ذكر الله تعالى إذ قصد به التخصيص بوقت دون وقت أو بشئ دون شئ لم يكن مشروعا حيث لم يرد الشرع به لانه خلاف المشروع، وكلامهم إنما هو فيما إذا خص يوم الفطر بالتكبير ولهذقال في غاية البيان من باب المهر عند ذكر المتعة: وقوله ولا يكبر في طريق المصلى عند أبي حنيفة أي حكما للعيد ولكن لو كبر لانه ذكر الله تعالى يجوز ويستحب اه‍. فالحاصل أن الجهر بالتكبير بدعة في كل وقت إلا في المواضع المستثناة. وصرح قاضيخان في فتاواه بكراهة الذكر جهرا وتبعه على ذلك صاحب المستصفى. وفي الفتاوى العلامية: وتمنع الصوفية من رفع الصوت والصفق. وصرح بحرمتها لعيني في شرح التحفة وشنع على من يفعله مدعيا أنه من الصوفية، واستثنى من ذلك في القنية ما يفعله الائمة في زماننا فقال: إمام يعتاد في كل غداة مع جماعته قراءة آية الكرسي وآخر البقرة وشهد الله ونحوه جهرا لا بأس به والافضل الاخفاء. ثم قال: التكبير جهرا في غير أيام التشريق لا يسن إلا بإزاء العدو أو اللصوص. وقاس عليه بعضهم الحريق والمخاوف كلها ثم رقم برقم آخر قاص وعنده جمع كثير يرفعون أصواتهم بالتهليل والتسبيح جملة لا بأس به والاخفاء أفضل، ولو اجتمعوا في ذكر الله والتسبيح والتهليل يخفون والاخفاء أفضل عند الفزع في السفينة أو ملاعبتهم بالسيوف، وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اه‍. وأما التكبير خفيه فإن قصد أن يكون لاجل يوم الفطر فهو مكروه أيضا وإلا فهو مستحب ولو كان يوم الفطر. وأما الثاني وهو التنفل قبلها فهو مكروه، وأطلقه فشمل ما إذا كان في المصلى أو في البيت، ولا خلاف فيما إذا كان المصلى. واختلفوا فيما إذا تنفل في البيت فعامتهم على الكراهة وهو الاصح كما في غاية البيان. وقيد بقوله قبلها لان التنفل بعدها فيه تفصيل، فإن كان في

[ 280 ]

المصلي فمكروه عند العامة، وإن كان في البيت فلا. ودليل الكراهة ما في الكتب الستة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلى بهم العيد لم يصل قبلها ولا بعدها. وهذا النفي بعدها محمول على ما إاذ كان في المصلى لحديث ابن ماجه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين اه‍. قال في فتاوى قاضيخان والخلاصة: والافضل أن يصلي أربع ركعات بعدها. وأطلقه فشمل صلاة الضحى وشمل من يصلي صلاة العيد إماما كان أو غيره ومن لم يصلها كما في السراج الوهاج ولهذا قال في الخلاصة: النساء إذا أردن أن يصلين صلاة الضحى يوم العيد صلين بعدما يصلي الامام في الجبانة اه‍. وهذا كله إنما هو بحسب حاالانسان، وأما العوام فلا يمنعون من تكبير قبلها. قال ابو جعفر: لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخيرات اه‍. وكذا في التنفل قبلها. قال في التجنيس: سئل شمس الائمة الحلواني أن كسالى العوام يصلون الفجر عند طلوع الشمس أفنزجرهم عن ذلك؟ قال: لا لانهم إذا منعوا عن ذلك تركوها أصلا وأداؤها مع تجويز أهل الحديث لها أولى من تركها أصلا اه‍. قوله (ووقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها) أما الابتداء فلانه عليه الصلاة والسلام كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين، وهو بكسر القاف بمعنى قدر. وأما الانتهاء فلما في السنة أن ركبا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم أن يفطروا إذا أصبحوا يغدون إلى مصلاهم، ولو جاز فعلها بعد الزوال لم يكن للتأخير إلى الغد معنى. واستفيد منه أنها لا تصح قبل ارتفاع الشمس بمعنى لا تكون صلاة عيد بل نفل محرم. ولو زالت الشمس وهو في أثنائها فسدت كما في الجمعة صرح به في السراج الوهاج. وعلى هذا فينبغي إدخاله في المسائل الاثني عشرية لما أنها كالجمعة وقد أغفلوها عن ذكرها. ويستحب تعجيل صلاة الاضحى لتعجيل الاضاحي. وفي المجتبى: ويستحب أن يكون خروجه بعد ارتفاع قدر رمح حتى لا يحتاج إلى انتظار القوم، وفي عيد الفطر يؤخر الخروج قليلا. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم: عجل الاضحى وأخر الفطر. قيل: ليؤدي الفطرة ويعجل الاضحية. قوله (ويصلى ركعتين مثنيا قبل الزوائد) أما كونها ركعتين فمتفق عليه، وأما كون الثناء قبل التكبيرات فلانه شرع أول الصلاة فيقدم عليها في ظاهر الرواية كما يقدم على سائر الافعال والاذكار قوله (وهي ثلاث في كل ركعة) أي الزوائد

[ 281 ]

ثلاث تكبيرا ت في كل ركعة وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وبه أخذ أئمتنا أبو حنيفة وصاحباه. وأما ما في الخلاصة وعن أبي يوسف كما قال ابن عباس رضي الله عنهما خمس في الاولى وخمس في الثانية أو أربع على اختلاف الروايات والائمة في زماننا يكبرون عل مذهب ابن عباس لان الخلفاء شرطوا عليهم ذلك اه‍. فليس مذهبا لابي يوسف وإنما فعله امتثالا لامر هرون الرشيد. قال في السراج الوهاج: لما انتقلت الولاية إلى بني العباس أمروا الناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم وكتبوا ذلك في مناشيرهم. وهذا تأويل ما روي عن أبي يوسف أنه قدم بغداد فصلى بالناس صلاة العيد وخلفه هرون الرشيد فكبر تكبير ابن عباس، فيحتمل أن هرون أمره أن يكبر تكبير جده ففعله امتثالا لامره، وأما مذهبه فهو على تكبير ابن مسعود رضي الله عنه لان التكبير ورفع الايدي خلاف المعهود فكان الاخذ فيه بالاقل أولى اه‍. وكذا هو مروي عن محمد. قال في الظهيرية: إنهما فعلا ذلك امتثالا لامر الخليفة لا مذهبا ولا اعتقادا. وذكر في المجتبى: ثم يأخذ بأي هذه التكبيرات شاء، وفي رواية عن أبي يويسف ومحمد قال في الموطأ بعد ذكر الروايات: فما أخذت به فحسن، ولو كان فيها ناسخ، ومنسوخ لكان محمد بن الحسن أولى بمعرفته لقدمه في علم الحديث والفقه. وقيل: الآخر ناسخ للاول والصحيح ما قلناه والاخذ بتكبيرات ابن مسعود أولى اه‍. وبهذا ظهر أن الخلاف في الاولوية. وفي المحيط: ولو كبر الامام أكثر من تكبير ابن مسعود اتبعه ما لم يكبر أكثر مما جاء به الآثار لانه مولى عليه فيلزمه العمل برأي الامام وذلك إلى ستة عشر، فإن زاد لا يلزمه متابعته لانه مخطئ بيقين. ولو سمع التكبيرات من المكبرين يأتي بالكل احتياطا وإن كثر لاحتمال الغلط من المكبرين ولهذا قيل: ينوي بكل تكبيرة الافتتاح لاحتمال

[ 282 ]

التقدم على الامام في كل تكبيرة اه‍. ثم قال: الاصل أن المنفرد يتبع رأي نفسه في التكبيرات والمقتدي يتبع رأي إمامه، ومن أدرك الامام راكعا في صلاة العيد فخشي أن يرفع رأسه يركع ويكبر في ركوعه عندهما خلافا لابي يوسف، ولو أدركه في القيام فلم يكبر حتى ركع لا يكبر في الركوع على الصحيح كما لو ركع الامام قبل أن يكبر فإن الامام لا يكبر في الركوع ولا يعود إلى القيام ليكبر في ظاهر الرواية، ومن فاتته أول الصلاة مع الامام يكبر في الحال ويكبر برأي نفسه. قوله (ويوالى بين القراءتين) اقتداء بابن مسعود رضي الله عنه ولتكون التكبيرات مجتمعة لانها من أعلام الشريعة، ولذلك وجب الجهر بها. والجمع يحقق معنى الشعائر والاعلام هذا إلا أن في الركعة الاولى تخللت الزوائد بين تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع فوجب الضم إلى تكبيرة الافتتاح أولى لانها سابقة، وفي الركعة الثانية الاصل فيه تكبيرة الركوع لا غيره فوجب الضم إليها ضرورة. كذا في المحيط والهداية. والظاهر أن المراد بالوجوب في عبارتهما الثبوت لا المصطلح عليه لان الموالاة بينهما مستحبة لما تقدم من أن الخلاف في الاولوية. ثم المسبوق بركعة إذا قام إلى القضاء فإنه يقرأ ثم يكبر لانه لو بدأ بالتكبير يصير مواليا بين التكبيرات ولم يقل به أحد من الصحابة. ولو بدأ بالقراءة يصير فعله موافقا لقول علي فكان أولى. كذا في المحيط وهو مخصص لقولهم إن المسبوق يقضي أول صلاته في حق الاذكار ويكبر المسبوق على رأي نفسه بخلاف اللاحق فإنه يكبر على رأي إمامه لانه خلف الامام حكما. كذا في السراج الوهاج وفي المجتبى: الاصل أن من قدم المؤخر أو أخر المقدم ساهيا أو اجتهادا فإن كان لم يفرغ مما دخل فيه يعيد وإن فرغ لا يعود اه‍. وفي المحيط: إن بدأ الامام بالقراءة سهوا ثم تذكر، فإن فرغ من قراءة الفاتحة والسورة يمضي في صلاته، وإن لم يقرأ إلا الفاتحة كبر وأعاد القراءة لزوما لان القراءة إذا لم تتم كان امتناعا عن الاتمام رفضا للفرض. ولو تحول رأيه بعدما صلى ركعة وكبر بالقول الثاني، فإن تحول إلى قول ابن عباس بعدما كبر بقول ابن مسعود وقرأ إن لم يفرغ من القراءة يكبر ما بقي من تكبيرات ابن عباس ويعيد القراءة، وإن فرغ من القراءة كبر ما بقي ولا يعيد القراءة قوله (ويرفع يديه في الزوائد) توضيح لما أبهمه سابقا بقوله: ولا يرفع الايدي إلا في فقعس صمعج. فإن العين الاولى للاشارة إلى العيدين فبين هنا أنه خاص بالزوائد دون تكبيرة الركوع فإن تكبيرتي الركوع لما ألحقت بالزوائد في كونهما واجبتين حتى يجب السهو بتركهما ساهيا كما صرح به في

[ 283 ]

