تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق للامام العلامة الشيخ محمد بن على الطوري القادري الحنفي المتوفي بعد سنة 1138 ه ضبطه وخرج آياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات الجزء التاسع منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 2 ]
جميع الحقوق محفوطة جميع حقوق الملكية الادبية والغنية محفوظة ادار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو ادخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئيه إلا بموافقة الناشر خطيا. Copyright c
All right reserved - Exclusive right by DAR al - KOTOB al , publication may be trnslated , reproduced distributed in any from or by any means , or stored in a data base or retrieval system without the prior written permission of the publisher الطعبة الاولى 1418 ه - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت لبنان العنوان: رمل الظريف. شارع البحتري. بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602133 (9611) 00 صندوق البريد 9424 - 11 بيروت لبنان DAR aL - KOTB aL - ILMIYAH Beirut - Lebanon 1 Addres: R amel al - zarif , Bohtory st , Melkart bldg , st Floore 000: Tel & Fax P O Box 11 - Beirut 4249 - Lebanon
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنايات
أورد الجنايات عقيب الرهن لان كل واحد منهما للوقاية والصيانة فإن الرهن وثيقة لصيانة المال وحكم الجناية لصيانة النفس ألا ترى إلى قوله تعالى * (ولكم في القصاص حياة) * (البقرة: 179) ولما كان المال وسيلة لبقاء النفس قدم الرهن على الجنايات بناء على تقدم الوسائل على المقاصد، كذا في أكثر الشروح. قال في غاية البيان: ولكن قدم الرهن لانه مشروع بالكتاب والسنة بخلاف الجناية لانها محظورة فإنها عبارة عما ليس للانسان فعله ا ه. أقول: هذا ليس بشئ لان المقصود بالبيان في كتاب الجنايات إنما هو أحكام الجنايات دون أنفسها، ولا شك أن أحكامها مشروعة ثابتة بالكتابة والسنة. أيضا فلا معنى لتأخيرها من هذه الحيثية، ثم إن الجناية في اللغة اسم لما تجنيه من شئ أي تكسبه وهي في الاصل مصدر جنى عليه شرا جناية وهو عام في كل ما يقبح ويسوء إلا أنه في الشرع خص بفعل محرم حل بالنفوس والاطراف، والاول يسمى قتلا وهو فعل من العباد تزول به الحياة، والثاني يسمى قطعا وجرحا، هذا زبدة ما في الكتاب والشروح. الكلام في الجناية من أوجه: للاول في معرفة مشروعيتها. والثاني في سبب وجوبها. والثالث في تفسيرها لغة. والرابع في تفسيرها عند الفقهاء. والخامس في ركنها. والسادس في شرطها. والسابع في حكمها. أما الاول فهو معرفة مشروعيتها لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) * (البقرة: 178) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم العمد قود والقتل عدوان (1) او سبب مشروعية القصاص رفع الفساد في الارض. وأما معناها لغة فهي في اللغة اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه تسمية للمصدر من جنى عليه شرا وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جنى التمر وهو أخذه من الشجرة، وأما في الشرع فهو اسم لفعل
[ 4 ]
محرم شرعا، سواء كان من مال أو نفس. لكنه في عرف الفقهاء يراد به عند إطلاقه اسم الجناية الواقعة في النفس والاطرا ف من الآدمي والجناية الواقعة في المال تسمى غصبا والجناية الواقعة من المحرم أوفي الحرم على الصيد جناية المحرم. وأما ركنه فهو القتل وهو
فعل مضاف إلى العباد تزول به الحياة بمجرد العادة. وأما شرطه فالمماثلة والمعادلة في الاستيفاء لان المماثلة مشروطة في أجزية السيآت وضمان العدوانات لقوله تعالى * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها) * (الانعام: 160) ولان في إيجاب الناقض بخسا بحق المظلوم وفي إيجاب الزيادة جور على الظالم والبخس غير مشروع والحيف حدام فكان الانصاف والانتصاف في إيجاب المماثلة إلا أنه سقط اعتبار المماثلة في محال الافعال في الانفس في نوع ضرورة وهو أن قتل الواحد بطريق الاجتماع غالب وجودا ويظهر من الافراد نادرا وقوعها فقتل الجماعة بالواحد، ولو اعتبرنا المماثلة في محل الافعال لادى إلى فتح باب العدوان وسد باب القصاص، وأية فائدة في شرع القصاص فسقط اعتبار المماثلة في الانفس للضرورة وبقيت المماثلة في الاطراف معتبرة فإن الاجتماع على إتلاف الطرف ليس بغالب بل هو نادر. وأما حكمه فهو وجوب القصاص والدية والاثم. قال محمد رحمه الله تعالى: القتل على ثلاثة أوجه: عمد وخطأ وشبه عمد. فالعمد هو أن يتعمد ضربه بسلاح وما يجري مجراه مما له حد يقطع ويجرح لان العمد والقصد مما لا يوقف عليه ولكن الضرب بآلة جارحة قابلة قاطعة دليل على القتل فيقام مقام العمد، ثم آلة القتل على ضربين: آلة السلاح وغير السلاح. أما السلاح فكل آلة جارحة كالسيف والسكين ونحوهما فيقتل به وهو عمد محض، ولو قتله بحديد لا حد له نحو أن يضربه بعمود أو بصنجة حديد أو نحاس أو صفر فعلى رواية الطحاوي يكون عمدا محضا لان الحديد إذا لم يجرح يكون عمدا لقوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا من حديد والحديد أصل في القتل به وأنه منصوص عليه في إيجاب القود به، والحكم في المنصوص عليه يتعلق بعين النص لا بالمعنى، والنص الوارد في الحديد والسيف يكون واردا فيما هو في معناه في الاستعمال دلالة والنحاس يستعمل منه السلاح كما يستعمل من الحديد فيكون الحكم فيه ثابتا بدلالة النص لا بعينه. ولو ضربه بصنجة رصاص لا يكون عمدا لانه لا يستعمل منه استعمال الحديد وهو السلاح، وأما غير السلاح كالليطة والمروة والرمح الذي لا سنافيه ونحوه إذا
جرحه فهو عمد محض لانه إذا فرق الاجزاء عمل عمل السيف لانه حصل ما هو المقصود من الحديد بما هو معتاد له فلا تكون شبهة العمد اعتبار قصور الآلة ولهذا قال: إذا أحرق رجلا بالنار يقتل به لان النار تفرق الاجزاء وتبعضها وتعمل عمل الحديد. وأما شبه العمد وهو القتل بآلة لم توضع له ولم يحصل به الموت غالبا مثل السوط الصغير والعصا الصغيرة ونحوه، فأما القتل بالعصا الكبير وبكل آلة مثقلة يحصل بها الموت غالبا لكنها غير جارحة
[ 5 ]
قاطعة بل هي مدققة مكسرة وهو شبه العمد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهم لما يأتي. وأما الخطأ وهو مالو تعمد شبها فيصيب آدميا أو يقصده فيظنه صيدا أو حربيا، فإذا هو مسلم، ونوع ما هو ملحق بالخطأ كالنائم إذا انقلب على إنسان فقتله، وكذا القتل بطريق التسبب كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق الممر لانه إذا تسبب للقتل صار كالموقع والدافع ولما لم يقصد القتل هو كالخطأ في الحكم ولا يكون فيما دون النفس شبه العمد لان ما دون النفس لا يختص إتلافه بآلة دون آلة بل يختص بآلة جارحة قاطعة، فأما القتل يختص بآلات بعضها جارحة قاطعة وبعضها لا يختلف حكم النفس باختلاف الآلات، وأما حكمها فسيأتي. ولا يخفي أن القتل على خمسة أوجه: عمد وخطأ وشبه عمد وأما أجرى مجرى الخطأ والقتل بسبب. قال صاحب النهاية: وجه الانحصار في هذه الخمسة هو أن القتل إذا صدر عن إنسان لا يخلو إما إن حصل بسلاح أو بغير سلاح، إن حصل بسلاح إما أن يكون به قصد القتل أولا، فإن كان فهو عدوان، وإن لم يكن فهوخطأ. وإن لم يكن بسلاح فلا يخلو إما أن يكون جاريا مجرى الخطأ أولا، فإن كان فهشبه العمد، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون معه قصد التأديب أو الضرب أولا، فإن كان فهو شبه العمد، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون جاريا مجرى الخطأ أو، فإن كان فهو الخطأ، وإن لم يكن فهو القتل بسبب، وبهذا الاختصار يعرف تفسير كل واحد منها ا ه. أقول: فيه خلل، أما أولا فلانه جعل القتل خطأ مخصوصا
بما حصل بسلاح وليس كذلك إذ لا شك أن القتل الخطأ كما يكون بسلاح يكون أيضا بما ليس بسلاح كالحجر العظيم والخشبة العظيمة. وأما ثانيا فلان قوله وإن لم يكن جاريا مجرى الخطأ فهو القتل بسبب ليس بتام لان ما لا يكون جاريا مجرى الخطأ لا يلزم أن يكون القتل بسبب ألبتة بل يحوز أن يكون القتل بخظأ محض أيضا فلا يتم الحصر في القتل بسبب، ولما تنبه صاحب العناية لما في وجه الحصر الذي ذكره صاحب النهاية من القصور قال في بيان: قول المصنف القتل علس خمسة أوجه وذلك أنا استقربنا فوجدنا ما يتعلق به شئ من الاحكام المذكورة أحد هذه الاوجه المذكورة ونقل ما ذكر صاحب النهاية من وجه الحصر فقال: وضعفه وركاكته ظاهران من غير تفصيل وبيان والمراد بيان قتل يتعلق به الاحكام. قال جمهور الشراح: إنما قيد به لاأنواع القتل من حيث هو قتل من غير نظر إلى ضمان القتل وعدم ضمانه أكثر من خمسة أوجه كقتل المرتد والقتل قصاصا والقتل رجما والقتل يقطع الطريق وقتل الحربي حتى قال بعضهم: ونظير هذا ما قاله محمد رحمه الله تعالى في كتاب الايمان الايمان ثلاثة ولم يرد جنس الايمان لانها أكثر من ثلاثة يميت بالله تعالى ويمين بالطلاق ويمين بالعتاق والحج والعمرة إنما أراد بذلك الايمان بالله تعالى ا ه. قال قاضيخان أقول فيما قالوا نظر إذا الظاهر أن شيئا من أنواع القتل لا يخرج عن الاوجه الخمسة المذكور في الكتاب بل يدخل كل من ذلك واحد من تلك الاوجه فإن ما
[ 6 ]
ذكره من قتل المرتد وقتل الحربي والقتل قصاصا أو رجما أو بقطع الطريق يكون قتلا عمدا إن تعمد القاتل ضرب المقتول بسلاح وما أجرى مجرى السلاح، ويكون شبه عمدان تعمد ضربه بما ليس بسلاح ولا ما أجرى مجرى السلاح، ويكون خطأ إن لم يكن بطريق التعمد بل كان بطريق الخطأ إل غير ذلك من الاوجه المذكورة. وإنما تكون تلك الانواع المباحة من القتل خارجة عن الاحكام المذكورة لهذه الاوجه الخمسة فلا معنى للقول بأن أنواع القتل أكثر من خمسة. فإن قلت: كيف يتصور خروج تلك الانواع من الاحكام للاوجه الخمسة للقتل إلا من نفسه هذه الاوجه، وحكم الشئ ما يترتب عليه ويلزمه؟ قلت: قد يكون ترتب الحكم على
شئ مشروطا بشرط ألا ترى أنهم جعلوا وجوب القود من أحكام القتل العمد مع أنه له شروط كثيرة منها كون القاتل عاقلا بالغا إذ لا يجب القود على الصبي والمجنون أصلا. ومنها أن لا يكون المقتول جزء القاتل حتى لو قتل الاب ولده عمدا لا يجب عليه القصاص. وكذا لو قتلت الام ولدها. وكذا الجد والجدة. ومنها أن لا يكون المقتول ملك القاتل حتى لا يقتل المولى بعبده. ومنها كون المقتول معصوم الدم مطلقا فلا يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي ولا بالمرتد لعدم العصمة أصلا، ولا بالمستأمن في ظاهر الرواية لان عصمته ما ثبتت مطلقة بل مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الاسلام، صرح بذلك كل ما في عامة المعتبرات فكذا كون القتل بغير حق شرطا لترتيب كل من الاحكام المذكورة للاوجه الخمسة من القتل وليس شئ مما ذكروا من الاحكام من هذه الانواع المذكورة لها بناء على أن انتفاء شرط تلك الاحكام وهو كون القتيل معصوم الدم وكون القتل بغير حق لا يقدح في شئ فالاظهر أن مراد المصنف بقوله والمراد بيان قتل يتعلق به الاحكام هو التنبيه على أن المقصود بالبيان في كتاب الجنايات أنما هو أحوال بغير حق إذ هو الذي يكون من الجنايات ويترتب عليه أحكامها دون أحوال مطلق القتل وإن كان الاوجه الخمسة المذكورة تتناول كل ذلك. قال رحمه الله: (موجب القتل عمدا وهم ما تعمد ضربه بسلاح ونحوه في تفريق الاجزاء كالمحدد من الحجر والخشب والنار الاثم والقود عينا) أي القتل الموصوف بهذه الصفة يوجب الاثم والقصاص متعين. قال السغناقي: القتل فعل يضاف إلى العباد تزول به الحياة. وفي المنتقي: ذكر ما يعرف به العمد من غيره. قال محمد: رجل تعمد أن يضرب يد رجل أو شيئا منه بالسيف فأخطأ فأصاب عنقه وأبان رأسه فهو عمد، ولو أراد أن يضرب يد رجل أو شيئا منه بالسيف فأخطأ فأصاب عنق غيره فهو خطأ لانه أصاب غير ما تعمد وفي الاول أصاب ما تعمد لانه قصد إتلاف طرف ذلك الرجل. ولو رمى قلنسوة على رأسه فأصاب عنق غيره فهو خطأ، وكذلك لو قصد ضرب القلنسوة فأصابه السيف فهو خطأ. ولو رمى
[ 7 ]
رجلا فأصاب حائطا ثم رجع السهم فأصاب الرجل فهو خطأ لانه أخطأ في أصابه الحائط ورجوع السهم مبني على إصابة الحائط لا على الرمي السابق لانه آخر السببين والحكم يضاف إلى آخر السببين وجودا وقد تخلل بين الرمي والاصابة الاخيرة إصابة الحائط فقطع حكم الاصابة الاخيرة على الرمي السابق. ولو لف ثوبا فضرب به رأس إنسان فشجه موضحة فهو عمد، سواء اقتصر على الشجة أو مات لانه أصاب ما تعمد به وقد علمت الآلام عملها أثرت في الظاهر والباطن جميعا وقد مات من غير أن يجرح قال صار خطأ. وقال محمد في الديات: رجل ضرب رجلا بسيف بغمده فخرق السيف الغمدة فقتلة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا قود عليه. وقال محمد: إن كان الغمد يقتل لو ضرب به وحده يقتل لان الغمد لا يقصد به إلا الضرب إذا كان يقتل به وهو قاصد إلى القتل وقد أصاب المقتل فوجب القصاص. لابي حنيفة أنه أصاب الضرب دون القتل لان الغمد لا يقصد به الا الضرب عادة فصورة الخظأ هو أن يصيب خلاف ما قصد، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: رجل ضرب رجلا بإبرة أو بشئ يشبه الابرة تعمدا فقتله فلا قود عليه، وإن ضربه بمسلة أو نحوها فعليه القود لان الابرة مما لا يقصد بها القتل عادة، وإن كانت الآلة جارحة لان آلة الخياطة دون القتل فإذا تمكنت فيه شبهة عدم العمدية امتنع وجوب ما لا يجامع، فأما المسلة فهي آلة جارحة يقصد بها القتل، وفي رواية أخرى عنه أنه إن غرز بالابرة في المقتل فعليه القود وإلا فلالان غرز الابرة في المقتل يقصد به القتل لا التأديب. وفي الفتاوي الكبرى: ضر ب بحديد أو ذهب أو فضة أو شبهه أو نحاس أو رصاص أو صفر فجرحه ومات أنه يقتل، وإن رماه بصنجة ألف درهم فجرحه أو لم يجرحه فمات منه قتل، ولو ضرب بعصا رأسها مضبب بالحديد وقد أصاب الحديد حتى جرحه أو أزهق سائر جسده أو ضربه بقفة حديد أو شبهة أو بقدر حديد فمات منه قتل، وهذا كله على قياس ظاهر الرواية على ما بينا. ولو ضربه بعصا من خشب قاد معه أو بحجر غيره ممدود لا يقتل، وإن كان ممدودا حتى جرحه يقتل. وعن أبي حنيفة في المجرد لو ألقى رجلا في الماء ثم أخرج وبه
رمق فمكث أياما حتى مات يقتل به، وإن كان يجئ ويذهب حتى مات لم يقتل. ولو قمط رجلا وألقاه في البحر فغرق تجب الدية، ولو سبح سباحة ثم غرق لا دية عليه لانه غرق بعجزه وفي الاول نظير جيد. وفي الفتاوي الكبرى ما يجب القصاص في سبب دون سبب لف ثوبا فضرب به رأس رجل فشجه موضحا وجب القصاص، ولو مات لا يجب القصاص، ولو مات من ذلك يجب القصاص، وما يجب في سببه ومسببه إن شجه موضحة بحديد فيها قصاص، وإن مات منها يجب القصاص وعلى عكسه ما لا يجب في سبب ولا في مسببه أن يجرحه بخشبة عظيمة فلا يجب القصاص ولو مات كذلك. وفي الاجناس: وما ليس بسلاح فيما دون النفس عمد واعترض بأن قوله موجب هذا
[ 8 ]
أثر العمد والاثر متأخر. وفصل بين المبتدأ وهو قوله موجبه وخبره وهو قوله الاثم بأجنبي وهو قوله أن يتعمد الضمير جاز أن يرجع إلى المضاف وأن يرجع إلى المضاف إليه. والضمير إذا احتمل فسد المعنى على أحد الاحتمالين فيتعين الاظهار بأن يقول العمد أن يتعمد. وعبر بقوله موجبه دون أن يقول حكمه وأثره ليفيد أن صفته الوجوب، وقد يجاب بأن المقصود الاحكام لا الحقائق فكذا قدم الحكم على التعريف وهذا فصل بغير أجنبي فلا يضر، والضمير يرجع إلى الاقرب وهو القتل لانه محل للتعمد فلا فساد. قوله ضربه أي ضرب المقتول قالوا: فيخرج العمد فيما دون النفس قوله ضربه أي ضرب المقتول قاله قاضي زاده أقول برد على المقتول في المنتقي كما نقله في المحيط إذا تعمد أن يضرب يد رجل فأخطأ فأصاب عنق ذلك الرجل فأبان رأسه وقتله فهو عمد وفيه القود، وإن أصاب عنق غيره فهو خطأ. ووجه الورود أنه لم يتعمد القتل بل تعمد ضرب اليد وجرى عمدا فظهر أن الشرط ولو للقطع لا لتقييد القتل كما قالوا، أما اشتراط العمد فلان الجناية لا تتحقق دونها ولا بد منها ليترتب عليها العقوبة لقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث. وأما اشتراط السلاح فلان العمد هو القصد وهو فعل قد لا يوقف عليه لانه أمر
يخفي فأقيم استعمال الآلة القاتلة غالبا مقامه، وظاهر هذا أنه إذا قتل بهذه الآلة ثم قال لم أقصد قتله لم يقبل منه والمنقول أنه لا يقبل منه. قال في المجرد: قتلت فلانا بسيفي ثم قال إنما أردت غيره فأصابته درئ عنه القصاص ولا يخفي عدم الورود لانه قال ضربه لا أن يتعمد قتله لان الشرط تعمد للضرب لا تعمد للقتل بدليل تعمد قطع اليد. أقول: فيه بحث وهو أن هذا القدر من التعليل يشكل بما إذا استعمل إلا آلة القاتلة في القتل الخطأ كما إذا رمى شخصا بسهم أو ضربه بسيف يظنه صيدا فإذا هو آدمي أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم وهذا في نوع الخطأ في القصد، وكذا إذا رمى عرضا بآلة قاتلة فأصاب آدميا وهذا في نوع الخطأ في الفعل فإن استعمال الآلة القاتلة الذي جعل دليلا على القصد قد تحقق هناك أيضا مع أنه ليس بعمد بل هو خطأ محض على ما نصبوا عليه قاطبة. فإن قلت: المراد باستعمال الآلة القاتلة في التعليل المذكور استعمالها لضرب المقتول لا استعمالها فيه أيضا لضرب المقتول لكن الخطأ في وصف المقتول. فإن قلت: المراد استعمالها لضرب المقتول من حيث إنه آدمي لا استعمالها لضربه مطلقا وفي نوع الخطأ في القصد لم يتحقق الحيثية المذكورة قلت: كون الاستعمال من هذه الحيثية أمر مضمر راجع إلى النية والقصد فلا يوقف عليه كما لا يوقف على العمد فلا بد من دليل آخر خارجي فتدبر. وذكر قاضيخان أنه لا يشترط الجرح في الحديد وما يشبه الحديد من النحاس غيره في ظاهر الرواية، وأما الاثم فلقوله تعالى * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * (النساء: 93) الآية. أقول: القائل أن يقول الدليل خاص والمدعي عام لان إيجاب القتل المؤثم والقود لا ينفك عن لزوم الماثم والآية المذكورة مخصوصة
[ 9 ]
بقتل المؤمن اللهم إلا أن يقال: الآية المذكورة وإن أفادت المأثم في قتل المؤمن عمدا فقط بعبارتها إلا أنها تفيد المأثم في قتل الذمي أيضا بدلا بناء على ثبوت العصمة بين المسلم والذمي نظرا إلى التكليف أو الدار كما سيأتي تفصيله. فإن قيل: بقي خصوص الدليل مع عموم المدعي من جهة أخرى وهي أن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن المؤمن لا يخلد في النار
وإن ارتكب كبيرة ولم يثبت، والظاهر أن المراد بمن يقتل في الآية المذكورة وهو المستحل بدلالة خالدا فيها فكان القتل بدون الاستحلال خارجا عن مدلول الآية. قلنا: لا نسلم ظهور كون المراد بمن يقتل في الآية المذكورة هو المستحل لجواز أن يكون المراد بالخلود المذكور فيها هو المكث الطويل كما ذكر في التفاسير فلا ينافي التعميم مذهب أهل السنة والجماعة، ولئن سلم كون المراد بذلك هو المستحل كما ذكر في الكتب الكلامية وفي التفاسير أيضال ففي الآية دلالة على عظم تلك الجناية وتحقق الاثم في قتل المؤمن عمدا بدون الاستحلال أيضا وإلا لما لزم من استحلاله الخلود في النار. وأما القود فلقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود ولقوله تعالى * كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) * (البقرة: 178) الآية. إلا أنه يتقيد بوصف العمد لقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود أي موجبه يعني أن ظاهر الآية يوجب القود بالقصاص أينما يوجد القتل ولا يفصل بين العمد والخطأ إلا أنه تقيد بوصف العمدية بالحديث المشهور الذي تلقته الامة بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم العمد قود أي موجبه قود، كذا في الشروح. قال صاحب الكفاية بعد ذلك: لا يقال إن قوله عليه الصلاة والسلام العمد قود لا يوجب التقييد لانه تخصيص بالذكر فلا يدل علي نفي ما عداه لانا نقول: لو لم يوجب هذا الخبر تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط فلا يكون لذكر لفظ العمد فائدة ا ه. أقول: سؤال ظاهر الورود وينبغي أن يخطر ببال كل ذي فطرة سليمة ولكن لم أر أحدا سواه حول ذكره. وأما جوابه فمنظور فيه عندي لجواز أن يكون سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم العمد فقط بأن كانت الجناية قتل العمد فصار قوله عليه الصلاة والسلام العمد قودجوابا عن سؤالهم، ففائدة ذكر لفظ العمد حينئذ تطبيق الجواب للسؤال ومع هذا الاحتمال كيف يتعين تقييد كتاب الله بالحديث المزبور. قال رحمه الله: (إلا أن يعفوا) يعني يجب القصاص إلا أن يعفو الاولياء فيسقط القصاص بعفوهم ولا يجب شئ. هذا إذا كان العفو بغير بدل، وإن كان ببدل يجب المشروط ويتعين بالصلح لا بالقتل. قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: الواجب أحدهما لا بعينه
ويتعين باختيار الولي. ولنا ما تلونا وروينا من قوله عليه الصلاة والسلام العمد قود فيقتضي أن جنس العمد وجود القود لا للمال، ومن جعله موجبا للمال فقد زاد عليه وهو لا يجوز، وإلى هذؤا المعنى أشار ابن عباس رضي الله عنهما بقوله العمد قود لامال فيه ولان المال لا يصلح موجبا لعدم المماثلة بينه وبين الآدمي صورة ومعنى إذ الآدمي خلق مكرما ليتحمل
[ 10 ]
التكليف ويشتغل بالطاعة وليكون خليفة الله تعالى في الارض. والمال خلق لاقامة مصالحه ومبتذلا له في حوائجه فلا يصلح جابرا وقائما مقامه، والقصاص يصلح للمماثلة صورة لانه قتل بقود، وكذا معنى لان المقصود بالقتل الانتقام والثاني فيه كالاول ولهذا سمي قصاصا وبه تحصل منفعة الاحياء بكونه زاجرا فلا يكون موجبا للمال، ولهذا يضاف ما يوجب من المال في قتل العمد إلى الصلح ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا ولو كان عمدا موجبا للمال لم أضافه إلى الصلح. والمراد بما روي ثبوت الخيار للمولى عندإعطاء القاتل الدية وتخييره لا ينافي رضا الآخر في غير الواجب، وهذا كما يقال للدائن خذ بدينك إن شئت دراهم وإن شئت دنانير وإن شئت عروضا. ومعناه أن لا يأخذ غير حقه إلا برضا المدين وهذا شائع في الكلام ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك أي لا تأخذ إلا سلمك عند المضي في العقد ولا تأخذ إلا رأس مالك عند التفاسخ فخيره، ومعلوم أنه لا يأخذ رأس ماله إلا برضا الآخر لان الفسخ لا يتم إلا باتفاقهم، فإذا كان المراد بالحديث ذلك أو احتمله لا يبقى حجة والذي يدلك على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما إنه قال: كان القصاص في بني اسرائيل ولم تكن الدية فانزل الله هذه الآية * (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) * إلى قوله * (فمن عفى له من أخيه شئ) * (البقرة: 178) والعفو في أن يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم فيما كان كتب على من كان قبلكم فأخبر أن بني اسرائيل لم تكن فيهم دية أي كان ذلك حراما عليهم أخذه عوضا عن الآدمي ويتركوه فخفف الله تعالى عن هذه الامة ونسخ ذلك
بقوله تعالى فمن عفى له من أخيه شئ الآية. ونبه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الجهة بل بينها بقوله من قتل له قتيل فهو بالخيار بين أن يقتص أو يعفو ويأخذ الدية التي أبيحت لهذه الامة وجعل لهم أخذها إذا أعطوها. وعن أنس بن مالك أن عمه الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها فقال عليه الصلاة والسلام حين اختصموا إليه: كتب الله القصاص. ولم يخير ولو كان المال واجبا به لخير إذ من وجب له أخذ شيئين على الخيار لا يحكم له بأحدهما معينا وإنما يحكم بأن يختار أيهما شاء، والذي يحققه أن الولي إن عفا عن القصاص قبل اختيار القصاص صح عفوه ولو لم يكن هو الواجب بالقتل ما صح عفوه قبل تعينه واختياره إذ العفو عن الشئقبل وجوبه باطل، فإن كان القصاص هو الواجب الاصلي لا ينفرد الولي بالعدول عند إلى المال بدلا عنه لانه معاوضة ولا يجبر أحد على المعاوضة كما في سائل الحقوق، ولهذا لو ترك المولى القصاص بمال آخر غير الدية كالدار ونحوه من الاعيان لا يجبر القاتل على الدفع وإن فيه إحياء نفسه، ولا نسلم أن المضطر الذي ذكره يجبر على الشراء بحيث يدخل. في ملكه من غير رضاه وإنما نقول يأثم إذا ترك الشراء مع القدرة عليه ومات، وكذا نقول هنا أيضا يأثم. ثم إذا لم يخلص نفسه مع القدرة عليه وقوله الآدمي قد يضمن بالمال كما في
[ 11 ]
الخطأ قلنا: وجوب الضمان في الخطأ ضرورة صون الدم عن الاهدار باعتبار أنه مثل له، وهذا لانه لما تعذر العقوبة وهو القصاص لعدم الجناية صيراليه لصون الدم عن الاهدر ولولا ذلك لتخلط كثير من الناس وأدى إلى التفاني، ولان النفس محترمة فلا تسقط حرمتها بعذر الخاطئ كما في المال فيجب المال صيانة لها عن الاهدار، ولا يقال وجوب القصاص لا ينافي وجوب المال ولا العدول إليه من غير رضا الجاني ألا ترى أن رجلا لو قطع يد رجل وهي صحيحة ويد القاطع شلاء فالمقطوع يده بالخيار إن شاء أخذ الارش، وإن شاء قطع يده الشلاء. وكذا لو عفا أحد الاولياء بطل حق الباقين في القصاص ووجب لهم الدية، ولو أنه وجب بالجناية لما وجب بغير رضاهم لانا نقول: إنما كان لهم ذلك لتعذر استيفاء حقهم
كاملا. قال رحمه الله: (لا الكفارة) أي لا تجب الكفارة بقتل العمد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: تجب اعتبارا بالخطأ بل أولى لانها شرعت تمحو الاثم وهو في العمد أكثر فكان ادعى إلى ايجابها. ولنا أن الكفارة دائرة بين العباد والعقوبة فلا بد من أن يكون سببها أيضا دائرا بين الخطر والاباحة لتعلق العبادة بالمباح والعقوبة المحظور وقتل العمد كبيرة محض فلا تناط به كسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة والربا. قال تاج الشريعة فإن قلت: يشكل بكفارة قتل صيد المحرم فإنه كبيرة محضة ومع هذا تجب فيه الكفارة قلت: هو جناية على المحل ولهذا لو اشترك رجلان في قتل صيد الحرم يلزم جزاء واحد، ولو كان جناية الفعل لوجب جزآن والجناية على المحل يستوي فيها العمل والخطأ ا ه. أقول: في الجواب بحث، أما أولا فلانه لا يدفع السؤال المذكور لان مورده مضمون الدليل المزبور وهو الكفارة لا تناط بما هو كبيرة محضة لا أصل المدعي وهو أنه لا كفارة في القتل العمد، فإذا سلم كون قتل صيد الحرم كبيرة محضة يلزم أن يشكل الدليل المزبور به، سواء كان في جناية الفعل أو جناية المحل، وكون الجناية على المحل يستوي فيها العمد والخطأ إنما يفيد لو ورد السؤال على أصل المدعي فإنه يمكن الجواب عنه حينئذ بأن ما قلناه في جناية الفعل دون جناية المحل وقتل صيد الحرم من قبيل الثانية دون الاولى. وأما ثانيا فلانه قد تقرر في كتب أصول الفقه أن الكفارة جزاء الفعل من كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا، فلو كان قتل صيد الحرم جناية على المحل لا جناية الفعل لزم أن لا تصلح الكفارة لكون الكفارة جزاء الفعل من كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا، ولا يمكن قياسه على الخطأ لانه دونه في الاثم فشرعه لدفع الادنى لا يدل على دفع الاعلى، ولان في قتل العمد وعيدا محكما ولا يمكن أن يقال يرتفع المأثم فيه بالكفارة مع وجود الشدة في الوعيد بنص قاطع لا شبهة فيه، ومن ادعى ذلك كان محكما فيه بلا دليل، ولان الكفارة من المقدورات فلا يجوز إثباتها بالقياس على ما عرف في موضعه، ولان قوله تعالى فجزاؤه جهنم الآية. كل موجبه إذ هو مذكور في سياق الجزاء للشرط فتكون الزيادة عليه نسخا ولا
[ 12 ]
يجوز بالرأي. قال رحمه الله: (وشبهه وهوان يتعمد ضربه بغير ما ذكر الاثم والكفارة على القاتل ودية مغلظة على العاقلة لا القود) أي موجب القتل شبه العمد الاثم والكفارة على القاتل والدية المغلظة على العاقلة ولا يوجب القصاص. وقوله وهو أن يتعمد ضربه بغير ما ذكر أي بغير ما ذكر في العمد هو المحدد وغيره هو الذي لا حد له من الادلة، وكالحجر والعصا وكل شئليس له حد يفرق الاجزاء، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وفي شرح الطحاو: شبه العمد عند الامام تعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا هو في معنى السلاح في تفريق الاجزاء. قال محمد: ويكون قصده الضرب والتأديب. وقالا: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا. ولهما أن معنى العمدية يتقاصر باستعمال آلة لا تقتل غالبا لانه يقصد به التأديب، وأما التي تقتل غالبا كالسيف فكان عمدا فوجب القود ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام رض بين حجرين رأس يهودي رض رأس صبي بين حجرين، وكذا قتل المرأة التي قتلت امرأة بمسطح وهو عمود الفسطاط. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام ألا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر وفيه دية مغلظة مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها وبإطلاقه يتناول العصا الكبير والكلام في مثلها ولان قضية القتل أمر مبطن لا يعرف إلا بدليل وهو استعمال الآلة القاتلة على ما بينا، وهذه الآلة لا تصلح دليلا على قصد القتل لانها غير موضوعة له ولا مستعملة فيه إذ لا يمكن القتل بها على غفلة منه ولا يقع القتل بها غالبا فقدمت العمدية كذلك فصار كالعصا الصغير، وهذا لان ما يوجب القصاص وهو الآلة المحدودة لا يختلف بين الصغير منهما والكبير لان الكل صالح للقتل لتخريب البنية ظاهرا وباطنا فكذا ما لا يوجب القصاص وجب أن يسوي بين الصغير والكبير منه حتى لا يوجب الكل القصاص لانه غير معد للقتل ولا صالح له لعدم نقض البنية ظاهرا وكان في قصد القتل شك لما فيه من القصور والقصاص نهاية في العقوبة فلا يجب مع
الشك، وما روياه رض اليهودي يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن اليهودي كان قاطع الطريق إذا قتل بسوط أو عصا أو غيره بأي شئ كان يقتل به حدا، ويحتمل أنه جعله كقاطع الطريق لكونه ساعيا في الارض بالفساد فقتله حدا كما يقتل قاطع الطريق فإن ذلك جائز أن يلحق به على ما بينا في قاطع الطريق. وأما حديث المرأة فقال عبيد بن فضيلة عن المغيرة بن شعبة: إن امرأتين ضربت إحداهما الاخرى بعمود الفسطاط فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها بغرة فقال الاعرابي: أغرم ممن لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهل ومثل ذلك باطل فقال: أسجع كسجع الاعرابي. وفي رواية قال: هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه. فعلم بذلك أن ما روياه غير صحيح، والذي يدل على ذلك حمل ابن مالك على زعمهم
[ 13 ]
فإنهم قالوا قال حمل ابن مالك: كنت بين بنتي امرأتي فضربت إحداهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل به، هكذا رووه. وقال ابن المسيب عن أبي سليمة عن أبي هريرة: اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت أحدهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها عبد وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها فقال حمل ابن مالك بن النابغة: يا رسول الله اغرم ممن لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك باطل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من إخوان الكهان. وهذا هو المشهور عن حمل ابن مالك فكيف يصح أن يتصور عنه خلاف ذلك؟ ثم لا فرق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بين أن يموت بضربة واحدة وبين أن يوالي عليه ضربات حتى مات كل ذلك شبه عمد لا يوجب القصاص، واختلفوا على قولهما في الموالاة. وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: يصير عمدا بها فوجب القصاص. ولو ألقاه من جبل أو سبطح أو غرقه في الماء أو خقنه حتى مات كان ذلك شبه عمد عنده، وعندهما عمد وإنما كان آثما في شبه العمد لانه ارتكب محرما في دينه قاصدا له وإنما وجبت الكفارة به لانه خطأ من وجه فيدخل تحت النص على الخطأ. أقول:
المتبادر من قوله لدخوله تحت الخطأ أن هذه الكفارة إنما وجبت في شبه العمد باعتبار الدخول. فإن قلت: يرد عليه أن تعين الكفارة لدفع الذنب الادنى بالشرع لا تعينها كما قالوا في العمد إذ لا شك أن شبه العمد أعلى ذنبا من الخطأ المحض فإن الجاني في شبه العمد قد قصد الضرب وفي الخطأ لم يقصد الضرب. وقد يجاب بأن ذنب شبه العمد دائر بين الادنى والاعلى فإلحاقه بالادنى أولى طلبا للتخفيف فلذا وجبت فيه الكفارة. وذكر صاحب الهداية أن صاحب الايضاح قال في الايضاح: وجدت في كتب أصحابنا أن اكفارة في شبه العمد لا تجب على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن الاثم كامل وتناهيه يمنع شرع الكفارة لان ذلك من باب التخفيف. وجوابه على الظاهر أن يقول: إنه إثم الضر ب لانه قصده لا إثم القتل لانه لم يصدقه، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ وتجب بالضرب ألا ترى أنها لا تجب بالضرب بدون القتل وبعكسه تجب، فكذا عند اجتماعهما يضاف الوجوب إلى القتل دون الضرب. وأما وجوب الدية فلما روينا، وإنما وجبت على العاقلة لانه خطأ من وجه على ما بينا فيكون معذورا فيتحقق التخفيف كذلك، ولانها تجب بنفس القتل فتجب على العاقلة كما في الخطأ ولهذا أوجبها عمر رضي الله عنه في ثلاث سنين. ويتعلق بهذا القتل حرمان الميراث كالخطأ بل أولى لانه جزاء القتل وهو أولى بالمجازاة لوجود القصد منه إلى الفعل، فحاصله أنه كالخطأ إلا في حق الاثم وصفة التغليظ في الدية على ما تبين من بعد إن شاء الله. قال رحمه الله: (والخطأ وهو أن يرمي شخصا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم أو
[ 14 ]
عرضا فأصاب آدميا وما جرى بمجراه كالنائم إذا انقلب على رجل فقتله الكفارة والدية على العاقلة) قوله وهو أن يرمي شخصا إلى آخره تفسير لنفس الخطأ فإنه على نوعين: خطأ في القصد وخطأ في الفعل. وقد تبين النوعين بقوله وهو أن يرمي شخصا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم تفسير للخطأ في القصد لا في الفعل حيث ث أصاب ما رمى وإنما أخطأ في القصد أي الظن حيث ظن المسلم حربيا والآدمي صيدا. وقوله أو عرضا فأصاب آدميا هذا بيان للخطأ
في افعل دون القصد فيكون معذورا. أقول: في عبارة الشارح والمصنف هنا تسامح فإنه قال في تفسير الخطأ في القصد وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا إلى آخره. وقال في تفسير الخطأ في الفعل وهو أن يرمي عرضا فيصيب آدميا. ولا يخفي أن كل واحد من نوعي الخطأ غير منحصر فيما ذكره في تفسيره بل الذي ذكره في تفسير كل واحد منهما جزء من جزئياته فكان أخص منه جدا فلم يصلح لان يكون تفسيرا له فكان الظاهر أن يقال في كل واحد منهما وهو نحو أن يرمي إشارة إلى العموم كما تداركه صاحب الوقاية حيث قال: وفي الخطأ قصدا كرميه مسلما ظنه صيدا أو حربيا وفعلا كرميه عرضا فأصاب آدميا ا ه. ثم إن صدر الشريعة قال في شرح الوقاية: الخطأ ضربان: خطأ في القصد وخطأ في الفعل. فالخطأ الذي في الفعل إن يقصد فعلا فيصدر منه فعل آخر كما إذا رمى الغرض فأخطأ فأصاب غيره، هذا هو الخطإ في الفعل. وأما الخطأ في القصد هو أن لا يكون الخطأ في الفعل وإنما يكون الخطأ في قصده، فإن قصد بهذا الفعل حربيا لكن أخطأ في ذلك القصد وهو الغرض حيث لم يكن قصده ا ه. ورد عليه صاحب الاصلاح والايضاح حيث قا: الخطأ في الفعل أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده بل فعل آخر وليس كذلك فإنه إذا رمى عرضا فأصابه ثم رجع عنه أو تجاوز إلى ما وراءه فأصاب رجلا يتحقق الخطأ في الفعل، والشرط المذكور ههنا مفقود في الصورتين. ثم إنه أخطأ من وجه آخر حيث اعتبر القصد فيه وذلك غير لازم فإذا سقط من يده خشبة أو لبنة فقتل رجلا يتحقق الخطأ في الفعل ولا قصد فيه ا ه. وقول المؤلف عرضا هذا معطوف على قيد وظاهره أن الرمي معتبر في الخطأ في الفعل وليس كذلك فإنه لو سقط منه خشبة أو لبنة فقتل رجلا هذا خطأ في الفعل ولا رمي. وقوله كنائم انقلب على رجل تفسير لما جرى مجرى الخطأ لان هذا ليس بخطأ حقيقة ولما وجد فعله حقيقة وجب عليه ما أتلفه كفعل الطفل فجعله كاخطأ لانه محذور كالمخطئ، وإنما كان حكم المخطئ ما ذكره لقوله تعالى فيه * (فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) وقد قضى به عمر رضي الله تعالى عنه في ثلاث سنين بمحضر في الصحابة من غير نكير فقصار إجماعا.
قال رحمه الله: (والقتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه الدية على العاقلة
[ 15 ]
لا الكفارة) أي موجب القتل بسبب الدية على العاقلة لا الكفارة، أما وجوب الدية فلانه سبب التلف وهو متعد فيه بالحفر فجعل كالدافع الملقى فيه فتجب في الدية صيانة للانفس فتكون على العاقلة لان القتل بهذا الطريق دون القتل بالخطأ فيكون معذورا فتجب عى العاقلة تخفيفا كما في الخطأ بل أولى لعدم القتل منه مباشرة، ولهذا لا تجب الكفارة فيه. وفي الاصل: لو كان على دابة فوطئ دابته إنسان فقتله. وفي الينابيع أو سقط من سطح على إنسان فقتله. هذا كله قتل خطأ ومباشرة. وفي شرح الطحاوي: والكفارة تحرير رقبة في حق القادر، وصيا شهرين متتابعين في حق غير القادر. ولو أفطر يوما يجب الاستئناف ولا يجوز إلابنية من الليل ولا إطعام فيه فتعتبر القدرة وقت الاداء لا وقت الوجوب ا ه. قال رحمه الله: (والكل يوجب حرمان الارث إلا هذا) أي كل نوع من أنواع القتل التي تقدم من عمد وشبهه وخطأ وما أجرى مجراه يوجب حرمان الارث إلا القتل بسبب فإنه لا يوجب ذلك كما لا يوجب الكفارة. وقال الشافعي: هو ملحق بالخطأ في أحكامه. قال رحمه الله: (وشبه العمد في النفس عمد فيما سواها) لان إتلاف ما دون النفس لا يختص بآلة دون آلة فلا يتصور فيه شبه العمد بخلاف النفس على ما بينا، والذي يدلك على هذا ما روي عن أنس ابن مالك أن عمة الربيع لطمت جارية فكسر ت ثنيتها فطلبوا إليهم العفو فأبوا والارش فأبوا إلا القصاص واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القصاص فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق نبيا لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره. ووجه دلالته على ما نحن فيه أننا علمنا أن اللطمة لو أتت على النفس لا توجب القصاص ورأيناها فيما دون النفس قد أوجبته بحكه عليه الصلاة والسلام فثبت بذلك أن ما كان من النفس شبه عمد فهو عمد فيما دونها ولا يتصور أن يكون شبه عمد والله أعلم.
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه لما فرغ من بيان أنواع القتل شرع في تفصيل ما يجب القصاص من القتل وما لا يوجبه في باب على حدة. قال رحمه الله: (يجب القصاص بقتل كل محقون الدم على التأبيد عمدا) لما بينا وشرط أن يكون المقتول محقون الدم على التأبيد ليدفع شبه الاباحة عنه لان القصاص نهاية في العقوبة فيستدعي الكمال في الجناية فلا يجب مع الشبهة، واحترز بذلك عن المستأمن فإنه
[ 16 ]
غير محقون الدم على التأبيد. قال في العناية: وفيه البحث من أوجه: الاول أن العفو مندوب إليه وذلك ينافي وصف القصاص بالوجوب. الثاني أن حقن الدم على التأبيد غير متصور لان غاية ما يتصور منه أن يكون للمسلم في دار الاسلام وهو يزول بالارتداد والعياذ بالله تعالى. الثالث أنه منقوض بمسلم قتل ابنه المسلم فإنها موجودة فيه ولا قصاص. الرابع أن قيد التأبيد لثبوت المساواة وإذا قتل المسأمن مسلما وجب القصاص ولا مساواة. والجواب عن الاول أن المراد بالوجود ثبوت الاستيفاء ولا منافاة بينه وبين العفو. وعن الثاني أن المراد بالحقن على التأبيد ما هو بحسب الاصل والارتداد عارض لا يعتبر ورجوع الحربي أصل لاعارض. وعن الثالث بأن القصاص ثابت لكنه انقلب لشبهة الابوة. وعن الرابع بأن التفاوت إلى نقصان غير مانع عن الاستيفاء بخلاف العكس. وفي الكافي: القصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد وليس بينهما شبهة الملك ولا شبهة الحرية يعني به ليس المقتول بولده ولا هو عبده ولا له عليه شئ من الرق ويقتل، فإن كان القاتل سليما والمقتول به مغمى وعليه أو مبرسما أو مقطوعا أو أعمى أو مقطوع الجوارح أو أشل الجوارح أو كان صبيا أو مجنونا فإنه يقتل به. وفي العيون: ضرب رجلا بسيف في غمده فخرق السيف الغمد وقتله قال أبو حنيفة: لا قصاص عليه. وقال محمد: إن كان الغمد لو ضرب به وحده قتل قتل به. وفي الكبرى: والفتوى على قول أبي حنيفة. قال محمد في الجامع الصغير: إذا حمى التنور فألقى فيها إنسانا أو ألقاه فيما لا يستطيع الخروج منه فأحرقته النار يجب القصاص فوضع
المسألة يصير إلى أن الاحماء يكفي، وإن لم يكن فيه نار قال البقالي في فتاواه: هو الصحيح. وفي البقالي: إذا ألقاه في النار ثم أخرج وبه رمق فبقي أياما مريضا من ذلك حتى مات قتل به وإن كان يجئ ويذهب. وفي الخانية: فمكث أياما لم يزل صاحب فراش، وإن كان يجئ ويذهب فلا. وفي الجامع الصغير أيضا: وذكر شيخ الاسلام في شرح ديات الاصل إن غرق إنسانا بالماء إن كان الماء قليلا لا يقبل منه غالبا ويرجى منه النجاة في الغالب فمات من ذلك فهو خطأ العمد عندهم جميعا، فأما إذا كان الماء عظيما إن كان بحيث يمكنه النجاة منه بالسباحة بأن كان غير مشدوولا مثقل وهو يحسن السباحة فمات فإنه يكون خطأ العمد، وإن كان بحيث لا يمكنه النجاة فعلى قول أبي حنيفة هو خطأ العمد فلا قصاص، وعلى قولهما هو عمد منحض ويجب القصاص. وفي الخانية: ولو ألقاه في الماء فغرق من ساعته لا قصاص في قول أبي حنيفة، وفي قول صاحبيه يجب القصاص. وفي المنتقي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: رمى رجلا من سفينة في بحر أو في دجلة أو غر كما وقع فعلى عاقلته الدية، وإن كان حين ألقاه سبح ساعة ثم غرق فلا دية فيه. ولو ألقاه من سطح أو جبل أو ألقاه في بئر فعلى قول أبي حنيفة هذا خطأ العمد، أما على قولهما إن كان موضعا يرجى منه النجاة غالبا فهو خطأ، وإن كان لا ترجى منه النجاة غالبا فهو عمد محض يجب القصاص به
[ 17 ]
عندهما، وفي الخلاصة: لو جرح رجلا جراحة لا يتوهم معها النجاة وجرح آخر جراحة أخرى فالقاتل هو الذي جرحه جراحة لا يتوهم معها النجاة، هذا إذا كانت الجراحتان متعاقبتين، فإن كانتا معا وكلاهما قاتلة يقتلان به، وكذلك لو جرح رجلا جراحة لا يتوهم معها النجاة. هذا إذا كانت الجراحتان متعاقبتين، فإن كانتا معا وكلاهما قاتلة يقتلان به، وكذلك لو جرح رجلا جراحتين والآخر جراحة واحدة كلا منها قاتلة، إذا جرح رجل حتى مات فعلى قول أبي حنيفة لا قصاص عليه ولكن إن اعتاد ذلك فالامام يقتله حد وهو نظير الساحر إذا تاب، وأمنا على قولهما إن دام على الخنق حتى مات فعليه القصاص كما لو قتله
بحجر عظيم أو خشبة عظيمة. وإن كان ترك الخنق قبل الموت ثم مات بعد ذلك فإنه ينظر، إن دام على الخنق مقدارا لا يموت الانسان منه غالبا فلا قصاص. وفي الظهيرية: ولو قمط رجلا ثم أغلى له ماء في قدر يثخنه حتى صار كأنه نار وألقاه في الماء فسلخ فمات قتل به وإن كان الماء حارا لا يغلي غليا شديدا فألقاه فيه ثم مكث ساعة ثم مات وقد سقط جلده قتل به وإلا فلا، وإن هو أخرج من القدر في هذه الوجوه وقد انسلخ فمات من ساعته أو يومه أو مكث أياما يخاف عليه من ذلك قتل به، وإن عاش حتى يجئ ويذهب ومات من ذلك لم يقتل عليه الدية، وهذا قياس قول أبي حنيفة. ولو ألقاه في ماء بارد في يوم شات فمات ساعة ألقاه فعليه الدية، وكذلك لو أخذه فاجعله في سطح في يوم شديد البرد فلم يزل حتى مات من البرد، وكذلك لو قمطه فجعله في الثلج، ولو أن رجلا قمط رجلا أو صبيا ثم وضعه في الشمس فلم يخلص حتى مات من حر الشمس فعليه الدية، ولو أن رجلا أدخل رجلا في بيت وأدخل معه سبعا وأغلق عليه الباب وأخذ الرجل السبع فقتله لم يقتل به ولا شئ عليه، وكذا لو نهشته حية أو سعته عقرب، وكذا لو قمط صبيا فألقاه في الشمس أو في يوم بارد حتى مات على عاقلته الدية. ولو ضرب إنسانا ضربة لا أثر لها في نفس لا يضمن شيئا، نص الامام السرخسي. في مجموع النوازل: رجل صاح بآخر فجاءه فمات من صحيته تجب فيه الدية، ولو سلخ جلد وجهه ففيه الدية، وإذا سقا رجلا سما فمات من ذلك فهو على ثلاثة أوجه: إما أن يكون أوجره على كره أو كراهة على شربه حتى شرب أو ناوله وشربه من غير أن يكرهه عليه. فإن أوجره إيجارا أو ناوله وأكرهه على شربه حتى شرب فلا قصاص وعلى عاقلته الدية. وفي الذخيرة ذكر المسألة في الاصل مطلقا من غير خلاف ولم يفصل بين ما إذا كان مقدرا يقتل مثله غالبا أو لا يقتل، وهذا الجواب لا يشكل على قول أبي حنيفة وذلك لان القتل حصل يحال لا يخرج لامن حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار فكان خطأ العمد على مذهبه، وأما على قول أبي يوسف ومحمد فمن مشايخنا من قال الجواب عندهما على التفصيل إن كان ما أوجره من السم مقدار ما يقتل
مثله غالبا كان عمدا محضا، وإن كان قدرا لا يقتل مثله غالبا فإنه يكون خطأ العمد ومن
[ 18 ]
مشايخنا من قال بأنه على قولهم جميعا يكون خطأ العمد، سواء كان مما يقتل مثله غالبا أو لا يقتل، وكان كمن أوجر رجلا سقمونيا تحتمله النفوس فمات لا يكون عمدا محضا. وإذا تناوله فشرب من غير أن أكره لم يكن عليه قصاص ولا دية، سواء علم الشارب بكونه سما أو لم يعلم. وفي الخانية: لا قصاص عليه ولا دية لانه شرب باختياره إلا أن الدافع خدعه فلا يجب عليه إلا التعزير والاستغفار. ومن دفع سكينا إلى رجل فقتل به نفسه لم يكن على الدافع شئ. وفي فتاوي الخلاصة: ادخل نائما أو مغمى عليه أو صبيا في بيته فسقط عليه البيت ضمن في الصبي والمعتوه دون النائم، إن أدخل إنسانا في بيت حتى مات جوعا أو عطشا لا يضمن شيئا عند أبي حنيفة، وعندهما تجب الدية. وفي الكبرى: إذا طين على آخر بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لم يضمن شيئا في قول أبي حنيفة. وقالا: عليه الدية. وفي الخانية قال محمد: يعاقب الرجل وعلى عاقلته الدية. وفي الظهيرية: ولو أن رجلا أخذ رجلا فقيده وحبسه حتى مات جوعا قال محمد: أوجعه عقوبة والدية على عاقلته. والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شئ عليه. وفي المنتفي سئل محمد عن رجل ألقى رجلا حيا في قبر ومات قال: فيه دية. وفي الذخيرة: يقاد فيه لانه قتله عمدا. وفي الكبرى: ولو ألقاه حيا في قبر يقتل به لانه قتله عمدا وهذا قول محمد، والفتوى أنه على عاقلته الدية. وفي الظهيرية: والفتوى على قول أبي حنيفة. وفي المجرد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: فلان قتله بحديدة أو قال بالسيف ثم قال إنما أردت غيره فأصابته درئ عنه القتل. وفي المنتقي: إذا قال الرجل قتلنا فلانا بأسيافنا متعمدين ثم قال كان معي غيري لم يصدق وقتل به، ولو قال قتله فلانا متعمدا بحديدة فلما أخذ بذلك قال كنت يومئذ غلاما لم يصدق وقتل به، ولو قال ضربت فلانا بالسيف متعمدا ثم قال لا أدري مات منها أم لا ولكنه مات وقال الولي مات من ضربتك فالقول قول القاتل وعليه نصف الدية. وفي المنتقي: إذا قطع
حلقوم الرجل وبقي شئ قليل من الحلقوم وفيه الروح فقتله رجل آخر فلا قود عليه لان هذا ميت، ولو مات ابنه بعد ذلك وهو على تلك الحالة ورثه ابنه ولم يرث هو من ابنه. وفي الظهيرية: رجل نائم وهو صحيح فذبحه إنسان وقال ذبحته وهو ميت فإنه يقتل به قياسا، وفي الاستحسان تجب الدية. ولو شق بطن رجل وخرج أمعاءه كلها وسقطت على الارض إلا أنه صحيح بعد فقتله رجل فلا قود عليه. وفي الخانية: رجل عدا على رجل فشق بطنه وأخرج أمعاءه ثم ضرب رجل عنقه بالسيف عمدا فالقاتل هو الذي ضرب العنق عمدا، وإن كان خطأ تجب الدية، وعلى الذي شق البطن ثلث الدية، وإن كان نفذ إلى الجانب الآخر يجب ثلثا الدية لانهما حاشيتان في كل منهما ثلث الدية. هذا إذا كان مما يعيش بعد الشق يوما أو بعض يوم، فإن كان الشق بحال لا يتوهم معه وجود الحياة ولم يبق معه إلا اضطراب الموت فالقاتل هو الذي شق البطن فيقتص في العمد وتجب الدية في الخطأ. ولو قت رجلا وهو في
[ 19 ]
النزع فقتل القاتل به وإن كان يعمل أنه لا يعيش وسيأتي شئ من هذا الجنس. وفى فصل متفرقات الاسبيجابي: إذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يز صاحب فراش حتى مات فإن كان عمدا فعليه القصاص. وفي الجناية: رجل جرح رجلا جراحة وآخر جراحة عمدا ثم صالح المجروح أحدهما عن الجرح وما يحدث منه على ما ثم مات منهما جميعا عليه نصف الدية لوليه. قال رحمه الله: (وقتل الحر بالحر وبالعبد) وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يقتل الحر بالعبد لقوله تعالى * (الحبالحر والعبد بالعبد) * (البقرة: 178) فهذا يقتضي مقابلة الجنس بالجنس، ومن ضرورة المقابلة أن لا يقتل الحر بالعبد، ولان القصاص يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما إذ الحر مالك والعبد مملوك والمالكية أمارة القدرة والمملوكية أمارة العجز. ولنا العمومات نحو قوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وقوله تعالى * (كتب عليكم القصاص في القتلى) * (البقرة: 178) وقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود
ولا يعارض بما تلي لان فيه مقابلة مقيدة وفيما تلونا مقابلة مطلقا فلا يحمل على المقيد على أن مقابلة الحر بالحر لا تنافي الحر بالعبد لانه ليس فيه إلا ذلك لبعض ما شمله العموم على موافقة حكمه وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي ألا ترى أنه قابل الانثى بالانثى دليل على جريان القصاص بين الحرة والامة، وفائدة هذه المقابلة في الآية على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما كانت بين النصير وبني قريظة مقابلة وكانوا بنوا قريظة أقل منهم عددا وكان بنوا النضير أشرف عندهم فتراضوا على أن العبد من بني النضير بمقابلة الحر من بني قريظة، والانثى منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم وبيانا على أن الجنس يقتل بجنسه على اختلاف مواضعتهم من القبيلتين جميعا فكانت اللام لتعريف العهد لا لتعريف الجنس، ولانهما مستويان في العصمة إذ هي بالدين عنده وبالدار عندنا وهي المعتبرة فيجري القصاص بينهما حسما لمادة الفساد وتحقيقا لمعنى الزجر، ولو اعتبرت المساواة في غير العصمة في النفس لما جرى القصاص بين الذكر والانثى، والقصاص يجب باعتبار أنه آدمي وليدخل في الملك من هذا الوجه بل هو منفي على أصل الحرية من هذا الوجه ولهذا يقتل العبد بالعبد، وكذا قتل العبد بالحر، ولو كان مالا لما قتل. وكذلك عجزه أو موته وبقاء أثر كفره حكمي فلا يؤثر ذلك في سقوط العصمة ولا يؤثر شبهة، ولو أورث شبهة لما جرى القصاص بين العبيد بعضهم ببعض. ووجوب القصاص في الاطراف يعتمد المساواة في الجزء المبان بعد المساواة في العصمة ولهذا لا تقطع الصحيح بالشلاء، وفي النفس لا يشترط ذلك حتى يقتل الصحيح بالزمن والمفلوج ولا مساواة بين أطلافا الحر والعبد لا في العصمة فأظهر أن أثر الرق فيها دون النفس لما أن العبد من حيث النفس آدمي مكلف خلق معصوما. قال رحمه الله: (والمسلم بالذمي) يعني يقتل المسلم بالذمي. وقال الشافعي: لا يقتل به لما أخرجه
[ 20 ]
علي بن أبطالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده (1) الحديث. ولنا ما تلونا من كتاب الله وما روينا من السنة فإنه بإطلاقه يتناوله، وقد صح عن
عبد الرحمن ابن سلمة ومحمد بن المنكذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمة فأمر به فضرب عنقه فقال: أنا أولى من وافي بذمته، والقصاص يعتمد العصمة على ما بينا في العبد وقد وجدت نظرا إلى الدار وإلى التكليف، ولان شرط التكليف القدرة على ما كلف به ولا يتمكن من إقامة ما كلف به إلا يدفع أسباب الهلاك عنه، وذلك بأن يكون محرم التعرض ولا نسلم أن الكفر مبيح بنفسه بلا بواسطة الحراب ألا ترى أن من لا يقاتل منهم لا يحل قتله كالشيخ الفاني وقد اندفع الحراب بعقد الذمة فكان معصوما بلا شبهذا يقتل الذمي بالذمي، ولو كان في عصمته خلل لما قتل الذمي بالذمي كما لا يقتل المستأمن بالمستأمن وقد قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. وذلك بأن تكون معصومة بلا شبهة كالمسلم ولهذا يقطع المسلم بسرقة مال الذمي، ولو كانت في عصمته شبهة لما قطكما لا يقطع في سرقة مال المستأمن لان المال تبع للنفس وأمر المال أهون من النفس، فلما قطع بسرقته كان أولى أن يقتل بقتله لان أمر النفس أعظم من المال ألا ترى أن العبد لا يقطع بسرقة مال مولاه ويقتل بقتل مولاه لما ذكرنا، والذي يدلك على ما قلنا أن الذمي لو قتل ذميا ثم أسلم القاتل قبل أن يقتل قتل به فعلم أن المراد بالحربي إذ هو لا يقتل به مسلم ولا ذمي، ولا يقال معناه لا يقتل ذو عهد مطلقا أي لا يحل قتله فيكون ابتداء كلام لانا نقول: هذا لا يستقيم لوجهين: أحدهما أن ذا عهد مفرد وقد عطف على جملة فيأخذ الحكم منها لان المعطوف الناقص يأخذ الحكم من المعطوف عليه التام كما يقال قام زيد وعمرو أو يقال قتل زيد بعمرو وخالد أي كلهما قام أو قتل، ولا يجوزأن يقدر له خبر آخر، والظاهر أن المعنى يأبى ذلك لان المراد بسوق الكلام الاول نفي القتل قصاصا لا نفي مطلق القتل فكذا الثاني تحقيقا للعطف إذ لا يجوز ذلك ألبتة في المفرد ألا ترى إلى قوله تعالى * (وما يستوي الاعمى والبصير) * (فاطر: 19) أن المنفي الاستواء في البصر العمى لا في كل وصف، ولهذا أجرى القصاص بينهما لاستوائهما في العصمة، وكذا نقصان حال الكافر بكفرلا يزيل عصمته فلا عبرة به كسائر الاوصاف الناقصة كالشلل
والانوثة، ولا نسلم أن كفره مبيح للقتل بلا حرابة هو المبيح وقد ذكرناه غيره مرة بخلاف ما ذكر من الملك والاخت من الرضاع فإنه مبيح للوطئ، وإنما امتنع في الاخت المذكورة بعارض فأورث شبهة.
[ 21 ]
قال رحمه الله: (ولا يقتلان بمستأمن) أي لا يقتل المسلم ولا الذمي بحربي دخل دارنا بأمان لان دمه ليس بمحقون على التأبيد فانعدمت المساواة، وكذا كفره باعث على الحراب لقصده الرجوع إلى دار الحرب ويقتل المستأمن بالمستأمن قياسا لوجود المساواة بينهما ولا يقتل استحسانا لوجود المبيح. قال رحمه الله: (والرجل بالمرأة والكبير بالصغير والصحيح بالاعمى والزمن وناقص الاطراف وبالمجنون) يعني يقتل الرجل الصحيح بهؤلاء وهو معطوف على ما تقدم من قوله وقتل الحر بالحرالخ لا على ما يليه من قوله ولا يقتلان بمستأمن وإنما جرى القصاص بينهم لوجود المساواة بينهم في العصمة والمساواة فيها هي المعبرة في هذا الباب، ولو اعتبرت فيما وراءها لا نسد باب القصاص ولظهر الفتن. قال رحمه الله: (والولد بالوالد) لما تلونا وروينا من العمومات ولما ذكرنا من المعاني. قال رحمه الله: (ولا يقتل الرجل بالولد) لقوله عليه الصلاة السلام لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده (1) ولان الوالد لا يقتل ولده غالبا لو فور شفقته فيكون ذلك شبهة في سقوط القصاص، ولان الاب لا يستحق العقوبة بولده لان سبب لاحيائه فمن المحال أن يكون الولد سببا لافنائه ولهذا لا يقتله إذا وجده في صف المشركين مقاتلا أو زانيا وهو محصن، وهذا لان القصاص يستحقه الوارث بسبب انعقد للميت خلافه ولو قتل به كان القاتل هو الابن نيابة وطولب بالفرق بين هذا وبين من زنى بابنته وهو محصن فإنه يرجم. أجيب بأن الرجم حق الله على الخصوص بخلاف القصاص، لا يقال فيجب أن يحد إذا زنى بجارية ابنه لانا نقول: ثبت له حق الملك بقوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك (2). قال رحمه الله: (والام والجد والجدة كالاب) سواء كان من جهة الاب أو من جهة الام لانه جزؤهم فالنص الوارد في الاب يكون واردا فيهم دلالة فكانت الشبهة شاملة
للجميع في جميع صور القتل. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن قتله ضربا بالسيف فلا قصاص عليه لاحتمال أنه قصد تأديبه، وإن كان ذبحه ذبحا فعليه القصاص لانه عمد لا شبهة فيه ولا تأويل بل جناية الاب أغلظ لان فيه قطع الرحم فصار كمن زنى بابنته حيث يرجم كما لو زنى بالاجنبية. والحجة عليه مروينا وما بينا وليس هذا كالزنا ببنته لان الاب لوفور شفقته يجتنب ما يضر ولده بل يتحمل الضرر عنه حتى يسلم ولده فهذا هو العادة الفاشية بين الناس فلا يتوهم أن يقصد قتل ولده، فإن وجد ما يدل على ذلك فهو من العوارض النادرة فلا يتغير بذلك القواعد الشرعية ألا ترى أن السفر المشقة غالبا كان له أن يترخص برخصة المسافرين فلا يتغير ذلك بما يتفق فيه لبعضهم من الراحة ولا كذلك الزنا. قال رحمه الله: (وبعبده ومدبره ومكاتبه
[ 22 ]
وبعبد ولده وبعبد ملك بعضه) يعني لا يقتل بهؤلاء لما روينا ولانه لو وجب القصاص لوجب له 0 كما إذا قتله غيره ولا يجوز له أن يجوب على نفسه عقوبة. وكذا لا يستوجب ولده القصاص عليه لما بينا والقصاص لا يتجزئ فيسقط في البعض لاجل أنه ملك البعض فيسقط في الكل لعدم التجزئ. قال رحمه الله: (وإن ورث قصاصا على أبيه سقط) لما ذكرنا أن الابن لا يستوجب العقوبة على أبيه وصورة المسألة فيما إذا قتل الاب أخ امرأته ثم ماتت امرأته قبل أن يقتص به فإن ابنه يرث القصاص الذي لها على أبيه فسقط لما ذكرنا كما إذا قتل امرأته وليس لها ابن إلا أنها منه فيسقط القصاص قال رحمه الله: (وإنما يقتص بالسيف) وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يقتص بمثل ما قتل إن قتله بفعل مشروع، وإن قبله بغير فعل مشروع كلواطة يتخذ له خشبة ويفعل به كما فعل. ولنا ما رواه سفيان من قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف (3) وهو نص على نفي استيفاء القود بغير السيف فكيف يلحق به دلالة ما كان سلاحا من غير السيف؟ وهل يتصور أنه يدل كلام واحد على نفي شي وإثباته معا؟ والحق أن يكون المراد بالسيف في الحديث المزبور السلاح مطلقا بطريق الكناية كما أشار إليه المصنف بقوله والمراد به السلاح. وصرح به صاحب الكافي والكفاية حيث قالا: ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا
قود إلا بالسيف (3) والمراد بالسيف السلاح هكذا فهمت الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقال في النهاية: فإن قيل يحتمل أن يكوالمراد من الحديث لا قود يجب إلا بالسيف لا أن يكون معناه لا قود يستوفي إلا بالسيف قلنا. القود اسم لقعل هو جزاء القتل دون ما يجب شرعا وإن حمل عليه كان مجازا، ولان القود قد يجب بغير السيف كالقتل بالنار والابرة فلم يمكن حمله عليه لوجود وجوب القود بدون القتل بالسيف وإنما السيف مخصوص بالاستيفاء اه. وما رواه كان مشروعا ثم نسخ كما نسخت المثلة أو يكون اليهودي ساعيا في الارض بالفساد فيقتل كما يراه الامام ليكون أردع وهذا هو الظاهر، ولان اليهودي كان أخذ المال ألا ترى إلى ما روي في الخبر عن أنس بن مالك أنه قال: عدا يهودي على جارية فأخذها بما معها الحديث. وهذا شأن قطاع الطريق وهذا يقتل بأي شاء الامام يؤيد هذا المعنى ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بخلاف ما كان قتل به الجارية. والاستيفاء إما أن يكون بحكم الارث أو الملك أو بحكم السلطنة والولاية، والمستحق للقصاص والدية الورثة مثل ما يستحق ما له على فرائض الله تعالى يدخل في ذلك الزوج والزوجة، والوارث يقوم مقام المورث في استحقاق كل ما كان له من الاملاك والحقوق إلا أن الدية تجب حقا للميت ابتداء حتى نقضي منها ديونه وننفذ وصاياه ثم تثبت للورثة بطريق الخلافة والوراثة عند أبي حينفة رضي الله عنه حتى لو أقام واحد من الورثة البينة على
[ 23 ]
القصاص لا بملك أن يقتص وحده ولا ينفرد أحدهم بالاستيفاء، إذا كانوا كبارا حتى يجتمعوا لانا لو اطلقنا للبعض الاستيفاء مع غيبة الباقين يؤدى الى حق الباقين في الاستيفاء وكذلك ليس للسلطان استيفاؤه مع الكبير عنده خلافا لهما، حجتهم أن ملك القصاص ثابت في المحل للكل بدليل أنهم يملكون الاعتياض والعفو عنه ويستوفي بحكم الملك عن الاختيار، ولو مات أحدهم يورث نصيبه وهذه فوائد الملك وثمراته، وملك الصغير معصوم محترم وأثر العصمة أن لا يقدر أحد على إبطاله إلا بعوض له إذا استيفاؤه معجلا منجزا يكون منتظما دافعا للمفسدة وهي صون القود وحفظه عن نظيره، فالفوات إليها إما بجهة الغيبة أو بجهة الموت
فإن مدة الصبا مدة مديدة والموت في هذه المدة المديدة غير نادر وتغيب القاتل نفسه على وجه لا يضلع أحد عليه مخافة على نفسه غالب وليس بنادر. قال رحمه الله: (مكاتب قتل عمدأ وترك وفاء ووارثه سيده فقط أو لم يترك وفاء وله وارث يقتص) أما الاول وهو ما إذا ترك وفاء ولا وارث له سوى المال فالمذكور هنا هو قولهما، وعن محمد رحمه الله تعالى لا يجب القصاص لان سبب الاستحقاق قد اختلف ولان المولى يستحقه بالولاية بأن مات حرا أو بالملك إن مات عبدا فاشتبه الحال فلا يستحق لان اختلاف السبب كاختلاف المستحق فيسقط أصلا كما إذا كان له وارث غير المولى فصار كما لو قال لغيره يعني هذه الجارية بكذا وقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها لاختلاف الحكم. ولهما أن المولى هو المستحق للقصاص على التقديرين بيقين وهو معلوم فلا يضر مجرد اختلاف السبب لان السبب لا يراد لذاته وإنما يراد لحكمه وقد حصل بخلاف المستشهد به لاختلاف حكم السببين ولا يدري بأيهما يحكم فلا يثبت الحل بدون تعيين السبب. وأما الثاني وهو ما إذا لم يترك وفاء له وراث غير المولى فلانه مات رقيقا لانفساخ الكتابة بموته لا عن وفاء فظهر أنه قتل عبدا عمدا فيكون القصاص للمولى بخلاف معتق البعض إذا قتل ولم يترك وفاء له حيث لا يجب القصاص لان العتق في البعض لا يفسخ بموته عاجزا، ولان الاختلاف في أنه يعتق كله أو بعضه ظاهر فأشبه المستحق فأورث ذلك شبهة كالمكاتب إذا قتل عن وفاء. أقول: فيه نظر لانه قد مر من قبل أن أصل أبي حينفة وأبي يوسف رحمهما الله هو أن اختلاف السبب الذي لا يفضي إلى منازعة ولا إلى الاختلاف الحكم لا يبالي به ولهذا كان للمولى القصاص عندهما فيما إذا قتل المكاتب عمدا وليس له وراث سوى المال وترك وفاء، فكيف يتم تعليل عدم وجوب القصاص عند أبي حنيفة في مسألة معتق البعض إذا مات عاجزا بأن المولى يستحق القصاص في بعضه بالولاية وفي بعضه بالملك فلا يثبت له الاستحقاق بسببين مختلفين ولا إفضاء إلى المنازعة على مقتضى هذا التعليل ولا إلى الاختلاف في الحكم، فمن أين لا يثبت له الاستحقاق عنده بمجرد اختلاف السبب؟ ثم أقول: لعل المراد بقولهم بخلاف معتق العبض إذا مات ولم يترك
[ 24 ]
وفاء، فأما إذا كان له وارث غير المولى يرشد إليه ذكر مخالف هذه المسألة في حيز قوله وإن لم يترك وفاء وله ورثة أحرار إلى آخره فيحنئذ يصح تتميم ما حمله المصنف في تعليله بقوله لان العتق في البعض لا ينفسخ بالعجز بأن يقال فالمولى يستحق القصاص. في البعض المملوك بالملك والوارث يستحقه في البعض المعتق بالارث فيكون السببان راجعين إلى الشخصين فيبالي باختلافهما للافضاء إلى المنازعة نأمل تقف. واشتراط الوارث وقع اتفاقا فإنه إذا لم يكن له وراث أيضا الحكم كذلك لموته رقيقا، وذكر ذلك لينبه على أنه لا فرق بين أن يكون له وارث أو لم يكن بخلاف المسألة الاولى. قال رحمه الله: (وإن ترك وفاء ووارثا لا) أي لا يقتص وهذا بالاجماع وإن اجتمع المولى والوراث لاشتباه من له الحق لانه إن مات حرا كما قال على وابن مسعود رضي الله عنهم فالقصاص للوارث، وإن مات عبدا كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه فالقصاص للمولى. قال ابن قاضي زاده على عبارة الهداية أقول: أطلق الوارث ههنا ولم يفيده بالحر وقيده في الصورة الآتية حيث قال: وإن لم يترك وفاء وله ورثة أحرار وكان الاولى أن يعكس الامر فإنه إذا كان الوارث ههنا رقيقا فالظاهر أنه يجب القصاص للمولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكون حق الاستيفاء للمولى خاصة إذ لا ولاية للارقاء على استيفاء القصاص فلم يشتبه من له الحق ههنا، وأما إذا كانت الورثة أرقاء في الصورة السابقة فيجب القصاص للمولى وحده في قولهم جميعا كما إذا كانت ورثته أحرارا لانه مات عبدا في تلك الصورة، والتقييد بالاحرار يشعر بكون الحكم في الارقاء خلاف ذلك على أن مفهوم المخالفة معتبر عندنا أيضا في الروايات كما صرحوا به. فإن الوارث بالحر بل لا وجه له لاشعاره بكون الرقيق أيضا وراثا قلت: المراد بالوارث هنا من كان من شأنه أن يرن والرقيق كذلك لانه يرث عند زوال الرق لا من يرث بالفعل فيحتمل التقييد بالحرية وإلا يلزم أن لا يتم تقييد الورثة بالاحرار في الصورة الآتية أيضا مع أنها قيدت بها في الكتاب بل في أصل الجامع الصغير للامام الرباني.
