الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين ابي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن احمد بن قدامه المقدسي المتوفي سنة 682 ه كلاهما على مذهب امام الائمة (ابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء السادس (تنبيه) وضعنا كتاب المغني في أعلى الصحائف والشرح الكبير في أدناها مفصولا بينهما بخط عرضي دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم (باب الاجارة) والاصل في جوازها الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (فان أرضعن لكم فاتوهن أجورهن) وقال تعالى قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين * قال اني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن الندر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (طس) حتى إذا بلغ قصة موصى قال " ان موسى عليه السلام أجر نفسه ثماني حجج أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه " وقال الله تعالى (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) وهذا يدل على جواز أخذ الاجرة على إقامة الجدار وأما السنة فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا رجلا من بنى الديل هاديا خريتا. وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل
[ 3 ]
أعطى بى ثمن غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " وأجمع أهل العلم في كل عصر على جواز الاجارة إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الاصم انه قال: لا يجوز
ذلك لانه غرر يعني انه يعقد على منافع لم تخلق. وهذا غلط لا يمنع انعقاد الاجماع الذي سبق في الاعصار وسائر الامصار. والعبرة أيضا دالة عليها فان الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الاعيان فلما جاز العقد على الاعيان وجب أن تجوز الاجارة على المنافع، ولا تخقى حاجة النا س إلى ذلك فانه ليس لكل أحد دار يملكها ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها ولا يلزم أصحاب الاملاك إسكانهم وحملهم تطوعا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر ولا يمكن كل احد عمل ذلك ولا يجد متطوعا به، فلابد من الاجارة لذلك بل ذلك مما جعله الله تعالى طريقا إلى الرزق حتى ان أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة فان العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها لانها تتلف بمضي الاوقات فاحتيج إلى العقد عليها قبل وجودها كالسلم في الاعيان. واشتقاق الاجارة من الاجر وهو العوض، قال الله تعالى (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) ومنه سمي الثواب أجرا لان الله تعالى يعوض العبد به على طاعته، أو صبره على مصيبته * (مسألة) * (وهي عقد على المنافع تنعقد بلفظ الاجارة والكراء وما في معناهما، وفي لفظ البيع وجهان) الاجارة عقد على المنافع في قول أكثر العلماء منهم أبو حنيفة ومالك وأكثر الشافعية، وذكر
[ 4 ]
بعضهم ان المعقود عليه العين لانها الموجودة والعقد يضاف إليها فيقول أجرتك داري ولنا أن المعقود على المستوفى بالعقد وذلك هو المنافع دون الاعيان ولان الاجر في مقابلة المنفعة وبهذا يضمن دون العين وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه وإنما أضيف العقد إلى العين لانها محل المنفعة، وكما يضاف عقد المساقاة إلى البستان والمعقود عليه الثمرة، ولو قال أجرتك منفعة داري جاز (فصل) وهي نوع من البيع لانها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه فهي بيع المنافع والمنافع كالاعيان لانها يصح تمليكها في الحياة وبعد الموت وتضمن باليد والاتلاف وتكون عوضا عينا ودينا وإنما اختصت باسم كالصرف والسلم مع كونه بيعا، فعلى هذا تنعقد بلفظ الاجارة والكراء لانهما موضوعان لها، وكذلك كل ما يؤدي معناهما لحصول المقصود به، وهل تنعقد بلفظ البيع؟ فيه
وجهان [ أحدهما ] تنعقد به لانها بيع فانعقدت بلفظه كالصرف [ والثاني ] لا تنعقد به لان فيها معنى خاصا فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى، ولان الاجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة فاحتيج إلى لفظ يعرف ويفرق بينهما كالعقود المتباينة. ولانها عقد يخالف البيع في الحكم والاسم أشبه النكاح (فصل) ولا تصح إلا من جائز التصرف لانه عقد تمليك في الحياة أشبه البيع
[ 5 ]
* (مسألة) * (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة (أحدها) معرفة المنفعة إما بالعرف كسكنى الدار شهرا وخدمة العبد سنة وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين أو بناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته) وجملة ذلك انه لابد من معرفة المنفعة في الاجارة لانها المقعود عليها فاشترط العلم بها كالمبيع فان معرفته شرط في صحة البيع فكذلك معرفة المنفعة في الاجارة فان بيع المجهول لا يصح اجماعا، فان كان لها عرف كسكنى الدار شهرا لم يحتج إلى ذكرها لانه لا يكترى الا لذلك فاستغني عن ذكرها كالبيع بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف، وخدمة العبد سنة كسكنى الدار لانها معلومة بالعرف، وأما إن اكترى لحمل زبرة حديد إلى موضع معين فلابد من ذكر الوزن ههنا والمكان الذي تحمل إليه لان المنفعة انما تعرف بذلك * (مسألة) * (أو بناء حائط بذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته واجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم) وجملة ذلك انه يجوز الاستئجار للبناء ويقدر بالزمان والعمل، فان قدر بالعمل فلابد من معرفة موضعه لانه يختلف بقرب الماء وسهولة التراب ولابد من ذكر طوله وعرضه وسمكه وآلة البناء من طين أو لبن أو آجر أو حجارة أو شيد أو غير ذلك. قال ابن أبي موسى: وإذا استأجره لبناء الف لبنة
[ 6 ]
في جدار أو استأجره يبني له فيه يوما فعمل ما استؤجر عليه ثم سقط الحائط فله أجره لانه وفى العمل
فان قال ارفع لي هذا الحائط عشرة أذرع فرفع بعضه فسقط فعليه اعادة ما سقط وإتمام ما وقعت عليه الاجارة من الذرع، هذا إذا لم يكن سقوطه في الاول لامر من جهة العامل فأما ان فرط أو بناه محلولا أو نحو ذلك فسقط فعليه اعادتة وغرامة ما تلف به (فصل) ويجوز الاستئجار لتطيبن السطوح والحيطان وتجصيصها ولا يجوز على عمل معين لان الطين يختلف في الرقة والغلط، والارض تختلف منها العالي والنازل، وكذلك الحيطان فلذلك لم يجز الا على مدة (فصل) وإذا استأجر دارا جاز اطلاق العقد ولم يحتج إلى ذكر السكنى ولا صفتها لما ذكرنا، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور لا يجوز حتى يقول أبيت تحتها أنا وعيالي لان السكنى تختلف، ولو اكتراها ليسكنها فتزوج امرأة لم يكن له أن يسكنها معه ولنا أن الدار لا تكترى الا للسكنى فاستغني عن ذكره كاطلاق الثمن في بلد فيه نقد معروف والتفاوت في السكنى يسير فلم يحتج إلى ضبطه لما ذكرنا. وما ذكروه لا يصح فان الضرر لا يكاد يختلف بكثرة من يسكن وقلتهم ولا يمكن ضبط ذلك فاجتزئ فيه بالعرف كما في دخول الحمام وشبهه، ولو اشترط ما ذكره لوجب أن يذكر عدد السكان وأن لا يبيت عنده ضيف ولا غير من ذكره ولكان ينبغي أن يعلم صفة الساكن كما يعلم ذلك فيها إذا اكترى للركوب
[ 7 ]
(فصل) قد ذكرنا انه يجوز الاستئجار للخدمة كل شهر بشئ معلوم وسواء كان الاجير رجلا أو امرأة حرا أو عبدا وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور لانه يجوز النيابة فيه ولا يختص فاعله بكونه من أهل القربة. قال أحمد أجير المشاهرة يشهد الاعياد والجمعة وان لم يشترط ذلك، قيل له فيتطوع بالركعتين قال ما لم يضر صاحبه، وانما أباح ذلك لان أوقات الصلاة مستثناة من الخدمة ولهذا وقعت مستثناة في حق المعتكف لترك معتكفه لها، وقال ابن المبارك لا بأس أو يصلي الاجير ركعات من السنة وقال أبو ثور وابن المنذر ليس له منعه منها، قال أحمد يجوز أن يستأجر الامة والحرة للخدمة ولكن يصرف وجهه عن النظر ليست الامة مثل الحرة ولا يخلو معها في بيت ولا ينظر إليها متجردة ولا إلى شعرها انما قال ذلك لان حكم
النظر بعد الاجارة كحكمه قبلها وفرق بين الحرة والامة لانهما يختلفان قبل الاجارة فكذلك بعدها (فصل) إذا استأجر أرضا احتاج إلى ذكر ما تكترى له من غراس أو بناء أو زرع لانها تكترى لذلك كله وضرره يختلف فوجب بيانه، وفي إجارة الارض للزرع اختلاف ذكرناه في باب المساقاة (فصل) ويجوز الاستئجار لضرب اللبن لما ذكرنا ويكون على مدة أو عمل فان قدره بالعمل احتاج إلى تعيين عدده وذكر قالبه وموضع الضرب لان الارض تختلف باختلافه لكون التراب في بعض الاماكن أسهل والماء أقرب فان كان هناك قالب معروف لا يختلف جاز كما إذا كان المكيال معروفا، وان قدره بالطول
[ 8 ]
والعرض والسمك جاز ولا يكتفى بمشاهدة قالب الضرب إذا لم يكن معروفا لان فيه غرار وقد يتلف القالب فلا يصح كما لو أسلم في مكيال بعينه * (مسألة) * (وان استأجر للركوب ذكر المركوب فرسا أو بعيرا أو نحوه) لان منافعها تختلف وتشترط معرفته برؤية أو صفة لانه يصح بيعه بهما وذكر المهمليج والقطوف لان سيرهما يختلف ومعرفة ما يركب به من سرج أو غيره لانه يختلف بالركوب والراكب ولا يحتاج إلى ذكر الذكورة والانوثة لان التفاوت بينهما يسير وقال القاضي يفتقر لتفاوتهما ولابد من معرفة الراكب برؤية أو صفة ذكره الخرقي وقال الشريف لا يجزئ فيه الا بالرؤية لان الصفة لا تأتي عليه ولابد من معرفة المحامل والاوطئة والاغطية والمعاليق كالقدر والسطحة ونحوهما أما برؤية أو صفة أو وزن * (مسألة) * (فان كان للحمل لم يحتج إلى ذكره) لعدم الغرض في معرفته فان اتفق وجود غرض في الحمولة مثل أن يكون المحمول شيأ تضره كثرة الحركة كالفاكهة والزجاج أو كون الطريق مما يعسر على بعضها دون بعض فينبغي أن يذكره في الاجارة ذكره شيخنا، وتشترط معرفة المتاع برؤية أو صفة ويذكر جنسه من حديد أو قطن أو نحوه لان ضرره يختلف وقدره بالوزن ان كان موزونا أو بالكيل ان كان مكيلا لان البيع يصح بكلا الامرين، ويحصل بالمشاهدة لانها من أعلى طرق العلم وبالصفة إذا ذكر القدر والجنس، وذكر ابن عقيل انه إذا قال أجرتكها لتحمل عليها
[ 9 ]
ثلثمائة رطل مما شئت جاز وملك ذلك لكن لا يحمله حملا يضر بالحيوان فلو أراد حمل حديد أو زئبق ينبغي أن يفرقه على ظهر الحيوان فلا يجتمع في موضع واحد من ظهره ولا يجعله في وعاء يموج فيه فيكد البهيمة ويتعبها وان اكترى ظهرا للحمل موصوفا بجنس فاراد حمله على غير ذلك الجنس وكان الطالب لذلك المستأجر لم يقبل منه لانه لا يملك المطالبة بما لم ينعقد عليه، ان طلبه المؤجر وكان يقوت به غرض المستأجر مثل أن يكون غرضه الاستعجال في السير أو أن لا ينقطع عن القافلة فيتعين الخيل أو البغال أو يكون غرضه السكون لكون المحمول مما يضره الهز أو قوتها وصبرها لطول الطريف وثقل الحمولة فيعين الابل لم يجز العدول عنه لانه يفوت غرض المستأجر فلم يجز ذلك كما في المركوب، وان لم يفوت غرضا جاز كما يجوز لمن اكترى على حمل شئ حمل مثله، فان اكترى بهيمة لحمل ما شاء لم يصح لانه يدخل فيه ما يقتل البهيمة وكذلك ان شرط طاقتها لانه لا ضابط له * (فصل) * قال رضى الله عنه (الثاني معرفة الاجرة بما يحصل به معرفة الثمن قياسا عليه ولا نعلم في ذلك خلافا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من استأجر اجيرا فليعلمه أجره " ويعتبر العلم بالرؤية أو بالصفة كالبيع، فان كان العوض معلوما بالمشاهدة دون القدر كالصبرة جاز في أحد الوجهين كالثمن في البيع والثاني لا يجوز لانه قد ينفسخ العقد بعد تلف الصبرة فلا يدرى بكم يرجع فاشترط معرفة قدره كعوض السلم والاول أولى لما ذكرنا، وما قاسوا عليه ممنوع ثم الفرق بينهما ان المنفعة ههنا أجريت مجرى الاعيان
[ 10 ]
لانها متعلقة بعين حاضرة والسلم يتعلق بمعدوم فافترقا وللشافعي نحو ما ذكرنا في هذا الفصل (فصل) وكل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز عوضا في الاجارة لانه عقد معاوضة أشبه البيع (1) * (مسألة) * (يجوز أن يستأجر الاجير بطعامه وكسوته وكذلك الظئر) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل له أجرا وشرط طعامه وكسوته فروي عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك وإسحاق، وروي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله عنهم انهم استأجروا الاجراء بطعامهم وكسوتهم. وروي عنه ان ذلك جائز في الظئر دون غيرها. اختاره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة لان ذلك مجهول وانما جاز في الظئر لقول
الله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) أوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع ولم يفرق بين المطلقة وغيرها بل في الآية قرينة تدل على طلاقها لان الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية وان لم ترضع، ولان الله تعالى قال (وعلى الوارث مثل ذلك) والوارث ليس بزوج. ولان المنفعة في الرضاع والحضانة غير معلومة فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروي عنه رواية ثالثة ان ذلك لا يجوز بحال في الظئر ولا في غيرها وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر لان ذلك يختلف اختلافا كثيرا متباينا فيكون مجهولا والاجر من شرطه أن يكون معلوما ولنا ما روى ابن ماجه عن عتبة بن الندر قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ (طس) حتى إذا
(1) هذا الفصل بنصه مكرر مع ما ينافي له في صحيفة 17 ولا معنى لذكره ههنا
[ 11 ]
بلغ قسة موسى عليه السلام قال " ان موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه " وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه. وعن أبي هريرة انه قال كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي أحطب لهم إذا نزلوا وأحدوا بهم إذا ركبوا. رواه الاثرم وابن ماجه، ولانه فعل من ذكرنا من الصحابة فلم ينكر فكان اجماعا، ولانه قد ثبت في الظئر في الآية فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولانه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التسمية كنفقة الزوجة، ولان للكسوة عرفا وهي كسوة الزوجات وللاطعام عرف وهو الاطعام في الكفارات فجاز اطلاقه كنقد البلد. ونخص أبا حنيفه بأن ما جاز عوضا في الرضاع جاز في الخدمة كالاثمان إذا ثبت هذا وتشاحا في قدر الطعام والكسوة رجع في القوت إلى الاطعام في الكفارة وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله لان الاطلاق فيه يجزئ فيه أقل ما يتناوله اللفظ كالوصية. ويحتمل أن يحمل على الملبوس في الكفارة كالمطعوم. قال أحمد إذا تشاحا في الطعام حكم به بمد كل يوم ذهب به إلى ظاهر ما أمر الله من إطعام المساكين ففسرت ذلك السنة بأنه مد لكل مسكين، ولان الاطعام مطلق في الموضعين فما فسر به أحدهما يفسر به الآخر، وليس له اطعام الاجير الا ما يوافقه من الاغذية لان عليه ضررا ولا يمكنه استيفاء الواجب له منه
(فصل) فان شرط الاجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة كصفتها في السلم جاز عند الجميع وان لم يشرط
[ 12 ]
طعاما ولا كسوة فنفقته وكسوته على نفسه وكذلك الظئر، قال ابن المنذر لا أعلم عن أحد خلافا فيما ذكرت وان شرط للاجير طعام غيره وكسوته موصوفا جاز لانه معلوم فهو كما لو شرط دراهم معلومة ويكون ذلك للاجير ان شاء أطعمه وان شاء تركه، وان لم يكن موصوفا لم يجز لان ذلك مجهول احتمل فيما إذا شرطه للاجير للحاجة إليه وجري العادة به فلا يلزم احتمالها مع عدم ذلك ولو استأجر دابة بعلفها أو باجر مسمى وعلفها لم يجز لانه مجهول ولا عرف له يرجع إليه ولا نعلم أحدا قال بجوازه الا أن يشترطه موصوفا فيجوز (فصل) فان استغني الاجير عن طعام المستأجر بطعام نفسه أو غيره أو عجز عن الاكل بمرض أو غيره لم تسقط نفقته وكان له المطالبة بها لانه عوض فلا يسقط بالغنى عنه كالدراهم، وان احتاج إلى دواء لمرضه لم يلزم المستأجر لانه لم يشترط له الا طعام الاصحاء لكن يلزمه بقدر طعام الصحيح لان ما زاد على ذلك لم يقع العقد عليه فلم يلزم كالزائد في القدر (فصل) فان قبض الاجير طعامه فأحب أن يستفضل بعضه لنفسه وكان المستأجر دفع إليه أكثر من الواجب له ليأكل منه قدر حاجته ويفضل الباقي أو كان في تركه لاكله كله ضرر على المستأجر بان يضعف عن العمل أو يقل لان الظئر منع منه لانه في الصورة الاولى لم يملكه وانما أباحه قدر حاجته وفي الثانية على المستأجر ضرر بتفويت بعض منفعته عليه فمنع منه كالجمال إذا امتنع من علف الجمال وان دفع إليه قدر الواجب فقط أو أكثر منه فملكه إياه ولم يكن في تفضيله لبعضه ضرر بالمستأجر جاز لانه ضرر لاحق فيه
[ 13 ]
على المستأجر أشبه الدراهم (فصل) فان قدم إليه طعاما ما فنهب أو تلف قبل أكله وكان على مائدة لا يخصه فيها بطعامه فهو من ضمان المستأجر لكونه لم يسلم إليه وان خصه بذلك وسلمه إليه فهو من مال الاجير لانه يسلم عوضه على وجه التمليك أشبه البيع (فصل) قال أحمد في رواية مهنا لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه
وهو أحب إلي من المقاطعة إنما جاز ههنا لانه معلوم بالمشاهدة وهي أعلى طرق العلم ومن علم شيئا علم جزأه المشاع فيكون أجرا معلوما. واختاره على المقاطعة مع وجودها لانه ربما يخرج من الزرع مثل الذي قاطع عليه وههنا هو أقل منه يقينا (فصل) يجوز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها وفيه خلاف ذكرناه. وقد أجمع أهل العلم على استئجار الظئر وهي المرضعة لقول الله تعالى [ فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ] واسترضع النبي صلى الله عليه وسلم لولده ابراهيم. ولان الحاجة تدعو إليه أكثر من الحاجة إلى غيره فان الطفل في العادة انما يعيش بالرضاع وقد يتعذر رضاعه من أمه فجاز ذلك كالاجارة في سائر المنافع، فان استأجرها للرضاع دون الحضانة أو للحضانة دون الرضاع أو لهما جاز، وان أطلق العقد على الرضاع دخلت فيه الحضانة في أحد الوجهين وهو قول أصحاب الرأي لان العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبي فحمل الاطلاق عليه
[ 14 ]
[ الثاني ] لا تدخل وهو قول أبي ثور وابن المنذر لان العقد ما تناولها ولاصحاب الشافعي كهذين الوجهين، والحضانة تربية الصبي وحفظه وجعله في سريره وربطه ودهنه وكحله وتنظيفه وغسل خرقه أشباه ذلك واشتقاقه من الحضن وهو ما تحت الابط وما يليه وسميت التربية حضانة تجوزا من حضانة الطير لبيضه وفراخه لانه يجعلها تحت جناحه فسميت تربية الصبي بذلك أخذا من فعل الطائر (فصل) ولهذا العقد أربعة شروط أحدها العلم بمدة الرضاعة لانه لا يمكن تقديره الا بها لان السقي والعمل فيها يختلف (الثاني) معرفة الصبي بالمشاهدة لان الرضاع يختلف بكبر الصبي وصغره وتهمته وقناعته وقال القاضي يعرف بالصفة كالراكب (الثالث) موضع الرضاع لانه يختلف فيشق عليها في بيته ويسهل في بيتها (الرابع) معرفة العوض لما ذكرنا (فصل) والمعقود عليه في الرضاع خدمة الصبي وحمله ووضع الثدي في فيه واللبن تبع كالصبغ في اجارة الصباغ وماء البئر في الدار لان اللبن عين فلا يعقد عليه في الاجارة كلبن غير الآدمي، وقيل هو اللبن قال القاضي وهو أشبه لانه المقصود دون الخدمة ولهذا لو أرضعته ولم تخدمه استحقت الاجرة ولو خدمته ولم ترضعه لم تستحق شيئا ولان الله تعالى قال (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فجعل الاجر
مرتبا على الرضاع فيدل على أنه المعقود عليه ولان العقد لو كان على الخدمة لما لزمها سقيه لبنها وانما جاز العقد عليه مع كونه عينا رخصة لان غيره لا يقول مقامه ولا ضرورة تدعوا إلى استيفائه وانما جاز في الآدميين
[ 15 ]
دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمى والحاجة إلى بقائه (فصل) وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر لبنها ويصلح به وللمكتري مطالبتها بذلك لانه من تمام التمكين من الرضاع وفي تركه اضرار بالصبي فان لم ترضعه لكن سقته لبن الغنم أو أطعمته فلا أجر لها لانها لم توف المعقود عليه أشبه ما لو استاجرها لخياطة ثوب فلم تخطه فان دفعته إلى خادمها فارضعته فكذلك وبه قال أبو ثور وقال أصحاب لها أجرها لان رضاعه حصل بفعلها ولنا أنها لم ترضعه أشبه ما لو سقته لبن الغنم فان قالت أرضعته فانكر المسترضع فالقول قولها لانها مؤتمنة * (مسألة) * (ويستحب أن تعطى عند الفطام عبدا أو وليدة إذا كان المسترضع موسرا) لما روى أبو داود باسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج الاسلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما يهب عني مذمة الرضاع قال " الغرة أو الامة " قال الترمذي حسن صحيح المذمة بكسر الذال من الذمام وبفتحها من الذم قال ابن عقيل انما خص الرقبة بالمجازاة دون غيرها لان فعلها من الرضاعة والحضانة سبب حياة الولد وبقائه وحفظ رقبته فاستحب جعل الجزاء هبتها رقبة للتناسب بين النعمة والشكر ولهذا جعل الله تعالى المرضعة أما فقال سبحانه (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه " وان كانت المرضعة مملوكة استحب اعتاقها لانه يحصل أخص الرقاب بها لها وتحصل به المجازاة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم مجازاة للوالد من النسب
[ 16 ]
(فصل) ويجوز للرجل ان يؤجر أمته ومدبرته وأم ولده والمعلق عتقها بصفة والمأذون لها في التجارة للارضاع لانه عقد على منفعتها أشبه اجارتها للخدمة وليس لواحدة منهن اجارة نفسها لان منفعتها لسيدها فان كان لها ولد لم يجز إجارتها للارضاع الا أن يكون فيها فضل عن ريه لان الحق لولدها ليس لسيدها الا الفاضل عنه فان كانت مزوجة لم تجز اجارتها لذلك الا باذن الزوج لانه يفوت حقه
لاشتغالها عنه بالرضاع والحضانة فان أجرها للرضاع ثم زوجها صح النكاح ولا تنفسخ الاجارة وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغها من الرضاع والحضانة وقال مالك ليس لزوجها وطؤها الا برضى المستاجر لانه ينقص اللبن وقد يقطعه ولنا أن وطئ الزوج مستحق فلا يسقط لامر مشكوك فيه، وليس للسيد اجارة مكاتبته لان منافعها لها ولذلك لا يمكن تزويجها ولا وطؤها ولا اجارتها لغير الرضاع ولها أن تؤجر نفسها لانه من الاكتساب * (مسألة) * (وان دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليعملاه ولهما عادة باجرة صح ولهما ذلك وان لم يعقدا عقد اجارة وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح) إذا دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض باجر مثل أن يقول خذ هذا فاعمله وأنا أعلم انك انما تعمله باجر وكان الخياط والقصار منتصبين لذلك ففعلا ذلك فلهما الاجر وقال أصحاب الشافعي لا أجر لهما لانهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما أشبه ما لو تبرعا بعمله
[ 17 ]
ولنا ان العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول فصار كنقد البلد وكما لو دخل حماما أو جلس في سفينة ملاح ولان شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض فأما ان لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا أجرا الا بعقد أو شرط العو ض أو تعريض به لانه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فهو كما لو تبرع به أو عمله بغير اذن مالكه وكذلك لو دفع ثوبه إلى رجل ليبيعه وكان منتصبا يبيع للناس بأجر مثله فهو كالقصار والخياط فيما ذكرنا له الاجر نص عليه أحمد، وان لم يكن كذلك فلا شئ له لما تقدم، ومتى دفع ثوبه إلى أحد هؤلاء ولم يقاطعه على أجر فله أجر المثل لان الثياب يختلف أجرها ولم يعين شيأ فجرى مجرى الاجارة الفاسدة، فان تلف الثوب من حرزه أو بغير فعله فلا ضمان عليه لان ما لا يضمن في العقد الصحيح لا يضمن في الفاسد (فصل) إذا استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى انسان فحمله فوجد المحمول إليه غائبا فرده استحق الاجر لحمله في الذهاب والرد لانه حمله في الذهاب باذن صاحبه صريحا وفي الرد تضمنا لان تقدير كلامه وان لم تجد صاحبه فرده إذ ليس سوى رده الا تضييعه وقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده * (مسألة) * (ويجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة)
وجملة ذلك ان كل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز عوضا في الاجارة لانه عقد معاوضة أشبه البيع فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينا أو منفعة أخرى سواء كان الجنس واحدا كمنفعة دار بمنفعة أخرى ومختلفة كمنفعة دار بمنفعة عبد قال أحمد لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم وبه قال الشافعي قال
[ 18 ]
الله تعالى إخبارا عن شعيب انه قال (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) فجعل النكاح عوض الاجارة، وقال أبو حنيفة فيما حكي عنه لا تجوز إجارة دار بسكني أخرى ولا يجوز الا أن يختلف جنس المنفعة كسكنى دار بمنفعة بهيمة لان الجنس الواحد عنده يحرم النساء فيه، وكره الثوري الاجارة بطعام موصوف والصحيح جوازه وهو قول اسحاق وأصحاب الرأي وقياس قول الشافعي لانه عوض يجوز في البيع فجاز في الاجارة كالذهب والفضة وما قاله أبو حنيفة لا يصح لان المنافع في الاجارة ليست في تقدير النسيئة ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين لانه يكون بيع دين بدين * (مسألة) * (وتجوز إجارة الحلي باجرة من جنسه وقيل لا يصح) تجوز اجارة الحلي نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن أحمد انه قال في اجارة الحلي ما أدري ما هو؟ قال القاضي هذا محمول على اجارته باجرة من جنسه فاما بغير جنسه فلا بأس لتصريح أحمد بجوازه وقال مالك في إجارة الحلي والثياب هو من المشتبهات ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة وليس ذلك من المقاصد الاصلية ومن منع ذلك بأجر من جنسه احتج بانها تحتك بالاستعمال فيذهب منه اجزاء وان كانت بسيرة فيحصل الاجر في مقابلتها ومقابلة الانتفاع بها فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشئ آخر ولنا انها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقاء عينها فاشبهت سائر ما يجوز اجارته والزينة من
[ 19 ]
المقاصد الاصلية فان الله تعالى امتن بها علينا بقوله (لتركبوها وزينة) وقوله (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) وأباح الله تعالى من التحلي واللباس ما حرم على الرجال لحاجتهن إلى التزين للازواج وأسقط الزكاة عن حليهن معونة لهن على اقتنائه، وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح لان ذلك يسير لا يقابل
بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالاجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الاجزاء لان الاجر في الاجارة انما هو عوض المنفعة كما في سائر المواضع ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز اجارة أحد النقدين بالآخر لافضائه إلى التفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض (فصل) ولو استأجر من يسلخ له بهيمة بجلدها لم يجز لانه لا يعلم هل يخرج الجلد سليما أو لا وهل هو ثخين أو رقيق؟ ولانه لا يجوز أن يكون عوضا في البيع فلا يجوز أن يكون عوضا في الاجارة كسائر المجهولات فان سلخه بذلك فله أجر مثله وان استأجره لطرح ميتة بجلدها فهو أبلغ في الفساد لان جلد الميتة نجس لا يجوز بيعه وقد خرج بموته عن كونه ملكا وله أجر مثل ان فعل (فصل) ولو استأجر راعيا لغنم بثلث درها وصوفها وشعرها ونسلها أو نصفه أو جميعه لم يجز نص عليه أحمد في رواية سعيد بن محمد النسائي لان الاجر غير معلوم ولا يصلح عوضا في البيع، قال اسمعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويحفظها وولدها بينهما فقال اكره ذلك وبه قال ابو ايوب وأبو خيثمة ولا أعلم فيه مخالفا لان العوض معدوم مجهول لا يدرى ايو جدام لا، والاصل عدمه
[ 20 ]
ولا يصلح أن يكون ثمنا، فان قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف مغلها قلنا انما جاز ثم تشبيها بالمضاربة ولانها عين تنمي بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء كالمضاربة والمساقاة وفي مسئلتنا لا يمكن ذلك لان النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يمكن الحاقه بذلك، وذكر صاحب المحرر رواية أخرى انه يجوز بناء على ما إذا دفع دابته أو عبده يجزء من كسبه والاول ظاهر المذهب لما ذكرنا من الفرق، وعلى قياس ذلك إذا دفع نحله إلى من يقوم عليه بجزء من عسله وشمعه يخرج على الروايتين فان اكتراه على رعيها مدة معلومة بجزء معلوم منها صح لان العمل والمدة والاجر معلوم فصح كما لو جعل الاجر دراهم ويكون النماء الحاصل بينهما بحكم الملك لانه ملك الجزء المجعول له منها في الحال فكان له نماؤه كما لو اشتراه * (مسألة) * وان قال ان خطت الثوب اليوم فلك درهم وان خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين)
(إحداهما) لا يصح وله أجر المثل نقلها أبو الحارث عن أحمد وهو مذهب ملك والثوري والشافعي واسحاق وابو ثور لانه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير فلم يصح كما لو قال بعتك بدرهم نقدا وبدرهمين نسيئة (والثانية) يصح وهو قول الحارث العكلي وابي يوسف ومحمد لانه سمى لكل عمل عوضا معلوما فصح كما لو قال كل دلو بتمرة، وقال أبو حنيفة ان خاطه اليوم فله درهم وان خاطه غدا لم يزد على درهمين وقد ينقص عن نصف درهم لان المؤجر قد جعل له نصف درهم فلا ينقص منه وقد رضي في أكثر العمل
[ 21 ]
بدرهم فلا يزاد عليه وهذا لا يصح لانه ان صح العقد فله المسمى وان فسد فوجوده كعدمه فيجب أجر المثل كسائر العقود الفاسدة * (مسألة) * (وإن قال ان خطته روميا فلك درهم، وان خطته فارسيا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على وجهين) بناء على التي قبلها والخلاف فيها كالتي قبلها الا أن أبا حنيفة وافق صاحبيه في الصحة ههنا ولنا أنه عقد معاوضة لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلم يصح كما لو قال بعتك هذا بدرهم أو هذا بدرهمين، وفارق هذا كل دلو بتمرة من وجهين (أحدهما) أن العمل الثاني ينضم إلى العمل الاول ولكل واحد منهما عوض مقدر فأشبه ما لو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وههنا الخياطة واحدة يشرط فيها عوضا إن وجدت على صفة وعوضا ان وجدت على أخرى أشبه ما لو باعه بعشرة صحاح أو احدى عشرة مكسرة (والثاني) أنه وقف الاجارة على شرط بقوله ان خطته كذا فلك كذا وان خطته كذا فلك كذا بخلاف قوله كل دلو بتمرة (فصل) نقل مهنا عن أحمد فيمن استأجر من جمال إلى مصر بأربعين دينارا فان نزل دمشق فكراؤه ثلاثون فان نزل الرقة فكراؤه عشرون، فقال إن اكترى إلى الرقة بعشرة واكترى إلى دمشق بعشرة والى مصر بعشرة جاز ولم يكن للجمال أن يرجع فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة العقد الاول
[ 22 ]
لانه في معنى بيعتين في بيعة لكونه خيره بين ثلاثة عقود، ويتخرج فيه أن يصح بناء على المسئلتين قبل
هذا، ونقل عن احمد في رجل استأجر رجلا يحمل له كتابا إلى الكوفة وقال ان أوصلت الكتاب يوم كذا فلك عشرون وان تأخرت بعد ذلك بيوم فلك عشرة فالاجارة فاسدة وله أجر مثله مثل الذي قبله * (مسألة) * (وان أكراه دابة وقال ان رددتها اليوم فكراؤها خمسة وان رددتها غذا فكراؤها عشرة فقال أحمد لا بأس به نقل عبد الله فيمن اكترى دابة وقال ان رددتها غدا فكراؤها عشرة، وان رددتها اليوم فكراؤها خمسة لا بأس به، وهذه الرواية تدل على صحة الاجارة والظاهر عن أحمد برواية الجماعة فيما ذكرنا فساد العقد على قياس بيعتين في بيعه، وقال القاضي يصح في اليوم الاول دون الثاني وقياس حديث علي والانصاري صحته فان عليا أجر نفسه ليهودي يستقي له كل دلو بتمرة وكذلك الانصاري وسنذكره * (مسألة) * (وان أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال احمد في رواية أبي الحارث هو جائز) ونقل ابن منصور عنه فيمن اكترى دابة من مكة إلى جدة بكذا فان ذهب إلى عرفات بكذا فلا بأس، ونقل عبد الله عنه لو قال اكتريتها بعشرة فما حبسها فعليه في كل يوم عشرة أنه يجوز وهذه الروايات تدل على أن مذهبه أنه متى قدر لكل عمل معلوم أجرا معلوما صح، وتأول القاضي هذا كله على أنه يصح في الاول ويفسد في الثاني لان مدته
[ 23 ]
غير معلومة فلم يصح العقد فيه كما لو قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم وما زاد فبحساب ذلك. قال شيخنا: والظاهر عن احمد خلاف هذا فان قوله فهو جائز عاد إلى جميع ما قبله وذلك قوله لا بأس، ولان لكل عمل عوضا معلوما فيصح كما لو استقى له كل دلو بتمرة وقد ثبت الاصل بالخبر الوارد فيه ومسائل الصبرة لا نص فيها عن الامام وقياس نصوصه صحة الاجارة وإن سلم فسادها فلان القفزان التي شرط عملها غير معلومة بتعيين ولا صفة وهي مختلفة فلم يصح العقد لجهالتها بخلاف الايام فانها معلومة * (مسألة) * (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك قد عرف وجه ذلك وأرجو أن يكون خفيفا
ولنا أن المدة مجهولة والعمل مجهول فلم يجز كما لو اكتراها لمدة سفره في تجارته ولان مدة الغزاة تطول وتقصر ولا حد لها تعرف به والعمل فيها يقل ويكثر ونهاية سفرهم تقرب وتبعد فلم يجز التقدير بها كغيرها من الاسفار المجهولة فان فعل ذلك فله أجر المثل كالاجارات الفاسدة * (مسألة) * (وان سمى لكل يوم شيئا معلوما فجائز)
[ 24 ]
وقال الشافعي لا يصح لان مدة الاجارة مجهولة. ولنا أن عليا رضي الله عنه أجر نفسه كل دلو بتمرة وكذلك الانصاري فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولان كل يوم معلوم مدت وأجره فصح كما لو أجره شهرا كل يوم بدرهم أو استأجره لنقل صبرة معلومة كل قفيز بدرهم. إذا ثبت هذا فلا بد من تعيين ما يستأجر له من ركوب أو حمل معلوم، ويستحق الاجر المسمى لكل يوم سواء أقامت أو سارت لان المنافع ذهبت في مدتة أشبه ما لو اكترى دارا وغلقها ولم يسكنها * (مسألة) * (وان أكراه كل شهر بدرهم أو كل دلو بتمرة فالمنصوص عن أحمد أنه يصح وكلما دخل شهر لزمهما حكم الاجارة ولكل واحد منهما الفسخ عند انقضاء كل شهر، وقال أبو بكر وابن حامد لا يصح) اختلف أصحابنا في ذلك فقال القاضي يصح ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو اختيار الخرقي لان الشهر الاول تلزم الاجارة فيه باطلاق العقد لانه معلوم يلي العقد وأجره معلوم وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به وهو السكنى في الدار ان أجره دارا لانه مجهول حال العقد فإذا تلبس به تعين الدخول فيه فصح بالعقد الاول، وان لم تتلبس به أو فسخ العقد عند انقضاء الاول انفسخ وكذلك حكم كل شهر يأتي وهذا مذهب أبي ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك نحو هذا الا أن الاجارة لا تكون لازمة عنده لان المنافع مقدرة بتقدير الاجر فلا يحتاج إلى ذكر المدة الا في اللزوم واختار أبو بكر عبد العزيز وابن حامد وابن عقيل أن العقد لا يصح وهو قال الثوري والصحيح
[ 25 ]
من قولي الشافعي لان كل اسم للعدد فإذا لم يقدره كان مجهولا فيكون فاسدا كقوله أجرتك أشهرا وحمل أبو بكر وابن حامد كلام أحمد على أنه وقع على أشهر معينة، ووجه الاول أن عليا استقى لرجل
من اليهود كل دلو بتمرة وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه قال كنت أدلو الدلو بتمرة واشترطها جلدة وعن رجل من الانصار انه قال ليهودي أسقي نخلك؟ قال نعم كل دلو بتمرة فاشترط الانصاري أن لا يأخذه خدرة ولا تارزة ولا حشفة ولا يأخذ الا جلدة فاستقى بنحو من صاعين فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. رواهما ابن ماجه وهو نظير مسألة اجارة الدار، ونص في المسألة الاخرى، ولان شروعه في كل شهر مع ما تقدم العقد من الاتفاق على تقدير أجره والرضى ببذله به جرى مجرى ابتداء العقد عليه وصار كالبيع بالمعاطاة إذا وجد من المساومة مادل على التراضي بها. فعلى هذا متى ترك التلبس به في شهر لم تلزم الاجارة فيه لعدم العقد وكذلك ان فسخ وليس بفسح في الحقيقة لان العقد الثاني ما ثبت والقياس يقتضي عدم الصحة لان العقد تناول جميع الاشهر وذلك مجهول ثم لا وجه لاعتبار الشروع في الشهر الذي يلي الاول مع كون الشهور كلها داخلة في اللفظ، فأما أبو حنيفة فذهب إلى أنهما إذا تلبسا بالشهر الثاني فقد اتصل القبض بالعقد الفاسد، قال شيخنا ولا يصح هذا العذر لان العقد الفاسد في الاعيان لا يلزم بالقبض ولا يضمن بالمسمى تم ثم لم يحصل القبض ههنا الا فيما استوفاه وقول مالك لا يصح لان الاجارة من العقود اللازمة فلا يجوز أن تكون جائزة
[ 26 ]
(فصل) إذا قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم جاز بغير خلاف لان المدة معلومة والاجر معلوم وليس لواحد منهما فسخ بحال لانها مدة واحدة فأشبه ما لو قال أجرتك عشرين شهرا بعشرين درهما، فان قال أجرتكها شهرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك صح في الشهر الاول لانه أفرده بالعقد وبطل في الزائد لانه مجهول، ويحتمل أن يصح في كل شهر تلبس به كما لو قال اجرتكها كل شهر بدرهم لان معناهما واحد، ولو قال أجرتكها هذا الشهر بدرهم وكل شهر بعد ذلك بدرهم أو بدرهمين صح في الاول وفيما بعده وجهان لما ذكرنا (فصل) في مسائل الصبرة وهي عشر مسائل (احداها) أن يقول استأجرتك لحمل هذه الصبرة إلى مصر بعشرة فهي صحيحة بغير خلاف نعلمه لان الصبرة معلومة بالمشاهدة فجاز الاستئجار عليها كما لو علم كيلها (الثانية) قال استأجرتك لتحملها كل قفيز بدرهم فيصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز ويبطل
فيما زاد، ومبنى الخلاف على الخلاف في بيعها وقد ذكرناه (الثالثة) قال لتحملها لي نفيرا بدرهم وما زاد فبحساب ذلك فيجوز كما لو قال كل قفيز بدرهم وكذلك كل لفظ يدل على ارادة حمل جميعها كقوله لتحمل قفيزا منها بدرهم وسائرها أو باقيها بحساب ذلك أو قال وما زاد بحساب ذلك يريد باقيها كله إذا فهما ذلك من اللفظ لدلالته عندهما عليه أو لقرينة صرفت إليه (الرابعة) قال لتحمل قفيزا منها بدرهم وما زاد فبحساب ذلك يريد مهما حملته من باقيها فلا يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان المعقود عليه بعضها وهو مجهول. ويحتمل أن يصح لانه في معنى كل دلو بتمرة (الخامسة) قال لتنقل لي منها كل
[ 27 ]
قفيز بدرهم فهي كالرابعة سواء (السادسة) قال لتحمل لي منها قفيزا بدرهم على أن تحمل الباقي بحساب ذلك فلا يصح لانه في معنى بيعتين في بيعة. ويحتمل أن يصح لان معناه لتحمل لي كل قفيز منها بدرهم (السابعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم وتنقل لي صبرة أخرى في البيت بحساب ذلك، فان كانا يعلمان الصبرة التي في البيت بالمشاهدة صح فيهما لانهما كالصبرة الواحدة وإن جهل أحدهما صح في الاولى وبطل في الثانية لانهما عقدان أحدهما على معلوم والثاني على مجهول فصح في المعلوم وبطل في المجهول كما لو قال بعتك عبدي هذا بعشرة وعبدي الذي في البيت بعشرة [ الثامنة ] قال لتحمل لي هذه الصبرة والتي في البيت بعشرة فان كانا يعلمان التي في البيت صح فيهما وإن جهلاها بطل فيهما لانه عقد واحد بعوض واحد على معلوم ومجهول بخلاف التي قبلها، فان كانا يعلمان التي في البيت لكنها مغصوبة أو امتنع تصحيح العقد فيها لمانع اختص بها بطل العقد فيها، وفي صحته في الاخرى وجهان بناء على تفريق الصفقة الا أنها إن كانت قفزانها معلومة أو قدر إحداهما معلوم من الاخرى فالاولى صحته لان قسط لاجر فيها معلوم، وان لم يكن كذلك فالاولى بطلانه لجهالة العوض فيها (التاسعة) قال لتحمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بدرهم فان زادت على ذلك فالزائد بحساب ذلك صح في العشرة لانها معلومة ولم يصح في الزيادة لانها مشكوك فيها ولا يجوز العقد على ما يشك فيه (العاشرة) قال لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فان قدم لي طعام فحملته فبحساب ذلك صح أيضا في الصبرة وفسد في الزيادة لما ذكرنا
[ 28 ]
* (فصل) * قال المصنف رحمه الله [ الثالث أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا يجوز على الزنا والزمر والغناء ولا اجارة دار ليجعلها كنيسة أو بيت نار، أو لبيع الخمر أو القمار ] وجملة ذلك ان من شرط صحة الاجارة أن تكون المنفعة مباحة فان كانت محرمة كالزنا والزمر والنوح والغناء لم يجز الاستئجار لفعله وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور، وكره ذلك الشعبي والنخعي لانه محرم فلم يجز الاستئجار عليه كاجارة الامة للزنا. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ابطال إجارة النائحة والمغنية (فصل) ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء أو نوحا، وقال أبو حنيفة يجوز. ولنا انه انتفاع بمحرم أشبه ما ذكرنا، ولا يجوز الاستئجار على كتب شعر محرم ولا بدعة ولا شئ محرم لذلك (فصل) ولا تجوز اجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بعية أو لبيع الخمر أو القمار وبه قال الجماعة، وقال أبو حنيفة ان كان بيتك في السواد فلا بأس وخالفه صاحباه، واختلف أصحابه في تأويل قوله ولنا انه فعل محرم فلم تجز الاجارة عليه كاجارة عبده للفجور، ولو اكترى ذمي من مسلم دارا فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه، وبذلك قال الثوري. وقال أبو حنيفة إن كان بيتك في السواد والجبل فله أن يفعل ما يشاء. ولنا انه محرم جاز المنع منه في المصر فجاز في السواد كقتل النفس المحرمة
[ 29 ]
* (مسألة) * (ولا يجوز الاستئجار على حمل الميتة والخمر وعنه يصح للحر أكل أجرته) لا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشتريها أو يأكل الميتة ولا على حمل خنزير لذلك، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة يجوز لان العمل لا يتعين عليه بدليل انه لو حمله مثله جاز لانه لو قصد إراقته أو طرح الميتة جاز. وقد روي عن أحمد فيمن حمل خنزيرا لذمية أو خمرا لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء فإذا كان لمسلم فهو أشد. قال القاضي: هذا محمول على انه استأجره ليريقها فأما للشرب فمحظور لا يحل أخذ الاجر عليه قال شيخنا: وهذا تأويل بعيد لقوله: أكره أكل كراة وإذا كان لمسلم فهو أشد والمذهب خلاف
هذه الرواية لانه استئجار لفعل محرم فلم يصح كالزنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صلى الله عليه وسلم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والمحمولة إليه. وقول أبي حنيفة لا يتعين يبطل بما لو استأجر أرضا ليتخذها مسجدا، فأما حمل الخمر لاراقتها والميتة لطرحها والاستئجار لكسح الكنيف فجائر لان ذلك مباح، وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طيبة فحجمه. وقال أحمد في رواية ابن منصور فيمن يؤاجر نفسه لنظارة كرم نصراني: يكره ذلك لان الاصل في ذلك راجع إلى الخمر (فصل) قد ذكرنا ان الاستئجار لكسح الكنيف جائز الا انه يكره له أكل أجرته كأجرة الحجام بل هذا أولى. وقد روى سعيد بن منصور ان رجلا حج وأتى ابن عباس فقال له اني رجل أكنس فما ترى في مكسبي؟ قال أي شئ تكنس؟ قال العذرة، قال: ومنه حججت ومنه تزوجت؟ قال نعم. قال أنت خبيث وحجك خبيث وما تزوجت خبيث. ونحو هذا. ولان فيه دناءة فكره
[ 30 ]