السراج الوهاج، ربما توهم أنهما التحقنا بهما في الرفع أيضا فنص على أنه خاص بالزوائد. وعن أبي يوسف: لا يرفع يديه فيها وهو ضعيف، ويستثنى منه ما إذا كبر راكعا لكونه مسبوقا كما قدمناه فإنه لا يرفع يديه كما ذكره الاسبيجابي. وقيل: يرفع يديه. وأشار المصنف إلى أنه يسكت بين كل تكبيرتين لانه ليس بينهما ذكر مسنون عندنا، ولهذا يرسل يديه عندنا وقدره مقدار ثلاث تسبيحات لزوال الاشتباه. وذكر في المبسوط أن هذا التقدير ليس بلازم بل يختلف بكثرة الزحام وقلته لان المقصود إزالة الاشتباه، ولم يذكر هنا الجهر بالقراءة لما علم سابقا في فضل القراءة ويقرأ فيهما كما يقرأ في الجمعة. وفي الظهيرية: لو صلى خلف إمام لا يرى رفع اليدين عند تكبيرات الزوائد يرفع يديه ولا يوافق الامام في الترك اه‍. قوله (ويخطب بعدها خطبتين) اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام بخلاف الجمعة فإنه يخطب قبلها لان الخطبة فيها شرط والشرط متقدم أو مقارن وفي العيد ليست بشرط، ولهذا إذا خطب قبلها صح وكره لانه خالف السنة كما لو تركها أصلا. وفي المجتبى: ويبدأ بالتحميد في خطبة الجمعة وخطبة الاستسقاء وخطبة النكاح، ويبدأ بالتكبيرات في خطبة العيدين، ويستحب أن يستفتح الاولى بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع. قال عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو من السنة. ويكبر قبل أن ينزل من المنبر أربع عشرة اه‍. ويجب السكوت والاستماع في خطبة العيدين وخطبة الموسم كذا في المجتبى قوله (ويعلم الناس فيها أحكام صدقة الفطر) لانها شرعت لاجله. وقال في السراج الوهاج: وأحكامها خمسة: على من تجب ولمن تجب ومتى تجب وكم تجب ومم تجب. أما على من تجب فعلى الحر المسلم المالك للنصاب، وأما لمن تجب فللفقراء والمساكين، وأما متى تجب فبطلوع الفجر، وأما كم تجب فنصف صاع من برأ وصاع من تمر أو شعير أو زبيب، وأما مم تجب فمن أربعة أشياء المذكورة وأما ما سواها فبالقيمة قوله (ولم تقض إن فاتت مع الامام) لان الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد فمراده نفي صلاتها وحده وإلا فإذا فاتت مع إمام وأمكنه أن يذهب إلى إمام آخر فإنه يذهب إليه لانه يجوز تعدادها في مصر واحد في موضعين وأكثر اتفاقا إنما الخلاف في الجمعة. وأطلقه فشمل ما إذا كان في الوقت أو خرج الوقت وما إذا لم يدخل مع الامام أصلا أو دخل معه وأفسدها فلا

[ 284 ]

قضاء عليه أصلا. وقال أبو يوسف: إذا أفسدها بعد الشروع يقضي لان الشروع في الايجاب كالنذر. كذا في المحيط. ولا يخفى أنه إذا لم يلزمه القضاء فالاثم عليه لترك الواجب من غير عذر كالسجدة الصلاتية إذا لم يسجد لها حتى فرغ من صلاته. وفي البدائع: وأما حكمها إذا فسدت أو فاتت فكل ما يفسد سائر الصلوات والجمعة يفسدها من خروج الوقت ولو بعد القعود وفوت الجماعة على التفصيل والاختلاف المذكور في الجمعة غير أنها إن فسدت بنحو حدث عمد يستقبلها، وإن فسدت بخروج الوقت سقطت ولا يقضيها عندنا كالجمعة ولكنه يصلي أربعا مثل صلاة الضحى إن شاء لانها إذا فاتته لا يمكن تداركها بالقضاء لفقد الشرائط، فلو صلى مثل الضحى لنيل الثواب كان حسنا وهو مروي عن ابن مسعود. قوله (وتؤخر بعذر إلى الغد فقط) لان الاصل فيها أن لا تقضى لكن ورد الحديث بتأخيرها إلى الغد للعذر فبقي ما عداه على الاصل فلا تؤخر إلى الغد بغير عذر ولا إلى ما بعده بعذر. ولما قدم أن انتهاء وقته زوال الشمس من اليوم الاول لم يحتج إلى التقييد هنا، فالعبارة الجيدة وتؤخر بعذر إلى الزوال من الغد فقط. ولم يذكر في الكتب المعتبرة اختلاف في هذا، وذكر في المجتبى عن الطحاوي في شرح الآثار أن هذا قول أبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إن فاتت في اليوم الاول لم تقض. لابي يوسف حديث أنس قال: أخبرني عمومتي من الانصار أن الهلال خفي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان فأصبحوا صياما فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال أنهم رأوا الهلال في الليلة الماضية فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر فأفطروا، وخرج بهم من الغد فصلى بهم جواز النحر وحرمة الصوم، وفيما عداه جرينا على الاصل. قال الطحاوي في حديث أنس ليخرجوا لعيدهم من الغد وليس فيه أنه صلى صلاة العيد بهم فيحتمل أن يكون خروجهم لاظهار سواد المسلمين وإرهابا لعدوهم اه‍. قوله (وهي أحكام الاضحى) أي الاحكام المذكورة لعيد الفطر ثابتة لعيد الاضحى صفة وشرطا ووقتا ومندوبا لاستوائهما دليلا. واستثنى المصنف رحمه الله من ذلك فقال (لكن هنا يؤخر الاكل) للاتباع فيهما وهو مستحب، ولا يلزم من ترك المستحب ثبوت الكراهة إذ لا بد لها من دليل خاص فلذا كان المختار عدم كراهة الاكل قبل الصلاة. وأطلقه فشمل من لا يضحي، وقيل إنه لا يستحب التأخير في حقه، وشمل من كان في المصر ومن كان في

[ 285 ]

السواد. وقيده في غاية البيان بأن هذا في حق المصري، أما القروي فإنه يذوق من حين أصبح ولا يمسك كما في عيد الفطر لان الاضاحي تذبح في القرى من الصباح قوله (ويكبر في الطريق جهرا) للاتباع أيضا وظاهره أنه ليس بمستحب في البيت وفي المصلى. وفي المحيط: ويكبر في حال خروجه إلى المصلى جهرا فإذا انتهى إلى المصلى يترك. وفي رواية لا يقطعها ما لم يفتتح الامام الصلاة لانه وقت التكبير فإنه يكبر عقب الصلاة جهرا ويسن الجهر التكبير إظهارا للشعائر اه‍. وجزم في البدائع بالاولى وعمل الناس في المساجد على الرواية الثانية قوله (ويعلم الاضحية وتكبير التشريق في الخطبة) لانها شرعت لتعليم أحكام الوقت، هكذا ذكروا مع أن تكبير التشريق يحتاج إلى تعليمه قبل يوم عرفة ليتعلموه يوم عرفة فإنه ابتداؤه فينبغي للخطيب أن يعلمهم أحكامه في الجمعة التي قبل عيد الاضحى كما أنه ينبغي له أن يعلمهم أحكام صدقة الفطر في الجمعة التي قبل عيد الفطر ليتعلموها ويخرجوها قبل الخروج إلى المصلى، ولم أره منقولا والعلم أمانة في عنق العلماء ويستفاد من كلامهم أن الخطيب إذا رأى بهم حاجة إلى معرفة بعض الاحكام فإنه يعلمهم إياها في خطبة الجمعة خصوصا في زماننا من كثرة الجهل وقلة العلم فينبغي أن يعلمهم أحكام الصلاة كما لا يخفى قوله (وتؤخر بعذر إلى ثلاثة أيام) لانها موقتة بوقت الاضحية فتجوز ما دام وقتها باقيا ولا تجوز بعد خروجه لانها لا تقضى. قيد بالعذر لان تأخيرها لغير عذر عن اليوم الاول مكروه بخلاف تأخير عيد الفطر لغير عذر فإنه لا يجوز ولا يصلي بعده، فالتقييد بالعذر هنا لنفي الكراهة وفي عيد الفطر للصحة. كذا في أكثر الكتب المعتمدة. وفي المجتبى: وإنما قيده بالعذر لانه لو تركها في اليوم الاول بغير عذر لم يصلها بعد. كذا في صلاة الجلابي وهو من جملة غرائبه رحمه الله قوله (والتعريف ليس بشئ) وهو في اللغة الوقوف بعرفات والمراد

[ 286 ]

به هنا وقوف الناس يوم عرفة في غير عرفات تشبها بالواقفين بها. واختلف في معنى هذا اللفظ، ففي فتح القدير أن ظاهره أنه مطلوب الاجتناب فيكون مكروها، وفي النهاية ليس بشئ يتعلق به الثواب وهو يصدق على الاباحة، وفي غاية البيان أي ليس بشئ في حكم الوقوف لقول محمد في الاصل دم السمك ليس بشئ في حكم الدماء، وهذا لانه شئ حقيقة لكونه موجودا إلا أنه لما لم يكن معتبرا نفي عنه اسم الشئ. وإنما لم يعتبر تعريفهم لان الوقوف لما كان عبادة مخصوصة بمكان لم يجز فعله إلا في ذلك المكان كالطواف وغيره، ألا ترى أنه لا يجوز الطواف حول سائر البيوت تشبها بالطواف حول الكعبة اه‍. وظاهره أن الكراهة تحريمية. وفي الذخيرة من كتاب الحظر والاباحة: التضحية بالديك أو بالدجاج في أيام الاضحية ممن لا أضحية عليه لعسرته بطريق التشبيه بالمضحين مكروه لان هذا من رسوم المجوس اه‍.. قوله (وسن بعد فجر عرفة إلى ثمان مرة الله أكبر إلى آخره بشرط إقامة ومصر ومكتوبة وجماعة مستحبة) بيان لتكبير التشريق والاضافة فيه بيانية أي التكبير الذي هو التشريق فإن التكبير لا يسمى تشريقا إلا إذا كان بتلك الالفاظ في شئ من الايام المخصوصة فهو حينئذ متفرع على قول الكل، وبهذا اندفع ما في غاية البيان من أن هذه الاضافة وقعت على قولهما لانه لا تكبير في أيام التشريق عند أبي حنيفة اه‍. فإن التكبير في هذا الوقت الخاص يسمى تشرقا فإذا صار علما عليه خرج من إفادته معناه الاصلي من تشريق اللحم مع أنه إن روعي هذا المعنى لم يكن متفرعا على قول أحد لانهم اتفقوا على تكبير التشريق في يوم عرفة وليس المعنى موجودا فيه، وما في الحقائق من أنه إنما أضيف إلى التشريق مع أنه يؤتى به في غيرها لما أن أكثره في أيام التشريق وللاكثر حكم الكل يؤل إلى أنه على قولهما كمالا يخفي. وعلى هذا فما في الخلاصة والبدائع من أن أيام النحر ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة ويمضي ذلك كله في أربعة أيام العاشر من ذي الحجة للنحر خاصة والثالث عشر للتشريق خاصة واليومان فيما بينهما للنحر والتشريق جميعا اه‍. فبيان للواقع من أفعال الناس من أنهم يشرقون اللحم في أيام مخصوصة لا بيان لتكبير التشريق لاتفاقهم على أن اليوم الاول من أيام النحر يكبر فيه. ثم صرح في البدائع بأن التشريق في اللغة كما يطلق على القاء لحوم الاضاحي بالمشرقة يطلق

[ 287 ]

على رفع الصوت بالتكبير. قاله لنضر بن شميل. ولذا استدل أبو حنيفة على اشتراط المصر لوجوب التكبير بقول علي: لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع. فحينئذ ظهر أن الاضافة فيه على وقول الكل. ثم سماه في الكتاب سنة تبعا للكرخي مع أنه واجب على الاصح كما في غاية البيان للامر في قوله تعالى * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) ولقوله تعالى * (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) * (الحج: 28) على القول بأن كلا منهما أيام التشريق. وقيل: المعدودات أيام التشريق والمعلومات أيام العشر. وقيل: المعلومات يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام لتشريق لانه أمر في المعدودات أيان التشريق لانه أمر في المعدودات بالذكر مطلقا، وفي المعلومات الذكر على ما رزقهم من بهيمة الانعام وهي الذبائح ومطلق الامر للوجوب. وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز لان السنة عبارة عن الطريق المرضية أو السيرة الحسنة وكل واجب هذا صفته. كذا في البدائع. ولا يخفى أنه مجاز عرفا فيحتاج إلى قرينة وإلا انصرف إلى المعنى الحقيقي وهي في كلام المصنف قوله بعده: وبالاقتداء يجب على المرأة والمسافر. فصرح بالوجوب بالاقتداء ولولا أنه واجب لما وجب بالاقتداء. وقد يقال: إن الامر في الآية يفيد الافتراض لانه قطعي فلا بد له من صارف منه إلى الوجوب، والحق كما قدمنا مرارا أن السنة المؤكدة والواجب متساويات في الرتبة فلذا تارة يصرحون في الشئ بأنه سنة ويصرحون فيه بعينه بأنه واجب لعدم التفاوت في استحقاق الاثم بتركه وبين وقته فأفاد أن أوله عقب فجر يوم عرفة، فالمراد ببعد عقب في

[ 288 ]