قال رحمه الله: (وإن قتل عبد الرهن لا يقتص حتى يجتمع الراهن والمرتهن) لان الراهن لا يليه لما فيه من إبطال حق المرتهن في الدين لانه لو قتل القاتل لبطل حق المرتهن في الدين لهلاك الرهن بلا بدل، وليس للراهن أن يستوفي تصرفا يؤدي إلى بطلان حق الغير. وذكر في العيون والجامع الصغير لفخر الاسلام أنه لا يثبت لهما القصاص وإن اجتمعا فجعلاه كالمكاتب الذي ترك وفاء وارثا، ولكن الفرق بينهما ظاهر فإن المرتهن لا يستحق القصاص لانه لا ملك له ولا وفاء فلا يشبه من له الحق بخلاف المكاتب على ما بينا. وفي العيون: العبد المرهون إذا قتل عمدا فإن اجتمعا على القصاص فلهما أن يقتصا في قوله أبي حنيفة وأبي
[ 25 ]
يوسف ويكون المستوفي هو الراهن. وقال محمد وزفر: لا قصاص وعلى القاتل القيمة. وفي الينابيع روى هشام عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يؤخذ من القاتل قيمته ويكون رهنا مكانه. وروى ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما إذا اتفقا على القصا ص وقيمته أقل من الدين أو مثله فلهما ذلك، وإن اختلفا فلهما قيمته وتكون رهنا مكانه. ثم على قول أبي يوسف إذا اجتمعا على القصاص سقط الدين على المرتهن في الرواية الظاهرة، وإن اجتمعا على أخذ القيمة يرجع المرتهن على الراهن بدينه كالعبد الموصى بخدمته. ولو قال المؤلف وإن قتل عبد فيه حقان تمامان لا يقتص حتى يجتمعا لكان أولى وأخصر، أما كونه أولى فلانه يشمل العبد الموصى برقبته لانسان وبخدمته لآخر وغيره. وقولنا حقان ليفيد أنه إذا كانا مالكين فلا بد من اجتماعهما. وكونه أخصر أظهر. وقولنا تامان ليخرج العبد المبيع المقتول قبل القبض كما سيأتي. وفي فتاوي الفضلي: الموصى به إذا قتل قبل أن يقبل الموصى له الوصية فلا قصاص للوارث ولا للموصى له إن اتفقا أنه مات قبل قبول الموصى له ثم بعد ذلك ينظر، إن قبل الموصى له الوصية رجع على القاتل بقيمته ولا ترجع الورثة بذلك والموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر إذا قتل عمدا فلا قصاص فيه إلا أن يجتمعا. وفي الكبرى: إن اتفقا بطل حق صاحب الخدمة ويستوفيه صاحب الرقبة وإن لم يرض صاحب
الخدمة فإنه تجب القيمة على القاتل ويشتري بها عبدا آخر ويكون حاله مثل حال الاول. وفي القدوري قال أبو يوسف: العبد الممهور إذا قتل قبل قبض المرأة وبدل الخلع إذا قتل قبل قبض الزوج وبدل الصلح عن دم العمد إذا قتل في يد الغاصب عمدا، فإن شاء المالك اقتص من القاتل، وإن شاء ضمن الغاصب قيمة عبده ثم يرجع الغاصب على القاتل. وإن قتل العبد المبيع قبل القبض فالقصاص للمشتري إن أجاز البيع لانه المالك، وإن نقص فللبائع لان البيع ارتفع وظهر أنه المالك، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وفي العيون وفي فتاوي الفضلي: العبد المبيع إذا قتل قبل القبض عمدا يخير المشتري بين المضي والرد، فإن اختار المضي فله أن يقتص ولكن لا يكون له الاستيفاء إلا بعد نقد الثمن فقد جوزوا إجازة البيع بعد الموت هنا، ولو رد المشتري المبيع للبائع أن يقتص في قوله أبي حنيفة، وإذا أدى الثمن قال أبو يوسف: لا يقتص البائع. وعند محمد تجب القيمة في الوجهين لاشتباه المستحق. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: رجل قطع يد عبد رجل أو شجه رجل ثم إن المولى باعه ثم رد عليه بعيب بقضاء قاض أو وهبه المولى من إنسان ثم رجع في الهبة بقضاء أو بغير ثم مات العبد من الجناية فإن مولى العبد يرجع على الجاني بجميع قيمته. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: لو أن أمة قطعت يدها خطأ وباها المولى من إنسان على أنه بالخيار وردت على المولى فماتت عنده من القطع فعلى القاطع قيمتها تامة، وإن كان القطع عمدا رأت القصاص استحسانا. وفي نوادر داود بن رشيد عن محمد: عبد قطع رجل يده ثم مات ثم اختلف
[ 26 ]
القاطع والمولى وفي قيمته يوم القطع فقال القاطع كانت قيمته يوم القطع ألفي درهم فالقول قول القاطع، فإن غرم ذلك أو لم يغرم حتى تلفت اليد ومات فعلى قاطع اليد وعاقتله الدية، وأما النفس فلا يصدق واحد منهما عليه فيغرم القاتل قيمة النفس يوم تلفت ويكون على العاقلة ألف وخمسمائة منها أرش اليد. رجل فقأ عينين عبد وقطع الآخر رجله أو يده فيرئ وكانت الجناية عنهما معا فعليهما قيمته أثلاثا ويأخذان العبد فيكون بينهما على قدر ذلك،
وكذلك لو كانت جراحة من اثنين معا جراحة هذا في عضو وجراحة هذا في عضو يستغرق ذلك القيمة كلها فإنه يدفعه إليهما ويغرمان القيمة على قدر أرش جنايتهما ويكون بينهما على ذلك. وإن مات منهما والجناية خطأ فعلى كل واحد منهما أرش جراحته على حدة من قيمة عبدصحيح ومات بقي من النفس عليهما نصفان، وإن علم أن إحدى الجراحتين قبل الاخرى وقد مات منهما فعلى الجارح الاول أرش جراحته من قيمته صحيحا وعلى الجارح الثاني أرش جراحته من قيمته مجروحا الجراحة الاولى، وما بقي من قيمته فعليهما نصفان. وإن برئ منهما والجراحة الاخرى تستغرق القيمة والاولى تستغرق القيمة فعلى الاول أرش جراحته وعلى الثاني أرش جراحته. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل حمل على عبد رجل مختوما ورجل آخر حمل عليه مختومين وكان بغير إذن المولى فمات من ذلك كله فعلى صاحب المختوم ثلث القيمة، وعلى صاحب المختومين ثلثا القيمة وهو قول أبي حينفة. وفي نوادر هشام عن أبي يوسف: رجل قتل رجلا فجاء رجل وادعى أنه عبده وأقام البينة وشهدوا أنه كان عبده فأعتقه وهو حر اليوم، فإن كان له وارث قضى لوارثه بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ، وإن لم يكن له وراث فلمولاه قيمته في الخطأ والعمد. وفي الذخيرة: عبد مقطوع اليد جاء إنسان وقطع رجله، إن قطع من هذا الجانب فعلى القاطع نقصان قيمة العبد المقطوعة يده، وإن قطعها من الجانب الآخر فعليه نصف قيمة العبد المقطوع يده. وفي مختصر الكافي: وعلى هذا البائع إذا قطع يد العبد المبيع قبل التسليم إلى المشتري فيسقط نصف الثمن، ولو كان العبد مقطوع اليد فقطع البائع يده الثانية قبل التسليم يغرم النقصان ويسقط من المشتري بقدره من الثمن حتى لو انتقض ثلث لسقط ثلث الثمن، وكذلك لو كان مكان قطع اليد فق ء العين. وفي الظهيرية: ولو كان العبد مقطوع اليد فقطع إنسان يده الاخرى كان على قاطع اليد الثانية نقصان قيمته مقطوع اليد. قال رحمه الله: (ولابي المعتوه القود والصلح لا العفو بقتل وليه) يعني إذا قتل رجل قريبا للمعتوه فلو لي المعتوه استيفاء القصاص وله أن يصالح لان له تمام الشفقة والرأفة وله
ولاية على المعتوه فقام مقامه، ولان في الصلح منفعة المعتوه. قال جمهور الشراح: هذا إذا صالحا على مثل الدية، أما إذا صالحا على أقل من الدية لم يجز ويجب كمال الدية، ولنا فيه نظر لان لفظ محمد في الجامع الصغير مطلق حيث جوز صلح أبي المعتوه عن دم قريبه مطلقا لانه
[ 27 ]
قال وله أن يصالح من غير قيد بقدر الدية فينبغي أن يجوز الصلح على أقل من الدية عملا بإطلاقه. وإنما جاز صلحه على المال لانه أنفع للمعتوه من القصاص فإذا جاز استيفاء القصاص فالصلح أولى، والنفع يحصل بالقليل والكثير ألا ترى أن الكرخي قال في مختصره: وإذا وجب لرجل على رجل قصاص في نفس أو فيما دونها فصالح صاحب الحق من ذلك على مال فذلك جائز، قليلا كان المال أو كثيرا، كان ذلك دون دية النفس أو أرش الجراحة أو أكثر، إلى هنا لفظ صاحب العناية. أقول: نظره ساقط جدا فإن لاصحا ب التخريج من المشايخ صرف إطلاق كلام المجتهد إلى التقييد إذا اقتضاه الفقه كما صرحوا به وله نظائر كثيرة في مسائل الفقه والله تعالى أعلم. أما القتل فلان القصاص شرع للتشفي ودرك الثأر وكل ذلك راجع إلى النفس ولاية على نفسه فيليه كالانكاح بخلاف الاخ وأمثاله حيث لا يكون لهم استيفاء قصاص وجب للمعتوه لان الاب لو فور شفقته جعل التشفي الحاصل للابن ولهذا يعد ضرر ولده ضرا على نفسه، وأما العفو فلا يصح لانه إبطال لحقه بلا عوض ولا مصلحة فلا يجوز، وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمدا لما بينا. والوصي كالاب في جميع ما ذكرنا إلا في القتل فإنه لا يقتل لان القتل من باب الولاية على النفس حتى لا يملك تزويجه، ويدخل تحت هذا الاطلاق الصلح عن النفس واستيفاء القصاص في الطرف إذا لم يسر القود في النفس. وذكر في كتاب الصلح أن الوصي أن يملك الصلح في النفس لانه فيها بمنزلة الاستيفاء وهو لا يملك الاستيفاء. وجه المذكور هنا وهو المذكور في الجامع الصغير أن المقصود من الصلح المال والوصي يتولى التصرف فيه كما لو يتولى الاب بخلاف القصاص لان القصة التشفي وهو مختص بالاب ولا يملك العفو لان الاب لا يملكه في
النفس لان المقصود متحد وهو التشفي، وفي الاستحسان يملكه لان الاطراف يسلك فيها مسلك الاموال لانها خلقت وقاية للانفس كالمال فكان استيفاؤه وبمنزلة التصرف فيه. والقاضي بمنزلة الاب فيه في الصحيح ألا ترى أن من قتل ولا ولي له يستوفيه السلطان والقاضي بمنزلته فيه وهذا أولى، والصبي كالمعتوه ولما عرف في موضعه. قال رحمه الله: (والقاضي كالاب والوصي يصالح فقط والصبي كالمعتوه) يعني أن القاضي يملك استيفاء القصاص في الصغير الذي لا ولي له وهو قول المتأخرين من أصحابنا. وذكر الناطقي أنه لا يملك والوصي يملك الصلح ولا يملك استيفاء القصاص. هذا الكلام فيما إذا كان المجني عليه مولى الصغير أو المعتوه، فلو جنى صغير أو مجنون على نفس أو طرف وأراد الاب أن يصالح عن ذلك فله ذلك. وقوله والوصي يصالح فقط هذا إذا كان القصاص في النفس، وأما إذا كان في الاطراف ففي رواية الاصل ليس له ذلك، وعلى رواية الجامع الصغير له ذلك. وذكر شيخ الاسلام أنه يملك ذلك على وجه الاستحسان. وقوله والصبي كالمعتوه
[ 28 ]
يعني ولي الصبي يملك ما قدمناه في أن ولي المعتوه يملكه. وفي العيون: إذا ثبت القتل عليه ثم جنى القاتل قال محمد: في القياس يقتل، وفي الاستحسان تؤخذ منه الدية. قالرحمه الله: (وللكبار القود قبل كبر الصغار) يعني إذا كان القصاص مشتركا بأن قتل رجل وله أولاد كبار وصغار فللكبار أن يعتلو القاتل قبل أن يبلغ الصغار وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ليس لهم ذلك حتى يبلغ الصغار لان القصاص مشترك بينهم ولان الكبار ليس لهم ولاية على الصغار حتى يستوفوا حقهم فتعين التأخير كما لو كان الكل كبارا وفيهم كبير غائب أو كان أحد الوليين غائبا في العبد المشترك بخلاف ما إذا عفا الكبير حيث صح عفوه، وإن بطل حق الصغير في القصاص فإنه بطل بعوض فجعل كلا بطلان. ولابي حنيفة ما روى أن عبد الرحمن بن ملجم حين قتل عليا قتل به وكان في أولاد علي صغار وكان بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الاجماع، ولهذا لو استوفى بعض الاولياء القتل
بنفسه لا يضمن شئ ولو لم يكن له ذلك اضمن كما لو قتل من وجب عليه القصاص اجنبي فافترقا، وبخلاف ما إذا كان بين الموليين وأحدهما صغي رلان سبب الملك أ الولاء وهو غير مكامل، وفي مسألتنا القرابة وهي متكاملة. قال الشارح: ولانه حق لا يتجزى لانه سببه وهي القرابة لا تتجزى. أقول: في تمام الاستدلال بعدم تجزي سبب القصاص وهو القرابة على عدم تجزأ القصاص نفسه فيه خفاء لان العقل لا يجد محذورا في كون السبب بسيطا والمسبب مركبا، كيف والظاهر أن القرابة التي لا تتجزى كما أنها سبب لاستحقاق القصاص في القتل العمد كذلك هي سبب أيضا لاستحقاق الدية في القتل الخطأ مع أنه لا شك أن الدية تتجزى لانها مال والمال يتجزئ بلا ريب، فالاظهر في بيان كون القصاص حقا لا يتجزى ما ذكر في الكافي ومعراج الدراية تقرير دليل الامامين وهو أن القتل غير متجزئ، ثم إن بعض الفضلاء طعن في قولهم ههنا أن سبب القصاص هو القرابة حيث قال: كيف يكون سببه القرابة وهو يثبت للزوج والزوجة؟ اه. أقول: نعم السبب للزوج والزوجة هو الزوجية وفي العتق والمعتقة هو الولاء دون القرابة إلا أن الظاهر أن قولهم ههنا وهو القرابة إما بناء على التغليب لكون أولياء القتل في الاكثر قرابة، وإما بناء على أنهم أرادوا بالقربة ههنا الاتصال الموجب للارث دون حقيقة القرابة فيعم الكل. وقيدنا محل الخلاف بكون القصاص بين الاخوين فلو كان بين الاب والاولاد الصغار أو بين الجد والاولاد الصغار فللاب والجد أن يستوفي القصاص بالاجماع، وفي الجامع: هذه المسألة على وجهين: إما أن يكون القتل عمدا أو خطأ، فإن كان خطأ، فإن كان الشريك الكبير أبا الصغير كان له أن يستوفس جميع الدية حصة نفسه بحكم الملك وحصة الصغير بحكم الولاية وإن كان الشريك الكبير أخا أو عما ولم يك وصيا للصغير الكبير يستوفي حصة نفسه ولا يستوفي حصة الصغير، وإن كان القتل عمدا إن كان الشريك الكبير أبا كان له أن يستوفي القصاص بالاجماع، وإن كان الشريك الكبير أجنبيا بأن قتل عبد وهو مشترك بين أجنبيين
[ 29 ]
أحدهما صغير والآخر كبير ليس للاجنبي أن يستوفي القصاص بالاجماع. وفي المنتقي: إلا أن
يكون الصغير ابنا فيستوفي حينئذ، وإن كان الشريك الكبير أخا أو عما فعلى قول أبي حنيفة له أن يستوفي القصاص قبل بلوغ الصغير، وعلى قولهما ليس له ذلك حتى يبلغ الصغير، وعلى هذا الاختلاف إذا كان الشريك الكبير معتوها أو مجنونا والكبير أخو المعتوه أو عمه وأراد السلطان أن يستوفي حصة الصغير مع الكبير لا شك أن على قول أبي حنيفة له ذلك، وأما على قولهما ليس له ذلك. وأجمعوا على أن القصاص إذا كان كله للصغير ليس للاخ الكبير ولاية الاستيفاء، والعبد المشترك بين صغير وكبير إذا قتل عمدا حتى وجب القصاص فأراد الكبير أن يستوفي القصاص، بعض مشايخنا قال إنه على الخلاف، وبعضهم قال لا يستوفيه الكبير بالاجماع. رجل له عبد أن قتل أحدهما الآخر عمدا فللولي أن يستوفي القصاص من القاتل، ذكره محمد في آخر إعتاق الاصل في باب جناية الرقيق. قال رحمه الله: (وإن قتله بمر يقتص أن أصابه الحديد وإلا لا كالخنق والتغريق) هذا إذا أصابه بحد الحديد من غير خلاف، وإن أصابه بظهرها أو بالعود لا كالخنق والتغريق فهو على الخلاف الذي ذكرناه في أول الباب. والمرعود في طرفها حديدة قال العيني: المر بفتح الميم وتشديد الراء وهو خشبة طويلة في رأسها حديدة عريضة من فوقها خشبة عريضة يضع الرجل رجله عليها ويحفر بها الارض، وبالفارسية تسمى بيل قال. رحمه الله: (ومن جرح رجلا عمدا فصار فراش حتى مات يقتص) يعني إذا جرح إنسان آخر فصار المجروح صاحب الفراش حتى مات وإنه يقتص من الجارح لان الجرح سبب ظاهر لموته فيحال الموت عليه ما لم يوجد ما يقطعه كحز الرقبة أو البرء منه. قال رحمه الله: (وإن مات بفعل نفسه وزيد وأسد وحية ضمن زيد نصف الدية) لان فعل الاسد والحية جنس واحد لكونه هدرا في الدنيا والآخرة وفعله بنفس جنس آخر لكونه هدرا في الدنيا معتبرا في الآخرة حتى يأثم به، وفعل زيد معتبر في الدنيا والآخرة فصارت ثلاثة أجناس: هدر مطلقا، ومعتبر مطلقا ومعتبر من وجه دون وجه وهو فعله بنفسه فيكون الثابت فعلا واحدا فيجب على زيثلث الدية، ثم إن كان فعل زيد عمدا تجب عليه الدية في ماله وإلا فعلى العاقلة لما عرف في موضعه. وفي المبسوط وغيره: المشاركة في القتل لا يخلوا
إما أيشارك القاتل من لا يكون فعله مضمونا أو يشاركه من يكون فعله مضمونا، فإن شاركه من لا يكون فعله مضمونا كالسبع والبهيمة والحربي والمرتد أو جرح انسان نفسه ثم جرحه آخر أو قطع الامام يد السارق في سرقة ثم قطع آخر يده أو جرحه ومات فلا قصاص على القاتل بالاجماع، وإن شاركه من يكون فعله مضمونا كالخاطئ والصبي والمجنون فلا قصاص على واحد منهما ولو كان مكان العمد خطأ تجب دية واحدة، ولو جرحه رجلان
[ 30 ]
عامدا ثم مات أحد الجارحين ثم مات المجروح أو رمى رجلان إلى آخر فمات أحدهما ثم أصاب السهمان فمات من ذلك هل يجب القصاص على الحي؟ قال بعضهم: يجب لان فعل كل واحد منهما موجب. وقال بعضهم: لا يجب لان فعل أحدهما إنما ينعقد موجبا بعد الاصابة فلا ينعقد أحدهما موجبا بانفراده. رجلان قتلا رجلا أحدهما بالسيف والآخر بالعصا يقضي بالدية على عاقله صاحب العصا والقصاص على صاحب السيف. وفي المبسوط: أصله أن النفس متى تلفت بجنايات ووجب المال فإنه ينظر، إن تلفت بجنايات بني آدم فالعبرة فيها بعدد الجاني ولا عبرة بعدد الجنايات في حق الضمان حتى لو جرح واحد عشر جراحات خطأ وجرحه آخر واحدة خطأ بالدية عليهما نصفان لان فعل الانسان في نفسه معتبر لانه لا ينقلب عن حكمه في الدنيا وهو القصاص والدية أو إلا ثم في الآخرة فاعتبر عدد الجاني لا عدد الجنايات لان كل جناية تصلح أن تكون سبب الموت لو انفردت والعلة لا تترجح بالزيادة من جنسها فاعتبر الكل جناية واحدة، وإذا تلفت بجنايات البهائم وبجنايات بني آدم فلا عبرة بعدد الجنايات لان فعل البهائم هدر أصلا لانه لا يناط به حكم ما فاعتبر جنايات البهائم كلها كجناية واحدة لان حكم الكل واحد وهو الهدر، وهذا كرجل به جروح ودماميل قاتله فجرحه رجل آخر فمات من الكل يضمن الجارح نصف الدية وبرفع النصف ويسقط عنه اعتبار عدد الدماميل لانها مهدرة. ولو قطع رجل يده ولصاحبه حجر فشجه وعقره كلب فكسر رجله وافترسه سبع فعلى القاطع نصف الدية لان النفس تلفت بجنايات
أربع واحدة فصار كأنها تلفت بجنايتين إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. ولو قطع يده رجل وجرحه آخر وجرح هو أيضا نفسه وافترسه سبع ضمن القاطع ربع الدية والجارح ربعها لان النفس تلفت بجنايات أربعة، ثنتان منها من بني آدم وهو معتبرتان، وواحدة من غير بني آدم وهي مهدرة فقد تلفت بجناية كل واحد من الاجنبين ربعه وقد سبق بيانه. قال رحمه الله: (ومن أشهر على المسلمين سيفا وجب قتله) ولا شئ بقتله لقوله عليه الصلاة والسلام من شهر على المسلمين سيفا فقد أبطل دمه ولان دفع الضرر واجب فوجب عليهم قتله إذا لم يكن دفعه إلا به، ولا يجب على القاتل شئ لانه صار باغيا بذلك، وكذا إذا أشهر على رجل سلاحا فقتله أو قتله غيره دفعا عنه فلا يجب بقتله شئ لما بينا، ولا يختلف بين أن يكون بالليل أو بالنهار في المصر أو خارج المصر لانه لا يلحقه الغوث بالليل ولا في خارج المصر فكان له دفعة بالقتل بخلاف ما إذا كان في المصر نهارا. وفي النوادر: يغسل ويصلي عليه، وعن الثاني يغسل ولا يصلي عليه. قال رحمه الله: (ومن شهر على رجل سلاحا ليلا أو نهارا في المصر أو غيره أو شهر عليه عصا ليلا أو نهارا في غيره فقتله المشهور عليه فلا شئ عليه)
[ 31 ]
لما بينا من المنقول والمعقول. قال رحمه الله: (ومن شهر عصا نهارا في مصر فقتله المشهور عليه قتل به) لان العصا خفيفة والغوث غير منقطع في المصر فكان بالقتل معتديا، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ظاهر لانه ليس كالسلاح عنده، وقيل عندهما يحتمل أن يكون على الخلاف المذكور في العمد لانه كالسلاح عندهما حتى يجب القصاص بالقتل به وقد بيناه، وقيل هذا في الزمان المتقدم، أما اليوم إذا شهر عليه العصا في مصر وقتله لا شئ عليه لان الناس تركوا الاغاثة والغوث. قال رحمه الله: (وإن شهر المجنون على غيره سلاحا فقتله المشهور عليه عمدا تجب الدية) وعلى هذا الصبي والدابة. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: لا تجب الدية في الصبي والمجنون. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يجب الضمان في الكل لانه قتله دافعا عن نفسه
فصار كالبالغ العاقل وهذا لانه يصير محمولا على قتله فعله كان قال له اقتلني وإلا قتلتك وكون الدابة مملوكة للغير لا تأثير له في وجوب الضمان كالعبد إذا شهر سيفا على رجل فقتله فإنه لا يجب الضمان فكذا هذا فصار كالعبد إذا صال على الحر فقتله. ولابي يوسف إن فعل الصبي والمجنون معتبر أصلا حتى لا يعتبر في حق وجوب الضمان لان جناية العجماء جبار وكذا عصمتها لحقها، وعصمة الدابة لحق المالك فكان فعلهما مسقطا لحقهما لعصمتهما فلا يضمنان ويضمن الدابة بخلاف الصيد إذا صال على المحرم أو صيد الحرم على الحلال لان الشارع أذن في قتله ولم يوجب علينا تحمل أذاه ألا ترى أن الخمس الفواسق أباح قتلها مطلقا لتوهم الاذى منها فما ظنك إذا تحقق الاذى ومالك الدابة لم يأذن فيجب الضمان؟ وكذا عصمة عبد الغير لحق نفسه وفعله محظور فتسقط به عصمته. ولنا أن الفعل من هذه الاشياء غير متصف بالحرمة فلم يقع بغيا فلا تسقط العصمة به لعدم الاختيار الصحيح ولهذا يجب القصاص على الصبي والمجنون بقتلهما، فإذا لم تسقط كان قضيته أن يجب القصاص لانه قتل نفسا معصومة إلا أنه لا يجب القصاص لوجود المبيح وهدفع الشر فتجب الدية. قال رحمه الله تعالى: (ولو ضربه الشاهر فانصرف فقتله الآخر قتل القاتل) معناه إذا شهر رجل على رجل سلاحا فضربه الشاهر فانصرف، ثم إن المضروب وهو المشهور عليه ضرب الضارب وهو الشاهر فقتله فعليه القصاص لان الشاهر لما انصرف بعد الضرب عاد معصوما مثل ما كان لان حل دمه كان باعتبار شهره وضربه، فإذا رجع على وجه لا يريد ضربة ثانيا اندفع شره فلا حاجة إلى قتله لارتفاع شره بدونه فعادت عصمته فإذا قتله بعد ذلك فقد قتل رجلا معصوما ظلما فيجب عليه القصاص. قال رحمه الله: (ومن دخل عليه غيره ليلا فاخرج
[ 32 ]
السرقة فاتبعه فقتله فلا شئ عليه) لقوله عليه الصلاة والسلام قاتل دون مالك أي لاجل مالك، ولان له أن يمنعه بالقتل ابتداء فكذا له أن يسترده به انتهاء إذا لم يقدر على أخذه منه، ولو علم أنه لو صاح عليه يطرح ماله فقتله مع ذلك يجب عليه القصاص لان قتله بغير حق
وهو بمنزلة المغصوب منه إذا قتل الغاصب حيث يجب عليه القصاص لانه يقدر على دفعه بالاستعانة بالمسلمين والقاضي فلا تسقط عصمته بخلاف السارق والذي لا يندفع بالصياح والله تعالى أعلم. باب القصاص فيما دون النفس لما فرع من بيان القصاص فيما دون النفس شرع في بيان القصاص فيما دون النفس لان الجزء يتبع الكل. قال رحمه الله تعالى: (يقتص بقطع اليد من المفصل وإن كانت يد القاطع أكبر وكذا الرجل وما رن الانف والاذن) لقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (المائدة: 45) أي ذو قصاص لقوله تعالى: * (والسن بالسن) * (المائدة: 45) والقصاص يبني على المماثلة فكل ما أمكن فيه رعاية المماثلة يجب فيه القصاص وما لا فلا. وقد أمكن في هذه الاشياء التي ذكرناها ولا عبرة بكبر العضو لانه لا يوجب التفاوت في المنفعة، وإذا قلنا أن المدار عن التساوي في المنفعة فلا تقطع اليمنى باليسرى، ولا الصحيحة بالشلاء، ولا يد المرأة بيد الرجل، ولا يد الحر بيد العبد. وقيد بقوله من المفصل لانه لو قطع ذلك من غير المفصل لا قصاص فيه. وفي النوادر روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه إذا قطع شحمه اذنه يقتص منه، وإن قطع نصف إذنه وكان يقدر أن يقتص مثل ذلك اقتص منه لان شحمه الاذن لها حد معلوم وللاذن مفاصل معلومة، فإذا قطع منها شئ يعلم أن القطع من أي المفصل أمكن القصاص، وكذلك إذا قطع غضروف الاذن قطعا يستطاع فيه القصاص اقتص منه يعمل ذلك بحديدة أو بغير حديدة. وإن جذب أذنه فانتزع شحمته لا قصاص فيه وعليه الارش في ماله، وإن كان أذن القاطع سكا أي صغيرة الخلقة وأذن المقطو صحيحة كبيرة كان بالخيار إن شاء ضمنه نصف الدية، وإن شاء قطعها على صغرها. وكذلك لو كانت أذن القاطع مقطوعة أو خرماء أو مشقوقة كان المقطوع بالخيار، وإن كانت الناقصة هي المقطوعة كان له حكومة عدل لا قصاص فيه. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: ولو قطع المارن وهو أرنبه الانف ففيها القصاص، وإن قطع من أصله لا قصاص عليه لانه عظم وليس بمفصل
ولا قصاص في العظم. قال أبو حنيفة: لو قطع ذكره من أصله أو من الحشفة منه لانه أمكن استيفاؤه وعلى سبيل المساواة إذ له حد معلوم فأشبه اليد من الكوع. قال رحمه الله:
[ 33 ]
(والعين ذهب ضوءها وهي قائمة وإن قلعها لا والسن وإن تفاوتا وكل شجة تتحقق فيها الممائلة) لقوله تعالى * والعين بالعين) * (المائدة: 45) يعني لو ضرب العين فأذهب ضوءها وهي قائمة يجب القصاص لانه أمكن بأن تحمى لها المرآة وتجعل على وجهه قطن رطب وتشد عينه الاخرى ثم تقرب المرآة من عينه بخلاف ما إذا انقلعت حيث لا يقتص منه لعدم إمكان رعاية المماثلة، وكانت هذه الحادثة وقعت في زمن عثمان رضي الله عنه فشارو الصحابة فقال علي رضي الله تعالى عنه: يجب القصاص فبين إمكان الاستيفاء بالطريق التي ذكرناها. ثم هنا لم يعتبر الكبر والصغر حتى أجرى القصاص في الكل بأستيفاء الكل واعتبر بالشجة في الرأس إذا كانت استوعبت رأس ذلك المشجوج وهي لم تستوعبه رأس الشاج فأثبت للمشجوع الخيار إن شاء اقتص وأخذ بقدر شجته، وإن شاء أخذ أرش ذلك لان ما لحقه من الشين أكثر لان الشجة المستوعبة لما بين قرينه أكثر شيأ من الشجة التي لم تستوعب ما بين قرينه بخلاف قطع العضو فإن الشين فيه لا يختلف، وكذا منفعته لا تختلف فلم يمكن إلا القصاص لوجود المساواة فيه من كل وجه، وإذا قلعت لا يجب حيث لا يمكن المماثلة إذ لا قدرة لنا أن نفعل به كما فعل من غير زيادة ولا نقصان فلهذا لا يجب القصاص. وفي الهداية: ولو قلع السن من أصله يقلع الثاني تماثلا. قال صاحب الكافي وعامة شراح الكتاب في هذا المقام: ولو قلع السن من أصله لا يقلع سنه قصاصا لتعذر اعتبار المماثلة فربما تفسد به المماثلة ولكن تبرد بالمبرد إلى موضع أصل السن، وعزاه الشارح إلى المبسوط. أقول: أسلوب تحريرهم ههنا محل تعجب فإن أحدا منهم لم يتعرض لما ذكر في الكتاب لا بالرد ولا بالقبول بل ذكروا المسألة على خلاف ما ذكر في الكتا ب، وكان من دأب الشراح التعرض لما في الكتاب إما بالقول وإما بالرد فكأنهم لم يروا أصلا، نعم القول الذي نقلته ههنا عن
المصنف غير مذكور في بعض النسخ لكنه واقع في كثير من النسخ ليس بمثابة أن لا يطلع عليه أحد من الشرائع، كيف وقد أخذه صاحب الوقاية فذكره في متنه حيث قال: ولا وقود في عظم إلا في السن فتقلع إن قلعت وتبرد إن كسرت. وكان ما أخذه متن الوقاية هو الهداية كما صرح به صاحبه، وكذا ذكره في كثير من المتون: ثم إن التحقيق ههنا هو أنه إذا قلع سن غيره هل يقلع سنه قصاصا أم يبرد بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم؟ فيه روايتان كما أفصح عنه في المحيط البرهاني حيث قال: إن كانت الجناية بكسر بعض السن يؤخذ من سن الكاسر بالمبرد مقدار ما كسر من سن الآخر وهذا بالاتفاق، وإن كانت الجناية بقلع سن ذكر القدوري أنه لا يقلع سن القالع ولكن يبرد سن القالع بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم ويسقط الباقي، وإليه مال شمس الائمة السرخسي. وذكر شيخ الاسلام في شرحه أنه يقلع سن القلع وإليه أشار محمد في الجامع الصغير
[ 34 ]
حيث ذكر بلفظ النزع والنزع والقلع واحد. وفي الزيادات نص على القلع إلى هنا لفظ المحيط. وأما الشفتان ففي كل واحدة منهما نصف الدية إن كان خطأ، وأما إذا كان عمدا فذكر الطحاوي في شرحه عن الامام: إذا قطع شفة رجل السفلى أو العليا وكان يستطاع أن يقتص منه بقدر ما فعل يجب القصاص وإن قطع بعضه لا يجب ويقتص العليا بالعليا والسفلى بالسفلى. وقوله والسن إن تفاوتت يعني يجب قطع السن بالسن إذا أمكنت المماثلة. وإن تفاوتا في الصغر والكبر وإلا فلا وفي المنتقى: إذا أراد أن يقلع سن آخر مظلما فله أن يقتله إذا كان في موضع لا يغيثه الناس. وفي الذخيرة: ومن أراد أن يبرد سن آخر فليس له أن يقتله وإن كان لا يغاث. وفي الاصل: ينبغي أن يؤخذ الضرس بالضرس والثنية بالثنية والناب بالناب ولا يؤخذ الاعلى بالاسفل بل بالاعلى. وفي الخلاصة: الحاصل أن النزع مشروع والاخذ بالمبرد احتياط. وفي الجامع الصغير: وإذ كسر سن انسان وسن الكاسر أكبر يقتص منه وكذلك في القلع ولا قصاص في السن الزائدة وإنما فيها حكومة عدل، وإذا كسر
سن انسان والسن المكسورة مثل ربع سن الكاسر يقتص منه ولا يكون على قدر الصغر والكبر بل يكون على قدر ما كسره من السن. وفي الحاوي: فإن كان سن المنزوع أطول وأعظم لم يكن له إلا القصاص، وإن كسر إن كان مستويا يمكن استيفاء القصاص منه اقتص منه بمبرد، وإن لم يكن مستويا ولا يستطاع أن يقتص كان عليه أرشه وفي الخلاصة: وإن كسر ثلثا ليس بمستو بحيث لا يستطاع أن يقتص منه فعليه أرش ذلك في كل سن خمس من الابل أو من البقر. وفي المنتقي: إذا كسر من سن رجل طائفة منها انتظر بها حولا فإذا تم الحول ولم يكمل فعليه القصاص تبرد بالمبرد ويطلب لذلك طبيب عالم أو يقال لها قيمتها كم ذهب منها، فإن قال ذهب منها النصف يبرد من سن القالع النصف. وفيه أيضا: إذا كسر من رجل بعضها وسقط ما بقي فإن أبا يوسف كان يقول يجب القصاص. وفي القدورى: لا قصاص في المشهور، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا نزع الرجل سن رجل فنبت نصفها فعليه نصف أرشها ولا قصاص في ذلك، فإن نبتت بيضاء تامة ثم نزعها آخر ينتظر بها سنة، فإن نبتت وإلا اقتص منه ولا شئ على الاول. وقال ابن أبي مالك قال أبو يوسف: يجب عليه فإن نبتت صفراء فعليه حكومة عدل. وقال ابن سماعة في السن إذا نزعت ينتظر بها سنة، فإن لم تنبت اقتص منه. وفي جامع الفتاوى في الاملاء: يقتص من ساعته وإن نبتت صفراء ففيها حكومة عدل. وروى ابن مالك عن أبي حنيفة في السن إذا نزعت ينتظر بها البرد ثم يقتص من الجاني. وفي شرح الطحاوي: إذا كسر بعض سن انسان عمدا ثم اسود الباقي بذلك أو احمرت أو اخضرت أو دخلها عيب بوجه من الوجوه فلا قصاص ويجب الارش في مال الجاني، وبهذه الرواية تبين أن ما ذكره القاضي الامام صدر الاسلام والصدر الشهيد في الجامع الصغير فإذا كسر بعض سن إنسان واسود الباقي يجب
[ 35 ]
فيها حكومة عدل ليس بصحيح. ولو قال المجني عليه أنا أستوفي القصاص في المكسور واترك ما أسود ليس له ذلك، وإذا ضرب سن انسان فتحرك ينتظر فيه حولا فإن احمر أو
اخضر أو اسود تجب الدية كاملة في مال الجاني، وإن اصفر اختلف المشايخ فيه، هكذا ذكر شيخ الاسلام في شرحه. قال بعضهم: يجب كمال أرش السن كما في الاسود والاحمر. وقال بعضهم يجب حكومة عدل. وذكر شيخ الاسلام أحمد الطواويسي في شرحه أن في هذا الفصل اختلاف الروايات، روى عن أبي يوسف أنه يلزمه كمال الارش كما في الاسود، وعن محمد أنه قال ينظر في ذلك، فإن كان يلحقه من الشين بسبب الاصفرار ما يلحقه من الشين بسبب الاسوداد يلزمه كمال الارش وإلا فيقدر الشين. وعن أبي خنيفة أنه يلزمه حكومة عدل. وذكر القدوري أن هشاما روى عن محمد عن أبي حنيفة أن سن الحر إذا اصفرت فلا شئ، وإن كان عبدا ففيه حكومة عدل، وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن فيه الحكومة، وروي عن أبي مالك عن أبي يوسف أن الصفرة إذا اشتدت حتى صارت كالخضرة ففيها كمال الارش، وإن كانت دون ذلك ففيها الحكومة. ثم إن محمدا أوجب كمال الارش باسوداد السن ولم يفصل بين أن يكون السن من الاضراس التي لا ترى أو من القوارض التي ترى قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل إن كان السن من الاضراس التي لا ترى إن فاتت منفعة المضغ بالاسوداد يجب الارش كاملا، وإن لم تفت متفعة المضغ يجب فيه حكومة عدل، وإن كان السن قائمة من القوارض التي ترى وتظهر من الاسنان فيجب كمال الارش بلاسوداد وإن تفت منفعته. وفي الينابيع: ولو ضرب سن انسان فتحركت سنة الاخرى فجاء للقاضي ليظهر أثر فعله، فإن أجله القاضي حولا وقد سقطت سنة فاختلفا قبل السنة فقال المضروب من ضربك وقال الضارب لا بل من ضرب رجل آخر فالقول للمضروب، وإن جاء بعد السنة واختلفا فالقول للضارب، ولو لم تسقط لا شئ على الضارب. وعن أبي يوسف أنه تجب حكومة عدل في الالم وفي شرح الطحاوي: ومن ضرب رجلا حتى سقط أسنانه كلها وهي اثنان وثلاثون سنا منها عشرون أضراس وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك فإن عليه دية وثلاثة أخماس الدية وهي من الدراهم ستة عشر ألفا في السنة الاولى، ثلثا الدية ثلث من الدية الكاملة وثلث من ثلاثة أخماس الدية، وفي السنة
الثانية ثلث الدية، وفي السنة الثالثة وهي ما بقي من الدية والثلاثة أخماس. وإذا قلع الرجل سن رجل خطأ ثم نبتت فلا شئ على القالع عند علمائنا، وروى عنهما في النوادر أنه يجب الارش، والصحيح ما قلنا لان القياس يأبى وجوب الارش بالقلع وإن لم تنبت لان المتلف ليس بمال ولكنا تركنا القياس بالنص وإنما أوجب النص الارش إذا لم تنبت مكانه أخرى فإذا نبتت مكانه أخرى يقع على أصل القيا س، فإذا نبتت أخرى سوداء بقي الارش على حاله. وإذا نزع سن رجل عمدا أو انتزع المنزوع سنه سن النازع ثم نبتت سن الاول فعلى الاول
[ 36 ]
أرش سن الثاني، ولو نبت معوجا يجب حكومة عدل، وإن نبتت سوداء جعل كأنها لم تنبت. وفي الكافي: ولو قلع سن غيره فردها صاحبها إلى مكانها ونبت عليها اللحم فعلى القالع كمال الارش. وقال الشافعي في قول عليه الضمان بخلاف ما لو قطع شجرة رجل فنبتت مكانها أخرى حيث لا يسقط الضمان. السغنافي ذكر في المبسوط: ولو قلع سن رجل فنبتت كما كانت فلا شئ عليه في ظاهر الرواية ويرجع على الجاني بقدر ما يحتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الاطباء، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يجب شئ. وفي الينابيع وقال أبو يوسف: لو نبتت سن البالغ بعد القلع لا يسقط الارش بل تلزمه الدية كاملة بخلاف سن الصبي. وقال أبو حنيفة: لا شئ في سن الصبي. وقال أبو يوسف: فيها حكومة عدل وإذا لم تنبت يجب فيها الارش كاملا، وإذا قلع الرجل ثنية رجل عمدا واقتص له من ثنية القالع ثم نبتت ثنيته لم يكن للمقتص له أن يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانيا، ومثله لو نبتت ثنية المقتص له ولم تنبت ثنية المقتص منه غرم المقتص للمقتص منه أرش ثنيته. قال في الاصل: إذا قلع الرجل سن رجل فأخذ المقلوع سنه وأثبتها في مكانها فثبتت فقد كان القلع خطأ فعلى القالع أرش السن كاملا. قال شيخ الاسلام: وهذا إذا لم يعد إلى حالته الاولى بعد الثبات في المنفعة والجمال والغالب أن لا يعود إلى تلك الحالة، وإذا تصور عود الجمال والمنفعة وبالاثبات لم يكن على القالع شئ كما لو نبتت السن المقلوع. قال في
الاصل: إذا نزع ثنية رجل وثنية الجاني سوداء فامجني عليه بالخيار وعلى نحو ما ذكرنا في مسألة العين وتفريع هذه المسألة على نحو تفريع مسألة العين. وفي السنغاقي عن أبي يوسف فيما إذا قلع سن رجل بالغ ثم نبت مكانها أخرى يجب حكومة العدل لمكان الالم فيقوم وبه هذا الالم فيجب ما انتقض منه بسبب الالم من القيمة. ولو نزع ثنية رجل وثنية النازع سوداء فلم يخير المجني عليه شيئا حتى سقطت السن السوداء ونبتت مكانها أخرى صحيحة فقد بطل حق المجني عليه. وفي الكافي: وكذا إذا لم يكن للقالع ثنية حين قلع ثم نبتت فلا قصاص له وله الارش، ولو قلع رجل ثنية رجل وثنية القلع مقلوعة فنبتت ثنيته بعد القلع فلا قصاص فيه وللمقلوع ثنيته أرشها. وفي المجرد عن أبي حنيفة: إذا نزع سن إنسان ينبغي للقاضي أن يأخذ ضمينا من النازع ثم يؤجله سنة من النزع، فإذا مضت سنة ولم تنبت اقتص منه، وعلى هذا إذا ضرب إنسان إنسانا وأسود السن فقال الضارب إنما اسودت من ضربة حدثت فيها بعد ضربتي فالقول للمضروب استحسانا، هكذا ذكر المسألة في الاصل وهكذا روى ابن سماعة عنأبي يوسف. وفي المنتقى في الباب الاول من الجنايات رواية الحسن عن أبي حنيفة في عين هذه الصورة أن القول قول الضارب وليس هذا في شئ من الجنايات إلا في السن للاثر. وفي النوازل سئل عن جل ضرب على وجه رجل فتناثرت أسنانه كلها قال: يجب لكل سن دية خمسمائة. قال الفقيه: إكانت جملتها اثنين وثلاثين يجب عليه ستة
[ 37 ]
عشر ألفا، وإن كانت أسنانه ثلاثين فعليه خمسة عشر ألفا، ولو كانت ثمانية وعشرين فعليه أربعة عشر ألفا. وفي السراجية: في سن الرجل خمسمائة وفي سن المرأة نصف ذلك. وفي الفتاوى: أمره بنزع سنه ثم اختلفا فقال الآمر أمرتك بغير هذا فإنه قال: القول قول الآمر مع يمينه فإذا حلف فأرش السن على عاقله المأمور أو في ماله لا رواية في هذا. وفي المنتقى قالوا: وليس في نفس الآدمي شئ من الاعضاء ديته زائدة على دية النفس إلا الاسنان. رجلان قاما في اللعب ليتضار بابا لو كز يعني (مسه درن حابرل) فركب أحدهما الآخر وكسر
سنه فعلى الضارب القصاص ولكن بالشرائط التي قلنا لان هذا عمد والمسألة كانت واقعة الفتوى على هذا. وفي الظهيرية: ولو قال كل واحد منهما (درن) فوكز أحدهما صاحبه لا شئ عليه وهو الصحيح بمنزلة قوله اقطع يدي فقطعها، وإذا قلع سن صبي وآخر حولا فمات الصبي قبل تمام الحول فلا شئ على الجاني في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: فيه حكومة عدل وفي الكبرى قال: فيه حكومة عدل، وإذا ضرب سن رجل فاسود سن الرجل ثم جاء آخر فنزعها فعلى الاول تمام أرشها. وفي الخانية: خمسمائة وعلى الثاني حكومة عدل، وإذا نزع سن رجل وسن الثاني سوداء أو صفراء أو حمراء أو خضراء والنزع كان عمدا يخير المجني عليه إن شاء اقتص منه، وإن شاء ضمنه أرش سنه خمسمائة. وإن كان المعيوب سن المجني عليه فله حكومة عدل ولا يقتص سنه لسنه. وفي الخانية: ولو ضرب سن إنسان فاسودت وسن الجاني سوداء أو حمراء أو خضراء أو صفراء كان المجني عليه بالخيار إن شاء ضمنه، وإن شاء استوفى القصاص ناقصا. وفي الكبرى: ولو نزع سن رجل فنبت نصفها فعليه نصف أرشها وإن نبتت صفراء ففيها حكومة عدل. قال رحمه الله: (ولا قصاص في عظم) لقوله عليه الصلاة والسلام لا قصاص في العظم وقال عمر وابن مسعود: لا قصاص في عظم إلا في السن. وهذا هو المراد بالحديث وبموضوع صاحب العتاب ولان القصاص يبني عن المساواة وقد تعذر اعتبارها في غير السن. واختلف الاطباء في السن هل هو عظم أو طرف عصب يابس فمنهم من ينكر أنه عظم لانه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة ويلين بالخل فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بينه وبين سائر العظام لانه ليس بعظم فلعل صاحب الكتاب ترك السن لذلك لانه لم يدخل تحت الاسم ولذا لم يستثنه في الحديث، ولئن قلنا بأنه عظم فالفرق بينه وبين سائر العظام أن المساواة فيه ممكنة بأن يبرد بالمبرد بقدر ما كسر منه وكذلك إن قلع سنه فإنه لا يقلع سنه قصاصا لتعذر اعتبار المماثلة فيه فلربما تفسد به، وإنما يبرد بالمبرد إلى موضع أصلب السن، كذا ذكره في النهاية معزيا إلى الذخيرة والمبسوط. قال رحمه الله: (وطرفي رجل وامرأة وحر وعبد وعبدين)
أي لا قصاص في الطرف بين الرجل والمرأة. قوله وطرف رجل وامرأة إلى آخره فإن قيل:
[ 38 ]
سلمنا وجود التفاوت في القيمة في الاطراف وأنه يمنع الاستيفاء لكن المعقول منه منع استيفاء الاكمل بالانقص دون العكس فإن الشلاء نقطع بالصحيحة وأنتم لا تقطعون يد المرأة بيد الرجل ولا يد عبد بحر. والجواب أنا قد ذكرنا أن الاطراف يسلك بها مسلك الاموال لانها خلقت وقاية للانفس كالمال فالواجب أن يعتبر التفاوت المالي شائعا مطلقا والشلل ليس منه فيعتبر مانعا من جهتة الاكمل، كذا في العناية. ولا مماثلة بين طرفي الذكر والانثى للتفاوت وبينهما في القيمة بتقسيم الشارع، ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبدين للتفاوت في القيمة، وإن تساويا فيها بالظن فصار شبهة منع القصاص. فإن قيل: إن استقام عدم المماثلة في الحر والعبد لم يستقم بين العبدين لامكان تساوي قيمتها بتقويم المقومين أجيب بأن التساوي إنما يكون بالحزر والظن والمماثلة المشروطة شرعا لا تثبت بذلك كالمماثلة في الاموال الربوية بخلاف طرفي الحر بن لان استوائهما متقين بتقويم الشرع، وبخلاف الانفس لان الخلاف فيها متعلق بإزهاق الروح ولا تفاوت فيه. قال صاحب الكفاية: فإن قيل قوله تعالى * (والعين بالعين والاذن بالاذن) * (المائدة: 45) مطلق يتناول موضع النزاع فيكون حجة عليكم قلنا: قد خص منه الحربي والمستأمن والعام إذا خص منه شئ يجوز تخصيصه بخبر الواحد فحصصناه بما روى عن عمران بن حصين أنه قال: قطع عبد لقوم فقراء أذن عبد لقوم أغنياء فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقض بالقصاص اه. أقول: فيه نظر، أما أولا فلانه قد نقرر في علم الاحوال أن النص العام إذا خص منه شئ بكلام مستقل موصول به يكون ذلك العام المخصص منه البعض ظنيا في الباقي فيجوز تخصيصه بخبر الواحد، وأما إذا خرج من النص العام شئ مما هو مفصول عنه غير موصول به فلا يكون ذلك ظنيا في الباقي بل يكون باقيا على حالته الاولى، ولا شك أن مخرج الحربي والمستأمن من الآية المذكورة ليس بكلام موصول بها فتكون باقية على قطيعتها الاصلية فلا
يجوز تخصيصها بخبر الواحد، وقد مر منا غير مرة نظير هذا النظر في محاله. وأما ثانيا فلان حديث عمران بن حصين إنما يفيد عدم جريان القصاص في الاطراف بين العبدين ولا يفيد عدم جريانه فيما بين الرجل والمرأة ولا بين الحر والعبد فبقي الاعتراض بإطلاق الآية المذكورة في هاتين الصورتين ولم يتم الجواب. قال رحمه الله: (وطرف الكافر والمسلم سيان) أي مثلان فيجري القصاص بينهما للتساوي في الارش. وقال الشافعي: لا يجري لما ذكرنا من أصله. قال رحمه الله: (وقطع يد من نصف ساعد وجائفة برئ ء منها ولسان وذكر إلا أن تقطع الجشفة) أي لا قصاص في هذه الاشياء لعدم المماثلة فيها لان في القطع من نصف الساعد كسر العظم ويتعذر التساوي فيها إذا لا ضابط له، وفي الجائفة البرءنادر فلا يمكن أن يخرج الثاني جائفة على وجه يبرأ منه فيكون إهلاكا فلا يجوز، والذكر للسان ينقبضان وينبسطان فلا
[ 39 ]
يمكن اعتبار المماثلة فيهما إلا أن يقطع من الحشفة لان موضع القطع معلوم فيصار إليه. وعن أبي يوسف أنه إذا قطع من أصلها يجب بخلاف ما إذا قطع بعضها لتعذر اعتبار المماثلة فيه. قال في الينابيع: إذا قطع اليد من العضو والرجل من الفخذ فعندهما فيه الدية، وما فوق الكتف والقدم ففيه حكومة عدل، وعند أبي يوسف: ما فوق الكعب والقدم مع الاصابع. وفي الخلاصة: دية اليد تجب مؤجلة في سنتين ثلثاها في السنة الاولى والباقي في السنة الثانية، وإذا كسر يد عبد رجل أو رجله لا يجب في الحال شئ، ولو قطع أصبعا زائدة وفي يده مثلها لا قصاص بالاجماع. وقال أبو حنيفة في الاقطعين والاشلين إنه لا قصاص هو قول أبي يوسف في رواية الحسن عنه، وكذلك مقطوع الابهام أو الاصابع كلها إذا قطع إنسان يده فلا قصاص في قول أبي حنيفة أنه لا قصاص فيه وفيه حكومة عدل. ولو كسر عظما من ساعد أو ساق أو غيره ففيه حكومة عدل، وفي ثدي المرأة دية كاملة ولا ذكر له في الكتب. وفي كسر الصلب دية كاملة إن منعه عن الجماع وأحد به فأما إذا لم يحد به ولم يمنعه من الجماع فهذا على نوعين: إما أن يبقى للجراحة أثر ففيه حكومة عدل ولم يجب كمال الدية،
وأما إذا لم يبق لها أثر لم يجب فيه شئ وقد مر هذا فيما تقدم. وفي الظهيرية: وكذا صدر المرأة إذا انكسر وانقطع الماء منه ففيه الدية، وفي الصلب إذا دق لكن يقدر على الجماع ففيه حكومة عدل، وإن لم يقدر وصار أحدب فدية كاملة، وإن عاد إلى حبله ولم ينقص ولكن فيه أثر الضرب ففيه حكومة عدل وإن لم يقدر وصار أحدب فدية كاملة، وإن عاد إلى حبلة ولم ينق ص ولكن فيه أثر الضرب ففيه حكومة عدل، وإن لم يكن فيه أثر فلا شئ فيه في قول أبي حنيفة، وعندهما تجب أجرة الطبيب، وفي الذكر كمال الدية، وفي ذكر الخصي حكومة عدل سواء كان يتحرك أو لا يقدر الخصي على الوطئ أو لا يقدر على هذا الخلاف ذكر العنين. وأما ذكر الشيخ الكبير إن كان يتحرك ولا يقدر على الوطئ فالجواب فيه كالجواب في ذكر الخصي وذكر العنين. وفي التهذيب: وفي ذكر الخصي والعينين حكومة عدل وهو ما يرى القاضي بمشورة أهل البصيرة، وقيل يقوم أن لو كان عبدا محبوبا وغيره فتجب نسبة النقصان من ديته كما لو نقص عشر القيمة يجب عشر الدية والاول أصح. وفي التجريد: المرأة إذا أفضاها فصارت لا تستمسك البول والغائط أو أحدهما ففيه دية كاملة، وفي الاثنين كمال الدية. وإذا قطع الحشفة يجب كمال الدية فإن قطع باقي الذكر فإن كان قبل تخلل البرء تجب دية كاملة ويجعل كأنه قطع الذكر بدفعة واحدة، وإن تخلل بينهما برء فيجب كمال الدية في الحشفة وحكومة العدل في الباقي. وإذا قطع الذكر والاثنين من الرجل الصحيح خطأ إن بدأ بقطع الذكر ففيه ديتان. وفي التجريد: وكذا إنما قطعها من جانب واحد. ولو بدأ بقطع الاثنين ثم بالذكر ففي الاثنتين الدية كاملة وفي الذكر حكومة عدل، وإن قطعهما من جانب الفخذ كعا فعليه ديتان. وفي التحفة: وفي الاثنين إذا قطعهما
[ 40 ]
مع الذكر جملة واحدة في حالة واحدة يجب عليه ديتان: دية بإزاء الذكر ودية بإزاء الاثنيين. وإذا قطع الذكر أولا ثم الاثنين يجب ديتان أيضا لان بقطع منفعة الاثنيين وهي إمساك المني، فأما إذا قطع الاثنيين أولا ثم الذكر تجب الدية بقطع الاثنيين وتجب بقطع الذكر
حكومة العدل، وفي الاليتين إذا قطعتا خطأ كمال الدية. وفي الظهيرية: وفي أحدهما نصف الدية. وفي المنتقي عن محمد: إذا قطع إحدى أنثييه وانقطع ماؤه دية ونصف قال: ولا نعلم ذهاب الماء إلا باقرار الجاني فإذا قطع الباقي من إحدى الاثنيين يجب نصف الدية. ولم يذكر في الكتاب الحكم في العمد والطاهر الانثيين أنه يجب فيه القصاص حالة العمد وفي الرجلين كمال الدية في الخطأ، وفي أحدهما نصف الدية، وفي كل أصبع من أصابع الرجلين عشر الدية، وفي الرجل في العمد القصاص إذا قطع من مفصل القدم أو من مفصل الركبة ومن مفصل الركبة أو من مفصل الورك، وإن قطعت من غير المفصل لا يجب القصاص. وفي الذخيرة: وكذلك الحكم في أصابع الرجلين إن قطعت من المفصل عمدا يجب القصاص، وإذا قطع الرجل خطأ من نصف الساق تجب الدية لاجل القدم وحكومة العدل فيما وراء القدم والكلام فيه نظير الكلام في اليد إذا قطعت من نصف الساعد. وإن كسر فخذه فبرأت واستقامت فلا شئ عليه، وفي قول أبي يوسف حكومة عدل، وذكر أبو سليمان عن محمد في كتاب الخراج قال أبو حنيفة: ما انكسر من إنسان يدا أو رجلا أو غير ذلك وبرئ وعاد كهيئته فليس فيه عقل، وإن كان فيه نقص بأن نقص بأن برئ العظم وبقي فيه ورم ففيه من عقله بحساب ما نقص، وكذلك في الجزاحة الجسم إذا برأ وعاد كهيئة فليس فيه شئ. ولو كان في شئ ذلك من شلل ففيه حكومة عدل إلا الجائفة فإن فيها ثلث دية النفس، وإذا طعن برمح أو غيره في دبره وصار لا يستمسك الطعام في جوفه ففيه الدية، وإذا ضرب فسلسل بوله وصار بحال لا يستمسكه ففيه الدية، وإذا ضرب فقطع فرج امرأة وصارت يحال لا يمكن جماعها ففيه الدية. وفي الينابيع: وكذا لو قطع فرجها من الجانبين حتى وصل إلى العظم، وإن قطع أحدهما ففيه نصف الدية. وفي فتاوى سمر قند: فإن جامع امرأة لا يجامع مثلها فماتت فعلى عاقلته ديتها. وفي جنايات المنتقي: إذا جامع امرأة فأقضاها حتى لا تستمسك البول فلا شئ عليه وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: إن كانت لا تستمسك البول فعليه الدية في ماله، وإن كانت تستمسك فعليه ثلث الدية وفي الكبرى: وإن كانت بحيث تستمسك ففيها ثلث
الدية وفي فتاوى الخلاصة: رجل جامع صغيرة لا يجامع مثلها فماتت، فإن كانت أجنبية فالدية على العاقلة، وإن كانت منكوحته فالدية على العاقلة والمهر على الزوج، ولو أزال بكارة امرأة بالحجر أو غيره يجب المهر. وفي الينابيع: وإن زني بها مطاوعة وأفضاها فلا شئ عليه عندهما. وقال أبو يوسف: تجب الدية على عاقلته. وفي الينابيع: وإذا ضرب امرأة فأقضاها وصارت بحيث لا
[ 41 ]
تستمسك، فإن كانت بكرا يجب جميع الدية ولا يجب المهر عندهما. وقال محمد رحمه الله: يجمع بينهما. وفي التجريد وقال أبو يوسف: وإذا وطئ امرأة بشبهة فأفضاها وصارت لا تستمسك البول تجب الدية ولا مهر لها. وقامحمد: لها المهر والدية. ولو دق فخذها أو يدها من الوطئ فأرش ذلك في ماله لانه قد يقع على جسدها، وفي المجامع يتعمد ذلك فهذا منه عمد. وعن أبي يوسف عن محمد: رجل جامع امرأة ومثلها يجامع فمماتت من ذلك فلا شئ عليه. وقال أبو يوسف: إذا جامع امرأة فذهب منها عين أو أفضاها إن ماتت فهو ضامن. وقال محمد: يضمن في هذا أكله إلا الافضاء والقتل في الجماع وهو قول أبي حنيفة فيما حكي عن هشام عن محمد قال: وهو قول أبي يوسف. وعن الفقيه أبي نصر الدبوسي: إذا دفع أجنبية فوقعت وذهبت عذرتها فعلى الدافع مثلها والتعزير. وعن الشيخ الامام أبي حفص الكبير سئل عمن دفع امرأة فذهبت عذرتها ثم طلقها قبل الدخول بها كان عليه نصف المهر في قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف عليه جميع المهر. بكر دفعت بكرا أخرى فزالت عذرتها قال محمد: على الدافعة مهر مثل الاخرى. قال رحمه الله: (وخير بين الارش والقود إن كان القاطع أشل أو ناقص الاصابع أو كان رأس الشاج أكبر) قيد بحالة القطع فجعلها قيدا في التخيير لانها لو تغيرت بعد القطع لا يخير كما سيأتي بيانه. وأطلق في الشلاء فشمل ما إذا كان ينتفع بها أو فلو قيد في الشلاء فقال شلاء ينتفع بها لكان أولى كما سنبينه أيضا. أما الاول فهما إذا كانت يد القاطع شلاء أو ناقصة الاصابع ويد المقطوع
صحيحة كاملة الاصابع فلا استيفاء حقه متعذر فيخير بين أن يتجوز بدون حقه في القطع وبين أن يأخذ الارش كاملا، ثم إذا استوفى القصاص سقط حقه في الزيادة. وقال الشافعي: يضمنه النقصان لانه قدر على استيفاء البعض فيستوفي ما قدر عليه وما تعذرا استيفاؤه يضمنه. ولنا أن الباقي وصف فلا يضمن بانفراده فصار كما لو تجوز بالردئ مكان الجيد، ولو سقطت يده المعيبة قبل اختيار المجني عليه بطل حقه ولا شئ له عليه فإن حقه تعين في القصاص لما مر أن موجب العمد القود عينا وحقه ثابت فيه قبل اختياره بخلاف ما إذا قطعت بقود أو سرقة حيث يجب عليه الارش. وقال الشافعي: يجب عليه الارش في الموضعين لانه لما تعذر استيفاء الحق طهر أنه كان مستحقا عليه بخلاف النفس إذا وجبت على القاتل فقتل بجناية أخرى حيث لا يضمن. وأما الثاني وهو ما إذا كانت رأس الشاج أكبر بأن كانت استوعبت ما بين قرني المشجوج وفي استيفاء ما بين قرني الشاج زيادة على ما فعل، وفي استيفاء قدر حقه لا يلحق الشاج من الشين مثل ما يلحق المشجوج فيتخير، ثم لو اختار القود يبدأ من أي الجانبين شاء لانه حقه في ذلك المحل فكان له أن يتخير، ولو كانت رأس المشجوج أكبر تخير أيضا لتقرير الاستيفاء كملا. وفي السراجية: ولا يقطع الابهام بالسبابة
[ 42 ]
ولا بالوسطى. والحاصل أنه لا يؤخذ شئ من الاعضاء إلا بمثله من القاطع. قال محمد في الاصل: وإذا قطع الرجل يد آخر وفيها ظفر سوداء يجب القصاص وإن لم يكن ظفر يد القاطع مسودا لان الاسوداد لا يوجب نقصانا في منفعة اليد وهي البطش ألا ترى أنه لو قطع إنسان يده خطأ كان على عاقلة القاطع نصف الدية، وإذا لم يكن للاسوداد في الظفر أثر في نقصان دية اليد صار وجود هذا العيب وعدمه بمنزلة اليد الشلاء، وإن كان نقصانا يوهن في البطش حتى يجب بقطعها حكومة عدل لا نصف الدية كان بمنزلة اليد الشلاء واليد لصحيحة لا تقطع بالشلاء. وإذا قطع الرجل يد رجل عمدا ويد القاطع ناقصة فهذا على وجهين: إما أن تكون ناقصة من حيث الصفة بأن كانت شلاء أو كانت ناقصة من حيث الاصابع بأن
كانت ناقصة أصبع أو إصبعين، فإن كان النقصان من حيث الصفة فالمقطوع يده بالخيار، فإن اختار القطع فلا شئ له مع القطع عندهم جميعا وإن شاء لم يقطع واحد يده حتى يصل إليه بدل حقه على الكمال من ماله، وكان الشهيد برهان الائمة يقول: إنما يثبت الخيار للمقطوعة يده في هذه الصورة إذا كانت اليد الشلاء مما ينتفع بها مع ذلك، فأما إذا كانت غير منتفع بها فهي ليست بمحل القصاص فلا يخير المجني عليه حينئذ بل له دية صحيحة كما لو لم يكن القاطع يد أصلا وبه يفتي، وتفريع المسألة بعد هذا على حسب ما ذكرنا في العين والسن الكبرى، وكذا لو كان القاطع صحيح اليد عند القطع فشلت يده بعد ذلك لا خيار للمجني عليه بين القصاص والارش بل يقطع الشلاء أو يترك ولا شئ له، وإن كانت ناقصة فهذا على وجهين: إن كان النقصان حاصلا لا بفعل أحد وإن كانت ناقصة من حيث القدر فكذلك يتخير، فإن اختار القطع فلا شئ له على القاطع. وقال الشافعي رحمه الله: أخذ منه أرض ما كان فائتا من الاصابع. هذا إذا كانت ناقصة وقت القطع فأما إذا نتقصت بعد القطع فهذا على وجهين: إن كان النقصان حاصلا لا بفعل أحد بأن سقط أصبح من أصابعه بآفة سماوية الجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت ناقصة وقت القطع، وكل جواب عرفته ثم فهو الجواب هنا، وإن كان بفعل أحد بأن قطع أصبعا من أصابعه ظلما أو قطع القاطع أصبعا أو قضى به حقا واجبا عليه فالجواب فهي كالجواب في اليد، هكذا ذكر شيخ الاسلام في شرحه. فهذا إشارة إلا أن للمقطوع يده الخيار في الفصول كلها غير أن النقصان إذا كان بآفة سماوية واختار قطع اليد لا شئ له من الارش عنده، وذكر شمس الائمة الحلواني في شرحه أنه إن قطع أصبعه بقصاص وجب عليه في الاصبح فللمقطوعة يده الخيار، وإن قطع يده ظلما فلا خيار للقطاع وليس له إلا القصاص. وأشار إلى الفرق فقال: إذا قطع أصبعه قصاصا فقد قضى بها حقا مستحقا عليه فيصير متلفا بعد حق صاحب الحق فيكون له الخيار ولا كذلك ما إذا قطع يده ظلما، وهذا الفرق إشارة إلى أنها لو سقطت بآفسماوية فلا خيار له. ذكر الشيخ أحمد الطواويسي في شرحه أنها إذا قطعت
[ 43 ]
بقصاص فله الخيار، وإذا قطعت ظلما أو بآفة سماوية فلا خيار له. هذا إذا كانت يد القاطع قائمة وقت القاطع، فأما إذا كانت فائتة وقت القطع بأن قطع يمين رجل ولا يمين للقاطع فحق المقطوع في الارش في ماله لانه لا يجد عين حقه وكان له بدل حقه، وإن كانت يد القاطع قائمة وقت القطع ثم فاتت بعد ذلك فهذا على وجهين: إما إن فاتت لا بفعله بأن فاتت بآفة سماوية بأن وقعت فيها أكلة فسقطت أو قطعها إنسان ظلما أو فاتت من جهته بأن قضى حقا واجبا، وإن أتلفه بنفسه بأن قطع يمينه، فإن فاتت بعد القطع لا بفعله فإنه يبطل حق المقطوع يده وذلك لان حق المقطو يده في العين فيفوت حقه بفوات العين كالعبد الجاني إذا هلك وكمال الزكاة إذا هلك ولا يضمن القاطع يده، وإذا قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل عمدا أو اقتص منه ثم قطع أحدهما بعد ذلك يد صاحبه عمدا فلا قصاص بينهما. وفي النوازل: مقطوع الابهام من يده اليمنى إذا قطع ساعد مثله لا قصاص وقال محمد: إذا قطع الرجل أصبع رجل من المفصل ثم قطع يد آخر وبدأ باليد ثم قطع الاصبع وذلك كله في يد واحد بأن كان في اليمنى وفي اليسرى وحضر صاحب الاصبع والمقطوعة يده وطلبا من القاضي القصاص فإن القاضي يقطع أولا لصاحب الاصبع ثم يخير صاحب اليد، فإن شاء قطع الثاني لجهته ولا شئ له من أرش الاصبع، وإن شاء لم يقطع يده وكان له دية اليد في ماله، فرق بين هذا وبين ما إذا قطع يمنى رجلين ثم جار أو طلبا حقهما من القاضي فإن القاضي لا يبدأ بأحدهما بل يقضي لهما بالقصاص في يمينه ودية في ماله، هذا الذي ذكرنا إذا كان صاحب الاصبع وصاحب اليد حاضرين، فأما إذا كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا، فإن كان الحاضر صاحب الاصبع فلا يقطع الاصبع له، وإن كان الحاضر صاحب اليد فإنه يقطع له، وإذا جاء صاحب الاصبع بعد ذلك فإنه يأخذ أرش الاصبع من ماله. ولو قطع رجل أصبع رجل من المفصل الاعلى ثم آخر قطع من المفصل الاوسط ثم آخر قطع أصبعا أخرى من المفصل السفلى وذلك كله في أصبع واحد. هذا على وجهين: إما أن يكون صاحب الاصابع حضورا أو
بعضهم غائبا، فإن كان الكل حضورا وطلبوا من القاضي حقهم فإن القاضي قطع من المفصل الا وعلى حق صاحب الاعلى لصاحب المفصل الاعلى، وإن كان صاحب الاسفل والاوسط ثابتا في الاعلى لانهما لا حق لهما في قطع المفصل الاعلى إلا على سبيل الشركة لان القاطع لم يضع السكين على المفصل من أصابعهما وإنما وضع على صاحب المفصل الاعلى من كل وجه، ثم خير صاحب المفصل، وإنما وضع على صاحب المفصل الاوسط من كل وجه لان حقه كان في مفصلين لان الفائت منفصلان فبفوات أحدهما يتخير كما خير صاحب اليد بعدما قطعنا الاصبع لصاحب الاصبع، فإن شاء قطع من القاطع مفصله الوسطى ولا شئ له من دية الاصبع، وإن شاء لم يقطع وضمنه ثلث دية الاصبع لانه فوت عليه من أصبع مفصلين فيضمن ثلث دي الاصبع. وإحضر أحدهم وغاب الآخران، فإن كان الحاضر صاحب المفصل الاعلى
[ 44 ]
يقطع، فإن قطع المفصل الاعلى له ثم حضر الآخران فإنهما يخبران على الوجه الذي ذكرنا، فإن اختار القطع لم يضمن لاحد منهما شيئا، وإن قطع كف رجل من مفصل ثم قطع الآخر مرفقة وكانا حاضرين فإنه يبدأ بحق صاحب الكف. وفي الكافي: قطع يمين رجلين فقطع أحدهما إبهامه وقطع الآخر كفه فعلى قاطع اليدين خمسة آلاف درهم لقاطع الابهام أربعة آلاف ولقاطع الكف ألف درهم، وإن بدأ الاجنبي فقطع أصبعا من أصابع القاطع ثم قطع أحد صاحبي القصاص بعد ذلك أصبعا من أصابع اليدين ثم عاد الاجنبي فقطع أصبعا من أصابع القاطع، ثم أن الذي لم يقطع شيئا من أصابع القاطع قطع الكف وعليها أصبع فإن القاضي يقضي على القاطع بدية يديه وأخذ ربعها للذي أخذ الكف وثلاثة أرباع للذي قطع الاصبع ولا يجعل الاصبع الذي قطعه الاجنبي قبل قطع أحد صاحبي القصاص قائما حكما، فإن اجتمع اصحب القصاص على قطع الكف مع الاصبعين فالدية المأخوذة تقسم بينهم لقاطع الاصبع والآخر الخمسة إتمامها. وفي الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل من المفصل وليس في الكف إلا أصبع واحد ففيه عشر الدين،
فإن كان فيه أصبعان فالخمس ولا شئ في الكف. وقالا: ينظر إلى أرش الاصبع بالكف فيكون عليه الاكثر ويدخل القليل في الكثير. سئل أبو يوسف ومحمد عن رجل قطع يد رجل خطأ ثم قطع رجله من خلاف خطأ ماذا يجب عليه؟ فقالا: يجب عليه دية كاملة لكل عضو نصفها. وفي الجامع الصغير الحاسمي: رجل قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات يقتل المقتص منه وعن أبي يوسف أنه لا يقتص. فصل لما كان تصور الصلح بعد تصور الجناية أتبع الصلح ذلك في فصل على حدة. قال رحمه الله: (وإن صولح على ما وجب حالا وسقط القود) يعني إذا صالح القاتل أولياء المقتول على مال عن القصا ص سقط القصاص ووجب المال حالا قليلا كان المال أو كثيرا لقوله تعالى * (فمن عفى له من أخيه شئ) * (البقرة: 178) الآية. ولقوله عليه الصلاة والسلام أولياء المقتول بين خيرتين أن يأخذوا المال أو يقتلوا القاتل بخلاف حق القذف فإنه حق الله تعالى فلا يجري فيه العفو ولا التعويض. وبخلاف ما إذا كان القليل خطأ حيث لا يجوز بأكثر من الدية لانه دين ثابت في الذمة فيكون أخذ أكثر منها ربا. وإنما وجب حالا لانه دين وجب بالعقود والاصل في مثله الحلول كالثمن والمهر بخلاف الدية لانها لم تجب بالعقد وإنما وجبت بسقوط القود، ولانه موجب العقد ولانه لم يرض ببذل
[ 45 ]
المال إلا مقابلا به فيوفر عليه مقصوده وهو الحال. وقوله وإن صولح الخ أطلق في العبارة فشمل ما إذا كان المقتول متعددا والقاتل واحدا قبل القضاء بالقصاص أو بعده والاطلاق في محل التقييد لا ينبغي، فلو قال وإن صالح في واحد قبل القضاء بالقصاص أو بعده إلى آخره كان أولى لان في قولنا في واحد يخرج ما إذا كان المقتول متعددا والقاتل واحدا قبل القضاء بالقصاص أو بعده والاطلاق في محل التقييد لا ينبغي، فلو قال وإن صالح في واحد أو حصل العفو، وبقولنا قبل القضاء أو بعده يفيد أنه إذا كان المقتول واحدا فالعفو يسقط القصاص قبل القضاء وبعده بخلاف ما إذا كان المقتول متعددا على تفصيل يأتي بيانه. قال رحمه الله: (وتنصف أن أمر الحر القاتل وسيد القاتل رجلا بالصلح عن دمهما على ألف
ففعل) معناه لو كان القاتل حرا وعبدا فأمر الحر القاتل ومولى العبد رجلا بأن يصالح عن دمهما على ألف درهم ففعل المأمور فالالف على الحر والعبد نصفان لانه مقابل بالقصاص وهو عليهما على السواء فيقسم بدله عليهما بالسواء، ولان الالف وجبت بالعقد وهو مضاف إليهما فينصف موجبه وهو الالف عليهما. قال رحمه الله: (فإن صالح أحد الاولياء من حظه على عوض أو عفا فلمن بقي حظه من الدية) لان كل واحد منهم متمكن من التصرف في نصيبه استيفاء وإسقاطا بالعفو وبالصلح لانه يتصرف في خالص حقه فينفذ عفوه وصلحه فسقط به حقه من القصاص، ومن ضرورية سقوط حقه سقوط حق الباقين أيضا فيه لانه لا يتجزئ، ألا ترى أنه لا يتجزئ ثبوتا فكذا سقوطا. وفي عبارة المصنف قصور من وجهين: الاول أنه يقال صالح عن كذا. وذكر في الكتاب كلمة من الثاني قوله من نصيبه يوهم تجزئ القصاص وقد قدمنا أنه لا يتجزئ، قال الشارح: بخلا فما لو قتل رجلين فعفا أولياء أحدهما حيث يكون لاولياء الآخر قتله لان الواجب فيه قصاصان لاختلاف القاتل والمقتول فسقط أحدهما لا يسقط الآخر ألا ترى أنهما يفترقان ثبوتا، وكذا بقاء بخلاف ما نحن فيه فإذا سقط انقلب نصيب من لم يعف مالا لانه تعذر استيفاؤه فيجب المال كما في الخطأ فإن سقوط القصاص فيه لمعنى في القتل وهو كونه مخطأ ولا يجب للعافي شئ لانه أسقط حقه المتعين بفعله ورضاه بلا عوض بخلاف شركائه لعدم ذلك منهم فينقلب نصيبهم مالا والورثة في ذلك كلهم سواء. قال مالك والشافعي: لا حق للزوجين في القصاص ولا في الدية لان في الوراثة خلافه وهي بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت. وقال ابن أبي ليلى: لا يثبت حقهما في القصاص لان سبب استحقاقهما العقد والقصاص لا يستحق بالعقد ألا ترى أن الوصي لا يثبت له حق في القصاص لان المقصود في القصاص التشفي والانتفاع وذلك يختص به الاقارب الذين ينصر بعضهم بعضا ولهذا لا يكون أحدهما عاقلة الآخر لعدم التناصر. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام من
[ 46 ]
ترك مالا أو حقا فلورثته (1) الحديث. والقصاص حقه فيكون لجميعهم كالمال، وأمر عليه الصلاة والسلام بتوريث امرأة أسيم الضبابي من دية زوجها أسيم، ولان القصاص حق يجري فيه الارث حتى إذا قتل وله ابنان فمات أحدهما عن ابن كان القصاص بين الابن وبين ابن الابن فيثبت كسائر الورثة، والزوجية تبقى بعد الموت حكما كما في حق الارث أو يثبت الارث مستندا إلى سببه وهو الجرح، وكانعلى رضي الله عنه يقسم الدية على من أحرز الميراث. والدية حكمها حكم سائر الاموال ولهذا لو أوصى بثلث ماله تدخل الدية فيه والقصا ص بدل النفس كالدية فيورث كسائر أمواله ولهذا لو انقلبت مالا فيقضي به دينه وتنفذ به وصاياة. واستحقاق الارث بالزوجية كاستحقاقه بالقرابة لا بالعقد ألا ترى أنه لا يرتد بالرد بخلاف الوصية ولهذا يتبين أن الاستحقاق ليس بالعقد بل بالعقد ولا يلزم من عدم التناصر وعدم العقل عدم الارث للقصاص ألا ترى أن النساء من الاقارب لا يعقلن ويرثن القصاص والدية أقرب منه إذا المرأة لا تعقل عنها أبناؤها الكبار ويرثونها. قال رحمه الله: (ويقتل الجمع بالمفرد) لما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا واحدا فقتلهم عمر به وقال: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولان القتل بطريق التغالب والقصاص شرع حكمه للزجر فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد به فيجري القصاص عليهم جميعا تحقيقا لمعنى الاحياء، ولولا ذلك لسد باب القصاص وفتح باب تغالب إذ لا يوجد القتل من واحد غالبا يغلب لا فيما يندر. قال صاحب النهاية: هذا جواب الاستحسان. وفي القياس لا يلزمهم القصاص لان المعتبر في القصاص المساواة لما في الزيادة من الظلم على المتعدي، وفي النقصان من البخس بحق المتعدي عليه ولا مساواة بين العشرة والواحد في شئ هذا يعلم ببداهة العقل فالواحد من العشرة يكون مثلا للواحد فكيف تكون العشرة مثلا للواحد؟ وأيد هذا القياس قوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس ولكن ترك هذا القياس بما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص
عليهم وقال: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. انتهى كلامه. أقول: فيه بحث لانه صرح بأن هذا القياس مقيد بقوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وقال في بيانه: وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس فعلى ذلك يلزم من ترك هذا القياس ترك العمل بمدلول الآية المذكورة وذا لا يجوز بما روي عن عمر رضي الله عنه لان عمر إن كان منفردا في قضائه
[ 47 ]
وقوله المزبورين فظاهر لان قول صحابي واد وفعله لا يصلحان للمعارضة لكتاب الله تعالى فضلا عن الرجحان عليه، وإن انضم إليه إجماع الصحابة حيث كانوا متوافرين ولم ينكر عليه أحد منهم فحل محل الاجماع كما صرح به في العناية وغيرها فكذلك إذ قد تقرر في أصول الفقه أن الاجماع لا يكون ناسخا للكتاب ولا السنة كما لا يكون القياس ناسخا لشئ منهما، فالحق في أسلوب تحرير هذا المقام أن لا يتعرض لحديث كون الآية المذكورة مؤيدة لما هو مقتضى القياس في هذه المسألة وأن يبين عدم المنافاة بين مدلول تلك الآية وبين جواب الاستحسان ههنا وسيجئ منا الكلام في التوفيق بينهما بعيد القول إن شاء الله تعالى. قالوا: القتل بطريق التغالب غالب والقصاص شرع لحكمه الزجر فيجب تحقيقا لحكمه الاحياء. قال صاحب العناية: لقائل أن يقول ما ذكرت من المقتول إن لم يكن قياسا على مجمع عليه لا يكون معتبرا في الشرع، وإن كان فلا يربو عن القياس المقتضى لعدمه الؤيد بقوله تعالى أن النفس بالنفس. والجواب أنه قياس سائر أبواب العقوبات المرتبة على ما يوجب الفساد من أفعال العباد ويربو على ذلك بوقة الباطن وهو إحياء كلمة الاحياء وقوله تعالى أن النفس بالنفس لا ينافيه لانهم في إزهاق الروح الغير المتجزئ عن مجموعهم وجعلهم كشخص واحد. اه كلامه. أقول: فيه نظر لان جعل الاشخاص المتعددة الذوات في الحقيقة شخصا واحدا بمجرد صدور إزهاق الروح الغير المتجزئ عن مجموعهم وجعلهم متساوين كشخص واحد بحيث يتحقق بين ذلك الشخص الواحد وبين هؤلاء لجماعة مماثلة معتبرة في القصاص بعيد جدا عن مساعدة العقل والنقل، وأيضا ينافي هذا ما سيأتي في تعليل المسألة الآتية من أن الاصل أن كل واحد منهم قاتل بوصف الكمال الصادر
منهم بهذا الاعتبار فثلاث متعددة على عدد رؤسهم فحصلت المماثلة المعتبرة في القصاص والحق عندي ههنا أن يقال: إن قوله تعالى أن النفس بالنفس لا ينافي ما قالوا في هذه المسألة إذ لا دلالة فيه على اعتبار الوحدة في النفس بل فيه مجرد مقابلة جنس النفس بجنس النفس كما ترى والمقصود منه الاحتراز عن أن تقتل النفس بما في قوله تعالى * (والعين بالعين والانف بالانف) * (المائدة: 45) ونحوهما. وأما أنه هل تحقق المماثلة المعتبرة في القصاص عند تعذر النفس في جانب القاتل والمقتول وإنما يستفاد ذلك من دليل آخر ألا ترى أن العين اليمنى لا تقتص بالعين اليسرى وكذا العكس مع أن قوله تعالى والعين بالعين لا يدل عليه نظرا إلى ظاهر إطلاقه بل إنما يستفاد ذلك من دليل آخر فكذا هنا تبصر. قال رحمه الله: (والفرد بالجمع اكتفاء) يعني إذا قتل واحد جماعة يقتل بهم يعني إذا حضر الاولياء وطلبوا يقتل بهم. وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: يقتل بالاول فقط. لونا أنه لو قتل كل واحد منهم بوصف الكمال فيقتل بهم لحصول التماثل. وفي الحاوي: قتل رجلا فقيل له لم قتلت فلانا فقال قد كان ذلك كله مكتوبا في اللوح المحفوظ، ثم قال آخر لم قتلت غلامي فقال
[ 48 ]
قتلت عدوي يقتل. وفي المحيط: وإذا قتل واحد رجلين يقتص بهما ولا يغرم الدية لان بقتله صار كل واحد منهما مستوفيا حقه على الكمال لان حق كل واحد منهما في عدم الحياة وبقتل الواحد حصل لهما إعدام الحياة معنى لما بينا. وإن حضر أحدهما والآخر غائب كان للحاصر أن يستوفي القصاص لان كل واحد في إتلاف كل النفس واستيفاء البعض لمكان المزاحمة ولا مزاحمة هنا لان حق الحاضر قد ظهر عند القاضي وحق الغائب لم يظهر وصار كأحد الشفيعين إذا حضر فقضى له بالجميع فكذا هذا. ولو كان قطع اليدين لهما فقطع لاحدهما والمسألة بحالها فللآخر دية يده بخلاف القصاص بالنفس إذا قضى لاحدهما وقتله لم يجب للآخر شئ لان فوات حقه في الاستيفاء يكون سببا لقصور في المحل فإنهما إذا اجتمعا واستوفيا صار كل واحد منهما مستوفيا حقه على الكمال فلا تجب معه الدية، وإما في الطرف
فوات حقه بسبب قصور في المحل لا يضر عن إيفاء حق كل واحد منهما فيجب الضمان. ولو عفا أحدهما قبل القضاء بالقصاص أو الدية بطل حقواقتص للآخر لان المزاحمة قد انقطعت بالعفو فبقي حق الآخر في الكل، وإن عفا بعد القضاء بالقصاص وصالح ولي المقتول فالدية بينهما، فلو قتل وقطع اليد من آخر وأخذ الدية فللساكت دية اليد عند محمد. وقالا: للساكت أن يقطع اليد على أن لهما حق استيفاء القصاص في يد واحدة واستيفاء دية واحدة ولا قصاص مع وجود الموافقة والملائمة وانعدام المنازعة والمشاجرة ولكنه أقصى ما يجب لهما وهو أن يجتمعا على القطع وأخذ الدية بينهما فصار الحال بعد القضاء كالحال قبله. ولو أخذ الدية عن اليد ثم عفا أحدهما يكون للآخر نصف الدية لانهما لما قبضا الدية فقد ملكاها، ومن ضرورة ثبوت الملك في المستوفي أن لا يبقى الحق في اليد فسقط حق كل واحد منهما في نصف اليد كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد فلا يتمكن من استيفاء كل اليد بدون نصيب العافي فبطل حقه في القصاص فامتنع القطع لان موجبه الدية في نصيبه كما إذا كان خطأ، ولو أخذ الدية كفيلا ثم عفا أحدهما فللآخر القصاص لان الكفالة توقيف. قال رحمه الله: (فإن حضر واحد قتل وسقط حق البقية) كموت القاتل حتف أنفه لفوات محل الاستيفاء فصار كموت العبد الجاني وفيه خلاف الامام الشافعي لان الواجب عنده أحدهما على ما بينا، فإن فات أحدهما قضى الآخر لفوات المحل وقد قدمناه. قال رحمه الله: (ولا يقطع يد رجلين بيد) معناه إذا قطع رجلان يد رجل فلا قصاص على واحد منهما. وقال الامام الشافعي: تقطع أيديهما ومحل الخلاف فيما أخذ سكينا واحدا من جانب وأمراها على يده حتى انقطعت هو يعتبرها بالانفس لان الاطراف تابعة لها وملحقة بها فأخذت حمها بخلاف ما إذا أمر أحدهما السكين من جانب والآخر من جانب حتى التقت السكينان في الوسط وبانت اليد حيث لا يجب القصاص فيه على واحد منهما لانه لم يوجد من كل واحد منهما إمرار السلاح على بعض العضو. ولنا أن كل واحد منهما قاطع للبعض لان ما
[ 49 ]
انقطع بقوة أحدهما أن يقطع بقوة الآخر فلا يجوز أن يقطع الكل بالبعض والاثنين بالواحد لانعدام المساواة فصار كما إذا أمرها كل واحد من جانب الآخر بخلاف النفس فإن شرط فيه المساواة في العصمة لا غير، وفي الطرق يعتبر المساواة في النفع والقيمة ولهذا لا تقطع الصحيحة بالشلاء النفس السالمة من العيوب تقتل بالمفلوج والمسلول، وكذا الاثنان بالواحد فلا يصح القياس على النفس، ولان زهوق الروح لا يتجزئ فأضيف إلى كل واحد كلا وقطع العضو يتجزئ ألا ترى أنه يمكن أن يقطع البعض ويترك الباقي، وفي القتل لا يمكن ذلك ولهذا لو أمر أحدهما السكين علقفاه والآخر على حلقه حتى التقتا في الوسط ومات منهما يجب القصاص وفي اليد لا يجب، ولان القتل بطريق الاجماع غالب مخالفة الغوث لا في القطع لانه يحتاج إلى مقدمات بطيئة فيلحقه الغوث بسببها كالنداء ونقول ثبت وجوب القصاص في النفس والاجتماع على خلاف القياس والطرف ليس مثلها فلا يحلق بها. وقوله رجلان مثال وليس بقيد قال في التجريد: إذا قطع رجلان يدي رجل فلا قصاص عليهما وعليهما الدية، وكذا ما زاد على هذا العدد في هذا الحكم سواء. وقال محمد رحمه الله في الزيادات: رجل قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل وبرأ منه ثم عاد وقطع الثاني أيضا ثم اختصما إلى القاضي فالقاضي يقضي على القاطع بالقصاص في المفصل الثاني. هذا الذي ذكرنا إذا قطع المفصل الاعلى وبرئ ثم عاد وقطع المفصل الثاني فإنه يقطع أصبع القاطع من المفصل الاسفل ويجعل كأنه قطع المفصلين بدفعة واحدة، فمن مشايخنا مقال ما ذكر ههنا قولهما، أما على قول أبي حينفة رحمه الله للمقطوع مفصلاه أن يقطع المفصل الاعلى ثم الاسفل، ومنهم من قال هذا قول الكل، ولو قطع المفصل الاعلى واقتص من القاطع ثم عاد وقطع المفصل الثاني وبرئ يجب لوجود المساواة، فرق بين هذا وبين رجلين مقطوعي الاصابع قطع أحدهما كف صاحبه لا يقطع كف القاطع. أقول فيه نظر لان المساواة ممكنة فينبغي أن يقطع لامكانها فتدبره، وكذا إذا كان مقطوع الكف قطع أحدهما زند صاحبه لا يقطع زند القاطع. ولو قطع من أصبع رجل نصف مفصل وكسر وبرئ ثم قطع ما بقي من المفصل
وبرئ فلا قصاص عليه في شئ من ذلك، أما في النصف الاول فلحلول الجناية في العظم، وأما في النصف الثاني فلعدم المساواة لان أصبع القاطع حال ما قطع الثاني من المفصل صحيحة والاصبع المقطوعة من نصف المفصل ناقصة ولو لم يحل بينهما برئ يجب القصاص في المفصل وجعل كأنه قطع المفصل بدفعه واحدة، وكذلك لو قطع الاصابع من رجل وعاد وقطع الكف إن لم يحل بنيهما برء يجب القصاص في يد كأنه قطع الكل دفعة واحدة وإن حال بينهما برء يجب القصاص في الاصابع وحكومة عدل في الكف، وكذا إذا قطع حشفة إنسان خطأ ثم عاد وقطع باقي الذكر إن كان قبل تخلل البرء تجب دية واحدة، وإن كان تخلل بينهما برء يجب كمال الدية في الحشفة وحكومة عدل في الباقي. ولو قطع المفصل الاعلى من أصبع
[ 50 ]
رجل فقبل البرء قطع النصف من المفصل الثاني ثم برئ القصاص وجعل كأنه من الابتداء قطع النصف من المفصل الثاني وهناك لا يجب القصاص بل يجب الارش فهذا ذلك، ولو برأ من القطع الاول ثم قطع النصف من المفصل الثاني يجب القصاص في المفصل الاعلى لوجود الشرط ويجب نصف الارش في الثاني. وفي الظهيرية: ولو قطع آخر كفه ثم قطع آخر مرفقه فمات، فإن كان عمدا فقصاص النفس على الثاني ودية القاطع على الاول وهذا قول علمائنا الثلاثة. وقال زفر: إن كان عمدا وإن كان خطأ وليتخلل البرء فدية النفس عليهما. وإن قطع أصبع رجل عمدا ثم قطع آخر كفه خطف مات يقتص من قاطع الاصبع وعلى عاقلة الآخر دية النفس. وقال زفر: لا يقتص ولكل واحد منهما نصف الدية، وإذا ضرب رجل على يد رجل فشلت اليد فعليه دية كاملة. وفي النوازل: وسئل شداد عن رجل قطع رأس أصبع رجل من مفصله قال: يقتص منه فإن اقتص منه ثم قطع أحدهما يد صاحبه فقال ليس بينهما قصاص. وفي العيون: رجل قطع أصبع رجل خطأ فجاء آخر وقطع كفه عمدا فمات منها جميعا في قول الامام لا يجب القصاص وعلى كل واحد منهما نصف الدية وبه قال الامام
الشافعي رحمه الله تعالى: وقال أبو يوسف رحمه الله: يقطع من الكف وعلى عاقلة الذي قطع الاصبع دية الاصبع. وفي شرح الطحاوي ومن قطع يد مرتد فأسلم فمات فلا شئ على القاطع. ولو قطع يده وهو مسلم فارتد فمات فعليله دية اليد لا غيره، ولو رجع إلى الاسلام ثم مات فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليه دية النفس، وفي قول محمد عليه دية اليد. وكذلك لو لحق بدار الحرب ولم يقض القاضي بلحوقه ثم عاد مسلما فمات تجب دية اليد لا غير. وفي شرح الطحاوي: ومن قطع من رجل يدا أو رجلا أو أصبعا أو نملة من أصبع أو ما سوى ذلك مفصلا من المفصل عمدا فعليه القصاص بعد البرء من الجناية ولا قصاص عليه قبل ذلك، وإذا قطع رجل يد آخر عمدا فإن كان القاطع والمقطوع حرين مسلمين أو كتابين أو أحدهما مسلم والآخر كتابي يجري القصاص بينهما أو كانا امرأتين حرتين مسلمتين أو أحدهما مسلمة والاخرى كتابية أو كانتا ذميتين يجب القصاص. ولو كانا عبدين أو أحدهما عبد والآخر حر أو أحدهما ذكر والآخر أنثى فلا قصاص بينهما والارض في ماله حالا. وهذا كله بيان حكم العمد رجعنا إلى بيان حكم الخطأ فنقول وبالله التوفيق: اليدين إذا قطعتا خطأ الدية لفوات جنس المنفعة على الكمال وفي أحدهما نصف الدية ولا تفضل اليمن على الشمال وإن كانت اليمين أكثر بطشا من الشمال لان العبرة في الجنايات لجنس المنفعة لا للزيادة، وفي اليد إذا قطعت من نصف الساعد دية اليد وحكومة عدل فيما وراء الكف وهو قول الحنفي والشافعي، روى صاحب الامالي عن أبي يوسف أنه لا يجب في الساعد شئ وهو قول زفر ومالك وسفيان والثوري، وكذلك على هذا الاختلاف إذا قطع اليد من المرفق أو المنكب فإنه يجب في الكف دية
[ 51 ]
اليد وحكومة العدل فيما وراء الكف. وعن أبي يوسف ومن تابعه في المسألة الاولى أنه يجب دية اليد لا غير والصحيح قولابي حنيفة. وفي الظهيرية: ولو قطع رجل ثلاثة أصابع من كف رجل خطأ ثم قطع آخر أصبعين ثم شلت الكف من الجراحتين فعلى الاول دية ما قطع. وعلى الثاني دية ما قطع ما بقي من الكف بعد الاصابع فهو نصفان، فما يصيب صاحب الاكثر دخل
أرش الاقل في الاكثر، وأما النصف الآخر إن كان الآخر قطع أصبعين فعليه خمسا دية الاصل وهو عشر الدية، وفي الانملة حكومة عدل. والظفر إذا نبت كما كان لا شئ فيه، وإن نبت على عيب فحكومة دون الاوى. وفي الينابيع: إذا قطع اليد من العضد والرجل من الفخد فعندهما فيه الدية وما فوق الكف والقدم ففيه حكومة عدل، وعند أبي يوسف ما فوق الكعب إلى القدم تبع للاصابع. وإذا كسر يد عبد رجل أو رجل لا يجب في الحال شئ. وفي الكافي: ولو قطع اليد وفيها ثلاث أصابع فعليه ثلاثة أخماس دية اليد ولا شئ في الكف بالاجماع وقاطع يد لا كف له فلا قصاص عليه في الساعد. وقال أبو يوسف: إذا كانا سواء اقتص منه وعلى هذا الاختلاف إذا قطع كف رجل وفيها أصبع زائدة وفي يد القاطع أصبع زائدة، ولو قطع أصبعا زائدا في يده مثلها لا قصاص بالاجماع. وقال أبو حنيفة في الاقطعين والاشلين إنه لا قصاص وهو قول أبي يوسف في رواية الحسن عنه، وذلك مقطوع الابهام والاصبع كلها إذا قطع يد أشل فلا قصاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي الخانية: لو قطع أظافر اليدين أو الرجلين روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا قصاص فيه وفيه حكومة عدل، ولو كسر عظما من ساعد أو ساق أو ترقوة أو غيره فقيه حكومة عدل. قال رحمه الله: (وضمنا ديتها) أي ضمن القاطعان دية المقطوع لان التلف حصل بفعلهما فيجب عليهما نصف الدية على كل واحد منهما الربع فتجب في مالهما لان العاقلة لا تتحمل العمد. قال رحمه الله: (وأن قطع واحد يميني رجلين فلهما قطع يمينه ونصف الدية) يعني إذا حضرا معا سواء كان القطع جملة واحدة أو على التعاقب. وقال الشافعي: إن قطعهما على التعاقب يقطع للاول منهما ويغرم أرش اليد للثاني. ولنا أن المساواة في سبب الاستحقاق يوجب المساواة في الاستحقاق ولا عبرة في التقدم والتأخر كالغريمين في الشركة. وهذا لان حق كل واحد منهما ثابت في كل اليد لتقرر السبب في حق كل واحد منهما وهو القطع. وكونه مشغولا يحق الاول لا يمنع تقرر السبب في حق الثاني، ولهذا لو كان القاطع لهما عبدا استويا في استحقاق رقبته، ولو ان يمنع بالاول لما شاركه الثاني بخلاف الرهن لانه
استيفاء حكما فلا يثبت للثاني بعد ما ثبت للاول كالاستيفاء حقيقة، فإذا لم يمنع الاول بثبوت حق الثاني فيها استويا فيها يقطع لهما إذا حضرا معا لعدم الاولوية ويقضي لهما بنصف الدية يقسمانه نصفين لاستوائهما فيه بخلاف ما إذا كان القصاص في النفس حيث يكتفي فيه
[ 52 ]
بالقتل لهما ولا يقضي لهما بالدية لما بينا من الفرق فيما تقدم وقد مثاله مزيد بيان فارجع إليه. قال رحمه الله: (وإن حضر واحد فقطع يده له فللآخر عليه نصف الدية) لان للحاضر أن يستوفي حقه ولا يجب عليه التأخير حتى يحضر الآخر ثبوت حقه بيقين وحق الآخر متردد لاحتمال أن لا يطلب أو يعفو مجانا أو صلحا فصار كأحد الشفيعين إذا حضر والآخر غائب حيث يقضي له بالشفعة في الكل لما قلنا. ثم إذا حضر الآخر بعد ما قطعت للآخر وطلب يقضي له بالدية لان يده وفاؤها حق مستحق عليه فيضمنها لسلامتها له. ولو قضى بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما قبل استيفاء الدية فللآخر القود عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد له الارش لان القصاص بالقضاء أثبت الشركة بينهما فعاد حق كل واحد منهما إلى البعض، فإذا عفا أحدما فقد منع الآخر من استيفاء الكل. ولهما أن الامضاء من القضاء في العقوبات فالعفو قبله كالعفو قبل القضاء، ولو قطع أحدهما يد القاطع من المرفق سقط القصاص لذهاب اليد التي فيها القصا ص بالقطع ظلما ولا ينقلب مالا كما كما إذا قطعها أجنبي أو سقطت بآفة سماوية، ولهما نصف الدية على حالها لانها واجبة قبل قطعهما ولا تسقط بالقطع ظلما، ثم القاطع الاول بالخيار إن شاء قطع ذراع القاطع، وإن شاء ضمنه دية اليد وحكومة عدل في قطع الذراع إلى المرفق لان يد القاطع كانت مقطوعة من الكف حين قطع القاطع الاول من المرفق فكانت كالشلاء، وعلى هذا لو كان المقطوع يده واحدا فقطع القاطع من المرفق سقط حقه في القصاص ووجب عليه القصاص، وللمقطوع من المرفق الخيار إن شاء قطع من المرفق، وإن نشاء أخذ الارش لما ذكرنا وقدمنا له مزيد بيان. قال رحمه الله: (قال رحمه الله: (وإن أقر عبد بقتل عمد يقتص منه) وقالزفر رحمه الله: لا يصح إقراره لانه يؤدي إلى إبطال
المولى فصار كالاقرار بالقتل خطأ أو بالمال. ولنا أنه غير متهم في مثله لكونه يلحقه الضرر به فيصح، ولان العبد يبقى على أصل الحرية في حق الدم عملا بآدميته ألا ترى أن إقرار المولى عليه بالحدود والقصاص لا يجوز فإذا صح لزمه إبطال حق المولى ضرورة وذلك لا يضر، وكم من شئ يصح ضمنا وإن كان لا يصح قصدا بخلاف الاقرار بالمال لانه إقرا على المولى بإبطال قصدا لان موجبه بيع العبد أو الاسيتيفاء، وكذا إقراره بالقتل خطأ لان موجبه دفع العبد أو الفداء على المولى ولا يجب على العيد شئ ولا يصح سواء كان العبد محجورا عليه أو مأذونا له في التجارة لانه باطل. قال رحمه الله: (وإن رمى رجلا عمدا فنفذ السهم منه إلى آخر يقتص للاول وللثاني الدية) لان الاول عمد والثاني أحد نوعي الخطأ وهو الخطأ في الفعل فكأنه رمى إلى حربي وأصاب مسلما والفعل الواحد يتعدد بتعدد أثره والله تعالى أعلم. فصل: لما فرغ من ذكر حكم الجناية الواحدة شرع في ذكر الجنايات المتعددة لان الاثنين
[ 53 ]
بعد الواحد. قال رحمه الله: (ومن قطع يد رجل ثم قتله أخذ بالامرين ولو عمدين أو مختلفين أو خطئين تخلل بينهما برأو لا إلا في خطئين لم يتخلل بينهما برء فتجب دية واحدة كمن ضرب رجلا مائة سوط فبرئ من تسعين ومات من عشرة) يعني إذا قطع يده ثم قتله يجب عليه موجب القطع وموجب القتل إن كانا عمدين أو أحدهما عمد والآخر خطأ أو كانا خطئين وتخلل بينهما برء وفي خطئين لم يتخلل بينهما برء فتجب عليه دية واحدة، فحاصله أن الكل لا يتداخل إلا في خطئين فإنهما يتداخلان فيجب فيهما دية واحدة، إذا لم يتخلل بينهما برء، وإن تخلل بينهما برء لا يتداخلان. أما الاول وهو ما إذا كانا عمدين فالمذكور قول أبي حنيفة، وعندهما يتداخلان فيقتل حدا ولا يقطع يده لان الجمع بينهما ممكن لتجانس الفعلين وعدم تخلل البرء بينهما فصار كالخطاين، وهذا لان الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن لان القتل يقع بضربات غالبا واعتبار كل ضربة على حدتها يؤدي إلى الحرج فيجمع تيسيرا إلا أن لا يمكن بأن يختلف حكم الفعلين كالعمد والخطأ أو يتخلل البرء بينهما لان
البرء قاطع للسراية فلا يمكن أن يجعل الثاني تتميما للاول فيعتبر على حاله وأمكن ذلك قبل البرء فصار كسراية الاول. وله أن الجمع متعذر لان حز الرقبة يمنع سراية القطع كالبرء حتئ لو صدر من شخصين وجب عى كل واحد منهما القصاص فكذا إذا كان من شخص واحد فتقطع أولا يده ثم يقتلوه إن شاؤوا وإن شاؤا قتلواه من غير قطع لان القصاص يعتمد المساواة في الفعل وذلك بأن يكون القتل بالقتل والقطع بالقطع واستيفاء القطع بالقتل متعذر لاختلافهما حقيقة وحكما، ولان المماثلة صورة ومعنى يكون باستيفائهما وبالاكتفاء بالقتل لم توجد المماثلة إلا معنى فلا يصار إليه مع القدرة على المماثلة صورة ومعنى فيخير الولي بخلاف ما إذا مات من السراية لان الفعل واحد، وبخلاف ما إذا كان خطأين لان الموجب فيه الدية وهو بدل المحل والمقتول واحد ألا ترى أن عشرة لو قتلوا واحدا خطأ يجب عليهم دية واحدة لاتحاد المحل وإن تعدد الفعل، ولو قتلوه به جميعا لان القصاص جزاء الفعل وهو متعدد وإن اتحد، ولان أرش اليد لو وجب كان يجب عليه عند الجزاء لانه وقت استحكام أثر الفعل ولا سبيل إليه لانه حينئذ تجب دية النفس بالجزاء فيجتمع وجوب بدل الجزاء والكل في حالة واحدة وهو محال، ولوجب ذلك لوجب بقتل النفس الواحد ديات كثيرة للاطراف لانها تتلف بتلف النفس، أما القتل والقطع فقصاصان فأمكن اجتماعهما، وبخلاف ما إذا قطع وسرى حيث يكتفي بالقطع لاتحاد الفعل. وأما الثاني وهو ما إذا كانا مختلفين بأن كان أحدهما خطأ والآخر عمدا. والثالث وهو ما إذا كانا خطأين وتحلل بينما برء فلان الجمع
[ 54 ]
غير ممكن فيهما لاختلاف حكم الفعلين في الاول ولتخلل البرء في الثاني وهو قاطع للسراية فيعطي لكل فعل حكم نفسه. وقوله لا في خطأين لم يتخلل بينهما برء فتجب دية واحدة وهذا إخراج من قوله آخذ بالامرين أي موجبي فعله إلا في هذه الصورة فإنهما يتداخلان لا يؤخذ إلا بالقتل فيجب فيه دية النفس لا غير وقد بينا وجهه في أثناء البحث. وقوله كمن ضرب رجلا مائة سوط فبرئ ومن تسعين ومات من عشرة يعني تجب فيه
دية واحدة كما إذا كان القطع والقتل خطأين ولم يتخلل بينهما برء وإنما كان كذلك لان الضربات التي برأ منها ولم يبق لها أثر سقط أرشها لزوال الشين، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعن أبي يوسف وفيها حكومة عدل. وعن محمد أنه يجب فيها أجرة الطبيب وثمن الادوية وستأتي المسألة بأدلتها في فصل الشجاإن شاء الله تعالى. ولو بقي لها أثر بعد البرء يجب موجبه مع دية النفس بالاجماع لان الارش يجب باعتبار الشين في النفس وهو ببقاء الاثر، ولو قطع أصبعه أو يده ثم قطع الآخر ما بقي من اليد فمات كان القصاص على الثاني في النفس دون الاول ويقطع أصابع الاول أو يده. وقال زفر والشافعي: يقتلان. ولهما أن زوال الحياة مضاف إلى القطعين لانه اتصل الموت بهما قبل البرء وزال أثر بهما وليس أحدهما بإضافة الازهاق إليه أولى من الآخر فأصنف إليهما كما لو قطع كل واحد منهما يدا على حدة قبل البرء. ولنا أن زوال الحياة ألم الثاني غير قطع الاول فصار زوال الحياة مضافا إلى القطع الثاني فصار الثاني قتلا دون الاول بخلاف ما لو قطع كل واحد يدا على حدة أو أصبعا على حدة لان محل قطع الاول قائم وقت الموت فيتصور منه حدوث زيادة الالم فحصل بألم حدث القطعين فصار الموت مضافا إليهما، وإذا قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل فبرئ ولم يقتص حتى قطع مفصلا آخر من تلك الاصبع يقطع له المفصل الاعلى دون الاسفل وعليه أرش من الاسفل لان القصاص مبناه على المساواة وحال قطع الثاني لا يمكن المساواة لسلامة أصبع القاطع وفوات مفصل المقطوع، ولان أصبع القاطع وإن كانت مستحقة بالقصاص ولكن ملك القصاص ملك ضرورة لا يثبت إلا عند الاستيفاء فقتله يكون مقصودا به مملوكية صاحبه، ولهذا لو قلنا لو قطعت يد من عليه القصاص إن كان عمدا يجب القصاص، إن كان خطأ يجب الارش له لا لمن له القصاص لانه لم توجد المساواة حال قطع الثاني، وكذلك لو أبرأ الثاني ثم قطع المفصل الثالث ولم لم يكن القطعين برئ ووجب له القصاص في كل الاصابع. بقطعها من أصلها مرة واحدة لانه لم يتخلل بين القطعين برء وجعلنا كلا الفعلين جناية واحدة كأنه قطع ابتداء من المفصل الثاني بفعل واحد.