كالحجامة. وانما قلنا بجواز الاجارة عليه لدعو الحاجة إليه ولا يندفع ذلك الا بالاباحة فجاز كالحجامة (فصل) ويشترط أن تكون المنفعة مقصودة فلا يجوز استئجار شمع ليتجمل به وبرده ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده ولا النقود ليتجمل بها الدكان لانها لم تخلق لذلك ولا تراد له فبذل العوض فيه سفه وأخذه من أكل المال بالباطل، وكذلك استئجار ثوب ليوضع على سرير الميت لما ذكرنا * (فصل) * (قال الشيخ رحمه الله) والاجارة على ضربين (أحدهما) إجارة عين. فتجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها) كالارض والدار والعبد والبهيمة والثياب والفساطيط والحبال والخيام والمحامل والسرج واللجام والسيف والرمح وأشباه ذلك. وقد ذكرنا بعض ذلك في مواضعه * (مسألة) * (ويجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه) إذا كان الخشب معلوما والمدة معلومة وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا يجوز. ولنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها واستيفائها فجازت الاجارة عليها كاستئجار السطح للنوم عليه * (مسألة) * (ويجوز استئجار حيوان ليصيد به إلا الكلب) يجوز استئجار الفهد والبازى والصقر ونحوه للصيد في مدة معلومة لان فيه نفعا مباحا تجوز إعارته فجازت إجارته له كالدابة، فأما إجارة سباع البهائم والطير التي لا تصلح للصيد فلا تجوز اجارتها لانه
لا نفع فيها وكذلك اجارة الكلب والخنزير لانه لا يجوز بيعه. ويتخرج جواز اجارة الكلب الذي يباح اقتناؤه لان فيه نفعا مباحا تجوز اعارته له فجاز اجارته له كغيره. ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين
[ 31 ]
* (مسألة) * (ويجوز استئجار كتاب ليقرأ فيه الا المصحف في أحد الوجهين) تجوز اجارة كتب العلم التي يجوز بيعها للانتفاع بها من القراءة فيها والنسخ منها والرواية وغير ذلك من الانتفاع المقصود المحتاج إليه. وهذا مذهب الشافعي، ومقتضى قول أبي حنيفة أنه لا تجوز اجارتها لانه علل منع اجارة المصحف بأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه ولا تجوز الاجارة لمثل ذلك كما يجوز أن يستأجر سقفا لينظر إلى عمله ولنا أن فيه نفعا مباحا يحتاج إليه تجوز الاعارة له فجازت الاجارة له كسائر المنافع. وفارق النظر إلى السقف فانه لا حاجة إليه ولا جرت العادة بالاعارة من أجله، وتجوز اجارة كتاب فيه خط حسن ينقل منه ويكتب عليه على قياس ذلك (فصل) وفي اجارة المصحف وجهل [ أحدهما ] لا يصح اجارته لانه لا يصح بيعه إجلالا لكتاب الله تعالى وكلامه عن المعاوضة به وابتذاله بالثمن في البيع والاجرة في الاجارة [ والثاني ] يصح وهو مذهب الشافعي لانه انتفاع مباح تجوز الاعارة من أجله فجازت اجارته كسائر الكتب، ولا يلزم من عدم جواز البيع عدم جواز الاجارة كالحر (فصل) والذي يحرم بيعه تحرم اجارته الا الحر والوقف وأم الولد فانه يجوز اجارتها وان حرم بيعها، وما عدا ذلك لا تجوز اجارته، وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى
[ 32 ]
* (مسألة) * (ويجوز استئجار النقد للتحلي والوزن لا غير) إذا كان في مدة معلومة وبه قال أبو حنيفة وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والوجه الآخر انه لا تجوز اجارتها لان هذه المنفعة ليست المقصود منها ولذلك لا نضمن منفعتها بعصبها فاشبهت الشمع ولنا انها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها منفعة مباحة فاشبهت الحلي، وفارق الشمع فانه لا ينتفع به
إلا بما يتلف عينه * (مسألة) * (فان أطلق الاجارة لم يصح في أحد الوجهين ويصح في الآخر وينتفع بها في ذلك) وهذا اختيار أبي الخطاب لان منفعتها في الاجارة متعينة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن نحمل الاجارة عند الاطلاق عليهما كاستئجار الدار مطلقا فانه يتناول السكني ووضع المتاع فيها، فعلى هذا ينتفع بها فيما شاء منهما، وقال القاضي لا تصح الاجارة وتكون قرضا وهذا مذهب أبي حنيفة لان الاجارة تقتضي الانتفاع والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير انما هو باعيانها فإذا أطلق الانتفاع حمل على الانتفاع المعتاد، وقال أصحاب الشافعي لا تصح الاجارة ولا تكون قرضا لان التحلي ينقصها والوزن لا ينقصها فقد اختلفت جهة الانتفاع فلم يجز اطلاقها، ولا يجوز أن يعبر بها عن القرض لان القرض تمليك للعين والاجارة تمليك المنفعة تقتضي الانتفاع مع بقاء العين فلم يجز التعبير باحدهما عن الآخر، ولان التسمية والالفاظ تؤخذ نقلا ولم يعهد في اللسان التعبير بالاجارة عن القرض، قال شيخنا وقول أبي الخطاب أصح
[ 33 ]
ان شاء الله تعالى لان العقد متى أمكن حمله على الصحة كان أولى من إفساده وقد أمكن حملها على إجارتها للجهة التي تجوز اجارتها فيها، وقول القاضي لا يصح لما ذكرنا، وما ذكر أصحاب الشافعي من نقص العين بالاستعمال في التحلي فبعيد فان ذلك يسير لا أثر له فوجوده كعدمه (فصل) ويجوز أن يستأجر نخلا ليجفف عليه الثياب ويبسطها عليه ليستظل بظلها ولاصحاب الشافعي في ذلك وجهان لما ذكروه في الاثمان ولنا انها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك النابتة وذلك لان الانتفاع يحصل بهما على السواء في الحالتين فما جاز في إحداهما يجوز في الاخرى ولانها شجرة فجاز استئجارها لذلك كالمقطوعة ولانها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين فجاز العقد عليها كما لو كانت مقطوعة (فصل) ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وقطع الكافور والند لشمه للمرضى وغيرهم مدة ثم يرده لانها منفعة أشبهت الوزن والتحلي مع انه لا ينفك من اخلاق وبلى (فصل) يجوز استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز
لان فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الاجارة بحال فلا تجوز الاجارة لذلك ولنا ان هذه منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها فجاز استئجار العين لها كالسكنى ويفارق الصلاة فانها لا تدخل النيابة فيها بخلاف المسجد * (مسألة) * (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته)
[ 34 ]
يجوز استئجار ولده لخدمته كالاجنبي واستئجار أمه وأخته وابنته لرضاع ولده وكذلك سائر أقاربه بغير خلاف كالاجانب، فأما استئجار امرأته لرضاع ولده منها فيجوز في الصحيح من المذهب قال الخرقي ان أرادت الام أن ترضع ولدها باجرة مثلها فهي أحق به من غيرها سواء كانت في جبال الزوج أو مطلقة وقال القاضي لا يجوز وتأول كلام الخرقي على انها في حبال زوج آخر وهو قول أصحاب الرأي وحكي عن الشافعي لانه قد استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه آخر لذلك ولنا ان كل عقد يصح أن تعقده مع غير الزوج يصح أن تعقده معه كالبيع ولان منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل انه لا يملك إجبارها على ذلك ويجوز أن تأخذ عليها العوض من غيره فجاز لها أخذه منه كثمن مالها، قولهم انها استحقت عوض الحبس والاستمتاع قلنا هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر كما لو استأجرها ثم تزوجها، وتأويل القاضي كلام الخرقي يخالف الظاهر من وجهين (أحدهما) أن الالف واللام في الزوج للمعهود وهو أبو الطفل (الثاني) انها إذا كانت في حبال زوج آخر لا تكون أحق به بل يسقط حقها من الحضانة ثم ليس لها أن ترضع الا باذن زوجها ففسد التأويل * (مسألة) * (ولا تصح الاجارة الا بشروط خمسة أحدها أن يعقد على نفع العين دون أجزائها)
[ 35 ]
لان الاجارة بيع المنافع فأما الاجزاء فلا تدخل في الاجارة فلا يصح اجارة الطعام للاكل ولا الشمع ليشعله لان هذا لا ينتفع به الا باتلاف عينه فلم يجز كما لو استأجر دينارا لينفقه، فان استأجر شمعة ليسرجها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي فهو فاسد لانه يشمل بيعا واجارة وما وقع عليه البيع
مجهول وإذا جهل البيع جهل المستأجر أيضا فيفسد العقدان * (مسألة) * (ولا يجوز استئجار حيوان ليأخذ لبنه) كاستئجار الابل والبقر والغنم ليأخذ لبنها أو ليسترضعها لسخالها ونحوها ولا ليأخذ صوفها وشعرها ووبرها ولا استئجار شجرة ليأخذ ثمرتها أو شيئا من عينها لما ذكرناه * (مسألة) * (الا في الظئر ونفع البئر يدخل تبعا) أما الظئر فقد سبق ذكرها، وأما نفع البئر فقال ابن عقيل يجوز استئجار البئر ليستقي منه أياما معلومة ودلاء معلومة لان هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فهى، فأما الماء فيؤخذ على أصل الاباحة (فصل) ولا يجوز استئجار الفحل الضرب وهو ظاهر مذهب الشافعي وأصحاب الرأي
[ 36 ]
وخرج أبو الخطاب وجها في جوازه بناء على إجارة الظئر للرضاع لان الحاجة تدعو إليه وهو قول الحسن وابن سيرين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل متفق عليه ولان المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الاجارة لاستيفاء عين فهو كاجارة الغنم لاخذ لبنها، ولان الماء محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عنه كالميتة، فأما من أجازه فينبغي أن يوقع العقد على العمل ويقدره بمرة أو مرتين، وقيل يقدره بالمدة وهو بعيد فان من أراد إطراق فرسه مرة فقدره بمدة تزيد على قدر الفعل لم يكن استيعابها به وربما لا يحصل الفعل في المدة ويتعذر ضبط مقدار الفعل فيتعين التقدير بالفعل الا أن يكتري فحلا لاطراق ماشية كثيرة كتيس يتركه في غنمه فانه انما يكتريه مدة معلومة. والمذهب أنه لا يجوز اجارته لما ذكرنا فان احتاج إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء، وليس للمطرق أخذه لان ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها فجاز كشراء الاسير ورشوة الظالم ليدفع ظلمه، وان أطرق انسان فحله بغير اجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك فلا بأس لانه فعل معروفا فجازت مجازاته عليه كما لو أهدى هدية فجوزي عليها
* (مسألة) * (الثاني معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين ويصح في الآخر بدونه وللمستأجر خيار الرؤية)
[ 37 ]
يشترط معرفة العين المستأجرة بالمشاهدة إن كانت لا تنضبط بالصفات، أو بالصفة ان كانت تنضبط قياسا على البيع، وفيه وجه آخر أنه لا يشترط ويثبت للمستأجر خيار الرؤية وهو قول أصحاب الرأي، والخلاف ههنا مبني على الخلاف في البيع، وقد ذكرناه والمشهور الاول. فعلى هذا إذا كانت مما لا ينضبط بالصفة كالدور والحمام فلابد من رؤيتها كالبيع لان الغرض يختلف بصغرها وكبرها ومرافقها ومشاهدة قدر الحمام ليعلم كبرها من صغرها ومعرفة مائه ومشاهدة الايوان ومطرح الرماد وموضع الزبل ومصرف ماء الحمام، فمتى أخل بهذا أو بعضه لم يصح للجهالة بما يختلف به الغرض، وقد كره أحمد كراء الحمام لانه يدخله من يكشف عورته فيه قال ابن حامد هو على طريق كراهة التنزيه دون التحريم فاما العقد فصحيح في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن كراء الحمام جائز إذا حدده وذكر جميع آلته شهورا مسماة وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لان المكتري انما يأخذ الاجر عوضا عن دخول الحمام والاغتسال بمائه وأحوال المسلمين محمولة على السلامة وان وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الاجر المأخوذ منه كما لو اكترى دارا ليسكنها فشرب فيها خمرا * (مسألة) * (الثالث القدرة على التسليم فلا تصح اجارة الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه إذا لم يقدر على أخذه منه) لانه لا يمكن تسليم المعقود عليه فلم تصح إجارته كبيعه * (مسألة) * (ولا تجوز اجارة المشاع مفردا لغير شريكه وعنه ما يدل على الجواز
[ 38 ]
قال أصحابنا لا تجوز اجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجر الشريكان معا وهذا قول أبي حنيفة وزفر لانه لا يقدر على تسليمه فلم تصح اجارته كالمغصوب، يحقق ذلك أنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب الشريك ولا ولاية له على مال شريكه، واختار أبو حفص العكبري جوازه، وقد أومأء إليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد لانه معلوم يجوز بيعه فجازت إجارته
كالمفرد ولانه عقد في ملكه يجوز مع شريكه فجاز مع غيره كالبيع، ومن نصر الاول فرق بين محل النزاع وبين ما إذا أجره الشريكان أو أجره لشريكه فانه يمكن التسليم إلى المستأجر فأشبه اجارة المغصوب من غاصبه دون غيره، وان كانت لواحد فاجر نصفها صح لانه يمكنه تسليمه ثم ان أجر نصفها الآخر للمستأجر الاول صح لامكان تسليمه إليه، وان أجره لغيره ففيه وجهان كالمسألة التي قبلها لانه لا يمكنه تسليم ما اجره إليه، وان أجر الدار لاثنين لكل واحد منهما نصفها فكذلك لانه لا يمكنه تسليم نصيب كل واحد إليه (فصل) ولا تجوز اجارة المسلم للذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الاثرم فقال ان أجر نفسه من الذي في خدمته لم يجز، وان كان في عمل شئ جاز وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر تجوز لانه يجوز له اجارة نفسه في غير الخدمة فجاز فيها كاجارته من المسلم ولنا أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر واذلاله له واستخدامه أشبه البيع، يحققه أن عقد
[ 39 ]
الاجارة للخدمة يتعين فيها حبسه مدة الاجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين فيه ذلك فإذا منع فالمنع من الاجارة أولى، فاما ان أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه لان عليا رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره، وكذلك الانصاري ولانه عقد معاوضة لا يتضمن اذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته فان أجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز أيضا في ظاهر كلام أحمد لقوله: وان كان في عمل شئ جاز ونقل عنه أحمد بن سعيد لا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي وهذا مطلق في نوعي الاجارة، وذكر بعض أصحابنا أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك وأشار إلى ما رواه الاثرم واحتج بانه عقد يتضمن حبس المسلم أشبه البيع، والصحيح ما ذكرنا فان كلام أحمد يدل على خلاف ما قاله، وانه خص المنع بالاجارة للخدمة وأجاز اجارته للعمل وهذا اجارة للعمل، ويفارق البيع فان فيه إثبات الملك على المسلم ويفارق إجارته للخدمة لتضمنها الاذلال (فصل) نقل ابراهيم الحربي أنه سئل عن الرجل يكتري الديك ليوقظه لوقت الصلاة
لا يجوز لان ذلك يقف علي فعل الديك، ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره وقد يصيح وقد لا يصيح وربما صاح بعد الوقت * (مسألة) * (الشرط الرابع اشتمال العين على المنفعة)
[ 40 ]
فلا يجوز استئجار بهيمة زمنة للحمل ولا أرض لا تنبت الزرع لان الاجارة عقد على المنفعة ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين فلا تجوز اجارتها كالعبد الآبق * (مسألة) * (الخامس كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها) لانه تصرف فيما لا يملكه ولا اذن فيه مالكه فلم يجز كبيعه، ويحتمل أن يجوز ويقف على اجازة المالك بناء على بيع العين بغير إذن مالكها * (مسألة) * (يجوز للمستأجر اجارة العين لمن يقوم مقامه من المؤجر وغيره) يجوز للمستأجر اجارة العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سبرين ومجاهد وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن والمنافع لم تدخل في ضمانه، ولانه عقد على ما لم يدخل في ضمانه فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه، والاول أصح لان قبض العين قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يجوز التصرف فيها فجاز العقد عليها كبيع الثمرة على الشجرة وبهذا الاصل يبطل قياس الرواية الاخرى. إذا ثبت هذا فانه لا تجوز إجارته إلا لمن يقوم مقامه أو دونه في الضرر لان هذه المنفعة صارت مملوكة له فله أن يستوفيها بنفسه وبنائه، والمستأجرة لا يجوز أجارتها لمن هو أكثر ضررا منه ولا لمن يخالف ضرره ضرره لما نذكره
[ 41 ]
(فصل) فاما اجارتها قبل قبضها فتجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين وهو قول بعض الشافعية لان قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه فلم يقف جواز التصرف عليه، والثاني لا يجوز وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي لان المنافع مملوكة بعقد معاوضة فاعتبر في جواز العقد عليها
القبض كالاعيان، وأما اجارتها للمؤجر قبل القبض فإذا قلنا لا يجوز من غير المؤجر ففيها ههنا وجهان (أحدهما) لا يجوز كغيره (والثاني) يجوز لان القبض لا يتعذر عليه بخلاف الاجنبي وأصلهما بيع الطعام قبل قبضه وهل يصح من بائعه؟ على روايتين وتجوز اجارتها من المؤجر بعد قبضها وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز لانه يؤدي إلى تناقض الاحكام لان التسليم مستحق من المكري فإذا اكتراها صار مستحقا له فيصير مستحقا لما يستحق عليه وهو تناقض ولنا أن كل عقد جاز مع الاجنبي جاز مع العاقد كالبيع وما ذكروه لا يصح لان التسليم قد حصل وهذا المستحق له تسليم آخر ثم يبطل بالبيع فانه يستحق عليه تسليم العين، فإذا اشتراها استحق تسليمها فان قبل التسليم ههنا مستحق في جميع المدة قلنا المستحق تسليم العين، وقد حصل وليس عليه تسليم آخر غير أن العين من ضمان المؤجر فإذا تعذرت المنافع بتلف الدار أو غصبها رجع عليها لانها تعذرت بسبب كان في ضمانه
[ 42 ]
* (مسألة) * (وتجوز إجارتها بمثل الاجرة وزيادة، وعنه لا تجوز بزيادة، وعنه ان جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا) إذا قلنا بجواز إجارة العين المستأجرة جازت بمثل الاجرة وزيادة نص عليه أحمد، وروي عن عطاء والحسن والزهري وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد لا تجوز بزيادة تروى كراهة ذلك عن ابن المسيب وأبي سلمة وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي وعنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا فان فعل تصدق بالزيادة روي ذلك عن الشعبي وبه قال الثوري وأبو حنيفة لانه يربح بذلك فيما لم يضمن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن ولانه يربح فيما لم يضمن فلم يجز كما لو ربح في الطعام قبل قبضه ويخالف ما إذا عمل فيها فان الربح في مقابلة العمل، وعن أحمد رواية أخرى ان أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز ولنا أنه عقد يجوز برأس المال فجاز بزيادة كبيع المبيع بعد قبضه وكما لو أحدث فيها عمارة لا يقابلها جزء من الاجر، وأما الخبر فان المنافع قد دخلت في ضمانه من وجه بدليل أنها لو فاتت من غير
استيفائه كانت من ضمانه، والقياس على بيع الطعام قبل قبضه لا يصح فانه لا يجوز وان لم يربح فيه، وتعليلهم بأن الربح في مقابلة عمله ملغي بما إذا كنس الدار ونظفها فان ذلك يزيد في أجرها عادة والله أعلم
[ 43 ]
(فصل) وسئل أحمد عن الرجل يتقبل العمل من الاعمال فيقبله بأقل من ذلك أيجوز له الفضل؟ قال ما أدري هي مسألة فيها بعض الشئ، قلت أليس كان الخياط أسهل عندك إذا قطع الثوب أو غيره إذا عمل في العمل شيئا؟ قال إذا عمل فهو أسهل. قال النخعي لا بأس أن يتقبل الخياط الثياب بأجر معلوم ثم يقبلها بعد ذلك بعد أن يعين فيها أو يقطع أو يعطيه سلوكا أو إبرا فان لم يعين فيها بشئ فلا يأخذن فضلا. وهذا يحتمل أن يكون النخعي قاله بناء على مذهبه في أن من استأجر شيئا لا يؤجره بزيادة، وقياس المذهب جواز ذلك سواء أعان فيها بشئ أو لم يعن لانه إذا جاز أن يقبله بمثل الاجر الاول جاز بزيادة عليه كالبيع وكاجارة العين * (مسألة) * (وللمستعير اجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها) لانه لو أذن له في بيعها جاز فكذلك إذا أذن له في اجارتها ولان الحق له فجاز باذنه ولابد من تعيين المدة في الاذن لان الاجارة عقد لازم لا تجوز الا مدة معينة * (مسألة) * (وتجوز اجارة الوقف) لان منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز اجارتها كالمستأجر * (مسألة) * (فان مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تفسخ الاجارة في أحد الوجهين) وللثاني حصته من الاجر لانه أجر ملكه في زمن ولايته فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه الطلق
[ 44 ]
(والثاني) تنفسخ الاجارة فيما بقي من المدة لانا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره فصح في ملكه دون ملك غيره كما لو أجر دارين احداهما له والاخرى لغيره بخلاف الطلق فان المالك يملك من جهة الموروث فلا يملك إلا ما خلفه، وما تصرف فيه في حياته لا ينتقل إلى الوارث والمنافع التي أجرها قد خرت عن ملكه بالاجارة فلا تنتقل إلى الوارث، والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف
فما حدث فيها بعد البطن الاول كان ملكا لهم فقد صادف تصرف المؤجر في ملكهم من غير اذنهم ولا ولاية له عليهم ويتخرج أن تبطل الاجارة كلها بناء على تفريق الصفقة وهذا التفصيل مذهب الشافعي فعلى هذا إن كان المؤجر قبض الاجر كله وقلنا تنفسخ الاجارة فلمن انتقل إليه الوقف أخذه ويرجع المستأجر على ورثة المؤجر بحصة الباقي من الاجر. وان قلنا لا تنفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على التركة بحصته * (مسألة) * (وإن أجر الولي اليتيم أو ماله مدة فبلغ في أثنائها فليس له فسخ الاجارة ذكره أبو الخطاب) لانه عقد لازم عقده بحق الولاية فلم يبطل بالبلوغ كما لو باع داره أو زوجه، ويحتمل أن تبطل الاجارة فيما يعد البلوغ لزوال الولاية لما ذكرنا في إجارة الوقف. ويحتمل انه إذا أجره مدة يتحقق فيها بلوغه وهو أن يؤجر ابن أربع عشره سنتين فيبطل في السادس عشر لاننا نتيقن انه أجره فيها بعد بلوغه، وهل يصح في الخامس عشر؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة، وإن لم يتحقق فيها بلوغه
[ 45 ]
كالذي أجره الخامس عشر وحده فبلغ في أثنائه فيكون فيه ما ذكرنا في صدر الفصل، لانا لو قلنا يلزم الصبي بعقد الولي مدة يتحقق فيها بلوغه أفضى إلى أن يعقد على منافعه طول عمره وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه، ولا يشبه النكاح لانه لا يمكن تقدير مدته فانه انما يعقد للابد، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا بلغ لصبي فله الخيار لانه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في نفسه فإذا ملك ثبت له الخبيار كالامة إذا عتقت تحت زوج ولنا انه عقد لازم عقد عليه قبل أن يملك التصرف فإذا ملكه لم يثبت له الخيار كالاب إذا زوج ولده والامة إنما ثبت لها الخيار إذا عتقت تحت عبد لاجل العيب لا لما ذكره، بدليل انها لو عتقت تحت حر لم يثبت لها الخيار، إن مات الولي المؤجر للصبي أو ماله أو عزل وانتقلت الولاية إلى غيره لم يبطل عقده لانه تصرف وهو من أهل التصرف في محل ولايته فلم يبطل تصرفه بموته أو عزله كما لو مات ناظر الوقف أو عزل أو مات الحاكم بعد تصرفه فيما له النظر فيه، ويفارق ما لو أجر الموقوف عليه الوقف مدة ثم مات في أثنائها لانه أجر ملك غيره بغير اذنه في مدة لا ولاية له فيها، وههنا انما يثبت للوالي الثاني التصرف
فيما لم يتصرف فيه الاولى وهذا العقد قد تصرف فيه الاول فلم يثبت للثاني ولاية على ما تناوله الخبر * (مسألة) * (فان أجر السيد عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها صح العتق) ولم يبطل عقد الاجاره في قياس المذهب ولا يرجع العبد على مولاه بشئ. وهذا أحد قولي
[ 46 ]
الشافعي، وقال في القديم يرجع على مولاه بأجر المثل لانه المنافع تستوفى منه بسبب كان من جهة السيد فرجع عليه كما لو أكرهه بعد عتقه على ذلك العمل ولنا انها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق فلم يرجع ببدلها كما لو زوج أمته ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها فان ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه. ويخالف المكره فانه تعدى بذلك، وقال أبو حنيفة للعبد الخيار في الفسخ أو الامضاء كالصبي إذا بلغ للمعنى الذي ذكره. ثم ولنا انه عقد لازم على ما يملك فلم ينفسخ بالعتق ولا يزول ملكه عنه كما لو زوج أمته ثم باعها إذا ثبت هذا فان نفقة العبد إذا لم تكن مشروطة على المستأجر فهي على معتقه لانه كالباقي في ملكه لكونه يملك عوض نفعه، ولان العبد عاجز عن نفقته لانه مشغول بالاجارة ولم تجب على المستأجر لانه استحق منفعته بعوض غير نفقته لم يبق الا انها على المولى، ويتخرج ان تنفسخ الاجاره كالصبي والله أعلم * (فصل) * قال رحمه الله (واجارة العين تنقسم إلى قسمين (أحدهما) أن تكون على مدة كاجارة الدار شهرا والارض عاما والعبد للخدمه أو للرعي مدة معلومة ويسمى الاجير فيها الاجير الخاص) تكون في الآدمي وغيره، فأما غير الآدمي فمثل اجارة الدار شهرا والارض عاما. وأما اجارة الآدمي فمثل أن يستأجر رجلا يبني معه يوما أو يخيط له شهرا فهذا يسمى الاجير الخاص لان المستأجر يختص بمنفعته في مدة الاجارة لا يشاركه فيها غيره * (مسألة) * (ويشترط أن تكون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وان طالت)
[ 47 ]
أما ضبطها بالشهر والسنة فلا نعلم فيه خلافا وإنما اشترط العلم بالمدة لانها هي الضابطة فاشترط معرفتها كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل، فان قدر المدة بسنة مطلقة حمل على السنة الهلالية لانها المعهودة
قال الله تعالى (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فوجب أن يحمل العقد عليه، فان قال هلالية كان توكيدا، وإن قال عددية أو سنة بالايام فهي ثلثمائة وستون يوما لان الشهر العددي ثلاثون يوما. وان استأجر سنة هلالية في أولها عد اثني عشر شهرا بالاهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لان الشهر الهلالي ما بين هلالين ينقص مرة ويزيد أخرى. وكذلك إن كان العقد على أشهر دون السنة، وإن جعلا المدة سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وهما يعلمانها جاز وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وإن جهلا ذلك أو أحدهما لم يصح (فصل) فان أجره إلى العيد انصرف إلى الذي يليه وتعلق بأول جزء منه لانه جعل غاية فتنتهي مدة الاجارة بأوله. وقال القاضي: لابد من تعيين العيد فطرا أو أضحى من هذه السنة أو من سنة كذا. وكذلك الحكم ان علقه بشهر يقع اسمه على شهرين كجمادى وربيع يجب على قوله أن يذكر الاول أو الثاني من سنة كذا. وان علقه بشهر مفرد كرجب فلابد أن يبينه من أي سنة، وإن علقه بيوم بينه من أي أسبوع، وإن علقه بعيد من أعياد الكفار وهما يعلمانه صح وإلا لم يصح (فصل) ولا تتقدر أكثر مدة الاجارة بل يجوز أجرة العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها
[ 48 ]
وإن طالت. وهذا قول عامة أهل العلم، غير أن أصحاب الشافعي اختلفوا في مذهبه فمنهم من قال له قولان (أحدهما) كما ذكرنا وهو الصحيح (والثاني) لا يجوز أكثر من سنة لان الحاجة لا تدعو إلى أكثر منها ومنهم من قال له قول ثالث انها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة. وحكى القاضى في كتاب الخلاف عن ابن حامد ان أصحابنا اختلفوا في مدة الاجارة فمنهم من قال لا تجوز أكثر من سنة. واختاره ومنهم من قال إلى ثلاثين سنة لان الغالب ان الاعيان لا تبقى اكثر منها وتتغير الاسعار والاجر ولنا قوله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام انه قال (على أن تأجرني ثماني حجج) وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل. ولان ما جاز العقد عليه سنة جاز أكثر منها كالبيع والنكاح والمساقاة والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه وليس هو بأولى من التقدير بزيادة عليه أو نقصان منه (فصل) إذا استأجر سنين لم يحتج إلى تقسيط الاجر على كل سنة في ظاهر كلام احمد كما لو
استأجر سنة لم يحتج إلى تقسيط أجر كل شهر بالاتفاق، وكذلك لا يفتقر إلى تقسيط أجر كل يوم إذا استأجر شهرا، ولان المنفعة كالاعيان في البيع، ولو اشتملت الصفقة على اعيان لم يلزمه تقدير ثمن كل عين كذلك، ههنا وقال الشافعي في أحد قوليه يفتقر إلى تقسيط أجر كل سنة لان المنافع تختلف باختلاف السنين فلا يأمن أن ينفسخ العقد فلا يعلم بم يرجع وهذا يبطل بالشهور فانه لا يفتقر إلى تقسيط الاجر على كل شهر مع الاحتمال الذي ذكروه
[ 49 ]
* (مسألة) * (ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح) سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن وكذلك ان أجره شهر رجب في المحرم وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارة، ففيه قولان لانه عقد على ما يمكن تسليمه في الحال فأشبه إجارة العين المغصوبة قال ولا يجوز أن يكتري بعيرا بعينه إلا عند خروجه لذلك ولنا انها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد وإنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوبه كالسلم فانه لا يشترط وجود القدرة عليه حين العقد، ولا فرق بين كونها مشغولة أو غير مشغولة لما ذكرناه، وما ذكره يبطل بما إذا أجرها من المكتري فان يصح مع ما ذكروه. إذا ثبت هذا فان الاجارة ان كانت على مدة تلي العقد لم يحتج إلى ذكر ابتدائها من حين العقد وان كانت لا تليه فلابد من ذكره لانها أحد طرفي العقد فاحتيج إلى معرفتة كالانتهاء، وان أطلق فقال أجرتك سنة أو شهرا صح وكان ابتداؤها من حين العقد وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي وبعض اصحابنا لا يصح حتى يسمي الشهر ويذكر أي سنة هي قال أحمد في رواية اسماعيل ابن سعيد إذا استأجر أجيرا شهرا فلا يجوز حتى يسمي الشهر ولنا قول الله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام قال (على أن تأجرني ثماني حجج) لم يذكر ابتداءها ولانه تقدير بمدة ليس فيها قربة فإذا اطلقها وجب أن تلي السبب كمدة السلم والايلاء وتفارق النذر فانه قربة
[ 50 ]
(فصل) إذا تمت الاجارة وكانت على مدة ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة وتحدث
على ملكه وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة تحدث على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بالعقد لانها معدومة فلا تكون مملوكة كالولد والتمرة ولنا ان الملك عبارة عن حكم يحصل به تصرف مخصوص وقد ثبت أن المنفعة المستقبلة كان لمالك العين أن يتصرف فيها كتصرفه في العين فلما أجرها كان المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت انها كانت مملوكة لمالك العين ثم انتقلت إلى المستأجر بخلاف الولد والتمرة فان المستأجر لا يملك التصرف فيها قولهم إن المنفعة معدومة قلنا هي مقدرة الوجود لانها جعلت موردا للفعل والقدر لا يرد إلا على موجود * (مسألة) * (وإذا أجره في اثناء شهر سنة استوفى شهرا بالعدد وسائرها بالاهلة) لانه تعذر اتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وامكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لانه الاصل وعنه يستوفي الجميع بالعدد لانها مدة يستوفي بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهرا واحدا ولان الشهر الاول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في اثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده ولابي حنيفة والشافعي كالروايتين، وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الاشهر كعدة الوفاة وشهري صيام الكفارة
[ 51 ]
(فصل) ومن اكترى دابة إلى العشاء فآخر المدة غروب الشمس وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو ثور آخرها زوال الشمس لان العشاء آخر النهار وآخره النصف الآخر من الزوال وكذلك جاء في حديث ذي اليدين عن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى صلاة العشي يعني الظهر أو العصر هكذا تفسيره ولنا قوله تعالى (من بعد صلاة العشاء) يعني العتمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لاخرت العشاء إلى ثلث الليل " وإنما تعلق الحكم بغروب الشمس لان هذه الصلاة تسمى العشاء الآخرة فيدل على أن الاولى المغرب وهو في العرف كذلك فوجب أن يتعلق الحكم به لان المدة إذا جعلت إلى وقت تعلقت بأوله كما لو جعلتا إلى الليل، وما ذكروه لا يصح لان لفظ العشي غير لفظ
العشاء فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر حتى يقوم دليل على أن معنى اللفظين واحد ثم لو ثبت أن معناهما واحد غير أن أهل العرف لا يعرفون غير ما ذكرنا، فان اكتراها إلى الليل فهو إلى أوله وكذلك ان اكتراها إلى النهار فهو إلى أوله، ويتخرج أن يدخل الليل في المدة الاولى والنهار في الثانية لما ذكرنا في مدة الخيار، وان اكتراها نهارا فهو إلى غروب الشمس وان اكتراها ليلة فهي إلى طلوع الفجر في قول الجميع لان الله تعالى قال في ليلة القدر (سلام هي حتى مطلع الفجر) وقال (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ثم قال (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا
[ 52 ]
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (فصل) وان اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى اخرج فالكراء فاسد وبه قال أبو ثور وهو قياس قول الشافعي وقال أصحاب الرأي يجوز استحسانا بخلاف القياس ولنا انها مدة غير معلومة الابتداء فلم يجز كما لو قال أجرتك داري من حين يخرج الحاج إلى رأس السنة وقد اعترفوا بمخالفته الدليل وما ادعوه دليلا تمنع كونه دليلا (القسم الثاني) إجارتها العمل معلوم كاجارة الدابة للركوب إلى موضع معين أو بقر لحرث مكان أو دياس زرع واستئجار عبد ليدله على طريق أو رحى لطحن قفزان معلومة فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف لان الاجارة عقد معاوضة فوجب أن يكون العوض فيها معلوما لئلا يفضي إلى الاختلاف والتنازع كقولنا في البيع، والعلم بمقدار المنفعة إما أن يحصل بتقدير المدة كما ذكرنا في اجارة الدار وخدمة العبد مدة معلومة وإما بتقدير العمل ووصف ما يعمله وضبطه بما لا يختلف فيه كالمبيعات (فصل) يجوز أن يكتري بقرا لحرث مكان لان البقر خلقت للحرث ولذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم " بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها فقالت إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث " متفق عليه، ويحتاج إلى معرفة الارض وتقدير العمل، فأما الارض فلا تعرف إلا بالمشاهدة فانها تختلف فتكون صلبة تتعب
[ 53 ]
البقر والحراث وتكون فيها حجارة تتعلق فيها السكة وتكون رخوة يسهل حرثها، ولا تنضبط بالصفة فتحتاج إلى الرؤية. وأما تقدير العمل فيجوز بأحد شيئين إما بالمدة كيوم وإما بمعرفة الارض كهذه
القطعة أو من ههنا إلى ههنا أو بالمساحة كجريب أو جريبين أو كذا ذراعا في كذا كل ذلك جائز لحصول العلم به فان قدره بالمدة فلابد من معرفة البقر التي يعمل عليها لان الغرض يختلف باختلافها بالقوة والضعف ويجوز أن يستأجر البقر مفردة ليتولى رب الارض الحرث بها ويجوز أن يستأجرها مع صاحبها ويجوز استئجارها بآلتها وبدونها وتكون الآلة من عند صاحب الارض ويجوز استئجار البقر وغيرها لدواس الزرع لانها منفعة مباحة مقصودة اشبهت الحرث ويجوز على مدة أو زرع معين أو موصوف كما ذكرنا في الحرث، ومتى كان على مدة احتيج إلى معرفة الحيوان لان الغرض يختلف به فمنه ما روثه ظاهر ومنه نجس، ولا يحتاج إلى معرفة عين الحيوان ويجوز أن يستأجر الحيوان بآلته وغيرها مع صاحبه ومنفردا كما ذكرنا في الحرث (فصل) ويجوز استئجار غنم لتدوس له طينا أو زرعا ولاصحاب الشافعي فيه وجه انه لا يجوز لانها منفعة غير مقصودة من هذا الحيوان. ولنا انها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها اشبهت سائر المنافع المباحة وكالتي قبلها (فصل) وان اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له كمن استأجر البقر للركوب أو الحمل أو الابل
[ 54 ]
والحمير للحرث جاز لانها منفعة مقصودة أمكن استيفاؤها من الحيوان لم يرد الشرع بتحريمها فجاز كالتي خلقت له، ولان مقتضى الملك جواز التصرف بكل ما تصلح له العين المملوكة ويمكن تحصيلها منها ولا يمتنع ذلك الا بمعارض راجح أو ما ورد بتحريمه نص أو قياس صحيح أو رجحان مضرة على منفعة ولم يوجد شئ منها، كثير من الناس يحملون على البقر ويركبونها وفي بعض البلاد يحرث على الابل والبغال والحمير فيكون معنى خلقها للحرث ان شاء الله تعالى انه معظم نفعها ولا يمنع ذلك الانتفاع بها في شئ آخر كما أن الخيل خلقت للركوب والزينة ويباح أكلها، واللؤلؤ خلف للحلية ويجوز استعماله في الادوية وغيرها (فصل) ويجوز استئجار بهيمة لادارة الرحى ويفتقر لشيئين معرفة الحجر بالمشاهدة أو الصفة لان عمل البهيمة يختلف فيه بثقله وخفته فيحتاج صاحبها إلى معرفته (الثاني) تقدير العمل بالزمان كيوم
أو يومين أو بالطعام فيقول قفيزا أو قفيزين وذكر جنس المطحون ان كان يختلف لان منه ما يسهل طحنه ومنه ما يشق، وان اكتراها لادارة دولاب فلابد من مشاهدته ومشاهدة دلائه لاختلافها وتقدير ذلك بالزمان أو مل ء، هذا الحوض، وكذلك ان اكتراها للسقي بالغرب فلابد من معرفته ولانه يختلف بكبره وصغره، ويقدر بالزمان أو الغروب أو بمل ء بركة، يجوز تقدير ذلك بسقي أرض لان ذلك يختلف فقد تكون الارض شديدة العطش لا يرويها القليل وتكون قريبة العهد بالماء فيرويها
[ 55 ]
اليسير، وان قدره بسقي ماشية احتمل أن لا يجوز لذلك ويحتمل الجواز لان شربها يتقارب في الغالب ويجوز استئجار دابة ليستقي عليها ماء، ولابد من معرفة الآلة التي يسقي فيها من راوية أو قرب أو جرار اما بالرؤية والماء بالصفة، ويقدر العمل بالزمان أو بالعدد أو بمل ء شئ معين، فان قدره بعدد المرات احتاج إلى معرفة المكان الذي يستقي منه والذي يذهب إليه لان ذلك يختلف بالقرب والبعد والسهولة والحزونه، وان قدره إلى شئ معين احتاج إلى معرفته ومعرفة ما يستقي منه، ويجوز أن يكتري البهيمة بآلتها وبدونها مع صاحبها ووحدها، فان اكتراها لبل تراب معروف جاز لانه يعلم بالعرف وكل موضع وقع العقد على مدة فلابد من معرفة الظهر الذي يعمل عليه لان الغرض يختلف باختلافها في القوة والضعف وان وقع على عمل معين لم يحتج إلى ذلك لانه لا يختلف ويحتمل أن يحتاج إلى ذلك في استقاء الما عليه لان منه ما روثه وجسمه طاهر كالخيل والبقر ومنه ما روثه نجس وفي جسمه اختلاف كالبغال فربما نجس يد المستقي أو دلوه فيتنجس الماء به فيختلف الغرض بذلك فاحتيج إلى معرفته * (مسألة) * (يجوز استئجار رجل ليدله على طريق) لان النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا عبد الله بن الاريقط هاديا خريتا وهو الماهر بالهداية ليدلهما على الطريق إلى المدينة
[ 56 ]
* (مسألة) * (ويصح استئجار رحى لطحن قفزان معلومة)
ويحتاج إلى معرفة جنس المطحون برا أو شعيرا أو ذرة أو غيره لان ذلك يختلف فمنه ما يسهل طحنه ومنه ما يعسر فاحتيج إلى معرفتة لتزول الجهالة (فصل) يجوز استئجار كيال أو وزان لعمل معلوم أو في مدة معلومة وبه قال مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لا نعلم فيه خلافا، وقد روي في حديث سويد بن قيس أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترى رجل منا سراويل وثم رجل يزن بأجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " زن وأرجح " رواه أبو داود (فصل) ويجوز استئجار رجل ليلازم غريما تستحق ملازمته وقد روي عن احمد انه كره ذلك وقال: غير هذا أعجب إلي وانما كرهه لانه يؤول إلى الخصومة وفيه تضييق على المسلم ولا يأمن ان يكون ظالما فيساعده على ظلمه وروي عنه انه قال لا بأس به لان الظاهر انه بحق فان الحاكم في الظاهر لا يحكم الا بحق ولهذا أجزنا للموكل فعله (فصل) ويجوز الاستئجار لحفر الآبار والانهار والقني لانها منفعة معلومة يجوز التطوع بها فجاز الاستئجار عليها كالخدمة ولابد من تقدير العمل بمدة أو عمل معين فان قدره بمدة نحو أن يستأجره شهرا ليحفر له بئرا أو نهرا لم يحتج إلى معرفة القدر وعليه الحفر في ذلك الشهر قليلا حفر أو كثير
[ 57 ]
قال شيخنا ويفتقر إلى معرفة الارض التى يحفر فيها وقال بعض أصحابنا لا يحتاج إلى ذلك لان الغرض لا يختلف بذلك والاول أولى ان شاء الله تعالى لان الارض الصلبة يشق حفرها واللينة يسهل، وان قدره بالعمل فلابد من معرفة الموضع بالمشاهدة لكونها تختلف بالسهولة والصلابة وذلك لا ينضبط بالصفة، ويعرف دور البئر وعمقها وطول النهر وعرضه وعمقه لان العمل يختلف بذلك، وإذا حفر بئرا فعليه شيل التراب لانه لا يمكنه الحفر الا بذلك فقد تضمنه العقد، فان تهور تراب من جانبيها أو سقطت فيه بهيمة أو نحو ذلك لم يلزمه شيله وكان على صاحب البئر لانه سقط فيها من ملكه ولا يتضمن عقد الاجارة رفعه، وان وصل إلى صخرة أو جماد يمنع الحفر لم يلزمه حفره لان ذلك مخالف لما شاهده من الارض وانما اعتبرت مشاهدة الارض لانها تختلف فإذا ظهر فيها ما يخالف المشاهدة كان له
الخيار في الفسخ فان فسخ كان له الاجر بحصة ما عمل فيقسط الاجر على ما بقي وما عمل، فيقال كم أجر ما عمل وكم أجر ما بقي؟ فيقسط الاجر المسمى عليهما ولا يجوز تقسيطه على عدد الاذرع، لان أعلى البئر يسهل نقل التراب منه وأسفله يشق ذلك فيه، وان نبع منه ما منعه من الحفر فهو كالصخرة على ما ذكرنا (فصل) ويجوز استئجار ناسخ ينسخ له كتبا من الفقه والحديث والشعر المباح وسجلات نص عليه في رواية مثنى ابن جامع، وسأله عن كتابة الحديث بالاجر فلم ير به بأسا، ولابد من التقدير بالمدة
[ 58 ]
أو العمل فان قدره بالعمل ذكر عدد الورق وقدره وعدد السطور في كل ورقة وقدر الحواشي ودقة القلم وغلظ فان عرف الخط بالمشاهدة جاز وان أمكن ضبطه بالصفة ضبطه والا فلابد من المشاهدة لان الاجر يختلف باختلافه، ويجوز تقدير الاجر بأجزاء الفرع وبأجزاء الاصل، وان قاطعه على نسخ الاصل بأجر واحد جاز فان أخطأ بالشئ اليسير عفي عنه لانه لا يمكن التحرز منه، وان كان كثيرا بحيث يخرج عن العادة فهو عيب يرد به، قال ابن عقيل ليس له محادثة غيره حال النسخ ولا التشاغل بما يشغل سره ويوجب غلطه ولا لغير تحديثه وشغله، وكذلك الاعمال التي تختل بشغل السر والقلب كالقصارة والنساجة ونحوهما، ويجوز أن يستأجر على نسخ مصحف في قول أكثر أهل العلم، منهم جابر بن زيد ومالك بن دينار وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابو ثور وابن المنذر، وقال ابن سيرين لا بأس أن يستأجر الرجل شهرا ويستكتبه مصحفا، وكره علقمة كناية المصحف بالاجر ولعله يرى ذلك مما يختص كون فاعله من أهل القربة فكره الاجر عليه كالصلاة ولنا انه فعل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذ الاجرة عليه ككتابة الحديث، وقد جاء في الخبر " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " (فصل) يجوز أن يستأجر لحصاد زرعه لا نعلم فيه خلافا وكان ابراهيم بن أدهم يؤجر نفسه لحصاد الزرع، ويجوز تقديره بمدة وبعمل مثل أن يقاطعه على حصاد زرع معين، ويجوز أن يستأجر رجلا لسقي
[ 59 ]
زرعه وتنقيته ودياسه ونقله إلى موضع معين، ويجوز ان يستأجر رجلا يحتطب له لانه عمل مباح تدخله النيابة أشبه حصاد الزرع. قال احمد في رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم فكان الرجل ينقل عليهما وعلى حمير لرجل آخر ويأخذ منه الاجرة فان كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة، وظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الاجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله لقوله ان كان يدخل عليه ضرر رجع بالقيمة فاعتبر الضرر. وظاهر هذا انه إذا لم يستضر لا يرجع بشئ لانه اكتراه لعمل فوفاه على التمام فلم يلزمه شئ كما لو استأجره بعمل فكان يقرأ القرآن في حال عمله فان ضر المستأجر رجع عليه بقيمة ما فوت عليه. ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره لانه صرف منافعه المعقود عليها إلى عمل غير المستأجر فكان عليه قيمتها كما لو عمل لنفسه. وقال القاضي معناه انه يرجع عليه بالاجر الذي أخذه من الآخر لان منافعها في هذه المدة مملوكة لغيره فما حصل في مقابلتها يكون الذي استأجره (فصل) يجوز الاستئجار لاستيفاء القصاص في النفس وما دونها، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة لا يجوز في النفس لان عدد الضربات يختلف وموضع الضربات غير متعين إذ يمكن أن يضرب مما يلى الرأس ومما يلي الكتف فكان مجهولا ولنا انه حق يجوز التوكيل في استيفائه لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فجاز الاستئجار