عبارته ولا خلاف فيه، وأفاد آخره بقوله إلى ثمان أي مع ثمان صلوات فلذا لم يقل ثمانية وهي من الغايات التي تدخل في المغيا. كذا في المصفي. وهذا عند أبي حنيفة فالتكبير عنده عقب ثمان صلوات فينتهي بالتكبير عقب العصر يوم النحر، وعندهما ينتهي بالتكبير عقب العصر من آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة وهو قول عمر وعلي ورجحاه لانه الاكثر وهو الاحوط في العبادات. ورجح أبو حنيفة قول ابن مسعود لان الجهر بالتكبير بدعة فكان الاخذ بالاقل أولى احتياطا، وقد ذكروا في مسائل السجدات أن ما تردد بين بدعة وواجب فإنه يؤتى به احتياطا، وما تردد بين بدعة وسنة يترك احتياطا كما في المحيط وغيره، وهو يقتضي ترجيح قولهما ولهذا ذكر الاسبيجابي وغيره أن الفتوى على قولهما. وفي الخلاصة: وعليه عمل الناس اليوم. وفي المجتبي: والعمل والفتوى في عامة الامصار وكافة الاعصار على قولهما. وهذا بناء على أنه إذا اختلف أبو حنيفة وصاحباه فالاصح أن العبرة بقوة الدليل كما في آخر الحاوي القدسي وهو مبني على أن قولهما في كل مسألة مروي عنه أيضا كما ذكره في الحاوي أيضا، وإلا فكيف يفتى بغير قول صاحب المذهب! وبه اندفع ما ذكره في فتح القدير من ترجيح قوله هنا ورد فتوى المشايخ بقولهما إلا أن يريدوا إلا أن يريد بالواجب المذكور في باب السجدات الفرض. ويلتزم أن ما تردد بين بدعة وواجب اصطلاحي فإنه يترك كالسنة فيترجح قوله وفي قوله مرة إشارة إلى رد ما نقل عن الشافعي أنه يكرر التكبير ثلاثا. وقول الله أكبر إلى آخره بيان لالفاظه وهو: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وقد ذكر الفقهاء أنه مأثور عن الخليل عليه السلام. وأصله أن جبريل عليه السلام لما جاء بالفداء خاف العجلة على ابراهيم فقال: الله أكبر الله أكبر. فلما رآه إبراهيم عليه السلام قال لا إله إلا الله والله أكبر. فلما علم اسماعيل الفداء قال اسمعيل: الله أكبر ولله الحمد. كذا في غاية البيان. وكثير من الكتب ولم يثبت عند المحدثين كما في فتح القدير، وقد صرحوا بأن الذبيح اسمعيل وفيه اختلاف بين السلف والخلف، فطائفة قالوا به وطائفة قالوا به وطائفة قالوا بأنه اسحق والحنفية مائلون إلى الاول، ورجحه الامام أبو الليث السمر قندي في البستان بأنه أشبه بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى * (وفديناه بذبح عظيم) * (الصادفات: 107) ثم قال بعد قصة الذبح * (وبشرناه باسحق) * (الصافات: 112) الآية. وأما الخبر فما روي عنه عليه السلام أنا ابن الذبيحين يعني أباه عبد الله واسمعيل. واتفقت الامة أنه كان من ولد إسمعيل. وقال أهل التوراة: مكتوب في التوراة أنه كان اسحق فإن صح ذلك فيها آمنا به اه‍. وأما محل أدائه فدبر الصلاة وفورها من غير أن يتخلل ما يقطع حرمة الصلاة حتى لو ضحك قهقهة أو أحدث متعمدا

[ 289 ]

أو تكلم عامدا أو ساهيا أو خرج من المسجد أو جاوز الصفو ف في الصحراء لا يكبر لان التكبير من خصائص الصلاة حيث لا يؤتى به إلا عقب الصلاة فيراعي لاتيانه حرمتها وهذه العوارض تقطع حرمتها، ولو صرف وجهه عن القبلة ولم يخرج من المسجد ولم يجاوز الصفوف أو سبقه الحدث يكبر لان حرمة الصلاة باقية والاصل أن كل ما يقطع البناء يقطع التكبير وما لا فلا. وإذا سبقه الحدث فإن شاء ذهب وتوضأ ورجع فكبر، وإن شاء كبر من غير تطهير لانه لا يؤدي في تحريمة الصلاة فلا يشترط له الطهارة قال الامام السرخسي والاصح عندي أنه كبر ولا يخرج من المسجد للطهارة لان التكبير لما لم يفتقر إلى الطهارة كان خروجه مع عدم الحاجة قاطعا لفور الصلاة فلا يمكنه التكبير بعد ذلك فيكبر للحال جزما. كذا في البدائع. وشرط الاقامة احترازا عن المسافر فلا تكبير عليه، ولو صلى المسافرون في المصر جماعة على الاصح كما في البدائع. وقيد بالمصر احترازا عن أهل القرى، وقيد بالمكتوبة احترازا عن الواجب كصلاة الوتر والعيدين وعن النافلة فلا تكبير عقبها. وفي المجتبي: والبلخيون يكبرون عقب صلاة العيد لانها تؤدي بجماعة فأشبه الجمعة اه‍. وفي مبسوط أبي الليث: ولو كبر على أثر صلاة العيد لا بأس به لان المسلمين توارثوا هكذا فوجب أن يتبع توارث المسلمين اه‍. وفي الظهيرية عن الفقيه أبي جعفر قال سمعت أن مشايخنا كانوا يرون الكبير في الاسژاق في الايام العشر وفي المجتبى: لا تمنع العامة عنه وبه نأخذ وتدخل الجمعة في المكتوبة كما في المحيط. وأراد بالمكتوبة الصلاة المفروضة من الصلوات الخمس فلا تكبير عقب صلاة الجنازة وإن كانت مكتوبة. وقيد بالجماعة فلا تكبير على المنفرد، وقيد بكونها مستحبة احترازا عن جماعة النساء والعراة، ولم يشترط الحرية لانها ليست بشرط على الاصح حتى لو أم العبد قوما وجب عليه وعليهم التكبير. وذكر الشارح أن الحاصل أن شروطه شروط الجمعة غير الخطبة والسلطان والحرية في رواية وهو الاصح اه‍. وليس بصحيح إذ ليس الوقت والاذن العام من شروطه، وهذا كله عند أبي حنيفة أخذا من قول علي لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع فإن المراد بالتشريق التكبير كما قدمناه لان تشريق اللحم لا يختص بمكان دون مكان.

[ 290 ]

وأما عندهما فهو واجب على كل من يصلي المكتوبة لانه تبع لها فيجب على المسافر والمرأة والقروي. قال في السراج الوهاج والجوهرة: والفتوى على قولهما في هذا أيضا. فالحاصل أن الفتوى على قولهما في آخر وقته وفيمن يجب عليه. وأطلق المصنف في التكبير عقب هذه الصلوات فشمل الاداء والقضاء وهي رباعية لا تكبير في ثلاثة منها: الاولى فاتته في غير أيام التشريق فقضاها فيها. ثانيها فاتته في هذه الايام فقضاها في غير هذه الايام. ثالثها فاتته في هذه الايام فقضاها فيها من السنة القابلة لا تكبير في الاوليين اتفاقا. وفي الثالثة خلاف أبي يوسف والصحيح ظاهر الرواية. والتكبير إنما هو في الرابعة وهي ما إذا فاتته في هذه الايام فقضاها فيها من هذه السنة فإنه يكبر لقيام وقته كالاضحية، ثم الذي يؤدي عقب الصلاة ثلاثة أشياء: سجود السهو وتكبير التشريق والتلبية إلا أن السهو يؤدي في تحريمة الصلاة حتى صح الاقتداء بالساهي بعد سلامه والتكبير يؤدي في حرمتها لا في تحريمتها حتى لم يصح الاقتداء بالامام بعد السلام قبل التكبير والتلبية لا تؤدى في شئ منها، ولذا قال في الخلاصة: ويبدأ الامام بسجود السهو ثم بالتكبير ثم بالتلبية إن كان محرما. وفي فتاوى الولوالجي: لو بدى بالتلبية سقط السجود والتكبير ولما لم يكن مؤدى في تحريمتها لو تركه الامام فعلى القوم أن يأتوا به كسامع السجدة مع تاليها بخلاف ما إذا لم يسجد لامام للسهو فإنهم لا يسجدون. قال يعقوب: صليت بهم المغرب يوم عرفة فسهوت أن أكبر بهم فكبر بهم أبو حنيفة رحمه الله. وقد استنبط من هذه الواقعة أشياء منها هذه المسألة، ومنها أن تعظيم الاستاذ في إطاعته لا فيما يظنه طاعة لان أبا يوسف تقدم بأمر أبي حنيفة، ومنها أنه ينبغي للاستاذ إذا تفرس في بعض أصحابه الخير أن يقدمه ويعظمه عند الناس حتى يعظموه، ومنها أن التلميذ لا ينبغي أن ينسى حرمة أستاذه وإن قدمه أستاذه وعظمه، ألا ترى أن أبا يوسف شغله ذلك عن التكبير حتى سها قوله (وبالاقتداء يجب على المرأة والمسافر) أي باقتدائهما بمن يجب عليه بجب عليهما بطريق التبعية. والمرأة تخافت بالتكبير لان صوتها عورة، وكذا يجب على المسبوق لانه مقتد تحريمة لكن لا يكبر مع الامام ويكبر بعدما قضى ما فاته، وفي الاصل: ولو تابعه لا تفسد صلاته وفي التلبية تفسد. كذا في الخلاصة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 291 ]

باب صلاة الكسوف مناسبته للعيد هو أن كلا منهما يؤدي بالجماعة نهارا بغير أذان ولا إقامة. وأخرها عن العيد لان صلاة العيد واجبة على الاصح. يقال كسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله كسفا يتعدى ولا يتعدى. قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز: الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا أي ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها لقلة ضوئها وبكائها عليك ولاجل ذلك لم يظهر لها نور، فعلى هذا انتصب قوله نجوم على المفعول به والقمر معطوف عليه، وتمامه في السراج الوهاج. ومنهم من جعل الكسوف للشمس والقمر، ومنهم من جعل الكسوف للشمس والخسوف للقمر. والاصل في صلاة الكسوف حديث البخاري إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموها فصلوا (1) وفي رواية فادعوا قوله: (يصلي ركعتين كالنفل إمام الجمعة) بيان لمقدارها ولصفة أدائها. أما مقدارها فذكر أنها ركعتان وهو بيان لاقلها، ولذا قال في المجتبي: إن شاؤا صلوها ركعتين أو أربعا أو أكثر كل ركعتين بتسليمه أو كل أربع. وأما صفة أدائها فهي صفة أداء النفل من أن كل ركعة بركوع واحد وسجدتين ومن أنه لا أذان له ولا إقامة ولا خطبة وينادي الصلاة جامعة ليجتمعوا إن لم يكونوا اجتمعوا، ومن أنها لا تصلى في الاوقات المكروهة، ومن أنه لا يكره تطويل القيام والركوع والسجود والادعية والاذكار الذي هو من خصائص النوافل. واحترز بقوله كالنفل عن قول أبي يوسف فإنه قال: كهيئة صلاة العيد. وتقييده بإمام الجمعة بيان للمستحب. قال القاضي الاسبيجابي: ويستحب في كسوف الشمس ثلاثة أشياء: الامام والوقت والموضع. إما الامام فالسلطان أو القاضي ومن له ولاية إقامة الجمعة والعيدين، وأما الوقت فهو الذي يباح فيه التطوع والموضع الذي يصلي فيه صلاة العيد أو المسجد الجامع ولو صلوا في موضع آخر أجزأهم ولكن الاول أفضل، ولو صلوا وحدانا في منازلهم جاز ويكره أن يجمع في كل ناحية اه‍. وبه اندفع ما في السراج الوهاج أن في ذكر الامام إشارة إلى

[ 292 ]

