الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي المتوفي سنة 682 ه كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء العاشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم باب القسامة وهي الايمان المكررة في دعوى القتل والقسامة مصدر أقسم قسامة ومعناه حلف حلفا، والمراد بالقسامة ههنا الايمان المكررة في دعوى القتل، وقال القاضي هي الايمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال وأهل اللغة يذهبون إلى انها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر كما يقال رجل عدل ورضى، وأي الامرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف، والاصل في القسامة ماروي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ان محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وأبناء عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (كبر الكبر) أو قال
[ 3 ]
(ليبدأ الاكبر) فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) فقالوا أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال (فتبرئكم يهود بايمان خمسين منهم) قالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال قال فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله قال سهل فدخلت مربدا لهم
فركضتني ناقة من تلك الابل) متفق عليه (مسألة) (ولا يثبت إلا بشروط أربعة: أحدها دعوى القتل ذكرا كان المقتول أو أنثى حرا أو عبدا مسلما أو ذميا وأما الجراح فلا قسامة فيها) دعوى القتل شرط في القسامة ولا تسمع الدعوى إلا محررة بأن يقول ادعي ان هذا قتل وليي فلان ابن فلان عمدا أو خطأ أو شبه عمد، ويصف القتل فان كان عمدا قال قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبا. فان كانت الدعوى على واحد فأقر ثبت القتل فان أنكر وثم بينة حكم بها وإلا صار الامر إلى الايمان، وان كانت الدعوى على أكثر من واحد لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) أن يقول قتله هذا وهذا تعمد قتله، ويصف العمد بصفته فيقال له عين واحدا فان القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد (الحال الثاني) أن يقول تعمد هذا وهذا كان خاطئا فهو يدعي قتلا غير. موجب للقود فيقسم عليهما ويأخذ نصف الدية من مال العامد ونصفها من مال الخاطئ (الحال الثالث) أن يقول عمد هذا ولا أدري أكان قتل الثاني عمدا أو خطأ فقيل لا تسوغ القسامة
[ 4 ]
ههنا لانه يحتمل أن يكون الآخر مخطئا فيكون موجبها الدية عليهما ويحتمل أن يكون عامدا فلا يسوغ ههنا ويجب تعيين واحد والقسامة عليه فيكون موجبها القود فلم تجز القسامة مع هذا، فان عاد فقال علمت ان الآخر كان عامدا فله أن يعين واجدا ويقسم عليه، وإن قال كان مخطئا ثبتت القسامة حينئذ ويسئل الآخر فان أنكر ثبتت القسامة وإن أقر ثبت عليه القتل ويكون عليه نصف الدية في ماله لانه ثبت باقراره لا بالقسامه، وقال القاضي يكون على عاقلته والاول أصح لان العاقلة لا تحمل اعترافا (الحال الرابع) أن يقول قتلاه خطأ أو شبه عمدا أو أحدهما خاطئا والآخر شبهه العمد فله أن يقسم عليهما، فان ادعى انه قتل وليه عمدا فسئل عن تفسيره العمد ففسره بعمد الخطأ قبل تفسيره وأقسم على ما فسره به لانه أخطأ في وصف القتل بالعمدية، ونقل المزني عن الشافعي لا يحلف عليه لانه بدعوى العمد برأ العاقلة فلم تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم المال ولنا ان دعواه قد تحررت وانما غلط في تسمية شبه العمد عمدا وهذا مما يشتبه فلا يؤاخذ به
ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبيين نوع القتل لم يعتد باليمين لان الدعوى لا تسمع غير محررة فكأنه أحلفه قبل الدعوى ولانه انما يحلفه ليوجب له ما يستحقه فإذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه لم يحصل المقصود باليمين فلم يصح (فصل) قال القاضي يجوز للاولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم انه قتله وإن كانوا
[ 5 ]
غائبين عن مكان القتل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للانصار (تحلفون وتستحقون دم صاحبكم) وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولان للانسان أن يحلف على غالب ظنه كما ان من اشترى من انسان شيئا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف انه لا يستحقه لان الظاهر انه ملك الذي باعه وكذلك إذا وجد شيئا بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئا لم يعلم فيه عيبا فادعى عليه المشتري انه معيب وأراد رده كان له ان يحلف انه باعه بريئا من العيب، ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبه ظن يقارب اليقين، وينبغي للحاكم أن يقول لهم اتقوا الله واستثبتوا ويعظهم ويحذرهم ويقرأ عليهم (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة وظلم البرئ وقتل النفس بغير الحق ويعرفهم ان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا كله مذهب الشافعي (مسألة) (وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا مسلما أو ذميا) أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا فان الاصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة وأما ان كان المقتول كافرا أو عبدا وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حاله أو دونه ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي واصحاب الرأي، وقال الزهري والثوري ومالك والاوزاعي لا قسامة في العبد لانه مال فلم تجب القسامة فيه كالبهيمة
[ 6 ]
ولنا انه قتل موجب للقصاص فأوجب القسامة كقتل الحر بخلاف البهيمة فانه لا قصاص فيها
ويقسم على العبد سيده لانه المستحق لدمه، وأم الود والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة كالقن لان الرق ثابت فيهم، فان كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافرا والحر يقتل عبدا فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك لان القسامه انما تكون فيما يوجب القود وقال القاضي فيها القسامة وهو قول الشافعي واصحاب الرأي لانه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولان ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد والكافر كالبينة، ووجه قول الخرقي انه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه بدليل ان العبد لو اتهم بقتل سيده وجبت القسامة إذا كان القتل موجبأ للقصاص ذكره القاضي لانه لا يجوز قتله قبل ذلك ولو لم يكن موجبا للقصاص لم تشرع القسامة (فصل) وإن قتل عبد المكاتب فللمكاتب أن يقسم على الجاني لانه مالك العبد يملك التصرف فيه وفي بدله وليس لسيده انتزاعه منه وله شراؤه منه، ولو اشترى المأذون له في التجارة عبدا فقتل فالقسامة لسيده دونه لان ما اشتراه المأذون يملكه سيده دونه ولهذا يملك انتزاعه منه، وإن عجز المكاتب قبل أن يقسم فلسيده أن يقسم لانه صاو المستحق لبدل المقتول بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم، ولو ملك السيد عبده أو أم ولده عبدا فقتل فالقسامة للسيد سواء قلنا يملك العبد
[ 7 ]
بالتمليك أولا يملك لانه ان لم يملك فالملك لسيده وان ملك فهو ملك غير ثابت ولهذا يملك سيده انتزاعه منه ولا يجوز له التصرف بغير اذن سيده بخلاف المكاتب، وان أوصى لام ولده ببدل العبد صحت الوصية وان كان لم يجب بعد كما تصح الوصية بثمرة لم تخلق والقسامة للورثة لانهم القائمون مقام الموصي في اثبات حقوقه فإذا حلفوا ثبت لها البدل بالوصية فان لم يحلفوا لم يكن لها أن تحلف كما إذا امتنع الورثة باليمين مع الشاهد لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه (فصل) والمحجور عليه لسفه أو فلس كغير المحجور عليه في دعوى القتل والدعوى عليه لانه إذا أقر بمال أو لزمته الدية بالنكول عن اليمين لم تلزمه في حال حجره لان اقراره بالمال في الحال غير مقبول بالنسبة إلى أخذ شئ من ماله في الحال على ما عرف في موضعه
(فصل) ولو جرح مسلم فارتد فمات على الردة فلا قسامة فيه لان نفسه غير مضمونة ولا قسامة فيما دون النفس ولان ماله يصير فيأ والفئ ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له، وان مات مسلما فارتد وارثه قبل القسامة فقال أبو بكر ليس له أن يقسم وان أقسم لم يصح لان ملكه يزول عن ماله وحقوقه فلا يبقى مستحقا للقسامة وهذا قول المزني ولان المرتد قد أقدم على الكفر الذي لا ذنب أعظم منه فلا يستحق بيمينه دم مسلم ولا يثبت بها قتل، وقال القاضي الاولى أن تعرض عليه القسامة فان أقسم وجبت الدية وهذا قول الشافعي لان استحقاق المال بالقسامة حق له فلا يبطل
[ 8 ]
بردته كاكتساب المال بوجوه الاكتساب وكفره لا يمنع يمينه لان الكافر تصح يمينه ويعرض عليه في الدعاوى فان حلف ثبت القصاص أو الدية، فان عاد إلى الاسلام كان له وان مات كان فيئا والصحيح ان شاء الله ما قاله أبو بكر لان مال المرتد اما أن يكون ملكه قد زال عنه واما موقوف وحقوق المال حكمها حكمه، فان قلنا يزول ملكه فلا حق له وان قلنا هو موقوف فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه فلا يثبت الحكم بشئ مشكوك فيه كيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات ولا يستوفى مع الشك؟ فأما ان ارتد قبل موت مورثه لم يكن وارثا ولا حق له وتكون القسامه لغيره من الوارث فان لم يكن للميت وارث سواه فلا قسامة فيه لما ذكرنا، فان عاد إلى الاسلام قبل قسامة غيره فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة لانه متى رجع قبل قسم الميراث قسم له. وقال القاضي لا تعود القاسمة إليه لانها استحقت على غيره وان ارتد رجل فقتل عبده أو قتل عبده ثم ارتد فهل له أن يقسم؟ عل وجهين بناء على الاختلاف المتقدم فان عاد إلى الاسلام عادت القسامة لانه يستحق بدل العبد (مسألة) (فأما الجراح فلا قسامة فيها) لا قسامة فيما دون النفس من الاطراف والجراح لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي لان القسامة تثبت في النفس لحرمتها فاختصت بها دون الاطراف كالكفارة
[ 9 ]
ولانها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله ومن قطع طرفه يمكنه ذلك وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى في سائر الحقوق، والبينه على المدعي واليمين على المنكر يمينا واحدة لانها دعوى لا قسامة فيها فلا تغلظ بالعدد كالدعوى في المال (الثاني) اللوث وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الانصار وأهل خيبر وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر في ظار المذهب، اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في اللوث فروي عنه أن العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه كنحو ما كان بين الانصار ويهود خيبر وما بين القبائل والاحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما بين البغاة وأهل العدل وما بين الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شئ يعني ضغنا يؤخذون به ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة الا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها سواء كان القتال بالتحام أو مراماة بالسهام وان لم تبلغ السهام فاللوث على طائفة القتيل إذا ثبت هذا فانه لا يشترط مع العداوة ان لا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها وكلام الخرقي يدل عليه أيضا واشترط القاضي أن يوجد القتيل في موضع عدو
[ 10 ]
لا يختلط بهم غيرهم وهذا مذهب الشافعي لان الانصاري قتل في خيبر ولم يكن بها الا اليهود وجميعهم اعداء ولانه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ثم ناقض قوله فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل فقال ان كان في القوم من بينه وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الانصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها لانها كانت املاكا للمسلمين يقصدونها لاخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها والاطلاع عليها والامتيار منها ويبعد ان تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها وقول الانصار ليس لنا بخيبر عدو الا اليهود يدل على أنها قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو ولان اشتراكهم في العداوة لا يمنع من
وجود اللوث في حق واحد وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله فلان لا يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث فان اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه فلا ينافيه الاحتمال ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيح إلى الايمان ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة لاحتمال أن القاتل غيره ولا على الجماعة كلهم لانه يحتمل أن لا يشترك الجميع في قتله والرواية الثانية عن أحمد أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي ذلك من وجوه
[ 11 ]
(أحدها) العداوة المذكورة (الثاني) أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثا في حق كل واحد منهم فان ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع المجاعة فالقول قوله مع يمينه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان الاصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (الثالث) أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد بينهم قتيل فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث فانه قال فيمن مات من الزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال وهذا قول اسحاق وروي ذلك عن عمر وعلي فان سعيدا روى في سننه عن ابراهيم قال قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله فقال علي يا أمير المؤمنين لا تطل دم امرئ مسلم ان علمت قاتله والا فاعط ديته من بيت المال وقال أحمد فيمن وجد مقتولا في المسجد الحرام ينظر من كان بينه وبينه شئ في حياته يعني عداوة فلم يجعل الحضور لوثا وانما جعل اللوث العداوة وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام ديته على من حضر لان قتله حصل منهم، وقال مالك دمه هدر لانه لا يعلم له قاتل ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة فيه وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه في رجل وجد قتيلا ولم يعرف قاتله فكتب إليهم إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها الافي الدار الآخر ة وهذا منها (الرابع) أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن قتله مثل أن يرى رجلا هاربا يحتمل انه قاتل أو سبعا يحتمل ذلك فيه
[ 12 ]
(الخامس) أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الاخرى. ذكره القاضي فان كانوا بحيث لا يصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل وهذا قول الشافعي، وروي عن احمد ان عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان الا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا لانه يجتمل انه مات من فعل اصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم: فدية المقتولين على المجروحين يسقط منه دية الجراح وان كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شئ على وجهين ذكرهما ابن حامد (السادس) ان يشهد بالقتل عبيد ونساء ففيه عن احمد روايتان (إحداهما) انه لوث لانه يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه العداوة (والثانية) ليس بلوث لانها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به كفار وان شهد به فساق أو صبيان ففيه وجهان (أحدهما) ليس بلوث لانه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الاطفال والمجانين (والثاني) يثبت بها اللوث لانها شهادة فغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد وقول الصبيان معتبر في الادب في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها وهذا مذهب الشافعي. ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب. فهذه الوجوه قد ذكر عن احمد انها لوث لانها تغلب على الظن صدق المدعي اشبهت العداوة. وروي ان هذا ليس بلوث وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام
[ 13 ]
لان اللوث انما يثبت بالعداوة بقضية الانصاري القتيل بخيبر ولا يجوز القياس عليها لان الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس على المظان لان الحكم انما يتعدى بتعدي سببه والقياس بالمظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم والظنون تختلف ولا تأتلف وتنخبط ولا تنضبط وتختلف باختلاف القرائن والاحوال والاشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها ولانه يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الاصل والفرع والمقتضي ولا سبيل إلى تغير التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها. فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا لوث فيه
(فصل) وان شهد رجلان على رجل انه قتل احد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثا عند أحد علمنا قوله وان شهدا ان هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين أو شهد احدهما ان هذا قتله وشهد الآخر انه اقر بقتله أو شهد أحدهما انه قتله بسيف وشهد الآخر انه قتله بسكين لم تكمل الشهادة ولم يكن لوثا. هذا قول القاضي واختياره. والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد احدهما بقتله والآخر بالاقرار بقتله انه يثبت القتل واختار أبو بكر ثبوت القتل ههنا وفيما إذا شهد أحدهما انه قتله بسيف وشهد الآخر انه قتله بسكين لانهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته وقال الشافعي هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث لانها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد. ولنا انها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم تكن لوثا كالصورة الاولى
[ 14 ]
(فصل) وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر وبهذا قال مالك والشافعي. وعن احمد انه شرط وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري لانه إذا لم يكن به أثر احتمل انه مات حتف أنفه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الانصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولان القتل يحصل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وضربة الفؤاد فأشبه من به أثر، وم به اثر قد يموت حتف انفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه. فعلى قول من اعتبر الاثر ان خرج الدم من اذنه فهو لوث لانه لا يكون الا لخنق أو أمر اصيب به، وان خرج من انفه فهل يكون لوثا على وجهين (مسألة) (فاما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث) هذا قول اكثر اهل العلم منهم الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي. وقال مالك والليث هو لوث لان قتيل بني اسرائيل قال قتلني فلان فكان حجة. ويروى هذا القول عن عبد الملك بن مروان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى، قوم دماء رجال وأموالهم) ولانه يدعي حقا لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولانه خصم فلم تكن دعواه لوثا كالولي فأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه فانه لا قسامة فيه فان ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام حيث
احياه الله تعالى بعد موته وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ولم يكن الله تعالى لينطقه بالكذب بخلاف الحي ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تبرئة المتهمين فلا يجوز تعديته إلى تهمة البريئين
[ 15 ]
(مسألة) (ومتى ادعى القتل مع عدم اللوث عمدا فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولاغيرها وعن احمد انه يحلف يمينا واحدة وهي الاولى. وان كان خطأ حلف يمينا واحدة) إذا ادعى القتل مع عدم اللوث لم يخل من حالين (احدهما) إذا وجد قتيل في موضع فادعى اولياؤه قتله على رجل أو جماعة ولم يكن بينهم عداوة ولا لوث فهي كسائر الدعاوى ان كانت لهم بينه حكم لهم بها وإلا فالقول قول المنكر وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. وقال ابو حنيفة وأصحابه: إذا ادعى اولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين فللولي ان يختار من الموضع خمسين رجلا يحلفون خمسين يمينا والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله فإذا نقصوا عن الخمسين كررت الايمان عليهم حتى تتم فإذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة فان لم يكن وجبت على سكان الموضع فان لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا لما روي ان رجلا وجد قتيلا بين حيين فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يمينا وقضى بالدية على أقربهما يعني اقرب الحيين فقالوا: والله ما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا ايماننا. فقال عمر حقنتم بأموالكم دماءكم ولنا حديث عبد الله بن سهل وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم (البينه على المدعي واليمين على من أنكر) ولان المدعى عليه الاصل براءة ذمته ولم يظهر كذبه فكان القول قوله كسائر الدعاوى
[ 16 ]
ولانه مدعى عليه فلم تلزمه اليمين والغرم كسائر الدعاوى وقول النبي صلى الله عليه وسلم اولى من قول عمر وأحق بالاتباع. ثم قضية عمر يحتمل انهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد ثم انهم لا يعلمون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المخالف للاصول وقد صاروا ههنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للاصول وهو ايجاب الايمان على غير المدعى عليه وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم
وتغريمهم وحبسهم على الايمان قال ابن المنذر: سن النبي صلى الله عليه وسلم البينه على المدعي واليمين على المدعى عليه وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر، وقول اصحاب الرأي خارج عن هذه السنن (فصل) ولا تسمع الدعوى على غير معين فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم لم تسمع وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسمع ويستحلف خمسون منهم لان الانصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم ولنا انها دعوى في حق فلم تسمع على غير معين كسائر الدعاوى فأما الخبر فان دعوى الانصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها فان تلك من شرطها حضور المدعى عليه عليه عندهم أو تعذر حضوره عندنا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ان الدعوى لا تصح الا على واحد بقوله (تقسمون على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) وفي هذا بيان ان الدعوى لا تصح على غير معين
[ 17 ]