[ 60 ]
عليه كالقصاص في الطرف. وقوله ان عدد الضربات يختلف وهو مجهول يبطل بخياطة الثوب فان عدد الغرزات مجهول، وقوله ان محله غير متعين، قلنا هو متقارب فلا يمنع ذلك صحته كموضع الخياطة من حاشية الثوب (فصل) ويجوز أن يستأجر سمسارا يشتري له ثيابا، ورخص فيه ابن سيرين وعطاء والنخعي، وكرهه الثوري وحماد ولنا انها منفعة مباحة تجوز النيابة فيها فجاز الاستئجار عليها كالبناء، وتجوز على مدة معلومة مثل أن يستأجره عشرة أيام يشتري له فيها لان المدة معلومة والعمل معلوم فأشبه الخياط والقصار، وان عين
العمل دون الزمان فجعل له من كل الف درهم شيئا معلوما صح أيضا، وان قال كلما اشتريت ثوبا فلك درهم أجرا وكانت الثياب معلومة بصفة أو مقدرة بثمن جاز، وان لم تكن كذلك فظاهر كلام أحمد انه لا يجوز لان الثياب تختلف باختلاف أثمانها والاجر يختلف باختلافها فان اشترى فله أجر مثله، وهذا قول أبي ثور وابن المنذر لانه عمل عملا بعوض لم يسلم له فكان له أجر المثل كسائر الاجارات الفاسدة (فصل) وان استأجره ليبيع له ثيابا بعينها صح وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يصح لان ذلك يتعذر عليه فأشبه ضراب الفحل وحمل الحجر الكبير ولنا انه عمل مباح معلوم تجوز النيابة فيه فجاز الاستئجار عليه كشراء الثياب، ولانه يجوز الاستئجار
[ 61 ]
عليه مقدرا بزمن فجاز مقدرا بالعمل كالخياطة وقولهم انه يتعذر ممنوع فان الثياب لا تنفك عن راغب فيها ولذلك صحت المضاربة ولا تكون الا بالبيع والشراء بخلاف ما قاسوا عليه فانه يتعذر، وان استأجره على شراء ثياب معينة من رجل معين احتمل أن لا يصح لانه قد يتعذر لامتناع صاحبها من البيع فيتعذر تحصيل العمل بحكم الظاهر بخلاف البيع ويحتمل أن يصح لانه ممكن في الجملة فان حصل من ذلك شئ استحق الاجر وإلا بطلت الاجارة كما لو لم يعين البائع ولا المشتري * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثاني عقد على منفعة في الذمة مضبوطة بصفات السلم كخياطة ثوب وبناء دار وحمل إلى موضع معين ولا يكون الاجير فيها إلا آدميا جائز التصرف، ويسمى الاجير المشترك) يجوز للآدمي أن يؤجر نفسه بغير خلاف وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعاية الغنم، واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه رجلا ليدلهما على الطريق ولانه يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه أشبه الدور، ثم ان اجارته تقع على مدة بعينها وعمل بعينه كاجارة موسى عليه السلام نفسه للرعي، وتقع على عمل موصوف في الذمة كالسلم، ومتى كان على عمل موصوف في الذمة لم يكن الاجير فيها إلا آدميا جائز التصرف لان الذمة لا تكون لغير الآدمي ولا تثبت المعاوضة لعمل في الذمة لغير جائز التصرف، ولابد أن يكون العمل الذي يتعلق بالذمة مضبوطا بصفات السلم ليحصل العلم به
[ 62 ]
ويسمى الاجير فيها الاجير المشترك مثل الخياط الذي يتقبل الخياطة لجماعة وكذلك القصار ومن في معناه فتكون منفعة مشتركة بينهم * (مسألة) * (ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم، وعنه يجوز) لا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم أو تبني هذه الدار في شهر وهو قول أبي حنيفة والشافعي لان الجمع بينهما بزبد الاجارة غررا لا حاجة إليه لانه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة فان استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد وان لم يعمل كان تاركا للعمل في بعض المدة، فهذا غرر قد أمكن التحرز منه ولم يوجد مثله في محل الوفاق فلم يجز العقد معه، وروي عن أحمد فيمن اكترى دابة إلى موضع على أن يدخله في ثلاث فدخله في ست قال قد أضربه فقيل يرجع عليه بالقيمة؟ قالا لا ويصالحه، وهذا يدل على جواز تقديرهما جميعا وهو قول أبي يوسف ومحمد لان الاجارة معقودة على العمل فالمدة انما ذكرت للتعجيل فلا تمنع ذلك، فعلى هذا إذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها لانه وفى ما عليه قبل مدته فلم يلزمه شئ آخر كما لو قضى الدين قبل أجله، وان مضت المدة قبل العمل فللمستأجر فسخ الاجارة لان الاجير لم يف له بشرطه، فان رضي بالبقاء عليه لم يملك الاجير الفسخ لان الاخلال بالشرط منه فلا يكون ذلك وسيلة
[ 63 ]
له إلى الفسخ كما لو تعذر المسلم فيه في وقته لم يملك المسلم إليه الفسخ وملكه المسلم، فان اختار امضاء العقد طالبه بالعمل لا غير كالمسلم إذا صبر عند تعذر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه وان فسخ العقد قبل العمل سقط الاجر والعمل، وان كان بعد عمل بعضه فله أجر المثل لان العقد قد انفسخ فسقط المسمى ورجع إلى أجر المثل * (مسألة) * (ولا تجوز الاجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كالحج والاذان، وعنه تجوز) معنى قوله يختص فاعله أن يكون من أهل القربة أنه يكون مسلما، وقد اختلفت الرواية عن أحمد
رحمه الله في الاستئجار على عمل يختص فاعله أن يكون مسلما كالامامة والحج والاذان وتعليم القرآن فروي عنه انها لا تصح وبه قال عطاء والضحاك بن قيس وأبو حنيفة والزهري، وكره إسحاق تعليم القرآن بأجر، قال عبد الله بن شقيق: هذه الزغفان التي يأخذها المسلمون من السحت، وكره أجر المعلم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى انه يجوز حكاها أبو الخطاب، ونقل أبو طالب عن احمد انه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله بأمانات الناس التعليم أحب إلي، وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم
[ 64 ]
وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا بما معه من القرآن متفق عليه، فإذا جاز تعليم القرآن عوضا في النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الاجرة عليه في الاجارة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " حديث صحيح، وفي حديث أبي سعيد أن رجلا رقى رجلا بفاتحة الكتاب على جعل فبرأ وأخذ أصحابه الجعل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه فقال " لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق، كلوا واضربوا لي معكم بسهم " حديث صحيح. وإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الاجر لانه في معناه، ولانه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال فجاز أخذ الاجر عليه كبناء المساجد ولان الحاجة تدعو إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه وعجز عن فعله ولا يكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاچ إلى بذل الاجر فيه ووجه الرواية الاولى ما روى عثمان بن أبي العاص قال إن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. قال الترمذي هذا حديث حسن. وروى عبادة بن الصامت قال
[ 65 ]
علمت أناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا قال قلت قوس وليست بمال قال قلت أتقلدها في سبيل الله وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصة قال ان سرك أن
يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها " وعن أبي بن كعب أنه علم رجلا سورة من القرآن فاهدى له خميصة أو ثوبا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " لو انك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار " وعن أبي قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له هلمي طعام أخي فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة فحاك في نفسي منه شئ فذكرته للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " ان كان ذاك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وان كان يتحفك به فلا تأكله " وعن عبد الرحمن بن شبل الانصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكتروا به " روى هذه الاحاديث كلها الاثرم في سننه، ولان من شرط صحة هذه الافعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجز أخذ الاجر عليها كما لو استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة أو التراويح. فاما الاخد على الرقية فان احمد اختار جوازه وقال لا بأس، وذكر حديث أبي سعيد، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة والمأخوذ عليها جعل والمداواة يباح أخذ الاجر عليها والجعالة أوسع من الاجارة ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة وقوله عليه السلام " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " يعني الجعل أيضا في الرقية لانه ذكر ذلك في سياق خبر
[ 66 ]
الرقية، وأما جعل تعليم القرآن صداقا فعنه فيه اختلاف، وليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق انما قال " زوجتكها بما معك من القرآن " فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق اكراما له كما زوج أبا طلحة أم سليم على اسلامه ونقل عنه جوازه، والفرق بين المهر والاجر أن المهر ليس بعوض محض وانما وجب نحلة ووصلة ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده بخلاف الاجر في غيره (فصل) فأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الامور لان بيت المال من مصالح المسلمين فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه كان من المصالح وكان له أخذه لانه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الاجر (فصل) فأن أعطى المعلم شيئا من غير شرط جاز في ظاهر كلام أحمد فانه قال في رواية أيوب ابن سافرى لا يطلب ولا يشارط فان أعطي شيئا أخذه، وقال في رواية أحمد بن سعيد اكره أجر
المعلم إذا شرط، وقال إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئا ان أتاه شئ قبله كانه يراه أهون، وكرهه طائفة من أهل العلم لما تقدم من حديث الفرس والخميصة التي أعطيها أبي وعبادة من غير شرط، ولان ذلك قربة فلم يجز أخذ العوض عنه بشرط ولا بغيره كالصلاة والصيام ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله فانه رزق ساقه الله اليك " وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل طعام الذي كان يعلمه إذا كان طعامه وطعام أهله ولانه إذا
[ 67 ]
كان بغير شرط كان هبة مجردة فجاز كما لو لم يعلمه شيئا، فاما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهما فعلا ذلك خالصا فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى، ويحتمل غير ذلك، فاما ان أعطي المعلم أجرا على تعليم الخط وحفظه جاز نص عليه أحمد فقال: ان كان المعطي ينوي أنه يعطيه لحفظ الصبي وتعليمه فأرجو إذا كان كذا ولان هذا مما يجوز أخذ الاجر عليه مفردا فجاز مع غيره كسائر ما يجوز الاستئجار عليه وهكذا لو كان امام المسجد قيما يكنسه ويسرج قناديله ويغلق بابه ويفتحه فأخذ أجرا على خدمته، أو كان النائب في الحج يخدم المستنيب له في طريق الحج وليشد له ويحج عن قريبه فدفع إليه أجرا لخدمته جاز ذلك انشاء الله تعالى (فصل) فأما ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط والحساب والشعر وشبهه وبناء المساجد والقناطر فيجوز أخذ الاجرة عليه لانه يقع تارة قربة وتارة غير قربة فلم يمنع من الاستئجار لفعله كغرس الاشجار وبناء البيوت وكذلك في تعليم الفقه والحديث ذكره شيخنا، وذكر القاضى في الخلاف أنهما من القسم الاول، والاولى ما ذكره شيخنا لكون فاعله لا يختص أن يكون من أهل القربة، وأما ما لا يتعدى نفعه فاعله من العبادات المحضة كالصيام وصلاة الانسان لنفسه وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه فلا يجوز أخذ الاجرة عليه بغير خلاف لان الاجر عوض للانتفاع ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع فأشبه إجارة الاعيان التي لا نفع فيها
[ 68 ]
* (مسألة) * وان استأجر من بحجمه صح، ويكره للحر أكل أجرته ويطعمه الرقيق والبهائم،
وقال القاضي لا يصح) يجوز أن يستأجر حجاما ليحجمه وأجره مباح اختاره أبو الخطاب وهو قول ابن عباس قال أنا آكله وبه قال عكرمة والقاسم ومحمد بن علي بن الحسين وربيعة ويحيي الانصاري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال القاضي لا يجوز وذكر أن أحمد نص عليه قال وان أعطي شيئا من غير عقد ولا شرط فله أخذه وبصرفه في علف دابته وطعم عبيده ومؤنة صناعته ولا يحل أكله وممن كره كسب الحجام عثمان وأبو هريرة والحسن والنخعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كسب الحجام خبيث " متفق عليه وقال أطعمه ناضحك ورقيقك ولنا ما روى ابن عباس قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ولو علمه حراما لم يعطه متفق عليه، وفي لفظ ولو علمه خبيثا لم يعطه ولانها منفعة مباحة لا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فجاز الاستئجار عليها كالختان ولان بالناس حاجة إليها ولا يجد كل أحد متبرعا بها فجاز الاستئجار عليها كالرضاع ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم في كسب الحجام " أطعمه رقيقك " دليل على اباحته إذ غير جائز أن يطعم رقيقه ما يحرم أكله فان الرقيق آدمي يحرم عليه أكل ما حرم على الحر وتخصيص ذلك بما
[ 69 ]
أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه، فعلى هذا تسمية كسبه خبيثا لا يلزم منه التحريم فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحتهما وانما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحر تنزيها له لدناءة صناعته وليس عن أحمد نص في تحريم كسب الحجام ولا استئجاره عليها وانما قال نحن نعطيه كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ونقول له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكله نهاه، وقال " أعلفه الناضح والرقيق " هذا معنى كلامه في جميع الروايات وليس هذا صريحا في تحريمه بل فيه دليل على إباحته كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا، فان إعطاءه للحجام دليل اباحته إذ لا يعطيه ما يحرم عليه وهو عليه السلام يعلم الناس وينهاهم عن المحرمات فكيف يعطيهم أياها؟ فعلى هذا يكون نهيه عليه السلام عن أكله نهي كراهة لا نهي تحريم وكذلك قول الامام أحمد فانه لم يخرج عن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله بل قصد اتباعه، وكذلك سائر من كرهه من الائمة يتعين حمل قولهم على الكراهة فلا يكون في المسألة قائل بالتحريم. إذا ثبت هذا فانه
يكره للحر أكل أجرة الحجام ويكره تعلم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها لما ذكرنا من الاخبار ولان فيها دناءة فكره الدخول فيها كالكسح، وفيما ذكرناه إن شاء الله جمع بين الاخبار وتوفيق بين الادلة الدالة عليها فعلى هذا يطعمه الرقيق والبهائم كما جاء في الاخبار الصحيحة والله أعلم (فصل) فأما استئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشعر وتقصيره والختان وقطع شئ من الجسد للحاجة إليه فجائز لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " كسب الحجام خبيث " يريد بالحجامة كما نهى عن مهر البغي
[ 70 ]
أي في البغاء، ولذلك لو كسب في بضاعة أخرى لم يكن خبيثا بغير خلاف وهذا النهي يخالف القياس فيختص بالمحل الذي ورد فيه ولان هذه الامور تدعو الحاجة إليها، ولا تحريم فيها فجازت الاجارة فيها كسائر المنافع المباحة (فصل) ويجوز أن يستأجر كحالا ليكحل عينه لانه عمل جائز ويمكن تسليمه ويقدر على ذلك بالمدة لان العمل غير مضبوط ويحتاج إلى بيان عدد ما يكحله في كل يوم مرة أو مرتين فان قدرها بالبرء فقال القضي لا يجوز لانه غير معلوم، وقال ابن أبي موسى لا بأس بمشارطة الطبيب على البرء، لان أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء، قال شيخنا والصحيح إن شاء الله جواز ذلك لكي يكون جعالة لا إجارة فان الاجارة لابد فيها من مدة معلومة أو عمل معلوم والجعالة تجوز على عمل مجهول كرد اللقطة والآبق وحديث أبى سعيد في الرقية انما كان جعالة فيجوز ههنا مثله. إذا ثبت هذا فان الكحل ان كان من العليل جاز لان آلات العمل تكون من المستأجر كاللبن في البناء والطين والآجر ونحوها وان شرطه على الكحال جاز، وقال القاضي يحتمل أن لا يجوز لان الاعيان لا تملك بعقد الاجارة فلا يصح اشتراطه على العامل كلبن الحائط ولنا ان العادة جارية به ويشق على العامل تحصيله وقد يعجز عنه بالكلية فجاز ذلك كالصبغ من الصباغ والحبر والاقلام من الوراق وما ذكره ينتقض بهذين الاصلين، وفارق لبن الحائط لان العادة تحصيل
[ 71 ]
المستأجر إياه ولا يشق ذلك بخلاف مسئلتنا، وقال أصحاب مالك يجوز أن يستأجر من يبني له جدارا
والآجر من عنده لانه اشترى ما تتم به الصنعة التي عقد عليها فإذا كان معروفا جاز كما لو استأجره ليصبغ له ثوبا والصبغ من عنده ولنا ان عقد الاجارة عقد على المنفعة فإذا شرط بيع العين صار كبيعتين في بيعة ويفارق الصبغ من حيث ان الحاجة داعية إليه، لان تحصيل الصبغ يشق على صاحب الثوب وقد يكون الصبغ لا يحصل الا في خنب يحتاج إلى مؤنة كثيرة لا يحتاج إليها في صبغ هذا الثوب فجاز لمسيس الحاجة إليه بخلاف مسئلتنا (فصل) فان استأجره مدة فكحله فيها فلم تبرأ عينه استحق الاجر وبه قال الجماعة، وحكي عن مالك انه لا يستحق أجرا حتى تبرأ عينه ولم يحك ذلك أصحابه وهو فاسد لان المستأجر قد وفى العمل الذي وقع العقد عليه فوجب له الاجر وان لم يحصل الغرض كما لو استأجره لبناء حائط يوما أو لخياطة قميص فلم يتمه فيه فان برأت عينه في أثناء المدة انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة لتعذر العمل فهو كما لو حجز عنه أمر غالب وكذلك لو مات فان امتنع عن الاكتحال مع بقاء المرض استحق الكحال الاجر بمضي المدة كما لو استأجره يوما للبناء فلم يستعمله فيه، فأما ان شارطه على البرء فهي جعالة لا يستحق شيئا حتى يوجد البرء سواء وجد قريبا أو بعيدا فان برئ بغير كحله أو تعذر الكحل
[ 72 ]
لموته أو غير ذلك من الموانع التي من جهة المستأجر فله أجر مثله كما لو عمل العامل في الجعالة ثم فسخ العقد فان امتنع لامر من جهة الكحال أو غير المستأجر فلا شئ له وان فسخ الجاعل الجعالة بعد عمل الكحال فعليه أجر عمله وان فسخ الكحال فلا شئ له على ما يذكر في باب الجعالة ان شاء الله تعالى (فصل) ويصح ان يستأجر طبيبا لمداواته والكلام فيه كالكلام في الكحال سواء لانه لا يجوز اشتراط الدواء على الطبيب لانه انما جاز في الكحال على خلاف الاصل للحاجة إليه وجري العادة به ولم يوجد ذلك المنع ههنا فيثبت الحكم فيه على وفق الاصل (فصل) ويجوز أن يستأجر من يقلع ضرسه لانها منفعة مباحة مقصودة فجاز ذلك عليها كالختان فان أخطأ فقلع غير ما أمر بقلعه ضمنه لانه من جنايته وان برأ الضرس قبل قلعه انفسخت الاجارة
لان قلعه لا يجوز وان لم يبرأ لكن امتنع المستأجر من قلعه لم يجبر عليه لان اتلاف جزء الآدمي محرم في الاصل وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررا وذلك مفوض إلى كل انسان في نفسه إذا كان أهلا لذلك فصاحب الضرس اعلم بمضرته ونفعه وقدر ألمه * (فصل) * قال رضي الله عنه (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله فإذا اكترى دارا للسكنى فله أن يسكنها مثله لانه لم يزد على استيفاء حقه ولانه حقه فجاز أن يستوفيه بنفسه وبوكيله إذا كان مثله في الضرر أو دونه كقبض المبيع واستيفاء الدين ويضع فيه ما جرت عادة الساكن به من الرحل
[ 73 ]
والطعام ويخزن فيه الثياب وغيرها مما لا يضر بها ولا يسكنها من يضر بها كالقصارين والحدادين ولا يجعل فيها الدواب لانها تروث فيها وتفسدها، ولا يجعل فيها السرجين ولا رحى ولا ما يضر بها ولا شيئا ثقيلا فوق سقف لانه يثقله وقد يكسر خشبه فان شرط ذلك جاز وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا ولا يملك فعل ما يضر بها لانه فوق المعقود عليه فلم يكن له فعله كما لو اشترى شيئا لم يملك أخذ أكثر منه فان جعل الدار مخزنا للطعام فقال أصحابنا يجوز ذلك لانه يجوز أن يجعلها مخزنا لغيره ويحتمل أن لا يجوز لانه يفضي إلى تخريق الفار أرضها وحيطانها وذلك ضرر لا يرضى به صاحب الدار (فصل) وان اكترى ظهرا ليركبه فله أن يركبه مثله ومن هو أخف منه ولا يركبه من هو أثقل منه لان العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فكان له أن يستوفي ذلك بنفسه ونائبه وله استيفاء أقل منه لانه بعض حقه وليس له استيفاء أكثر منه لانه أكثر مما عقد عليه ولا يشترط التساوي في الطول والقصر ولا المعرفة بالركوب، وقال القاضي يشترط أن يكون مثله في هذه الاوصاف كلها لان قلة المعرفة بالركوب يثقل على المركوب ويضر به قال الشاعر لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا * فهم ثقال على أكفالها عنف
[ 74 ]
ولنا ان التفاوت في هذه الامور مع التساوي في الثقل يسير فعفي عنه ولهذا لا يشترط ذكره
في الاجارة ولو اعتبر ذلك لاشتترطت معرفته في الاجارة كالثقل والخفة (فصل) فان شرط أن لا يستوفى المنفعة بمثله ولا بمن دونه فقياس قول أصحابنا صحة العقد وبطلان الشرط فانهم قالوا فيمن شرط أن يزرع في الارض حنطة ولا يزرع غيرها يبطل الشرط ويصح العقد، يحتمل أن يصح الشرط وهو أحد الوجهين للشافعية لان المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجر فلا يملك ما لم يرض به ولانه قد يكون له غرض في تخصيصه باستيفاء هذه المنفعة وقالوا في الوجه الآخر يبطل الشرط لانه ينافي موجب العقد إذ موجبه ملك المنفعة والتسليط على استيفائها بنفسه ونائبه واستيفاء بعضها بنفسه وبعضها بنائبه والشرط ينافي ذلك فكان باطلا ولا يبطل به العقد في أصح الوجهين لانه لا يؤثر في حق المؤجر نفعا ولا ضرا فألغي وبطل العقد على مقتضاه والآخر يبطله لانه ينافي مقتضاه أشبه ما لو شرط أن لا يستوفي المنافع * (مسألة) * (وله استيفاء المنفعة وما دونها في الضرر من جنسها) قال احمد إذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرا فحمل عليها حنطة أرجو أن لا يكون به بأس إذا كان الوزن واحدا وان كانت المنفعة التي يستوفيها أكثر ضررا أو مخالفة للمعقود عليها في الضرر لم يجز لانه يستوفي أكثر من حقه أو غير ما يستحقه
[ 75 ]
* (مسألة) * (فإذا استأجر أرضا لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه وليس له زرع الدخن ونحوه ولا يملك الغرس ولا البناء ولو اكتراها لاحدهما لم يملك الآخر) وجملة ذلك ان اجارة الارض صحيحة وقد ذكرناه ولا يصح حتى يرى الارض لان المنفعة تختلف باختلافها ولا تعرف إلا بالرؤية لكونها لا تنضبط بالصفة ولا يصح حتى يذكر ما يكتري له من زرع أو غرس أو بناء لان الارض تصلح لذلك كله وتأثيره في الارض يختلف فوجب بيانه فان قال أجرتكها لتزرعها أو تغرسها لم يصح لانه لم يعين أحدهما لانه أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين العبدين، فان قال لتزرعها ما شئت وتغرسها ما شئت صح وهذا منصوص الشافعي وخالفه أكثر أصحابه فقالوا لا يجوز لانه لا يدري كم يزرع ويغرس وقال بعضهم يصح ويزرع نصفها ويغرس نصفها
ولنا أن العقد اقتضى إباحة هذين الشيئين فصح كما لو قال لتزرعها ما شئت ولان اختلاف الجنسين كاختلاف النوعين، وقوله لتزرعها ما شئت اذن في نوعين وأنواع وقد صح فكذلك في الجنسين وله أن يغرسها كلها وأن يزرعها كلها كما لو أذن له في أنواع الزرع كله كان له زرعها نوعا واحدا وزرعها جميعها من نوعين وكذلك ههنا (فصل) فان اكراها للزرع وحده ففيه أربع مسائل (احداهن) اكراها للزرع مطلقا أو قال لتزرع ما شئت فيصح وله زرع ما شاء وهذا مذهب الشافعي وحكي عن ابن سريج أنه لا يصح
[ 76 ]
حتى يبين الزرع لان ضرره يختلف فلم بصح بدون البيان كما لو لم يذكر ما يكترى له من زرع أو غرس أو بناء ولنا أنه يجوز استئجارها لاكثر الزرع ضررا ويباح له جميع الانواع لانها دونه فإذا عمم أو أطلق تناول الاكثر وكان له ما دونه، ويخالف الاجناس المختلفة فانه لا يدخل بعضها في بعض، فان قيل فلو اكترى دابة للركوب لوجب تعيين الراكب قلنا لان اجارة المركوب لاكثر الركاب ضررا لا تجوز بخلاف المزروع ولان للحيوان حرمة في نفسة فلم يجز اطلاق ذلك فيه بخلاف الارض، فان قيل فلو استأجر دارا للسكنى مطلقا لم يجز أن يسكنها من يضر بها كالقصار والحداد فلم قلتم انه يزرعها ما يضر بها؟ قلنا السكنى لا تقتضي ضررا فلذلك منع من اسكان من يضر بها لان العقد لم يقتضه والزرع يقتضي الضرر فإذا أطلق كان راضيا بأكثره فلهذا جاز، وليس له أن يغرس في هذه الارض ولا يبني لان ضرره أكثر من المعقود عليه (المسألة الثانية) اكراها لزرع حنطة أو نوع بعينه فان له زرع ما عينه وما ضرره كضرره أو دونه ولا يتعين ما عينه في قول عامة أهل العلم الا أهل الظاهر فانهم قالوا لا يجوز له زرع غير ما عينه حتى لو وصف الحنطة بانها سمراء لم يجز أن يزرع بيضاء لانه عينه بالعقد فلم يجز العدول عنه كما لو عين المركوب أو عين الدراهم في الثمن ولنا أن المعقود عليه منفعة الارض دون القمح ولهذا يستقر عليه الاجر بمضي المدة إذا تسلم الارض ولم يزرعها وانما ذكر القمح لتقدر به المنفعة فلم يتعين كما لو استأجر دارا ليسكنها فله أن
[ 77 ]
يسكنها غيره، وفارق المركوب والدراهم في الثمن فانه معقود عليهما فتعينا والمعقود عليه ههنا منفة مقدرة وقد تعينت أيضا ولم يتعين ما قدرت به كما لا يتعين المكيال والميزان في المكيل والموزون، فعلى هذا يجوز له زرع القمح والشعير والباقلا لانه أقل ضررا وليس له زرع الدخن والذرة والقطن لانه اما أن يكون أكثر ضررا فيأخذ فوق حقه أو يكون ضرره مخالفا لضرر القمح فيأخذ ما لم يتناوله العقد ولا شيئا من جنسه (المسألة الثالثة) قال ازرعها حنطة وما ضرره كضررها أو دونه فهذه كالتي قبلها الا أنه لا مخالف فيها لانه شرط ما اقتضاه الاطلاق وبين ذلك بصريح نصه فزال الاشكال (المسألة الرابعة) قال ازرعها حنطة ولا تزرع غيرها فذكر القاضي أن الشرط باطل لمنافاته مقتضى العقد لانه يقتضي استيفاء المنفعة كيف شاء فلم يصح الشرط كما لو شرط عليه استيفاء المبيع بنفسه والعقد صحيح لانه لا ضرر فيه ولا غرض لاحد المتعاقدين لان ما ضرره مثله لا يختلف في غرض المؤجر فلم يؤثر في العقد فأشبه شرط استيفاء المبيع أو الثمن بنفسه وقد ذكرنا فيما إذا اشترط مكتري الدار أن لا يسكنها غيره وجها في صحة الشرط ووجها في فساد العقد فيخرج ههنا مثله (فصل) فان أكراها للغراس ففيه ما ذكرنا من المسائل إلا أن يزرعها لان ضرر الزرع أقل من ضرر الغراس وهو من جنسه لان كل واحد منهما يضر بباطن الارض وليس له البناء لان ضرره مخالف لضرره فانه يضر بظاهر الارض وان اكتراها للزرع لم يملك الغراس ولا البناء لان ضرر الغرس أكثر
[ 78 ]
وضرر البناء مخالف لضرره، وان اكتراها للبناء لم يكن له الغرس ولا الزرع لان ضررهما يخالف ضرره (فصل) ولا تخلو الارض من قسمين (أحدهما) أن يكون لها ماء دائم اما من نهر لم تجر العادة بانقطاعه أو لا ينقطع الا مدة لا تؤثر في الزرع أو من عين تنبع أو بركة من مياه الامطار يجتمع فيها الماء ثم تسقى به أو من بئر يقوم بكفايتها أو ما يشرب بعروقه لنداوة الارض وقرب الماء الذي تحت الارض فهذا كله دائم ويصح استئجاره للغرس والزرع وكذلك الارض التي تشرب من مياه الامطار ويكتفي بالمعتاد منها لان ذلك بحكم العادة لا تنقطع الا نادرا فهي كسائر الصور المذكورة (والثاني) أن لا يكون لها ماء دائم وهي نوعان (أحدهما) ما يشرب من زيادة معتادة تأتي وقت الحاجة كارض
مصر الشاربة من زيادة النيل وما يشرب من زيادة الفرات وأشباه وأرض البصرة الشاربة من المد والجزر وأرض دمشق الشاربة من زيادة برد أو ما يشرب من الاودية الجارية من ماء المطر فتصح اجارتها قبل وجود الماء الذي تسقى به وبعده وحكى ابن الصباغ ذلك مذهبا للشافعي وقال أصحابه ان أكراها بعد الزيادة صح ولا تصح قبلها لانها معدومة لا يعلم هل يقدر عليها أو لا ولنا أن هذا معتادا لظاهر وجوده فجازت اجارة الارض الشاربة منه كالشاربة من مياه الامطار ولان ظن القدرة على التسليم في وقته يكفي في صحة العقد كالسلم في الفاكهة إلى أوانها (النوع الثاني) أن يكون مجئ الماء نادرا أو غير ظاهر كالارض التى لا يكفيها الا المطر الشديد الكثير الذي يدر
[ 79 ]
وجوده أو يكون شربها من فيض ماء وجوده نادر أو من زيادة نادرة في نهر أو عين غالبة فهذه ان أجرها بعد وجود ما يسقيها به صح لانه أمكن الانتفاع بها وزرعها فجازت اجارتها كذات الماء الدائم، وان أجرها قبله لم يصح لانه يتعذر الزرع غالبا أو يتعذر المعقود عليه في الظاهر فلم تصح اجارتها كالآبق والمغصوب، وان اكتراها على أنها لا ماء لها جاز لانه يتمكن من الانتفاع بها بالنزول فيها ووضع رحله وجمع الحطب فيها وله أن يزرعها رجاء الماء وان حصل له ماء قبل زرعها فله زرعها لان ذلك من منافعها الممكن استيفاؤها، وليس له أن يبني ولا يغرس لان ذلك يراد للتأبيد وتقدير الاجارة بمدة يقتضي تفريغها عند انقضائها، فان قيل فلو استأجرها للغراس والبناء صح مع تقدير المدة؟ قلنا التصريح بالبناء والغراس صرف التقدير عن مقتضاه بظاهره في التفريغ عند انقضاء المدة الا أن يشترط قلع ذلك عند انقضاء المدة فيصرف الغراس والبناء عما يراد له بظاهره بخلاف مسئلتنا، وان أطلق اجارة هذه الارض مع العلم بحالها وعدم مائها صح لانهما دخلا في العقد على أنها لا ماء لها فأشبه ما لو شرطاه، وان لم يعلم عدم مائها أو ظن المكتري انه يمكن تحصيل ماء لها بوجه من الوجوه لم يصح العقد لانه ربما دخل في العقد بناء على أن المالك يحصل لها ماء وأنه يكتريها للزراعة مع تعذرها وقيل لا يصح العقد على الاطلاق وان علم حالها لان اطلاق كراء الارض يقتضي الزراعة والاولى صحته لان العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط كالعلم بالعيب يقوم مقام شرطه، ومتى كان لها ماء غير
[ 80 ]
دائم أو الظاهر انقطاعه قبل الزرع أو لا يكفي الزرع فهي كالتي لا ماء لها ومذهب الشافعي في هذا كله كما ذكرنا (فصل) وان اكترى أرضا غارقة بالماء لا يمكن زرعها قبل انحساره عنها وقد ينحسر ولا ينحسر فالعقد باطل لان لانتفاع بها في الحال غير ممكن ولا يزول المانع غالبا، وان كان ينحسر عنها وقت الحاجة إلى الزراعة كأرض مصر في وقت مد النيل صح لان المقصود يتحقق بحكم العادة المستمرة، فان كانت الزراعة فيها ممكنة ويخاف غرقها والعادة غرقها لم تجز اجارتها لانها في حكم الغارقة بحكم العادة المستمرة (فصل) ومتى زرع فغرق الزرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غيره فلا ضمان على المؤجر ولا خيار للمكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا وهو مذهب الشافعي، لان التالف غير المعقود عليه وانما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانا فاحترق متاعه فيه ثم إن أمكن المكتري الانتفاع بالاض بغير الزرع أو بالزرع في بقية المدة فله ذلك، وان تعذر ذلك لزمه الاجر لان تعذره لفوات وقت الزراعة بسبب غير مضمون على المؤجر لا لمعنى في العين، وان تعذر الزرع بسبب غرق الارض وانقطاع مائها فللمستأجر الخيار لانه لمعنى في العين، وان تلف الزرع بذلك فليس على المؤجر ضمانه لانه لم يتلف بمباشرة ولا سبب، وان قل الماء بحيث لا يكفي الزرع فله الفسخ لانه عيب فان كان ذلك بعد الزرع فله الفسخ أيضا ويبقى الزرع في الارض إلى أن يستحصد وعليه من المسمى بحصته إلى
[ 81 ]
حين الفسخ وأجر المثل لما بقي من المدة لارض لها مثل ذلك الماء وكذلك ان انقطع الماء بالكلية أو حدث بها عيب من غرق يهلك به بعض الزرع أو تسوء حالته به * (مسألة) * (وان اكترى دابة للركوب أو الحمل لم يملك الآخر، وان اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك الآخر) إذا اكترى دابة للركوب لم يملك الحمل عليها لان الراكب يعين الظهر بحركته، وان اكتراها ليحمل عليها فليس له ركوبها لان الراكب يقعد في موضع واحد فيشتد على الظهر والمتاع يتفرق على
جنبيها، وان اكتراها ليركبها عريا لم يجز أن يركب بسرج لانه يحمل عليه أكثر مما عقد عليه، وإن اكتراها ليركبها بسرج فليس له ركوبها عريا لان الركوب بغير سرج يحمى به الظهر فربما عقرها، وان اكتراها ليركب بسرج لم يجز أن يركب بأثقل منه فان اكترى حمارا بسرج لم يجز أن يركبه بسرج البرذون ان كان أثقل من سرجه، وإن اكترى دابة بسرج فركبها بأثقل منه أو أضر منه لم يجز، وان كان أخف أو أقل ضررا فلا بأس، وإن اكترى دابة ليحمل عليها حديدا لم يحمل عليها قطنا لانه يتجافى وتهب فيه الربح فيتعب الظهر، وإن اكتراها لحمل القطن فليس له حمل الحديد لانه يجتمع في موضع واحد فيثقل عليه والقطن يتفرق ويكثر ضرره ومتى فعل ما ليس له فعله كان ضامنا وعليه أجر المثل وهذا كله مذهب الشافعي وأبي ثور
[ 82 ]
(فصل) وإن اكترى دابة ليركبها في مسافة معينة معلومة أو يحمل عليها فيها فاراد العدول بها إلى ناحية أخرى مثلها في القدر وهي أضر منها أو يخالف ضررها ضررها بأن تكون إحداهما أخوف والاخرى أخشن لم يجز وان كانت مثلها في السهولة والحزونة والامن أو التي يعدل إليها أقل ضررا فذكر القاضي أنه يجوز وهو قول أصحاب الشافعي لان المسافة عينت ليستوفي بها المنفعة ويعلم قدرها بها فلم تتعين كنوع المحمول والراكب قال شيخنا ويقوى عندي أنه متى كان للمكتري غرض في تلك الجهة المعينة لم يجز العدول إلى غيرها مثل من يكري جماله إلى مكة ليحج معها فلا يجوز له أن يذهب بها إلى غيرها، ولو أكراها إلى بغداد لكون أهله بها أو ببلد العراق فليس له الذهاب إلى مصر، ولو أكرى جماله جملة إلى بلد لم يجز التفريق بينها بالسفر ببعضها إلى جهة وبباقيها إلى غيرها وذلك لانه عين المسافة لغرض في فواته ضرر فلم يجز تفويته كما في حق المكتري فانه لو أراد حمله إلى غير المكان الذي اكترى إليه لم يجز وكما لو عين طريقا سهلا أو آمنا فأراد سلوك ما يخالفه في ذلك (فصل) إذا اكترى قميصا ليلبسه جاز لان الانتفاع به ممكن مع بقاء عينه ويجوز بيعه أشبه العقار ولابد من تقدير المنفعة بالمدة فان كانت العادة في بلده نزع ثيابهم عند نوم الليل فعليه نزعه لان الاطلاق يحمل على العادة وله لبسه فيما سوى ذلك ولا يلزمه نزعه إذا نام نهارا لانه العرف ويلبس
القميص على ما جرت العادت به لا أن يتزر به لانه يعتمد عليه فيشقه، وفي اللبس لا يعتمد ويجوز
[ 83 ]
الارتداء به لانه أخف من اللبس ومن ملك شيئا ملك ما هو أخف منه وقيل لا يجوز لانه استعمال له بما لا تجري العادة به في القميص أشبه الاتزار به والله أعلم * (مسألة) * (وإن فعل ما ليس له فعله فعليه أجر المثل) لانه استوفى منفعة غير التي عقد عليها لا يجوز له استيفاؤها فلزمه أجر المثل كالغاصب * (مسألة) * (وإن اكتراها لحمولة شئ فزاده أو إلى موضع فجاوزه فعليه الاجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد، وقال أبو بكر عليه أجرة المثل للجميع) وجملة ذلك أن من اكترى دابة لحمولة شئ فزاد عليه كمن اكترى لحمل قفيزين فحمل ثلاثة أو إلى موضع فجاوزه مثل أن يكتريها من دمشق إلى القدس فيركبها إلى مصر وجب عليه الاجر المسمى وأجر المثل لما زاد وضمانها ان تلفت وهذا مذهب الشافعي ونص عليه أحمد فيما إذا استأجرها إلى موضع فجاوزه واليه ذهب ابن شبرمة والحكم، والظاهر من قول الفقهاء السبعة، وقال الثوري وأبو حنيفة لا أجر عليه لما زاد لان منافع الغصب غير مضمونة عندهما، وحكي عن مالك أنه إذا تجاوز بها إلى مسافة بعيدة خير صاحبها بين أجر المثل وبين المطالبة بقيمتها يوم التعدي لانه متعدى بامساكها فكان لصاحبها تضمينها إياه ولنا أن العين باقية بحالها يمكن أخذها فلم تجب قيمتها كما لو كانت المسافة قريبة وما ذكروه تحكم
[ 84 ]
لا دليل عليه ولا نظير له فلا يجوز المصير إليه وسيأتي الكلام مع أبي حنيفة في باب الغصب إن شاء الله وحكى القاضي أن قول أبي بكر فيما إذا اكترى لحمولة شئ فزاد عليه وجوب أجر المثل للجميع آخذا من قوله فيمن استأجر أرضا ليزرعها شعيرا فزرعها حنطة ان عليه أجر المثل للجميع لانه عدل عن المعقود عليه إلى غيره فأشبه ما لو استأجر أرضا فزرع أخرى فجمع القاضى بين مسألة الخرقي ومسألة أبي بكر وقال ينقل قول كل واحد من إحدى المسئلتين إلى الاخرى لتساويهما في أن الزيادة لا تتميز فيكون في
المسئلتين وجهان، وليس الامر كذلك فان بين المسئلتين فرقا ظاهرا فان الذي حصل التعدي فيه في الحمل متميز عن المعقود عليه وهو القفيز الزائد بخلاف الزرع، ولانه في مسألة الحمل استوفى المنفعة المعقود عليها وزاد وفي الزرع لم يزرع ما وقع العقد عليه ولهذا علله أبو بكر بأنه عدل عن المعقود عليه ولا يصح هذا القول في مسألة الحمل فانه قد حمل المعقود عليه وزاد عليه بل الحاق هذه المسألة بما إذا اكترى إلى مسافة فزاد عليها أشد وشبهها بها أشد لانه في مسألة الحمل متعد بالزيادة وحدها وفي مسألة الزرع متعد بالزرع كله فأشبه الغاصب (فصل) فاما مسألة الزرع فيما إذا اكترى لزرع الشعير فزرع حنطة فقد نص أحمد في رواية عبد الله فقال: ينظر ما يدخل على الارض من النقصان ما بين الحنطة والشعير فيعطى رب الارض فجعل هذه المسألة كمسئلتي الخرقي في إيجاب المسمى وأجر المثل المزائد ووجهه أنه لما عين الشعير لم يتعين
[ 85 ]
ولم يتعلق العقد بعينه كما سبق ذكره ولهذا قلنا له زرع مثله وما هو دونه في الضرر فإذا زرع حنطة فقد استوفى حقه وزيادة أشبه ما لو اكتراها إلى موضع فجاوزه، وقد ذكرنا قول أبي بكر ان له أجر المثل لانه عدل عن المعقود فان الحنطة ليست بشعير وزيادة، وإن قلنا إنه قد استوفى المعقود عليه وزبادة غير أن الزبادة ليست متميزة عن المعقود عليه بخلاف مسئلتي الخرقي، وقال الشافعي المكري مخير بين أخذ الكراء وما نقصت الارض عما ينقصها الشعير وبين أخذ كراء مثلها للجميع لان هذه المسألة أخذت شبها من أصلين (أحدهما) إذا ركب دابة فجاوز بها المسافة المشترطة لكونه استوفى المعقود عليه وزيادة (والثاني) إذا استأجر أرضا فزرع غيرها لانه زرع متعديا فلهذا خيره بينهما ولانه وجد سبب يقتضي كل واحد من الحكمين وتعذر الجمع بينهما فكان له أوفرهما وفوض اختياره إلى المستحق كقتل العمد، والاولى إن شاء الله قول أبي بكر فان هذا متعد بالزرع كله فكان عليه أجر المثل كالغاصب ولهذا ملك رب الارض منعه من زرعه ويملك أخذه بنفقته إذا زرعه، ويفارق من زاد على حقه زيادة متميزة في كونه لم يتعد بالجميع إنما تعدى بالزبادة فقط ولهذا لا يملك المكري منعه من الجميع، ونظير هاتين المسئلتين من اكترى غرفة ليجعل فيها أقفزة حنطة فجعل أكثر منها ومن
اكتراها ليجعل فيها قنطار قطن فجعل فيها قنطار حديد ففي الاولى له المسمى وأجر الزيادة، وفي الثانية يخرج فيها من الخلاف كقولنا في مسألة الزرع وحكم المستأجر الذي يزرع أضر مما اكترى له
[ 86 ]
حكم الغاصب لرب الارض منعه في الابتداء لما يلحقه من الضرر فان زرع فرب الارض مخير بين ترك الزرع بالاجر وبين أخذه ودفع النفقة، وان لم يعلم حتى أخذ المستأجر زرعه فله الاجر على ما نذكر في الغصب (فصل) وان اكترى دابة إلى مسافة فسلك أشق منها فهي كمسألة الزرع يخرج فيها وجهان وقياس منصوص أحمد ان له الاجر المسمى وزيادة لكون المسافة لا تتعين على قول أصحابنا وقياس قول أبي بكر ان له أجر المثل لان الزيادة غير متميزة ولانه متعد بالجميع بدليل ان لرب الدابة منعه من سلوك تلك الطريق كلها بخلاف من سلك تلك الطريق وجاوزها فانه انما يمنعه الزيادة لا غير، وان اكترى لحمل قطن فحمل بوزنه حديدا أو بالعكس فعليه أجر المثل لان ضرر أحدهما مخالف لضرر الآخر فلم يتحقق كون المحمول مشتملا على المستحق بعقد الاجارة وزيادة عليه بخلاف ما قبلها من المسائل وسائر مسائل العدوان يقاس على ما ذكرنا من المسائل ما كان متميزا وما لم يكن متميزا فتلحق كل مسألة بنظيرتها (فصل) وان اكتراه لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة فان كان المكتري تولى الكيل ولم يعلم المكري بذلك فهو كمن اكترى لحمولة شئ فزاد عليه وان كان المكري تولى كيله وتعبيته ولم يعلم المكتري فهو غاصب لا أجر له في حمله الزائد وان تلفت دابته فلا ضمان لها لانها تلفت بعدوان صاحبها
[ 87 ]
وحكمه في ضمان الطعام حكم من غصب طعام غيره، وان تولى ذلك أجنبي ولم يعلما فهو متعد عليهما عليه لصاحب الدابة الاجر ويتعلق به ضمانها وعليه لصاحب الطعام ضمان طعامه وسواء كاله أحدهما ووضعه الآخر على ظهر الدابة أو كان الذي كاله وعباه وضعه على ظهرها، وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين إذا كاله المكتري ووضعه المكري على ظهر البهيمة لا ضمان على المكتري لان المكري مفرط في حمله
ولنا ان التدليس من المكتري إذ أخبره بكيلها بخلاف ما هو به فلزمه الضمان كما لو أمر أجنبيا بتحميلها، فأما ان كالها المكتري ووضعها المكري على الدابة عالما بكيلها لم يضمن المكتري الدابة إذا تلفت لانه فعل ذلك من غير تدليس ولا تغرير وله أجر القفيز الزائد في أحد الوجهين لانهما اتفقا على حمله على سبيل الاجارة فجرى مجرى المعاطاة في البيع ودخول الحمام من غير تقدير أجر (والثاني) لا أجر له لان المكتري لم يجعل له على ذلك أجرا، وإن كاله المكري وحمله المكتري على الدابة عالما بذلك من غير أن يأمره بحمله فعليه أجر القفيز الزائد وان أمره بحمله ففي وجوب الاجر وجهان كما لو حمله المكري عليها لانه إذا أمر به كان كفعله، وإن كاله أحدهما وحمله أجنبي فهو كما لو حمله الذي كاله وإن كان بامر الاخر فهو كما لو حمله الاخر وإن حمله بغير أمرهما فهو كما لو كاله ثم حمله * (مسألة) * (وإن تلفت ضمنها إلا ان تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين) إذا تلفت الدابة التي تعدى فيها إما بزيادة على الحمل أو زيادة على المسافة ضمنها بقيمتها سواء
[ 88 ]
تلفت في الزبادة أو بعد ردها إلى المسافة وسواء كان صاحبها مع المكتري أو لم يكن هذا ظاهر كلام الخرقي والفقهاء السبعة إذا تلفت حال التعدي، وقال القاضي ان كان المكتري نزل عنها وسلمها إلى صاحبها ليمسكها أو يسقيها فتلفت فلا ضمان على المكتري وان هلكت والمكتري راكب عليها أو حمله عليها ضمنها، وقال أبو الخطاب ان كانت يد صاحبها عليها احتمل أن يلزم المكتري جميع قيمتها واحتمل أن يلزمه النصف، وقال أصحاب الشافعي ان لم يكن صاحبها معها لزم المكتري جميع القيمة وان كان معها فتلفت في يد صاحبها لم يضمنها المكتري لانها تلفت في يد صاحبها أشبه ما لو تلفت بعد مدة التعدي، وإن تلفت تحت الراكب ففيه قولان (أحدهما) يلزمه نصف القيمة لانها تلفت بفعل مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحته وجراحة مالكها (والثاني) تقسط القيمة على المسافتين فما قابل مسافة الاجارة سقط ووجب الباقي ونحو هذا قول أبي حنيفة فانه قال فيمن اكترى جملا لحمل تسعة فحمل عشرة فتلف فعلى المكتري عشر قيمته، قال شيخنا وموضع الخلاف في لزوم كمال القيمة إذا كان صاحبها مع راكبها أو تلفت في يد صاحبها، فاما ان تلفت حال التعدي ولم يكن صاحبها مع راكبها فلا
خلاف في ضمانها بكمال قيمتها لانها تلفت في يد عادية فوجب ضمانها كالمغصوب، وكذلك إذا تلفت تحت الراكب أو تحت حمله وصاحبها معها لان اليد للراكب وصاحب الحمل بدليل ما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل والاخر آخذ بزمامها كانت لصاحب الحمل والراكب ولان الراكب متعد