أنه لا بدمن شرائط الجمعة وهو كذلك إلا الخطبة اه‍. لكن جعله الوقت من المستحبات لا يصح لانه لا تجوز الصلاة في الاوقات المكروهة ولم يبين المصنف رحمه الله صفتها من الوجوب والسنية. وقد ذكر في البدائع قولين وذكر محمد في الاصل ما يدل على عدم الوجوب فإنه قال: ولا تصلى نافلة في جماعة إلا قيام رمضان، وصلاة الكسوف استثناها من النافلة، والمستثنى من جنس المستثنى منه فدل على كونها نافلة، لكن مطلق الامر في قوله عليه الصلاة والسلام فصلوا يدل على الوجوب إلا لصارف. وماقد يتوهم من أنه ذكره مع قوله وادعوا فإن الدعاء ليس بواجب اجماعا فكذا الصلا غير صحيح لان القرآن في النظم لا يوجب القرآن في الحكم. قوله: (بلا جهر) تصريح بما علم من قوله كالنفل لان النفل النهاري لا يكون جهرا لدفع قولهما من الجهر لحديث ابن عباس: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسوف فقام بنا قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ولو جهر لما احتيج إلى الحزر، وقد تركنا الدلائل الكثيرة في هذا الباب والكلام مع الشافعي والصاحبين روما للاختصار. قال في المجتبي: وأما قدر القراءة فيها فروي أنه عليه السلام قام في الركعة الاولى بقدر سورة البقرة، وفي الثانية بقدر سورة آل عمران، فإن طول القراءة خفف الدعاء أو على العكس اه‍. قوله: (وخطبة) أي بلا خطبة لانه عليه الصلاة والسلام أمر بها ولم يبين الخطبة، وما ورد من خطبته يوم مات ابراهيم وكسفت الشمس فإنما كان للرد على من قال إنها كسفت لموته لا لانها مشروعة له، ولذا خطب بعد الانجلاء ولو كانت سنة له لخطب قبله كالصلاة الدعاء قوله: (ثم يدعو حتى تنجلي الشمس) أي يدعو الامام والناس معه حتى تنجلي الشمس للحديث المتقدم. أطلقه فأفاد أن الداعي مخير إن شاء دعا جالسا مستقبل القبلة وإن شاء دعا قائما يستقبل الناس بوجهه. قال الحلواني: وهذا أحسن، ولو قام ودعا معتمدا على عصا أو قو س كان أيضا حسنا. وأفاد بكلمة ثم أن السنة تأخير الدعاء عن الصلاة لانه هو السنة في الادعية. وفي المحيط: ولا يصعد الامام على المنبر للدعاء ولا يخرج قوله: (وإلا صلوها فرادي) أي إن لم يحضر إمام الجمعة صلى الناس فرادى تحرزا عن الفتنة إذ هي تقام بجمع عظيم. وروي عن أبي حنيفة أن لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة والصحيح ظاهر الرواية لان أداء هذه

[ 293 ]

الصلوات بالجماعة عرف بإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما يقيمها الآن من هو قائم مقامه، فإن لم يقمها الامام صلى الناس فرادى إن شاؤا ركعتين وإن شاؤا أربعا والاربع أفضل، ثم إن شاؤا طولوا القراءة وإن شاؤا قصروا واشنغلوا بالدعاء حتى تنجلي الشمس. كذا في البدائع قوله: (كالخسوف والظلمة والريح والفزع) أي حيث يصلي الناس فرادى لانه قد خسف القمر في عهده عليه السلام مرارا ولم ينقل أنه جمع الناس له، ولان الجمع فيه متعسر كالزلازل والصواعق وانتشار الكواكب والضوء الهائل بالليل والثلج والامطار الدائمة وعموم الامراض والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الافزاع والاهوال، لان ذلك كله من الآيات المخوفة والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى الطاعة التي فيها فوزهم وخلاصهم، وأقرب أحوال العبد في الرجوع إلى ربه الصلاة. وذكر في البدائع أنهم يصلون في منازلهم. وفي المجتبي: وقيل الجماعة جائزة عندنا لكنه ليست بسنة والله أعلم.. باب الاستسقاء هو طلب السقيا من الله تعالى بالثناء عليه والفزع إليه والاستغفار، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام حين أجهد قومه القحط والجدب * (فقلت استغفروا ربكم كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) * (نوح: 10) وأما السنة فصح في الآثار الكثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى مرارا وكذا الخلفاء بعده والامة بعده والامة أجمعت عليه خلفا عن سلف من غير نكير قوله: (له صلاة لا بجماعة) عند أبي حنيفة بيان لكونها مشروعة في حق المنفرد وإن لجماعة ليست بمشروعة لها ولم يبين

[ 294 ]

صفتها وقد اختلف فيها، والظاهر ما في الكتاب من أنها جائزة وليست بسنة. وقالا: يصلي الامام ركعتين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه ركعتين كصلاة العيد. قلنا: فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة كذا في الهداية قوله: (ودعاء واستغفار) أي للاستسقاء دعاء واستغفار لما تلونا قوله: (لا قلب رداء) أي ليس فيه قلب رداء لانه دعاء فيعتبر بسائر الادعية، ولا فرق بين الامام والقوم. وقالا: يقلب الامام رداءه واختاره القدوري وهو أن يجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن ليقلب الله تعالى الحال من الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر. وقيل: أن يجعل أعلاه أسفل. وفي المدور: يعتبر اليمين واليسار قوله: (وإنما يخرجون ثلاثة أيام) يعني متتابعات ويخرجون مشاة في ثياب خلف غسيلة أو مرقعة متذلليين متواضعين خاشعين لله تعالى ناكسي رؤسهم، ويقدمون الصدقة في كل يوم قبل خروجهم ويجددون التوبة ويستغفرون للمسلمين ويتواضعون بينهم ويستسقون بالضعفة والشيوخ. وفي المجتبي: والاولى أن يخرج الامام بالناس وإن امتنع وقال اخرجوا جاز، وإن خرجوا بغير إذنه جاز. ولا يخرج في الاستسقاء منبر بل يقوم الامام والقوم قعود فإن أخرجو المنبر جاز لحديث عائشة رضي الله عنها أنه أخرج المنبر لاستسقائه صلى الله عليه وسلم، وقيد بالخروج ثلاثة أيام لانه لم ينقل أكثر منها قوله: (لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء) لنهي عمر رضي الله عنه ولان المقصود هو الدعاء قال تعالى * (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) * (الرعد: 14) وفي فتاوي قاضيخان:

[ 295 ]

اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال يستجاب دعاء الكافرين ولم يرجح، وذكر الولوالجي أن الفتوى على أنه يجوز أن يقال يستجاب دعاؤه ا ه‍. وأطلق المصنف الخروج للاستسقاء واستثنى في فتح القدير مكة وبيت المقدس فيجتمعون في المسجد ولم يستثن مسجد المدينة لعله لضيقه وإلا فهو أفضل من بيت المقدس والله تعالى أعلم. باب الخوف أي صلاته. ووجه المناسبة أن شرعية كل منهما لعارض خوف. وقدم الاستسقاء لان العارض هناك انقطاع المطر وهو سماوي وهنا اختياري وهو الجهاد الذي سببه كفر الكافر قوله: (إن اشتد من عدو أو سبع وقف الامام طائفة بإزاء العدو وصلى بطائفة ركعة وركعتين لو مقيما مضت هذه إلى العدو وجاءت تلك فصلى بهم ما بقي وسلم وذهبوا إليهم وجاءت الاولى وأتموا بلا قراءة وسلموا ثم الاخرى وأتموا بقراءة) هكذا صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وهناك كيفيات أخرى معلومة في الخلافيات. وذكر في المجتبي أن الكل جائز وإنما الخلاف في الاولى. وفي العناية: ليس الاشتداد شرطا عند عامة مشايخنا. قال في التحفة: سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخوف والاشتداد شرطا عند عامة مشايخنا. قال في التحفة: سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخوف والاشتداد. قال فخر الاسلام في مبسوطة: المراد بالخوف عند البعض حضرة العدو لا حقيقة الخو ف لان

[ 296 ]

حضرة العدو وأقيمت مقام الخوف على ما عرف في أصلنا في تعليق الرخصة بنفس السفر لا حقيقة المشقة، لان السفر سبب المشقة فأقيم مقامها، فكذا حضرة العذو هنا سبب الخوف فأقيم مقامه حقيقة الخوف ا ه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن صلاة الخوف على الصفة المذكورة إنما تلزم إذا تنازع القوم في الصلاة، أما إذا لم يتنازعوا فالافضل أن يصلي بإحدى الطائفتين تمام الصلاة ويصلي بالطائفة الاخرى إمام آخر تمامها ا ه‍. وذكر الاسبيجابي أن من انصرف منهم إلى وجه العدو راكبا فإنه لا يجوز، سواء كان انصرافه من القبلة إلى العدو وعكسه وإنما تتم الطائفة الاولى بلا قراءة لانهم لاحقون ولذا لو حاذتهم امرأة فسدت صلاتهم، والثانية بقراءة لانهم مسبوقون ولذا لو حاذتهم امرأة لا تفسد صلاتهم، ويدخل تحته المقيم خلف المسافر حتى يقضي ثلاث ركعات بلا قراءة إن كان من الطائفة الاولى، وبقراءة إن كان من الثانية. والمسبوق إن أدرك ركعة من الشفع الاول فهو من الطائفة الاولى وإلا فهو من الثانية. وأطلق في الصلاة فشمل كل صلاة تؤدي بجماعة كالصلوات الخمس ومنها الجمعة وكذا العيد، وفي المجتبي: ويسجد للسهو في صلاة الخوف لعموم الحديث ويتابعه من خلفه ويسجد اللاحق في آخر صلاته. قوله: (وصلى في المغرب بالاولى ركعتين وبالثانية ركعة) لان الركعتين شطر في المغرب ولهذا شرع القعود عقبيهما ولان الواحد لا يتجزى فكانت الطائفة الاولى أولى بها للسبق، فإذا ترجحت عند التعارض لزم اعتباره، ومسائل خطأ الامام وتفاريعهم تركناها عمدا للاستغناء عنها قوله: (ومن قاتل بطلت صلاته) لانه عمل كثير مفسد للصلاة وهو مراده بالمقاتلة وإلا فلو قاتل بعمل قليل كالرمية لا تفسد كما علم في مفسدات الصلاة. واستدل في المجتبي بحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فصلاهن من بعد ما مضي من الليل، ولو جاز مع القتال لما أخرهن عن وقتهن ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن السابح في البحر إذا لم يمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة فإنه لا يصلي فإن صلى لا تصح، وإن أمكنه ذلك فإنه يصلي بالايماء. كذا في المجتبي قوله: (فإذا اشتد الخوف صلوا ركبانا فرادي بالايماء إلى أي جهة قدروا) لقوله تعالى * (فإن خفتم فرجا لا أو ركبانا) * (البقرة: 239) والتوجه إلى القبلة للضرورة. أراد بالاشتداد أن لا يتهيأ لهم النزول عن الدابة كما في غاية البيان. قيد بقوله فرادي لانه لا يجوز بجماعة لعدم الاتحاد في المكان إلا إذا كان راكبا مع الامام على دابة واحدة فإنه يجوز اقتداء المتأخر منهما بالمتقدم اتفاقا. ويرد على المصنف ما إذا صلى راكبا في المصر فإنه لا يجوز إلا أن يقال: إنه معلوم مما قدمه من أن التطوع لا يجوز في المصر راكبا فكذا الفرض للضرورة. وقيد بالركوب لانه لا يجوز ماشيا في غير المصر لان المشي

[ 297 ]

عمل كثير مفسد للصلاة كالغريق السابح كما قدمناه. وفي المحيط: والراكب إن كان طالبا لا يجوز صلاته على الدابة لعدم ضرورة الخوف في حقه وإن كان مطلوبا فلا بأس أن يصلي وهو سائر لان السير فعل الدابة حقيقة وإنما أضيفت إليه معنى بتسييره، فإذا جاء العذر انقطعت الاضافة إليبخلاف ما لو صلى وهو يمشي حيث لا يجوز لان المشي فعله حقيقة وهو مناف للصلاة ا. قوله: (ولم تجر بلا حضور عدو) لعدم الضرورة حتى لو رأو سوادا فظنوا أنه عدو فصلوا صلاة الخوف ثم بأن أنه ليس بعد وأعادوها لما قلنا إلا إذا بان لهم قبل أن يتجاوز الصفوف فإن لهم أن يبنوا استحسانا، وهذا كله في حق القوم، وأما الامام فصلاته جائزة بكل حال لعدم المفسد في حقه والله أعلم.