وفي المبسوط: أصله أن تعذر استيفاء القصاص لتعذر القتل أنه متى جاء من قبل القاتل فصار إلى المال اعتبارا بالخطأ فإن هناك امتنع استيفاء القصاص بمعنى من جهة القاتل
[ 55 ]
وهو الخطأ، فإذا تعذر صيانة الاستيفاء القصاص من قبل من له الحق لا يصار إلى المال لان الشرع غير حقه في القصاص لكن هو الذي فوته وفرط بإتيان ما أعجزه فأهدره فلم يبق مستحقا للنظر، وإذا أقر القاتل بالخطأ وادعى الولي العمد لم يقتص ولزمه الدية استحسانا. وقال زفر: لا يلزمه شئ قياسا لان ما أقربه لم يثبت لانه كذبه المدعي في إقراره بمقتضي دعواه القصاص وصار كما لو أقر القاتل بالعمد وادعى الولي الخطأ لا يلزمه شئ فكذا هذا. ولنا أنهما تصادقا على القتل إلا أنه تعذر استيفاء القصاص بمعنى من قبل القاتل وهو دعوى الخطأ فتجب الدية صونا لدمه عن الهدر. ولان في زعم الولي أن القصاص هو الواجب إلا إنه لما أقر بالخطأ فقد أقر بالمال وللولي ترك القصاص وأخذ المال ولم يكن به صريحا فيكون له أخذ المال. ولو أقر بالعمد وادعى الولي الخطأ بطل حقه لا تعذر استيفاء القصاص جاء من قبل من له الحق الزيادات، ولو ادعى الولي العمد على رجلين فقال أحدهما أنا قطعت يده عمدا وهذا الآخر قطع رجله عمدا وأنكر الآخر الجناية قال: يقتص من المقر لانهمتصادقا على وجوب القود ولو لم تتمكن الشبهة فيه حين أنكر الآخر الجناية لانه يمكن الشبهة إنما يكون باختلاط الموجب وغير الموجب في المحل وذلك لا يتصور قبل وجوب الجناية من الآخر. وإذا ادعى الولي الخطأ فلا شئ على المقر لانه لما أنكر الآخر الجناية صار كالعدم فبطل عدواه الخطأ، وإقرار القاتل بالعمد في هذا لا يجب شئ. وإن مات رجل من قطع يده ورجله فقال رجل قطعت يده عمدا وقال قطع عمرو رجله عمدا فقال الولي بل أنت قطعتهما يجب القصاص عليه لانهما تصادقا عل وجوب القصاص والشركة لم تثبت لعدم دعواه، وفإن قال الولي لا أدري من قطع رجله فلا شئعلى قاطع اليد لان قاطع الرجل مجهول يجز أن يكون خاطئا أو صبيا أو مجنونا فتعذر إيجاب
القصاص، وتعذر استيفاء القصاص جاء من قبل من له الحق، فإن جهل قاطع الرجل جهل قاطع اليد فلا يجب المال. ولو قال الولي بعد ذلك فلان قطع رجله عمدا وأنكر فلان ليس له أن يقتل المقر قياسا وله أن يقتله استحسانا لان الولد لا يعرف قاتل أبيه عند كثرتهم فيعتذر في التناقض. وعبر المؤلف بمن التي لفظها مفرد ومعناه جمع لانه لا فرق في الحكم بين ما إذا كان الفاعل مفردا أو متعددا. قال رحمه الله: (فإن عفا المقطوع عن القطع فمات ضمن القاطع الدية ولو عفا عن القطع وما يحدث منه أو عن الجناية لا فالخطأ من الثلث والعمد من كل المال) يعني لو قطع يد رجل عمدا أو أخطأ فقال المقطوع عفوت عن القطع فمات ضمن القاطع في العمد الدية بخلاف ما لو قال عفوت عن الجناية كما سيأتي. وأطلق المؤلف في قوله والخطأ من ثلث المال ولم يفرق بين ما إذا كان العافي يخرج ويجئ أو كان لا يخرج سيأتي بيانه. وقوله
[ 56 ]
بإطلاقه قول الامام. وفي الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل ظلما عمدا فعفا المقطوع يده عن القطع ثم سرى إلى النفس ومات أو شج إنسان موضحة عمدا فعفا المشجوج رأسه عن الشجة ثم سرى إلى النفس ومات يجب أن يعلبأن هنا مسألتين: أحدهما في العمد والاخرى في الخطأ. وكل مسألة على وجوه: إما أن يقول المقطوعة يده عفوتك عن الجناية أو يقول عفوتك عن القطع وما يحدث منه، فإن كانت الجناية عمدا فقال المقطوعة يده أو قال المشجوجة رأسه عفوتك عن الجناية صح العفو وبرئ من القطع أو الشجة أو ممات حتى لا يجب شئ في الحالين ثم تصح البراءة عن جميع المال، سواء برأ أو مات. وإن قال عفوتك عن القطع ولم يقل وما يحدث من القطع أو قال عفوتك عن الشجة ولم يقل وما يحدث منها صح العفو عندهم جميعا، فلو مات تجب الدية. قال أبو حنيفة: مع أن العفو باطل والقصاص أن يجب على المعفو عنه القصاص إلا أني أستحسن وجوب الدية في ماله. قال أبو يوسف ومحمد: بأن العفو عنه جائز ولا شئ على المعفو عنه لا القصاص ولا
الدية. وهذا الذي ذكرنا إذا كانت الجناية عمدا، فإذا كانت خطأ إن عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه صح العفو سواء برئ أو مات إلا أنه إن عفا في حال يخرج ويجئ ويذهب بعد الجناية وأنه على قول بعض المشايخ يعتبر من جميع ماله. وذكر في المنتقي في هذه الصورة أنه يعتبر من ثلث المال وإن عفا عن القطع إن اقتصر عن القطع إن برأ صح العفو بلا خلاف من جميع المال وإن صار قاتلا فعلى قول أبي حنيفة العفو باطل وكان على عاقلة القاتل الدية، وعندهما العفو جائز كما لو عفا عن القطع وعما يحدث منه إلا إنه إن عفا في حالة حكم الصحة بأن كان يذهب ويجئ يصح من جميع المال، وعلى قياس رواية المنتقي من ثلث المال، وإن عفا في حال حكم المرض بأن صار صاحب فراش يعتبر من ثلث المال. ولو قال عفوت عن الجناية أعن القاطع وما يحدث منه كان عفوا عند دية النفس بالاجماع حت ء إذا مات سقط كل الدية فيه غير أنه يعتير من الثلث في الخطأ لان موجبه المال وقد تعلق به حق الورثة فيعتبر من الثلث كسائر أمواله بخلاف ما إذا كان عمدا حيث يصح من جميع المال لان موجبه القصاص ولم يتعلق بحق الورثة لانه ليس بمال. قال في العناية: فيه بحث وهو أن القصاص موروث بالاتفاق فكيف لم يتعلق به حق الورثة ثم قال: والجواب عنه أن المصنف نفي تعلق حق الورثة به لا كونه موروثا ولا تنافي بينهما لان حق الورثة إنما يثبت بطريق الخلافة وحكم الخلف لا يثبت مع وجود الاصل. والقياس في المال أيضا أن لا يثبت فيه تعلق حق الورثة إلا بعد موت المورث لكن ثبت ذلك شرعا بقوله عليه الصلاة والسلام لان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وتركهم أغنياء إنما يتحقق بتعلق حقهم بما يتعلق به التصرف فيه والقصاص ليس بمال فلا يتعلق به لكنه موروث ا ه. أقول: في تقرير البحث المذكور
[ 57 ]
خلل فاحش وفي تحرير الجواب المزبور التزام ذلك، أما الاول فلانه سيجئفي أول باب الشهادة في القتل أن القصاص ثبت لورثة القتيل ابتداء لا بطريق الوراثة منه كالدين
والدية، فقوله أن القصاص موروث بالاتفاق كذب صريح وقد مر نظير هذا من صاحب العناية في الفصل السابق وثبت بطلانه هناك أيضا فتذكر. وأما الثاني فلانه لم يقع التعرض فيه لكونه القصاص غير موروث من المقتول عند إمامنا الاعظم بل سبق الكلام على وجه يشعر بكونه موروثا بالاتفاق ألا ترى إى قوله في خاتمته والقصاص ليس بمال فلا يتعلق به لكونه موروثا. وفي المحيط: ويكون هذا وصيللعاقلة، سواء كان القاتل واحدا منهم أو لم يكن لان الوصية للقاتل إذا لم تصح للعاقلة كمن أوصى لحي وميت فالوصية كلها للحي ا ه. وظهر هنا من قول صاحب المحيط وصية للعاقلة فساد ما اعترض به من الوصية للقاتل لا تصح ومن أن القاتل كواحد من العاقلة فكيف جازت الوصية له بجميع الثلث فتأمل. ويظهر من أن القول بأنه وصية أنه لو لم يكن له مال في العمد تسعى العاقلة في ثلثي الدية وفي الخطأ إن خرجت الدية من الثلث فلا سعاية، ولو لم تخرج من الثلث يسقط بقدر ما يخرج وتسعى العاقلة في البقية كما سيأتي في نظائره في كتاب الوصايا وهذا من خصائص هذا الكتاب. قال رحمه الله: (وإن قطعت امرأة يد رجل عمدا أو تزوجها على اليد ثم مات فلها مهر مثلها والدية في مثلها وعلى عاقلتها لو خطأ) يعني لو تزوج امرأة على قطعها يده عمدا فمات الزوج منه فلما مهر مثلها والدية في مالها وعلى عاقلتها لو خطأ وهذا قول الامام. ولم يفصل المؤلف بين ما إذا مات قبل الدخول أو بعده لكن في قوله مهر المثل يشير إلى أنه بعد الدخول. وفي الكافي: إما أن يكون القطع عمدا أو خطأ وكل مسألة على ثلاثة أوجه: إما أن تزوجها على القطع أو على القطع وما يحدث منه أو على الجناية وقد برئ من ذلك أو مات، فإن كان القطع عمدا وبرئ من ذلك صحت التسمية وصار أرش اليد مهرها لها عندهم جميعا. قال الشارح: فإذا كان القطع عمدا فهدا تزوج على القصاص في الطرف وهو ليس بمال على تقدير الاستيفاء وعلى تقدير وعلى تقدير السقوط أولا، فإذا لم يصلح مالا لا يصلح مهرا فيجب لها مهر المثل إذا مات ولا يجب القصاص لا يقال لا يجري القصاص بين الرجل
والمرأة في الاطراف فكيف يكون تزويجا عليه لانا نقول: الموجب الاصلي في العمد القصاص وإنما سقط للتعذر ثم تجب عليه الدية فإذا سرى تبين أنه قتل ولم يتناوله العفو فتجب الدية لعدم العفو عن النفس وذلك في مالها لان العاقلة لاتتحمل العمد. ا ه. قال في النهاية فإن قلت: لم لم يجب القصاص ههنا على المرأة مع أن القطع كان عمدا وهي قتل من الابتداء
[ 58 ]
فإذا مات ظهر أن الموجب الاصلي هو القصاص ولما لم يصلح القصاص مهرا صار كأنه تزوج ولم يذكر شيئا وفيه القصا ص فكذا ههنا. قلت: نعم كذلك إلا أنه لما جعل القصاص مهرا جعل ولاية استيفاء القصاص للمرأة، ولو استوفت القصاص تستوفيه من نفسها وهو محال ولما سقط القصاص بقي النكاح بلا تسمية فيجب مهر المثل كما إذا لم يسم ابتداء ا ه. ولو تزوجها على موجب القطع جاز فإن طلقها بعد الدخول بها أو مات عليها سلم لها جميع الارش، وإن طلقها قبل الدخول بها سلم لها من ذلك ألفان وخمسمائة ورد على الزوج ألفان وخمسمائة لانه تزوجها في الحاصل على خمسة آلاف، فإن طلقها قبل الدخول بها يسلم لها نصف ذلك ويلزمها أن ترد النصف على الزوج. هذا إذا أبرئ من القطع، وإن مات من ذلك فالتسمية باطلة عندهم جميعا ولها مهر مثلها. وقيد بقوله مهر مثلها المفيد أنه بعد الدخول لا قبل الدخول فلها المتعة، ثم القياس أن لا تجب عليها الدية في قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان تجب الدية في مالها، وعلى قولهما صح العفو ولم يكن عليها لا قصاص ولا دية لو مات. هذا إذا تزوجها على القطع قيد بذكر اليد فقط لانه إذا تزوجها على القطع وما يحدث منه إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها عندهم جميعا ويسلم لها ذلك، وإن كان أكثر من مهرها مثلها، وإن مات من ذلك بطلت التسمية وكان لها مهر مثلها وسقط القصاص مجانا بغير شئ ولا ميراث لها من زوجها لانها قاتلته وعليها عدة المتوفي عنها زوجها. وقيد بقوله عمدا لانها إذا كانت الجناية خطأ وقد تزوجها على القطع إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها، فإن دخل بها أو مات عنها سلم لها جميع ذلك
وسقط عن العاقلة، وإن طلقها قبل الدخول بها سلم لها نصف ذلك وذلك ألفان وخمسمائة وتؤدي العاقلة ألفين وخمسمائة إلى زوجها، فأما إذا مات من ذلك بطلت التسمية في قول أبي حنيفة وكان لها مهر مثلها وعلى عاقلتها دية الزوج، وعندهما تصح التسمية وتصير دية الزوج مهرا لها، فأما إذا تزوجها على القطع وما يحدث أو على الجناية إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها وإن مات ثم ينظر إلى مهر مثلها وإلى الدية، فإن كان مهر المثل مثل الدية لا شك أن الكل يسلم لها سواء تزوجها بعد القطع في حال ما يجئ ويذهب أو بعد ما صار صاحب فراش. وإن كان مهر مثلها أقل من الدية، فإن كان تزوجها في حال يجئ ويذهب أو بعد ما صار صاحب فراش. وإن كان مهر مثلها أقل من الدية، فإن كان تزوجها في حال يجئ ويذهب فالكل يسلم لها، وإن كانت الزيادة إلى تمام الدية تخرج من ثلث مال الزوج وتعتبر الزيادة على مهر مثلها وصية للعاقلة، وإن كانت لا تخرج الزيادة على مهرها مثلها من ثلث ماله فيقدر ما يخرج من الثلث يسقط عن العاقلة ويعتبر ذلك وصية لهم. هذا إذا لم يطلقها الزوح قبل موته حتى مات، فإن طلقها قبل موتها قبل الدخول بها سلم لها من ذلك خمسة آلاف مهر مثلها وصية للعاقلة ويسقط عن العاقلة، وإن كان مهر مثلها أقل من خمسة آلاف إن كانت الزيادة على غير مهر مثلها إلى تمام خمسة آلاف يخرج من ثلث ماله
[ 59 ]
فكذا يسقط عن العاقلة خمسة ألاف، وإن كان لا يخرج فبقدر مايخرج من الثلث مقدار مهر مثلها يسقط عن العاقلة ويردون الباقي إلى ورثة الزوج وكذلك إن تزوجها على الجناية فالجواب فيه من أوله إلى آخره كالجواب فيما إذا تزوجها على القطع، وما يحدث به اسماعيل بن عمار عن أبي يوسف في رجل قتل عمدا وله وليان فصالح واحد وليتي القاتل عن جميع الدين على خمسين ألفا فللذي صالح خمسة وعشرون ألفا والآخر الباقي، وهذا إذا تزوجها المقطوع يده، فلو تزوجها وليه قال امرأة قتلت رجلا خطأ فتزوجت ولي المقتول على الدية التي وجبت على العاقلة فذلك جائز والعاقلة برأت، فإن طلقها قبل الدخول بها رجع على العاقلة بنصف الدية. رجل شج رجلا موضحة عمدا أو صالحه المشجوج عن
الموضحة وما يحدث منها على مال مسمى قبضه ثم شجه رجل آخر موضحة عمدا ومات من الموضحتين فعلى الآخر القصاص ولا شئ على الاول، وكذلك لو كان الصلح مع الاول بعد ما شجه الآخر قال أبو الفضل: فقد استحسن في موضع آخر من هذا الكتاب أن له القصاص على الآخر إذا كان شجه بعد صلح الاول. رجل شج رجلا موضحة عمدا وصالحه عنها وما يحدث عنها على عشرة آلاف درهم وقبضها ثم شجه آخر خطأ ومات منها فعلى الثاني خمسة آلاف درهم عل عاقلته ويرجع الاول في ماله المقتول بخمسة آلاف درهم، وإن كانت الشجتان عمدا جاز إعطاء الاول وقتل الآخر، الاسبيجابي جامع الفتاوي. وعن أبي يوسف في جامع: إذا صالح الشاج من موضحة الخطأ على خمسمائة درهم ثم مات منها يحط عن العاقلة الثلث وبطل الصلح ويرجع الشاج بما دفع. وفي الكبرى: وهذا الجواب على قولهما خاصة، أما على قول أبي حنيفة فالصلح والعفو عن الشجة لا يتناول ما يحدث منها، فإذا مات المشجوج ها هنا صار وجود الصلح كعدمه عنده، ولو انعدم الصلح عنده فالدية على عاقة الشالج كذا هنا. وفي الظهيرية: وإن وقع الصلح على خمسة عشر ألفا بعد قضاء القاضي بعشرة آلاف فهذا الصلح باطل لما فيه من الزيادة على الدية، وإن كان المقضي به مائة من الابل فاصطلحا على مائة وخمسين إن وقع اصلح نسيئة لا شك أنه لا يجوز، وإن كان يدا بيد إن كان الابل بأعيانها ثم اصطلحوا على مائة وخمسين من الابل بأعيانها كان ذلك جائزا هذا إذا وقع الصلح على أكثر من النوع الذي وقع به القضاء، أما إذا وقع الصلح على أقل مما وقع به القضاء فإنه يجوز حالا ونسيئة، وإذا اصطلحا على خلاف جنس ما وقع به القضاء وقد صالحه على أكثر مما قضى به فإنه يجوز. هذا الذي ذكرنا إذا اصطلحا بعد القضاء أو الرضا، أما إذا اصطلحا قبل القضاء إن كان المصالح عليه أكثر من الدية فإنه لا يجوز. ابن سماعة عن محمد في رجل جرحه رجلان جراحة عمدا فقضى بالقصاص على أحدهما ثم مات من الجراحتين قال: لورثته أن يقتلوا الآخر، ولو جرحه رجل
[ 60 ]
جراحة عمدا وعفا عنه ثم جرحه آخر عمدا فلم يعف حتى مات منهما فلا قود على الثاني. وسئل أبو سلمة عجماعة كانوا يرمون على كل كلب عقور فأخطأ واحد منهم فأصاب صغيرة فماتت وعر ف أن هذا سهم فلان ولكن لم يشهد أحد أنه رماه فلان فصالح صاحب السهم على كرم ثم طلب المصالح رد الصلح قال: إن كان يعلم أن المصالح هو الذي جرحها وأن الصبية ماتت من تلك الجراحة فالصلح ماض، فإن علم أن الجارج صاحب السهم ولكن استغاثت الصغيرة بأبيها فلطمها أبوها فسقطت وماتت ولم يدر أنها ماتت من اللطمة أو من الرمي قال: فإن كان الصلح من الاب بإذن سائر الورثة فالصلح جائز والبدل لسائر الورثة ولا ميراث للاب، وإن كان الميراث بغير إذنهم فالصلح باطل. وفي نوادر هشام قال: سألت محمدا عند قلع سن صبي أو حلق رأس امرأة فصالح الجاني أبا الصبي والمرأة على دراهم ونبت الشعر أو السن فأخبر أن أبا حنيفة يرد الدراهم قال: وكذلك أقول، وكذلك قول محمد قال: وكذلك إن كان هذا كسر يده فصالحه عنها ثم جبرت وصحت؟ قال: نم. قلت: فإن زعم صاحب اليد أن يده قد ضعفت وليست كما كانت قال: أمر من ينظر إليها فإنه لا يكاد يخفي. قال رحمه الله: (وإن تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية فمات منه فلها مهر المثل) كما لو تزوجها على خمر أو خنزير وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولا شئ عليها) لانه رضي بسقوط القصاص على أنه يصير مهرا وهو لا يصير مهرا فسقط أصلا فصار كما إذا سقط القصار بشرط أن لا يصير مالا فإنه يسقط مجانا وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولو خطأ رفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية) لان التزوج على اليد وما يحدث منها أو على الجناية تزوج على موجبها وموجبها هنا الدية وهي تصلح مهرا فصحت التسمية إلا أنه يقدر مهر مثلها يعتبر من جميع المال لانه ليس فيه محاباة والمريض لا يجر عليه من التزوج لانه من الحوائج الاصلية فينفذ قدر مهر مثلها من جميع المال، وما زاد على ذلك من الثلث لانه تبرع والدية على عاقلتها وقد صارت مهرا فيسقط كلها عنهم إن كان مهر مثلها مثل الدية أو
أكثر، ولا يرجع عليهم بشئ لانهم كانوا يتحملون عنها بسبب جنايتها، فإذا صار ذلك ملكا لها يسقط عنهم أصلا فلا يغرمون لها، وإن كان مهر مثلها أقل من الدية سقط عنهم أيضا لانه وصيته لهم فيصح لانهم أجانب، وإن كان لا يخرج من الثلث سقط عنهم قدر الثلث وأدوا الزيادة إلى الولي لان الوصية لا نفاذ لها إلا من الثلث. ثم قيل لا يسقط قد نصيب القاتل لان الوصية للقاتل لا تصح، والاصح أنه يسقط كله لانه أوصى لمن تجوز له الوصية فهو كن أوصى لحي وميت فإن الوصية كلها تكون للحي، ولانه لو لم يسقط نصيبه لكان ذلك القدر هو الواجب بالقتل فتتحمله العاقلة عنه فينقسم أيضا فيلزم مثل ذلك عن نصيبه منه أيضا ثم هكذا وهكذا إلى أن لا يبقى منه شئ، فلو أبطلنا الوصية في صحته ابتداء لزمنا
[ 61 ]
تصحيحها انتهاء فصححناها ابتداء قصر للمسافة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: كذلك الجواب فيما إذا تزوجها على اليد أيضا العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فصار الجواب في الفصلين واحدا. وأقول: في عبارة المصنف احتمال آخر وهو أنه يجوز أن يكون معناها وللعاقلة ثلث ما ترك الميت وصية فيشمل الدية وغيرها، ولو قال المؤلف ولو خطأ دفع عن العاقلة مهر مثلها والباقي وصية فإن خرج من الثلث سقط وإلا فثلث المال لكان أولى، وقول المؤلف رفع إلى آخره فأفاد أن مهر المثل أقل من الدية كما بيناه. قال رحمه الله: (ولو قطع يده فاقتص له فمات الاول قتل به) يعني رجل قطع يد رجل فاقتص له فمات المقطوع الاول قتل المقطوع الثاني به وهو القاطع الاول قصاصا لانه تبين أن الجناية كانت قتلا عمدا من الاول واستيفاء الحق الاول لا يوجب سقوط حقه في القتل لان من له القصاص في النفس إذا قطع طرف من عليه القصاص ثم قتله لا يجب عليه شئ إلا أنه مسئ ألا ترى أنه لو أحرقه بالنار لا يجب عليه شئ غير الاساءة، فإذا بقي له فيه القصاص فلو ارثه أن يقوم مقامه. وعن أبي يوسف أنه يسقط حقه في القصاص لان إقدامه على القطع دليل على أنه أبرأه عن غيره قلنا: إنما قدم عليه على ظن أنه حقه فيه لا حق له في
غيره وبعد السراية تبين أن حقه في القول فلم يكن مبرئا عنه بدون علمه. قيد بقوله الاول لانه لو مات المقتص منه وهو المقطوع قصاصا من القطع فديته على عاقلة المقتص له عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: لا شئ عليه لانه استوفى حقه وهو القطع فيسقط حكم سرايته إذا لامتناع عن السراية خارج عن وسعه فلا يتقيد بشرط السلامة كيلا ينسد باب القصاص فصار كالامام، وإذا قطع يد السارق فسرى إلى النفس ومات كالنزاع والفصاد والحجام والختان وكما لو قال لغيره اقطع يدي فقطعهما ومات، وهذا لان السراية تبع لابتداء الجناية فلا يتصور أن يكون ابتداء الفعل غير مضمون وسرايته مضمونة. ولابي حنيفة أن حقه في القطع والموجود قتل حتى لو قطع ظلما كان قتلا فلم يكن مستوفيا حقه فيضمن، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فوجبت الدية بخلاف ما ذكروا من المسائل لان إقامة الحد واجب على الامام. قال رحمه الله: (وإن قطع يد القاتل وعفا ضمن القاتل دية اليد) وهذا عند الامام. قال في الكافي: ولا فرق بين ما إذا قضى له بالقصاص أو لا. وعندهما لا شئ عليه يعني لو قتل إنسان آخر عمدا فقطع وله المقتول يد القاتل وعفا ضمن الدية. أطلق فشمل ما إذا كان قتل فقط أو قتل وقطع وما إذا مات من القطع أو برأ وليس كذلك. فلو قال المؤلف في قتل فقط لكان أولى لانه علم ما تقدم لو قطع وقتل له فعلهما، ولو قال دية اليد لو برأ لكان أولى لانه محل الخلاف لهما أنه قطع يدا من نفس لو أتلفها لا يضمن كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم ثم سرى، وهذا لانه استحق إتلافه بجميع أجزائه إذ الاجزاء تبع
[ 62 ]
للنفس فبطل حقه بالعفو فيما بقي لا فيما استوفاه. ولهذا لو لم يعف لا يجب عليه ضمان اليد، وكذا إذا عفا ثم سرى لا يضمن والقطع الساري أفحش من المقتصر، أو قطع وما عفاه وما سرى ثم جز رقبته قبل البرء وبعد فصار كما لو كان له قصاص في اليد فقطع أصابعه ثم عفا عن اليد فإنه لا يضمن أرش الاصابع الاصابع من الكف كالاطراف من النفس. ولابي حنيفة أنه استوفي غير حقه فيضمن، وهذا لان حقه في القتل لا في القطع، وكان القياس أن
يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة إذ كان له أن يتلف الطرف تبعا للنفسه، وإذا سقط القود وجبت الدية. وإنما لم يضمن في الحال لاحتمال أن يصير قتلا بالسراية فيظهر أنه استوفى حقه وحقه في الطرف ثبت ضرورة ثبوت القتل وهذه الضرورة عند الاستيفاء لا قبله، فإذا وجد الاستيفاء ظهر حقه في الاطراف تبعا، وإذا لم يستوف لم يظهر حقه في الطرف لا أصلا ولا تبعا فتبين أنه استوفى غير حقه، فأما إذا لم يعف فإنما لم يضمن لمانع وهو قيام الحق في النفس لاستحالته أن يملك قتله وتكون أطرافه مضمونة عليه، فإن زال المانع بالعفو ظهر حكم السبب. وإذا سرى فهو استيفاء للقتل فتبين أن العفو كان بعد الاستيفاء. ولو قطع وما عفا وبرأ فهو على الخلاف في الصحيح، ولو قطع ثم حزر قبته قبل البرء فهو استيفاء لان القطع انعقد على وجه يحتمل السراية وكان حز رقبته تتميما لما انعقد له القطع فلا يضمن حتى لو حز رقبته بعد البرء فهو على الخلاف في الصحيح على أنا لا نسلم ظهور حقه عند الاستيفاء في التواقع وإنما دخلت في النفس لعدم إمكان التحرز عن إتلافها والاصابع تابع قياما والكف تابع لها عرضا لان منفعة البطش تقوم بالاصابع بخلاف الطرف فإنه تابع للنفس من كل وجه والله أعلم. باب الشهادة في القتل لما كانت الشهادة في القتل أمرا متعلقا بالقتل أوردها بعد ذكر حكم القتل لان ما يتعلق بالشئ يكون أدنى درجة من ذلك الشئ. قال رحمه الله: (ولا يقيد حاضر بحجته إذا أخوه غاب عن خصومته فإن بعد لا بد من إعادته ليقتلا ولو خطأ أو دينا لا) يعني إذا قتل رجل وله وليان بالغان عاقلان أحدهما حاضر والآخر غائب فأقام الحاضر بينة على القتل لا يقتل قصاصا، فإن عاد الغائب فليس لهما أن يقتلا بتلك البينة بل لا بد لهما من إعادة البينة للقتل عند الامام. وقالا: لا يعيد ولو كان القتل خطأ أو دينا لا يعيدها بالاجماع، وأجمعوا على أن القاتل يحبس إذا أقام الحاضر البينة لانه صار متهما بالقتل والمتهم يحبس، وأجمعوا على أنه لا يقضي بالقصاص ما لم يحضر الغائب لان المقصود والقصاص والحاضر لا يتمكن من الاستيفاء
[ 63 ]
بالاجماع بخلاف ما إذا كان خطأ أو دينا فإنه يتمكن من استيفاء نصيبه في غيبة الآخر فلم تجب إعادتها بعد، والوارث ينتصب خصما عن نفسه وعن شركائه فيما يدعي للميت وعلى الميت. ولابي حنيفة أن القصاص غير موروث لانه يثبت بعد الموت للتشفي ودرك الثأر والميت ليس من أهله وإنما يبت للورثة ابتداء بطريق الخلافة بسبب انعقد للميت أي يقومون مقامه فيستحق به ابتداء من غير أن يثبت للميت كالعبد يقبل الهدية يقع الملك فيها للمولى ابتداء بطريق الخلافة عنه. وإنما كان كذلك لان القصاص ملك الفعل في المحل بعد موت المجروح ولا يتصور الفعل من الميت لهذا صح عفو الورثة قبل موت المجروح وإنما صح عفو المجروح لان السبب انعقد له وفي قوله تعالى * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (الاسراء: 33) نص على أن القصاص يثبت للوارث ابتداء بخلاف الدية والدين لان الميت أهل لملك المال، ولهذا لو نصب شبكة وتعلق بها صيد بعد موته يملكه، وأصل الاختلاف راجع إلى أن استيفاه القصاص حق الورثة عنده، وحق الميت عندهما، فإذا كان القصاص يثبت حقا للورثة عنده ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الآخر في إثبات حقهم بغير وكالة منه، وبإقامة الحاضر البينة لا يثبت القصاص في حق الغائب فيعيدها بعد حضور ليتمكن من الاستيفاء، ولا يلزمه أن القصاص إذا انقلب ما لا يصير حقا للميت لانه إذا انقلب مالا صار صالحا لقضاء حوائجه فصار مفيدا بخلاف القصاص ولا يصح الاستدلال بصحة عفو المورث لانه إنما يصح في جواب الاستحسان لوجود سببه على ما بينا وهو الاستدلال معارض بعفو الوارث فإنه يجوز أيضا قبل موت المورث بعد الجرح استحسانا لوجود السبب، فلولا أن الحق يثبت فيها له ابتداء لما صح عفوه. أقول: فيه بحث لان ما تمسكا به لا ينهض حجة على أبي حنيفة رحمه الله، وما تمسك به وينهض حجة عليهما فكيف يتحقق التدافع؟ وذلك أن القصاص وإن كان حقا للوارث عنده باعتبار ثبوته للوارث بناء على القصاص لا يثبت إلا بعد الموت والميت ليس من أهل أن يثبت له هذا الحق لانه شرع للتشفي ودرك الثأر
والميت ليس بأهل لذلك لكنه حق للمورث أيضا عنده باعتبار انعقاد سببه الذي هو الجناية في حق المورث، وقد صرح به كثير من أصحاب الشروح فأبو حنيفة رحمه الله راعى فيما نحن فيه جهة كون القصاص حقا للوارث فقال باشتراط إعادة البينة إذا حضر الغائب احتيالا للدرء، وقال بصحة العفو منه أيضا احتيالا للدرء أيضا، وأما عندهما فالقصاص حق ثابت للمورث ابتداء من كل الوجوه ثم ينتقل بعد موته إلى الوارث بطريق الوراثة كسائر أملاكه فيتجه عليهما المؤاخذة بصحة العفو من الوارث حال حياة الموروث بالاجماع فتدبر. قال رحمه الله: (فإن أثبت القاتل عفو الغائب لم يعد) معناه أن القاتل لو أقام بينة أن الغائب قد عفا عنه كان الحاضر خصما وسقط القصاص ولا تعاد البينة لو حضر لانه ادعى حقا على الحاضر وهو سقوط حقه في القصاص وانقلاب نصيبه مالا ولا يتمكن من إثباته إلا
[ 64 ]
بإثبات العفو من الغائب فانتصب الحاضر خصما عن الغائب في الاثبات عليه بالبينة، فإذا قضى عليه صار الغائب مقتضيا عليه تبعا له. قال رحمه الله: (وكذا لو قتل عبدهما وأحدهما غائب) أي لو كان عبد بين رجلين فقتل عمدا واحد الموليين غائب فحكمه مثل ما ذكرنا أحد في الوليين حتى يقتل بينة أقامها الحاضر من غير إعادة بعد عود الغائب، ولو أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم ويسقط القصاص لما بينا فحاصله أن هذه المسألة مثل الاولى في جميع ما ذكرنا إلا أنه إذا كان القتل عمدا أو خطأ لا يكون الحاضر خصما عن الغائب بالاجماع، والفرق لهما في الكل. ولابي حنيفة في الخطأ. أن أحد الورثة خصم عن الباقين على ما بينا ولا كذلك أحد الموليين على ما عرف في موضعه وقدمنا له مزيد بيان عند ذكر الكبير والصغير فارجع إليه. قال رحمه الله: (وإن شهد وليان بعفو ثالثهما لغت) أي إذا كان أولياء المقتول ثلاثة فشهد اثنان منهم على الثالث أنه عفا فشهادتهما باطلة لانهما يجران لانفسهما نفعا وهو انقلاب القود مالا وهو عفو منهما وزعمهما معتبر في حق أنفسهما إطلاق في قوله بعفو ثالثهما فشمل ما إذا كان في العمد والخطأ. وقيد في المحيط الخطأ
حيث قال: فشهادتهما جائزة في الخطأ إذا لم يقبضا نصيبهما ا ه. وإنما قيد به لانهما إذا قبضا نصيبهم لم يحتاجا إلى إثبات عفو الغائب لان العفو حصل منهما وهو قيد حسن لا بد منه، ولو قيد به المؤلف لكان أولى. وذكر في المبسوط في كتاب الصلح: والمأذون في دين بين ثلاثة شهد اثنان على الثالث أنه أبرأ عن نصيبه لا تقبل لان شهادتهما تجر لانفسهما نفعا لان شهادتهما تقطع شركة المشهود عليه في الباقي من الدين فلا تقبل كما لو شهد أنه أبرأه عن نصيبه بعد ما قبضا نصيبهما. وجه هذه الرواية التي ذكرها المؤلف أنهما بشهادتهما لا يثبتان لانفسهما حق المشاركة للمشهود عليه لانهما لم يقبضا شيئا من الدين ولا حولا نصيبهما مالا. وإنما منعت ثبوت المشاركة للمشهود عليه متى قبضا نصيبهما والشاهد يملك المنع ولا يملك الابطال، وإذا شهد شاهدان بالعفو على الخطأ فقضي به ثم رجعا ضمنا ما أتلفاه نصفين لانهما أبطلا على المشهود عليه دينا مؤجلا فيضمنان لذلك. شهد شاهدان على ولي الدم أنه أخر القاتل اليوم إلى الليل على جعل معلوم لم يكن عفوا ولا مال له لان تأخير الحق لا يقتضي سقوطه فكذا تأجيل القتل لا يقتضي سقوطه والمال باطل لانه لو وجب عوضا عن الاجل والاعتياض عن الاجل باطل. ولو شهد على أنه أخذ الجعل على أن يعفو عنه يوما كان صلحا لانه عفا عن القصاص يوما والعفو لا يقبل التأقيت فصح العفو وبطل التأقيت، وصار كما لو طلق امرأته وأعتق عبده على ألف إلى الليل جاز الصلح وبطل التأقيت فكذا هذا. وقوله على أن يعفو ولم يخرج مخرج العدة وإنما يراد به الاخبار كالرجل يقول للمرأة
[ 65 ]
تزوجتك على ألف درهم فقبلت فهو نكاح فكان المراد منه الايجاب فكذا هذا. قال رحمه الله: (فإن صدقهما القاتل فالدية لهم اثلاثا) أي صدقهما القاتل دون الولي المشهود عليه لان تصديقه لهما إقرار لهما بثلثي الدية ويلزمه لانهم كانوا يزعمون أن نصيب الولي المشهود عليه قد سقط بعفوه وهو ينكر فلا يقبل قولهم عليه فوجب عليه كل الدية وللمنكر ثلثها. قال رحمه الله: (وإن كذبهما فلا شئ لهما وللآخر ثلث الدية) أي إن كذبهما القاتل أيضا بعد أن
كذبهما الولي المشهود عليه بالعفو فلا شئ للوليين الشاهدين لان شهادتهما عليه إقرار ببطلان حقهما عليه في القصاص فصح إقرارهما في حق أنفسهما، وإن ادعيا انقلابهما مالا فلا يصدقا في دعواهما إلا ببينة، وللولي المشهود عليه ثلث الدية لان شهادتهما عليه بالعفو وهو ينكر بمنزلة إقرارهما بالعفو فينقلب نصيبهما مالا. وفي النهاية: وإن كذبهما المشهود عليه يجب على القاتل فية كاملة بينهم اثلاثا فجعل الضمير فاعل كذبهما المشهود عليه لا القاتل. قال الشارح: وإن صدقهما الولي المشهود عليه وحده دون القاتل ضمن القاتل ثلث الدية للولي المشهود عليه لانه أقر له بذلك. فإن قيل: كيف له الثلث وهو قد أقر أنه لا يستحق على القاتل شيئا بدعواه العفو؟ قلنا: ارتد إقراره بتكذيب القاتل إياه فوجب له ثلث الدية عليه. وفي الجامع الصغير: كان هذا الثلث للشاهدين لا للمشهود عليه وهو الاصح لان المشهود عليه يزعم أنه قد عفا أو لا شئ له وللشاهدين على القاتل ثلث الدية دينا في ذمته والذي في يده وهو ثلث الدية مال القاتل وهو من جنس حقهما فيصرف إليهما لاقراره لهما بذلك كمن قال لفلان علي ألف درهم فقال المقر له ليس ذلك لي وإنما هو لفلان فإنه يصرف إليه فكذا هنا، وهذا كله استسحان. والقياس أن لا يلزم القاتل شئ لان ما ادعاه الشاهدان على القاتل لم يثبت لانكاره. وما أقر به القاتل للمشهود عليه قد بطل بإقراره بالعفو لكونه تكذيبا له. وجوابه أن القائل بتكذيب الشاهدين قد أقر للمشهود عليه بثلث الدية لزعمه أن القصاص قد سقط بشهادتهما كما إذا عفا والمقر له لم يكذب القاتل حقيقة بل أضاف الوجوب إلى غيره فجعل الواجب للشاهدين وفي مثله لا يرتد الاقرار كمن قال لفلان علي كذا فقال المقر له ليس لي ولكنه لفلان على ما بينا. قيد المؤلف بقوله ولو شهد اثنان وإن كان الحكم في الواحد كذلك لانه إذا علم أن شهادة الاثنين باطلة علم ببطلان شهادة الواحد الفرد من باب أولى. ولم يتعرض لما إذا شهدا معا أو متعاقبا ونحن نذكر ذلك ونذكر شهادة الفرد تتميما للفائدة. وقال في المبسوط: له وليان اثنان فشهد أحدهما على صاحبه أنه عفا فهو على قسمين:
إما أن يشهد أحدهما على صاحبه بالعفو أو يشهد كل واحد منهما على صاحبه بالعفو. أما القسم الاول فهو على خمسة أوجه: إما أن يصدقه صاحبه والقاتل جميعا أو كذباه أو كذبه
[ 66 ]
صاحبه وصدقه القاتل أو على عكسه أو سكتا جميعا فالعفو واقع في المفصول كلها لان الشاهد متى أقر بعفو صاحبه فقد أقر بسقوط القصاص في نصيبه، وإذا سقط يسقط في نصيب الآخر كما لو عفا الشاهد عن نصيبه. وأما الدية إن تصادقا فاللشاهد نصف الدية لان الثابت بالتصادق والموافقة كالثابت بالمعاينة، وإن كذباه فلا شئ للشاهد ويجب للآخر نصف الدية لانه لما شهد بالعفو فقد أقر ببطلان حقه في القصاص فصح وادعى انقلاب نصيب نفسه مالا فلم يصدق ويحول نصيب الآخر مالا لان تعذر استيفاء القصاص في نصيبه من جهة غيره لان سقوط القصاص مضاف إلى شهادة بالعفو فكان بمنزلة العفو منه، وإن كذبه صاحبه وصدقه القاتل ضمن الدية بينهما لانه لما صدقه فقد أقر له بنصف الدية فلزمه وادعى بطلان حق المشهود عليه بالعفو فلم يصدق نصيب الساكت مالا لان في زعم الشاهد أن نصيبه تحول مالا بعفو صاحبه والقاتل صدقه فيه فوجب له نصف الدية على القاتل وفي نصيب صاحبه لم يسقط من جهته لانه لم يثبت عفوه في حقه لتكذيبه وإنما سقط بإقرارا الشاهد فينقلب نصيبه مالا. وإن كذبه القاتل وصدقه صاحبه ضمن نصف الدية للمشهود عليه ولا يضمن للشاهد شيئا. وقال زفر: لا شئ لهما لان الغفو ثبت في حقهما بتصادقهما ولم يثبت في حق القاتل لتكذيبه فسقط نصيب الشاهد ولم يجب لتكذيب نصف الدية فيبرأ القاتل. ولنا أن القاتل لما أكذب الشاهد في الشهادة بالعفو فقد كذبه فيما ادعى عليه من نصف الدية وأقر للمشهود عليه بنصف الدية في ماله لانه زعم أن نصيب المشهود عليه إنما سقط لمعنى جاء من قبل الشاهد لا من جهته فإنه أنكر عفو المشهود عليه، والمشهود عليه لما صدق الشاهد في شهادته فقد أقر بذلك المال للشاهد، والمقر له بالمال إذا قال للمقر ما أقررت به ليس لي وإنما هو لفلان كان المقر به لفلان كمن أقر بمائة لزيد فقال زيد هي لعمر وصارت المائة لعمرو فكذا
هذا. وأما القسم الثاني لو شهد كل واحد منهما على صاحبه بالعفو فلا يخلو إما أن يشهدا معا أو متعاقبا، فإن شهدا معا إن كذبهما القاتل بطل حقهما لان كل واحد منهما أقر بسقوط القصاص في نصيبه نصف الدية وأنه وجب له على القاتل لان كل واحد منهما زغم أن حق العافي في القصاص قد سقط وانقلب نصيبه مالا فصح اقرارهما بسقوط القصاص لانهما لا يتهمان في حقهما، ولم يصح بالمال على القاتل لانه دعوى والدعوى لا تثبت إلا بحجة، وكذلك إن صدقهما القاتل لانه متى صدق أحدهما في عواه فقد كذب الآخر في دعواه من المال لان العافي لا يجب له شئ فقد تعارض التصديق والتكذيب بالشك فصار كأنه سكت. وإن صدقهما على التعاقب فلهما دية كاملة لانه صدق الاول في دعواه المال فقد كذب الثاني في دعواه المال، فإذا صدق الثاني بعد ذلك فقد صدقه بعدما كذبه والتصديق بعد التكذيب جائز، وبتصديق الثاني إن صار مكذبا فيما ادعاه إلا أنه كذبه بعدما نفذ حكم التصديق بالسكوت عليه وكان التكذيب منه رجوعا عن إقراره فلم يصح. وأما إذا شهد متعاقبا فإن
[ 67 ]
كذبهما القاتل فللشاهد آخرا نصف الدية ولا شئ للاول لان القاتل لما كذب الاول فقد زعم أن للثاني نصف الدية ولم يثبت عفوه ولم يوجد منه تكذيب القاتل في إقراره فوجب له نصف الدية، والاول قد أقر بسقوط القصاص في نصيبه بنصف دية وجبت له على القاتل وقد كذبه القاتل في ذلك فلم يثبت، وكذبه إن صدقهما معا فلا شئ للاول، وللثاني نصف الدية لانه تعارض التصديق والتكذيب منه في حق كل واحد منهما فتساقطا فصار كأنه سكت، ولو سكت يجب للثاني نصف الدية ولا يبطل بتكذيب القاتل لان تكذيب القاتل باطل في حق الثاني، وإن صدقه الثاني وكذبه الاول فللثاني نصف الدية ولا شئ للاول لانه ثبت عفو الاول في حق القاتل بتصديق الثاني في شهادته ولم يثبت عفو الثاني بتكذيب الاول في شهادته. ولو عفا أحد الوليين وعلم الآخر أن القتل حرام عليه فقتل عليه القصاص وله نصف الدية في مال القاتل لان قتله تمحض حراما، وإن لم يعلم بالحرمة فعليه الدية في ماله
علم بالعفو أو لم يعلم لانه اشتبه عليه لان ظنه استند إلى دليل يوجب الاشتباه وهو القياس على سائر الحقوق المشتركة بين اثنين إذا أبرأ أحدهما لا يبطل حق الآخر فكانت ظنا في موضع الاشتباه فأورث شبهة لسقوط القصاص، ولهذا اشتبه على عمر رضي الله عنه مع جلالة قدره في العلم حيث شاور ابن مسعود في ذلك على ما ذكرنا. قال رحمه الله: (وأن أشهدا أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات يقتص) لان الثابت بالبينة كالثابت معاينة وفي ذلك القصاص على ما عرف، والشهادة على قتل العمد يتحقق على هذا الوجه لانه إذا كان مخطئا لا يحل لهم أن يظلقوه بل يقولون قصد غيره فأصابه لان الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار بالضرب صاحب فراش وأقام على ذلك حتى مات. قال الشارح: وتأويله إن شهدوا أنه ضربه بشئ جارح أقول قال في الكفاية: إنما أوله لتكون المسألة مجمعا عليها. قال في معراج الدراية: الاطلاق في الجامع الصغير إن كان قولهما فهو مجرى على إطلاقه، وإن كان قول الكل فتأويله أن تكون الآلة جارحة. قال جمهور الشراح: فإن قيل الشهود شهدوا على الضرب بشئ جارح ولكن الضرب به قد يكون خطأ فيكف يثبت القود مع أنهم لم يشهدوا أنه كان عمدا؟ قلنا: لما شهدوا أنه ضربه وإنما يشهدون أنه قصد غيره فأصابه وقالوا: كذلك ذكره شيخ الاسلام خواهر زاده. قال رحمه الله: (وإن اختلفا شاهد القتل في الزمان أو المكان أو فميا وقع به القتل أو قال أحدهما قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله بطلت) ولو قال المؤلف ولو شهد أربعة بقتل واختلفوا في الزمان أو المكان أو فيما وقع به القتل أو قالا قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله بطلت لكان أولى لانه إذا علم ببطلان شهادة المثنى عند الاختلاف علم بطلان شهادة الفرد
[ 68 ]
من باب أولى لان القتل لا يتكرر فالقتل في زمان أو في مكان غير القتل في مكان آخر أو في زمان آخر، وكذا القتل بآلة غير القتل بآلة أخرى وتختلف الاحكام باختلاف الآلة فكان على كل قتل شهادة فرد فلم تقتل، ولان اتفاق الشاهدين شر للقبول ولم يوجد، ولان
القاضي يقضي بكذب أحدهما لاستحالة اجتماع ما ذكرنا فلا تقبل بمثله. وكذا لو كمل النصاب في كل واحد منهما لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين دون الآخر حيث يقبل الكامل منهما لعدم المعارض. أطلق في المكان وهو مقيد بالكبير قال شيخ الاسلام خواهر زاده في شرح ديات الاصل: إنهما إذا اختلفا في المكان والمكانان متقاربان كبيت صغير فشهد أحدهما أنه رآه قتله في هذا الجانب وشهد الآخر أنه قتله في الجانب الآخر فإنه تقبل الشهادة استحسانا، وكذلك لو اختلفا في الآلة. وفي الاسبيجابي: كما إذا كان قال أحدهما قتله بالسيف وقال الآخر قتله بالقصاص. وقيدنا بما ذكر لانهما لو اختلفا في القاتل لا تقبل كما سيأتي. واعلم بأن الكلام في الآلة على فصول: أحدها أن يتفقا على الآلة بأن شهدا أنه قتله عمدا بالسيف أو قتله بالعصا، فإن شهدا أنه قتله بالسيف إن ذكرا صفة التعمد بأن قالا قتله عمدا بالسيف فإنه تقبل شهادتهما ويقضى عليه بالقصاص، ولو قالا قتله بالسيف خطأ تقبل شهادتهما ويقضى بالدية على العاقلة، وإن سكتا عن ذكر صفة العمد والخطأ فهذا وما لو ذكرا صفة العمد سواء، وإن قالا لا ندري قتله عمدا أو خطأ فإنه تقبل هذه الشهادة ويقضى بالدية في مال القاتل، وهذا الذي ذكرنا أن الشهادة مقبولة جواب الاستحسان، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة. وإن شهدا أنه قتله بالعصا إن كان العصا صغيرا لا تقتل مثله غالبا فإنه تقبل الشهادة ويقضى بالدية عندهما جميعا كما لو ثبت معاينة سواء شهدا بالعمد أو بالخطأ أو أطلقا، وإن كان العصا كبيرا تقتل مثله غالبا فعلى قول أبي حنيفة الجواب عنه كالجواب فيما لو شهدوا أنه قتله بالسيف، وأما إذا بين أحدهما الآلة وقال الآخر لا أدري بماذا قتله فلان المطلق يغاير المقيد لانه معدوم والمقيد موجود فاختلفا. وكذا أيضا حكمهما مختلف فإن من قال قتله بعصا يوجب الدية على العاقلة، ومن قال لا أعلم بماذا قتله على القاتل فاختلف المشهود به فبطلت وهو المراد بقوله وقال أحدهما قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله. وكذا لو شهد أحدهما بالقتل معاينة والآخر على إقرار القاتل بذلك كان باطلا لاختلاف المشهود به، فإن شهد أحدهما بالقتل
معاينة والآخر على إقرار القاتل بذلك كان باطلا لاختلاف المشهود به فإن أحدهما فعل يوجب القصاص والآخر الدية. قال رحمه الله: (وإن شهدا أنه قتله وقالا لا ندري بماذا قتله) يعني بأي شئ قتله وجب عليه الدية في ماله استحسانا، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة أصلا لانهما شهدا بقتل مجهول لان الآلة إذا جهلت فقد جهل القتل لان القتل يختلف حكمه باختلاف الآلة فيكون
[ 69 ]
هذا غفلة من الشهود. وجه الاستحسان أنهما شهدا بقتل مطلق والمطلق ليس بمجهول لامكان العمل به فيجب أقل موجبه وهو الدية فلا يحمل قولهما لا ندري على الغفلة بل يحمل على أنهما سعيا للدرء المندوب إليه في العقوبات استحسانا للظن ومثل ذلك سائغ شرعا لان الشرع أطلق الكذب في إصلاح ذات البين على ما قاله عليه الصلاة والسلام ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو انمى خيرا فهذا مثله أو أحق منه فحمل عليه فلا يثبت جهلهما أو اختلافهما بالشك. وإنما وجبت الدية في ماله دون العاقلة لان المطلق يحمل على الكمال فلا يثبت الخطأ بالشك. وقال محمد رحمه الله: رجل قتل وله وليان لا وراث له غيرهما فأقام أحدهما وهو عبد الله بينة على صاحبه وهو زيد أنه قتله عمدا وأقام زيد على أجنبي بينة أنه قتله عمدا قبلت البينتان عند أبي حينفة رحمه الله وعلى الولي المشهود عليه وهو زيد نصف الدية في ماله لصاحبه، وعلى المشهود عليه الاجنبي نصف الدية في ماله لصاحبه، وإن كان القتل خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف الدية. وقال أبو يوسف ومحمد: بينة الابن على أخيه أولى ويقضى له على الاخ المشهود عليه بالقود إن كان عمدا وإن كان خطأ فله الدية على عاقلته وبطلت بينة الابن المشهو دعليه بالقود. واختلف المشايخ في الميراث، قال بعضهم: الميراث بينهما أرباعا ثلاثة أرباع لعبد الله وربعه لزيد. وقال بعضهم: الميراث بينهما نصفان وهو الاصح. ولو أقام كل واحد منهما البينة على صاحبه أنه قتل أباهما عمدا أو خطأ فعلى قول أبي يوسف ومحمد تهاترت البينتان ولا تجب الدية والميراث بينهما، وأما على قول أبي
حينفة يقضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصف الدية إن كان القتل عمدا ويتقاصان، وإن كان خطأ فعلى عاقلة كل منهما الدية، ولو كان البنون ثلاثة فأقام عبد الله على زيد بينة أنه قتل الاب وأقام محمد وزيد على عبد الله أنه قتل الاب فهنا تقبل البينتان بالاتفاق ولا يجب القصاص على واحد منهم بالاتفاق، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله يقضي لكل واحد منهم على صاحبه بثلث الدية في ماله إن كان عمدا، وعلى عاقلته إن كان خطأ ويكون الميراث بينهم أثلاثا، وأما على قول أبي يوسف ومحمد يقضى لكل واحد منهم على صاحبه بنصف الدية. ولو أقام عبد الله البينة على زيد وعمر وأنهما قتلا أباهم عمدا أو خطأ وأقام زيد وعمرو البينة على عبد الله أنه قتل أباهم عمدا أو خطأتها ترت البينتان عندهما وانتصف الوراثة بينهما أثلاثا كما لو لم توجد إقامة البينة، فإما على قول أبي حنيفة يقضي لعبد الله على زيد وعمر وبنصف الدية في مالهما إن كان عمدا، وعلى عاقلتهما إن كان خطأ، ففي مال عبد الله وإن كان خطأ فعلى عاقلته والميراث يكون نصفه لعبد الله ونصفه لزيد وعمرو. ولو أقام عمرو على زيد البينة أنه قتل أباهم ولم يقم واحد منهما البينة على عبد الله فإن يقال لعبد الله ما تقول في هذا، وإنما وجب السؤال لعبد الله لانه صاحب حق في هذا الدم إذ هو ليس بقاتل فعد هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن يدعي عبد الله على أحدهما بعينه أو لم يدع على
[ 70 ]
واحد منهما بأن قال لم يقتله واحد منهما أو ادعى عليهما بأن قال هما قتلاه، فإن ادعى القتل على واحد بعينه وهو عمر وفعلى قياس أبي حنيفة يقضى على عمر وبثلاثة أرباع الدية ويكون ذلك بينه وبين عبد الله نصفين فإن كان القتل عمدا ففي مال عمرو، وإن كان خطأ فعلى عاقلة عمرو ويقضى لعمر وعلى زيد بربع الدية ويكون ذلك في مال زيد إن كان عمدا، وإن كان خطأ فعلى عاقتله. وأما الميراث فنصفه لعبد الله ونصفه لزيد وعمرو، وأما على قول أبي يوسف ومحمد يقضي لعبد الله على عمر وبالقود إن كان عمدا، ويقضى بالدية على عاقلة عمر وإن كان خطأ ويكون ذلك بين عبد الله وزيد نصفين ويكون الميراث بينهما نصفين
أيضا. وإن لم يدع عبد الله القتل على واحد منهما بأن قال لم يقتله واحد ففي قياس قول أبي حينفة يقضى لعمرو على زيد بربع الدية إن كان عمدا ففي ما له، وإن كان خطأ فعلى عاقتله ولا شئ لعبد الله من الدية ويكن الميراث أثلاثا. وعند أبي يوسف ومحمد لا يقضى ها هنا بشئ لا بالدية ولا بالقصاص. وإن ادعى القتل عليهما بأن قال قتلتماه فعلى قول أبي حينفة لا يقضى لعبد الله بشئ من الدية، وأما الميراث فنصفه لعبد الله ونصفه لهما، أما على قول أبي يوسف ومحمد فقدتها ترت بينة كل واحد منهما على صاحبه ولا بينة لعبد الله على ما يدعي فلا يقضى بشئ من الدية والميراث يكون بينهم أثلاثا. ولو ترك المقتول أخا وابنا فأقام الاخ البينة على الابن أنه قتل الاب وأقام الابن البنية على الاخ أنه هو الذي قتل الاب كانت بينة الابن أولى بخلاف ما إذا كانا ابنين حيث يقضي هنا ك بنصف الدية على قول أبي حنيفة وههنا بينة الابن أولى ولم يذكر الخلاف. ولو ترك المقتول ابنين وأخا فأقام كل واحد من الابنين البينة على صاحبه بالقتل وصدق الاخذ أحدهما أو صدقهما كان التصديق من الاخ والعدم بمنزلة واحدة، فإن أقام الاخ بينة أنهما قتلاه بعد أن أقام كل واحد من الابنين البينة على صاحبه أنه هو القاتل فعلى قول أبي يوسف مع محمد البينة بينة الاخ ويكون الميراث له ويقتل الابنين إن كان القتل عمدا، وإن كان خطأ فعلى عاقلتهما الدية. ولم يذكر قول أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة، وينبغي أن يكون عنده أن لا تقبل بينة الاخ. وإن ترك ثلاث بنين فأقام اثنين منهم على الثالث أنه قتل أباهم وأقام الثالث بينة بذلك على الاجنبي فعلى قول أبي يوسف ومحمد بينة الابنين أولى فيقضي القاضي بالقصاص على الثالث للآخرين إن كان عمدا، وبالدي على عاقلته إن كان خطأ، ولا يرث الابن المشهود عليه ويكون الميراث بين الابنين على بينة لثالث فيقضى للاثنين على الثالث بثلثي الدية إن كان عمدا ففي ماله وإن كان خطأ فعلى عاقلته، ويقضي للثالث على الاجنبي بثلث الدية ويكون الميراث بينهم أثلاثا. وإذا قتل الرجل وترك ثلاثا فأقام الاكبر بينة على الاوسط أنه قتل الاب وأقام الاوسط بينة على الاصغر بذلك وأقام الاصغر بينة على الاجنبي بذلك، ففي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله
يقضي لكل واحد منهم على الذي أقام عليه البينة بثلث الدية، وأما على قول أبي يوسف
[ 71 ]
ومحمد يقضى للاكبر على الاوسط بنصف الدية، وللاوسط على الاصغر بنصف الدية، ولا يقضي للاصغر على الاجنبي بشئ. قال رحمه الله: (وإن أقر كل واحد منهم أنه قتله وقال الولى قتلاه جميعا له قتلهما ولو كان مكان الاقرار شهادة لغت) يعني لو أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل زيد منفرادا فقال الولي قتلاه جميعا له قتلهما، وإن شهد اثنان على رجل أنه قتله وشهد آخران على آخر أنه قتله بطلت الشهادة، والفرق بينهما أن كل واحد من الاقرار والشهادة يثبت أن كل القتل وجد من المقر والمشهود عليه ومقتضاه أن يجب القصاص عليه وحده لان معنى قوله أنا قتلته انفردت بقتله، وكذا قول الشهود قتله فلان يوجب انفراده بالقتل وقول الولي قتلهما تكذيب له حيث ادعى اشتراكهما في القتل فكأنه قال لم ينفرد أحد كما يقتله بل شاركه الآخر، وهذا القدر من التكذيب يمنع صحة قبول الشهادة لادعائه فسقهم به دون الاقرار لان فسق المقر لا يمنع صحة الاقرار. ولو قال في الاقرار صدقتما ليس له أن يقتل واحدا منهما لان تصديق كل واحد منهما تكذيب للآخر لان كل واحد منهما يدعي الانفراد بالقتل بتصديقه فوجب ذلك فصار كأنه قال لكل واحد منهما قتلت وحدك ولم يشاركك فيه أحد فيكون مقرا بأن الآخر لم يقتله بخلاف الاول وهو ما إذا قال قتلتماه تصديق لهما. قلنا هو تصديق ضمني والضمني يتسامح فيه ما لا يتسامح في القصدي وهو قوله صدقتما، ولو أقر رجل أنه قتله وقامت البينة على الآخر أنه قتله وقال الولي قتله كلاكما كان له أن يقتل المقردون المشهود عليه لان فيه تكذيبا البعض موجبه على ما مر. وعلى هذا لو قال لاحد المقرين صدقت أنت قتلت وحدك كان له أن يقتله لانهما تصادقا على وجوب القتل عليه وحده، وكذا إذا قال الاحد المشهود عليهما أنت قتلته كان له أن يقتله لعدم تكذيب المشهود له وإنما كذب الآخرين، وكذلك الحكم في الخطأ في جميع ما ذكرنا. وفي الاصل: ادعى الولي العمد أو الخطأ وصدق
المدعى عليه أو كذب ويدخل فيه اختلاف الشاهدين، الاصل أن تعذر استيفاء القصاص بعد ظهور القتل إن كان لمعنى من جهة الولي لا تجب الدية، وإن كان لمعنى من جهة القاتل تجب الدية استحسانا فإنه يخرج على الاصل الذي قلنا فرع على ما إذا ادعى الولي الخطأ وأقر القاتل بالعمد فقال لو صدق الولي بعد ذلك القاتل وقال إنك قتلته عمدا فله الدية على القاتل بالعمد. وعن أبي يوسف في نوادر ابن سماعة: إذا ادعى الولي الخطأ وأقر القاتل بالعمد فعلى القاتل الدية. وقال محمد رحمهما الله في الزيادات: ادعى رجل على رجلين أنهم قتلا وليه عمدا بحديدة فله عليهما القصاص فقال أحدهما صدقت وقال الآخر ضربته أنا خطأ بالعصا فإنه يقضي لولي القتل عليهما بالدية في ما لهما في ثلاثة سنين، وهذا الذي ذكرناه استحسان،
[ 72 ]
والقياس أن لا يقضي عليهما بشئ. ولو ادعى الولي العمد عليهما وصدقه أحدهما في ذلك وأنكر الآخر القتل فلا شئ على المقر. وفي الخانية: ولو ادعى الخطأ عليهما وأقر أحدهما بالعمد وجحد الآخر فلم يقض بشئ ولو ادعى العمد عليهما فأقر أحدهما وجحد الآخر القتل قتل المقر. ولو أقر أحدهما بالعمد والآخر بالخطأ وأنكر شركة الخاطئ قتل العامد، ولو قال رجل لرجل قتلت أنا وفلان وليك عمدا وقال فلان قتلناه خطأ وقال الولي للمقر بالعمد أنت قتلته وحدك عمدا فإن للولي أن يقتل المقر، وإن ادعى الولي الخطأ في هذه الصورة لا يجب شئ. رجل القطع يده ورجله ومات منهما فقال رجل قطعت يده عمدا وفلان قطع رجله ومات من ذلك وقال الولي لا بل أنت قطعت ذلك كله عمدا فإن للولي أن يقتله، وإن قال لا أدري من قطع رجله لا يكون له أن يقطع المقر وإن أزال الولي الجهالة بعد ذلك. وقال زفر: إذا بين صح بيانه حتى كان له أن يقتل المقر قال مشايخنا. وهذا إذا بين الولي قبل أن يقضي القاضي ببطلان حقه في القصاص قبل المقر حيث قال لا أدري من قطع رجله، فأما إذا قضى بذلك ثم بين لا يصح بيانه ولا يكون له أن يقتل المقر. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: رجل قال لرجل أنا قتلت وليك عمدا فصدقه وقتله ثم جاء آخر وقال أنا الذي قتلته
وحدي وصدقه فعليه دية الذي قتله وله على الآخر الدية. قال محمد رحمه الله في الزيادات: ادعى رجل على رجلين أنهما قتلا وليه عمدا بالسيف وقضى له عليهما بالقصاص فأقر أحدهما بالقتل وأقام آخر شاهدين على الآخر أنه قتله وحده عمدا كان للمدعي أن يقتل المقر مكان العمد وليس له أن يقتل المشهود عليه وبطلت شهادة شاهدين ولو كان مكان قتل العمد قتل الخطأ وباقي المسألة بحالها لا شئ على المشهود عليه من الدية وعى المقر نصف الدية وإن أقر بالكل. وفيها أيضا: رجل قتل مقطوع اليدين وادعى وليه أفلانا قطع يده اليمنى عمدا وفلان قطع يده اليسرى عمدا ومات منهما فقال المد ع عليه أنا قطعت يده اليسرى عمدا ولا أدري من قطع يده اليمنى الا انى اعلم ان اليمنى قطعت عمدا ومات من القطع وقال المدعى عليه قطعت اليد اليسرى ومات منها خاصة لا شئ على المقر، ولو قال الولي قطع فلان يده اليسرى عمدا ولا أدري من قطع اليمنى إلا أني أعلم أن اليمنى قطعت عمدا فمات منهما فلا قود عليه وعليه نصف الدية استحسانا. والقياس أن لا يلزمه شئ من الدية. وفيها أيضا: رجل ادعى على رجل أنه شج وليه موضحة عمدا ومات منها وجحد المدعى عليه ذلك فجاء المدعي بشاهدين فشهدا بالموضحة وبالموت منها كما ادعاه المدعي وشهد الآخر بالموضحة والبرء قبلت شهادتهما على الموضحة وقضى بالقصاص في الموضحة، فمن مشايخنا من قال ما ذكره من الجواب قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله ينبغي أن لا تقبل هذه الشهادة ولا يقضى بشئ، ومنهم من قال لا بل هذا قول الكل. ولو ادعى الموضحة والبرء منها وشهد أحد الشهدين بالموضحة والبرء والآخر بالسراية
[ 73 ]
لا تقبل الشهادة، ولو ادعى الولي أنه مات منها وجاء بشاهدين شهد أحدهما كما ادعاه المدعي وشهد الآخر أنه برئ من ذلك قبلت الشهادة على الشجة وقضى بأرشها في مال الجاني، وذلك لو كان الميت عند رجل فاعدى مولاه أن الشاج شجه موضحة عمدا ومات منهما وأن له عليه القود وجاء بشاهدين فشهد أحدهما كما ادعى المدعى وشهد الآخر أنه برئ منها فالقاضي
يقضي بأرض الشحة في مال الجاني والله أعلم. باب في بيان اعتبار حالة القتل لما كانت الاحوال صفات لذواتها ذكرها بعد القتل وما يتعلق به. قال رحمه الله: (المعتبر حالة الرمي) في حق الحل والضمان عند ذلك. قال رحمه الله: (فتجب الدية بردة المرمي إليه قبل الوصول) يعني لو رمى رجل رجلا مسلما فارتد المرمي إليه والعياذ بالله قبل وصول السهم إليه ثم وقع به السهم تجب على الرامي الدية وهذا عند الامام. وقالا: لا شئ عليه لان التلف حصل في محل لا عصمة له لانه بارتداده أسقط تقوم نفسه فاصر مبرئا للرامي عن موجبه كما لو أبرأه في هذه الحالة. وللامام أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي لانه هو الذي يدخل تحت قدرته دون الاصابة ولا فعل له أصلا بعده فيصير قاتلا بالرمي ألا ترى أنه لو رمى إلى صيد وهو مسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى فأصاب السهم الصيد وهو مرتد فجرحه ومات بالجرح حل أكله، وكذلك لو كفر بعد الرمي قبل الاصابة جاز تكفيره، وكان القياس أن يجب القصاص لما ذكرنا لكنه سقط بالشبهة. قال في النهاية: وقولهما أنه بالارتداد صار مبرئا له عن ضمان الجناية غير صحيح لان اعتقاده المرتد أن الردة لا تبطل التقوم فكيف يصير مبرئا عن ضمان الجناية غير صحيح، كذا في الجامع الصغير لقاضيخان والتمرتاشي والمحبوبي. قال رحمه الله: (لا بإسلامه) أي لا يجب شئ بإسلام المرمي إليه بأن رمى إلى حربي أو مرتد فأسلم قبل الاصابة ثم أصابه بعدما أسلم، وهذا بالاجماع لان الرمي لم ينعقد موجبا للضمان لعدم تقوم المحل لان المرتد والحربي لا عصمة لدمهما. قال رحمه الله: (والقيمة بعتقه) يعني لو رمى إلى عبد فأعتقه المولى بعد الرمي قبل الاصابة فأصابه السهم فمات لزم الرامي القيمة عند الامام. وقال محمد: له فضل ما بين قيمته مرميا وغير مرمي لان العتق قطع السراية، وإذا انقطعت بقي مجرد الرمي وهي جناية تنتقص بها قيمة المرمي إليه بالاضافة إلى ما قبل الرمي فيجب عليه ذلك حتى لو كانت قيمته ألف درهم قبل الرمي وثمانمائة بعده لزمه مائتان لان العتق قاطع
[ 74 ]
للسراية ألا ترى أن من قطع يد عبد ثم عتقه مولاه ثم مات منه لا يجب عليه إلا أرش اليد مع النقصان الذي نقصه القطع إلى العتق وهو بنفس الرمي فصار جانيا عليه لان يوجب النقصان. ولابي حنيفة رحمه الله أن الرمي يصير قاتلا له من وقت الرمي وهو مملوك في تلك الحالة بخلاف القطع والجرح لان كل واحد منهما إتلاف لبعض المحل والاتلاف يوجب الضمان للمولى لانه ورد على محل مملوك له، ثم إذا سرى لا يوجب شيئا لانه لو أوجب شيئا لوجب للعبد لا للمولى لانقطاع حق المولى عنه وظهور حقه فيه فيصير النهاية مخافة للبدية فصار ذلك كتبدل المحل، وعند تبدل المحل لا تتبدل السراية فكذا هنا. أما الرمي فقبل الاصابة به ليس بإتلاف شئ منه لانه لا أثر له في المحل وإنما قلت فيه الرغبات فلا يجب فيه الضمان قبل الاتصال بالمحل، وعند الاتصال بالمحل يستند الوجوب إلى وقت الانعقاد فلا تخالف النهاية البداية فتجب قيمته للولى. وقال زفر رحمه الله: عليه الدية لان الرمي إنما صار علة عند الاصابة إذ الاتلاف لا يصير علة من غير تلف يتصل به وقت التلف المتلف حر فتجب ديته، وأبو يوسف مع أبي حنيفة فيه. والفرق له بين هذا وبين ما تقدم من مسألة الاتداد أنه اعترض على الرمي ما يوجب عصمة المحل فيما تقدم فحصل ذلك بمنزلة الابراء، أما هنا اعترض على الرمي بما يؤكد عصمة المحل وهو الاعتاق فلا تبطل به الجناية. قال رحمه الله: (ولا يضمن الرامي برجوع شاهد الرجم بعد الرمي) معناه إذا قضي القاضي برجم رجل فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود بعد الرمي قبل الاصابة ووقع عليه الحجر فلا شئ على الرامي لما أن المعتبر حالة الرمي وهو مباح الدم. قال رحمه الله: (وحل الصيد بردة الرامي لا بإسلامه) معناه إذا رمى مسلم صيدا فارتد قبل وقوع السهم بالصيد حل أكله، ولو رماه وهو مجوسي فأسلم قبل الوقوع لا يحل لان المعتبر حالة الرمي في حق الحل والحرمة إذ الرمي هو الذكاة لانه فعله ويدخل تحت قدرته لا الاصابة فتعتبر الاهلية وعدمها عنده. قال رحمه الله: (ووجب الجزاء بحله لا بإحرامه) أي لو رمى المحرم صيدا فحل قبل الاصابة
ثم أصاب وجب عليه الجزاء، وإن رماه وهو حلال فأحرم قبل الاصابة فوقع الصيد وهو محرم لا يجب عليه الجزاء لان الجزاء يجب بالتعدي وهو الرمي في حالة الاحرام ووجد ذلك في الاول دون الثاني، والاصل في مسائل هذا الكتاب أن يعتبر وقت الرمي بالاتفاق، وإنما عدل أبو يوسف ومحمد عن ذلك فيما إذا رمى إلى مسلم فارتد والعياذ بالله قبل الاصابة باعتبار أنه صار مبرئا له على ما بينا في أول هذا الفصل والله تعالى أعلم بالصواب.
[ 75 ]
كتاب الديات قال في العناية: ذكر الديات بعد الجنايات ظاهر المناسبة لما أن الدية أحد موجبي الجنابة في الآدمي صيانة له عن القصاص لكن القصاص أشد جناية فلذ قدمه. والكلام فيها من وجوه: الاول في دليل مشروعيتها، والثاني في معناها لغة، والثالث في معناها عند الفقهاء، والرابع في سبب وجوبها، والخامس في فائدتها، والسادس في ركنها، والسابع في شرطها، والثامن في حكمها. أما دليل المشروعية فقوله تعالى * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) الآية. وأما معناها في اللغة فالدية مصدر ودية القاتل المقتول أعطى ديته وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال الدية تسمية بالمصدر، كذا في المغرب. قال في القاموس: الدية حق للقتيل جمعها ديات. وفي الصحاح: وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته. وأما معناها شرعا فالدية عبارة عما يؤدي وقد صار هذا الاسم علما على بدل النفوس دون غيرها وهو الارش. وأما سبب وجوبها فالخطأ فإن الآدمي لما خلق في الاصل معصوم النفس محقون الدم مضمونا عن الهدر فيجب صون حقه عن البطلان. وأما الخامس وهو فائدتها فهو دفع الفساد وإطفاء نار ولي المقتول. وأما ركنها فهو الاداء والايتاء. وأما شرط وجوبها فكون المقتول معصوم الدم متقوما بعصمة الدار ومنعة الاسلام حتى لو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتل لا تجب الدية. وأما حكمها فتمحيض ذنب التقصير بالتفكير. وفي المبسوط: يحتاج إلى بيان كيفية وجوب الدية وكيفية
مقدارها. أما كيفية وجوب الدية ففي نفس الحر تجب دية كاملة يستوي فيها الصغير والكبير، والوضيع والشريف، والمسلم والذمي. وقال الشافعي رحمه الله: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وفي المجوس ثمانمائة، والصحيح قولنا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المستأمنين اللذين قتلهما عمرو ابن أبي أمية كدية حرين مسلمين. وعن الزهري أنه قال: قضى أبو بكر وعمر في دية الذمي بمثل دية المسلم. ولانهما يستويان في العصمة والحرية ولهذا قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كذمائنا وأموالهم كأموالنا ونقص
[ 76 ]
الكفر يؤثر في أحكام العقائد فيستويان في الدية. قال في الكافي: الدية المال الذي هو بدل النفس والارش اسم للواجب على ما دون النفس اه. أقول: الظاهر من هذه المذكورات كلها أن تكون الدية مختصة بما هو بدل النفس وينافيه ما سيجئ في الفصل الآتي من أن في المارن الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي اللحية الدية، وفي شعر الرأس الدية، وفي الحاجبين الدية وفي العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية إلى غير ذلك من المسائل التي أطلقت الدية فيها على ما هو بدل ما دون النفس. وكذا ما ورد في الحديث وهو ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في النفس وفي اللسان الدية، وفي المارن وهكذا هو الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه كما سيأتي، فالاظهر في تفسير الدية ما ذكره صاحب العناية آخرا فإنه بعد أن ذكر مثل ذلك في المغرب وعامر الشروح قال: والدية اسم لضمان يجب بمقابلة الآدمي أو طوق منه سمى بها لانه يؤدي عادة لانه قل ما يجري فيه العفو لعظم حرمة الآدمي اه. ولما كان المقصود من الفقه بيان الاحكام لا بيان الحقائق ترك المؤلف بيان الحقيقة وشرع يبين أنواعها. قال رحمه الله: (دية شبه العمد مائة من الابل أرباعا من بنت مخاض إلى جذعة) يعني خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون جذعة، وهذا
عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد والشافعي: ثلاثون حقة وثلاثون حذعة وأربعون ثنية في بطونها أولادها لقوله عليه الصلاة والسلام ألا إن قتيل الخطأ العمد بالسوط والعصا والحجر وفيه دية مغلظة مائة من الابل أربعون منها ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة ولانه لا خلاف أن التغليظ فيه واجب لشبهه بالعمد ومعنى التغليظ بتحقق بإيجاب شئ لا يجب في الخطأ. ولهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الدية بمائة من الابل أرباعا، ومعلوم أنه لم يرد به الخطأ لانه تجب فيه أخماسا فعلم أن المراد به شبه العمد، ولانه لا خلاف بين الامة أن الدية مقدرة بمائة من الابل. قاعليه الصلاة والسلام في نفس المؤمن مائة من الابل واختلفوا في صفة التغليظ فذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أنها أرباع مثل مذهبنا، ومذهب علي رضي الله عنه أنها أثلاث ثلاث وثلاثون حقه وثلاث وثلاثون جذعة وأربعة وثلاثون خلفة. قال رحمه الله: (ولا تتغلظ الدية إلا في الابل) لان الشرع ورد به وعليه الاجماع والمقدرات لا تعرف إلا سماعا إذ لا مدخل للرأي فيها فلم تتغلظ بغيره حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ قضاؤه لعدم التوقيف بالتقدير بغير الابل. قال رحمه الله: (وفي الخطأ مائة من الابل أخماسا) أي دية الخطأ مائة من الابل أخماسا ابن مخاض الخ. أي
[ 77 ]
عشرون ابن مخاض، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة وعشرون جذعة. فإذا كانت أخماسا يكون من كل نوع من هذه أنواع عشرين لما روى ابن مسعود رضي الله عنه ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون حذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم. والشافعي أخذ بمذهبنا غير أنه قال يجب عشرون ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة عليه ما روينا، ولان ما قلنا أخف لاقامة ابن المخاض مقام ابن لبون فكان لبون أليق بحال المخطئ، ولان الشرع جعل ابن اللبون بمنزلة بنت المخاض في الزكاة حيث أخذه مكانها فإيجاب العشرين منه مع العشرين من بنت المخاض كإيجاب أربعين بنت مخاض
وذلك لا يليق بل لا يجوز لعدم التغاير وذلك لانه عليه الصلاة والسلام لم يرد بتغيير أسنان الابل إلا التخفيف ولا يتحقق فيه التخفيف فلا يجوز. قال رحمه الله: (أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم) وقال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى: الدية اثنا عشر ألف درهم لما رويا عن ابن عباس أن رجلا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا. رواه أبو داود والترمذي. ولانه لا خلاف أنها من الدنانير ألف دينار وكانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر درهما. ولنا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم. وما قلنا أولى للتيقين به لانه أقل أو يحمل على ما روياه على وزن خمسة، وما رويناه على وزن ستة، وهكذا كانت دراهمهم من زمان النبي صلى الله عليه وسلم الى زمان عمر على ما ثلاثة الواحد منها وزن عشرة أي العشرة منه وزن عشرة دنانير وهو قدر الدينار، والثاني وزن ستة أي العشرة منه وزن ستة إلى آخر ما تقدم في كتاب الزكاة. فجمع عمر رضي الله عنه بين الثلاثة فخلط فجعله ثلاثة دراهم فصار ثلث المجموع درهما فكشف هذا أن الدينار عشرون قيراطا فوق العشرة يكون مثله عشرون قيراطا ضرورة استوائهما، ووزن الستة يكون نصف الدينار وعشرة فيكون اثني عشر قيراطا وزن الخمسة يكون صنف الدينار فيكون عشرة قراريط فيكون المجموع اثنين واربعين قيراطا، فإن جعلتها أثلاثا صار كل ثلث أربعة عشر قيراطا وهو الذي كان عليه دراهمهم. فإذا حمل ما رواه الشافعي على وزن خمسة وما رويناه على وزن ستة استويا. والذي يرجح مذهبنا ما روي أن الواجب في الجنين خمسمائة درهم وهو عشر دية الام عنده سواء كان ذكرا أو أنثى، وعندنا عشر دية النفس إن كان أنثى، ونصف العشر إن كان ذكرا، فعلم بذلك أن دية الام خمسة ألاف ودية الرجل ضعف ذلك وهو عشرة آلاف، ولانا أجمعنا أنها من الذهب ألف دينار والدينار مقوم في الشرع بعشرة دراهم ألا ترى أن نصاب الفضة في الزكاة مقدر بمائتي درهم ونصاب الذهب فيها بعشرين دينارا فيكون غنيا بهذا القدر من كل واحد منهما إذا الزكاة لا تجب إلا على الغني فيعلم بذلك علما ضروريا أن الدينار مقدر
[ 78 ]
بعشرة دراهم. ثم الخيار في هذه الانواع الثلاثة إلى القاتل لانه هو الذي يجب عليه فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين، ولا تثبت الدية إلا إن هذه الانواع الثلاثة عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يجب منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض في الدية على أهل الابل مائة من الابل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل هذه الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. رواه أبو داود. وكان عمر رضي الله عنه يقضي بذلك على أهل كل مال كما ذكرنا. وكل حلة ثوبا إزار ورداء وهو المختار. وفي النهاية: قيل في زماننا قميص وسراويل. وله أن التقدير إنما يستقيم بشئ معلوم المالية وهذه الاشياء مجهولة المالية ولهذا لا يقدر بها ضمان المتلفات، والتقدير بالابل عرف بالآثار المشهورة ولم يوجد ذلك في غيرها فلا يعدل عن القياس، والآثار التي وردت فيها تحتمل القضاء فيها بطريق الصلح فلا يلزم حجة. وذكر في المعاقل أنه لو صالح على الزيادة على مائتي حلة أن مائتي بقرة لا يجوز وتأويله أنه قولهما. قال رحمه الله: (وكفارتهما ما ذكر في النص) أي كفارة القتل خطأ وشبه العمد هو الذي ذكر في القرآن وهو الاهعتاق والصوم على الترتيب متتابعا كما ذكر في النص قال الله تعالى: * (فتحرير رقبة مؤمنه) * وشبه العمد خطأ في حق القتل وإن كان عمدا في حق الضرب فتتناولهما الآية. ولا يختلفان فيه لعدم النقل باختلاف بخلاف الدية حيث تجب في شبه العمد مغلظة لوجود التوفيق في التغليظ في شبه العمد دون الخطأ والمقادير لا تجب إلا سماعا. قال رحمه الله: (ولا يجوز الاطعام والجنين) لان الاطعام لم يرد به النص والمقادير لم تعرف إلا سماعا، ولان المذكور كل الواجب أما في الجواب أو لكونه كل المذكور والجنين لم تعرف حياته ولا سلامته فلا يجوز، ولانه عضو من وجه فلا يدخل تحت مطلق النص. قال رحمه الله: (ويجوز الرضيع لو أحد أبويه مسلما) لانه مسلم تبع له والظاهر سلامة أطرافه على ما عليه الحيلة، ولا يقال كيف اكتفى هذا بالظاهر في
سلامة أطرافه حتى جاز التكفير ولم يكتف بالظاهر في حد وجوب الضمان بإتلاف أطرافه لانا نقول: الحاجة في التكفير إلى دفع الواجب والظاهر يصلح حجة للدافع والحاجة في الاتلاف إلى دفع الضمان وهو لا يصلح حجة فيه، ولانه يظهر حال الاطراف فيما بعد التكفير إذا عاش ولا كذلك الاتلاف فافترقا. قال رحمه الله: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها) روي ذلك عن علي موقوفا ومرفوعا. وقالالشافعي: الثلث وما دون الثلث لا يتنصف لما روي عن سعيد بن المسيب أنه السنة. وقال الشافعي: السنة إذا أطلقت يراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولنا ما روينا وما رواه أن كبار الصحابة أفتوا
[ 79 ]
بخلافه، ولو كان سنة النبي صلى الله عليه وسلم لما خالفوه. وقوله سنة محمول على أنه سنة زيد لانه لم يرو إلا عنه موقوفا، ولانه هذا يؤدي إلى المحال وهو أما إذا كان ألمها أشد ومصابها أكبر أن يقل أرشها بيانه أنه لو قطع أصبع منها يجب عشر من الابل، وإذا قطع أصبعان يجب عشرون، وإذا قطع ثلاثة يجب ثلاثون لانها تساوي الرجل فيه على زعمه لكونه ما دون الثلث، ولو قطع أربعة يجب عشرون للتنصيف فيما هو أكثر من الثلث فقطع الرابعة لا يوجب شيئا بل يسقط ما وجب بقطع الثالث، وحكمة الشارع تنافي ذلك فلا تجوز نسبته إليه لان من المحال أن تكون الجناية لا توجب شيئا شرعا وأقبح منه أن تسقط ما وجب لغيرها وهذا مما تحيله العقلاء بالبديهة، ولان الشافعي يعتبر الاطراف بالانفس وتركه هنا حيث نصف دية النفس ولم ينصف دية الاطراف إلا إذا زاد على الثلث. قال رحمه الله: (ودية المسلم والذمي سواء) لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في مستأمن قتله عمرو بن أمية الضمري بمائة من الابل وقال عليه الصلاة والسلام: ودية كل ذي عهد في عهده ألف دينار. وعن الزهري أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يجعلان دية الذمي مثل دية المسلم. وقال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا وفي ظاهر قوله تعالى * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة
إلى أهله) * (النساء: 92) دلالة عليه لان المراد منه ظاهر ما هو المراد من قوله تعالى في قتل المؤمن ودية مسلمة إلى أهله لانهم معصومون متقومون لاحرازهم أنفسهم بالدار فوجب أن يكونوا ملحقين بالمسلمين إذ يجب بقتلهم ما يجب بقتلهم أن لو كانوا مسلمين ألا ترى أن أموالهم لما كانت معصومة متقومة يجب بإتلافها ما يجب بإتلاف مال المسلم، فإذا كان هذا في أموالهم فما ظنك في أنفسهم؟ ولا يقال إن نقص الكفر فوق نقص الانوثة والرق فوجب أن تنقص ديته به كما تنتقص بالانوثة والرق ولان الرق أتر الكفر فإذا انتقص بأثره فأولى أن ينتقص به لانا نقول نقصان دية المرأة والعبد لا باعتبار نقصان الانوثة والرق بل باعتبار نقصان صفة المالكية فإن المرأة لا تملك النكاح والعبد لا يملك المال والحر الذكر يملكهما، ولهذا زادت قيمته ونقصت قيمتهما والكافر يساوي المسلم في هذا المعنى فوجب أن يكون بدله كبدله والمستأمن ديته مثل دية الذمي في الصحيح لما روينا. فصل لما فرغ من بيان دية النفس شرع يذكر ما يلحق بها فيها. قال رحمه الله: (في النفس والمارن) يعني تجب الدية في كل واحد منهما. قال محمد رحمه الله: وفي الانف الدية، وفي
[ 80 ]
المارن الدية والمارن مالان من الانف. في الذخيرة: فيه حكومة عدل. وفي الاصل: وإذا قطع أنف رجل وذهب شمه تجب دية كاملة. وفي الظهيرية: وبه يفتى. وعن محمد أنه تجب حكومة العدل. وفي الكافي: ولو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة. وطريق معرفة ذهاب الشم أن يوضع بين يديه ماله رائحة كريهة فإن نفر عن ذلك علم أنه لم يذهب شمه. وفي المنتقي: إذا جنى عليه فصار لا يستنثر من أنفه ولكن يستنثر من فمه فعليه حكومة عدل. وفي شرح الطحاوي: إذا قطع المارن ثم الانف، فإن كان قبل البرء تجب دية واحدة، وإن كان بعد البرء تجب الدية في المارن وحكومة العدل في الباقي. وفي جنايات الحسن: إذا كان أنف القاطع أصفر كان المقطوع أنفه بالخيار إن شاء قطع أنفه وإن شاء أخذ
أرشه، فإن كان في أنف القاطع نقصان من شئ أصابه أو كان أخشم لا يجد الريح فكذلك الجواب. وفي الحاوي: أخشم يعني أصغر أو أخرق. فالمقطوع أنفه بالخيار إن شاء قطع أنف القاطع، وإن شاء ضمنه دية الانف. وفي الكبرى: لو قطع الانف من أصل العظم اقتص منه ومعناه ما يليه المارن فإنه قال: لو ضرب أنفه فوق العظم فانكسر العظم وتدغدغ اللحم حتى ذهب بالانف لم يكن فيه قصاص. وعن محمد أنه لو قطع المارن وهي أرنبته يقتص منه، وإن قطع من أصله فلا قصاص عليه لانه عظم وليس بمفصل. والجواب: أما السن فقد قيل إنه ليس بعظم وإنما هو عصب ينعقد ولو كان عظما لنبت إذا كسر بخلاف سائر العظام، ومراد محمد العظام الذي لا ينتقص على حسب المراد إلا أنه سامح وأوجز في اللفظ. في القدوري: في الانف المقطوعة أرنبته حكومة عدل. وفي الاصل: إذا انكسر أنف إنسان ففيه حكومة عدل، وإذا قطع كل المارن عمدا يجب القصاص، وإذا قطع بعضه لا يجب القصاص، وإذا قطع بعض عصبة الانف لا يجب القصاص بالاتفاق، وإذا قطع كل الانف لا يجب القصاص، وعند أبي يوسف يجب، هكذا ذكره الكرخي. قال القوري: أراد بقوله إذا قطع كل الانف يجب الفاضل عن قول أبي يوسف في المارن، أما عصبة الانف عظم ولا قصاص في العظم بالاجماع وقدمنا ذلك بتفاصيله. قال رحمه الله: (وفي اللسان والذكر والحشفة) يعين الدية. أما اللسان قال محمد في الاصل: وفي اللسان الدية يريد به حالة الخطأ وإذا قطع بعض اللسان إن منعه عن الكلام ففيه كمال الدية، وأما إذا منعه عن بعض الكلام دون البعض فإنه تجب الدية بقدر ما فات، إن كان الفائ ت إن كان الفائت نصفا يجب نصف الدية، وإن كان ربعا يجب ربع الدية. وكيف نعرف مقدار الفائت من الباقي؟ اختلف المشايخ المتأخرون، قال بعضهم: يعرف بالتهجي بحروف المعجم التي عليها مدار كلام العرب وهي ثمانية وعشرون حرفا، فإن أمكنه التكلم بنصف الحروف أربعة عشر وعجز عن النصف علم أن الفائت نصف الكلام فتجب نصف الدية، وإن أمكنه التكلم بثلاثة أرباع منها وذلك أحد وعشرون كان الفائت هو الربع فيجب ربع الدية، وإن أمكنه التكلم بربعها وهو سبعة كان الفائت ثلاثة
[ 81 ]
أرباعه فيلزمه ثلاثة أرباع الدية. والاصل في هذا روي أن رجلا قطع طرف لسانه في زمن علي رضي الله عنه فأمره أن يقرأ ألف ب ت ث فما قرأ حرفا أسقط الدية بقدر ذلك، وما لم يقرأه أوجب الدية بحساب ذلك. وقال بعضهم: لا يهجي بجميع حروف المعجم وإنما يتهجى بالحروف المتعلقة باللسان اللازمة، فإن لم يمكنه التهجي بالنصف كان الفائت نصفا فيلزمه نصف الدية، وإن أمكنه التكلم بالثلث يلزمه ثلثا الدية قالوا: والاول أصح اه. وفي التجريد: المعتبر الحرو ف التي تتعلق باللسان فالهوائية والحلقية والشفوية لا تدخل في القسمة. وفي السغناقي: الحروف التي تتعلق باللسان وهي الالف والتاء الثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون والياء. فإن لم يمكنه إتيان بحرف منها يلزمه حصته من الدية. فأما الهوائية والحلقية والشفوية فلا تدخل في القسمة. فالشفوية: الباء والميم والواو. والحلقية: الهاء والعين والغين والحاء والخاء والقاف. وهذا كله في لسان البالغ والكلام في لسان الصبي يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإذا قطع لسان غيره عمدا ذكر في الاصل أنه لا قصاص بقطع البعض أو قطع الكل، وعن أبي يوسف أنه إذا قطع الكل ففيه القصاص. وفي شرح الطحاوي: وإذا قطع اللسان أن لا قصاص فيبالاجماع. وفي العيون قال أبو حنيفة في اللسان: إذا أمكن القصاص يقتص. وفي الظهيرية: والفتوى على لا قصاص في اللسان لانه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه لانه ينقبض وينبسط. وفي الواقعات: لا قصاص في اللسان وإن قطع من وسط اللسان أو من طرفه فإن ادعى ذهاب الكلام يشتغل عنه حتى يسمع كلامه أو لا يسمع وفي لسان الاخرس حكومة عدل. وأطلق المؤلف في وجوب الدية في الذكر ولم يفرق بين شاب وشيخ، وبين مريض وصحيح، ولا بين ذكر خصي وعنين، ولا بد من بيان ذلك. ولو قال ويقطع ذكر يفوت به الايلاج لكان أولى. وفي المحيط: وفي ذكر الخصي والعنين حكومة عدل. وعن الشافعي
كمال الدية. قلنا: ذكر الخصي والعنين لا يتصور منه الايلاج بنفسه فلاتجب فيه دية، وفي ذكر المريض دية كاملة لانه بزوال المرض يعود إلى قوته الكاملة، وفي ذكر الشيخ الكبير إن كان لا يتحرك ولا قدرة له على الوطئ حكومة عدل، وإن كان يتحرك ويقدر على الوطئ دية كاملة، وفي قطع الذكر المقطوع الحشفة حكومة عدل. وفي التجريد: وفي الانثيين كاملة كمال الدية. وفيه أيضا: وفي قطع الحشفة دية كاملة، فإن جاء بعد ذلك وقطع باقي الذكر قبل تخلل برء تجب دية واحدة كاملة ويجعل كأنه قطع الذكر بدفعة واحدة، وإن تخلل بينهما برء يجب كمال الدية في الحشفة وحكومة العدل في الباقي وإذا قطع الذكر والانثيين من الرجل الصحيح خطأ إن بدأ بقطع الذكر ففيه ديتان. وفي التجريد: وكذا إذا قطعهما من جانب واحد معا ففيه ديتان. وفي التحفة: وفي الانثيين إذا قطعهما مع الذكر جملة مرة
[ 82 ]
واحدة في حالة واحدة يجب عليه ديتان دية بإزاء الذكر ودية بإزاء الانثيين، وإن قطع الذكر أولا ثم الانثيين يجب ديتان أيضا لان بقطع الذكر تفوت منفعة الانثيين وهي إمساك المني، فأما إذا قطع الانثيين أولا ثم الذكر تجب الدية بقطع الانثيين ويجب بقطع الذكر حكومة العدل، وفي الانثيين إذا قطعهما خطأ كمال الدية. وفي الظهيرية: وفي أحدهما نصف الدية وقد قدمناه. وفي المنتقي عن محمد: إذا قطع إحدى أنثييه فانقطع ماؤه دية ونصف ولا يعلم ذهاب الماء إلا بإقرار الجاني فإن قطع الباقي من إحدى الانثيين يجب نصف الدية، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا قطع الانثيين عمدا هل يجب القصاص، والظاهر أنه يجب فيهما القصاص حال العمد، إن قطع الحشفة كلها عمدا ففيها القصاص، وإن قطع بعضها فلا قصاص فيه، ولو قطع الذكر كله ذكر في الاصل أنه ينقبض وينبسط فلا يمكن استيفاء القصاص فيه وصار كاللسان، وعن أبو يوسف أنه يجب القصاص. قال رحمه الله: (وفي العقل والسمع والبصر والشم والذوق) يعني تجب في كل واحد منهما دية كاملة. أما العقل فلان بذهابه تذهب منافع الاعضاء كلها لان أفعال المجنون تجري مجرى أفعال البهائم، وأما
السمع فلانه بفواته يفوت جنس المنفعة على الكمال وهو منفعة الاستماع، وأما الشم فلان بفواته يفوت إدراك الروائح الطيبة والتفرقة بين الرائحة الطيبة والخبيثة، وأما الذوق فلان بفواته يفوت إدراك الحلاوة والمرارة والحموضة وقد روي عن عمر رضي الله عنه قضى لرجل على رجل بأربع ديات بضربة واحدة وقعت على رأسه ذهب بها عقله وسمعه وبصره وكلامه. وقال أبو يوسف: لا يعرف الذهاب والقول قول الجاني لانه المنكر ولا يلزمه شئ إلا إذا صدقه أو نكل عن اليمين. وقيل: ذها ب البصر تعرفه الاطباء فيكون فيه قول رجلين عدلين منهم حجة فيه. وقيل يستقبل به الشمس مفتوح العينين فإذا دمعت عينه علم أنها باقية وإلا فلا. وقيل: يلقي بين يديه حية فإن هرب منها علم أنها لم تذهب، وإن لم يهرب فهي ذاهبة، وطريق معرفة ذهاب السمع أن يغافل ثم ينادي، فإن أجاب علم أنه لم يذهب وإلا فهو ذاهب، وروي اسمعيل بن حماد أن امرأة ادعت أنها لا تسمع وتطارشت في مجلس حكمه فاشتغل بالقضاء عن النظر إليها ثم قال لها فجأة: غطي عورتك. فاضطربت وتسارعت إلى جمع ثيابها فظهر كذبها. قال رحمه الله: (واللحية إن لم تنبت وشعر الرأس والعينين والاذنين والحاجبين وثدي المرأة الدية وفي كل واحد من هذه الاشياء نصف الدية وفي أجفان العينين الدية وفي أحدهما ربع الدية) يعني إذا حلق اللحية أو شعر الرأس ولم ينبت في كل واحد منهما دية كاملة لانه أزال جمالا على الكمال. وقال مالك الشافعي: لا تجب فيها الدية وتجب فيها حكومة عدل
[ 83 ]
لان ذلك زيادة في الآدمي ولهذا ينمو بعد كمال الخلقة ولهدا تحلق الرأس واللحية وبعضها في بعض البلاد فلا تتعلق به الدية كشعر الصدر والساق إذ لا تتعلق به منفعة، ولهذا لا تجب في شعر العبيد نقصان القيمة. ولنا قول علي رضي الله عنه في الرأس إذا حلق ولم ينبت الدية كاملة، والموقوف في هذا كالمرفوع لانه من المقادير فلا يهتدي إليه بالرأي لان اللحية في أوانها جمال فيلزمه كمال الدية كما لو قطع الاذنين الشاخصين، والدليل على أنه جمال قوله
عليه الصلاة والسلام إن لله ملائكة تسبيحهم سبحان من زين الرجال باللحاء، والنساء بالقدود والذوائب بخلاف شعر الصدر والساق لانه لا يتعلق به الجمال. وأما شعر العبد فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب عليه كمال القيمة فلا يلزمنا. والجواب عن الظاهر أن المقصود من العبد الاستخدام دون الجمال وهو لا يفوت بالحلق بخلاف الحر لان المقصود منه في حقه الجمال فيجب بفواته كمال الدية. وفي الشارب حكومة عدل في الصحيح لانه تابع للحية فصار طرفا من أطراف اللحية. واختلفوا في لحية الكوسج والظاهر أنه إن كان في ذقنه شعرات معدودة فليس في حلقها شئ لان وجودها يشينه ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك كان على الخد والذقن جميعا ولكنه غير متصل ففيه حكومة عدل لانه فيه بعض الجمال، وإن كان متصلا ففيه كمال الدية لانه ليس بكوسج وفي لحيته كمال جمال، وهذا كله إذا انسد المنبت، فإن نبت حتى استوى كما كان لا يجب شئ لانه لم يبق لفعل الجاني أثر في البدن ولكنه يؤدب على ذلك لارتكابه المحرم، وإن نبت أبيض ض فقد ذكر في النوادر أنه لا يلزمه شئ عند أبي حنيفة في الحر لان الجمال يزداد ببياض الشعر في اللحية، وعندهما تجب حكومة عدل لان البياض يشينه في غير أوانه فتجب حكومة عدل باعتباره. وفي العبد تجب حكومة عدل عندهم لانه تنتقص به قيمته. ويستوي العمد والخطأ في حلق الشعر لان القصاص لا يجب فيه لانه عقوبة فلا يثبت فيها قياسا، وإذا ثبت نصا أو دلالة والنص إنما ورد في النفس والجراحات ويؤجل فيه سنة، فإن لم ينبت فيها وجبت الدية ويستوي فيها الصغير والكبير، والذكر الانثى. فإن مات قبل تمام السنة ولم ينبت فلا شئ عليه. أما ما يكون مزودجا في الاعضاء كالعينين واليدين ففي قطعهما كمال الدية، وفي قطع أحدهما نصف الدية، وأصل ذلك ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في العينين الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وفي الرجلين الدية، وفي أحدهما نصف الدية ولان تفويت اثنين منها تفويت المنفعة أو تفويت الجمال على الكمال. وفي تفويت الرجلين تفويت منفعة المشي. وفي تفويت الانثيين تفويت منفعة الامناء وتالنسل. وفي ثديي المرأة تفويت منفعة الارضاع بخلاف
ثديي الرجل لانه ليس فيه تفويت المنفعة ولا الجمال على الكمال فيجب فيه حكومة عدل. وفي حلمتي المرأة كمال الدية، وفي أحدهما نصف الدية لفوات منفعة الارضاع وإمساك الصبي لانها إذا لم يكن لها حلمة يتعذر على الصبي الالتقام عند الارضاع. وقال مالك
[ 84 ]
والشافعي: يجب في الحاجبين حكومة عدل بناء على أصلهما لانهما لا يريان وجوب الدية في الشعر، وعندنا يجب فيهما الدية لتفويت الجمال على الكمال. وأما ما يكون من الاعضاء أربعا فهو أشفار العينين ففيها الدية إذا قطعها ولم تنبت، وفي أحدهما ربع الدية لانها يتعلق بها الجمال على الكمال ويتعلق بها دفع الاذى والقذر عن العين وتفويت ذلك ينقص البصر ويورث العمى، فإذا وجب في الكل الدية وهي أربعة وجب في الواحد منها ربع الدية. وفي الانثيين نصف الدية. وفي الثلاث ثلاث أرباع الدية. وقال محمد: في أشفار العينين الدية كاملة إذا لم تنبت فأراد به الشعر لان الشعر هو الذي ينبت دون الجفون وأيهما أريد كان مستقيما لان في كل واحد من الشعر دية كاملة فلا يختل المعنى. ولو قطع الجفون بأهدابها تجب دية واحدة لان الاشفار مع الجفون كشئ واحد كالمارن مع القصبة والموضحة مع الشعر، وأما ما يكون من الاعضاء أعشارا كالاصابع ففي القطع اليدين أو الرجلين كل الدية. وفي قطع واحد منها عشر الدية، وفي قطع الجفون التي شعر فيها حكومة عدل. وإذا كان الجاني على الاهداب واحدا وعلى الجفون واحد آخر كان على الذي جنى على الاهداب تمام الدية. وعلى الذي جنى على الجفون حكومة عدل. وفي الظهيرية: ولو حلق نصف اللحية فلم تنبت وحلق ربع الرأس أو نصف الرأس تجب نصف الدية لانه ما زال الجمال على الكمال لان الشين إنما يكمل بفوات الكل. وقال بعضهم: يجب كمال الدية لان نصف الحلق لا يبقى زينة فتفوت الزينة بالكلية بفوات نصف اللحية ففيه كمال الدية كما لو قطع الشارب. وفي لحية العبد حكومة عدل وهو الصحيح لان المقصود من العبد الخدمة كالجمال لان لحية العبد جمال من حيث إنه آدمي، نقصان من حيث إنه مال لانه مما يوجب نقصانا في
المالية فإنه لا يساوي غير الملتحي في الجمال فلو يوجد إزالة الجمال على الكمال. وروي عن الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه تجب كمال الدية لا القيمة لان الجمال في حقه مقصود أيضا. وإن نبت مكانها أخرى مثل الاولى فلا شئ فيها كما في السن. فإن كانت الاولى سوداء فنبتت مكانها بيضاء ذكر في النوادر أن عند أبي حنيفة في الحر لا يجب شئ، وفي العبد حكومة عدل لان البياض في الشعر مما ينقص من قيمة العبد لان البياض في غير وقته عيب وشين. قال رحمه الله: (وفي كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر الدية وما فيها ثلاث مفاصل ففي أحدها ثلث الدية ونصفها لو فيها مفصلان) يعني ما يكون من الاعضاء أعشارا كالاصابع ففي كل أصبع عشر الدية، ولو قطع أصابع اليدين أو رجلين فعليه كل الدية لقوله عليه الصلاة والسلام وفي كل أصبع عشرة من الابل وفي قطع الكل تفويت
[ 85 ]
منفعة المشي أو البطش وفيه دية كاملة وهي عشرة فتقسم الدية عليها. والاصابع كلها سواء لاطلاق ماروينا. ولان الكل سواء في أصل المنفعة فلا تعتبر الزيادة. أما ما فيها ثلاثة مفاصل ففي أحدها ثلث دية الاصبع لانها ثلثها، وما فيها مفصلان كالابهام ففي أحدهما نصف دية الاصبع لانه نصفها وهو نصير انقسام دية اليد على الاصابع وهو المراد بقوله في المختصر وما فيها ثلاثة مفاصل ففي أحدها ثلث دية الاصبع ونصفها لو فيها مفصلان. وإذا قطع الرجل أذن الرجل خطأ فأثبتها المقطوعة أذنه في مكانها فتبثت فعلى القاطع أرش الاذن كاملا. قال الشيخ أحمد الطواويسي: هذا الجواب غير صحيح لان الاذن لا يتصور إثباتها بالاحتيال وإنما تثبت باتصال العروق، فإذا ثبتت فالظاهر أنه اتصل العروق وزالت الجناية فيزول موجبها. وفي الكبرى: وإن جذب أذنه فانتزع شحمته فعليه الارش في ماله دون القصاص لتعذر مراعاة التساوي في القصاص، وعن أبي حنيفة فيمن قطع أذن عبد أو أنفه فعليه ما نقصه. قال رحمه الله: (وفي كل سن خمس من الابل أو خمسمائة درهم) يعني
في كل سن نصف عشر الدية وهو خمس من الابل أو خمسمائة درهم لقوله عليه الصلاة والسلام وفي كل سن خمس من الابل والاسنان والاضراس سواء وهي كلها سواء لاطلاق ما روينا. ولما روي في بعض طرقه والاسنان كلها لان الكل في أصل المنفعة سواء فلا يعتبر التفاوت فيه كالايدي والاصابع. ولئن كان في بعضها زيادة منفعة ففي الآخر زيادة الجمال فاستويا فزادت دية هذا الطرف على دية النفس ثلاثة أخماس الدية لان الانسان له اثنان وثلاثون سنا، عشرون ضرسا وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك، فإذا وجب في الواحدة نصف عشر الدية يجب في الكل دية وثلاثة أخماس الدية وذلك ستة عشر ألف درهم، هذا إذا كان خطأ، وأما إن كان عمدا ففيه القصاص وقد بيناه من قبل قولهم والاسنان والاضراس سواء. قال في العناية قالوا: فيه نظر والصواب أن يقال: والاسنان كلها سواء ويقال والانياب والاضراس كلها سواء لان السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون أربع منها ثنايا وهي لاسنان المتقدمة اثنان فوق واثنان أسفل، ومثلها رباعيات وهي ما يلي الثنايا، ومثلها أنياب تلي الرباعيات، ومثلها ضواحك تلي الانياب. واثني عشر سنا تسمى بالطواحين من كل جانب ثلاث فوق. وثلاث أسفل. وبعدها سن وهو آخر الاسنان يسمى ضرس الحلم لانه ينبت بعد البلوغ وقت كمال العقل فلا يصح أن يقال الاسنان والاضراس سواء لعوده إلى معنى أن يقال الاسنان وبعضها سواء ا ه. أقول: في هذا النظر مبالغة مردودة حيث قيل في أوله والصوا ب أن يقال: وفيه إشارة إلى أن ما في الكتاب خطأ وقال في آخره فلا يصح أن يقال الاسنان والاضراس سواء وفيه تصريح بعدم صحة ما في الكتاب مع أن تصحيحه على طريق التمام فإن عطف الخاص على العام
[ 86 ]
طريقة معروفة قد ذكرت مرتبة في علم البلاغة وله أمثلة كثيرة في التنزيل قوله تعالى * (حافضوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (البقرة، 238) ومنها قوله تعالى * (من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) * (البقرة: 98) فجاز أن يكون ما نحن فيه من