[ 89 ]
بالزيادة وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان كمن خرق ثياب انسان وهو ساكت ولانها ان تلفت بسبب تعبها فالضمان على المتعدي كمن القى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، فأما ان تلفت في يد صاحبها بعد نزول الراكب عنها وكان تلفها بسبب تعبها بالحمل والسير فهو كتلفها تحت الحمل والراكب، وان كان بسبب آخر من افراس سبع أو سقوط في هوة فلا ضمان فيها لانها لم تتلف في يد عادية ولا بسبب عدوان، وقولهم تلفت بفعل مضمون وغير مضمون أشبه ما لو تلفت بجراحين يبطل بما إذا قطع السارق ثم قطع آخر يده عدوانا فمات منهما، وفارق ما لو جرح نفسه وجرحه غيره لان الفعلين عدوان فقسم الضمان عليهما (فصل) ولا يسقط الضمان بردها إلى المسافة وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال محمد يسقط كما لو تعدى في الوديعة ثم ردها ولنا انها يد صارت ضامنة فلا يزول الضمان عنها إلا باذن جديد ولم يوجد والاصل ممنوع إلا أن يردها إلى مالكها أو يجدد لها إذنا * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويلزم المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الاحمال والمحامل والرفع والحط ولزوم البعير لينزل لصلاة الفرض ومفاتيح الدار وعمارتها وكل ما جرت عادته به
[ 90 ]
يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطئ به للركوب من الحداجة للجمل والقتب وما يتمكن به الراكب من النفع كزمام الجمل والبرة التي في أنفه ان كانت العادة جارية بها والسرج واللجام للفرس والبردعة والاكاف للبغل والحمار على ما يقتضيه العرف يحمل الاطلاق عليه، وما زاد على ذلك من المحمل والمحارة والحبل الذي يشد به بين المحملين على المكتري لانه من مصلحة الحمل وكذلك
الوطاء الذي يشد فوق الحداجة تحت المحمل وعلى المكري رفع المحمل وحطه وشده على الحمل ورفع الاحمال وشدها وحطها لان هذا هو العرف وبه يتمكن من الركوب، ويلزمه القائد والسائق هذا إذا كان الكراء على أن يذهب مع المكتري، فان كان على أن يتسلم الراكب البهيمة ليركبها بنفسه فكل ذلك عليه لان الذي على المكري تسليم البهيمة وقد سلمها، فأما الدليل فهو على المكتري لان ذلك خارج عن البهيمة المكتراة وآلتها فاشبه الزاد وقيل ان كان اكترى منه بهيمة بعينها فأجرة الدليل على المكتري لان الذي عليه تسليم الظهر وقد سلمه، وان كانت الاجارة على حمله إلى مكان معين في الذمة فهو على المكتري لانه من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فيه، فان كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم كالمرأة والشيخ والضعيف والسمين فعلى الجمال أن يبرك الجمل لركوبه ونزوله لانه لا يتمكن منها إلا به وإن كان ممن يمكنه الركوب والنزول مع قيام البعير لم يلزم الجمال أن يبرك الجمل لامكان استيفاء المعقود عليها، فان كان قويا حال العقد فتجدد له الضعف أو بالعكس فالاعتبار بحال الركوب لان العقد اقتضى ركوبه بحسب العادة، ويلزم الجمال أن يقف البعير لينزل لصلاة الفرض وقضاء حاجة الانسان والطهارة ويدع البعير واقفا حتى يفعل ذلك لانه لا يمكنه فعل شئ من هذا على ظهر البعير، وما يمكنه فعله عليه
[ 91 ]
من الاكل والشرب وصلاة النافلة لا يلزمه ان يقفه له من أجله فان أراد المكتري اتمام الصلاة وطالبه الجمال بقصرها لم يلزمه ذلك بل تكون خفيفة في تمام (فصل) إذا اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند اقتراب المنزل والراكب امرأة أو ضعيف لم يلزمه ذلك لانه اكترى جميع الطريق كالمتاع، وان كان جلدا قويا احتمل أن لا يلزمه أيضا لانه عقد على جميع الطريق ولم تجر له عادة بالمشي فلزم حمله في جميع الطريق أشبه الضعيف ويحتمل ان يلزمه لانه متعارف والمتعارف كالمشروط (فصل) فان كان المكترى دارا أو حماما فعلى المكري ما يتمكن به من الانتفاع كتسليم مفاتيح الدار والحمام لان عليه التمكين من الانتفاع وتسليم مفاتيحها تمكين من الانتفاع، فان ضاعت أو تلفت بغير تفريط المستأجر فعلى المؤجر بدلها لكونها أمانة في يد المستأجر فأشبه حيطان الدار وأبوابها وان
سقط حائط أو خشبة أو انكسرت فعليه ابدالها وبناء الحائط، وعليه تبليط الحمام وعمل الابواب والبرك ومجرى الماء لان بذلك يحصل الانتفاع ويتمكن منه وما كان لاستيفاء المنافع كالحبل والدلو والبركة فعلى المكتري فاما التحسين والتزويق فلا يلزم واحدا منهما لان الانتفاع ممكن بدونه * (مسألة) * (فاما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا سلمها فارغة) إن احتيج إلى تفريغ البالوعة والكنيف عند الكراء فعلى المكري لانه مما يتمكن به من الانتفاع
[ 92 ]
وان امتلات بفعل المستأجر فتفريغها عليه وهذا قول الشافعي، وقال أبو ثور هو على رب الدار لان به يتمكن من الانتفاع أشبه ما لو اكتراها وهي ملاى، وقال أبو حنيفة القياس أنه على المكتري والاستحسان أنه على رب الدار لان ذلك عادة الناس ولنا أن ذلك حصل بفعل المكتري فكان عليه تنظيفه كما لو طرح فيها قماشا، والقول في تفريغ جية الحمام التي هي مصرف مائه كالقول في بالوعة الدار، وان انقضت الاجارة وفي الدار زبل أو قمامة من فعل الساكن فعليه نقله وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي (فصل) فان شرط على مكتري الحمام أو غيره أن مدة تعطيله عليه لم يصح لانه لا يجوز أن يؤجر مدة لا يمكنه الانتفاع في بعضها ولا يجوز أن يشرط أن يستوفي بقدرها عند انقضاء مدته لانه يؤدي إلى أن يكون انتهاء مدة الاجارة مجهولا فان أطلق وتعطل فهو عيب حادث والمكتري بالخيار بين الامساك بكل الاجر وبين الفسخ ويتخرج أن له ارش العيب، كالمبيع المعيب فان لم يعلم بالعيب حتى انقضت مدة الاجارة فعليه جميع الاجر لانه استوفى المعقود عليه فأشبه ما لو علم العيب بعد العقد فرضيه ويتخرج أن له أرش العيب كما لو اشترى معيبا فلم يعلم عيبه حتى تلف في يده أو أكله (فصل) وإن شرط على المكتري النفقة الواجبة على المكري كعمارة الحمام فالشرط فاسد لان العين ملك للمؤجر فنفقتها عليه، فان انفق بناء على هذا الشرط احتسب به على المكتري لانه أنفقه
[ 93 ]
على ملكه بشرط العوض فان اختلفا في قدر ما أنفق ولا بينة فالقول قول المكري لانه منكر فان لم
يشرط لكن أذن له في الانفاق ليحتسب له به من الاجر ففعل ثم اختلفا فالقول قول المكري أيضا، وإن أنفق من غير اذنه لم يرجع بشئ لانه أنفق على ماله بغير إذنه نفقة غير واجبة على المالك أشبه ما لو عمر له دارا أخرى (فصل) ولا خلاف بين أهل العلم في جواز كراء الابل وغيرها من الدواب إلى مكة وغيرها قال الله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) ولم يفرق بين المملوكة والمستأجرة، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) أن يحج ويكري ونحوه عن ابن عمر ولان بالناس حاجة إليه، وقد فرض الله تعالى الحج على الناس وليس لكل أحد بهيمة يملكها ولا يحسن القيام بها والشد عليها فدعت الحاجة إلى استئجارها فجاز ذلك دفعا للحاجة. إذا ثبت هذا فمن شرط صحة العقد معرفة المتعاقدين المعقود عليه لانه عقد معاوضة أشبه البيع فأما الجمال فيحتاج إلى معرفة الراكبين بالرؤية أو بالصفة من المعرفة بالصفة تقوم مقام الرؤية إذا وصفهما بالطول والقصر والهزال والسمن والصغر والكبر والذكورية والانوثية، وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب لا يكفي في ذلك الصفة لانه يختلف بثقله وخفته وسكونه وحركته ولا ينضبط بالوصف فيجب تعيينه وهذا مذهب الشافعي ولهم في المحمل وجه أنه لا يكتفى فيه بالصفة ويجب تعيينه
[ 94 ]
ولنا أنه عقد معاوضة مضاف إلى حيوان فاكتفي فيه بالصفة كالبيع وكالمركوب في الاجارة ولانه لو لم يكتف فيه بالصفة لما جاز للراكب أن يقيم غيره مقامه لانه انما يعلم كونه مثله لتساويهما في الصفات فما لا تأتي عليه الصفات لا يعلم تساويهما فيه ولان الوصف يكتفى به في البيع فاكتفي به في الاجارة كالرؤية والتفاوت بعد ذكر الصفات يسير تجري المسامحة فيه كالمسلم فيه ويحتاج إلى معرفة الآلة التي يركبان فيها من محمل ومحارة وقتب وغير ذلك، وهل يكون مغطى أو مكشوفا؟ فان كان مغطى احتاج إلى معرفة الغطاء ويحتاج إلى معرفة الوطاء ومعرفة المعاليق التي معه من قربة وسطيحة وقدر وسفرة ونحوها وذكر سائر ما يحمل معه وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلا أن الشافعي قال: يجوز اطلاق غطاء المحمل لانه لا يختلف اختلافا كثيرا متباينا، وحكي عنه في المعاليق قول أنه يجوز اطلاقها ويحمل على العرف
وحكي عن مالك أنه يجوز اطلاق الراكبين لان أجسام الناس متقاربة في الغالب، وقال أبو حنيفة إذا قال في المحمل رجلان وما يصلحهما من الوطاء والدثر جاز استحسانا لان ذلك يتقارب في العادة فحمل على العادة كالمعاليق، وقال القاضي في غطاء المحمل كقول الشافعي ولنا أن هذا يختلف ويتباين كثيرا فاشترطت معرفته كالطعام الذي يحمله معه وقول مالك إن أجسام الناس متقاربة لا يصح فان منهم الكبير والصغير والطويل والقصير والسمين والهزيل والذكر والانثى ويختلفون بذلك ويتباينون كثيرا ويتفاوتون أيضا في المعاليق منهم من يكثر الزاد والحوائج
[ 95 ]
ومنهم من يقنع باليسير ولا عرف له يرجع إليه فاشترطت معرفته كالمحمل والاوطئة، وكذلك غطاء المحمل من الناس من يختار الواسع النقيل الذي يشد على المحمل في الهواء ومنهم من يقنع بالضيق الخفيف فتجب معرفته كسائر ما ذكرنا، فان رأى الراكبين أو وصفا له وذكر الباقي بارطال معلومة جاز ذكره الخرقي، وأما الراكب فيحتاج إلى معرفة الدابة التي يركب عليها لان الغرض يختلف بذلك ويحصل بالرؤية لانها أعلى طرق العلم إلا أن يكون مما يحتاج إلى معرفة صفة المشي كالرهوال وغيره، واما أن يجربه فيعلم ذلك برؤيته ويحصل بالصفة فإذا وجدت اكتفي بها لانه يمكن ضبطه بالصفة فجاز العقد عليه كالبيع، فإذا استأجر بالصفة للركوب احتاج إلى ذكر الجنس فرسا أو بعيرا أو بغلا أو حمارا أو النوع فيقول في الابل بختي أو عرابي وفي الخيل عرابي أو برذون وفي الحمير مصري أو شامي وان كان في النوع ما يختلف كالمهملج من الخيل والقطوف احتيج إلى ذكره لان الغرض يختلف به، وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه، قال شيخنا ومتى كان الكراء إلى مكة فالصحيح انه لا يحتاج إلى ذكر الجنس ولا النوع لان العادة أن الذي يحمل عليه في طريق مكة الجمال العراب دون البخاتي (فصل) إذا كان الكراء إلى مكة أو طريق لا يكون السير فيه إلى اختيار المتكاريين فلا وجه لذكر تقدير السير فيه لان ذلك ليس اليهما ولا مقدور عليه لهما وان كان في طريق السير فيه اليهما استحب ذكر قدر السير في كل يوم فان اطلق وللطريق منازل معروفة جاز لانه معلوم بالعرف، ومتى
[ 96 ]
اختلفا في ذلك وفي وقت السير ليلا أو نهارا أو في موضع المنزل إما في داخل البلد أو. خارج منه حملا على العرف كما لو أطلقا الثمن في بلد فيه نقد معروف، وان لم يكن للطريق عرف فقال القاضي لا يصح كما لو اطلقا الثمن في بلد لا عرف فيه، والاولى أن هذا ليس بشرط لانه لو كان شرطا لما صح العقد بدونه في الطريق المخوف لانه لم تجر العادة بتقدير السير في الطريق فان اختلفا رجع إلى العرف في غير ملك الطريق (فصل) فان شرط حمل زاد مقدر كمائة رطل وشرط انه يبدل منها ما نقص بالاكل أو غيره فله ذلك وان شرط أن ما نقص بالاكل لا يبدله فليس له ابداله فان ذهب بغير الاكل كسرقة أو سقوط فله ابداله لان ذلك لم يدخل في شرطه، وان اطلق العقد فله ابدال ما ذهب بسرقة أو سقوط أو اكل غير معتاد بغير خلاف وان نقص بالاكل المضاد فله ابداله أيضا لانه استحق حمل مقدار معلوم فملك ابدال ما نقص منه كما لو نقص بسرقة ويحتمل أن لا يملك ذلك لان العرف جار بأن الزاد ينقص ولا يبدل فحمل العقد عليه عند الاطلاق وصار كالمصرح به، وقال الشافعي القياس ان له ابداله ولو قيل ليس له ابداله كان مذهبا لان العادة أن الزاد لا يبقى جميع المسافة ولذلك يقل اجره عن أجر المتاع (فصل) إذا اكترى جملا ليحج عليه فله الركوب عليه إلى مكة ومن مكة إلى عرفة والخروج
[ 97 ]
عليه إلى منى لان ذلك من تمام الحج، وقيل ليس له الركوب إلى منى لانه بعد التحلل من الحج، والاولى أن له ذلك لانه من تمام الحج وتوابعه ولذلك وجب على من وجب عليه دون غيره فدخل في قول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت) ولو اكترى إلى مكة فقط فليس له الركوب إلى الحج لانها زيادة ويحتمل أن له ذلك لان الكراء إلى مكة عبارة عن الكراء للحج لكونها لا يكترى إليها إلا للحج غالبا فكان بمنزلة المكتري للحج (فصل) قال أصحابنا يصح كراء العقبة وهو مذهب الشافعي، ومعناها الركوب في بعض الطريق يركب شيئا ويمشي شيئا لانه إذا جاز اكتراؤها في الجميع جاز في البعض ولابد من العلم بها إما بالفراسخ واما بالزمان مثل أن يركب ليلا ويمشي نهارا ويعتبر في هذا زمان السير دون زمان النزول، وإن
شرط أن يركب يوما ويمشي يوما جاز فان أطلق احتمل الجواز واحتمال أن لا يصح لانه يختلف وليس له ضابط فيكون مجهولا، وإن اتفقا على أن يركب ثلاثة أيام ويمشي ثلاثة أو ما زاد ونقص جاز وإن اختلفا لم يجبر الممتنع منهما لان فيه ضررا على كل واحد منهما الماشي لدوام المشي عليه والدابة لدوام الركوب عليها لانه إذا ركب بعد شدة التعب كان أثقل على البعير، وان اكترى اثنان جملا يتعاقبان عليه جاز ويكون كراؤه كل الطريق والاستيفاء بينهما على ما يتفقان عليه، وإن تشاحا قسم بينهما لكل
[ 98 ]
واحد منهما فراسخ معلومة أو لاحدهما بالليل وللآخر بالنهار، وإن كان لذلك عرف رجع إليه وان اختلفا في البادئ منهما أقرع، ويحتمل أن لا يصح كراؤها إلا أن يتفقا على ركوب معلوم لكل واحد منهما لانه عقد على مجهول بالنسبة إلى كل واحد منهما فلم يصح كما لو اشتريا عبدين على أن لكل واحد منهما عبدا معينا منهما * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (والاجارة عقد لازم من الطرفين ليس لاحدهما فسخها) وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لانها عقد معاوضة فكانت لازمة كالبيع ولانها نوع من البيع وانما اختصت باسم كالصرف والسلم لا أن يجد العين معيبة عيبا لم يكن علم به فله الفسخ بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر إذا اكترى دابة بعينها فوجدها جموحا أو عضوضا أو نفورا أو بها عيب غير ذلك مما يفسد ركوبها فللمكتري الخيار ان شاء ردها وفسخ الاجارة، وإن شاء أخذها وهذا قول الثوري وأصحاب الرأي لانه عيب في المعقود عليه فأثبت الخيار كالعيب في بيوع الاعيان، والعيب الذي يرد به ما تنقص به المنفعة كتعثر الظهر في المشي والعرج يتأخر به عن القافلة وربض البهيمة بالحمل وكونها جموحا أو عضوضا ونحو ذلك، وفي المكترى للخدمة ضعف البصر والجنون والجذام والبرص، وفي الدار انهدام الحائط والخوف من سقوطها وانقطاع الماء من بئرها أو تغيره بحيث يمنع الشرب والوضوء
[ 99 ]
وأشباه ذلك من النقائص، فان رضي بالمقام ولم يفسخ لزمه جميع الاجرة لانه رضي به ناقصا أشبه ما لو رضي بالمبيع معيبا، وان اختلفا في الموجود هل هو عيب أو لا؟ رجع فيه إلى أهل الخبرة مثل أن تكون
الدابة خشنة المشي أو انها تتعب راكبها لكونها لا تركب كثيرا فان قالوا هو عيب فله الفسخ والا فلا هذا إذا كان العقد تعلق بعينها فان كانت موصوفة في الذمة لم ينفسخ العقد وعلى المكري إبدالها كالمسلم فيه إذا وجده معيبا أو على غير صفته فان عجز عن إبدالها أو امتنع منه ولم يمكن إجباره فللمكتري الفسخ أيضا * (مسألة) * (وان بدا له قبل تقضي المدة فعليه الاجرة) قد ذكرنا أن الاجارة عقد لازم يقتضي تمليك المؤجر الاجر والمستأجر المنافع فإذا فسخ المستأجر الاجارة قبل انقضاء مدتها وترك الانتفاع اختيارا منه لم تنفسخ الاجارة وتلزمه الاجرة ولا يزول ملكه عن المنافع كما لو اشترى شيئا وقبضه ثم تركه: قال الاثرم قلت لابي عبد الله رجل اكترى بعيرا فلما قدم المدينة قال له فاسخني؟ قال ليس ذلك له قد لزمه الكراء قلت فان مرض المستكري بالمدينة؟ فلم يجعل له فسخا لانه عقد لازم من الطرفين فلم يملك أحد المتعاقدين فسخه، وإن فسخه لم يسقط العوض الواجب كالبيع (فصل) قد ذكرنا أن المستأجر يملك المنافع بالعقد كما يملك المشتري المبيع بالبيع ويزول ملك المؤجر عنها كما يزول ملك البائع عن المبيع فلا يجوز له التصرف فيها لانها صارت مملوكة لغيره فان
[ 100 ]
تصرف فيها وكان ذلك في حال يد المستأجر قبل تقضي المدة مثل أن يكتري دارا سنة فيسكنها شهرا ويتركها فيسكنها المالك بقية السنة أو يؤجرها لغيره احتمل أن ينفسخ العقد فيما استوفاه المالك لانه تصرف فيه قبل قبض المكتري له أشبه ما لو أتلف المكيل قبل تسليمه وسلم باقيه، فان تصرف في بعض المدة دون بعض انفسخ العقد في قدر ما تصرف فيه خاصة، وعلى المستأجر أجر ما بقي فان سكن المستأجر شهرا وسكن المالك عشرة أشهر لزم المستأجر أجر شهرين، وان سكنها شهرا وسكن المالك شهرين ثم تركها فعلى المستأجر أجر عشرة أشهر واحتمل أن يلزم المستأجر أجر جميع المدة وله على المالك أجر المثل لما سكن أو تصرف فيه يسقط ذلك مما على المستأجر من الاجر ويلزمه الباقي لانه تصرف فيما ملكه المستأجر عليه بغير إذنه أشبه ما لو تصرف في المبيع بعد قبض المشتري إياه وقبض
الدار ههنا قام مقام قبض المنافع بدليل أنه يملك التصرف في المنافع بالسكنى والاجارة وغيرها، فعلى هذا لو كان أجر المثل الواجب على المالك بقدر الاجر المسمى في العقد لم يجب على المستأجر شئ، وان فضلت منه فضلة لزم المالك أداؤها إلى المستأجر، والاول أولى وهو ظاهر مذهب الشافعي وان تصرف المال قبل تسليمه العين أو امتنع من تسليمها حتى انقضت مدة الاجارة انفسخت الاجارة وجها واحدا لان العاقد أتلف المعقود عليه قبل تسليمه فانفسخ العقد كما لو باعه طعاما فأتلفه قبل تسليمه، وان سلمها إليه في أثناء المدة انفسخت فيما مضى، ويجب أجر الباقي بالحصة كالمبيع إذا سلم بعضه وأتلف بعضا
[ 101 ]
* (مسألة) * (وان حوله المالك قبل تقضيها فليس له أجر لما سكن نص عليه ويحتمل أن له من الاجرة بقسطه) إذا استأجر مدة فسكنه بعضها ثم أخرجه المالك ومنعه تمام السكنى فلا شئ له من الاجر نص عليه أحمد وذكره الخرقي ويحتمل أن له من الاجر بقسطه وهو قول أكثر الفقهاء لانه استوفى ملك غيره على وجه المعاوضة فلزمه عوضه كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك بقيته ولنا أنه لم يسلم إليه ما تناوله عقد الاجارة فلم يستحق شيئا كما لو استأجره لحمل كتاب إلى بلد فحمله بعض الطريق أو ليحفر له عشرين ذراعا فحفر له عشرا وامتنع من حفر الباقي وقياس الاجارة على الاجارة أولى من قياسها على البيع، والحكم فيمن اكترى دابة فامتنع المكترى من تسليمها في بعض المدة أو أجر نفسه أو عبده للخدمة مدة وامتنع من إتمامها أو أجر نفسه لبناء حائط أو خياطة أو حفر بئر أو حمل شئ إلى مكان وامتنع من اتمام العمل مع القدرة عليه كالحكم في العقار يمتنع من تسليمه وانه لا يستحق شيئا لما ذكرنا * (مسألة) * (وان هرب الاجير حتى انقضت المدة انفسخت الاجارة، وان ان كانت على عمل خير للمستأجر بين الصبر والفسخ)
[ 102 ]
وجملة ذلك أنه إذا هرب الاجير أو شردت الدابة أو أخذ المؤجر العين وهرب بها أو منعه استيفاء المنفعة منها من غير هرب لم تنفسخ الاجارة لكن يثبت للمستأجر خيار الفسخ فان انفسخ فلا كلام، وان لم يفسخ وكانت الاجارة على مدة انفسخت بمضي المدة يوما فيوما فان عادت العين في أثناء المدة استوفى ما بقي منها، وان انقضت المدة انفسخت الاجارة لفوات المعقود عليه وان كانت الاجارة على موصوف في الذمة كخياطة ثوب أو بناء حائط أو حمل إلى موضع معين استؤجر من ماله من يعمله كما لو أسلم إليه في شئ فهرب بيع من ماله فان تعذر فللمستأجر الفسخ فان لم يفسخ وصبر إلى أن يقدر عليه فله مطالبته بالعمل لان ما في الذمة لا يفوت بهربه، وكل موضع امتنع الاجير من العمل فيه أو منع المؤجر المستأجر من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أجر له فيه على ما سبق الا أن يرد العين قبل انقضاء المدة أو يتم العمل ان لم يكن على مدة قبل فسخ المستأجر فيكون له أجر ما عمل فاما ان شردت الدابة أو تعذر استيفاء المنفعة بغير فعل المؤجر فله من الاجر بقدر ما استوفى بكل حال * (مسألة) * (فان هرب الجمال أو مات وترك الجمال انفق عليها الحاكم من مال الجمال أو أذن للمستأجر في الانفاق فإذا قدم باعها ووفى المنفق وحفظ باقي ثمنها لصاحبه) إذا هرب الجمال في بعض الطريق أو قبل الدخول فيها لم يخل من حالين (أحدهما) أن يهرب بجماله فان لم يجد المستأجر حاكما أو وجد حاكما لم يمكن إثبات الحال عنده أو أمكن ولم يحصل
[ 103 ]
له ما يستوفي به حقه منه فللمستأجر الفسخ لانه تعذر عليه قبض المعقود عليه أشبه ما إذا أفلس المشتري فان فسخ العقد وكان الجمال قد قبض الاجر كان دينا في ذمته وان اختار المقام على العقد وكانت الاجارة على عمل في الذمة فله ذلك، ومتى قدر على الجمال طالبه به وان كان العقد على مدة انقضت في هربه انفسخت الاجارة وان أمكن اثبات الحال عند الحاكم وكان العقد على موصوف غير معين لم ينفسخ العقد ويرفع الامر إلى الحاكم ويثبت عنده حاله فان وجد الحاكم للجمال مالا اكترى به وان لم يجد له مالا وامكنه أن يقترض عليه ما يكتري له به فعل فان دفع الحاكم المال إلى المكتري ليكتري به لنفسه جاز في ظاهر كلام أحمد، وان كان القرض من المكتري جاز وصار دينا في ذمة
الجمال وان كان العقد على معين لم يجز ابداله ولا اكتراء غيره لان العقد تعلق بعينه فيخير المكتري بين الفسخ أو الصبر إلى أن يقدر عليه فيطالبه بالعلم (الحال الثاني) إذا هرب وترك جماله فان المكتري يرفع الامر إلى الحاكم فان وجد للجمال مالا استأجر به من يقوم مقامه في الانفاق على الجمال والشد عليها وفعل ما يلزم الجمال فان لم يجد له غير الجمال وكان فيها فضلة عن الكراء باع بقدر ذلك وان لم يكن فيها فضل أو لم يكن بيعه افترض عليه الحاكم كما ذكرنا، وان ادان من المكتري وانفق جاز، وان أذن للمكتري في الانفاق من ماله بالمعروف ليكون دينا على الجمال جاز لانه موضع حاجة فإذا رجع واختلفا فيما انفق وكان الحاكم قدر النفقة قبل قول
[ 104 ]
المكتري في ذلك دون ما زاد، وان لم يقدر له قبل قوله في قدر النفقة بالمعروف لانه أمين فاشبه الوصي إذا ادعى النفقة على الايتام بالمعروف وما زاد لا يرجع به لانه متطوع به، وإذا وصل المكتري رفع الامر إلى الحاكم فيفعل ما يرى الحظ فيه من بيع الجمال فيوفي عن الجمال ما لزمه من الدين للمكتري أو لغيره ويحفظ باقي الثمن له وان رأى بيع بعضها وحفظ باقيها والانفاق على الباقي من ثمن ما باع جاز، وان لم يجد حاكما أو عجز عن استئذانه فله أن ينفق عليها ويقيم مقام الجمال فيما يلزمه ولا يرجع بذلك ان فعله متبرعا وان نوى الرجوع واشهد على ذلك رجع به لانه حال ضرورة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وان لم يشهد ونوى الرجوع ففي الرجوع وجهان (أحدهما) يرجع به لان ترك الجمال مع العلم بأنها لابد لها من نفقة اذن في الانفاق (والثاني) لا يرجع به لانه يثبت لنفسه حقا على غيره وكذلك ان لم يشهده وأنفق محتسبا بالرجوع، قال شيخنا وقياس المذهب أن له الرجوع كقولنا يرجع بما انفق على الآبق وعلى عيال الغائب وزوجاته والدابة المرهونة، فان قدر على استئدان الحاكم فانفق من غير استئذانه واشهد على ذلك ففي رجوعه وجهان أيضا، وحكم موت الجمال حكم هربه وقال أبو بكر مذهب احمد أن الموت لا يفسخ الاجارة وله أن يركبها ولا يسرف في علفها ولا يقصر ويرجع بذلك في مال المتوفى، فان لم يكن في يد المستأجر ما ينفق لم يجز أن يبيع منها شيئا لان البيع إنما يجوز من المالك أو نائبه أو ممن لا ولاية عليه
[ 105 ]
* (مسألة) * (وتنفسخ الاجارة بتلف العين المعقود عليها) وجملته ان من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها لم يخل من أقسام [ أحدها ] ان تتلف العين كدابة تنفق أو عبد يموت فتلك على ثلاثة أضرب [ أحدها ] أن تتلف قبل قبضها فان الاجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه لان المعقود عليه تلف قبل قبضه فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه [ الثاني ] أن تتلف عقيب قبضها فان الاجارة تنفسخ ايضا ويسقط الاجر في قول عامة الفقهاء إلا أبا ثور حكي عنه انه قال يستقر الاجر لان المعقود عليه تلف بعد قبضه أشبه المبيع. وهذا غلط لان المعقود عليه المنافع وقبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ولم يحصل ذلك فأشبه تلفها قبل قبض العين [ الثالث ] أن تتلف بعد مضي شئ من المدة فان الاجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى ويكون للمؤجر من الاجر بقدر ما استوفى من المنفعة، قال أحمد في رواية ابراهيم بن الحارث: إذا اكترى بعيرا بعينه فنفق يعطيه بحساب ما ركب وذلك لما ذكرنا من أن المعقود عليه المنافع وقد تلف بعضها قبل قبضه فبطل العقد فيها تلف دون ما قبض كما لو اشترى صبرتين فقبض احداهما وتلفت الاخرى قبل قبضها، ثم ننظر فان كان أجر المدة متساويا فعليه بقدر ما مضى ان كان قد مضى النصف فعليه نصف الاجر وان كان قد مضى الثلث فعليه الثلث كما يقسم الثمن على المبيع المتساوي، وان كان مختلفا كدار أجرها في الشتاء أكثر من أجرها في الصيف وأرض أجرها في الصيف اكثر من الشتاء،
[ 106 ]
أو دار لها موسم كدور مكة رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة ويسقط الاجر المسمى على حسب قيمة المنفعة كقسمة الثمن على الاعيان المختلفة في البيع، وكذلك لو كان الاجر على قطع مسافة كبعير استأجره على حمل شئ إلى مكان معين وكانت متساوية الاجزاء أو مختلفة وهذا ظاهر مذهب الشافعي * (مسألة) * (وموت الصبي المرتضع) إذا مات الصبي المرتضع انفسخ العقد لانه يتعذر استيفاء المعقود عليه لانه لا يمكن اقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع واختلاف اللبن باختلافهم فانه قد يدر على أحد الولدين
دون الآخر وهذا منصوص الشافعي، وإذا انفسخ العقد عقيبه بطلت الاجارة من أصلها ورجع المستأجر بالاجر كله وان كان في أثناء المدة رجع بحصة ما بقي وتنفسخ الاجارة بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلها، وحكي عن أبي بكر انها لا تنفسخ ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت لانه كالدين ولنا انه هلك المعقود عليه أشبه ما لو هلكت البهيمة المستأجرة. * (مسألة) * (وموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة) إذا مات المكتري ولم يكن له وارث يقوم مقامه في استيفاء المنفعة أو كان غائبا كمن يموت في طريق مكة ويخلف جمله الذي اكتراه وليس له عليه شئ يحمله ولا وارث له حاضر يقوم مقامه فظاهر كلام أحمد ان الاجارة تنفسخ فيما بقي
[ 107 ]
من المدة لانه قد جاء أمر غالب يمنع المستأجر منفعة العين فأشبه ما لو غصبت ولان بقاء القعد ضرر في حق المكري والمكتري لان المكتري يجب عليه الكراء من غير نفع والمكري يمتنع عليه التصرف في ماله مع ظهور امتناع الكراء عليه، وقد نقل عن أحمد في رجل اكترى بعيرا فمات المكتري في بعض الطريق فان رجع البعير خاليا فعليه بقدر ما وجب له، وان كان عليه ثقله ووطاؤه فله الكراء إلى الموضع، وظاهر هذا أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا مات المستأجر ولم يبق له به انتفاع لانه تعذر استيفاء المنفعة بأمر من الله تعالى فأشبه ما لو اكترى من يقلع له ضرسه فبرأ أو انقلع قبل قلعه أو اكترى كحالا ليكحل عينه فبرأت أو ذهبت، ويجب أن يقدر انه لم يكن ثم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع لان الوارث يقوم مقام الموروث وتأولها القاضي على أن المكري قبض البعير ومنع الورثة الانتفاع ولولا ذلك لما انفسخ العقد لانه لا ينفسخ بعذر في المستأجر مع سلامة المعقود عليه كما لو حبس مستأجر الدار ومنع من سكناها، ولا يصح هذا لانه لو منع الوارث الانتفاع لما استحق شيئا من الاجر، ويفارق هذا ما لو حبس المستأجر لان المعقود عليه انتفاعه وهذا لم يؤبس منه بالحبس لانه يمكن خروجه في كل وقت من الحبس وانتفاعه ويمكن أن يستنيب من يستوفي المنفعة له إما بأجره أو غيره بخلاف الميت فانه قد فات انتفاعه بنفسه ونائبه أشبه ما ذكرنا من الصور
[ 108 ]
* (مسألة) * (وانقلاع الضرس الذي اكتري لقلعه أو برؤه) وكذلك ان اكترى كحالا ليكحل عينه فبرأت أو ذهبت انفسخ العقد لانه تعذر استيفاء المعقود عليه أشبه ما لو تعذر بالموت * (مسألة) * (فان اكترى دارا فانهدمت أو أرضا للزرع فانقطع ماؤها انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة في أحد الوجهين وفي الآخر يثبت للمستأجر خيار الفسخ) وجملة ذلك انه إذا حدث في العين المكتراة ما يمنع نفعها كدار انهدمت أو أرض غرقت أو انقطع ماؤها فهذه ينطر فيها فان لم يبق فيها نفع أصلا فهي كالتالفة سواء، وإن بقي فيها نفع غير ما استأجرها له مثل أن يمكن الانتفاع بعرصة الدار أو الارض لوضع حطب فيها أو وضع خيمة في الارض الذي استأجرها للزرع أو صيد السمك من الارض التي غرقت انفسخت الاجارة أيضا لان المنفعة التي وقع العقد عليها تلفت فانفسخت الاجارة كما لو استأجر دابة ليركبها فزمنت بحيث لا تصلح إلا لتدور في الرحى. وقال القاضي في الارض التي انقطع ماؤها لا تنفسخ الاجارة فيها وهو منصوص الشافعي، لان المنفعة لم تبطل جملة لانه يمكن الانتفاع بعرصة الارض بنصب خيمة أو جمع حطب فيها فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فعلى هذا يخير المستأجر بين الفسخ والامضاء، فان فسخ فحكمه حكم العبد إذا مات، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الاجرة لان ذلك عيب فإذا
[ 109 ]
رضي به سقط حكمه فان لم يختر الفسخ ولا الامضاء إما لجهله بان له الفسخ أو لغير ذلك فله الفسخ بعد ذلك والاول أصح لان بقاء غير المعقود عليه لا يمنع انفساخ العقد بتلف المعقود عليه كالاعيان في البيع، ولو كان النفع الباقي في العين مما لا يباح استيفاؤه بالعقد كدابة استأجرها للركوب فصارت لا تصلح الا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجها واحدا لان المنفعة الباقية لا يملك استيفاءها مع سلامتها فلا يملكها مع تعيبها كبيعها، فاما ان أمكن الانتفاع بالعين وفيما اكتراها له على نعت من القصور مثل أن يمكنه زرع الارض بغير ماء أو كان الماء منحسرا عن الارض التى عرفت على وجه يمنع بعض الزراعة أو يسوء الزرع أو كان يمكنه سكنى ساحة الدار إما في خيمة أو غيرها لم تنفسخ
الاجارة لان المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية فأشبه ما لو تعيبت وللمستأجر خيار الفسخ على ما ذكرنا إلا في الدار إذا انهدمت ففيها وجهان (أحدهما) لا تنفسخ الاجارة (والثاني) تنفسخ لانه زال اسمها بهدمها وذهبت المنفعة التي تقصد منها ولذلك لا يستأجر أحد عرصة دار ليسكنها فاما إن كان الحادث في العين لا يضرها كغرق الارض بما ينحسر عن قريب بحيث لا يمنع الزرع ولا يضره وانقطاع الماء عنها إذا ساق المؤجر إليها ماء من مكان آخر أو كان انقطاعه في زمن لا يحتاج إليه فيه فليس للمستأجر الفسخ لان هذا ليس بعيب، وإن حدث الغرق المضر أو انقطاع الماء أو الهدم ببعض العين المستأجرة فلذلك البعض حكم نفسه في الفسخ أو ثبوت الخيار وللمكتري الخيار في بقية
[ 110 ]
العين لان الصفقة تبعضت عليه فان اختار الامساك أمسك بالحصة من الاجر كما إذا تلف أحد القفيزين من الطعام في يد البائع * (مسألة) * (ولا تنفسخ بموت المكتري أو المكري) وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق والتي وأبي ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي والليث تنفسخ لاجارة بموت أحدهما لان استيفاء المنفعة يتعذر بالموت لانه استحق بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر فإذا مات زال ملكه عن العين فانتقلت إلى ورثته فالمنافع تحدث على ملك الوارث فلا يستحق المستأجر استيفاءها لانه ما عقد مع الوارث، وإذا مات المستأجر لم يمكن إيجاب الاجر في تركته ولنا أنه عقد لازم فلم ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه كما لو زوج أمته ثم مات، وما ذكروه لا يصح لانا قد بينا أن المستأجر قد ملك المنافع، وان الاجرة قد ملكت عليه كاملة في وقت العقد على ما نذكره، ويلزمهم ما لو زوج أمته ثم مات ولو صح ما ذكروه لكن وجوب الاجر ههنا بسبب من المستأجر فوجب في تركته بعد موته كما لو حفر بئرا فوقع فيها شئ بعد موته ضمنه في ماله لان سبب ذلك كان منه في حياته كذا ههنا * (مسألة) * (ولا تنفسخ بعذر لاحدهما مثل أن يكتري للحج فتضيع نفقته أو دكانا فيحترق متاعه)
وبهذا قال مالك والشافعي وابو ثور، وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز للمكتري فسخها لعذر
[ 111 ]
في نفسه مثل أن يكتري جملا ليحج عليه فيمرض فلا يتمكن من الخروج أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانا للبز فيحترق متاعه وما أشبه هذا لان هذا العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها فملك به الفسخ كما لو استأجر عبدا فابق ولنا انه عقد لا يجوز فسخه لغير عذر فلم يجز لعذر في غير المعقود عليه كالبيع ولانه لو جاز فسخه لعذر المكتري لجاز لعذر المكري تسوية بين المتعاقدين ودفعا للضرر عن كل واحد منهما ولم يجز ثم فلا يجرز ههنا، ويفارق الاباق فانه عذر في المعقود عليه * (مسألة) * (وإن غصبت العين خير المستأجر بين الفسخ والامضاء ومطالبة الغاصب بأجرة المثل) إذا غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ لان فيه تأخر حقه فان فسخ فالحكم كما لو انفسخ العقد بتلف العين وإن لم يفسخ حتى انقضت مدة لاجارة فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى وبين البقاء على العقد ومطالبة الغاصب بأجر المثل لان المعقود عليه لم يفت مطلقا بل إلى بدل وهو القيمة فأشبه ما لو أتلف الثمرة لمبيعة آدمي قبل قطعها، ويتخرج افساخ العقد بكل حال على الرواية التي تقول إن منافع الغصب لا تضمن وهو قول أصحاب الرأي ولاصحاب الشافعي في ذلك اختلاف فان ردت العين في أثناء المدة ولم يكن فسخ استوفى ما بقي منها ويكون فيما مضى من المدة
[ 112 ]
مخيرا كما ذكرنا، وإن كانت الاجارة على عمل كخياطة ثوب أو حمل شئ إلى موضع معين فغصب جمله الذي يحمل عليه أو عبده الذي يخيط له لم ينفسخ العقد، وللمستأجر مطالبة الاجير بعوض المغصوب وإقامة من يعمل العمل لان العقد على ما في الذمة كما لو وجد بالمسلم فيه عيبا فرده فان تعذر البدل ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ والصبر إلى أن يقدر على العين المغصوبة فيستوفي منها (فصل) فان حدث خوف عام يمنع من سكنى المكان الذي فيه العين المستأجرة أو يحصر البلد فيمتنع خروج المستأجر إلى الارض المستأجرة للزرع ونحو ذلك ثبت للمستأجر خيار الفسخ
لانه أمر غالب يمنع من استيفاء المنفعة فأثبت الخيار كغصب العين، ولو اكترى دابة ليركبها أو يحمل عليها إلى موضع معين فانقطعت الطريق إليها لخوف حادث أو اكترى إلى مكة فلم يحج الناس ذلك العام من تلك الطريق ملك كل واحد منهما فسخ الاجارة، وان اختار ابقاها إلى حين امكان استيفاء المنفعة جاز لان الحق لهما، فاما ان كان الخوف خاصا بالمستأجر كمن خاف وحده لقرب أعدائه من الموضع المستأجر أو خلوهم في طريقه لم يملك الفسخ لانه عذر يختص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية أشبه مرضه، وكذلك لو حبس أو مرض لانه ترك استيفاء المنفعة لمعنى من جهته فلم يمنع ذلك وجوب أجرها عليه كما لو تركها اختيارا. قال الخرقي: فان جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الاجرة بقدر مدة انتفاعه وقد شرحناه
[ 113 ]
* (مسألة) * (ومن استؤجر لعمل شئ فمرض أقيم مقامه من يعمله والاجرة عليه) لا خلاف بين أهل العلم في جواز استئجار الآدمي، وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعيه الغنم واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا ليدلهما على الطريق، ولانه يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه فجازت اجارته كالدور. ثم إجارته تنقسم قسمين (أحدهما) استئجاره مدة بعينها لعمل معين كاجارة موسى عليه السلام نفسه ثماني حجج لرعي الغنم (والثاني) استئجاره على معنى في الذمة كاستئجار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رجلا ليدلهما على الطريق، واستئجار رجل لخياطة قميص أو بناء حائط، ويتنوع ذلك بنوعين (أحدهما) أن تقع الاجارة على عين كاجارة عبده لرعاية الغنم أو ولده لعمل معين (والثاني) أن تقع على عمل في الذمة كخياطة قميص وبناء حائط. فمتى كانت على عمل في ذمته فمرض وجب عليه أن يقيم مقامه من يعمله لانه حق وجب في ذمته فوجب عليه إيفاؤه كالمسلم، فيه ولا يلزم المستأجر انظاره لان العقد باطلاقه يقتضي التعجيل وفي التأخير إضرار به، فاما إن كانت الاجارة على عينه في مدة أو غيرها فمرض لم يقم غيره مقامه لان الاجارة وقعت على عمله بعينه لا على شئ في ذمته وعمل غيره ليس بمعقود عليه فأشبه ما لو اشترى معينا لم يجز أن يدفع إليه غيره ولا يبدله له بخلاف ما لو وقع في الذمة فانه يجوز ابدال المعيب ولا ينفسخ العقد بتلف ما يسلمه والمبيع المعين بخلافه فكذلك الاجارة فان كانت الاجارة
على عمل في الذمة لكن لا يقوم غير الاجير مقامه كالنسخ فانه يختلف القصد فيه باختلاف الخطوط لم يكلف اقامة
[ 114 ]
غيره مقامه ولا يلزم المستأجر قبول ذلك ان بذله الاجير لان العوض لا يحصل من غير الناسخ كحصوله منه فأشبه ما لو أسلم إليه في نوع فسلم إليه غيره وكذلك كل ما يختلف باختلاف الاعيان * (مسألة) * (وان وجد العين معيبة فله الفسخ) كما لو وجد المبيع معيبا وقد ذكرناه، وان حدث بها عيب فله الفسح وأجرة ما مضي لان البائع لا يحصل قبضها إلا بالاستيفاء فهي كالمكيل يتعيب قبل قبضه فان بادر المكري إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر كدار تشعثت فأصلحها، ولا خيار للمستأجر لعدم الضرر والا فله الفسخ، وان سكنها مع عيبها فعليه الاجرة علم أو لم يعلم لانه استوفى جميع المعقود عليه معيبا فلزمه البدل كالمبيع المعيب إذا رضيه * (مسألة) * (ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الاجارة إلا أن يشتريها المستأجر فتنفسخ في إحدى الروايتين) يصح بيع العين المستأجرة نص عليه أحمد سواء باعها للمستأجر أو لغيره وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر ان باعها لغير المستأجر لم يصح لان يد المستأجر تمنع التسليم إلى المشتري فمنعت الصحة كما في بيع المغصوب ولنا أن الاجارة عقد على المنافع فلم تمنع الصحة كبيع الامة إذا زوجها، قولهم يد المستأجر تمنع
[ 115 ]
التسليم لا يصح لان يد المستأجر انما هي على المنافع والبيع على الرقبة فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر كما لو باع الامة المزوجة ولانها منعت التسليم في الحال فلا تمنع في الوقت الذي يجب التسليم فيه وهو عند انقضاء الاجارة ويكفي القدرة على التسليم حينئذ كالمسلم فيه وقال أبو حنيفة البيع موقوف على اجازة المستأجر فان أجازه جائز وبطلت الاجارة وان رده بطل ولنا أن البيع على غير المعقود عليه في الاجارة فلم تعتبر اجازته كبيع الامة المزوجة. إذا ثبت هذا
فان المشتري يملك المبيع مسلوب المنفعة إلى حين انقضاء الاجارة ولا يستحق تسليم العين إلا حينئذ لان تسليم العين انما يراد لاستيفاء نفعها وانما يستحق نفعها إذا انقضت الاجارة فهو كمن اشترى عينا في مكان بعيد لا يستحق تسليمها إلا بعد مضي مدة يمكن احضارها فيه وكالمسلم إلى وقت لا يستحق تسليم المسلم فيه الا في وقته، فان لم يعلم المشتري بالاجارة خير بين الفسخ وامضاء البيع بكل الثمن لان ذلك عيب ونقص (فصل) ويصح بيعها للمستأجر لانه إذا صح بيعها لغيره فله أولى لان العين في يده وهل تبطل الاجارة؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تبطل لانه ملك المنفعة ثم ملك الرقبة المسلوبة بعقد آخر فلم يتنافيا كما يملك الثمرة بعقد ثم يملك الاصل بعقد آخر، ولو أجر الموصى له بالمنفعة مالك الرقبة صحت الاجارة فدل على أن ملك المنفعة لا ينافي العقد على الرقبة ولذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها جاز، فعلى هذا يكون الاجر باقيا على المشتري وعليه الثمن ويجتمعان للبائع كما لو كان المشتري غيره
[ 116 ]
(والثاني) تبطل الاجارة فيما بقي من المدة لانه عقد على منفعة العين فبطل بملك العاقد الرقبة كما لو تزوج أمة ثم اشتراها بطل نكاحه ولان ملك الرقبة يمنع ابتداء الاجارة فمنع استدامتها كالنكاح، فعلى هذا يسقط عن المشتري الاجر فيما بقي من مدة الاجارة كما لو بطلت الاجارة بتلف العين وان كان المؤجر قد قبض الاجر كله حسبه عليه من الثمن ان كان من جنس الثمن (فصل) فان رد المستأجر العين المستأجرة فالحكم فيه كما لو اشتراها في بطلان الاجارة وبقائها فلو استأجر انسان من أبيه دارا ثم مات الاب وخلف ابنين (أحدهما) المستأجر فالدار بينهما نصفين والمستأجر أحق بمنفعتها لان النصف الذي لاخيه الاجارة باقية فيه والنصف الذي ورثه يستحقه اما بحكم الملك أو بحكم الاجارة وما عليه من الاجرة بينهما نصفين، فان كان ابوه قد قبض الاجر لم يرجع على أخيه بشئ منه ولا على تركة أبيه ويكون ما خلفه أبوه بينهما نصفين لانه لو رجع بشئ أفضى إلى أن يكون قد ورث النصف بمنفعته وورث أخوه نصفا مسلوب المنفعة والله سبحانه قد سوى بينهما في الميراث ولانه لو رجع بنصف أجر النصف الذي انتقضت الاجارة فيه لوجب أن يرجع أخوه بنصف المنفعة التي بطلت الاجارة فيها إذ لا يمكن أن يجمع له بين المنفعة وأخذ عوضها من غيره
(فصل) فان اشترى المستأجر العين فوجدها معيبة فردها فان قلنا لا تنفسخ الاجارة بالبيع فهي باقية بعد رد العين كما كانت قبل البيع، وان قلنا قد انفسخت فالحكم فيها كما لو انفسخت بتلف العين
[ 117 ]
فان كان المشتري أجنبيا فرد المستأجر الاجارة لعيب فينبغي أن تعود المنفعة إلى البائع لانه يستحق عوضها على المستأجر وإذا سقط العوض عاد إليه المعوض، ولان المشتري ملك العين مسلوبة المنفعة مدة الاجارة فلا يرجع إليه ما لم يملكه، وقال بعض أصحاب الشافعي يرجع إلى المشتري لان المنفعة تابعة للرقبة وإنما استحقت بعقد الاجارة فإذا زالت عادت إليه كما لو اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قال شيخنا ولا يصح هذا القياس لان منفعة البضع قد استقر عوضها للبائع بمجرد دخول الزوج بها ولا ينقسم العوض على المدة ولهذا لا يرجع الزوج بشئ من الصداق فيما إذا انفسخ النكاح أو وقع الطلاق بخلاف الاجر في الاجارة فان المؤجر يستحق الاجر في مقابلة المنفعة مقسوما على مدتها فإذا كان له عوض المنفعة المستقبلة فزال بالفسخ رجع إليه بعوضها وهو المنفعة، ولان منفعة البضع لا يجوز أن تملك بغير ملك الرقبة أو النكاح فلو رجعت إلى البائع لملكت بغيرهما ولانها مما لا يجوز الزوج نقلها إلى غيره ولا المعاوضة عنها ومنفعة البدن بخلافها (فصل) وإذا وقعت الاجارة على عين كمن استأجر عبدا للخدمة أو للرعي فتلف انفسخ العقد وقد ذكرناه وإن خرجت العين مستحقة تبينا أن العقد باطل وان وجد بها عيبا فردها انفسخ العقد أيضا ولم يملك إبدالها لان العقد على معين فتثبت هذه الاحكام كمن اشترى عينا، وإن وقعت على عين موصوفة في الذمة انعكست هذه الاحكام فمن سلم إليه عينا فتلفت أو خرجت مغصوبة أو وجد بها عيبا فردها لم تنفسخ الاجارة
[ 118 ]