[ فصل ] فأما ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فهي كسائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه وان القول قوله لا نعلم فيه خلافا (الحال الثاني) انه إذا ادعى القتل ولم يكن عداوة ولا لوث فانه لا يحكم على المدعى عليه بيمين ولا بشئ في احدى الروايتين ويخلى سبيله هذا الذي ذكره الخرقي، سواء كانت الدعوى خطأ أو عمدا لانها دعوى فيما لا يجوز بذله فلم يستحلف فيها كالحدود، ولانه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول فلم يحلف فيها كالحدود (والثانية) يستحلف وبه قال الشافعي وهو الصحيح لعموم قوله عليه السلام (اليمين على المدعى عليه) وقوله عليه السلام (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم ظاهر في ايجاب اليمين ههنا لوجهين (أحدهما) عموم اللفظ فيه (والثاني) ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله (لا دعى قوم دماء رجال وأموالهم - ثم عقبه بقوله - ولكن اليمين على المدعى عليه) فيعود إلى المدعى عليه المذكور في الحديث، ولايجوز اخراجه منه الا بدليل أقوى منه، ولانها دعوى في حق آدمى فيستحلف كدعوى
المال ولانها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها فيجب اليمين فيها كالاصل المذكور. إذا ثبت هذا فالمشروع يمين واحدة وعن أحمد انه يشرع خمسون يمينا لانها دعوى في القتل فيشرع فيها خمسون يمينا كما لو كان بينهم لوث وللشافعي فيها كالروايتين
[ 18 ]
ولنا ان قوله عليه الصلاه والسلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) ظاهر في أنها يمين واحدة لوجهين (أحدهما) أنه وحد اليمين فينصرف إلى واحدة (الثاني) انه لم يفرق في اليمين المشروعة في الدم والمال ولانها يمين يعضدها الظاهر والاصل فلم تغلظ كسائر الايمان، ولانها يمين مشروعة في جنبة المنكر ابتداء فلم تغلظ بالتكرير كسائر الايمان وبهذا فارق ما ذكروه (فصل) فان نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب، وقال أصحاب الشافعي ان نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يمينا واستحق القصاص أو الديه ان كانت الدعوى عمدا موجبا للقتل لان يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الاقرار والقصاص يجب بكل واحد منهما ولنا أن القتل يثبت ببينة ولا اقرار ولم يعضده لوث فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل ولا يصح الحاق الايمان مع النكول ببينة ولا اقرار لانها أضعف منها بدليل انها لاتشرع الاعند عدمهما فتكون بدلا عنهما والبدل أضعف من المبدل ولا يلزم من ثبوت الحكم بالاقوى ثبوته بالاضعف ولا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لانه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشاهد واليمين ويحتاط له ويدرأ بالشبهات والدية بخلافه، فاما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به أو يرد اليمين على المدعي
[ 19 ]
فيحلف يمينا واحدة ويستحقها كما لو كانت الدعوى في مال وسواء كانت الدعوى عمدا أو خطأ فان العمد متى تعذر ايجاب القصاص فيه وجب به المال وتكون الدعوى ههنا كسائر الدعاوى والله علم (الثالث) اتفاق الاولياء في الدعوى فان ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة) من شرط ثبوت القسامة اتفاق الاولياء على الدعوى فان كذب بعضهم بعضا فقال أحدهم قتله
هذا وقال الآخر لم يقتله هذا أو قال بل قتله هذا الآخر لم تثبت القسامة نص عليه أحمد، وسواء كان المكذب عدلا أو فاسقا، وعن الشافعي ان القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق لان قوله غير مقبول ولنا انه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه فقبل كما لو ادعيا دينا لهما وانما لا يقبل قوله على غيره وأما على نفسه فهو كالعدل لانه لا يتهم في حقها، فاما ان لم يكذبه ولم يوافقه في الدعوى مثل ان قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر لا نعلم قاتله فظاهر قوله ههنا ان القسامة لا تثبت وهو ظاهر كلام الخرقي لاشتراط دعاء الاولياء على واحد وهذا قول مالك، وكذلك ان كان أحد الوليين غائبا فادعى الحاضر دون الغائب أو ادعيا جميعا على واحد ونكل احدهما عن الايمان لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي، ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة وكذلك مذهب الشافعي لان أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامه كما لو كان احد الوارثين امرأة أو صغيرا، فعلى قولهم يحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق نصف الدية لان الايمان ههنا بمنزلة البينة لا يثبت
[ 20 ]
شئ من الحق الا بعد كمال البينة فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لابيهما فانه لا يستحق نصيبه من الدين الا ان يقيم بينة كامله ولنا انهما لم يتفقا في الدعوى فلم تثبت القسامة كما لو كذبه ولان الحق في محل الوفاق انما ثبت بايمانهما التي اقيمت مقام البينة ولا يجوز ان يقوم أحدهما مقام الآخر في الايمان كما في سائر الدعاوى فعلى هذا ان قدم الغائب فوافق أخاه أو عاد من لم يعلم فقال قد عرفنه هو الذي عينه أخي اقسما حينئذ وان قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر قتله هذا وفلان فعلى قول الخرقي لا تثبت القسامة لانها لا تكون الاعلى واحد وعلى قول غيره يحلفان على من اتفقا عليه ويستحقان نصف الدية ولا يجب القود لانه انما يجب في الدعوى على واحد ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ويستحقان نصف الدية ولا يجب اكثر من نصف الدية لان أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه، ولا يحلف الآخر على الآخر لان أخاه كذبه في دعواه عليه، وان قال أحدهما قتل أبي زيد وآخر لاأعرفه وقال الآخر قتله
عمرو وآخر لا أعرفه لم تثبت القسامة في ظاهر قول الخرقي لانها لا تكون الا على واحد ولانهما ما اتفقا في الدعوى على أحد ولا يمكن ان يحلفا على من لم يتفقا على الدعوى عليه والحق انما يثبت في محل الوفاق بايمان الجميع فكيف يثبت في الفرع بيامان البعض؟ وقال أبو بكر والقاضي تثبت القسامة وهذا مذهب الشافعي لانه ليس ههنا تكذيب فانه يجوز ان يكون الذي جهله كل واحد منهما
[ 21 ]
هو الذي عرفه أخوه فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ويستحق ربع الدية وان عاد كل واحد منهما فقال قد عرفت الذي جهلته وهو الذي عينه أخي حلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه وأخذ منه ربع الدية، ويحلف خمسا وعشرين يمينا لانه يبني على ايمان أخيه فلم يلزمه أكثر من خمس وعشرين كما لو عرفه ابتداء، وفيه وجه آخر يحلف خمسين لان أخاه حلف خمسين يمينا، وللشافعي في هذا قولان كالوجهين، ويجئ في المسألة وجه آخر ان الاول لا يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا لانه انما يحلف على ما يستحقه والذي يستحقه النصف فيكون عليه نصف الايمان كما لو حلف أخوه معه، وان قال كل واحد منهما الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي بطلت القسامة التى أقسماها لان التكذيب يقدح في اللوث فيرد كل واحد منهما ما أخذ من الدية، وان كذب احدهما اخاه ولم يكذبه الآخر بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب (فصل) إذا قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله، أو ظلمته بدعواى القتل عليه أو قال كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعد ولا يمكنه أن يقتله إذا كان فيه بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه لانه مقر على نفسه فقبل اقراره، وان قال ما أخذته حرام سئل عن ذلك فان قال أردت انني كذبت في دعواي عليه بطلت قسامته أيضا، فان قال أردت أن الايمان تكون في جنبه المدعى عليه كمذهب أبي حنيفة لم تبطل القسامة لانها تثبت باجتهاد الحاكم فيقدم على اجتهاده، وان قال هذا مغصوب وأقر بمن غصبه منه لزمه رده عليه ولا يقبل قوله على من
[ 22 ]
أخذ منه لان الانسان لا يقبل اقراره على غيره وان لم يقر به لاحد لم ترفع يده عنه لانه لم يتعين مستحقه
وإن اختلفا في مراده فالقول قوله لانه أعرف بقصده (فصل) وإن أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول لا يمكن مجيئه منه إليه في يوم واحد بطلت الدعوى، وان قالت البينة نشهد أن فلانا لم يقتله لم تسمع هذه الشهادة لانه نفي مجرد، فان قالا ما قتله فلان بل قتله فلان سمعت لانها شهدت باثبات ضتمن النفي فسمعت كما لو قالت ما قتله فلان لانه كان يوم القتل في بلد بعيد (فصل) فان جاء انسان فقال ما قتله المدعى عليه بل أنا قتلته فكذبه الولي لم تبطل دعواه وله القسامة ولا يلزمه رد الدية وإن كان أخذها لانه قول واحد ولا يلزم المقر شئ لانه أقر لمن يكذبه وان صدقه الولي أو طالبه بموجب القتل لزمه رد ما أخذ وبطلت دعواه على الاول لان ذلك جرى مجرى الاقرار ببطلان الدعوى وهل له مطالبة المقر؟ فيه وجهان (أحدهما) له مطالبته لانه أقر له بحق فملك مطالبته به كسائر حقوق (والثاني) ليس له مطالبته لان دعواه على الاول انفراده بالقتل ابراء لغيره فلا يملك مطالبة من أبرأه والمنصوص عن أحمد أنه يسقط القود عنهما وله مطالبة الثاني بالدية فانه قال في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل فأخذ ليقاد منه فقام رجل فقال ما قتله هذا أنا قتلته فالقود يسقط عنهما والدية على الثاني، ووجه ذلك ما روي أن رجلا
[ 23 ]
ذبح رجلا في خربة وتركه وهرب وكان قصاب يذبح شاة وأراد ذبح أخرى فهربت منه إلى الخربة فتبعها حتى وقف على القتيل والسكين بيده عليها الدم فأخذ على تلك الحال وجئ به إلى عمر فأمر بقتله، فقال القاتل في نفسه يا ويله قتلت نفسا ويقتل بسبي آخر فقام فقال أنا قتلته لم يقتله هذا فقال عمر: ان كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، ودرأ عنه القصاص، ولان الدعوى على الاول شبهة في درء القصاص عن الثاني وتجب الدية عليه لا قراره بالقتل الموجب لها، وهذا القول أصح وأعدل مع شهادة الاثر بصحته (الرابع) أن يكون في المدعين رجال عقلاء ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمدا كان القتل أو خطأ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون سواء كانوا من
الاولياء أو مدعى عليهم لان الايمان حجة على الحالف والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه لم يقبل فلان لا يقبل قوله في حق غيره أولى، والمجنون في معناه لانه غير مكلف فلا حكم لقوله وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والاوزاعي، وقال مالك لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد. قال ابن القاسم: ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا كما انه لا يقتل الا بشاهدين، وقال الشافعي يقسم كل وارث بالغ لانها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الايمان
[ 24 ]
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون رجلا منكم ويستحقون دم صاحبكم) ولانها حجة يثبت بها قتل العمد فلم تسمع من النساء كالشهادة، ولان الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في اثباته وانما يثبت المال ضمنا، فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فان ذلك لا يثبت بشاهد ويمين ولا بشهادة رجل وامرأتين وان كان مقصودها المال، فأما ان كانت المرأة مدعى عليها القتل فان قلنا انه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضا لان ذلك مختص بالرجال، وان قلنا يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف لانها لا تثبت بقولها حقا ولا قتلا وانما هي كتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث، فعلى هذا إذا كان في الاولياء نساء ورجال اقسم الرجال وسقط حكم النساء، وإن كان منهم صبيان ورجال بالغون أو كان منهم حاضرون وغائبون فان القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب ويبلغ الصبي لان الحق لا يثبت الا بالبينة الكاملة، والبينة ايمان الاولياء كلهم والايمان لا تدخلها النيابة ولان الحق ان كان قصاصا فلا يمكن تبعيضه فلا فائدة في قسامة الحاضر والبالغ، وإن كان غيره فلا يثبت إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضا، وقال القاضي ان كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير ولا الحاضر حتى يقدم الغائب لان حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئا في الحال، وإن كان موجبا للمال كالخطأ وشبه العمد فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية وهذا قول
[ 25 ]
أبي بكر ومذهب الشافعي، واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟ فقال ابن حامد يقسم بقسطه من الايمان وان كان الاولياء اثنين أقسم الحاضر خمسة وعشرين يمينا، وان كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يمينا، وان كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة يمينا وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه لانه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه فكذلك إذا غاب بعضهم كما في سائر الحقوق ولانه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الايمان وقال أبو بكر يحلف الاول خمسين يمينا وهو قول الشافعي لان الحكم لا يثبت الا بالبينة الكاملة والبينة هي الايمان كلها، وكذلك لو ادعى أحدهما دينا لابيهما لم يستحق نصيبه منه الا بالبينة المثبتة لجميعه ولان الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالا له فيه شركة له به شاهد يحلف يمينا كاملة فإذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحدا عند أبي بكر لانه يبني على أيمان أخيه المتقدمة وقال الشافعي فيه قول آخر يحلف خمسين يمينا أيضا لان أخاه انما استحق بخمسين فكذلك هو، وحكي ذلك عن أبي بكر والقاضي أيضا فإذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول ابي بكر يحلف سبع عشرة يمينا لانه يبني على ايمان اخويه وكذلك على احد قولي الشافعي وعلى الثاني يقسم خمسين يمينا وان قدم رابع فهل يحلف ثلاثة عشر يمينا أو خمسين؟ فيه قولان
[ 26 ]
(فصل) والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم لان سبب القسامة وجد في حقه وهو الاستحقاق من الدية ولم يتحقق المانع من يمينه ويحتمل أن لا يقسم لانه لا يحمل من العقل فلا يثبت القتل بيمينه كالمرأة (مسألة) (وذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمدا يوجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد) لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض اصحاب الشافعي وقال بعضهم يستحق بها قتل الجماعة لانها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وقول ابي ثور نحو هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع اليكم برمته) فخص بها الواحد ولانها بينة ضعيفة
خولف بها الاصول في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى على الاصل فيما عداه وبيان مخالفة الاصل بها انها تثبت باللوث واللوث شبهة مغلبة على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها؟ ولان الايمان ثبتت ابتداء في سائر الدعاوى في جانب المدعى عليه وهذه بخلافه وبيان ضعفها انها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في اثبات حق لغيره فلان يمنع من قبول قوله وحده في اثبات حق له أولى وأحرى وفارق البينة فانها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لانفسهم حقا ولا نفعا
[ 27 ]
فلا يدفعون عنها ضررا ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات. إذا ثبت هذا فلا قسامة فيما لا قود فيه في قول الخرقي فيطرد قوله في أن القسامة لا تسوغ إلا في حق واحد، وعند غيره من أصحابنا أن القسامة تجري فيما لاقود فيه فيجوز أن يقسموا على جماعة وهذا قول مالك والشافعي فعلى هذا إذا ادعى على رجلين على أحدهما لوث دون الآخر حلف على من عليه اللوث خمسين يمينا واستحق الدية عليه وحلف على الآخر يمينا واحدة وبرئ، وإن نكل عن اليمين فعليه نصف الدية وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث ولم يحضر إلا أحدهم حلف على الحاضر منهم خمسين يمينا واستحق ثلث الدية فإذا حضر الثاني ففيه وجهان (أحدهما) يحلف عليه خمسين يمينا أيضا ويستحق ثلث الدية لان الحق لا يثبت على أحد الرجلين إلا بما يثبت على صاحبه كالبينة فانه يحتاج إلى إقامة البينة الكاملة على الثاني كاقامتها على الاول (والثاني) يحلف عليه خمسا وعشرين يمينا لانهما لو حضرا معا لحلف عليهما خمسينا حصة كل واحد منهما خمس وعشرون وهذا الوجه ضعيف فان اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا ولو حلف على كل واحد منفردا حصته من الايمان لم يصح ولم يثبت له حق وانما الايمان عليهم جميعهم وتتناولهم
[ 28 ]
تناولا واحدا ولانها لو قسمت عليهم بالحصص لوجب أن لا يقسم على الاول أكثر من سبع عشرة يمينا وإن قيل انما حلف بقدر حصته وحصة الثالث فينبغي أن يحلف أربعا وثلاثين يمينا، وإذا قدم
الثالث ففيه وجهان (أصحهما) يحلف عليه خمسين يمينا ويستحق ثلث الدية (والآخر) يحلف سبع عشرة يمينا وإن حضروا جميعا حلف عليهم خمسين يمينا واستحق الدية عليهم أثلاثا وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور المدعى عليه وقت الايمان وذلك أنها أقيمت مقام البينة فاشترط حضور من أقيمت عليه كالبينة وكذلك إن ردت الايمان على المدعى عليهم اشترط حضور المدعين وقت حلف المدعى عليهم لان الايمان له عليهم فيعتبر رضاه بها وحضوره إلا أن يوكل وكيلا فيقوم مقام الموكل (فصل) ويبدأ في القسامة بايمان المدعين فيحلفون خمسين يمينا، الكلام في هذا الفصل في أمرين (أحدهما) أن الايمان تشرع في حق المدعين أولا فيحلفون خمسين يمينا على المدعى عليه أنه قتلهم ويثبت حقهم فان لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ وهذا قول يحيى بن
[ 29 ]
سعيد وربيعة وأبي الزناد والليث ومالك والشافعي وقال الحسن يستحلف المدعى عليهم أولا خمسين يمينا ويبرءون فان أبوا أن يحلفوا استحلف خمسين من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعطون الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم، وفي لفظ (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) رواه الشافعي في مسنده وروى ابو داود باسناده عن سليمان بن يسار عن رجال من الانصار ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود وبدأ بهم (يحلف منكم خمسون رجلا) فأبوا فقال للانصار (استحقوا) قالوا نحلف على الغيب يارسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود ابتداء ولانه وجد بين أظهرهم ولانها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ويغرمون الدية لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فكان اجماعا وتكلموا في حديث سهل بما روى ابو داود عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قنطى أحد بني حارثه قال ابن ابراهيم ويم الله ماكان سهل بأعلم منه ولكنه كان أسن منه قال والله ما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب إلى يهود حين كلمته الانصار انه وجد
[ 30 ]
بين أبنائكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده ولنا حديث سهل وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في موطئه وعمل به وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه (أحدها) انه نفي فلا يرد به قول المثبت (والثاني) أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى انه قال: ركضتني ناقة من الابل والآخر يقول برأيه وظنه من غير ان يرويه عن أحد ولا حضر القصة (والثالث) ان حديثنا مخرج في الصحيحين وحديثهم بخلافه (الرابع) انهم لا يعلمون بحديثهم ولا حديثنا فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه
[ 31 ]
فيه؟ وحديث سليمان بن يسار عن رجال من الانصار لم يذكر لهم صحبة فهو أدنى حالا من حديث محمد ابن ابرايهم وقد خالف الحديثين جميعا فكيف يجوز أن يعتمد عليه وحديث اليمين على المدعى عليه لم يرد به هذه القضية لانه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم وههنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه فيجب تقديمه وهو حجة عليهم لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم وقد رواه ابن عبد البر باسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) وهذه الزيادة يتعين العمل بها لان الزيادة
[ 32 ]
من الثقة مقبولة ولانها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين كاللعان. إذا ثبت هذا فان أيمان القسامة خمسون على ما جاءت به الاحاديث الصحيحة. وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه
(الامر الثاني) أن الايمان تختص بالوارث دون غيرهم هذا ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وهو قول الشافعي لانها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعيين كسائر الايمان فعلى هذه الرواية يقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر ارثهم ان كانوا جماعة وان كان واحدا حلفها فان انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المقتول
[ 33 ]
ابنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا، وإن كان فيها كسر جبر عليهم مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاثة عشر يمينا والابن ثمانية وثلاثين يمينا لان تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم فان كانوا ثلاثة بنين أو جدا وأخوين جبر الكسر فحلف كل واحد سبع عشرة يمينا، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم فعلى الاخ من الام سدس الايمان ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الاخ من الاب اثنان وأربعون وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يحلف كل
[ 34 ]
واحد من المدعين خمسين يمينا سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه لان ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى وعن مالك انه قال ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط عن الآخر ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للانصاريين (تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم) وأكثر ماروي عنه في الايمان خمسون ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص، ولانها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة ويفارق اليمين
[ 35 ]
على المدعى عليه فانها ليست حجة للمدعي ولانها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد كاليمين المنكسرة في القسامة فانها تجبر وتكمل في حق كل واحد لكونها لاتتبعض ومالا يتبعض يكمل كالطلاق والعتق، وما ذكره مالك لا يصح لانه اسقاط لليمين عمن عليه بعضها فلم يجز كما لو تساوى الكسران
بأن يكون على كل واحد نصفها أو ثلثها إن كانوا ثلاثة وبالقياس على من عليه أكثرها، ولان اليمين في سائر الدعاوى تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعى قليل وكثير كذا ههنا ولانه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الاكبر
[ 36 ]
(فصل) فان كان فيهم من لاقسامة عليه بحال وهو النساء سقط حكمه فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها وان كان اخ وأخت لام وأخ وأخت لاب قسمت الايمان بين الاخوين على احد عشر: على الاخ من الام ثلاثة وعلى الآخر ثمانية ثم يجبر الكسر عليهما فيحلف الاخ من الاب سبعا وثلاثين يمينا والاخ من الام أربع عشرة يمينا (فصل) فان مات المستحق انتقل إلى وارثه ما عليه من الايمان وكانت الايمان بينهم على حسب مواريثهم ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثه القتيل. فان مات بعضهم قسم نصيبه من الايمان بين ورثته فلو كان للقتيل ثلاثة بنين كان على كل واحد سبع عشرة يمينا، فان مات بعضهم قبل