قبيل ذلك ويعود حاصل معناه إلى أنه يقال الاضراس وما عداها من الاسنان سواء، فإنه إذا عطف الخاص على العام يراد بالمعطوف عليه ما عدا المعطوف من أفراد العام كما صرحوا به فلا يلزم المحذوف. ثم إن قوله أو يقال والانياب والاضراس كلها سواء مثل ما ذكر في الايراد على ما في الكتاب فلا معنى لان يكون ذلك صوابا دون ما في الكتاب، نعم الاظهر في إفادة المراد ههنا أن يقال والاسنان كلها سواء على ما جاء به لفظ الحديث، أو أن يقال في الاضراس والثنايا كلها سواء بالجمع بين النوعين كما ذكر في المبسوط. قال رحمه الله: (وكل عضو ذهب منفعته ففيه دية كيد شلت وعين ذهب ضوءها) أي إذا ضرب عضوا فذهب نفعه بضربه ففيه دية كاملة كما إذا ضرب يده فشلت به أو عينه فذهب ضوءها لان وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه أرش موجبه كله، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة فلا يكون لها حصة من الارش إلا إذا تجردت عند الاتلاف بأن أتلف عضوا ذهب منفعته فحينئذ يجب فيه حكومة عدل إن لم يكن فيه جمال كاليد الشلاء أو أرشه كاملا إن كان فيه جمال كالاذن الشاخصة فلا يلزم من اعتبار الصورة والجمال عند انفراده عن المنفعة اعتبارها معا بل يكون تبعا لها فيكون المنظر إليه هي المنفعة فقط عند الاجماع، وكم من شئ يكون تبعا لغيره عند الاتلاف فلا يكون له أرش. ثم إذا انفرد عند الاتلاف يكون له أرش ألا ترى أن الاعضاء كلها تبع للنفس فلا يكون لها أرش إذا تلفت معها، وإذا انفردت بالاتلاف كان لها أرش. ومن ضرب صلب رجل فانقطع ماؤه تجب الدية لان فيه تفويت منفعة الجمال على الكمال لان جمال الآدمي في كونه منتصب القامة، وقيل هو المراد بقوله تعالى * (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) * (التين: 4) ولو زالت الحدوبة فلا شئ عليه لزوالها لاعن أثر، ولو بقي أثر الضربة ففيه حكومة عدل لبقاء الشين ببقاء أثرها والله أعلم. فصل في الشجاج
الشجاج عشرة: الخارصة وهي التي تخرص الجلد أي تخدشه ولا تخرالدم مأخوذة من خرص القصار الثوب إذا شقه في الدق. والدامعة بالعين المهملة مأخوذة من الدمع
[ 87 ]
سميت بها لان الدم يخرج منها بقدر الدمع من القلة، وقيل لان عينه تدمع بسبب ألم يحصل له منها. وفي المحيط: الدامعة هي التي يخرج منها ما يشبه الدمع مأخوذة من دمع العين، والدامية وهي التي يسيل منها الدم. وذكر المرغيناني أن الدامية هي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم هو الصحيح يروى عن أبي عبيد، والدامعة وهي التي يسيل منها الدم كدمع العين. ومن قال أن صاحبها تدمع عيناه من الالم فقد أبعد والباضعة وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه مأخوذة من البضع وهو الشق والقطع ومنه مبضع الفصاد. أقول: في تفسير الباضعة بما ذكره الشارح فتور وإن تابعه صاحب الكافي وكثير من المتأخرين فيه لان قطع الجلد متحقق في الصورة الاولى منها لا سيما في الدامعة والدامية إذا الظاهر أن شيئا من إظهار الدم وأصالته لا يتصور بدون قطع الجلد وقد صرح الشراح بتحقق قطع الجلد في كل الانواع العشرة للشجة فكان التفسير المذكور شاملا للكل غير مختص بالباضعة، فالظاهر في تفسير الباضعة هو ما ذكر في المحيط والبدائع حيث قال في المحيط: ثم الباضعة وهي تبضع اللحم أي تقطعه. وقال في البدائع: والباضعة هي التي تبضع اللحم أي تقطعه ا ه. ويعضد ذلك ما وقع في معتبرات كتب اللغة قال في المغرب: وفي الشجاج الباضعة وهي التي جرحت الجلد وشقت اللحم ا ه. وقال في الصحاح: الباضعة الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمي إلا أنها لا تسيل الدم. وقال في القاموس: والباضعة الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم شقا خفيفا وتدمي إلا أنها لا تسيل الدم ا ه. لا يقال فعلى هذا يلزم تشبيه الباضعة بالمتلاحمة فإنهم قالوا والمتلاحمة هي التي تأخذ في اللحم وهذا في المآل غير ما نقلته عن المحيط والبدائع في تفسير الباضعة لانا نقول: من فسر الباضعة بما قلنا من المعنى الظاهر لا يقول بتفسير المتلاحمة بما ذكر حتى يلزم الاشتباه بل يزيد عليه قيدا، وعن هذا قال في
المحيط: ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تقطعه. قال شيخ الاسلام: ولا تنزع شيئا من اللحم. ثم المتلاحمة وهي التي تقطع اللحم وتنزع شيئا من اللحم، إلى هنا لفظ المحيط. وقال في البدائع: والباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تقطعه، والمتلاحمة هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه. وقال في المغر ب: والمتلاحمة من الشجاج هي التي تشق اللحم دون العظم ثم تتلاحم بعد شقها أي تتلاءم ا ه. وقال في الصحاح: والمتلاحمة الشجة التي أخذت في اللحم دون العظم ثم تتلاحم ولم تبلغ السمحاق ا ه. وقال في القاموس: وشجة متلاحمة أخذت فيه ولم تبلغ السمحاق والمتلاحمة وهي التي تأخذ في اللحم كله ثم تتلاحم بعد ذلك أي تلتئم وتتلاصق سميت بذلك تفاؤلا على ما يؤل إليه. وروي عن محمد أن المتلاحمة قبل الباضعة لان المتلاحمة من قولهم التحم الشيآن إذا اتصل أحدهما بالآخر فالمتلاحمة هي التي تظهر اللحم ولا تقطعه والباضعة بعدها لانها تقطعه. وفي ظاهر الرواية والمتلاحمة تعمل في قطع أكثر اللحم وهي بعد الباضعة. وقال الازهري: الاوجه أن يقال
[ 88 ]
المتلاحمة أي القاطعة للحم والاختلاف الذي وجد في الشجاج راجع إلى مأخذ الاشتقاق لا إلى الحكم. والسمحاق وهي التي تصل إلى السمحاق وهي الجلدة الرقيقة التي بين اللحم وعظم الرأس، والموضحة وهي التي توضح العظم أي تبينه، والهاشمة وهي التي تهشم العظم، والمنقلة وهي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله والآمة وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ هي الجلدة الرقيقة التي تجمع الدماغ، وبعد الآمة شجة تسمى الدامغة بالغبن المعجمة وهي التي تصل إلى الدماغ لم يذكرها محمد لان النفس لا تبقى بعدها عادة فتكون قتلا، ولا تكون من الشجاج والكلام في الشجاج ولذا لم يذكر الخارصة والدامغة لانها لا يبقى لها في الغالب أثر. وهذه الشجاج تختص بالرأس والوجه وما كان في غيرهما يسمى جراحة فهذا هو الحقيقة والحكم يترتب على الحقيقة فلا يجب بالجراحة ما يجب بالشجة من المقدار لان التقدير بالنقل وهو إنما ورد في الشجاع وهي تختص بالرأس والوجه فخص
الحكم المقدم بها، ولا يجوز إلحاق الجراحة بها دلالة ولا قياسا لانها ليست في معناها في الشين لان الوجه والرأس يظهران في الغالب وغيرهما مستور غالبا لا يظهر. واختلفوا في اللحيين فعندهما في الوجه فيتحقق الشجاج فيهما فيجب فيها موجبها خلافا لما يقول مالك رحمه الله فإنه يقول إنهما ليسا من الوجه لان المواجهة لا تقع بهما، ونحن نقول هما متصلان بالوجه من غير فاصل ويتحقق معنى المواجهة فصار كالذقن لانهما تحتها. وقال شيخ الاسلام: ويجب أن يفرض غسلهما في الوضوء لانهما من الوجه حقيقة إلا أنا تركناهما للاجماع ولا إجماع هنا فبقينا العيرة للحقيقة. وفي المبسوط: الشجاج في الرأس والوجه أحد عشر أولها الخارصة وهي تشق الجلد مأخوذة من قولهم خرص القصار الثوب إذا شقه من الدق، ثم الدامعة وهي التي يخرج منها ما يشبه الدمع مأخوذة من دمع العين. ولم يذكرها محمد لانها لم يبق لها أثر في الغالب، ثم الدامية وهي التي يخرج منها الدم، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم، ثم المتلاحمة، وعن محمد أنه جعل المتلاحمة قبل الباضعة خلافا لابي يوسف، وتفسيرها عند أبي يوسف التي تقشر الجلد وتجمع اللحم في موضع الجراحة ولا تقطعه مأخوذة من التحام، يقال التحم الجيشان إذا اجتمعا. ثم السمحاق وهي التي تصل إلى جلدة رقيقة فوق العظم تسمى السمحاق، ثم الموضحة وهي التي توضح العظم واللحم، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة التي يخرج منها العظم لانها تكسر العظم وتنقله عن موضعه، ثم الآمة التي تصل إلى أم الرأس وهي الجلدة التي فوق الدماغ، ثم الدامغة التي تخرق الجلد وتصل إلى الدماغ ولم يذكرها محمد لان الانسان لا يعيش معها. وأما أحكامها فإن كانت هذه الشجاج عمدا ففي الموضحة القصاص لان السكين ينتهي إلى العظم ولا يخاف منه الهلاك غالبا فيجب القصاص لقوله تعالى * (والجروح قصاص) * (المائدة: 5) وذكر الكرخي عنه أنه ليس في شئ من
[ 89 ]
الشجاج إلا في القصاص والموضحة. وليس لهذه الشجاج أروش مقدرة وموجب هذه
الشجاج لا يتحمله العاقلة، فإن كانت هذه الشجاج خطأ ففيما قبل الموضحة حكومة عدل لانه ليس لها أرش مقدر وفي الموضحة خمس من الابل، وفي الهاشمة عشر من الابل، وفي المنقلة خمسة عشرة، وفي الآمة ثلث الدية، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى حزم حين بعثه إلى اليمين وذكر فيه أن في النفس مائة من الابل، وفي الانف الدية، وفي الشفتين الدية، وفي اللسان الدية، وفي العينين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الذكر الدية، وفي الانثيين الدية، وفي الرجل نصف الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل، وفي الموضحة خمس من الابل، هكذا رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي النوادر: رجل أصلع ذهب شعره شجه إنسان موضحة عمدا قال محمد: لا يقتص وعليه الارش لانه أقل من موضحة لان المساواة معتبرة في تناول الاطراف ولا مساواة لان الموضحة في أحدهما مؤثرة في الجلد واللحم فتعذر مراعاة المساواة وصار كصحيح اليد إذا قطع يد الاشل لا يقطع فكذا هذا، وإن قال الشاج رضيت أن يقتص مني ليس له ذلك لان الجناية إذا لم توجب القصاص لا يوجب الاستيفاء بالرضا، وإن كان الشاج أيضا أصلع عليه القصاص لان اعتبار المساواة ممكن فصار كالاشل إذا قطع يد الاشل، وإن لم يبق للجراحة أثر فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا شئ عليه، وعند محمد يلزمه قدر ما أنفق عليه إلى أن يبرأ لانه بجنايته اضطر إلى الانفاق على الجراحة خوفا من السراية فكان الزوال مضافا إلى جنايته. لهما أنه كان مختارا في الانفاق ولم يكن مضطرا فيه لان لحوق السراية لا يثبت الاضطرار لان السراية موهومة فلا يثبت الاضطرار بالوهم والارتياب فلم يصر مفوتا لشئ من المال ولا من المنفعة والجمال فلا يضمن كما لو لطمه فألمه. قال رحمه الله: (وفي الموضحة نصف عشر الدية وفي الهاشمة عشرها وفي المنقلة عشر ونصف عشر وفي الآمة والجائفة ثلثها فإن نفذ من الجائفة فثلثاها) لما روي وقد قدمناه، ولانها إذا نفذت صارت جائفتين فيجب في كل واحدة منهما الثلث وهو يكون في الرأس والبطن. وقوله جائفة قال في الايضاح: الجائفة ما يصل إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجنب وما وصل
من الرقبة إلى الموضع الذي وصل إليه الشراب وما فوق ذلك فليس بجائفة. قال في النهاية ومعراج الدراية بعد نقل ذلك: فعلى هذا ذكر الجائفة هنا في مسائل الشجاج وقع اتفاقا، وكذا في العناية نقلا عن النهاية، أقول: نعم على ما ذكر في الايضاح يكون الامر كذلك إلا أن غيره تداركه قال فيما بعد وقالوا: الجائفة تختص بالجو ف وجوف الرأس أو جوف البطن يعني أنها لما تناولت ما في جوف الرأس أيضا كانتمن الشجاع فيما إذا وقعت في الرأس فتدخل في
[ 90 ]
فصل الشجاج باعتبار ذلك فلا يكوذكرها في مسائل الشجاج فيما وقع اتفاقا بخلاف سائر الشجاج فإنه حيث لا يكون إلا في الرأس والوجه، وقيل لا تتحقق الجائفة فيما فوق الحلق. قال رحمه الله: (وفي الخارصة والدامعة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق حكومة عدل) لان هذه ليس فيها أرش مقدر من جهة الشرع ولا يمكن إهدارها فيجب فيها حكومة عدل، وهو مأثور عن ابراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز. واختلفوا في تفسير هذه الحكومة قال الطحاوي: تفسيرها أن يقوم مملوكا بدون هذا الاثر ثم يقوم وبه هذا الاثر ثم ينطر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلث عشر القيمة مثلا يجب ثلث عشر الدية، وإن كان ربع عشر القيمة يجب ربع عشر الدية. وقال الكرخي: ينظركم مقدار هذه الشجة من الموضحة فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية لان ما لا نص فيه يرد إلى المنصوص عليه، وكان الكرخي رحمه الله يقول: ما ذكره الطحاوي ليس بصحيح لانه اعتبر ذلك الطريق فربما يكون نقصان القيمة أكثر من نصف الدية فيؤدي إلى أن يوجب في هذه الشجاج وهو دون الموضحة أكثر مما أوجبه الشرع في الموضحة وأنه محال بل الصحيح الاعتبار بالمقدار. وقال الصدر الشهيد: ينظر المفتي في هذا إن أمكنه الفتوب الثاني بأن كانت الجناية في الرأس والوجه يفتي بالثاني وإن لم يتيسر عليه ذلك يفتي بالقول الاول لانه الايسر قال، وكان المرغيناني يفتي به. وقال في المحيط: والاصح أنه ينظركم مقدار هذه الشجة من أقل شجة لها أرش مقدر، فإن كان مقداره مثل نصف شجة لها أرش أو ثلثها وجب نصف أو ثلث
أرش تلك الشجة، وأن ربعا فربع، ذكره بعد ذكر القولين فكأنه جعله قولا ثالثا والاشبه أن يكون هذا تفسيرا لقول الكرخي. وقال شيخ الاسلام: وقول الكرخي أصح لان عليا اعتبره بهذا الطريق فيمن قطع طرف لسانه على ما بيناه. قال رحمه الله: (ولا قصاص في غير الموضحة) لانه لا يمكن اعتبار المساواة فيه لان ما دون الموضحة ليس له حد ينتهي إليه السكين وما فوقها كسر العظم ولا قصاص فيه لقوله عليه الصلاة والسلام لا قصاص في العظم وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله. وفي ظاهر الرواية يجب القصاص فيما دون الموضحة، ذكره محمد رحمه الله في الاصل وهو الاصح لانه ممكن فيه اعتبار المساواة فيه إذ ليس فيه كسر العظم ولا خوف التلف فيستر قدرها اعتبارا ثم يتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقق استيفاء القصاص بذلك، وفي الموضحة القصاص إن كانت عمدا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالقصا ص في الموضحة لان المساواة فيها ممكنة بانتهاء السكين إلى العظم فيتحقق استيفاء القصاص. قال رحمه الله: (وفي أصابع اليد نصف الدية) أي أصابع اليد الواحدة لان في كل أصبع عشرة من الابل لما روينا فيكون في الخمسة خمسون ضرورة وهو النصف، ولان بقطع الاصابع تفوت منفعة البطش وهو الموجب على ما
[ 91 ]
مر. أقول: لقائل أن يقول لمن ذكر فيما مر أن في كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية كان ذكر هذه المسألة هنا مستدركا إذ لا شك أن خمسة أعشار الدية نصف الدية وعلم قطعا مممر أن في أصابع اليد الواحدة وهي خمس أصابع نصف الدية ولو لم يكن الاستلزام والاقتضاء في حصول العلم بمثله بل كان لا بد فيه من التصريح بها للزم أن يذكر أيضا أن في الاصبعين عشري الدية، وفي ثلاث أصابع ثلاثة أعشار الدية، وفي أربعة أصابع أربعة أعشار الدية إلى غير ذلك من المسائل المتروك ذكرها صراحة في الكتاب. ويمكن الجواب عنه بأن ذكر هذه المسألة هنا ليس ببيان نفسها أصالة حتى يتوهم الاستدراك بل ليكون ذكرها توطئة للمسألة المعاقبة إياها وهي قوله فإن قطعها مع الكف ففيه أيضا نصف
الدية، فالمقصود في البيان هنا أن قطع الاصابع وحدها وقطعها مع الكف سيان في الحكم وعن هذا قال في الوقاية في هذا المقام: وفي أصابع يد بلا كف ومعها نصف الدية. قال رحمه الله: (ولو مع الكف) هذا متصل بما قبله أي في أصابع اليد نصف الدية وإن قطعها مع الكف ولا يزيد الارش بسبب الكف لان الكف سبب للاصابع في حق البطش فإن قوة البطش بها وقال عليه الصلاة والسلام في اليدين الدية، وفي أحدهما نصف الدية واليد اسم لجارحة يقع بها البطش لان اسم اليد يدل على القدرة والقوة والبطش يقع بالاصابع والكف فيجب فيها دية واحدة لان منفعتها جنس واحد فيكون الكف تبعا للاصابع. قال رحمه الله: (ومع نصف الساعد نصف الدية وحكومة) عدل نصف الدية في الكف والاصابع والحكومة في نصف الساعد وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو رواية عن أبي يوسف، وعند ما زاد على الاصابع من اليدين والرجلين من أصل الساعد والفخذ هو تبع فلا يزيد على الدية لان الشارع أوجب في الواحدة منهما نصف الدية واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب والرجل إلى الفخذ فلا يزيد على تقدير الشارع، ولان الساعد ليس له أرش مقدر فيه كالكف. ووجه الظاهر أن اليد اسم لآلة باطشة ووجوب الارش باعتبار منفعة البطش، وكذا في الارش ولا يقع البطش بالساعد أصلا ولا تبعا فلا يدخل في أرشه. وقال بعض الشراح: ولهما أن اليد آلة باطشة والبطش يتعلق بالكف والاصابع دون الذراع. أقول: لقائل أن يقول الظاهر من هذا الكلام أن يكون لكل واحد من الكف والاصابع مدخل في البطش ومدلول قوله فيما قبل، ولان الكف تبع للاصابع لان البطش بها أن يكون الباطش هو الاصابع لا غير فبين كلاميه في الموضعين نوع تدافع، وكان صاحب الكافي تفطن له حيث غير تحريره ههنا فقال: لهما أن أرش اليد إنما يجب باعتبار أنه آلة باطشة والاصل في البطش الاصابع والكف تبع لها أما الساعد فلا يتبعها لانه غير متصل بها فلم يجعل تبعا لها في حق التضمين ا ه. ثم أقول: يمكن التوفيق بين كلاميه أيضا بنوع عناية وهو أن يقدر المضاف في قوله فيما قبل لان
[ 92 ]
البطش بها فلا ينافي أن يكون بالكف أيضا بطش في الجملة بالتبعية فيرتفع التدافع، ولانه لو جعل تبعا لا يخلو إما أن يجعل تبعا للاصابع أو الكف ولا وجه إلى الاول لوقوع الفصل بينهما بالكف ولا إلى الثاني لان الكف تبع للاصابع ولا تبع للتبع ولا نسلم اليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب بل هي اسم إلى الزند إذا ذكرت في موضع القطع بدليل آية السرقة. قال رحمه الله: (وفي قطع الكف وفيها أصبع أو اصبعان عشرها أو خمسها ولا شئ في الكف) أي إذا كان في الكف أصبع أو أصبعان فقطعهما يجب عشر الدية في الاصبع الواحدة وخمسها في أصبعين ولا يجب في الكف شئ وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ينظر إلى أرش الكف وإلى أر ش ما فيها من الاصابع فيجب أكثرها ويدخل القليل في الكثير لان الجمع بين الارشين متعذر إجماعا لان الكل شئ واحد لان ضمان الاصابع هو ضمان الكف وضمان الكف فيه ضمان الاصبع، وكذا إهدار أحدهما متعذر أيضا لان كل واحد منهما أصل من وجه، أما الكف فلان الاصابع قائمة به، وأما الاصابع فلانها هي الاصل في منفعة البطش، فإذا كان واحد منهما أصلا من وجه ورجخنا بالكثرة كما قلنا فيمن شج رأس إنسان وتناثر بعض شعر رأسه يدخل القليل في الكثير. ولابي حنيفة رحمه الله أن الاصابع أصل حقيقة لان منفعة اليد وهي البطش والقبض والبسط قائمة بها وكذا حكما لانه عليه الصلاة والسلام جعل اليد بمقابلة الاصابع حيث أوجب في اليد نصف الدية، ثم جعل في كل أصبع عشرا من الابل ومن ضرورته أن تكون كلها بمقابلة الاصابع دون الكف والاصل أولى بالاعتبار وإن قل ولا يظهر التتابع بمقابلة الاصل فلا يعارض حتى يصار إلى الترجيح بالكثرة، ولئن تعارضا فالترجيح بالاصل حقيقة وحكما أولى من الترجيح بالكثرة ألا ترى أن الصغار إذا اختلطت مع الكبار تجب فيها الزكاة تبعا وإن كان الصغار أكثر ترجيحا للاصل بخلاف ما استشهد به من الشجة لان أحدهما ليس بتبع للآخر وروى الحسن عنه أن الباقي إذا كان دون الاصبع يعتبر أكثرهما إرشادا لان أرش مدون الاصبع غير منصوص عليه وإنما يثبت باعتباره بالمنصوص عليه بنوع اجتهاوكونه أصلا باعتبار النص، فإذا لم يرد النص بأرش
مفصل ولا مفصلين: اعتبرنا فيه الكثرة والاول أصح لان أرشه ثبت بالاجماع وهو كالنص، ولو لم يبق في الكف أصبع غير منصوص عليه يجب عليه حكومة عدل لا يبلغ بها أرش الاصابع، ولا يجب فيه الارش بالاجماع لان الاصابع أصل على ما بينا وللاكثر حكم الكل فاستتبعت الكف كما إذا كانت كلها قائمة. قوله وفي قطع الكف الخ لا يخفي أنه مكرر مع قوله وفي كل اصبع عشر الدية وقوله ولا شئ في الكف الخ لا يخفي أنه مكرر مع قوله ولو مع الكف لانه إذا علم أن الكف لا شئ فيه مع كل الاصابع علم بالاولى مع بعضها. قال رحمه الله: (وفي الاصبع الزائدة وعين الصبي وذكره ولسانه إن لم يعرف صحته
[ 93 ]
بنظر وحركة وكلام حكومة) عدل. أما الاصبع الزائدة فلانها جزء الآدمي ي فيجب الارش فيها تشريفا له وإن لم يكن فيها نفع ولا زينة كما في السن الزائدة، ولا يجب فيها القصاص، وإن كان المقطوع أصبعا زائدة ولان المساواة شرط لوجوب القصاص في الطرف ولم يعلم تساويهما إلا بالظن فصار كالعبد يقطع طرف العبد، فإن تعذر القصاص للشبهة وجب أرشها وليس لها أرش مقدر في الشرع فيجب فيها حكومة عدل بخلاف لحية الكوسج حيث لا يجب فيها شئ لان اللحية لا يبقى فيها أثر الحلق فلا يلحقه الشين بل ببقاء الشعرات يلحقه ذلك فيكون نظير من قلم ظفر غيره بغير إذنه، وفي قطع الاصبع الزائدة يبقى أثر ويشينه ذلك فيجب الارش. وأما عين الصبي وذكره ولسانه فلان المقصود من هذه الاشياء المنفعة فإذا لم يعلم صحتها لا يجب أرشها كاملا بالشك بخلاف المارن والاذن الشاخصة لان المقصود منها الجمال وقد فوته. وتعرف الصحة باللسان في الكلام، وفي الذكر بالحركة، وفي العين بما يستدل به على الرؤية وهو المراد بقوله إن لم تعرف صحته بنظر وحركة كلام فيكون بعد معرفة صحة ذلك حكمه حكم البالغ في الخطأ والعمد إذا ثبت ذلك بالبينة أو بإقرار الجاني، فإن أنكر ولم يقم به بينة فالقول قول الجاني، وكذا إذا قال لا أعرف صحته لا يجب عليه الارش كاملا إلا بالبينة، وقال الشافعي: تجب الدية كاملة كيفما كان لان الغالب فيه الصحة
فأشبه الاذن والمارن. قلنا: الظاهر لا يصلح للاستحقاق وإنما يصلح للدفع وحاجتنا الاستحقاق وقد ذكرنا الفرق بين هذه الاشياء وبين الاذن والانف. قال رحمه الله: (ومن شج رجلا موضحة فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية) فصار كما إذا أوضحه فمات لان تفويت العقل يبطل منفعة جميع الاعضاء. قيد بالموضحة لانه لو قطع يده فذهب عقله لا يدخل كما سيأتي. أقول: فيه نظر إذ لو كان فوات العقل بمنزلة الموت وكان هذا مدار دخول أرش الموضحة في الدية لما تم ما سبق في فصل فيما دون النفس من أنه روي أن عمر رضي الله عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب فيها العقل والكلام والسمع والبصر فإنهم صرحوا بأنه لو مات من الشجة لم يكن فيه إلا دية واحدة فيتأمل. وأرش الموضحة يجب بفوات حزء من الشعر حتى لو لم ينبت تجب الدية بفوات كل الشعر. قال صاحب النهاية: أي لو نبت الشعر والتأمت الشجة فصار كما كان لا يجب شئ، فثبت بهذا أن وجوب أرش الموضحة بسبب فوات الشعر ا ه. وقال صاحب العناية: قوله وأرش الموضحة تجب بفوات جزء من الشعر لبيان الجزئية. قوله حتى لو نب ت يعني الشعر يسقط يعني أرش الموضحة لبيان أن الارش يجب بالفوات، كذا في النهاية، وليس بمفتقر إليه لكونه معلوما ا ه. أقول: إن قوله وليس بمفتقر إليه لكونه
[ 94 ]
معلوما ليس بشئ إذ لا ريب أن كون وجوب أرش الموضحة بفوات جزء من الشعر لا بمجرد تفريق الاتصال والايلام الشديد أمر خفي جدا غير معلوم بدون البيان والاعلام إذا كان الظاهر المتبادر مما ذكره في فصل الشجاج إذ لا يشترط في وجوب أر ش الموضحة فوات جزء من الشعر بالكلية بأن لا ينبت من بعد أصلا فإنهم قالوا الموضحة من الشجاج هي التي توضح العظم أي تبينه، ثم بينوا حكمها بأنه القصاص إن كانت عمدا ونصف عشر الدية إن كانت خطأ، ولا شك أن اسم الموضحة وحدها المذكورة يتحققان فيما نبت فيه الشعر أيضا فكان اشتراط أن لا ينبت الشعر بعد البرء أصلا في وجوب أرشها أمرا خفيا محتاجا إلى البيان بل
إلى البرهان ولهذا قالوا: وأر ش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت يسقط. وقال في الكافي: وأرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر ولهذا لو نبت الشعر على ذلك الموضع واستوى لا يجب شئ. وقال في المبسوط: وجوب أرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر بدليل أنه لو نبت الشعر على ذلك الموضع فاستوى كما كان لا يجب شئ إلى غير ذلك من البيانات الواقعة من الثقات وقد تعلقا بسبب واحد وهو فوات الشعر فيدخل الجزء في الجملة فصار كما إذا قطع أصبع رجل فشلت يده كلها، فحاصله أن الجناية متى وقعت على عضو وأتلفت شيئين وأرش أحدهما أكثر دخل الاقل فيه، ولا فرق في هذا بين أن تكون الجناية عمدا أو خطأ، فإن وقعت على عضوين لا يدخل ويجب لكل واحد منهما أرشه سواء كان عمدا أو خطأ عند أبي حنيفة لسقوط القصاص به عنده، وعندهما يجب للاول القصاص إن كان عمدا وأمكن الاستيفاء وإلا فكما قال أبو حنيفة. وقال زفر: لا يدخل أرش الاعضاء بعضها في بعض لان كلا منهما جناية فيما دون النفس فلا يتداخلان كسائر الجنايات وجوابه ما بيناه. وفي المبسوط: أصله أن الجنايات متى وقعت على عضو واحد أتلفت شيئين وأرش أحدهما أكثر فإنه يدخل فيه الاقل في الاكثر أصله في الموضحة متى كانت في الرأس لا بد أن يتناثر الشعر مقدار الموضحة وتناثر الشعر مقدار الموضحة يوجب الارش والنبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الموضحة خمسا من الابل ولم يوجب في تناثر الشعر شيئا، فعلم أن أرش ما تناثر من الشعر وهو أقل من أرش الموضحة دخل في أرش الموضحة، وكذلك إن كانت الجناية على عضو واحد وأتلفت شيئين أحدهما يوجب القصاص والآخر يوجب المال فإنه يجب المال. وأصله الخاطئ مع العامد متى اشتركا في قتل واحد يجب المال، وإن وقعت الجناية على عضوين أحدهما يوجب القود والآخر يوجب المال إن كان خطأ لا يدخل أرش الاقل في الاكثر لانه لم يكن في معنى ما ورد به النص على قضية القياس، وإن كان عمدا يجب المال عند أبي حنيفة، وعندهما القصاص لما يأتي. ولو شجه موضحة فذهب شعر رأسفلم ينبت غرم الدية ويدخل فيها أرش الموضحة لان الجناية وقعت على عضو واحد لا الجناية وقعت على الرأس والشعر بالرأس، ولو ذهب بعض
الشعر دخل الاقل في الاكثر، وكذلك لو كانت الموضحة في الحاجب وقد ذهب شعر
[ 95 ]
الحاجب. ولو ذهب سمعه وبصره فلو يخلو إن كانت الشجة خطأ أو عمدا، فإن كانت خطأ لا يدخل أر ش الموضحة في دية السمع والبصر بل يجب كلاهما، وروي عن أبي يوسف في النوادر أنه قال: يدخل أرش الشجة في دية السمع ولا يدخل في دية البصر لان محل السمع الاذنان والاذنان من الرأس حكما لقوله عليه الصلاة والسلام الاذنان من الرأس فصارت الجناية واقعة على عضو واحد وأتلفت شيئين فيدخل الاقل في الاكثر. وجه ظاهر الرواية أن الجناية وقعت على عضوين لان الاذنين ليستا من الرأس حقيقة وحكما ولكنهما جعلا من الرأس في حق حكم كل الاحكام حتى لو اقتصر على المسح على الاذنين لم يجز عن مسح الرأس فيتيقن أن الاذنين مع الرأس عضوان مختلفان متباينان في حق الجناية فلا يدخل أرش أحدهما في الآخر، وإن ذهب عقله بالشجة يدخل أرش الموضحة في دية العقل خلافا لزفر والشافعي والحسن لان الجناية وقعت على عضوين مختلفين فإن محل الشجة الرأس ومحل العقل الصدر فكان كالسمع والبصر. والصحيح قولنا لان الجناية وقعت على عضو واحد معنى لان العقل وإن كان نورا وجوهرا مضيئا في الصدر يبصر به الانسان عواقب الامور وحسن الاشياء وقبحها إلا أن الدماغ كالفتيلة لهذا النور يقوي ويضعف بقوة الدماغ وضعفه ويزول ويذهب بفساد الدماغ، فإن كان العقل بهذا الاعتبار لتعلقه بالدماغ بقاء وذهابا فكانت الجناية واقعة على عضو واحد وقد أتلفت شيئين فيدخل الاقل في الاكثر، وأما البصر فإنه ينظر إليه أهل العلم فإن قالوا بذهابه وجبت الدية، وإن قالوا لا ندري تعتبر الدعوى والانكار والقول قول الضارب لانه منكر. وأما الشم فيختبر بالرائحة الكريهة المنتنة، فإن ظهر فيه تغير علم أنه كاذب. هذا كله إذا كان خطأ، فإن كانت الشجة موضحة عمدا فذهب سمعه وبصره أو قطع أصبعا فتلفت الاخرى بجنبها أو قطع اليمنى فشلت اليسرى تجب دية السمع والبصر ويجب أرش الاصبعين واليدين في ماله، ولا يقتص عند أبي حنيفة، وعندهما يقتص في الشجة
والقطع ويغرم دية أخرى في ماله. ولو شجه موضحة فصار ت منقلة أو كسر بعض سنة فاسود ما بقي أو قطع مفصلا فشل ما بقي ضمن الارش عندهما، ولا يقتص لهما أنهما لاقتا محلين متباينين فإن الفعل لا يعرف إلا بالاثر فيتقدر بتقدر الاثر ألا ترى أن من رمى إلى أنسان فأصابه ونفذ منه فأصاب آخر فإنه يجب القصاص للاول والدية للثاني، وكذا إذا قطع أصبعا فاضطرب السكين فأصاب أصبعا أخرى خطأ يقتص في الاولى ويجب الارش في الثانية. وإذا صارت الجناية بمنزلة الجنايتين ثم تعذرت الشبهة في أحدهما إلى الاخرى له أن السراية لا تنفصل إلى الجناية لان أثر الجناية لا ينفصل عنها فيكون الفعل معدا له أثر أن في محلين في شخص واحد ويتصور سراية الجناية إلى جميع البدن فيتصور سرايتها، فإذا لم يكن آخر الفعل موجبا للقصاص لا يكون أوله موجبا بخلاف المستشهد بهما لان أحدهما ليس من سراية الاخرى لانه لا يتصور سراية الفعل من شخص إلى شخص فاختلف الفعل باختلاف المحلين
[ 96 ]
في شخصين. ولو قطع أصبعا فسقطت أخرى إلى جنبها لم يجب القصاص فيهما عند أبي حنيفة لما بينا، وعند أبي يوسف يجب في الاولى دون الثانية، وعند محمد وجب القصاص فيهما رواه ابن سماعة لان سراية الفعل تنسب إلى الفاعل ويجب الفعل مباشرا للسراية فصار كما لو باشر اسقاطهما وكما لو سرى إلى النفس. قال رحمه الله: (وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه لا) أي لو شجه موضحة فذهب أحد هذا لاشياء بها لا يدخل أرش الموضحة في أرش أحد هذه الاشياء، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد سواء كانت عمدا أو خطأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمه الله: يدخل أرش الموضحة في دية السمع والكلام ولا يدخل في دية البصر لانه ظاهر فلا يلحق بالعقل فلا يدخل فيه أرش الموضحة، وأما السمع والكلام فباطنان فيلحقان بالعقل فيدخل فيهما أرش الموضحة كما يدخل في أرش العقل وقد قدمناه بفروعه. ولهما أن كل واحد من هذه المنافع أصل بنفسها فيتعدد حكم الجناية بتعددها ولا يدخل بعضها في بعض لان العبرة لتعدد أثر الفعل
لا لاتحاد الفعل بخلاف العقل لان منفعته تعود إلى كل الاعضاء إذ لا ينتفع بالاعضاء بدونه فصار كالنفس. قال في معراج الدراية قال الهندواني: كنا نفرق بهذا الفرق حتى رأيت ما ينقضه وهو أنه لو قطع يده فذهب عقله أن عليه دية العقل وأرش اليد بلا خلاف من أحد، ولو كان زوال العقل كزوال الروح لما وجب أرش اليد كما لو مات. والصحيح من الفرق أن الجناية وقعت على عضو واحد في العقل ووقعت في السمع والبصر على عضوين فلا يدخل اه. أقول: كما ينتقض الفرق المذكور في الكتاب بالمسألة التي ذكرها الهندواني كذلك ينتقض ما عده صحيحا من الفرق بتلك المسألة عضوا مغايرا لعضو اليد فتكون الجناية فيها واقعة على العضوين بذلك الاعتبار فلم يعتبر العقل في مسألة الشجة أيضا عضوا مغايرا لمحل الشجة حتى تكون هذه المسألة أيضا بذلك الاعتبار من قبيل ما لو وقعت الجناية على عضوين فلا يدخل الارش في الدية كما في السمع والبصر. وبالجملة ما عده الهندوانى صحيحا من الفرق هنا لا يخلو عن الانتقاض منه أيضا فتأمل أو نقول: ذهاب العقل في معنى تبديل النفس وإلحاقه بالبهائم فيكون بمنزلة الموت ولا كذلك سائر الاعضاء أو نقول: إن العقل ليس له موضع يشار إليه فصار كالروح للجسد. وقال الحسن: أرش الموضحة بخلاف الموضحة مع الشعر والحجة على ما بينا. قال بعض الشراح، ووجه الثاني أن السمع والكلام مبطن. قال صاحب العناية: قيل يريد به الكلام النفسي بحيث لا ترتسم فيه المعاني ولا يقدر على نظم التكلم، فإن كان المراد ذلك كان الفرق بينه وبين ذهاب السمع العقل عسرا جدا، وإن كان المراد به التكلم بالحروف والاصوات ففي جعله مبطنا نظر اه. أقول: يمكن أن يقال المراد به هو الثاني والمراد بكون السمع والكلام مبطنين كون محلهما مستورا غائبا عن
[ 97 ]
الحس بخلاف البصر فإن محله ظاهر مشاهد فيندفع النظر كما ترى. قال رحمه الله: (ولو شجه موضحة فذهبت عيناه أو قطع أصبعا فشلت أخرى أو قطع المفصل الاعلى فشل ما بقي أو كل اليد أو كسر نصف سنة فاسود ما بقي فلا قود) وهذا كله قول أبي حنيفة مطلقا. وقالا:
يجب القصاص في الموضحة والدية في العينين فيما إذا شجه موضحة فذهبت عيناه، وكذا إذا قطع أصبعا فشلت أخرى بجنبها يقتص للاولى ويجب الارش للاخرى، وعنده لما لم يجب القصاص في العضوين يجب أرش كل واحد منهما كاملا وإن كان عضوا واحدا كقطع الاصبع من المفصل الاعلى فشل ما بقي منها يكتفي بأرش واحد إن لم ينتقع بما بقي، وإن كان ينتقع به يجب دية المقطوع وتجب حكومة عدل في الباقي بالاجماع، وكذا إذا كسر نصف السن واسود ما بقي أو اصفر أو احمر يجب السن كله بالاجماع. ولو قال اقطع المفصل الاعلى واترك ما بقي أو قال اكسر القدر المكسور من السن واترك الباقي لم يكن له ذلك لان الفعل في نفسه لم يقع موجبا للقود فصار كما إذا شجه منقلة فقال اشجه موضحة وأترك الباقي ليس له ذلك. والاصل عنده أن الفعل الواحد إذا أوجب مالا في البعض سقط القصاص سواء كانا عضوين أو عضوا واحدا لا يجب لهما. وفي الخلاصة: إن الفعل في محلين مختلفين فيكون جنايتين لان الفعل يتعدد بتعدد أثره فصار كجنايتين مبتدأتين فالشبهة في أحدهما لا يتعدى إلى الآخر. ولابي حنيفة أن الجزاء بالمثل والجرح الاول سار وليس وسعه الساري فيسقط القصاص ويجب المال، والدليل على أنه سار إن فعله أثر في نفس واحدة والسراية عبارة عن إيلام يتعاقب عن الجناية على البدن ويتحقق ذلك في موضعين منهما كما يتحقق في الاطراف مع النفس بأن مات من الجناية بخلاف نفسين فإن الفعل في النفس الثانية مباشرة على حدة ليس بسراية الاولى أو نقول: إن ذهاب البصر ونحوه جعل بطريق التسبب فإن الفعل باق على اسمه لم يتغير، والاصل في سراية الافعال أن لا يبقى الاول بعد حدوث السراية كالقطع إذا سرى إلى النفس صار قتلا فلم يبق قطعا، وههنا الشجة أو القطع لم ينعدم بذهاب البصر ونحوه فكان الفعل الاول تسببا إلى فوات البصر ونحوه بمنزلة حفر البئر والتسبب لا يوجب القصاص. وعمحمد رحمه الله في المسألة الاولى وهي ما إذا اشجه موضحة فذهب بصره أنه يجب القصاص منهما رواية ابن سماعة عنه، ووجهه أن سراية الفعل انتسب إلى فاعله شرعا حتى يجعل الفاعل مباشرا للسراية فيؤخذ به كما لو سرى إلى
النفس فإنه يجب ويعتبر قتلا بطريق المباشرة بخلاف ما لو قطع أصبعا فشلت بجنبها أخرى أو شجه موضحة فذهب عقله أو كلامه لا يجب القصاص في السمع والكلام والشلل لعدم الامكان، وفي البصر يجب لامكان الاستيفاء ألا ترى أنه لو أذهبه وحده بفعل مقصود منه
[ 98 ]
يجب القصاص في البصر دون الشلل والسمع والكلام فافترقا. ولو كسر بعض السن فسقطت ففيها القصاص على رواية ابن سماعة، وعلى الرواية المشهورة لا قصاص فيها، ولو شجه فأوضحه ثم شجه أخرى فأوضحه فتكاملتا حتى صارتا شيئا واحدا فلا قصاص فيهما كما في المشهور على رواية ابن سماعة عن محمد يجب القصاص والوجه فيهما ما بيناه. قال رحمه الله: (وإن قلع سنة فنبت مكانها أخرى سقط الارش) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: عليه الارش كاملا لان الجناية وقعت موجبة له والتي نبتت نعمة مبتدأة من الله تعالى فصار كما لو أتلف مال إنسان فحصل للمتلف عليه مال آخر ولهذا يستأني حولا بالاجماع أي يؤجل سنة بالاجماع. وذكر في التتمة أن البالغ إذا سقط ينتظر حتى يبرأ موضع السن لا الحول هو الصحيح لان نبات سن البالغ نادر فلا يفيد التأجيل إلا أن قبل البرء لا يقتص ولا يؤخذ الارش لانه لا يدري عاقبته اه. قال صاحب العناية بعد نقل ذلك اجمالا: ذلك ليس بظاهر وإنما الظاهر ما قالوه لان الحول يشتمل على الفصول الاربعة ولها تأثير فيما يتعلق ببدن الانسان فكل فصل منها يوافق مزاج المجني عليه فيؤثر في إنباته قال: ولكن قوله بالاجماع فيه نظر لانه قال في الذخيرة: وبعض مشايخنا قال الاستيناء حولا من فصل القلع في البالغ والصغير جميعا لقوله عليه الصلاة والسلام في الجراحات كلها يستأني حولا وهو كما ترى ينافي الاجماع. قال رحمه الله: (وإن أقيد فنبتت سن الاول تجب الدية) معناه إذا قلع سن رجل فأقيد أي اقتص من القالع ثم نبت سن الاول المقتص له يجب على المقتص له أرش سن المقتص منه لانه تبين أنه استوفى بغير حق لان الموجب فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى
فانعدمت الجناية ولهذا يستأني حولا. وينبغي أن ينظر الناس في ذلك القصاص خوفا من مثله إلا أن في اعتبار ذلك تضييع الحقوق فاكتفينا بالحول لانه ينبت فيه ظاهرا على تقدير عدم الفساد، فإذا مضى الحول ولم تنبت فيه قضينا بالقصاص، ثم إذا تبين أنا أخطأنا فيه كان الاستيفاء بغير حق إلا أن القصاص سقط للشبهة فيجب المال. ولو ضرب سن إنسان فتحركت يستأني حولا ليظهر فعله، فإن سقطت سنة واختلفا قبل الحول فالقول للمضروب لتيقن التأجيل بخلاف ما لو شجه موضحة ثم جاء وقد صارت منقلة حيث يكون القول للضارب لان الموضحة لا تورث المنقلة والتحريك يورث السقوط. ولو اختلفا بعد القول كان القول للضارب لانه منكر وقصد مضى الاجل الذي ضرب للثاني، ولو لم يسقط فلا شئ للضارب، وإن اختلفا في حصول الاسوداد بضربه فالقول قول الضارب قياسا لانه هو المنكر ولا يلزم من الضرب الاسوداد فصار إنكاره له كإنكاره أصل الفعل. وفي الاستحسان القول قول المضروب لان ما يظهر عقيب فعل من الاثر يحال على الفعل لانه هو السبب الظاهر إلا
[ 99 ]
أن يقيم الضارب البينة أنه بغيره. قال رحمه الله: (وإن شج رجلا فالتحم ولم يبق له أثر أو ضرب فجرح فبرأ وذهب أثره فلا أرش) وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: عليه أرش الالم وهو حكومة عدل لان الشين الموجب إن زال فالالم الحاصل لم يزل. وقال محمد رحمه الله: عليه أجرة الطبيب لان ذلك أثر فعله فكان له أخذ ذلك من ماله واعطاؤه الطبيب، وفي شرح الطحاوي فسر قول أبي يوسف عليه أرش الالم بأجرة الطبيب والمداواة فعلى هذا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد. ولابي حنيفة رحمه الله أن الموجب هو الشين الذي يلحقه بفعله وزوال منفعته وقد زال ذلك بزوال أثره والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد كالاجارة والمضاربة الصحيحين أو ما يشبه العقد كالفاسد منهما ولم يوجد شئ من ذلك في حق الجاني فلا يلزم الغرامة، وكذلك مجرد الالم لا يوجب شيئا لانه لا قيمة له بمجرد الالم ألا ترى أن من ضرب إنسانا ضربا مؤلما من غير جرح لا يجب عليه شئ من الارش، وكذا لان
لو شتمه شتما يؤلم نفسه لا يضمن شيئا. قال رحمه الله: (ولا قود بجرح حتى يبرأ) وقال الشافعي رحمه الله: يقتص منه في الحال لان الموجب قد تحقق فلا يؤخر كما في القصاص في النفس. ولناما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد والدار قطني. ولان الجراحات يعتبر فيها مالهما لاحتمال أن تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء فيستقر به. قال رحمه الله: (وكل عمد سقط فيه قوده لشبهة كقتل الاب ابنه عمدا ففيه دية في مال القاتل وكذا ما وجب صلحا أو اعترافا أو لم يكن نصف العشر) أي نصف عشر الدية لما روي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولان العاقلة تتحمل عن القاتل تخفيفا عنه وذلك يليق بالمخطئ لانه معذور دون المتعمد لانه يوجب التغليظ، والذي وجب بالصلح إنما وجب بعقده والعاقلة لا تتحمل ما يجب العقد وإنما تتحمل ما يجب بالقتل، وكذا ما لزمه بالاقرار لا تتحمله العاقلة لان له ولاية على نفسه دون عاقلته فيلزمه دونهم. وإنما لا تتحمل أقل من نصف عشر الدية لانه لا يؤدي إلى الاجحاف والاستئصال بالجاني والتأجيل تحرزا عنه فلا حاجة إليه، ثم الكل يجب مؤجلا إلى ثلاث سنين إلا ما وجب بالصلح فإنه يجب حالا لانه واجب بالعقد فيكون حالا بخلاف غيره وما دونه أرش الموضحة يجب في سنة لا ما دون ثلث الدية والثلث وما دونه يجب في سنة. وقال الشافعي رحمه الله: ما وجب بقتل الاب ابنه يجب حالا لان القصاص سقط شرعا إلى بدل فيكون ذلك البدل حالا كسائر المتلفات. ولنا أن المتلف ليس بمال وما ليس بمال لا يضمن بالمال أصلا لانه ليس بقيمة إذ لا تقوم مقامه وقيمة الشئ ما يقوم مقامه، وإنما عرفنا تقومه بالمال بالشرع والشرع إنما قومه بدية مؤجلة
[ 100 ]
إلى ثلاث سنين وإيجاب المال حالا زيادة على ما أوجبه الشرع وصفا كما لا يجوز إيجاب الزيادة على ما أوجبه الشرع قدرا. قال رحمه الله: (وعمد الصبي والمجنون خطأ وديته على عاقلته ولا تكفير فيه ولا حرمان
فيه) أي عن الميراث والمعتوه كالصبي. وقال الشافعي رحمه الله: عمده عمد فتجب الدية في ماله لان العمد هو القصد وهو ضد الخطأ فمن يتحقق منه الخطأ يتحقق منه العمد ولهذا يؤدب ويعزر، وكان ينبغي أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة لانهم ليسوا من أهل العقوبة فيجب عليهم موجبه الآخر وهو المال لانهم أهل لوجوبه عليهم فصار نظير السرقة فإنهم إذا سرقوا لا يقطع أيديهم ويجب عليهم ضمان المال المسروق لما قلنا، ولهذا وجب عليهم التكفير بالمال لانه أهل لفوات المالية دون الصوم لعدم الخطاب، وكذا يحرم الميراث عنده بالقتل. ولنا أن مجنونا صال على رجل بسيف فضربه فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فجعل عقله على عاقلته بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم وقال: عمده وخطؤه سواء. ولان الصبي مظنة المرحمة قال عليه الصلاة والسلام من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس مناوالعاقل المخطئ لما استحق التخفيف حتى وجبت الدية على عاقلته فهؤلاء أولى بهذا التخفيف فيجب على العاقلة إذا كان الواجب قدر نصف العشر أو أكثر بخلاف ما دونه لانه يسلك به مسلك الاموال كما في البالغ العاقل لانه لم يتحقق العمد منه لانه عبارة عن القصد وهو يترتب على العلم والعلم بالعقل. وهؤلاء عدموا العقل فكيف يتحقق منهم القصد وصاروا كالنائم، وحرمان الارث عقوبة وهم ليسوا من أهلها، والكفارة كاسمها ساترة ولا ذنب لهم تستره لانهم مرفوع عنهم القلم، ولان الكفارة دائرة بين العبارة والعقوبة يعني أن فيها معنى العبادة ومعنى العقوبة ولا يجب عليهم عبادة ولا عقوبة، وكذا سبب الكفارة تكون دائرة بين الحظر والاباحة لكون العقوبة متعلقة بالحظر وفعلهم لا يوصف بالجناية لانها اسم لفعل محظور وكل ذلك ينبئ عن الخطاب وهم ليسوا بمخاطبين فكيف تجب عليهم الكفارة والله أعلم. فصل في الجنين لما ذكر أحكام الجناية المتعلقة بالآدمي شرع في بيان أحكامها المعلقة بالآدمي من وجه دون
[ 101 ]
وجه وهو الجنين، بيان ذلك ما ذكر شمس الائمة السرخسي في أصوله أن الجنين ما دام مجتنا في البطن ليس له ذمة صالحة لوجوب لكونه في حكم جزء من الام لكنه منفرد بالحياة بعد الا أن يكون نفسا له ذمة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصية، وباعتبار الوجه الاول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه فأما بعدما يولد فله ذمة صالحة، ولهذا لو انقلب على مال إنسان أتلفه يكون ضامنا له ويلزمه مهر امرأته بعقد الولي. جنين على وزن فعيل بمعنى مفعول وهي مجنون أي مستور من جنه إذا ستره من باب طلب، والجنين اسم للولد في بطن أمه ما دام فيه والجمع أجنة فإذا ولد يسمى وليدا ثم رضيعا إلى غير ذلك. قال رحمه الله: (ضرب بطن امرأة فالقت جنينا ميتا تجب غرة نصف عشر الدية) الغرة الخيار، غرة المال خياره كالفرس والبعير البخت والعبد والامة ألفا درهم، وقيل إنما سمي ما يجب في الجنين غرة لانه أول مقدار ظهر في باب الدية وغرة الشئ أوله كما سمي أول الشهر غرة، وسمي وجه الانسان غرة لانه أول شئ يظهر منه. والمراد بنصف عشر الدية دية الرجل لو كان الجنين ذكرا وفي الانثى دية عشر المرأة وكل منهما خمسمائة درهم ولهذا لم يبين في المختصر أنه ذكر أو أنثى لان دية المرأة نصف دية الرجل، فالعشر من ديتها قدر نصف العشر من دية الرجل. والقياس أن لا يجب شئ من الجنين لانه لم يتحقق جناية، الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ولهذا لا يجب في جنين البهيمة الا نقصان الام إن نقصت وإلا فلا يجب شئ، والقياس أن لا يجب كمال الدية لانه يضربه منع حدوث الحياة فيه فيكون بذلك كالمزهق للروح ولهذا المعنى وجبت قيمة ولد المغرور فإنه منع من حدوث الرق فيه، وكذلك وجب على المحرم قيمة بيض الصيد في كسره، وجه الاستحسان ما روي أن امرأة من هذيل ضربت بطن امرأة بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة، كذا وجدته بخط شيخي. وفي المنتقي: رجل ضرب بطن امرأته فألقت جنينا حيا ثم ما ت ثم ألقت جنينا ميتا ثم ماتت الام بعد ذلك وللرجل الضارب بنت من غير هذه المرأة وليس له ولد من هذه التي ولدت ولها إخوة من أبيها وأمها فعلى عاقلة الاب دية الولد
الذي وقع حيا ثم مات ترث من ذلك أمه السدس وما بقي فلاخت هذا الولد من أبيه وعلى والده كفارتان في الولد الواقع حيا وكفارة في أمه، الولد الذي سقط ميتا ففيه غرة على عاقلة الاب خمسمائة ويكون للام من ذلك السدس أيضا وما بقي فلاخت هذا الولد من أبيه أيضا، فلو كان الرجل ضرب بطنها بالسيف عمدا فقطع البطن ووقع أحد الولدين حيا وبه جراحة السيف ثم مات ووقع الآخر ميتا وبه جراحة السيف أيضا ثم ماتت الام من ذلك فعلى الرجل القود في الام على عاقلته دية الولد الحي وغرة الجنين الميت. قال محمد في الجامع الصغير: وأطلق في قوله امرأة قال في السراجية: فشمل الحرة مسلمة كانت أو كافرة ويكون بدل الجنين
[ 102 ]
بين الورثة. وفي الكافي: هذا إذا تبين خلقه أو بعض خلقه. وفي شرح الطحاوي: أو كانت أمة علقت من سيدها والكفارة في الجنين تجب في سنة واحدة. وفي شرح الطحاوي: ولو ألقت جنينين تجب غرتان، وإن كان أحدهما خرج حيا ثم مات والآخر خرج ميتا تجب غرة ودية وعلى الضارب الكفارة، وإن ماتت الام ثم خرج الجنينان تجب دية الام وحدها إلا إذا خرج الجنينان ثم ماتا تجب عليه ثلاث ديات. فاعتبر على هذا القياس. وإن كان في بطنها جنينان فخرج أحدهما قبل موت الام وخرج الآخر بعد موت الام وهما ميتان تجب الغرة في الذي خرج قبل موت الام ولا يرث من دية أمه شيئا وترث الام من ديته والجنين الآخر وهو الذي خرج بعد موت أمه لا يرث من أحد ولا يورث عنه قال، وإن كان الذي خرج بعد موت الام خرج حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. وفي شرح الطحاوي: ولو خرج الولد حيا ثم مات تجب ديتان قال: ويرث هذا الجنين من دية أمه. وهل يرث هذا الجنين الاول وهو الذي خرج ميتا قبل موت الام؟ ينظر إن كان الآخر حيا لا يرث. وإن لم يكن حيا يرث. قال رحمه الله: (وإن ألقته حيا فمات فدية) أي تجب دية كاملة لانه أتلف آدميا خطأ أو شبه عمد فتجب فيه الدية كاملة. قال رحمه الله: (فإن القت ميتا فماتت الام فدية وغرة) لما روينا ولانهما جنايتان فيجب فيهما موجبهما وهذا لما عرف أن الفعل يتعدد بتعدد أثره فصار كما إذا رمى فأصاب شخصا
ونفذت منه إلى آخر فقتله فإنه يجب عليه ديتان إن كان خطأ وإن كان الاول عمدا يجب القصاص في الاول وفي الثاني الدية. قال رحمه الله (وإن ماتت فالقتة ميتا فدية فقط) وقال الشافعي: تجب الغرة مع الدية لان الجنين مات بضربته ظاهرا فصار كما إذا ألقته ميتا وهي بالحياة. ولنا أن موت الام سبب لموته ظاهرا لان حياته بحياتها وتنفسه بتنفسها فيتحقق بموتها فلا يكون في معنى ما ورد به النص إذ الاحتمال فيه أقل فلا يجب شئ بالشك، وإن ألقته حيا بعدما ماتت تجب ديتان دية الام ودية الولد لانه كما إذا ألقته حيا وماتت. قال رحمه الله: (وما يجب فيه يورث عنه ولا يرث الضارب فلو ضرب بطن امرأته فألقت ابنه ميتا على عاقلة الاب غرة ولا يرث منها) وإنما يورث لانه نفس من وجه على ما بينا والغرة بدله فيرثها وارثه ولا يرث الضارب من الغرة شيئا لانه قاتل مباشرة ظلما ولا ميراث للقاتل بهذه الصفة. قال رحمه الله (وفي جنين الامة لو ذكرا نصف عشر قيمته لو كان حيا وعشر قيمته لو أنثى) وقال الشافعي: يجب فيه عشر قيمة الام لانه جزء من وجه وضمان الاجزاء يومئذ بمقدارها من الاصل ولهذا وجب في جنين الحرة عشر ديتها بالاجماع وهو الغرة. لنا أنه بدل نفسه فلا يقدر بغيره إذ لا نظير له في الشرع، والدليل على أنه بدل نفسه أن الامة أجمعت على أنه لا يشترط فيه نقصان الاصل، ولو كان ضمان الطرف لما وجب إلا عند نقصان الاصل. ويؤيد
[ 103 ]
ذلك أن ما يجب في جنين الحرة موروث ولو كان بدل الطرف لما ورث والحر والعبد لا يختلفان في ضمان الطرف لانه لا يورث وإنما يختلفان في ضماالنفس، لو كان ضمان الطرف لما روث في الحر فإذا ثبت أنه ضمان النفس كان دية مقدرة بنفس الجنين لا بنفس غيره كما في سائر المضمونات، ولا نسلم أن الغرة مقدرة بدية الام بل بدية نفس الجنين إذا لو كان حيا تجب نصف عشر ديته إن كاذكرا، وعشر ديته إن كان أنثى فكذا في جنين الامة يجب بتلك النسبة من قيمته لان كل ما كان بقدر دية الحر فهو مقدر من قيمة العبد فيجب نصف عشر قيمته إن كان ذكرا وعشر قيمته إن كان أنثى. هذا دية الحر إذا كان الجنين من
غير مولاها ومن غير مغرور، وأما إذا كان من أحدهما ففيه الغرة المذكورة في جنين الحرة ذكرا كان أو أنثى كما تقدم. وفي نوادر ابن سماعة: رجل قال لامته الحبلى أحد الولدين اللذين في بطنك حر فضرب إنسان بطنها فألقت جنينين ميتين غلام وجارية قال: على الجاني غرة وذلك خمسمائة، وعليه أيضا في الغلام ربع عشر قيمته لو كان حيا، وعليه في الجارية نصف خمسمائة ونصف عشر قيمتها. وفي العيون هشام عن وأبي يوسف في رجل اشترى أمة حاملا فلم يقبضها حتى أعتق ما في بطنها ثم ضرب إنسان بطنها فألقت غلاما ميتا فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الامة بجميع الثمن واتبع الجاني بأرش الجنين أرش حر فيكون له الفضل طيبا، وإن شاء فسخ البيع في الامة ولزمه الولد بحصته من الثمن. ولو كان للجنين أب حر كان أرش الجنين لوالده في الوجهين جميعا ولا شئ للمشتري. وفي التتمة وسئل يوسف بن محمد البلالي عن رجل زنى بجارية الغير فأحبلها ثم احتال هو وامرأته فأسقطا الحمل من الجارية وماتت الجارية بذلك السبب ما الحكم في ذلك وما يجب عليهما؟ فقال: أما الجارية فإنه يجب عليه ضمانها إذا ماتت بذلك السبب، وفي الحمل الغرة إن كان ميتا، وإن سقط وهو حي ثم مات فإنه يجب قيمته، وإن كان الحمل ماء ودما فإنه لا يجب فيه شئ. وفي المنتقى قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا ضرب الرجل بطن امرأته فألقت جنينا ميتا فلا كفارة عليه ولا يرث منه، وإن ألقت جنينا ميتا قد استبان من خلقه شئ ثم ماتت هي من تلك الضربة ثم ألقت جنينا حيا ومات ففي الاول الغرة، وفي الام الدية، وفي الجنين الثاني الدية كاملة. وفي النسفية سئل عن مختلفة حامل مضت عدتها بإسقاط الولد هل للزوج أن يخاصمها في هذا الحمل؟ فقال: إن أسقطته بفعلها وجب عليها للزوج غرة قيمتها خمسمائة درهم نقرة خالصة ولا يسقط شئ من ذلك لميراثها لانها قاتلة فلا ترث. وسئل أبو القاسم عن امرأة شربت الدواء فألقت جنينها ميتا أو حملت حملا ثقيلا فألقت جنينا ميتا أن على عاقلتها خمسمائة درهم في سنة واحدة لوارث الحلم أبا كان أو غيره، وإن لم يكن لها عاقلة فهي في مالها في سنة. وفي الحاوي: وذلك لزوجها لانه هو الوارث، قاله يوسف بن عيسى. وفي جامع
الفتاوي: ولو لم يعلم أنه ذكر أو أنثى يؤخذ بالمتيقن كالخنثى المشكل ضاع الجنين ولا يمكنها
[ 104 ]
تقويمه باعتبار قيمته وهيآته ووقع التنازع في قيمته القول للضارب لانه المنكر كما لو قتل عبدا خطأ ووقع التنازع في قمته وعجز القاضي عتقويمه باعتبار حاله كان القول للضارب، كذا في شرح الهداية للعيني. قال رحمه الله: (فإن حرره سيده بعد ضربه فالقته فمات ففيه قيمته حيا) ولا تجب الديوإن كان بعد العتق لان الوجوب بالضرب والضرب صادفه وهو رقيق فتجب قيمته حيلانه صار قاتلا له وهو حي فاعتبرنا حالتي السبب والتلف فأوجبنا عليه القيمة باعتبار حالتي السبب وهو الضرب لانه رقيق حنيئذ، وأوجبنا عليه جميع قيمته باعتبار حالة التلف كأنه ضربه في الحال، وكان ينبغي أن يجب ما نقص بضربه إلى أن يوجد العتق كما لو قطع يد عبد أو جرحه فأعتقه المولى ثم مات يجب عليه أرش اليد والجرح وما نقص من قيمته إلى العتق لان العتق يقطع السراية لكن اعتبر فيه الحالتان فجعل كأن الضرب لم يوجد في حق الجنين لان المقصود بالضرب الام فأوجبنا القيمة دون الدية لانه صار قاتلا له بالضرب الاول فصار كما لو رمى عبدا فأعتقه المولى ثم وقع عليه السهم فمات فإنه تجب عليه القيمة للمولى لان الرمي ليس بجناية ما لم يتصل بالمحل فلا يجب فيه شئ بدون الاتصال بخلاف القطع والجرح لانه جناية في الحال والعتق يقطع السراية ومع هذا تجب القيمة دون الدية لانه يصير قاتلا له من وقت الرمي لانه الفعل المملوك له. وقال فخر الاسلام قال بعض مشايخنا: معنى قوله ضمن أي الدية، وقوله ولا تجب الدية ليس هو في الجامع الصغير. ووجه أن الضرب وقع على الام فلم يعتبر جناية في الجنين إلا بعد الانفصال حيا ولذلك لم تنقطع سرايته بخلاف من جرح فأعتقه مولاه. قال بعضهم: بل المراد به حقيقة القيمة لان الجناية قد تمت منه لكن لا يعتبر في حق الجنين مقصودا إلا بعد الانفصال فأشبه الرمي الذي تم من الرامي ولا يعتبر في حق المرمي إليه إلا بعد الاصابة. وقيل: هذا عندهما، وعند محمد تجب قيمته ما بين كونه مضروبا إلى كونه غير مضروب لان القطع قاطع
السراية. وقيد بقوله بعد ضربه لانه لو حرره قبل الضر ب فألقته حيا فالواجب الدية على قولهما، وعلى قول الامام تجب قيمته ما بين كونه مضروبا إلى كونه غير مضروب، واختلف المشايخ لمن يكون هذا المقدار قال بعضهم: لورثة هذا الجنين. وقال بعضهم: للمولى، كذا في التتارخانية. قال رحمه الله: (ولا كفارة في الجنين) وقال الشافعي رحمه الله: تجب الكفارة لانه نفس من وجه فتجب احتياطا لما فيها من العبادة. ولنا أن الكفارة فيها معنى العقوبة لانها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة لانها تتأدى بالصوم وقد عرف وجوبها في النفس المطلقة فلا تتعداها لان العقوبة لا يجري فيها القياس، وقول الشافعي فيه تناقض لانه يعتبره جزأ حتى أوجب عليه عشر قيمة الام وههنا اعتبره نفسا حتى أوجب فيه الكفارة، ونحن اعتبرنا جزأ
[ 105 ]
من وجه ولهذا لم يجب فيه كل البدل فكذا لا تجب فيه الكفارة لان الاعضاء لا كفارة فيها إلا إذا تبرع بها هو لانه ارتكب محظورا فإذا تقرب بها إلى الله تعالى كان أفضل ويستغفر الله تعالى مما صنع من الجريمة العظيمة. والجنين الذي استبان بعض خلقه في جميع ما ذكرنا من الاحكام كالتام لاطلاق ما روينا، ولانه ولد في حق الاحكام كأمومية الولد وانقضاء العدة به والنفا س وغير ذلك فكذا في حق هذا الحكم، ولانه يتميز من العلقة والدم فلا بد منه. قال رحمه الله: (وإن شربت دواء لتطرحه أو عالجت فرجها حتى أسقطته ضمن عاقلتها الغرة إن فعلت بلا إذن) لانها ألقته متعدية فيجب عليها ضمانه وتتحمل عنها العاقلة لما بينا، ولا ترث هي من الغرة شيئا لانها قاتلته بغير حق والقاتل لا يرث بخلاف ما إذا فعلت ذلك بإذن الزوج حيث لا تجب الغرة لعدم التعدي. ولو فعلت أم الولد ذلك بنفسها حتى أسقطت فلا شئ عليها الاستحالة وجوب الدين على المملوك لسيده، ولو استحقت وجب للمولى غرة لانه تبين أنه ليس بمالك لهما وأنه مغرور وولد المغرور حر الاصل وهي متعدية بذلك الفعل فصارت قاتلة للجنين فتجب الغرة له، ويقال للمستحق إن شئت سلم الجارية وإن شئت
أفدها لانه الحكم في جناية المملوك. وفي جامع الفتاوي وفي نوادر رستم: امرأة شربت دواء لتسقط ولدها عمدا فألقت جنينا حيا ثم مات فعلى العاقلة ولا ترث منه شيئا وعليها الكفارة، وإن ألقت جنينا ميتا فعلى عاقلتها غرة ولا ترث منه شيئا وعليها الكفارة، وقال أبو بكر في هذه الصورة: إنها إذا اسقطت سقطا ليس عليها إلا التوبة والاستغفار، وإن كان جنينا فعليها غرة، وتأويله إذا شربت دواء يوجب سقوط الولد وتعمدت ذلك. وفي المنتقي رواية مجهولة: امرأة شربت دواء فأسقط ت وكانت شربت لغير ذلك يعني لغير إسقاط الولد فعليها الغرة ولا كفارة عليها في قول أبي حنيفة ومحمد ولا ترثه. وقال بعضهم: عليها الكفارة، وهذا الجواب من زيادات الحاوي. وفي المنتقى سئل أبو بكر عن حامل أرادت أن تلقي العلقة لغلبة الدم قال: يسأل أهل الطب عن ذلك إن قالوا يضر بالحمل لا تفعل، إن قالوا لا يضر تفعل، وكذا الحجامة والفصد. قال الفقيه: وسمعت ممن يعرف ذلك الامر قال: لا ينبغي لها أن تفعل ما لم يتحرك الولد فإذا تحرك فلا بأس بالحجامة ما لم تقرب الولادة، فإذا قريت فلا يفعل. وأما الفصد فالامتناع في حال الحبل أفضل لانه يخاف على الولد إلا أن يدخل الام ضرر بين في تركه. وفي فتاوي النسفي سئل عن مختلعة وهي حامل احتالت لاسقاط العدة بإسقاط الولد قال: إن سقط بفعلها وجب عليها الغرة ويكون ذلك للزوج. وفي الحاوي: وهي لا ترث منه لانها قاتلة. قال: الاب إذ ضرب ابنه الصغير تأديبا فعطب من ذلك ينظر إن ضربه حيث لا يضرب للتأديب فعليه الدية والكفارة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شئ عليه. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف أن عليه كفارة، وعلى هذا
[ 106 ]
الخلاف الوصي إذا ضرب الصغير تأديبا. وفي الكبرى: وإن كان ضربه المعلم في الموضع المعتاد فمات لا يضمن هو ولا الاب ولا الوصي في قولهم جميعا، وكذا المؤدب الذي يعلمه الكتابة إذا ضربه بإذن والده لا ضمان عليه وعليه الكفارة في قولهما. وهذا إذا كان ضربه المعلم في موضع معتاد وفي رواية مجهولة لا كفارة عليهما والفتوى على الاول. والزوج إذا
ضرب زوجته حيث تضرب للتأديب مثل ما تضرب حال نشوزها يضمن بالاجماع، والاب والوصى إذا سلما الصغير إلى معلم يعلمه القرآن أو علما آخر فضربه المعلم للتعليم فلا ضمان على المعلم ولا على الاب والوصي. وفي المنتقي عن أبي حنيفة أبي يوسف أن عليه الكفارة وإن ضربه حيث لا يضرب أو فوق ضرب التعليم فالمعلم ضامن. قال هشام في نوادره قلت لمحمد: إن لم يكن الاب قال له في أمر الضرب شيئا قال: يضمن المعلم. وفي رواية في بعض النسخ أن ضرب الصغير إنما يضمن على قول أبي حنيفة إذا كان للتأديب، أما إذا ضربه لتعليم القرآن لا يضمن كالمعلم فإذا لا فرق بين ضرب المعلم بإذن الاب وبين ضرب الاب إذا كان للتعليم. وذكر شمس الائمة الحلواني في شرح كتاب الاجارات أن في ضرب الاب ابنه وفي ضرب الزوج زوجته روايتين عن محمد في رواية يضمن، وفي رواية لا يضمن. أما الوالدة إذا ضربت ولدها الصغير للتأديب فلا شك أنها تضمن على قول أبي حنيفة، وقد اختلف المشايفيه على قولهما قال بعضهم لا تضمن، وقال بعضهم هي ضامنة لان الضرب تصرف في النفس وليس لها ولاية التصرف في النفس أصلا. وفي كتاب العلل للزوج أن يضر ب امرأته على ترك الصلاة وللاب أن يضرب ابنه على ترك الصلاة، وذكر مسألة المعلم إذا ضرب الصغير بإذن الاب على الاتفاق قال نحو ما ذكرنا قال محمد ثمة وهذا عندنا. وفي العيون: إذا قال لرجلين اضربا مملوكي هذا مائة سوط فليس لاحدهما أن يضربه المائة كلها، فإن ضربه أحدهما تسعة وتسعين وضربه الآخر سوطا واحدا ففي القياس يضمن ضارب الاكثر، وفي رواية لا يضمن وهو نظير ما لو قال لامرأتيه إن أكلتما هذا الخبر فأنتما طالقتان فأكلتاه، وإن أكلت إحداهما عامته والاخرى بقيته لا تطلق استحسانا. وفي الكبرى: المحترف إذا ضرب التلميذ فمات إن كان ضربه بأمر أبيه 0 أو وصيه لا يضمن إذا كان في الموضع المعتاد لو ضرب امرأته على المضجع أو في أدب فماتت يضمن إجماعا وعليه الكفارة، هما فرقا بينها وبين الاب فإن ضرب الاب لمنفعة الابن وضرب المرأة لمنفعة الزوج. وفي
السراجية: رجل ضرب رجلا سياطا فجرحه فبرأ منه فعليه أرش الضرب إن بقي أثر الضرب، وإن لم يبق لا يجب عليه شئ سوى التعزير. وقال أبو يوسف: تجب حكومة عدل. وقال محمد: أجرة الطبيب وثمن الادوية. وفي الجامع الصغير: الخامسة وهذا إذا جرح ابتداء، فأما إذا لم يجرح في الابتداء لا يجب بالاتفاق. وفي المنتقي: رجل قتل عمدا وله
[ 107 ]
أخ معروف فأقر أخوه بابن المقتول وادعى ذلك الابن وهو كبير فإن للمقر به القود. وقال أبو الفضل: هذا الجواب خلاف ما في الالاصل. وفي نوادر هشام عن أبي يوسف: رجل ادعى أنه عبده وأقام البينة وشهد الشهود أنه كان عبده فأعتقه وهو حر اليوم، فإن كان له وارث قضى لوارثه بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ، وإن لم يكن له وارث فلمولاه قيمته في العمد الخطأ وفي نوادر ابن سماعة قال: سمعت أبا يوسف يقول في رجل في يده صبي صغير فقطع الرجل يد الصبي عمدا ثم قال القاطع هو عبد ك وقال الذي في يده هو ابني لا أصدقه على ذلك، ولو قال هذه المقالة قبل موت المجني عليه فعلى الجاني القود. وفي المنتقي: رجل جرح فقال فلان قتلني ثم أقام وارثه بينة على رجل آخر أنه قتله قبلت بينته. وذكر بعد ذلك هذه المسألة عن أبي يوسف: رجل قال فلان جرحني فأقام ابن له بينة على ابن له آخر أنه جرحه خطأ فإني أقبل البينة على الابن وأحرمه عن الميراث بذلك. فلما أجزنا ذلك في الميراث جعلنا الدية على عاقلته. قال هشام: سمعت محمدا يقول في رجل أدخل نائما أو مغمى عليه في بيته فسقط البيت عليه قال: لا يضمن إلا في المعتوه والصبي. وفي المنتقي: رجل فقأ عيني عبد وقطع الآخر رجله أو يده فبرأ وكانت الجناية منهما معا فعليهما قيمته أثلاثا ويأخذان العبد فيكون بينهما على قدر ذلك، وكذلك كل جارحة من اثنين معا جراحة هذا هو عضو وجراحة الآخر في عضو تستغرق ذلك القيمة كلها فإنه يدفعه إليهما ويغرمان قيمته على قدر أرش جراحتهما ويكون بينهما على ذلك، وإن مات منهما والجراحة خطأ فعلى كل واحد منهما فعلى الجارح الاول أرش جراحته من قيمته مجروحا بالجراحة الاولى وما بقي
من قيمته فعليهما نصفان، وإن برأ منهما والجراحة الاخيرة تستغرق القيمة والجراحة الاولى لا تستغرق فعلى الاول أرش جراحته وعلى الثاني قيمته مجروحا بالجرح الاول ويدفع العبد إليه، وإن كانت الجراحة الاولى هي التي تستغرق القيمة فعلى الجارح الثاني أرش جراحته. ومن أمسك رجلا حتى جاء آخر وقتله عمدا أو خطأ فلا شئ على الممسك عندنا وعلى القاتل القصاص في العمد والدية في الخطأ وهي مسألة كتاب الديات، وعلى هذا من أمسك رجلا حتى جاء آخر وأخذ دراهمه فضمان الدراهم على الآخذ عندنا لا على الممسك. وفي الخانية: لو وطئ جارية إنسان بشبهة أو أزال بكارتها فعلى قول أبي يوسف ومحمد ينظر إلى مهر مثلها فيزاد إلى نقصان بكارتها إن كان أكثر يجب ذلك ويدخل الاقل في الاكثر. ولو أن صبيا زنى في صبية وأذهب عذرتها كان عليه المهر بإزالة البكارة لو كانت المرأة بالغة مستكرهة، وإن كانت مطاوعة لا يجب المهر لانه لو وجب على الصبي كان لولي الصبي أن يرجع بذلك عليها كما لو أمر صبيا بشئ يلحقه ضمانه كان لولي الصغير أن يرجع على الآمر فلا يفيد تضمين الصغير. ولو أن امرأة بالغة غصبها فزنى بها وأذهب عذرتها بأمرها كان على الصبي مهرها لان أمر الامة لم يصح في حق مولى الامة. حريق وقع في محلة فهدم رجل دار
[ 108 ]
بغير بغير أم صاحبه وبغير أمر السلطان حتى ينقطع عن داره ضمن ولم يأثم. ابن سماعة عن محمد: حر معه سيف وعبد معه عصا فالتقيا وضرب كل واحد منهما صاحبه حتى قتله وماتا ولا يدري أيهما بدأ بالضرب فليس على ورثة الحر ولا على مولى العبد شئ، وإن كان السيف بيد العبد والعصا بيد الحر فعلى عاقلة الحر نصف قيمة العبد ولا شئ لورثة الحر على مولى العبد، وإن كان بيد كل واحد منهما عصار وضرب كل واحد منهما الآخر وشجه موضحة ثم ماتا ولا يدري من الذي بدأ بالضرب فعلى عاقلة الحر قيمة العبد صحيحا لمولاه ثم يقال لمولاه ادفع من ذلك قيمة الشجة إلى ولي الحر وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون له شئ منه. بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل ضرب كل واحد منهما صاحبه هذا بالسيف
وهذا معه عصا فماتا ولا يدري أيهما بدأ قال: على صاحب العصا نصف دية صاحب السيف على عاقلته وليس لصاحب العصا شئ، وإذا جرح الرجل عمدا بالسيف فأشهد المجروح بالسيف على نفسه أن فلانا لم يجرحه ثم مات المجروح من ذلك هل يصح هذا الاشهاد؟ قالوا: هذا على وجهين: إما أن تكون جراحة فلان معروفة عند القاضي وعند الناس أو غير معروفة، فإن لم تكن معروفة كان الاشهاد صحيحا. وفي الذخيرة: وإن أقام الورثة بينة بعد ذلك على أن فلانا جرحه لم تقبل هذه البينة. وفي التجريد: ولو أمر رجل عشرة رجال أن يضرب كل واحد منهم عبده سوطا ففعلوا ثم إن آخر ضرب سوطا ولم يأمره فمات العبد من ذلك كله فعلى الذي لم يؤمر أرش ما نقص بضربه مضروبا عشرة أسواط وعليه أيضا جزء من أحد عشر جزأ من قيمته مضروبا أحد عشر سوطا. ولو أن المولى ضربه بيده عشرة أسواط ثم ضربه هذا الرجل سوطا ومات فعليه نقصان سوطه ونصف قيمته مضروبا أحد عشر سوطا. وفي الجامع الصغير عن محمد فيمن اجتمع عليه الصبيان أو المجانين يريدون قتله. وفي الحاوي: أو أخذ ماله ولا يقدر على دفعهم إلا بالقتل - قال: ليس له أن يقتلهم ولو قتل تجب عليه الدية. قال المعلى قلت لمحمد: إن صاحبنا يقول بالضمان وعنى أنه أبو مطيع قال المعلى: كنت في الطواف فإذا محمد بن الحسن فقال: يا خراساني القول ما قال صاحبكم. قال الشيخ: وبه يفتى. وكان نصير يقضي بالضمان في الصبي والمجنون والبهيمة إذا قتله الرجل دافعا. وكان الفقيه أبو بكر يفتي بعدم الضمان. قال الفقيه أبو الليث: هذا القول يخالف ما قيل في الروايات الظاهرة. وفي فتاوي الذخيرة: أمة الرجل إذا ارتدت والعياذ بالله تعالى فقتلها رجل فلا شئ على القاتل، هكذا ذكر محمد. وفي غيرها أن على القاتل قيمتها. وفي النسفية سئل عمن سعى فيه إلى السلطان وأخذ من الرجل مالا ظلما هل يضمن للساعي؟ قال: نعم. وروى هذا عن زفر وأخذ به كثير من مشايخنا لما فيه من المصلحة. فتاوي الخلاصة: من سعى برجل إلى سلطان حتى غرمه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها إن كانت السعاية بحق بأن كان يؤذيه ولا يمكنه دفع الاذى إلا بالرفع إلى السلطان أو
[ 109 ]
كان فاسقا لا يمتنع عن الفسق بالامر بالمعروف وفي مثل هذا لا يضمن الساعي. الثاني أن يقول إن فلانا وجد كنزا أو لقطة وظهر أنه كاذب ضمن إلا إذا كان السلطان عادلا لا يغرم بمثل هذه السعايات أو قد يغرم وقد لا يغرم لا يضمن الساعي. الثالث إذا وقع في قلبه أن فلانا يجئ إلى امرأته فرفع إلى السلطان فغرمه السلطان ثم ظهر كذبه فعندهما لا يضمن الساعي، وعند محمد يضمن. وقال صدر الاسلام في كتاب اللقطة: والفتوى على قول محمد لغلبة السعاية في زماننا. وقيل سواء قال صدقا أو كذبا إن لم يكن محتسبا وليس للسلطان حق الاخذ على قياس قول محمد إذا أمر الاعوان بأخذ المال باعتبار الظاهر لا يجب واعتبار السعاية يجب، أما إذا لم يأمر الاعوان ولكن أراه بيته وأخذ من بيته شيئا لا يضمن. وقال الشيخ الامام: لا يضمن الجاني مطلقا. قال الفقيه أبو الليث: الساعي لا يضمن أيضا، والمشايخ المتأخرون منهم القاضي الامام علي السغدي والحاكم عبد الرحمن وغيرهما أفتوا بوجوب الضمان على الساعي، هكذا اختار الصدر الشهيد وهو أصح. ولو قال عند السلطان إن لفلان قوسا جيدا أو جارية حسناء والسلطان يأخذ فأخذ يضمن ولو كان الساعي عبدا يطلب بعد العتق، ولو اشترى شيئا فقيل له اشتريت بثمن غال فسغى عند ظالم وأخذه إن كان قال صدقا لا يضمن وإن كان كذبا يضمن. وقال في الجامع الصغير: قال أبو نصر الدبوسي فيمن قطع يعبده أو قتله إن عليه التعزير. وفي الفتاوي عن خلف قال: سألت أسد بن عمر عمن ضربه بيده أو رجله ومات منه قال: هذا شبه العمد. وفي المنتقى عن محمد قال في رجل قصد أن يضرب آخر بالسيف فأخذ المضروب السيف من يده فقطع السيد أصابة الآخر قال: إن كان من غير المفصل فعلى الجاذب الدية، وإن كان من المفصل فعليه القصاص. وفي المنتقي: رجل قتل عمدا وله ابنان وامرأة فعفت المرأة عن الدم ثم إن أحد الابنين. قتل القاتل وهو يعلم العفو فعليه الدية في ماله في ثلاث سنين يدفع عنه من ذلك ما كان له على قاتل الاب، وأما إذا قتل أحدهما أبا
عمدا وقتل الآخر أمه عمدا فللاول أن يقتل الثاني بالام ويسقط القصاص عن الاب لان القصاص الاول لما قتل صار القصاص موروثا بين الابن الآخر وبين الام للام من ذلك الثمن، فإن قتل الآخر الام صار الثمن الذي ورثته الام من الاب ميراث الاول فسقط ضرورة. وإذا جنى على مكاتب إنسان ثم دبره مولاه لانهدار السراية بل تكون السراية مضمونة على الجاني بعد التدبير. ولو كاتبه أو أعتقه هدرت السراية أيضا، وإذا جنى على مكاتب إنسان ثم أدى المكاتب فعتق ثم مات المكاتب من تلك الجناية فعلى الجاني قيمة المكاتب لا الدية وإن مات حرا. وقال في المنتقي: رجل شهد له رجلان أنه قتل ابن هذا فلان وشهد آخران لهذا الرجل أيضا أنه قتل ابن هذا فلانا وسميا ابنا آخر له غير الذي سمياه الاولان وزكى الفريق الاول ولم يزك الفريق الثاني فدفع المشهود عليه على المشهود له ليقتله فقال
[ 110 ]
المشهود له أنا أقتلك يا بني الذي لم تزك الشهود على قتله ولا أقتلك بابني الذي ذكر الشهود على قتله ثم قتله فلا شئعليه، وإن قال لم يقتل ابني الذي زكى الشهود على قتله وإنما قتل ابن آخر لي فقتله كان عليه الدية استحسانا. وفي القياس عليه القتل. وفي المنتقي قال محمد في نصراني عليه نصرانيان أنه قتل ابن هذا النصراني عمدا فقضى عليه بالقصاص ودفع إليه ليقتله فأسلم فإني أدرأ عنه القتل وأجعل عليه الدية. وروى الحسن عن أبي حنيفة في مسلم قطع يد عبد النصراني عمدا فأقام العبد بينة على النصراني أن مولاكان أعتقه قبل أن يقطع هذا المسلم يده قبلت شهادتهم على العتق ولا يقضي له بالقصاص وله نصف القيمة والله تعالى أعلم بالصواب. باب ما يحدث الرجل في الطريق لما فرغ من بيان أحكام القتل مباشرة شرع في بيان أحكامه تسببا، وقدم الاول لكونه أصلا لانه قتل بلا واسطة ولكنه أكثر وقوعا فكان أمس حاجة إلى معرفة أحكامه. قال رحمه الله: (ومن أخرج إلى طريق العامة كنيفا أو ميزابا أو جرصنا أو دكانا فلكل نزعه) أي لكل
أحد من أهل المرور الخصومة مطالبة بالنقص كالمسلم البالغ العاقل الحر وكالذمي لان لكل منهم المرور بنفسه وبدوابه فتكون له الخصومة بنفسه كما في الملك المشترك بخلاف العبيد والصبيان المحجور عليهم حيث لا يؤمر بالهدم بمطالبتهم لان مخاصمة المحجور عليهم لا تعتبر في ماله بخلاف الذمي، هذا إذا بنى لنفسه. قيد بما ذكر ليحترز عما إذا بنى للمسلمين كالمسجد ونحوه فلا ينتقض، كذا روي عن محمد رحمه الله. وقال اسمعيل الصفار: إنما ينقض بخصومته إذا لم يكن له مثل ذلك فإن كان له مثله لا يلتفت إلى خصومته لانه لو أراد به إزالة الضرر عن الناس لبدأ بنفسه وحيث لم يزل ما في قدرته علم أنه متعنت. قال في العناية: الكنيف المستراح، والميزاب والجرصن قيل هو البرج. وقال فخر الاسلام: جذع يخرجه الانسان من الحائط ليبني عليه. ثم الكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدهما في أنه هل يحل له إحداثه في الطريق أم لا. والثاني في الخصومة في منعه من الاحداث فيه ورفعه بعده. والثالث في ضمان ما تلف بهذه الاشياء. أم الاحداث فقال شمس الائمة: إن كان الاحداث يضر بأهل الطريق فليس له أن يحدث ذلك، وإن كان لا يضر بأحد لسعة الطريق جاز له إحداثه فيه ما لم يمنع منه لان الانتفاع في الطريق بغير أن يضر بأحد جائز فكذا ما هو مثله فيلحق به إذاحتاج إليه فإذا أضر بالمار لا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام
[ 111 ]
لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وهذا نظير من عليه الدين فإنه لا يسعه التأخير إذا طالبه، فلو لم يطالبه جاز له تأخيره. وعلى هذا القعود في الطريق للبيع والشراء يجوز إن لم يضر بأحد، وأن أضر لم يجز لما قلنا. وأما الخصومة فيه فقال أبو حنيفة: لكل واحد من عرض الناس أن يمنعه من الوضع وأن يكلفه الرفع بعد الوضع، سواء كان فيه ضرر ولم يكن إذا وضع بغير إذن الامام لافتياته على رأيه لان التدبير في أمور العامة إلى الامام. والعرض بالضم الناحية والمراد واحد من الناس. وعلى قول أبي يوسف لكل واحد أن يمنعه من ذلك، وعلى قول محمد ليس لاحد أن يمنعه قبل الوضع ولا بعده إذا لم يكن فيه ضرر الناس لانه
مأذون له في إحداثه شرعا ألا ترى أنه يجوز له ذلك إن لم يمنعه أحد والمانع منه متعنت فلا يمكن من ذلك فصار كما لو أذن له الامام بل أولى لان إذن الشارع أحرى ولاية وأقوى كالمرور حتى لا يجوز لاحد أن يمنعه. وجوابه أن هذا انتفاع بما لم توضع له الطريق فكان لهم منعه وإن كان جائزا في نفسه بخلاف المرور فيه لانه انتفاع بما وضع له فلا ن يكون لاحد منعه. قال رحمه الله: (وله التصرف في النافذ إلا إذا أضر) أي له أن يتصرف بإحداث الجرصن وغيره مما تقدم ذكره في الطريق النافذ إذا لم يضر بالعامة معناه إذا لم يمنعه أحد وقد ذكرناه. والخلاف الذي فيه فلا نعيده. قال رحمه الله: (وفي غيره لا يتصرف فيه إلا بإذنهم) أي في غير النافذ من الطريق لا يتصرف أحد بإحداث ما ذكرنا إلا بإذن أهله لان الطريق التي ليست بنافذة مملوكة لاهلها فهم فيها شركاء ولهذا يستحقون بها الشفعة والتصرف في الملك المشترك من الوجه الذي لم يوضع له لا يملك إلا بإذن الكل أضربهم أو لم يضر بخلاف النافذ لانه ليس لاحد فيه ملك فيجوز الانتفاع به ما لم يضر بأحد، ولانه إذا كان حق العامة فيتعذر الوصول إلى إذن الكل فجعل كل واحد كأنه هو المالك وحده في حق الانتفاع ما لم يضر بأحذ ولا كذلك غير النافذ لان الوصول إلى ارضائهم ممكن فيبقى على شركته حقيقة وحكما. وفي المنتقي: إنما يؤمر برفع هذه الاشياء إذا علم حدوثها فلو كانت قديمة فليس لاحد حق الرفع وإن لم يدر حال هذه الاشياء تجعل قديمة وهذا هو الاصل. قال رحمه الله: (فإن مات أحد بسقوطها فديته على عاقلته كما لو حفر بئرا في طريق أو وضع حجرا فتلف به إنسان) أي إذا مات إنسان بسقوط ما ذكره من كنيف أو ميزاب أو جرصن فديته على عاقلة من أخرجه إلى الطريق لانه تسبب للهلاك متعديا في إحداث ما تضرر به المارة بإشغال هواء الطريق به أو بإحداث ما يحول بينهم وبين الطريق، وكذا إذا عثر
[ 112 ]
بنقضه إنسان. ولو عثر بما أحدث به هو رجل فوقع على آخر فماتا فديتهما على عاقلة من إحدثه لان الواقع كالمدفوع على الآخر، ولو سقط الميزاب فأصاب ما كان في الداخل رجلا
فقتله فلا ضمان على أحد لانه وضع ذلك في ملكه فلا يكون متعديا فيه. وإن أصابه ما كان خارجا فيه يضمن وإن لم يعلم أخرجا أم دخلا لانه إن كان خارجا ضمن، وإن كان داخلا لا يضمن، ففي القياس لا يضمن بالشك لان فراغ ذمته ثابت بيقين وفي الشغل شك، وفي الاستحسان يضمن النصف لانه في حال يضمن الكل، وفي حال لا يضمن شيئا فيضمن النصف، ولا يقال ينبغي أن يضمن ثلاثة أرباع الدية لانه يضمن في حالة النصف وهو ما إذا أصابه الطرفان فيتنصف فيكون مع النصف الاول ثلاثة أرباع لان أحوال الاصابة حالة واحدة فلا تتعدد الاستحالة اجتماعهما بخلاف حالة الجرحين. ولو أشرع جناحا إلى الطريق ثم باع الكل فأصاب الجناح رجلا فقتله أو وضع خشبة في الطريق ثم باع الخشبة وتركها المشتري حتى عطب بها إنسان فالضمان على البائع لان فعله لم ينفسخ بزوال ملكه وهو الموجب بخلاف الحائط المسائل إذا باعه بعد الاشهاد عليه ثم سقط في ملك المشتري على إنسان حيث لا يضمن البائع ولا المشتري لان المشتري لم يشهد عليه وهو شرط الحائط المائل، وفي حق البائع قد بطل الاشهادة الاول لان الملك شرط لصحة الاشهاد فيبطل بخروجه عن ملكه لانه لا يتمكن من نقض ملك الغير، وفيما نحن فيه إنما يضمن بإشغال الطريق لا باعتبار الملك والاشغال باق بعد البيع ألا ترى أن ذلك الاشغال لو حصل من غير مالك كالمستأجر أو المعير أو الغاصب يضمن، وفي الحائط لا يضمن غيرا لمالك. ولو استأجر رب الدار الفعلة لاخراج الجناح أو الظلفوقع قبل أن يفرغوا من العمل فقتل إنسانا فالضمان عليهم لان التلف بفعلهم لان العمل لا يكون مسلما إلى رب الدار قبل فراغهم منه فانقلب فعلهم قتلا حتى وجبت عليهم الكفارة ويحرمون من الارث بخلاف ما تقدم من المسائل من إخراج الجناح أو الميزاب أو الكنيف إلى الطريق فقتل إنسانا بسقوطه حيث لا تجب فيه الكفارة ولا يحرم الارث لانه تسبب وهنا مباشرة والقتل غير داخل في عقده فلم يستند فعلهم إليه فاقتصر عليهم. قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: هذا على وجوه: إما إن قال لهم ابنوا لي جناحا على فناء داري فإنه ملكي ولي منه حق إشراع الجناح إليه من القديم ولم تعلم الفعلة ثم ظهر
بخلاف ما قال ثم سقط فأصاب شيئا فالضمان على الآجر ويرجون بالضمان على الآمر قياسا واستحسانا. سواء سقط قبل الفراغ من العمل أبعده، لان الضمان وجب على الفاعل بأمر الآمر فكان له أن يرجع به عليه كما لو استأجر شخصا ليذبح له شاة ثم استحقت الشاة بعد الذبح كان للمستحق أن يضمن الذابح ويرجع الذابح به على الآمر فكذا هذا. وأما إذا قال لهم اشترعوا لي جناحا على فناء داري وأخبرهم أنه ليس له حق الشرع في القديم أو لم يخبرهم حتى بنوا ثم سقط فأتلف شيئا، إن سقط قبل الفراغ من العمل فالضمان عليهم ولم
[ 113 ]
يرجعوا به على الآمر قياسا، وإن سقط بعد الفراغ من العمل فكذلك في جواب القياس لان المستأجر أمرهم بما لا يملك مباشرته بنفسه وقد علموا فساد أمره فلم يحكم بالضمان على المستأجر كما لو استأجر رجلا ليذبح شاة جاز له وأعلمه فذبح ثم ضمن الذابح للجار لم يرجع به على الآمر، وكذا لو استأجرهم ليبنوا له بيتا في وسط الطريق ثم سقط وأتلف شيئا لم يرجعوا به على الآمر. وفي الاستحسان يكون الضمان على الآمر لان هذا الامر صحيح من حيث إنه لا يجوز بيعه فمن حيث إن الامر صحيح يكون إقرار الضمان على الآمر بعد الفراغ من العمل، ومن حيث إنه فاسد يكون الضمان على العامل قبل الفراغ من العمل عملا بها، وإظهار شبهة الصحة بعد الفراغ من العلم أولى من إظهاره قبل الفراغ لان أمر الآمر إنما لا يصلح من حيث إنه لا يملك الانتفاع بفناء داره وإنما حصل له ذلك بعد الفراغ من العمل. قوله كما لو حفر بئرا في طريق فتلف به إنسان أي القتل بسقوط الميزاب ونحوه كالقتل بحفر البئر ووضع الحجر في الطريق لان كل واحد منهما قتل بسبب حتى لا تجب فيه الكفارة ولا يحرم الميزاب فيكون حكمه كحكمه فيما ذكرناه. قوله حفر إلى آخره حفر بئرا في الطريق فجاء آخر وحفر طائفة في أسفلها ثم وقع فيها إنسان ومات في القياس يضمن الاول وبه أخذ محمد، وفي الاستحسان يجب الضمان عليهما أثلاثا. ولو حفر بئرا ثم جاء آخر ووسع رأسها فسقط فيها إنسان ومات كان الضمان عليهما أثلاثا قالوا: تأويل المسألة أن
الثاني وسع رأسها بحيث يعلم الناس أن الواقع إنما وقع في موضع بعضه من حفر الاول وبعضه من حفر الثاني، أما إذا وسع الثاني رأسها بحيث إنه إنما وقع في موضع حفر الثاني كان الضمان على الثاني وإن لم يدر فالضمان عليهما. قاضيخان: قوله حفر إلى آخره سقط إنسان فقال الحافر إنه ألقى نفسه وكذبه الورثة في ذلك كان القول قول الحافر في قول أبي يوسف أخرا وهو قول محمد لان الظاهر أن البصير يرى موضع قدميه، وإن كان الظاهر أن الانسان لا يوقع نفسه إلا إذا وقعت له شدة فلا يجب الضمان بالشك. قوله حفر بئرا في الطريق ثم كساها بالتراب أو بخضر أو بما هو من جنس الارض يضمن الاول، ولو غطى رأسها وجاء آخر ورفع الغطاء فوقع فيها إنسان ضمن الاول، وقال قاضيخان: قيد بقوله فتلف فيه فلو لم يمت من ذلك بل مات جوعا أو عطشا أو غما هل يضمن الحافر؟ لم يذكر محمد هذا وقد ذكر أبو يوسف في الاملاء خلافا فقال: على قول أبي حنيفة لا يضمن الحافر إذا مات جوعا فالجواب كما قال أبو حنيفة، فأما إذا مات غما فإنه يضمن الحافر. وفي الكبرى: والتفوى على قول أبي حنيفة رحمه الله. وفي الذخيرة وقال محمد: يضمن في الحالتين. هذا إذا كان الحفر في طريق المسلمين، فأما إذا كان الحفر في فناء داره فوقع فيه إنسان فمات هل يضمن إن كان الفناء لغيره يكون ضامنا، وأما إذا حفر في ملكه أو كان له حق الحفر في القديم فكذا الجواب لا يضمن، وإن
[ 114 ]
لم يكن ملكا له ولكن كان لجماعة المسلمين أو كان شركا بأن كان في سكة غير نافذة فإنه يضمن. قال في المنتقي: فناء دار الرجل ما كان في داره يحتاج إليه وإن كان في عرض سكته أو أعرض منها، فأما إذا أمر رجلا أن يحفر له بئرا في أصل حائط جاره وفنائه فهذا كله فناء الآمر وفناء جاره الذي هو فناء له فهو فناؤهما، وإن كانت السكة غير نافذة فأمر بالحفر في موضع ليس له فيه منفعة ولا تحتاج إليه الدار وهذا ليس بفنائه، وإذا أوقع إنسان نفسه في البئر فلا ضمان على الحافر. شرح الطحاوي: ومن حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها دابة
أو إنسان فتلف فالضمان على الحافر ولو جاء إنسان فدفعه وألقاه في البئر وهلك فالضمان على الدافع دون الحافر. وفي الخانية: رجل حفر بئرا في ملكه ثم سقط إنسان فقتل الساقط ذلك الانسان أو الدابة كان الساقط ضامنا دية أو قيمة من كان فيها، وإن كان البئر في الطريق كان الضمان على حافر البئر، فإذا حفر في ملك نفسه فسقوطه لا يكون ضامنا إلى الحافر وكان تلف السقوط عليه مضافا إلى الساقط. وإذا حفر الرجل بئرا في طريق المسلمين ثم آخر حفر طائقة أخرى في أسفلها ثم وقع إنسان ومات فإنه ينبغي في القياس أن يضمن الاول وبه أخذ محمد، واختلف المشايخ في جواب الاستحسان فمنهم من قال جواب الاستحسان أن يكون الضمان على الاول والثاني، ومنهم من قال جواب الاستحسان أن يكون الضمان على الثاني خاصة إلا أن أصحابنا أخذوا بالقياس وكان كمن حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان ووضع في البئر سلاحا ثم جاء إنسان ووقع على السلاح ومات من ذلك فإن الضمان على الحافر. وسئل بعضهم عمن حفر في صحراء قرية التي هي لاهل القرية وهي مبيت دوابهم حفيرة يضع فيها الحنطة والشعير بغير إذن الباقين فجاء رجل وأوقد في الحفيرة نارا كستها وذلك أيضا بغير إذن الباقين فوقع فيها حمار فاحترق بالنار فالضمان على من يجب؟ فقال: على الحافر. قال: وهذا قياس ما نقل عن أصحابنا في كتاب الديات أن من حفر بئرا على قارعة الطريق وألقى رجل فيها حجرا بعدما وقع في البئر رجل فأصابه الحجر الذي في البئر فمات أن الدية على الحافر، ومثله لو وضع رجل حجرا على الارض بقرب البئر فتعقل فيها إنسان ووقع فهلك فالدية على من وضع الحجر كأنه ألقاه في البئر فمات، ولو كان كذلك كان الضمان على الدافع. وكذلك ههنا هذا إذا وضع الحجر واضع، فأما إذا لم يضعه أحد ولكن كان الحجر راسخا فتعقل به إنسان ووقع في البئر ومات فالضمان على الحافر لانه متعد في التسبب وكان بمنزلة الماشي إذا وقع في البئر ولم يعلم بالبئر فالضمان على الحافر، وإن كان الماشي دافعا نفسه في البئر وأنه مباشر والحافر متسبب. وفي الظهيرية: وإن كان الحجر لم يضعه أحد لكنه حميل السيل جاء به فالضمان على الحافر ومن هذا الجنس ما ذكر في المنتقي: رجل حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان وزلق بما صبه رجل آخر
على الطريق ووقع في البئر ومات فالضمان على الذي صب الماء، فإن كان الماء ماء السماء
[ 115 ]
فعلى صاحب البئر، وإذا حفر الرجل بئرا في طريق مكة في الفيافي والمفازات في غير ممر الناس فوقع إنسان فإنه لا ضمان له، وهذا بخلاف ما لو حفر في الطريق فإنه يصير ضامنا، فإذا حفر بئرا على قارعة الطريقة فوقع إنسان فسلم من الوقعة وطلب الخروج منها فتعلق حتى إذا كان في وسطها سقط وعطب فلا ضمان. ولو مشى في أسفلها فعطب بصخرة فيها، فإن كانت الصخرة في موضعها من الارض فلا ضمان، وإن كان صاحب البئر قلعها من موضعها ووضعها في ناحية البئر فعلى صاحب البئر، هكذا ذكر في المنتقي. شرح الطحاوي: وإذا حفر الرجل بئرا في الطريق فسقط فيه رجل فتعلق به آخر وتعلق الثاني بثالث وسقطوا جميعا وماتوا جميعا فهو على ثلاثة أوجه: إن ماتوا من وقوعهم ولم يقع بعضهم على بعض أو من وقوعهم ووقع بعضهم على بعض وقد علم كيفية الموت أو لم يعلم كيف ماتوا، فإن ماتوا من وقوعهم ولم يقع بعضهم على بعض فدية الاول على الحافر لانه كالدافع ودية الثاني على الاول لان الثاني مباشر ودية الثالث على الثاني، وإذا خرجوا أحياء وأخبروا عن حالهم ثم ماتوا فموت الاول على سبعة أوجه: أما إن مات من وقوعه لا غير فديته على الحافر، وإن مات من وقوع الثاني عليه فديته هدر لانه قاتل لنفسه بجره، وإن مات من وقوع الثالث عليه فديته على الثاني لانه هو جر الثالث، وإن مات من وقوع الثاني والثالث فنصف ديته هدر ونصفها على الثاني، وإن مات من وقوعه ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر والنصف على الثاني، وإن مات من وقوعه ووقوع الثاني والثالث فالثلث هدر لانه قتل نفسه بجر الثاني عليه والثلث على الحافر لانه كالدافع والثالث على الثاني بجر الثالث مباشرة، وأما الحكم في الثاني، فإن مات بوقوع والثالث عليه فديته هدر لانه جره إلى نفسه، وإن مات من وقوع الاول عليه فديته على الاول لانه صار كالدافع للثاني في البئر، وإن مات من وقوع الاول والثالث معا فنصف ديته هدر لجره الثالث إلى نفسه ونصفها على
عاقلة الاول لجره الاول وإيقاعه في البئر، وأما دية الثالث فعلى الثاني لجر الثاني له. هذا إذا كان يدري حال وقوعهم، فأما إذا كان لا يدري فلا يخلو إما أن يكون بعضهم على بعض أو وجدوا متفرقين، فإن كانوا متفرقين فدية الثالث على الثاني ودية الثاني على الاول ودية الثالث على الثاني وهو قول محمد رحمه الله تعالى، وفي قول آخر لم يبين محمد قائله في الاصل ويقال هو قول أبي يوسف وهو الاستحسان أن دية الاول أثلاثا، ثلث على صاحب البئر وثلث على الثاني لانه جر الثالث عليه وثلث هدر لانه الاول هو الذي جر الثاني ودية الثاني نصفان، نصف على الاول لانه هو الذي جره، ونصف هدر لانه جر الثالث إلى نفسه، ودية الثالث على الثاني. عبد حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان ووقع فيها فعفا عنه الولي ثم وقع فيها آخر فعلى المولى أن يدفع كله أو يفديه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يدفع إليه نصف لانهما وقعا معا فعفا عنه أحد الوليين. رجل مات وترك دارا وعليه من الدين ما
[ 116 ]
يستغرق قيمتها فحفر فيها ورثته فهو ضامن لنقصان الحفر للغرماء، فإن وقع فيها إنسان فعليه ضمان ذلك على عاقلته. وفي المنتقي محمد عن أبي يوسف عبد حفر بئرا ثم أعتقه مولاه ثم وقع العبد المعتق في البئر ومات قال: على المولى قيمته لورثته. قال محمد: لا أرى عليه شيى ولو أعتقه المولى أولا ثم حفرووقع فيها فلا شئ على المولى بلا خلاف. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: مكاتب حفر بئرا في الطريق ثم قتل إنسانا فقضى عليه بقيمته ثم وقع في البئر إنسان ومات قال: يشارك الساقط في البئر الذي أخذ القيمة فيها قال: وكذلك المدبر. قال: وإذا جاء ولي الساقط في البئر فأخذ الذي أخذ قيمة المدبر من مولاه لم يكن بينه وبينه خصومة ولا أقبل بينة عليه، وإنما أقبل بينة على مولى المدبر فإذا زكت كذا في المولى يرجع على الذي أخذ القيمة بنصفها. وفي التجريد: ولو كان الحافر مدبرا أو أم ولد وقضى على المولى بقيمة واحدة تعتبر القيمة يوم الحفر ولا يعتبر بزيادة القيمة ونقصانها، وأما المكاتب فتلزمه الجنايات وتعتبر قيمته يوم الحفر. ولو كان الحافر عبدا فالجنايات كلها في رقبته
ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء بجميع الاروش، فإن أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع ثم لحقته الجنايات فعلى المولى قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت بعد العتق وقبله يضرب في ذلك كل واحد بقدر أرش جنياته ولو لم يعتق ولكن وقع واحد ومات فيدفع به ثم وقع ثان وثالث فيشتركوا مع المدفوع إليه الاول في رقبته بقدر حقوقهم. ولو أن عبدا قتل إنسانا ودفعه المولى به ثم وقع إنسان في بئر كان حفرها العبد قبل ذلك عند الدافع فالعبد يدفع نصفه إلى ولي الساقط في البئر أو يفديه بالدية، ولو عفا ولي الساقط في البئر لم يدفع إلى المولى شئ من العبد ولا خصومة في هذه المسألة بين المولى الاول وإنما يخاصم الذي في يده العبد. وفي الخانية: ولو أن رجلا حفر بئرا في سوق العامة أو بنى فيه دكانا فعطب به شئ، فإن فعل ذلك بأذن الامام لا يكون ضامنا، وبغير إذنه يكون ضامنا كما لو أوقف دابته في السوق في موضع معد للدابة فأوقف الدابة في ذلك الموضع إن عينوا ذلك الموضع بإذن السلطان فعطب لا يكون ضامنا. وإن لم يكن بإذن السلطان كان ضامنا لان السلطان إذا أذن بذلك يخرج ذلك الموضع عن أن يكون طريقا فتعين لايقاف الدواب، وبغير إذن السلطان لا يخرج من أن يكون طريقا. ولو أن مدبرا حفر بئرا في الطريق ثم أعتقه المولى أو مات المولى حتى عتق المدبر بموته ثم أوقع نفسه كان للمشتري قيمته على البائع، وكذا لو كان المدبر عبدا وأعتقه المولى وقد ذكر هذه المسألة على الخلاف بين أبي يوسف ومحمد، وإذا حفر الرجل نهرا في غير ملكه فأكسر من ذلك النهر ماء يغرق أرضا أو قرية كان ضامنا، ولو كان في ملكه فلا ضمان. رجل سقى أرضه من نهر العامة وكان على نهر العامة أنها صغار مفتوحة فوهاتها ودخل الماء في الانهار الصغار وفسد بذلك أرض قوم. قال شيخ الاسلام الاجل ظهير الدين: يكون ضامنا لانه أجرى الماء فيها.