[ 298 ]

كتاب الجنائز جمع جنازة وهي بالكسر السرير، وبالفتح الميت. وقيل: هما لفتان كذا في المغرب. ومناسبته لما قبله أن الخوف والقتال يفضي إلى الموت، أو لما فرغ من بيان الصلاة حال الحياة شرع في بيانها حال الموت، وأخر الصلاة في الكعبة ليكون ختم كتاب الصلاة بما يتبرك بها حالا ومكانا. وصفتها أنها فرض كفاية بالاجماع حتى لا يسع للكل تركها كالجهاد. وسبب وجوبها الميت المسلم لانها شرعت قضاء لحقه ولهذا تضاف إليه فيقال صلاة الجنازة - بالفتح - بمعنى الميت. وركنها التكبيرات والقيام لان كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة. وشرطها على الخصوص اثنان: كونه مسلما وكونه مغسولا. كذا في المحيط. ويزاد على الشرطين كونه أمام المصلي كما صرحوا به. وسننها التحميد والثناء والدعاء، وما ذكروه منها من كونه مكفنا بثلاثة أثواب أو بثيابه في الشهيد فهو تساهل كما في فتح القدير إذ ليس الكفن من سنن الصلاة قوله: (ولي المحتضر القبلة على يمينه) أي وجه وجه من حضره الموت فالمحتضر من قرب من الموت، علامته أن يسترخي قدماه فلا ينتصبان وينعو أنفه وينخسف صدغاه وتمتد جلده الخصية لان الخصية تتعلق بالموت وتتدلى جلدتها. ولا يمتنع حضور الجنب والحائض وقت الاحتضار وإنما يوجه إلى القبلة على يمينه لانه السنة المنقولة، واختار مشايخنا بما وراء النهر الاستلقاء على ظهره وقدماه إلى القبلة لانه أيسر لخروج الروح. وتعقبه في فتح القدير وغيره بأنه لم يذكر فيه وجه ولم يعرف إلا نقلا والله أعلم بالايسر منهما ولكنه أيسر لتغميضه وشد لحيته وأمنع من تقوس أعضائه، ثم إذا ألقي على القفا يرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء ا ه‍. وفي المبتغي بالمعجمة: والاصح أنه يوضع كما تيسر لاختلا ف المواضع والاماكن ا ه‍. وهذا كله إذا لم يشق عليه، فإذا شق عليه ترك على حاله

[ 299 ]

كذا في المجتبي. وذكر في المحيط الاضطجاع للمريض أنواع أحدها في حالة الصلاة وهوأن يستلقي على قفاه، والثاني إذا قرب من الموت يضجع على الايمن واختير الاستلقاء، والثالث في حالة الصلاة على الميت يضجع على قفاه معترضا للقبلة. والرابع في اللحد يضجع على شقه الايمن ووجهه إلى القبلة هكذا توارثت السنة ا ه‍. وفي معراج الدراية: والمرجوم لا يوجه ا ه‍. قوله: (ولقن الشهادة) بأن يقال عنده لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا يؤمر بها للحديث الصحيح من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (1) وهو تحريض على التلقين بها عند الموت فيفيد الاستحباب، وحينئذ فلا حاجة إلى الاستدلال بالحديث الآخر لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله (2) فإن حقيقته التلقين بعد الموت وقد اختلفوا فيه. وقولهم إنه مجاز تسمية للشئ باسم ما يؤل إليه قول لا دليل عليه لان الاصل الحقيقة، وقد أطال المحقق في فتح القدير في رده. وفي المجتبي: وإذا قالها مرة كفاه ولا يكثر عليه ما لم يتكلم بعد ذلك، ولما أكثر على ابن المبارك عن الوفاة قال: إذا قلت ذلك مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم لان الغرض من التلقين أن يكون لا إله إلا الله آخر قوله ا ه‍. وفي القنية: اشتد مرضه ودنا موته فالواجب على إخوانه وأصدقائه أن يلقنوه الشهادة ا ه‍. وينبغي أن يكون مستحبا كما قدمناه لان الامر في الحديث لم يكن على حقيقته بل استعمل في مجازه فلم يكن قطعي الدلالة فلم يفد الوجوب. قالوا: إذا ظهر منه كلمات توجب الكفر لا يحكم بكفره. ويعامل معاملة موتى المسلمين حملا على أنه في حال زوال عقله، ولذا اختار بعض المشايخ أن يذهب عقله قبل موته لهذا الخوف، وبعضهم اختاروا قيامه حال الموت، وقد اعتاد الناس قراء يس عند المحتضر وسيأتي. قوله: (فإن مات شد لحياه وغمض عيناه) بذلك جري التوارث ثم فيه تحسينه فيستحسن وتقدم في الوضوء أن اللحي بفتح اللام منبت اللحية من الانسان أو العظم الذي عليه الاسنان. وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة بعد الوفاة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر ثم قال: اللهم اغفر لابي سلمة وارفع

[ 300 ]

درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه. قال في المجتبي: وينبغي أن يحفظه كل مسلم فيدعو به عند الحاجة. وفي النتف: يصنع بالمحتضر عشرة أشياء: يوجه إلى القبلة على قفاه أو يمينه، ويمد أعضاؤه، ويغمض عيناه، ويقرأ عنده سورة يس، ويحضر عنده من الطبيب، ويلقن لا إله إلا الله، ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، ويوضع على بطنه سيف لئلا ينتفخ، ويقرأ عنده القرآن إلى أن يرفع ا ه‍. أي إلى أن يرفع روحه. وفي التبيين: ويقول مغمضه بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده وأسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه. وفي المحيط: وليسرع في جهازه لقوله عليه الصلاة والسلام عجلوا بموتاكم فإن بك خيرا الف قدمتموه إليه، وإن يك شرا فبعدا لاهل النار (1) قوله: (ووضع على سرير مجمر وترا) لئلا يعتريه الارضي ندواة ولينصب عنه الماء عند غسله، وفي التجمير تعظيمه وإزالة الرائحة الكريهة والوتر أحب إلى الله من غيره. وكيفيته أن يدار بالمجمرة حول السرير مرة أو ثلاثا أو خمسا ولا يزاد عليها. كذا في التبيين. وفي النهاية والكافي وفتح القدير: أو سبعا ولا يزاد عليه. وفي الظهيرية: وكيفيته الوضع عند بعض أصحابنا الوضع طولا كما في حالة المرض إذا أراد الصلاة بإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضا كما يوضع في القبر والاصح أنه يوضع كما تيسر ا ه‍. وظاهر كلامه أن السرير يجمر قبل وضعه عليه وأنه يوضع عليه كمامات ولا يؤخر إلى وقت الغسل. وفي الغاية: يفعل

[ 301 ]

هذا عند إرادة غسله إخفاء للرائحة الكريهة. وقال القدوري: إذا أرادوا غسله وضعوه على سريره والاول أشبه لما ذكرنا. وفي التبيين: وتكره قراءة القرآن عنده إلى أن يغسل. وفي المغرب: جمر ثوبه وأجمره بخره. قوله: (وستر عورته) إقامة لواجب الستر ولان النظر إليها حرام كما في عورة الحي. وأطلق العورة فشملت الخفيفة والغليظة وصححه في التبيين وغاية البيان، وصحح في الهداية والمجتبي أنها العورة الغليظة تيسيرا ولبطلان الشهوة، وجعله في الكافي والظهيرية ظاهر الرواية. وفي المحيط: ويغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة لتصير الخرقة حائلة بين يده وبين العورة لان اللمس حرام كالنظر قوله: (وجرد) أي من ثيابه ليمكنهم التنظيف وتغسيله عليه الصلاة والسلام في قميصه خصوصية له. قالوا: يجرد كما مات لان الثياب تحمى فيسرع إليه التغيير قوله: (ووضئ بلا مضمضة ولا استنشاق) لان الوضوء سنة الاغتسال غير أن إخراج الماء متعذر فيتركان. وفي الظهيرية: ومن العلماء من قال يجعل الغاسل خرقة في أصبعه يمسح بها أسنانه ولهاته ولثته ويدخل في منخريه أيضا ا ه‍. وفي المجتبي: وعليه العمل اليوم. وظاهر كلام المصنف أن الغاسل يمسح رأس الميت في الوضوء

[ 302 ]

وهو ظاهر الرواية كالجنب، وفي رواية لا فيهما لكنه لا يؤخر غسل رجليه في هذا الوضوء ولا يبدأ بغسل يديه بل بوجهه فخالف الجنب فيهما كذا في المحيط. ولم يذكر الاستنجاء للاختلاف فيه فعندهما يستنجي، وعند أبي يوسف لا. وأطلقه فشمل البالغ والصبي إلا أن الصبي الذي لا يعقل الصلاة لا يوضأ لانه لم يكبحيث يصلي قوله: (وصب عليه ماء مغلي بسدر أو حرض) مبالغة في التنظيف لان تسخين الماء كذلك مما يزيد في تحقيق المطلوب فكان مطلوبا شرعا. وما يظن مانعوهو كون سخونته توجب انحلال ما في الباطن فيكثر الخارج هو عندنا داع لا مانع لا المقصود يتم إذ يحصل باستفراغ ما في الباطن تمام النظافة والامان من تلويث الكفن عند حركة الحاملين له، فعندنا الماء الحار أفضل على كل حال. والحرض اشنان غير مطحون والمغلي من الاغلاء لا من الغلي والغليان لانه لازم. كذا في المعراج قوله: وإلا فالقراح) أي إن لم يتيسر ما ذكره فيصب عليه الماء الخالص لان المقصود هو الطهارة ويحصل به قوله: (وغسل رأسه ولحيته بالخطمي) لانه أبلغ في استخلاص الوسخ وإن لم يكن فبالصابون ونحوه لانه يعمل عمله. هذا إذا كان في رأسه شعر اعتبارا بحالة الحياة. والخطمي بكسر الخاء نبت يغسل به الرأس كما في الصحاح. ونقل القاضي عياض في تنبيهاته الفتح لا غير والمراد به خطمي العراق قوله: (واضجع على يساره فيغسل حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه ثم على يمينه كذلك) لان السنة هي البداءة من الميامن والمراد بما يلي التخت منه الجنب المتصل بالتخت، والتخت بالخاء المعجمة لا بالحاء المهملة لان بالحاء المهملة يوهم أن غسل ما يلي التخت من الجنب لا الجنب المتصل بالتخت، أما بالخاء المعجمة يفهم الجنب المتصل.، كذا في معراج الدراية، وبه اندفع ما ذكره العيني من جواز الوجهين. قوله: (ثم اجلس مسندا إليه ومسح بطنه رفيقا وما خرج منه غسله) تنظيفا له. ثم اعلم أن المصنف ذكر غسله مرتين: الاولى بقوله وأضجع على يساره فيغسل الثانية بقوله ثم علي يمينه كذلك، ولم يذكر الغسلة الثالثة تمام السنة. قال في المحيط بعد إقعاده: ثم

[ 303 ]