[ 37 ]
أن يقسم وخلف ثلاثة بنين قسمت أيمانه بينهم فكان على كل واحد منهم ستة أيمان، وان خلف اثنين حلف كل واحد تسعة أيمان. وانما قلنا هذا لان الوارث يقوم مقام الموروث في إثبات حججه كما يقوم مقامه في استحقاق ماله وهذا من حججه ولذلك يملك إقامة البينة والحلف في الانكار ومع الشاهد الواحد في دعوى المال، فان كان موته بعد شروعه في الايمان فحلف بعضها فان ورثته يستأنفون الايمان ولا يبنون على ايمانه لان الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة ولانه لا يجوز أن يستحق أحد شيئا بيمين غيره ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع الايمان ثم مات لانه لا يستحق المال إرثا عنه، لابيمينه ولا بما إذا حلف الوارثان كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا فان الدية تستحق
[ 38 ]
. بيمينهما لانهما يشتركان في الايمان ويستحق كل واحد بقدر أيمانه ولا يستحق بأيمان غيره وان
كان اجتماع العدد شرطا في استحقاقها (فصل) ولو حلف بعض الايمان ثم جن ثم أفاق فانه يتمم ولا يلزمه الاستئناف لان ايمانه وقعت موقعها بخلاف الموت فان الموت يتعذر معه اتمام الايمان منه وغيره لايبني على يمينه وههنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق ولا يبطل بالتفريق بدليل ان الحاكم إذا أحلفه بعض الايمان ثم تشاغل عنه لم يبطل ويتمها وما لا يبطله التفريق لا يبطله تخلل الجنون كالسعي بين الصفا والمروة. وان حلف بعض الايمان
[ 39 ]
ثم عزل الحاكم وولي غيره أتمها عند الثاني ولم يلزمه استئنافها لان الايمان وقعت موقعها، وكذلك لو حلف بعضها ثم سأل احاكم إنظاره فأنظره بنى على ما مضى ولم يلزمه الاستئناف لما ذكرنا (فصل) وإذا حلف الاولياء استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدا الا أن يمنع منه مانع، روي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر، وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا يجب بها لا الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود (إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله) ولان ايمان المدعين انما هي لغلبة الظن وحكم الظاهر فلا يجوز اشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة ولانها حجة لا يثبت بها النكاح فلا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين وللشافعي قولان كالمذهبين
[ 40 ]
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته وفي رواية مسلم ويسلم اليكم وفي لفظ وتستحقون دم صاحبكم) وأراد دم القاتل لان دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين، ولرمة الحبل الذي يربط به من عليه القود، ولانها حجة يثبت بها العمد فيجب بها القود كالبينة، وقد روى الاثرم باسناده عن عامر الاحول أن النبي صلى الله عليه وسلم اقاد بالقسامة بالطائف وهذا نص، ولان الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطا للدم فان لم يجب القود سقط هذا المعنى (مسألة) (وعن احمد يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلا كل واحد يمينا) اختلفت الرواية عن احمد فيمن تجب عليه ايمان القسامة فروي انها تختص بالذكور من الوارث
وهو ظاهر المذهب وقد ذكرناه وروي عنه رواية ثانية انه يحلف من العصبة وغير الوارث خمسون
[ 41 ]
رجلا كل واحد يمينا واحدة وهذا قول لمالك فعلى هذا يحلف الوراث منهم الذين يستحقون دمه فان لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة يؤخذ الاقرب منهم فالاقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأما من عرف انه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم مثل أن يكون الرجل قرشيا والمقتول قرشي ولا يعرف كيفية نسبه منه فلا يقسم لاننا نعلم ان الناس كلهم من آدم ونوح وكلهم يرجعون إلى اب واحد، ولو قتل من لا يعرف نسبه لم يقسم عنه سائر الناس فان لم يوجد من نسبه خمسون رددت الايمان عليهم وقسمت عليهم فان انكسرت بينهم عليهم جبر كسرها
[ 42 ]
عليهم حتى تبلغ خمسين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للانصار (يحلف خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم) وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم انه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا وارثا فانه لا يرثه الا اخوة أو من هو في درجته) أو أقرب منه نسبا ولانه خاطب بهذا ابني عمه وهما غير وارثين (فصل) ويستحب أن يستظهر في ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا فيقول: والله الذي لا إله الا هو عالم خائنة الاعين وما تخفي الصدور فان اقتصر على لفظة والله كفى ويقول والله أو بالله أو تالله بالجر كما تقتضيه العربية فان قاله مضموما أو منصوبا فقد لحن، قال القاضي ويجزئه تعمده أو لم يتعمده لانه لحن لا يحيل المعنى وهو قول الشافعي وما زاد على هذا تأكيد ويقول لقد قتل فلان بن فلان الفلاني ويشير إليه فلانا ابني أو اخي منفردا بقتله ما شركه غيره وان كنا اثنين قال منفردين بقتله ما شركهما غيرهما، ثم يقول عمدا أو خطأ وبأي اسم من أسماء الله سبحانه أو صفة من صفات ذاته
[ 43 ]
حلف أجزأ إذا كان اطلاقه ينصرف إلى الله تعالى، ويقول المدعى عليه في اليمين والله ما قتلته ولا شاركت في قتله ولافعلت سببا مات منه ولا كان سببا في موته ولا معينا على موته (مسألة) (فان لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ)
هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره الخرقي وبه قال يحيى الانصاري وربيعة وأبو الزناد والليث والشافعي وأبو ثور وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن احمد انهم يحلفون ويغرمون الدية لقضية عمر وخبر سليمان بن يسار وهو قول أصحاب الرأي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) اي يبرءون منكم وفي لفظ قال (فيحلفون خمسين يمينا ويبرءون من دمه) وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود وانه اداها من عنده ولانها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه فيبرأ بها كسائر الايمان ولان ذلك إعطاء بمجرد
[ 44 ]
الدعوى فلم يجز للخبر ومخالفة مقتضى الدليل فان قول الانسان لا يقبل على غيره بمجرده كدعوى المال وسائر الحقوق ولان في ذلك جمعا ين اليمين والغرم فلم يشرع كغيره من الحقوق (فصل) وإذا ردت الايمان على المدعى عليهم وكان عمدا لم يجز على أكثر من واحد فيحلف خمسين يمينا وإن كانت على غير عمد كالخطأ وشبه العمد فلا قسامة في ظاهر كلام الخرقي لان القسامة من شرطها اللوث والعداوة وهي إنما تؤثر في تعمد القتل لا في خطئه فان احتمال الخطأ في العدو وغيره سواء وقال غيره ومن أصحابنا فيه قسامة وهو قول الشافعي لان اللوث يختص العداوة عندهم فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة فإذا ادعى على جماعة حلف كل واحد منهم خمسين يمينا وقال بعض أصحابنا تقسم الايمان بينهم بالحصص كقسمها بين المدعين إلا انها ههنا تقسم بالسوية لان المدعى
[ 45 ]
عليهم متساوون فيها فه كبني الميت وللشافعي قولان كالوجهين والحجة لهذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم (تبرئكم يهود بخمسين يمينا) وفي لفظ قال (فيحلفون لكم خمسين يمينا ويبرءون من دمه) ولانهم أحد المتداعبين في القسامة فنقسط الايمان على عددهم كالمدعين، وقال مالك يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلا خمسين يمينا فان لم يبلغوا خمسين رجلا رددت على من حلف منهم حتى تكمل خمسين يمينا فان لم يجد أحدا يحلف إلا الذي ادعى عليه حلف وحده خمسين يمينا ولنا أن هذه أيمان يبرئ بها كل واحد نفسه من التقل فكان على كل واحد خمسون كما لو ادعى
على كل واحد وحده قتيل ولانه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حالة الانفراد ولان كل واحد منهم يحلف على غير ما حلف عليه صاحبه بخلاف المدعين فان أيمانهم على شئ واحد فلا يلزم من تلفيقها تلفيق ما يختلف مدلوله ومقصوده
[ 46 ]
(مسألة) (فان لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الامام من بيت المال) يعني أدى ديته لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فأبى الانصار أن يحلفوا وقالوا كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يطل دمه فان تعذر فداؤه من بيت المال لم يجب على المدعى عليهم شئ لان الذي توجه عليهم اليمين، وقد امتنع مستحقوها من استيفائها فلم يجب لهم شئ كدعوى المال (مسألة) (وإن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا وهل تلزمهم الدية أو تكون في بيت المال؟ على روايتين) إذا امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا، وعن احمد رواية أخرى انهم يحبسون حتى يحلفوا وهو قول ابي حنيفة ولنا انها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الايمان. إذا ثبت هذا
[ 47 ]
فانه لا يجب القصاص بالنكول لانه حجة ضعيفة فلا يناط بها الدم كالشهاد واليمين قال القاضي ويديه الامام من بيت المال نص عليه احمد وروى عنه حرب بن اسماعيل أن الدية تجب عليهم وهذا و الصحيح وهو اختيار ابي بكر لانه حكم يثبت بالنكول فيثبت في حقهم ههنا كسائر الدعاوى ولان وجوبها في بيت المال يفضي إلى إهدار الدم وإسقاط حق المدعين مع إمكان جبره فلم يجز كما في سائر الدعاوى وههنا لو لم يجب على المدعى عليه مال بنكوله ولم يجبر على اليمين لخلا من وجوب شئ عليه بالكلية، وقال أصحاب الشافعي إذا نكل المدعى عليهم ردت الايمان على المدعين إن قلنا موجبها المال فان حلفوا استحقوا وإن نكلوا فلا شئ لهم، وإن قلنا موجبها القصاص فهل ترد على المدعين؟ فيه قولان وهذا القول لا يصح لان اليمين إنما شرعت في حق المدعى عليه إذا نكل عنها المدعي فلا
ترد عليه كما لاترد على المدعى عليه إذا نكل المدعي عنها بعد ردها عليه في سائر الدعاوى ولانه يمين مردودة على أحد المتداعبين فلا ترد على من ردها كدعوى المال
[ 48 ]
(باب قتال أهل البغي) والاصل في هذا قول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله - إلى قوله - انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم) ففيها خمس فوائد (أحدها) أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الايمان فانه سماهم مؤمنين (الثانية) انه أوجب قتالهم (الثالثة) أنه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله (الرابعة) أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله (الخامسة) ان الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقا عليه وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من أعطى اماما صفقة يده وثمرة قبله فليطعه ما استطاع فان جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر) رواه مسلم. وروى عرفجة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ستكون هنات وهنات (ورفع صوته) ألا من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان) فكل من ثبتت امامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم)
[ 49 ]
وروى عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الامر أهله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية)) رواه ابن عبد البر من حديث ابي هريرة وابي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة فان أبا بكر رضي الله انه قاتل ما نعي الزكاة، وعلي رضي الله عنه قاتل أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهروان
(مسألة) (وهم القوم الذين يخرجون على الامام بتأويل سائغ ولهم منعة وشوكة) الخارجون عن قبضة الامام أصناف أربعة (أحدها) قوم امتنعوا من طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فهؤلاء قطاع الطريق ساعون في الارض بالفساد وقد ذكرنا حكمهم (الثاني) قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لامنعة لهم كالعشيرة ونحوهم فهؤلاء حكمهم حكم الصنف الذي قبلهم في قول أكثر الاصحاب ومذهب الشافعي لان ابن ملجم لما جرح عليا قال للحسن إن برئت رأيت رأيي وإن مت فلا تمثلوا به فلم يثبت لفعله حكم البغاة، ولاننا لو أثبتنا للعدد اليسير
[ 50 ]
حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى اتلاف أموال الناس، وقال ابو بكر لا فرق بين الكثير والقليل وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الامام (الثالث) الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون عليا وعثمان وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم فظاهر قول الفقهاء المتأخرين من أصحابنا أنهم بغاة لهم حكمهم وهذا قول ابي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث وأما مالك فيرى استتابتهم فان تابوا وإلا قتلوا على افسادهم لاعلى كفرهم، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون حكمهم حكم المرتدين تباح دماؤهم واموالهم فان تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة صاروا أهل حرب كسائر الكفار، وإن كانوا في قبضة الامام استتابهم كاستتابة المرتدين فان تابوا وإلا قتلوا وكانت أموالهم فيأ لا يرثهم ورثتهم المسلمون لما روى ابو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق) وهو حديث صحيح ثابت الاسناد رواه البخاري ومالك في موطئه وفي لفظ قال (يخرج في آخر الزمان احداث الاسنان سفهاء الاحلام يقولون من خير قول الاية يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم
[ 51 ]
من الرمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فان قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) رواه البخاري، وروي معناه من وجوه، يقول كما خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرث لم يتعلق منهما شئ كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج وعن أبي امامة انه رأى رءوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) إلى آخر الآية فقيل له أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لو لم أسمعه الامرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه مالك عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول شر قتلى تحت اديم السماء وخير قتلى من قتلوه، كلاب أهل النار كلاب أهل النار كلاب أهل النار كانوا مسلمين فصار واكفارا. قلت يا أبا امامة هذا شئ تقوله؟ قال بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علي في قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا) قال هم أهل النهروان وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هم شر الخلق والخليقة لئن أدركتهم لا قتلنهم قتل عاد) وقيل لا يجاوز ايمانهم حناجرهم، وأكثر الفقهاء على انهم بغاة ولا يرون تكفيرهم، قال ابن المنذر لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين، وقال ابن عبد البر في الحديث الذي رويناه قوله عليه السلام (يتمارى في الفوق) يدل على أنه لم يكفرهم لانهم علقوا من الاسلام بشئ بحيث يشك في
[ 52 ]
خروجهم: وروي أن عليا لما قاتل أهل النهر قال لاصحابه لا تبدوءهم بالقتال وبعث إليهم اقيدونا بعبد الله بن خباب قالوا كلنا قتله فحينئذ استحل قتالهم لا قرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم وذكر ابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن أهل النهر اكفار هم؟ قال من الكفر فروا قيل فمنافقون؟ قال إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قال فماهم؟ قال هم قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا وبغوا علينا وقاتلونا فقاتلناهم، ولما جرحه ابن ملجم قال للحسن احسنوا اساره وان عشت فانا ولي دمي وان مت فضربة كضربتي وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم وكثير من العلماء، وقال شيخنا رحمه الله والصحيح ان شاء الله تعالى ان الخوارج يجوز قتلهم فان عليا رضي الله عنه قال لولا أن
يتظروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ولان بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم بدليل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من عظم ذنبهم وانهم شر الخلق والخليقة وأنهم يمرقون من الدين وأنهم كلاب النار، وحثه على قتالهم واخباره بأنه لو ادركهم لقتلهم قتل عاد فلا يجوز الحاقهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم ولا بدعة فيهم
[ 53 ]
(الصنف الرابع) (قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الامام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة الذين يذكر في الباب حكمهم) وجملة الامران من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت امامة ووجبت معونته لما ذكرنا من النص في أول الباب مع الاجماع على ذلك وفي معناه من ثبتت امامته بعهد من النبي صلى الله عليه وسلم أو بعهد امام قبله إليه، فان ابا بكر رضي الله عنه ثبتت امامته باجماع الصحابة على بيعته وعمر ثبتت امامته بعهد أبي بكر إليه واجماع الصحابة على قبوله، ولو خرج رجل على إمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى اقروا له وأذعنوا بطاعته وبايعوه صار اماما يحرم قتاله والخروج عليه، فان عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها وصار إماما يحرم الخروج عليه، وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين إراقة دمائهم وذهاب اموالهم، ويدخل الخارج عليه في عموم قوله عليه الصلاة والسلام (من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان) فمن خرج على من ثبتت إمامته باحد هذه الوجوه باغيا وجب قتاله (مسألة) (وعلى الامام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه ويزل ما يذكرونه من مظلمة ويكشف من شبهة فان فاؤا والا قاتلهم) وجملة ذلك أن الامام لا يجوز له قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب إلا
[ 54 ]
أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك في حقهم، فأما إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وأزال يذكرونه من المظالم وأزال حججهم فان لجوا قاتلهم حينئذ لان الله تعالى بدأ بالامر بالاصلاح قبل القتال فقال سبحانه (وان طائفتان من
المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) وروي أن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل ثم آمر أصحابه أن لا يبدء وهم بالقتال ثم قال: ان هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة ثم سمعهم يقولون الله أكبر يا ثارات عثمان فقال اللهم أكب قتلة عثمان لوجوهم. وروى عبد الله بن شداد بن الهادي أن عليا لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثه أيام فرجع منهم أربعه آلاف (فصل) فان ابوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال وانما كان ذلك لان المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما فيه من الضرر بالفريقين فان فاؤا والا قاتلهم لقوله سبحانه (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) (مسألة) (وعلى رعيته معونته على حربهم) للآية (مسألة) (فان استنظروه مدة رجا رجوعهم فيها أنظرهم ويكشف عن حالهم ويبحث عن أمرهم فان بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق أمهلهم، قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (مسألة) (فان ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم) إذا ظهر له أن اتسنظارهم مكيدة ليجتمعوا على قتاله وان لهم مددا ينتظرونه ليتقووا به أو خديعة
[ 55 ]
الامام ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره عاجلهم بالقتال لانه لا يأمن أن يصير هذا طريقا إلى قهر أهل الحق والعدل، وهذا لا يجوز، وان أعطوه عليه مالا لانه لا يجوز أن يأخذ المال على اقرارهم على مالا يحل اقرارهم عليه، وان بذلوا له رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ولان الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم عليه فلا يفيد شيئا، وان كان في أيديهم أسارى من أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن منهم قتلهم الامام واستظهر للمسلمين فان اطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم أطلقت رهائنهم وان قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم لانهم لا يقتلون بقتل غيرهم وإذا انقضت الحرب خلى الرهائن كما يخلى الاسارى منهم، وان خاف الامام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم إلى أن تمكنه
القوة عليهم لانه لا يأمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم وان سألوه أن ينظرهم أبداو يدعهم وماهم عليه ويكفوا عن المسلمين نظرت فان لم تعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له ان قاتلهم تركهم وان قوى عليهم لم يجز اقرارهم على ذلك لانه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الامام لا يأمن قوة شوكتهم بحيث يفضي إلى قهر الامام العادل ومن معه، ثم ان أمكن دفعهم بدون القتل لم يجز قتلهم لان المقصود دفعهم ولان الدفع إذا حصل بغير القتل لم يجز القتل من غير حاجة وإن حضر معهم من لا يقاتل لم يجز قتله، وقال أصحاب الشافعي فيه وجه آخر يجوز
[ 56 ]
لان عليا رضي الله عنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد وقال: اياكم وصاحب البرنس فقتله رجل وأنشا يقول: وأشعث قوام بآيات ربه * كثير التقى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه * فخر صريعا لليدين وللفم على غير ذنب غير أن ليس تابعا * عليا ومن لايتبع الحق يظلم يناشدني حم والرمح شاجر * فهلا تلاحم قبل التقدم وكان السجاد حامل راية أبيه ولم يكن يقاتل فلم ينكر علي قتله ولانه صار ردءا لهم ولنا قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) والاخبار الواردة في تحريم قتل المسلم والاجماع على تحريمه وانما خص من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصائل ففيما عداه يبقى على العموم والاجماع، ولهذا حرم قتل مدبرهم وأسرهم والاجهاز على جريحهم مع انهم انما تركوا القتال عجزا عنه ومتى ما قدر عليه عادو إليه، فمن لا يقاتل تورعا عنه مع قدرته عليه ولا يخالف منه القتال بعد ذلك أولى، ولانه مسلم لم يحتج إلى دفعه ولا صدر منه أحد الثلاثة فلم يحل دمه لقوله عليه الصلاة والسلام (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث) فأما حديث علي في نهيه عن قتل السجاد فهو حجة عليهم فان نهي علي أولى من فعل من خالفه ولم يمتثل قول الله تعالى ولا قول رسوله ولا قول امامه وقولهم فلم ينكر قتله قلنا لم ينقل الينا أن عليا علم حقيقة الحال في قتله ولا حضر قتله فينكره، وقد جاء
أن عليا رضي الله عنه حين طاف في القتلى رآه فقال السجاد ورب الكعبة هذا الذي قتله بره بابيه وهذا يدل على انه لم يشعر بقتله ورأى كعب بن سور فقال: يزعمون انما خرج الينا الرعاع وهذا
[ 57 ]