[ 117 ]
قال رحمه الله: (ولو بهيمة فضمانها في ماله) أي لو كان الهالك في البئر أو بسقوط الجرصن بهيمة يكون ضمانها في ماله لان العاقلة لا تتحمل ضمان المال وإبقاء الميزاب واتخاذ
الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر والخشبة لان كل واحد من ذلك مسبب بطريق من التعدي بخلاف ما إذا كان في ملكه لعدم التعدي، وبخلاف ما إذا كنس الطريق فعطب بموضع كنسه إنسان حيث لم يضمن لانه ليس بمتعد فيه لانه لم يحدث فيه شيئا وإنما قصد إماطة الاذى عن الطريق حتى لو جمع الكناسة في الطريق فعطب بها إنسان ضمن لوجود التعدي بشغله الطريق. ولو وضع حجرا فنجاه غيره عن موضعه فتلف به نفس أو مال كان ضمانه على من نجاه لان فعل الاول قد انتسخ، وكذا إذا صب الماء في الطريق أو رش أو توضأ فعطب به نفس أو مال يضمن لانه متعد فيه بخلاف ما إذا فعل ذلك في سكة غير نافذة وهو من أهلها أو قعد فيه أو وضع خشبة أو متاعة لان الكل واحد من أهله أن يفعل ذلك لكونه من ضرورات السكن كما في الدار المشتركة بخلاف الحفر لانه ليس من ضرورات السكن فيضمن ما عطب به كالدار المشتركة غير أنه لا يضمن في السكة ما نقص بالحفر، وفي الدار المشتركة يضمن لان لشريكه ملكا حقيقة في الدار حتى يبيع نصيبه ويقسم بخلاف السكة قالوا: هذا إذا رش ماء كثيرا بحيث يزلق منه عادة، وأما إذا لم يجاوز المعتاد لا يضمن. ولو تعمد المرور في موضع الصب مع علمه به لا يضمن الراش لانه هو الذي خاطر بنفسه فصار كمن وثب في الطريق من جانب إلى جانب فوقع فيها بخلاف ما إذا كان بغير علمه بأن كان ليلا أو أعمى، وقيل يضمن مع العلم أيضا إذا رش جميع الطريق لانه مضطر إلى المرور فيه، وكذا الحكم في الخشبة الموضوعة في الطريق في جميع أجزاء الطريق أو بعضه، ولو رش فناء حانوت بإذن صاحبه فضمان ما عطب على الآمر استحسانا. قال رحمه الله: (ومن جعل بالوعة في طريق بأمر السلطان أو في ملكه أو وضع خشبة فيها) أي في الطريق (أو قنطرة بلا إذن الامام فتعمد الرجل المرور عليها لم يضمن) أما بناء البالوعة بأمر الامام أو في ملكه ووضع الخشبة فلانه ليس بمتعد، وأما بناء القنطرة فلان الباني فوت حقا على غيره فإن التدبير في وضع القنطرة من حيث تعيين المكان للامام فكانت جناية بهذا الاعتبار فتعمد رجل المرور عليها لم يضمن ووضع الخشبة والقنطرة وإن وجد التعدي منه فيهما لكن تعمده المرور عليهما يسقط النسبة إلى الواضع لان الواضع متسبب والمار مباشر فصار هو صاحب علة فلا يعتبر
التسبب معه وقد بيناه فيما مضى. وإن استأجر أجراء يحفرون له في غير فنائه فضمانه على المستأجر ولا شئ على الآجرإن لم يعلموا أنه في غير فنائه لان أمره قد صح إذا لم يعلموا فنقل فعلهم إلى الآمر لانهم مغرورون من جهته فصار كما إذا أمر أجيرا بذبح هذه الشاة فذبحها ثم ظهر أن الشاة لغيره يضمن المأمور ويرجع به على الآمر لكونه مغرورا من جهته،
[ 118 ]
وهنا يجب الضمان على المستأجر ابتداء لان كل واحد منهما متسبب والاجير غير متعد والمستأجر متعد فترجح جانبه، فإن علموا بذلك فالضمان على الآجر لان أمره لم يصح لانه لا يملك أن يفعل بنفسه ولا غرور من جهته لعلمهم بذلك فبقي الفعل مضافا إليهم، ولو قال لهم هذا فنائي وليس لي حق الحفر فيه فحفروا فمات فيه إنسان فالضمان على الاجراء قياسا لانهم علموا بفساد الامر فلم يغرهم. وفي الاستحسان الضمان على المستأجر لان كونه فناء لهم بمنزلة كونه مملوكا له لانطلاق يده بالتصرف فيه من إلقاء الطين والحطب وربط الدابة والركوب وبناء الدكان فكان آمرا بالحفر في ملكه ظاهرا بالنظر إلى ما ذكرنا فكذا ينقل إليه. وقال شيخ الاسلام: إذا كان الطريق معروفا أنه للعامة ضمنوا سواء قال لهم أو لا، وإذا استأجر الرجل أجيرا ليحفر له بئرا فحفر له الاجير ووقع فيها إنسان ومات فهذا على وجهين: الاول أن يستأجر الاجير ليحفر له بئرا في الطريق فإنه على وجهين: الاول أن يكون طريقا معروفا لعامة المسلمين يعرفه كل أحد، وفي هذا الوجه يجب الضمان على الاخير سواء علمه المستأجر بذلك أو لم يعلمه. وإن كان الطريق لعامة المسلمين إلا أنه طريق غير مشهور، فإن أعلم المستأجر الاجير بأن هذا الطريق لعامة المسلمين فكذا الجواب أيضا، فأما إذا لم يعلم فالضمان على الآمر لا على الاجير، وهذا بخلاف مالو استأجر أجيرا لذبح فذبحها ثم علم أن الشاة لغير الآمر فإن الضمان على الاجير أعمله المستأجر بأن الشاة لغيره أو لم يعلمه، ثم يرجع إذا لم يعلم. الوجه الثاني إذا استأجره ليحفر له بئرا في الفناء وقد تقدم بيانه، وفي الفتاوى الخلاصة: إذا استأجر رجلا ليبني له أو ليحدث له شيئا في الطريق أو
يخرج حائطا فما عطب به من نفس أو مال فذلك على المستأجر دون الاجير استحسانا إلا إذا سقط من يده لبن فأصاب إنسانا فقتله تجب الدية على عاقلة الذي سقط من يده وعليه الكفارة، وفي السغناقي: من حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء آخر وخاطر بنفسه ووثب من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر ووقع فيه ومات لم يضمن الحافر شيئا. وفي المنتقي: رجل جاء بقوم إلى طريق من طرق المسلمين وقال احفروا إلى هنا بئرا أو قال ابنوا لي هنا ولم يقل غيره فإن ضمان ما عطب به من ذلك على الآمر دون الفاعل ذكر المسألة مطلقا، وتأويلها ما إذا لم يكن الطريق مشهورا لعامة المسلمين ولم يعلمه المستأجر بذلك كما ذكر شيخ الاسلام، وذكر عقيب هذه المسألة: رجل جاء لقوم وقال احفروا في هذا الطريق بئرا ولم يقل لي ولم يقل أستأجر على ذلك وظنوا أنه الآمر، وكذلك لو أدخلهم دارا وقال لهم احفروا فيها فحفروا ظنوا أنها دار الآمر فهو على أن يقول إن استأجرهم على ذلك. وذكر بعد هذا بشر بن الوليد عن أبي يوسف: رجل استأجر رجلا فحفر له في غير فنائه فالضمان في رقبة العبد، علم العبد بذلك أم لا. ولو استأجر مكاتبا أو عبدا محجورا عليه لحفر بئرفوقعت البئر عليهما وماتا فالضمان على المستأجر في الحر لا في المكاتب ويضمن قيمة العبد لمولاه، فإذا
[ 119 ]
أخذ القيمة دفع المولى القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب فيضرب ورثة الحر في قيمته بثلث الدية وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب ثم يرجع المالك على المستأجر بقيمة العبد مرة فيسلم له وللمستأجر أن يرجع على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد ويأخذ أولياء المكاتب من الحر ثلث قيمة المكاتب، ثم يؤخذ من المكاتب مقدار قيمته فيكون بين ورثة الحر والمستأجر يضرب ورثة الحر بثلث ديته والمستأجر بثلث قيمة العبد. قال رحمه الله: (ومن حمل شيئا في الطريق فسقط على إنسان ضمن) سواء تلف بالوقوع أو بالعثرة به بعد الوقوع لان حمل المتاع في الطريق على رأسه أو على ظهره مباح له لكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة الرمي إلى الهدف أو الصيد. قال رحمه الله: (فلو كان رداء قد لبسه
فسقط لا) أي لو كان المحمول رداء قد لبسه فسقط على إنسان فعطب به لا يضمن، والفرق بينه وبين الشئ المحمول أن الحامل يقصد حفظه فلا يخرج بالتقييد بوصف الصلاة واللابس يقصد حفظ ما يلبسه فيخرج بالتقييد بوصف السلامة فجعل في حقه مباحا مطلقا. وعن محمد: إذا لبس زيادة على قدر الحاجة وما لا يلبس عادة كاللبد والجوالق والدرع من الحديد في غير الحرب ضمن لانه لا ضرورة إلى لبسه وسقوط الضمان باعتبارهما العموم البلوى. قال رحمه الله: (مسجد لعشيرة فعلق رجل منهم قنديلا أو جعل فيها بوارى أو حصاة فعطب به رجل لم يضمن وإن كان من غيرهم ضمن) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يضمن في الوجهين لان هذه قربة يثاب عليها الفاعل فصار كأهل المسجد وكما لو كان بإذنهم، وهذا لان بسط الحصير وتعليق القنديل من باب التمكين من إقامة الصلاة فيه فيكون من باب التعاون على البر والتقوى فيستوي فيه أهل المسجد وغيرهم. وله أن التدبير فيما يتعلق بالمسجد لاهله دون غيرهم كنصب الامام واختار المتولي رفع بابه وإغلاقه وتكرار الجماعة حتى لا يعتد بمن سبقهم في حق الكراهة وبعدهم يكره فكان فعلهم مباحا مطلقا من غير قيد بشرط السلامة وفعل غيرهم مقيد بها وقضية القربة لا تنافي الغرامة إذا أخطأ الطريق كما إذا انفرد بالشهادة على الزنا، وكما إذا وقف على الطريق لاماطة الاذى ولدفع المظالم فعثر به غيره يؤجر على ذلك ويغرم والطريق فيه الاستئذان من أهله. وقال الحلواني: أكثر المشايخ أخذوا بقولهما وعليه الفتوى. وعن ابن سلام: باني المسجد أولى بالعمارة، والقوم أولى بنصب الامام والمؤذن. وعن الاسكافي أن الباني أحق به. قال أبو الليث: وبه نأخذ إلا أن ينصب شخصا والقوم يرون من هو أصلح لذلك. وفي الجامع الصغير: أو حصيرا. وفي الذخيرة: أو حفر بئرا فعطب به إنسان لا شئ عليه، وإن كان الحافر من غير العشيرة ضمن
[ 120 ]
ذلك كله، هذا هو لفظ هذا لكتاب. وفي الاصل يقول: وإذا احتفر أهل المسجد في مسجدهم بئرا لماء المطر أو علقوا فيه قناديل أو جعلوا فيه حبا يصب فيه الماء أو طرحوا فيه
حصا أو ركبوا فيه بابا فلا ضمان عليهم فيمن عطب بذلك، فأما إذا أحدث هذه الاشياء من هو من غير أهل المحلة فعطب به إنسان فهذا على وجهين: إما أن يفعلوا بغير إذن أهل المحلة إن أحدثوا شيئا أو حفروا بئرا فعطب فيها إنسان فإنهم يضمنون بالاجماع، فأما إذا وضعوا حبا ليشربوا منه منه الماء أو بسطوا حصيرا أو علقوا قناديل بغير إذن أهل المحلة فتعقل إنسان بالحصير فعطب أو وقع القنديل وأحرق ثوب إنسان أو أفسده قال أبو حنيفة: إنهم يضمنون. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمنون. قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني: وأكثر مشايخنا أخذوا بقو لهما في هذه المسألة وعليه الفتوى. قال فيه أيضا: إذا قعد الرجل في المسجد لحديث أو نام فيه أو قام فيه بغير الصلاة أو مر فيه ما لحاجة من الحوائج فعثر به إنسان فمات قال أبو حنيفة رحمه الله بأنه ضامن، وقال أبو يوسف ومحمد بأنه لا ضمان عليه إلا أن يمشي فيه على إنسان، فأما إذا قعد لعبادة بأن كان ينتظر الصلاة أو كان قعد للتدريس وتعليم القضاء وللاعتكاف أو قعد لذكر الله تعالى وتسبيحه وقراءة القرآن فعثر به إنسان فمات هل يضمن؟ على قول أبي حنيفة لا رواية لهذ في الكتاب والمشايخ المتأخرون اختلفوا فيه، فمنهم من يقول يضمن عند أبي حنيفة وإليه ذهب أبو بكر الرازي، وقال بعضهم لا يضمن وإليه ذهب أبو عبد الله الجرجاني. فأما إذا كان يصلي فعثر به إنسان فلا ضمان عليه، سواء كان يصلي الفرض أو التطوع، السغناقي. قال الفقيه أبو جعفر: سمعت أبا بكر البلخي يقول: إن جلس القراءة القرآن معتكفا في المسجد لا يضمن عندهم جميعا. وذكر فخر الاسلام والصدر الشهيد في الجامع الصغير: إن جلس للحديث فعطب به رجل يضمن بالاجماع لانه غير مباح له، الذخيرة. وفي المنتقي رواية مجهولة: وإذا فرش الرجل فرشا في المسجد ونام عليه فعثر رجل بالنائم فلا ضمان، ولو عثر بالفراش فهو ضامن. وفيه أيضا رواية مجهولة: إذا بنى مسجدا في طريق المسلمين بغير أمر السلطان فعطب بحائطه فهو ضامن في قول أبي حنيفة، وكذلك في قولابي يوسف إذا كان في طريق الامصار حيث يكون تضييقا أو اضرارا، وإن كان في
الصحراء بحيث لا يضر بالطريق غير أنه في أفنية المصر فلا ضمان عليه استحسانا، ولو أن رجلا أخرج من داره مسجدا وبنى كان أولى الناس من أهل المحلة وغيرهم بإصلاحه والاسراج وليس لاحد أن يشركه فيه بإذنه. وعن أبي يوسف برواية بشر عن أبي حنيفة لاهل المسجد أن يهدموا مسجدهم ويهدموا بناءه وليس لغيرهم أن يفعل ذلك إلا برضاهم. قال محمد في الجامع الصغير في رجل جعل قنطرة على نهر بغير إذن الامام فمر عليها رجل متعمدا فوقع فعطب فلا ضمان عليه، هكذا ذكر المسألة هنا.
[ 121 ]
واعلم أن هذه المسألة على وجهين: أما إذا كان النهر مملوكا له أو لم يكن مملوكا، فلو كان مملوكا له فلا ضمان وإن صار مسببا للتلف لانه غير متعد في هذ السبب، وإن لم يكن النهر مملوكا له فهذا على وجهين: إن كان نهرا خاصا لاقوام مخصوصين فلاضمان عليه إن كان تعمد المرور عليها، وإن لم يتعمد المرور عليها. وفي الكافي بأن كان أعمى أو مر ليلا فهو ضامن وصار الجواب فيه كالجواب فيما إذا حفر بئرا في ملك إنسان فوقع فيها إنسان، أما إذا كان نهرا عاما لجماعة مسلمين وقد فعل ذلك بغير إذن الامام فالجواب فيه كالجواب فيما لو نصب جسرا أو قنطرة على نهر خاص لاقوام معينين، هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف قي غير رواية بشر إلا إذا كان النهر عاما لجماعة مسلمين فإنه لا ضمان على واضع القنطرة والجسر سواء علم الماشي عليه فانخرق به فمات إن تعمد المرور عليها لا ضمان على واضع القنطرة، وإن لم يعلم المار به ضمن كمن نصب خشبة في طريق فمر به كان ضامنا قالوا: إن كانت الخشبة الموضوعة صغيرة بحيث لا يوطأ على مثلها لا يضمن واضعها لان الوطئ على هذه مثل الخشبة بمنزلة تعمد الزلق. وإن كانت الخشبة كبيرة يوطأ على مثلها يضمن واضعها. هذا إذا كان النهر خاصا لاقوام مخصوصين، فإن كان النهر لعامة المسلمين في ظاهر الرواية يكون ضامنا، وعن أبي يوسف أنه يكون ضامنا. قال التمرتاشي: لو ضاق المسجد بأهله لهم أن يمنعوا من ليس من أهله من الصلاة. وفي العيني على
الهداية: ولا يمتنع أن يكون المسجد لعامة المسلمين ويختص أهله بتدبيره ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ مفاتيح الكعبة من بني شيبة فأمره الله تعالى أن يردها إليهم بقوله تعالى * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) * (النساء: 58). قال رحمه الله: (وإن جلس فيه) أي في المسجد (رجل منهم فعطب به آخر ضمن أن كان في غير وقت الصلاة وإن كان فيها لا) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يضمن على كل حال وقد تقدم بيان ذلك، لهما أن المساجد بنيت للصلاة والذكر قال الله تعالى * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) * (النور: 36) وقال تعالى * (وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) فإذا بنيت لها لا يمكنه أداء الصلاة مع الجماعة إلا باستنظارها فكان الجلوس فيه من ضرورتها فيباح له، ولان المنتظر للصلاة في الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها وتعليم الفقه وقراءة القرآن عبادة كالذكر. وله أن المسجد بني للصلاة وغيرها من العبادة تبع بدليل أن المسجد إذا ضاق على المصلي كان له أن يزعج القاعد عن موضعه حتى
[ 122 ]
يصلي فيه وإن كان القاعد مشتغلا بذكر الله تعالى أو بالتدريس أو معتكفا وليس لاحد أن يزعج المصلي من مكانه الذي سبق إليه لما أنه بنى لها، واسمه يدل عليه لان المسجد اسم لموضع السجود، وفي العادة أيضا لا يعرف بناء المسجد إلا للصلاة فإذا كان كذلك فلا بد من إظهار التفاوت بينهما فكان الكون فيه في حق الصلاة مباحا مطلقا من غير تقييد بشرط السلامة، وفي حق غيرها مقيد بشرط السلامة ليظهر التفاوت بين الاصل وبين التبع ولا يبعد أن يكون الفعل قربة مقيدا بشرط السلامة ألا ترى أن من وقف في الطريق لاصلاح ذات البين قربة في نفسه ومع هذا مقيد بالسلامة في الصحيح. وذكر صدر الاسلام أن الاظهر ما قالاه لان الجلوس من ضرورة الصلاة فيكون ملحقا بها لان ما ثبت ضرورة لشئ يكون حكمه كحكمه. وفي العيني على الهداية: وبه أخذ مشايخنا. وفي الذخيرة: بقولهما يفتي. وذكر شمس الائمة أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة أن الجالس لانتظار الصلاة لا يضمن
وإنما الخلاف في عمل لا يكون له اختصاص بالمسجد كقراءة القرآن ودرس الفقه والحديث والله أعلم. فصل وفي الحائط المائل: لما ذكر رحمه الله تعالى أحكام القتل الذي يتعلق بالانسان مباشرة وتسببا شرع في بيا أحكام القتل الذي يتعلق بالجماد وهو الحائط المائل، وكان من حقها أن تؤخر عن مسائل جميع الحيوانات تقديما للحيوان على الجماد إلا أن الحائط المائل لما ناسب الجرصن والروشن والجناح والكنيف وغيرها ألحق مسائلة بها، ولهذا عبر بلفظ الفصل لا بلفظ الباب، كذا في النهاية وغيرها. قال رحمه الله: (حائط مال إلى طريق العامة ضمن ربه ما تلف به من نفس أو مال إن طالب بنقضه مسلم أو ذمي ولم ينقضه في مدة يقدر على نقضه) وهذا استحسان. والقياس أن لا يضمن وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لانه لم يوجد منه صنع هو فعل ولا مباشرة علة ولا مباشرة شرط أو سبب والضمان باعتبار ذلك فصار كما إذا لم يشهد عليه وبطل نقضه منه. ووجه الاستحسان ما روي عن علي وعن شريح والنخعي وغيرهم من أئمة التابعين ما قلناه، ولان الحائط لما مال فقد أشغل هواء الطريق بملكه ورفعه في قدرته، فإذا طولب برفعه لزمه ذلك، فإذا امتنع مع التمكن منه صار متعديا فيلزمه موجبه، ولان الضرر الخاص يجب تحمله لدفع الضرر العام كالكفار إذا تترسوا بالمسلمين ثم ما تلف به من النفوس تحمله العاقلة لئلا يؤدي إلى الاجحاف. وقال محمد: لا تتحمل العاقلة
[ 123 ]
حتى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على التقدم في النقض، وعلى أنه مات بالسقوط عليه، وعلى أن الدار لفلان وما تلف به من الاموال فضمانه عليه لان العاقلة لا تتحمل المال والشرط الطلب للنقض منه دون الاشهاد وإنما ذكر الاشهاد ليتمكن من إثباته عند الجحود أو جحود العاقلة فكان من باب الاحتياط ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب النقض من أن يقول حائطك هذه مخوف أو مائل فاهدمه حتى لا يسقط، وكذلك لو قال اشهدوا أني تقدمت
إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا يصح أيضا. ولو قال ينبغي لك أن تهدمه فليس هذا بطلب ولا إشهاد ويشترط أن يكون طلب التفريغ إلى من له ولاية النقض كالمالك والاب والجد والوصي في ملك الصغير والعبد التاجر كان عليه دين أو لا، وإلى الراهن في الدار المرهونة لان القادر على الهدم وإلى المكاتب، ثم إن تلف حال بقاء الكتابة تجب عليه قيمته لتعذر الدفع وبعد العتق على عاقلة المولى، وبعد الحجر لا يجب على أحد لعدم قدرة المكاتب ولعد الاشهاد على المولى، ولو تقدم إلى من يسكن أو للمرتهن أو للمولى لا يعتبر حتى لو سقط وأتلف شيئا لا يضمن الساكن ولا المالك، ويشترط دوام القدرة إلى وقت السقوط حتى لو خرج عن ملكه بالبيع بعد الاشهاد برئ عن الضمان لعدم قدرته على النقض، ولا يصح الاشهاد قبل أن يميل لانعدام سببه. وسوى في المختصر بين أن يطالب بالنقض مسلم أو ذمي لان حق المرور للكل بخلاف العبيد والصبيان لعدم قدرتهم على النقض إلا إذا أذن لهم المولى في الخصومة فحينئذ جاز طلبهم وإشهادهم لانهم التحقوا بالبالغ، ثم بعد الاشهاد تكون الخصومة عند سلطان أو نائبه. ولو جن بعد الاشهاد مطبقا أو ارتد ولحق فقضى القاضي به ثم عاد مسلما ورد عليه الدار ثم سقط الحائط بعد ذلك وأتلف إنسانا كان هدرا، وكذا لو أفاق المجنون، وكذا إذا ردت عليه بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية لا يجب الضمان إلا بإشهاد مستقبل، ولو كان بعض الحائط صحيحا وبعضه واه فأشهد عليه فسقط الواهي وغير الواهي وقتل إنسانا يضمن صاحب الحائط إلا أن يكون الحائط طويلا بحيث وهي بعضه ولم يوه البعض فحينئذ يضمن ما أصاب الواهي ولا يضمن ما أصابه الذي لم يوه لانه إذا كان كذلك صار بمنزلة حائطين أحدهما صحيح والآخر مائل وأشهد عليهم فلم يسقط المائل وسقط الصحيح فيكون هدرا. وفيه أيضا: اللقيط له حائط مائل وأشهد عليه فسقط الحائط وأتلف إنسانا كان دية القتيل في بيت المال لان ميراثه يكون لبيت المال، وكذا الكافر إذا أسلم. وإذا كان الرجل على حائط له والحائط مائل أو غير مائل فسقط الرجل بالحائط من غير فعله وأصاب إنسانا
فقتله كان ضامنا لما هلك بالحائط إن كان أشهد عليه في نقضه، ولا ضمان عليه فيما سواه. وإن كان هو الذي سقط من أعلى الحائط على إنسان من غير أن يسقط به الحائط وقتل أنسانا
[ 124 ]
كان هو ضامنا دية المقتول، وإن مات الساقط بمن كان في الطريق، فإن كان يمشي في الطريق فلا ضمان عليه لانه غير متعد في المشي، وإن كان واقفا في الطريق قائما أو قاعدا كانت دية الساقط عليه. قيد بقوله طولب بنقضه لانه لو سقط وأتلف قبل أن يطالب بنقضه لا يضمن. وفي شرح الطحاوي: ولو أنكرت العاقلة أن تكون الدار له لا عقل عليهم ولا يضمن حتى يشهدوا على التقويم عليه وعلى أنه مات من سقوط الحائط عليه وأن الدار له، فإذا أنكرت العاقلة واحدا من هذه الاشياء الثلاثة فلا تعقل، ولو أقر رب الدار بهذا الاشهاد الثلاثة تلزم في ماله ولا تجب على العاقلة. وفي المنتقي: رجل ادعى دارا في يد رجل وفيها حائط مائل يخاف سقوطه من الذي يقدم إليه فيه ويشهد عليه بعد بينة المدعي قال: يؤخذ الذي في يده الدار بنقضه ويشهد عليه بميله وهو بمنزلة دار ادعاها وأقام البينة لم يترك البينة فإنه يتقدم بنقضه الذي في يده ثم زكيت البينة ضمن تقدم له القيمة. قال في الجامع الصغير: أشهد عليه في حائط مائل له فذهب يطلب من يهدمه وكان في ذلك حتى سقط الحائط لا يضمن شيئا. وفيه أيضا: رجل أشهد عليه في حائط مائل إلى دار رجل فسأل صاحب الحائط المائل من القاضي أن يؤجله يومين أو ثلاثة أو ما أشبه ذلك ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط وأتلف شيئا كان الضمان واجبا على صاحب الحائط، ولو وجد التأجيل من صاحب الدار فوقع الحائط في مدة التأجيل وأفسد شيئا لا يجب الضمان، ولو سقط الحائط بعد مدة التأجيل كان ضامنا. وفيه أيضا: رجل أشهد عليه في حائط مائل في الطريق الاعظم وطلب صاحب الحائط من القاضي أن يؤجله يوما أو يومين أو ثلاثة ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط المائل فأتلف شيئا كان الضمان واجبا، وكذلك في هذه المسألة، ولو لم يؤخره القاضي ولكن أخره الذي أشهد عليه لا يصح لا في حق غيره ولا في حق نفسه. وفي نوادر ابن
رستم: مسجد مائل حائطه فأشهد على الذي بناه. فإن وقع ذلك على رجل فقتله فالدية على العاقلة. ولو أشرع المكاتب كنيفا أو جناحا من حائط مائل إلى طريق المسلمين ثم أدى الكتابة وعتق ثم وقع ذلك على إنسان فقتله كان على المكاتب الاقل من دية المقتول ومن قيمته يوم الاشراع. قال في الكتاب: لو أن رجلا أعتقه مولاه لعتاقة رجل وأبو عبد أشهد عليه في حائط مائل فلم ينقضه حتى عتق الاب ثم سقط الحائط وقتل إنسانا فديته على عاقلة الاب، ولو سقط قبل عتق الاب فالدية على عاقلة الام بمثله. ولو أشرع كنيفا ثم عتق أبوه ثم وقع الكنيف على إنسان وقتله فالدية على عاقلة الام. رجل أشهد عليه في حائط مائل فسقط في الطريق وعثر رجل بنقض الحائط ومات فديته على عاقلة صاحب الحائط وهذا قول محمد. وفي شرح الطحاوي: ولو أشهد على حائط فسقط فما سقط بنقضه فإنه يضمن في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ما تلف بالنقض لا يضمن إلا إذا اشهد على النقض. ولو سقط الحائط على رجل فقتله أو عثر رجل بنقض الحائط ومات ثم عثر رجل بالقتيل فلا
[ 125 ]
ضمان عليه ولا على عاقلة صاحب الحائط، ولو كان مكان الحائط جناح أخرجه إلى الطريق فوقع على الطريق فعثر إنسان بنقضه فمات وعثر رجل آخر بالقتيل ومات أيضا فدية القتيلين جميعا على صاحب الجناح. حائط مائل لرجل أشهد عليه في الحائط ثم إن صاحب الحائط وضع جرة لغيره على الحائط فسقط الحائط ورميت الجرة وأصابت إنسانا فقتلته فدية المقتول على صاحب الحائط، ولو عثر بالجرة وبنقضها أحد فلا ضمان على أحد. ولو باع الدار بعد الاشهاد عليه في الحائط ثم رد المشتري الدار بخيار رؤية أو بخيار رؤية أو بخيار شرط أو بخيار عيب بقضاء القاضي. وفي الخانية: وغيره ثم سقط الحائط على إنسان وقتله فإنه لا ضمان عليه. وفي الخانية: إلا بإشهاد مستقبل بعد الرد، ولو كان الخيار للبائع ثم سقط الحائط وأتلف شيئا كان ضامنا لان خيار البائع لا يبطل ولاية الاصلاح فلا يبطل الاشهاد، ولو أسقط البائخياره وأوجب البيع بطل الاشهاد لانه أزال الحائط عن ملكه، وفي اخراخ
الكنيف والجناح والميزاب لا يبطل الضمان بشئ من هذه الاشياء. وفي الكافي: لا ضمان على المشتري لانه لم يشهد عليه في الهدم، فإذا أشهد على المشتري بعد شرائه فهو ضامن. وفي شر 0 ح الطحاوي: ولو مال إلى سكة غير نافذة فالخصومة إلى واحد من أهل السكة، ولو مال إلى دار جاره فالخصومة إلى صاحب تلك الدار وإن مستعيرا أو مستأجرا فالاشهاد إلى السكان وليس إلى غيرهم. قال رحمه الله: (وإن بناه مائلا ابتداء ضمن ما تلف بسقوطه بلا طلب) لانه تعدى بالبناء فصار كاشراع الجناح ووضع الحجر وحفر البئر في الطريق. أطلق المؤلف في الميلان ولم يفرق بين يسيره وفاحشه. وفي المنتقي: إن كان يسيرا وقت البناء لا يضمن لان الجدار لا يخلو عن يسير الميلان وإن كان فاحشا يضمن وإن كان لم يتقدم أحد يطلب منه النقض، ولو شغل الطريق بأن أخرج جذعا فيها فهو على التفصيل، ومن المشايخ من لا يفصل في الجذع ولا في الميلان. وفي المنتقي قال محمد: حائط مائل تقدم إلى صاحبه فيه فلم يهدمه حتى ألقته الريح فهو ضامن، وليس هذا كحجر وضعه إنسان على الطريق وقلبه الريح من موضع إلى موضع فعثر به إنسان فإنه لا يضمن. وإذا أقرت العاقلة أن الدار له ضمنوا الدية كما لو أقر بجناية خطأ وصدقته العاقلة في ذلك، وكذلك الجناح والميزاب يشرعه الرجل من داره في الطريق فوقع على إنسان ومات وأنكرت العاقلة أن تكون الدار له وقالوا: وإنما أمر رب الدار بإخراج الجناح فلا ضمان عليهم إلا أن تقام البينة أالدار له، وذلك لان إخراج الجناح من الدار التي في يده إنما يوجب الضمان على العاقلة إذا أخرج من داره إلى الطريق لا بالبينة ولا بإقرار العاقلة كأن أقر رب الدار له وكذبته العاقلة لا يعقل. وفي قاضيخان: رجل تقدم إليه في حائط مائل له فلم ينقضه حتى وقع على حائط جاره وهدمه فهو ضامن لحائط الجار و
[ 126 ]
يكون ربها بالخيار إن شاء ضمنه قيمة حائطه والنقض له، وإن شاء أخذ النقض وضمنه النقضان، ولو أراد أن يجبره على البناء كما كان ليس له ذلك. وفي الكافي: وما تلف بوقوع
الاول والثاني فعلى مالك الاول، ولم يذكر محمد رحمه الله قيمة الحائط، حكي عن الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني قال: تقوم الدار وحيطانها محيطة بها، وكذلك قال في المنتقي: أنا أرسل دابته في زرع غيره وأفسد ضمن قيمة الزرع وطريق معرفة قيمته أن تقوم الارض مع الزرع الثابت فيضمن حصة الزرع، وإذا ضمن قيمة حائطه كان النقض للضامن، فلو جاء إنسان وعثر بنقض الحائط فالضمان على عاقلته المتقدم عليه، وهذا على قول محمد، وإن عثر بنقض الحائط الثاني قيل يضمن صاحب الحائط الاول، ولو أن الحائط الاول حين وقع على الحائط الثاني وهدمه وقع الحائط الثاني على رجل وقتله لا ضمان على صاحب الحائط الثاني وإنما الضمان على عاقلة صاحب الحائط الاول. قال رحمه الله: (وإن مال إلى دار رجل فالطلب إلى ربها) لان الحق له على الخصوص، وإذا كان يسكنها غيره كان له أن يطالبه لان له المطالبة بإزالة ما شغل هواها. قال رحمه الله: (فإن أجله أو أبرأه صح) بخلاف الطريق إن أجله صاحب الدار أو أبرأه جاز تأجيله وأبرأه حتى لو سقط في الابراء وقبل مضي المدة في التأجيل لا يضمن لان الحق له على ما ذكرناه بخلاف ما إذا مال للطريق العام فأجله القاضي أو من أشهد عليه أو أبرأه لا يصح التأجيل والابراء لما ذكرنا. وقوله إلى دار رجل مثال وليس بقيد حتى لو مال العلو إلى الاسفل أو الاسفل إلى العلو فالحكم كذلك، كذا في قاضيخان. قال رحمه الله: (حائط بين خمسة أشهد على أحدهم فسقط على رجل ضمن خمسة الدية دار بين ثلاثة حفر أحدهم فيها بئرا أو بنى حائطا فعطب به رجل ضمن ثلثي الدية) وهذا عند الامام. وقالا: يضمن النصف في الصورتين لان التلف بنصيب من أشهد عليه يعتبر وبنصيب من لم يشهد عليه هدر، وفي الحفر باعتبار ملكه غير متعد باعتبار ملك شريكه متعد وكانا قسمين فانقسما نصفين عليهما. وللامام أن الموت حصل بعلة واحدة وهي القتل فيضاف التلف إلى العلة الواحدة ثم يقسم على أربابها بقدر الملك. فإن قيل: الواحد من الشركاء لا يقدر أن يهدم شيئا من الحائط فكيف يصح تقدمه إليه؟ قلنا: إن لم يتمكن من هدم نصيبه يتمكن من اصلاحه بالمرافعة إلى الحاكم وبه يحصل الغرض وهو إزالة الضرر. وفي
المحيط قال: يقدر على هدم نصيبه بحكم الحاكم ومطالبة الباقين بالنقض فيكون قادرا على النقض بهذا الطريق. ولم يذكر الفرق للامام بين المسألتين حيث يضمن خمس الدية وفي الحائط، ويضمن ثلث الدية فيما إذا حفر وبنى في دار. والفرق بينهما أن كل حجر وضعه أو حفره فهو متعد في ثلثي الوضع والحفر وليس متعديا في الثلث فلهذا يضمن الثلثين.
[ 127 ]
وقوله حائط بين خمسة ودار بين ثلاثة مثال وليس بقيد. وفي الظهيرية: والحائط إذا كان مشتركا بين اثنين فأشهد على أحدهما فهو بمنزلة ما لو أشهد على أحد الورثة. وفي المنتقي: رجل مات وترك دارا وعليه من الدين ما يستغرق قيمتها وفيها حائط مائل إلى الطريق ولا وارث للميت غير هذا الابن فالتقدم في حائطه إليه، وإن كان لا يملكها فإن وقع التقدم بعد التقدم إليه كانت الدية على عاقلة الاب دون عاقلة الابن، فإن كان الحائط المائل بين خمسة نفر أخماسا وتقدم إلى أحدهم بالنقص ثم سقط على إنسان فإنه يضمن المتقدم إليه خمس الدية ويجب على عاقلته ويهدر أربعة أخماس وهو حصة شركائه، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد بأن الشريك الحاضر المتقدم إليه يضمن نصف الدية فتجب ذلك على عاقلته ويهدر النصف، ذكر المسألة في الجامع الصغير على هذا الوجه، وذكر هذه المسألة في الاصل ولم يذكر فيها خلافا. قال في الجامع الصغير أيضا: إذا كانت الدار بين ثلاثة نفر حفر أحدهم في هذه الدار المشتركة بئرا ووقع فيها إنسان ومات قال: على عاقلة الحافر عند أبي حنيفة ثلث دية المقتول، وعلى قول أبيوسف ومحمد يجب على الحافر نصف الدية، وهذه المسألة مذكورة في الاصل من غير خلاف، والخلاف في هاتين المسألتين من خصائص الحامع الصغير. وفي السغناقي: وإذا وضع الرجل على حائطه شيئا فوقع ذلك الشئ فأصاب إنسانا فلا ضمان عليه فيه لانه وضعه على ملكه وهو لا يكون متعديا فيما يحدثه في ملكه. سواء كان الحائط مائلا أو غير مائل. وفي المنتقي: ولو أن رجلا بنى حائطا مائلا بين رجلين اثلاثا تقدم إلى صاحب الثلث
فيه ثم سقط على رجل وقتله صرعا فعليه ثلث الدية بلا خلاف. وهو بمنزلة حمار حمل عليه إنسان عشرة أقفزة وحمل الآخر عليه خمسة أقفزه وكل ذلك بغير إذن المولى فمات الحمار من ذلك تجب القيمة اثلاثا، وهو بمنزلة رجل أخذ بنفس إنسان وأخذ آخر بنفسه الآخر فمات المأخوذ من ذلك وهناك يجب الضمان كذاهنا. هذا إذا وقع الحائط على حر، ولو وقع الحائط على عبد إن قتله غما فإن قيمته عليهما أثلاثا، وإن جرحته الحائط ومات العبد من الجراحة فالجراحة عليهما أثلاثا والنفس عليهما نصفين، فإن جره الحائط ثم مات من الغم والجراحة فإن الجراحة عليهما اثلاثا نصف ما بقي من النفس وهو حصة الغم بينهما أثلاثا أيضا، والنصف الآخر وهو حصة الجراحة بينهما نصفين. عن أبي حنيفة في حائط مائل لرجلين أشهد عليهما وحائط مائل لرجل أشهد عليه سقطا على إنسان فقتلاه فنصف الدية على الرجل الذي له الحائط ونصف الدية على رجلين. وروى الحسن بن زيادة فسقطا على الرجلين فماتا فالدية عليهما مطلقا. وقال أبو يوسف ومحمد: إن مات من جرح جرحه الحائط فالدية عليهم أثلاثا، وإن مات من ثقلهما فالدية عليهما نصفين ولا يضمن إذا لم يكن متعديا، فأما إذا وضع في ملكه عرضا حتى خرج طرفه منه إلى الطريق إن سقط فأصاب الطرف الخارج منه
[ 128 ]
شيئا فإنه يضمن كان الجواب فيه كالجواب في اخراج الميزاب، وكذلك لو كان الحائط مائلا وكان ممكن وضع الجذع عليه طولا حتى لم يخرج شئ منه إلى الطريق ثم سقط ذلك الجذع على إنسان ومات فإنه لا يضمن، هكذا ذكر في الكتاب وأطلق الجواب اطلاقا. ومن مشايخنا من قال هذا إذا كان الحائط مائلا إلى الطريق ميلا يسيرا غير فاحش، فأما إذا مال ميلا فاحشا فإنه يضمن، وذلك لان الميلان إذا كان غير فاحش بحيث يوجب ذلك القدر وقت البناء يكون وجوده وعدمه بمنزلة لان الجدار قلما يخلو عن قليل ميلان يكون له إلى الطريق فإما إذا كانا ميلا فاحشا بحيث يحترز منه عند البناء في الاصل فإنه يضمن إذا سقط ذلك على إنسان إن لم يتقدم إليه بالرفع لانه متى وضع الجذع طولا على الحائط المائل فيعتبر بما لو شغل الهواء
بغر واسطة، ولو شغل هواء الطريق بواسطة بأن أخرج الجذع عن الحائط فسقط فأصاب إنسانا كذا هذا. ومنهم من قال الجواب فيه كما أطلقه محمد لا يضمن في الحالين، ولو كان الوضع بعد ما تقدم إليه في الحائط ثم سقط الجذع فأصاب إنسانا يقول بأنه يضمن، كذا في المنتقي والله تعالى أعلم. باب جناية البهيمة والجناية عليها وغير ذلك لما فرغ رحمه الله تعالى من بيان أحكام جناية الانسان شرع في بيان جناية البهيمة، ولا شك في تقدم جناية الانسان على البهيمة، كذا في النهاية ويرد عليه أنه لم يفرغ من بيان جناية الانسان مطلقا بل بقي منها جناية المملوك، ولا شك أنه من الانسان فيقدم على البهيمة وكان من حقه أن يقدم على جناية البهيمة، كذا في غاية البيان. قال رحمه الله: (ضمن الراكب ما أوطأت دابته بيد ورجل أو رأس أو كدمت أو خبطت أو صدمت لا ما نفجت برجل أو ذنب إلا إذا أوقفها في الطريق) والاصل في هذا الباب أن المرور في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة لانه تصرف في حقه وفي حق غيره من وجه لكونه مشتركا بين كل الناس إذ الاباحة مقيدة بالسلامة، والاحتراز عن الايطاء والكدم والصدم والخبط ممكن لانه ليس من ضرورة السير، وقيدناه بشرط السلامة، وفي العيني على الهداية: الكدم بمقدم الانسان، والخبط باليد والصدم هو أن تطلب الشئ بجسدك ولا يمكن الاحتراز عن النفحة أيضا لانه يمكن الاحتراز عن الايفاق وهو المراد بقوله إذا إذا أوقفها في الطريق أطلق فيما ذكره وهو مقيد بأن يكون في غير ملكه، أما إذا كان في ملكه لا يضمن إلا في الايطاء وهو راكبها لانه فعل منه مباشرة حتى يحرم به عن الميراث وتجب عليه الكفارة بشرط التعدي فصار كحفر البئر،
[ 129 ]
وفي المباشرة لا يشترط ذلك، وإن كان ذلك في ملك غيره، فإن كان غيره تسبب فيه بإذن مالكه فهو كما لو كان في ملكه، فإن كان بغير إذن مالكه فإن دخلت الدابة من غير أن يدخلها مالكها ولم يكن معها لم يضمن شيئا، فإن أدخلها هو ضمن الجميع سواء كان معها أو
لم يكن معها لوجود التعدي بالادخال في ملك الغير والملك المشترك كملكه الخاص به فيما ذكرنا من الاحكام، والمسجد كالطريق فيما ذكرناه من الاحكام، ولو جعل الامام موضعا لوقوف الدواب عند باب المسجد فلا ضمان فيما يحدث من الوقوف فيه، وكذا إيقاف الدواب في سوق الدواب لانه مأذون فيه من جهة السلطان، وكذا إذا أوقفها في طريق متسعة لا يضر وقوفها بالناس فلا يحتاج فيه إلى إذن الامام بخلاف ما إذا كانت غير متسعة. وفي الخلاصة: دابة مربوطة في غير ملكه فإن ذهب وحل الرباط فقد زالت الجناية فما عطب به من ذلك فهو هدر، فلو جالت الدابة في رباطها فما أصاب شيئا وأتلفه فهو مضمون، سواء ضربت بيدها أو برجلها أو برأسها، فلو ربطها في مكان فذهبت إلى مكان آخر فما أصابت في ذلك المكان فهو هدر. وفيها أيضا: الراكب إذا كانت الدابة تسير به فنخسها رجل فألقت الراكب، إن كان الراكب أذن له في النخس لا يجب على الناخس شئ، وإن كان بغير إذنه ضمن الدية، وإن ضربت الناخس فمات فدمه هدر، وإن أصابت رجلا آخر بالذنب أو الرجل أو كيفما أصابت إن كان بغير إذن الراكب فالضمان على الناخس، وإن كان بإذنه فالضمان عليهما إلا في النفحة بالرجل أو الذنب فإنه جبار إلا إذا كان الراكب واقفا بغير ملكه فأمر رجلا فنخسها فنفحت برجلها فالضمان عليهما، وإن كان بغير إذنه فالضمان على الناخس ولا كفارة عليه فيما نفحت برجلها. قال عامة الشراح: نفحت الدابة إذا ضربت بحافرها. قال في النهاية: ومثل هذا في الصحاح والمغرب واقتفى أثره صاحب الكفاية ومعراج الدراية. أقول: كون المذكور في الصحاح كذا ممنوع إذا لم يعتبر فيه كون الضرب بحد الحافر بل قال فيه ونفحت الناقة ضربت برجلها ثم أقول: بقي إشكال في عبارة الكتاب وهو أن الذي يظهر مما ذكر في كتب اللغة ومما ذكره الشراح ههنا أن لا تكون النفحة إلا بالرجل فيلزم أن لا يصح قوله ولا يضمن بالنفحة ما نفحت برجلها أو ذنبها لانه يقتضي أن تكون النفحة بالذنب أيضا بل يلزم أيضا استدراك قوله برجلها لان الضرب بالرجل كان داخلا في مفهوم النفحة: لا يقال ذكر الرجل محمول على التأكيد وذكر الذنب على التحديد
لانا نقول: اعتبار التأكيد والتحديد معا بالنظر إلى كلمة واحدة في موضع واحد متعذر للتنافي بينهما كما لا يخفي على الفطن، بل التأويل الصحيح أن تحمل النفحة المذكور في عبارة الكتاب على مطلق الجمع بطريق عموم المجاز فيصح ذكر الرجل والذنب كليهما بلا إشكال فتأمل. قال رحمه الله: (وإن أصابت بيدها أو رجلها حصاة أو نواة أو أثار غبارا أو حجرا
[ 130 ]
صغيرا ففقأ عينا لم يضمن ولو كبيرا ضمن) لان التحرز عن الحجارة الصغار والغبار متعذر لان سير الدابة لا يخلو عنه وعن الكبار من الحجارة ممكن، وإنما يكون ذلك عادة من قلة هداية الراكب فيضمن. وفي الذخيرة: قيل لو عنف الدابة فأثارت حجرا صغيرا أو كبيرا يضمن. وفي الظهيرية: لو أوقف دابة في طريق المسلمين ولم يربطها فسارت إلى مكان آخر وأتلفت شيئا فلا ضمان على صاحبها، كذا في الكبرى. وكل بهيمة من سبع أو غيره فهو ضامن ما لم يتغير عن حاله، وإذا ساالرجل على دابته في الطريق فضربها وكبحها باللجام فضربت برجلها أو بذنبها لم يكن عليه شئ. وفي السغناقي: ومن هذا الجنس ما قالوا فيمن ساق دابة عليها وقر من الحنطة فأتلفت شيئا من الطريق نفسا أو مالا فهو على وجوه: إما أن قال السائق أو القائد أو الراكب اليك فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين: إما إن لم يبرح من مكانه مع القدرة على المكان أو لم يجد مكانا آخر ليذهب فمكث في مكانه ذلك حتى تخرق ثيابه ففي هذا الوجه الاول لا يضمن صاحب الدابة، وفي الوجه الثاني يضمن، وإن لم يقل إليك ركب الدابة ضمن. وفي الفتاوي: رجل ساق حمارا عليه وقر حطب فقال السائق بالفارسية (كوسيت أو يرثة) فلم يسمع الواقف حتى أصابه الحطب فخرق ثوبه أو سمع لكن لم يتهيأ له أن ينتحي عن الطريق لقصر المدة ضمن، وإن سمع وتهيأ ولم ينتقل لا يضمن، ونظير هذا من أقام حمارا على الطريق وعليه ثياب فجاء راكب وكرشلا وخرق الثياب، إن كان الراكب يبصر الحمار وأرسون يضمن وإن لم يبصر ينبغي أن لا يضمنوا.
الثياب على الطريق فجعل الناس يمرو عليه وهم لا يبصرون لا يضمن، وكذا رجل جلس على الطريق فوقع عليه إنسان فلم يرده فمات الجالس لا يضمن، ثم الذي ساق الحمار إذا كان لا ينادي يا رب أي لو شئت حتى تعلق الحطب بثوب رجل فتخرق يضمن إن مشى الحمار إلى صاحب الثوب، وإن مشى إلى الحمار وهو يراه أو لم يتباعد عليه لا يضمن. ولو وثب من نخسه على رجل فقتله أو وطئت رجلا فقتلته فالضمان على الناخس دون الراكب. وفي الكافي: فديته على عاقلة الناخس، كذا في الذخيرة. قال رحمه الله: (فإن راثت أو بالت في الطريق لم يضمن ما عطب به إن أوقفها لذلك وإن أوقفها لغيره ضمن) لان سير الدابة لا يخلو عن روث وبول فلا يمكنه التحرز عنه فلا يضمن ما تلف به فيما إذا راثت أو بالت وهي تسير، وكذا إذا أوقفها لذلك لان من الدواب من لا يفعل ذلك إلا واقفا وهو المراد بقوله وإن أوقفها لغيره فبالت أو راثت فعطب به إنسان ضمن لانه متعد في الايقاف إذ هو ليس من ضروريات السير وهو أكثر ضررا أيضا من السير لكونه أدوم منه فلا يلحق به وهو المراد بقوله وإن أوقفها لذلك وإن أوقفها لغيره ضمن. وفي المنتقي: رجل واقف على دابته
[ 131 ]
في الطريق فأمر رجلا أن ينخس دابته فنخسها فقتلت رجلا فدية الرجل الاجنبي على الناخس والراكب جميعا ودم الآمر بالنخس هدر، ولو سارت عن موضعها ثمن نفحت من فور النخس فالضمان على الناخس دون الراكب، ولو لم تسر ونفحت الناخس ورجلا آخر وقتلتهما فدية الاجنبي على الناخس والراكب ونصف دية الناخس على الراكب، ولو لم يوقفها الراكب على الطريق ولكن حرنت فوقفت فنخسها هو وغيره لتسير فنفحت إنسانا فلا شئ عليهما. وفيه أيضا: رجل اكترى من آخر دابة ليذهب عليها في حاجة له فاتبعه صاحبها فله أن يسوقها، فإن وقف الراكب في الطريق على أهل مجلس فحرنت فنخسها صاحب الدابة أو ضربها أو ساقها فنفحت الدابة وهي واقفة فقتلت إنسانا فالضمان على الراكب والسائق جميعا. وفيه أيضا: صبي ركب دابة بأمر أبيه ثم إن الصبي الراكب أمر صبيا فنخسها فالقول فيه إذا كان
مأذونا كالقول في الكبير، وإن كان لم يؤذن له في ذلك فأمر صبيا حتى نخسها فسارت ونفحت من النخسة فعلى الناخس الضمان ولا شئ على الراكب، وإن أمر بذلك ووطئت إنسانا فقتلته وكان سيرها من النخسة فالدية على عاقلة الناخس ولا يرجعون بذلك على عاقلة الراكب. وفيه أيضا: رجل ركب دابة رجل قد أوقفها ربها في الطريق وربطها وغاب فأمر رب الدابة رجلا حتى نخسها فنفحت رجلا أو نفحت الآمر فديته على الناخس، وإن كان الآمر أوقفها في الطريق ثم أمر رجلا حتى نخسها فقتلت رجلا فديته على الآمر والناخس نصفين رجل أذن رجلا أن يدخل داره وهو راكب فدخلها راكبا فوطئت دابته على شئ كان ضامنا، له، إن كان سائقا أو قائدا فلا ضمان. أدخل بعيرا برجله فوقع عليه المتعلم فقتله فقد اختلف المشايخ فمنهم من قال لا ضمان على صاحب المتعلم، وقال بعضهم إن أدخل صاحب المتعلم بغير إذن صاحب الدار فعليه الضمان، وإن كان دخلها بإذنه فلا ضمان وبه أخذ الفقيه أبو الليث وعليه الفتوى. وفي فتاوي الخلاصة: ولو كان البعير غير متعلم فحكمه حكم متعلم. وفي الفتاوي: ربط حماره في أرضه ليأكعلفا فجاء حمار رجل فعقره فجعله معيوبا عيبا فاحشا قال: لا يرجع بنقصان العيب على صاحب الحمار. قلت قال القاضي بديع الدين: إن كان صاحبه معه يضمن وإلا فلا يضمن. قال رحمه الله: (وما ضمنه الراكب ضمن السائق والقائد) أي كل شئ يضمنه الراكب يضمنان لانهما سببان كالراكب في غير الايطاء فيجب عليهما الضمان بالتعدي فيه كالراكب. وقوله وما ضمنه الراكب ضمنه السائق والقائد يطرد وينعكس في الصحيح. وذكر القدوري أن السائق يضمن النفحة بالرجل لانه بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها مع السير وغائبة عن بصر الراكب والقائد فلا يمكنهما الاحتراز عنها بخلاف الكدم والصدم. وقال الشافعي رحمه الله: يضمنون كلهم النفحة والحجة عليه ما ذكرنا. وقوله عليه الصلاة والسلام الرجل جبار ومعناه النفحة بالرجل.
[ 132 ]
قال رحمه الله: (وعلى الراكب الكفارة لا عليهما) أي لا على السائق والقائد ومراده في
الايطاء لان الراكب مباشر فيه لان التلف بثقله وثقل دابته تبع فإن سير الدابة مضاف إليه وهي العلة وهما مسببان لانه لا يتصل منهما شئ بالمحل، وكذلك الراكب في غير الايطاء، والكفارة حكم المباشرة لا حكم التسبب. وكذا يتعلق بالايطاء في حق الراكب حرمان الميراث والوصية دون السائق والقائد لانه يختص بالمباشر. ولو كان سائق وراكب قيل لا يضمن السائق ما فعلت الدابة لان الراكب مباشر فيه كما ذكرنا، والسائق مسبب والاضافة إلى المباشرة أولى، وقيل: الضمان عليهما لان كذلك سبب الضمان ألا ترى أن محمدا رحمه الله ذكر في الاصل أن الراكب إذا أمر إنسانا فنخس المأمور الدابة ووطئت إنسانا كان الضمان عليهما فاشتركا في الضمان والناخس سائق والآمر راكب، فتبين بهذا أنهما مستويان والصحيح لما ذكرنا والجواب عما ذكر في الاصل أن المسبب إنما يضمن مع المباشرة إذا كان السبب شيئا لا يعمل بانفراده في الاتلاف كالحفر مع الالقاء فإن الحفر لا يعمل شيئا بدون الالقاء. وأما إذا كان السبب يعمل بانفراده في الاتلاف فيشتركان وهذا منه. وفي الاصل يقول: رجل قاد قطارا من الابل في طريق المسلمين فما وطئ أول القطار وآخر مالا أو رجلا فقتله فالقائد ضامن ولا كفارة، وإن كان معه سائق يسوق الابل إن أنه تارة يتقدم وتارة يتأخر فإنهما يشتركان في الضمان، وإلا كان معهما ثالث يسوق الابل وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا الذي في وسط القطار أو مما قبله فضمان ذلك عليهم أثلاثا يريد به إذا كان هذا الذي يمشي في وسط القطار ولا يمشي في جانب القطار ولا يأخذ بزمام بعير يقود ما خلفه لانه سائق لوسط القطار فيكون سائقا للكل بحكم اتصال الازمة، فأما إذا كان الذي في وسط القطار آخذا بزمام يقود ما خلفه ولا يسوق ما قبله فما أصاب مما خلف هذا الذي في هذا القطار فضمان ذلك على القائد الاول ولا شئ فيه على هذا الذي في وسط القطار لانه ليس بقائد لما قبله ولا سائق حتى لو كان سائقا له يشارك الاول في الضمان، كذا في المغني. وفي الينابيع: وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب من خلفه أو بين يديه فهو عليهما. وإن كانوا ثلاثة نفر أحدهم في مقدم القطار والآخر في مؤخر القطار والثالث في
وسط القطار، فإن كان الذي في الوسط والمؤخر يسوقان والمقدم يقود القطار فما عطب بما أمام الذي في الوسط فذلك كله على القائد، وما تلف مما هو خلفه فهو كله على القائد ولا شئ على المؤخر إلا أن يكون سائقا، وإن كانوا يسوقون فالضمان عليهم جميعا. السغناقي: ولو كان الرجل راكبا وسط القطار على بعيره ولا يسوق منها شيئا لم يضمن ما تعيب الابل التي بين يديه لانه ليس بسائق لما بين يديه وهو معهم في الضمان مما أصاب البعير الذي هو عليه أو ما خلفه. وقال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكر إذا كان زمام ما خلفه بيده يقوده، وأما إذا كان نائما على بعيره أو قاعدا فلاضمان عليه في ذلك فهو في حق ما خلفه بمنزلة
[ 133 ]
المتاع الموضوع على البعير. الظهيرية: ولو أن رجلا يقود قطارا وآخر من خلف القطار يسوقه وعلى الابل في المحال نيام أو غير نيام فوطئ بعير منها إنسان فقتله فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكبين الذين قدام البعير على عواقلهم على عدد رؤوسهم، والكفارة على راكب البعير الذي وطئ خاصة لانه بمنزلة المباشر. قال في المنتقي: إذا قاد الرجل قطارا وخلفه سائق وأمامه راكب فوطئ الراكب إنسانا فالدية عليهم أثلاثا، وكذلك إذا وطئ بعير مما خلف الراكب إنسانا، وإن كان وطئ بغير أمام فهو على القائد والسائق نصفين ولا شئ على الراكب. وذكر في المنتقي مسألة القطار بعد هذا في صورة أخرى وأوجب الضمان على القائد وعلى من كان قدام البعير الذي أوطأ من الركبان قال: وليس على من خلفه من الركبان شئ ألا أن يكون إنسانا مؤجرا ويسوق فيكون عليه وعلى السائق الذي خلفه يشتركون جميعا فيه. الخانية: رجل يقود دابة فسقط شئ مما يحمل على الابل على إنسان أو سقط سرج الدابة أو لجامها على أنسان فقتله أو سقط ذلك في الطريق فعثر به إنسان ومات يضمن القائد، وإن كان معه سائق كان الضمان عليهما. القاضي: وسئل أيضا عن صاحب زرع سلم الحمار إلى المزارع فربط الدابة عليه وشد الحمار في الدالية بأمره فانقطع خيط من خيوطها فوقع الحمار في حفرة الدالية فعطب الحمار هل يجب الضمان على المزارع؟ فقال: لا. قال محمد في
الجامع الصغير: رجل قاد قطارا في طريق المسلمين ولم يعلم به فأصاب ذلك البعير إنسانا فضمانه عى القائد دون الرابط، وإن كان كل منهما سببا للاتلاف فهل يرجع على عاقلة الرابط؟ قال: لا يرجع وإن لم يعلم. ولم يفصل محمفي الجامع الصغير بين ما إذا ربط البعير بالقطار والقطار يسير وفي بعض كتب النوادر: إن القطار إن كان يسير حالة الربط فقادها القائد بعد الربط لا يرجع القائد على عاقلة الرابط، علم القائد بربطه أو لم يعلم، فإن كان القطار يسير حالة الربط فالقائد يرجع على عاقلة الرابط إذا لم يعلم بربطه. وفي المنتقي: وإذا سار الرجل على دابة وخلفه رديف وخلف الدابة سائق وأمامها قائد فوطئت إنسانا فالدية عليهم أرباعا وعلى الراكب والرديف الكفارة، وإذا سار الرجل على دابته في الطريق فعثرت بحجر وضعه رجل أو بد كان بناه رجل أو بما صبه رجل فوقعت على إنسان وأتلفته فالضمان على الذي وضع الحجر وبنى الدكان وصب الماء لانه مسبب الاتلاف وهو متعد في هذا السبب ولا ضمان على الراكب، وفي الكفارة إذا أرسل كلبا أو دابة أو طيرا فأصاب في فوره شيئا ضمن في الدابة دون الكلب والطير. وفي الصغرى الطحاوي: وعن أبي يوسف أنه يضمن الكل، كذا في الجامع الصغير. قال رحمه الله: (ولو اصطدم فارسان أو ماشيان فماتا ضمن عاقلة كل دية الآخر) وقال زفر والشافعي رحمه الله تعالى: يجب على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر، وروي ذلك عن
[ 134 ]
علي رضي الله عنه لان كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه فيعتبر نصفويهدر النصف كما إذا كان الاصطدام عمدا وجرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه أو حفر على قارعة الطريق بئرا فانهدم عليهما أو وقفا فيه يجب على كل واحد منهما النصف فكذا هذا. ولنا أن قتل كل واحد منهما مضاف إلى فعل صاحبه لان فعله في نفسه مباكالمشي في الطريق فلا يعتبر في حق الضمان بالنسبة إلى نفسه لانه مباح مطلقا في حنفسه، ولو اعتبر ذلك لوجب نصف الدية فيما إذا وقع في بئر في قارعة الطريق لانه لو لا مشيه وثقله في نفسه لما هوى في
البئر، وفعل صاحبه وإن كان مباحا لكنه مقيد بشرط السلامة في حق غيره فيكون سببا للضمان عند وجود التلف، به وروي عن علي رضي الله عنه أنه أوجب كل الدية على عاقلة كل واحد منهما فتعارضت روايتان فرجحنا ما ذكرنا، ويحتمل ما روي عنه أنه أوجب كل الدية على الخطأ توفيقا بينهما. وأما ما استشهدا به من الاصطدام وجرح كل منهما نفسه وصاحبه وحفر البئر في الطريق فعلى كل واحد محظور مطلقا فيعتبر في حق نفسه أيضا فيكون قاتلا لنفسه، وهذا الحكم الذي ذكرناه في العمد والخطأ في الحرين. ولو كانا عبدين هدر الدم لان المولى فيه غير مختار للفداء، ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا يجب على عاقلة الحر قيمة العبد كلها في الخطأ ونصفها في العبد فيأخذها ورثة الحر المقتول ويبطل ما زاد عليه لعدم الخلف، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لان قيمة العبد المقتوتجب على العاقلة على أصلهما لانه ضمان الآدمي، وإذا تجاذب رجلان حبلا فانقط الحبل فسقطا أو ماتا ينظر، فإن وقعا على القفا لا تجب لهما دية لان كل واحد منهما مات بقوة نفسه، وأن وقعا على الوجه وجب على عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإن قطع إنسان الحبل بينهما فوقع كل واحد منهما على القفا فديتهما على عاقلة القاطع، وكذا على هذا سائر الضمانات وقد قدمنا شيئا من هذا عند قوله ولو رب بطن امرأته فراجعه. قال في النهاية: وفي تقييد الفارسين في الكتاب بقولوإذا اصطدم الفارسان ليست زيادة قائدة فإن الحكم في اصطدام الماشيين وموتهما بذلك، كذلك ذكره في المبسوط، سوى أن موت المصطدمين في الغالب إنما يكون في الفارسين ا ه. وقال في العناية آخذا في النهاية: حكم الماشيين حكم الفارسين لكن لما كان موت المصطدمين غالبا في الفارسين خصهما بالذكر ا ه. وقال في معراج الدراية: وكذا الحكم إذا اصطدم الماشيان والتقييد بالفارسين اتفاقي أو بحسب الغالب ا ه. وتبعه الشارح العيني. أقول: عجيب من هؤلاء الشراح مثل هذه التعسفات مع كون وجه التقييد بالفارسين بينا لان الباب الذي عرفته باب جناية البهيمة والجناية عليها، ولا يخفي أن اصطدام الماشيين ليس من ذلك في شئ فكان خارجا عن مسائل هذا الباب. رجل وجد في زرعه في الليل
ثورين فظن أنهما لاهل القرية فبانا أنهما لغيرهم فأراد أن يدخلهما فدخل واحد وفر آخر فتبعه ولم يقدر عليه فجاء صاحبه يضمنه. قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن
[ 135 ]
كان نيته عند الاخذ أن يمنعه من صاحبه يضمن وإن كان نيته أن يرد إلا أنه لم يقدر لم يضمن فقيل: إن كان ذلك بالنهار؟ قال: إن كان لغير أهل القرية كان لقطة، فإن ترك الاشهاد مع القدرة عليه يضمن، وإن لم يجد شهودا يكون عذرا وإن كان لاهل القرية فكما أخرجه يكون ضامنا. وقال القاضي علي السغدي: وإن وجد في زرعه دابة فساقها بقدر ما يخرجها عن ملكه لان يكون ضامنا فإذا ساق وزاد وراء ذلك القدر يصير غاصبا بالسوق والصحيح ما قاله القاضي علي السغدي. عبدان التقيا ومع كل واحد عصا فأضربا وبرئا خير مولى كل واحد منهما بالآخر ولا يتراجعان بشئ سوى ذلك لان كل واحد منهما ملك عبده من صاحبه ولا يفيد التراجع لانه لو رجع أحدهما لرجع الآخر لان حق كل واحد منهما ثبت في رقبة كاملة فما يأخذ أحدهما من صاحبه فذاك بدل الآخر وتعلق به حقه فلا يفيد الرجوع، وإن اختار الفداء فدى كل واحد بجميع أرش جنايته لانهما لما ضربا معا فقد جنى كل واحد منهما على عبد صحيح فتعلق حق كل واحد من الموليين بعبد صحيح فيجب بدل عبد صحيح، وإن سبق أحدهما بالضربة خير المولى مولى البادئ لان البداية من مولى اللاحق لا تفيد لان حق اللاحق في عبد صحيح كامل الرقبة، فإذا دفع إلى البادئ عبدا مشجوجا كان للاحق أن يسترد منه ثانيا لانه يقول عبدك شج عبدي وهو صحيح ودفعت إلى عبدك بدل تلك الشجة فيكون لي والبداية ممولى البادئ بالدفع مفيدة لان حق البادئ ثبت في عبد مشجوج فمتى دفعه مشجوجا لا يكون له أن يسترده فكان دفعه مفيدا، فإن دفعه فالعبد للمدفوع إليه ولا شئ للدافع لانه لو رجع البادئ بشئ كان للمدفوع إليه أن يرجع عليه ثانيا لان حقه في رقبة عبد صحيح فلا يفيد رجوع البادئ، وإن فداه خير مولى اللاحق بين الدفع والفداء لانه ظهر عند البادئ عن الجناية بالفداء وصار كأنه لم يجن. وإن جنى عليه العبد اللاحق فإن مات البادئ
كانت قيمته في عنق الثاني يدفع بها أو الفداء، فإن فداه بقيمة الميت رجع في تلك القيمة بأرش جراحته عبدا لان بالفداء أظهر عبد اللاحعن الجناية وصار كأنه لم يجن وإنا جنى عليه البادئ، والبادئ وإن مات فالقيمة قامت مقامه لانه حق قائم مقامه. وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء لان المدفوع قام مقام الميت الشاج، وإن مات العبد القاتل خير مولى العبد البادئ، وإن فداه أو دفع بطل حقه في شجه عبده لانه حين شج اللاحق البادئ كان اللاحق مشجوجا فثبت حقه مولى البادئ في عبد مشجوج فثبت فيما وراء الشجة فمات لا إلى خلف لما مات العبد القاتل فبطل حق مولى البادئ فشجة عبده. ولو مات البادي من شئ آخر سوى الجناية وبقي اللاحق خير مولى البادئ ويقال له إن شئت فاعف عن مولى اللاحق ولا سبيل لواحد منهما على الآخر، وإن شئت ادفع أرش شجة اللاحق وطالبه بحقك، وإن دفع إلى صاحبه أرش عبده يرجع بأرش جناية عبده فيدفع مولى اللاحق عبده بها أو يفديه. أما المفهوم فلان مولى البادئ بجنايته إذا دفع كان لمولى اللاحق أن يطالبه بأرش شجة
[ 136 ]
عبده وكان لمولى البادئ أن يدفع إليه العبد المدفوع ثانيا إليه عن حقه فلا يفيده الدفع وإنما دفع أرش شجة اللاحق لانه متى دفع أرش عبد اللاحق فقد طهر البادئ عن الجناية وصار كأنه لم يجن وإنما جنى عليه العبد اللاحق فيخاطب مولى اللاحق بالدفع والفداء وأي ذلك اختار لا يبقى لواحد منهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما حقه. وإن أبى مولى البادئ أن يدفع الارش فلا شئ له في عتق الآخر فإن مولى البادئ كان مخيرا بين العفو وبين دفع الارش والمطالبة شجة لعبده، فإذا امتنع من دفع الارش صار مختارا للعفو وصار كأنه قال عفوتك عن حقي فيبطل حقه. ولو مات اللاحق وبقي البادئ خير مولاه، فإن دفعه بطل حقه، وإن فداه بأرش عبده في الفداء لان البادئ طاهر عن الجناية لعفو وأحدهما عن جناية نصف العبد ولا يزداد حقه فكذا هذا. قال رحمه الله: (ولو ساق دابة فوقع السرج على رجل فقتله ضمن) يعني إذا ساق دابة
ولها سرج فوقع السرج على رجل فقتله ضمن عاقلته الدية وقد قدمناها بفروعها. قال رحمه الله: (وإن قاد قطارا فوطئ بعير إنسانا ضمن عاقلة القائد الدية) لان القائد عليه حفظ القطار كالسائق وقد أمكنه التحرز عنه فصار متعديا بالتقصير فيه والتسبب بلفظ التعدي سبب للضمان غيره أن ضمان النفس على العاقلة وضمان المال عليه في ماله. رجل له مزرعة فأكلها جمل غير فأخذه وحبسه في الاصطبل ثم وجد الجمل مكسور الرجل كيف الحكم بينهما في ذلك؟ فقال: إن لم يكسر رجله في حبسه قالوا لا ضمان عليه وقد قالوا الضمان عليه ما لم يسلمه إلى صاحبه والرأي فيه إلى القاضي. قال رحمه الله: (وإن كان معه سائق فعليهما) أي إذا كان مع القائد سائق تجب على عاقلتهما الضمان لاستوائهما في التسبب لان قائد الواحد قائد الكل، وكذا سائقه لاتصال اللازمة، وأما البعير الذي هو راكبه فهو ضامن لما أصابه فيجب عليه وعلى القائد غير ما أصابه بالابطاء فإن ذلك ضمانه على الراكب وحده لانه جعل فيه مباشرا حتى جرت عليه أحكام المباشرة على ما بيناه. قال رحمه الله: (وإن ربط بعيرا على قطار رجع على عاقلة القائد بدية ما تلف به على عاقلة الرابط) أي إذا ربط رجل بعيرا على قطار والقائد لذلك القطار لا يعلم فوطئ البعير المربوط إنسانا فقتله فعلى عاقلة القائد ديته لانه يمكنه أن يصون قطاره عن ربط غيره به فإذا ترك صيانته صار متعديا بالتقصير وهو متسبب وفيه الدية على العاقلة كما في قتل الخطأ ثم يرجعون بها على عاقلة الرابط لانه هو الذي أوقعهم فيه، وإنما لا يجب الضمان على القائد والرابط ابتداء مع أن كل واحد منهما متسبب لان القود بمنزلة المباشرة بالنسبة إلى الربط لاتصال التلف به دون الربط فيجب فيه الضمان وحده ثم يرجع به عليه. قالوا: هذا إذا
[ 137 ]
ربط والقطار يسير لان الرابط أمر بالقود دلالة وإذا لم يعلم لا يمكنه التحفظ عنه ولكن جهلة لا ينفي وجوب الضمان عليه لتحقق الاتلاف منه وإنما ينفي الاثم فيكون قرار الضمان على الرابط، وأما إذا ربط والابل واقفة ضمنها عاقلة القائد ولا يرجعون على عاقلة
الرابط بما لحقهم من الضمان لان القائد رضي بذلك والتلف قد اتصل بفعله فلا يرجع به وهو القياس فيما إذا لم يعلم لان الجهلا ينافي التسبب ولا الضمان إلا أنا استحسنا الرجوع لما ذكرنا. وفي الجامع الصغير: رجل قاد قطارا في طريق المسلمين فجاء بعير آخر وربطه والقائد لا يعلم به أو علم فأصاب ذلك البعير إنسانا فضمانه على القائد دون الرابط وإن كان كل واحد منهما متسببا للاتلاف. وهل يرجع على عاقلة الرابط؟ إن علم لا يرجع، وإن لم يعلم يرجع. ولم يفصل محمد رحمه الله في الجامع الصغير بين ما إذا ربط البعير بالقطار والقطار يسير. وفي بعض كتب النوادر: وإن كان القطار لا يسير حالة الربط فقادها القائد بعد الربط لا يرجع القائد على عاقلة الرابط، علم القائد بربطه أو لم يعلم. وإن كان القطار يسير حالة الربط فالقائد يرجع على عاقلة الرابط إذا لم يعلم بربطه. وفي المنتقي: وإذا سار الرجل على دابته وخلفه رديف وخلف الدابة سائق وأمامها قائد فوطئت إنسانا فالدية عليهم أرباعا وعلى الراكب والرديف الكفارة، وإذا سار الرجل على دابته في الطريق فعثرت بحجر وضعه رجل أو قد كان بناه رجل أو بماء قد صبه رجل فوقعت على إنسان وأتلفته فالضمان على الذي وضع الحجر في المكان أو صب الماء لانه مسبب في هذا الاتلاف وهو متعد في هذا السبب ولا ضمان على الراكب. قالوا: ولو نخس الدابة رجل فوطئت إنسانا فالضمان عليهما إن وطئت في فور النخس لان الموت حصل بثقل الراكب وفعل الناخس فيكون مضافا إليهما. أقول: ولقائل أن يقول الراكب مباشر فيما أتلفت بالوطئ لحصول التلف بثقله وثقل الدابة جميعا كما صرحوا به والناخس مسبب كما مر في الكتاب، وإذا اجتمع المباشر والمسبب فالاضافة إلى المباشر أولى كما صرحوا به لا سيما في مسألة الراكب والسائق فما بالهم صرحوا هنا بإضافة الفعل إلى الراكب والناخس معا وحكموا بوجوب الدية عليهما جميعا فتدبره. قال رحمه الله: (ومن أرسل بهيمة وكان سائقها فما أصابت في فورها ضمن) يعني إذا أرسل إنسان بهيمة وساقها فكل شئ أصابته في فورها فإنه يضمنه.