ولزم المؤجر ابدالها لان المعقود عليه غير هذه العين وهذه بدل عنه فلم يؤثر ذلك في ابطال العقد كما لو اشترى بثمن في الذمة على ما قرر في موضعه، فان قيل فقد قلتم فيمن اكترى جملا ليركبه جاز أن يركبه من هو مثله ولو اكترى أرضا لزرع شئ بعينه جاز له زرع ما هو مثله أو دونه في الضرر فلم قلتم إذا اكترى جملا بعينه لا يجوز أن يبدله؟ قلنا: المعقود عليه منفعة العين فلم يجز أن يدفع إليه غير المعقود عليه كما لو
اشترى عينا لا يجوز ان يأخذ غيرها والراكب غير معقود عليه انما هو مستوف للمنفعة وانما يشترط معرفته ان تقدر به المنفعة لا لكونه معقودا عليه وكذلك الزرع في الارض فانما يعين ليعرف به قدر المنفعة المستوفاة فيجوز الاستيفاء بغيرها كما لو وكل المشتري غيره في استيفاء المبيع ألا ترى أنه لو تلف البعير أو الارض انفسخت الاجارة ولو مات الراكب أو تلف البذر لم تنفسخ وجاز أن يقوم غيره مقامه فافترقا. * (فصل) * قال الشيخ رضي الله عنه (ولا ضمان على الاجير الخاص وهو الذي يسلم نفسه إلى المستأجر فيما تلف في يده الا ان يتعدى) وجملته ان الاجير على ضربين خاص ومشترك: فالخاص الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها كمن استؤجر لخدمة أو خياطة أو رعاية شهرا أو سنة، سمي خاصا لان المستأجر يختص بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس والمشترك الذي يقع العقد معه على عمل معين
[ 119 ]
كخياطة ثوب أو بناء حائط وحمل شئ إلى مكان معين أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها كالكحال والطبيب سمي مشتركا لانه يتقبل أعمالا لاثنين أو أكثر في وقت واحد ويعمل لهم فيشتركون في منفعته فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته، فاما الاجير الخاص فلا ضمان عليه ما لم يتعد قال أحمد في رواية مهنا في رجل أمر غلامه يكيل لرجل بزرا فسقط الرطل من يده فانكسر لا ضمان عليه، فقيل أليس هو بمنزلة القصار؟ قال لا القصار مشترك قيل فرجل اكترى رجلا يستقي ماء فكسر الجرة؟ فقال لا ضمان عليه قيل له فان اكترى رجلا يحرث له على بقرة فكسر الذي يحرث به؟ قال لا ضمان عليه وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه وظاهر مذهب الشافعي وله قول آخر أن جميع الاجراء يضمنون وروى في مسنده ان عليا كان يضمن الاجراء ويقول لا يصلح للناس الا هذا ولنا أن عمله غير مضمون عليه فلم يضمن ما تلف به كالقصاص وقطع يد السارق وخبر علي مرسل والصحيح فيه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وان روي مطلقا حمل على هذا فان المطلق يحمل على المقيد ولان الاجير الخاص نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به فلم يضمن من
غير تعد كالوكيل والمضارب. فأما ما لف بتعديه فعليه ضمانه مثل الخباز الذي يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته أو يتركه بعد وقته حتى يحترق لانه تلف بتعديه فضمن كغير الاجير (فصل) وان استأجر الاجير المشترك أجيرا خاصا كالخياط في دكان يستأجر أجيرا مدة يستعمله
[ 120 ]
فيها فيقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجير فخرقه أو أفسده لم يضمنه لانه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لانه أجير مشترك * (مسألة) * (ويضمن الاجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله) قد ذكرنا ان الاجير المشترك هو الصانع الذي لا يختص المستأجر بنفعه فيضمن ما جنت يده كالحائك إذا أفسد حياكته فهو ضامن لما أفسد نص عليه أحمد في رواية ابن منصور والقصار ضامن لما يتخرق من دقه أو مده أو عصره أو بسطه والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه والخباز ضامن لما أفسد من خبزه والحمال يضمن لما يسقط من حمله عن دابته أو تلف من عثرته والجمال يضمن ما تلف بقود وسوقه وانقطاع حبله الذي يشد به حمله والملاح يضمن ما تلف من مدة أو جذفه أو ما يعالج به السفينة، روي ذلك عن عمر وعلى وعبد الله بن عتبة وشريح والحسن والحكم، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يضمن ما لم بتعد قال الربيع هذا مذهب الشافعي وان لم يبح به يروى ذلك عن عطاء وطاوس وزفر ولانها عين مقبوضة بعقد الاجارة فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة ولنا ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وقال لا يصلح الناس الا على ذلك وروى الشافعي باسناده عن علي أنه كان يضمن الاجراء ويقول لا يصلح الناس الا هذا
[ 121 ]
ولان عمل الاجير المشترك مضمون عليه فما تولد منه يجب أن يكون مضمونا كالعدوان بقطع عضو بخلاف الاجير الخاص والدليل على أن عمله مضمون عليه أنه لا يستحق العوض الا بالعمل وان الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله. من ضمانه بخلاف الخاص فانه
إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة وان لم يعمل وما عمل فيه من شئ فتلف من حرزه لم يسقط أجره بتلفه (فصل) ذكر القاضي ان الاجير المشترك انما يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه كالخباز يخبز في تنوره والقصار والخياط في دكانيهما قال ولو دعا الرجل خبازا فخبز له في داره أو خياطا أو قصارا ليقصر ويخيط عنده لا ضمان عليه فيما أتلف ما لم يفرط لانه سلم نفسه إلى المستأجر فصار كالاجير الخاص ولو كان صاحب المتاع مع الملاح في السفينة أو راكبا على الدابة فوق حمله فعطب الحمل لا ضمان على الملاح والمكاري لان يد صاحب المتاع لم تزل، ولو كان رب المتاع والجمال راكبين على الحمل فتلف حمله لم يضمن الجمال لان رب المتاع لم يسلمه إليه ومذهب مالك والشافعي نحو هذا قال أصحاب الشافعي لو كان العمل في دكان الاجير والمستأجر حاضر أو اكتراه ليعمل له شيئا وهو معه لم يضمن لان يده عليه فلم يضمن من غير جناية ويجب له أجر عمله لان يده عليه فكلما عمل شيئا صار مسلما إليه، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره أو كان صاحب العمل
[ 122 ]
حاضرا عنده أو غائبا أو كونه مع الملاح أو الجمال أو لا ولذلك قال ابن عقيل ما تلف بجناية الملاح بجذفه أو بجناية المكاري بشده المتاع ونحوه فهو مضمون عليه سواء كان صاحب المتاع معه أو لم يكن لان وجوب الضمان عليه لجناية يده فلا فرق بين حضور المالك وغيبته كالعدوان، ولان جناية الجمال والملاح إذا كان صاحب المتاع راكبا معه تعم المتاع وصاحبه وتفريطه يعمهما فلم يسقط ذلك الضمان كما لو رمى انسانا متترسا فكسر ترسه وقتله، ولان الطبيب والختان إذا جنت يداهما ضمنا مع حضور المطبب والمختون، وقد ذكر القاضي أنه لو كان حمالا يحمل على رأسه ورب المتاع معه فعثر فسقط المتاع فتلف ضمن وان سرق لم يضمن لانه في العثار تلف بجنايته والسرقة ليست من جنايته ورب المال لم يحل بينه وبينه وهذا يقتضي أن تلفه بجنايته مضمون عليه سواء حضر رب الما أو غاب بل وجوب الضمان في محل النزاع أولى لان الفعل في ذلك المكان مقصود لفاعله والسقطة من الحمال غير مقصودة له فإذا وجب الضمان ههنا فثم أولى
(فصل) وذكر القاضي أنه إذا كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا فلا ضمان على المكاري فيما تلف من سوقه وقوده إذ لا يضمن بني آدم من جهة الاجارة لانه عقد على منفعة، والاولى وجوب الضمان لان الضمان ههنا من جهة الجناية فوجب أن يعم بني آدم وغيرهم كسائر الحيوانات وما ذكره ينتقض بجناية الطبيب والخاتن
[ 123 ]
* (مسألة) * (ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله ولا أجرة له فيما عمل فيه وعنه يضمن) اختلفت الرواية عن أحمد في الاجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه من غير تعد منه ولا تفريط فروي عنه لا يضمن في رواية ابن منصور وهو قول طاوس وعطئ وأبي حنيفة وزفر وقول للشافعي، وروي عن أحمد ان كان هلاكه بما يستطاع ضمنه وان كان غرقا أو عدوا غالبا فلا ضمان عليه قال أحمد في رواية أبي طالب إذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه وان كان عدوا أو غرقا فلا ضمان ونحو هذا قال أبو يوسف، والصحيح في المذهب الاول وهذه الرواية تحتمل أنه انما أوجب عليه الضمان إذا تلف من بين متاعه خاصة لانه يتهم ولهذا قال في الوديعة في رواية إنه يضمن إذا ذهبت من بين ماله فاما في غير ذلك فلا ضمان عليه لان تخصيصه التضمين بما إذا أتلف من بين ماله يدل على أنه لا يضمن إذا تلف مع متاعه، ولانه إذا لم يكن منه تفريط ولا عدوان لم يجب عليه الضمان كما لو تلف بأمر غالب، وقال مالك وابن أبي ليلى يضمن بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " ولانه قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فلزمه ضمانها كالمستعير ولنا أنها عين مقبوضة بعقد الاجارة لم يتلفها بفعله فلم يضمنها كالعين المستأجرة ولانه قبضها باذن مالكها لنفع يعود اليهما فلم يضمنها كالمضارب والشريك والمستأجر ويخالف العارية فانه ينفرد بنفعها والخبر مخصوص بما ذكرنا من الاصول فنخص محل النزاع بالقياس عليها. إذا ثبت هذا
[ 124 ]
فانه لا أجر له فيما عمل فيها لانه لم يسلم عمله إلى المستأجر فلم يستحق عوضه كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد البائع قبل تسليمه
* (مسألة) * (ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا نزاع ولا طبيب إذا علم منهم حذق ولم تجن أيديهم) وجملة ذلك أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين (أحدهما) أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم لانه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة القطع فإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما فضمن سرايته كالقطع ابتداء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من تطبب بغير علم فهو ضامن " رواه أبو داود (والثاني) أن لا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع. فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا لانهم قطعوا قطعا مأذونا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الامام يد السارق، فاما ان كان حاذقا وجنت يده مثل أن يجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها أو يقطع في غير محل القطع أو قطع سلعة من انسان فتجاوز بها موضع القطع أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله لانه اتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ فأشبه اتلاف المال ولانه فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، وكذلك الحكم في النزاع والقاطع في القصاص وقاطع يد السارق وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا (فصل) فان ختن صبيا بغير اذن وليه أو قطع سلعة من انسان بغير اذنه أو من صبي بغير
[ 125 ]
إذن وليه فسرت جنايته ضمن لانه قطع غير مأذون فيه وإن فعل ذلك الحاكم أو وليه أو فعله من أذنا له لم يضمن لانه ماذون فيه شرعا * (مسألة) * (ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) يصح استئجار الراعي بغير خلاف علمناه وقد أجر موسى عليه السلام نفسه لرعاية الغنم. إذا ثبت ذلك فانه لا يضمن ما تلف من الماشية إذا لم يتعد أو يفرط في حفظها لا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن الشعبي انه كان يضمن الراعي ولنا أنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد ولا تفريط كالمودع ولانه قبض العين بحكم الاجارة فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة، فاما ما تلف بتعديه فيضمنه بغير خلاف مثل أن ينام عن الماشية أو يغفل عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره وحفظه أو يسرف في ضربها
أو يضربها في غير موضع الضرب أو من غير حاجة إليه أو يسلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف وأشباه هذا مما يعد تفريطا وتعديا فتتلف به فيضمنها لانها تلفت بعدوانه فضمنها كالمودع إذا تعدى، فان اختلفا في التعدي وعدمه فالقول قول الراعي لانه أمين وإن فعل فعلا اختلفا في كونه تعديا رجع إلى أهل الخبرة، ولو جاء بجلد شاة وقال ماتت قبل قوله ولم يضمن وعن أحمد انه لا يقبل قوله ويضمن والصحيح الاول لان الامناء يقبل قولهم كالمودع، ولانه يتعذر عليه إقامة البينة في الغالب أشبه المودع وكذلك إذا ادعى موتها ولم يأت بجلدها
[ 126 ]
(فصل) ولا يصح العقد في الرعي إلا على مدة معلومة لان العمل لا ينحصر، ويجوز العقد على رعي ماشية معينة وعلى جنس في الذمة فان عقد على معينة كمائة شاة معينة فذكر أصحابنا أنه يتعلق بأعيانها كما لو استأجره لخياطة ثوب بعينه فلا يجوز ابداله، ويبطل العقد بتلفها فان تلف بعضها بطل العقد فيه وله أجر ما بقي بالحصة، وإن ولدت لم يكن عليه رعي سخالها لانها زيادة لا يتناولها العقد ويحتمل أن لا يتعلق باعيانها لانها ليست المعقود عليها انما لتستوفى المنفعة بها فأشبه ما لو استأجر ظهرا ليركبه فله أن يركب غيره مكانه، ولو استأجر دارا ليسكنها فله أن يسكنها مثله وانما المعقود عليه منفعة الراعي ولهذا تجب له الاجرة إذا سلم نفسه وإن لم يرع، ويفارق الثوب في الخياطة لان الثياب في مظنة الاختلاف في سهولة خياطتها ومشقتها بخلاف الرعي. فعلى هذا له ابدالها بمثلها وإن تلف بعضها لم ينفسخ العقد فيه وكان له ابداله. (فصل) فان وقع العقد على موصوف في الذمة فلابد من ذكر جنس الحيوان ونوعه ابلا أو بقرا أو غنما أو ضأنا أو معزا وان أطلق ذكر البقر والابل لم يتناول الجواميس والبخاتي لان اطلاق الاسم لا يتناولها عرفا إلا أن يقع العقد في مكان يتناولها الاسم فيحتاج إلى ذكر نوع ما يرعاه منها كالغنم لان كل نوع له أثر في اتعاب الراعي ويذكر الكبر والصغر فيقول كبارا أو صغارا أو عجاجيل أو فصلانا إلا أن يكون ثم قرينة أو عرف صارف إلى بعضها فيكتفي بذلك، ومتي عقد على عدد موصرف كالمائة لم يجب عليه رعي زيادة من سخالها ولا من غيرها، وان أطلق ولم يذكر
[ 127 ]
عددا لم يجز وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال القاضي يصح ويحمل على ما جرت به العادة كالمائة من الغنم ونحوها، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، والاول أصح لان العادة في ذلك تختلف وتتباين كثيرا والعمل يختلف باختلافه * (مسألة) * (وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه) لانه لم يرهنه عنده ولا اذن له في امساكه فلزمه الضمان كالغاصب * (مسألة) * (فان أتلف الثوب بعد عمله خير المالك بين تضمينه اياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه اياه معمولا ويدفع إليه الاجرة) وكذلك لو وجب عليه ضمان المتاع المحمول فصاحبه مخير بين تضمينه قيمته في الموضع الذي سلمه إليه ولا أجرة له، وبين تضمينه اياه في الموضع الذي أفسده ويعطيه الاجرة إلى ذلك المكان، وانما كان كذلك لانه إذا أحب تضمينه معمولا أو في المكان الذي أفسده فيه فله ذلك لانه ملكه في ذلك الموضع على تلك الصفة فملك المطالبة بعوضه حينئذ، وان أحب تضمينه قبل ذلك فلان أجر العمل لا يلزمه قبل تسليمه وما سلم إليه فلا يلزمه (فصل) إذا أخطأ القصار فدفع الثوب إلى غير مالكه فعليه ضمانه لانه فوته على مالكه قال أحمد يغرم القصار ولا يسع المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس بثوبه ويرده إلى القصار ويطالبه بثوبه فان لم
[ 128 ]
يعلم القابض حتى قطعه ولبسه ثم علم رده مقطوعا وضمن أرش القطع وله مطالبته بثوبه ان كان موجودا وان هلك عند القصار ضمنه في إحدى الروايتين لانه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه فضمنه كما لو علم (والثانية) لا يضمنه لانه لا يمكنه رده فأشبه ما لو عجز عن دفعه لمرض (فصل) والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر ان تلفت بغير تفريط لم يضمنها قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن الذين يكرون الخيمة إلى مكة فتذهب من المكتري بسرق هل يضمن قال أرجو أن لا يضمن وكيف يضمن؟ إذا ذهب لا يضمن ولا نعلم في هذا خلافا لانه قبض العين لاستيفاء
منفعة يستحقها منها فكانت أمانة كما لو قبض لعبد الموصى له بخدمته سنة أو قبض الزوج امرأته الامة ويخالف العارية فانه لا يستحق منفعتها وإذا انقضت المدة فعليه رفع يده عنها وليس عليه الرد أومأ إليه في رواية ابن منصور قيل له إذا اكترى دابة أو استعار أو استودع فليس عليه أن يحملها فقال أحمد من استعار شيئا فعليه رده من حيث أخذه فأوجب الرد في العارية ولم يوجبه في الاجارة والوديعة ووجه ذلك أنه عقد لا يقتضي الضمان فلا يقتضي رده ومؤنته كالوديعة بخلاف العارية فان ضمانها يجب فكذلك ردها. وعلى هذا متى انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعة ان تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم يضمن لانه بعد انقضاء الاجارة غير مأذون له في امساكه أشبه العارية المؤقتة بعد وقتها
[ 129 ]
ولنا أنها أمانة أشبهت الوديعة ولانه لو وجب ضمانها لوجب ردها، أما العارية فانها مضمونة بكل حال بخلاف مسئلتنا ولانه يجب ردها ومتى طلبها صاحبها وجب تسليمها إليه فان امتنع من ذلك لغير عذر صارت مضمونة كالمغصوبة (فصل) فان شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد لانه ينافي مقتضى العقد وتفسد به الاجارة في أحد الوجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع قال أحمد فيما إذا اشترط ضمان العين الكراء والضمان مكروه، روي الاثرم باسناده عن ابن عمر قال لا يصلح الكراء بالضمان، وعن فقهاء المدينة أنهم كانوا يقولون لا يكري بضمان إلا أنه من شرط على كري الا ينزل بمتاعه بطن واد ولا يسير به ليلا مع اشباه هذه الشروط فتعدى ذلك فتلف شئ مما حمل في ذلك التعدي فهو ضامن فاما غير ذلك فلا يصح شرط الضمان فيه، وان شرطه لم يصح لان ما لا يجب ضمانه لا يصير مضمونا بالشرط وعن أحمد أنه سئل عن ذلك فقال: المسلمون على شروطهم وهذا يدل على وجوب الضمان بشرطه وسنذكر ذلك في العارية فاما ان أكراه عينا وشرط أن لا يسير بها في الليل أو وقت القائلة أو لا يتاخر بها عن القافلة أو لا يجعل سيره في آخرها وأشباه هذا مما فيه غرض مخالف ضمن لانه متعد لشرط كريه فضمن ما تلف به كما لو شرط عليه ألا يحمل الا قفيزا فحمل قفيزين، وحكم الاجارة
الفاسدة حكم الصحيحة في أنه لا يضمن إذا تلفت العين من غير تفريط ولا تعد لانه عقد لا يقتضي
[ 130 ]
الضمان صحيحه فلا يقتضيه فاسده كالوكالة وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان وعدمه حكم صحيحه فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده ومالا فلا * (مسألة) * (إذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة أو كبحها أو الرائض الدابة لم يضمن) وجملة ذلك ان للمستأجر ضرب الدابة بما جرت به العادة ويكبحها باللجام للاستصلاح ويحثها على السير ليلحق القافلة فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نخس بعير جار وضربه وكان أبو بكر رضي الله عنه يحرش بعيره بمحجنه، وللرائض ضرب الدابة للتأدب وترتيب المشي والعد واليسير * (مسألة) * (وكذلك المعلم إذا ضرب الصبي للتاديب) قال الاثرم سئل أحمد عن ضرب المعلم الصبيان قال على قدر ذنوبهم ويتوقى بجهده الضرب، وإذا كان صغيرا لا يعقل فلا يضربه ومتى ضرب من هؤلاء كلهم الضرب المأذون فيه لم يضمن ما تلف في الدابة وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابو يوسف ومحمد، وقال الثوري وابو حنيفة يضمن لانه تلف بجنايته فضمن كغير المستأجر، وكذلك قال الشافعي في المعلم يضرب الصبي لانه يمكنه تأديبه بغير الضرب ولنا أنه تلف من فعل مستحق فلم يضمن كما لو تلف تحت الحمل ولان الضرب معنى تضمنه الاجارة فإذا تلف منه لم يضمن كالركوب وفارق غير المستأجر لانه متعد، وقول الشافعي يمكن التأديب بغير
[ 131 ]
الضرب لا يصح فان العادة خلافه ولو أمكن التأديب بغير الضرب لما جاز الضرب إذ فيه ايلام لا حاجة إليه فان أسرف في هذا كله أو زاد على ما يحصل الغنى به أو ضرب من لا عقل له من الصبيان فعليه الضمان لانه متعد حصل التلف بعدوانه، وحكم ضرب الرجل امرأته في النشوز على ما ذكرنا قياسا على الصبي * (مسألة) * (وان قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصا فالقول قول الخياط نص عليه) إذا اختلف المؤجر والمستأجر فقال أذنت لي في قطعه قميص امرأة قال أذنت لك في قطعه
قميص رجل أو قال أذنت لي في قطعه قميصا قال بل قباء أو قال الصباغ أمرتني بصبغه أحمر قال بل أسود فالقول قول الخياط والصباغ نص عليه احمد في رواية ابن منصور وهذا قول ابن أبي ليلى وقال مالك وابو حنيفة وابو ثور القول قول صاحب الثوب واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال له قولان كالمذهبين ومنهم من قال له قول ثالث انهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن ومنهم من قال الصحيح ان القول قول رب الثوب لانهما اختلفا في صفة اذنه والقول قوله في أصل الاذن فكذلك في صفته ولان الاصل عدم الاذن المختلف فيه فالقول قول من ينفيه ولنا أنهما اتفقا على الاذن واختلفا في صفته فكان القول قول المأذون له كالمضارب إذا قال: أذنت لي في البيع نساء فأنكره ولانهما اتفقا على ملك الخياط القطع والصباغ الصبغ والظاهر أنه فعل ما ملكه واختلفا في لزوم الغرم له والاصل عدمه فعلى هذا يحلف الخياط والصباغ: لقد أذنت لي
[ 132 ]
في قطعه قباء وصبغه أحمر، ويسقط عنه الغرم ويستحق أجر المثل لانه ثبت وجود فعله المأذون فيه بعوض ولا يستحق المسمى لان المسمى ثبت بقوله ودعواه فلا يجب بيمينه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " أخرجه مسلم فاما المسمى في العقد فانما يعترف رب الثوب بتسميته أجرا لقطعه قميصا أو صبغه أسود، وأما من قال القول قول رب الثوب فانه يحلف بالله ما أذنت في قطعه قباء ولا صبغه أحمر ويسقط عنه المسمى ولا يجب للخياط والصباغ أجر لانهما فعلا غير ما أذن لهما فيه، وذكر ابن أبي موسي رواية أخرى عن احمد أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الاقبية والسواد فالقول قوله وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع وضمان ما أفسد ولا أجر له لان قرينة حال رب الثوب تدل على صدقه فترجح دعواه بها كما لو اختلف الزوجان في متاع البيت رجحنا دعوى كل واحد منهما فيما يصلح له ولو اختلف صانعان في الآلة التي في دكانهما رجحنا قول كل واحد منهما في آلة صناعته فعلى هذا يحلف رب الثوب ما اذنت لك في قطعه قباء ويكفي هذا لانه ينتفي به الاذن فيصير قاطعا لغير ما أذن فيه فإذا كان القباء مخيطا بخيوط لمالكه لم يملك الخياط فتقه وكان لمالكه أخذه مخيطا بلا عوض لانه عمل في ملك
غيره عملا مجردا عن عين مملوكة له فلم يكن له إزالته كما لو نقل ملك غيره من موضع إلى موضع لم يكن له رده إذا رضي صاحبه بتركه فيه وإن كانت الخيوط للخياط فله نزعها لانها عين ماله ولا يلزمه
[ 133 ]
أخذ قيمتها لانها ملكه ولا يتلف بأخذها ماله حرمة فان اتفقا على تعويضه عنها جاز لان الحق لهما وإن قال رب الثوب أنا أشد في كل خيط خيطا حتى إذا سلمه عاد خيط رب الثوب في مكانه لم يلزم الخياط الاجابة إلى ذلك لانه انتفاع بملكه وحكم الصباغ في قلع الصبغ إن اختاره وفي غير ذلك من أحكامه حكم صبغ الصباغ على ما يأتي في بابه قال شيخنا " والذي يقوى عندي أن القول قول رب الثوب لما ذكرنا في دليلهم وما قاسوا عليه فيما إذا قال المضارب أذنت لي في البيع نساء فأنكر رب المال ان القول قول المشارب ممنوع (فصل) إذا دفع إلى خياط ثوبا فقال: ان كان يقطع قميصا فاقطعه، فقال: هو يقطع وقطعه، فلم يكف ضمنه، أو قال أنظر هذا يكفيني قميصا؟ قال نعم، قال اقطعه فقطعه فلم يكفه، لم يضمن وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور لا ضمان عليه في المسئلتين لانه لو كان غره في الاولى لكان قد غره في الثانية. ولنا أنه انما أذن له في الاولى بشرط كفايته فقطعه بدون شرطه، وفي الثانية اذن له من غير شرط فافترقا ولم يجب عليه الضمان في الاولى لتغريره بل لعدم الاذن في قطعه لان اذنه مقيد بشرط كفايته فلا يكون اذنا في غير ما وجد فيه الشرط بخلاف الثانية. (فصل) فان أمره أن يقطع الثوب قميص رجل فقطعه قميص امرأة فعليه غرم ما بين قيمته صحيحا
[ 134 ]
ومقطوعا لان هذا قطع غير مأذون فيه فأشبه ما لو قطعه من غير إذن وقيل يغرم ما بين قميص رجل وقميص امرأة لانه مأذون في قميص في الجملة والاول أصح لان المأذون فيه قميص موصوف بصفة فإذا قطع قميصا غيره لم يكن فاعلا لما أذن فيه فكان متعديا بابتداء القطع ولذلك لا يستحق على القطع أجرا ولو فعل ما أمر به لاستحق أجره
(فصل) إذا دفع إلى حائك غزلا فقال انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع فنسجه زائدا على ما قدر له في الطول والعرض فلا أجر له في الزيادة لانه غير مأمور بها وعليه ضمان ما نقص الغزل المنسوج فيها فاما ما عدا الزائد فينظر فيه فان كان جاءه زائدا في الطول وحده ولم ينقص الاصل بالزيادة فله ما سمى له من الاجر كما لو استأجره أن يضرب له مائة لبنة فضرب له مائتين وإن جاء به زائدا في العرض وحده أو فيهما ففيه وجهان (أحدهما) لا أجر له لانه مخالف لامر المستأجر فلم يستحق شيئا كما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض ذراعين (والثاني) له المسمى لانه زاد على ما أمره به فاشبه زيادة الطول ومن قال بالوجه الاول فرق بين الطول والعرض بأنه يمكن قطع الزائد في الطول ويبقى الثوب على ما أراد ولا يمكن ذلك في العرض فاما ان جاء به ناقصا في الطول والعرض أو في أحدهما ففيه أيضا وجهان (أحدهما) لا أجر له وعليه ضمان نقص الغزل لانه مخالف لما أمر به فاشبه ما لو استأجره على بناء حائط عرض ذراع فبناه عرض نصف ذراع (والثاني) له بحصته
[ 135 ]
من المسمى كمن استؤجر على ضرب لبن فضرب بعضه ويحتمل انه ان جاء به ناقصا في العرض فلا شئ له وإن كان ناقصا في الطول فله بحصته من المسمى لما ذكرنا من الفرق بين الطول والعرض وإن جاء به زائدا في أحدهما ناقصا في الآخر فلا أجر له في الزائد وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل فيه. وقال محمد بن الحسن في الموضعين يتخير صاحب الثوب بين دفع الثوب إلى النساج ومطالبته بثمن غزله وبين أن يأخذه ويدفع إليه المسمى في الزائد وبحصة المنسوج في الناقص لان غرضه لم يسلم له لانه ينتفع بالطويل ما لا ينتفع بالقصير وينتفع بالقصير ما لا ينتفع بالطويل فكأنه أتلف عليه غزله ولنا انه وجد عين ماله فلم يكن له مطالبته بعوض كما لو جاء به زائدا في الطول وحده فأما إن أثرت الزيادة أو النقص في الاصل مثل أن يأمره بنسج عشرة أذرع ليكون الثوب صفيقا فنسجه خمسة عشر فصار خفيفا أو بالعكس فلا أجر له بحال وعليه ضمان نسج الغرل لانه لم يأت بشئ مما أمر به (فصل) إذا اختلف المتكاريان في قدر الاجر فقال أجرتنيها سنة بدينار قال بل بدينارين تخالفا
ويبدأ بيمين الآجر نص عليه أحمد وهو قول الشافعي لان الاجارة نوع من البيع فإذا تحالفا قبل مضي شئ من المدة فسخا العقد ورجع كل واحد منهما في ماله وان رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر أقر العقد وان فسخا العقد بعد المدة أو شئ منها سقط المسمى ووجب أجر المثل كما لو اختلفا في المبيع
[ 136 ]
بعد تلفه وهذا قول الشافعي وبه قال أبو حنيفة إن لم يكن عمل العمل وان كان عمله فالقول قول المستأجر فيما بينا وبين أجر مثله، وقال أبو ثور القول قول المستأجر لانه منكر للزيادة في الاحر والقول قول المنكر ولنا ان الاجارة نوع من البيع فيتحالفان عند اختلافهما في عرضها كالبيع وكما قبل أن يعمل العمل عند أبي حنيفة، وقال ابن أبي موسى القول قول المالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اختلفا المتبايعان فالقول ما قال البائع " وهذا يحتمل أن يتناول ما إذا اختلفا في المدة وأما إذا اختلفا في العوض فالصحيح أنهما يتحالفان لما ذكرناه (فصل) فان اختلفا في المدة فقال أجرتكها سنة بدينار فقال بل سنتين بدينارين فالقول قول المالك لانه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره كما لو قال بعتك هذا العبد بمائة فقال بل هذين العبدين بمائتين، وإن قال أجرتكها سنة بدينار فقال بل سنتين بدينار فههنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة فيتحالفان لانه لم يوجد الاتفاق منهما على مدة بعوض فصار كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة وان قال المالك أجرتكها سنة بدينار فقال الساكن بل استأجرتني على حفظها بدينار، فقال احمد القول قول رب الدار الا أن تكون للساكن بينة وذلك لان سكنى الدار قد وجد من الساكن واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها والقول قوله في ملكه والاصل عدم استئجاره للساكن في الحفظ فكان القول قول من ينفيه ويجب على الساكن أجر المثل
[ 137 ]
(فصل) فان اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فالقول قول المستأجر لانه أمين فاشبه المودع ولان الاصل عدم العدوان والبراءة من الضمان وان ادعى أن العبد أبق من يده وان الدابة شردت
أو نفقت وأنكر المؤجر فالقول قول المستأجر لما ذكرنا ولا أجر عليه إذا حلف أنه ما انتفع بها لان الاصل عدم الانتفاع وعنه القول قول المؤجر لان الاصل السلامة فأما ان ادعى أن العبد مرض في يده فان جاء به صحيحا فالقول قول المالك سواء وافقه العبد أو خالفه نص عليه أحمد وان جاء به مريضا فالقول قول المستأجر وهذا قول أبي حنيفة لانه إذا جاء به صحيحا فقد ادعى ما يخالف الاصل وليس معه دليل عليه وان جاء به مريضا فقد وجد ما يخالف الاصل يقينا فكان القول قوله في مدة المرض لانه أعلم بذلك لكونه في يده وكذلك لو ادعى اباقه في حال اباقه ونقل اسحاق بن منصور عن احمد أنه يقبل قوله في اباق العبد دون مرضه، وبه قال الثوري واسحاق قال أبو بكر وبالاول أقول لانهما سواء في تفويت منفعته فكانا سواء في دعوى ذلك وان هلكت العين فاختلفا في وقت هلاكها أو أبق العبد أو مرض واختلفا في وقت ذلك فالقول قول المستأجر لان الاصل عدم العمل ولان ذلك حصل في يده وهو أعلم به * (فصل) * قال المصنف رحمه الله (وتجب الاجرة بنفس العقد الا أن يتفقا على تأخيرها) متى أطلق العقد في الاجارة ملك المؤجر الاجرة بنفس العقد كما يملك البائع الثمن بالبيع
[ 138 ]
وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يملكها ولا يستحق المطالبة بها الا يوما بيوم الا أن يشترط تعجيلها قال أبو حنيفة الا أن تكون معينة كالثوب والدار والعبد لان الله تعالى قال (فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) امر بايتائهن بعد الرضاع وقال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " فتوعده على الامتناع من دفع الاجر بعد العمل دل على انها حالة الوجوب وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " أعطوا الاجير أجره قبل ان يجف عرقه " رواه ابن ماجه ولانه عوض لم يملك معوضه فلم يجب تسليمه كالعوض في العقد الفاسد فان المنافع معدومة لم تلك ولو ملكت فلم يتسلمها لانه يتسلمها شيئا فشيئا فلا يجب عليه العوض مع تعذر التسليم في العقد ولنا أنه عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد كالثمن والصداق أو نقول عوض
في عقد يتعجل بالشرط فوجب أن يتعجل بمطلق العقد كالذي ذكرنا فأما الآية فيحتمل أنه أراد الايتاء عند الشروع في الارضاع أو تسليم نفسها كقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) أي إذا أردت القراءة ولان هذا تمثيل بدليل الخطاب ولا يقولون به وكذلك الحديث يحققه أن الامر بالايتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله كقوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) والصداق يجب قبل الاستمتاع وهذا هو الجواب عن الحديث ويدل عليه أنه انما توعد على ترك الايفاء بعد الفراغ من العمل وقد
[ 139 ]
قلتم يجب الاجر شيئا فشيئا ويحتمل أنه توعده على ترك الوفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة جواب آخر أن الاية والاخبار انما وردت فيمن استؤجر على عمل فأما ان وقعت الاجارة فيه على مدة فلا تعرض لها به * (مسألة) * (ولا يجب تسليم اجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه) إذا استؤجر على عمل فان الاجر يملك بالعقد أيضا لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل وقال ابن أبي موسى من استؤجر لعمل معلوم استحق الاجر عند إيفاء العمل، وان استؤجر كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه، وقال أبو الخطاب الاجر يملك بالعقد ويستحق التسليم ويستقر بمضي المدة وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل لانه عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق والثمن في البيع وفارق الاجارة على الاعيان لان تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها ومتى كانت على منفعة في الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الاجر على تسليم العمل وقولهم لم يملك المنافع قد سبق الجواب عنه فان قيل فان المؤجر إذا قبض الاجر انتفع به كله بخلاف المستأجر فانه لا يحصل له استيفاء المنفعة كلها قلنا لا يمنع هذا كما لو شرط التعجيل وكانت الاجرة عينا فاما ان شرط التأجيل في الاجر فهو على ما شرط وان شرط منجما يوما يوما أو شهرا شهرا فهو على ما شرطاه لان إجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال ومؤجل كذلك إجارتها، وفيه وجه آخر ان الاجارة على المنفعة في الذمة لا يجوز تأجيل عوضها كالسلم
[ 140 ]
(فصل) إذا استوفى المستأجر المنافع استقر الاجر لانه قبض المعقود عليه فاستقر عليه البدل
كما لو قبض المبيع وان تسلم العين المستأجرة ومضت المدة لا مانع له من الانتفاع استقرت الاجرة أيضا وان لم ينتفع لان المعقود عليه تلف تحت يده وهي حقه فاستقر عليه بدلها كثمن المبيع إذا تلف في يد البائع فان كانت الاجارة على عمل فسلم المعقود عليه ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها مثل أن يكتري دابة ليركبها إلى حمص فقبضها ومضت مدة يمكن ركوبها فيها فقال أصحابنا يستقر عليه الاجر وهو مذهب الشافعي لان المنافع تلفت تحت يده باختياره فاستقر الضمان عليه كما لو تلفت العين في يد المشتري وكما لو كانت الاجارة على مدة فمضت وقال أبو حنيفة لا يستقر الاجر عليه حتى يستوفى المنفعة لانه عقد على المنفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر بدلها قبل استيفائها كالاجر في الاجير المشترك وان بذل تسليم العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة استقر الاجر عليه لان المنافع تلفت باختياره في مدة الاجارة فاستقر عليه الاجر كما لو كانت في يده وان بذل تسليم العين وكانت الاجارة على عمل فقال أصحابنا إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء فيها استقر عليه الاجر وبهذا قال الشافعي لان المنافع تلفت باختياره وقال أبو حنيفة لا أجر عليه قال شيخنا وهو الصحيح عندي لانه عقد على ما في الذمة فلم يستقر عوضه ببذل التسليم كالمسلم فيه ولانه عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن فلم يستقر عوضها بالبذل كالصداق إذا بذلت تسليم نفسها وامتنع الزوج من أخذها
[ 141 ]
* (مسألة) * (وإذا انقضت الاجارة وفي الارض غراس أو بناء لم يشترط قلعه عند انقضاء الاجل فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالاجرة أو قلعه وضمان نقصه وان اشترط القلع لزمه ذلك ولا يلزمه تسويق الارض إلا بشرط) إذا استأجر أرضا للغراس أو للبناء سنة صح لانه يمكنه تسليم منفعتها المباحة المقصودة فأشبهت سائر المنافع وسواء شرط قلع الغراس والبناء عند انقضاء المدة أو أطلق وله أن يغرس قبل انقضاء المدة فإذا انقضت لم يكن له أن يغرس ولا أن يبني لزوال عقده فإذا انقضت السنة وكان قد شرط القطع عند انقضائها لزمه ذلك وفاء بموجب شرطه وليس على صاحب الارض غرامة نقصه ولا على المستأجر تسوية الحفر واصلاح الارض لانهما دخلا على هذا لرضاهما بالقلع واشتراطهما
عليه وان اتفقا على إبقائه بأجرة أو غيرها جاز إذا شرطا مدة معلومة وكذلك لو اكترى الارض سنة بعد سنة كلما انقضى عقد جدد آخر، وان أطلق العقد فللمكتري القلع لانه ملكه فله أخذه كطعامه في الدار التي باعها وإذا قلع فعليه تسوية الحفر لانه نقص دخل على ملك غيره بغير إذنه وهكذا ان قلعه قبل انقضاء المدة هاهنا وفي التي قبلها لان القلع قبل الوقت لم يأذن فيه المالك ولانه تصرف في
[ 142 ]
الارض تصرفا نقصها لم يقتضه عقد الاجارة وان أبى القلع لم يجبر عليه الا أن يضمن له المالك النقص فيخير حينئذ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك عليه القلع من غير ضمان النقص له لان تقدير المدة في الاجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها كما لو استأجرها للزرع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس لعرق ظالم حق " مفهومه ان غير الظالم له حق وهذا غير ظالم ولانه غرس باذن المالك ولم يشرط قلعه فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقص كما لو استعار منه أرضا للغرس مدة فرجع قبل انقضائها ويخالف الزرع فانه لا يقتضي التأبيد فان قيل فان كان اطلاق العقد في الغراس يقتضي التأبيد فشرط القلع ينافي مقتضى العقد فينبغي أن يفسده قلنا إنما اقتضى التأبيد من حيث أن العادة في الغراس التبقية فإذا أطلقه حمل على العادة وإذا شرط خلافه جاز كما إذا باع بغير نقد البلد أو شرط في الاجارة سيرا يخالف العادة إذا ثبت هذا فان رب الارض يخير بين ثلاثة أشياء (أحدها) أن يدفع قيمة الغراس والبناء فيملكه مع أرضه لان الضرر يزول عنهما به أشبه الشفيع في غراس المشتري (الثاني) أن يقلع الغراس والبناء ويضمن أرش نقصه لذلك (الثالث) أن يقر الغراس والبناء ويأخذ منه أجر المثل، وبهذا قال الشافعي لان الضرر يزول عنهما بذك وقال
[ 143 ]
مالك يتخير بين دفع قيمته فيملكه وبين مطالبته بالقلع من غير ضمان وبين تركه فيكونان شريكين والاول أصح فان اتفقا على بيع الغرس والبناء للمالك جاز وان باعهما صاحبهما لغير مالك الارض جاز ومشتريهما يقوم مقام البائع فيهما وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين: ليس له بيعهما لغير مالك الارض لان ملكه ضعيف بدليل ان لصاحب الارض تملكه عليه بالقيمة بغير رضاه
ولنا انه ملك له يجوز بيعه لمالك الارض فجاز لغيره كالشقص المشفوع وبهذا يبطل ما ذكروه فان للشفيع تملك الشقص بغير رضى المشترى ويجوز بيعه لغيره (فصل) فان شرط في العقد تبقية الغراس فذكر القاضي أنه صحيح وحكمه حكم ما لو أطلق العقد سواء وهو قول أصحاب الشافعي، ويحتمل أن يبطل العقد لانه شرط ما ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في الزرع االذي لا يكمل قبل انقضاء المدة ولان الشرط باطل بدليل أنه لا يجب الوفاء به وهو مؤثر فأبطله كشرط تبقية الزرع بعد مدة الاجارة * (مسألة) * (وان كان فيها زرع بقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالاجرة وان كان بغير تفريط لزم تركه بالاجرة)
[ 144 ]
إذا استأجر أرضا للزراعة مدة فانقضت وفيها زرع لم يبلغ حصاده لم يخل من حالين (أحدهما) أن يكون لتفريط المستأجر مثل أن يزرع زرعا لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة فحكمه حكم زرع الغاصب، يخير المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بالاجرة لما زاد على المدة لانه أبقى زرعه في أرض غيره بعدوانه وان اختار المستأجر قطع زرعه في الحال وتفريغ الارض فله ذلك لانه يزيل الضرر ويسلم الارض على الوجه الذي اقتضاه العقد، وذكر القاضي أن على المستأجر نقل الزرع وتفريغ الارض وان اتفقا على تركه بعوض أو غيره جاز وهذا مذهب الشافعي بناء على قوله في الغاصب وقياس المذهب ما ذكرناه (الحال الثاني) أن يكون بقاؤه بغير تفريطه مثل أن يزرع زرعا ينتهى في المدة عادة فأبطأ لبرد أو غيره فيلزم المؤجر تركه بالاجرة إلى أن ينتهي وله المسمى وأجر المثل لما زاد وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والوجه الثاني) يلزمه نقله لان المدة ضربت لنقل الزرع فلزم العمل بموجبه وقد وجه منه تفريط لانه كان يمكنه أن يستظهر في المدة فلم يفعل ولنا ان الزرع حصل في أرض غيره باذنه من غير تفريط فله تركه كما لو أعاره أرضا فزرعها ثم رجع المالك قبل كمال الزرع وقولهم إنه مفرط لا يصح لان هذه المدة التى جرت العادة بكمال الزرع فيها
[ 145 ]
وفي زيادة المدة تفويت زيادة الاجر بغير فائدة وتضييع زيادة متيقنة لتحصيل شئ متوهم على خلاف العادة هو التفريط فلم يكن تركه تفريطا ومتى أراد المستأجر زرع شئ لا يدرك مثله في مدة الاجارة فللمالك منعه لانه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق، فان زرع لم يملك مطالبته بقلعه قبل المدة لانه في أرض يملك نفعها ولانه لا يملك ذلك بعد المدة فقبلها أولى، ومن أوجب عليه قطعه بعد المدة قال إذا لم يكن بد من المطالبة بالنقل فليكن عند المدة التي يستحق تسليمها إلى المؤجر فارغة (فصل) إذا اكترى الارض لزرع مدة لا يكمل فيها مثل أن اكترى خمسة أشهر لزرع لا يكمل إلا في ستة نظرنا فان شرط تفريغها عند انقضاء المدة ونقله عنها صح لانه لا يفضي إلى الزيادة على مدته وقد يكون له غرض في ذلك لاخذه إياه قصيلا أو غيره ويلزمه ما التزم، وإن أطلق العقد ولم يشرط شيئا احتمل أن يصح لان الانتفاع في هذه المدة ممكن واحتمل انه أمكن أن ينتفع بالارض في زرع ضرره كضرر الزرع المشروط ودونه مثل أن يزرعها شعيرا يأخذه قصيلا صح لان الانتفاع بها في بعض ما اقتضاه العقد ممكن وإن لم يكن كذلك لم يصح لانه اكترى للزرع مالا ينتفع بالزرع فيه فأشبه إجارة السبخة له، فان قلنا يصح فإذا انقضت المدة ففيه وجهان: أحدهما حكمه حكم زرع المستأجر لما لا تكمل مدته لانه ههنا مفرط واحتمل أن يلزم المكري تركه لان التفريط منه حيث أكراه مدة لزرع لا يكمل فيها، وإن شرط تبقيته حتى يكمل فالعقد فاسد لانه جمع بين متضادين فان تقدير المدة
[ 146 ]
يقتضي النقل فيها وشرط التبقية يخالفه ولان مدة التبقية مجهولة فان زرع لم يطالب بنقله كالتي تقدمت * (مسألة) * (وإذا تسلم العين بالاجارة الفاسدة فعليه أجرة المثل سكن أو لم يسكن) إذا قبض العين في الاجارة الفاسدة ومضت المدة أو مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أو لا يمكن ففيه روايتان: إحداهما عليه أجرة المثل لمدة بقائها في يده وهذا مذهب الشافعي لان المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يسلم له فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاها (والثانية) لا شئ له وهو قول أبي حنيفة لانه عقد فاسد على منافع لم يستوفها فم يلزمه عوضه كالنكاح الفاسد. فأما إن بذل له التسليم في الاجارة الفاسدة
فلم يتسلمها فلا أجر عليه لان المنافع لم تتلف تحت يده ولا في ملكه، وإن استوفى المنفعة في العقد الفاسد فعليه أحر المثل وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجب أقل الامرين من المسمى أو أجر المثل بناء منه على ان المنافع لا تضمن إلا بالعقد. ولنا ان ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح وجب ضمانه بجميع القيمة في الفاسد كالاعيان وما ذكروه غير مسلم * (مسألة) * (إذا اكترى بدراهم وأعطاه عنها دنانير ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم) لان العقد إذا انفسخ رجع كل واحد من المتعاقدين في العوض الذي بذله وعوض العقد هو الدراهم فكان الرجوع بها والدنانير انما أخذها المؤجر بعقد آخر سوى الاجارة ولم ينفسخ فأشبه ما إذا قبض الدراهم ثم صرفها بالدنانير.