الحبر بين أظهرهم ويجوز ان يكون تركه الانكار عليهم اجتزاء بالنهي المتقدم ولان القصد من قتالهم كفهم وهذا كاف لنفسه فلم يجز قتله كالمنهزم (فصل) وإذا قاتل معهم عبيد ونساء وصبيان فهم كالرجل الحر البالغ يقاتلون مقبلين ويتركون مدبرين لان قتالهم للدفع، ولو أراد أحد هؤلاء قتل انسان جاز دفعه وقتاله وان أتى على نفسه ولذلك قلنا في أهل الحرب إذا كان معهم النساء والصبيان قوتلوا وقتلوا (مسألة) (ولا يقاتلهم بما يعم اتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة) لانه لا يجوز قتل من لا يقاتل وما يعم اتلافه يقع على من لا يقاتل فان دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يحتاط بهم البغاة ولا يمكنهم المتخلص الابرميهم بما يعم اتلافه جاز وهذا قول الشافعي وقال ابو حنيفة إذا تحصن الخوارج واحتاج الامام إلى رميهم بالمجنيق فعل ذلك ما كان لهم عسكر وما لم ينهزموا وان رماهم البغاة بالمنجنيق والنار جاز رميهم بمثله (فصل) قال ابو بكر إذا اقتتلت طائفتان من أهل البغي فقدر الامام على قهرهما لم يعن واحدة منهما لانهما جميعا على الخطأ وإن عجز عن ذلك وخاف اجتماعهما على حربه ضم إليه أقربهما إلى الحق فان استويا اجتهد برأيه في ضم احداهما ولا يقصد بذلك معونة احداها بل الاستعانة على الآخر فإذا هزمها لم يقاتل من معه حتى يدعوهم إلى الطاعة لانهم قد حصلوا في أمانه وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (ولا يستعين في حربهم بكافر ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا بأس ان يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف آخر منهم إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به
[ 58 ]
ولنا ان القصد كفهم وردهم إلى الطاعة لاقتلهم وهؤلاء يقصدون قتلهم فان دعت الحاجة إلى
الاستعانة بهم فان كان يقدر على كفهم عن فعل مالا يجوز استعان بهم وان لم يقدر لم يجز (مسألة) (وهل يجوز ان يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على وجهين) (احدهما) لا يجوز لانه لا يحل أخذ مالهم لكونه معصوما بالاسلام وانما أبيح قتالهم لردهم إلى الطاعة يبقى المال على العصمة كمال قاطع الطريق الا ان تدعو ضرورة فيجوز كما يجوز أكل مال الغير في المخمصة (والوجه الثاني) يجوز قياسا على اسلحة الكفار (مسألة) (وذكر القاضي ان احمد اومأ إلى جواز الانتفاع به حال الحرب) وهذا احد الوجهين الذين ذكرناهما ولايجوز في غير قتالهم وهو قول أبي حنيفة لان هذه الحال لا يجوز فيها اتلاف نفوسهم وحبس سلاحهم وكراعهم فجاز الانتفاع به كسلاح اهل الحرب، وقال الشافعي لا يجوز ذلك الامن ضرورة إليه لانه مال مسلم فلم يجز الانتفاع به بغير اذنه كغيره من اموالهم ومتى انقضت الحرب وجب رده إليهم كما ترد سائر اموالهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه) والله اعلم [ مسألة ] (ولا يتبع لهم مدبر ولا يجاز على جريح) وجملة ذلك ان أهل البغي إذا تركوا القتال إما بالرجوع إلى الطاعة وإما بالقاء السلاح أو بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة وإما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فانه يحرم قتالهم واتباع مدبرهم وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا وان كانت لهم فئة يلجأون إليها جاز قتل مدبرهم وأسرهم والاجازة على جريحهم، فأما إذا لم تكن لهم فئة لا يقتلون ولكن يضربون ضربا وجيعا
[ 59 ]
ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة، ذكر هذا في الخوارج ويروى عن ابن عباس نحو هذا واختاره بعض أصحاب الشافعي لانه متى لم يقتلهم اجتمعوا وعادوا إلى المحاربة ولنا ماروي عن علي رضي الله عنه انه قال يوم الجمل (لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب ومن أغلق بابا - أو بابه - فهو آمن ولا يتبع مدبر) وروي نحو ذلك عن عمار وعن علي انه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين. وعن أبي امامة قال شهدت صفين فكانوا لا
يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وروى القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (يا ابن أم عبد ماحكم من بغى على أمتي؟) فقلت الله ورسوله أعلم فقال (لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيئهم) لان المقصود دفعهم وكفهم وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل ولا يقتلون لما يخاف في ثاني الحال كما لو لم تكن لهم فئة، فعلى هذا إذا قتل انسانا منع من قتله ضمنه لانه قتل معصوما لم يؤمر بقتله ويجب عليه القصاص في أحد الوجهين لانه قتل مكافئا معصوما (والثاني) لا يجب لان في قتلهم اختلافا بين الائمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لانه مما يندرئ بالشبهات، وأما أسيرهم فان دخل في الطاعة خلي سبيله (مسألة) (ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية) ولا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافا لما ذكرنا من حديث أبي امامة وابن مسعود ولانهم معصومون وانما ابيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم وما عداه يبقى على أصل التحريم وقد روي ان عليا يوم الجمل قال من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه وكان بعض أصحاب
[ 60 ]
علي قد اخذ قدرا وهو يطبخ فيها فجاء صاحبها ليأخذها فسأله الذي يطبخ فيها إمهاله حتى ينضج الطبيخ فأبى وكبه وأخذها وهذا من جملة مانقم الخوارج من علي فانهم قالوا انه قاتل ولم يسب ولم يغنم فان حلت له دماؤهم فقد حلت له أموالهم وان حرمت عليه أموالهم فقد حرمت عليه دماؤهم فقال لهم ابن عباس أفتسبون أمكم عائشة رضي الله عنها أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فان قلتم ليست أمكم كفرتم وان قلتم انها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم يعني بقوله انكم ان جحدتم انها أمكم فقد قال الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) فان لم تكن أما لكم لم تكونوا من المؤمنين، ولان قتال البغاة انما هو كدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم الا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق ويبقى حكم المال والذرية على أصل العصمة وما أخذ من سلاحهم وكراعهم لم يرد إليهم حال الحرب لئلا يقاتلونا به
(مسألة) (ومن أسر من رجالهم حبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل) وجملة ذلك ان حكم من أسر منهم انه يخلى سبيله ان دخل في الطاعة وان أبى ذلك وكان رجلا جلدا من أهل القتال حبس ما دامت الحرب قائمة فإذا انقضت الحرب خلي سبيله وشرط عليه أن لا يعود إلى القتال (مسألة) (وان أسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى سبيله في الحال؟ يحتمل وجهين) (أحدهما) يخلى سبيلهم في الحال (والثاني) يحبسون لان فيه كسر قلوب البغاة والاول أصح (فصل) فان أسر كل واحد من الفريقين أسارى من الفريق الآخر جاز فداء أسارى اهل العدل بأسارى البغاة فان قتل أهل البغي أسارى أهل العدل لم يجز لاهل العدل قتل أساراهم لانهم لا يقتلون بجناية غيرهم ولا يزرون وزر غيرهم فان أبى اهل البغي مفاداة الاسرى الذين معهم وحبسوهم
[ 61 ]
احتمل ان لا يجوز لاهل العدل حبس من معهم ليتوصلوا إلى تخليص أساراهم بحبس الاسارى الذين معهم واحتمل أن لا يجوز حبسهم ويطلقون لان الذنب في حبس أسارى اهل العدل لغيرهم مسألة (وإذا انقضى الحرب فمن وجد ماله في يد انسان أخذه) لما ذكرنا من قول علي: من عرف شيئا أخذه ولانه مال معصوم بالاسلام فأشبه مال غير البغاة مسألة (ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوه عليهم حال الحرب من نفس أو مال وهل يضمن البغاة ما أتلفوه على اهل العدل في الحرب؟ على روايتين) وجملة ذلك انه إذا لم يمكن دفع اهل البغي إلا بقتلهم جاز ولا شئ على من قتلهم من اثم ولا ضمان ولا كفارة لانه فعل ما أمر به وقتل من احل الله قتله وكذلك ما أتلفه اهل العدل على اهل البغي حال الحرب من المال لا ضمان فيه لانهم إذا لم يضمنوا الانفس فالاموال اولى (فصل) وان قتل العادل كان شهيدا لانه قتل في قتال أمره الله تعالى به بقوله سبحانه (فقاتلوا التي تبغي) وهل يغسل ويصلى عليه؟ فيه روايتان [ إحداهما ] لا يغسل ولا يصلى عليه لانه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار [ والاخرى ] يغسل ويصلى عليه وهو قول الاوزاعي وابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالصلاة على من قال لا اله الا الله واستثنى قتيل الكفار في المركة ففيما عداه
يبقى على الاصل ولان شهيد معركة الكفار اجره اعظم وفضله اكثر وقد جاء انه يشفع في سبعين من اهل بيته وهذا لا يلحق به في فضله فلا يثبت فيه مثل حكمه لان الشئ انما يقاس على مثله (فصل) وليس على أهل البغي ايضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال وبه قال ابو حنيفة والشافعي في احد قوليه وعن احمد رواية ثانية أنهم يضمنون وهو القول الثاني للشافعي
[ 62 ]
لقول ابي بكر رضي الله عنه لاهل الردة: تدون قتلانا ولاندي قتلاكم ولانها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلف في غير حال الحرب ولنا ماروى الزهري انه قال كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على ان لايقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن ولا يلزم مالا اتلفه بتأويل القرآن. ولانها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ فلم تضمن ما أتلفت على الاخرى كأهل العدل ولان تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يشرع كتضمين اهل الحرب. فأما قول ابي بكر رضي الله عنه فقد رجع عنه ولم يمضه فان عمر قال له اما ان يدوا قتلانا فلا فان قتلانا قتلوا في سبيل الله على ما امر الله فوافقه أبو بكر ورجع إلى قوله فصار إجماعا حجة ولم ينقل انه غرم أحدا شيئا من ذلك وقد قتل طليحة عكاشة بن محصن وثابت بن ارقم ثم اسلم فلم يغرم شيئا ثم لو وجب التغريم في حق المرتدين لم يلزم مثله ههنا فان اولئك كفار لا تأويل لهم وهؤلاء طائفة من المسلمين لهم تأويل سائغ فكيف يصح إلحاقهم به؟ مسألة (ومن أتلف في غير حال الحرب شيئا ضمنه سواء كان قبل الحرب أو بعده) وبهذا قال الشافعي ولذلك لما قتل الخوارج عبد الله بن خباب ارسل إليهم علي اقيدونا من عبد الله بن حباب ولما قتل ابن ملجم عليا في غير المعركة قتل به وهل يتحتم قتل الباغي إذا قتل احدا من أهل العدل في غير المعركة؟ فيه وجهان [ احدهما ] يتحتم لانه قتل باشهار السلاح والسعي في الارض بالفساد فاشبه قطاع الطريق [ والثاني ] لا يتحتم وهو الصحيح لقول علي رضي الله عنه ان شئت اعفو وان شئت استقدت. فاما الخواجر فالصحيح على ما ذكرنا إباحة قتلهم فلا قصاص على واحد منهم ولاضمان عليه في ماله
[ 63 ]
(فصل) ومن قتل من اهل البغي غسل وصلي عليه وبهذا قال الشافعي وقال اصحاب الرأي ان لم يكن لهم فئة صلي عليهم وان كانت لهم فئة لم يصل عليهم لانه يجوز قتلهم في هذه الحالة فلم يصل عليهم كالكفار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على من قال لا إله إلا الله) رواه الخلال في جامعه ولانهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة فيغسلون ويصلى عليهم كما لو لم تكن لهم فئة. وما ذكروه ينتقض بالزاني المحصن والمقتص منه والقاتل في المحاربة (فصل) ولم يفرق أصحابنا بين الخوارج وغيرهم في هذا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا يصلى على الخوارج فانه قال أهل البدع ان مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، وقال أحمد رضي الله عنه الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأقل من هذا وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تقاتل خيبر ناحية من نواحيها فقاتل رجل من تلك الناحية فقتل فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له فان كان في قرية أهلها نصارى ليس فيها من يصلي عليه قال أنا لا أشهده يشهده من شاء وقال مالك: لا يصلى على الاباضية ولا القدرية وسائر أهل الاهواء ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، والاباضية صنف من الخوارج نسبوا إلى عبد الله بن أباض صاحب مقالتهم والازارقة أصحاب نافع بن الازرق والنجدات أصحاب نجدة الحروري والبيهسية أصحاب بيهس والصفرية قيل انهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم وأصنافهم كثيرة
[ 64 ]
والحرورية نسبوا إلى أرض يقال لها حروراء خرجوا بها قال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على الرافضي لانه يزعم أن عمر كافر ولا على الحروري لانه يزعم أن عليا كافر، وقال الفريابي: من سب أبا بكر فهو كافر لا يصلى عليه، ووجه ترك الصلاة عليهم أنهم يكفرون أهل الاسلام ولا يرون الصلاة عليهم فلا يصلى عليهم كالكفار من أهل الذمة وغيرهم لانهم مرقوا من الدين فأشبهوا المرتدين (فصل) والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين وانما هم مخطئون في تأويلهم والامام وأهل العدل مصيبون في قتالهم فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الاحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا فأما الخوارج وأهل
البدع إذا خرجوا على الامام لم تقبل شهادتهم لانهم فساق، وقال أبو حنيفة يفسقون بالبغي وخروجهم ولكن تقبل شهادتهم لان فسقهم من جهة الدين فلا ترد به الشهادة والاختلاف في ذلك يذكر في كتاب الشهادة ان شاء الله تعالى (فصل) ذكر القاضي أنه لا يكره للعادل قتل ذوي رحمه الباغين لانه قتل بحق أشبه اقامة الحد عليه وكرهت طائفة من أهل العلم القصد إلى ذلك قال شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى
[ 65 ]
لقول الله تعالى (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقال الشافعي كف النبي صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه وقال بعضهم لا يحل ذلك لان الله تعالى أمر بمصاحبته بالمعروف وليس هذا من المعروف فان قتله فهل يرثه؟ على روايتين (احداهما) يرثه اختارها أبو بكر وهو مذهب أبي حنيفة لانه قتل بحق فلم يمنع الميراث كالقصاص والقتل في الحد (والثانية) لا يرثه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي لعموم قوله عليه الصلاة والسلام (ليس لقاتل شئ) فأما الباغي إذا قتل العادل فلا يرثه وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يرثه لانه قتل بتأويل أشبه قتل العادل الباغي ولنا أنه قتله بغير حق فلم يرثه كالقتل خطأ، وفارق ما إذا قتله العادل لانه قتله بحق وقال قوم إذا تعمد العادل قتل قريبه فقتله ابتداء لم يرثه وان قصد ضربه ليصير غير ممتنع فجرحه ومات من هذا الضرب ورثه ولانه قتله بحق وهذا قول ابن المنذر وهو أقرب الاقاويل (مسألة) (وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم، ولا على صاحبه) إذا غلب أهل البغي على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه فإذا ظهر
[ 66 ]
أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشئ مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه وروي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الاكوع وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي سواء كان من الخوارج أو من غيرهم وقال أبو عبيد على من أخذوا منه الزكاة الاعادة لان أخذها
ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو اخذها آحاد الرعية ولنا أن عليا رضي الله عنه لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشئ مما جبوه وكان ابن عمر إذا اتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه الزكاة وكذلك سلمة بن الاكوع ولان في ترك الاحتساب بها ضررا عظيما ومشقة كبيرة فانهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه ادى إلى ثنا الصدقات في تلك المدة كلها (مسألة) (ومن ادعى دفع زكاته إليهم قبل بغير يمين) قال أحمد لا يستخلف الناس على صدقاتهم (مسألة) (وان ادعى ذمي دفع جزيته إليهم لم يقبل الا ببينة) لانهم غير مأمونين ولان ما يجب عوض وليس بمواساة فلم يقبل قولهم فيه كأجرة الدار ويحتمل أن يقبل قولهم إذا مضى الحول لان الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم فكان القول قولهم
[ 67 ]
لان الظاهر معهم ولانه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شق عليهم اقامة البينة على كل عام فيؤدي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرتين (مسألة) (وإن ادعى دفع خراجه إليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين) (احدهما) يقبل لانه حق على مسلم فقبل قوله فيه كالزكاة (والثاني) لا يقبل لانه عوض فأشبه الجزية (مسألة) (وتجوز شهادتهم) لانهم أخطئوا في فروع الاسلام باجتهادهم فاشبه المجتهدين من الفقهاء في الاحكام وإذا لم يكونوا من اهل البدع قبلت شهادتهم كأهل العدل وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه خلافا (مسألة) (ولا ينقض من حكم حاكمهم الا ما ينقض من حكم غيره) إذا نصب اهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فهو كقاضي اهل العدل ينفذ من احكامه ما ينفذ من احكام قاضي اهل العدل ويرد منه ما يرد فان كان ممن يستحل دماء أهل العدل واموالهم لم يجز قضاؤه لانه ليس بعدل وهذا قول الشافعي وقال ابو حنيفة لا يجوز قضاؤه بحال لان أهل البغي يفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء
[ 68 ]
ولنا انه اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق به كاختلاف الفقهاء إذا ثبت هذا فانه إذا حكم بما لا يخالف نصا ولا اجماعا نفذ حكمه وان خالف ذلك نقض حكمه كقاضي اهل العدل، فان حكم بسقوط الضمان على اهل البغي فيما اتلفوه حال الحرب جاز حكمه لانه موضع اجتهاد، وان كان حكمه فيما اتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لانه مخالف للاجماع، وان حكم على اهل العدل بوجوب الضمان فيما اتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للاجماع وان حكم بوجوب ضمان ما اتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه، وان كتب قاضيهم إلى قاضي اهل العدل جاز قبول كتابه لانه قاض ثابت القضايا نافذ الاحكام، والاولى انه لا يقبله كسرا لقلوبهم وقال اصحاب الرأي لا يجوز وقد سبق الكلام في هذا فأما الخوارج إذا ولوا قاضيا لم يجز قضاؤه لان أقل أحوالهم الفسق وهو يمنع القضاء ويحتمل أن يصح قضاؤه وتنفذ أحكامه لان هذا مما يتطاول وفي القضاء بفساد قضاياه وعقوده الانكحة وغيرها ضرر كثير فجاز دفعا للضرر كما لو أقام الحدود وأخذ الجزية والخراج والزكاة (فصل) وإذا ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد ثم قدر عليهم أقيمت فيهم حدود الله تعالى ولا تسقط باختلاف الدار، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة: إذا امتنعوا بدار لم يجب الحد على أحد منهم ولا على من تاجر أو أسر لانهم خارجون عن دار الامام فأشبهوا من دار الحرب ولنا عموم الآيات والاخبار ولان كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه
[ 69 ]
عند وجود أسبابها كدار أهل العدل، ولانه زان أو سارق ولا شبهة في زناه وسرقته فوجب عليه الحد كالذي في دار العدل، وهكذا القول فيمن أتى حدا في دار الحرب فانه يجب عليه لكن لا يقام الا في دار الاسلام على ما ذكرناه في موضعه (مسألة) (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عندهم الا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه تجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم)
إذا استعان البغاة بأهل الذمة في قتال أهل العدل وقاتلوا معهم فقد ذكر أبو بكر فيهم وجهين (أحدهما) ينتقض عهدهم لانهم قاتلوا أهل الحق فانتقض عهدهم كما لو انفردوا بقتالهم (والثاني) لا ينتقض لان أهل الذمة لا يعرفون المحق من المبطل فيكون ذلك شبهة لهم وللشافعي قولان كالوجهين فان قلنا ينتقض عدهم صاروا كاهل الحرب فيما نذكره وان قلنا لا ينتقض عهدهم فحكمهم حكم أهل البغي في قتل مقبلهم والكف عن اسريهم ومدبرهم وجريحهم، وان أكرههم البغاة على معونتهم أو ادعوا ذلك قبل منهم لانهم تحت ايديهم وقدرتهم، وكذلك ان قالو ظننا ان من استعان من استعان بنا من المسلمين لزمتنا معونته لان ما ادعوه محتمل فلا ينتقض عهدهم مع الشبهة (فصل) ويغرمون ما أتلفو من نفس ومال حال القتال وغيره بخلاف أهل البغي فانهم لا يضمنون
[ 70 ]
ما اتلفوا حال الحرب لانهم اتلفوه بتأويل سائغ وهؤلاء لا تأويل لهم ولان سقوط الضمان عن المسلمين كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة وأهل الذمة لا حاجة بنا إلى ذلك فيهم (مسألة) (وان استعانوا بأهل الحرب وآمنوهم لم يصح امانهم وابيح قتلهم) إذا استعان أهل البغي بالكفار لم يخل من ثلاثة أصناف (أحدها) أهل الذمة وقد ذكرنا حكمهم (الثاني) أهل الحرب فإذا استعانو بهم وآمنوهم وعقدوا لهم ذمة لم يصح واحد منهما لان الامان من شرط صحته التزام كفهم عن المسلمين وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين فلا يصح ولاهل العدل قتلهم كمن لم يؤمنوه سواء وحكم اسيرهم حكم اسير سائر أهل الحرب قبل الاستعانة بهم فأما البغاة فلا يجوز لهم قتلهم لانهم آمنوهم فلا يجوز لهم الغدر بهم (الثالث) المستأمنون فمتى استعانوا بهم فاعانوهم نقضوا عهدهم وصاروا كأهل الحرب لانهم تركوا الشرط وهو كفهم عن المسلمين، فان فعلوا ذلك مكرهين لم ينتقض أمانهم لان لهم عذر أو ان ادعو الاكراه لم يقبل الا ببينة لان الاصل عدمه فان ادعوا انهم ظنوا انه يجب عليهم معونة من
[ 71 ]
استعان بهم من المسلمين انتقض عهدهم ولم يكن ذلك عذرا لهم والفرق بينهم وبين أهل الذمة ان أن أهل الذمة أقوى حكما لان عهدهم مؤبد ولا يجوز نقضه بخوف الخيانة منهم ويلزم الامام الدفع
عنهم والمستأمنون بخلاف ذلك (مسألة) (وان أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم) مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم الا انهم لم يجتمعوا لحرب ولم يخرجوا عن قبضة الامام ولم يسفكوا الدم الحرام، فحكى القاضي عن أبي بكر انه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه روي ذلك عن عمر ابن عبد العزيز فعى هذا حكمهم في ضمان النفس والمسلمين (مسألة) (وان سبوا الامام عزرهم وكذلك إن سبوا غيره من أهل العدل) لانهم ارتكبوا محرما لا حد فيه وان عرضوا بالسب فهل يعزرون؟ على وجهين، وقال مالك في الاباضية وسائر أهل البدع يستتابون فان تابوا والا ضربت اعناقهم قال اسماعيل بن إسحاق رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين كقطاع الطريق فان تابوا والا
[ 72 ]