قال رحمه الله: (وإن أرسل طيرا أو كلبا ولم يكن سائقا أو انفلتت دابته فأصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا لا يضمن) أي في هذه الصور كلها، أما الطير فلان بدنه لا يحتمل السوق فصار وجود السوق وعدمه سواء فلا يضمن مطلقا بخلاف الدابة فإن بدنها يحمل السوق
[ 138 ]
فيعتبر فيها السوق ومن ثم قالوا: ولو أرسل بازيا في الحرم فقتل لا يضمن المرسل، وأما الكلب فلانه وإن كايحتمل السوق لكنه لم يوجد منه السوق حقيقة بأن يمشي خلفه ولا حكما بأن يصيب على فور الارسال، والتعدي يكون بالسوق لكنه فلا يضمن، وهذا لان الاصل أن الفعل الاختياري يضاف إلى فعل صاحبه ولا يجوز إضافته إلى غيره لانا تركنا ذلك في فعل البهيمة فأضفناه إليه استحسانا صيانة للانفس والاموال، وإذا لم يوجد منه السوق بقي على الاصل ولا يجوز إضافته إليه لعدم الفعل منه مباشرة وتسببا بخلاف ما إذا أرسل الكلب على صيد حيث يؤكل ما أصابه وإن لم يكن سائقا له حقيقة ولا حكما لان الحاجة مست إلى الاصطياد به فأضيف إلى المرسل ما دام الكلب في تلك الجهة ولم يفتر عنها إذ لا طريق للاصطياد سواه، وهذا لان الاصطياد به مشروع، ولو شرط السوق لاستدبابه وهو مفتوح فأضيف إليه، ولو غاب عن بصره مع الصيد ولا حاجة إليه في حق ضمان العدوان فبقي على الاصل فكان مضافا إلى الكلب لانه مختار في فعله ولا يصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره. وقله سائقا قيد في الكلب دون الطير، وقيد في الدابة بالانفلات لانه لو أرسلها يضمن. وفي المبسوط: إذا أرسل دابة في طريق المسلمين فما أصابت في فورها فالمرسل ضمن لان سيرها مضاف إليه ما دامت تسير على سننها، ولو انعطفت عنه يمنة أو يسرة انقطع حكم الارسال إلا إذا لم يكن له طريق آخر سواه، وكذا إذا وقفت ثم سارت أي ينقطع حكم الارسال بالوقفة أيضا كما ينقطع بالعطفة بخلاف ما إذا وقف الكلب بعد الارسال في الاصطياد ثم سار فأخذ الصيد لان تلك الوقفة تحقق مقصود المرسل لتمكنه من الصيد وهذه تنافي مقصود المرسل لان مقصوده السير فينقطع به حكم
الارسال وبخلاف ما إذا أرسله إلى صيد فأصاب نفسا أو مالا في فوره حيث لا يضمن من أرسله، وفي إرسال البهيمة في الطريق يضمن لانه شغل الطريق تعديا فيضمن ما تولد منه، وأما الارسال للاصطياد فمباح ولا ينسب بوصف التعدي، كذا ذكره في النهاية. وظاهره سواء كان سائقا لها أو لا. وذكر قاضيخان: ولو أن رجلا أرسل بهيمة وكان سائقا لها ضمن ما أصابت في فورها، وكذا لو أرسل كلبه وكان سائقا له يضمن ما أتلف، ولو لم يكن سائقا لا يضمن. وكذا لو أشلى كلبه على رجل فعقره أو مزق ثيابه لا يضمن إلا أن يسوقه وقيل إذا أرسل كلبه وهو لا يمشي خلفه فعقر إنسانا أو أتلف غيره إن لم يكن معلما لا يضمن لان غير المعلم يذهب بطبع نفسه، وإن كان معلما ضمن إن مر على الوجه الذي أرسله لانه ذهب بإرسال صاحبه، أما إذا أخذ يمنة أو يسرة فلا يضمن لانه مال عن سنن الارسال إلا إذا كان خلفه. ولو أشلى كلبه حتى عض رجلا لا يضمن كما لو أرسل بازياف، وعن أبى يوسف يضمن سواء كان يسوقه أو يقوده أو لا يقوده ولا يسوقه كما لو أرسل البهيمة. وعند محمد أنه إن كان سائقا أو قائدا يضمن وإلا فلا، وبه أخذ الطحاوي، والفقيه أبو الليث كان يفتي
[ 139 ]
بقول أبي يوسف: وفي الزيادات: أشار إلى ذلك وعليه الفتوى. وفي الخلاصة: ولو كان لرجل كلب عقور يؤذي من مر به فلاهل البلدان يقتلوه، وإن أتلف شيئا على صاحبه الضمان إن كان تقدم إليه قبل الاتلاف وإلا فلا شئ عليه كالحائط المائل. ولو أن رجلا طرح رجلا قدام سبع فقتله السبع فليس على الطارح شئ إلا التعزير والحبس حتى يتوب، وإنما قلنا بعدم الضمان في انفلات البهيمة لقوله على الصلاة والسلام العجماء جبار (1) أي فعلها هدر. وقال محمد: المنفلتة وهذا صحيح ظاهر ولان الفعل مقتصر عليها وغير مضاف إلى صاحبها لعدم ما يوجب النسبة إليه من الركوب وأخواته. وفي الخانية: رجل بعث غلاما صغيرا في حاجة نفسه بغير إذن أهل الصغير فرأى الغلام علمانا صغارا يلعبون فانتهى إليهم وارتقى ومات ضمن الذي أرسله في حاجته، ولو أن عبدا حمل صبيا على دابة فوقع الصبي منها
ومات فدية الصبي تكون في عتق العبد يدفعه المولى أو يفديه، وإن كان العبد مع الصبي على الدابة فسارا عليها ووطئت الدابة إنسانا ومات فعلى عاقلة الصبي نصف الدية وفي عنق العبد نصفها. ولو أن حرا كبيرا حمل عبدا صغيرا علدابة ومثله يضرب الدابة ويستمسك عليها ثم أمره أن يسير عليها فوطئ إنسانا فكذلك تكون في عنق العبد فيأمر مولى العبد بالدفع أو الفداء ثم يرجع مولى العبد على الآمر لانه باستعمال عبدالغير يصير غاصبا، فإذا لحقه غرم يرجع بذلك على الغاصب. وفي الفتاوي: أمر جلا بكسر الحطب فأعطى غلاما الفاس فقال اعطني الاجرة لاكسر فأبى فكس بغير إذنه فوقع الحطب على عين الغلام وذهب عينه اتفق مشايخنا أنه لا يكون على صاحب الحطب شئ. وفي التتمة سئل أبو الفضل عن صغيرين كانا يلعبان فأوقع أحدهما صاحبه إلى الارض فانكسر عظم فخذه هل يجب على أقاربه شئ؟ فقال: إذا كان بحال لا يمكنه المشي بها فنصف الدية خمسمائة دينار على أقارب الصبي من جهة الاب. قال رحمه الله: (وفي فق ء عين شاة لقصاب ضمن النقصان) لان المقصود من الشاة اللحم فلا يعتبر فيها إلا النقصان. قال رحمه الله: (وفي عين بدنة الجزار والحمار والفرس ربع القيمة) وقال الشافعي رحمه الله: ليس فيه إلا النقصان أيضا اعتبارا بالشاة. ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى في عين الدابة بربع القيمة. قال في العناية: فإن قيل يجوز أن يكون قضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يؤكل، فالجواب أن الشئ الذي أوجب ذلك في غير المأكول من اللحم والركوب والزينة والجمال والعمل موجود في مأكول اللحم فيلحق به اه. ولان فيها مقاصد سوى اللحم كالركوب وللزينة واللحم والعمل فمن هذا الوجه يشبه الآدمي وقد تمسك بغيره كالاكل، ومن هذا الوجه يشبه المأكولات فعملنا
[ 140 ]
بالشبهين بشبه الآدمي في إيجاب الربع وبالشبه الآخر في نفي النصف، ولانه إنما يمكن إقامة العمل فيها بأربعة أعين عيناها وعينا الفاعل لها فصارت كأنها ذات أعين أربع فيجب الربع بفوات أحدها. وإن فقأ عينيها فصاحبها بالخيار إن شاء تركها على الفاقئ وضمنه القيمة، وإن
شاء أمسكها وضمنه النقصان لان المعمول به النص وهو ورد في عين واحدة فيقتصر عليه. وفي العناية: وإنما قال بدنة ليشمل البقر والابل فإن الحكم فيها واحد وهو ربع القيمة. وفي العيني على الهداية: وفي فق ء عين بدنة الجزار - بفتح الجيم - وهو ما اتخذ للنحر يقع على الذكور والانثى، كذا في الطحاوي. والجزر القطع وجزر الجزور نحرها والجزار هو الذي ينحر البقرة اه. والله أعلم. باب جناية المملوك والجناية عليه لما فرغ رحمه الله من بيان حكم جناية المالك وهو الحر والجناية عليه شرع في بيان أحكام جناية المملوك وهو العبد، وأخره لانحطاط رتبه العبد عن رتبه الحر، كذا في الشروح. أقول: فيه شئ وهو أن لقائل أن يقول: لما وقع الفراغ من بيان أحكام جناية الحر على الحر مطلقا بقي منه بيان حكم جناية الحر على العبد فالاظهر أن يقال: لما فرغ من بيان جناية الحر على الحر شرع في بيان جناية المملوك والجناية عليه، ولما كان فيه تعلق الملك بالمملوك ألبتة من جانب أخره لانحطاط رتبة المملوك عن المالك ثم قال صاحب العناية: لا يقال العبد لا يكون أدنى منزلة من البهيمة فيكف أخر باب جنايته عن باب جناية البهيمة لان جناية البهيمة كانت باعتبار الراكب والسائق أو القائد وهم ملاك اه. أقول: فيه أيضا شئ إذ لقائل أن يقول: إن أراد جناية البهيمة كانت باعتبار الراكب أو السائق أو القائد فهو ممنوع فإن جنايتها بطريق النفحة برجلها أو ذنبها وهي تسير لا يكون باعتبار أحد منهم وإلا لوجب عليهم الضمان في تلك الصورة وليس كذلك كما عرف في بابها، وكذا الحال فيما إذا أصابت بيدها أو رجلها حصاة أو نواة أو أثارت غبارا أو حجرا صغيرا فقأ عين إنسان أو أفسد ثوبه، وكذا إذا انفلتت فأصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا كما عرف كل ذلك أيضا في بابها. وإن أراد أن جنايتها قد تكون باعتبار أحد منهم فهو مسلم ولكن لا يتم به تمام التعريف. ويمكن أن يقال: الصور التي لا يجب فيها مفعل البهيمة ضمان على أحد بل يكون فعلها هدرا مما لا يترتب عليه حكم من أحكام الجناية في الشرع. وإنما ذكرت في بابها
استطرادا وبناء الكلام هنا على ماله حكم من لاحكام الشرعية فيتم التعريف. قال رحمه الله: (جناية المملوك لا توجب إدفعا واحد لو محلالها وإلا قيمة واحدة) أي جناية العبد لا
[ 141 ]
توجب إلا دفع رقبته إذا كان محلا للدفع إذا كان قنا وهو الذي لم ينعقد له شئ من أسباب الحرية كالتدبير وأمومية الولد والكتابة، سواء كانت الجناية واحدة أو أكثر، لا توجب إلا دفع رقبته إذا كانت الجناية في النفس موجبة للمال وإلا فقيمة واحدة إن لم يكن محلا للدفع بأن انعقد له شئ مما ذكرنا يوجب جنايته قيمة واحدة ولا يزيد عليها وإن تكررت الجناية. وفي القن إذا جنى بعد الفداء يؤمر بالدفع أو الفداء بخلاف المدبر وأختيه فإنه لا يوجب إلا قيمة واحدة على ما بيناه في أثناء المسائل. والكلام في جناية المدبر وأم الولد من وجوه: الاول في جنايته على مولا. والثاني في سعايته. والثالث في جناية المدبر. والرابع في جناية المدبر في يد الغاصب ودية جناية المدبر نفسا وما دونها على مولاه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية، فإن كانت القيمة مثل الدية أو أكثر غرم مثل الدية إلا عشرة دراهم ويضمن قيمته يوم جنى وقيمة المدبر ثلثا قيمته كما تقدم، وهو إذا جنى جنايات أو جناية واحدة لا توجب إلا قيمة واحدة، ولو مات المدبر بعد الجناية بلا فصل ولم تنقص قيمته لم يسقط عن المولى شئ من قيمة العبد. ولو قتل مدبر رجلا خطأ وقيمته ألف ثم صارت قيمته ألفين فقتل آخر خطأ فالالف درهم للثاني وتحاصا في القيمة الاولى وهي ألف درهم، فلو دفع المولى القيمة للاول بغير قضاء غرم للثاني ألف درهم واتبع الاول في نصف القيمة، وإن دفع بقضاء لا يغرم شيئا اتفاقا. ولو قتل المدبر مولاه خطأ سعى في قيمته، ولو جنى مدبر بعد موت المولى ولم يخرج من الثلث سعى في قيمته كالمكاتب إذا قتل مولاه خطأ سعى في قيمته، وإن خرج من الثلث كانت على العاقلة اتفاقا. ومدبر ذمي في ذلك كله كمدبر مسلم، وكذا مدبر حربي مستأمن ما دام في دار الاسلام معه، فلو دبره في دار الاسلام ثم رجع به إلى دار الحرب فسبي عتق المدبر ولا يعزم ما جنى بعدما سبى ويعتق المدبر بموت المولى حكما كما يعتق بموته حقيقة.
ولو جنى الحر على المدبر فهو كما لو جنى الحر على القن، فلو قتله فعلى عاقلته الدية، ولو قطع يده فعليه نصف قيمته. مدبر قتل رجلا خطأ فدفع المولى القيمة ثم قتل آخر خطأ فإن شاء الثاني تبع الاول بنصف القيمة، وإن شاء أخذ من المولى نصف القيمة ويرجع به المولى على الاول عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لا يغرم المولى شيئا. مدبر حفر بئرا فمات فيها رجل فدفع المولى قيمته وهي ألف بقضاء ثم مات ولي الجناية وترك ألفا وعليه ألفان دينا لرجلين لكل ألف ووقع في البئر آخر فمات فالالف الذي تركه ولي الجناية الاولى يقسم بين الغرماء وبين ولي الجناية الثانية على خمسة أسهم للغرماء أربعة وله سهم لانه لما وقع في البئر ظهر أن نصف قيمة المدبر وذلك خمسمائة دين لولي الجناية الثانية على ولي الجناية الاولى فظهر أن القيمة مشتركة بينهما تقسم على ما ذكرناه. عبد لرجل شجه رجل موضحة ثم دبره ثم شجه موضحة أخرى ثم كاتبه ثم شجه موضحة ثالثة ثم أدى الكتابة فعتق ثم شجه موضحة رابعة فمات من ذلك فهاهنا حكم الشجاج وحكم النفس، أما حكم الشجاج فالاولى يضمن
[ 142 ]
الشاج نصف عشر قيمته وهو عبد صحيح، وأما حكم الشجة الثالثة فإنه يضمن نصف عشر قيمته وهو مدبر مكاتب مشجوج شجتين، وأما حكم الشجة الرابعة فإنه يضمن ثلث الدية ولا يضمن الارش، وأما حكم النفس فلا شئ على الشاج بسراية الشجة الاولى والثانية لان سرايتهما منقطعة عن الجناية بالعتق والكتابة ويضمن للشجة الثالثة ثلث قيمته وهو مدبر مكاتب مشجوج بأربع شجات ولا يضمن ثلث الدية وإن مات حرا لان ابتداء الشجة لاقى الكتابة، وإنما يضمن ثلث قيمته لاربعها لا الجناية الاولى والثانية حكمهما واحد والشجة الرابعة لاقته وهو حر وموجبها الدية فبان بهذا، واتضح أن النفس إنما تلفت معنى واعتبارا بثلاث جنايات ثلثها بالجناية الاولى وقد هدرت سرايتها وثلثها بالجناية الثالثة وسرايتها معتبرة فيضمن ثلث قيمته مشجوحا بأربع شجاج لان ثلاث شجاج منها ضمنها مرة فلا يضمن مرة أخرى، وما تلف بالشجة الرابعة يكون مضمونا على الشاج بالشجة الثالثة لانه مات وهو
منقوص بأربع شجات، كذا في المحيط مع اختصار. وفي الذخيرة: أم الولد إذا جنت جناية خطأ فالجواب فيها كالجواب في المدبر على التفصيل المتقدم اه. قارحمه الله: (جنى عبد خطأ دفعه بالجناية فيملكه أو فداه بأرشها) أي إذا جنى العبد خطأ فمولاه بالخيار إن شاء دفعه إلى ولي الجناية فإن دفعه ملكه ولي الجناية، وإن شاء فداه بأرشها. وقوله خطأ يحترز به من العمد وهذا التقييد إنما يفيد إذا كانت الجناية على النفس لانها إن كانت عمدا توجب القصاص، وأما إذا كانت على الاطراف لا يفيد التقييد به إذا لا يجري القصاص فيها بين العبيد وبين الاحرار والعبيد. وقال الشافعي رحمه الله: جناية العبد تتعلق برقبته يباع فيها إلا أن يقضى المولى الارش. وثمرة الخلاف تظهر في اتباع الجاني عنده وعندنا لا يتبع لا في حالة الرق ولا بعد الحرية، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم، فعن ابن عباس مثل مذهبنا، وعن عمر وعلي مثل مذهبه، له أن الاصل في موجب الجناية أن يجب على الجاني لانه المتعدي قال الله تعالى * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) إلا أن العاقلة تتحمل عنه ولا عاقلة للعبد فيجب في ذمته كما في الذمي ويتعلق برقبته ويباع فيه كما في الجناية على المال. ولنا أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن إلا أن استحقاق النفس قد يكون بطريق الاتلاف عقوبة وقد يكون بطريق التملك والعبد من أهل أن يستحق نفسه بالطريقين فتصير نفسه مستحقة للمجني عليه صيانة عن الهدر إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك لانه ليس فيه إبطال حق المجني عليه بل مقصود المجني يحصل بذلك بخلاف إتلاف المال فإنه لا يستحق به نفس الجاني أبدا، ولان الاصل في موجب الجناية خطأ أن يتباعد عن الجاني لكونه معذورا ولكون الخطأ مرفوعا شرعا ويتعلق بأقرب الناس إليه تخفيفا عن المخطئ وتوقيا عن الاجحاف إلا أن عاقلة العبد
[ 143 ]
مولاه لان العبد يستنصر به وباعتبار النصرة تتحمل العاقلة حتى تجب الدية على أهل الديوان فيجب ضمان جنايته على المولى بخلاف الذمي فإنهم لا يتناصرون فيما بينهم فلا عاقلة لهم
فيجب في ذمته صيانة عن الهدر، وبخلاف الجناية على المال لان العاقلة لا تعقل المال إلا أن المولى يخير بين الدفع والفداء لانه واحد. واختلف في الموجب الاصلي قال التمرتاشي: الصحيح أن الاصل هو الدية أو الارش لكن للمولى أن يختار الدفع وفي إثبات الخيرة نوع تخفيف في حقه كيلا يستأصل فيخير لان التخيير مفيد. وقال غيره: الواجب الاصلي هو الدفع في الصحيح ولهذا يسقط الواجب بموت العبد الجاني قبل الاختيار لفوات محل الواجب، وإن كان له حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة عند أبي يوسف ومحمد فإن الواجب جزء من النصاب وله النقل إلى القيمة فكذا هذا بخلاف الجاني الحر في الخطأ حيث لا يبطل الموجب بموته لانه لا يتعلق به الواجب استيفاء فصار كالعبد في صدقة الفطر. وإذا اختار الدفع يلزمه حالا لانه عين فلا يجوز التأجيل في الاعيان وإن كان مقدرا بغيره وهو المتلف ولهذا سمى فداء وأيهما اختار فعله فلا شئ لولي الجناية غيره. أما الدفع فلان حقه متعلق به فإذا خلى بينه وبين الرقبة سقط حق المطالبة عنه، وأما الفداء فلانه لا حق له إلا الارش، فإذا أوفاه حقه سلم العبد له، وكذا إذا اختار أحدهما ولم يفعل أو فعل ولم يخيره قولا سقط حق المولى في الآخر لان المقصود تعيين المحل حتى يتمكن من الاستيفاء والتعيين يحصل بالقول كما يحصل بالفعل بخلاف كفارة اليمين حيث لم تتعين إلا بالفعل لان المقصود في حقوق الله تعالى الفعل والمحل تابع لضرورة وجوده، ولا فرق بين أن يكون المولى قادرا على الارش أو لم يكن قادرا عند أبي حنيفة رحمه الله لانه اختار أصل حقهم فبطل حقهم في العبد لان ولاية التعيين للمولى لا للاولياء. وقالا: لا يصح اختياره الفداء إذا كان مفلسا إلا برضا الاولياء لان العبد صار حقا للاولياء حتى لا يضمنه المولى بالاتلاف فلا يملك إبطال حقهم إلا برضاهم أو بوصول البدل إليهم وهو الدية، وإن لم يختر شيئا حتى مات العبد بطل حق المجني عليه لفوات محل حقه بخلاف ما إذا مات بعد اختياره الفداء حيث لم يبراء المولى لتحول الحق من رقبة العبد إلى ذمة المولى. قال في المحيط: ولو جنى عبد على جماعة فدفع إليهم فكان مقسوما بينهم، وإن شاء
المولى أمسكه وغرم الجنايات لان تعلق حق الاول لا يمنع تعلق حق الباقين وللمولى أن يفدي بعضهم ويدفع إلى بعض مقدار ما تعلق به حقه بخلاف ما لو قتل العبد رجلا خطأ وله وليان فاختار المولى الفداء لاحدهما أو الدفع إلا الآخر لم يكن له ذلك لان ثمة الحق متحد يجب للمقتول أولا ثم ينتقل إلى الورثة بطريق الخلافة عنه وهذا موجب الجناية المتحدة، وهنا الجنايات مختلفة وللمولى خيار الدفع أو الفداء فملك تعيين أحد الموجبين في كل جناية. ولو قتل إنسانا وفقأ عين آخر وقطع يده دفع العبد لان الاستحقاق بقدر الحق وحق المقتول في
[ 144 ]
كل العبد وحق المفقوأة عينه في نصفه، وكذلك المقطوع يده، وكذلك إذا شج ثلاثة شجاج مختلفة دفع إليهم وقسم بينهم بقدر جناياتهم. ولو جنى العبد جنايات فغصبه إنسان وجنى في يد الغاصب جنايات فمات في يده فالقيمة تقسم بين أصحاب الجنايات كما تقسم الرقبة ولا خيار للمولى فيه لان القسمة تعينت واجبا وهي أقل من أن يكون امساكها مفيدا وإن كان الفداء أكثر من القيمة. ولو قتل العبد الجاني عبد الرجل آخر فخير مولى العبد بين الدفع والفداء فإن فداه بقية المقتول قسمت القيمة بين أولياء الجناية الاولى على قدر حقوقهم لان القيمة قائمة مقامه، ولو دفعه إلى مولى المقتول خير مولى المقتول في المدفوع بين الدفع والفداء فإن فداه بقيمة المقتول قسمت القيمة بين أولياء الجناية الاولى على قدر حقوقهم لان الثاني قائم مقام الاول فكأنه هو، ولو كان حيا قائما يخير المولى فكذا فيمن قام مقامه. وكذا لو قطع عبد يد الجاني فدفع به خير مولى العبد المقطوع بين الدفع والفداء لان العبد الثاني قائم مقام الاول وكان حق ولي المقتول متعلقا بجميع أجزائه فيظهر حقه في بدل الجزء ولو لم يظهر حقه في بدل الكل. ولو اكتسب العبد الجاني أو ولدت الامة الجانية لم يدفع الكسب والولد معها لان الملك ثبت لمولى الجانية بالدفع لا قبله فكان الدفع تمليكا للعبد فإذا اقتصر الملك على حالة الدفع لم يظهر في حق الكسب والولد بخلاف الارش فإنه بدل الجزء فكان حق الدفع متعلقا بذلك الجزء فيظهر استحقاق الاصل في حق البدل أمة قطعت يد رجل ثم ولدت فقتلها
الولد خير المولى فإن شاء دفع الولد، وإن شاء دفع فداه بالاقل من دية اليد ومن قيمة الام لان جناية المملوك على مملوك مولاه معتبرة إذا تعلق حق الغير به لان الحق بمنزلة الحقيقة في حق إيجاب الضمان وقد تعلق بالام حق المقطوعة يده فكانت جناية الولد عليها معتبرة قضاء لحق صاحب الحق. وأما الجاني على أطراف العبد قال أبو حنيفة: وكل شئ من الحر فيه الدية يجب في العبد القيمة وكل شئ من الحرفية نصف الدية ففيه من العبد نصف القيمة إلا إذا كانت قيمته عشرة ألاف وأكثر ينقص عشرة أو خمسة ففي رواية المبسوط والجامع أنه يجب أرش مقدر فيما دون النفس، وعندهما يقوم صحيحا ويقوم منقوصا بالجناية فيجب فضل ما بين القيمتين وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، لهما أن ضمان أطراف العبيد ضمان أموال لان أطراف العبيد معتبرة بالاموال لانها خلقت حربا للنفس ولهذا لا يجب ضمانها على العاقلة وضمان الاموال مقدر بقدر النقصان. وله أن الاطراف من جملة النفوس حقيقة لان النفس مركبة من الاطراف وفي إتلافها إتلاف النفس وفي استكمالها كمال النفس لكن فيها معنى المالية باعتبار أنها خلقت لمانع النفس ومصالحها فيجب اعتبارها فلا يجوز اخلاء النفسية عن أطراف البعيد بالكلية، وباعتبار النفسية فيها يجب أن يكون بدلا مقدرا كالاطراف، وباعتبار معنى المالية فيها أوجبنا ضمانها على الجاني دون العاقلة لان النص ورد بإيجاب الضمان على
[ 145 ]
العاقلة في النفوس المطلقة ولم يوجد، فأما تقرير الضمان بما هو ملحق بالنفوس ملائم للاصل ألا ترى أن ضمان عين البقر والفرس مقدر بربع قيمته فصاالعبد أولى أن يكون مقدرا. ولو قطع رجل يد عبد قيمته ألف ثم بعد القطع صار ت قيمته ألفا كما كانت قبل القطع ثم قطع رجل آخر رجله من خلاف ثم مات منها ضمن الاول ستمائة وخمسة وعشرين والآخر سبعمائة وخمسين لان الاول قطع يده وقيمته ألف فغرم خمسمائة لان اليد من الآدمي نصفه وبقيت قيمة النصف الآخر خمسمائة، وإذا زادت خمسمائة أخرى صارت ألفا فهذه
الزيادات لا تعتبر في حق قاطع اليد لانها لم تكن موجودة وقت القطع وإنما حدثت بعده فبقي في حق قاطع اليد قيمة الباقي خمسمائة، ثم قاطع الرجل أتلف النصف الباقي وذلك مائتان وخمسون بقيت مائتان وخمسون تلفت بسراية جنايتهما فيجب على قاطع اليد نصف ذلك وذلك مائة وخسمة وعشرون وقاطع الرجل حين قطع رجله كانت قيمة العبد ألفا ضمن نصفه وهو خمسمائة وبقي خمسمائة في حقه وقد تلفت بسراية جنايتين فضمن نصفه وذلك مائتان وخمسون يضم ذلك إلى خمسمائة فتصير سبعمائة وخمسين، ولو صار يساوي ألفين وهو أقطع فعلى قاطع الرجل ألف وخمسمائة لان الزيادة في حق قاطع اليد غير معتبرة فصار وجودها وعدمها بمنزلة فعليه ستمائة وخمسة وعشرون كما وصفنا، فأما قاطع الرجل بالقطع أتلف نصفه فضمن قيمته وهي ألف وألف تلف بسراية الجنايتين يغرم نصفه وهو خمسمائة فيضم خمسمائة إلى الالف فيكون ألفا وخمسمائة، وفي النوازل روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله: رجل قطع أذن عبد أو أنفه أو حلق لحيته فلم تنبت فعليه ما نقصه، وروي محمد عن أبي حنيفة أن عليه للمولى قيمته تامة إن دفع إليه العبد. وجه رواية الحسن أن الفائت من العبد معتبر من حيث المالية وبفوات الجمال تقل رغبات الناس فتنتقص المالية فيضمن النقصان. وجه رواية محمد أن ما يجب بتفويته من الحر كمال الدية فيجب بتفويته من العبد كمال القيمة في اليدين والرجلين لان دية أطراف العبد مقدرة لما بينا. رجل فقأ عيني عبد ثم قطع آخر يده كان على الفاقئ ما نقصه وعلى القاطع نصف قيمته مفقوء العينين استحسانا، والقياس أن لا شئ على الفاقئ على أصل أبي حنيقة لان عنده ليس للمولى إمساك المفقوء وتضمين النقصان وإنما له كمال القيمة وتمليك الجثة منه وبالقطع الطارئ على المفقوء امتنع تضمين القيمة فيقدر إيجاب الضمان عليه. وجه الاستحسان أن الجناية تقررت موجبة للضمان قبل القطع فلا يجوز تعطيل السبب عن الحكم وإهدار الجناية فيغرم النقصان صونا للذمة عن الهدر والبطلان. وروى الحسن عن أبي حنيفة في عبد قتل رجلا عمدا وله وليان فعفا أحدهما ثم قتل آخر خطأ فاختار الدفع فإنه يدفع أرباعا ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لولي العمد
الذي لم يعف وهو قولهما. وروي أبو يوسف عن أبي حنيفة يدفع إليهما أثلاثا ثلثاه لصاحب الخطأ وثلث لصاحب العمد.
[ 146 ]
وقال زفر رحمه الله: يدفع نصفه إلى ولي الخطأ وربعه إلى ولي العمد ويبقى ربعه للمولى. ولزفر رحمه الله أن حق الوليين متعلق بالعين وبعفو أحدهما سقط حقه وانتقل حق الآخر إلى الرقة أو الفداء في النصف وحق ولي الخطأ في الكل لانه لا يشاركه غيره فيه وحق الولي بالعفو عاد إلى الربع فيكون الربع له بقي ثلاثة أرباعه بينهما على قدر حقهما. وجه رواية الحسن أنه إذا عفا أحد ولي العمد ففي حق الآخر المزاحمة في الربع لانه تعلق حق ولي الخطأ بالنصف لا بالكل فبقي حق غير الفاقئ فيه الربع فانتقل إلى الرقبة أو الفداء فيكون الباقي بينهما أرباعا. وجه رواية أبي يوسف وهو الاصح أنه إذا عفا أحد ولي العمد بقي حق الآخر في النصف لاحقهما قد تعلق بالكل لان تعلق الاول لا يمنع تعلق الثانية إلا أن بالعفو فرغ نصف الرقبة عن حكم الجناية الاولى فبقي حق الاول متعلقا بالنصف وحق الثاني في الكل فيكون المدفوع بينهما أثلاثا. هشام عن محمد قال: مملوك قتل مملوكا لرجل خطأ ثم قتل أخا مولاه وليس لاخي مولاه وارث غيره فإنه يدفع نصف العبد كله إلى مولى العبد أو يفديه والنصف الباقي للمولى لان حق أخي المولى تعلق برقبة الجاني بعدما تعلق به حق المولى فتقع المزاحمة بينهما فيكون بينهما نصفين، وإذا انتقل النصف إلى المولى بالارث سقط بعد الوجوب لان المولى لا يستوجب على عبده شيئا فبقي حق الاول في النصف، فإن قتل أخا مولاه أولا ثم قتل مملوك رجل خطأ فإنه يدفع العبد كله إلى مولى العبد المقتول أو يفديه لانه لما انتقل الحق إلى المولى بالارث سقط عنه، وإذا جنى على الثاني ولا يزاحمه الاول فقد تعلق حق ولي الجناية الثانية من غير مزاحمة، وإن كان لاخي مولاه بنت وقد قتله العبد أولا فإنه يضمن ثلاثة أرباع العبد لمولى العبد المقتول وربعه للبنت لان حق ولي الجناية الثانية تعلق بالنصف وتعلق حق الوارثين بالنصف إلا أنه سقط حق المولى عن الربع وبقي حق البنت في
الربع، فإن كانت الضربتان معا وليس له بنت فالعبد بينهما نصفان لان الجنايتين افترقتا فلم تصادف إحداهما محلا فارغا. قال أبو حنيفة: رجل فقأ عيني عبد فمات العبد من غير الفق ء فلا شئ على الفاقئ، وإن لم يمت ولكنه قتله إنسان لزم الفاقئ النقصان لان الضمان ضمان تفويت المالية والقتل تفويت المال والموت حكم المالية ولا يفوتها. وقال محمد رحمه الله: يضمن النقصان في الوجهين لان الجناية تحققت في الحالين فانعقدت موجبة للضمان. قال في الهداية: والمولى عاقلته. قال بعض الافاضل: ليس هذا مخالفا حيث لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا اه. وأجيب بأن المراد المولى كالعاقلة اه. قال في العناية: لا يقضى على المولى بشئ حتى يبرأ المجني أو يتم أمره لان القضاء قبله قضاء بالمجهول وهولا يجوز. وفي المنتقي: إذا قتل العبد رجلا خطأ فقال المولى أفدي نصفه وأدفع نصفه فهذا اختيار منه للعبد وعليه دية كاملة. قال رحمه الله: (فإن فداه فجنى فهي كالاولى فإن جنى جنايتين دفعه بهما أفداه بأرشهما) لانه لما ظهر حكم الجناية الاولى بالفداء جعل كأنه لم يجن من قبل وهذه ابتداء
[ 147 ]
جناية، ولو جنى قبل أن تختار في الاولى شيى أو جنى جنايتين دفع دفعة واحدة، ولو جنايات قيل لمولاه إما أن تدفعه أو تفديه بأرش كل واحدة من الجنايات لان تعلق الاولى برقبته لا يمنع تعلق الثانية بها كالمديون لاقوام أو لواحد ألا ترى أن ملك المولى لا يمنع تعلق الجناية فحق المجني عليه أولى أن لا يمنع بخلاف الرهن حيث لا يتعلق به حق غيره من الغرماء، والفرق أن الرهن إيفاء واستيفاء حكما فصار كالاستيفاء حقيقة، فأما الجناية فليس فيها إلا تعلق الحق لولي الاولى وذلك لا يمنع تعلق حق آخر به ثم إذا دفعه إليهم اقتسموه على قدر حقوقهم وحق كل واحد منهم أرش جنايته. قال رحمه الله: (فإن أعتقه غير عالم بالجناية ضمن الاقل من قيمته ومن الارش) يعين لو أعتق الجاني ولم يعلم بها ضمن الاقل من القيمة ومن الارش، وإذا جرح العبد رجلا فاختار المولى الفداء ثم مات المجروح خير مرة أخرى عند محمد استحسانا، وعند أبي يوسف عليه
الدية ولا يخير قياسا. وهي من المسائل التي رجع فيها أبو يوسف رحمه الله من الاستحسان إلى القياس، ولو أعتقه وهو يعلم ثم مات المجروح كان مختارا للدية إن كان خطأ وجه القياس أنه اختار أرش الجراحة فيكون اختيارا لارشها، ما يحدث ويتولد عنها كالعفو عن الجراحة ويكون عفوا عنها وعما يحدث منها لان السراية لا تنفك عن الجناية فيكون اختيار الاصل اختيارا للتبع المتولد منه ضرورة لانه صار قاتلا بتلك الجراحة فظهر أنه اختار إمساك العبد بعد القتل وهو عالم بالقتل كما لو أعتق العبد بعد الجراحة. وجه الاستحسان أن المولى إنما اختار إمساك العبد بمال قليل على حساب أن الجراحة لا تسري فبعد الموت لو لزمه لزمه حكم الاختيار بمال كثير وهو دية واختيار الانسان إمساك العبد بمال قليل لا يكون اختيارا منه بأداء مال كثير لانه غير راض به، فلو لزمه تضرر به فوجب أن لا يلزمه حكم الاختيار بالدية بخلاف ما لو أعتقه بعد الجراحة ثم مات لانه لم ينص على اختيار العبد بمال قليل بل اختار إمساك العبد مطلقا. قتل عبد رجلا عمدا وله ولي واحد فطلب الفداء فاختار المولى الفداء عن نصف العبد يصير مختارا للفداء عن الكل لان في التفريق ضررا عليه فلا يتمكن المولى من ذلك فصار مختارا للفداء عن الكل ضرورة، وإن كان له وليان فاختار الفداء في نصيب أحدهما يصير مختارا للفداء في حق الآخر في عامة الروايات لان المستحق لموجب الجناية هو الميت لان الجناية وردت على حقه وأمكن إثبات الملك لموجب الجناية لان بعد الموت تبقى التركة على حكم الملك، ولهذا لا تنفذ وصاياه وتقضى منها ديونه فوقع الملك للميت أولا ثم انتقل إلى الوارث وكان المستحق لموجب الجناية هذا فيصير مختارا للفداء من الكل ضرورة. وفي رواية كتاب الدر لا يصير مختارا لان الملك في موجب الجناية يثبت للمولى ابتداء لا الميت ليس بأهل للملك فكان المستحق للجناية اثنين فالتفريق لا يلتحق
[ 148 ]
بأحدهما ضرر لم يكن مستحقا عليه. وفي قتل الخطأ لو كان الولي واحدا فاختار الفداء في النصف يكون اختيارا للفداء في حق الآخر ما دام العبد قائما لان حقهما ثبت في
العبد متفرقا مشتركا. وإذا مات العبد قبل أن يدفع النصف إلى الآخر يصير مختارا للفداء لان الحق ثبت للمقتول، ولو صالح أحدهما على نصف العبد خير المولى والولي المدفوع إليه بين أن يدفعا نصف العبد إلى الثاني أو يفديا لان الجناية انقلبت مالا والعبد في ملكهما فيعتبر بما لو لو جنى جناية خطأ والعبد ملكهما يخير بين الدفع والفداء فكذا هذا لان العبد فرغ من نصف الجناية بالصلح وبقي مشغولا بالنصف فثبت لهما الخيار في النصف. وإن صالح أحدهما عن جميع العبد قيل للشريك ادفع نصفه إلى أخيك أو أفده لانه انتقل الملك إليه ونصفه مشغول بالجناية، ولو قتلت أمة رجلا عمدا وله وليان فصالح المولى أحدهما على ولدها صار مختارا للفداء في نصيب الآخر فيفديه بنصف الدية. وذكر في كتاب الدرر لا يصير مختارا للفداء. ولو صالح أحدهما في ثلث الامة كان الثاني له خيار أن يدفعه أو يفديه. وفي الجامع والدرر: لا يكون منه اختيارا. وجه هذه الرواية أنه سوى بين الدفع والفداء في البعض وذلك لان الملك يقع للميت أولا ثم ينتقل إلى الوارث لما بينا فكان ملك الميت أصلا وملك الوارث بناء عليه فيكون المستحق للجناية واحدا، فاختيار الدفع والفداء في البعض يكون اختيارا في الكل لئلا يتفرق الملك على المستحق. وجه رواية الصلح وهو الفرق بين الدفع والفداء أن الانسان قد يضطر إلى أن يخرج بعض العبد عن ملكه لكي يعيد الزائل إلى ملكه في الثاني، وإذا وجد ثمن فلا يكون اختيار دفع النصف اختيار دفع النصف الآخر دلالة، فأما اختيار بعض الفداء يدل على اختيار إمساك الامة في ملكه لرغبة لامساكها المنافع تحصل له منها لا تحصل له من غيرها وتلك المنافع تحصل من كلها لا من بعضها، فاختيار إمساك الامة يدل على اختيار الفداء ضرورة اختيار الصلح أن يقول المولى اخترت الفداء أو الدلالة كما لو تصرف فيه بالبيع أو بالهبة أو بالصدقة أو بالعتق أو بالتدبير أو بالكتابة أو بعيب كفق ء العين والجراحة وقطع اليد. وأما في الرهن والاجارة والنكاح كما لو تزوج منه امرأة وكانت أمة فتزوجها فهذا لا يكون اختيارا في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي أنه يصير مختارا. ولو أن العبد ما ت قبل أن يختار المولى شيئا بطلت
الجناية عمدا كانت أو خطأ ولا يؤخذ المولى بشئ، فإن لم يمت ولكن قتله مولاه فإنه يصير مختارا للارش، فإن لم يقتله مولاه ولكن أجنبي، فإن كان عمدا بطلت الجناية وللمولى أن يقتص، وإن كان خطأ يأخذ القيمة ثم يدفع تلك القيمة إلى أولياء الجناية حتى لو تصرف في تلك القيمة لا يصير مختارا للارش. وكذلك لو قتله عبد فخير الولي بين الدفع والفداء ويدفع إلى ولى الجناية، ولو دفع العبد إلى مولى العبد المقتول قام مقامه لحما ودما كأنه هو فيخير المولى بالفداء حتى لو تصرف في العبد المدفوع بالبيع أو بالعتق أو نحوه فإنه يصير مختارا للفداء،
[ 149 ]
ولو لم يقتله عبد الاجنبي ولكنه قتله عبد آخر لمولاه فإنه يخير المولى بين الدفع والفداء بقيمة العبد المقتول فإن دفعه العبد إليسلم لهم، وإن اختار الفداء يفدى بقيمة العبد المقتول. ولو قطع الاجنبي يد هذا وفقا عينه أو جراحة فيخير العبد الاجنبي، فإن دفع أو فداه بالارش فإنه يقال لمولى العبد المفقوءة عينه ادفع عبدك هذا إلى ولي الجناية أو افده، وقيد الضمان في العتق يكون للقتل خطأ لانه لو كان عمدا فأعتق لا يلزمه شئ، ولو كان العبد قتل رجلا عمدا ووجب القصاص فأعتقه مولاه فلا يلزم المولى شئ، ولو كان للمقتول ولدان فعفا أحدهما بطل حقه وانقلب نصيب الآخر مالا فله أن يستسعى العبد في نصف قيمته ولا يجب على المولى نصف القيمة. هذا إذا جنى فقط، فلو جنى وأتلف مالا قال: ولو كان العبد استهلك مالا فوجب عليه وقتل آخر خطأ فحضر أصحاب الديون وأولياء الجناية معا فإنه يخير المولى بين الدفع والفداء، فإن ظهرت رقبة العبد عن الجناية فبعد ذلك يباع في الدين إلا إذا قضى السيد الدين، وإن اختار الدفع دفعه إلى أولياء الجناية ثم يتبعونه في دينهم. وإن حضر أصحاب الديون أولا فباع المولى العبد في دينهم بغير أمر القاضي فإنه ينظر، إن كان عالما بالجناية صار مختارا للفداء، وإن كان غير عالم بالجناية يلزمه الاقل من قيمته ومن الدين. وإن كان الدفع للقاضي فإن كان القاضي غير عالم بالجناية فباع العبد في الدين لم تبطل الجناية، وإن كان القاضي يعلم بالجناية فباعه في الدين بطلت الجناية. وفي الذخيرة وفي الاصل: إذا
جنى جناية وخير المولى بين الدفع والفداء فاختار نصف العبد واختار الفداء في نصفه الآخر فهذه المسألة على وجوه: أحدها أن يكون ولي الجناية واحدا بأن قتل العبد رجلا خطأ وله ولد واحد والقتل خطأ، وفي هذا الوجه إذا اختار المولى الفداء في نصف العبد يصير مختارا للفداء في الكل لذلك، وإذا اختار نصف العبد يصير مختارا لدفع الكل وهذا باتفاق الروايات. والثاني أن يكون المقتول اثنين بأن قتل العبد رجلين خطأ ولكل واحد منهما ابن واختار المولى الفداء في أحدهما أو الدفع فإنه يبقى على اختياره في حق الآخر وهذا باتفاق الروايات أيضا. الثالث إذا كان المقتول واحدا وله وليان فاختار المولى الفداء في حق الآخر ففي عامة الروايات يكون مختارا للفداء، وفي كتاب الدرر لا يكون مختارا للفداء، والاصل في هذه المسألة أن المولى متى أحدث في العبد تصرفا يعجزه عن الدفع وهو غير عالم بالجناية يصير مختارا، وإذا أحدث تصرفا لا يعجزه عن الدفع لا يصير مختارا. وإن كان عالما بالجناية، فإذا ثبت هذا الاصل فنقول الاعتاق تصرف يعجزه عن الدفع لان إعتاقه نافذ وبعد العتق لا يمكنه الدفع فإذا أعتق مع العلم بالجناية يكون مختارا للفداء، ولو كانت أمة فوطئها فهذا ليس باختيار للفداء عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر رحمه الله: يكون مختارا للفداء. وكذلك إذا تزوجها لا يكون مختارا للفداء. وفي الظهيرية: إلا إذا أحبلها. وفي التهذيب: ولو كانت أمة فتزوجها لا يصير مختارا للفداء، وكذلك إذا وطئها لا يكون مختارا للفداء إلا إذا كانت بكرا أو علقت.
[ 150 ]
وذكر في المنتفي عن أبي يوسف في مسألة الوطئ ثلاث روايات: قال في رواية الوطئ لا يكون مختارا للفداء وإن كانت الجارية بكرا وهذه روياة هشام، وفي رواية الحسن عن أبي مالك إن كان الوطئ نقصها فهو اختيار للفداء، وإن لم ينقصها فليس باختيار وبه كان يقول أبو حنيفة. وعن أبي يوسف رواية أخرى أن الوطئ اختيار للفداء على كل حال. وفي الذخيرة وذكر في عتاق الاصل أنه يكون اختيارا للفداء فإن استخدمها لا يكون اختيارا للفداء. وفي السغناقي: حتى لو عطبت في الخدمة لا ضمان عليه، وكذا لو كان عليه دين
فاستخدمه المولى لم يضمن الفداء. وفي السراجية: المولى إذا أذن العبد الجاني في التجارة ولحقه دين لم يصيره مختارا للفداء. وفيه أيضا: عبد قتل حرا خطأ ثم قتله رجل آخر خطأ فأخذ المولى قيمته من قاتله لم يكن مختارا ويضمن مثلها لمولى الحر. السغناقي: ولو ضربه ضربا أثر فيه الضرب حتي صار مهزولا وقلت قيمته ببقاء أثر الضرب فهو مختار إذا كان عالما بالجناية، وإذا ضربه وهو غير عالم بالجناية كان عليه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية إلا أن يرضى ولي الدم أن يأخذه ناقصا ولا ضمان على المولى. ولو ضرب المولى عنيه فابيضت وهو غير عالم به ثم ذهب البياض لا يكون مختارا للفداء بل يدفع ويفدي، ولو خوصم في حالة البياض فضمنه القاضي الدية ثم زال البياض فالقضاء نافذ فلا يرد. وأطلق في العتق والضمان فشمل ما إذا أعتقه بإذن ولي المجني عليه أو لا. وفي نوادر ابن سماعة: إذا أعتقه المولى بإذن ولي الجناية فهو اختيار للفداء وعليه الدية. وفي الاملاء عن محمد رحمه الله: إن إجازة بيع العبد بعد جنايته في يده ليس باختيار للفداء في قول أبي يوسف ومحمد ويقال للمشتري ادفع أو رد. وفي التجريد: وأطلق في العتق فشمل ما إذا أعتق أو أمر به قال: ولو أمر المولى المجني عليه بإعتاقه فأعتقه صار المولى مختارا. عبد بين رجلين جنى جنايتين فشهد أحد الموليين على صاحبه أنه أعتقه لم تجز شهادته عليه ولو بالغا حين شهد بهذا فعليه نصف الدية وعلى الآخر نصف القيمة. وفيه: رجل ورث عبدا أو اشتراه فجنى جناية وزعم المولى بعد جنايته أن الذي باعه إياه كان أعتقه قبل البيع أو أن أباه كان أعتقه فإنه مختار للفداء بهذا القول. وفي الجامع الصغير: إذا قال لعبده إذا قتلت فلانا أو أدميته أو شججته أو ضربته فأنت حر يصير مختارا للفداء. وفي الكافي: يكون على المولى دية القتيل عند علمائنا الثلاثة. وفي الكافي وقال زفر: لا يصير مختارا للفداء وعليه قيمة العبد. قال الشيخ الامام خواهر زاده: هذا إذا علق العتق بضرب يوجب الضمان حتى يكون المولى يخير بين الدفع والفداء، وأما إذا علق العتق بضرب يوجب القصاص بأن قال إن ضربت فلانا بالسيف فأنت حرفإنه لا يلزم المولى شئ لا القيمة ولا الفداء. وفيه:
رجل أذن لعبده في التجارة فلحقه دين ألف درهم وقيمته ألف وجنى جناية فأعتقه المولى وهو لا يعلم فإن عليه قيمتين. قتل العبد المرهون رجلا خطأ وقيمته مثل الدين فللمرتهن أن يفدي
[ 151 ]
وليس له أن يدفع، فإن قال لا أفدي كان للراهن أن يدفع بالجناية، فإن أعتقه كان مختارا للفداء. وفي الكافي: ولو أقر مولى الجناية بعد العلم بالجناية أن العبد لهذا فهو اختيار للفداء عند زفر، وعندنا لا يكون مختارا. وفي السغناقي: ولو أن عبدافي يد رجل جنى جناية فقال ولي الجناية هو عبدك وقال الرجل هو وديعة عندي لفلا أو عارية أو إجارة أو رهن، فإن أقام على ذلك بينة أجزت الامر فيه، وإن لم يقم خوطب بالدفع أو الفداء. وقال زفر: مختار الدية بمجرد قوله إنه لفلان فإن فداثم قدم الغائب أخذه عبده بغير شئ، وإن كان دفعه فالغائب بالخيار إن شاء أمضذلك، وإن شاء أخذ العبد ودفع الارش. وفي المنتقي: عبد قتل قتيلا وقامت علية البينة بذلك ثم أقر المولى أنه قتل قتيلا آخر فإنه يؤمر بدفعه إليهما نصفين ثم يضمن نصف قيمته لصاحب البينة. الحسن بن زياد عن أبي يوسف: رجل أقر أن عبده قتل رجلا خطأ ثم أقر عليه أيضا برجل آخر أنه قتله خطأ يقال للمولى ادفع عبدك للاول خاصة أو افده، فإن دفعه فلا شئ للآخر، وإن فداه من الاول قيل له ادفع إلى الآخر نصيبه أو افده بنصف الدية. وروي ابن مالك أنه يقال للمولى ادفعه إليهما نصفين، فإن دفعه غرم الاول نصف قيمته، وإن قال أنا أفديه من الآخر دفعه كله إلى الاول، فإن قال أفديه من الاول دفع نصفه إلى الآخر وهو قول زفر. وذكر العباس بن الوليد عنه أنه إذا دفع نصفه إلى الثاني فهو مختار الدية من الاول. رجل في يديه عبد لا يدري أنه له أن لغيره لم يدع صاحب اليد أنه له ولم يسمع من العبد إقراره أنه عبد صاحب اليد إلا أنه يقر بأنه عبد فجنى هذا العبد جناية وثبت ذلك بالبينة أو بإقرار صاحب اليد ثم إن صاحب اليد أقر أنه عبد رجل وصدقه المقر له بذلك وكذبه في الجناية، فإن كانت الجناية بينة قيل للمقر له ادفع أو افده، وإن كانت الجناية بإقرار الذي كان العبد في يده أخذ المقر له العبد وبطلت الجناية ولم يكن
على المقر من الجناية شئ. وفيه أيضا: عبد قطع يد رجل خطأ فبرأت فدفعه مولاه بجنايته ثم انتقض الجرح فمات منه قال يدفع قيمة عبده. وفي العيون الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في عبد قطع أصبع رجل خطأ ففداه المولى بألف ثم مات المقطوع أصبعه كان ذلك الفداء باطلا وكان عليه تمام الدية إن كان الفداء بغير قضاء القاضي، وصار بمنزلة من أعتق وهو يعلم. وفي الكافي: رجل قطع يد رجل عمدا فصالح المقطوعة يده على عبد ودفع إليه فأعتقه المقطوع يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية، وإن لم يعتقه رد على مولاه، وقيل للاولياء إما أن تقتلوه وأما أن تعفوا. وفي النوادر: عبد جنى فأقر ابن السيد أنه حر فمات السيد فورثه هذا الابن فهو حر وعلى الابن الدية. جارية جنت وهي حامل فأعتق السيد ما في بطنها وهو يعلم بالجناية صار مختارا قبل أن تضع ولو لم يكن عالمة بالجناية، فإن حضر الطالب قبل الوضع خير إن شاء ضمن المولى قيمتها حاملا، وإن شاء أخذها حاملا بجنايتها وكان ولدها حرا، وإن حضر بعد ما ولدت
[ 152 ]
خير المولى إن شاء دفع، وإن شاء فدى ولا سبيل على الولد. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا أعتق الرجل ما في بطن جاريته ثم جنت جناية فدفعها بالجناية جاز. وفي العيون أيضا: باع جارية فولدت عند المشتري لاقل من ستة أشهر فجنى على الولد ثم ادعاه البائع وهو يعلم بالجناية فعليه الدية لاصحاب الجناية في قول أبي يوسف. وقال زفر رحمه الله تعالى: عليه القيمة دون الدية والفتوى على قول أبي يوسف. وفيه أيضا: جارية بين رجلين فولدت ولدها، فإن ادعاه أحدهما وهو عالم بالجناية قال أبو يوسف: الدية عليه، وإن لم يعلم قال زفر: إذا علم فعليه نصف القيمة. وفي العيون: جارية بين رجلين جاءت بولد فجنى الولد جناية فادعاه أحدهما، فإن علم بالجناية فعليه نصف الدية، وإن لم يعلم فعليه نصف القيمة، وهذا قول. وقال أبو يوسف: عليه نصف الدية علم أو لم يعلم. قال لعبديه أحد كما حر ثم جنى أحدهما ثم صرف المولى العتق إليه قال أبو يوسف: إن علم بالجناية
فعليه الدية. وقال زفر: عليه القيمة. وفي الظهيرية: ولو جنى كل واحد منهما بعد الايجاب ثم بين العتق في أحدهما عتق ولزمه الاقل من قيمته ومن الدية وبقي الآخر ملكا له يقال ادفعه أو افده بالدية ولا يصير مختارا للفداء ولكن لو كانت جناية أحدهما قطع يد رجل وجناية الآخر نفس لا يختلف الجواب. وفي التجريد قال أبو يوسف: إذا غصب رجل عبدا فقتل عنده قتيلا خطأ ورده على مولاه فقتل عنده قتيلا ودفعه المولى بالجنايتين رجع الولي على الغاصب بنصف القيمة وذفع إلى ولي الجناية الاولى ثم برجع به على الغاصب فيسلم له. وقال محمد وزفر: يأخذ نصف القيمة فيسلم له ولا يدفعها إلى ولى الجناية. عبد جنى فأوصى المولى بعتقه في مرضه فأعتقه الوارث أو الوصي، فإن الوصي عالما بالجناية فعليه الدية قدر قيمته من جميع المال والزيادة من الثلث، وإن لم يكن عالما بها تجب القيمة في ما الميت في قول زفر، ولم يذكر أن الذي أعتق هل يضمن وماذا يضمن. وقال أبو يوسف: إن علم الذي أعتقه بالجناية فعليه الدية. قال الفقيه أبو الليث: أن يكون هذا قول أبي يوسف الاول أما على قياس قوله الآخر ينبغي أن يكون قوله مثل قول زفر كما قال في آخر كتاب البيوع: لو اشترى عبدا ولم ينقد الثمن حتى وكل وكيلا بعتقه فأعتقه الوكيل لا ضمان على الوكيل في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد. وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله. هذا إذا كانت الوصية بالعتق بعد ما جنى، أما إذا أوصى بعتقه قبل الجناية ثم جنى فمات الموصي فأعتقه الوصي وهو يعلم بالجناية فهو ضامن للجناية، وإن لم يعلم فهو ضامن من القيمة ولا يرجع على الورثة. إذا وكل رجلين بعتق عبده ثم إن العبد جنى جناية ثم أعتقه الوكيل وهو يعلم بالجناية فالمولى ضامن لقيمة العبد إن لم يكن عالما بالجناية. وفي المنتقي وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا أوصى بعتق عبده ثم مات وقد كان أوصى إلى رجل فجنى العبد جناية بعد موت الموصي ثم أعتقه الوصي وهو يعلم بالجناية فهو مختار الدية في ماله، وإن لم يعلم فعليه القيمة. وفي الظهيرية:
[ 153 ]
ولو قال لعبديه وقيمة كل واحد منهما ألف أحدكما حر ثم قتل أحدهما إنسانا خطأ ثم مات
المولى قبل البيان وهو عالم بالجناية عتق من كل واحد منهما سش نصفه ويسعى في نصف قيمته ويجب على المولى قيمة العبد الجاني فيستوفي من جميع تركته ولا يصير مختارا للفداء بالموت من غير بيان واحد من العبدين. وفي التجريد: ولو قتل العبد المغصوب في يد الغاصب ومات وقد كان جنى قبل الغصب جنايات فالقيمة لاصحاب الجنايات ولا خيار للمولى في ذلك ولا يجوز إقرار العبد المأذون والمحجور عليه بالجناية ولا يسعى بعد العتق، ولو أقر بعد العتق أنه كان جنى في حالة الرق لم يلزمه شئ، ولو قتل العبد قتيلا خطأ ثم قطعت يد العبد ثم آخر خطأ فارش يده يسلم لاولياء الجناية الاولى ثم يدفعه العبد فيكون بين ولي الجنايتين، ولو اختلف المولى. وولي الجناية فادعى المولى أن قتل كان قبل الجناية وادعى ولي الجناية أنه كان بعدها فالقول قول الولي. ولو شج انسانا موضحة وقيمته ألف ثم قال قتل آخر وقيمته ألفان فإن المولى يدفع بينهما على أحد وعشرين سهما لصاحب الموضحة سهم، وعشرون لولي القتيل. وكذلك لو كان عمي بعد القتل قبل الشجة وما يحدث من الزيادة والنقصان فهو على الشركة. وفي العيون: إذا أوصى بعتق عبد له فجنى العبد جناية أرشادهم فقالت الورثة بعد موت الموصى لانفدي فلهم ذلك. فإذا تركوا الفداء يدفع بالجناية وتبطل بالوصية إلا أن يؤدي العبد من غير ما اكتسبه بأن يقول للانسان أدعني درهما ففعل يصح ويصير ذلك الدرهم دينا على العبد يطالب به إذا اعتق. قال رحمه الله: (ولو عالما بها لزمه الارش كبيعه وتعليق عتقه بقتل فلان ورميه وشجه إن فعل ذلك) يعني أعتق عبده عالما بالجناية صار مختارا للفداء بهذا العتق لان الاعتاق يمنع من الدفع فلاقدام عليه اختيار، فإذا أعتقه وهو يعلم بالجناية صار مختارا للفداء لما قلنا وهو المراد بقوله كبيعه يعني لو باعه عالما بالجناية وعلى هذين الوجهين الهبة والتدبير والاستيلاد لان كل واحد منهما يمنع من الدفع لزوال الملك والتمليك به بخلاف الاقرار لغيره بالعبد الجاني على رواية الاصل لانه لا يسقط به حق ولي الجناية فإن المقر له يخاطب بالدفع إليه وليس فيه نقل الملك لان الاقرار ليس بتمليك من جهة المقر وإنما إظهار الحق فيحتمل أن لم يكون صادقا بذلك، فإذا لم يصر مختارا لا يلزمه الفداء وتندفع الخصومة عنه إن أقام بينة أنه
للمقر له، وإن لم تقم فيقال له إما أن تفديه أو تدفعه، فإن فداه صار متطوعا بالفداء حتى لا يرجع به على المقر له إذا حضر وصدقه أنه له، وإن دفعه كان المقر له بالخيار إذا حضر إن شاء أجاز دفعه، وإن شاء فداه. ولا فرق في هذا المعنى بين أن تكون الجناية في النفس أو في الاطراف لان الكل موجب للفداء فلا يختلف، وكذا لا فرق في البيع بين أن يكون بتا وبين أن يكون فيه خيار المشتري لان الكل يزيل الملك بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ثم نقضه أو العرض على البيع لان الملكلم يزل به، ولا يقال المشتري بالخيار إذا باع بشرط الخيار له يصير مختارا للاجازة به فوجب هنا أن يكون مختارا للفداء لانا نقول: لو لم يكن المشتري
[ 154 ]
مختارا للزم منه ملك غيره وهنا لا يلزم، ولانه يلزم في البيع بيع الغرر هنا لا يلزم. ولو باعه بيعا فاسدا لم يصير مختارا للفداء حتى يسلمه لان الملك لا يزول إلا به بخلاف الكتابة الفاسدة حيث يكون مختارا للفداء بها لان حكم الكتابة تعلق العتق بأداء المال وفك الحجر عن العبد في الحال وهو ثابت بنفس الكتابة ولا كذلك البيع الفاسد لان حكمه وهو الملك لا يثبت إلا بالقبض. ولو كانت الكتابة صحيحة ثم عجز كان له أن يدفعه بالجناية، فإن كان ذلك قبل أن يقضي عليه بالقيمة وبعدها لا يدفعه لتقرر القيمة بالقضاء. ولو باعه من المجني عليه كان مختار للفداء بخلاف ما إذا وهبه منه لان المستحق له أخذه بغير عوض وهو متحقق في الهبة دون البيع واعتاق المجني عليه بأمر المولى بمنزلة إعتاق المولى فيما ذكرنا لان فعل المأمور به ينتقل إلى الآمر. ولو ضربه فنقصه كان مختارا بعد العلم لانه جنس جزء منه، فإن أزال النقصان قبل القضاء بالقيمة كان له أن يدفعه بها الزوال المانع من الدفع قبل استقرار القيمة ويصير مختارا بالاجارة والرهن في رواية كتا ب الاعتاق لانهما الازمان فيكون محدثا فيه ما يعجز عن الدفع والاظهر أنه لا يصير مختاربهما للفداء لانه لم يعجزه عن الدفع لان له أن يفسخ الاجازة والرهن لحق المجني لتعلق حقه بعين العبد سابقا على حقهما فيفسخان صونا لحقه عن البطلان، وكذا يصير مختارا بالاذن في التجارة وإن ركبه دين لان الاذن لا يفوت الدفع ولا ينقض الرقبة إلا أن
لمولى الجناية أن يمتنع من القبول لان الدين لحقه من جهة المولى بعدما تعلق به حقه فلزم المولى قيمته. ولو جنى جنايتين فعلم بأحدهما دون الاخرى وتصرف به تصرفا يصير به تصرفا مختارا للفداء فيما علم، وفيما لا يعلم يلزمه حصته من قيمة العبد. وقوله كبيعه وتعليق عتقه بقتل فلان أو رمية وشجه إن فعل ذلك أي يصير مختارا ببيعه بعد العلم بها وبتعليق عتقه بما ذكرنا من القتل والرمي والشج يصير مختارا كما يصير مختارا بالاعتاق بعد الاعلام بها، وإنما يصير مختارا بالتعليق عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر: لا يصير مختارا كما لا يصير مختارا بالاعتاق بعد الاعلام بها وإنما يصير مختارا بما ذكرنا لان أوان تكلمه به لا جناية من العبد ولا علم للمولى بما سيؤجد بعد وبعد الجناية لم يوجد منه فعل يصير به مختارا ألا ترى أنه لو علق الطلاق أو العتاق بالشرط ثم حلف أن لا يطلق أو لا يعتق ثم وجد الشرط وثبت العتق والطلاق لا يحنث بذلك في يمينه فكذا هذا ولنا أنه علق الاعتاق بالجناية والمعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز عنده فصار كما إذا أعتقه بعد الجناية ألا ترى أن من قال لامرأته إذا دخلت الدار فوالله لا أقربك أربعة أشهر يصير ابتداء إلا يلاء من وقت الدخول، وكذا إن قال لها إذا مرضت فأنت طالق ثلاثا ومات من ذلك يصير فارا لانه يصير مطلقا بعد الدخول ووجود المرض بخلاف ما أورده لان غرضه طلاق أو عتاق يمكنه الامتناع عنه فلا يدخل تحته ما لا يمكنه الامتناع عنه، ولانه حرصه على مباشرة الشرط بتعليق أقوى الدواعي إلى القتل، والظاهر أنه يفعله وهذا
[ 155 ]
دلالة الاختيار. هذا إذا علقه بجناية توجب المال كالخطأ وشبه العمد، وإن علقه بجناية توجب القصاص بأن قال له إن ضربته بالسيف فأنت حر فلا يجب على المولى شئ بالاتفاق لانه لا فرق بين العبد والحر في القصا ص فلم يكن المولى مفوتا حق ولي الجناية بالعتق. وبكل قتل تجب الكفارة فيه يصير المولى مختارا كالقتل بالمباشرة، وإن لم تجب الكفارة فيه لا يصير مختارا وهو القتل تسببا كما لو وقع في بئر حفرها المولى لان القتل تسببا ليس بقتل حقيقة لان
القتل فعل في الحر ويؤثر في إزهاق الروح والتسبب ليس بفعل في الحر لانه لم يوصل إلا إلى الدية ولهذا لم يجب القصاص ولا يحرم الارث فلم يصر مستملكا للعبد وبالقتل مباشرة صار مستدعيا للعمد في كل موضع صار متلفا للعبد يضمن الفداء لما بينا. ولو أخبره عبده بالجناية فاعتقه المولى وقال لم أصدقه فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يضمن ما لم يخبره رجل حر عدل، وعندهما يضمن الدية وإن كان المخبر فاسقا أو كافرا وقد مرت في الوكالة والشفعة. ولو به لغيره فهو على قسمين: إما أن أقر بالجناية أولا ثم بالملك أو على عكسه، وكل قسم لا يخلوا إما أن كان الملك في العبد معروفا للمقر أو كان مجهولا. أما القسم الاول لو أقربا بالجناية ثم بالملك لغيره والملك في العبد معروف للمقر، فإن صدقة المقر له في الملك والجناية جميعا يقال للمقر له ادفع العبد أو فده لانه صح الاقرار لان حق المجني عليه لا يمنع نفوذ تصرف المولى لان حقه في الدافع أو الفداء وهو باق بعد الاقرار والثابت بالاقرار كالثابت بالبينة العادلة، ومتى ظهر الملك للمقر له بالاقرار ظهر أن الجناية صدرت من ملكه وإن كان كذبه فيها لا يكون المقر مختارا للفداء خلافا لزفر، له أن صحة الاقرار لا تتوقف على تصديق المقر له، ولهذا لو مات المقر قبل التصديق يصير المقربه ميراثا لورثته فقد زال العبد عن ملكه بنفس الاقرار وهو عالم بالجناية فيصير مختارا. ولنا أن صحة الاقرار لا توجب على التصديق والبطلان يتوقف على التكذيب وإذا اتصل به التكذيب بطل من الاصل، فلو صدقه في الملك وكذبه في الجناية صار المقر مختارا للفداء لان الاقرار بالجناية على العبد صادف ملكه في العبد فصح، ثم إذا أقر بالملك لغيره وصدقه المقر له صار مزيلا للعبد عن ملكه فصار كما لو باعه أو وهبه. وأما القسم الثاني لو أقر بالملك أولا ثم بالجناية إن صدقه فيهما فالخصم هو المقر له، وإن كذبه فيهما فالخصم هو المقر، وإن صدقه في الملك وكذبه في الجناية هدرت الجناية لانه لما صدقه المقر في الملك ظهر أن اقراره بجناية العبد صادق فلا يصح إقراره بالجناية متى كذبه المقر له فلم تثبت الجناية، وكذلك إن كان العبد مجهولا لا يدري أنه للمقر أم لغيره فأقر بالجناية أولا ثم بالملك أو بالملك أولا ثم بالجناية لان الملك ثابت للمقر بظاهر اليد لا يستند إلى دليل، والملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح
حجة للاستحقاق واختيار الفداء فلم يصر مختارا للفداء بخلاف ما لو كان الملك ك له معروفا لان ملكه ثابت مستند إلى دليل سوى ظاهر اليد فصلح حجة لاثبات ما لم يكن، ولو قال كنت بعته من فلان قبل الجناية وصدقه فلان يخير المشتري بين الدفع والفداء لانه ثبت الملك بتصادقهما.
[ 156 ]
قال رحمه الله: (عبد قطع يد حر عمدا ودفع إليه فحرره فمات من اليد فالعبد صلح بالجناية وإن لم يحرره رد على سيده ويقاد) لانه إذا لم يعتقه وسرى ظهر أن الصلح كان باطلا لان الصلح وقع على المال وهو العبد عن دية اليد لان القصاص لا يجري بين الحر والعبد في الاطراف وبالسراية ظهر أن دية اليد غير واجبة وأن الواجب هو القود فصار الصلح باطلا لان الصلح لا بد له من مصالح عنه والمصالح عنه المال ولم يوجد فبطل الصلح والباطل لا يورث شبهة كما لو وط مطلقته ثلاثا في عدتها مع العلم بحرمتها عليه فإنه لا يصير شبهة في درء الحد فكذا هذا فوجب القصاص. أقول: فيه بحث وهو أنه إذا أراد أن البطلان لا يورث الشبهة فيما إذا علم بطلانه كما هو الظاهر مما ذكره في نظيره حيث قال فيه مع العلم بحرمتها عليه فهو مسلم لكن لا يجدي نفعا ههنا لان الدافع لم يعلم أن القطع يسري فيكون موجبه القود بل ظن أن لا يسري وكان موجبة المال، وإن أراد أن الباطل لا يورث الشبهة وإن لم يعلم بطلانه فهو ممنوع ألا ترى أنه إذا وطئ المطلقة ثلاثا في عدتها ولم يعلم يحرمتها عليه بل ظن أنها تحل له فإنه يورث الشبهة فيدرء الحد كما صرحوا به في كتاب الحدود، ويفهم أيضا ههنا من قوله مع العلم بحرمتها عليه. وأما إذا أعتقه فقد قصد صحة الاعتاق ضرورة لان العاقل يقصد تصحيح تصرفه ولا صحة له إلا بالصلح عن الجناية وما يحدث منها ابتداء ولهذا لو نص عليه ورضي به جاز فكان مصالحا عن الجناية، وما يحدث منها على العبد مقتضى الاقدام على الاعتاق والمولى أيضا مصالحا لجامعه على هذا الوجه راضيا به لانه لما رضي بكون العبد عوضا عن القليل كان راضيا بكونه عوضا عن الكثير، فإذا أعتقه صح الصلح في ضمن الاعتاق ابتداء، وإذا لم يعتقه لم يوجد الصلح ابتداء والصلح الاول وقع باطلا فيرد العبد إلى المولى والاولياء بالخيار إن شاؤا عفوا عنه، وإن شاؤا قتلوه. وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل عمدا فصالح المقطوع يده على عبده ودفعه
إليه فأعتقه المقطوع يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية، وإن لم يعتقد رد على مولاه، وقيل للاولياء إما أن تقتلوه أو تعفوا عنه، والوجه ما بيناه فاتحد الحكم والعلة واختلفا صورة: ثم هذه المسألة وهي مسألة الصلح ترد إشكالا على قول أبحنيفة فيما إذا عفا عن اليد ثم سرى إلى النفس ومات حيث يبطل العفو ولا يجب القصاص هناك، وفي هذه المسألة قال: يبطل الصلح ويجب القصاص فيما إذا لم يعتق العبد، وإن أعتقه فالصلح باق على حاله، فالجواب أما إذا لم يعتقه فقد قيل ما ذكر في مسألة الصلح جواب القياس، وما ذكر في مسألة الصلح جواب الاستحسان فيكونان على القياس والاستحسان. وقيل بالفرق بينهما ووجهه أن الصلح عن الجناية على مال يقرر الجناية ولا يبطلها لان الصلح عن الجناية استيفاء للجناية معنى باستيفاء بدلها ولهذا تعينت الجناية وتوفر عليه عقوبتها وهو القصاص، أقول: يرد عليه
[ 157 ]
أنه إن أريد بقولهم الصلح لا يبطل الجناية بل يقررها أن الصلح لا يسقط موجب الجناية بل يبقيه على حاله فهو ممنوع كيفما كان، وقد صرحوا في صدر كتاب الجنايات بأن موجب القتل العمد القود إلا أن يعفو الاولياء أو يصالحوا فقد جعلوا الصلح كالعفو وفي إسقاط موجب الجنايات، وإن أريد بذلك أن الصلح لا ينافي ثبوت موجب الجناية في الاصل بل يقرر ذلك حيث وقع الصلح عنه على مال، وإن سقوطه بعد تحقق الصلح فهو مسلم لكن لا يتم حينئذ قولهم، فإذا لم تبطل الجناية لم يمنع العقوبة إذا لا يلزم من عدم بطلان الجناية بمعنى ثبوتها في الاصل عدم امتناع العقوبة بعد تحقق الصلح عنها كما هو الحال فيما نحن فيه بل لا يتم حينئذ الفرق رأسا بين صورتي الغد والصلح، والعفو أيضا لا ينافي ثبوت موجب الجناية في الاصل قبل العفو كما لا يخفي. وأما العفو فهو معدم للجناية والعفو عن القطع وإن بطل بالسراية إلى النفس لكن بقيت شبهته لوجود صورة العفو وهي كافية لدرء الحد، وأما إذا أعتقه فجوابه هو الفرق الذي ذكرناه أن العتق يحصل صلحا ابتداء بخلاف العفو، وعلى قولهما أيضا يرد في الصورتين لانهما كانا يجعلان العفو عن القطع عفوا عما يحدث منه وفي الصلح لم يجعلا كذلك بل أوجبا القصاص عليه إذا لم يعتقه
وجعلاه صلحا مبتدأ إذا أعتقه وقد قدمنا مسائل سراية الجرح فلا نعيدها، والله أعلم. قال رحمه الله: جنى ماذون مديون خطأ فحرره سيده بلا علم عليقيمتان قيمة لرب الدين وقيمة لولي الجناية) لانه أتلف حقين كل واحد منهما مضمون بكل القيمة على الانفراد الدفع على الاولياء والبيع على الغرماء فكذا عند الاجتماع، ويمكن الجمع بين الحقين أيضا من الرقبة الواحدة بأن يدفع إلى ولي الجناية أولا ثم يباع للغرماء فيضمنهما بالتفويت بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي والمسألة بحالها حيث يجب عليه قيمة واحدة للمولى بحكم الملك في رقبته فلا يظهر حق الفريقين بالنسبة إلى ملك المالك لانه دون الملك فصار كأنه ليس فيه حق ثم الغريم أحق بتمليك القيمة لانها مالية العبد والغريم مقدم في المالية على ولي الجنابة لان الواجب أن يدفع إليه ثم يباع للغريم فكان مقدما معنى والقيمة هي فتسلم إليه، وفي الفصل الاول كان التعارض بين الحقين وهما متساويان فيضمنهما فيظهران. وقيد بعدم العلم لانه لو أعتقه وهو عالم بالجناية كان عليه الدية إذا كانت الجناية في النفس لاوليائه وقيمة العبد لصاحب الدين لان الاعتاق بعد العلم موجب الارش، والاصل أن العبد إذا جتى وعليه دين خير المولى بين الدفع إلى ولي الجناية والفداء، فإن اختار الدفع إلى ولي الجناية دفع ثم يباع في الدين، فإن فضل شئ فهو لولي الجناية لانه بدل ملكه وإلا فلا شئ له، وإن بدأ بالدفع جمعا بين الحقين لانه أمكن بيعه بعد الدفع، ولو بدأ ببيعه في الدين لا يمكن دفعه بالجناية لانه لم يوجد في يد المشتري جناية، ولا يقال لا فائدة في الدفع إذا كان يباع عليه لانا نقول: فائدته ثبوت استخلاص العبد لان ولي الجناية ثبت له حق الاستخلاص وللانسان أغراض في
[ 158 ]
العين، فإذا كان الواجب هو الدفع فلو أن للمولى دفعة إلى ولي الجناية بغير قضاء لا يضمن استحسانا لانه فعل عين ما يفعله القاضي وفي القياس يضمن قيمته لوجود التمليك كما لو باعه أو وهبه، ولو دفعه إلى أصحاب الدين صا مختارا للفداء كما لو باعه لانه ليس بواجب عليه بل الواجب عليه الدفع الجناية أولا. ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عليه ثم
حضر ولي الجناية ولم يفضل من الثمن شئ سقط حقه لان القاضي لا تلزمه العهدة فيما فعل، ولو فسخ البيع ودفع إلى ولي الجناية لا حتيج إلى بيعه ثانيا لما ذكرنا فلا فائدة في الفسخ وقد قررنا هذه المسألة بفروعها. قال رحمه الله: (ماذونة مديونة ولدت بيعت مع ولدها في الدين وإن جنت فولدت لم يدفع الولد له) والفرق إن الدين متعلق برقبتها لان الدين عليها وهو وصف لها حكمي فسرى إلى الولد لان الصفات الشرعية الثابتة في الاصل تسري إلى الفروع كالملك والرق والحرية، وأما الدفع في الجناية فواجب في ذمة المولى لا في ذمتها وإنما يلاقيها أثر الفعل الحقيقي وهو الدفع وقبل الدفع كانت رقبتها خالية عن حق الجناية فكذلك لا يجري القصاص على الاولاد ولا الحد لانهما فعلان محسوسان كالدفع ولا يبيعها فيه. فإن قيل: إذا كان الدين عليهما فلماذا يضمن المولى إذا أعتقها والانسان إذا أتلف المديون لا يضمن شيئا؟ قلنا: وجوب الضمان باعتبار تفويت ما تعلق به حقهم استيفاء لا باعتبار وجوب الدين على المولى ألا ترى أنه يضمن القيمة لاغير، ولو كان باعتبار الوجوب عليه يضمن كل الدين كالعبد الجاني إذا أعتقه الولى بعد العلم بالجناية ولهذا يتبع الغريم بالفاضل العبد المديون بعد العتق، ولو كان على المولى لما أتبعه كالعبد الجاني ولا يرد علينا وجوب دفع الارش معها إذا جنى عليها قبل الدفع وأخذ المولى الارش لان الارش بدل جزئها وهو ولي الجناية متعلق بجميع أجزائها، فإذا فات جزء منها وأخلف بدلا تعلق به حقه كما إذا قتلت وأخلفت بدلا اعتبارا للجزء بالكل بخلاف الولد. وقوله مأذونة ولدت شرط السراية إلى الولد أن تكون الولادة بعد لحوق الدين لانها إذا ولدت ثم لحقها الدين لا يتعلق حق الغرماء بالولد بخلاف الاكتساب حيث يتعلق حق الغرماء بما كسبت قبل الدين وبعده لان لها يدا معتبرة في الكسب حتى لو نازعها فيه أحد كانت هي الخصم فيه، فباعتبار اليد كانت هي أحق به من سيدها لقضاء دينها بخلاف الولد فإنه إنما يستحق بالسراية وذلك قبل الانقضاء لا بعده كولد المكاتبة وولد أم الولد والمدبرة وكولد الاضحية لانها حقوق مستقرة في الرقبة حتى صار صاحبها ممنوعا عن التصرف. وإذا جنى العبد جناية ثم أذن له المولى في التجارة
فلحقه دين دفع بجنايته فإن الدائن يتبعه، فإذا بيع لهم رجع أولياء الجناية على المولى بقيمة العبد، وكذلك لو أقر عليه بدين ثم دفعه بجنايته في دينه ورجع أولياء الجناية بقيمته على
[ 159 ]
المولى، وذكر بعد هذا إذا وجب الدين على العبد ببينة ثم أقر المولى عليه بجنايته خطأ بيع العبد في الدين وليلتفت إلى الجناية. وفيه أيضا: رجل في يده عبد لا يدري أنه له أو لغيره ولم يدع صاحب اليد أنه له ولم يسمع من العبد إقرار أنه عبد صاحب اليد إلا أنه يقر بأنه عبد فجنى هذا العبد جناية وثبت ذلك بالبينة أو بإقرار صاحب اليد، ثم إن صاحب اليد أقر أنه لرجل وصدقه المقر له بذلك وكذبه في الجناية فإن كانت الجناية ببينة قيل للمقر له ادفع أو افده، وإن كانت الجناية باقرار الذي كان العبد في يده أخذ المقر له العبد وبطلت الجناية ولم يكن على المقر من الجناية شئ وقد قدمناها بغير هذه العبارة. قال رحمه الله: (عبد زعم رجل أن سيده حرره وقتل وليه خطأ لا شئ له عليه) معناه إذا كان العبد لرجل فزعم رجل أن مولاه أعتقه فقتل العبد خطأ ولي ذلك الرجل الذي زعم أن مولاه أعتقه وليه فلا شئ له لانه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد أقر أنه لا يستحق على المولى دفع العبد ولا الفداء بالارش وإنما يستحق الدية عليه وعلى العاقلة لانه حر فيصدق في حق نفسه فيسقط الدفع والفداء عن المولى ولا يصدق في دعواه الدية عليهم إلا بحجة. وقال في النهاية: وضع المسألة فيما إذا جنى جناية ثم أقر المجني عليه أنه حرره قبل الدفع وجعل في الكتاب الاقرار بالحرية قبل الجناية وهما لا يتفاوتان، وكذا إذا أقر المجني عليه بعد الدفع إليه أنه حر لانه ملكه بالدفع وقد أقر له بحريته فيعتق عليه بإقراره، وصار نظير من اشترى عبدا ثم أقر بتحريره مولاه قبل الدفع. وفي الاصل جعل المسألة على ثلاث أوجه: أما إن أقر ولي الجناية أن العبد حر الاصل أو أقر أنه حر أو أقر أن مولاه أعتقه، فإن أقر أنه حر الاصل فلا ضمان لولي الجناية لا على العبد ولا على المولى، وكذلك الجواب إذا أقر أنه حر الاصل أو أقر أن مولاه أعتقه، فأما إذا أقرأنه أعتقه فإن أقر به قبل الجناية فالجواب كالجواب فيما إذا أقر أنه
حر الاصل، وإن أقر أنه أعتقه بعد الجناية فقد أقر ببراءة العبد وادعى على المولى الفداء إن ادعى أنه أعتقه وهو عالم بالجناية، وإن ادعى أنه لم يكن عالما ادعى على المولى ضمان القيمة وأنكر المولى ما ادعى عليه من ضمان الفداء أو القيمة فيكون القول قول المولى مع يمينه وعلى ولي الجناية إقامة البينة، وفي المسألتين الاوليين لا يدع على المولى ضمانا فلا يكون بين ولي الجناية وبين المولى خصومة ويكون العبد على حاله. هذا إذا كان الاقرار من ولي الجناية قبل الدفع، فأما إذا كان الاقرار من ولي الجناية وبين المولى خصومة ويكون المولى بعد الدفع إليه أقر أنه حر الاصل أو أقر أنه حر لم يكن له على المولى سبيل ولا على العبد إلا أن العبد يعتق ولا يكون لاحد على العبد ولاء، وإن أقر أنه كان أعتقه قبل الجناية فإنه يحكم بحرية العبد لانه أقر بحريته والعبد في ملكه ويكون ولاؤه موقوفا لانه لمولى العبد ومولى العبد يبرء من ذلك وأقر بأنه لولي الجناية، فإن زعم أنه أعتق من جهته فيكون ولاؤه موقوفا. قال رحمه الله:
[ 160 ]
(قال معتق لرجل قتلت أخاك خطأ وأنا عبد وقال بعد العتق فالقول للعبد) معناه إذا أعتق العبد ثم قال لرجل بعد العتق قتلت أخاك خطأ وأنا عبد وقال الرجل قتلته وأنت حر فالقول قول العبد لانه منكر للضمان لما أنه أسند إلى العتق حالة معهودة منافية للضمان إذ الكلام فيما إذا كان رقه معروفا، والوجوب في جناية العبد على المولى دفعا أو فداء فصار كما إذا قال البالغ العاقل طلقت امرأتي وأنا صبي أو بعت داري وأنا صبي وقال طلقت امرأتي وأنا مجنون وقد كان جنونه معروفا كان القول قوله لما ذكرنا. وقد اتفقوا على أصلين: أحدهما أن الانتساب إلى عادة معهودة متنافية للضمان توجب سقوط المقر به، والآخر أن من أقر بسبب الضمان ثم ادعى ما يبرئه لا يسمع منه إلا بحجة. فإن قيل: إن العبد قد ادعى تاريخا سابقا في إقراره والمقر له منكر فينبغي أن يكون القول قوله، وأجيب بأن اعتبار التاريخ للترجيح بعد الوجوب كأن قال لها قطعت يدك لاصله وهنا هو منكر لاصله فصار كمن يقول لعبده أعتقتك قبل أن تخلق أو قبل أن أخلق.