[ 147 ]
باب احياء الموات وهي الارض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت والموات الارض الدارسة تسمى ميتة ومواتا وموتانا بفتح الميم والواو والموتان بضم الميم وسكون الواو الموت الذريع ورحل موتان القلب بفتح الميم وسكون الواو يعنى عمي القلب لا يفهم والاصل في إحياء الموات ما روي جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أحيا ارضا ميتة فهي له " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروي سعيد ابن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أحيا ارضا ميتة فهي له " قال الترمذي هذا حديث حسن وروى مالك في موطئه وأبو داود في سننه عن عائشة مثله قال ابن عبد البر وهو مسند صحيح متلقى بالقبول عند ففهاء المدينة وغيرهم وروى أبو عبيد في الاموال عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحيا أرضا ليست لاحد فهو أحق بها " قال عروة وقضى بذلك عمر بن الخطاب في خلافته وعامة فقهاء الامصار على أن الموات يملك بالاحياء وان اختلفوا في شروطه * (مسألة) * (فان كان فيها آثار الملك ولا يعلم لها مالك ففيه روايتان) وجملة ذلك أن الموات قسمان (أحدهما) ما لم يجر عليه ملك لاحد ولم يوجد فيه أثر عمارة فهذا يملك بالاحياء بغير خلاف بين القائلين بالاحياء لان الاخبار المروية متناولة له (القسم الثاني) ما جرى
[ 148 ]
عليه ملك وهو ثلاثة أنواع (أحدهما) ماله مالك معين وهو ضربان (أحدهما) ما ملك بشراء أو عطية فهذا لا يملك بالاحياء بغير خلاف قال ابن عبد البر اجمع العلماء أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز احياؤه لاحد غير أربابه (الثاني) ما ملك بالاحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتا فهو كالذي قبله سواء وقال مالك تملك لعموم قوله " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان أصل هذه الارض مباح فإذا تركت حتى تصير مواتا عادت إلى الاباحة كمن أخذ ماء من نهر ثم رده فيه ولنا أن هذه أرض يعرف مالكها فلم تملك بالاحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية والخبر مقيد بغير المملوك بقوله في الرواية الاخرى " من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد " وقوله " من غير حق مسلم " وهذا يوجب تقييد مطلق حديثه وقال هشام بن عروة في تفسير قوله عليه السلام " ليس لعرق ظالم حق " الظالم أن يأتي الرجل الارض الميتة لغيره فيغرس فيها رواه سعيد بن منصور وفي سننه ثم الحديث مخصوص بما ملك بشراء أو عطية فقيس عليه محل النزاع ولان سائر الاموال لا يزول الملك عنها بالترك بدليل سائر الاملاك إذا تركت حتى تشعثت وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان ثم باعه فتركه المشتري حتى عاد مواتا وباللقطة إذا ملكها ثم ضاعت منه ويخالف ماء النهر فانه استهلك (النوع الثاني) ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوهم فهذا يملك بالاحياء في أظهر الروايتين لما ذكرنا من الاحاديث ولان ذلك الملك لا حرمة له لما روي طاوس عن
[ 149 ]
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عادي الارض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد " رواه سعيد في سننه وأبو عبيد في الاموال وقال عادي الارض التى كان بها ساكن في آباد الدهر فاقرضوا فلم يبق منهم أنيس وإنما نسبها إلى عاد لانهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وأثار كثيرة فينسب كل أثر قديم إليهم والرواية الثانية لا تملك لانها إما لمسلم أو ذمي أو بيت المال أشبه ما لو تعين مالكه قال شيخنا ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الاسلام أنه لا يملك لانه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامرا فاستحقوه فصار موقوفا بوقف عمر له فلم يملك كما لو علم مالكه (النوع الثالث) ما جرى عليه الملك في الاسلام
لمسلم أو ذمي غير معين فظاهر كلام الخرقي أنه لا يملك بالاحياء وهو احدى الروايتين عن أحمد نقلها عنه أبو داود وأبو الحرث لما روي كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أحيا أرضا مواتا في غير حق مسلم فهي له " فقيده بكونه في غير حق مسلم ولان هذه الارض لها مالك فلم يجز احياؤها كما لو كان معينا فان مالكها ان كان له ورثة فهي لهم وان لم يكن له ورثة ورثه المسلمون (والثانية) أنها تملك بالاحياء نقلها صالح وغيره وهي مذهب أبي حنيفة ومالك لعموم الاخبار ولانها أرض موات لا حق فيها لقوم باعيانهم أشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك ولانها ان كانت في دار الاسلام فهي كلقطة دار الاسلام وان كانت في دار الكفر فهي كالركاز * (مسألة) * (ومن أحيا أرضا ميتة فهي له للاخبار التي رويناها مسلما كان أو كافرا في دار الاسلام وغيرها)
[ 150 ]
لعموم الاخبار ولان عامر دار الحرب انما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم فاما ما عرف أنه كان مملوكا في دار الحرب ولم يعلم له مالك معين فهو على الروايتين فان قيل هذا ملك كافر غير محترم فأشبه ديار عاد وقد دل عليه قوله عليه السلام " عادي الارض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد " ولان الركاز من أموالهم ويملكه واجده فهذا أولى قلنا قوله " عادي الارض " يعني ما تقدم ملكه ومضت عليه الازمان وما كان كذلك فلا حكم لمالكه فاما ما قرب ملكه فيحتمل أن له مالكا باقيا وان لم يتعين فلهذا قلنا لا يملك على احدى الروايتين وأما الركاز فانه ينقل ويحول وهذا يخالف الارض بدليل أن لقطة دار الاسلام تملك بعد التعريف بخلاف الارض (فصل) ولا فرق بين المسلم والذمي في الاحياء نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال مالك لا يملك الذمي بالاحياء في دار الاسلام قال القاضي وهذا مذهب جماعة من أصحابنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " موتان الارض لله ولرسوله ثم هي لكم مني " فجمع المرتان ثم جعله للمسلمين ولان موتان الارض من حقوقها والدار للمسلمين فكان مواتها لهم كمرافق المملوك ولنا عموم قوله عليه السلام " من احيا أرضا ميتة فهي له " ولان هذه جهة من جهات التمليك فاشترك فيها المسلم والذمي كسائر جهاته وحديثهم لا نعرفه انما نعرف قوله " عادي الارض لله ورسوله ثم هي
لكم بعد ومن احيا مواتا من الارض فله رقبتها " هكذا روي سعيد بن منصور وهو مرسل ورواه طاوس
[ 151 ]
عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يمتنع أن يريد بقوله " هي لكم " أي لاهل دار الاسلام والذي من أهل الدار تجري عليه أحكامها وقولهم إنها من حقوق دار الاسلام قلنا هو من أهل الدار فيملكها كما يملكها بالشراء ولانه يملك مباحاتها من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن واللقطة وهي من مرافق دار الاسلام فكذلك الموات * (مسألة) * (ويملكه باذن الامام وغير اذنه) وجملة ذلك أن احياء الموات لا يفتقر إلى اذن الامام وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يفتقر إلى اذنه لان للامام مدخلا في النظر في ذلك بدليل من تحجر موانا فلم يحيه فانه يطالبه بالاحياء أو الترك فافتقر إلى اذنه كمال بيت المال ولنا عموم قوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان هذه عين مباحة فلا يفتقر تملكها إلى اذن الامام كأخذ الحشيش والحطب ونظر الامام في ذلك لا يدل على اعتبار اذنه ألا ترى أن من وقف في مشرعة طالبه الامام أن يأخذ حاجته وينصرف ولم يفتقر ذلك لى اذنه وأما مال بيت المال فهو مملوك للمسلمين وللامام تعيين مصارفه وترتيبها فافتقر إلى اذنه بخلاف مسئلتا فان هذا مباح فمن سبق إليه كان أحق الناس به كسائر المباحات * (مسألة) * (الا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها)
[ 152 ]
وجملة ذلك أن جميع البلاد فيما ذكرنا سواء المفتوح عنوة كأرض الشام والعراق وما أسلم أهله عليه كالمدينة، وما صولح أهله على أن الارض للمسلمين كأرض خيبر إلا الذي صولح أهله على أن الارض لهم ولنا الخراج عنها فان أصحابنا قالوا لو دخل إليها مسلم فاحيا فيها مواتا لم يملكه لانهم صولحوا في بلادهم فلا يجوز التعرض لشئ منها عامرا كان أو مواتا لان الموات تابع للبلد فإذا لم يملك عليهم البلد لم يملك مواته ويفارق دار الحرب حيث يملك مواتها لان دار الحرب على أصل الاباحة وهذه صالحناهم
على تركها لهم ويحتمل أن يملكها من أحياها لعموم الخبر، ولانها من مباحات دارهم فجاز أن يملكها من وجد منه سبب تملكها كالحشيش والحطب وقد روي عن أحمد أنه ليس في السواد موات يعني سواد العراق قال القاضي هو محمول على العامر، ويحتمل أن أحمد قال ذلك لكون السواد كان معمورا كله في زمن عمر بن الخطاب حين أخذه المسلمون من الكفار حتى بلغنا أن رجلا سأل أن يعطى خربة فلم يجدوا له خربة فقال أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر فيها موات بعده لان ما دثر من أملاك المسلمين لم يصر مواتا على إحدى الروايتين * (مسألة) * (وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك بالاحياء فان لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين)
[ 153 ]
كل ما تعلق بمصالح العامر من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته ولقى ترابه وآلاته لا يجوز احياؤه بغير خلاف في المذهب وكذلك ما تعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها لا يملك بالاحياء لا نعلم فيه أيضا خلافا بين أهل العلم وكذلك حريم البئر والنهر والعين وكل مملوك لا يجوز احياء ما تعلق بمصالح لقوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " مفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالاحياء ولانه تابع للمملوك ولو جوزنا احياءه لبطل الملك في العامر على أهله، وذكر القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالاحياء لكن هو أحق بها من غيره لان الاحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد فيها: وقال الشافعي تملك بذلك وهو ظاهر قول الخرقي في حريم البئر لانه مكان استحقه بالاحياء فملكه كالمحيى، ولان معنى الملك موجود فيه لانه يدخل مع الدار في البيع ويختص به صاحبها، فأما ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه فيجوز احياؤ في إحدى الروايتين. قال أحمد في رواية أبي الصقر في رجلين أحييا قطعتين من موات وبقيت بينهما رقعة فجاء رجل ليحييها فليس لهما منعه، وقال في جبانة بين قريتين: من أحياها فهي له وهذا مذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ولان النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق وهو يعلم أنه من عمارة المدينة، ولانه موات لم تتعلق به مصلحة العامر فجاز احياؤه كالبعيد
(والثانية) لا يجوز احياؤه وبه قال أبو حنيفة والليث لانه في مظنة تعلق المصلحة به فانه يحتمل
[ 154 ]
أن يحتاج إلى فتح باب في حائطه إلى فنائه ويجعله طريقا أو يخرب حائطه فيجعل آلات البناء في فنائه وغير ذلك فلم يجز تفويت ذلك عليه بخلاف البعيد. إذا ثبت هذا فانما يرجع في القريب والبعيد إلى العرف، وقال الليث حده غلوة وهو خمس خمس الفرسخ، وقال أبو حنيفة حد البعيد هو الذي إذا وقف الرجل في أدناه فصاح بأعلى صوته لم يسمع أدنى أهل المصر إليه (والثاني) أن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف ولا يعرف بالرأي والتحكم ولم يرد من الشرع تحديد له فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف كالقبض والاحراز فقول من حدد بهذا تحكم بغير دليل وليس ذلك بأولى من تحديده بشئ آخر كميل أو نصف ميل وهذا التحديد الذي ذكره والله أعلم يختص بما قرب من المصر أو القرية، ولا يجوز أن يكون حدا لكل ما قرب من عامر لانه يفضي إلى أن من أحيا أرضا في موات حرم احياء شئ من ذلك الموات على غيره ما لم يخرج عن ذلك الحد * (مسألة) * (ولا تملك المعادن الظاهرة كالملح والقار، والكحل والجص، والنفظ بالاحياء وليس للامام اقطاعه) وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والموميا والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا يملك بالاحياء ولا يجوز اقطاعه لاحد من الناس ولا احتجاره دون المسلمين لان فيه ضررا
[ 155 ]
بالمسلمين وتضييقا عليهم، ولما روى أبو عبيد وأبو داود والترمذي باسنادهم عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح الذي بمأرب فلما ولى قيل يا رسول الله أتدري ما أقطعت له انما أقطعته الماء العد فرجعه منه، قال قلت يارسول الله ما يحمى لي من الاراك؟ قال " ما لم تنله أخفاف الابل " وهو حديث غريب ورواه سعيد قال حدثني اسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس المأربي عن أبيه عن أبيض بن
حمال المأربي قال: استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب فاقطعنيه فقيل يا رسول الله انه بمنزلة الماء العد يعني انه لا ينقطع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلا اذن " ولان هذا يتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز احياؤه ولا اقطاعه كمشارع الماء وطرقات المسلمين. قال ابن عقيل هذا من مواد الله الكريم وفيض جوده الذي لا غناء عنه، ولو ملكه أحد بالاحتجار ملك منعه فضاق على الناس، فان أخذ العوض عنه أعلاه فخرج عن الوضع الذي وضعه الله به من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا (فصل) فأما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج فان كانت ظاهرة لم تملك أيضا بالاحياء لما ذكرنا في التي قبلها، وإن لم تكن ظاهرة فحفرها انسان وأظهرها لم يملكها بذلك في ظاهر المذهب وظاهر مذهب
[ 156 ]
الشافعي ويحتمل أن يملكها بذلك وهو قول للشافعي لانه موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة فملك الاحياء كالارض ولانه باظهاره تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل فأشبه الارض إذا أحياها بماء أو حاطها ووجه الاول أن الاحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل وهذا حفر وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فان قيل فلو احتفر بئرا ملكها وملك حريمها قلنا البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقا، قال أصحابنا وليس للامام اقطاعها لانها لا تملك بالاحياء والصحيح جواز ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها. رواه أبو داود وغيره * (مسألة) * (فان كان بقرب الساحل موضع) إذا حصل فيه الماء صار ملحا ملك بالاحياء وللامام اقطاعه لا يضيق على المسلمين باحداثه بل يحدث نفعه بفعله فلم يمنع منه كبقية الموات وأحياء هذا تهيئته لما يصلح له من حفر ترابه وتمهيده وفتح قناة إليه تصب الماء فيه لانه يتهيأ بهذا للانتفاع به
* (مسألة) * (وإذا ملك المحيي ملك ما فيه من المعادن الباطنة كمعادن الذهب والفضة) إذا ملك الارض بالاحياء فظهر فيها معدن جامد ملكه ظاهرا كان أو باطنا لانه ملك الارض
[ 157 ]
بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها ويفارق الكنز فانه مودع فيها وليس من أجزائها ويفارق ما إذا كان ظاهرا قبل احيائها لانه قطع على المسلمين نفعا كان واصلا إليهم ومنعهم انتفاعا كان لهم وههنا لم يقطع عنهم شيئا لانه انما ظهر باظهاره، ولو تحجر الارض أو أقطعها فظهر فيها المعدن قبل احيائها كان له احياؤها ويملكها بما فيها لانه صار أحق بتحجره واقطاعه فلم يمنع من اتمام حقه * (مسألة) * (وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جار أو كلا أو شجر فهو أحق به لانه في ملكه) ويملكه في إحدى الروايتين لانه خارج من أرضه أشبه المعادن الجامدة والزرع (والثانية) لا يملكه وهي أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلا والنار " رواه الخلال ولانها ليست من أجزاء الارض فلم يملكها بملك الارض كالكنز * (مسألة) * (ويلزمه بذل ما فضل من مائه لبهائم غيره) لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضل رحمته " وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين (احداهما) لا يلزمه لان الزرع لا حرمة له في نفسه (والثانية) يلزمه لما روى إياس بن عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء وعن بهنسة عن أبيها أنه قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال " الماء " رواه أبو داود (فصل) ولو شرع انسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل صار أحق به كالمتحجر الشارع في
[ 158 ]
الاحياء فإذا وصل إلى النيل صار أحق بالاخذ منه ما دام مقيما على الاخذ منه وهل يملكه بذلك؟ فيه ما قد ذكرنا من قبل فان حفر آخر من ناحية أخرى لم يكن له منعه وإذا وصل إلى ذلك العرق لم يكن له منعه سواء قلنا إن المعدن يملك بحفره أو لم نقل لانه إن ملكه فانما يملك المكان الذي حفره. وأما العرق الذي في الارض فلا يملكه بذلك ومن وصل إليه من جهة أخرى فله أخذه، ولو ظهر في ملكه
معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه فحفر انسان من خارح أرضه كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه لانه لم يملكه انما ملك ما هو من أجزاء أرضه وليس لاحد أن يأخذ ما كان داخلا في أرضه من أجزاء الارض الباطنة كما لا يملك أخذ أجزائها الظاهرة، ولو حفر كافر في دار الحرب معدنا فوصل إلى النيل ثم فتحها المسلمون عنوة لم يصر غنيمة وكان وجود عمله وعدمه واحدا لان عامره لم يملك بذلك ولو ملكه فان الارض تصير كلها وقفا للمسلمين وهذا ينصرف إلى مصلحة من مصالحهم فتعين لها كما لو ظهر بفعل الله تعالى (فصل) ومن ملك معدنا فعمل فيه غيره بغير اذنه فما حصله منه فهو لمالكه ولا أجر للغاصب على عمله لانه عمل في ملك غيره بغير اذنه فهو كما لو حصد زرع غيره، وإن قال مالكه اعمل فيه ولك ما يخرج منه فله ذلك وليس لصاحب المعدن فيه شئ لانه اباحة من مالكه فملك ما أخذه كما لو أباحه الاخذ من بستانه، وإن قال اعمل فيه على أن ما رزق الله من نيل كان بيننا نصفين فعمل ففيه وجهان
[ 159 ]
(أحدهما) يجوز وما يأخذه يكون بينهما كما لو قال احصد هذا الزرع بنصفه أو ثلثه ولانها عين تنمي بالعمل عليها فصح العمل فيها ببعضه كالمضاربة في الاثمان (والثاني) لا يصح لان ما يحصل منه مجهول ولانه لا يصح أن يكون اجارة لان العوض مجهول والعمل مجهول ولا جعالة لان العوض مجهول ولا مضاربة لان المضاربة انما تصح بالاثمان على أن يرد رأس المال ويكون له حصة من الربح وليس ذلك ههنا وفارق حصاد الزرع بنصفه أو جزء منه لان الزرع معلوم بالمشاهدة وما علم جميعه علم جزؤه بخلاف هذا، وإن قال اعمل فيه كذا ولك ما يحصل منه بشرط أن تعطيني ألفا أو شيئا معلوما لم يصح لانه بيع لمجهول ولا يصح أن يكون معلوما كالمضاربة لما ذكرنا ولان المضاربة تكون بجزء من النماء لا دراهم معلومة، قال أحمد إذا أخذ معدنا من قوم على أن يعمره ويعمل فيه ويعطيهم ألفي من أو ألف من صفر فذلك مكروه ولم يرخص فيه (فصل) إذا استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع في دور كذا بدينار صح لانها اجارة معلومة وإن ظهر عرق ذهب فقال استأجرتك لتخرجه بدينار لم يصح لان العمل مجهول، وإن قال ان استخرجته
فلك دينار صح وتكون جعالة لان الجعالة تصح على عمل مجهول إذا كان العوض معلوما (فصل) وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالاحياء. قال أحمد في رواية العباس بن موسى إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها لان فيه ضررا وهو أن الماء يرجع يعني أنه
[ 160 ]
يرجع إلى ذلك المكان فإذا وجده مبنيا رجع إلى الجانب الآخر فاضر باهله ولان الجزائر منبت الكلا والحطب فجرى مجرى المعادن الظاهرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا حمي الا في الاراك " قال أحمد في رواية حرب يروى عن عمر أنه أباح الجزائر يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النبات وقال إذا نضب الفرات عن شئ ثم نبت فيه نبات فجاء رجل يمنع الناس منه فليس له ذلك فأما ان غلب الماء على ملك انسان ثم عاد فنضب عنه فله أخذه ولا يزول ملكه بغلبة الماء عليه فان كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل ان يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره لانه متحجر لما ليس للمسلم فيه حق فأشبه التحجر في الموات * (فصل) * قال رحمه الله (وإحياء الارض أن يحوزها بحائط أو يجري لها) ظاهر كلامه ههنا أن تحويط الارض إحياء لها سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب وهو ظاهر كلام الخرقي نص عليه أحمد في رواية علي بن سعيد فقال الاحياء أن يحوط عليها حائطا أو يحفر فيها بئرا أو نهرا ولا يعتبر في ذلك تسقيف وذلك لما روي الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أحاط حائطا على أرض فهي له " رواه أبودواد والامام أحمد في مسنده وروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولان الحائط حاجر منيع فكان احياء أشبه ما لو جعلها حظيرة للغنم ويبين هذا أن القصد - لا اعتبار به بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم كما لو جعلها حظيرة للغنم فبناها بجص وآجر وقسمها بيوتا فانه يملكها وهذا لا يصنع للغنم مثله ولابد أن يكون الحائط منيعا يمنع
[ 161 ]
ما وراءه ويكون مما جرت العادة بمثله ويختلف باختلاف البلدان فان كان ممن جرت عادتهم بالبناء بالحجر وحده كأهل حوران أو بالطين كأهل الغوطة بدمشق أو بالخشب أو القصب كأهل الغور كان ذلك احياء وان
بناه بأقوى مما جرت به عادتهم كان أولى، وقال القاضي في صفة الاحياء روايتان (احداهما) ما ذكرنا (والثانية) الاحياء ما تعارفه الناس احياء لان الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه ولا ذكر كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى ما كان احياء في العرف كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز ولم يبين كيفيته كان المرجع فيه إلى العرف ولان الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عند أهل اللسان فلذلك يتعلق الحكم بالمسمى احياء عند أهل العرف ولان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلق الحكم على ما ليس إلى معرفته طريق فلما لم يبينه تعين العرف طريقا لمعرفته إذ ليس له طريق سواه إذا ثبت هذا فان الارض تحيا دارا للسكنى وحظيرة ومزرعة، فاحياء كل واحدة من ذلك بما تتهيأ به للانتفاع الذي أريدت له، فأما الدار فبأن يبني حيطانها بما جرت به العادة ويسقفها لانها لا تصلح للسكنى الا بذلك، والحظيرة احياؤها بحائط جرت به العاده لمثلها، وليس من شرطها التسقيف لان العاده لم تجر به وسواء أرادها حظيرة للماشية أو للخشب أو للحطب أو نحو ذلك فان جعل عليها خندقا لم يكن احياء لانه ليس بحائط ولا عمارة انما هو حفر تخريب ووكذلك ان حاطها بشوك وشبهه لا يكون
[ 162 ]
احياء ويكون تحجرا لان المسافر قد ينزل منزلا ويحوط على رحله بنحو من ذلك ولو نزل منزلا فنصب فيه بيت شعر أو خيمة لم يكن احياء. وان أرادها للزراعة فبأن يهيئها لامكان الزرع فيها فان كانت لا تزرع الا بالماء فبأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر وان كان المانع من زرعها كثرة الاحجار كأرض الحجاز فاحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها حتى تصلح للزرع وان كانت غياضا أو أشجارا كارض الشعرى فبأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها المانعة من الزرع، وان كانت مما لا يمكن زرعه الا بحبس الماء عنه كارض البطائح فاحياؤها بسد الماء عنها وجعلها بحال يمكن زرعها لان بذلك يمكن الانتفاع بها فيما أرادها له من غير حاجة إلى تكرار ذلك في كل عام فكان احياء كسوق الماء إلى أرض لا ماء لها ولا يعتبر في احياء الارض حرثها ولا زرعها لان ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها فلم يعتبر في الاحياء كسقيها وكالسكنى في البيوت ولا يحصل الاحياء بذلك إذا فعله بمجرده لما ذكرنا، ولا يعتبر في احياء الارض للسكنى نصب الابواب على البيوت وبه قال الشافعي فيما ذكرنا في الرواية الثانية الا أن
له وجها في أن حرثها وزرعها احياء لها وأن ذلك معتبر في احيائها لا يتم بدونه وكذلك نصب الابواب على البيوت لانه مما جرت العادة به أشبه السقف ولا يصح هذا لما ذكرنا ولان السكنى ممكنة بدون نصب الابواب فأشبه تطيين سطوحها وتبيضها * (مسألة) * (وان حفر بئرا عادية ملك حريمها خمسين ذراعا وان لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون) البئر العادية بتشديد الياء القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد عادا بعينها لكن لما كانت عاد
[ 163 ]
في الزمن الاول وكانت لها آثار في الارض نسب إليها كل قديم، فكل من سبق إلى بئر عادية كان أحق بها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " وله حريمها خمسون ذراعا من كل جانب، وان حفر بئرا في موات للتمليك فله حريمها خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب نص أحمد على هذا في رواية حرب وعبد الله واختاره أكثر أصحابنا، وقال القاضي وأبو الخطاب ليس هذا على طريق التحديد بل حريمها في الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها فان كان بدولاب فقدر مد الثور أو غيره وان كان بساقية فبقدر طول البئر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حريم البئر مد رشائها " أخرجه ابن ماجه ولانه المكان الذي تمشي إليه البهيمة، وان كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الواقف عندها، وان كان المستخرج عينا فحريمها القدر الذي يحتاج إليه صاحبها للانتفاع ولا يستضر باخذه منه ولو كان الف ذراع، وحريم النهر من جانبيه ما يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف وذلك ان هذا إنما ثبت للحاجة فينبغي أن تراعى فيه الحاجة دون غيرها، وقال أبو حنيفة حريم البئر أربعون ذراعا وحريم العين خمسمائة ذراع لان أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حريم البئر أربعون ذراعا لاعطان الابل والغنم " وعن الشعبي مثله رواه أبو عبيد. ولنا ما روي أن الدارقطني والخلال باسنادهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا وحريم البئر العادي خمسون ذراعا " وهذا نص وروى أبو عبيد باسناده
[ 164 ]
عن يحي بن سعيد الانصاري أنه قال السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا والبدي خمس وعشرون ذراعا
وباسناده عن سعيد بن المسيب قال حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا من نواحيها كلها وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع من نواحيها كلها وحريم البئر العادي خمسون ذراعا من نواحيها كلها، ولانه معنى يملك به الموات فلا يقف على قدر الحاجة كالحائط ولان الحاجة إلى البئر لا تنحصر في ترقية الماء فانه يحتاج إلى ما حوله عطنا لا بله وموقفا للدوابه وغنمه وموضعا يجعل فيه أحواضا يسقي منها ماشيته وموقفا لدابته التي يستقي عليها واشباه ذلك فلم يختص الحريم بما يحتاج إليه في ترقية الماء فأما حديث أبي حنيفة فحديثنا أصح منه ورواهما أبو هريرة فيدل على ضعفه * (مسألة) * (وقيل حريمها قدر مد رشائها من كل جانب) لما ذكرنا من الحديث إذا ثبت ذلك فان ظاهر كلامه في هذا الكتاب وظاهر كلام الخرقي أنه يملك حريم البئر ونقل عن الشافعي وقال القاضي بل يكون أحق به * (مسألة) * (وقيل احياء الارض ما عد إحياء وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها) وقد ذكرنا ذلك وقيل ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث فليس باحياء وما لا يتكرر فهو احياء لان العرف ان حرث الارض مرة ليس باحياء وان عمل الحائط عليها ونحوه احياء وللشافعي وجه في أن الزرع والحرث احياء وقد ذكرناه، فان كانت كثيرة الدغل والحشيش كالمروج التي لا يمكن زرعها إلا بتكرار حرثها وتنقية دغلها وحشيشها المانع من زرعها كان احياء على قياس ما ذكرنا أولا
[ 165 ]
(فصل) ولابد ان يكون البئر فيها ماء فان لم تصل إلى الماء فهو كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما نذكره، وقوله ومن حفر بئرا عادية يحمل على البئر التي انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه ليكون ذلك احياء لها فاما البئر التي لها ماء ينتفع به المسلمون فليس لاحد احتجاره ومنعه لانه بمنزلة المعادن الظاهرة التي يرتفق بها الناس وهكذا العيون النابعة ليس لاحد ان يختص بها ولو حفر رجل بئرا للمسلمين ينتفعون بها أو ينتفع بها مدة إقامته عندها ثم يتركها لم يملكها وكان له الانتفاع بها فإذا تركها كانت للمسلمين كلهم كالمعادن الظاهرة وهو أحق بها ما دام مقيما عندها لانه سابق إليها فهو كالمتحجر الشارع في الاحياء
(فصل) وإذا كان لانسان شجرة في موات فله حريمها قدر ما تمد إليه اغصانها حواليها وفي النخلة مد جريدها لما روى أبو سعيد قال اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حريم نخلة فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت فكانت سبعة أذرع أو خسمة أذرع فقضى بذلك رواه أبو داود، وان غرس شجرة في موات فهي له وحريمها وان سبق إلى شجر مباح كالزيتون والخروب فسقاه وأصحه فهو له كالمتحجر الشارع في الاحياء فان طعمه ملكه بذلك وحريمه لانه تهيأ للانتفاع به لما يراد منه فهو
[ 166 ]
كسوق المال إلى الارض الوات ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " (فصل) ومن كانت له بئر فيها ماء فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق إليها ماء البئر الاولى فليس له ذلك سواء كان محتفر الثانية في ملكه مثل رجلين متجاورين في دارين حفر أحدهما في داره بئرا ثم الآخر بئرا اعمق منها فسرى إليها ماء الاولى أو كانتا في موات فسبق احدهما فحفر بئرا ثم جاء آخر فحفر قريبا منها بئرا يجتذب ماء الاولى، ووافق الشافعي في هذه الصورة الثانية لانه ليس له ان يبتدئ ملكه على وجه يضر بالمالك قبله، وقال في الاولى له ذلك لانه تصرف مباح في ملكه فجاز له فعله كتعلية داره وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره مثل ان يجعل داره مدبغة أو حماما يضر بعقار جاره بحمي ناره ورماده ودخانه أو يحفر في اصل حائطه حشا يتأذى جاره برائحته وغيرها أو يجعل داره مخبزا في وسط العطارين ونحوه مما يؤذي جاره وقال الشافعي له ذلك كله وروي ذلك عن احمد وهو قول بعض الحنفية لانه تصرف مباح في ملكه اشبه بناءه ونقضه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا اضرار " ولانه احداث ضرر بجاره فلم يجز كالدق الذي يهز الحيطان ويخربها وكالقاء السماد والتراب في اصل حائطه على وجه يضر به ولو كان
[ 167 ]
لرجل مصنع فأراد جاره غرس شجر مما تسري عروقه فتشق حائط مصنع جاره وتتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعه وقلعها ان غرسها، ولو كان هذا الذي حصل منه الضرر سابقا مثل من له في ملكه
مدبغة أو مقصرة فاحيا إنسان إلى جانبه مواتا وبناه دارا فتضرر بذلك لم يلزمه ازالة الضرر بغير خلاف نعلمه لانه لم يحدث ضررا * (مسألة) * (ومن تحجر مواتا لم يملكه وهو احق به وورثته من بعده ومن ينقله إليه وليس له بيعه وقيل له ذلك) تحجر الموات المشروع في احيائه مثل ان يدير حول الارض ترابا أو احجارا أو حاطها بجدار صغير لم يملكها بذلك لان الملك بالاحياء وليس هذا احياء لكن يصير أحق الناس به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " رواه أبو داود، فان مات فوارثه احق به لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ترك حقا أو مالا فهو لورثته " فان نقله إلى غيره صار الثاني احق به لان صاحبه اقامه مقامه، وليس له بيعه فان باعه لم يصح لانه لا يملكه فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الاخذ به وكمن سبق إلى معدن أو مباح قبل اخذه وقيل له بيعه لانه احق به * (مسألة) * (فان لم يتم احياءه قيل له اما ان تحييه واما ان تتركه) إذا طالت المدة بعد التحجر ولم يحييه فينبغي ان يقول السلطان اما ان تحييه أو تتركه ليحييه غيرك لانه ضيق على الناس في حق مشترك
[ 168 ]
بينهم فلم يمكن من ذلك كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع به ولا يدع غيره * (مسألة) * (فان طلب الامهال امهل مدة قريبة) كالشهرين والثلاثة ونحوها لانه يسير فان بادر غيره فأحياه في مدة المهلة أو قبل ذلك ملكه بالاحياء في احد الوجهين لان الاحياء يملك به والتحجر لا يملك به فيثبت الملك بما يملك به دون ما لا يملك به كمن سبق إلى معدن أو مشرعة فجاء غيره فأزاله وأخذ ولعموم الحديث في الاحياء (والثاني) لا يملكه لان مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام " من احيا ارضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " انها لا تكون له إذا كان لمسلم فيها حق وكذلك قوله " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " وروي سعيد في سننه أن عمر قال من كانت له ارض - يعني من تحجر ارضا - فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم يعمرونها فهم أحق بها وهذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها ولان الثاني احيا في حق غيره فلم يملكه كما لو احيا
ما تتعلق به مصالح ملك غيره ولان حق المتحجر اسبق فكان اولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري (فصل) فان ضربت للمتحجر مدة فانقضت المدة ولم يعمر فلغيره أن يعمره ويملكه لان المدة ضربت له لينقطع حقه بمضيها وسواء اذن له السلطان في عمارتها أو لم يأذن، وان لم يكن للمتحجر عذر في ترك العمارة قيل له اما ان تعمر واما ان ترفع يدك فان لم يعمرها كان لغيره عمارتها، فان لم يقل له شئ واستمر تعطيلها فقد ذكرنا حديث عمر في المسألة قبلها ومذهب الشافعي في هذا الفصل والمسألة قبلها على نحو ما ذكرنا
[ 169 ]
(فصل) وللامام اقطاع موات لمن يحييه ولا يملك بالاقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما ذكرنا، ولا ينبغي ان يقطع الا ما قدر على احيائه لان اقطاعه اكثر منه ادخال ضرر على المسلمين بلا فائدة فيه فان فعل ثم تبين عجزه عن احيائه استرجعه منه كما استرجع عمر رضي الله عنه من بلال ابن الحارث ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع وإن عمر قال لبلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجبه عن الناس إنما أقطعك لتعمر فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي رواه أبو عبيد في الاموال، وذكر سعيد في سننه عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة قال سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطع بلال بن الحارث العقيق فلما ولي عمر قال ما أقطعته لتحجبه فاقطعه الناس، وروى علقمة بن وائل عن ابيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطعه أرضا بحضر موت قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، قال سعيد ثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن عمرو ابن شعيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أرضا فعطلوها فجاء قوم فاحيوها فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لو كانت قطيعة مني أو من ابي بكر لم أردها ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانا أردها
[ 170 ]
(فصل) وقد روى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا فأرسل معاوية أن
اعطه اياه أو أعلمه اياه. حديث صحيح، واقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال " أعطوه من حيث وقع السوط " رواه سعيد وأبو داود، وذكر البخاري عن أنس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار ليقطع لهم بالبحرين فقالوا يا رسول الله ان فعلت فاكتب لاخواننا من قريش بمثلها، وروي أن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا، وأقطع عثمان خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وسعدا وابن مسعود وأسامة بن زيد وخباب بن الارت وروي عن نافع أبي عبد الله أنه قال لعمران قبلنا ارضا بالبصرة ليست من ارض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين فان رايت ان تقطعنيها اتخذ فيها قصيلا لخيلي قال فكتب عمر إلى ابي موسى ان كانت كما يقول فاقطعها اياه. روى هذه الآثار كلها أبو عبيد في الاموال. إذا ثبت هذا فان من اقطعه الامام شيئا من الموات لم يملكه بذلك لكن يصير أحق به كالمتحجر الشارع في الاحياء على ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث حيث استرجع منه عمر ما عجز عن احيائه، ولو ملكه لم يجز استرجاعه ورد عمر ايضا قطيعة ابي بكر لعيينة بن حصن فسأل عيينة بن حصن ابا بكر ان يجدد له كتابا فقال والله لا اجدد شيئا رده عمر رواه أبو عبيد. فعلى هذا يكون المقطع أحق بها من سائر الناس واولى باحيائه وحكمه حكم المتحجر الشارع سواء وقد مر ذكره ومذهب الشافعي على نحو ما ذكرنا * (مسألة) * (وله اقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ورحاب المساجد ما لم يضيق على الناس) القطائع ضربان (احدهما) اقطاع موات لمن يحييه وقد ذكرناه (والثاني) اقطاع ارفاق وذلك كاقطاع مقاعد الاسواق والطرق الواسعة ورحاب المساجد فللامام اقطاعها لمن يجلس فيها لان له في ذلك اجتهادا
[ 171 ]
من حيث إنه لا يجوز الجلوس الا فيما لا يضر بالمارة فكان للامام ان يجلس فيها من لا يرى انه يتضرر بجلوسه، ولا يملكها المقطع بذلك بل يكون احق بالجلوس فيها من غيره بمنزلة السابق إليها من غير اقطاع الا في ان السابق إذا نقل متاعه عنها فلغيره الجلوس فيها لان استحقاقه لها بسبقه إليها ومقامه فيها فإذا انتقل عنها زال استحقاقه لزوال المعنى الذي استحق به وهذا استحق باقطاع الامام فلا يزول حقه بنقل متاعه ولا لغيره الجلوس فيه، وحكمه في التظليل على نفسه بما ليس بيتا ومنعه من
البناء ومنعه إذا طال مقامه حكم السابق على ما نذكره * (مسألة) * فان لم يقطعها فلمن يسبق إليها الجلوس فيها ويكون احق بها ما لم ينقل قماشه عنها) ما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران فليس لاحد احياؤه سواء كان واسعا أو ضيقا وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق لان ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم اشبه مساجدهم ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على احد ولا يضر بالمارة لاتفاق اهل الامصار في جميع الاعصار على اقرار الناس على ذلك من غير انكار، ولانه ارتفاق بمباح من غير اضرار فلم يمنع منه كالاجتياز قال احمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " منى مناخ من سبق " وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية وكساء ونحوه لان الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه، وليس له أن يبني دكة ولا غيرها لانه يضيق على الناس وتعثر به المارة بالليل والضرير في الليل والنهار وتبقى على الدوام وربما ادعى ملكه بذلك والسابق أحق به ما كان فيه فان قام وترك متاعه فيه لم يجز لغيره ازالته لان يد الاول
[ 172 ]
عليه وان نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه لان يده قد زالت * (مسألة) * (فان طال مقامه منع في أحد الوجهين) لانه يصير كالملك ويختص بنفع يساويه غيره في استحقاقه (والثاني) لا يمنع لانه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم * (مسألة) * (وان سبق اثنان إليه احتمل أن يقرع بينهما واحتمل أن يقدم الامام من يرى منهما فان كان الجالس يضيق على المارة لم يحل له الجلوس فيه وليس للامام تمكينه بعوض ولا غيره) قال أحمد ما كان ينبغي لنا أن نشتري من هؤلاء الذين يبيعون على الطريق قال القاضي هذا محمول على أن الطريق ضيق أو يكون يؤذي المارة لما تقدم وقال لا يعجبني الطحن في العروب إذا كانت في طريق الناس وهي السفن التي يطحن فيها في الماء الجاري انما كره ذلك لتضييقها طريق السفن المارة في الماء قال احمد ربما غرقت السفن فأرى للرجل ان يتوقى الشراء مما يطحن بها (فصل) وإن سبق إلى معدن فهو احق بما ينال منه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق
إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو احق به " وسواء كان المعدن ظاهرا أو باطنا إذا كان في موات فان اخذ قدر حاجته واراد الاقامة فيه بحيث يمنع غيره منع من ذلك لانه يضيق على الناس بما لا نفع فيه له اشبه ما لو وقف في مشرعة الماء لغير حاجة * (مسألة) * (وهل يمنع إذا طال مقامه للاخذ؟ على وجهين) (احدهما) يمنع لانه يصير كالمتملك والآخر لا يمنع لاطلاق الحديث، وإن استبق إليه اثنان أو اكثر وضاق المكان عنهما اقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الاخر ويحتمل ان يقسم بينهما لانه يمكن قسمته وقد
[ 173 ]
تساويا فقسم بينهما كما لو تداعيا عينا في ايديهما ولا بينة لاحدهما ويحتمل ان يقدم الامام من يرى منهما لان له نظرا وذكر القاضي وجها رابعا وهو ان الامام ينصب من يقسم بينهما وهذا التفصيل مذهب الشافعي * (مسألة) * (ومن سبق إلى مباح كصيد أو عنبر وحطب وثمر ولقطة ولقيط وما ينبذه الناس رغبة عنه أو يضيع منهم مما لا تتبعه النفس وما يسقط من البلح وسائر المباحات فهو أحق به باذن الامام وغير اذنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " وان سبق إليه اثنان قسم بينهما لان قسمته ممكنة فلا يؤخر حق أحدهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر، وان سبق إلى موات أو بئر عادية فهو أحق بها لما ذكرنا * (مسألة) * (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك كمياه الامطار فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى الكعب ثم يرسل إلى من يليه) وجملة ذلك انه لا يخلو الماء من حالين إما أن يكون جاريا أو واقفا والجاري ضربان (أحدهما) أن يكون في نهر غير مملوك وهو قسمان [ أحدهما ] أن يكون نهرا عظيما كالنيل والفرات الذي لا يستضر أحد بالسقي منهما فهذا لا تزاحم فيه ولكل أحد أن يسقي منها متى شاء وكيف شاء [ القسم الثاني ] أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه أو سيل يتشاح فيه أهل الارضين الشاربة منه فيبدأ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك وعلى هذا حتى تنتهي الاراضي كلها فان لم يفضل عن الاول شئ أو عن
[ 174 ]
الثاني أو عمن يليهما فلا شئ للباقين لانهم ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا لما روى عبد الله بن الزبير ان رجلا من الانصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم " اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك " فغضب الانصاري فقال يا رسول الله أن كان ابن عمنك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال " يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " فقال الزبير فوالله اني لاحسب هذه الآية نزلت فيه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ثم احبس حتى يبلغ الجدر " وكان ذلك إلى الكعبين، قال أبو عبيد: الشراج جمع شرج والشرج نهر صغير والحرة أرض ملتبسة بحجارة سود، والجدر الجدار وانما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أن يسقي ثم يرسل تسهيلا على غيره فلما قال الانصاري ما قال استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم انه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزوز ومذينيب " يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الاعلى على الاسفل " قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة يعملون به عندهم. قال عبد الملك بن حبيب: مهزوز ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر يتنافس أهل الحوائط في سيلهما وروى أبو داود باسناده عن ثعلبة بن أبي مالك انه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهزوز السيل الذي يقتسمون ماءه فقضى بينهم
[ 175 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الماء إلى الكعبين لا يحبس الاعلى على الاسفل، ولان من أرضه قريبة من رأس النهر سبق إلى المكان فكان أولى به كالسابق إلى المشرعة فان كانت أرض صاحب الاعلى مختلفة منها عالية ومنها مستفلة سقى كل واحدة منها على حدتها، فان استوى اثنان في القرب من أول النهر اقتسما الماء بينهما ان أمكن وإلا أقرع بينهما فقدم من تقع له القرعة فان كان الماء لا يفضل عن أحدهما سقى من تقع له القرعة بقدر حقه من الماء ثم تركه للآخر، وليس له السقي بجميع الماء لمساواة الآخر له في استحقاق
الماء وانما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق بخلاف الاعلى مع الاسفل فانه ليس للاسفل حق الا في الفاضل عن الاعلى فان كانت أرض إحداهما أكبر من أرض الآخر قسم الماء بينهما على قدر الارض لان الزائد من أرض أحدهما مساو في القرب فاستحق جزءا من الماء كما لو كان لثالث * (مسألة) * (فان أراد انسان احياء أرض ليسقيها من ماء النهر جاز ما لم يضر بأهل الارض الشاربة منه) إذا كان لجماعة رسم شرب من نهر غير مملوك أو سيل فجاء انسان ليحيي مواتا أقرب من رأس النهر من أرضهم لم يكن له أن يسقي قبلهم لانهم أسبق إلى النهر منه ولان من ملك أرضا ملكها بحقوقها ومرافقها ولا يملك غيره إبطال حقوقها وهذا من حقوقها، وهل لهم منعه من إحياء ذلك الموات؟ فيه وجهان (أحدهما) ليس لهم منعه لان حقهم في النهر لا في الموات (والثاني) لهم منعه لئلا يصير ذلك ذريعة إلى منعهم حقهم من السقي لتقديمه عليهم في القرب إذا طال الزمان وجهل الحال، فإذا قلنا ليس لهم منعه فسيق إلى مسيل ماء أو نهر غير مملوك فأحيا في أسفله مواتا ثم أحيا آخر فوقه ثم أحيا ثالث فوق الثاني كان للاسفل السقى أولا ثم الثاني ثم الثالث، ويقدم السبق الي الاحياء على السبق إلى أول النهر لما ذكرنا
[ 176 ]
(فصل) الضرب الثاني الجارى في نهر مملوك وهو قسمان (أحدهما) أن يكون الماء مباح الاصل مثل أن يحفر انسان نهرا صغيرا يتصل بنهر كبير مباح فما لم يتصل الحفر لا يملكه وانما هو تحجر وشروع في الاحياء فإذا اتصل الحفر ملكه لان الملك بالاحياء ان تنتهي العمارة إلى قصدها بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها وهذا كذلك وسواء أجرى فيه الماء أو لم يجره لان الاحياء يحصل بهيئته للانتفاع به دون حصول المنفعة فيصير مالكا لقرار النهر وحافتيه، وهواؤه حق له وكذلك حريمه وهو ملقى الطين من جوانبه، وعند القاضي ان ذلك غير مملوك لصاحب النهر وانما هو حق من حقوق الملك، وظاهر قول الخرقي انه مملوك لغير صاحبه قياسا على قوله في حريم البئر انه يملكه. إذا تقرر ذلك فكان النهر لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة لانه انما ملك بالعمارة والعمارة بالنفقة، فان كفى جميعهم فلا كلام وإن لم يكفهم فتراضوا على قسمته بالمهايأة أو غيرها جاز لان حقهم لا يخرج عنهم، وان تشاحوا فيه قسمه الحاكم بينهم على قدر أملاكهم لان كل واحد منهم يملك من النهر بقدر ذلك فتؤخذ خشبة أو حجر
مستوى الطرفين والوسط فتوضع على موضع مستو من الارض في مصدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم من كل حز أو ثقب ساقية مفردة لكل واحد منهم فإذا حصل الماء في ساقيته انفرد به فان كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك، فإذا كان لاحدهم نصفه وللثاني ثلثه وللثالث سدسه جعل فيه ستة ثقوب: لصحاب النصف ثلاثة نصب في ساقيته ولصاحب الثلث اثنان ولصاحب
[ 177 ]
قسدس واحد، فان كان لواحد الخمسان والباقي لاثنين على السواء جعل عشرة ثقوب: لصاحب الخمسين أربعة نصب في ساقيته ولكل واحد من الآخرين ثلاثة، فان كان النهر لعشرة - لخمسة منهم أراض الريبة من أول النهر ولخمسة أراض بعيدة جعل لاصحاب القريبة خمسة ثقوب لكل واحد ثقب وجعل للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم، ثم تقسم بينهم قسمة أخرى فان أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقية غيره ليقاسمه في موضع آخر لم يجز بغير رضاه لانه يتصرف في ساقيته ويخرب حابتيها بغير إذنه ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز فلم يجز ذلك، ويجئ على قولنا إن الماء لا يملك ان حكم الماء في هذا النهر حكمه في نهر غير مملوك وان الاسبق أحق بالسقي ثم الذي يليه على ما ذكرنا، ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرنا (فصل) وإذا حصل نصيب انسان في ساقية فله أن يسقي به ما شاء من الارض سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لم يكن، وله أن يعطيه من يسقي به، وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس له سقي أرض ليس لها رسم شرب من هذا الماء لان ذلك دال على ان لها قسما من هذا الماء فربما جعل سقيها منه دليلا على استحقاقها لذلك فيستضر الشركاء ويصير هذا كما لو كان له دار بابها في درب لا ينفذ ودار بابها في درب آخر ظهرها ملاصق لظهر داره الاولى فأراد تنفيذ إحداهما إلى الاخرى لم يجز لانه يجعل لنفسه استطراقا من كل واحدة من الدارين ولنا أن هذا ماء انفرد باستحقاقه فكان له أن يسقي منه ما شاء كما لو انفرد به من أصله ولا نسلم
[ 178 ]
ما ذكره في الدارين وان سلمنا فالفرق بينهما ان كل دار يخرج منها إلى درب مشترك لان الظاهر أن
لكل دار سكانا فيجعل لسكان كل واحدة منهما استطراقا إلى درب غير نافذ لم يكن لهم حق في استطراقه وههنا انما يسقي من ساقيته المفردة التي لا يشاركه غيره فيها، فلو صار لتلك الارض رسم من الشرب من ساقيته لم يتضرر بذلك أحد، ولو كان يسقي من هذا النهر بدولاب فأحب أن يسقي بذلك الماء أرضا لا رسم لها في الشرب من ذلك النهر فالحكم في ذلك على ما ذكرنا من الخلاف، وان كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك جاز أن يسقى بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشرب منه بغير خلاف نعلمه فان ضاق الماء قدم الاسبق فالاسبق على ما مضى (فصل) ولكل واحد منهم أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب من إجراء ماء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو دولاب أو عبارة وهي خشبة تمد على طرفي النهر أو قنطرة يعبر فيها الماء أو غير ذلك من التصرفات لانها ملكه ولا حق فيها لغيره فاما النهر المشترك فليس لواحد منهم أن يتصرف فيه بشئ من ذلك لانه تصرف في النهر المشترك أو في حريمه بغير إذن شركائه وقال القاضي في العبارة هذا ينبني على الروايتين فيمن أراد أن يجري ماءه في أرض غيره والصحيح أنه
[ 179 ]
لا يجوز ههنا ولا يصح قياس هذا على إجراء الماء في أرض غيره لان اجراء الماء في أرض ينفع صاحبها لانه يسقي عروق شجره ويشربه أولا وآخرا وهذا لا ينفع النهر بل ربما أفسد حافته ولا يسقي له شيئا، ولو أراد أحد الشركاء أن يأخذ من النهر قبل قسمته شيئا يسقي به أرضا في أول النهر أو في غيره أو أراد إنسان غيرهم ذلك لم يجز لانهم صاروا أحق بالماء الخاص في نهرهم من غيرهم ولان الاخذ من الماء ربما احتاج إلى تصرف في حافة النهر المملوك لغيره أو المشترك بينه وبين غيره، ولو فاض ماء هذا النهر إلى أرض إنسان فهو مباح كالطائر يعشش في ملك إنسان ومذهب الشافعي في ذلك على نحو ما ذكرنا. (فصل) وان قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة جاز إذا تراضوا به وكان حق كل واحد منهم معلوما مثل أن يجعلوا لكل حصة يوما وليلة، وان قسموا النهار فجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلي الزوال وللآخر من الزوال إلى الغروب ونحو ذلك جاز، وان قسموه ساعات وأمكن ضبط ذلك
بشئ معلوم جاز فإذا حصل الماء لاحدهم في نوبته فأراد أن يسقي به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا أو بؤثر به إنسانا أو يقرضه إياه على وجه لا يتصرف في حافة النهر جاز وعلى قول القاضي وأصحاب الشافعي ينبغي أن لا يجوز لما تقدم، وان أراد صاحب النوبة أن يجري مع مائه ماء له آخر يسقي
[ 180 ]
به أرضه التي لها رسم شرب من النهر أو أرضا له أخرى أو سأله إنسان أن يجري له ماء مع مائه في هذا النهر ليقاسمه إياه في موضع آخر على وجه لا يضر بالنهر ولا باحد جاز ذلك في قياس قول أصحابنا فانهم قالوا فيمن استأجر أرضا جاز أن يجري فيها ماء في نهر محفور إذا كان فيها ولانه مستحق لنفع النهر في نوبته باجراء الماء فأشبه ما لو استأجرها لذلك. (فصل) القسم الثاني أن يكون منبع الماء مملوكا مثل ان اشترك جماعة في استنباط عين وإجرائها فانهم يملكونها أيضا لان ذلك احياء لها، ويشتركون فيها وفي ساقيتها على حسب ما أنفقوا عليها وعملوا فيها كما ذكرنا في النهر في القسم الذى قبله الا أن الماء غير مملوك ثم لانه مباح دخل ملكه فأشبه ما لو دخل بستانه صيد، وههنا يخرج على روايتين أصحهما أنه غير مملوك أيضا وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع وعلى كل حال فلكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وينتفع به في اشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه ولا يحصل لصاحبه المنع من ذلك لما روي أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان يفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل " رواه البخاري وعن بهيسة عن أبيها أنه قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال الماء قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال
[ 181 ]
" الملح " قال يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال " أن تفعل الخير خير لك " رواه أبو داود ولان ذلك لا يؤثر في العادة وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر، واما ما يؤثر كسقي الماشية الكثيرة فان فضل عن حاجته لزمه بذله والا لم يلزمه وقد ذكرناه (فصل) إذا كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة فأرادوا اكراءه أو سد بثق فيه أو اصلاح
حائطه أو شئ منه كان ذلك عليهم على حسب ملكهم فيه فان كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض اشترك الكل في إصلاحه وأكرائه إلى ان يصلوا إلى الاول ثم لا شئ على الاول ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني ثم يشترك من بعده كذلك كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شئ وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يشترك جميعهم في اكرائه كله لانهم ينتفعون بجميعه فان ما جاوز الاول مصب لمائه وان لم يسق أرضه ولنا أن الاول إنما ينتفع بالماء الذي في موضع شربه وما بعده إنما يختص بالانتفاع به من دونه فلا يشاركهم في مؤنته كما لا يشاركهم في نفعه فان كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنته على جميعهم لاشتراكهم في الحاجة إليه والانتفاع به فكانت مؤنته عليهم كلهم كأوله
[ 182 ]
* (مسألة) * (وللامام أن يحمي أرضا من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيق على الناس، ولا يجوز ذلك لغيره) معنى الحمى أن يحمى أرضا يمنع الناس رعى جشيشها ليختص بها وكانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك فكان منهم من إذا انتجع بلدا أقام كلبا على نشز ثم استعواه ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيث انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ويرعى مع الناس فيما سواه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشئ لهم فيه حق فروى الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا حمى إلا لله ولرسوله " رواه أبو داود وقال عليه الصلاة والسلام " الناس شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلا " رواه الخلال فليس لاحد من الناس أن يحمي سوى الائمة لما ذكرنا من الخبر والمعنى، فاما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان له أن يحمي لنفسه وللمسلمين لقوله " لا حمى إلا لله ولرسوله " ولم يحم لنفسه شيئا وانما حمى للمسلمين فروى ابن عمر قال حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين رواه أبو عبيد والنقيع بالنون موضع ينتقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب لمكان الماء الذي يصير فيه، وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لانفسهم شيئا ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وضوال
[ 183 ]
الناس التى يقوم الامام بحفظها وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستضر به من سواه من الناس وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في صحيح قوليه، وقال في الآخر ليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمي لقوله " لا حمى إلا لله ولرسوله " ووجه الاول أن عمر وعثمان حميا واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر عليهما فكان اجماعا فروى أبو عبيد باسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال أتى اعرابي عمر فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الاسلام علام؟ تحميها قال فاطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ فلما رأى الاعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الارض شبرا في شبر. قال خالك بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين الفا من الظهر، وعن أسلم قال سمعت عمر يقول لهني حين استعمله على حمى الربذة يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فانها مجابة وأدخل رب الصريمة والغنيمة ودعني من نعم ابن عوف ونعم ابن عفان فانهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع وان هذا المسكين ان هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين فالكلا أهون علي أم غرم الذهب والورق انها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الاسلام وانهم ليرون أنا نظلمهم ولولا النعم التي نحمل عليها في سبيل الله
[ 184 ]
لما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا وهذا اجماع؟؟؟؟؟؟ ولان ما كان لمصالح المسلمين قامت الائمة فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما أطعم الله لنبي طعمة الا جعلها طعمة من بعده " والخبر مخصوص وما حماه لنفسه يفارق حمى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه لان صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين وماله كان يرده على المسلمين، وليس لهم أن يحموا الا قدرا لا يضيق عن المسلمين ويضر بهم لانه انما جاز لما فيه من المصلحة لما يحمى وليس من المصلحة ادخال الضرر على أكثر الناس * (مسألة) * (وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لاحد نقضه ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه) لان ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم نص لا يجوز نقضه بالاجتهاد ومن احيا منه شيئا لم يملكه وان زالت
الحاجة إليه ففيه وجهان أصحهما أنه لا يجوز نقضه لما ذكرنا، فأما ما حماه غيره من الائمة فغيره هو أو غيره من الائمة جاز، وان أحياه انسان ملكه في أحد الوجهين لان حمى الائمة اجتهاد وملك الارض بالاسياء نص والنص يقدم على الاجتهاد والوجه الآخر لا يملكه لان اجتهاد الامام لا يجوز نقضه كما لا يجوز نقض حكمه والاول أولى لان الاجتهاد في حماء في تلك المدة دون غيره ولهذا ملك الحامي نقضه ومذهب الشافعي في هذا على نحو ما ذكرنا
[ 185 ]
كتاب الوقف وهو تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وهو مستحب، والاصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال أصاب عمر أرضا بخير فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله انى أصبت أرضا بخيبر لم أصب قط مالا أنفس عندي منه فما تأمرني فيه؟ قال " ان شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " قال فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متاثل فيه أو غير متمول فيه متفق عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولده صالح يدعو له " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه مسلم (فصل) والقول بصحة الوقف قول أكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم، قال جابر لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف ولم يره شريح وقال لا حبس عن فرائض الله قال احمد هذا مذهب أهل الكوفة وحديث ابن عمر حجة على من خالفه وهو صريح في الحكم مع صحته وقول جابر نقل للاجماع فلا يلتفت إلى خلاف ذلك
[ 186 ]
* (مسألة) * وفيه روايتان احداهما أنه يحصل بالقول والفعل الدال عليه مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها أو سقاية ويشرعها لهم) ظاهر المذهب ان الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه التي ذكرناها قال احمد في رواية أبي داود
وأبي طالب فيمن أدخل بيتا في المسجد واذن فيه: لم يرجع فيه وكذلك إذا اتخذ المقابر واذن للناس والسقاية فليس له الرجوع هذا قول أبي حنيفة، الرواية الاخرى لا يصح الا بالقول ذكرها القاضي وهو مذهب الشافعي وأخذه القاضي من قول احمد إذ سأله الاثرم عن رجل أحاط حائط على أرض ليجعلها مقبرة ونوى بقلبه ثم بدا له العود فقال ان كان جعلها لله فلا يرجع قال شيخنا وهذا لا ينافي الرواية الاولى فانه ان أراد بقوله ان كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله فهذا تأكيد للرواية الاولى وزيادة عليها إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية وان أراد بقوله جعلها لله أي اقترنت بفعله قرائن دالة على ارادة ذلك مع اذنه للناس في الدفن فيها فهو الرواية الاولى بعينها وان أراد إذا وقفها بقوله فيدل بمفهومه على أن الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية وهذا لا ينافي الرواية الاولى لانه في الاولى انضم إلى فعله، اذنه للناس في الدفن ولم يوجد ههنا فلا تنافي بينهما ولم يعلم مراده من هذه الاحتمالات فانتفت هذه الرواية وصار المذهب رواية واحدة واحتجوا بان هذا تحبيس على وجه القربة فوجب أن لا يصح بدون اللفظ كالوقف على الفقراء