يضجعه على شقه الايسر ويغسله لان التثليث مسنون في غسل الحي فكذا في غسل الميت، وما قيل من أنه ذكرها بقوله وصب عليه ماء مغلي فغير صحيح لانها ليست غسلة من الثلاث بدليل قوله بعد وغسل رأسه ولحيته بالخطمي " فإن السنة أن يبدأ يغسلهما قبل الغسلة الاولى وإنما هو كلام إجمالي لبيان كيفية الماء، والحاصل أن السنة أنه إذا فرغ من وضوئه غسل رأسه ولحيته بالخطمي من غير تسريح ثم يضجعه على شقه الايسر ويغسله وهذه مرة، ثم على الايمن كذلك وهذه ثانية، ثم يقعده ويمسح بطنه كما ذكره ثم يضجعه على الايسر فيصب الماء عليه وهذه ثالثة، لكن ذكر خواهر زاده أن المرة الاولى بالماء القراح، والثانية بالماء المغلي فيه سدد أو حرض، والثالثة بالماء الذي فيه الكافور. ولم يفصل صاحب الهداية في مياه الغسلات بين القراح وغيره وهو ظاهر كلام الحاكم. وفي فتح القدير: والاولى أن يغسل الاوليان بالسدر ولم يذكر المصنف كمية الصبات. وفي المجتبي: يصب الماء عليه عند كل إضجاع ثلاث مرات وإن زاد على الثلاث جاز قوله: (ولم يعد غسله) لان الغسل عرفناه بالنص وقد حصل مرة، وكذا لا تجب إعادة وضوئه لان الخارج من قبل أو دبر أو غيرهما ليس بحدث لان الموت حدث كالخارج فلما لم يؤثر الموت في الوضوء وهو موجود لم يؤثر الخارج. وضبط في معراج الدراية الغسل هنبالضم، وفي العناية يجوز فيه الضم والفتح. وذكر في السراج الوهاج من بحث الطهارة أنه بفتح الغين كغسل الثوب قال: والضابط أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإذا أضيفت إلى غير المغسول ضممت قوله: (ونشف في ثوب) كيلا يبتل أكفانه. وفي الولواجية: المنديل الذي يمسح به الميت بعد الغسل كالمنديل الذي يمسح به الحي ا ه‍. يعني أنه طاهر قوله: (وجعل الحنوط على رأسه ولحيته) لان التطيب سنة. وذكر الرازي أن هذا الجعل مستحب. والحنوط عطر مركب من أشياء طيبة ولا بأس بسائر الطيب غير الزعفران والورس اعتبارا بالحياة، وقد ورد النهي عن المزعفر للرجال وبهذا يعلم جهل من يجعل الزعفران في الكفن عند رأس الميت في زماننا قوله: (والكافور على مساجده) زيادة في تكرمتها وصيانة للميت عن سرعة الفساد وهي موضع سجوده جمع مسجد بالفتح لا غير كذا في المغرب. واختلف فيها فذكر السرخسي أنها الجبهة والانف

[ 304 ]

واليدان والركبتان والقدمان. وذكره القدوري في شرح الكرخي أنها الجبهة واليدان والركبتان ولم يذكر الانف والقدمين. كذا في غاية البيان. ولم يذكر المصنف في الغسل استعمال القطن لانه لم يرد في الروايات الظاهرة. وعن أبي حنيفة أنه يجعل القطن المحلوج في منخريه وفمه. وقال بعضهم: في صماخيه. وقال بعضهم: في دبره أيضا. قال في الظهيرية: واستقبحه عامة المشايخ. قوله: (ولا يسرح شعره ولحيته ولا يقص ظفره وشعره) لانها للزينة وقد استغنى عنها، والظاهر أن هذا الصنيع لا يجوز. قال في القنية: أما التزين بعد موتها والامتشاط وقطع الشعر لا يجوز والطيب يجوز والاصح أنه يجوز للزوج أن يراها. وفي المجتبي: ولا بأس بتقبيل الميت. وذكر اللحية مع الشعر من باب عطف الجزء على الكل اهتماما بمنع تسريحها، وليس هو من قبيل التكرار كما توهمه الشارح. وفي الظهيرية: ولو تكسر ظفر الميت فلا بأس بأن يؤخذ، روي ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف ا ه‍. ولم يذكر المصنف صفة الغسل ومن يغسل والغاسل وحكم الميت قبله وبعده. أما الاول فهو من فروض الكفاية كالصلاة عليه وتجهيزه ودفنه حتى لو اجتمع أهل بلدة على تركها قوتلوا، ولو صلوا عليه قبل الغسل أعادوا الصلاة. وكذا إذا ذكر قبل أن يهال عليه التراب ينزع اللبن ويخرج ويغسل ويصلي عليه، وإن أهالوه لم ينبش ولم تعد الصلاة عليه، ولو بقي منه عضو فذكروه بعد الصلاة والتكفين يغسل ذلك العضو ويعاد، فإن بقي أصبع ونحوه بعد التكفين لا يغسل. وقال محمد: يغسل على كل حال كذا في المجتبي. وفي القنية: وجد رأس آدمي لا يغسل ولا يصلى عليه ولو غسل صار الماء مستعملا، ولو مات في بيته فقالت الورثة لا نرضى بغسله فيه ليس لهم ذلك لان غسلة في بيته من حوائجه وهي مقدمة على الورثة ا ه‍. وفي الظهيرية: والافضل أن يغسل الميت مجانا فإن ابتغى الغاسل الاجر فهو على وجهين: إن كان هناك غيره يجوز أخذ الاجر وإلا فلا. واختلفوا في استئجار الخياط لخياطة الكفن وأجرة الحاملين والحفار والدفان من رأس المال اه‍. وفي الخانية: إذا جرى الماء على الميت أو أصابه المطر عن أبي يوسف أنه لا ينوب عن الغسل لانا أمرنا بالغسل وجريان الماء وإصابة المطر ليس بغسل. والغريق يغسل ثلاثا عند أبي يوسف. وعن محمد: إذا نوى الغسل عند الاخراج من الماء يغسل مرتين وإن لم ينو يغسل ثلاثا، وفي رواية يغسل مرة واحدة ا ه‍. وفي فتح القدير: الظاهر اشتراط النية فيه لاسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته هو وشرط صحة الصلاة عليه ا ه‍. وفي فتاوي قاضيخان: ميت غسله أهله بغير نية أجزأهم ذلك ا ه‍. واختاره في الغاية

[ 305 ]

والاسبيجابي لان غسل الحي لا يشترط له النية فكذا غسل الميت. وإما الثاني فالموتى ضربان: من يغسل ومن لا يغسل. والاول ضربان: من يغسل ليصلى عليه ومن يغسل لا للصلاة. فالاول من مات بعد الولادة وله حكم الاسلام، والثاني الجنين الميت على ما سيأتي، وكذا الكافر غير الحربي إذا مات وله ولي مسلم كما سيأتي. والثاني ضربان: من لا يغسل إهانة وعقوبة كقتلى أهل البغي والحرب وقطا الطريق، وضرب لا يغسل إكراما وفضيلة كالشهداء. ولو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار يغسلون إن كان المسلمون أكثر وإلا فلا. ومن لا يدري أمسلم أم كافر إن كان عليه سيما المسلمين أو في بقاع ديار الاسلام يغسل وإلا فلا. ولو وجد الاكثر من الميت أو النصف مع الرأس غسل وصلى عليه وإلا فلا. وأما الغاسل فمن شرطه أن يحل له النظر إلى المغسول فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل والمجبوب والخصي فأما الخنثى المشكل المراهق إذا مات ففيه اختلاف والظاهر أنه ييمم وإذا ماتت المرأة في السفر بين الرجال ييممها ذو رحم محرم منها، وإن لم يكن لف الاجنبي على يديه خرقة ثم ييممها، وإن كانت أمة ييممها الاجنبي بغير ثوب، وكذا إذا مات رجل بين النساء تيممه ذات رحم محرم منه أو زوجته أو أمته بغير ثوب وغيرهن بثوب،

[ 306 ]

والصبي الذي لا يشتهي والصبية كذلك غلسهما الرجال والنساء، ولا يغسل الرجل زوجته والزوجة تغسل زوجها دخل بها أو لا بشرط بقاء الزوجية عند الغسل حتى لو كانت مبانة بالطلاق وهي في العدة أو محرمة بردة أو رضاع أو مصاهرة لم تغسله، ولم يغسل المولى أم ولده وكذا مدبرته ومكاتبته، وكذا على العكس في المشهور عن أبي حنيفة. الكل في المجتبي. وفي الواقعات: رجل له امرأتان قال إحداكما طالق ثلاثا بعد الدخول بهما ثم مات قبل أن يبين فليس لواحدة منهما أن تغسله لجواز أن كل واحدة منهما مطلقة، ولهما الميراث وعليهما عدة الطلاق والوفاة. ولو مات عن امرأته وهي مجوسية لم تغسله لانه كان لا يحل له المس حال حياته فكذا بعد وفاته بخلاف التي ظاهر منها لان الحل قائم، فإن أسلمت قبل أن يغسل غسلته اعتبارا بحالة الحياة. وكذا لو مات عن امرأته وأختها منه في عدته لم تغسله فإن انقضت عدتها قبل أن يغسل غسلته لما قلنا ا ه‍. وفي الولوالجية: إذا ارتدت المنكوحة بعد موته أو قبلت ابنه لا تغسله، وكذا إذا وطئت بالشبهة لان هذه الاشياء تنافي النكاح وتحرم المس. وفيها: إذا كان مع النساء رجل من أهل الذمة أو مع الرجال امرأة ذمية يعلمان الغسل لان السنة تتأدى بغسله ولكن لا يهتدي إلى السنة فيعلم. وفي المحيط: لو مات عنها وهي حامل فوضعت لا تغسله لانقضاء عدتها. وفي المجتبي: وأما ما يستحب للغاسل فالاولى أن يكون أقرب الناس إلى الميت، فإن لم يعلم الغسل فأهل الامانة والورع للحديث، فإن كان الغاسل جنبا أو حائضا أو كافرا جاز، واليهودية والنصرانية كالمسلمة في غسل زوجها لكنه أقبح، وليس على من غسل ميتا غسل ولا وضوء ا ه‍. وأما حكمه قبله ففيه اختلاف، فقيل: أنه محدث وهو سبب وجوبه لنجاسة حلت به، وإنما وجب غسل جميع الجسد لعدم الحرج. وقيل: ينجس بالموت واقتصر عليه في المحيط مستدلا بأنه لو وقع في الماء القليل قبل الغسل نجسه، ولو صلى وهو حامل للميت لا يجوز فيجب تطهيره بالغسل شرعا كرامة له وشرفا ا ه‍. وصححه في الكافي ونسبه في البدائع إلى عامة المشايخ. قال في فتح القدير:

[ 307 ]

وقد روي في حديث أبي هريرة سبحان الله إن الميت لا ينجس حيا ولا ميتا (1) فإن صحت وجب ترجيح أنها للحدث ا ه‍. واتفقوا أن حكمه بعده إن كان مسلما الطهارة ولذا يصلي عليه، فما يتوهم من أن الحنفية إنما منعوا من الصلاة عليه في المسجد لاجل نجساته خطأ، واتفقوا على أن الكافر لا يطهر بالغسل وأنه لا تصح صلاة حامله بعده. قوله: (وكفنه سنة أزار وقميص ولفافة) لحديث البخاري: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وسحول بفتح السين قرية باليمن. والازرار واللفافة من القرن إلى القدم. والقرن هنا بمعنى الشعر، واللفافة هي الرداء طولا. وفي بعض نسخ المختار أن الازار من المنكب إلى القدم هذا ما ذكروه وبحث فيه في فتح القدير بأنه ينبغي أن يكون إزار الميت كإزار الحي من السرة إلى الركبة لانه عليه السلام أعطي اللاتي غسلن ابنته حقوة وهي في الاصل معقد الازار ثم سمي به الازار للمجاورة. والقميص من المنكب إلى القدم بلا دخاريص لانها تفعل في قميص الحي ليتسع أسفله للمشي، وبلا جيب ولا كمين ولا يكف أطرافه، ولو كففي قميص قطع جيبه ولبته كذا في التبيين. والمراد بالجيب الشق

[ 308 ]

النازل على الصدر. وفي العناية: التكفين في ثلاثة أثواب هو السنة وذلك لا ينافي أن يكون أصل التكفين واجبا. ولم يذكر المصنف العمامة لما في المجتبي: وتكره العمامة في الاصح. وفي فتح القدير: واستحسنها بعضهم لما روي عن ابن عمر أنه كان يعممه ويجعل العذبة على وجهه ا ه‍. وفي الظهيرية: استحسنها بعضهم للعلماء والاشراف فقط. وأشار المصنف إلى أنه لا يزاد للرجل على ثلاثة وصرح في المجتبي بكراهتها. واستثني في روضة الزندوستي ما إذا أوصى بأن يكفن في أربعة أو خمسة فإنه يجوز بخلاف ما إذا أوصى أن يكفن في ثوبين فإنه يكفن في ثلاثة، ولو أوصى بأن يكفن بألف درهم كفن كفنا وسطا ا ه‍. ولم يبين لون الاكفان لجواز كل لون لكن أحبها البياض، ولم يبين جنسها لجواز الكل لا مالا يجوز لبسه حال الحياة كالحرير للرجال، وقد قالوا في باب الشهيد: إنه ينزع عنه الفرو والحشو معللين بأنه ليس من جنس الكفن فظاهره أنه لا يجوز التكفين به إلا أن يقال: ليس من جنسه المسنون وهو الظاهر لان المقصود من الكفن ستره وهو حاصل بهما. وفي المجتبي: والجديد والخلق فيه سواء بعد أن يكون نظيفا من الوسخ والحدث. قال ابن المبارك: أحب إلى أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ا ه‍. وفي الظهيرية: ويكفن الميت كفن مثله وتفسيره أن ينظر إلى ثيابه في حال حياته لخروج الجمعة والعيدين فذلك كفن مثله. وتحسن الاكفان للحديث حسنوا أكفان الموتى لانهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم ا ه‍. قوله: (وكفاية إزار ولفافة) لقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصته ناقته كفنوه في ثوبين. واختلف فيهما فقيل قميص ولفافة وصحح الشارح ما في الكتاب ولم يبين وجهه، وينبغي عدم التخصيص بالازار واللفافة لاكفن الكفاية معتبر بأدنى ما يلبسه الرجل في حياته من غير كراهة وهو ثوبان كما علل به في البدائع. قالوا: ويكره أن يكفن في ثوب واحد حالة الاختيار لان في حال حياته تجوز صلاته في ثوب واحد مع الكراهة. وقالوا: إذا كان بالمال قلة وبالورثة كثرة فكفن الكفاية أولى وعلى القلب كفن السنة أولى، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثلاثة أثواب وليس له غيرها وعليه دين