قال رحمه الله: (وإن قال لها قطعت يدك وأنت أمتي وقالت بعد العتق فالقول لها وكذا كل ما أخذ منها إلا الجماع والغلة) وهذا عندهما. وقال محمد: لا يضمن إلا شيئا قائما بعينه يؤمر برده عليها لانه منكر وجوب الضمان لاسناد الفعل إلى حالة معهودة منافيه له كما في المسألة الاولى، وكما في الوطئ والغلة وفي القائم أقر للضمان حيث اعترف بالاخذ منها ثم ادعى التملك عليها وهي تنكر والقول قول المنكر ولهذا يؤمر بالرد عليهما. ولهما أنه أقر بسبب ظاهر ثم ادعى ما يبرئه فلا يكون القول قوله كما إذا قال لغيره أذهبت عينك اليمنى وعيني اليمنى صحيحة ثم فقئت فقال المقر لا بل أذهبتها وعينك اليمنى مفقوءة كان القول قول المقر له. وهذا إذا لم يسنده إلى حالة منافية للضمان لانه لا يضمن يدها إذا قطعها وهي مديونة بخلاف الوطئ والغلة لان وطئ المولى أمته المديونة لا يوجب العقر، وإذا أخذه من غلتها أو إن كانت مديونة لا يوجب الضمان عليه فحصل الاسناد إلى حالة معهودة منافية للضمان في حقها أي في حق الغلة والوطئ، وعلى هذا الخلاف لو قال رجل لرجل حربي أسلم أخذت مالك وأنت حربي فقال بل أخذته بعد ما أسلمت. وفي العناية: ومثلها مسألة الحربي وصورتها: مسلم دخل دار الحرب بأمان فأخذ مال حربي ثم أسلم الحربي ثم خرجا إلينا فقال المسلم أخذت منك وأنت حربي وقال الحربي الذي أسلم أخذت مني وأنا مسلم فالقول للحربي على الخلاف المتقدم ا ه. وعلى هذا الاختلاف إذا قال أخذت منك ألف درهم من كسبك وأنت عبدي وقال العبد لا بل أخذته بعد العتق، وعلى هذا الخلاف ما إذا أسلم الحربي أو صار ذميا فقال له رجل مسلم قطعت يدك وأنت حربي وأخذت كذا وكذا وأنت حربي في دار الحرب وقال الحربي لا بل فعلت بعد ما أسلمت أو قال بعد ما صرت إلى دار
[ 161 ]
الاسلام فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف القول قول الحربي والمسلم ضامن، وعلى قول محمد وزفر القول قول المسلم ولا ضمان عليه. وإذا أسلم الحربي فقال لرجل مسلم قطعت يدك وأنا حربي في دار الحرب وقال المسلم فعلت ما فعلت وأنت في دار الاسلام، وذكر في
كتاب الاقرار من الاصل أنه على هذا الخلاف وأجمعوا على أنه إذا قال لجاريته بعد ما عتقها وطئتك قبل العتق وقالت الجارية لا بعد العتق أن القول قول المولى ولا ضمان عليه وأجمعوا على أن من أعتق عبدا له فقال العبد لرجل آخر قطعت يدك وأنا عبد وقال ذلك الرجل لا بل بعد ما أعتقت أن القول قول المقر ولا ضمان عليه. قال رحمه الله: (عبد محجور أمر صبيا حرا بقتل رجل فقتله فديته على عاقلة الصبي) لان الصبي هو المباشر للقتل وعمده وخطؤة سواء تجب على عاقلته ولا شئ على العبد الآمر، وكذا الحكم إذا أمره بذلك صبي، والاصل أن الامر بما لا يملكه الآمر إذا لم يعلم المأمور بفساد الامر صحيح في حق الآمر والمأمور حتى يثبت للمأمور والرجوع عن الامر إذا لحقه غرم في ذلك بيان ذلك: أمر رجلا بأن يذبح هذه الشاة وهي لجاره ولم يعلم المأمور بذلك فإنه يصح الامر في حقهما حتى إذا ضمن الذابح للجار قيمة الشاة يرجع بها على الآمر، فإن علم أن الشاة لغيره وهو حر بالغ لا يصح الامر حتى لا يرجع بما لحقه من مغرم لانه لم يصر عاملا للآمر، وإن كان المأمور صبيا يصح الامر سواء كان عالما بفساد الآمر حتى لا يرجع بما لحقه من مغرم أو لا لنقصان عقل ويلحق به المجنون، وأما مسألتنا فالاصل أن الصبي مؤاخذ بضمان الافعال دون الاقوال فيما يتنوع إلى صحيح وفاسد، أما صحة فعله فلصدوره من أهله في محله. النوادر: أمر صبيا بقتل دابة أو بمزق ثوب أو بأكل طعام لغيره فالضمان على الصبي في ماله ويرجع بذلك على الآخر، ولو أمر الصبي بالغا ففعل لم يضمن الصبي، ولو أمر الحر البالغ بذلك فالضمان على الفاعل. وفي المحيط: لو قال اقتل ابني أو اقطع يد أو اقتل أخي فقتله اقتص من القاتل قياسا وتجب الدية استحسانا ولا رجوع لعاقلة الصبي على الصبي الآمر أبدا ويرجعون على العبد الآمر بعد العتق لان عدم الاعتبار كان لحق المولى لا بنقصان أهلية العبد وقد زال حق المولى بالاعتاق بخلاف الصبي لانه قاصر الاهلية. وفي شرح الزيادات: لا ترجع العاقلة على العبد أيضا أبدا لان هذا ضمان جناية وهو على المولى لا على العبد وقد تعذر إيجابه على المولى لما كان على العبد الحجر، وهذا أوفق للقواعد ألا ترى أن العبد إذا أقر بعد العتق بالقتل قبله لا يجب عليه
شئ لكونه أسنده إلى حالة منافية للضمان على ما بينا قبل هذا ولهذا لو حفر العبد بئرا فأعتقه مولاه ثم وقع فيها إنسان فهلك لا يجب على العبد شئ وإنما يوجب على المولى فيجب عليه قيمة واحدة، ولو مات فيها ألف نفس فيقسموها بالحصص. قال رحمه الله: (وكذا إن أمر عبدا) معناه أن يكون الآمر عبدا والمأمور أيضا عبدا
[ 162 ]
محجورا عليهما فيخاطب مولى القاتل بالدفع أو الفداء ولا رجوع له على الآمر في الحال ويرجع بعد العتق بالاقل من الفداء وقيمة العبد لانه غير مضطر في دفع الزيادة، وعلى قياس ما ذكره العتابي لا يجب عليه شئ لما بينا. وهذا إذا كان القتل خطأ، وكذا إذا كان عمدا والعبد القاتل صغيرا لان عمده خطأ على ما بينا، وأما إذا كان كبيرا يجب القصاص لانه من أهل العقوبة. ولو أمر رجل حر صبيا حرا فالدية على عاقلة الصبي لانه المباشر ثم ترجع العاقلة على عاقلة الصبي لانه المتسبب إذ لو لا أمره لما قتل لضعف فيه. ولا يقال كيف تعقل عاقلة الرجل ما لزم بسبب القتل فينبغي أن يكون كالاقرار لانا نقول: هذا قول لا يحتمل الكذب وهو تسبب فيعلقه بخلاف الاقرار بالقتل لانه يحتمل الكذب فلا تعقله العاقلة. ولو كان المأمور عبدا محجورا عليه كبيرا أو صغيرا يخير المولى بين الدفع والفداء وأيهما اختار يرجع بالاقل على الآمر في ماله لان الآمر صار غاصبا للعبد بالامر كما إذا استخدمه وضمان الغصب في ماله لا على العاقلة. وإن كان المأمور حرا بالغا عاقلا فعلى عاقلته الدية ولا ترجع العاقلة على الآمر بحال لان أمره لم يصح ولا يؤثر وهو أيضا يأمر مثله لا سيما في الدم، وأن كان الآمر عبدا مأذونا له في التجارة كبيرا كان أو صغيرا والمأمور عبدا محجورا عليه أو مأذونا يخير مولى المأمورين الدفع والفداء وأيهما فعل يرجع على العبد المأذون له لان هذا ضمان غصب وأنه من جنس ضمان التجارة لانه يؤدي إلى تملك المضمون بأداء الضمان، والمأذون له يؤخذ بضمان التجارة بخلاف ما إذا كان المأمور حرا حيث لا ترجع عاقلة المأمور على الآمر في الحال ولا بعد الحرية لعدم تحقق الغصب في
الحر. ولو كان المأمور صبيا حرا مأذونا له في التجارة فحكمه حكم العبد المأذون له حتى يرجع عليه فيما إذا كان المأمور عبدا لتحقق الغصب فيه ويكون ذلك في ماله دون العاقلة لانه ليس بضمان جناية وإنما هو ضمان تجارة ولا يرجع عليه إذا كان المأمور حرا لعدم تصور الغصب فيه فصار الصبي الآمر في حقه كالصبي المحجور. ولو كان الآمر مكاتبا صغيرا كان أو كبيرا والمأمور صبي حر تجب الدية على عاقلة الصبي وترجع العاقلة على المكاتب بالاقل من قيمته ومن الدين لان هذا حكم جناية المكاتب بخلاف القن فإن حكم جنايته على المولى فيجب عليه إن أمكن والاسقاط على ما بينا. وإن عجز المكاتب بعد ما قضى القاضي عليه بالقيمة تباع رقبته إلا أن يفدي المولى بديتهم، والقياس أن يبطل حكم جنايته وهو قول أبي حنيفة لانه بالعجز صار قنا وأمره لا يصلح، وهما يقولان لما قضى عليه بالقيمة صار دينا عليه وتقرر فلا يسقط حتى لو عجز قبل القضاء عليه بالقيمة بطل حكم جنايته لان حكم جنايته إنما يصير دينا عليه بالقضاء ولم يوجد، وإن عجز بعد ما أدى كل القيمة لا يبطل، وإن كان المأمور عبدا يخير مولاه بين الدفع أو الفداء ثم يرجع على المكاتب بقيمة المأمور إلا إذا كانت قيمته أكثر من الدية فنقص عشرة دراهم. بقي
[ 163 ]
إشكال وهو أن يقال إن هذا ضمان الغصب ففيه يضمن قيمته بالغة ما بلغت فكيف ينقص عشرة دراهم كضمان الجناية؟ فجوابه هذا الغصب لكن يحصل بسبب الجناية فاعتبر بها في حق التقدير. وإن عجز المكاتب فمولى المأمور ويطلب مولى المكاتب ببيعه لان ضمان الغصب لا يسقط بعجز المكاتب، وإن أعتق المولى المكاتب فالمأمور بالخيار إن شاء رجع بجميع قيمة المأمور على المعتق وبالفضل على المعتق لانه ضمان غصب فلا يبطل بالاعتاق وإن شاء رجع على المولى بقدر قيمة المعتق إلى تمام قيمة المأمور. وإن كان المأمور مكاتبا يجب على المأمور ضمان قيمة نفسه ولا يرجع به على الآمر لانه تعذر أن يجعل ضمان غصب لان المكاتب حر من وجه فلا يكون محلا للغصب صغيرا كان أو كبيرا لان المكاتب الصغير
ملحق بالكبير فصار كالحر البالغ العاقل إن كان مأمورا. قيد بقوله عجز لانه لو جنى قبل العجز لا يباع بل يخير المولى. قال في المحيط: مكاتب جنى جنايات أو واحدة كان على المولى الاقل من قيمته ومن أرش الجنايات لان المكاتب مملوك رقبة حر يدا مطلقا وتصرفا، فباعتبار أنه مملوك رقبة تكون جنايته على المولى، وباعتبار أنه حر يدا وكسبا يجب أن يكون موجب جنايته عليه على أن إكسابه حق له وقد تعذر دفعه بموجب الجناية فيجب عليه الاقل من القيمة ومن الارش، وإن تكررت الجنايات قبل القضاء لزمه قيمة واحدة، ولو جنى فقضى عليه ثم جنى أخرى يقضي عليه بقيمة أخرى خلافا لابي يوسف. ولو قتل رجلا ولم يقض عليه حتى عجز وعليه دين دفع بالجناية ثم يباع في الدين وإن فداه بيع بالدين، ولو مات عن مال قضى في ماله بالجناية ثم بالكتابة ثم بالارث لانه مات عن وفاء فلا تنفسخ الكتابة، وإن كان عليه دين وجناية فقضى عليه بالجناية فالدين والجناية سواء لان الجناية صارت دينا بالقضاء، وإن لم يقض بالجناية فحكم ما تقدم. مكاتبة جنت ثم ولدت ولم يقض دفعت وحدها، ولو قضى عليها ثم ولدت بيعت، فإن وفى ثمنها بالجناية وإلا بيع ولدها لان الولد المولود في الكتابة حكمه حكم أمه. ولو كاتب نصف أمته فجنى أحدهما على صاحبه لزم الجاني الاقل من قيمته ومن نصف الجناية وجناية عبد المكاتب كجناية عبد الحر، ولو جنى المكاتب على مولاه أو على عبد مولاه أو على ابن مولاه كانت الجناية عليهم كالجناية على غيرهم لان جناية المكاتب عليهما معتبرة، وإذا كان مكاتب بين اثنين يعتير كل نصف منه على حدة في الاحكام المتقدمة بناء على أن الكتابة تتجزئ. ولو كانت أمة مشتركة فكاتبها أحدهما بغير إذن شريكه فولدت وكاتب الآخر نصيبه من الولد ثم جنى الولد على الام أو الام عليه لزم كل واحد منهما ثلاثة أرباع قيمة المقتول عند الامام، ولو أقر المكاتب بالجناية. المبسوط: أصله أن المكاتب في حق جناية توجب المال بمنزلة الحر لانه استيجاب المال على نفسه والمكاتب من أهل استيجاب المال على نفسه بخلاف العبد لو أقر بجناية توجب المال لا يصح لان موحبها يجب على مولاه فجعل مقرا
[ 164 ]
على مولاه فلم يصح. وإذا أقر المكاتب بجناية عمدا أو خطأ لزمه لانه في حق الجناية ملحق بالحر، ولو قضى عليه بجناية خطأ ثم عجز هدر موجبه عند أبي حنيفة، وعندهما يؤخذ ويباع فيها بناء على أن المكاتب لو أقر بجناية موجبة للمال لا يؤاخذ به ولو عجز عنده وصار دينا عليه أو لا. وعندهما يؤخذ به إذا صار دينا عليه بالقضاء. ولو أعتق ضمن قضى بها أو لا، وكذلك لو صالح ولي العمد وقد أقر به ثم عجز هدرت عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يباع فيه لان القصاص بعد الصلح صار موجبا للمال وأصل الجناية ثبت بإقراره. ومن أقر بجناية موجبة للمال لا يؤاخذ به بعد العجز عند أبي حنيفة، وعندهما يؤاخذ به إذا صار دينا عليه بالصلح. ولو أقر الولد على أمه بجناية لم يثبت، فإن ماتت الام لزمه الاقل من الدين والكتابة لان الفاضل من الدين المورو ث يكون له فيقدر الفضل من دينه جعل مقرا على نفسه وصار كالحر، إذا أقر على مورثه بدين ثم مات المورث وعليه دين صح الاقرار بالفاضل من دينه فكذا هذا. وإذا عجز بعد ذلك لم يلزمه لانه صار قنا، وإن كان أدى ثم عجز لا يسترد من المقر له لان إقراره بذلك قد صح. ولو أقرت الام على ابنها بجناية ثم قتل الابن خطأ وأخذت قيمته قضى بما أقرت في القيمة لان بدل الولد يكون للام ككسبه فصارت مقرة على نفسها، وكذلك لو أقرت على ابنها بدين وفي يده مال ولا دين عليه جاز إقرارها بالدين في كسبه لان كسب ولدها لها فصارت مقرة على نفسها. عبد بين رجلين فقأ العبد عين أحدهما ثم جرحه ثم كات المفقوءة عينه نصيبه منه ثم جرحه جرحا آخر فمات منها سعى المكاتب في الاقل من نصف القيمة وربع الدية وعلى المولى الذي لم يكاتب نصف قيمة العبد لورثة المقتول لانه قتل بجنايتين لانه جنى عليه قبل الكتابة وبعدها، فما تلف بالجناية قبل الكتابة وهو الربع هدر لانه جناية عبد على مولاه، وما تلف بالجناية بعد الكتابة وهو الربع معتبرة لانه جناية مكاتب على مولاه فيضمن
المكاتب الاقل من نصف قيمته ومن ربع الدية لانه لما هدرت بالجناية قبل الكتابة صار كأنه جنى نصف المكاتب على ربع مولاه لا غير. وأما نصف الساكت فلانه قتل الحر بجنايتين لانه جنى عليه قبل الكتابة بعدها، فما تلف بالجناية قبل الكتابة وهو الربع هدر لانه جناية عبد الغير على أجنبي فضمن الساكت نصف القيمة ما لم يصل إليه نصيبه بضمان أو سعاية لان قيمة نصيبه بالكتابة وجبت على المكاتب حال حياته، فما لم يصل إليه حقه من تركته لا يلزمه أيضا نصف القيمة. عبد بين رجلين فجنى على أحدهما ثم باع الآخر نصف نصيبه من المجني عليه وهو يعلم بالجناية ثم جنى عليه بجناية أخرى، ثم أن الذي باع نصفه اشترى الربع وكاتب المجني عليه نصيبه منه ثم جنى عليه ثلاث جنايات ثم أدى الكتابة فعتق ثم مات المولى من الجنايات فعلى المكاتب بجنايته وهو مكاتب الاقل من نصف قيمة
[ 165 ]
العبد ومن سدس وربع سدس الدية لان نصف المكاتب قيل نصف الحر بثلاث جنايات جنايتان قبل الكتابة وهما مهدرتان لانهما جناية عبد على مولاه، وجناية بعد الكتابة وهي معتبرة لانها جناية المكاتب على مولاه، فالمهدرتان صارتا كجناية واحدة لان حكمهما واحد فبقيت جنايتان أحدهما مهدرة، والاخرى معتبرة فيضمن المكاتب ربع الدية. وأما نصف الساكت فربعه المبيع قبل ربع الحر بثلاث جنايات جناية قبل البيع وهي معتبرة لانها جناية مملوك على مولاه، وجناية بعد الكتابة وهي معتبرة لانها جنايمملوك على أجنبي، فسهمان من هذا الربع مضمون وسهم مهدرة، وصار كل ربع على ثلاثة أسهم والكل على اثني عشر، والربع الذي لم يبعه قبل ربع الحر بثلاث جنايا ت جناية قبل البيع وقد تلف بها سهم من الحر وقد صار المولى مختارا لذلك السهم من الدية بالبيع، وجناية بعد البيع، وجناية بعد الكتابة وهما معتبرتان لانهمجناية مملوك على أجنبي فهاتان الجنايتان حكمهما واحد فيعتبران كجناية واحدة فصار كأن هذا الربع جنى جنايتين فصار المولى مختارا لسهمين ونصف من النصف الذي للساكت فيكون سدسا وربع سدس من اثني عشر ولم يصر مختارا لسهمين
ونصف ونصف سهم ونصف من الربع وسهمان من الربع الذي باعه وهو هدر نصف سدس الدية وذلك سهم من اثني عشر. ولو قطع يد رجل ثم باعه أحدهما من صاحبه وهو يعلم ثم اشتراه فقطع يد آخر وفقأ عين الاول فماتا قبل للمشتري ادفع نصفك إليهما نصفين أو افده بعشرة آلاف بينهما، وقيل للبائع افد الاول بربع الدية أو ادفع نصفك إليهما أثلاثا ثلثه للاول وثلثه للثاني أو افده من الاول بربع الدية ومن الثاني بنصف لان النصف الذي لم يبع قبل نصف كل واحد منهما إلا أن نصف أحدهما بجنايتين والاخرى بجناية واحدة وكلاهما معتبرتان فيخاطب بالدفع أو الفداء والنصف الذي باع قبل نصف كل واحد منهما إلا أن نصف أحدهما بجنايتين بجناية قبل البيع وهي القطع وقدر صار مختارا للبيع الذي تلف بهذه الجناية بالبيع فعليه ربع الدية وبجناية بعد البيع وهي الفقؤ، ولم يصر مختارا لما تلف بهذه الجناية فتيقن في نصيبه ربع دية أحدهما ونصف دية الآخر فيدفع نصيبه إليهما أثلاثا أو الفداء، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (عبد قتل رجلين عمدا ولكل وليان فعفا أحد وليي كل منهما دفع سيده نصفه إلى الآخرين أو فداه بالدية) أي للمولى الخيار إن شاء دفع نصف العبد إلى الذي لم يعف من ولي القتيلين، وإن شاء فداه بدية كاملة لان كل واحد من القتيلين يجب له قصاص كامل على حدة، فإذا سقط القصاص وجب أن ينقلب كله ما وذلك ديتان فيجب على المولى عشرون ألفا ودفع العبد غير أن نصيب العافين سقطمجانا فانقلب نصيب الساكتين مالا وذلك
[ 166 ]
دية كل واحد منهما نصف الدية أو دفع نصف العبد لهما فيخير المولى بينهما، كذا ذكر الشارح. قال في المحيط: عبداالتقيا ومع كل واحد عصا فاضطربا وبرئا دفع مولى كل واحد بالآخر ولا يرجعان بشئسوى ذلك لان كل واحد منهما ملك عبده من صاحبه ولا يفيد التراجع لانه لو رجع أحدهما لرجع الآخر لان حق كل واحد منهما ثبت في رقبة كاملة، فما يأخذ أحدهما من صاحبه فذاك بدل آخر وتعلق به حقه فلا يفيد الرجوع وإن اختار الفداء
فدى كل واحد بجميع أرش جنايته لانهما لما اضطربا معا فقد جنى كل واحد منهما على عبد صحيح فتعلق حق كل واحد من الموليين بعبد صحيح فيجب بدل عبد صحيح، وإن سبق أحدهما بالضربة خير مولى البادئ لان البداية من مولى اللاحق لا تفيد لان حق اللاحق في عبد صحيح كامل الرقبة، فإذا دفع إلى البادئ عبده مشجوجا كان للاحق أن يسترده منه فكان دفعه مفيدا، فإن دفعه فالعبد للمدفوع إليه ولا شئ للدافع لانه لو رجع البادئ بشئ كان للمدفوع إليه أن يرجع عليه ثانيا لان حقه في رقبة عبد صحيح فلا يفيد رجوع البادئ، وإن فداه خير مولى اللاحق بين الدفع والفداء لانه برئ عبد البادئ عن الجناية بالفداء وصار كأنه لم يجن وإن جنى عليه العبد اللاحق، فإن مات البادئ كانت قيمته في عنق الثاني يدفع بها أو يفدي، فإن فداه بقيمة الميت يرجع في تلك القيمة بأرش جراحة عبد وصار كأنه لم يجن، وإنما جنى عليه البادئ والبادئ إن مات فالقيمة قائمة مقامه لانه حي قائم وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء لان المدفوع قام مقام الميت الشاج. وإن مات العبد القاتل خير مولى العبد البادئ، فإن فداه أو دفع بطل حقه في شجته لانه حين شج اللاحق البادئ كان اللاحق مشجوجا فثبت حق المولى البادئ في شجة عبده. ولو مات البادئ من شئ آخر سوى الجناية وبقي اللاحق خير المولى ويقال له إذا شئت ادفع واعف عن مولى اللاحق ولا سبيل لواحد منهما على الآخر، وإن شئت ادفع أرش شجة اللاحق وطالبه، فإن دفع إلى صاحبه أرش عبده يرجع بأرش جناية عبده فيدفع مولى اللاحق عبده أو يفده، أما العفو فلانه مولى البادئ بجنايته وإذا دفع كان لمولى اللاحق أن يطالبه بأرش شجة عبده وكان لمولى البادئ أن يدفع إليه العبد المدفوع ثانيا ليبرأ عن حقه فلا يفيد الدفع. وإنما دفع أرش شجة اللاحق لانه متى دفع أرش عبد اللاحق فقد طهر البادئ عن الجناية وصار كأنه لم يجن، وإنما جنى عليه العبد اللاحق فيخاطب مولى اللاحق بالدفع أو الفداء وأي ذلك اختار لا يبقى لواحد منهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما حقه، وإن أبى مولى البادئ أن يدفع الارش فلا تعلق له في عنق الحر لان مولى البادئ كان
مخيرا بين العفو وبين دفع الارش والمطالبة بشجة عبده، فإذا امتنع من دفع الارش صار مختارا للعفو وصار كأنه قال عفوتك عن حقي فبطل حقه. ولو مات اللاحق وبقي البادئ خير مولاه. فإن دفعه بطل حقه، وإن فداه بأرش فداه عبده وفي الفداء لان البادئ طهر عن
[ 167 ]
الجناية فلا يكون لمولى اللاحق أن يسترجع منه الارش ثانيا. فأما الدفع لم يظهر عن الجناية فبقي حق مولى اللاحق متعلقا بما فات بالشجة من العبد البادئ والعبد المدفوع بدله فيتعلق حقه ببدله، فلو رجع مولى البادئ بأرش شجته كان لمولى اللاحق أن يسترجع منه لان حقه كان متعلقا بالفائت من الفائت البادئ فلا يفيد الرجوع. ولو برئا ثم قتل البادئ اللاحق جريحا كان في عنق البادئ أرش اللاحق وقيمته ويخير بين دفعه وفدائه، فإن دفعه فلا شئ له لما بينا، وأن فداه فداه بأرش الشجة وقيمة المقتول لان البادئ شج اللاحق ثم قتله مشجوجا فيلزمه أرش الشجة وقيمته مشجوجا متى اختار الفداء ويسلم أرش الشجة المقتول لمولاه خاصة ويكون أرش شجة الحي في هذه القيمة يأخذ مولاه منها وما بقي لمولى المقتول لان حق مولى الباد إنما يثبت في حق اللاحق وهو مشجوج لانه حين جنى على البادئ وهو مشجوج فيأخذ من قيمته مشجوجا أرش شجة البادئ، فإن فضل منه شئ يكون لمولى اللاحق لانه بدل عبده وقد فرغ عن حق الغير. ولو قتل البادئ اللاحق فإن لم يطلب ولي المقتول الجناية لم يكن لاحدهما على صاحبه شئ لان مولى المقتول يخير بين العفو والفداء بأرش الشجة الثانية، وإن طلب الجناية بدأ عنه بأرش الحي ثم خير مولى الحي بين أن يدفع عبده أو يفديه بقيمة المقتول ويسلم ذلك لولي المقتول لان العبد اللاحق قبل البادئ مشجوجا فيخير مولاه بين دفعه وفدائه بقيمته مشجوجا وأي ذلك فعل لا يبقى لاحدهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما. حقه. ولو قتل أحدهما صاحبه بعدما برئا ولا يعلم البادئ بالشجة خير مولى القاتل لانه تعذرت البداءة بالبادئ للجهالة، ولو تعذرت البداءة بسبب موت البادي تعذر القتل فكذا هذا، فإن دفع عبده كان له نصف أرش شجة المقتول
وعلى قيمته مشجوجا فيأخذ الذي دفعه من حصته قيمته مشجوجا من العبد المدفوع أو يفديه لان القاتل بالدفع قام مقام المقتول لحما ودما فصار كان المقتول بقي حيا لمولاه يرجع بنصف أرش شجة عبده متى اختار الدفع فكذا إذا دفع بدله. وأن اختار مولى القاتل فداه بقيمة المقتول صحيحا لان القاتل هو البادئ بالشجة. شج عبدا صحيحا ثم قتله فعليه قيمة عبد صحيح، وإن كان القاتل هو اللاحق فقد شج البادي وهو صحيح ثم قتله كان المولى القاتل أن يفدي عبده بقيمة المقتول صحيحا ويرجع بأرش الشجة في الفداء بعد ما يدفع إلى مولى العبد المقتول نصف أرش شجته لان القيمة قامت مقام المقتول. ولو كان المقتول حيا وقد شج كل واحد منفما صاحبه ولا يعلم البادئ منهما يرجع كل واحد منهما فيما دفع إلى صاحبه بنصف أرش شجة عبده، والمدفوع إليه يتخير بين الفداء وبين ما يخص نصف أرش الشجة من العبد المدفوع إليه فكذا تركته. قال رحمه الله: (وإن قتل أحدهما عمدا والآخر خطأ فعفا أحد وليي العمد فدى بالدية
[ 168 ]
لولي الخطأ وبنصفها لاحد وليي العمد) لان حقهما في الدية عشر آلاف وحق وليي العمد في القصاص، فإن عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر مالا وهو نصف الدية خمسة آلاف، فإذا فداه بخمسة عشر ألف درهم عشرة آلاف لولي الخطأ وخمسة آلاف لغير العافي من ولي العمد، وإن دفعه إليهم أثلاثا ثلثاه لولي الخطأ وثلثه للساكت من ولي العمد بطريق العمد لان حقهم في الدية كذلك فيضرب وليا الخطأ بعشرة آلاف ويضرب غير العافي من ولي العمد بخمسة ألاف، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يدفعه أرباعا بطريق المنازعة ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لغير العافي من ولي العمد لان نصفه سلم لولي الخطأ بلا منازعة فاستوت منازعتهم في النصف الآخر فينتصف. فإن قيل: ينبغي أن يسلم للمولى ربع العبد في هذه المسألة وهي نصيب العافي من ولي العمد ويدفع ثلاثة أرباعه إليهم تقسم بينهم على قدر حقوقهم كما سلم له الصنف وهو نصيب العافين قلنا: لا يمكن
ذلك هنا لان لولي الخطأ استحقاق كلولم يسقط من حقهما شئ، وهذا لان حق كل واحد من الفريقين تعلق بكل الرقبة في المسألتين غير أنه لما عفا ولي كل قتيل سقط حق العافين على الرقبة في المسألة الاولى وخلى نصيبهما منه عن حقهما وصار ذلك للمولى وهو النصف بخلاف ما نحن فيه فإن حق ولي الخطأ ثابت في الكل على حاله وكانت الرقبة كلها مستحقة لهما والنصف لغير العافي من ولي العمد فلهذا افترقا فيقسمونها كلها على قدر حقوقهم بطريق العول والمنازعة، ولهذه المسألة نظائر ذكرناها في كتاب الدعوى من هذا الكتاب بأصولها الذي نشأ منها الخلاف بتوفيق الله تعالى فلا نعيدها. ولم يتعر ض المؤلف لما إذا جنى القن على الغاصب ونحن نذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في الجامع الصغير: غصب عبدا فقتل عند الغاصب عمدا رجلا ثم رده إلى مولاه فقتل عند رجلا آخر خطأ واختار المولى دفعه بالجنايتين فإنه يكون بينهما نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعه إلى ولي الجناية الاولى، ثم يرجع به على الغاصب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفر: يرجع ذلك إلى ولي الجناية الاولى، ولو كان العبد جنى عند المولى أولا ثم عند الغاصب ثم رد الغاصب العبد على المولى ودفعه المولى بالجنايتين جميعا رجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعها إلى ولي القتيل، ولا يرجع بذلك مرة أخرى على الغاصب في قولهم جميعا. أما دفعها إلى ولي القتيلين فيكون بينهما نصفين ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعها إلى ولي القتيل، وكذلك لو كان مكان العبد مدبر كان الجواب فيه كالجواب في العبد من الوفاق والخلاف وصورته: رجل غصب مدبر رجل وقد كان المدبر قتل قتيلا خطأ عند المولى فقتل قتيلا آخر عند الغاصب فرد الغاصب المدبر على المولى فعلى المولى قيمة المدبر بين ولي القتيلين نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة المدبر ولا يرجع بجميع قيمة المدبر، فإذا رجع المولى على الغاصب بنصف القيمة فإن
[ 169 ]
لولي القتيل الاول أن يأخذ ذلك من المولى، عندهم جميعا، ولو كان جنى أولا عند الغاصب
وجنى ثانيا عند المولى وحصر المولى قيمته ورجع على الغاصب بنصف قيمته هل يسلم ذلك للمولى؟ فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الاول لا يسلم، وعلى قول زفر يسلم: قال في الاصل: وإذا غصب الرجل عبدا من رجل فقتل عنده قتيلا خطأ ثم اجتمع المولى وأولياء القتيل فإن العبد يرد على مولاه، وإذا رد عليه العبد يقال له جنى وهو بمحل الدفع فتخير، فإن دفع أو فداه رجع على الغاصب بالاقل من قيمة العبد ومن الارش، وإن كان زاد عند الغاصب زيادة متصلة واختار الدفع فإنه يدفع العبد مع الزيادة سواء حدثت الزيادة قبل الجناية أو بعدها، ثم لا يرجع المولى على الغاصب بقيمة الزيادة، وإن استحقت الزيادة بسبب أحدثه العبد عند الغاصب، ولو هلكت الزيادة من حيث القيمة لا يضمنها الغاصب. هذا إذا زاد العبد في يد الغاصب، فإن اعور العبد في يد الغاصب وقد جنى عنده جناية فهو على وجهين: إما إن اعور بعد الجنايتين أو قبل، فإن اعور بعد الجناية. وقد اختار المولى الدفع فإنه يدفعها إلى ولي الجناية ثم يرجع المولى على الغاصب ثانيا بنصف قيمة العبد صحيحا حين جنى وكل له قيمة العبد، وإن اعور قبل الجناية واختار المولى الدفع فإنه يدفع العبد اعور ثم يرجع بقيمة العبد صحيحا على الغاصب، فإذا أخذ ذلك سلم له ولم يكن لولي الجناية أن يأخذ منه شيئا. العبد المغصوب إذا جنى على مولاه جناية موجبة للمال بأن قتله خطأ أو جنى على رقيقه خطأ أو على ماله بأن أتلف شيئا من ملكه قال أبو حنيفة: إنه تعتبر جنايته حتى يضمن الغاصب قيمة العبد المغصوب لمولاه إلا أن يكون الارش أو قيمة العبد المتلف أقل من قيمة العبد المغصوب. وقال أبو يوسف ومحمد: بأن جناية المغصوب على مولاه وعلى رقيقه وعلى ماله هدر، فأما العبد المرهون إذا جنى على الراهن أو على ماله هل تعتبر جنايته؟ قالوا: ذكر هذه المسألة في كتاب الرهن وقال تهدر جنايته ولم يذكر فيه خلافا إلا أن المشايخ قالوا: ما ذكر في كتاب الرهن أنه يهدر على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، فأما على قول أبي حنيفة تعتبر على الراهن بقدر الدين كما تعتبر جناية المغصوب هنا على الغاصب وعلى رقيقه. هذا إذا جنى المغصوب على مولاه أو على مال مولاه، فأما إذا جنى على الغاصب أو على رقيق الغاصب فجنايته موجبة للمال. قال أبو حنيفة: إنه لا
يعتبر فيكون هدرا حتى لا يخاطب مولى العبد بالدفع أو الفداء، وكذلك على هذا الاختلاف للعبد المرهون إذا جنى جناية على المرتهن أو على ماله، فعلى قول أبي حنيفة لا تعتبر الجناية بقدر الدين، وقال أبو يوسف ومحمد بأن يعتبر الحر والعبدان إذا تضاربا وتشاجا. وفي المبسوط: حرجنى على عبدوجنى العبد على رجل آخر وعلى الجاني فاختار مولاه الدفع ثم اختلفا فقال المولى جنى على عبدي أولا فأرشه لي ودية المدفوع إليه فالقول للمولى مع يمينه لان الحر المجني عليه لما ادعى أن البادئ بالجناية هو العبد فقد ادعى على المولى شيئين: العبد وأرش العبد مع اختيار دفع العبد إليه لانه ادعى أن حقه ثبت في عبد صحيح اليدين
[ 170 ]
لان العبد لما بدأ بقطع يد الحر كانت يداه صحيحة، فإذا تعلق حقه بيد العبد تعلق بيد لها أيضا، والمولى أقر له بالعبد وأنكر الارش فيكون القول له فصار كما لو تصادقا على أن البادئ في الجناية هو الحر لان الثابت بقول من جعل لشرعا كالثابت بالتصادق، ومتى تصادقا أن البادئ بالجناية هو الحر يضمن نصف قيمة العبد والمولى يخير بين الدفع والفداء، وله أن يدفع العبد دون الارش لان حي المجني عليه تعلق بعبد مقطوع اليد، فأما مقطوع اليد فلا يتعلق ببدلها وهو الار ش، وأن تصادقا أنهما لا يعلمان البادئ منهما بالجناية ضمن الحر الجاني قيمة العبد والمولى إن اختار الدفع يدفع العبد ونصف أرش يده لان كل واحد منهما يجوز أن يكون بادئا بالجناية ويجوز أن يكون لاحقا، فإن كان الحر هو البادئ فليس على المولى إلا دفع العبد، وإن كان العبد هو البادئ فعلى المولى دفع العبد مع أرش يده فللحر أرش اليد في حالة وليس له ذلك في حالة فيجب أن يصرف الارش. حر وعبد التقيا ومع كل واحد منهما عصا واضطربا فشج كل واحد صاحبه ثم اختلف مولى العبد والحر في البداءة فالقول للمولى أن الحر بدأ وعليه أرش جنايته على العبد للمولى، ثم يدفع العبد بجنايته أو يفديه لان الحر أقر بأرش يد الجناية لانه ادعى الابراء متى اختار المولى دفع العبد إليه وأنكر المولى فيكون القول له. ولو كان مع العبد سيف ومع الحر عصا فمات العبد وبرأ الحر
واختلفا كان القول للمولى وقيمة العبد على عاقلة الحر يسلم المولى من مقدار ما نقصه الحر من قيمته إلى يوم ضرب العبد الحر والباقي قمة أرش جنايته على الحر، فإن فضل شئ فهو للمولى لان الحر قتل بعصا فيكون قتيل خطأ العمد فيجب قيمته على عاقلة الحر والقيمة قامت مقام العبد كأن العبد حي فيأخذ المولى قدر ما انتقص بجناية الحر ويأخذ الحر من الباقي أرش جراحته، فإن فضل شئ منه فهو للمولى لانه بدل عبده وقد فرغ العبد عن حق الغير، وإن انتقص الباقي لا يكون على المولى شئ كما لو دفع العبد وقيمته أقل من أرش الجراحة. ولو كان السيف مع الحر ومع العبد عصا فمات العبد وبرأ الحر ولا يدري أيهما بدأ بالجناية فللمولى أن يقتل الحر ويبطل حق الحر لان الحر قتل بالسيف عمدا فوجب القود فقد مات العبد ولم يخلف بدلا فيبطل حق الحر، وكذلك لو كان العبد هو الذي بدأ بالجناية لانه لا يتصور تملك العبد بسبب بعد ما مات. ولو كان مع كل واحد منهما عصا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة وبرئا واتفقوا أنهم لا يعلمون البادئ من هو خير المولى، فإن دفع العبد يرجع على الحر بنصف أر ش عبده لان الحر إن كان هو البادئ بالجناية يجب عليه جميع أرش عبده، وإن كان اللاحق فهو لا يجب عليه شئ فيجب نصفه، وإن شاء فداه بجميع أرش الحر ورجع على الحر بجميع أرش عبده لانه يجب على الحر جميع أرش العبد تقدمت جنايته أو تأخرت، فإن كانا سواء اتفقا، وإن كان أحدهما أقل فالاقل بمثله يصير قصاصا ويرد الفضل على صاحبه.
[ 171 ]
قال رحمه الله: (عبدهما قتل قريبهما فعفا أحدهما بطل الكل) معناه إن كان عبد بين رجلين فقتل قريبا لهما كأمهما أو أخيهما فعفا أحدهما بطل الجميع ولا يستحق غير العافي منهما شيئا من العبد غير نصيبه الذي كان له من قبل، وكذا إذا كان العبد لقريب لهما أو لمعتقهما فقتل مولاه فورثاه بطل الكل هذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يدفع الذي عفا نصف نصيبه إلى الآخر إن شاء، وإن شاء فداه بربع الدية لان حق القصاص ثبت لهما
في العبد على الشيوع لان الملك لا ينافي استحقاق القصاص عليه للمولى فإذا عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر وهو النصف مالا غير أنه شائع في كل العبد فيكون نصفه في نصيبه ونصفه في نصيب صاحبه فما أصاب نصيبه سقط لان والمولى لا يستوجب على عبده مالا، وما أصاب نصيب صاحبه ثبت وهو نصف النصف وهو الربع فيدفع نصف نصيبه أو يفديه بربع الدية. ولا بحنيفة أن ما يجب من المال يكون حق المولى لانه بدل دمه ولهذا يقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه، ثم الورثة يخلفونه فيه عند الفراغ من حاجته والمولى لا يستوجب على عبده مالا فلا تخلفه الورثة فيه، ولان القصاص لما صار مالا صار بمعنى الخطأ وفيه لا يجب شئ فكذا ما هو في معنى ذلك. وفي الكافي: ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية عند أبي حنيفة. وقالا: لا شئ عليه. وكذا إذا عفا ثم سرى لا يضمن شيئا والقطع السارى أفحش من المقتصر وصار كما لو كان له قصاص في اليد فقطع أصابعه ثم عفا عن اليد فإنه لا يضمن أرش الاصابع والاصابع والكف كأطراف النفس. ولو قطع وما عفا ثم برأ فهو على الخلاف في الصحيح، ولو قطع ثم حرز رقبته قبل البرء فهو على استيفاء قتل يضمن حتى لو حز رقبته بعد البرء فهو على الخلاف في الصحيح. شج رجلا موضحة عمدا فعفا عنها وما يحدث منها ثم شجه شجة أخرى عمدا فلم يعف عنه فعلى الجاني الدية كاملة في ثلاث سنين إذا مات منها جميعا من قبل أنه عفا عن الاولى بطل عنه القصاص وصارت الثانية مالا وصارت الاولى أيضا مالا ولم يجز له العفو لانه لا وصية له، وروى الحسن ابن زياد عن أبي يوسف في مثل هذه الصورة أن على الجاني الدية. رجل قتل عمدا وقضى لوليه بالقصاص على القاتل فأمر الولي رجلا بقتله ثم إنه طلب من الولي أن يعفو عن القاتل فعفا عنه فقتله المأمور وهو لا يعلم بالعفو قال: عليه الدية ويرجع بذلك على الآمر. امرأة قتلت رجلا خطأ فتزوجها ولي المقتول على الدية التي وجبت على العاقلة فذلك جائز والعاقلة برآء، فإن طلقها قبل الدخول بها رجع على العاقلة بنصف الدية. رجل شج رجلا موضحة عمدا ومات من الموضحتين فعلى الآخر
القصاص ولا شئ على الاول، وكذلك لو كان الصلح مع الاول بعد ما شجه الآخر قال أبو الفضل: فقد استحسن في موضع آخر من هذا الكتاب أنه له القصاص على الآخر إذا كان شجه بعد صلح الاول. رجل شج رجلا موضحة عمدا وصالحه عنها وما يحدث منها على
[ 172 ]
عشرة آلاف درهم وقبضها ثم شجه آخر خطأ ومات منها فعلى الثاني خمسة آلاف درهم على عاقلته ويرجع الاول في مال المقتول بخمسة آلاف درهم على عاقلته، وإن كانت الشجتان عمدا جاز إعطاء الاول وقتل الآخر والله أعلم. فصل: لما فرغ من بيان أحكام جناية العبد شرع في بيان أحكام الجناية على العبد، وقدم الاول ترجيحا لجانب الفاعلية، كذا في العناية وهو حق الاداء. وقال في النهاية وغاية البيان: إنما قدم جناية العبيد على الجناية عليهم لان الفاعل قبل المفعول وجودا فكذا ترتيبا. أقول: فيه بحث لانه إن أريد أن ذات الفاعل قبل ذات المفعول وجودا فهو ممنوع إذ يجوز أن يكون وجود ذات المفعول قبل وجود ذات الفاعل بمدة طويلة مثلا يجوز أن يكون عمر المجني عليه سبعين سنة أو أكثر وعمر الجاني عشرين سنة أو أقل، وإن أريد فاعلية الفاعل قبل معقولية المفعول وجودا فهو أيضا ممنوع لان الفاعلية والمفعولية يوجدان معا في آن واحد وهو أن تعلق الفعل المتعدي بالمفعول بوقوعه عليه وقبل ذلك لا يتصف الفاعل بالفاعلية ولا المفعول بالمفعولية وكل ذلك بوقوعه عليه ليس خاف على العارف الفطن بالقواعد والله أعلم. قال رحمه الله: (عبد قتل خطأ تجب قيمته ونقص عشرة لو كانت عشرة آلاف أو أكثر وفي الامة عشرة من خمسة آلاف وفي المغصوب تجب قيمته بالغة ما بلغت) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي في القن: تجب قيمته بالغة ما بلغت. وفي الغصب تجب قيمته بالغة ما بلغت بالاجماع لما روي عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت لان الضمان بدل المالية ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك إلا من حيث
المالية، ولو كان بدل الدم لكان للعبد إذ هو في حق الدم مبقي على أصل الحرية فعلم أنه بدل المالية، ولهذا لو قتل العبد المبيع قبل القبض يبقى عقد البيع وبقاؤه ببقاء المالية أصلا أو بدلا في حال قيامه أو هلاكه فصار كسائر الاموال وكقليل القيمة والغصب، ولان ضمان المال بالمال أصل وضمان ما ليس بمال بالمال خلاف الاصل، ومهما أمكن إيجا ب الضمان على موافقة القياس لا يصار إلى إيجابه بخلاف الاصل قال القدوري في كتابه التقرير قال أبو يوسف إذا قتل المبيع في يد البائع فاختار المشتري إجازة البيع كان له القصاص، وكذا إن اختار فسخ البيع كان للبائع القصاص وهذا حفطي عن أبي حنيفة. قال أبو يوسف: ليس للبائع القصاص. وروى ابن زياد عنه لا قصاص للمشتري أيضا. ولابي حنيفة قوله تعالى * (ودية مسلمة) * (النساء: 92) أوجبها
[ 173 ]
مطلقا من غير فصل بين أن يكون حرا أو عبدا، والدية اسم للواجب بمقابلة الآدمية وهو آدمي فيدخل تحت النص، وهذا لان المذكور في الآية حكمان: الدية والكفارة. والعبد داخل فيها في حق الكفارة بالاجماع لكونه آدميا فكذا في الدية لانه آدمي ولهذا يجب القصاص بقتله بالاجماع ويكون مكلفا، ولولا أنه آدمي لما وجب القصاص وكان كسائر الاموال، ولانه لما كان فيه معنى المالية والآدمية وجب اعتبار أعلاهما وهي الآدمية عند تعذر الجمع بينهما بإهدار الادنى وهي المالية لان الآدمية أسبق والرق عارض بواسطة الاستنكاف فكان اعتبار ما هو الاصل أولى ألا ترى أن القصاص يجب بقتله عمدا بهذا الاعتبار والمتلف في حالة العمد والخطأ واحد، فإذا اعتبر في إحدى حالتي القتل آدميا وجب أن يعتبر في الحالة الاخرى كذلك إذا لشئ الواحد لا يتبدل جنسه باختلاف حالة اتلافه، وهذا أولى من العكس لان في العكس إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم والجماد، وما رويا من الاثر معارض بأثر ابن مسعود وهو محمول على الغصب وضمان الغصب بمقابلة المالية لانه لا تعارض لها إذ الغصب لا يرد إلا على المال وبقاء العقد لا يعتمد المالية وإنما يعتمد الفائدة ألا ترى أنه يبقى بعد قتله عمدا أيضا وإن لم يكن القصاص مالا ولا بدلا عن المالية في قليل القيمة الواجب بمقابلة الآدمية إلا أنه لا سمع فيه فقدرناه بقيمته رأيا بخلاف كثير القيمة
لان فيه قول ابن مسعود لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم والاثر في المقدرات كالخبر إذ لا يعرف إلا سماعا، ولان آدميته أنقص ويكون بدلها أقل كالمرأة والجنين ألا ترى أنه لما كان أنقص نصفت النعم والعقوبات في حقه اظهار الانحطاط رتبته فكذا في هذا، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب في الامة خمسة آلاف درهم إلا خمسة لان دية الانثى نصف الذكر فيكون الناقص عن دية الانثى نصف الناقص عن دية الذكر كما في الاطراف والاول أظهر لان أقل مال له خطر في الشرع عشرة كنصاب السرقة والمهر وما دونه لا يعتبر بخلاف الاطراف لانه بعض الدية فينقص من كل جزء بحسابه، ولو نقص من كل جزء عشرة لما وجب أصلا. ولم يتعرض المؤلف لمسائل الضرب ونحن نذكرها تكميلا للفائدة. قال في الجامع: مسائل الضرب على ثلاثة فصول: أحدها في ضرب المولى عبده، والثاني في أمر أحد الشريكين بضرب العبد المشترك، والثالث في ضرب الشريك أو أجنبي أصله العبرة في الجنايات لتعدد الجاني لا لتعدد الجناية لان النفس تبرأ من جراحات كثيرة وتموت من جراحات قليلة ولهذا سقط اعتبار طولها وعرضها وعمقها. أمر رجلا أن يضرب عبده سوطين فضربه ثلاثة وضربه المولى سوطا ثم ضربه أجنبي سوطا ثم مات من ذلك كله فعلى عاقلة المأمور بالسوطين أرش السوط الثالث مضروبا وهو سدس قيمته مضروبا أربعة أسواط، وعلى عاقلة الاجنبي أرش السوط الخامس مضروبا أربعة أسواط وهو ثلث قيمته مضروبا بأربعة أسواط ويبطل ما سوى ذلك لان المأمور ضربه ثلاثة أسواط اثنان منها هدر
[ 174 ]
مع السراية للاذن والثالث معتبر لانه ضرب بغير إذن فيضمن أرشه مضمونا بهما، والرابع هدر لان جناية المولى على مملوكه هدر، والخامس معتبر فيضمن الاجنبي أرشه منقوصا بأربعة أسواط، وإذا مات العبد من هذه فقد مات من خمس جنايات فانقسم تلف التلف على الجنايات فيقسم عليها لان العبرة لعدد الجاني لا لعدد الجنايات فانقسم عليهما أثلاثا، ثلث على الاجنبي وثلثاه تلف بجناية المأمور الاول فانقسم هذا الثلث نصفين، نصفه هدر ونصفه
معتبر، والاصل الثاني أن الجناية على المماليك متى أتلفت نفسا أو عضوا وأفضى إلى الموت فتحمله العاقلة لانه ضمان دم وضمان الدم تتحمله العاقلة، وإن اقتصرت على ما دون النفس يجب ضمانه في مال الجاني. عبد بين رجلين قال أحدهما أضربه سوطا فإن زدت فهو حر فضربه ثلاثة فمات من ذلك كله فعلى الضارب نصف أرش السوطين منقوصا سوطا في ماله، وعلى المعتق لشريكه إن كان موسرا نصف قيمته مضروبا سوطين وعلى الضارب أرش السوط الثالث مضروبا سوطين ونصف قيمته مضروبا ثلاثة أسوافيكون ذلك على عاقلته فليستوفها أولياء العبد أو يأخذ المعتق من ذلك ما غرم ويكون الباقي لورثة العبد لان السوط الاول كله هدر لان نصفه في ملكه ونصفه لاقى ملك شريكه ولكنه بإذنه، والسوط الثاني نصفه هدر ونصفه معتبر لان نصفه لا في ملكه ونصفه لا في ملك شريكه بغير إذنه فيضمن أرش السوط الثاني مضروبا سوطا في ما له لشريكه لان سرايته انقطعت لما أعتقه فاقتصرت الجناية على ما دون النفس فتجب في مال الجاني، وصار العبد كله ملكا للمعتق بالضمان لان المعتق بالضمان يملك نصيب الضارب عند أبي حنيفة ويصير مكاتبا له لانه يوقف عتق هذا النصف على أداء السعاية إليه، فالسوط الثالث لاقى مكاتب غيره فيكون معتبرا كله فيضمن الضارب جميع ما نقصه الوسط الثالث مضروبا سوطين لان السوط الثالث حل به وهو منقوص سوطين، فلما مات العبد فقد مات من ثلاث جنايات إلا أن الجنايتين الاوليين كجناية واحدة لاتفاق حكمها واتحاده وانهدرت سرايتهما، والجناية الثالثة معتبرة بأصلها وسرايتها وإن عتق العبد بعد ذلك لان إعتاق المكاتب لا يقطع السراية لما بينا فصارت النفس تالفة بجنايتين: إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة فيهدر نصف قيمته ويضمن الضارب نصف قيمته مضروبا ثلاثة أسواط لانه مات منقوصا ثلاثة أسواط، فإن ظفر المعتق بما له كان له أن يأخذ من ماله ما ضمن لشريكه كما له ورثة وللحالف لان ولاءه له ولم يباشر قتله وإنما أمر بقتله فيكون مسببا لقتله، والمتسبب للقتل لا يحرم عن الارث. وإن كان المعتق معسرا فلا ضمان عليه وعلى الضارب الضمان كما وصفنا ويكون نصفه في ماله ونصفه على العاقلة فيأخذ الضارب
من ذلك نصف قيمة العبد مضروبا سوطين، فإن بقي شئ فلورثة العبد لان الحالف متى كان معسرا لا يكون للضارب تضمين الحالف وإنما له استسعاء نصيبه فبقي نصيب الضارب على ملكه وصار نصيبه مكاتبا له لانه توقف عتق نصيبه على أداء السعاية إليه ونصيب المعتق
[ 175 ]
صار حرا مولى له وكان السوط الاول هدرا والسوط الثاني نصفه هدر ونصفه معتبر لما بينا، والسوط الثالث كله معتبر لان نصفه مكاتب للضارب ونصفه لمولى الحالف وقد مات العبد بجنايتين: إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. فكان على الضارب نصف قيمة العبد مضروبا بثلاثة أسواط نصفه على العاقلة لان نصفه مكاتب ونصفه معتق الحالف وموجب جنايته على مكاتب نفسه في ماله وموجب جنايته على معتق غيره على عاقلته ويكون ذلك كسب المكاتب فيستوفي الضارب منه مقدار نصف قيمته مضروبا سوطين لانه يأخذ من ماله مال جنايته لانه صار دينا عليه فيأخذ أيضا من تركته بعد وفاته. ولو كانت المسألة بحالها ثم ضربه الآمر سوطا ثم ضربه الاجنبي سوطا ومات من ذلك كله فعلى المأمور نصف أرش السوط الثاني مضروبا سوطا في ماله لشريكه وعلى عاقله المأمور إن كان المعتق موسرا أرش السوط الثالث مضروبا سوطين وهو سدس قيمته مضروبا خمسة أسواط في ماله وعلى عاقلة الاجنبي أرش السوط الخامس مضروبا أربعة أسواط وهو ثلث قيمته مضروبا خمسة أسواط لان السوط الاول كله هدر والسوط الثاني نصفه معتبر لانه نصفه لاقى ملك شريكه بغير إذنه فيغرم الضارب نصف أرش في ماله لشريكه وسراية الجنايتين مهدرة لان الحالف أعتق نصيبه بعد السوط الثاني وهو مسر فكان للضارب أن يضمن قيمة نصيبه مضروبا سوطين وصار نصيب الضارب ملكا للحالف بالضمان وصار مكاتبا له، والسوط الثالث معتبر كللانه لاقى شخصا نصفه معتق مكاتب له والجناية على المعتق والمكاتب معتبرة والسوط الرابع من المولى أيضا معتبر لانه لاقى شخصا نصفه مولى للآمر ونصفه مكاتب له وجناية الانسان على مولاه ومكاتبه معتبرة فيغرم الآمر ما نقصه السوط الرابع منقوصا ثلاثة أسواط، والسوط الخامس
من الاجنبي معتبر فيغرم أرش ما نقصه مضروبا أربعة أسواط، وإذا مات العبد من ذلك كله يغرم الضارب سدس قيمته مضروبا خمسة أسواط لانه قتل النفس ثلاثة فقد تلفت النفس بجنايات الضارب وهي ثلاثة أسواط إلا أن السوطين الاولين حكمهما واحد فإن سرايتهما مهدرة فتجعل جناية واحدة، والسوط الثالث بأصله وسرايته معتبرة فهذا الثلث تلف بجنايتين إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. فيغرم نصف الثلث وذلك سدس الكل ويجب على عاقلته لانه جنى على معتق ومكاتب غيره ويضمن الآمر نصف قيمته مضروبا خمسة أسواط في ماله لانه جنى على المكاتب نفسه لانه لم يظهر لعتق نصيبه أثر في حكم من أحكام الحرية فكان الكل مكاتبا له حكما واعتبارا على عاقلة الاجنبي ثلث قيمته مضروبا خمسة أسواط لانه جنى على مكاتب غيره ومولى غيره يكون من عاقلة الاجنبي ومن الآمر ومن المأمور للعبد لانه كسب العبد ويأخذ المأمور من الآمر بذلك من مال العبد لان هذا أرش له على العبد، وما بقي في ماله فلعصبة المولى الآمر إن لم يكن للعبد عصبة لان الولاء لهما إلا أن الآمر باشر قتله بغير حق محرم عن الميراث فيجعل كالميت فيكون ما بقي لاقرب عصيات الآمر. وقال في
[ 176 ]
النهاية: هذا بخلاف ظاهر الرواية لانه ذكر في المبسوط ففي طرف المملوك تعتبر بأطراف الحر من الدية إلى آخره. فإن قيل: عند الامام يدفع إليه العبد ويأخذ قيمته في قطع الاطراف فأي تقدير على قوله؟ فالجواب أن التقدير على قوله فيما إذا جنى عليه آخر بقطع يد أو رجل فسرى فيه إلى النفس أو فوت جنس المنفعة في عدم التقدير والدفع في غيره، وقيل يضمن في الاطراف بحسابه بالغة ما بلغت ولا ينقص منه شئ لان الاطراف يسلك فيها مسلك الاموال، وهذا يؤدي إلى أمر شنيع وهو أن ما يجب في الاطراف أكثر مما يجب في النفوس بأن كانت قيمته مثلا مائة ألف فإنه بقطع يده يجب خمسون ألفا ويقتله يجب عشرة آلاف إلا عشرة. قال رحمه الله: (قطع يد عبد فحرره سيده فمات منه وله ورثة غيره لا يقتص وإلا
اقتص منه) وإنما لا يقتص في الاول لاشتباه من له الحق لان القصاص يجب عند الموت مستند إلى وقت الجرح فعلى اعتبار حالة الجرح يكوالحق للمولى، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه فتعذر فلاتجب على وجه يستوفي إذ الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة أخرى سوى المولى واجتماعهما لا يزيل الاشتباه لان الملك يثبت لكل واحد منهما في إحدى الحالتين، ولا يثبت على الدوام فيها فلا يكون الاجتماع مقيدا. ولا يقال يأذن كل واحد منهما لصاحبه لان الاذن إنما يصح إذا كان الآذن يملك ذلك بخلاف العبد الموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر وكل واحد منهما دائم فصار بمنزلة الشريكين فيه فلا يفرد أحدهما دون الآخر لما فيه من إبطال حق الآخر فيتصل باجتماعهما للرضا ببطلان حقه. وأما في الثاني وهو ما إذا لم يكن له ورثة غير المولى فهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد رحمه الله: لا يجب القصاص فيه أيضا لان سبب الولاية قد اختلف لان الملك على اعتبار العتق والولاء على اعتبار حالة الموت فنزل اختلاف السبب منزلة اختلاف المستحق فيما لا يثبت مع الشبهة أو فيما يحتاط فيه فصار كما إذا قال لآخر بعتني هذه الجارية وقال لا بل زوجتها منك لا يحل له وطؤها لما قلنا بخلاف ما إذا أقر لرجل بألف درهم من القرض وقال المقر له من ثمن مبيع فإنه يقضي له عليه بألف وإن اختلف السبب لان الاموال تثبت بالشبهة فلا يبالي باختلا ف السبب عند اتحاد الحكم، ولان الاعتاق قاطع للسراية وبانقطاعها يبقى الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص. ولهما أنهما تيقنا ثبوت الولاية للمولى فيستوفيه، وهذا لان المقضى له معلوم والحكم متحد فأمكن الايجاب والاستيفاء لاتحاد المستوفي والمستوفي منه ولا معتبر باختلاف السبب بعد ذلك كمسألة الاقرار بخلاف الفصل الاول لان المقضى له مجهول، وبخلاف مسألة الجارية لان الحكم مختلف لان ملك اليمين يغاير ملك النكاح في الحكم لان النكاح يثبت الحل مقصودا وملك اليمين لا يثبته مقصودا
[ 177 ]
وقد لا يثبت الحل أصلا، ولان ما ادعى كل واحد منهما من السبب للحل انتفى بانكار
الآخر فبقي بلا سبب فلا يثبت الحل بدونه إذ لا يجري فيه البدل بخلا ف ما نحن فيه لان السبب موجود بيقين ولا منكر له فلم يوجد ما يبطله ولا ما يحتمل الابطال فأمكن استيفاؤه، والاعتاق لا يقطع السراية لذاته بل الاشتباه من له الحق وذلك إذا كان له وارث آخر غير المولى على ما بينا أو في الاطراف أو في القتل خطأ لان العبد لا يصلح مالكا للمال فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى، وعلى اعتبار حالة الموت أو زيادة الجرح في الحالة الثانية يكون للعبد حتى تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه فحصل الاشتباه فيمن له الحق فسقط ما حدث بعد الحرية من ذلك الجرح. وأما القتل عمدا فموجبه القصاص فلا اشتباه فيه إذا لم يكن له وار ث سوى المولى لانه على اعتبار أن يكون الحق للعبد فالمولى هو الذي يتولاه فلا اشتباه فيمن له الحق، فالحاصل من هذا كله أن من قطع يد عبد غيره فأعتقه المولى ثم مات لا يزيد على أربع لانه إما إن قطع عمدا أو خطأ، فإن كان الاول فإما أن يكون للعبد وارث سوى المولى أو لم يكن، فإن كان يقطع الاعتاق السراية بالاتفاق فلا يجب القصاص لجهالة المقضى له والمقضى به، وإن لم يكن لا يقطعها عندهما خلافا لمحمد. وإن كان الثاني فالاعتاق لا يقطعها فحاصله أنهم أجمعوا في الخطأ وفي العمد فيما إذا كان له وارث آخر أن الاعتاق يقطع السراية فلا يجب إلا أرش القطع وما ينقص بذلك إلا الاعتاق ويسقط الدية والقصاص، وكذا في القطع إذا لم يمت منه لا يجب عليه سوى أرش القطع وما نقص إلى الاعتاق ولا يجب عليه ما حدث من النقصان بعد الاعتاق بالاجماع فعلم بذلك أن كل موضع لا يجب فيه القصاص يجب فيه أرش القطع، وما نقصه إلى الاعتاق ولا يجب عليه الدية وما نقص منه بعد الاعتاق. قال رحمه الله: (قال أحدكما حر فشجا فبين في أحدهما فارشهما للسيد) يعني إذا قال لعبديه أحدكما حر ثم شجا فبين في أحدهما العتق بعد الشج فأرشهما للمولى لان العتق غير نازل في المعين فالشجة تصادف المعين فبقيا مملوكين في حق الشجة، ولو قتلهما رجل واحد في وقت واحد معا تجب دية حر وقيمة عبد والفرق أن البيان إنشاء من وجه وإظهار من وجه
على ما عرف وبعد الشجة بقي محلا للبيان فاعتبر إنشاء في حق المحل وبعد الموت لم يبق محلا للبيان فاعتر إظهارا محضا، فإذا قتلهما رجل واحد معا فأحدهما حر يجب عليه دية حر وقيمة عبد فيكون الكل نصفين بين المولى والورثة لعدم الاولوية، وإن اختلفت قيمتهما يجب نصف قيمة كل واحد منهما ودية حر فيقسم مثل الاول بخلاف ما إذا قتلهما على التعاقب حيث تجب عليه قيمة الاول لمولاه ودية الثاني للورثة، وبخلاف ما إذا قتل كل واحد منهما رجلا معا تجب قيمة المملوكين لانا لم نتيقن بقتل كل واحد منهما حرا وكل منهما ينكر ذلك، لان
[ 178 ]
القياس يأبى ثبوت العتق في المجهول لانه لا يفيد فائدته. وإنما صححناه ضرورة صحة التصرف وأثبتنا له ولاية لنقل من المجهول إلى المعلوم فيقدر بقدر الضرورة وهي النفس دون الاطراف والدية فبقي مملوكا في حقهما فتجب القيمة فيهما فيكون نصفين بين المولى والورثة فيأخذ هو نصف كل واحد منهما ويترك النصف لورثته لان موجب العتق ثابت في أحدهما في حق المولى فلا بدل له فوزع ذلك عليهما نصفين، وإن قتلاهما على التعاقب فعلى قاتل الاول قيمته للمولى لتعينه للرق، وعلى قاتل الثاني ديته لورثته لتعينه للعتق بعد موت الاول. وإن كان لا يدري أيهما قتل أولا فعلى كل واحد منهما قيمته وللمولى من كل واحد منهما نصف القيمة كالاول لعدم أولوية أحدهما بالتقدم. وفي الجامع الصغير: وإذا قال الرجل لعبدين له في صحته أحدكما حر ثم إن أحدهما قتل رجلا خطأ فالقاضي يجبر المولى على البيان، فإن أوقع العتق على غير الجاني خير في الثاني بين الدفع والفداء، وإن أوقع العتق على الجاني صار مختارا للفداء في الجاني، فرق بين هذا وبين ما إذا باع عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام فجنى العبد في يد البائع جناية موجبة للمولى في مدة الخيار بأن قتل رجلا خطأ فأجاز البائع البيع فيه مع العلم بالجناية لم يصر مختارا للفداء، وإن أعجز نفسه عن الدفع مع العلم بالجناية. وكذا إذا كان الخيار للمشتري فجنى العبد في مدة الخيار ثم رد المشتري العبد لا يكون مختارا للفداء، وإن عجز نفسه عن الدفع بسبب الرد بالجناية. ولو كان كل واحد من
العبدين قتل رجلا خطأ بعد العتق المبهم ثم أوقع المولى العتق على أحدهما بعينه يخير بين الدفع والفداء في العبد الاخير وعليه قيمة العبد الذي أوقع فيه العتق لولي الجناية يريد إذا كانت قيمته أقل من الدية ولم يصر مختارا للفداء بصرف العتق إلى الجاني، فرق بين هذا وبين ما لو طلق إحد امرأتيه في صحته ثلاثا ثم مرض مرض الموت فأجبر على البيان فأوقع ذلك على أحدهما فإنه يصير فارا وإن كان مضطرا إلى البيان، وكذلك لو كانت جناية أحد العبدين قطع يد وجناية الآخر قتل نفس خطأ كان الجواب كما قلنا. ولو قال في صحته لعبدين قيمة كل واحد منهما ألف أحدكما حر ثم قتل أحدهما رجلا خطأ ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في نصف قيمته وللمجني عليه في مال المولى قيمة الجاني يريد به إذا كانت قيمته أقل من الارش ويصير من جميع ما له ولا يصير المولى مختارا للفداء. ولو كان كل واحد من العبدين قتل رجلا خطأ والمسألة بحالها سعى كل واحد من العبدين في نصف قيمته ولكل واحد من المجني عليهما في مال المولى قيمة العبد الذي جنى عليه ولم يصر المولى مختارا للفداء. هذا الذي ذكرناه كله إذا أوقع المولى العتق المبهم على أحد عبديه قبل الجناية، أما إذا كان إيقاع العتق المبهم بعد الجناية فقال: رجل له عبدان قيمة كل واحد منهما ألف فقتل أحدهما قتيلا خطأ ثم قال المولى في صحته أحدكما حر وهو عالم بالجناية ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في
[ 179 ]
نصف قيمته ويصير المولى مختارا للفداء في الجاني، ثم إذا صار مختارا للفداء فمقدار القيمة معتبر من جميع المال، وإذا جنى كل واحد من العبدين جناية والمسألة بحالها سعيا على الوجه الذي وصفناه وصار مختارا للفداء في الجنايتين ولكن تجب دية واحد في مال المولى وقيمة العبدين ويكون ذلك من جميع المال وما زاد على القيمة إلى تمام الدية يعتبر من ثلث المال وتكون الجنايتان نصفين إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. قال في الجامع الصغير: رجل له عبدان سالم ورابع فقتل سالم رجلا خطأ في صحة المولى فقال المولى أحدكما حر ثم قتل رابع
رجلا آخر في صحة المولى ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في نصف قيمته ولزم المولى الفداء في قتل سالم، وهذا منه اختيار للفداء إلا أن فداء سالم في الدية يعتبر من جميع المال وما زاد على ذلك إلى تمام الدية يعتبر من الثلث ولا يلزمه الفداء في قتل رابع، ولو أن المولى لم يقل ما ذكر ولكن المولى أوقع العتق على سالم صار مختارا للفداء في قتل سالم، وإن أوقع المولى العتق على رابع لم يصر مختارا. قال رحمه الله: (فقأ عيني عبد دفع سيده عبده وأخذ قيمته أو أمسكه ولا يأخذ النقصان) أي إذا فقأ رجل عيني عبد فالمولى بالخيار إن شاء دفع العبد المفقوء إلى الفاقئ وأخذ قيمته كامل، وإن شاء أمسكه ولا شئ له وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إن شاء أمسك العبد وأخذ ما أنفقه، وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته. وقال الشافعي: يضمنه كل القيمة ويمسك الجثة لانه يجعل الضمان مقابلا بالفائت فبقي الباقي على ملكه كما إذا قطع إحدى يديه وفقأ إحدى عينيه ونحن نقول المالية قائمة في الذوات وهي معتبرة في حق الاطراف فصار اعتبار المالية في الذوات دون الاطراف ساقطا بل المالية تعبر في الاطراف أيضا بل اعتبار المالية في الاطراف أولى لانها يسلك بها مسالك الاموال فإذا كانت المالية معتبرة وقد وجد أيضا إتلاف النفس من وجه بتفويت جنس المنفعة وهذا الضمان مقدر بقيمة الكل فوجب أن يتملك الجثة دفعا للضرر عنه ورعاية للمالية بخلاف ما إذا فقأ عيني حر لانه ليس فيه معنى المالية وبخلاف عيني المدبر لانه لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، وفي قطع إحدى اليدين وفق ء إحدى العينين لم يوجد تفويت جنس المنفعة فإذا ثبت هذا جئنا إلى تعليل مذهب الفريقين. لهما أن العبد في حكم الجناية على أطرافه بمنزلة المال حتى لا يجب القود فيها ولا تتحملها العاقلة وتجب قيمته بالغة ما بلغت فكان معتبرا بالمال، فإذا كان معتبرا به وجب تخيير المولى على الوجه الذي قلناه كما في سائر الاموال، فإن خرق ثوب الغير خرقا فاحشا يوجب تخيير المالك إن شاء دفع الثوب وضمن قيمته، وإن شاء مسكه وضمنه النقصان. وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات والآدمية أيضا غير مهدرة فيه وفي الاطراف ألا ترى أن عبدا لو قطع
يد عبد آخر يؤمر مولاه بالدفع أو الفداء وهذا من أحكام الآدمية لان موجب الجناية على المال
[ 180 ]
أن تباع رقبته فيها، ثم من أحكام الآدمية أن لا ينقسم الضمان على الجزء الفائت والقائم بل يكون بإزاء الفائت لا غير ولا يتملك الجثة، ومن أحكام المالية أن ينقسم على الجزء الفائت والقائم ويتملك الجثة فوفرنا على الشبهين حظهما فقلنا بأنه لا ينقسم اعبارا للآدمية، ويتملك الجثة اعتبارا للمالية وهذا أولى مما قالاه إذ فيما قالاه اعتبار جانب المالية فقط وهو أدنى وإهدار جانب الآدمية وهو أعلى، ومما قاله الشافعي أيضا لان فيه اعتبار الآدمية فقط والشئ إذا أشبه شيئين يوفر عليه حظهما. قال رحمه الله: (جنى مدبر أو أم ولد ضمن السيد الاقل من القيمة ومن الارش) لما روي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أنقضى بجناية المدبر على المولى بمحضر من الصحابة من غير نكير وكان يومئذ أميرا بالشام فكان إجماعا، ولان المولى صار مانعا ما ذكرنا. قال القدوري في التقريب قال أبو يوسف: يضمن المولى قيمة المدبر وأم الولد بالجناية مدبرا. وقال زفر: يضمن قيمته عبدا. الكرخي في مختصره: وجناية المدبر على سيده وفي ماله هدر بالتدبير، وكذا بالاستيلاد وإنما يصر مختارا للفداء لعدم علمه بما يحدث فصار كما إذا فعل بعد الجناية وهو لا يعلم. وإنما يجب الاقل من القيمة ومن الارش لانه لاحق لولي الجناية في أكثر من الارش ولا منع من المولى في أكثر من العين وقيمتها تقوم مقامها، ولا يخير في الاكثر أو الاقل لانه لا يفيده في جنس واحد لاختياره الاقل بخلاف ما إذا كان الجاني قنا حيث يخير المولى بين الدفع والفداء ولا يجب الاقل لان فيه فائدة لاختلاف الجنس لان من الناس من يختار دفع العين ومنهم من يختار دفع الفداء على ما هو الايسر عنده أو يبقى ما اختاره على ملكه ويخرج الآخر عن ملكه. ثم الاصل فيه أن جنايات المدبر لا توجب إلا قيمة واحدة وإن كثرت لانه لا يمنع منه إلا رقبة واحدة، ولان دفع القيمة فيه كدفع العين في القن ودفع العين لا يتكرر فكذا ما قام مقامها ويتضاربون بالحصص في القيمة وتعتبر
قيمته في حق كل واحد منهم في حال الجناية عليه لانه يستحقه في ذلك الوقت حتى لو قتل رجلا وقيمته ألف ثم قتل آخر وقيمته الفان ثم قتل آخر وقيمته خمسمائة يجب على المولى ألفا درهم لانه جنى على الوسط وقيمته ألفان فيكون المولى الاوسط ألف منها لا يشاركه فيه أحد لان ولي الاول لا حق له فيما زاد على الالف وإنما حقه في قيمته يوم جنى على وليه وهو ألف درهم، وكذلك الثالث لا حق له فيما زاد على الخمسمائة لما ذكرنا، ثم يعطى خمسمائة فتنقسم بين الاول والاوسط فيضرب الاول بجميع حقه وهو عشرة آلاف درهم ويضرب الاوسط بما بقي من حقه وهو عشرة آلاف درهم إلى آخره لانا ننتظر إلى دية المقتول وما وصل منها وما تأخر منها يضرب له بعشرة آلاف درهم إلى آخره. قال في المحيط: مدبر قتل رجلا وقيمته ألف درهم ثم صارت قيمته ألفين فقتل آخر خطأ فالالف درهم للثاني وتحاصا
[ 181 ]
في الالف الاولى في المرتهن. قال رحمه الله: (فإن دفع القيمة بقضافجنى أخرى شارك الثاني الاول) يعني إذا دفع المولى القيمة لولي الجناية الاول بقضاء القاضي ثم جناية أخرى بعد ذلك فلا شئ على المولى لان جناياته كلها لا توجب إلا قيمة واحدة ولا تعدي من المولى بدفعها إلى ولي الجناية الاولى لانه مجبور عليه بالقضاء فيتبع ولي الجناية الثانية ولي الاولى فيشاركه فيها ويقتسماها على قدر حقهما على ما ذكرنا. قال رحمه الله: (ولو بغير قضاء اتبع السيد أو ولى الجناية) أي لو دفع المولى القيمة إلى ولي الجناية الاولى بغير قضاء كان ولي الجناية الثانية بالخيار إن شاء اتبع المولى بحصته من القيمة، وإن شاء اتبع ولي الجناية الاولى وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا شئ على الولي لانه فعل عين ما يفعله القاضي ولا تعدي منه بتسليمه إلى الاول لانه حين دفع الحق إلى مستحقه لم تكن الجناية الثانية موجودة ولا علم له بما يحدث حتى يجعل متعديا. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى أن جنايات المدبر توجب قيمة واحدة وهم شركاء فيها والجناية المتأخرة كالمقارنة حكما ولهذا يشتركون فيها كلهم جميعا، ثم إذا دفعها إلى الاول باختياره صار متعديا في حق الثاني لان حصته وجبت عليه وليس له ولاية عليه، فإذا لم ينفذ
دفع المولى في حق الثاني فالثاني بالخيار إن شاء تبع الاول لانه قبض حقه ظلما فصار به ضامنا فيأخذه منه، وإن شاء اتبع المولى لانه دفع حقه بغير إذنه فإذا أخذ منه رجع المولى على الاول بما ضمن للثاني وهو حصته لانه قبضه بغير حق فيسترده منه، وهذا لانه لا يجب عليه إلا قيمة واحدة فلو لم يكن له حق الرجوع لكان الواجب عليه أكثر من القيمة، ولان الثاني مقارنة من وجه حتى يشاركه ومتأخرة من وجه في حق اعتبار القيمة فيعتبر مقارنة في حق التضمين أيضا كيلا يبطل حق ولي الثانية. وإذا أعتق المدبر وقد جنى جناية لم يلزمه إلا قيمة واحدة لما ذكرنا، وسواء أعتقه بعد العلم بالجناية أو قبله لان حق المولى لم يتعلق بالعبد فلم يكن مفوتا بالاعتاق وأم الولد كالمدبر، وإذا أقر المدبر وأم الولد بجناية توجب المال لم يجز إقراره وجنايته على المولى لا على نفسه وإقراره على المولى غير نافذ بخلاف ما إذا كانت الجناية موجبة للقود بأن أقر بالقتل عمدا حيث يصح إقراره فيقتل به لان إقراره على نفسه فينفذ عليه لعدم التهمة. باب غصب العبد والمدبر والصبي والجناية في ذلك قال في النهاية: لما ذكر حكم المدبر في الجناية ذكر في هذا الباب ما يرد عليه وما يرد منه وذكر حكم ما يلحق به ا ه. وقال في غاية البيان: لما ذكر جناية العبد والمدبر ذكر في هذا الباب جنايتهما مع غصبهما لان المفرد قبل المركب ثم جر كلامه إلى بيان حكم غصب
[ 182 ]
الصبي ا ه. وتبعه العيني. أقول: هذا أشبه الوجوه المذكورة وإن أمكن التقرير بأحسن منه تدبر. قال رحمه الله: (قطع يد عبده فغصبه رجل ومات منه ضمن قيمته اقطع وإن قطع يده في يد الغاصب فمات منه برئ) لان الغصب يوجب ضمان ما غصب ففي المسألة الاولى لما قطعه المولى نقصت قيمته بالقطع فيجب على الغاصب قيمته أقطع، وفي الثاني حين قطع المولى العبد في يد الغاصب صار مستردا له لاستيلائه عليه وبرئ الغاصب من ضمانه لوصول ملكه إلى يده. قال صاحب الهداية في الفرق بين المسألتين: إن الغصب قاطع للسراية لان سبب
الملك كالبيع فيصير كأنه هلك بآفة سماوية فتجب قيمته أقطع ولو لم يوجد القاطع في الفصل الثاني فكانت السراية مضافة إلى البداية فصار المولى متلفا فيصير مستردا وهذا مشكل، لان السراية إنما تنقطع باعتبار تبدل الملك لاختلاف المستحقين والغصب ليس بسبب للملك وضعا والغاصب لا يملك إلا بأداء الضمان ضرورة كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد وذلك بعد ملك المولى البدل ولم يوجد تحقيقه أن معنى قولهم بقطع السراية أن ما حصل من التلف بالسراية يكون هدرا إلا أن تسبب ذلك إلى غير الجاني. واعترض عليه الامام قاضيخان بأن هذا يخالف مذهبنا، فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على الغاصب بقضاء أو رضا لان السراية أو رضا لان السراية إنما تنقطع به باعتبار تبدل الملك، وإنما يتبدل الملك به إذا ملك البدل على الغاصب وهو قيمة العبد أقطع أما قبله فلا يضمن. وفي رهن الجامع الصغير في الباب الثاني من جناياته: إنما يضمن الغاصب هنا قيمة العبد لان السراية وإن لم تنقطع بالغصب وردت على مال متقوم فوجب سبب الضمان فلا يبرأ عنه الغاصب إلا إذا ارتفع الغصب والشئ إنما يرتفع بما هو فوقه أو مثله ويد الغاصب ثابتة على المغصوب حقيقة وحكما ويد المولى ثابتة عليه حكما باعتبار السراية لا حقيقة لان بعد الغصب لم تثبت يده على العبد حقيقة والثابت حكما دون الثابت حقيقة وحكما فلم يرتفع الغصب باتصال السراية فقصر عليه الضمان. قال صاحب العناية: فيه نظر لانا لا نسلم أن يد الغاصب عليه ثابتة حكما فإن يد المولى ثابتة عليه حكما ولا يثبت على الشئ الواحد يدان حكميان بكمالهما. أقول نظره ساقط إذ لا وجه لمنع ثبوت يد الغاصب عليه حكما فإن معنى ثبوت اليد على الشئ حكما أن يترتب على تلك اليد حكما من الاحكام وقد ترتب على يد الغاصب فيما نحن فيه وجوب الضمان بالاجماع، وأما يد منعه فليس بتام أيضا إذ لا محذور في أن يثبت على الشئ الواحد يدان حكميان أن بكمالهما من جهتين مختلفتين وهنا كذلك فإن ثبوت يد المولى على العبد المغصوب منه حكما باعتبار سراية القطع الذي صدر منه وثبوت يد الغاصب عليه حكما باعتبار ثبوت يده عليه حقيقة فاختلفت الجهتان. قال رحمه الله: (غصب
[ 183 ]
محجور مثله فمات في يده ضمن) يعني إذا غصب عبد محجور عليه عبدا محجورا عليه فمات المغصوب في يد الغاصب ضمنه لان المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله وهذا منها فيضمن. قال رحمه الله: (مدبر جنى عند غاصبه ثم عند سيده ضمن قيمته لهما) أي لو غصب رجل مدبرا فجنى عنده جناية ثم رده على مولاه فجنى عنده جناية أخرى ضمن المولى القيمة لولي الجنايتين فتكون بينهما نصفين لان موجب جناية المدبر وإن كثرت قيمته واحدة فيجب ذلك على الملك للمولى لانه هو الذي أعجز نفسه عن الدفع بالتدبير السابق من غير أن يصير مختارا للفداء كما في القن إذا أعتقه بعد الجنايات من غير أن يعلمها، وإنما كانت القيمة بينهما نصفين لاستوائهما في السبب. قال رحمه الله: (ورجع بنصف قيمته على الغاصب) أي رجع المولى بنصف ما ضمن من قيمة المدبر على الغاصب للتعدي لانه ضمن القيمة بالجنايتين نصفها بسبب كان يمتد للغاصب والنصف الآخر بسبب عنده فيرجع عليه بسبب لحقه من جهة الغاصب فصار كأنه لم يرد نصف العبد لان رد المستحق بسبب وجد وعبده عند الغاصب كلا رد. قال رحمه الله: (ورده للاول) أي دفع المولى نصف القيمة الذي أخذه من الغاصب إلى ولي الجناية الاولى وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. قالوا: ولهما أن حق الاول في جميع القيمة لانه حين جنى في حقه لا يزاحمه أحد وإنما انتقص باعتبار مزاحمة الثاني إلى آخره. قال في العناية: واعترض بأن الثانية مقارنة للاولى حكما فكيف يكون الحق للاول في جميع القيمة؟ وأجيب بأن المقارنة جعلت حكما في حق الضمان لا غير والاولى مقدمة حقيقة وقد انعقدت موجبة لكل القيمة من غير مزاحمة وأمكن توفير موجبها فلا يمتنع بلا مانع. أقول: في الجواب بحث لانا لا نسلم أن المقارنة جعلت حكما في حق التضمين لا غير بل جعلت حكما أيضا في حق مشاركة ولي الجناية الثانية لولي الجناية الاولى كما أرشد إليه قول صاحب الهداية في الفصل السابق لان الثانية مقارنة حكما من وجه ولهذا يشارك ولي الجناية ا ه. فإذا جعلت المقارنة حكما في حق مشاركته وفي الجناية
الثانية أيضا كان ولي الجناية الثانية مزاحما لولي الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف يأخذ ولي الجناية الثانية ايضا كان ولى الجناية الثلاية مزاحما لولى الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف ياخذ ولى الجناية الثانية ايضا كان ولى الجناية الثانية مزاحما لولى الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف يلاخذ ولى الجناية الاولى وحده كل القيمة مع مزاحمة الاولى الثانية له في استحقاقه إياه؟ وإن كان الاعتبار لتقدم الاولى حقيقة دون المقارنة الحكمية ينبغي أن لا يستحق ولي الثانية شيئا من قيمة المدبر وليس الامر كذلك بالاجماع فليتأمل في جواب الشافعي. وقال محمد رحمه الله: لا يدفعها إليه لان الذي يرجع به المولى على الغاصب عوض ما سلم لولي الجناية الاولى لانه إنما يرجع على الغاصب فلا يدفع إليه كيلا يؤدي إلى جتماع البدل والمبدل في ملك رجل، وكيلا يتكرر الاستحقاق. وقوله عوض ما سلم إلي ولي الجناية الاولى، قلنا هو كذلك
[ 184 ]
لكن ذلك في حق المولى والغاصب لان ما أخذه المولى من الغاصب عوض المدفوع إلى ولي الجناية الاولى وأما في حق المجني عليه فهو عوض ما لم يسلم له ومثله جائز كالذمي إذا باع خمرا وقضى دين مسلم يجوز له أخذه لان تلك الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي وبدل الدين في حق المسلم. قوله ودفع إلى الاول فإن قلت: هذا يناقض قوله أولا جناية العبد لا توجب إلا دفعا واحدا لو محلا أو قيمة واحدة وهنا أوجبت قيمة ونصفا أو دفع العبد ونصف القيمة للاول، فالجواب أن الكلام الاول فيما إذا تعددت الجناية في يد شخص واحد من غير غصب ورد يكون جامعا لها فلهذا تجب قيمة واحدة أو دفع واحد، وهنا لما كانت عند شخصين لم يمكن جمعها فلها حكمان وإن كانت في يد واحد لكن بعد غصب ورد كما سيأتي في قوله ورده. قال رحمه الله: (ثم يرجح به على الغاصب) أي يرجع المولى بذلك الذي دفعه إلى ولي الجناية الاولى ثانيا على الغاصب عندهما لانه استحق من يده بسبب كان في يد الغاصب فيرجع عليه بذلك فصار كأنه لم يرد ولم يضمن له شيئا إذا لم يبق شئ من العبد أو من بدله في يده. قال رحمه الله: (وبعكسه لا يرجع به ثانيا) أي بعكس ما ذكره لا يرجع غاصب المولى على
الغاصب بالقيمة ثانيا وصورته أن المدبر جنى عند مولاه أولا فغصبه رجل فجنى عنده جناية أخرى ثم رده على المولى ضمن قيمته لولي الجنايتين فيكون بينهما نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف القيمة لانه استحق عليه بسبب كان في يد الغاصب فيدفعه إلى ولي الجناية الاولى بالاجماع. أما عندهما فظاهر لما بينا، وأما عند محمفإنه يمتنع الدفع إلي ولي الجناية الاولى في المسألة الاولى كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد على ما بينا، وهنا لا يلزم ذلك لان ما أخذه من الغصب عوض ما دفع إلى ولي الجناية الثانية فإذا دفعه إلى ولي الاولى لا يجتمع البدلان في ملك واحد، وفي الاول يجتمع لانه عوض ما أخذه هو بنفسه، ثم إذا أدفعه إلي ولي الاولى لا يرجع به على الغاصب بالاجماع وهو المراد بقوله وبعكسه لا يرجع ثانيا لان المولى لما لم يدفع ما أخذه من الغاصب إلى ولي الاولى سلم له ما أخذه من الغاصب فلم يتصور الرجوع عليه وهنا لم يسلم له بالاجماع ومع هذا لا يرجع على الغاصب بالاجماع بما دفعه ثانيا لان الذي دفعه المولى إلى ولي الجناية الاولى ثانيا هنا بسبب جناية وجدت عنده فلا يرجع به على أحد بخلاف المسألة الاولى عندهما لان دفع المولى ثانيا إلى ولي الجناية الاولى فيها بسبب جناية وجدت عند الغاصب فيرجع عليه هنا كما ذكرنا. قال رحمه الله: (والقن كالمدبر غير أن المولى يدفع العبد هنا وثمة القيمة) أي العبد القن فيما ذكرنا كالمدبر، ولا فرق بينهما إلا أن المولى يدفع القن وفي المدبر القيمة حتى إذا غصب رجل عبدا فجنى في يده ثم رده على المولى فجنى عنده جناية أخرى فإن المولى يدفعه إلى الاول ثم يرجع على الغاصب عندهما، وعند محمد لا يدفع ما أخذه من الغاصب إلى الاول بل يسلم له فلا يتصور الرجوع على الغاصب ثانيا على ما ذكرنا في المدبر، وإن جنى
[ 185 ]
عند المولى أولا ثم غصبه فجنى في يده ثم رده إلى المولى دفعه إلى ولي الجنايتين نصفين ثم يرجع بنصف قيمته على الغاصب لما ذكرنا. قال رحمه الله: (مدبر جنى عند غاصبه فرده فغصبه أخرى فجنى فعلى سيده قيمته لهما) أي إذا غصب رجل مدبرا فجنى عنده جناية فرده على المولى ثم غصبه ثانيا فجنى عنده جناية أخرى فعلى المولى قيمته بين ولي الجنايتين نصفين لان منعه بالتدبير
فوجب عليه قيمته على ما بينا. قال رحمه الله: (ورجع بقيمته على الغاصب) لان الجنايتين كانت في يد الغاصب فاستحق كل بسبب كان في يد فرجع عليه بالكل بخلاف المسائل المتقدمة فإن هناك استحق النصف بسبب كان عنده والنصف بسبب كان في يد المالك فيرجع بالنصف لذلك. قال رحمه الله: (ودفع نصفها إلى الاول) أي دفع المولى نصف القيمة المأخوذة من الغاصب ثانيا إلى ولي الجناية الاولى لانه استحق كل القيمة لعدم المزاحمة عند وجود جنايته وإنما انتقص حقه بحكم المزاحمة من بعد. قال رحمه الله: (ورجع بذلك النصف على الغاصب) أي يرجع المولى بالنصف الذي دفعه ثانيا إلى ولي الجناية الاولى على الغاصب لان ولي الجناية الاولى استحق هذا النصف ثانيا بسبب كان في يد الغاصب فيرجع عليه به ويسلم الباقي له ولا يدفعه إلى ولي الجناية الاولى لانه استوفى حقه في حقه ولا إلى ولي الثانية لانه لا حق له إلا في النصف لسبق حق الاول عليه وقد وصل ذلك إليه، وهذا لان الثاني يستحق النصف لوجود المزاحمة وقت جنايته والمزاحمة موجودة فبقي على ما كان بخلاف ولي الاولى لانه استحق الكل وقت الجناية، وإنما رجع حقه إلى النصف للمزاحمة قالوا: وكلما وجد شيئا من بدل العبد أخذه حتى يستوفي حقه، ثم قيل هذه المسألة على الخلاف كالاولى، وقيل على الاتفاق، والفرق لمحمد أن الذي يرجع به ولي الجناية الاولى عوض ما سلم له في المسألة الاولى لان الثانية كانت في يد المالك فلو دفع إليه ثانيا تكرر الاستحقاق، وأما في هذه المسألة فيمكن أن يجعله عوضا عن الجناية الثانية لانها كانت في يد الغاصب فلا يؤدي إلى ما ذكرنا. وفي المبسوط: وإذا غصب رجل عبدا وجارية فقتل كل واحد رجلا خطأ ثم قتل العبد الجارية ورد العبد فإنه يرد معه قيمة الجارية فيدفعها المولى إلي ولي قتيل الجارية ويرجع بها على الغاصب لان قيمة الجارية استحقت من يد المولى بسبب كان عند الغاصب عند أبي حنيفة رحمه الله. وعندهما لا يرجع وإن اختار الدفع دفع العبد كله إلى ولي قتيل العبد فدفع في قياس قول أبي حنيفة ويرجع بقيمته على الغاصب، وعندهما يدفعه إلى ولي قتيل العبد وإلى
الغاصب على أحد عشر سهما إذا كانت قيمة الجارية ألف درهم سهم للغاصب وعشرة لولي قتيل العبد، ثم يرجع المولى على الغاصب بقيمة العبد فيدفع منها إلى ولي قتيله جزأ من
[ 186 ]
أحد عشر جزأ ثم يرحع بذلك على الغاصب. وهذا بناء على أن الغاصب لما ملك الجارية بالضمان ميوم الغصب ظهر أن العبد قتل جارية مملوكة وجناية المغصوب على الغاصب وعلى ماله هدر عنده، وعندهما معتبرة لما تبين، فعنده لما هدرت جناية العبد على الجارية بقي في رقبته جناية واحدة وهو دم الحر فيدفع كله إلى ولي دم الحر ويفديه كله إليه وهو مضطر في الدفع والفداء وقد استحق العبد من يده بسبب كان في الغاصب وضمانه فيرجع بقيمته عليه، وعندهما لما كانت جناية العبد على الجارية عشرة آلاف وحق الغاصب في قيمة الجارية ألف درهم فيقسم العبد بينهما على أحد عشر ويرجع بقيمته على الغاصب لان جميع العبد استحق من يد المولى بجناية كانت في ضمان الغاصب بخلاف الفداء لانه وجب للغاصب على المولى قيمة الجارية لان جناية عبده على جارية الغاصب معتبرة عندهما، وللمولى على الغاصب قيمة العبد فوقعت المقاصصة لانهما اتفقا جنسا ومقدار دية الحر مع قيمة العبد مختلفان جنسا وقدرا فلا يتقاصان. ولو كان الغاصب معسرا وقال ولي الجناية انتظر يساره دفع العبد إلى ولي قتيله أو فداه ويرجع بقيمته على الغاصب إذا أيسر وبقيمة الجارية مرتين واحدة يدفعها إلى ولي قتيلها وواحدة تسلم له، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. عندهما يدفع من العبد عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ إلى ولي قتيله فإذا أيسر الغاصب دفع إليه الجزء الثاني لجواز أن يؤدي الغاصب قيمة الجارية فيثبت له حق في العبد على قولهما فمتى دفع جميع العبد إلى ولي قتيل العبد يبطل حق الغاصب في العبد متى أدى قيمة الجارية فيوقف جزأ من أحد عشر جزأ مما عليه، وإن قال ولي قتيلها أضرب بقيمة الجارية في الغلام دفع إليهما على أحد عشر لان نصفه لا في رقبة العبد للحال وحق الغاصب غير ثابت للحال، وفي الثاني عسى يثبت وعسى لا يثبت ثم يرجع بقيمتها فيدفع
إلى ولي قتيلهما تماما لان حقه كان ثابتا في جميع العبد وقد وصل إليه عشرة أجزاء من العبد ولم يصل إليه جزء واحد وفي يد المولى بدله فكان له أن يأخذ ذلك منه، ثم يرجع على الغاصب بمثل ذلك لما بينا، ولولي قتيل الجارية أن يأخذ من المولى عشرة أجزاء من قيمتها في رواية لانه وصل إليه بدل جميع الجارية لان العبد قام مقام الجارية، وإذا كانت قيمته أقل من قيمة الجارية لان قليل القيمة إذا قتل كثير القيمة ودفع به قام مقام جميعه، فإذا قام العبد مقام جميع الجارية فصار كأنه وصل إليه جميع الجارية بخلاف ولي قتيل العبد لان حقه كان في جميع العبد ولم يتحول إلى بدله وقد وصل إليه بعض العبد فكان له أن يأخذ بدل ما لم يصل إليه من العبد. ولو قتل العبد المغصوب الغاصب هدر دمه وكذلك العبد المرهون إذا قتل المرتهن عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يعتبر حتى يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، لهما أن في اعتبار جنايته فائدة لان الغاصب ملكه بالدفع بالقيمة ويملك عبد الغير بالقيمة مفيدا كما لو اشترى منه وبالفداء يملك دية نفسه وهي أكثر من القيمة ظاهرا
[ 187 ]
فيحصل للغاصب زيادة على القيمة، فدل على أن في اعتبار هذه الجارية فائدة فوجب اعتبارها والله أعلم. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى أن المولى متى أخذ الضمان من الغاصب يملك الغاصب العبد مستندا إلى وقت الغصب، وظاهره أن الجناية ظهرت من المملوك على مالكه وجناية المملوك على مالكه هدر لان المولى لا يستوجب على مملوكه شيئا وجناية المغصوب على مولاه معتبرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما لما مر في الرهن. قال رحمه الله: (غصب صبيا حرا فمات في يده فجأة أو بحمى لم يضمن وإن مات بصاعقة أو نهش حية فديته على عاقلة الغاصب) وهذا استحسان، والقياس أن لا يضمن في الوجهين وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لان الغصب في الحر لا يتحقق ألا ترى أنه لا يتحقق في المكاتب وإن كان صغيرا لكونه حرا يدا مع أنه رقيق رقبة فالحر يدا، ورقبة أولى أن لا يضمن به. وجه الاستحسان أن هذا ضمان إتلاف لا ضمان غصب والصبي
يضمن بالاتلاف، وهذا لان نقله إلى أرض مسبعة أو إلى مكان الصواعق إتلاف منه تسببا وهو متعد فيه بتفويت يد الحافظ وهو المولى فيضمن، وهذا لان الحيات والسباع والصواعق لا تكون في كل مكان فأمكن حفظه عنده فإذا نقله إليه وهو متعد فيه فقد أزال حفظ المولى عنده متعديا فيضاف إليه لان شرط العلة بمنزلة العلة إذا كان تعديا كالحفر في الطريق بخلاف الموت فجأة أو بحمى فإن ذلك لا يختلف باختلاف الاماكن حتى لو نقله إلى مكان تغلب فيه الحمى والامراض يقول إنه يضمن وتجب الدية على العاقلة لكونه قتلا تسببا بخلاف المكاتب لانه في يد نفسه، وإن كان صغيرا فهو يلحق بالكبير ألا ترى أنه لا يزوج إلا برضاه كالبالغ والحر الصغير يزوجه وليه بدون رضاه فإذا أخرجه من يد المولى فما تمما يمكن التحرز عنه يضمن والمكاتب لا يعجز عن حفظ نفسه فلا يضمن بالغصب كالحر الكبير حتى لو لم يمكنه من حفظ نفسه فلا يضمن بالغصب ما صنع من قيد ونحوه يضمن المكاتب، وكالحر الكبير أيضا كما يضمن الصغير لانه حينئذ يكون التلف مضافا إلى الغاصب بتقصير حفظه. قال رحمه الله: (كصبي أودع عبدا فقتله وإن أودع طعاما وأكله لم يضمن) أي يضمن عاقلة الغاصب كما يضمن عاقلة الصبي إذا قتل عبدا أودع عنده، وهذا الفرق بين العبد المودع والطعام المودع هو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى: يضمن الصبي المودع في الوجهين وعلى هذا لو أودع العبد المحجور عليه مالا فاستهلكه لا يؤخذ بالضمان في الحال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويؤخذ به بعد العتق، وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى يؤخذ به في الحال، وعلى هذا الخلاف الاقرار في العبد والوصي وكذا الاعارة فيهما. ثم أن محمدا رحمه الله شرط في الجامع أن يكون الصبي عاقلا. وفي الجامع
[ 188 ]
الكبير: وضع المسألة في الصبي الذي عمره اثني عشر سنة وذلك دليل عل أن غير العاقل يضمن بالاتفاق ولان التسليط غير معتبر فيه وفعله معتبر لابي يوسف والشافعي رحمهم الله تعالى إذا أتلف مالا متقوما معصوما حقا للمالك فيجب عليه ضمانه كما إذ كان الوديعة عبدا
أو كان الصبي مأذونا له في التجارة وفي الحفظ من جهة الولي، وكما إذا أتلف غير ما في يده ولم يكن معصوما لثبوت ولاية الاستهلاك فيه. ولهما أنه أتلف مالا غير معصوم فلا يؤاخذ بضمانه كما لو أتلفه بإذنه ورضاه. وهذا لان العصمة تثبت حقا له وقد فوتها على نفسه حيث وضعه في يد غير مانعة فلا يبقى معصوما إلا إذا أقام غيره مقام نفسه في الحفظ ولا إقامة هنا لانه لا ولاية له على الصبي حتى يلزمه ولا ولاية للصبي على نفسه حتى يلتزم بخلاف المأذون له لان له ولاية على نفسه كالبالغ، وبخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدا لان عصمته لحق نفسه إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم فكانت عصمته لحق نفسه لا للمالك لان عصمة المالك إنما تعتبر فيما له ولاية استهلاك حتى يمكن غيره من الاستهلاك بالتسليط وليس للمولى ولاية استهلاك عبده فلا يقدر أن يمكن غيره من ذلك فلا يعتبر تسليطه فيضمن الصبي باستهلاكه بخلاف سائر الاموال. قال في العناية: وإذا استهلك الصبي ينظر، إن كان مأذونا في التجارة وإن كان محجورا عليه لكنه قبل الوديعة بإذن وليه ضمن بالاجماع إن كان محجورا عليه وقبلها بغير أمر وليه فلا ضمان عليه عند الامام ومحمد في الحال ولا بد الانزال، وقال أبو يوسف: يضمن في الحال. وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة يضمن في الحال وهو تقسيم حسن ا ه. باب القسامة لما كان أمر القتيل يؤول إلى القسامة فيما إذا لم يعلم قاتله ذكرها هنا في باب على حدة في آخر الديات. والكلام في القسامة من وجوه: الاول في معناها لغة. والثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شرطها. والخامس في صفتها. والسادس في دليلها. اعلم أن القسامة في اللغة اسم وضع موضع الاقسام، كذا في عامة الشروح أخذا من المغرب. وقال في معراج الدراية. القسامة لغة مصدر أقسم كما لا يخفي على من له دراية بعلم الادب. وأما في علم الشريعة فهي أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار أو غير ذلك وجد فيها قتيل به أثر يقول كل منهم والله ما قتلته ولا علمت له قاتلا، كذا في العناية. قال في
النهاية: وأما تفسيرها شرعا فما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في القتيل الذي يوجد في المحلة أو دار رجل في المصر إن كان جراحة أو أثر ضرب أو أثر خنق ولا يعلم قاتله
[ 189 ]
يقسم خمسون رجلا من أهل المحلة كل منهم يقول بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا ا ه. أقول: ما ذكر في النهاية إنما هو مسألة القسامة شرعا فإن التفسير من قبيل التصورات وما ذكر فيها تصديق من قبيل الشرطيات كما ترى، نعم يمكن أن يؤخذ منه تفسير القسامة شرعا بتدقيق النظر لكنه في موضع بيان معنى القسامة شرعا في أول الباب تعسف خارج عن سنن الطريق. وأما ركنها فهو أنه يجري من أن يقسم هذه الكلمات التي يقسم بها على لسانه ثم قال في النهاية: وأما شرطها فهو أن يكون المقسم رجلا بالغا عاقلا حرا فلذلك لم يدخل في القسامة المرأة والصبي والمجنون والعبد وأن يكون في الميت الموجود أثر القتل، وأما لو وجد ميتا لا أثر به فلا قسامة ولا دية، ومن شرطها أيضا تكميل اليمين بالخمسين ا ه. وفي غاية البيان أيضا كذلك. ومن شروطها أيضا أن لا يعلم قاتله فإن علم فلا قسامة فيه ولكن يجب القصاص فيه أو الدية كما تقدم. ومنها أن يكون القتيل من بني آدم فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم، ومنها الدعوى من أولياء القتيل لان القسامة يمين واليمين لا تجب بدون الدعوى كما في سائر الدعاوي، ومنها إنكار المدعي عليه لان اليمين وظيفة المنكر، ومنها المطالبة في القسامة لان اليمين حق المدعي وحق الانسان يوفي عند طلبه كما في سائر الاموال، ومنها أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لاحد أو في يد أحد فإن لم يكن ملكا لاخد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامه فيه ولا دية في قن أو مدبر أو أم ولد أو مكاتب أو مأذون وجد مقتولا في دار مولاه، نص في البدائع على هاتيك الشروط كلها بالوجه الذي ذكرناه مع زيادة تفصيل وأورد على اشتراط الحرية إذا وجد قتيل في دار مكاتب فعليه القسامة. إذا حلف يجب الاقل من قيمته ومن الدية، نص عليه في البدائع. وأجيب بأن المكاتب حر يدا، وإن لم يكن حرا رقبة كما صرحوا به في الباب السابق فوجد فيه الحرية في الجملة فجاز اشتراطنا الحرية في القسامة مطلقا