قتلوا على افسادهم لا على كفرهم، وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله انهم يستتابون فان تابوا والا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي انكر عليه وقال انها قسمة ما أريد بها وجه الله لابي بكر (اذهب فاقتله) ثم قال لعمر مثل ذلك فأمر بقتله قبل قتاله وهو الذي قال (يخرج من ضئضئ هذا قوم) يعني الخوارج وقول عمر لضبيع لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف يعني لقتلتك وانما يقتله لكونه من الخوارج فان النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق رؤوسهم واحتج الاولون بفعل علي رضي الله عنه فروي عنه انه كان يخطب يوما فقال رجل بباب المسجد لاحكم الا الله فقال علي كلمة حق اريد بها باطل ثم قال لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفئ ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال، وروى أبويحيى قال صلى علي صلاة فناداه رجل (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فأجابه علي (فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) وكتب علي بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزيز ان الخوارج يسبونك فكتب إليه ان سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم وان شهروا السلاح فاشهروا وان ضربوا
فاضربوا، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين معه في المدينة فلان يتعرض لغيرهم أولى
[ 73 ]
وقد روي في خبر الخارجي الذي أنكر عليه ان خالدا قال يا رسول الله الا أضرب عنقه قال (لا لعله يصلي؟) قال رب مصل لا خير فيه قال (أني لم اومر أن انقب على قلوب الناس) (مسألة) (وان جنوا جناية أو اتوا حدا أقامه عليهم) لان ابن ملجم جرح عليا فقال أطعموه واسقوه واحبسوه فان عشت فانا ولي دمي اعفوا ان شئت وان شئت استقدت وان مت فاقتلوه ولا تمثلوا به (مسألة) (وان اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة منهما ما اتلفت على الاخرى) لانها اتلفت نفسها معصومة أو مالا معصوما هذا إذا لم تكن واحدة منهما في طاعة الامام فان كانت احداهما في طاعة الامام تقاتل بأمره فهي محقة وحكم الاخرى حكم من يقاتل الامام لانهم يقاتلون من اذن له الامام في قتالهم فاشبه المقاتل لجيش الامام فيكون حكمهم حكم البغاة
[ 74 ]
باب حكم المرتد المرتد هو الذي يكفر بعد اسلامه قال الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد رضي الله عنهم وغيرهم فلم ينكر فكان اجماعا (مسألة) (فمن اشرك بالله تعالى أو جحد ربوبيته أو وحد وحدانيته أو صفة من صفاته أو اتخذ صاحبة أو ولدا أو جحد نبيا أو كتابا من كتب الله أو شيئا منه أو سب الله سبحانه وتعالى أو رسوله كفر) وجملة ذلك ان المرتد هو الراجع عن دين الاسلام إلى الكفر فمن أقر بالاسلام ثم انكره وانكر الشهادتين أو احداهما كفر بغير خلاف
(مسألة) (فان جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئا منها أو احل الزنا أو الخمر أو شيئا من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها لجهل عرف ذلك فان كان ممن لا يجهل ذلك كفر) وجملة ذلك انه قد مضى شرح حكم وجوب الصلاة وغيرها من العبادات الخمس في كتاب
[ 75 ]
الصلاة ولا خلاف بين اهل العلم في كفر من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك فان كان ممن لايعرف الوجوب كحديث الاسلام والناشئ بغير دار الاسلام أو بادية بعيدة عن الامصار واهل العلم لم يحكم بكفره وعرف ذلك وثبتت له ادلة وجوبها فان جحدها بعد ذلك كفر واما ذا كان الجاحد ناشئا بين المسلمين في الامصار بين اهل العلم فان يكفر بمجرد جحدها وكذلك الحكم في مباني الاسلام كلها وهي الزكاة والصيام والحج لانها مباني الاسلام وادلة وجوبها لاتكاد تخفى إذا كان الكتاب والسنة مشحونين بادلتها والاجماع منعقد عليها فلا يجحدها الا معاند للاسلام ممتنع من التزام الاحكام غير قابل لكتاب الله تعالى وسنة رسوله واجماع الامة وكذلك من اعتقد حل شئ أجمع المسلمون على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا الخمر واشباه هذه مما لا خلاف فيه كفر إذا كان قد نشأ بين المسلمين وهو ممن لا يجهل مثله ذلك وقد ذكرناه في تارك الصلاة (فصل) ومن سب الله تعالى أو رسوله كفر سواء كان جادا أو مازحا وكذلك من استهزأ بالله سبحانه وتعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه لقوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوص ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم) وينبغي أن لا يكتفي من الهازئ بذلك بمجرد الاسلام حتى يؤدب أدبا يزجره عن ذلك لانه إذا لم يكتف ممن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة فهذا أولى
[ 76 ]
(فصل) فان استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر لما ذكرنا وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن كثيرا من العلماء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين
وأموالهم وفعلهم ذلك متقربين إلى الله تعالى وكذلك لم يحكم بكفر ابن ملجم مع قتله أفضل الخلق في زمنه ولا يكفر الماذح له على ذلك أيضا المتمني مثل فعله وهو عمران بن حطان قال بمدحه لقتل علي يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ عند الله رضوانا اني لاذكره يوما فاحسبه * أوفي البرية عند الله ميزانا وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم وأموالهم واعتقادهم التقرب إلى ربهم بقتلهم ومع هذا لم يحكم أكثر الفقهاء بكفرهم لتأويلهم وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا فقد روي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره وكذلك ابو جندل بن سهيل وجماعة شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله تعالى (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية فلم يكفروا وعرفوا تحريهما فتابوا وأقيم عليهم حدها فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم وكذلك كل جاهل بشئ يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك، وقد
[ 77 ]
قال احمد من قال الخمر حلال فهو كافر يستتاب فان تاب والاضربت عنقه وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه لما ذكرنا، فأما إن أكل لحم الخنزير أو ميتة أو شرب خمرا لم يحكم بردته بمجرد ذلك سواء فعله في دار الحرب أو دار الاسلام لانه يجوز أن يكون فعله معتقدا تحريمه كما يفعل غير ذلك من المحرمات (فصل) والاسلام شهادة ان لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت فمن أقر بهذا فهو مسلم وتجري عليه أحكام الاسلام ومن أنكر هذا أو شيئا منه كفر لان الاقرار بالجميع واجب بالاتفاق ولا يكون مسلما إلا بذلك فمن أنكر ذلك لم يكن مسلما ومن أنكر البعض كان كمن أنكر الجميع لانه إذا أنكر البعض كان البعض الآخر كالمعدوم والدليل على ذلك أن من ترك ركنا من أركان الصلاة عامدا بطلت وكان وجود باقي الاركان كالمعدوم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته (ارجع فصل فانك لم تصل) فجعل وجود صلاته
كعدمها حيث ترك بعض أركانها وقال تعالى (كذبت قوم نوح المرسلين) وانما كذبوا نوحا وحده فكان تكذيبهم إياه كتكذيبهم جميع المرسلين، وعلى هذا لو جحد حكما من أحكام الاسلام مجمعا عليه كان كمن جحده جميعه
[ 78 ]
(مسألة) (ومن ترك شيئا من العبادات الخمس تهاونا لم يكفر وعنه يكفر) وقد ذكرنا توجيه الروايتين في باب من ترك الصلاة فأما الحج فلا يكفر بتأخيره بحال لان في وجوبه على الفور خلافا بين العلماء على ما ذكر في موضعه (مسألة) (ومن ارتد عن الاسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فان لم يتب قتل) الكلام في هذه المسألة في خمسة فصول: (أحدها) أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل، وروي ذلك عن ابي بكر وعمر رضي الله عنهما وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد ومالك والليث والشافعي واسحاق وروي عن علي والحسن وقتادة انها تسترق ولا تقتل لان أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم وأعطى عليا امرأة منهم فولدت له محمد بن الحنفية وهذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر فكان اجماعا وقال أبو حنيفة تجبر على الاسلام بالحبس والضرب ولا تقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقتلوا امرأة) ولانها لا تقتل بالكفر الاصلي فلا تقتل بالطارئ كالصبي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري وأبو داود، وقال عليه الصلاة والسلام (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه
[ 79 ]
وروى الدارقطني ان امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الاسلام فبلغ أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب فان تابت وإلا قتلت ولانها شخص مكلف بدل دين الحق بالباطل فتقتل كالرجل وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المرأة فالمراد به الاصلية قال ذلك حين رأى امرة مقتولة وكانت كافرة
أصلية وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيقق عن قتل النساء ولم يكن فيهم مرتد ويخالف الكفر الاصلي الطارئ بدليل أن الرجل يقر عليه ولا يقتل الشيوخ ولا المكافيف ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس والكفر الاصلي بخلافه والصبي غير مكلف بخلاف المرأة وأما بنو حنيفة فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له اسلام ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم وانما أسلم بعضهم والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالا فمنهم من ثبت على اسلامه منهم ثمامة بن أثال ومنهم من ارتد منهم الدجال الحنفي (الفصل الثاني) ان الردة لا تصح الا من عاقل فأما الطفل الذي لا يعقل والمجنون ومن زال عقله بنوم أو إغماء أو شرب دواء مباح شربه فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف، قال ابن لمنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه مسلم على ما كان عليه قبل ذلك ولو قتله قاتل عمدا كان عليه القود إذا طلب أولياؤه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) أخرجه
[ 80 ]
أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولانه غير مكلف فلم يؤاخذ بكلامه كما لو يؤاخذ به في اقراره ولا طلاقه ولا عتاقه. وأما السكران والصبي العاقل فيذكر حكمهما فيما بعد ان شاء الله تعالى (الصفل الثالث) أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعصاء والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي وهذا أحد قولي الشافعي، وعن احمد رواية أخرى لا تجب استتابته قيل تستحب وهو القول الثاني للشافعي وبه قال عبيد بن عمير وطاوس ويروى عن الحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر استتابته وروي أن معاذا قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلا موثقا فقال ما هذا؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود فقال لا أجلسن حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فامر به فقتل. متفق عليه ولم يذكر استتابته، ولانه يقتل لكفره فلم تجب استتابته كالاصلي ولانه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمن ولو حرم قتله قبله ضمن، وقال عطاء ان كان مسلما أصليا لم يستتب،
وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب ولنا حديث أم مروان فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله بن عبدالقاري عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر هل كان من معربة خيبر؟ قال نعم رجل كفر بعد اسلامه فقال ما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا
[ 81 ]
عنقه فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم ولانه أمكن ستصلاحه فلم يجز اتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس، وأما الامر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرناه، وأما حديث معاذ فانه قد جاء فيه وكان قد استتيب، ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه وفي رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريبا من ذلك فجاء معاذ فدعاه وابى فضربت عنقه رواهن أبو داود، ولا يلزم من تحريم القتل وجوب الضمان بدليل نساء أهل الحرب وصبيانهم إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام روي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال مالك وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر ان تاب والاقتل مكانه وهذا أصح قوليه وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان لانه مصر على كفره اشبه بعد الثلاث، وقال الزهري يدعى ثلاث مرات فان أبى ضربت عنقه وهذا يشبه قول الشافعي، وقال النخعي يستتاب أبدا وهذا يفضي إلى أنه لا يقتل أبدا وهو مخالف للسنة والاجماع وعن علي أنه استتاب رجلا شهرا ولنا حديث علي ولان الردة انما تكون لشبهة ولا تزول في الحال فوجب ان ينظر مدة؟ رتئي، فيها وأولى كل ذلك ثلاثة أيام للاثر فيها وانها مدة قريبة وينبغي أن يضيق عليه في مدة
[ 82 ]
لاستتابة ويحبس لقول عمر: هلا حبستموه وأطعمتوه كل يوم رغيفا؟ وتتكرر دعايته لعله ينعطف قلبه فيراجع دينه. (الفصل الرابع) ان لم يتب قتل لما تقدم ذكره وهو قول عامة الفقهاء (مسألة) (ويقتل بالسيف لانه آلة القتل ولا يحرق بالنار)
وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق المرتدين وفعل ذلك بهم خالد والاولى أولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه ولا تعذبوا بعذاب الله) يعني النار أخرجه البخاري وقال عليه الصلاة والسلام (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (الفصل الخامس) أن مفهوم كلام المصنف في هذه المسألة إذا تاب قبلت توبته وسنذكره ان شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يقتله الا الامام أو نائبه حرا كان المرتد أو عبدا) وهذا قول عامة أهل العلم الا الشافعي في أحد الوجهين في العبد أن لسيده قتله، وعن أحمد رحمه الله أن له قتله في الردة وقطعه في السرقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ولان حفصة قتلت جارية سحرتها وابن عمر قطع عبدا سرق ولانه حد لله تعالى فملك السيد إقامته كحد الزاني. ولنا أنه قتل لحق الله تعالى فكان إلى الامام كقتل الحر، فأما قوله (أقيموا الحدود على ما
[ 83 ]
ملكت أيمانكم) فلا يتناول القتل في الردة فانه قتل لكفره لا حدا في حقه، وأما خبر حفصة فان عثمان تغيظ عليها وشق عليه، فأما الجلد في الزنا فانه تأديب عبده بخلاف القتل وقد ذكرنا ذلك في الحدود (مسألة) (فان قتله غيره بغير إذنه اساء وعزر لاساءته وافتياته على الامام ولاضمان عليه) لانه محل غير معصوم وسواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها لذلك (مسألة) (وان عقل الصبي الاسلام صح اسلامه وردته وعنه يصح اسلامه دون ردته وعنه لا يصح منهما شئ حتى يبلغ) والمذهب الاول يصح اسلام الصبي في الجملة وبهذا قال أبو حنيفة واسحاق وابن ابي شيبة وابو ايوب، وقال الشافعي وزفر لا يصح اسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) حديث حسن ولانه قول تثبت به الاحكام فلم يصح من الصبي كالهبة والعتق ولانه احد من رفع عنه القلم فلم يصح اسلامه كالنائم والمجنون ولانه غير مكلف اشبه الطفل ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (من قال لا اله الا الله دخل الجنة) وقوله (امرت ان
أقاتل الناس حق يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم الا بحقها وحسابهم على الله) وقال عليه الصلاة والسلام (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه حتى يعرب عنه لسانه اما شاكرا واما كفورا) وهذه الاخبار يدخل في عمومها الصبي ولان الاسلام عبادة محضة فصحت
[ 84 ]
من الصبي العاقل كالصلاة والحج، ولان الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام وجعل طريقها الاسلام وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الاليم، فلا يجوز منع الصبي من اجابة دعوة الله تعالى مع اجابته إليها وسلوكه طريقها ولا الزامه بعذاب الله والحكم عليه بالنار وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها ولان ما ذكرناه اجماع فان عليا رضي الله عنه أسلم صبيا وقال سبقتكم إلى الاسلام طرا صبيا ما بغلت اوان حلمي ولهذا قيل: اول من اسلم من الرجال ابو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن العبيد بلال، وقال عروة أسلم على والزبير وهما ابنا ثمان سنين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ابن الزبير لسبع أو ثمان سنين ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد اسلامه من صغير أو كبير، فأما قوله عليه السلام (رفع القلم عن ثلاثة) فلا حجة لهم فيه فانه يقتضي أن لا يكتب عليه ذنب والاسلام يكتب له لا عليه ويسعد به في الدنيا والآخرة فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه وكذلك غيرها من العبادات المحضة، فان قيل فالاسلام يوجب عليه الزكاة في ماله ونفقة قريبه المسلم ويحرمه ميراث قريبه الكفار ويفسخ نكاحه، قلنا اما الزكاة فانها نفع لانها سبب الزيادة والنماء وتحصين المال والثواب، واما الميراث والنفقة فأمر متوهم وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم منزل منزلة الضرر في أكل القوت المتضمن فوت ما يأكله وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه لم يعد ضررا والضرر في مسئلتنا في جنب ما يحصل من النفع أدنى من ذلك بكثير
[ 85 ]
(فصل) واشترط الخرقي لصحة اسلامه: أن يكون له عشر سنين لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه
على الصلاة لعشر، وأن يكون ممن يعقل الاسلام ومعناه أن يعلم أن الله تعالى ربه لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وهذا لا خلاف في اشتراطه فان الطفل الذي لا يعقل لا يتحقق منه اعتقاد الاسلام وانما كلامه لقلقة بلسانه لا يدل على شئ، فأما اشتراط العشر فان أكثر المصححين لاسلامه لم يشترطوا ذلك ولم يحدوا له حدا من السنين، وحكاه ابن المنذر عن أحمد لان المقصود متى حصل لم يحتج إلى زيادة عليه، وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فاسلامه اسلام وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (مروهم بالصلاة لسبع) فدل على أن ذلك حد لامرهم وصحة عبادتهم فيكون حدا لصحة اسلامهم، وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل اسلامه اسلاما ولعله يقول ان عليا عليه السلام أسلم وهو ابن خمس لانه قد قيل انه قد مات وهو ابن ثمان وخمسين سنه فعلى هذا يكون اسلامه وهو ابن خمس لان مدة النبي منذ بعث إلى أن مات ثلاث وعشرون سنة وعاش علي بعده ثلاثين سنة فذلك ثلاث وخمسون فإذا ضممنا إليها خمسا كانت ثمانيا وخمسين وقال أبو أيوب أجيز اسلام ابن ثلاث سنين من اصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه وهذا لا يكاد يعقل الاسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فان وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الاسلام وعقله اياه صح منه كغيره (مسألة) (وإن أسلم ثم قال لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الاسلام) متى حكمنا بصحة اسلام الصبي لمعرفتنا بفعله بأدلته فرجع وقال لم أدر ما قلت لم يقبل قوله ولم يبطل اسلامه الاول، وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام
[ 86 ]
قال أبو بكر هذا قول محتمل لان الصبي في مظنة النقص فيجوز أن يكون صادقا قال والعمل على الاول لانه قد ثبت عقله للاسلام ومعرفته به بأفعاله أفعال العقلاء وتصرفاته تصرفاتهم وتكلمه بكلامهم وهذا يحصل به معرفة عقله، ولهذا اعتبرنا رشده بعد بلوغه بأفعاله وتصرفاته، وعرفنا جنون المجنون وعقل العاقل بما يصدر عنه من أقواله وأفعاله وأحواله فلا يزول ما عرفناه بمجرد دعواه وهكذا كل من تلفظ بالاسلام أو اخبر عن نفسه ثم أنكر معرفته بما قال لم يقبل انكاره وكان مرتدا نص عليه أحمد في مواضع، فعلى هذا إذا ارتد صحت ردته وأجبر على الاسلام وهو قول
أبي حنيفة والظاهر من مذهب مالك، وعند الشافعي لا يصح اسلامه ولا ردته وقد روي أنه يصح اسلامه ولا تصح ردته لقوله عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) وهذا يقتضى أنه لا يكتب عليه ذنب ولا شئ ولو صحت ردته لكتبت، وأما الاسلام فلا يكتب عليه انما يكتب له ولان الردة أمر يوجب القتل فلم يثبت حكمه في حق الصبي كالزنا، ولان الاسلام إنما صح منه لانه تمحض مصلحة فأشبه الوصية والتدبير، والردة تمحضت مضرة ومفسدة فلم يلزم صحتها، منه فعلى هذا حكمه حكم من لم يرتد فإذا بلغ فان أصر على الكفر كان مرتدا حينئذ (مسألة) (ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه فان ثبت على كفره قتل) وجملة ذلك ان الصبي لا يقتل إذا ارتد سواء قلنا بصحة ردته أو لا لان الغلام لا يجب عليه عقوبة
[ 87 ]
بدليل انه لا يتعلق به حكم الزنا والسرقة وسائر الحدود ولا يقتل قصاصا فإذا بلغ وثبت على ردته ثبت حكم الردة حينئذ فيستتاب ثلاثا فان تاب والا قتل سواء قلنا انه كان مرتدا قبل بلوغه أو لم نقل وسواء كان مسلما اصليا فارتد أو كان كافرا فاسلم صبيا ثم ارتد [ مسألة ] (ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فان مات في سكره مات كافرا وعنه لا تصح ردته) اختلفت الرواية عن احمد في ردة السكران فروي عنه انها تصح قال ابو الخطاب وهو اظهر الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وعنه لا تصح ردته وهو قول أبي حنيفة لان ذلك يعلق بالاعتقاد والقصد والسكران لا يصح عقده فاشبه المعتوه ولانه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم والمجنون ولانه غير مكلف فاشبه المجنون. ووجه الرواية الاولى أن الصحابة قالوا في السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري وأوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره وأقاموا مظنتها (مظلتها) مقامها ولانه يقع طلاقه فصحت ردته كالصاحي، وقولهم ليس بمكلف ممنوع فان الصلاة واجبة عليه وكذلك سائر اركان الاسلام، ويأثم بفعل المحرمات وهذا معنى التكليف، ولان السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقى
المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قريب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف المجنون، واما استتابته فتؤخر إلى حين صحوه فيكمل عقله ويفهم ما يقال له وتزول شبهته ان كان قد قال الكفر معتقدا له كما تؤخر استتابته إلى حين زوال شدة عطشه وجوعه ويؤخر الصبي
[ 88 ]
إلى حين بلوغه وكمال عقله ولان القتل جعل للزجر ولا يحصل في حال سكره وإن قتله قاتل في حال سكره لم يضمنه لان عصمته زالت بردته وإن مات أو قتل لم يرثه ورثته، ولا يقتل حتى يتم له ثلاثة أيام من وقت ردته فان استمر سكره أكثر من ثلاث لم يقتل حتى يصحو ثم يستتاب عقيب صحوه فان تاب والا قتل في الحال (فصل) فان أسلم في سكره صح اسلامه كما صحت ردته ثم يسئل بعد صحوه فان ثبت على إسلامه فهو مسلم من حين أسلم لان إسلامه صح وانما يسئل استظهارا فان مات بعد إسلامه في سكره مات مسلما ويصح اسلامه في سكره سواء كان أصليا أو مرتدا لانه إذا صحت ردته مع أنها محض مضرة وقول باطل فلان يصح إسلامه الذي هو محض مصلحة أولى، ويتخرج أن لا يصح فان من لا تصح ردته لا يصح اسلامه كالمجنون (فصل) ولا تصح ردة المجنون ولا إسلامه لانه لا قول له فان ارتد في صحته ثم جن لم يقتل في حال جنونه لانه يقتل بالاصرار على الردة والمجنون لا يوصف بالاصرار ولا يمكن استتابته، ولو وجب عليه القصاص فجن قتل لان القصاص لا يسقط عنه بسبب من جهته وههنا يسقط برجوعه ولان القصاص انما يسقط بسبب من جهة المستحق له فنظير مسئلتنا ان يجن المستحق للقصاص فانه لا يستوفى في حال جنونه.