[ 309 ]

أن يباح واحد منهما للدين لان الثالث ليس بواجب حتى ترك للورثة عند كثرتهم، فالذين أولى مع أنهم صرحوا كما في الخلاصة بأنه لا يباع شئ منها للدين كما في حالة الحياة إذا أفلس وله ثلاثة أثواب وهو لابسها ولا ينزع عنه شئ ليباع. قوله: (وضرورة ما يوجد) ثابت في أكثر النسخ وقد شرح عليه مسكين وباكير وغيرهما ولم يثبت في نسخة الزيلعي فأنكرها، واستدل له بحديث مصعب بن عمير لم يوجد له شئ يكفي فيه إلا ثمرة فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه. وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطي رأسه ويجعل على رجليه شئ من الاذخر، وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي. كذا في التبيين قوله: (ولف من يساره ثم يمينه) أي لف الكفن من يسار الميت ثم يمينه. وكيفيته أن تبسط اللفافة أولا ثم الازار فوقها ويوضع الميت عليهما مقمصا، ثم يعطف عليه الازار وحده من قبل اليسار ثم من قبل اليمين ليكون الايمن فوق الايسر ثم اللفافة كدلك. وفي البدائع: فإن كان الازار طويلا حتى يعطف على رأسه وسائر جسده فهو أولى قوله: (وعقدان أن خيف انتشاره) صيانة عن الكشف قوله: (وكفنها سنة درع وإزار ولفافة وخمار وخرقة تربط ثدياها) لحديث أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي اللواتي غسلن ابنته خمسة أثواب. واختلف في اسمها ففي مسلم أنها زينب، وفي أبي داود أنها أم كلثوم. وذكر بعضهم القميص لها ولم يذكر الدرع وهو الاولى للاختلاف في الدرع. قال في المغرب: درع المرأة ما تلبسه فوق القميص وهو مذكر. وعن الحلواني: ما جيبه إلى الصدر

[ 310 ]

والقميص ما شقه إلى المنكب، ولم أجده أنا في كتب اللغة ا ه‍. واختلف في عرض الخرقة فقيل ما بين الثدي إلى السرة، وقيل مابين الثدي إلى الركبة كيلا ينتشر الكفن بالفخدين وقت المشي قوله: (وكفاية إزار ولفافة وخمار) اعتبارا بلبسها حال حياتها من غير كراهة، ويكره أقل من ذلك. وفي الخلاصة: كفن الكفاية لها ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة فلم يذكر الخمار. وفي الفتح القدير: وما في الكتاب من عد الخمار أولى لكن لم يعين في الهداية ما عدا الخمار بل قال ثوبان وخمار ففسرهما في فتح القدير بالقميص واللفافة فهو مخالف لما في المتن، والظاهر كما قدمناه عدم التعيين بل إما قميص وإزار أو إزاران لان المقصود ستر جميع البدن وهو حاصل بالكل لكن جعلهما إزارين زيادة في ستر الرأس والعنق كما لا يخفى. قال في التبيين: وما دون الثلاثة كفن الضرورة في حقها قوله: (وتلبس الدرع أولا ثم يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها ثم الخمار فوقتحت اللفافة ثم يعطف الازار ثم اللفافة) كما ذكرنا. ثم الخرقة فوق الاكفان. وفي الجوهرة: توضع الخرقة تحت اللفافة وفوق الازار والقميص وهو الظاهر. قوله: (وتجمر الاكفان أولا وترا) لانه عليه السلام أمر بإجمار أكفان امرأته والمراد به التطيب قبل أن يدرج فيها الميت. وجميع ما يجمر فيه الميت ثلاث مواضع: عند خروج روحه لازالة الرائحة الكريهة، وعند غسله، وعند تكفينه. ولا يجمر خلفه ولا في القبر. وفي المجتبي: يحتمل أن يريد بالتجمير جمعها وترا قبل الغسل. يقال أجمر كذا إذا جمعه، ويحتمل أن

[ 311 ]

يريد التطيب بعود يحرق في مجمرة. وصرح في البدائع بأنه لا يزيد في تجميرها على خمس. وفي المجتبي: المكفنون اثنا عشر: الرجل والمرأة وقد تقدما، والثالث المراهق المشتهي وهو كالبالغ، والرابع المراهقة التي تشتهي وهي كالمرأة، والخامس الصبي الذي لم يراهق فيكفن في خرقتين إزار ورداء وإن كفن في واحد أجزأ، والسادس الصبية التي لم تراهق فعن محمد كفنها ثلاثة وهذا أكثر، والسابع السقط فيلف ولا يكفن كالعضو من الميت، والثامن الخنثى المشكل فيكفن كتكفين الجارية وينعش ويسجي قبره، والتاسع الشهيد وسيأتي، والعاشر المحرم وهو كالحلال عندنا، والحادي عشر المنبوش الطري فيكفن كالذي لم يدفن، والثاني عشر المنبوش المتفسخ فيكفن في ثوب واحد ا ه‍. ولم يذكر المصنف من يجب عليه الكفن وهو من ماله إن كان له مال يقدم على الدين والوصية والارث إلى قدر السنة ما لم يتعلق بعين ماله حق الغير كالرهن والمبيع قبل القبض، والعبد الجاني، فلو نبش عليه وسرق كفنه وقد قسم الميراث أجبر القاضي الورثة على أن يكفنوه من الميراث وإن كان عليه دين، فإن لم يكن قبض الغرماء بدأ بالكفن لانه بقي على ملك الميت، والكفن مقدم على الدين، وإن كانوا قبضوا لا يسترد منهم لانه زال ملك الميت بخلاف الميراث لان ملك الوارث عين ملك المورث حكما ولهذا يرد عليه بالعيب فصار ملك المورث قائما ببقاء خلفه. واستثنى أبو يوسف الزوجة. فإن كفنها على زوجها لكن اختلفت العبارات في تحرير مذهبأبي يوسف، ففي فتاوي قاضيخان والخلاصة والظهيرية وعلى قول أبي يوسف يجب الكفن على الزوج وإن تركت مالا وعليه الفتوى ا ه‍. وكذا في المجتبي وزاد: ولا رواية فيها عنأبي حنيفة. وفي المحيط والتجنيس والواقعات وشرح المجمع للمصنف: إذا لم يكن لها مال فكفنها على الزوج عند أبي يوسف وعليه الفتوى لانه لو لم يجب عليه لوجوب على الاجانب. وهو بيت المال كان أوبى بإيجاب الكسوة عليه مال خيانتها فرجح على سائر الاجانب وقال محمد: يجب تجهيزها في بيت المال. وقيد شارح المجمع بيسار الزوج عند أبي يوسف فظاهره أنه إذا كان لها مال فكفنها في مالها اتفاقا، والظاهر ترجيح ما في الفتاوي

[ 312 ]

الخانية لانه ككسوتها والكسوة واجبة عليه، غنية كانت أو فقيرة، غنيا كان أو فقيرا. وصححها لولوالجي في فتاواه من النفقات فإن لم يكن للميت مال فكفنه على من تجب عليه نفقته وكسوته في حياته. وكفن العبد على سيده، والمرهون على الراهن، والمبيع في يد البائع عليه، فإن لم يكن له من تجب النفقة عليه فكفنه في بيت المال، فإن لم يكن فعلى المسلمين تكفينه، فإن لم يقدر واسألوا الناس ليكفنوه بخلاف الحي إذا لم يجد ثوبا يصلي فيه ليس على الناس أن يسألوا له ثوبا، والفرق أن الحي يقدر على السؤال بنفسه والميت عاجز، وإن سألوا له وفضل من الكفن شئ يرد إلى المتصدق، وإن لم يعلم يتصدق به على الفقراء اعتبارا بكسوته. كذا في المجتبي. وفي التجنيس والواقعات: إذا لم يعلم المتصدق يكفن به مثله من أهل الحاجة وإن لم يتيسر يصرف إلى الفقراء. وفيهما: لو كفن ميتا من ماله ثم وجد الكفن فله أن يأخذه وهو أحق به لان الميت لم يملكه. وفيهما: حي عريان وميت ومعهما ثوب واحد فإن كان للحي فله لبسه ولا يكفن به الميت لانه محتاج إليه، وإن كان ملك الميت والحي وارثه يكفن به الميت ولا يلبسه لان الكفن مقدم على الميراث، وإذا تعدد من وجبت النفقة عليه على ما يعرف في النفقات فالكفن عليهم على قدر ميراثهم كما كانت النفقة واجبة عليهم، ولو مات معتق شخص ولم يترك شيئا وله خالة موسرة يؤمر معتقه بتكفينه. وقال محمد: على خالته. وفي الخانية: من لا يجبر على النفقة في حياته كأولاد الاعمام والعمات والاخوال والخالات لا يجبر على الكفن. زاد في الظهيرية: وإن كان وارثا. وفي البدائع: ولا يجب على المرأة كفن زوجها بالاجماع كما لا يجب عليها كسوته في الحياة. وفي القنية: ولو مات ولا شئ له وجب كفنه على ورثته فكفنه الحاضر من مال نفسه ليرجع على الغائب منهم بحصتهم ليس له الرجوع إذا أنفق عليه بغير إذن القاضي قال محمد رحمه الله: كالعبد أو الزرع أو النخل بين شريكين أنفق أحدهما عليه ليرجع على الغائب لا يرجع إذا فعله بغير إذن القاضي ا ه‍.