[ 187 ]
ولنا أن العرف جار بذلك وفيه دلالة على الوقف فجاز ان يثبت به كالقول وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما كان اذنا في أكله ومن ملا خابية ماء على الطريق كان تسبيلا له ومن نثر نثارا كان اذنا في أخذه كذلك دخول الحمام واستعمال مائه من غير اذن مباح بدلالة الحال وقد ذكرنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة وكذلك الهبة والهدية لدلالة الحال كذلك هذا وأما الوقف على المساكين فلم تجر به عادة بغير لفظ ولو كان شئ جرت به العادة أو دلت الحال عليه كان كمسئلتنا * (مسألة) * وصريحه وقفت وسبلت وحبست فمتى أتى بواحدة منها صار وقفا من غير انضمام أمر زائد لان هذه الالفاظ ثبت لها عرف الاستعمال بين الناس وانضم إلى ذلك عرف الشرع بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " ان شئت حبست أصلها وسلبت ثمرتها " فصارت هذه الالفاظ في الوقف كلفظ التطليق في الطلاق والكناية تصدقت وحرمت وأبدت فليست صريحة لان لفظة الصدقة والتحريم مشتركة فان الصدقة تستعمل في الزكاة والهبات والتحريم يستعمل في الظهار والايمان ويكون تحريما على نفسه
وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأييد الوقف فلم يثبت لهذه الالفاظ عرف الاستعمال فلا يصح الوقف بمجردها ككنايات الظاهر فإذا انضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها (أحدها) أن ينوي الوقف فيكون على ما نوى إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر لعدم الاطلاع عليها فان اعترف بما نواه لزم في الحكم لظهوره، وإن قال ما أردت الوقف فالقول قوله لانه أعلم بما نوى
[ 188 ]
(الثاني) أن يضيف إليها لفظة تخلصها من الالفاظ الخمسة فيقول صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة أو محرمة أو يقول هذه محرمة موقوفة أو محتبسة أو مسبلة أو مؤبدة (الثالث): أن يصفها بصفات الوقف فيقول صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث لان هذه القرينة تزيل الاشتراك. * (مسألة) * (ولا يصح الوقف إلا بشروط أربعة: (أحدها) أن يكون في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها دائما مع بقاء عينها كالحيوان والعقار والاثاث والسلاح) وجملة ذلك أن الذي يصح وقفه ما جاز بيعه مع بقاء عينه وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والحيوان والسلاح والاثاث وأشباه ذلك قال احمد في رواية الاثرم انما الوقف في الدور والارضين على ما وقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به، وهذا قول الشافعي، وقال أبو يوسف لا يجوز وقف الحيوان ولا الرقيق ولا العروض الا الكراع والسلاح والغلمان والبقر والآلة في الارض الموقوفة تبعا لها لان هذا حيوان لا يقاتل عليه فلم يجز وقفه كما لو كان الوقف إلى مدة، وعن مالك في الكراع والسلاح روايتان ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أما خالد فانه قد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله " متفق
[ 189 ]
عليه وفي رواية أعتده أخرجه البخاري قال الخطابي الاعتاد ما يعده الرجل من مركوب وسلاح وآلة
الجهاد، وروي أن أم معقل جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان أبا معقل جعل ناصحه في سبيل الله واني أريد الحج أفأركبه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اركبيه فان الحج والعمرة من سبيل الله " ولانه يحصل فيه تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة فصح وقفه كالعقار والفرس الحبيس أو نقول يصح وقفه مع غيره فصح وحده كالعقار (فصل) قال احمد رحمه الله في رجل له دار في الربض أو قطيعة فاراد التنزه منها قال يقفها وقال القطائع ترجع إلى الاصل أراد جعلها للمساكين فظاهر هذا اباحة وقف السواد وهو في الاصل وقف ومعناه أن وقفها يطابق الاصل لا انها تصير بهذا القول وقفا * (مسألة) * (ويصح وقف المشاع وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن لا يصح وبناه على أصله في أن القبض شرط وهو لا يصح في المشاع ولنا أن في حديث عمر انه أصاب مائة سهم من خيبر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيها فأذن له في وقفها وهذا صفة المشاع ولانه عقد يجوز على بعض الجملة مقررا فجاز عليه مشاعا كالبيع ولان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وهذا يحصل في المشاع كحصوله في المقرر ولا نسلم اعتبار القبض وان سلمها
[ 190 ]
(فصل) وان وقف داره على جهتين مختلفتين مثل أن يقفها على أولاده وعلى المساكين نصفين أو أثلاثا أو كيفما كان جاز وسواء جعل مآل الموقوف على أولاده على المساكين أو على جهة سواهم لانه إذا جاز وقف الجزء مفردا جاز وقف الجزئين، وان أطلق الوقف فقال وقفت داري هذه على أولادي وعلى المساكين فهي بينهما نصفين لان اطلاق الاضافة اليهما يقتضي التسوية بين الجهتين ولا تتحقق الا بالتنصيف وان قال وقفتها على زيد وعمرو والمساكين فهي بينهم اثلاثا * (مسألة) * (ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية) لان ذلك نفع مباح مقصود يجوز أخذ الاجرة عليه فصح الوقف عليه كوقف السلاح في سبيل الله ولما روى نافع قال ابتاعت حفصة حليا بعشرين الفا فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته رواه الخلال باسناده ولانه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائما فصح وقفها كالعقار وهو قول
الشافعي وروي عن احمد انه لا يصح وقفها عليه وأنكر الحديث عن حفصة في وقفه ووجه هذه الرواية أن التحلي ليس هو المقصود الاصلي من الاثمان فلم يصح وقفها عليه كما لو وقف الدنانير والدراهم والمذهب الاول لما ذكرنا، والتحلي من المقاصد المهمة والعادة جارية به وقد اعتبره الشرع في اسقاط الزكاة عن متخذه وجوز اجارته لذلك ويفارق الدراهم والدنانير فان العادة لم تجر بالتحلي بها ولا اعتبر الشرع ذلك في اسقاط زكاة ولا ضمان نفعه في الغصب بخلاف مسئلتنا
[ 191 ]
* (مسألة) * (ولا يصح الوقف في الذمة كعبد ودار وسلاح غير معين) لان الوقف ابطال لمعنى الملك فيه فلم يصح في غير معين كالعتق * (مسألة) * (ولا يصح في غير معين كأحد هذين العبدين) لانه انقل للملك على وجه القربة فلم يصح في غير معين كالهبة * (مسألة) * (ولا يصح وقف ما لا يجوز بيعه كام الولد والكلب والمرهون وكذلك الخنزير وسائر سباع البهائم التي لا تصلح للصيد وجوارح الطير التي لا يصاد بها) لانه نقل للملك فيها في الحياة فلم يجز كالبيع ولان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وما لا منفعة فيه مباحة فلا يحصل فيه تسبيل المنفعة والكلب أبيح الانتفاع به على خلاف الاصل للضرورة فلم يجز التوسع فيها، والمرهون في وقفه ابطال حق المرتهن منه فلم يجز ابطاله ولا يصح وقف الحمل المنفرد لانه لا يجوز بيعه. (فصل) ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائما كالاثمان والطعوم والرياحين) ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدراهم والدنانير والمشروب وأشباهه من الرياحين لا يجوز وفقه في قول عامة الفقهاء وأهل العلم الا شيئا حكي عن مالك والاوزاعي في وقف الطعام انه يجوز ولم يحكه أصحاب مالك وليس بصحيح لان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة وما لا ينتفع به إلا بالاتلاف لا يصح ذلك
[ 192 ]
فيه وقيل في الدراهم والدنانير يصح وقفها عند من أجاز اجارتها ولا يصح لان تلك المنفعة ليست المقصود
الذي خلقت له الاثمان ولهذا لا تضمن في الغصب فلم يجز الوقف له كوقف الشجر على نشر الثياب والغنم على دوس الطين والشمع ليتجعل به ولذلك لا يصح وقف الشمع للاشعال لانه يتلف بالانتفاع به فهو كالمأكول (الثاني) أن يكون على بر كالمساكين والمساجد والقناطر والاقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة. وجملة ذلك ان الوقف لا يصح إلا على بر أو معروف لولده وأقاربه والمساجد والقناطر وكتب الفقه والعلم والقرآن والسقايات والمقابر وسبيل الله وإصلاح الطرق ونحو ذلك من القرب ويصح على أهل الذمة لانهم يملكون ملكا محترما وتجوز الصدقة عليهم قال الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي ان صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي ولان من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم صح لان الوقف عليهم لا على الموضع * (مسألة) * (ولا يصح على الكنائس وبيوت النار والبيع وكتب التوراة والانجيل) لان ذلك معصية فان هذه المواضع بنيت للكفر وكتبهم مبدلة منسوخة ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم على عمر حين رأى معه صحيفة فيها شئ من التوراة وقال " أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " ولو لا ان ذلك معصية ما غضب منه. وحكم
[ 193 ]
الوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ومن يعمرها كالوقف عليها لانه يراد لتعظيمها والمسلم والذمي في ذلك سواء، قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعا وماتوا ولهم أبناء نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا ولا نعلم فيه مخالفا لان ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح وقف الذي كغير المعين فان قيل فقد قلتم ان أهل الكتاب إذا عقدوا عقودا فاسدة وتقابضوا ثم أسلموا وترافعوا الينا لم ننقض ما فعلوه فكيف أجزتم الرجوع فيما وقفوه علي كنائسهم؟ قلنا الوقف ليس بعقد معاوضة انما هو إزالة ملك في الموقوف على وجه القربة فإذا لم يقع صحيحا لم يزل الملك بحاله كالعتق، وقد روي عن أحمد
رحمه الله فيمن أشهد في وصيته ان غلامه فلانا يخدم البيعة خمس سنين ثم هو حر ثم مات مولاه وخدم سنة ثم أسلم ما عليه؟ قال هو حر ويرجع على الغلام بأجر خدمة مبلغ أربع سنين، وروي عنه قال هو حر ساعة مات مولاه لان هذه معصية وهذه الرواية أصح وأوفق لاصوله، ويحتمل ان قوله يرجع عليه بخدمة أربع سنين لم يكن لصحة الوظيفة بل لانه انما أعتقه بعوض يعتقدان صحته فإذا تعذر العوض باسلامه كان عليه ما يقوم مقامه كما لو تزوج الذمي ذمية على ذلك ثم أسلم فانه يجب عليه المهر كذا ههنا يجب عليه العوض والاول أولى
[ 194 ]
* (مسألة) * (ولا يصح الوقف على حربي ولا مرتد) لان أموالهم مباحة في الاصل تجوز إزالتها فما يتجدد لهم أولى والوقف يجب أن يكون لازما لانه تحبيس الاصل * (مسألة) * (ولا يصح على نفسه في إحدى الروايتين، فان وقف على غيره واستثنى الاكل منه مدة حياته صح) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن وقف على نفسه ثم على المساكين أو على ولده فقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن هذا فقال لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله فإذا وقفه عليه حتي يموت فلا أعرفه، فعلى هذه الرواية يكون الوقف عليه باطلا وهل يبطل على من بعده؟ على وجهين بناء على الوقف المنقطع الابتداء وهذا مذهب الشافعي لان الوقف تمليك للرقبة أو للمنفعة ولا يجوز أن يملك الانسان نفسه من نفسه كما لو يجوز أن يبيع ماله من نفسه ولان الوقف على نفسه انما حاصله منع نفسه من التصرف في رقبة الملك فلم يصح ذلك كما لو أفرده بأن يقول لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه، ونقل جماعة ان الوقف صحيح اختاره ابن أبي موسى. قال ابن عقيل وهو أصح وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي يوسف وابن شريح لما نذكره في المسألة بعدها ولانه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع به كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه والاول أقيس (فصل) ومن وقف وقفا صحيحا على انسان فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه وزال ملكه
[ 195 ]
عن الوقف وملك منافعه فلم يجز أن ينتفع بشئ منها فأما ان وقف شيئا للمسلمين دخل في جملتهم مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلي فيه أو مقبرة فله الدفن فيها أو بئر للمسليمن فله أن يسقي منها أو سقاية أو شيئا يعم المسلمين فكيون كأحدهم لا نعلم في ذلك خلافا وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سبل بئر رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين * (مسألة) * (وان وقف على غيره واستثنى الاكل منه مدة حياته صح) إذا وقف وقفا على غيره وشرط أن ينفق منه على نفسه صح الوقف والشرط نص عليه أحمد قال الاثرم قيل لابي عبد الله اشترط في الوقف اني أنفق على نفسي وأهلي؟ قال نعم واحتج قال سمعت ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن حجر المدري أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر قال القاضي يصح الوقف رواية واحدة لان أحمد نص عليها في رواية جماعة وبذلك قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف والزبيري وابن شريح وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن لا يصح الوقف لانه ازالة الملك فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه كالبيع والهبة وكما لو اعتق عبدا واشترط أن يخدمه ولان ما ينفقه على نفسه مجهول فلم يصح اشتراطه كما لو باع شيئا واشترط أن ينتفع به. ولنا ان الخبر الذي ذكره الامام أحمد ولان عمر رضي الله عنه لما وقف قال لا بأس على من
[ 196 ]
وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا غير متمول منه وكان الوقف في يده إلى ان مات ولانه إذا وقف وقفا عاما كالمساجد والسقايات والمقابر كان له الانتفاع به وكذلك ههنا ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته أو مدة معلومة معينة وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه فان عمر لم يقدر ما يأكله الوالي ويطعم الا بقوله بالمعروف وفي حديث صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر إلا أنه إذا شرط أن ينتفع بها مدة معينة فمات فيها فينبغي أن يكون ذلك لورثته كما لو باع دارا واشترط أن يسكنها سنة فمات في اثنائها (فصل) ويصح أن يشترط ان يأكل منها أهله لان النبي صلى الله عليه شرط ذلك في صدقته وان
شرط أن يأكل منه من وليه ويطعم صديقا صح لان عمر شرط ذلك في صدقته التي استأمر فيها رسول الله عليه وسلم فان وليها الواقف كان له أن يأكل ويطعم صديقا لان عمر ولي صدقته وان وليها أحد من أهله فله ذلك لان حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته بعد موته ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر (فصل) فان اشترط أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه بطل الوقف والشرط لا نعلم في بطلان الشرط خلافا لانه ينافي مقتضى الوقف ويحتمل أن يبطل الشرط ويصح الوقف بناء على الشروط الفاسدة في البيع وان شرط الخيار في الوقف فسد نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو يوسف في رواية عنه يصح لان الوقف تمليك المنافع فجاز شرط الخيار فيه كالاجارة
[ 197 ]
ولنا أنه شرط ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ان له بيعه متى شاء ولانه إزالة ملك لله تعالى فلم يصح شرط الخيار فيه كالعتق ولانه ليس بعقد معاوضة فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالهبة بخلاف الاجارة فانها عقد معاوضة وههنا لو ثبت الخيار لثبت مع ثبوت حكم الوقف فافترقا (فصل) وان شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح لانه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده كما لو شرط أن لا ينتفع به فأما ان شرط للناظر ان يعطي من يشاء من اهل الوقف ويمنع من يشاء جاز لان ذلك ليس باخراج للموقوف عليه من الوقف وإنما علق استحقاق الوقف بصفة فكأنه جعل له حقا في الوقف إذا اتصف بارادة الناظر عطيته ولم يجعل له حقا إذا انتفت تلك الصفة فيه فأشبه ما لو وقفه على المشتغلين بالعلم من ولده فانه يستحق منهم من اشتغل دون من لم يشتغل فمتى ترك المشتغل الاشتغال زال استحقاقه فان عاد إليه عاد استحقاقه * (فصل) * إذا جعل علو داره مسجدا دون أسفلها أو أسفلها دون علوها صح وقال أبو حنيفة لا يصح لان المسجد يتبعه هواؤه ولنا أنه يصح بيعها كذلك فصح وقفها كالدار جميعها ولانه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف فجاز فيما ذكرنا كالبيع * (فصل) * فان جعل وسط داره مسجدا ولم يذكر الاستطراق صح وقال أبو حنيفة لا يصح حتى
يذكر الاستطراق
[ 198 ]
ولنا أنه عقد يبيح الانتفاع من ضرورته الاستطراق فصح وإن لم يذكره كما لو أجر بيتا من داره * (مسألة) * (الثالث أن يقفه على معين يملك ولا يصح على مجهول كرجل ومسجد) لانه تمليك أشبه البيع ولان الوقف تمليك للعين أو للمنفعة فلا يصح على غير معين كالاجارة * (مسألة) * (ولا يصح على حيوان لا يملك كالعبد القن وأم الولد والمدبر والميت والحمل والملك والبهيمة والجن) قال أحمد فيمن وقف على مماليكه لا يصح الوقف حتى يعتقهم وذلك لان الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك فان قيل فقد جوزتم الوقف على المساجد والسقايات وأشباهها وهي لا تملك قلنا الوقف هناك على المسلمين الا أنه عين في نفع خاص لهم فان قيل فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة والوقف عليهم جائز قلنا على الجهة التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا بل هي معصية محرمة يزدادون بها عقابا واثما بخلاف المساجد فان قيل فلم لا يصح الوقف على العبد إذا قلنا إنه يملك بالتمليك؟ قلنا لان الوقف يقتضي تحبيس الاصل والعبد لا يملك ملكا لازما ولا يصح على المكاتب وان كان يملك لان ملكه غير مستقر * (مسألة) * (الرابع أن يقف ناجزا فإذا علقه على شرط لم يصح إلا أن يقول هو وقف بعد
[ 199 ]
موتي فيصح في قول الخرقي وعند أبي الخطاب لا يصح) لا يصح تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة مثل أن يقول إذا جاء رأس الشهر قداري وقف أو فرسي حبيس أو إذا ولد لي ولد أو إذا قدم غائب ونحو ذلك ولا نعلم في هذا خلافا لانه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية فلم يجز تعليقه على شرط في الحياة كالهبة (فصل) فأما إذا قال هو وقف بعد موتي فظاهر كلام الخرقي أنه يصح ويعتبر من الثلث كسائر الوصايا وهو ظاهر كلام أحمد وقال القاضي لا يصح هذا لانه تعليق للوقف على شرط فلم يصح كما لو علقه
على شرط في حياته وحمل كلام الخرقي على أنه قال قفوا بعد موتي فتكون وصية بالوقف لا اياقفا ولنا على صحة الوقف المعلق بالموت ما احتح به أحمد أن عمرا وصى فكان في وصيته هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين ان حدث به حدث ان ثمنا صدقة والعبد الذي فيه والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة وسق الذي أطعمني محمد صلى الله عليه وسلم تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه ان أكل أو اشتري رقيقا رواه أبو داود بنحو من هذا وهذا نص في مسئلتنا ووقفه هذا كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولانه اشتهر في الصحابة ولم ينكر فكان إجماعا ولان هذا تبرع معلق بالموت فصح كالهبة والصدقة المطلقة أو نقول صدقة معلقة بالموت فأشبهت غير الوقف وفارق هذا التعليق على شرط في الحياة
[ 200 ]
بدليل الصدقة المطلقة أو الهبة وغيرهما وذلك لان هذا وصية والوصية أوسع من التصرف في الحياة بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم وللمجهول وللحمل وغير ذلك وبهذا يبين فساد قياس من قاس على هذا الشرط بقية الشروط وسوى المتأخرون من أصحابنا بين تعليقه بالموت وتعليقه بشرط في الحياة ولا يصح لما ذكرنا من الفرق بينهما (فصل) ولا يشترط القبول الا أن يكون على آدمي معين ففيه وجهان أحدهما يشترط فان لم يقبل أو رده بطل في حقه دون من بعده وصار كما لو وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز يصرف في الحال إلى من بعده وجملة ذلك أن الوقف إذا كان على غير معين كالمساكين أو من لا يتصور منه القبول كالمساجد والقناطر لم يفتقر إلى القبول ون كان على آدمي معين ففيه وجهان أحدهما لا يشترط اختاره القاضي لانه أحد نوعي الوقف فلم يشترط له القبول كالنوع الآخر ولانه إزالة ملك تمنع البيع والهبة والميراث فلم يعتبر فيه قبول كالعتق والثاني يشترط لانه تبرع لآدمي معين فكان من شرطه القبول كالهبة والوصية يحققه أن الوصية إذا كانت لادمي معين وقفت على قبوله وان كانت لغير معين كالمساكين أو لمسجد أو نحوه لم تفتقر إلى قبول كذا هاهنا والاول أولى والفرق بينه وبين الهبة والوصية أو الوقف لا يختص المعين بل يتعلق
به حق من يأتي من البطون في المستقبل فيكون الوقف على جميعهم الا أنه مرتب فصار بمنزلة الوقف
[ 201 ]
على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم ولا يقف على قبوله والوصية للمعين بخلافه وهذا مذهب الشافعي وإذا قلنا لا يفتقر إلى القبول لم يبطل بالرد كالعتق وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده بطل في حقه دون من بعده وصار كالوقف المنقطع الابتداء يخرج في صحته في حق من سواه وبطلانه وجهان بناء على تفريق الصفقة * (فصل) * إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فهو وقف منقطع الابتداء كالوقف على عبده وأم ولده أو مجهول فان لم يذكر له مآلا فالوقف باطل وكذلك ان جعل له مآلا لا يجوز الوقف عليه لانه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل كما لو وقف ما لا يجوز وقفه، وإن جعل له مآلا يجوز الوقف عليه كمن يقف على عبده ثم على المساكين ففي صحته وجهان بناء على تفريق الصفقة، وللشافعي قولان كالوجهين، فإذا قلنا يصح وهو قول القاضي وكان من لا يجوز الوقف عليه لا يمكن اعتبار انقراضه كالميت والمجهول والكنائس صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه لاننا لما صححنا الوقف مع ذكر ما لا يجوز الوقف عليه فقد ألغيناه لتعذر التصحيح مع اعتباره، وان كان من لا يجوز الوقف عليه يمكن اعتبار انقراضه كأم ولده وعبد معين فكذلك ذكره أبو الخطاب وفيه وجه آخر أنه يصرف في الحال إلى مصرف الوقف المنقطع إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه فإذا انقرض صرف إلى من يجوز ذكره القاضي وابن عقيل لان الواقف انما جعله وقفا على من يجوز بشرط انقراض هذا فلا يثبت بدونه، ويفارق ما لا يمكن اعتبار انقراضه لتعذر اعتباره ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين * (فصل) * فان كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط كمن وقف على ولده ثم على عبيده ثم على
[ 202 ]
المساكين خرج في صحة الوقف وجهان على ما نذكره في الوقف المنقطع الانتهاء، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه فان لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة وان أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على وجهين كما تقدم، فان كان منقطع الطرفين صحيح الوسط كمن وقف على عبده ثم على اولاده ثم على الكنيسة خرج في صحته أيضا وجهان ومصرفه بعد من يجوز الوقف عليه إلى مصرف الوقف المنقطع
* (مسألة) * (وان وقف على جهة تنقطع ولم يذكر له مآلا أو وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز أو قال وقفت وسكت انصرف بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف وقفا عليهم في احدى الروايتين، والاخرى إلى اقرب عصبته وهل يختص به فقراءهم؟ على وجهين، وقال القاضي في موضع يكون وقفا على المساكين) وجملة ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف في صحته عند القائلين بصحة الوقف ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع مثل أن يجعل علي المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم، وان كان معلوم الانتهاء مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة ولم يجعل آخره للمساكين ولا لجهة غير منقطعة فهو صحيح أيضا وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي في أحد قوليه، وقال محمد بن الحسن لا يصح وهو القول الثاني للشافعي لان الوقف مقتضاه التأبيد فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء
[ 203 ]
ولنا أنه تصرف معلوم المصرف فصح كما لو صرح بمصرفه المتصل ولان الاطلاق إذا كان له عرف حمل عليه كنقد البلد وعرف الصرف ههنا أولى الجهات به فكأنه عينهم. إذا ثبت هذا فانه ينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف وبه قال الشافعي إلا أنه قال يكون وقفا على أقرب الناس إلى الواقف الذكر والانثى فيه سواء، وعن أحمد أنه يصرف إلى المساكين اختاره القاضي والشريف أبو جعفر لانهم مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها فإذا وجدت صدقة غير معينة الصرف انصرفت إليهم كما لو نذر صدقة مطلقة، وعن أحمد رواية ثالثة انه يجعل في بيت مال المسلمين لانه مال لا مستحق له فأشبه مال من لا وارث له وقال أبو يوسف يرجع إلى الواقف وإلى ورثته الا أن يقول صدقة موقوفة ينقق منها على فلان وفلان فإذا انقرض المسمى كانت على الفقراء والمساكين لانه جعلها صدقة على مسمى فلا تكون على غيره، ويفارق ما إذا كان ينفق منها على فلان وفلان فانه جعل الصدقة مطلقة. ولنا أنه أزال ملكه لله تعالى فلم يجز أن يرجع إليه كما لو أعتق عبدا، والدليل على صرفه إلى
أقارب الواقف أنهم أولى الناس بصدقته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صدقتك على غير ذي رحمك صدقة وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة " وقال " انك ان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ولانهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات فكذلك صدقته المنقولة. إذا ثبت فانه يكون
[ 204 ]
للفقراء منهم والاغنياء في احدى الروايتين عن أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي لان الوقف لا يخص الفقراء ولانه لو وقف على أولاده تناول الاغنياء والفقراء كذا ههنا، وفيه وجه آخر أنه يختص الفقراء منهم لانهم أهل الصدقات دون الاغنياء ولاننا خصصنا الاقارب بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة وأولى الناس بالصدقة الفقراء دون الاغيناء، واختلفت الرواية فيمن يستحق الوقف من أقرباء الواقف ففي احدى الروايتين يختص بالورثة منهم لانهم الذين صرف الله إليهم ماله بعد موته واستغنائه عنه فكذلك يصرف إليهم من ماله ما لم يذكر له مصرفا، فعلى هذا يكون بينهم على حسب ميراثهم ويكون وقفا عليهم نص عليه أحمد وذكره القاضي لان الوقف يقتضي التأبيد، وإنما صرفناه إلى هؤلاء لانهم أحق الناس بصدقته فيصرف إليهم مع بقائه صدقة ويحتمل أن يصرف إليهم على سبيل الارث على ما ذكره الخرقي ويبطل الوقف فيه كقول أبي يوسف والرواية الثانية يكون وقفا على أقرب غصبة الواقف دون بقية الوراث ودون البعيد من العصبات فيقدم الاقرب فالاقرب على حسب استحقاقهم لولاء الموالي لانهم خصوصا بالعقل عنه وبميراث مواليه فخصوا بهذا أيضا، قال شيخنا وهذا لا يقوى عندي فان استحقاقهم لهذا دون غيرهم من الناس لا يكون إلا بدليل من نص أو إجماع ولا نعلم فيه نصا ولا اجماعا ولا يصح قياسه على ميراث ولاء الموالي لان علته لا تتحقق ههنا، وأقرب الاقوال فيه صرفه إلى المساكين لانهم مصارف مال الله وحقوقه فان كان في أقارب الواقف مساكين كانوا أولى
[ 205 ]
به لا على سبيل الوجوب كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم ولانا إذا صرفناه إلى أقاربه على سبيل التعيين فهي أيضا جهة منقطعة فلا يتحقق اتصاله الا بصرفه إلى المساكين فان لم يكن للواقف أقارب أو كان له أقارب فانقرضوا صرف إلى الفقراء أو المساكين وقفا عليهم لان
القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام، وإنما قدمنا الاقارب على المساكين لكونهم أولى فإذا لم يكونوا فالمساكين أهل لذلك فصرف إليهم إلا على قول من قال انه يصرف إلى ورثة الواقف ملكا لهم فانه يصرف عند عدمهم إلى بيت المال لانه بطل الوقف فيه بانقطاعه فصار ميراثا لا وارث له فكان بيت المال أولى به (فصل) وان وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز كمن وقف على أولاده ثم على البيع صح الوقف أيضا ويرجع بعد انقراض من يجوز الوقف عليه إلى من يصرف إليه الوقف المنقطع كالمسألة قبلها لان ذكر من لا يجوز الوقف عليه وعدمه واحد ويحتمل أن لا يصبح الوقف لانه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز فأشبه تفريق الصفقة (فصل) فان قال وقفت هذا وسكت أو قال صدقة موقوفة ولم يذكر سبيله فلا نص فيه وقال ابن حامد يصح الوقف قال القاضي هو قياس قول أحمد فانه قال في النذر المطلق ينعقد موجبا لكفارة اليمين وهو قول مالك والشافعي في أحد قوليه لانه إزالة ملك على وجه القربة فوجب أن يصح
[ 206 ]
مطلقا كالاضحية والوصية، ولو قال وصيت بثلث مالي صح وإذا صح صرف إلى مصارف الوقف المنقطع عند انقراض الموقوف عليه كما ذكرنا * (مسألة) * (وان قال وقفت داري سنة أو إلى يوم يقدم الحاج لم يصح في أحد الوجهين) لان مقتضى الوقف التأبيد وهذا ينافيه (والوجه الآخر) يصح لانه منقطع الانتهاء فهو كما لو وقف على منقطع الانتهاء فان قلنا يصح فهو كمنقطع الانتهاء يصرف إلى مصرف الوقف المنقطع الانتهاء (فصل) فان قال هذا وقف على ولدي سنة ثم على المساكين صح وكذلك ان قال وقف على ولدي مدة حياتي ثم هو بعد موتي للمساكين صح لانه وقف متصل الابتداء والانتهاء، وان قال وقف على المساكين ثم على أولادي صح ويكون وقفا على المساكين ويلغو قوله على أولادي لان المساكين لا انقراض لهم * (مسألة) * (ولا يشترط اخراح الوقف عن يده في إحدى الروايتين)
ظاهر المذهب أن الوقف يزول به ملك الواقف ويلزم بمجرد اللفظ لان الوقف يحصل به وعن أحمد أنه لا يلزم الا بالقبض واخراج الوقف عن يده فانه قال الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره يوكل فيه من يقوم به اختاره ابن أبي موسى وهو قول محمد بن الحسن لانه تبرع بما لم يخرجه عن المالية فلم يلزمه بمجرده كالهبة والوصية
[ 207 ]
ولنا ما رويناه من حديث عمر ولانه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فيلزم بمجرده كالعتق، ويفارق الهبة فانها تمليك مطلق والوقف تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة فهو بالعتق أشبه والحاقه به أولى. * (فصل) * قال رضي الله عنه (ويملك الموقوف عليه الوقف وعنه لا يملكه) ظاهر المذهب أن الملك ينتقل في الموقوف إلى الموقوف عليه قال أحمد إذا وقف داره على ولد أخيه صارت لهم وهذا يدل على أنهم ملكوه وروي عن أحمد أنه لا يملك فان جماعة نقلوا عنه فيمن وقف على ورثته في مرضه يجوز لانه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة وإنما ينتفعون بغلتها وهذا يدل بظاهره على أنهم لا يملكون، ويحتمل أن يريد بقوله لا يملكون أي لا يملكون التصرف في الرقبة فان فائدة الملك وآثاره ثابتة في الوقف وعن الشافعي من الاختلاف نحو ما حكيناه وقال أبو حنيفة لا ينتقل الملك في الوقف اللازم بل يكون حق الله تعالى لانه إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتمليك المنفعة فانتقل إلى الله تعالى كالعتق ولنا أنه سبب يزيل ملك الواقف وجه إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته فوجب أن ينقل الملك إليه كالهبة والبيع ولانه لو كان تمليك المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية والسكنى ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية، ويفارق العتق فانه أخرجه عن المالية وامتناع التصرف في الرقبة لا يمنع الملك كام الولد
[ 208 ]
* (مسألة) * (ويملك صوفه ولبنه وثمرته ونفعه) لانه نماء ملكه ولا نعلم في ذلك خلافا * (مسألة) * (وليس له وطئ الجارية فان فعل فلا حد عليه ولا مهر)
لا يجوز للموقوف عليه وطئ الامة الموقوفة لانا لا نأمن حبلها فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد ولان ملكه ناقص فان وطئ فلا حد عليه للشبهة ولا مهر عليه لانه لو وجب لوجب له ولا يجب للانسان شئ على نفسه * (مسألة) * (وان ولدت فالولد حر) لانه من وطئ شبهه وعليه قيمته يوم الوضع يشترى بها عبد مكانه لانه فوت رقه وتصير آم ولد له لانه أحبلها بحر في ملكه فإذا مات عتقت وتجب قيمتها في تركته لانه أتلفها على من بعده من البطون فيشتري بها جارية تكون وقفا مكانها، وإن قلنا لا يملكها الموقوف عليه لم تصر أم ولد له بذلك لانها أجنبية * (مسألة) * (فان أعتقها لم ينفذ عتقه) لانه يتعلق به حق غيره ولان الوقف لازم فلا يمكن من إبطاله فان كان نصف العبد وقفا ونصفه طلقا فاعتق صاحب الطلق لم يسر عتقه إلى الوقف لانه إذا لم يعتق بالمباشرة فبالسراية أولى * (مسألة) * (وان وطئها أجنبي بشبهة فالولد حر)
[ 209 ]
لاعتقاده أنه يطأ في ملكه وإن كان الواطئ عبدا وعليه المهر لاهل الوقف لانه وطئ جاريتهم في غير ملك أشبه الامة المطلقة، وتجب قيمته لانه كان من سبيله أن يكون مملوكا فمنعه اعتقاد الحرية من الرق فوجبت قيمته يشتري بها عبدا يكون وقفا وتعتبر قيمته يوم تضعه حيا لانه لا يمكن تقويمه قبل ذلك وان وطئها مكرهة أو طاوعته فعليه الحد إذا انتفت الشبهة والمهر لاهل الوقف لانه وطئ جارية غيره ويكون ولدها وقفا معها لانه تبع لها * (مسألة) * (وان تلفت فعليه قيمتها يشترى بها مثلها) سواء أتلفها أجنبي أو الواقف كما لو أتلف غير الوقف، وان أتلفه الموقوف عليه فعليه قيمته أيضا يشترى بها مثله يقوم مقامه لانه لا يملك التصرف في رقبته انما له نفعه ويحتمل أن يملك الموقوف عليه قيمة الولد فيما إذا وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد ولا يلزمه قيمته ان أولدها لذلك * (مسألة) * (وله تزويج الامة وأخذ مهرها وولدها وقف معها ويحتمل أن يملكه)
يجوز للموقوف عليه تزويج الامة الموقوفة لانه عقد على منفعتها أشبه الاجارة ولان الموقوف عليه لا يملك استيفاء هذه المنفعة فلا يتضرر بتمليك غيره إياها والمهر للموقوف عليه لانه بدل نفعها أشبه الاجرة، ويحتمل أن لا يجوز تزويجها لانه عقد على منفعتها في العمر فيفضى إلى تفويت منفعتها في حق البطن الثاني، ولان النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني فان طلبت التزويج وجب تزويجها لانه حق لها طلبته فنعينت
[ 210 ]
الاجابة إليه وما فات من الحق به يفوت تبعا لابقائها حقها فلا يكون مانعا من تزويجها كغير الموقوفة إذا طلبت ذلك وإذا زوجها فولدت من الزوج فولدها وقف معها لان ولد كل ذات رحم حكمه حكمها كأم الولد والمكاتبة ويحتمل أن يملك الموقوف عليه ولدها لانه من نمائها * (مسألة) * (وان جنى الوقف خطأ فالارش على الموقوف عليه ويحتمل أن يكون في كسبه) إذا جنى الوقف جناية موجبة للمال لم يتعلق أرشها برقبته لانه لا يمكن بيعها ويجب أرشها على الموقوف عليه لانه ملكه تعذر تعلق أرشه برقبته فكان على مالكه كجناية أم الولد ولا يلزمه أكثر من قيمته كأم الولد، فان قلنا إن الوقف لا يملك فالارش في كسبه لانه تعذر تعلقه برقبته لكونها لا تباع وبالموقوف عليه لانه لا يملكه فكان في كسبه كالحر، ويحتمل أن يكون في بيت المال كارش جناية الحر المعسر. قال شيخنا: وهذا احتمال ضعيف فان الجناية انما تكون في بيت المال في صورة تحملها العاقلة عند عدمها وجناية العبد لا تحملها العاقلة، وإن كان الوقف على المساكين فينبغي أن يكون الارض في كسبه لانه ليس له مستحق معين يمكن ايجاب الارش عليه ولا يمكن تعلقه برقبته فتعين في كسبه، ويحتمل أن يكون في بيت المال، وإن جني جناية توجب القصاص وجب سواء كانت على الموقوف عليه أو على
[ 211 ]
غيره، فان قتل بطل الوقف فيه وإن قطع كان باقيه وقفا كما لو تلف بفعل الله تعالى (فصل) وإن جني على الوقف جناية موجبة للمال وجب لان ماليته لم تبطل ولو بطلت ماليته لم يبطل ارش الجناية عليه فان الحر يجب ارش الجناية عليه فان قتل وجبت قيمته وليس للموقوف عليه
العفو عنها لانه لا يختص بها ويشترى مثل المجني عليه يكون وقفا، وقال بعض الشافعية يختص الموقوف عليه بالقيمة إن قلنا انه يملك الموقوف لانها بدل ملكه ولنا انه ملك لا يختص به فلم يختص ببدله كالعبد المشترك والمرهون، وبيان عدم الاختصاص ظاهر فانه يتعلق به حق البطن الثاني فلم يجز إبطاله ولا نعلم قدر ما يستحق هذا منه فيعفو عنه فلم يصح العفو عن شئ منه كما لو أتلف رجل رهنا أخذت منه قيمته فجعلت رهنا ولم يصح عفو واحد منهما عنه، وإن كانت الجناية عمدا محضا من مكافئ له فالظاهر انه لا يجب القصاص لانه محل لا يختص الموقوف عليه فلم يجز أن يقتص من قاتله كالعبد المشترك، وقال بعض أصحاب الشافعي يكون ذلك إلى الامام فان قطعت يد العبد أو بعض أطرافه فله استيفاء القصاص لانه حق لا يشاركه فيه غيره، وان كان القطع لا يوجب القصاص أو يوجبه فعفا عنه وجب نصف قيمته، فان أمكن أن يشترى بها عبد كامل وإلا اشتري شقص من عبد * (مسألة) * (وإذا وقف على ثلاثة ثم على المساكين فمن مات منهم رجع نصيبه إلى الاخرين فإذا ماتا رجع إلى المساكين) لانه جعله لهم مشروطا بانقراض الثلاثة فوجب اتباع شرطه في ذلك
[ 212 ]
كسائر شروطه وكما لو وقف على ولده ثم على المساكين فانه لا يصرف إلى المساكين شئ من الوقف إلا بعد انقراض الولد كذا ههنا * (فصل) * قال رضي الله عنه (ويرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليهم في التقديم والتأخير والجمع والترتيب والتسوية والتفضيل واخراج من شاء بصفة وادخاله بصفة وفي الناظر فيه والايقاف عليه وسائر أحواله لانه ثبت بوقفه فوجب أن يتبع فيه شرطه ولان ابتداء الوقف مفوض إليه فكذلك تفضيله وترتيبه، وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة مثل أن يقول من تزوج منهم فله ومن فرق فلا شئ له أو عكس ذلك أو من حفظ القرآن فله ومن نسيه فلا شئ له، أو من اشتغل بالعلم فله ومن تركه فلا شئ له أو من كان على مذهب كذا فله ومن خرج منه فلا شئ له، وكذلك إن وقف علي أولاده على ان للانثى سهما وللذكر سهمين أو على حسب ميراثهم أو بالعكس أو على
ان للكبير ضعف ما للصغير أو للفقير ضعف ما للغني أو عكس ذلك أو عين بالتفضيل واحدا معينا أو ولده أو ما أشبه هذا فهو على ما قال لما ذكرنا فكل هذا صحيح وهو على ما شرط، وقد روى هشام بن عروة ان الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب وان للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها فان استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف وليس هذا تعليقا للوقف بصفة بل وقف مطلق والاستحقاق له بصفة وكل هذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا
[ 213 ]
* (مسألة) * (فان لم يشرط ناظرا فالنظر للموقوف عليه وقيل للحاكم ينفق عليه من غلته) النظر في الموقف لمن شرطه الواقف لان عمر رضي الله عنه جعل وقفه إلى حفصة تليه ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ولان مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف فكذلك النظر فان جعل النظر لنفسه جاز وإن جعله إلى غيره صح، فان لم يجعله إلى أحد أو جعله لانسان فمات فالنظر للموقوف عليه لانه ملكه يختص بنفعه فكان نظره إليه كملكه المطلق، ويحتمل أن ينظر فيه الحاكم اختاره ابن أبي موسى قال شيخنا ويحتمل أن يكون ذلك مبنيا على ان الملك فيه هل ينتقل إلى الموقوف عليه أو إلى الله تعالى فان قلنا هو للموقوف عليه فالنظر له فيه لانه يملك عينه ونفعه، وإن قلنا هو لله تعالى فالحاكم يتولاه ويصرفه إلى مصارفه لانه مال الله فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين كالوقف على المساكين. فأما الوقف على المساكين والمساجد ونحوها أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم فالنظر فيه إلى الحاكم لانه ليس له مالك معين ينظر فيه وللحاكم أن يستنيب فيه لان الحاكم لا يمكنه تولى النظر بنفسه (فصل) ومتى كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف النظر له أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه أو كان واحدا مكلفا رشيدا فهو أحق بذلك رجلا كان أو امرأة عدلا أو فاسقا لانه ينظر لنفسه فكان له ذلك في هذه الاحوال كملكه المطلق ويحتمل أن يضم إلى الفاسق أمين حفظا لاصل الوقف عن البيع والتضييع، وان كان الوقف لجماعة رشيدين فالنظر للجميع لكل انسان في حصته
[ 214 ]
فان كان الموقوف عليه صغيرا أو مجنونا أو سفيها قام وليه في النظر مقامه كملكه المطلق، وان كان النظر
لغير الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم أو لبعض الموقوف عليهم لم يجز أن يكون إلا أمينا فان لم يكن أمينا لم تصح ولايته إن كانت من الحاكم وأزيلت يده، وإن ولاه الواقف وهو فاسق أو كان عدلا ففسق ضم إليه أمين لحفظ الوقف ولم تزل يده لانه أمكن الجمع بين الحقين، ويحتمل أن لا تصح تولية الفاسق وينعزل إذا فسق لانها ولاية على حق غيره فنافاها الفسق كما لو ولاه الحاكم وكما لو لم يكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته فان يده تزال لان مراعاة حفظ الوقف أهم من ابقاء ولاية الفاسق عليه (فصل) ونفقة الوقف من حيث شرط الواقف لانه لما اتبع شرطه في مصرفه وجب اتباعه في نفقته فان لم يكن شرطه فمن غلته لان الوقف اقتضى تحبيس أصله وتسبيل نفعه ولا يحصل ذلك إلا بالانفاق عليه فهو من ضرورته، وكذك عمارة الوقف قياسا على نفقته فان تعطلت منافع الحيوان الموقوف فنفقته على الموقوف عليه لانه ملكه ويحتمل وجوبها في بيت المال ويجوز بيعه على ما نذكره * (مسألة) * (وان وقف على ولده ثم على المساكين فهو لولده الذكور والاناث والحبالى بالسوية) وكذلك إن قال وقفت على أولادي أو على ولد فلان لانه شرك بينهم وإطلاق التشريك يقتضي التسوية كما لو أقر لهم بشئ وكولد الام في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم فيه فقال (فهم شركاء في الثلث) تساووا فيه ولم يفضل بعضهم على بعض وليس كذك في ميراث ولد الابوين وولد الاب
[ 215 ]
فان الله تعالى قال (فان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) ولا نعلم في هذا خلافا * (مسألة) * (ولا يدخل فيه ولد البنات وهل يدخل فيه ولد البنين؟ على روايتين) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه ما يدل عى انه يكون وفقا على أولاده وأولاد بنيه الذكور والاناث ما لم تكن قرينة تصرفه عن ذلك دون أولاد البنات. قال المروذي: قلت لابي عبد الله ما تقول في رجل وقف ضيعة على ولده فمات الاولاد وتركوا النسوة حوامل؟ فقال كل ما كان من أولاد الذكور بنات كن أو بنين فالضيعة موقوفة عليهم وما كان من أولاد البنات فليس لهم فيه شئ لانهم من رجل آخر، ووجه ذلك ان الله تعالى لما قال (يوصيكم الله في أولادكم) دخل فيه ولد البنين وإن سفلوا، ولما قال (ولابويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد) تناول ولد البنين
فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينه ينبغي أن يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ويفسر بما يفسر به ولان ولد الولد ولد بدليل قوله تعالى (يا بني آدم، ويا بني اسرائيل) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ارموا يا بني اسماعيل فان أباكم كان راميا " وقال " نحن بنو النضر بن كنانة " ولانه لو وقف على ولد فلان وهم قبيلة دخل فيه ولد البنين فكذلك إذا لم يكونوا قبيلة (والرواية الثانية) لا يدخل فيه ولد الولد بحال وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات اختاره القاضي وأصحابه لان الولد حقيقة وعرفا انما هو ولده لصلبه وانما سمي ولد الولد ولدا مجازا ولهذا يصح نفيه فيقال ما هذا ولدي
[ 216 ]
انما هو ولد ولدي. فأما ولد البنات فلا يدخلون بغير خلاف لانهم لم يدخلوا في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الاباعد (فصل) فان قال على ولد ولدي لصلبي فهو آكد في اختصاصه بالولد دون ولد الولد، وإن قال على ولدي وولد ولدى ثم على المساكين دخل فيه البطن الاول والثاني ولم يدخل فيه البطن الثالث وإن قال على ولدي وولد ولدي ولد ولد ولدي دخل فيه ثلاثة بطون دون من بعدهم، وموضع الخلاف المطلق، فأما مع وجود دلالة تصرف إلى أحد المحملين فانه يصرف إليه بغير خلاف، مثل أن يقول على ولد فلان وهم قبيلة ليس فيهم ولد من صلبه أو قال ويفضل الولد الاكبر أو الافضل أو الاعلم على غيرهم أو قال فإذا خلت الارض من عقبي عاد إلى المساكين أو قال على ولد ولدي غير ولد البنات أو غير ولد فلان أو قال يفضل البطن الاعلى على الثاني أو قال الاعلى فالاعلى وأشباه ذلك فهذا يصرف لفظه إلى جميع نسله وعقبته، فان اقترنت به قرينة تقتضي تخصيص أولاده لصلبه بالوقف مثل أن يقول على ولدي لصلبي أو الذين يلونني ونحو هذا فانه يختص بالبطن الاول دون غيرهم، وإذا قلنا بتعميمهم اما بالقرينة واما لقولنا ان المطلق يقتضي التعميم ولم يكن في لفظه ما يقتضي تشريكا ولا ترتيبا احتمل ان يكون بين الجميع على التشريك لانهم دخلوا في اللفظ دخولا واحدا فوجب أن يشتركوا
[ 217 ]
فيه كما لو أقر لهم بدين، ويحتمل أن يكون على الترتيب على حسب الترتيب في الميراث، وهذا ظاهر كلام أحمد لقوله فيمن وقف على ولد علي بن اسماعيل ولم يقل ان مات ولد علي بن اسماعيل دفع إلى ولد ولده فمات ولد علي بن اسماعيل وترك ولدا فقال ان مات ولد علي بن اسماعيل: دفع إلى ولده أيضا لان هذا من ولد علي بن اسماعيل فجعله لولد من مات من ولد على بن اسماعيل عند موت أبيه وذلك لان ولد البنين لما دخلوا في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) لم يستحق ولد البنين شيئا مع وجود آبائهم واستحقوا عند فقدهم كذا ههنا فأما ان وصى لولد فلان وهم قبيلة فلا ترتيب ويستحق الاعلى والاسفل على كل حال (فصل) وان رتب فقال وقفت هذا على ولدي وولد ولدي ما تناسلوا وتعاقبوا الاعلى فالاعلى والاقرب فالاقرب أو الاول فالاول أو البطن الاول ثم البطن الثاني أو على أولادي ثم على أولاد أولادي أو على اولادي فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولادي فعلى هذا الترتيب لا يستحق البطن الثاني شيئا حتي ينقرض البطن الاول كله ومتى بقي واحد من البطن الاول كان الجميع له لان الوقف ثبت بقوله فيتبع مقتضى كلامه وان قال على أولادي وأولادهم ما تعاقبوا وتناسلوا على أنه من مات منهم عن ولد كان ما كان جاريا عليه جاريا على ولده كان دليلا على الترتيب لانه لو اقتضى التشريك لا اقتضى
[ 218 ]
التسوية ولو جعلنا لولد الولد سهما مثل سهم أبيه ثم دفعنا إليه سهم أبيه صار له سهمان ولغيره سهم وهذا ينافي التسوية ولانه يفضي إلى تفضيل ولد الابن على الابن والظاهر من إرادة الواقف خلاف هذا فإذا ثبت الترتيب فانه يترتب بين كل والد وولده وإذا مات عن ولد انتقل إلى ولد سهمه سواء بقي من البطن الاول أحد أو لم يبق (فصل) وان رتب بعضهم دون بعض فقال وقفت على ولدي وولد ولدي ثم على أولادهم أو على أولادي ثم على أولاد أولادي وأولادهم ما تناسلوا وتعاقبوا أو قال على أولادي وأولاد أولادي ثم على أولادهم وأولاد اولادهم ما تناسلوا فهو على ما قال من شرك بينهم بالواو المقتضية للجمع والتشريك ويرتب من رتبه بحرف الترتيب ففي المسألة الاولى يشترك الولد وولد الولد فإذا انقرضوا صار لمن
بعدهم وفي الثانية يختص به الولد فإذا انقرضوا صار مشتركا بين من بعدهما وفي الثالثة يشترك فيه البطنان الاولان دون غيرهم فإذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم (فصل) فان قال وقفت على اولادي ثم على أولاد أولادي على أنه من مات من أولادي عن ولد فنصيبه لولده أو فنصيبه لاخوته أو لولد ولده أو لولد أخيه أو لاخواته أو لولد اخواته فهو على ما شرطه، وان قال: ومن مات منهم عن ولد فنصيبه لولده ومن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لاهل الوقف وكان له ثلاثة بنين فمات أحدهم عن ابنين انتقل نصيبه اليهما ثم مات الثاني عن
[ 219 ]
غير ولد فنصيبه لاخيه وابني أخيه بالتسوية لانهم أهل الوقف فان مات أحد ابني الابن عن غير ولد انتقل نصيبه إلى أخيه وعمه لانهما أهل الوقف، ولو مات أحد البنين الثلاثة عن غير ولد وخلف اخويه وابني أخ له فنصيبه لاخويه دون ابني أخيه لانهما ليسا من أهل الوقف ما دام أبوهما حيا فادا مات أبوهما صار نصيبه لهما فإذا مات الثالث كان نصيبه لابني أخيه بالتسوية ان لم يخلف ولدا فان خلف ابنا واحدا فله نصيب أبيه وهو النصف ولابني عمه النصف بينهما نصفين، وان قال: من مات منهم عن غير ولد كان ما كان جاريا عليه جاريا على من هو في درجته وكان الوقف مرتبا بطنا بعد بطن كان نصيب الميت عن غير ولد لاهل البطن الذي هو منه وان كان مشتركا بين البطون كلها احتمل أن يكون نصيبه بين جميع أهل الوقف لانهم في استحقاق الوقف سواء فكانوا في درجته من هذه الجهة ولاننا لو صرفنا نصيبه إلى بعضهم أفضى إلى تفضيل بعضهم على بعض والتشريك يقتضي التسوية فعلى هذا يكون وجود هذا الشرط كعدمه لانه لو سكت عنه كان الحكم كذلك ويحتمل أن يعود نصيبه إلى سائر البطن الذي هو منه لانهم في درجته في القرب إلى الحد الذي يجمعهم ويستوي في ذلك اخوته وبنو عمه وبنو عم أبيه لانهم سواء في القرب ولاننا لو شركنا بين أهل الوقف كلهم في نصيبه لم يكن في هذا الشرط فائدة والظاهر أنه قصد سببا يفيد فعلى هذا إن لم يكن في درجته أحد بطل هذا الشرط وكان الحكم فيه كما لو لم يذكره وان كان الوقف على البطن الاول على أنه من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ومن مات عن غير ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته ففيه ثلاثة اوجه:
[ 220 ]
(أحدهما) أن يكون نصيبه بين أهل الوقف كلهم يتساوون فيه سواء كانوا من بطن واحد أو من بطون وسواء تساوت انصباؤهم في الوقف أو اختلفت لما ذكرنا من قبل (والثاني) أن يكون لاهل بطنه سواء كانوا من أهل الوقف أو لم يكونوا مثل أن يكون البطن الاول ثلاثة فمات أحدهم عن ابن ثم مات الثاني عن ابنين فمات أحد الابنين وترك أخاه وابن عمه وعمه وابنا لعمه الحي فكيون نصيبه بين أخيه وابني عمه (والثالث) أن يكون لاهل بطنه من اهل الوقف فيكون على هذا لاخيه وابن عمه الذي مات أبوه، فان كان في درجته في النسب من ليس من أهل الاستحقاق بحال كرجل له أربعة بنين وقف على ثلاثة منهم على هذا الوجه المذكور وترك الرابع فمات أحد الثلاثة عن غير ولد لم يكن للرابع فيه شئ لانه ليس من أهل الاستحقاق فأشبه ابن عمهم (فصل) وإن وقف على بنيه وهم ثلاثة على ان من مات من فلان وفلان وأولادهم عن ولد فنصيبه لولده وإن مات فلان فنصيبه لاهل الوقف فهو على ما شرط، وكذلك إن كان بنون وبنات فقال: من مات من الذكور فنصيبه لولده، ومن مات من البنات فنصيبها لاهل الوقف فهو على ما قال، وإن قال على أولادي على أن يصرف إلى البنات منه ألف والباقي للبنين لم يستحق البنون شيئا حتى يستوفي البنات الالف لانه جعل للبنات مسمى وجعل للبنين الفاضل عنه والحكم فيه على ما قال لانه
[ 221 ]
جعل البنات كذوي الفروض وجعل البنين كالعصبات الذين لا يستحقون إلا ما فضل عن ذوي الفروض (فصل) فان كان له ثلاثة بنين فقال وقفت على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي كان الوقف على الابنين المسمين وعلى أولادهما وأولاد الثالث ولا شئ للثالث، وقال القاضي يدخل الثالث في الوقف وذكر أن أحمد قال في رجل قال: وقفت هذه الضيعة على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي وله ولد غير هؤلاء قال يشتركون في الوقف واحتج القاضي بأن قوله ولدي يستغرق الجنس فيعم الجميع وقوله فلان وفلان تأكيد لبعضهم ولا يوجب اخراج بقيتهم كالعطف في قوله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال)
ولنا انه أبدل بعض الولد من اللفظ المتناول للجميع فاختض بالبعض المبدل كما لو قال على ولدي فلان وذلك لان بدل البعض يوجب اختصاص الحكم به كقول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لما خص المستطيع بالذكر اختص الوجوب به، ولو قال ضربت زيدا رأسه أو رأيت زيدا وجهه اختص الضرب بالرأس والرؤية بالوجه، ومنه قول القائل: طرحت الثياب بعضها فوق بعض، فان الفوقية تختص بالبعض مع عموم اللفظ الاول كذا ههنا وفارق العطف فان عطف الخاص على العام يقتضي تأكيده لا تخصيصه وكلام أحمد: هم شركاء يحتمل أن يعود إلى أولاد أولاده أي يشترك أولاد الموقوف عليهما وأولاد غيرهم لعموم لفظ الواقف فيهم ويتعين حمل كلامه عليه لقيام
[ 222 ]
الدليل عليه، ولو قال على ولدي فلان وفلان ثم على المساكين خرج فيه من الخلاف مثل ما ذكرنا قال شيخنا ويحتمل أن يدخل في الوقف ولد ولده لاننا قد ذكرنا من قبل ان ظاهر كلام أحمد أن قوله وقفت على ولد ولدي يتناول نسله وعاقبته كلها (فصل) ومن وقف على أولاده أو أولاد غيره وله حمل لم يستحق شيئا قبل انفصاله لانه لم تثبت له أحكام الدنيا قبل انفصاله، وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد فيمن وقف نخلا على قوم ما توالدوا ثم ولد مولود: فان كانت النخل قد أبرت فليس له فيه شئ وهي للاول، وإن لم تكن قد أبرت فهو مفهم، وانما قال ذلك لانها قبل التأبير تتبع الاصل في البيع وهذا الموجود يستحق نصيبه من الاصل فتتبعه حصته من الثمرة كما لو اشترى ذلك النصيب من الاصل وبعد التأبير لا تتبع الاصل ويستحقها من كان له الاصل فكانت للاول لان الاصل كان كله له فاستحق ثمرته كما لو باع هذا النصيب منها ولم يستحق المولود منها شيئا كالمشتري وهكذا الحكم في سائر الثمر الظاهر على الشجر لا يستحق المولود منها شيئا ويستحق مما ظهر بعد ولادته، وان كان الوقف أرضا فيها زرع يستحقه البائع فهو للاول، وان كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه لان المولود يتجدد استحقاقه للاصل كتجدد ملك المشتري فيه * (مسألة) * (وان وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته أو نسله دخل فيه ولد البنين بغير خلاف علمناه)
[ 223 ]
وأما ولد البنات فقال الخرقي لا يدخلون فيه وقد قال أحمد فيمن وقف على ولده: ما كان من ولد البنات فليس لهم فيه شئ فهذا النص يحتمل أن يعدى إلى هذه المسألة ويحتمل أن يكون مقصودا فيمن وقف على ولده ولم يذكر ولد ولده وممن قال لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي على أولاده وأولاد أولاده مالك ومحمد بن الحسن، وكذلك إذا قال على ذريته ونسله وروي عن أحمد أنهم يدخلون في الوصية وذهب إليه بعض أصحابنا وهذا مثله وقال أبو بكر وابن حامد يدخل فيه ولد البنات وهو مذهب الشافعي وأبي يوسف لان البنات أولاده فأولادهن أولاد أولاده حقيقة فيجب أن يدخلوا في اللفظ لتناوله لهم بدليل قوله تعالى (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان) إلى قوله (وعيسى) وهو ولد بنته فجعله من ذريته ولذلك ذكر الله تعالى قصة ابراهيم وعيسى وموسى واسماعيل وادريس ثم قال (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ابراهيم واسرائيل) وعيسى معهم ولما قال الله تعالى (وحلائل أبنائكم) دخل في التحريم حلائل أبناء البنات وقال النبي صلى الله عليه وسلم للحسن " ان ابني هذا سيد " ووجه الرواية الاولى أنهم لم يدخلوا في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) ولانه لو وقف على ولد فلان وقد صاروا قبيلة دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات وكذلك قبل أن يصيروا قبيلة لان ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم قال الشاعر بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الاباعد
[ 224 ]
وقولهم انهم أولاده أولاده حقيقة قلنا لانهم ينتسبون إلى الواقف عرفا وكذلك لو قال أولاد أولادي المنتسبين الي لم يدخلوا في الوقف ولان ولد الهاشمية من غير الهاشمي ليس بهاشمي ولا ينتسب إلى أبيها وأما عيسى عليه السلام فلم يكن له نسب ينسب إليه فنسب إلى الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن " ان ابني هذا سيد مجاز بالاتفاق " بدليل قول الله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) والقول بأنهم يدخلون يصح وأقوى دليلا لانهم أولاد أولاده حقيقة فأما قياسهم على ما إذا كانوا قبيلة فيفارق ما إذا وقف على ولد فلان وليسوا قبيلة لانه لو وقف على بني فلان وهم قبيلة دخل فيه البنات بخلاف ما إذا وقف على بني انسان حي أو ميت وليسوا قبيلة وقياسهم على
ما إذا قال وقفت على ولد ولدي المنتسبين إلي لا يصح لانهم خرجوا من الوقف لكونهم لا ينتسبون وباقي الادلة ضعيفة جدا * (مسألة) * (فان قال على ولد ولدي لصلبي أو المنتسبين إلي لم يدخل ولد البنات) والخلاف إنما هو إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الامرين فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه فلو قال على أولادي وأولاد أولادي على أن لولد البنات سهما ولولد البنين سهمين أو قال فإذا خلت الارض ممن يرجع نسبه إلي من قبل أب أو أم كان للمساكين أو كان البطن الاول من أولاده الموقوف عليهم كلهم بنات ونحو هذا ما يدل على ارادة ولد البنات بالوقف دخلوا في الوقف وان قال على أولادي وأولاد أولادي المنتسبين أو غير ذوي الارحام أو نحو ذلك لم يدخل
[ 225 ]
فيه ولد البنات وان قال على ولدي فلان وفلانة وفلانة وأولادهم دخل فيه ولد البنات وكذلك ان قال على أن من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده وان قال الهاشمي وقفت على أولادي وأولاد أولادي الهاشمين لم يدخل في الوقف من أولاد بناته من كان غير هاشمي فأما من كان هاشميا من غير أولاد بنيه فهل يدخلون؟ على وجهين (أولهما) أنهم يدخلون لانه اجتمع فيهم الصفتان جميعا كونهم من أولاد أولاده وكونهم هاشميين (والثاني) لا يدخلون لانهم لم يدخلوا في مطلق أولاد أولاده فأشبه ما لو لم يقل الهاشمين وان قال على أولادي وأولاد أولادي ممن ينتسب إلى قبيلتي فكذلك (فصل) والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الانثيين وقال القاضي المستحب التسوية بين الذكر والانثى لان القصد القربة على وجه الدوام وقد استووا في القرابة ولنا أنه إيصال للمال إليهم فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث كالعطية ولان الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الانثى لان كل واحد منهما في العادة يتزوج ويكون له الولد فالذكر تجب عليه نفقة امرأته وأولاده والمرأة ينفق عليها زوجها ولا تلزمها نفقة أولادها وقد فضل الله تعالى االذكر على الانثى في الميراث على وفق هذا المعنى فيصح تعليله به ويتعدى إلى الوقف والعطايا والصلات وما ذكره
[ 226 ]
القاضي لا أصل له وهو ملغي بالميراث والعطية وإن خالف فسوى بين الذكر والانثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض أو خص بعضهم بالوقف دون بعض فقال احمد في رواية محمد بن الحكم ان كان على طريق الاثرة فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به. ووجه ذلك أن الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته وعلى قياس قول احمد لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم على طلبه، أو ذا الدين دون الفساق أو المريض أو من له فضيلة من أجل فضيلته فلا بأس وقد دل على ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا دون بسائر ولده وحديث عمر أنه كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث ان ثمغا وصرمة بن الاكوع لعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه الذي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالواد تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه رواه أبو داود فيه دليل على تخصيص حفصة دون اخوتها وأخواتها * (مسألة) * (وان وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصة دون الاناثي والخناثي عند المجهور) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن واسحق وأبو ثور هو للذكر والانثي جميعا لانه لو وقف على
[ 227 ]
بني فلان أو أوصى لهم وهم قبيلة دخل فيه الذكر والانثى وقال الثوري ان كانوا ذكورا وإناثا فهو بينهم وإن كن بنات لا ذكر معهن فلا شئ لهن لانه متى اجتمع الذكور والاناث غلب لفظ التذكير ودخل فيه الاناث كلفظ المسلمين ولنا أن لفظ البنين يختص الذكور قال الله تعالى (أصطفى البنات على البنين) وقال تعالى (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين؟) وقال تعالى (زين الله للناس حب الشهوات من النساء والبنين) وقال تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وقد أخبر أنهم لا يشتهون البنات فقال (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم
ما يشتهون) وانما دخلوا في الاسم إذا صاروا قبيلة لان الاسم نقل فيهم عن الحقيقة إلى العرف ولهذا تقول المرأة انا من بني فلان إذا انتسبت إلى القبيلة ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى ابيها، فاما ان رقف على بناته أو وصى لهن دخل فيه البنات دون غيرهن ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل لانه لا يعلم كونه انثى لا نعلم في ذلك خلافا * (مسألة) * الا ان يكونوا قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم أما إذا وقف على بنى فلان أو ولد فلان وهم قبيلة كبني هاشم وتميم فانه يدخل فيه الذكر والانثى والخنثي ويدخل ولد الرجل معه ولا يدخل فيه ولد بناتهم من غيرهم لان اسم القبيلة يشتمل ذكرها وانثاها قال الله تعالى (يا بني آدم - ولقد كرمنا بني آدم) يريد الجميع وروي ان جواري بني النجار ولمن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار ويقال امرأة من بنى هاشم ولا يدخل ولد البنات فيهم لانهم لا ينتسبون إلى القبيلة.