بناء على ذلك لكن لا يخفي ما فيه. وأما صفتها فهي وجوب الايمان. وأما دليلها فالاحاديث المشهورة وإجماع الامة. وأما سببها فوجود القتيل في المحلة وما في معناه. قال رحمه الله: (قتيل وجد في محلة لم يدر قاتله حلف خمسون رجلا منهم يتخيرهم الولي بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا) هذا على سبيل الحكاية عن الجميع، وأما عند الحلف فيحلف كل واحد منهم بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا لجواز أنه قتله وحده فيجري على يمينه ما قلنا يعني جميعا ولا يعكس لانه إذا قتله مع غيره كان قاتلا له. وقال الشافعي رحمه الله: إذا كان هناك لوث استحلف الاولياء خمسين يمينا ويقضى لهم بالدية على المدعى عليه عمدا كانت الدعوى أو خطأ. وقال مالك رحمه الله: يقضى بالقود إذا كانت الدعوى في القتل العمد وهو أحد قولي الشافعي، واللوث عندهما أن يكون هناك علامة القتل على واحد بعينه أو ظاهر يشهد للمدعي من عداوة ظاهرة أو يشهد عدل أو جماعة غير عدول أن أهل المحلة
[ 190 ]
قتلوه، وإن لم يكن ثم لوث استحلف المدعى عليهم فإن حلفوا لا دية عليهم، وإن أبوا أن يحلفوا حلف المدعي واستحق ما ادعاه. لنا قوله صلى الله عليه وسلم لو أعطى الناس بدعواهم الحديث. وقوله البينة على المدعى واليمين على من أنكر ولا فرق في ذلك بين الدم والاموال على ظاهر الاحاديث، وما روي في قتيل وجد بين قوم قال يستحلف خمسين رجلا منهم فهو كقول المؤلف قتيل خرج مخرج الغالب. قال في العناية: جرح رجل في قبيلة ولم يعلم جارحه فإما أن يصير صاحب فراش أو يكون صحيحا بحيث يذهب ويجئ، فإن كان الثاني فلا ضمان بالاتفاق، وإن كان الاول ففيه القسامة والدية على القبيلة عند الامام، وعند الثاني لا شئ فيه اه. وأطلق في القتيل فشمل الخطأ والعمد والدعوى بذلك قال في الاصل: وإذا وجد قتيل في محلة قوم وادعى ولي القتيل القتل عمدا أو خطأ فهذا على ثلاثة أوجه: إما أن يدعي ولي القتيل على واحد من أهل المحلة أنه هو الذي قتله وليه، فإن ادعى على جميع أهل المحلة أنهم قتلوا وليه عمدا أو خطأ وادعى على واحد من غير أهل المحلة أنه هو الذي قتله
وليه عمدا أو خطأ وأنكر أهل المحلة فإنه يحلف خمسون رجلا منهم كل واحد بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا، فإن حلفوا غرموا الدية، وإن نكلوا فإنه يحبسهم حتى يحلفهم. وفي الذخيرة: هذا الحبس بدعوى العمد وإن كان يدعي الخطأ فإذا نكلوا عن اليمين يقضى عليهم بالدية اه. وقوله يتخيرهم الولي يعني يختار الصالحين دون الطالحين ولو من أهل الذمة، وإن كان القتيل مدبرا أو مكاتبا وجبت القسامة وقيمته في ثلاث سنين لان العبد بمنزلة الاحرار في حق الدماء، وروي عن أبي يوسف أنه لا شئ فيه لانه في حكم الاموال عنده ولا قسامة في الجنين لانه ناقص الخلقة اه. قال رحمه الله: (وإن حلفوفعلى أهل المحلة الدية ولا يحلف الولي) وقال الشافعي رحمه الله: يحلف وقد تقدم. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: يحلف خمسون رجلا منكم بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ثم أغرموا الدية فقال الحالف: يا رسول الله يحلف ويغرم؟ فقال: نعم الحديث. هذا إذا ادعى عليهم لا بأعيانهم القتل عمدا أو خطأ لان المدعى عليهم لا يميزون عن الباقين، ولو ادعى على البعض بأعيانهم القتل عمدا أو خطأ فكذلك الجواب وإطلاق الكتاب يدل على ذلك. وعن أبي يوسف في غير رواية الاصول أن القسامة والدية تسقط عن الباقين من أهل المحلة ويقال للولي ألك بينة؟ فإن قال لا يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة مثله. ووجهه أن القياس يأباه لاحتمال وجود القتل من غيرهم، وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة والنصوص لم تفرق بين دعوى ودعوى فيجاب بإطلاق النصوص لا بالقياس بخلاف ما إذا ادعى على واحد من غيرهم
[ 191 ]
لانه ليس فيه نص، فلو أوجبناهما بالقياس وهو ممتنع، ثم إن حلف برئ، وإن نكل ففي دعوى المال يثوفي دعوى القصاص فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب الدعوى. قال رحمه الله: (وإن لم يتم العدد كرر الحلف عليهم ليتم خمسين يمينا) لان الخمسين وجبت بالنص فيجب تمامه ما أمكن ولا يشترط فيه الوقوف على الفائدة فيما يثبت بالنص وقد روي عن عمر رضي الله عنه أن قضى بالدية، وروي عن شريح والنخعي مثل ذلك ولان فيه
استعظاما لامر الدم فيتكمل، وتكرار اليمين من واحد على سبيل الوجوب ممكن شرعا كما في كلمات اللعان، وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك لان المصير إلى التكرار ضرورة الاكمال وقد كمل. قال رحمه الله: (ولا قسامة على صبي ومجنون وامرأة وعبد) لانهم ليسوا من أهل النصر وإنما هم أتباع والنصرة لا تقوم بالاتباع واليمين على أهل النصرة، ولان الصبي والمجنون ليسا من أهل القول الصحيح واليمين قول قوله وامرأة وعبد لانهما ليسا من أهل النصرة واليمين على أهلها. أقول: يشكل إطلاق هذا بقول أبي حنيفة ومحمد في مسألة وهي أنه لو وجد قتيل في قرية لامرأة فعند أبي حينفة ومحمد عليها القسامة تكرر عليها الايمان والدية على عاقلتها، وأما عند أبي يوسف القسامة أيضا على العاقلة. قال رحمه الله: (ولا قسامة ولا دية في ميت لا أثر به أو يسيل دم من فمه أو أنفه أو دبره بخلاف عينه وأذنه) لان القسامة تجب في القتيل وهذا ليس بقتيل وإنما مات حتف أنفه وفي مثله لا قسامة ولا غرامة لان الغرامة تتبع فعل العبد والقسامة لاحتمال القتل منهم فلا بد من أثر يكون بالميت يستدل به على أنه قتيل بخلاف ما إذا خرج دمه من عينه وأذنه لانه لا يخرج عادة إلا من كثرة الضرب فيكون قتيلا ظاهرا فتجري عليه أحكامه وهو المراد بقوله بخلاف عينه وأذنه. ولو وجد بدن القتيل كله أو أكثر من نصفه أو النصف ومعه الرأس في ملحة فعلى أهلها القسامة والدية، وإن وجد نصفه مشقوقا بالطول أو وجد أقل من النصف وكان معه الرأس أو لم يكن فلا شئ عليهم لان هذا حكم عرف بالنص وقد ورد به في البدن ولكن للاكثر حكم الكل فأجرينا عليه أحكامه تعظيما للآدمي والاقل ليس معناه فلا يلحق به وإلا لو اعبترناه لاجتمعت الديات والقسامات بمقابلة شخص واحد بأن توجد أطرافه في القرى مفرقة وهو غير مشروع، وينبني على هذا صلاة الجنازة لانها لا تتكرر كالقسامة والدية. قال الشارح: ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب لا شئ على أهل المحلة لانه لا يفوق الكبير حالا، وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم لان الظهر أن تام الخلق ينفصل حيا إلى آخره. أقول: في تحرير هذه
المسألة فتور من وجوه: الاول أن الجنين على ما صرحوا به في عامة كتب اللغة الولد ما دام
[ 192 ]
في البطن فكيف يتصور أنه يوجد فيهم جنين وحده وهو في بطن أمه، وأما وجوده مع أمه بمعزل عما نحن فيه لكون الحكم هناك للام دون الجنين. والثاني أن ذكر الجنين يغني عن ذكر السقط لان السقط على ما صرح به في كتب اللغة الولد الذي يسقط قبل تمامه والجنين يعم تام الخلق وغير تامة. والثالث أن قوله ليس به أثر الضرب غير كاف في جواب المسألة إذ لا بد فيه من أن يكون به أثر الجراحة والخنق كما تقرر فيما سبق، فلاقتصار هنا على نفي أثر الضرب تقصير. والاظهر أن يقال: ولو وجد فيهم ولد صغير ساقط ليس فيه أثر القتل فلا شئ عليهم فتدبر. قوله وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم لان الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا. فإن قيل: الظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق ولهذا قلنا في عين الصبي ولسانه وذكره إذا لم يعلم صحته حكومة عدل عندنا وإن كان الظاهر سلامتها. أجيب بأنه إنما لم يجب في الاطراف قبل أن يعلم صحتها ما يجب في السليمة لان الاطراف يسلك بها مسلك الاموال وليس تعظيم كتعظيم النفس فلم يجب فيها قبل العلم بالصحة قصاص أو دية بخلاف الجنين فإنه نفس من وجه عضو من وجه، فإذا انفصل تام الخلق وبه أثر الضرب وجب فيه القسامة والدية تعظيما للنفوس لان الظاهر أنه قتيل لوجود دلالة القتل وهو الاثر إذا الظاهر هو حال تام الخلق أن ينفصل حيا، وأما إذا وجد ميتا ولا ثر به لا يجب فيه شئ فكذا هذا. قال جمهور الشراح: ورد صاحب العناية جوابهم المزبور حيث قال بعد ذكر السؤال والجواب: وهذا كما ترى مع تطويله لم يرد السؤال وربما قواه لان الظاهر إذا لم يكن حجة للاستحقاق في الاموال وما سلك به مسلكها فلان يكون فيما هو أعظم خطرا أولى انتهى. ولان الجنين نفس فاعتبرنا جهة النفس إن انفصل حيا فيستدل عليه بتمام الخلق وعضو من وجه فاعتبرنا جهة العضو إن انفصل ميتا فيستدل عليه بنقصان الخلق. قال رحمه الله: (قتيل على دابة ومعها سائق أو قائد أو راكب فديته على عاقلته)
دون أهل المحلة لانه في يده فصار كما إذا كان في داره، وإن اجتمع فيها السائق والقائد والراكب كانت الدية عليهم جميعا لان القتيل في أيديهم دون أهل المحلة فصار كما إذا وجد في دارهم، ولا يشترط أن يكونوا ماليكن للدابة بخلاف الدار. والفرق أن تدبير الدابة إليهم وإن لم يكونوا مالكين لها وتدبير الدار إلى ماكلها وإن لم يكن ساكنا فيها. وقيل: القسامة والدية على مالك الدابة فعلى هذا أن لا فرق بينهما وبين الدار. وعن أبي يوسف أنه لا يجب على السائق إلا إذا كان يسوقها مختفيا لان الانسان قد ينقل قريبه الميت من مكان إلى مكان للدفن، وأما إذا كان على وجه الخفية فالظاهر أنه هو الذي قتله. وإن لم يكن مع الدابة أحد فالدية والقسامة على أهل المحلة الذين وجد فيهم القتيل على الدابة لان وجوده وحده على الدابة كوجوده في الموضع الذي فيه الدابة. وفي شرح الطحاوي: أو كان الرجل يحمله على
[ 193 ]
ظهره فهو كالذي مع الدابة. وظاهر عبارة المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون المالك معروفا أو لا. وفي شرح الطحاوي: فالقسامة والدية عليهم هكذا ذكر محمد، ولم يفصل بين ما إذا كان للدابة مالك وبين ما إذا لم يكن بل أطلق الجواب، ومن مشايخنا من قال: هذا إذا لم يكن للدابة مالك معروف وإنما يعر ف ذلك القائد والسائق، فأما إذا كان مالك الدابة معروفا فإنما تجب القسامة والدية على ملك الدابة نظير هذا ما قال محمد في كتاب العتاق: إن الرجل إذ استولد جارية في يده ثم أقر أنها لفلان إن كان المقر له مالكا معروفا لهذه الجارية صدق المستولد ولم تصر أم ولده، وإن لم يكن المقر له مالكا معروفا لم يصدق لانها صارت أم ولد له من حيث الظاهر فكذلك هنا. ومن المشايخ من قال: سواء كان للدابة مالك معروف أو لم يكن فإن القسامة تجب على الذي في يده الدابة والدية على عاقلته، ولو وقعت المنازعة بين أهل المحلة وبين السائق كان القول قول السائق أن الدابة دابته. قال رحمه الله: (مرت دابة عليها قتيل بين قريتين فعلى أقربهما) لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر في قتيل وجد بين قريتين بأن يذرع فوجد أحدهما أقرب بشبر فقضى عليهم بالقسامة قيل هذا
محمول على ما إذا كانوا بحيث يسمع منهم الصوت، وأما إذا كانوا بحيث لا يسمع منهم الصوت فلا شئ عليهم لانهم إذا كانوا بحيث لا يسمع منهم الصوت لا يمكنهم الغوث، وهذا قول الكرخي رحمه الله تعالى. وعبارة الماتن ظاهرها الاطلاق، وأما إذا وجد في فلاة في أرض فإن كانت ملكا لانسان فهما على المالك، وإن لم تكن ملكا لاحد فإن كانت يسمع منها الصوت من مصر من الامصار فعليهم القسامة، وإن كان لا يسمع فإن كان للمسلمين فيها منفعة للاحتطاب والكلا فالدية في بيت المال، وإن انقطعت عنها منفعة المسلمين فدمه هدر، فظهر أن قوله على أقربها إذا لم تكن الارض ملكا لاحد كما قال إذا كان يسمع منها الصوت من المصر وهو أحد القولين في القريتين إذا وجد قتيل بينهما. وقوله بين قريتين مثال وكذا لو وجد بين قبيلتين أو بين محلتين. قال في المحيط: أما إذا وجد في فلاة مباح فإن وجد في خيمة أو فسطاط فالقسامة على مالكها والدية على من يسكنها لانها في يده كما في الدار، وإن كان خارجا عنها فعلى القبيلة التي وجد فيها القتيل لانهم لما نزلوا قبائل في أماكن مختلفة صارت الامكنة بمنزلة المحال المختلفة في المقر ألا ترى أنه ليس لغيرهم إزعاجهم عن هذا المكان. ولو وجد بين القبيلتين فعلى أقربهما، فإن استويا فعليهما كما لو وجد بين المحلتين وبين القريتين. هذا إذا نزلوا بين قبائل متفرقين، فإن نزلوا جملة مختلطين ووجد القتيل خارج الخيام فعلى أهل العسكر كلهم لانهم لما نزلوا جملة صارت الامكنة كلها بمنزلة محلة واحدة لان الامكنة كلها منسوبة إلى جميع العسكر لا إلى البعض، وإن كان العسكر في أرض رجل
[ 194 ]
فالقسامة والدية عليه لان العكسر في هذا المكان بمنزلة السكان والقسامة والدية على الملاك دون السكان بالاجماع وهما سويا بين هذه وبين الدار، وأبو يوسف رحمه الله تعالى فرق فإن عنده في الدار تجب على السكان دون الملاك، والفرق أن العسكر نزلوا في هذا المكان للانتقال والارتحال لا للقرار وما لا قرار له وجوده وعدمه بمنزلة، فأما السكان في الدار
للقرار لا للانتقال والفرار فلا بد من اعتباره. وإن كان أهل العسكر فذ لقوا عدوهم فلا قسامة ولا دية لان الظاهر أنه قتل العدو. ولو جرح في محلة أو قبيلة فحمل مجروحا ومات في محلة أخرى من تلك الجراحة فالقسامة والدية على أهل المحلة التي جرح فيها لان القتل حقيقة وجد في المحلة الاولى دون الاخرى. رجل جرح وحمله إنسان من أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لم يضمن الحامل عند أبي يوسف وفي قياس أبي حنيفة يضمن وهذا بناء على ما إذا جرح في قبيلة ثم مات في أهل قبيلة أخرى لان يده بمنزلة المحلة فصار وجوده مجروحا في يده كوجوده في محلته. قال رحمه الله: (وإن وجد في دار إنسان فعليه القسامة والدية على عاقلته) لان الدار في يده وتصرفه ولا يدخل السكان في القسامة مع المالك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: هي عليهم جميعا لان ولا ية التدبير تكون بالسكنى كما تكون بالملك. ولنا أن الملاك هم المختصون بنصرة المنفعة عادة دون السكان ولان تمليك الملاك ألزم وقرارهم أدوم وكانت ولاية التدبير إليهم فتحقق التقصير منهم. وفي الاصل: وإذا وجد القتيل في الدار تجب القسامة على صاحب الدار والدية على عاقلة الدار يعني أهل الخطة. وفي الذخيرة: باتفاق الروايات. وكذا ذكر محمد في هذه المسألة في الاصل، وذكر في موضع آخر من الاصل أن القسامة والدية على قوم صاحب الدار، فاتفقت الروايات أن الدية على قومه، واختلفت الروايات في القسامة ذكر في بعض الروايات إنما تكون على المشتري خاصة، وذكر في بعض الروايات أنها تكون على عاقلة المشتري، وحكي عن الكرخي أنه وفق بين الروايتين قال: إنها تجب عليه خاصة إذا كان قومه غيبا ومعنى الرواية التي قال إنها تكون عليه وعلى قومه أن يكون قومه حضورا حتى لو لم يوجد منهم في المحلة ثم وجد قتيل في سكة من سككهم أي في مسجد من مساجدهم وفيها سكان ومشترون فإن القسامة على المشتري، وهذا الذي ذكقول أبي حنيفة ومحمد، فأما في قول أبي يوسف في إحدى الروايتين عنه تجب القسامة والدية على السكان لا على المشترين الذي هم ملاك، وفي الرواية الثانية يقول تجب على المشتري والسكان. وفي الذخيرة: وجد قتيل
في دار فقال صاحب الدار أنا قتلته لانه أراد أخذ مالي وعلى المقتول سيما السراق وهو مبهم، فعن أبي حنيفة أنه لا شئ على صاحب الدار، وفي موضع آخر قال: إن عليه الدية لا القصاص وإن لم يقر صاحب الدار بقتله لا نقتله وتقسم الدية على العاقلة. وفي
[ 195 ]
الينابيع رجل وجد قتيلا فادعى ولي الجناية على رجل أنه قتله وكان بينه وبين المقتول عداوة ظاهرة فإن أنكر المدعى عليه فقال الولي أحلف أنك قتلته وآخذ منك الجناية أي الدية فإنه ليس للقاضي أن يفعل ذلك عندنا. وقوله دار إنسان مثال وكذا لو وجد في حانوت والكرم والارض في الحكم كما ذكرنا في الدار. وفي المحيط: وإذا وجد قتيل في محلة خربة ليس فيها أحد وبقربها محلة عامرة فيها أناس كثيرة تجب القسامة والدية على أهل المحلة العامرة لانها أقرب الاماكن إليها، ولو وجد في دار من لا تقبل شهادته له أو امرأة في دار زوجها تجب فيها القسامة والدية ولا يحرم الارث لانه حكم بأنه قتله حكما بترك الحفظ. ولو وجد القتيل في دار امرأة كرر عليها اليمين خمسين مرة والدية على عاقلتها وهو قول محمد، وعند أبي يوسف على أقرب القبائل. قال في المحيط: رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث فوجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف: يضمن الآخر الدية لان الظاهر أنه لا يقتل نفسه وإنما قتله الآخر. وقال محمد: لا حكم لانه يحتمل أن الآخر قتل نفسه وأن الآخر قتله فلا أضمنه بالشك، ولو أن دارا مغلقة ليس فيها أحد ووجد فيها قتيل فالقسامة والدية على عاقلة رب الدار. قال رحمه الله: (وهي على أهل الخطة دون السكان والمشترين) هذا قول الامام ومحمد، وأهل الخطة ثم الذين خط لهم الامام الارض بخطه. وقال أبو يوسف: الكل مشترك لان الضمان إنما يجب بترك الحفظ ممن له ولاية الحفظ وهم في ذلك سواء فكذا في ترك الحفظ فصار كالدار المشتركة بين واحد من أهل الخطة وبين المشتري، ولو كان للخطة تأثير في التقديم لما شاركهم المشتري. ولهما أن صاحب الخطة هو المختص بنصرة البقعة في العرف،
وكذا في الحفظ ولان صاحب الخطة أصيل والمشتري دخيل وولاية الحفظ على الاصيل دون الدخيل، وفي الدار المشتركة ولاية تدبيرها إلى المالك مطلقا بخلاف القرية والمحلة والدار فإنه إذا وجد قتيل في دار مشتركة بين مشتر وصاحب خطة فإنهما يستويان في القسامة والدية بالاجماع، وفي المحلة أوجب القسامة والدية على أهل الخطة دون المشترين مع أن كل واحد منهم لو انفرد كانت القسامة عليه والدية على عاقلته. والفرق أن العرف جار بأن تدبير المحلة لاهلها دون المشتري منه وتدبير الدار للمشتري، ولو قال وهما على أهل الخطة لكان أولى لان الضمير يرجع لاقرب مذكور وهو الدية وقدمنا أنه لا فرق بينهما في الحكم متأخرا. قال رحمه الله: (فإن لم يبق واحد منهم فعلى المشترين) يعني إن لم يبق واحد من أهل الخطة فعلى المشترين لان الولاية انتقلت إليهم لزوال من يزاحمهم، ثم إذا وجد في دار إنسان تدخل العاقلة في القسامة إن كانوا حاضرين عندهما، وعند أبي يوسف لا تدخل لان رب الدار أخص به من غيره فلا يشاركه غيره فيها كأهل المحلة لا يشاركهم فيها عواقلهم فصاروا كما
[ 196 ]
إذا كانوا غائبين. ولهما أنهم في الحضور لزمتهم نصرة البقعة كما يلزم صاحب الدار فيشاركونه في القسامة وقد بينا أن هذا قول الكرخي. قال رحمه الله: (ولو وجد في دار مشتركة على التفاوت فهي على عدد الرؤس) أي إذا وجد القتيل في دار مشتركة بين جماعة انصباؤهم فيها متفاضلة بأن كانت بين ثلاثة مثلا لاحدهم النصف وللآخر الثلث وللثالث السدس تقسم الدية والقسامة على عدد رؤسهم، ولا يعتبر بتفاوت الانصباء لان صاحب القليل يزاحم صاحب الكثير في التدبير فكانوا سواء في الحفظ والتقصير فيكون على عدد الرؤس بمنزلة الشفعة. وفي الجامع الصغير: دار نصفها لرجل وعشرها لآخر ولآخر ما بقي فوجد فيها قتيل فهي على عدد رؤس الرجال دون تفاوت الملك حتى إن القتيل إذا وجد في دار بين اثنين أثلاثا فالدية تجب بينهما نصفين، وكذا دار بين بكر وزيد أثلاثا فوجد فيها قتيل فالدية على عاقلتهم أثلاثا، وهذا الذي ذكرنا قول محمد رواه عن أبي حنيفة. وروي عن
أبي يوسف بخلاف هذا فإنه قال: على عدد الملك. ولو وجد قتيل بين قريتين فالدية على أهل القريتين على السواء ولا ينظر إلى عدد أهل القريتين، وكذلك قال أبو يوسف في دار بين تميمي وبين أربعة من همدان وجد فيها قتيل فالدية بينهما نصفين، وعند محمد تجب الدية أخماسا. وإذا وجد قتيل بين قريتين وهو في القرب إليهما على السواء ووجد في إحدى القريتين أناس كثيرة وفي الاخرى أقل من ذلك فالدية في القريتين نصفين بلا خلاف. وقال أبو يوسف في قتيل وجد بين ثلاث دور دار لتميمي وداران لهمدان وهو في القرب منهما جميعا على السواء فالدية نصفان واعتبر القبيلة دون القرب. وإذا وجد القتيل في دار بين ثلاثة تفر فالقسامة على عواقلهم جميعا أثلاثا وتمام الخمسين على العواقل، وكذا لو وجد في المسجد أو المحلة فالمعتبر عدد القبائل والقبائل هنا ثلاث فالدية أثلاث ولهذا قلنا بأن أهل الديوان إذا جمعهم ديوان واحد وقاتل واحد منهم كان على أهل ديوانه لا على أهله وعشيرته. قال رحمه الله: (وإن بيع فلم يقبض فهي على عاقلة البائع وفي الخيار على ذي اليد) إذا بيعت الدار ولم يقبضها المشتري ووجد فيها قتيل فضمانه على عاقلة البائع، وإن كان في البيع خيار لاحدهما فهو على عقالة الذي في يده، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إذا لم يكن فيه خيار فهو على عاقلة المشتري، وإن كان فيه خيار فهو على عاقلة الذي يصير له لانه إنما نزل قاتلا باعتبار التقصير في الحفظ فلا يجب إلا على من له ولاية الحفظ والولاية تستفاد بالملك، ولهذا لو كانت الدار وديعة تجب الدية على صاحب الدار دون المودع والملك للمشتري قبل القبض في البيع البات، وفي الذي شرط فيه الخيار يعتبر قرار الملك كما في صدقة الفطر. ولابي حنيفة أن القدرة على الحفظ باليد دون الملك أر ترى أنه يقدر على الحفظ باليد دون الملك ولا
[ 197 ]
يقدر بالملك بدون اليد في الدار المغصوبة، وفي البيع البات اليد للبائع قبل القبض، وكذا فيما فيه الخيار لاحدهما لانه دون البات. ولو كان المبيع في يد المشتري والخيار له فهو أخص الناس به تصرفا، وإذا كان الخيار للبائع فهو في يده مضمون عليه بالقيمة كالمغصوب فيعتبر
يده إذ بها يقدر على الحفظ بخلاف صدقة الفطر فإنها تجب على المالك لا على الضامن، وهذه ضمان جناية فتجب على الضامن لان ضمان الجناية لا يشترط فيه الملك ألا ترى أن الغاصب يجب عليه ضمان جناية العبد المغصوب ولا ملك بخلاف ما إذا كانت الدار في يده وديعة لان هذا الضمان ضمان ترك الحفظ وهو إنما يجب على من كان قادرا على الحفظ وهو من له يد أصالة لا يد نيابة ويد المودع يد نيابة، وكذا المستعير والمرتهن، وكذا الغاصب لان يده يد أمانة لان العقار لا يضمن بالغصب عندنا ذكره في الهداية والنهاية لا يدل على أن الضمان على الغاصب. فإن قلت: لو جنى العبد في البيع البات قبل القبض يخير المشتري بين الرد وإمضائه وهنا لا يخير، والفرق أن الدار لا يستحقها بوجود القتيل فيها بخلاف العبد لانه يصير مستحقا بالجناية. وفي مختصر خواهر زاده: وإن وجد في دار يتامى المسلمين فالقسامة والدية على عاقلة اليتامى، والاصل أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر لوجود الدية على العاقلة اليد الحقيقية لانها تثبت القدرة على الحفظ هما يعتبران الملك. قال رحمه الله: (ولا تعقل عاقلة حتى تشهد الشهود أنها لذي اليد) أي إذا كانت دار في يد رجل فوجد فيها قتيل لا تعقله عاقلته حتى تشهد الشهود أنها لصاحب اليد لان ملك صاحب اليد لا بد منه حتى تعقل عاقلته عنه واليد، وإن كانت تدل على الملك ولكنها محتملة فلا تكفي إلا بإيجاب الضمان على العاقلة كما لا يخفى للاستحقاق وتصلح للدفع وقد عرف في موضعه. قال صاحب العناية: ولا يختلج في وهمك صورة تناقض بعدم الاكتفاء باليد مع وما تقدم أن الاعتبار عند أبي حنيفة رضي الله عنه لليد لان اليد المعتبرة عنده هي التي تكون بالاصالة لكن كيف يتم على أصله التعليل الذي ذكره المصنف بقوله لانه لا بد من الملك لصاحب اليد حتى تعقل العواقل عنه، وهل لا يناقض هذا ما مر من أن الاعتبار عند أبي حنيفة لليد دون الملك كما في المسألة المتقدمة آنفا فإن الملك هناك للمشتري مع أن الدية عنده على عاقلة البائع لكونه صاحب اليد قبل القبض كما مر تفصيله؟ قال صاحب العناية: ولا يلزم أبا حنيفة أن يعتبر اليد في استحقاق الدية كما قال في الدار المبيعة في يد البائع يوجد
فيها تقيل لان الدية تجب على عاقلة البائع لانه يعتبر يد المالك لا مجرد اليد فلم تثبت هنا يد المالك إلا بالبينة اه. وذكر في معراج الدراية ما يوافقه حيث قال: وفي جامع كربيسي اعتبر أبو حنيفة رضي الله عنه مجرد اليد في المسألة المتقدمة وهناك لا يثبت ذلك إلا بالبينة فلا يرد نقضا عليه اه. أقول: هذا التوجيه مشكل لان الملك في المسألة المتقدمة كان للمشتري لا محالة وعن هذا نشأ النزاع بين أبي حنيفة رحمه الله وصاحبيه في تلك المسألة إذ لو كان الملك
[ 198 ]
أيضا للبائع لما صار محل الخلاف وإقامة الحجة من الجانبين على ما مر بيانه، فإذا كان الملك هنا للمشتري فيكف يتحقق البائع أن ذاك يد المالك إذ ثبوت يد الملك له يقتضي ثبوت نفس الملك أيضا له فيلزم أن يجتمع على الدار المبيعة في حالة واحدة ملكان وهما ملك البائع وملك المشتري وهو محال وإن أريد بيد الملك غير معناه الظاهر أي اليد التي كانت لصاحبها ملكا في الاصل، وإن زال ذلك الملك في الحال بالبيع فما معنى اعتبار مثل ذلك الاصل المزيل في ترتب الحكم الشرعي عليه في الحال؟ وهي يليق أن يعد ذلك أصلا لامامنا الاعظم فعليك بالتأمل الصادق. وظاهر إطلاق المصنف أنه لا فرق بين ما إذا أنكر العواقل أن الدار له وأقروا بها. قال فخر الاسلام البزدوي: قصد بهذا الكلام إذا أنكر العواقل كون الدار له وقالوا هي وجيعة في يده فالقول لهم إلا أن يقيموا بينة على الملك، كذا في العيني على الهداية. ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتيل الموجود فيها صاحب الدار أو غيره عند الامام رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: (وفي الفلك على من فيها من الركاب والملاحين) لانه في أيديهم فيستوي المالك وغيره في الدار فيه، وعلى هذا قول أبي يوسف ظاهر لان عنده يستوي المالك والساكن في الدار، والفرق لهما أن الفلك ينقل ويحول فيكون في اليد حقيقة بخلاف العقار فإنه لا ينقل ولا يحول. وفي المحيط: وقيل يجب على سكان السفينة دون مالكها لان السفينة تحت يد الساكن دون المالك. وفي شرح الطحاوي: إنما تجب على راكب السفينة إذا لم يكن لها مالك معروف، وإن كان لها مالك معروف فعلى مالك السفينة، ومنهم
من يقول على الراكب مطلقا، وإطلاق محمد في النوازل الجواب على هذا. قال رحمه الله: (وفي مسجد محلة لهم وفي الجامع والشارع لاقسامة والدية على بيت المال) للعامة لا يختص به واحد منهم والقسامة لنفي تهمة القتل وذلك لا يتحقق في حق الكل فديته تكون في بيت المال لانه مال العامة، وكذلك الجسور العامة والسوق العامة التي تكون في الشوارع لان التدبير في هذا كله إلى الامام لانه نائب المسلمين لا إلى أهل السوق. وقال في النهاية: أراد به أن يكون السوق الاعظم نائبا عن المحال، وأما الاسواق التي في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة فتكون القسامة والدية على أهل المحلة، وكذا في السوق النائي عن المحال إذا كان لها سكان أو كان لاحد فيها دار مملوكة، وأما كون القسامة والدية عليهم لانه يلزمهم الحفظ بخلاف الاسواق المملوكة لاهلها أو التي في المحال والمساجد التي فيها حيث يجب الضمان فيها على أهل المحلة أو على المالك على الاختلاف الذي بينا لانها محفوظة بحفظ أربابها أو بحفظ أهل المحلة. وفي المنتقي: إذا وجد قتيل في صف من السوق فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون في حوانيتهم فدية القتيل عليهم، وإن كانوا لا يبيتون فيها فالدية على
[ 199 ]
الذين لهم ملك الحوانيت. ولو وجد في السجن فديته على بيت المال عندهما، وغند أبي يوسف على أهله وهي مبنية على مسألة السكان والملاك. قال رحمه الله: (ويهدر لو في برية أو وسط الفرات) لان الفرات ليس في يد أحد ولا في ملكه إذا كان يمر به الماء بخلاف ما إذا كان النهر صغيرا بحيث يستحق ربه الشفعة حيث يكون ضمانه على أهله لقيام يدهم عليه، وكذا البرية لا يد لاحد فيها ولا ملك فيهدر ما وجد فيها من القتل حتى لو كانت البرية مملوكة لاحد أو كانت قريبة من القرية بحيث يسمع منه الصوت تجب على المالك وعلى أهل القرية لما بينا. ولو وجد القتيل في المسجد الحرام من غير زحام الناس في المسجد أو بعرفة فالدية على بيت المال من غير قسامة، هذه الجملة في المتقي. وفيه أيضا: وكل قتيل يوجد في المسجد الجامع ولا يدري من قتله أو قتله رجل من
المسلمين ولكن لا يدري من هو أو زحمه الناس يوم الجمعة فقتلوه ولا يدري من هو فهو على بيت المال، وإذا وجد في المسجد لقبيلة فهو على أقرب الدور منه إن كان لا يعلم الذي اشتراه وبناه، وإن كان يعلم الذي اشترى المسجد وبناه كان على عاقلته القسامة والدية، وإن كان في درب غير نافذ أو مصلاه واحد كان على عاقلة أصحاب الدور الذي في الدرب. وفيه أيضا: وإذا وجد القتيل في قبيلة فيها عدة مساجد فهو على القبيلة كلها، وإذا لم يكن قبيلة فهو على أصحاب المحلة وأهل كل مسجد محلة. وفي السغناقي: وإذا وجد القتيل في وقف المسجد فهو كوجوده في المسجد الجامع كان الدية في بيت المال، وإن كان الوقف على قوم معلومين فالدية والقسامة عليهم وكذلك المحسوب للعامة. وفي المنتقي: إذا وجد قتيل على الجسر أو على القنطرة فذلك على بيت المال. وذكر الكرخي وشيخ الاسلام: وإن النهر العظيم إذا كان انصباب مائة في دار الاسلام تجب الدية في بيت المال لانه في أيدي المسلمين بخلاف ما إذا كان موضع انصباب مائة في دار الحرب لانه يحتمل أن يكون قتيل أهل الحرب فيهدر. قال رحمه الله: (ولو محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى) أي لو كان القتيل محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى في ذلك الموضع لان الشط في أيديهم يستقون منه ويوردون دوابهم فكانوا أخص بنصرته. وفي شرح الطحاوي: وإن كان الشط ملكا لاحد فإن كان ملكا خاصا فهو كالدار، وإن كان ملكا عاما فهو كالمحلة فأما إذا كان نهرا صغيرا انحدر من الفرات ألا نحوه لاقوام معروفين فإنه تجب القسامة على أصحاب النهر والدية على عاقلتهم. وفي الكافي: والنهر الصغير ما يستحق بالشركة فيه الشفعة وإلا فهو عظيم كالفرات وجيحون. ولم يتعرض المؤلف لما إذا وجد في بيت من ثبتت له بعض الحرية. وفي الخانية: ولوجد المكاتب قتيلا في دار اشتراها لا يجب فيه شئ في قولهم جميعا، وفي المكاتب سوى أبو حنيفة أيضا بين ما إذا وجد قتيلا في داره وبين ما إذا وجد غيره قتيلا إلا أنه إذا وجد غيره قتيلا لا تجب الدية
[ 200 ]
على العاقلة لانه لا عاقلة للمكاتب وإنما تجب عليه لان عاقلته نفسه، ولو وجد جميع أهل المحلة
فلا تجب الدية على عواقلهم وتسقط القسامة. وذكر في المنتقى عن ابن أبي مالك عن أبي حنيفة أن من وجد قتيلا في دار نفسه فليس فيه قسامة ولا دية. وروى الحسن ابن زياد عن أبي يوسف أنه قال: على سكان القبيلة وعلى عاقلة المقتول دية. قالوا: وهو قول أبي حنيفة فرواية ابن أبي مالك تخالف رواية الاصول. وفي الذخيرة: وفي شرح شيخ الاسلام إذا وجد قتيل في محلة وزعم أهل المحلة أن رجلا منهم قتله ولم يدع ولي القتيل على واحد منهم بعينه لم تسقط عنهم القسامة والدية، ورواية الحسن بن زياد إذا وجد العبد أو المكاتب أو المدبر أو أم الولد الذي سعى في بعض قيمته قتيفي محلة فعليهم القسامة وتجب القيمة على عواقل أهل المحلة في ثلاث سنين، وقد روي عن أبي يوسف أنه لا يجب عليهم شئ في العبد والمكاتب والمدبر وأم الولد، وهذا يجعل كجناية على البهائم ولهذا قال بأنه تجب قيمته بالغة ما بلغت إذا كان خطأ، وإذا كان عمدا يجب القصاص. وأما معتق البعض فإنه تجب فيه القسامة والدية عندهم جميعا لانه بمنزلة الحر عند أبي يوسف ومحمد، والحر إذا وجد قتيلا في محلة فإنه تجب على أهل المحلة القسامة والدية، وعند أبي حنيفة هو بمنزلة المكاتب في الحكم إذا وجد قتيلا في محلة عنده. هذا وفي شرح الطحاوي: ولو وجد القتيل في دار المكاتب فإنه تكرر عليه الايمان، فإن حلف يجب عليه الاقل من قيمته ومن الدية إلا عشرة لان المكاتب عاقلة نفسه. وفي التجريد: والاعمى والمحدود في القذف والكافر القسامة عليهم، وإذا وجد العبد قتيلا في دار مولاه فلاشئ فيه لان المولى صار قاتلا له حكما بملك الدار فيعتبر بما لو باشر، ولو باشرلم يكن على المولى شئ فكذا هذا قالوا: وهذا إذا لم يكن على العبد دين، فأم إذا كان على العبد دين فإنه يضمن المولى الاقل من قيمته ومن الدين. وقد نص محمد على هذا التفصيل في كتاب المأذون. قال رحمه الله: (وإن التقى قوم بالسيوف فاجلوا عن قتيل فعلى أهل المحلة القسامة والدية إلا أن يدعي الولي على أولئك أو على معين منهم) لان القتيل بين أظهرهم والحفظ عليهم فتكون القسامة والدية عليهم إلا إذا أبرأهم الولي بدعوى القتيل على واحد منهم بعينه
فيبرأ أهل المحلة ولا يثبت على عاقلته إلا بحجة على ما بينا. وقوله على معين منهم إن أريد به الواحد من أهل المحلة ليستقيم على قول أبي يوسف لان أهل المحلة يبرؤن بدعوى الولي على واحد منهم معين وهو القياس، وعندهما لا يبرؤن وهو استحسان وبينان في أوائل الباب فلا يستقيم. وإن أريد به واحد من الذين التقوا بالسيوف ويستقيم بالاجماع. وقال أبو جعفر في كشف الغوامض: هذا إذا كان الفريقان غير متناولين اقتتلو عصبة، وإن كانوا مشركين أو خوارج فلا شئ فيه ويجعل ذلك من إصابة العدو. وإذا كان القتال بين المسلمين والمشركين
[ 201 ]
في دار الاسلام ولا يدري القاتل يرجح حال قتلى المشركين حملا لامر المسلمين على الصلاح في أنهم لا يتركون المسلمين في مثل ذلك الحال ويقتلون المسلمين فإن قيل: الظاهر أن قاتله من غير المحلة وأنه من خصمائه قلنا: قد تعذر الوقوف على قاتله حقيقة فيتعلق الحكم بالسبب الظاهر وهو وجوده قتيلا في محلتهم، كذا في النهاية والعناية. أقول: يرد على هذا الجواب أن يقال: ما بالكم تجعلون هذا الظاهر وهو وجوده قتيلا في محلتهم موجبا لاستحقاق القسامة والدية على أهل المحلة ولا يجعلون ذلك الظاهر وهو كون قاتله خصماءه من غير أهل المحلة دفعا للقسامة والدية عن أهل المحلة مع أن الاصل الشائع أن يكون الظاهر حجة للدفع دون الاستحقاق، فالاظهر في الجواب أن يقال: الظاهر لا يكون حجة للاستحقاق فبقي حال القتل مشكلا فأوجبنا القسامة والدية على أهل المحلة لورود النص بإضافة القتيل إليهم عند الاشكال فكان العمل بما ورد فيه النص أولى، وسيأتي مثل هذا عن قريب إن شاء الله تعالى. قال في الهداية: وإن كان القوم لقوا قتالا ووجد قتيل بين أظهرهم فلا قسامة ولا دية لان الظاهر أن قتله كان هدرا يحوج إلى ذكر الفرق بين هذا وبين ما إذا اقتتل المسلمون عصبية في محلة فأجلوا عن قتيل فإن عليهم القسامة والدية كما مر أنفا. وقالوا في الفرق: إن القتال إذا كان بين المسلمين والمشركين في مكان في دار الاسلام ولا يدري أن القاتل من أيهما يرجح جانب احتمال قتل المشركين حملا لامر المسلمين على
الصلاح. في أنهم لا يتركون الكفار في مثل ذلك الحال ويقتلون المسلمين وأما في المسلمين من الطرفين فليس ثمة جهه الحمل على الصلاح حيث كان الفريقان مسلمين فبقي حال القتل مشكلا فأوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان لورود النص بإضافة القتل إليهم عند الاشكال، وكان العمل بما ورد به النص أولى عند الاحتمال من العلم بالذي لم يكن كذلك اه. وقال بعض الفضلاء طعنا في المصير إلى الفرق المذكور: إنه ظاهر فإن الظاهر هنا حجة للدفع عن المسلمين فيصلح حجة وثمة لو كان حجة لكان حجة للاستحقاق وذلك غير جائز فيجب على أهل المحلة للنص اه. أقول: ليس هذا الفرقي بتمام فضلا عن كونه ظاهرا إذا لا نسلم أن الظاهر ثمة لو كان حجة لكان حجة للاستحقاق بل يجوز أن يكون حجة لدفع القسامة والدية على أهل المحلة ولا يكون حجة للاستحقاق على المسلمين الذين اقتتلوا عصبة في ذلك المحل فيلزم أن يكون هدرا فلا بد من تمام الفرق بين المسألتين من المصير إلى ما ذكره المشايخ من البيان، ونقله صاحب العناية كما تحققته. قال رحمه الله: (وإن قال المستحلف قتله زيد حلف بالله ما قتلته ولا عرفت له قاتلا غير زيد) لانه لما أقر بالقتل على واحد صار مستثنيا عن اليمين وبقي حكم من سواه على حاله فيحلف عليه فلا يقبل عليه قول المستحلف أنه قتله لانه يريد بذلك إسقاط الخصومة عن نفسه فلا يقبل ويحلف على ما ذكرنا. وفي النهاية: هذا
[ 202 ]
قول محمد وأما على قول أبي يوسف فلا يحلف على العلم لانه قد عرف القاتل واعترف به فحاجة إليه، ومحمد يقول بجواز أنه عرف أن له قاتلا آخر معه قال رحمه الله: (وبطل شهادة بعض أهل المحلة على قتل غيرهم أو واحد منهم) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: تقبل شهادتهم إذا شهدوا على غيرهم لان الولي لما ادعى القتل على غيرهم تبين أنهم ليسوا بخصماء. غاية الامر أنهم كانوا عرضية أنهم يصيرون خصماء بمنزلتهم قابلين للتقصير الصادر منهم فلا تقبل شهادتهم وإن خرجوا من الخصومة، فحاصله أن من صار خصما في حادثة لا تقبل شهادته فيها، ومن كان بعرضية أن يصير خصما ولم ينتصب خصما بعد تقبل
شهادته، وهذان أصلان متفق عليهما غير أنهما يجعلان أهل المحلة ممن له عرضية أن يصير خصما وهو يجعلهم ممن انتصب خصما، وعلى هذين الاصلين يتخرج كثير من المسائل، فمن جنس الاول الوكيل بالخصومة إذا خاصم عند الحاكم ثم عزل لا تقبل شهادته، والشفيع إذا طلب الشفعة ثم تركها لا تقبل شهادته بالبيع. ومن جنس الثاني الوكيل إذا لم يخاصم والشفيع إذا لم يطلب تقبل شهادتهما. ولو ادعى الولي على رجل بعينه من أهل المحلة وشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل شهادتهما عليه لان الخصومة قائمة مع الكل والشاهد يقطعها عن نفسه فكان متهما فلا تقبل شهادتهما. قال المتأخرون من أصحابنا: المرأة تدخل مع العاقلة في التحمل لانا نراها قاتلة فيجب عليها وهو مختار الطحاوي وهو الاصح فصار كما إذا باشرت القتل بنفسها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[ 203 ]
كتاب المعاقل قال في النهاية: لما كان موجب القتل الخطأ وما في معناه الدية على العاقلة لم يكن بد من معرفتها ومعرفة أحكامها فذكرها في هذا الباب. ورده صاحب المعراج وقال: وجه المناسبة إنما هو لما فرغ من بيان القتل الخطأ وتوابعه شرع في بيان من تجب عليه الدية إذ لا بد من معرفتها. قال رحمه الله: (هي جمع معقلة وهي الدية) أي المعاقل جمع معقلة بالضم والمعقلة الدية وتسمى عقلا لانها تعقل الدماء من أن تسفك أي تمسكها، يقال عقل البعير عقلا إذا شده بالعقال، ومنه العقل لانه يمنع صاحبه من المقاتل. أقول: هكذا وقع العنوان في عامة المعتبرات لكن كان ينبغي أن يذكر العواقل بدل المعاقل لان المعاقل جمع معقلة وهي الدية كما صرح به المصنف وغيره فيصير المعنى كتاب الديات، وهذا مع كونه مؤديا إلى التكرار ليس بتام في نفسه لان بيان أقسام الديات وأحكامها قد مر مستوفى في كتاب الديات، والمقصود بالبيان هنا بيان من تجب عليهم الدية بتفاصيل أنواعهم وأحكامهم وهم العاقلة، فالمناسبة في العنوان ذكر العواقل لانها جمع العاقلة. والكلام هنا من وجوه: الاول
في تفسيرها لغة. والثاني في تفسيرها شرعا. والثالث في كيفية وجوب الدية. والرابع في بيان مدة الواجب. والخامس فيما تتحمله العاقلة. والسادس فيمن يحول على الدية من عاقلة إلى عاقلة. والسابع في عاقلة مولى الموالاة وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. قال في المبسوط فيه فصول: أحدها في معرفة العاقلة. والثاني في كيفية وجوب الدية عليه. والثالث في بيان مدة الواجب. والرابع فيما تتحمله العاقلة وما لا تتحمله العاقلة. والخامس فيمن يحول الدية من عاقلة إلى عاقلة. والسادس في عاقلة مولى الموالاة. أما تفسيرها لغة فالعاقلة اسم مشتق من العقل وهو المنع ولهذا يقال لما يعقل به البعير عقالا لانه يمنعه من النفور، ومنه سمي اللب عقلا لانه مما يمنع الانسان عما يضره فذلك عاقلة الانسان وهم أهل نصرته ممن يمنعونه من قتل من ليس له قتله. وأما العاقلة والعقل هو الدية وجمعه المعاقل ومنه العاقلة وهم الذين يتحملون العقل هو الدية. وأما العاقلة شرعا فهم أهل الديوان من المقاتلة
[ 204 ]
وأهل الديوان الذين لهم رزق في بيت المال وكتب أسماؤهم في الديوان، ومن لا ديوان له فعاقلته من عصبة النسب لا على أهل الديوان. وعند الشافعي رضي الله عنه: العقل على عصبته من النسب لا على أهل الديوان. وذكر الطحاوي من أصحابنا أنها تجب في مال القاتل لان وجوب العقل على العاقلة عرف بخلاف القياس لان مؤاخذة غير الجاني بالجاني مما يأباه القياس، والشرع إنما أوجب على أهل الديوان أو على العشيرة فبقي على ما عداهما على قضية القياس. ومن ليس له ديوان ولا عشيرة قيل يعتبر المحال ونصرة القلوب فالاقرب، وقيل تجب في ماله، وقيل تجب في مال بيت المال، وكذلك اللقيط على هذا الخلاف. ولا تعقل مدينة عن مدينة، وتعقل مدينة عن قراها لان العقل إنما بني على التناصر والتعاون وأهل كل مصر ينتصرون بأهل ديوان مصرهم ولا ينتصرون بديوان أهل مصر آخر، وأهل كل مصر ينتصرون بأهل سوادهم وقراهم وإن كان يعبد المنزل منهم لان البادية بادية واحدة فكانوا كأهل الديوان في مصر واحد يتعاونون على أهل المصر وإن بعدت منازلهم، والباديتان إذا
اختلفتا كانتا بمنزلة مصرين وعاقلة المعتق قبيلة مولاه ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته. قال رحمه الله: (كل دية وجبت بنفس القتل على العاقلة) والعاقلة الجماعة الذين يعقلون العقل وهو الدية يقال وديت القتيل إذا أعطيت ديته وعقلت عن القاتل أي أديت عنه ما لزمه من الدية، وقد ذكرنا الدية وأنواعها في كتاب الديات. وأما وجوبها على العاقلة فالاصل فيه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية المرأة المقتولة ودية جنينها على عصبة العاقلة فقال أبو القاتلة المقضى عليه: يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل ذلك ضلال؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من الكهان. ولان النفس محرمة فلا وجه إلى إهدارها ولا إيجاب على المخطئ لانه معذور فرفع عنه الخطأ وفي إيجاب الكل عليه عقوبة لما فيه من إجحافه واستئصاله فيضم إليه العاقلة تحقيقا للتخفيف فكانوا أولى بالضم. وقوله كل دية وجبت بنفس القتل يحترز به عما ينقلب مالا بالصح أو بالشبهة لان العدو يوجب العقوبة فلا يستحق التخفيف فلا تتحمل عنه العاقلة. وفي مبسوط شيخ الاسلام: طعن بعض وقال لا جناية من العاقلة ووجوب الدية باعتبارها فتكون في مال القاتل يؤيد ذلك قوله تعالى * (ولا تزروا زرة وزر أخرى) * (الانعام: 164) ألا ترى أن من أتلف دابة يضمنها في ماله فكذا إيجاب الدية. قلنا: إيجاب الدية على العاقلة مشهور ثبت بالاحاديث المشهورة وعليه عمل الصحابة ومن بعدهم يتراد به على كتاب الله تعالى. قال رحمه الله: (وهي أهل الديوان إن كان القاتل منهم) تؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين. وأهل الديوان هم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان وهذا عندنا. وقال الشافعي: على أهل العشيرة لما روينا وكان كذلك إلى أيام عمر رضي الله عنه ولا نسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيبقى على ما كان ولانها صلة والاقارب أولى بها كالارث والنفقات. ولنا أقضية
[ 205 ]
عمر رضي الله عنه فإنه لما دون الدواوين جعل الدية على أهل الديوان بمحضر من الصحابة من غير نكير منهم وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى لانه كان على أهل النصرة وقد كانت
بأنواع بالحلف والولاء والعدو وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعل على أهلها اتباعا للمعنى ولهذا قالوا: لو كان اليوم يتناصرون بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة، وإن كانوا بالحلف فأهله والدية صلة كما قال لكن إيجابها فيما هو صله وهو العطار أولا من إيجابها في أصول أموالهم لانه أحق وما تحملت العاقلة إلا للتخفيف، والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ومحكي عن عمر رضي الله عنه اه. قال رحمه الله: (فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقل أخذ منها) لحصول المقصود لان المقصود التخفيف وقد حصل. أقول: فيه بحث وهوأن القياس كان يأبى إيجاب المال بمقابلة النفس المحترمة لعدم المماثلة بينهما إلا أن الشرع ورد بذلك كما صرحوا به، والشرع إنما ورد بإيجابه مؤجلا بثلاث سنين فإنه المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المحكي عن عمر رضي الله عنه كما مر آنفا فينبغي أن يختص التأجيل بثلاث سنين إذ تقرر عندهم أن الشرع الوارد على خلاف القياس يختص بما ورد به وسيجئ نظير هذا في الكتاب في تعليل أن ما وجب على القاتل في ماله كما إذا قتل الاب ابنه عمدا ليس بحال عندنا بل مؤجلا بثلاث سنين فتأمل هل يمكن دفعه؟ وهذا إذا كانت العطايا للسنين المستقبلة حتى لو اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء بالدية ثم خرجت بعد القضاء لا يؤخذ منها لان الوجوب بالقضاء، ولو خرجت عطايا ثلاث سنين مستقبلة في سنة واحدة يؤخذ منها كل الدية لانها بعد الوجوب إذ الوجوب بالقضاء وقد حصل المقصود بذلك وهو التخفيف، وإذا كان الواجب ثلث الدية أو أقل يجب في سنة واحدة، وإذا كان أكثر منه يجب في سنتين إلى تمام الثلثين، ثم إذا كان أكثر منه إلى تمام الدية تجب في ثلاث سنين لان جمع الدية في ثلاث سنين فيكون كل ثلث في سنة ضرورة، والواجب على القاتل كالواجب على العاقلة حتى تجب في ثلاث سنين وذلك مثل الاب إذا قتل ابنه عمدا إذا انقلب القصاص مالا. ولو قتل عشرة رجلا واحدا خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين اعتبارا للجزء بالكل وهو بدل النفس فيؤجل كل جزء من أجزائه بثلاث سنين. وأول المدة يعتبر من وقت القضاء بالدية لان الواجب الاصلي هو الدية والنقل إلى القيمة
بالقضاء فتعتبر قيمته من ذلك الوقت. قال رحمه الله: (وإن لم يكن ديوانا فعلى عاقلته) لما روينا ولان نصرته بهم وهي المعتبرة في الباب. قال رحمه الله: (وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يؤخذ من كل في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث ولم يزد على كل واحد من كل الدية في
[ 206 ]
ثلاث سنين على أربعة) وذكر القدوري: لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة وينقص منها والاول أصح فإن محمدا نص على أنه لا يزاد على كل واحد من جميع الدية في ثلاث سنين على ثلاثة أو أربعة فلا يؤخذ من كل واحد في كل قال رحمه سنة إلا درهم وثلث كما ذكرنا هنا لان معنى التخفيف مراعي فيه. قال رحمه الله: (فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليها أقرب القبائل نسبا على ترتيب العصبات) لتحقق معنى التخفيف. واختلفوا في أبي القاتل وأبنائه قيل يدخلون لقربهم، وقيل لا يدخلون لان الضم ينفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من أربعة، وهذا المعنى إنما يستحق عند الكثرة والابناء والآباء لا يكثرون. قالوا: هذا في حق العرب لانهم حفظوا أنسابهم فأمكن إيجابهم على أقرب القبائل، وأما العجم فقد ضيعوا أنسابهم فلا يمكن ذلك في حقهم فإذا لم يمكن فقد اختلفوا فيه، فقال بعضه يعتبر بالمحال والقرية الاقرب فالاقرب، وقال بعضهم رأي يفوض ذلك إلى الامام لانه هو العالم به وهذا كله عندنا، وعند الامام الشافعي يجب على كل واحد نصفدينار فيستوي بين الكل لانه كله صلة فيعتبر بالزكاة. ولو كانت عاقلته أصحا ب الرزق يقضي بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث يؤخذ كلما خرج رزق ثلث الدية بمنزلة العطايا، وإن كان يخرج في كل سنة وأرزاق في كل شهر فرضت الدية في الاعطية دون الارزاق لان الاخذ من الاعطية أيسر لهم والاخذ من الارزاق يؤدي إلى الاضرار بهم إذ الارزاق لكفاية الوقت ويتضررون بالاداء منه والاعطية ليكونوا مؤتلفين في الديوان قائمين بالنصرة فتيسر عليهم الاداء منه. قال رحمه الله: (والقاتل كأحدهم) أي كواحد من العاقلة فلا معنى لاخراجه ومؤاخذة غيره به. وقال الشافعي رضي
الله عنه: لا يجب على القاتل شئ من الدية لانه معذور ولهذا لا يجب عليه الكل فكذا البعض إذ الجزء لا يخالف الكل. قلنا: ايجاب الكل إجحاف به ولا كذلك إيجاب البعض ولانها تجب بالنصرة ولا ينصر نفسه مثل ما ينصر غيره بل أشد فكان أولى بالايجاب عليه، فإذا كان المخطئ معذورا فالبرئ منه أولى قال الله تعالى: * (ولا تزروا زرة وزر أخرى) *. (الانعام: 164) قال رحمه الله: (وعاقلة المعتق قبيلة مولاه) إذ نصرته بهم واسمها ينبي عنها يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم. قال رحمه الله (ويعقل عن مولى الموالاة مولاه وقبيلته) ومولى الموالاة هو الحليف فيعقل عنه مولاه الذي عاقده وعاقله مولاه وهو المراد بقوله وقبيلته أي قبيلة مولاه الذي عاقده لانه المعروف به فأشبه مولى العتاقة. قال رحمه الله: (ولا تعقل عاقلة جناية العبد) ولا العمد وما لزم صلحا واعترافا لما روينا ولانه لا ينتصر بالعبد والاقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور ولايته عنهم. قال رحمه الله (إلا أن
[ 207 ]
يصدقوه في الاقرار) لان التصديق إقرار منهم فتلزمهم بإقرارهم بأن لهم ولاية على أنفسهم والامتناع كان لحقهم وقد زال أو تقوالبينة لان ما ثبت بالبينة كالمشاهدة لانها كاسمها مبينة، وتقبل البينة هنا مع الاقرار وإن كانت لا تعتبر معه لانها تثبت ما ليس بثابت باقرار المدعى عليه وهو الوجوب على العاقلة، ثم ما ثبت بالاقرار يجب مؤجلا وما ثبت بالصلح حال إلا إذ شرط التأجيل في الصلح وقد عرف في موضعه. ولو أقر بالقتل خطأ فلم يرتفعوا إلى الحاكم إلا بعد سنين فقضي عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين كان أول المدة من يوم قضي عليه لان التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة فكذا في الثابت بالاقرار أولى لانه أضعف. ولو تصادق القاتل وأولياء المقتول على أن قاضي بلد كذا قضى بالدية على عاقلته بالبينة وكذبتهما العاقلة فلا شئ على العاقلة لان تصادقهما لا يكون حجة عليهم ولم يكن عليه شئ في ماله لان الدية بتصادقهما تقررت على العاقلة بالقضاء وتصادقهما حجة في حقهما فلا يلزم إلا حصته بخلاف الاول حيث تجب جميع الدية على المقر لانه لم يوجد
التصديق من الولي بالقضاء بالدية على العاقلة وقد وجد هنا فافترقا. قال رحمه الله: (وإن جنى حر على عبد خطأ فهي على عاقلته) يعني إذا قتله لان العاقلة لا تتحمل أطراف العبد. وقال الشافعي: لا تتحمل النفس أيضا بل يجب في مال القاتل. ولنا أنه آدمي فتتحمله العاقلة كالحر وهذا لان ما يجب بقتله دية وهي بدل الآدمي لا المال على ما بيناه من قبل فكانت على العاقلة بخلاف ما دون النفس لانه يسلك به مسلك الاموال، والمراد بالحديث قوله صلى الله عليه وسلم لا تعقل العاقلة عمدا عبدا ولا جناية أي لا تعقل العاقلة جناية عمدا ولا جناية عبد ونحن نقول به لان جنايته توجب دفعة إلا أن يفدية المولى. قال أصحابنا: ليس على المرأة والذرية ممن له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله عنه: لا يعقل مع العواقل صبي ولا امرأة. ولان العقل إنما يجب على أهل النصرة والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزية، وعلى هذا لو كان القاتل صبيا أو امرأة لا شئ عليهما من الدية وهذا صحيح فيما إذا قتله غيرهما، وأما إذا باشرا القتل بأنفسهما فالصحيح أنهما يشاركان العاقلة، وكذا المجنون إذا قتل فالصحيح أن يكون كواحد من العاقلة. والحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والولاء وقرب السكني والعدو الحلف وبعد الديوان النصرة بالنسب على ما بينا، وعلى هذا يخرج كثيرا من مسائل المعاقل. أخوان ديوان أحدهما بالبصرة وديوان الثاني بالكوفة لا يعقل أحدهما عن صاحبه إنما يعقل عنه أهل ديوانه، ومن جنى جناية من أهل البصرة وليس له في أهل الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه نسبا ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة لان أهل
[ 208 ]
الديوان هم الذين يدرؤن عن أهل المصر ويقومون بنصرتهم ويدفعون عنهم ولا يخصون بالنصرة أهل العطاء فقط بل ينصرون أهل المصر كلهم. وقيل: إذا لم يكونوا قريبا له لا يعقلونه وإنما يعقلون إذا كانوا قريبا له وله في البادية أقرب منهم نسبا لان الوجوب بحكم
القرابة وأهل مصر أقرب منهم فكانت القدرة على أهل النصرة لهم فصار نظير مسألة الغيبة المنقطعة في الانكاح. ولو كان البدوي نازلا في المصر لا مسكن له فيه لا يعقله أهل المصر النازل فيهم لانه لا يستنصر بهم، وإن كان لاهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فقتل أحدهم قتيلا فديته على عاقلته بمنزلة المسلم لانهم التزموا أحكام الاسلام في المعاملات سيما في المعاني العاصمة عن الاضرار ومعنى التناصر موجود في حقهم، فإن لم تكن عاقلة معروفة فديته في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم لانا بينا أن الوجوب على القاتل وإنما تتحول عنه إلى العاقلة إذا وجدت، فإن لم توجد بقي عليه بمنزلة مسلمين تاجرين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه فيقضي بالدية في ماله لان أهل دار الاسلام لا يعقلون عنه لان تمكنه من القتل ليس بنصرتهم، ولا يعقل عاقكافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر، والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم لان الكفر كله ملة واحدة. قالوا: هذا إذا لم تكن المعادات بينهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة كاليهود والنصارى ينبغي أن لا يعقل بعضهم بعضا وهذا عند أبي يوسف لا نقاطع التناصر بينهم. ولو كان العاقل من أهل الكوفة وله بهاء عطاء وحمول ديوانه إلى البصرة ثم إذا رفع إلى القاضي فإنه يقضي بالدية على عاقلته من أهل البصرة. وقال زفر: يقضي على عاقلته من الكوفة وهم أهل الكوفة فصار كما لو حول بعد القضاء. ولنا أن الدية إنما تجب بالقضاء على ما ذكرنا أن الواجب هو المثل بالقضاء ينقل إلى المال بخلاف ما إذا حول بعد القضاء لان الوجوب قد تقرر بالقضاء فلا ينتقل بعد ذلك لان حصة القاتل تؤخذ من عطائه بالبصرة لانها تؤخذ من العطاء وعطاؤه بالبصرة بخلاف ما إذا نقلت العاقلة بعد القضا عليهم حيث يضم إليهم أقرب القبائل في النسب لان في النقل إبطال الحكم الاول فلا يجوز بحال، وفي الضم تكثير المتحملين فيما قضى به عليهم فكان فيه تقرير الحكم الاول لا إبطاله. وعلى هذا لو كان القاتل مسكنه بالكوفة وليس له عطاء بها فلم يقض عليهم حتى استوطن البصرة قضى على أهل البصرة بالدية، ولو كان قضى بها على أهل الكوفة فلم ينتقل إليهم، وكذا البدوي إذا
لحق بالديوان بعد القتل قبل قضاء القاضي يقضي بالدية على أهل الديوان وبعد القضاء على عاقلته فالدية لا تتحول عنهم بخلاف ما إذا كان قوم من أهل البادية فقضى عليهم بالدية في أموالهم في ثلاث سنين ثم جعلهم الامام في العطاء حيث تصير الدية في عطاياهم، ولو كان قضى بها في أول مرة لانه ليس له نقض القضاء الاول لانه قضى بها في أموالهم وأعطاهم أموالهم غير أن الدية تقضى من أيسر الاموال إذ الاداء من العطاء أيسر إذا صاروا من أهل
[ 209 ]
العطاء إلا إذا لم يكن مال العطاء من جنس ما قضى به عليهم بأن كان القضاء بالابل والعطاء دراهم فحينئذ لا يتحول إلى الدراهم لما فيه من إبطال القضاء الاول لكن تقضى الابل من مال العطايا بأن يشتري به لانه أيسر. قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إن القاتل إذا لم يكن له عاقلة والدية في بيت المال إذا كان القاتل مسلما لان جماعة المسلمين هم أهل نصرته وليس بعضهم أخص من البعض بذلك، ولهذا إذا مات فميراثه لبيت المال فكذا ما يلزمه من الغرامة يلزم بيت المال. وعن أبي حنيفة رواية شاذة أنها تجب الدية في ماله. الغرامة يلزم بيت المال وابن الملاعنة تعقل عنه عاقلة أمه لان نسبه ثابت منها دون الاب، فإذا عقلت عنه ثم ادعاه الاب رجعت عاقلة الام بما أدت على عاقلة الاب في ثلاث سنين من يوم قضى لهم بالرجوع عليهم لانه تبين أن الدية كانت وجبت عليهم لانه بالدعوى ظهر أن النسب كان ثابتا منه من الاصل، فقوم الام يحملون ما كان واجبا على قوم الاب فيرجعون بها عليهم لانهم مضطرون في ذلك، وكذا إذا مات المكاتب عن وفاء وله ولد مسلم حر فلم يؤد كتابته حتى جنى ابنه وعقل عنه قوم أمه ثم أديت الكتابة ترجع عاقلة الام على عاقلة الاب لانه إذا أدى الكتابة يتحول ولاؤه إلى قوم أبيه من وقت تثبيت الحرية للاب وهو آخر جزء من أجزاء حياته، فتبين أن قوم الام عقلوا عنهم فيرجعون عليهم. وكذا رجل أمر صبيا بقتل رجل فقتله فضمنت عاقلة الصبي الدية رجعت بها على عاقلة الآمر ان كان الامر ثبت بالبينة وفي مال الامر إن كان ثبت بإقراره في ثلاث
سنين من يوم يقضى بها على الآمر أو على عاقلته لان الدية تجب مؤجلة بطريق التيسير عليهم فكذا الرجوع بها تحقيقا للمماثلة. ثم مسائل العاقلة من هذا الجنس كثيرة وأجوبتها مختلفة، والضابط الذي يرد كل جنس إلى أصله أن يقال: إن حال القاتل أن تبدل حكما بسبب حادث فانتقل ولاء إلى ولاء لم تنتقل جنايته عن الاول قضى بها أو لم يقض، وذلك كالولد المولود بين حرة وعبد إذا جنى ثم أعتق العبد لا يجر ولاء الولد إلى قومه، ولا تتحول الجناية عن عاقلة الام قضى بها أو لم يقض. وكذا لو حفر هذا الغلام بئراثم أعتق أبوه ثم وقع فيها إنسان يقضى بالدية على عاقلة الام لان العبرة بحالة الحفر، ومن نظيره حربي أسلم ووالى رجلا فجنى ثم أعتق أبوه جر ولاء لان ولاء العتاقة أقوى وجنايته على عاقلة من والاه لان العبرة لوقت الجناية وتحول الولاء بسببحادث فلا يعتبر في حق تلك الجناية فلا يتبدل، وإن لم يتبدل حال القاتل ولكن ظهرت حالة خفيت فيه توحلت الجناية إلى الاخرى وقع القضاء بها أو لم يقع، وذلك مثل دعوة ولد الملاعنة وولد المكاتب إذا مات المكاتب عن وفاء وأمر الرجل الصبي بالجناية. ولو لم يتبدل حال الجاني ولم يظهر فيه الحالة الحقيقية ولكن العاقلة تبدلت كان الاعتبار في ذلك الوقت القضاء لا غير، فإن قضى بها على الاول لم تنتقل إلى الثاني وإلا قضى بها على الثانية، وذلك مثل أن يكون من ديوان أهل الكوفة ثم جعل من ديوان أهل
[ 210 ]
البصرة، فإن لم يكن فيه شئ مما ذكرنا لكن لحق العاقلة زيادة أو نقصان اشتركوا في حكم الجناية قبل القضاء وبعده إلا فيما سبق آداؤه فمن أحكم هذا الفصل وتأمل فيه أمكنه تخريج المسائل ورد كل واقعة من النظائر والاضداد إلى أصلها. قال بعض الفضلاء: هذا مخالف لما سبق في أول باب جناية المملوك أن أهل الذمة لا يتعاقلون فيما بينهم، وجوابه أن ذلك مبني على الغالب ا ه. أقول: يأبى هذا الجواب قول المصنف هنا فلا عاقلة بعد قوله أنهم لا يتعقلون فيما بينهم لان النكرة المنفية تفيد العموم على ما عرف، فالاولى في الجواب أن يقال: المراد هناك نفي الوقوع أي لم يقع التعاقل فيما بينهم، والمراد هنا بيان الجواز أي لو وقع
التعاقل فيما بينهم جاز ولا يضره اختلاف مللهم فتبصر والله تعالى أعلم.
[ 211 ]
كتاب الوصايا قال الشراح: إيراد كتاب الوصايا في آخر بالكتاب ظاهر المناسبة إذ آخر الاحوال في الآدمي في الدنيا الموت والوصية معاملة وقت الموت. أقول: برد عليه أن كتاب الوصايا ليس بمورود في آخر هذا الكتاب وإنما المورود في آخرة كتاب الخنثى كما ترى نعم أن كثير من أصحاب التصانيف أوردوه في آخر كتبهم لكن الكلام في شرح هذا الكتاب، ويمكن الجواب من قبل الشراح حمل الآخر في قولهم في آخر الكتاب على الاضافي فإن آخره الحقيقي وإن كتاب الخنثى إلا أن كتاب الوصايا أيضا آخره بالاضافة إلى ما قبله حيث كان في قرب آخره الحقيقي، ومن هذا ترى القوم يقولون وقع هذا في أوائل كذا أو أواخره فإن صيغته الجمع لا تتمشى في الاول الحقيقي والآخر الحقيقي وإنما المخلص في ذلك تعميم الاول والآخر الحقيقي والاضافي. والكلام في الوصية من وجوه: الاول في تفسيرها لغة. والثاني في تفسيرها شرعا. والثالث في سبب المشروعية. والرابع في ركنها. والخامس في شرطها. والسادس في صفتها. والسابع في حكمها. والثامن في دليل مشروعيتها. أما الوصية في اللغة فهي اسم بمعنى المصدر الذي هو التوصية ومنه قوله تعالى: * (حين الوصية) * (المائدة: 106) ثم سمى الموصى به وصية ومنه قوله تعالى: * (من بعد وصية توصون بها) * (النساء: 12) وفي الشريعة * (الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت) * بطريق التبرع سواء كانت ذلك في الاعيان أو في المنافع، كذا في عامة الشروح. أقول: وهذا التعريف ليس بجامع لانه لا يشمل حقوق الله تعالى والدين الذي في ذمته، ولو قال المؤلف هي طلب براءة ذمته من حقوق الله تعالى والعباد ما لم يصلهما أو تمليك إلى الآخره لكان أولى. لا يقال إدخال أو في الحدود الحقيقية ولا تعدد فيها لانا نقول: إذا أريد تعريف الحقيقة في ضمن الافراد جاز ذلك كما تقرر. قال بعض المتأخرين: ثم الوصية والتوصية وكذا الايصاء
في اللغة طلب فعل من غيره ليفعله في غيبته حال حياته أو بعد وفاته. وفي الشريعة تمليك
[ 212 ]
مضاف إلى ما بعد الموت على سبيل التبرع عينا كان أو منفعة، هذا هو التعريف المذكور في عامة الكتب. وذكر في الايضاح أن الوصية هي ما أوجبه الانسان في ماله بعد موته أو في مرض موته والوصية بهذا المعنى هي المحكوم عليها بأنها مستحبة غير واجبة وأن القياس يأبى جوازها فعلى هذا يكون بعض المسائل مثل مسألة حقوق الله تعالى وحقوق العباد والمسائل المتعلقة بالوصي مذكورة في كتاب الوصايا بطريق التطفل لكن التحقيق أن هذه الالفاظ كما أنها موضوعة في الشرع للمعنى المذكور موضوعه فيه أيضا لطلب شئ من غيره ليفعله بعد مماته فقد نقل هذا عن شيخ الاسلام خواهر زاده لكن يشترط استعمال لفظ الايصاء باللام في المعنى الاول وب " إلى في المعنى الثاني، فحينئذ يكون ذكر المسائل المذكورة على أنها من فروع المعنى الثاني لا على سبيل التطفل، إلى هنا لفظه. ثم إن سبب الوصية سبب سائر التبرعات وهو إرادة تحصيل الذكر الحسن في الدنيا ووصول الدرجات العالية في العقبى. وأما شرائطها فكون الموصي أهلا للتبرع، وأن لا يكون مديونا، وكون الموصى له حيا وقت الوصية وإن لم يكن مولودا حتى إذا أوصى للجنين إذا كان موجودا حيا عند الوصية تصح وإلا فلا. وإنما تعرف حياته في ذلك الوقت بأن ولدته قبل سنة أشهر حيا. وكونه أجنبيا حتى إن الوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة، وأن لا يكون قاتلا، وكون الموصى به شيئا قابلا للتمليك من الغير بعقد من العقود حال حيات الموصي، سواء كان موجودا في الحال أو معدوما. وأن يكون أيضا الموصى به بقدر الثلث حتى إنها لا تصح فيما زاد على الثلث، كذا في النهاية. وفي العناية أيضا بطريق الاجمال. وفي الاصل: ومن شروطها كون الموصي أهلا للتبرع فلا تصح من صبي ولا عبد. وأقول: فيه قصور بلا خلل، أما أولا فلانه جعل من شرائطها أن لا يكون الموصي مديونا بدون التقييد بأن يكون الدين مستغرقا لتركته والشرط عدم هذا الدين المقيد لا عدم الدين المطلق كما صرح به في البدائع وغيره. وأما ثانيا
فلانه جعل من شرائطها كون الموصي له حيا وقت الوصية والشرط كونه موجودا وقت الوصية لا كونه حيا ألا ترى أنهم جعلوا الدليل عليه الولادة قبل ستة أشهر حيا وتلك إنما تدل على وجود الجنين وقت الوصية لا على حياته في ذلك الوقت كما لا يخفى على العارف بأحوال الجنين في الرحم وبأقل مد الحمل، وعن هذا كان المذكور في عامة المعتبرات عند بيان هذا الشرط أن يكون الموصى له موجودا وقت الوصية بدون ذكر قيد الحياة أصلا. وأما ثالثا فلانه جعل من شرائطها أن يكون الموصى به مقدار الثلث لا زائدا عليه وهو ليس بسديد على إطلاقه فإن الموصي إذا ترك ورثه فإنما لا تصح وصيته بما زاد على الثلث إن لم تجز الورثة، وإن أجازوه صحت وصيته به. وأما إذا لم يترك وارثا فتصح وصيته بما زاد على الثلث حتى بجميع ماله عندنا كما تقرر في موضعه فلا بد من التقييد مرتين مرة بأن يكون له وارث، وأخرى بأن لا يجيزه الوارث والله أعلم. وأما ركنها فقوله أوصيت بكذا. وأما
[ 213 ]
صفتها فقد ذكرها المؤلف. وأما حكمها فالموصى له يملك المال بالقبض. وأما سبب مشروعيتها فقوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * (النساء: 12) قال رحمه الله: وهي مستحبة يعني الوصية مستحبة. أقول: الحكم بالاستحباب على الوصية مطلقا لا يناسب ما سيأتي من التفصيل في الكتاب من أن الوصية بالثلث للاجنبي جائزة بدون الثلث مستحبة إن كانت الورثة أغنياء أو يستغنون بنصيبهم، وإن كانوا فقراء لا يستغنون بما يرثون فترك الوصية أولى وأنها لا تجوز للوارث والقاتل فكان الظاهر أن يقال: الوصية غير واجبة بل هي مستحبة أو جائزة اللهم إلا أن يوجه قوله وهي مستحبة بأن المراد به أن غاية أمرها الاستحباب دون الوجوب لا أنها مستحبة على الاطلاق فكأنه قال إنها لا تصل إلى مرتبة الوجوب بل قصارى أمرها الاستحباب لكن يرد عليه النقض بالوصية لحقوق الله تعالى كالصلاة والزكاة والصوم والحج التي فرط فيها. والظاهر أنها واجبة كما صرح به الامام الزيلعي في التبيين. قال في العناية أخذا من النهاية: فقوله غير واجبة رد لقول من يقول
إن الوصية للوالدين والاقربين إذا كانوا ممن لا يرثون فرض، ولقول من يقول الوصية واجبة على كل أحد ممن له مروأة ويسار لقوله تعالى * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) * (البقرة: 180) والمكتوب علينا فرض ولما لم يفهم الاستحباب من نفي الوجوب لجواز الاباحة قال الشارح: هذا إذا لم يكن عليه حق مستحق لله، وإن كان عليه حق مستحق لله كالزكاة والصوم أو الحج أو الصلاة التي فرط فيها فهي واجبة والقياس يأبى جوازها لانها تمليك مضاف إلى حال زوال الملك، ولو أضافه إلى حال قيامه بأن قال ملكتك غدا كان باطلا فهذا أولى إلا أن الشارع أجازة لحاجة الناس إليها لان الانسان مغرور إلى بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله على وجه لو تحقق ما كان مخالفة يحصل مقصوده وقد يبقى الملك بعد الموت باعتبار الحاجة كما يبقى في قدر التجهيز والدين وقد نطق بها الكتاب وهو قوله تعالى * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * والسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم وعليه إجماع الامة. ثم تصح الوصية للاجنبي بالثلث من غير إجازة الوارث ولا تجوز بما زاد على الثلث لما روي عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي قلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي افأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال قلت: فالثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير
[ 214 ]
لك من إن تذرهم عالة يتكففون الناس. ولان حق الورثة تعلق بماله لانعقاد سبب الزوال إليهم وهو استغناؤه عن المال إلا أن الشرع لم يظهر فحق الاجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره وأظهره في حق الورثة لان الظاهر أنه لا يتصدق به عليهم تحرزا عما يتفق لهم من التأذي بالايثار، وقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال الحيف في الوصية من
أكبر الكبائر وفسروه بالزيادة على الثلث وبالوصية للوارث. وقوله مستحبة الخ الافضل لمن كان قليل المال أن لا يوصي بشئ، والافضل لمن كان له مال كثير أن يوصي بما لا معصية فيه. وقدر الاغنياء عند الامام إذا ترك لكل واحد من الورثة أربعة آلاف دون الوصية، وعن الامام الفضل عشرة آلاف. وفي الموصي الذي أراد أن يوصي ينبغي أن يبدأ بالواجبات فإن لم يكن عليه شئ من الواجبات بدأ بالقرابة، فإن كانوا أغنياء فالجيران. وفي الفتاوى: عامل السلطان أوصى بأن يعطي للفقراء كذا كذا من ماله قال أبو القاسم: إن علم بأنه مال غيره لا يحل أخذه، وإن علم أنه مختلط بمال غيره جاز أخذه، وإن لم يعلم لا يجوز حتى يتبين أنه ماله. قال الفقيه أبو الليث: الجواز قول أبي حنيفة لانه ملكه بالخلط، وعلى قولهما لا يجوز. وفي الخانية: إذا أوصى أن ينفق على فرس فلان جاز وهي وصية لصاحب الفرس. قال رحمه الله: (ولا تصح بما زاد على الثلث) فهذه العبارة أولى من عبارة الهداية حيث قال: ولا تجوز لانه يلزم من عدم الصحة عدم الجواز ولا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة، والمراد بعدم الصحة عدم النفاذ حتى لا ينفذ بل يتوقف على الاجازة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال بعض ا لمتأخرين: يعني لا يجوز بما زاد على الثلث حتى لا يجوز في حق الفاضل على الثلث بل في حق الثلث، فقط لا أنه لا تجوز هذه الوصية أصلا. فإن قلت: كيف جاز استعمال اللفظ في بعض مدلولاته دون بعض وبأي وجه أمكن ذلك؟ قلت: يجعله في حكم وصايا متعددة بأن يجعل قوله أوصيت لفلان بثلثي مالي في قوة قوله أوصيت له بثلثه دون الزائد والوصية تارة تكون منجزة، وتارة معلقة بشرط فيجب أن يعلم بأن تعلق الوصية بالشرط جائز. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف في الاملاء: إذا أوصى بثلثه لرجل على أن يحج عنه فهذا جائز إن قبل ذلك الموصى له. ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال في وصيته ينفق على فلان كذا والموصى له غائب أو مات الموصي وهو غائب فهو بمنزلة رد الوصية ولا شئ له، وكذلك إن قدم فسلم يقبل، وإن قدم وقبفله ما مضى. قال أبو يوسف: رجل
أوصل بثلث ماله لرجل وقال أن أبي فهو لفلان فمات الموصى له الاول أو لم يأب فالثلث للاول ولو أبى كان للآخر، لو قال ثلثي وصية لفلان فإن لم يشأ ذلك فلفلان فهو مثل الاول، ولو قال ثلثي وصية لفلان إن شاء وإن أبى فهو لفلان فمات الموصى له قبل أن يتكلم بشئ فالثلث مردود على الورثة. ابن سماعة عن محمد: رجل أوصى لرجل بوصية
[ 215 ]
وقال إن لم يقبل فلان ما أوصيت له به أو قال إن رد فلان ما أوصيت به فهو لفلان فإذا الموصى له الاول حيا أو كان حيافمات قبل الموصي ولم يعمل بالوصية قال هي للثاني كلها إن أسلمت جاريتي هذه فأعتقوها فباعوها قبل أن تسلم ثم أسلمت بعد مضي البيع صح ولا ترد. قال أبو حنيفة: إذا قال أوصيت أن يخدم عبدي فلانا سنة ثم هو لفلان فقال فلان لا أقبل الوصية قال: يخدم الورثة سنة ثم الموصي له ولا تبطل وصيته للثاني بأباء الاول الخدمة. قال أعطوه فلانا بعد السنة فإن مات فلان خدم تمام السنة للورثة ثم يدفع إلى الموصى له بعد تمام السنة. وقال أبو حنيفة: هذه وصية فيها يمين وليست المسألة الاولى كهذه ابراهيم بن رستم عن محمد: قال أرضي التي في موضع كذا وغلامي فلان لام ولده فيصير ميراثا منها. ابن سماعة عن أبي يوسف: أوصى أن ينفق على أم ولده ما قامت على ولدها وقال إن تزوجت فلا شئ لها فتزوجت وطلقها زوجها فرجعت إلى ولدها لم يرد عليها ما كان أوصى به لها وقد بطل ذلك، وكذلك إن خرجت من بلادها إلى بلاد أخرى، ولو خرجت من دارها أو جاء منها شئ يعرف أنها قد تركتهم ولم تقم عليهم فلا هذه الدار لك على أن تصح في سبيل الله أو قال هذه الدابة لك على أن تغزوا عليها في سبيل الله قال: هي له وله أن يصنع بها ما شاء. عن أبي يوسف: رجل أوصى بثلث ماله لرجل وشرط عليه أن يقضي دينه معناه شرط الموصي على الموصى له أن يقضي دين الموصي فهذا على وجوه: إن كان الدين مجهولا أو كان معلوما إلا أن الثلث مجهول فالوصية باطلة، وإن كان الدين معلوما والثلث معلوما فإن لم يكن في الثلث ذهب ولا فضة فهو جائز ويجب له الثلث بالدين إذا قبل كما يجب في
البيع، وإن كان في الثلث دراهم إن كان أكثر من الدين فإن هذا لا يجوز من قبيل أن هذا بيع دراهم بدراهم وفضل عروض سوى ذلك، وإن كانت الدراهم التي في الثلث أقل من الدين جاز، فإن قبض الثلث ساعة يموت أو قبض الدراهم التي في الثلث ساعة يموت وقضى الدين ساعته انتقص ذلك في الدراهم ما يخصه وجاز في العروض. أوصى بألف درهم على أن يقضي عنه فلانا خمسمائة لا يجوز، ولو قال على أن يقضي فلانا منها خمسمائة جاز العلاء في نوادر هشام عن أبي يوسف: إذا قال إذا مت وهذان العبدان في ملكي فهما وصية لفلان فمات أحد العبدين ثم مات الموصي والثاني في ملكه فالوصية باطلة، ولو قال إن مت وفلان حيان فهذا العبد وصية لهما فمات أحدهما قبل موت الموصي فإن الثاني منهما يعطي نصف العبد. قال: وإذا أوصى رجل لامته أن تعتق على أن تتزوج ثم مات الموصي فقالت الامة لا أتزوج فإنها تعتق، ويجب أن يعلم بأن الموصي متى علق عتق مملوكه بشئ بعد موته فإنه لا يخلو من وجهين: أن يعلقه على فعل غير مؤقت بأن قال هي حرة إن ثبتت على الاسلام بعد موتي أو أوصى أن يعتقوها بعد موته على أن لا تتزوج أو قال هي حرة بعد موتي إن لم تتزوج أو علق عتقه على فعل مؤقت بأن قال إن مكثت مع ولدي شهرا فهي حرة أو
[ 216 ]
قال أعتقوه إن لم يتزوج شهرا. فإن علق عتقه بالثبات على فعل غير مؤقت حال حياته بأن قال لمملوكه حال حياته إن ثبت مع ولدي أو في هذه الدار شهرا فأنت حرة فثبتت ساعة عتقت، وكذا إذا علق عتقه بالثبات على فعل غير مؤقت بأن أوصى بأن يعتقوها على أن لا تتزوج أو قال إن لم تتزوج إذا قالت بعد موت المولى لا أتزوج فإنها تعتق إذا كانت تخرج من ثلث ماله، هكذا وقع في بعض النسخ. وفي بعض النسخ إذا لم تتزوج يوما أو أقل وأكثر فإن الوصية لها صحيحة، فإن تزوجت بعد ذلك صح نكاحها ولا يبطل عتقها ووصيتها ولا يلزمها السعاية في شئ للورثة، وهذا قول علمائنا الثلاثة. قال: أوصى لام ولده بألف درهم على أن تتزوج أو قال إن لم تتزوج إن قالت لا أتزوج بعد موت الموصي فإنه يعطي لها
وصيتها، فإن تزوجت بعد ذلك لا يسترد الالف منها. ولو قال ما لم تتزوج شهرا فهو على ما قال لا تستحق وصيتها ما لم تترك التزوج شهرا، وإذا تزوجت قبل مضي الشهر تبطل وصيتها. أوصى لها بألف درهم على أن تثبت مع ولدها فمكثت مع ولدها ساعة استحقت الوصية. قال: وإذا أوصى لرجل بخادمه على أن يقيم مع ابنته ومع ابنته ومع ابنه حتى يستغنيا ثم هي حرة فهذا على وجهين: فأما كانا كبيرين أو كانا صغيرين، فإن كانا كبيرين فإنها تخدم الابنة حتى تتزوج وتخدم الابن حتى يتأهل أو يجد ما يشتري به خادما يخدمه فيستغني عن خدمتها، وإن كان صغيرين تخدمهما حتى يبلغا، وإن مات أحدهما أو ماتا جميعا قبل أن يستغنيا فإن الجارية لا تعتق وتبطل الوصية. قال: إذا أوصى لها بالعتق على أن تتزوج فلانا بعينه فقالت أفعل تعتق من ثلثه وبعد هذا إذا أبت أن تزوج نفسها من فلان وفلان أجنبي لا شئ عليها. قال: ولو أوصى بعتق عبد له أن لا يفارق وارثه أبدا وعليه دين يحيط به وبطلت وصيته وبيع في الدين. ولم يتعرض المؤلف لبيان ما يدخل في الوصية بطريق التبع وما لا يدخل. قال محمد: الولد والكسب إذا ولدا قبل موت الموصي فإنهما لا يدخلان تحت الوصية. سواء كانا يخرجان من الثلث أو لا يخرجان. فأما إذا حدث الولد والكسب بعد موت الموصي إن حدثا يوم القسمة والتسليم لا يدخلان تحت الوصية ولا يسلمان للموصى له بحكم الوصية حتى لا يعتبر فيها الثلث والثلثان، فأما إذا حدث الولد والكسب قبل قبول الموصى له قبل القسمة والتسليم هل يصير موصى به حتى يعتبر خروجه من الثلث أو لا يجعل موصى به حتى لا يكون للموصى له من غير اعتبار الثلث؟ لم يذكر محمد هذا في شئ من الكتب نصا، وقد اختلف فيه المشايخ المتأخرون، ذكر القدوري أنه لا يصير موصى به حتى لا يعتبر خروجه من الثلث وكان للموصى له من جميع المال كما لو حدث بعد القسمة والتسليم، ومشايخنا قالوا بأنه يصير موصى به حتى لا يعتبر خروجه من الثلث كما لو وجد قبل القبول. وفي نوادر ابراهيم عن محمد فيمن أوصى لرجل بحائط فهو بأرضه كله وصية، ولو أوصى بنخلة فهو على النخلة دون الارض قال: إنما تسمى نخلة وهي مقطوعة وهذا في
[ 217 ]
عرفهم، وفي عرفنا تسمى نخلة وهي قائمة أيضا فعليه تدخل أرضها. في نوادر المعلي عن أبي يوسف: أوصى لرجل بنخل كثير أو نخلة واحدة أوهب أو تصدق أو باع فله ما على ظهر الارض، ولو أوصى له بكرم أو بستان أو جمة فله ذلك بأصله ولا يشبهه هذه النخلة، وذكر المعلي عن أبي يوسف: إذا أوصى ينخلة لانسان ولآخر بثمرها فالوصية جائزة والنخل للموصي له بالنخل بأصله وأرضه. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا أوصى بزق زيت. فهو على الزق دون الزيت، ولو قال بزق الزيت فهو على الزق وحده، ولو بسفينة الطعام فهو على السفينة، وكذلك على هذه الوجوه في رواية الماء وقوصرة التمر. ولو أوصى لاحد بميزان فهو على العمود والكفتين والخيوط ولا يدخل فيه السجات والغلاف، وهذا إذا كان بغير عينه، وأما إذا كان بعينه دخل فيه. وقال أبو يوسف: إذا أوصى لرجل بالميزان فله الكفتان والعمود ولا يمكن له السنجات، وأما القبان فهو له برمانته وكفته. وذكر الحسن بن زياد في كتاب الاختلاف عن أبي يوسف: إذا أوصى لرجل بسيف فله النصدون الجفن وهو قول أبي حنيفة. وعنه أن له السيف مع جفنه ورواية ابن سماعة موافقة لرواية الاصل. ولو أوصى بمصحف وله إذا أوصى غلاف فله المصحف دون الغلاف في قول أبي حنيفة. وفي البقالي له بقبة تركية فهو له بالآلة، فلو أوصى بحملة فله الكسوة دون العيدان، وفيه أيضا أبي يوسف: أوصى لرجل بسرج فكل شئ علق به وحرز فيه فهو له ولا يكون له غيره. وذكر الحسن في كتاب الاختلاف عن أبي يوسف في الوصية بالسرج أن له الدرفتين والركابين والمرة لا يكون للعبد والرفادة والصنقة وذكر ابراهيم عن محمد في رجل مات فأعتق عبده قال: له كسوته ومنطقته. قال محمد: هي وصية عبد الله بن المبارك لغلامه. وفي نوارد بشر عن أبي يوسف: أوصى لرجل بشاة من غنمه ولم يقل من غنمي هذه فأعطى الورثة الموصى له شاة قد ولدت بعد موت المولى قال، لا يتبعها ولدها. ولو قال أوصيت لفلان بشاة من غنمي هذه فأعطوه شاة قد ولدت بعد
موت الموصى ولدا قال يتبعها ولدها. ولو استهلك الوارث الولد قبل أن يعطي الشاة فلا ضمان عليه، وكذلك لو أوصى له بنخلة بأصلها ولم يقل من نخلي هذا فهي مثل الشاة التي أوصى بها ويعطونه أي نخلة شاؤوا دون ثمرتها التي أثمرتها في حياة الموصي أو بعد وفاته، وإن كانوا استهلكوا ذلك فلا ضمان عليهم. وما يتصل بهذا الفصل ما إذا أوصى أن تعتق جاريته هذه بعد موته ومات فقبل أن تعتق ولدت ولدا فهي مع ولدها يخرجان من الثلث، عتقت الجارية ولم يعتق الولد، وكذا لو أوصى بأن يكاتب هذه الجارية بعد موته أو أوصى أن تباع هي من نفسها أو تعتق على مال فولدت ولدا بعد موت الموصى لا تنفذ الوصية في الولد. ولو أوصى أيتصدق بجاريته هذه على المساكين أو على فلان أو توهب من فلان فولدت ولدا بعموته فتنفذ الوصية في الولد كما تنفذ في الجارية، ولو أوصى بأن تباع
[ 218 ]
جاريته هذمن فلان بألف درهم فولدت ولدا بعد موت الموصي بيعت هي ولا يباع ولدها. ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه ويتصدق بثمنها على المساكين أو على فلان فولدت الجارية بعد موته ولدا فإنه تنفذ الوصية في الولد، ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه من فلان بألف درهم فجاء عبد وقتلها فدفع بها أو قطع يدها فدفع بيدها أو وطئها وطأ بشبهة حتى غرم العقر فإنه لا يباع العبد المدفوع ولا الارش ولا العقر فبعد ذلك ينظر، إن كانت قد قتلت بطلت الوصية لفقدان محلها، وإن كانت قد قطعت يدها بيعت من الموصى له بنصف الثمن إن شاء، ولو وطئت وهي ثيب لم ينقصها الوطئ لا يحط شئ من الثمن، وكذلك إذا تلفت عينها أو يدها بآفة سماوية بيعت بجميع الثمن المشتري إلا إذا صارت إليه أصلا فصار له حصته من الثمن، ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه من فلان بألف درهم ويتصدق بثمنها على المساكين فآبى فلان البيع بطلت الوصيتان جميعا، وكذلك لو قتلت الجارية بعد موت الموصي وغرم القاتل قيمتها بطلت الوصيتان، وكذلك لو أوصى أن تكاتب جاريته ويتصدق ببدل الكتابة أو تباع من نفسها ويتصدق بثمنها على المساكين فولدت بعد موته ولدا بيعت هي وحدها
ولم يبع معها ولدها، وأما بيان الالفاظ التي تكون وصية والتي لا تكون وصية روى ابن سماعة في نوادره عن محمد: إذا قال الرجل أشهدوا أني أوصيت لفلان بألف درهم وأوصيت بأن لفلان في مالي ألف درهم فالالف الاولى وصية الاخرى إقرار. والفرق أن أوصيت لما دخلت على أن المصدرية تستعمل بمعنى ذكرت ولهذا كان إقرارا بخلاف الاولى فإنها على بابها. وفي الاصل: إذا قال في وصيته سدس داري لفلان وأبي أجيز ذلك يكون وصية، ولو قال سدس في داري لفلان وإني أجيز ذلك يكون وصية، ولو قال لفلان سدس في داري فإنه يكون إقرارا، وعلى هذا إذا قال الرجل لفلان درهم من مالي يكون وصية استحسانا، وإن كان في ذكر وصيته إذا قال في مالي كان إقرارا، وإذقال عبدي هذا لفلان وداري هذه لفلان ولم يقل وصية ولا كان في ذكر وصيه ولا بعد موتكانت هبة قياسا واستحسانا، وإن قبضها في حال حياته صح، وإن لم يقبضها حتى مات فهو باطل، وإن ذكرها في خلال الوصية ذكر الشيخ الامام الزاهد أحمد الطواويسي في شرح وصايا الاصل القياس أن يكون هذا وصية، وفي الاستحسان لا يكون وصية. وإذا قال أوصيت أن يوهب لفلان سدس داري بعد موتي كان ذلك وصية عملا بقوله بعد موتي فالهبة بعد الموت هي الوية فتصح مع الشيوع ولا يشترط قبضه في حيات الموصي. ولو قال ثلثي مالي لفلان أو قال سدس مالي لفلان ثم مات قبل أن يقبض فالقياس أن يكون هذا باطلا، وفي الاستحسان يكون وصية جائزة وتأويله إذا قال ذلك في خلال الوصايا يكون وصية ظاهرة فصار كأنه قال ثلث مالي وصية لفلان، ولو قال هكذا فإنه جائز، وإن كان قبل القبض، وكذلك إذا قال بعد موتي لانه لما قال بعد موتي فإنه نص على الوصية بخلاف ما إذا قال في صحته ثلث مالي لفلان لانه
[ 219 ]
لم يصرح بالوصية ولاذكرها في خلال الوصايا ولا إضافة إلى ما بعد الموت فلا يجعل وصية بل يجعل هبة لو ذكرها في خلال الوصايا أو إضافة إلى ما بعد الموت وكان ذلك في حال الصحة يكون وصية. والحاصل لا فرق بين حالة الصحة وحالة المرض، وروى محمد عن أبي
يوسف وعن أبي حنيفة في رجل قال في مرضه أو في صحته إن حدث لي حادث فلفلان كذا هذا وصية، وكذلك لو قال لفلان ألف درهم من ثلثي فهذا وصية وإن لم يذكر فيها الموت، ولو قال لفلان ألف درهم من ثلث مالي أو قال من نصف مالي أو قال من ربع مالي فهو باطل، وفي الخانية: قال ذلك في صحته أو مرضه إلا أن يكون عند ذكر الوصية. وفي فتاوى الليث: مريض قال أخرجوا ألف درهم من مالي أو قال أخرجوا ألف درهم ولم يزد على هذا ثم مات، فإن قال ذلك في ذكر الوصية جاز. وفي الخانية، ويصرف إلى الفقراء رجل حضرته الوفاة فقال له رجل ألا توصي فقال قد أوصيت بثلث مالي ولم يزد عليه حتى مات يدفع كل السدس للفقراء. وفي الخانية: مريض قالوا له لم لا توصي فقال قد أوصيت بأن يخرج من ثلث مالي ألفان فيتصدق بألف على المساكين ولم يزد على ذلك حتى مات فإذا ثلث ماله ألفان. قال الشيخ الامام أبو القاسم: يتصدق بالالف. ولو قال المريض أوصيت أن يخرج ثلث مالي ولم يزد عليه قال بتصدق بجميع الثلث على الفقراء. وفي المنتقي: إذا قال إن مت من مرضي هذا فأمتي هذه حرة وما كان في يدها فهو عليها صدقة قال: أرى ذلك جائزا على وجه الصدقة وما كان في يدها يوم مات وعليه البينة أن هذا كان في يدها يوم مات، ولو قال إن مت من مرضي هذا فغلماني أحرار ويعطي فلان من مالي كذا وكذا ويحج عني ثم برأ مرضه ثم مرض ثانيا وقال للشهود الذين أشهدهم على الوصية الاولى أو لغيرهم اشهدوا أني على الوصية الاولى قال محمد: أما في القياس هذا باطل لانه قد بطلت وصيته الاولى حين صح من مرضه ذلك لكنا نستحسن فنجيز ذلك منه ويتحاصون في الثلث، وعلى هذا القياس والاستحسان إذا قال أوصيت لعبد ابنه بمائة درهم وللمساكين بمائة درهم ثم قال إن مت من مرضي هذا فغلماني أحرار ثم برأ ثم مرض ثانيا. ولو قال إن لم أبرأ من مرضي وزاد في فتاوي الفضلي أو قال بالفارسية الدين الدين يتمارى من أبدأ يأرين يتمارى ممن مر فحينئذ إذا برأ تبطل وصيته. وفي الظهيرية ومجموع النوازل: رجل قال لآخر في وصيته بالفارسية يتمارى دار في ربدان مرابصين من فقد جعله وصيا في تركته، وكذا لو قال
معدهم وممر يأمرهم وما يجري مجراه. ول قال المريض عمر كان من وريد من تحول بعد أن مات أو قال مرور بدان من أصابع فمات قال: يصير وصية امرأة أوصت بأشياء وقال في ذلك حر لسان من أما وكان بها هندان قال من هل تصح هذه الوصية وماذا يعطي قال: هذه وصية لمن ليس هو من جملة أربابها والتقدير في هذا ذلك لما يخاطبه بذلك يعطي ما لها أقرباؤها وقد يبطل اسم التذكرة. الخانية: مريض أوصى بوصايا يأثم برأ من مرضه ذلك وعاش سنين
[ 220 ]
ثم مرض فوصاياه ثابتة إن لم يقل إن مت من مرضي هذا أو قال إن لم أبرأ من مرضي هذا فقد أوصيت بكذا أو قال بالفارسية الدمن ارين سماري غير من حينئذ إذ برأ بطلت وصيته. ولو قال أبرأت غرماني ولم يسمهم ولم ينو أحدا منهم بقلبه قال أبو القاسم: روى ابن مقاتل عن أصحابنا أنهم لا يبرؤن. رجل له دين على رجل فقال المديون إذا مت فأنت برئ من ذلك الدين قال أبو القاسم: يجوز ويكون وصية من الطالب للمطلوب. وفي النوازل سئل عن رجل كان له على رجل دين فقال له إذا مت فأنت برئ من ذلك الدين قال: يجوز وتكون وصية من الطالب للمطلوب إذا مات. وإذ قال إن مت برئ من ذلك الدين قال: لا يبرأ وهو مخاطرة. وهو بمنزلة قوله إن دخلت الدار فأنت برئ مما عليك. وفي المنتقى: إذا قال الرجل ضعوا ثلثي حين أمر الله تعالى يرد إلى الورثة. وفي الخلاصة: ولو قال ثلث مالي حيثما يرى الناس أو حيثما يرى المسلمون قيل في عرفنا ليست بوصية. وفي العيون: إذا قال انظروا إلى كل ما يجوز لي أن يوي به فأعطوه فهذا على الثلث. ولو قال انظروا ما يجوز لي أن أوصي به فأعطوه فالامر إلى الورثة لانه يجوز أن يوصي بدرهم وبأكثر. وقوله ما يجوز لي كذا ذكرهما ههنا ومراده إذا كانت الورثة كبارا كلهم، أما إذا كان فيهم صغير أو من في معناه يجعل في حقه كان الموصي أوصى بدرهم لا غير لانه هو المتيقن. وسئل أبو نصر عمن قال إدفعوا هذه الدراهم أو هذه الثياب إلى فلان ولم يقل هي له قال: إن هذا باطل لان هذا ليس بوصية. وسئل أبو نصر الدبوسي عمن قال في وصيته ثلث مالي وقف ولم يزد على هذا قال:
إن كان ماله نقدا يعني دراهم أو دنانير وما أشبه ذلك فهذا القول منه باطل وصار كقوله هذه الدراهم وقف، وإن كان ماله ضياعا ونحوه صار وقفا على الفقراء. وفي الظهيرية: وقد قيل الفتوى على أنه لا يجوز ما لم يبين جهة الوقف. ولو أوصى رجل أن ما وجد مكتوبا من وصية والدي ولم أكن نفذتها تنفذ أو أقر بذلك على نفسه