[ 313 ]

فصل السلطان أحق بصلاته يعني إذا حضر لان في التقدم عليه استخفافا به، ولما مات الحسن قدم الحسين سعيد بن العاص وقال: لولا السنة ما قدمتك. أطلق في السلطان وأراد به من له سلطنه أي حكم ولاية على العامة، سواء كان الخليفة أو غيره، فيقدم الخليفة إن حضر ثم نائب المصر ثم القاضي ثم صاحب الشرط ثم خليفته ثم خليفة القاضي. وهذا ما نقله الفقيه أبو جعفر، والامام الفضلي إنما نقل تقديم السلطان وهو الخليفة فقط وأما من عداه فليس له التقدم على الاولياء إلا برضاهم. قال في الظهيرية والخانية: إنه قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ا ه‍. فعلى هذا فالمراد من السلطان في المختصر هو الوالي الذي لا والي فوقه لكن المذكور في المحيط والبدائع والتبيين والمجمع وشرحه التفصيل المتقدم عن أبي جعفر واقتصر عليه في فتح القدير وصرح في الخلاصة بأنه المختار فكان هو المذهب. وقدم أبو يوسف الولي مطلقا وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وما في الاصل من أن إمام الحي أولى بها فمحمول على ما إذا لم يحضر السلطان ولا من يقوم مقامه توفيقا بينهما لان السلطان قل ما يحضر الجنائز. كذا في

[ 314 ]

البدائع وغيره ومعنى الاحقية وجوب تقديمه قوله: (وهي فرض كفاية) أي الصلاة عليه للاجماع على افتراضها وكونها على الكفاية، وما ورد في بعض العبارات من أنها واجبة فالمراد الافتراض، وقد صرح في القنية والفوائد التاجية بكفر من أنكر فرضيتها لانه أنكر الاجماع ا ه‍. وهل يصح النذر بها صرحوا بأنه لا يصح النذر بالتكفين ولا بتشييع الجنازة لعدم القربة المقصودة ولا شك أن صلاة الجنازة قربة مقصودة. قوله: (وشرطها إسلام الميت وطهارته) فلا تصح على الكافر للآية * (ولاتصل على أحد منهم مات أبدا) * ولا تصح على من لم يغسل لانه له حكم الامام من وجه لا من كل وجه. وهذا الشرط عند الامكان فلو دفن بلا غسل ولم يمكن إخراجه إلا بالنبش صلى على قبره بلا غسل للضرورة بخلاف ما إذا لم يهل عليه التراب بعد فإنه يخرج ويغسل. ولو صلى عليه بلا غسل جهلا مثلا ولا يخرج إلا بالنبش تعاد لفساد الاولى، وقيل تنقلب الاولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد. وفي المحيط: ولو لف في كفنه وقد بقي عضو منه لم يصبه الماء ينقض الكفن ويغسل ثم يصلى عليه، ولو بقي أصبواحدة ونحوها ينقض الكفن عند محمد ويغسل، وعندهما لا ينقض الكفن لانه لا يتيقن بعدم وصول الماء إليه فعليه أسرع إليه الجفاف لقلته فلا يحل نقض الكفن بالشك لانه لا يحل نقضه إلا بعذر بخلاف العضو لانه لا يسرع إليه الجفاف. ولو صلى الامام بلا طهارة أعادوا لانه لا صحة لها بدون الطهارة فإذا لم تصح صلاة الامام لم تصح صلاة القوم. ولو كان الامام على طهارة والقوم على غيرها لا تعاد لان صلاة الامام صحت فلو أعادوا تتكرر الصلاة وأنه لا يجوز، وبهذا تبين أنه لا تجب صلاة الجماعة فيها ا ه‍. وزاد في فتح القدير وغيره شرطا ثالثا في الميت وهو وضعه أمام المصلى فلا تجوز على غائب ولا على حاضر محمول على دابة أو غيرها ولا موضوع متقدم عليه المصلى لانه كالامام من وجه دون وجه لصحة الصلاة على الصبي،

[ 315 ]

وأما صلاته على النجاشي فإما لانه رفع له عليه الصلاة والسلام سريره حتى رآه بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الامام وبحضرته دون المأمومين وهذا غير مانع من الاقتداء، وإما أن يكون مخصوصا بالنجاشي وقد أثبت كلا منهما بالدليل في فتح القدير. وأجاب في البدائع بثالث وهو أنها الادعاء لا الصلاة المخصوصة وهذه الشرائط في الميت. وأما شرائطها بالنظر إلى المصلي فشرائط الصلاة الكاملة من الطهارة الحقيقة والحكمية واستقبال القبلة وستر العورة والنية، وقدمنا حكم ما لو ظهر المصلي محدثا. وقيد المصنف بطهارة الميت احترازا عن طهارة مكانه. قال في الفوائد الناجية: إن كان على جنازة لا شك أنه يجوز وإن كان بغير جنازة لا رواية لهذا، وينبغي أن يجوز لان طهارة مكان الميت ليس بشرط لانه ليس بمؤد، ومنهم من علل بأن كفنه يصير حائلا بينه وبين الارض لانه ليس بلابس بل هو ملبوس فيكون حائلا ا ه‍. وفي القنية: الطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان وستر العورة شرط في حق الامام والميت جميعا. وقد قدمنا في باب شروط الصلاة أنه لو قام على النجاسة وفي رجليه نعلان لم يجز، ولو افترش نعليه وقام عليهما جازت. وبهذا يعلم ما يفعل في زماننا من القيام على النعلين في صلاة الجنازة لكن لا بد من طهارة النعلين كما لا يخفى. وأما أركانها ففي فتح القدير أن الذي يفهم من كلامهم أنها الدعاء والقيام والتكبير لقولهم إن حقيقتها هو الدعاء والمقصود منها، ولو صلى عليها قاعدا من غير عذر لا يجوز. وقالوا: كل تكبيرة بمنزلة ركعة. وقالوا: يقدم الثناء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه سنة الدعاء، ولا يخفي أن التكبيرة الاولى شرط لانها تكبيرة الاحرام ا ه‍. وفيه نظر لان المصرح به بخلافه. قال في المحيط: وأما ركنها فالتكبيرات والقيام، وأما سننها فالتحميد والثناء والدعاء فيها ا ه‍. فقد صرح بأن الدعاء سنة وقولهم في المسبوق يقضي التكبير نسقا بغير دعاء يدل عليه ولا نسلم أن التكبيرة الاولى شرط بل الاربع أركان. قال في المحيط: كبر على جنازة فجئ بأخرى أتمها واستقبل الصلاة على الاخرى لانه لو نواها للاخرى أيضا يصير مكبرا ثلاثا وأنه لا يجوز، وإن زاد على الاربع لا يجوز لان الزيادة على الاربع لا تتأدى بتحريمة واحدة. وفي الغاية للسروجي: فإن قلت التكبيرة الاولى للاحرام وهي شرط وقد تقدم أنه يجوز بناء الصلاة

[ 316 ]

على التحريمة الاولى لكونها غير ركن. قيل له: التكبيرات الاربع في صلاة الجنازة قائمة مقام الاربع ركعات بخلاف المكتوبة وصلاة النافلة ا ه‍. وأما ما يفسدها فما أفسد الصلاة أفسدها إلا لمحاذاة. كذا في البدائع. وتكره في الاوقات المكروهة، وقد تقدم ولو أمت امرأة فيها تأدت الصلاة، ولو أحدث الاما فاستخلف غيره فيها جاز هو الصحيح. كذا في الظهيرية. قوله: (ثم أمام الحي) أي الجماعة لانه رضيه في حال حياته، وظاهره أن تقديمه واجب لانه عطفه على ما تقديمه واجب وهو السلطان مع تصريحهم بأن تقديمه مستحب بخلاف السلطان. قال في غاية البيان: وإنما قالوا تقديمه مستحب لان في التقدم عليه لا يلزم إفساد أمر العامة بخلاف التقدم على السلطان حيث يلزم ذلك فلذا وجب تقديمه ا ه‍. وفي شرح المجمع للمصنف: إنما يستحب تقديم إمام مسجد حيه على الولي إذا كان أفضل من الولي. ذكره في الفتاوي ا ه‍. وهو قيد حسن وكذا في المجتبي: وفي جوامع الفقه أمام المسجد الجامع أولى من إمام الحي ا ه‍. وهذا يدل على أن المراد بإمام الحي إمام المسجد الخاص للمحلة. وقد وقع الاشتباه في إمام المصلي المبنية لصلاة الاموات في الامصار فإن الباني يشرط لها إماما خاصا ويجعل له معلوما من وقفه فهل هو مقدم على الولي إلحاقا له بإمام الحي أو لا، مع القطع بأنه ليس بإمام الحي لتعليلهم إياه بأن الميت رضي بالصلاة خلفه حال حياته وهذا خاص بإمام مسجد محلته، والذي ظهر لي أنه إن كان مقررا من جهة القاضي فهو كنائبه، وإن كان المقرر له الناظر فهو كالاجنبي قوله: (ثم الولي) لانه أقرب الناس إليه والولاية له في الحقيقة كما في غسله وتكفينه، وإنما يقدم السلطان عليه إذا حضر كيلا يكون ازدراءبه. ثم الترتيب في الاولياء كترتيب العصبات في الانكاح لكن إذا اجتمع أبو الميت وابنه كان الاب أولى بالاتفاق على الاصح لان للاب فضيلة على الابن وزيادة سن، والفضيلة والزيادة تعتبر ترجيحا في استحقاق الامامة كما في سائر الصلوات. كذا في البدائع. فلو كان الاب جاهلا والابن عالما ينبغي تقديم الابن كما في سائر الصلوات إلا أن يقال: إن صفة العلم لا توجب التقديم في صلاة الجنازة لعدم احتياطها للعلم ويعتبر الاسن فيها

[ 317 ]

فالاخوان لاب وأم أسنهما أولى، فإن أراد الاسن أن يقدم أحدا كان للاصغر أن يمنع، فإن قدم كل واحد منهما رجلا آخر فالذي قدمه الاسن أولى، وكذلك الابنان على هذا وكذلك أبناء العم، فإن كان الاخ الاصغر لاب وأم والاكبر لاب فالاصغر أولى كما في الميراث، فإن قدم الاصغر جدا فليس للاكبر أن يمنعه، فإن كان الاخ لاب وأم غائبا وكتب لانسان ليتقدم فللاخ لاب أن يمنعه، وحد الغيبة أن لا يقدر على أن يقدم ويدرك الصلاة ولا ينتظر الناس قدومه. والمريض في المصر بمنزلة الصحيح يقدم من شاء وليس للابعد منعه. ولو ماتت امرأة ولها أ ب وابن بالغ عاقل وزوج فالاب أحق بها ثم الابن، إن كان من غير الزوج، فإن كان منفالزوج أحق من الولد. ولو مات ابن وله أب وأبواب فالولاية لابيه ولكنه يقدم أباه جد الميت تعظيما له، وكذا المكاتب إذا مات عبده ومولاه حاضرا فالولاية للمكاتب لكنه يقدم مولاه احتراما. ومولى العبد أحق بالصلاة عليه من ابنه الحر على المفتي به لبقاء ملكه حكما، وكذا المكاتب إذا مات عن غير وفاء فإن ترك وفاء، فإن أديت كتابته أو كان المال حاضرا لا يخاف عليه التوى والتلف فالابن أحق وإلا فالمولى. وسائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه ومولى الموالات لان الزوجية انقطعت بينهما بالموت. وفي المجتبي: والجار أحق من غيره. قوله: (وله أن يأذن لغيره) أي للولي الاذن في صلاة الجنازة وهو يحتمل شيئين: أحدهما الاذن في التقدم لانه حقه فيملك إبطاله وقدمنا أن محله ما إذا لم يكن هناك ولي غيره أو كان وهو بعيد، أما إذا كانا وليين مستويين فأذن أحدهما أجنبيا فللآخر أن يمنعه. ثانيهما أن يأذن للناس في الانصراف بعد الصلاة قبل الدفن لانه لا ينبغي لهم أن ينصرفوا إلا بإذنه، وذكر الشارح معنى آخر وهو الاعلام بموته ليصلوا عليه لا سيما إذا كان الميت يتبرك به، وكره بعضهم أن ينادي عليه في الازقة والاسواق لانه نعي أهل الجاهلية وهو مكروه، والاصح أنه لا يكره لان فيه تكثير الجماعة من المصلين عليه المستغفرين له وتحريض الناس على الطهارة والاعتبار به والاستعداد، وليس ذلك نعي أهل الجاهلية، وإنما كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل وتعديد وهو مكروه بالاجماع ا ه‍. وهي كراهة تحريم

[ 318 ]

للحديث المتفق عليه ليس منا من ضرب الخدرد وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية (1) وقال عليه السلام لعن الله الحالقة والصالقة والشاقة (2) والصالقة التي ترفع صوتها بالمصيبة ولا بأس بإرسال الدمع والبكاء من غير نياحة قوله: (فإن صلى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي) لان الحق له. والمراد من السلطان من له حق التقدم على الولي فإن الكلام فيما إذا تقدم على الولي من ليس له حق التقدم فليس للولي الاعادة إذا صلى القاضي أو نائبه أو إمام الحي لما في الخلاصة والولوالجية والظهيرية والتجنيس والواقعات: ولو صلى رجل والولي خلفه ولم يرض به إن صلى معه لا يعيد لانه صلى مرة وإن لم يتابعه، فإن كان المصلي السلطان أو الامام الاعظم في البلدة أو القاضي أو الوالي على البلدة أو إمام حي ليس له أن يعيد لانهم أولى بالصلاة منه وإن كان غيره فله الاعادة ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن الموصى له بالتقدم ليس بمقدم على الولي لان الوصية باطلة على المفتي به، وصرح بذلك أصحاب الفتاوي قالوا: ولو أعادها الولي ليس لمن صلى عليها أن يصلي مع الو