[ 228 ]
* (مسألة) * (وان وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكر والانثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى) وجملة ذلك ان الرجل إذا وقف على قرابته أو قرابة فلان صرف الوقف إلى الذكر والانثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه ويستوي فيه الذكر والانثى ولا ينصرف إلى من هو أبعد منهم شئ لان الله تعالى لما قال (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) يعني قربى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أولاده وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم ذكرهم وأنثاهم ولم يعط من هو أبعد منهم كبني عبد شمس وبني نوفل شيئا الا أنه أعطى بني المطلب بن عبد مناف وعلل عطيتهم بانهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام ولم يعط قرابة أمه وهم بنو زهرة شيئا ولم يعط منهم الا مسلما فحمل مطلق كلام الوقف على ما حمل عليه المطلق من كلام الله تعالى وفسر بما فسر به ويسوي بين قريبهم وبعيدهم وذكرهم وأنثاهم لان اللفظ يشملهم وبين الكبير والصغير والغني والفقير لذلك ولا يدخل فيه الكفار لانهم لم يدخلوا في المستحق من قربى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اختيار الخرقي وقد نقل عبد الله وصالح عن أبيهما رواية أخرى أنه يصرف إلى قرابة أمه ان كان يصلهم في
حياته كاخوته من أمه وأخواله وخالاته، وان كان لا يصلهم في حياته لم يعطوا شيئا لان صلته إياهم في حياته قرينة دالة على ارادتهم بصلته هذه
[ 229 ]
وعنه رواية ثالثة أنه يجاوز بها أربعة آباء ذكرها ابن أبي موسى في الارشاد وهي تدل على أن لفطه لا يتقيد بالقيد الذي ذكرناه فعلى هذا يعطي كل من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينتسبون إلى الاب الادنى، وهذا مذهب الشافعي لانهم قرابة فيتناولهم الاسم ويدخلون في عمومه واعطاء النبي صلى الله عليه وسلم بعض قرابته تخصيصا لا يمنع من العمل بالعموم في غير هذا الموضع وقال أبو حنيفة قرابته كل ذي رحم محرم فيعطي من أدناهم اثنان فصاعدا فإذا كان له عم وخالان أعطى عمه النصف وخاليه النصف. هكذا روي عنه فيما إذا أوصى لقرابته. وقال قتادة: للاعمام الثلثان وللاخوال الثلث وهو قول الحسن، قال ويزاد الاقرب بعض الزيادة، وقال مالك يقسم على الاقرب فالاقرب بالاجتهاد ولنا أن هذا له عرف في الشرع وهو ما ذكرناه فيجب حمله عليه وتقديمه على العرف اللغوي كالوضوء والصلاة والصوم والحج ولا وجه لتخصيصه بذي الرحم المحرم فان اسم القرابة يقع على غيرهم عرفا وشرعا وقد يحرم على الرجل ربيبته وأمهات نسائه ولا قرابة لهم وتحل له ابنة عمه وخاله وهن من أقاربه وما ذكروه من التفضيل لا يقتضيه اللفظ ولا يدل عليه دليل فالمصير إليه تحكم. فأما ان كان في لفظه ما يدل على ارادة قرابة أمه كقوله وتفضل قرابتي من جهة أبي على قرابتي من جهة أمي أو قوله إلا ابن خالتي فلانا أو نحو ذلك أو قرينة تخرج بعضهم عمل بما دلت عليه القرينة لانها تصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره
[ 230 ]
* (مسألة) * (وأهل بيته بمنزلة قرابته وقال الخرقى بعطى من قبل أبيه وأمه) المنصوص عن احمد رحمه الله ان أهل بيته بمنزلة قرابته فانه قال في رواية عبد الله إذا أوصى بثلث ماله لاهل بيته فهو بمثابة قوله لقرابتي، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وقال أحمد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لي ولاهل
بيتي " فجعل سهم ذوي القربى لهم عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم فكان ذوي القربى الذين سماهم الله تعالى هم اهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة وذكر حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذكركم الله في اهل بيتي " قال قلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال لا أصله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال القاضي قال ثعلب أهل البيت عند العرب آباء الرجل واولادهم كالاجداد والاعمام وأولادهم ويستوي فيه الذكور والاناث وذكر القاضي أن اولاد الرجل لا يدخلون في اسم القرابة والا أهل بيته وليس هذا بشئ فان ولد النبي صلى الله عليه وسلم من اهل بيته واقاربه الذين حرموا الصدقة وأعطوا من سهم ذي القربى وهم أقرب أقاربه فكيف لا يكونون من أقاربه؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وولديها وزوجها " اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " ولو وقف على أقارب رجل أو وصى لاقاربه دخل فيه وولده بغير خلاف علمناه والخرقي قد عدهم في القربة بقوله لا يجاوز به اربعة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي
[ 231 ]
القربى فجعل؟؟؟؟؟ الاب الرابع ولا يكون رابعا الا ان يعد النبي صلى الله عليه وسلم ابا لان هاشما انما هو رابع النبي صلى الله عليه وسلم ووجه قول الخرقى ان امه من اهل بيته فكذلك اقاربها من اولادها وابويها واخوتها واخواتها * (مسألة) * (وقومه ونسباؤه كقرابته لان قوم الرجل قبيلته وهم نسباؤه) قال الشاعر: فقلت لها أما رفيقي فقومه تميم * وأما أسرتي فيمان وقال أبو بكر هو بمثابة أهل بيته لان أهل بيته أقاربه وأقاربه قومه ونسباؤه وقال القاضي إذا قال لرحمي أو لارحامي أو لنسبائي أو لمناسبي صرف إلى قرابته من قبل أبيه وأمه ويتعدى ولد الاب الخامس فعلى هذا يصرف إلى كل من يرث بفرض أو تعصيب أو بالرحم في حال من الاحوال قال شيخنا وقول أبي بكر في المناسبين أولى من قول القاضي لان ذلك في العرف على من كان من العشيرة التي ينتسبان إليها وإذا كان كل واحد منهما ينتسب إلى قبيلة غير قبيلة صاحبه
فليس بمناسب له. (فصل) وآله مثل قرابته فان في بعض الفاظ حديث زيد بن أرقم من آل رسول صلى الله عليه وسلم؟ قال أصله وعشيرته الذين حرموا الصدقة بعده آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل والاصل في آل أهل فقلبت الهاء همزة كما قالو هرقت الماء وارقته ومدت لئلا يحتمع همزتان
[ 232 ]
* (مسألة) * (والعترة هم العشيرة الادنون في عرف الناس وولده الذكور والاناث وإن سفلوا فسره ابن قتيبة وقد توقف أحمد في ذلك وقال ثعلب وابن الاعرابي العترة الاولاد وأولاد الاولاد ولم يدخلا في ذلك العشيرة والاول أصح وأشهر في عرف الناس ووجه الاول قول أبي بكر رضي الله عنه في محفل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيضته التي تفقأت عنه فلم ينكره أحد وهم أهل اللسان فلا يعول على ما خالفه * (مسألة) * (وذوو رحمه كل قرابة له من جهة الآباء والامهات) قال القاضي ينصرف إلى قرابته من جهة أبيه وأمه ويتعدى ولد الاب الخامس وقد ذكرنا ذلك في مسألة القوم والنسباء * (مسألة) * (والايامى والعزاب من لا زوج له من الرجال والنساء) ذكره أصحابنا قال شيخنا ويحتمل أن يختص اسم الايامى النساء اللاتي لا أزواج لمن قال الله تعالى (وأنكحوا الايامى منكم) وفي الحديث " أعوذ بالله من بوار الايم " ووجه الاول ما روى سعيد بن المسيب أنه قال: آمت حفصة بنت عمر من زوجها وآم عثمان من رقية قال الشاعر: فان تنكحي انكح وان تتأيمي * وان كنت أفتى منك أنايم وقول شيخنا أولى لان العرف يختص النساء بهذا الاسم والحكم للاسم العرفي ولان قول النبي
[ 233 ]
صلى الله عليه وسلم " أعوذ بالله من بوار الايم " انما أراد به النساء وأما العزاب فهم الذين لا أزواج لهم من الرجال
والنساء يقال رجل عزب وامرأة عزبة قاله ثعلب وانما سمي عزبا لانفراده ويحتمل أن يختص الايامى بالنساء والعزاب بالرجال ولذلك يقال امرأة أيم بغير هاء ولا يقال أيمة ولو كان الرجل مشاركا لها لقيل أيم وأيمة مثل قائم وقائمة ولان العرف ان العزب يختص بالرجل * (مسألة) * (فأما الارامل فهن النساء اللاتي فارقهن ازواجهن بموت أو غيره قال أحمد في رواية حرب وقد سئل عن رجل وصى لارامل بني فلان فقال قد اختلف الناس فيها فقال قوم للرجال والنساء والذي يعرف من كلام الناس أن الارامل النساء وقال الشعبي واسحق هو للرجال والنساء وانشد هذي الارامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الارمل الذكر؟ وقال آخر أحب أن اصطاد ضبا سحبلا * رعى الربيع والشتاء أرملا ووجه الاول أن المعروف من كلام الناس أنه للنساء فلا يحمل اللفظ الا عليه ولان الارامل جمع أرملة فلا يكون جمعا للذكر لان ما يختلف لفظ الذكر والانثى في واحده يختلف في جمعه وقد أنكر ابن الانباري على قائل القول الاول وخطأه فيه والشعر الذي احتج به حجة عليه فانه لو كان لفظ
[ 234 ]
الارامل يشمل الذكر والانثى لقال حاجتهم إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن اللفظ متى كان للذكر والانثى ثم رد عليه ضمير غلب فيه لفظ التذكير وضميره فلما رد الضمير على الاناث علم أنه موضع لهن على الانفراد وسمي نفسه أرملا تجوزا وتشبيها بهن ولذلك وصف نفسه بانه ذكر وكذلك الشعر الآخر ويدل على ارادة المجاز أن اللفظ عند اطلاقه لا يفهم منه الا النساء ولا يسمى به في العرف غيرهن وهذا دليل على أنه لم يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه في الحقيقة للنساء والرجال لكن أهل العرف قد خصوا به النساء وتركت الحقيقة حتى صارت مهجورة لا تفهم من لفظ المتكلم ولا يتعلق بها حكم كسائر الالفاظ العرفية (فصل) وان وقف على اخواته فهو للاناث خاصة وان وقف على اخوته دخل فيه الذكر والانثى جميعا لان الله تعالى قال (وان كانوا اخوة رجالا ونساء) وقال (فان كان له اخوة فلامه السدس) واجمع العلماء على حجبها بالذكر والانثى وان قال لعمومته فالظاهر أنه مثل الاخوة لا يشمل الذكر
والانثى لانهم اخوة أبيه وان قال لبني اخوته أو لبنى عمه فهو للذكور دون الاناث إذا لم يكونوا قبيلة والفرق بينهما أن الاخوة والعمومة ليس لهما لفظ موضوع يشمل الذكر والانثى سوى هذا اللفظ وبنو الاخوة والعم لهم لفظ يشمل الجميع وهو لفظ الاولاد فإذا عدل عن اللفظ العام إلى لفظ البنين دل على ارادة الذكور ولان لفظ العمومة اشبه بلفظ الاخوة ولفظ بني الاخوة والعم يشبه بني فلان وقد دللنا عليهما والحكم في تناول اللفظ للبعيد من العمومة وبني العم والاخوة حكم ما ذكرنا في ولد الولد مع القرينة وعدمها في المسائل المتقدمة
[ 235 ]
* (مسألة) * (وان وقف على أهل قريته أو قرابته لم يدخل فيهم من يخالف دينه وفيه وجه آخر أن المسلم يدخل فيه وان كان الواقف كافرا) وجملة ذلك أن الانسان إذا وقف على اهل قريته أو قرابته أو اتى بلفظ عام يدحل فيه المسلمون والكفار والواقف مسلم فهو للمسلمين خاصة ولا شي للكفار وقال الشافعي يدخل فيه الكفار، لان اللفظ يتناولهم بعمومه ولنا أن الله تعالى قال (يوصيكم الله في أولادكم) فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلما وإذا لم يدخلوا في لفظ القرآن مع عمومه لم يدخلوا في لفظ الواقف ولان ظاهر حاله لا يريد الكفار لما بينه وبينهم من عداوة الدين وعدم الوصلة المانع من الميراث ووجوب النفقة ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الاولاد والاخوة والازواج وسائر الالفاظ العامة في الميراث فكذا ههنا، فان صرح بهم دخلوا لان إخراجهم بترك به صريح انقال وهو أقوى من قرينة الحال، وان وقف عليهم وأهل القرية كلهم كفار أو وقف على قرابته وكلهم كفار دخلوا لانه لا يمكن تخصيصهم إذ في اخراجهم رفع اللفظ بالكلية، فان كان فيها مسلم واحد والباقي كفار دخلوا أيضا لان اخراجهم ههنا بالتخصيص بعيد وفيه مخالفة الظاهر من وجهين (أحدهما) مخالفة لفظ العموم (والثاني) حمل اللفظ الدال على الجمع على المفرد، وإن كان الاكثر كفارا فهو للمسين في ظاهر كلام الخرقي لانه أمكن حمل اللفظ عليهم وصرفه إليهم والتخصيص يصح وإن كان باخراج الاكثر ويحتمل أن يدخل الكفار في الوصية لان التخصيص في مثل هذا بعيد فان تخصيص الصورة النادرة قريب وتخصيص الاكثر بعيد يحتاج إلى دليل قوي
[ 236 ]
والحكم في سائر الفاظ العموم كالاخوة والاعمام وبني عمه واليتامى والمساكين كالحكم في أهل قريته فاما إن كان الواقف كافرا فانه يتناول أهل دينه لان لفظه يتناولهم والقرينة تدل على ارادتهم فأشبه وقف المسلم يتناول أهل دينه، وهل يدخل فيه المسلمون؟ ينظر فان وجدت قرينة دالة على دخولهم مثل أن لا يكون في القرية الا مسلمون دخلوا وكذلك ان لم يكن فيها الا كافر واحد وباقي أهلها مسلمون وان انتفت القرائن ففي دخولهم وجهان (أحدهما) لا يدخلون كما لو لم يدخل الكفار في وقف المسلم (والثاني) يدخلون لان عموم اللفظ يتناولهم وهم أحق بوصيته من غيرهم فلا يصرف اللفظ عن مقتضاه ومن هو أحق بحكمه إلى غيره، فان كان في القرية كافر من غير أهل دين الواقف لم يدخل لان قرينة، الحال تخرجه ولم يوجد فيه ما وجد في المسلم من الاولى فبقي خارجا بحاله ويحتمل أن لا يخرج بناء على توريث. الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف دينهم * (مسألة) * (وان وقف على مواليه وله موال من فوق وموال من أسفل تناول جميعهم، وقال ابن حامد يختص الموالي من فوق) إذا وقف على مواليه وله موال من فوق حسب وهم معتقوه اختص الوقف بهم لان الاسم يتناولهم وقد تعينوا بوجودهم دون غيرهم، وان لم يكن له الاموال من أسفل فهو لهم لذلك وان
[ 237 ]
اجتمعوا فهو لهم جميعا يستوون فيه لان الاسم يشملهم جميعا، وقال اصحاب الرأي الوصية باطلة لانها لغير معين وقال أبو ثور يقرع بينهما لان احدهما ليس باولى من الآخر وقال ابن القاسم هو للموالي من اسفل، ولاصحاب الشافعي أربعة اوجه كقولنا وكقول أصحاب الرأي (والثالث) هو للموالي من فوق لانهم اقوى لكونهم عصبته ويرثونه بخلاف عتقائه وهو قول ابن حامد (والرابع) يقف الامر حتى يصطلحوا ولنا ان الاسم يتناول الجميع فدخلوا فيه كما لو وقف على اخوته وقولهم انها لغير معين غير صحيح فان التعميم يحصل مع التعين ولذلك لو حلف لا كلمت مولاي حنث بكلام أيهم كان وقولهم ان المولى من فوق اقوى قلنا مع شمول الاسم لهم يدخل فيه الاقوى والاضعف كاخوته ولا يدخل فيه ولد العم
ولا المساكين ولا الحليف ولا غير من ذكرنا لان الاسم ان تناولهم حقيقة لم يتناولهم عرفا والاسماء العرفية تقدم على الحقيقة ولا يستحق مولى الله مع وجود مواليه وقال زفر يستحق ولنا ان مولى الله ليس بمولى له حقيقة إذا كان له مولى سواه فان لم يكن له مولى فقال الشريف ابو جعفر إذا وصى لمواليه وليس له مولى فهو لمولى الله وقال أبو يوسف ومحمد لا شئ له لانه ليس بمولى، واحتج الشريف بان الاسم يتناولهم مجازا فإذا تعذرت الحقيقة وجب صرف الاسم إلى المجاز والعمل به تصحيحا لكلام المكلف عند إمكان تصحيحه ولان الظاهر ارادته المجاز لكونه محملا صحيحا وإرادة الصحيح أغلب من إرادة الفاسد فان كان له موالى أب حين الوقف ثم انقرض مواليه
[ 238 ]
لم يكن الموالى الاب على مقتضى ما ذكرناه لان الاسم يتناول غيرهم فلا يعود إليهم إلا بعقد ولم يوجد ولا يشبه هذا قوله أوصيت لاقرب الناس إلي وله ابن وابن ابن فمات الابن حيث يستحق ابن الابن وان كان لا يستحق في حياة الابن شيئا لان الوصية ههنا الموصوف وجدت الصفة في ابن الابن كوجودها في الابن حقيقة، وفي المولى يقع الاسم على مولى نفسه حقيقة وعلى مولى الله مجازا فمع وجودهما جميعا لا يحمل اللفظ إلا على الحقيقة وهذه الصفة لا توجد في مولى الله * (مسألة) * (وان وقف على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم) لان اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به فوجب العمل بمقضاه كقوله سبحانه (فهم شركاء في الثلث) فانه يجب تعميم الاخوة من الام والتسوية بينهم، ولان اللفظ يقتضي التسوية أشبه ما لو أقر لهم * (مسألة) * (فان لم يمكن حصرهم كالمساكين والقبيلة الكثيرة كبني هاشم وبني تميم صح الوقف عليهم) وكذلك يصح الوقف على المسلمين كلهم وعلى أهل اقليم ومدينة كالشام ودمشق، ويجوز للرجل أن يقف على عشريته وأهل مدينته، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح الوقف على من لا يمكن استيعابهم وحصرهم في غير المساكين ونحوهم لانه تصرف في حق الآدمي فلم يصح مع الجهالة كما لو قال وقفت على قوم ولنا أن من صح الوقف عليهم إذا كانوا محصورين صح، وان لم يحصوا كالفقراء وقياسهم
يبطل بالوقف على المساكين
[ 239 ]
(فصل) ولا يجب تعميمهم إجماعا لانه غير ممكن ويجوز تفضيل بعضهم على بعض لان من جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه ويجوز الاقتصار على واحد منهم ويحتمل أن لا يجرئه أقل من ثلاثة وهو مذهب الشافعي ووجه القول قد ذكر في الزكاة والاول ظاهر المذهب (فصل) فان كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه فصار مما لا يمكن استيعابه كرجل وقف على ولده وولد ولده وعقبه ونسله فصاروا قبيلة كثيرة تخرج عن الحصر مثل وقف علي رضي الله عنه على ولده ونسله فانه يجب تعمم من أمكن منهم والتسوية بينهم لان التعميم كان واجبا وكذلك التسوية فإذا تعذر وجب منه ما أمكن كالواجب الذي يعجز عن بعضه، ولان الواقف ههنا أراد التعميم والتسوية لامكانه وصلاح لفظه لذلك فيجب العمل بما أمكن بخلاف ما إذا كانوا حال الوقف ممن لا يمكن ذلك فيهم * (مسألة) * (ولا يعطى كل واحد أكثر من القدر الذي يعطى من الزكاة يعني إذا كان الوقف على صنف من أصناف الزكاة) وجملة ذلك أن من وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الرقاب أو الغارمين - فهم الذين يستحقون السهم من الصدقات - لا يدخل معهم غيرهم لان المطلق من كلام الآدميين يحمل على المعهود
[ 240 ]
في الشرع فينظر من كان يستحق السهم من الصدقات فالوقف مصروف إليه وقد مضى شرح ذلك في الزكاة فان وقف على الاصناف الثمانية الذين يأخذون الصدقات صرف إليهم ويعطى كل واحد منهم من الوقف مثل القدر الذي يعطى من الزكاة لا يزاد عليه وقد ذكرنا ذلك، وقد اختلف في العقد الذي يحصل به الغنى فقال احمد في رواية علي بن سعيد في الرجل يعطى من الوقف خمسين درهما فقال إن كان الواقف ذكر في كتابة المساكين فهو مثل الزكاة وإن كان متطوعا أعطى من شاء وكيف شاء فقد نص على الحاقه بالزكاة فيكون الخلاف فيه كالخلاف في الزكاة، واختار أبو الخطاب وابن عقيل زيادة
المسكين على خمسين درهما لان لفظ أحمد لا تقييد فيه. قال أبو الخطاب وفي المسألة وجهان وجههما ما سبق (فصل) فان وقف على الاصناف كلها أو على صنفين أو أكثر فهل يجوز الاقتصار على صنف واحد أو يجب إعطاء بعض كل صنف؟ فيه وجهان بناء على الزكاة * (مسألة) * (والوصية كالوقف في هذا التفصيل لان مبناها على لفظ الموصي أشبهت الوقف) (فصل) والوقف عقد لازم لا يجوز فسخه باقالة ولا غيرها ويلزم بمجرد القول لانه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق وعنه لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الوقف عن يده اختاره ابن أبي موسى كالهبة والصحيح الاول وقد ذكرناه، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم وحكاه بعضهم عن علي
[ 241 ]
وابن مسعود وابن عباس وخالف أبا حنيفة صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم واحتج بعضهم بما روي أن عبد الله بن زيد صاحب الاذان جعل حائطه صدقة وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبواه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ماتا فورثهما رواه المحاملي في أماليه ولانه إخراج ماله على وجه القربة من ملكه فلا يلزم بمجرد القول كالصدقة، قلنا هذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في وقفه " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " قال الترمذي العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا، قال الحميدي تصدق أبو بكر بداره على ولده وعمر بزيعه عند المروة على ولده وعثمان برومة وتصدق علي بأرضه بينبع وتصدق الزبير بداره بمكة وداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط وداره بمكة على ولده وحكيم ابن حزام بدره بمكة والمدينة على ولده فذلك كله إلى اليوم، وقال جابر لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف وهذا اجماع منهم فان الذي قدر على الوقف منهم وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان ذلك اجماعا ولانه ازالة ملك يلزم بالوصية فإذا نجزه في حال الحياة لزم من غير
حكم كالعتق، وحديث عبد الله بن زيد ان ثبت فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير
[ 242 ]
موقوف استناب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى والديه أحق الناس بصرفها اليهما ولهذا لم يردها إليه انما دفعها اليهما ويحتمل أن الحائط كان لهما وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما فتصرف بهذا التصرف بغير اذنها فلم ينفذاه وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فرده اليهما والقياس على الصدقة لا يصح لانها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم وانما يفتقر إلى القبض والوقف لا يفتقر إليه فافترقا * (مسألة) * (ولا يجوز بيعه الا أن تتعطل منافعه فيباع ويصرف ثمنه في مثله وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد وكذلك المسجد إذا لم ينتفع به في موضعه وعنه لا تباع المساجد لكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر) وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع الوقف ولا هبته لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر " غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " فان تعطلت منافعه بالكلية كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتا لا يمكن عمارتها أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه فان أمكن بيع بعضه ليعمر به بقيته جاز بيع البعض وان لم يمكن الانتفاع بشئ منه بيع جميعه قال أحمد في رواية أبي داود إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه وقال في رواية صالح يحول المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه قذرا قال القاضي يعني إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله وتكون الشهادة في ذلك على الامام. قال أبو بكر وقد روى على بن سعيد أن المساجد لا تباع وانما تنقل آلتها قال وبالقول الاول أقول لاجماعهم على بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو وأمكن الانتفاع بها في شئ آخر مثل أن تدور في الرحا أو يحمل عليها تراب أو تكون الرغبة في نتاجها أو حصانا يتخذ للطراق فانه يجوز بيعها ويشتري بثمنها ما يصلح للغزو نص عليه أحمد وقال محمد بن الحسن إذا خرب المسجد
[ 243 ]
والوقف عاد إلى ملك واقفه لان الوقف انما هو تسبيل المنفعة فإذا زالت منفعته زال حق الموقوف
عليه منه فزال ملكه عنه وقال مالك والشافعي لا يجوز بيع شئ من ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث " ولان ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز مع تعطلها كالمعتق والمسجد أشبه الاشياء بالمعتق ولنا ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة أن انقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد فانه لن يزال في المسجد مصل وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان اجماعا ولان فيما ذكرناه استبقاء للوقف بمعناه عند تعذر ابقائه بصورته فوجب ذلك كما لو استولد الجارية الموقوفة أو قبلها أو قبلها غيره قال ابن عقيل الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى وايصال الابدال جرى مجرى الاعيان وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض ويقرب هذا من الهدي إذا عطب فانه يذبح في الحال وان كان يختص بالموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره لان مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع به بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع. ولنا على محمد بن الحسن انه إزالة ملك على وجه القربة فلا يعود إلى مالكه باخنلاله وذهاب منافعه كالعتق * (مسألة) * (ويجوز بيع بعض آلته وصرفها في عمارته) كما يجوز بيع الفرس الحبيس عند تعذر الانتفاع به وصرف ثمنه فيما يقوم مقامه ولانه إذا جاز بيع الجميع عند الحاجة إلى بيعه فبيع بعضه مع بقاء البعض أولى. (فصل) وإذا بيع الوقف فأي شئ اشترى بثمنه مما يرد على أهل الوقف جاز، وإن كان من غير جنسه في ظاهر كلام الخرقي لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الاولى تصرف
[ 244 ]
فيها لانه لا يجوز تغيير المصرف مع امكان المحافظة عليه كما لا يجوز تغيير الوقف بالبيع مع إمكان الانتفاع به (فصل) فان لم يكف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى أعين به في شراء حبيس يكون بعض الثمن نص عليه أحمد لان المقصود استيفاء منفعة الوقف الممكن استيفاؤها وصيانتها عن الضياع
ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق (فصل) فان لم تتعطل منفعة الوقف بالكلية لكن قلت وكان غيره أنفع منه وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه لان الاصل تحريم البيع وانما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله ومع الانتفاع ما يضيع المقصود وإن قل اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا فيكون وجوده كالعدم (فصل) قال أحمد في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله رفعه من الارض ويجعل تحته سقاية وحوانيت فامتنع بعضهم من ذلك ينظر الي قول أكثرهم واختلف أصحابنا في تأويل كلام أحمد فذهب ابن حامد إلى ان هذا مسجد أراد أهله انشاءه ابتداءا واختلفوا كيف يعمل، وسماه مسجدا قبل بنائه تجوزا لان مآله إليه، أما بعد بنائه لا يجوز جعله سقاية ولا حوانيت وذهب القاضي إلى ظاهر اللفظ وهو انه كان مسجدا فأراد أهله رفعه وجعل ما تحته سقاية لحاجتهم إلى ذلك والاول أصح وأولى، وان خالف الظاهر فان المسجد لا يجوز نقله وإبداله وبيع ساحته وجعلها سقاية وحوانيت إلا عند تعذر الانتفاع به والحاجة إلى سقاية وحوانيت لا تعطل نفع المسجد فلا يجوز صرفه في ذلك ولو جاز جعل أسفل المسجد سقاية وحوانيت لهذه الحاجة لجاز تخريب المسجد وجعله سقاية وحوانيت ويجعل بدله مسجدا في موضع آخر، وقال أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في مسجد ليس بحصين من الكلاب وله منارة فرخص في نقضها وبناء حائط المسجد بها للمصلحة * (مسألة) * (وما فضل من حصره وزيته عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين) وكذلك إن فضل من قصبه أو شئ من نقضه، قال أحمد في مسجد يبنى فيبقى من خشبه أو قصبه أو شئ من نقضه قال يعان به في مسجد آخر أو كما قال، وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه الشئ أو الخشبة قال يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت
[ 245 ]
تصدق بها، وقال في موضع آخر قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة.
وروى الخلال باسناده عن علقمة عن أمه ان شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة رضي الله عنها فقال يا أم المؤمنين ان ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها فنحفر لها آبارا فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب قالت عائشة بئس ما ضعت ولم تصب ان ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين. فقال فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة، وهذه قضية مثلها ينتشر ولم تنكر فتكون إجماعا ولانه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع * (مسألة) * (ولا يجوز غرس شجرة في المسجد) نص عليه أحمد فقال إن كانت غرست النخلة بعد أن صار مسجدا فهذه غرست بغير حق فلا أحب الاكل منها، ولو قلعها الامام لجاز، وذلك لان المسجد لم يبن لهذا انما بنى لذكر الله والصلاة وقواءة القرآن ولان الشجرة تؤذي المسجد وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها ويسقط ورقها في المسجد وثمرها ويسقط عليها الطير وتبول في المسجد وربما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها * (مسألة) * (فان كانت مغروسة جاز الاكل منها) يعني إذا كانت الشجرة في أرض فجعلها صاحبها مسجدا والشجرة فيها فلا بأس، قال أحمد في موضع لا بأس يعني أن يبيعها من الجيران، وقال في رواية أبي طالب في النفقة لا تباع وتجعل للمسلمين وأهل الدرب يأكلونها وذلك والله أعلم، لان صاحب الارض لما جعلها مسجدا والشجرة فيها فقد وقف الارض والشجرة معا ولم يعين مصرفها فصارت كالوقف المطلق الذي لم يعين له مصرف. وقد ذكرنا انه للمساكين في بعض الروايات. فأما إن قال صاحبها هذه وقف على المسجد فينبغي أن تباع ثمرتها وتصرف إليه كما لو وقفها على المسجد وهي في غيره. وقال أبو الخطاب عندي ان السجد إذا احتاج إلى ثمن ثمرة الشجرة بيعت وصرفت في عمارته، وقال أحمد يأكلها الجيران محمول على انهم يعمرونه فان استعنى المسجد عنها فلا بأس بالاكل منها والله سبحانه وتعالى أعلم
[ 246 ]
باب الهبة والعطية وهي تمليك في الحياة بغير عوض، الهبة والعطية والهبة والصدقا معانيهما متقاربة وهي تمليك في الحياة بغير عوض، واسم الهبة والعطية شامل لجميعها، فأما الصدقة والهدية فهما متتغايران وإن دخلا في مسمى الهبة والعطية فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تصدق به على بربرة " هو عليها صدقة ولنا هدية " فالظاهر ان من أعطى شيئا ينوي به التقرب إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى انسان شيئا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية وجميع ذلك مندوب إليه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " تهادوا تحابوا " وأما الصدقة فما ورد في فضلها كثير، وقد قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتؤها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيأتكم * (مسألة) * (فان شرط فيها عوضا معلوما صارت بيعا وعنه يغلب فيها حكم الهبة) وجملة ذلك ان الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا سواء كانت لمثله أو دونه أو أعلى منه وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي كقولنا فيما إذا كانت لمثله أو دونه وإن كانت لاعلى منه اقتضت الثواب في أحد القولين وهو قول مالك لقول عمر رضي الله عنه من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها
[ 247 ]
ولنا انها عطية على وجه التيرع فلم تقتض ثوابا كهة المنل والوصية، وقول عمر قد خالفه ابنه وابن عباس فلا يبقى حجة فان عوضه عن الهبة كانت هبة مبتدأة لا عوضا أيهما أصاب عيبا لم يكن له الرد وإن خرجت مستحقة أخذها صاحبها ولم يرجع الموهوب له ببدلها، فان شرط في الهبة ثوابا معلوما صح نص عليه، لانه تمليك بعوض معلوم فهو كالهبة وحكمها حكم البيع في ثبوت الخيار والشفعة وبه قال أصحاب الرأي ولاصحاب الشافعي قول انها لا تصح لانه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها. ولنا انه تمليك بعوض فصح كما لو قال ملكتك هذا بدرهم فانه لو أطلق التمليك كان هبة فإذا ذكر العوض صار بيعا وفيه رواية أخرى ذكرها أبو الخطاب انه يغلب عليها حكم الهبة فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به * (مسألة) * (وان شرط ثوابا مجهولا لم تصح الهبة)
وحكمها حكم البيع اللفاسد لانه عوض مجهول في معاوضة فلم يصح كالبيع ويردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة لانه نماء ملك الواهب، وإن كانت تالفة رد قيمتها وهذا قول الشافعي وأبي ثور وعنه انه قال يرضيه بشي وظاهر كلام أحمد انها تصح فإذا أعطاه عنها عوضا رضيه لزم العقد بذلك، قال أحمد في رواية محمد ابن الحكم إذا قال الواهب هذا لك على أن تثيبني فله أن يرجع إذا لم يثيه لانه شرط، وقال في رواية اسماعيل بن سعيد إذا وهب له على وجه الاثابة فلا يجوز إلا أن يثيبه منها فعلى هذا عليه أن
[ 248 ]
يعطيه حتي يرضيه، فان لم يفعل فللواهب الرجوع فيها أو عوضها إن كانت تالفة لانه عقد معاوضة فاسد فلزم ضمان العين إذا تلفت كالبيع الفاسد ويحتمل أن يعطيه قدر قيمتها والاول أصح لان هذا بيع فيعتبر له التراضي إلا انه بيع بالمعاطاة فإذا عوضه عوضا رضيه حصل البيع بما حصل من المعاطاة مع التراضي بها وإن لم يحصل التراضي لم يصح لعدم العقد فانه لم يوجد الايجاب والقبول ولا المعاطاة ولا التراضي والاصل في هذا قول عمر رضي الله عنه: من أوهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها، وروي معنى ذلك عن علي وفضالة بن عبيد ومالك بن أنس وهو قول الشافعي على القول الذي يرى ان الهبة المطلقة تقتضي ثوابا، وقد روى أبو هريرة ان أعرابيا وهب النبي صلى الله عليه وسلم ناقة فأعطاء ثلاثا فأبى فزاده ثلاثا فلما كملت تسعا قال رضيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لقد هممت أن لا اتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي " من المسند، فان تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان أو لم يثبه منها فقال أحمد لا أرى عليه نقصان ما نقصه عنده إذا رده الي صاحبه إلا أن يكون ثوبا لبسه أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص فلا شئ عليه فكان عندي مثل الرهن الزيادة والنقصان لصاحبه * (مسألة) * (وتحصل الهبة بما يتعارفه الناس هبة من الايجاب والقبول والمعاطاة المقترنة بما يدل عليها) فالايجاب أن يقول وهبتك أو أهديت اليك أو ملكتك أو هذا لك ونحوه من الالفاظ
[ 249 ]
الدالة على هذا المعنى، والقبول أن يقول قبلت أو رضيت أو نحو هذا، وتصح بالمعاطاة المقترنة بما يدل عليهما
وإن لم يحصل ايجاب أو قبول، ذكر القاضي وأبو الخطاب أن الهبة والعطية لابد فيها من الايجاب والقبول، ولا تصح بدونه سواء وجد القبض أو لم يوجد وهو قول أكثر أصحاب الشافعي لانه عقد تمليك فافتقر إلى الايجاب والقبول كالنكاح، والصحيح ان المعاطاة والافعال الداله على الايجاب والقبول كافية ولا يحتاج إلى لفظ اختاره ابن عقيل فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي ويهدى إليه ويعطي ويعطى ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها وكان أصحابه يفعلون ذلك ولم ينقل عنهم في ذلك ايجاب ولا قبول ولا أمر به ولا تعليمه لاحد ولو كان ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشتهرا، وقد كان ابن عمر على بعير لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " بعنيه " فقال هو لك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت " ولم ينقل قبول النبي صلى الله عليه وسلم من عمر ولا قبول ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان شرطا لفعله النبي وعلمه ابن عمر ولم يكن ليأمره أن يصنع به ما شاء قبل أن يقبله، وروى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي بطعام سأل عنه فان قالوا صدقة قال لاصحابه " كلوا " ولم يأكل وإن قالوا هدية ضرب بيده فأكل معهم، ولا خلاف بين العلماء فيما علمنا في ان تقديم الطعام بين يدي الضيفان والاذن في أكله ان ذلك لا يحتاج إلى ايجاب ولا قبول ولانه وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك فاكتفى به كما لو وجد الايجاب والقبول، قال ابن عقيل انما يشترط الايجاب مع الاطلاق وعدم العرف القائم من المعطي والمعطى لانه إذا لم يكن عرف يدل
[ 250 ]
على الرضي فلابد من قول دال عليه، أما مع قرائن الاحوال والدلال فلا وجه لتوقفه على اللفظ، ألا ترى أنا اكتفينا بالمعاطاة في البيع واكتفينا بدلالة الحال في دخول الحمام وهو اجارة وبيع أعيان فإذا اكتفينا في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال فانها تنقل الملك من الجانبين فلان نكتفي بها في الهبة أولى. وأما النكاح فانه يشترط فيه ما لا يشترط في غيره من الاشهاد ولا يقع إلا قليلا فلا يشق اشتراط الايجاب والقبول فيه بخلاف الهبة والله سبحانه وتعالى أعلم * (مسألة) * (وتلزم بالقبض وعنه تلزم في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة) أما الميكل والموزون الذي لا يتميز إلا بالكيل والوزن فلا تلزم الهبة فيه إلا بالقبض وعلى قياس ذلك المعدود والمذروع،
وهو قول أكثر الفقهاء منهم النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك وأبو ثور تلزم بمجرد العقد لعموم قوله عليه السلام " العائد في هبته كالعائد في قيئه " ولانه إزالة ملك بغير عوض فلزم بمجرد العقد كالوقف والعتق ولانه تبرع فلا يعتبر فيه القبض كالوصية والوقف ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم نعرف لهما في الصحابة مخالفا، وقد روى عروة عن عائشة رضي الله عنها ان أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض قال: يا بنية ما أحد أحب غنى منك بعدي ولا أحد أعز علي فقرا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا ووددت انك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك فاقتسموا على كتاب الله عزوجل، رواه مالك في موطئه. وروى ابن عيينة عن
[ 251 ]
الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري ان عمر بن الخطاب قال: ما بال قوم ينحلون أولادهم فإذا مات أحدهم قال مالي وفي يدي فإذا مات هو قال قد كنت نحلت ولدي، لانحلة لانحلة يحوزها الولد دون الوالد، فان مات ورثه قال المروذي اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ان الهبة لا تجوز إلا مقبوضة ولانها هبة غير مقبوضة فلم تلزم كما لو مات الواهب قبل أن يقبض فان مالكا يقول لا يلزم الورثة التسليم والخبر محمول على المقبوض ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق لان الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى فخالف التمليكات والوصية تلزم في حق الوارث والعتق إسقاط حق وليس بتمليك ولان الوقف والعنق لا يكون في محل النزاع لان النزاع في المكيل والموزون (فصل) وفي غير المكيل والموزون روايتان (إحداهما) ان حكمه حكم المكيل والموزون في انه لا يلزم إلا بالقبض وهو قول أكثر أهل العلم، قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ان الهبة لا تجوز إلا مقبوضة روي ذلك عن النخعي والثوري والعنبري والحسن بن صالح والشافعي وأصحاب الرأي لما ذكرنا في المكيل والموزون (والثانية) انها تلزم بمجرد العقد وثبت الملك في الموهوب فيه قبل قبضه فروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض وهو قول مالك وأبي ثور لان الهبة أحد نوعي التمليك فكان منها ما لا يلزم
قبل القبض ومنها ما يلزم قبله كالبيع فان منه ما لا يلزم إلا بقبض وهو الصرف وبيع الربويات ومنه
[ 252 ]
ما يلزم قبله وهو ما عدا ذلك، فأما حديث أبي بكر في هبته لعائشة فان جذاذ عشرين وسقا يحتمل انه أراد به عشرين وسقا مجذوذة فيكون مكيلا غير معين وهذا لابد فيه من القبض، وإن أراد نخلا بجذ عشرين وسقا فهو أيضا غير معين فلا تصح الهبة فيه قبل تعيينه فيكون معناه وعدتك بالنحلة، وقول عمر أراد به النهي عن التحيل بنحلة الوالد ولده نحلة موقوفة على الموت فيظهر اني نحلت ولدي شيئا ويمسكه في يده يستغله فإذا مات أخذه ولده بحكم النحلة التي أظهرها، وإن مات ولده أمسكه ولم يعط ورثته شيئا وهذا على هذا الوجه محرم فنهاهم عن هذا حتى يحوزها الولد دون والده، فان مات ورثها ورثته كسائر ماله، وإذا كان المقصود هذا اختص بهبة الولد وشبهه، على انه قد روي عن علي وابن مسعود خلاف ذلك فتعارضت أقوالهم (فصل) قوله في المكيل والموزون ان الهبة لا تلزم فيه الا بالقبض محمول على عمومه في كل ما يكال ويوزن وخصه أصحابنا المتأخرون بما ليس بمتعين منه كقفيز من صبرة ورطل من دن وقد ذكرنا ذلك في البيع ورجحنا العموم * (مسألة) * (ولا يصح القبض إلا باذن الواهب الا ما كان في يد المتهب فيكفي مضي زمن يتأتى قبضه فيه وعنه لا يصح حتى يأذن في القبض
[ 253 ]
إذا قلنا ان الهبة لا تلزم الا بالقبض لم يصح القبض إلا باذن الواهب لانه قبض غير مستحق عليه ولانه أمر تلزم به الهبة فلم يصح الا باذن الواهب كأصل العقد لان قبضه مستدام فأغنى عنه الابتداء كما لو باعه سلعة في يده وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، فأما ما كان في يد المتهب كالوديعة والمغصوب فظاهر كلام أحمد أنها تلزم من غير قبض ولا مضي مدة يتأتى فيها القبض فانه قال في رواية ابن منصور إذا وهب امرأته شيئا ولم تقبضه فليس بينه وبينها خيار هي معه في البيت فظاهر هذا أنه لم يعتبر قبضا ولا مضي مدة يتأتى فيها لكونها معه في البيت
فيدها على ما فيه لان قبضه مستدام اغنى عن الابتداء كما لو باعه سلعة في يده وهو الصحيح ان شاء الله تعالى. قال القاضي لابد من مضي مدة يتأتى القبض فيها، وهل يفتقر إلى اذن في القبض؟ فيه روايتان (احداهما) يفتقر كغير المقبوض (والثانية) لا يفتقر لانه مقبوض فلا معنى لتجديد الاذن فيه وقد ذكرنا ذلك في الرهن ومذهب الشافعي في الاختلاف في اعتبار الاذن واعتبار مضي مدة يتأتى القبض فيها كمذهبنا (فصل) والواهب بالخيار قبل القبض ان شاء أقبضها وان شاء رجع فيها فان قبضها المتهب بغير اذن الواهب لم يصح القبض ولم تتم الهبة وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح وان لم يأذن له لان الهبة قامت مقام الاذن في القبض لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لا يتم الا بالقبض