[ 89 ]
(مسألة) (وهل تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته أو من سب الله تعالى أو رسوله أو الساحر؟ على روايتين: (إحداهما) لاتقبل توبته ويقتل بكل حال والاخرى تقبل توبته كغيره) مفهوم كلام الشيخ رحمه الله أن المرتد إذا تاب تقبل توبته ولم يقتل أي كافر كان وهو ظاهر كلام الخرقي سواء كان زنديقا أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروى ذلك عن علي وابن
مسعود وهو إحدى الروايتين عن احمد واختيار ابي بكر الخلال وقال إنه اولى على مذهب ابي عبد الله (والرواية الاخرى) لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته وهو قول مالك والليث واسحاق وعن ابي حنيفة روايتان كهاتين واختيار أبي بكر انها لا تقبل لقول الله تعالى (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) والزنديق لا يظهر منه ما يبين به رجوعه وتوبته لانه كان مظهرا للاسلام مسرا للكفر فإذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الاسلام وأما من تكررت ردته فقد قال الله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) وروى الاثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة ان رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرءون برجز مسيلمة فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث إليهم فاتي بهم فاستتابهم
[ 90 ]
فتابوا فخلى سبيلهم الا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال اتيت بك مرة فزعمت انك قد تبت واراك قد عدت فقتله ووجه الرواية الاولى قول الله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وروي ان رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدر ماساره به فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اليس يشهد ان لا اله الا الله؟) قال بلى ولا شهادة له قال (أليس يصلي؟) قال بلى ولا صلاة له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) وقد قال الله تعالى (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا الا الذين تابوا) وروي ان محش بن حمير كان في النفر الذين انزل فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) فأتي النبي صلى الله عليه وسلم وتاب إلى إلى الله تعالى فقبل توبته وهو الطائفة التي عفا الله عنها بقوله سبحانه (ان نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة) وروي انه سأل الله تعالى ان يقتل شهيدا في سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين بما أظهروا من الشهادة مع اخبار الله تعالى له بباطنهم بقوله تعالى (يحلفون بالله انهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قوم يفرقون) وغيرها من الآيات وحديث ابن مسعود حجة في قبول توبتهم مع اسرارهم بكفرهم فأما قتل ابن النواحة فيحتمل انه قتله لظهور كذبه في توبته لانه أظهرها وتبين انه ما زال عما كان عليه من كفره ويحتمل انه قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين جاء رسولا لمسيلمة (لولا ان
الرسل لا تقتل لقتلتك) تحقيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي انه قتله لذلك (فصل) فأما من سب الله سبحانه وتعالى ورسوله فروى القاضي عن أحمد انه قال لا توبة لمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو الخطاب رواية أخرى ان توبته مقبولة لقول الله تعالى (قل للذين
[ 91 ]
كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولحديث محش ابن حمير ولان من زعم ان لله ولدا فقد سب الله تعالى بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن ربه تعالى انه قال (شتمني ابن آدم وما ينبغي له ان يشتمني اما شتمه اياي فزعم ان لي ولدا) وتوبته مقبولة بغير خلاف وإذا قبلت توبة من سب الله تعالى فمن سب نبيه صلى الله عليه وسلم اولى أن تقبل توبته (فصل) وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه روايتان (احداهما) لا يستتاب وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم فانه لم ينقل عن أحد منهم انه استتاب ساحرا وفي الحديث الذي رواه هشام عن عروة عن عائشة ان امرأة جاءتها فقالت يا أم المؤمنين ان عجوز اذهبت بي إلى هاروت وماروت فقلت علماني السحر فقالا اتقي الله ولا تكفري فانك على رأس أمرك فقلت علماني السحر فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت فرأيت كأن فارسا مقنعا في الحديد خرج مني حتى طار فغاب في السماء فرجعت اليهما فاخبرتهما فقالا: ذلك ايمانك وذكرت باقي القصة إلى ان قالت والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئا غير هذا ولا أصنعه أبدا فهل لي من توبة؟ قالت عائشة رأيتها تبكي بكاء شديدا فكانت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون تسألهم هل لها من توبة؟ فما افتاها أحد إلا ابن عباس قال ان كان احد من ابويك حيا فبريه وأكثري من عمل البر ما استطعت ولان السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة فيشبه من لم يتب (والرواية الثانية) يستتاب فان تاب قبلت توبته فان الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون وجعلهم من أوليائه في ساعة ولان الساحر لو كان كافرا فأسلم صح اسلامه وتوبته فإذا صحت التوبة منهما صحت من احدهما كالكفر ولانه الكفر والقتل ما هو الا بعمله بالسحر بدليل الساحر إذا أسلم والعمل به تمكن التوبة منه وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده تمكن التوبة منه كالشرك
[ 92 ]
(فصل) والخلاف بين الائمة في قبول توبتهم انما هو في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوت أحكام الاسلام في حقهم فأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفران ذنوبهم لمن تاب وأقلع ظاهرا وباطنا فلا خلاف فيه فان الله تعالى قال في المنافقين (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما) [ مسألة ] (وتوبة المرتد اسلامه وهو أن يشهد ان لا إله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله الا أن تكون ردته بانكار فرض أو احلال محرم أو جحد نبي أو كتاب أو إلى دين من يعتقد أن محمدا بعث إلى العرب خاصة فلا يصح اسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمدا بعث إلى العالمين أو يقول انا برئ من كل دين يخالف الاسلام) من ثبتت ردته باقرار أو بينة فتوبته أن يشهد أن لا إله الا الله ولا يكشف عن صحة ما شهد به عليه ويخلى سبيله ولا يكلف الاقرار لما نسب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله) متفق عليه. ولان هذا يثبت به اسلام الكافر الاصلي فكذلك اسلام المرتد ولا حاجة مع ثبوت اسلامه إلى الكشف عن صحه ردته وهذا يكفي فيمن كانت ردته بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو جحدهما معا، فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل اسلامه إلا بالاقرار بما جحده فمن أقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنكر انه مبعوث إلى العالمين فلا يثبت اسلامه حتى يشهد أن محمدا رسول الله
[ 93 ]
بعث إلى الخلق اجمعين أو تبرأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الاسلام، فان زعم ان محمدا رسول مبعوث بعد غير هذا لزمه الاقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله لانه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل انه أراد ما اعتقدوه وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده ويعيد الشهادتين لانه كذب الله ورسوله بما اعتقده وكذلك إن جحد نبيا أو آية من كتاب الله تعالى أو كتابا من كتبه أو ملكا من ملائكته الذين ثبت انهم ملائكة الله أو استباح محرما فلابد في اسلامه من الاقرار بما
جحده، وأما الكافر بجحد الدين من أصله إذا شهد أن محمدا رسول الله واقتصر على ذلك ففيه روايتان (احداهما) يحكم باسلامه لانه روي ان يهوديا قال أشهد ان محمدا رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا على صاحبكم) ولانه يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وقد جاء بتوحيده (والثانية) إن كان مقرا بالتوحيد كاليهود حكم باسلامه لان توحيد الله ثابت في حقه وقد ضم إليه الاقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكمل اسلامه وان كان غير موحد كالنصارى والمجوس وعبدة الاوثان لم يحكم باسلامه حتى يشهد ان لا إله إلا الله وبهذا جاءت أكثر الاخبار وهو الصحيح لان من يجحد شيئين لا يزول جحدهما الا باقراره بهما جميعا وإن قال أشهد ان النبي رسول الله لم يحكم باسلامه لانه يحتمل انه يريد غير نبينا. وان قال أنا مؤمن أو أنا مسلم فقال القاضي يحكم باسلامه
[ 94 ]
بهذا وإن لم يأت بلفظ الشهادتين لانهما اسمان لشئ معلوم معروف وهو الشهادتان فإذا أخبر عن نفسه بما تضمن الشهادتين كان مخبرا بهما وروى المقداد انه قال يارسول الله: إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال اسلمت أفأقتله يارسول الله بعد أن قالها؟ قال (لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها) وعن عمر ان ابن حصين قال: أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اني مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كنت قلت وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) رواهما مسلم ويحتمل أن هذا في الكافر الاصلي أو من جحد الوحدانية أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة أو نحو هذا فانه لا يصير مسلما بذلك لانه ربما اعتقد أن الاسلام ما هو عليه فان أهل البدع يعتقدون أنهم هم المسلمون ومنهم من هو كافر [ مسألة ] (وإذا أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الاسلام صار بذلك مرتدا ويجبر على الاسلام) نص عليه أحمد في رواية جماعة ونقل عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الاسلام لانه يحتمل الصدق فلا يراق دمه بالشهادة والاول أولى لانه قد حكم باسلامه فلم يقبل إذا رجع كما لو طالت مدته
[ مسألة ] (وإذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم باسلامه)
[ 95 ]
متى صلى الكافر حكم باسلامه أصليا كان أو مرتدا جماعة أو فرادى في دار الحرب أو في دار الاسلام، وقال الشافعي يحكم باسلامه إذا صلى في دار الحرب ولا نحكم باسلامه في دار الاسلام لانه يحتمل أنه صلى رياء وتقية. ولنا أن ما كان اسلاما في دار الحرب كان اسلاما في دار الاسلام كالشهادتين واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين وأما سائر أركان الاسلام من الزكاة والصيام والحج فلا يحكم باسلامه به فان المشركين كانوا يحجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منعهم فقال (لا يحج بعد العام مشرك) والزكاة صدقة وهم يتصدقون وقد فرض على نصارى بني تغلب من الزكاة مثلا ما يؤخذ من المسلمين فلم يصيروا بذلك مسلمين وأما الصيام فلكل أهل دين صيام ولان الصيام ليس بفعل انما هو امساك عن افعال مخصوصة وقد يتفق هذا من الكافر كاتفاقه من المسلم ولا عبرة بالنية فانها أمر باطن لا علم به بخلاف الصلاة فانها أفعال تتميز عن أفعال الكفار ويختص بها أهل الاسلام ولا يثبت بها الاسلام حتى يأتي بصلاة يتميز بها عن صلاة الكفار من استقبال قبلتنا والركوع والسجود ولا يحصل بمجرد القيام لانهم يقومون في صلاتهم إذا ثبت هذا فانه متى مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد ردته حكم لهم بالميراث الا أن يثبت أنه ارتد بعد صلاته أو تكون ردته بجحد فريضة
[ 96 ]
أو كتاب أو نبي أو ملك أو نحو ذلك من البدع التي ينسب أهلها إلى الاسلام فانه لا يحكم باسلامه بصلاته لانه يعتقد وجوب الصلاة ويعتقدها مع كفره فأشبه فعله غيرها [ مسألة ] (ولا يبطل احصان المسلم بردته ولا عباداته التي فعلها في اسلامه إذا عاد إلى الاسلام) يعني إذا كان محصنا فارتد ثم أسلم لم يصر غير محصن بل متى زنا رجم لانه يثبت له حكم الاحصان والاصل بقاء ما كان على ما كان ولا تبطل عباداته التي فعلها في اسلامه إذا عاد إلى الاسلام لانه فعلها على وجهها وبرئت ذمته منها فلم تعد إلى ذمته كديون الآدميين وان كان قد حج حجة
الاسلام قبل ردته لم يجب عليه اعادتها إذا عاد إلى الاسلام لما ذكرنا [ فصل ] قال الشيخ رحمه الله (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفا وتصرفاته موقوفة فان أسلم ثبت ملكه وتصرفاته والا بطلت) لا يحكم بزوال ملك المرتد بردته في قول أكثر أهل العلم فعلى هذا ان قتل أو مات زال ملكه بموته وان راجع الاسلام فملكه باق له فعلى هذا تصرفاته في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة ان اسلم تبينا ان تصرفه كان صحيحا فان قتل أو مات كان باطلا وقال مالك يزول ملكه بردته فان راجع الاسلام رد إليه تمليكا مستأنفا لان عصمة نفسه وماله انما تثبت
[ 97 ]
باسلامه فزوال اسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب ولان المسلمين ملكوا اراقة دمه بردته فوجب أن يملكوا أمواله بها وقال أصحاب أبي حنيفة ماله موقوف ان أسلم تبينا بقاء ملكه وان مات أو قتل تبينا زواله من حين ردته، وقال الشريف ابو جعفر: هذا ظاهر كلام احمد وعن الشافعي الاقول ا؟ (الاقوال) الثلاثة ولنا ان الردة سبب يبيح دمه كزنا المحصن، وقتل من يكافئه عمدا لا يلزم منه زوال الملك بدليل الزاني المحصن والقاتل في المحاربة فان ملكهم ثابت مع عدم عصمتهم، ولو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه لكن يباح لكل احد قتله بغير استتابة وأخذ ماله لمن قدر عليه لانه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب، ولو ارتد جماعة وامتنعوا في دارهم عن طاعة الامام زالت عصمتهم في أنفسهم وأموالهم لان الكفار الاصليين لا عصمة لهم في دارهم فالمرتدون أولى (فصل) فأما على قول أبي بكر فتصرف المرتد باطل لانه ملكه قد زال بردته وهذ أحد أقوال الشافعي وعن الشافعي قول آخر انه ان تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الاقوال الثلاثة وان تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه ولنا ان ملكه تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض
[ 98 ]
(فصل) وان تزوج لم يصح تزوجه لانه لا يقر على النكاح وما منع الاقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة وان زوج موليته لم يصح لان ولايته على موليته قد زالت بردته وكذلك ان زوج امته لان النكاح لا يكون موقوفا ولان النكاح وان كان في الامة فلابد في عقده من ولاية صحيحة بدليل ان المرأة لا يجوز ان تزوج امتها وكذلك الفاسق والمرتد لا ولاية له فانه أدنى حالا من الفاسق الكافر (فصل) ويوخذ مال المرتد فيترك عند ثقة من المسلمين فان كان له اماء جعلن عند امرأة ثقة لانهن محرمات عليه فلا يمكن منهن، وذكر القاضي انه يؤجر عقاره وعبيده واماءه، قال شيخنا والاولى ان لا يفعل ذلك لان مدة انتظاره قريبة ليس في انتظاره فيها ضرر فلا يفوت عليه منافع ملكه فيما لا يرضاه من أجلها فانه ربما راجع الاسلام فيمتنع عليه التصرف في ماله باجارة الحاكم له، وان لحق بدار الحرب أو تعذر قتله مدة طويلة فعل الحاكم له ما يرى الحظ فيه من بيع الحيوان الذي يحتاج إلى النفقة وغيره واجارة ما يرى ابقاءه والمكاتب يؤدي إلى الحاكم ويعتق بالاداء لانه نائب عنه (مسألة) (ويقضى ديونه واروش جناياته وينفق على من تلزمه مؤنته) يعني إذا مات أو قتل فانه يبدأ بقضاء ديونه وارش جنايته ونفقة زوجته واقاربه الذين تلزمه مؤنتهم لان هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها وأولى ما يؤخذ من ماله في الصحيح من المذهب وعنه
[ 99 ]
انه لورثته من المسلمين وعنه انه لورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه وقد ذكرنا ذلك في الفرائض (فصل) وإذا وجد من المرتد سبب يقتضي الملك كالصيد والاحتشاش والاتهاب والشراء وايجار نفسه اجارة خاصة أو مشتركة ثبت الملك له لانه أهل للملك ولذلك بقيت أملاكه الثابتة له ومن قال ان ملكه يزول لم يثبت له ملكا لانه ليس بأهل للملك ولهذا زالت املاكه الثابتة، فان اسلم احتمل ان لا يثبت له شئ أيضا لان السبب لم يثبت حكمه واحتمل ان يثبت الملك له حينئذ لان السبب موجود وإنما امتنع ثبوت حكمه لعدم أهليته فإذا وجدت تحقق الشرط فيثبت الملك حينئذ كما تعود إليه املاكه التي زالت عنه عند عود أهليته، فعلى هذا ان مات أو قتل انتقل الملك إلى من ينتقل إليه ماله لان هذا في معناه
(فصل) وان لحق المرتد بدار الحرب فالحكم فيه حكم من هو في دار الاسلام الا ان ما كان معه من ماله يصير مباحا لمن قدر عليه كما أبيح دمه، واما املاكه وماله الذي في دار الاسلام فملكه ثابت فيه ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه وقال أبو حنيفة يورث ماله كما لو مات لانه قد صار في حكم الموتى بدليل حل دمه وماله الذي معه لكل من قدر عليه ولنا انه حي فلم يورث كالحربي الاصلي وحل دمه لا يوجب توريث ماله بدليل الحربي الاصلي وانما حل ماله الذي معه لانه زال العاصم له فأشبه مال الحربي الذي في دار الحرب واما الذي في دار الاسلام فهو باق على العصمة كمال الحربي الذي مع مضاربه في دار الاسلام أو عند مودعه (مسألة) (وما اتلف من شئ ضمنه ويتخرج في الجماعة الممتنعة ان لا يضمن ما اتلفه
[ 100 ]
إذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين لزم ضمان ما أتلفوه سواء تحيزوا وصاروا في منعة أو لم يصيروا ذكره أبو بكر قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد وقال الشافعي حكمهم حكم أهل البغي فيما اتلفوه من الانفس والاموال لان تضمينهم يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الاسلام فأشبهوا أهل البغي ولنا ما روي عن ابي بكر رضي الله عنه انه قال لاهل الردة حين رجعوا تردون علينا ما أخذتم منا ولا نرد عليكم ما اخذنا منكم وان تدوا قتلانا ولا ندي قتلاكم قالوا نعم يا خليفة رسول الله قال عمر كل ما قلت كما قلت الا أن يدوا ما قتل منافلا لانهم قوم قتلوا في سبيل الله واستشهدوا، ولانهم اتلفوه بغير تأويل فأشبهوا هل الذمة، فاما القتلى فحكمهم حكم اهل البغي لما ذكرنا من خبر ابي بكر وعمر ولان طليحة الاسدي قتل عكاشة بن محصن وثابت بن ارقم الاسديين فلم يغر مهما وبنو حنيفة قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة فلم يغرموا شيئا، ويحتمل ان يحمل قول احمد وكلامه في المال على وجوب رد ما هو في ايديهم دون ما اتلفوه وعلى من اتلف من غير ان تكون له منعة أو اتلف في غير الحرب وما اتلفوه حال الحرب فلا ضمان عليهم فيه لانه إذا سقط ذلك عن اهل البغي كيلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلان يسقط ذلك كيلا يؤي إلى التنفير عن الاسلام اولى لانهم إذا امتنعوا صاروا كفارا ممتنعين بدارهم فأشبهوا اهل الحرب ويحمل قول ابي بكر على ما بقي في ايديهم من المال
فيكون مذهب احمد ومذهب الشافعي في هذا سواء وهذا اعدل واصح ان شاء الله تعالى، فاما من لا منعة له
[ 101 ]
فيضمن ما اتلف من نفس ومال كالواحد من المسلمين أو اهل الذمه لانه لا منعة له ولا يكثر ذلك منه فبقي المال والنفس بالنسبة إليه على عصمته ووجوب ضمانه والله أعلم (مسألة) (وإذا اسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات؟ على روايتين) (احداهما) عليه القضاء لانها عبادة واجبة التزم بوجوبها واعترف به في زمن اسلامه فلزم قضاؤها عند فواتها كغير المرتد (والثانية) لا يلزمه قضاؤها لقول الله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولانه كافر اسلم فلم يلزمه قضاء العبادات التي كانت في كفره كالحربي ولان ابا بكر لم يأمر المرتدين حين اسلموا بقضاء ما فاتهم (مسألة) (وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق اولادهما الذين ولدوا في الاسلام ومن لم يسلم منهم قتل ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة وهل يقرون على كفرهم؟ على روايتين) وجملة ذلك ان الرق لا يجرى على المرتد سواء كان رجلا أو امرأة وسواء لحق بدار الحرب أو اقام بدار الاسلام وبهذا قال الشافعي وقال ابو حنيفة إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لان ابا بكر سبى بني حنفية واسترق نساءهم وام محمد بن الحنفية منهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ولانه لا يجوز اقراره على كفره فلم يجز استرقاقه كالرجل ولم ينقل ان الذين سباهم ابو بكر رضي الله عنه كانوا اسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة، فان قيل فقد روي عن علي رضي الله عنه ان المرتدة تسبى قلنا هذا الحديث ضعفه احمد، فأما اولاد المرتدين فان كانوا ولدوا قبل الردة فانهم محكوم باسلامهم تبعا لابائهم ولا يتبعونهم في الردة لان الاسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم
[ 102 ]
في الكفر فلا يجوز استرقاقهم صغارا لانهم مسلمون ولا كبارا لانهم ان ثبتوا على اسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق، وأما من حديث بعد الردة فهو محكوم بكفره لانه ولد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه لانه ليس بمرتد نص عليه أحمد وهو
ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، ويحتمل أن لا يجوز استرقاقهم لان آباءهم لا يجوز استرقاقهم ولانهم لا يقرون بالجزية فلا يقرون بالاسترقاق وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن ولدوا في دار الاسلام لم يجز استرقاقهم وإن ولدوا في دار الحرب جاز استرقاقهم كولد الحربيين بخلاف آبائهم فعلى هذا إذا وقع في الاسر بعد لحوقه بدار الحرب فحكمه حكم سائر أهل الحرب وإن كان في دار الاسلام لم يقر بالجزية وكذلك لو بذل الجزية بعد لحوقة بدار الحرب لم يقر بها لانه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن، فأما من كان حملا حال ردته فظاهر كلام الخرقي أنه كالحادث بعد كفره وعند الشافعي هو كالمولود ولهذا يرث ولنا أن أكثر الاحكام انما تتعلق بعد الوضع فكذلك هذا الحكم، وهل يقر من ولد بعد الردة على كفره؟ فيه روايتان (احداهما) يقر كأولاد اهل الحرب (والثانية) لا يقرون فإذا أسلموا رقوا لانهم أولاد من لا يقر على كفره فلا يقرون على كفرهم كالموجودين قبل ردتهم (فصل) ومن لم يسلم من الذين كانوا موجودين قبل الردة فقدر عليهم أو على آبائهم استتيب منهم من كان بالغا عاقلا فمن لم يتب قتل ومن لم يبلغ انتظر بلوغه فان لم يتب قتل إذا استتيب وينبغي أن يحبس حتى لا يهرب (فصل) ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيهم أحكامهم صاروا دار خرب في اغتنام أموالهم وسبي
[ 103 ]
ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الامام قتالهم فان أبا بكر رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة من الصحابة ولان الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لان تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى يجتمع فيها ثلاثة أشياء: ان تكون متاخمة لدار الحرب لا شئ بينهما من دار الاسلام (الثاني) لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن (الثالث) أن تجري فيها أحكامهم ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الحصال أو
دار الكفرة الاصليين. (فصل) وإن قتل المرتد من يكافئه عمدا فعليه القصاص نص عليه احمد والولي مخير بين قتله والعفو عنه فان اختار القصاص قدم على قتل الردة سواء تقدمت الردة أو تأخرت لانه حق آدمي وان عفا على مال وجبت الدية في ماله وكذلك ان كان القتل خطأ تجب الدية في ماله أيضا لانه لا عاقلة له قال القاضي: وتؤخذ منه الدية في ثلاث سنين لانها دية الخطأ وإن قتل أو مات اخذت من ماله في الحال لان الدين المؤجل يحل بالموت في حق من لا وارث له ويحتمل ان تجب الدية حالة عليه لانها انما أجلت في حق العاقلة تخفيفا عليهم لانهم يحملون عن غيرهم على سبيل المواساة فأما لجاني فتجب عليه حالة لانها بدل عن متلف فكانت حالة كسائر ابدال المتلفات
[ 104 ]
(فصل) ومن اسلم من الابوين كان اولاده الاصاغر تبعا له وبهذا قال الشافعي وقال اصحاب الراي إذا اسلم ابواه أو احدهما وأدرك فأبى الاسلام أجبر عليه ولم يقتل، وقال مالك ان اسلم الاب تبعه اولاده وان اسلمت الام لم يتبعوها لان ولد الحرين يتبع أباه دون امه بدليل الموليين إذا كان لهما ولد كان ولاؤه لمولى ابيه دون أمه ولو كان الاب عبدا والام مولاة فأعتق العبد لجر ولاء ولده إلى مواليه، ولان الولد يشرف بشرف ابيه وينسب إلى قبيلته دون قبيلة امه فوجب ان يتبع اباه في دينه اي دين كان، وقال الثوري إذا بلغ خير بين دين ابيه ودين امه فأيهما اختاره كان على دينه ولعله يحتج بحديث الغلام الذي اسلم ابوه وابت أمه ان تسلم فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين أبيه وامه ولنا ان الولد يتبع ابويه في الدين فإذا اختلفا وجب أن يتبع المسلم منهما كولد المسلم من الكتابية ولان الاسلام يعلو ولا يعلى، ويترجح بأشياء (منها) انه دين الله الذي رضيه لعباده وبعث به رسله ودعا خلقه إليه (ومنها) انه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق واداء الجزية وفي الآخرة من سخط الله وعذابه (ومنها) أن الدار دار الاسلام يحكم باسلام لقيطها ومن لا تعرف حاله فيها، وإذا كان محكوما باسلامه أجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل كولد المسلمين ولانه مسلم فإذا رجع عن اسلامه وجب قتله لقوله عليه الصلاة والسلام (من بدل دينه فاقتلوه) وبالقياس على غيره
ولنا على مالك أن الام أحد الابوين فتبعها ولدها في الاسلام كالاب بل الام أولى لانها أخص به لانه مخلوق منها حقيقة وتختص بحمله ورضاعه ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتابة ولان سائر الحيوانات يتبع الولد أمه دون أبيه وهذا يعارض ما ذكره، وأما تخيير الغلام فهو في الحضانة لا في الدين
[ 105 ]
(فصل) ومن مات من الابوين الكافرين على كفره قسم للولد الميراث وكان مسلما بموت من مات منهما وأكثر الفقهاء على أنه لا يحكم باسلامه بموتهما ولا بموت أحدهما لانه ثبت كفره تبعا ولم يوجد منه اسلام ولا ممن هو تابع له فوجب بقاؤه على ما كان عليه لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الاسلام بموت أبيه مع أنه لم يخل زمنه عن موت بعض أهل الذمة عن بنيهم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) متفق عليه فجعل كفره بفعل أبويه فإذا مات احدهما انقطعت التبعية فوجب ابقاؤه على الفطرة التي ولد عليها ولان المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الاسلام وقضية الدار الحكم باسلام اهلها وكذلك حكمنا باسلام لقيطها وانما ثبت الكفر للطفل الذي له ابوان فإذا عدما أو احدهما وجب ابقاؤه على حكم الدار لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها وانما قسم له الميراث لان اسلامه انما ثبت بموت ابيه الذي استحق به الميراث فهو سبب لهما فلم يتقدم الاسلام المانع من الميراث على استحقاقه ولان الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد العبد له إذا مات ابوك فأنت حر فمات ابوه فانه يعتق ولا يرث فيجب ان يكون الاسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث وهذا فيما إذا كان في دار الاسلام لانه متى قطعت تبعيته لابويه أو احدهما ثبت له حكم الدار فأما دار الحرب فلا يحكم باسلام ولد الكافر فيها بموتهما ولا موت احدهما لان الدار لا يحكم باسلام اهلها ولذلك لم يحكم باسلام لقيطها
[ 106 ]
(فصل) وتثبت الردة بشيئين: الاقرار والبينة فمتى شهد بالردة على المرتد من ثبتت الردة بشهادته فأنكر لم يسمع انكاره واستتيب فان تاب وإلا قتل، وحكي عن بعض اصحاب ابي حنيفة
ان انكاره يكفي في الرجوع إلى الاسلام ولا يلزمه النطق بالشهادة لانه لو اقر بالكفر ثم انكره قبل منه ولم يكلف الشهادتين فكذلك هذا ولنا ما روى الاثرم باسناده عن علي رضي الله عنه انه اتي برجل عربي فاستتابه فأبى ان يتوب فقتله واتى برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين الا الاسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال: تدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لانه اظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة فانما قتلهم لانهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولانه قد ثبت كفره فلم يحكم باسلامه بدون الشهادتين كالكافر الاصلي ولان انكاره تكذيب للبينة فلم يسمع كسائر الدعاوى فأما إذا اقر بالكفر ثم انكر فيحتمل ان القول فيه كمسئلتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما ان الحد وجب بقوله فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه كالزنا و السرقة وتقبل الشهادة على الردة من عدلين في قول اكثر اهل العلم منهم مالك و الشافعي والاوزاعي واصحاب الرأي قال ابن المنذر ولا نعلم احدا خالفهم الا الحسن قال: لا يقبل في القتل إلا اربعة لانها شهادة بما يوجب القتل فلم يقبل فيها الا أربعة قياسا على الزنا. ولنا انها شهادة بغير الزنا فقبلت من عدلين كالشهادة على السرقة ولا يصح قياسه على الزنا فلم
[ 107 ]
يعتبر فيه إلا أربعة لعلة القتل بدليل اعتبار ذلك في زنا البكر ولا قتل فيه وانما العلة كونه زنا ولم يوجد ذلك في الردة ثم الفرق بينهما ان القذف بالزنا يوجب ثمانين جلدة بخلاف القذف بالردة (فصل) وإذا أكره على الاسلام من يجوز اكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم لم يثبت له حكم الاسلام حتى يوجد منه ما يدل على اسلامه طوعا مثل أن يثبت على الاسلام بعد زوال الاكراه عنه وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الاسلام وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن يصير مسلما في الظاهر وإن رجع عنه قتل إذا امتنع من الاسلام لعموم قوله عليه السلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها) ولانه أتى بقول الحق فلزمه حكمه كالحربي
إذا أكره عليه. ولنا انه أكره على ما لا يجوز اكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الاكراه قول الله تعالى (لا إكراه في الدين) وأجمع أهل العلم على ان الذمي إذا قام على ما هو عليه والمستأمن لا يجوز نقض عهده ولا إكراهه على ما لم يلتزمه ولانه أكره على ما لا يجوز اكراهه عليه فلم يثبت حكمه في حقه كالاقرار والعتق وفارق الحربي والمرتد فانه يجوز قتلهما واكراههما على الاسلام بان يقول ان أسلمت والا قتلناك فمتى أسلم حكم باسلامه ظاهر وإن مات قبل زوال الاكراه عنه فحكمه حكم المسلمين لانه أكره بحق فحكم بصحة ما يأتي به كما لو أكره المسلم على الصلاة فصلى. وأما في الباطن فبينهم وبين ربهم فمن اعتقد الاسلام بقلبه وأسلم فيما بينه وبين ربه فهو مسلم
[ 108 ]
عند الله موعود بما وعد به من أسلم طائعا ومن لم يعتقد الاسلام بقلبه فهو باق على كفره لاحظ له في الاسلام وسواء في هذا من يجوز اكراهه ومن لا يجوز فان الاسلام لا يحصل بدون اعتقاده من العاقل بدليل ان المنافقين كانوا يظهرون الاسلام ويقومون بفرائضه ولم يكونوا مسلمين (فصل) ومن أكره على الكفر لم يصر كافرا وبهذا قال مالك وابو حنيفة والشافعي وقال محمد بن الحسن هو كافر في الظاهر تبين منه امرأته ولا يرثه المسلمون إن مات ولا يغسل ولا يصلى عليه وهو مسلم فيما بينه وبين الله تعالى لانه نطق بكلمة الكفر فأشبه المختار ولنا قول الله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله) ويروى ان عمارا أكرهه المشركون فضربوه حتى تكلم بما طلبوا منه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ان عادوا فعد) وروي أن الكفار كانوا يعذبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إلا أجلبهم الا بلالا فانه كان يقول أحد أحد وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولانه قول أكره عليه بغير حق فلم يثبت في حقه كما لو أكره على الاقرار وفارق ما إذا أكره بحق فانه خير بين أمرين يلزمه أحدهما فأيهما اختاره ثبت حكمه في حقه فإذا ثبت انه لم يكفر فمتى زال
عنه الاكراه أمر باظهار اسلامه فان أظهره فهو باق على اسلامه وإن أظهر الكفر حكم انه كفر من حين نطق به لاننا تبينا بذلك انه كان منشرح الصدر بالكفر من حين نطق به مختارا له وإن قامت عليه بينة انه نطق بكلمة الكفر وكان محبوسا عند الكفار ومقيدا عندهم في حالة خوف لم يحكم بردته
[ 109 ]
لان ذلك ظاهر في الاكراه، وإن شهدت انه كان آمنا حال نطقه بردته فان ادعى ورثته رجوعه إلى الاسلام لم يقبل إلا ببينة لان الاصل بقاؤه على ما هو عليه وإن شهدت البينة عليه بأكل لحم الخنزير لم يحكم بردته لانه قد يأكله معتقدا تحريمه كما يشرب الخمر من يعتقد تحريمها، وإن قال بعض ورثته أكله مستحلا له أو أقر بردته حرم ميراثه لانه مقر بانه لا يستحقه ويدفع إلى مدعي اسلامه قدر ميراثه لانه لا يدعي أكثر منه ويدفع الباقي إلى بيت المال لعدم من يستحقه فان كان في الورثة صغير أو مجنون دفع إليه نصيبه ونصيب المقر بردة الموروث لانه لم تثبت ردته بالنسبة إليه (فصل) ومن أكره على كلمة الكفر فالافضل أن يصبر ولا يقولها وإن أتى ذلك على نفسه لما روى خباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن كان الرجل ممن قبلكم ليحفر له في الارض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فيوضع على شق رأسه ويشق باثنتين ما يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بامشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه) وجاء في تفسير قوله تعالى (قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) ان بعض ملوك الكفار أخذ قوما من المؤمنين فحفر لهم أخدودا في الارض وأوقدوا فيها نارا ثم قال من لم يرجع عن دينه فالقوه في النار فجعلوا يلقونهم فيها حتى جاءت امرأة على كتفها صبي لها فتقاعست من أجل الصبي فقال يا أمه اصبري فانك على الحق فذكرهم الله تعالى في كتابه وروى الاثرم عن ابي عبد الله انه سئل عن رجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله ان يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة وقال ما يشبه هذا عندي الذي انزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
[ 110 ]
أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا وهؤلاء يريدونهم على الاقامة على الكفر
وترك دينهم وذلك ان الذي يكره على الكلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها وهذا المقيم بينهم يلتزم باجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المنكرات والمحظورات وإن كانت امرأة يزوجونها ويستولدونها أولادا كفارا وكذلك الرجل وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفي (فصل) ومن أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم اقيم عليه حده وبهذا قال الشافعي سواء لحق بدار الحرب في ردته أو لم يلحق بها، وقال قتادة في مسلم احدث حدثا ثم لحق بالروم ثم قدر عليه ان كان ارتد درئ عنه الحد وان لم يكن ارتد أقيم عليه ونحو هذا قال ابو حنيفة والثوري الا حقوق الناس لان ردته احبطت عمله فأسقطت ما عليه من حقوق الله تعالى كمن فعل ذلك في حال شركه فانه لم يثبت حكمه في حقه. واما قوله الاسلام (يجب ما قبله) فالمراد به ما فعله في كفره لانه لو أراد ما قبل ردته أفضى إلى كون الردة التي هي اعظم الذنوب مكفرة للذنوب وان من كثرت ذنوبه ولزمته حدود يكفر ثم يسلم فتكفر ذنوبه وتسقط حدوده (فصل) فأما فعله في ردته فقد نقل مهنا عن احمد قال: سألته عن رجل ارتد عن الاسلام فقطع الطريق ثم لحق بدار الحرب وأخذه المسلمون قال تقام عليه الحدود و يقتص منه وسألته عن رجل ارتد فلحق بدار الحرب فقتل بها مسلما ثم رجع تائبا و قد أسلم فاخذه وليه يكون عليه القصاص؟ فقال قد زال عنه الحكم لانه انما قتل وهو مشرك ثم توقف بعد ذلك وقال لا أقول في هذا شيئا
[ 111 ]
وقال القاضي ما أصاب في ردته من نفس أو مال أو جرح فعليه ضمانه سواء كان في منعة وجماعة أو لم يكن لانه التزم حكم الاسلام باقراره فلم يسقط بجحده كما لا يسقط ما التزمه عند الحاكم بجحده. قال شيخنا والصحيح ان ما أصابه المرتد بعد لحوقه بدار الحرب أو كونه في جماعة ممتنعة لا يضمنه لما ذكرناه فيما تقدم في مسألة وما أتلف من شئ ضمنه وما فعله قبل هذا اخذ به إذا كان مما يتعلق به حق آدمي كالجناية على نفس أو مال لانه في دار الاسلام فلزمه حكم جنايته كالذمي والمستأمن واما من ارتكب حدا خالصا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر والسرقة فانه ان قتل بالردة سقط ما سوى القتل
من الحدود لانه متى اجتمع مع القتل حد انتفى بالقتل، وان رجع إلى الاسلام أخذ بحد الزنا والسرقة لانه من اهل دار الاسلام فأخذ بهما كالذمي والمستأمن. فأما حد الخمر فيحتمل انه لا يجب عليه لانه كافر فلا يقام عليه حد الخمر كسائر الكفار ويحتمل ان يجب لانه أقر بحكم الاسلام قبل ردته وهذا من أحكامه فلم يسقط بجحده بعده (فصل) ومن ادعى النبوة أو صدق من ادعاها فقد ارتد لان مسيلمة لما ادعى النبوة فصدقه قومه صاروا بذلك مرتدين وكذلك طليحة الاسدي ومصدقوه وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يدعى انه رسول الله) (فصل) قال رحمه الله والساحر الذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه يكفر ويقتل فاما الذي يسحر بالادوية والتدخين ويتقي شيئا يضر فلا يكفر ولا يقتل ولكن يعذر ويقتص منه
[ 112 ]
ان فعل ما يوجب القصاص. وجملة ذلك ان السحر عقد ورقى وكلام يتكلم به ويكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له وله حقيقة فمنه ما يقتل وما يمرض وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما إلى الآخر أو يجب بين اثنين وهذا قول الشافعي وذهب بعض اصحابه إلى أنه لا حقيقة له انما هو تخييل قال الله تعالى (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) وقال أصحاب أبي حنيفة ان كان شيئا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه جاز ان يحصل منه ذلك فاما ان يحصل المرض والموت من غير ان يصل انى بدنه شئ فلا يجوز ذلك لانه لو جاز لبطلت معجزات الانبياء عليهم السلام لان ذلك يخرق العادات فإذا جاز من غير الانبياء بطلت معجزاتهم وأدلتهم ولنا قول الله تعالى (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد) يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه ولولا ان السحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه وقال الله تعالى (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) إلى قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وروت عائشة رضي الله عنها
ان النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله وأنه قال لها ذات يوم (أشعرت ان
[ 113 ]
الله افتاني فيما استفتيته؟ إنه اتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال ما وجع الرجل؟ قال مطبوب قال من طبه؟ قال لبيد بن الاعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي اروان) ذكره البخاري وغيره جف الطلعة وعاؤها والمشاطة الشعر الذي يخرج من شعر الرأس أو غيره إذا مشط، فقد اثبت لهم سحرا، وقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدر على اتيانها وحل عقده فيقدر عليها بعد عجزه عنها حتى صار متوترا لا يمكن جحده، وروي من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه، واما ابطال المعجزات فلا يلزم من هذا لانه لا يبلغ ما تأتي به الانبياء عليهم السلام وليس يلزم ان ينتهي إلى أن تسعى العصا والحبال (فصل) وتعليم السحر وتعلمه حرام لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم قال أصحابنا ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو اباحته، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر فان حنبلا روى عنه قال قال عمي في العراف والكاهن والساحر: أرى ان يستتاب من هذه الافاعيل كلها فانه عندي في معنى المرتد فان تاب وراجع يعني خلي سبيله قلت له يقتل؟ قال لا لعله يراجع قلت له لم لا تقتله؟ قال إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره لانه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد
[ 114 ]
يعني في الاستتابة وقال أصحاب أبي حنيفة ان اعتقد ان الشياطين تفعل له ما يشاء كفر وان اعتقد أنه تخييل لم يكفر وقال الشافعي ان اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة انها تفعل ما يلتمس أو اعتقد حل السحر كفر لان القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والاجماع وإلا فسق ولم يكفر لان عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها سحرتها بمحضر من الصحابة ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها ولانه شئ يضر بالناس فلم يكفر بمجرده كاذاهم ووجه قول الاصحاب قول الله تعالى (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان إلى قوله وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر) وقوله تعالى (وما كفر سليمان)
أي ماكان ساحرا كفر بسحره وقولهما انما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تتعلمه فتكفر بذلك وقد ذكرنا حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ان الساحرة سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون هل لها من توبة فما افتاها أحد (فصل) وحد الساحر القتل روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة، ومالك ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر وهو قول ابن المنذر ورواية عن أحمد وقد ذكرناها ووجهها ما ذكرنا من حديث عائشة في المدبرة التي سحرتها فباعتها، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث:
[ 115 ]
كفر بعد ايمان أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير حق) ولم يصدر منه احد الثلاثة فوجب أن لا يحل دمه ولنا ما روى جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (حد الساحر ضربه بالسيف) قال ابن المنذر رواه اسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وروى سعيد وابو داود في كتابيهما عن بجالة قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الاحنف بن قيس إذ جاء كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر فكان اجماعا وقتلت حفصة جارية لها سحرتها وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة ولانه كافر فقتل للخبر المروي (فصل) والسحر الذي ذكرنا حكمه هو الذي يعد في العرف سحرا مثل فعل لبيد بن الاعصم حين سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، وروينا في مغازي الاموي ان النجاشي دعا السواحر فنفخن في احليل عمارة بن الويد فهام مع الوحش فلم يزل معها إلى امارة عمر بن الخطاب فامسكه انسان فقال خلني وإلا مت فلم يخله فمات من ساعته، وبلغنا ان بعض الامراء أخذ ساحرة فجاء زوجها كأنه محترق فقال قولوا لها تحل عني فقالت ائتوني بخيوط وباب فأتوها به فجلست على الباب وجعلت تعقد فطار بها الباب فلم يقدروا عليها، فهذا وأمثاله مثل ان يعقد الرجل المتزوج فلا يطيق وطئ امرأته هو السحر المختلف في حكم صاحبه
[ 116 ]
(مسألة) (فاما الذي يسحر بالاودية والتدخين وسقي شئ يضر فلا يكفر ولا يقتل) لان الله تعالى وصف الساحرين الكافرين بانهم يفرقون بين المرء وزوجه فيختص الكفر بهم ويبقى من سواهم من الذين يسحرون بالادوية والتدخين على أصل العصمة لا يجب قتلهم ولا يكفرون بسحرهم لكن يعزرون ان ارتكبوا معصية ويقتص منهم ما يوجب القصاص كما يقتص من غيرهم من المسلمين (مسألة) (واما الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها فتطيعه فلا يكفر ولا يقتل)
[ 117 ]
وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون وكذلك ذكره القاضي. فاما الذي يحل بالسحر فان كان بشئ من القرآن أو شئ من الذكر والاقسام والكلام المباح فلا بأس به فان كان بشئ من السحر فقد توقف أحمد عنه، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل يزعم انه يحل السحر فقال قد رخص فيه بعض الناس، قيل لابي عبد الله انه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ويعمل كذا فنفض يده كالمنكر وقال ما ادري ما هذا، قيل له فترى ان يؤتي مثل هذا يحل السحر؟ فقال ما ادري ما هذا، وروي عن محمد بن سيرين أنه سئل عن امرأة تعذبها السحرة فقال رجل اخط خطا عليها واغرز السكين عند مجمع الخط واقرأ القرآن فقال محمد ما أعلم بقراءة القرآن بأسا على حال ولا أدري
[ 118 ]
ما الخط والسكين، وروي عن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه فقال انما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع وقال أيضا ان استطعت ان تنفع أخاك فافعل فهذا من قولهم يدل على ان المعزم ونحوه لم يدخلوا في حكم السحرة لانهم لا يسمون به وهو مما ينفع ولا يضر (فصل) فأما الكافر الذي له رئي من الجن يأتيه بالاخبار، والعراف الذي يحدس ويتخرص فقد قال أحمد في رواية حنبل في العراف والساحر والكاهن أرى ان يستتاب من هذه الافاعيل، قيل له يقتل قال لا، يحبس لعله يرجع، قال والعرافة طرف من السحر والساحر اخبث لان السحر شعبة من الكفر وقال الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لانهما يلبسان أمرهما وحديث عمر اقتلوا كل ساحر وكاهن وليس هو من أمر الاسلام، وهذا يدل على ان كل واحد فيه روايتان (إحداهما)
أنه يقتل إذا لم يتب (والثانية) لا يقتل لان حكمه أخف من حكم الساحر وقد اختلف فيه فهذا بدرء القتل عنه أولى (فصل) فأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا ان يقتل به ويكون مما يقتل غالبا فيقتل قصاصا، وقال أبو حنيفة يقتل لعموم ما تقدم من الاخبار ولانه جناية أوجبت قتل المسلم فاوجبت قتل الذمي كالقتل قصاصا ولنا ان لبيد بن الاعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ولان الشرك أعظم من سحره فلا يقتل به والاخبار وردت في ساحر المسلمين لانه يكفر بسحره وهذا كافر أصلي وقياسهم ينتقض باعتقاد الكفر والتكلم به وينتقض بالزنا من المحصن فانه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم والله أعلم
[ 119 ]
كتاب الحدود (مسألة) (ولا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم) أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الاقرار لانهما قد رفع القلم عنهما قال عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن، وفي حديث ابن عباس في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قومه (أمجنون هو؟) قالوا ليس به بأس. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر عنده (أبك جنون؟) وروى ابو داود باسناده قال اتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب فقال ما شأن هذه؟ فقالوا مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين أما علمت ان القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يعقل؟ قال بلى، قال فما بال هذه؟ قال لا شئ، قال فأرسلها فأرسلها، قال فجعل عمر (يك؟) ولانه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والاثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى بالاسقاط (فصل) ولا يجب على النائم لما ذكرنا من الحديث، فلو زنى بنائمة أو استدخلت ذكر نائم
[ 120 ]
إن وجد منه الزنا حال نومه فلا حد عليه لانه مرفوع عنه القلم، ولو أقر حال نومه لم يلتفت إلى
اقراره لان كلامه ليس بمعتبر ولا يدل على صحة مدلوله (فصل) فان كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في افاقته انه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة انه زنى في افاقته فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا وبه قال الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي لان الزنا الموجب للحد وجد منه في حال افاقته وهو مكلف والقلم غير مرفوع عنه واقراره وجد في حال اعتبار كلامه، فان اقر في افاقته ولم يضفه إلى حال أو شهدت عليه البينة بالزنى ولم تضفه إلى حال افاقته لم يجب الحد لانه يحتمل انه وجد في حال جنونه فلم يجب الحد مع الاحتمال، وقد روى ابو داود في حديث المجنونة التي أتي بها عمر أن عليا قال هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها أتاها في بلائها، فقال عمر لا أدري فقال علي وأنا لا أدري (مسألة) (ولا يجب الحد إلا على عالم بالتحريم) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة اهل العلم، وقد روى سعيد بن المسيب قال ذكر الزنا بالشام فقال رجل زنيت البارحة، قالوا ما تقول؟ قال ما علمت ان الله حرمه فكتب بها إلى عمر فكتب إن كان يعلم ان الله حرمه فحدوه وإن لم يكن علم فاعلموه فان عاد
[ 121 ]
فارجموه، وسواء جهل تحريم الزنا أو تحريم عين المرأة مثل أن يزف إليه غير امرأته فيظنها زوجته أو يدفع إليه جارية فيظنها جاريته فيطؤها فلا حد عليه (مسألة) (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الامام أو نائبه) لانه حق لله تعالى فيفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن من استيفائه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحد في حياته وخلفاؤه بعده ولا يلزم حضور الامام اقامته لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (واغد يا انيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وأمر برجم ماعز ولم يحضر وأتي بسارق فقال (اذهبوا به فاقطعوه) وجميع الحدود في هذا سواء حد القذف وغيره لانه لا يؤمن فيه الحيف والزيادة على الواجب ويفتقر إلى الاجتهاد فأشبه سائر الحدود (مسألة) (إلا السيد فان له اقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن وهل له القتل في الردة
والقطع في السرقة؟ على روايتين) وجمله ذلك ان للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن في قول اكثر العلماء، روي نحو ذلك علي وابن مسعود وابن عمر وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقمة والاسود والزهري وهبيرة والحسن بن أبي مريم وأبي ميسرة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر
[ 122 ]
وقال ابن أبي ليلى أدركت بقايا الانصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا، وعن الحسن بن محمد أن فاطمة حدت جارية لها زنت وعن ابراهيم ان علقمة والاسود كانا يقيمان الحدود على من زنا من خدم عشائرهم روى ذلك سعيد في سننه، وقال اصحاب الرأي ليس له ذلك لان الحدود إلى السلطان ولان من لا يملك اقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد كالصبي ولان الحد لا يجب إلا ببينة أو اقرار وتعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين أو في مجلس واحد وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها وكذلك الاقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الامام أو نائبه كحد الاحرار ولانه حد هو حق الله تعالى فيفوض إلى الامام كالقتل والقطع ولنا ما روى سعيد ثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت فليجلدها ولا يثرب بها فان عادت الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير) وقال حدثنا أبو الأحوص ثنا عبد الاعلى عن أبي جميلة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) ورواه الدارقطني ولان السيد يملك تأديب أمته وتزويجها فلمك اقامة الحد عليها كالسلطان وبهذا فارق الصبي إذا ثبت هذا فانما يملك الحد بشروط أربعة
[ 123 ]
(أحدها) أن يكون جلدا كحد الزنا والشرب وحد القذف، فأما القتل في الردة والقطع في السرقة فلا يملكهما الا الامام، وهذا قول أكثر أهل العلم وفيها رواية أخرى أن السيد يملكهما
وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) وروي أن ابن عمر قطع عبدا سرق وكذلك عائشة، وعن حفصة أنها قتلت أمة لها سحرتها ولان ذلك حدا يشبهه الجلد ولنا أن الاصل تفويض الحد إلى الامام لانه حق لله تعالى فيفوض إلى نائبه كما في حق الاحرار ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لانه تأديب والسيد يملك تأديب عبده وضربه على الذنب وهذا من جنسه وإنما افترقا في أن هذا مقدر والتأديب غير مقدر، وهذا لا اثر له في منع السيد منه بخلاف القطع والقتل فانهما اتلاف لجملته أو بعضه الصحيح ولا يملك السيد هذا من عبده ولا شيئا من جنسه والخبر الوارد في حد السيد عبده انما جاء في الزنا خاصة وانما قسنا عليه ما يشبهه من الجلد وقوله (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) انما جاء في سياق الحد في الزنا فان أول الحديث عن علي رضي الله عنه قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمة له فجرت فأرسلني إليها فقال (اجلدها الحد - قال فانطلقت فوجدتها لم تجف من دمها فرجعت إليه فقال - أفرغت؟ فقلت وجدتها لم تجف من دمها قال - إذا جفت من دمها فاجلدها الحد وأقيموا الحدود على ما
[ 124 ]
ملكت أيمانكم) فالظاهر أنه انما أراد ذلك الحد وشبهه، وأما فعل حفصة فقد أنكره عثمان عليها وشق عليه، وما روي عن ابن عمر فلا نعلم ثبوته عنه (مسألة) (ولا يملك اقامته على من بعضه حر ولا أمته المزوجة) وقال مالك والشافعي يملك السيد اقامة الحد على الامة المزوجة لعموم الخبر ولانه مختص بملكها وانما يملك الزوج بعض منافعها فأشبهت المستأجرة ولنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: إذا كانت الامة ذات زوج رفعت إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن ولا نعرف له مخالفا في عصره ولان نفعها مملوك لغيره مطلقا أشبهت المشتركة ولان المشترك انما منع من اقامة الحد عليه لانه يقيمه في غير ملكه لان الجزء الحر أو المملوك لغيره ليس بمملوك له وهذا شبهه لان محل الحد هو محل استمتاع
الزوج وهو بدنها فلا يملكه والخبر مخصوص بالمشترك فنقيس عليه والمستأجرة اجارتها مؤقتة تنقضي، ويحتمل أن نقول لا يملك إقامة الحد عليها في حال اجارتها لانه ربما أفضى إلى تفويت حق المستأجر وكذلك الامة المرهونة يخرج فيها وجهان (فصل) ويشترط أن يكون السيد بالغا عاقلا عالما بالحدود وكيفية اقامتها لان الصبي والمجنون ليسا من أهل الولايات والجاهل بالحد لا يمكنه اقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه
[ 125 ]
(مسألة) (فان كان السيد فاسقا أو امرأة فله اقامته في ظاهر كلامه ويحتمل أن لا يملكه) في الفاسق وجهان (أحدهما) لا يملكه لان هذه ولاية فنافاها الفسق كولاية التزويج (والثاني) يملكه لانها ولاية استفادها بالملك فلم ينافها الفسق كبيع العبد وفي المرأة أيضا وجهان (أحدهما) لا تملكه لانها ليست من أهل الولايات (والثاني) تملكه لان فاطمة جلدت أمة لها وعائشة قطعت أمة لها سرقت وحفصة قتلت أمة لها سحرتها ولانها مالكة تامة الملك من أهل التصرفات أشبهت الرجل وفيه وجه ثالث أن الحد يفوض إلى وليها لانه يزوج أمتها (مسألة) (ولا يملكه المكاتب لانه ليس من أهل الولاية، وفيه وجه أنه يملكه) لانه يستفاد بالملك فأشبه سائر تصرفاته (مسألة) (وسواء ثبت ببينة أو اقرار) إذا ثبت باعتراف فللسيد اقامته ان كان يعترف الاعتراف الذي يثبت به الحد وشروطه، وإن ثبت ببينة اعتبر ان تثبت عند الحاكم لان البينة تحتاج إلى البحث في العدالة ومعرفة شروط سماعها ولفظها ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة جاز أن يسمعها ويقيم الحد بها كما يقيمه بالاقرار وهذا ظاهر نص الشافعي لانها أحد ما يثبت به الحد فأشبهت الاقرار.
[ 126 ]
(مسألة) (وان ثبت بعلمه فله اقامته نص عليه، ويحتمل أن لا يملكه كالامام) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أن السيد لا يقيمه بعلمه وهذا قول مالك
لان الامام لا يقيمه بعلمه فالسيد أولى ولان ولاية الامام للحد أقوى من ولاية السيد لكونها متفقا عليها وثابتة بالاجماع فإذا لم يثبت الحد في حقه بالعلم فههنا أولى، وعن أحمد رواية أخرى أنه يقيمه بعلمه لانه قد ثبت عنده فملك اقامته كما لو أقر به ولانه يملك تأديب عبده بعلمه وهذا يجري مجرى التأديب ويفارق الحاكم لان الحاكم متهم لا يملك محل اقامته وهذا بخلافه وهذا ظاهر المذهب (مسألة) (ولا يقيم الامام الحد بعلمه) هذا ظاهر المذهب روي ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: له اقامته بعلمه وهو قول أبي ثور وعن أحمد رحمه الله نحو ذلك لانه إذا جازت له اقامته بالبينة والاعترف (والاعتراف) الذي لا يفيد فبما يفيد العلم أولى ولنا قول الله تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقال سبحانه (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) وقال عمر أو كان الحبل أو الاعتراف ولانه لا يجوز له أن يتكلم
[ 127 ]
به ولو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يلزمه حد القذف فلم تجز اقامة الحد لقول غيره ولانه إذا حرم النطق به فالعمل به أولى (مسألة) (ولا تقام الحدود في المساجد) لما روى حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستقاد في المسجد وأن ينشد فيه الاشعار وأن تقام فيه الحدود لانه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شئ يتلوث به المسجد فان أقيم فيه سقط الفرض لحصول المقصود وهو الزجر ولان المرتكب للنهي غير الحدود فلم يمنع ذلك سقوط الفرض عنه كما لو اقتص في المسجد (مسألة) (ويضرب الرجل قائما) وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يضرب جالسا قال أبو الخطاب، وقد روى حنبل أنه يضرب قاعدا لان الله تعالى لم يأمر بالقيام ولانه مجلود في حد اشبه المرأة ولنا قول علي رضي الله عنه: لكل موضع من الحسد حظ الا الوجه والفرج، وقال للجلاد
اضرب واوجع واتق الرأس والوجه ولان قيامه وسيلة إلى اعطاء كل عضو حظه من الضرب وقوله ان الله لم يأمر بالقيام قلنا ولم يأمر بالجلوس ولم يذكر الكيفية فعلمناها من دليل آخر ولا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا لان المرأة يقصد سترها ويخشى هتكها. إذا ثبت هذا فانه يضرب
[ 128 ]
بسوط، وحكي عن بعضهم ان حد الشرب يقام بالايدي والنعال واطراف الثياب لما روى ابو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم اتي برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال ابو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه رواه ابو داود ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا شرب الخمر فاجلدوه) والجلد انما يفهم من اطلاقه الضرب بالسوط والخلفاء الراشدون ضربوا فيه بالسياط وكذلك غيرهم فصار اجماعا ولانه جلد في حد فكان بالسوط كغيره فأما حديث أبي هريرة فكان في بدء الاسلام ثم جلد النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت الامور فقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم جلد اربعين وجلد أبو بكر اربعين وجلد عمر ثمانين وفي حديث ابن عمر قال ائتوني بسوط فجاءه أسلم مولاه بسوط دقيق فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لاسلم ائتني بسوط غير هذا فأتاه به تاما فأمر عمر بقدامة فجلد. إذا ثبت هذا فان السوط يكون وسطا لا حديدا فيجرح ولا خلعا فلا يؤلم لما روي ان رجلا اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بسوط مسكور فقال فوق هذا مأتي بسوط حديد لم يكسر بموته فقال بين هذين رواه مالك عن زيد بن أسلم مرسلا وروي عن أبي هريرة مسندا وقد روي عن علي رضي الله عنه انه قال ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين يعني وسطا لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع (مسألة) (ولا يمد ولا يربط ولا يجرد قال ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد)
[ 129 ]
وجلد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد بل يكون عليه القميص والقميصان، وان كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت لانه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب قال أحمد لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك يجرد لان الامر بجلده يقتضي مباشرة جسمه
ولنا قول ابن مسعود ولم نعلم عن أحد من الصحابة خلافه والله تعالى لم يأمر بتجريده وانما أمر بجلده ومن جلد من فوق الثوب فقد جلد (مسألة) (ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد) لان المقصود ادبه لا هلاكه، ويفرق الضرب على اعضائه وجسده فيأخذ كل عضو منه حصته ويكثر منه في مواضع اللحم كالاليتين والفخذين ويتقى المقاتل وهي الرأس والوجه والفرج من المرأة والرجل جميعا لقول علي رضي الله عنه لكل موضع من الجسد حظ الا الوجه والفرج لان ما عدا الاعضاء الثلاثة ليس بمقتل فأشبه الظهر ولان الرأس مقتل فأشبه الوجه ولانه ربما ادى في رأسه إلى ذهاب سمعه أو بصره أو عقله أو قتله والمقصود ادبه لا قتله (مسألة) (والمرأة كذلك فيما ذكرنا من صفة الجلد الا انها تضرب جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وقال أبو يوسف تحد المرأة قائمة كاللعان
[ 130 ]
ولنا قول علي ويفارق اللعان فانه لا يؤدي إلى كشف العورة وما عدا الاعضاء الثلاثة (مسألة) (والجلد في الزنا أشد الجلد ثم جلد القذف ثم الشرب ثم التعزير) وكذلك قال أصحابنا وقال مالك كلها واحد لان الله تعالى أمر بجلد الزاني والقاذف أمرا واحدا ثم مقصود جميعها واحد وهو الزجر فيجب تساويها في الصفة، وعن أبي حنيفة التعزير اشدها ثم حد الزاني ثم الشرب ثم حد القذف ولنا ان الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) فاقتضى مزيد تأكيد ولا يمكن ذلك في العدد فجعل في الصفة، ولان ما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز ان يزيد عليه في ايلامه ووجعه وهذا دليل على ان ماخف في عدده كان أخف في صفته ولان ما دونه أخف منه عددا فلا يجوز ان يزيد عليه في ايلامه ووجعه لانه يفضي إلى التسوية أو زيادة القليل على الم الكثير
(مسألة) (وان رأى الامام الجلد في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك) لما ذكرنا من حديث أبي هريرة قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فقال (اضربوه) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعلين والضارب بثوبه، رواه أبو داود (مسألة) (قال اصحابنا ولا يؤخر الحد للمرض فان كان جلدا وخشي عليه من السوط أقيم
[ 131 ]
باطراف الثياب والعثكول ويحتمل ان يؤخر للمرض المرجو زواله اما إذا كان الحد رجما لم يؤخر لانه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتما وإذا كان جلدا فالمريض على ضربين (احدهما) يرجى برؤه فقال اصحابنا يقام عليه الحد ولا يؤخر فان خشى عليه من السوط ضرب بسوط يؤمن معه التلف فان خيف من السوط أقيم بالعثكول وهذا قول أبي بكر وبه قال إسحاق وأبو ثور لان عمر رضي الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره وانتشر ذلك في الصحابة ولم ينكروه فكان اجماعا، ولان الحد واجب على الفور فلا يؤخر ما أوجبه الله تعالى بغير حجة قال القاضي ظاهر قول الخرقي تأخيره لقوله من يجب عليه الحد وهو صحيح عاقل وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لحديث علي رضي الله عنه في التى هي حديثة عهد بنفاس ولان في تأخيره اقامة الحد على الكمال من غير اتلاف فكان اولى، وأما حديث عمر في جلد قدامة فانه يحتمل انه كان مرضا خفيفا لا يمنع من اقامة الحد على الكمال ولهذا لم ينقل عنه انه خفف عنه في السوط وانما اختار له سوطا وسطا كالذى يضرب به الصحيح، ثم ان فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل عمر مع أنه اختيار علي وفعله وكذلك الحكم في تأخيره في الحر والبرد المفرط (الضرب الثاني) المريض الذى لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير
[ 132 ]
وشمراخ النخل فان خيف عليه من ذلك جمع ضغثا فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة وبهذا قال الشافعي وانكر مالك هذا وقال قد قال الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا جلده واحدة ولنا ماروى ابو امامة بن سهل بن حنيف عن بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان رجلا اشتكى
حتى ضني فدخلت عليه امرأة فهش لها فوقع بها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه ضربة واحدة، رواه أبو داود والنسائي وقال ابن المنذر في اسناده مقال، ولانه لا يخلو من ان يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام اصلا أو يضرب ضربا كاملا: لا يجوز تركه بالكلية لانه يخالف الكتاب والسنة ولا ان يجلد جلدا تاما لانه يفضي إلى اتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلده واحدة قلنا يجوز ان يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق ايوب (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل (فصل) وإذا وجب الحد على حامل لم يقم عليها حتى تضع سواء كان الحمل من زنا أو غيره قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان الحامل لا ترجم حتى تضع، وروى بريدة ان امرأة من بني غامد قالت يا رسول الله طهرني قال (وماذاك) قالت انها حبلى من زنا قال (انت) قالت نعم فقال (لها ارجعي حتى
[ 133 ]
تضعي ما في بطنك) قال فكفلها رجل من الانصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قال قد وضعت الغامدية فقال (إذا لا نرجمها وتدع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه) فقام رجل من الانصار فقال الي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها رواه مسلم وأبو داود، وروي ان امرأة زنت في أيام عمر رضي الله عنه فهم عمر برجمها وهي حامل فقال معاذ ان كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها فقال عجز النساء أن يلدن مثلك ولم يرجمها وعن علي مثله، ولان في اقامة الحد عليها في حال حملها اتلافا لمعصوم ولا سبيل إليه وسواء كان الحد رجما أو غيره لانه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب وربما سرى إلى نفس المضروب فيفوت الولد بفواته، فإذا وضعت الولد فان كان الحد رجما لم ترجم حتى تسقيه اللبأ لان الولد لا يكاد يعيش الا به، ثم ان كان له من يرضعه أو تكفل احد برضاعه رجمعت والا تركت حتى تفطمه لما ذكرنا من حديث الغامدية ولما روى أبو داود باسناده عن بريدة ان امرأة اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت اني فجرت فوالله اني لحبلى فقال لها (ارجعي حتى تلدي) فرجعت فلما ولدت أتت بالصبي فقال (ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه) فجاءت به قد فطمته وفي يده شئ يأكله فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت وأمر بها فصلي عليها ودفنت. وان لم يظهر حملها لم تؤخر لاحتمال
ان تكون حملت من الزنا لان النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية والجهنية ولم يسأل عن استبرائهما وقال لانيس (اذهب إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يأمره بسؤالها عن استبرائها، ورجم علي رضي
[ 134 ]
الله عنه شراحة ولم يستبرئها، وان ادعت الحمل قبل قولها كما قبل قول الغامدية، فان كان الحد جلدا فإذا وضعت الولد وانقطع النفاس وكانت قوية يؤمن تلفها أقيم عليها الحد وان كانت في نفاسها أو ضعيفة يخاف تلفها لم يقم عليها الحد حتى تطهر وتقوى وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وذكر القاضي أنه ظاهر كلام الخرقي وقال أبو بكر يقام عليها الحد في الحال بسوط يؤمن معه التلف فان خيف عليها من السوط اقيم بالعثكول وأطراف الثياب لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضرب المريض الذي زنى فقال (خذوا له مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة) ولنا ماروى علي رضي الله عنه أنه قال ان امة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني ان اجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت ان انا جلدتها ان اقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (احسنت) رواه مسلم وأبو داود ولفظه قال فأتيته فقال يا علي (افرغت؟) فقلت اتيتها ودمها يسيل فقال (دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم اقم عليها الحد) وفي حديث أبي بكرة ان المرأة انطلقت فولدت غلاما فجاءت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها (انطلقي فتطهري من الدم) رواه أبو داود ولانه لو توالى عليه حدان فاستوفى أحدهما لم يستوف الثاني حتى يبرأ من الاول (مسألة) (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله ولا يجب على أحد ضمانه جلدا كان أو غيره) لانه حد وجب لله عزوجل فلم يود من مات به كالقطع في السرقة وهذا قول مالك وأصحاب
[ 135 ]
الرأي وبه قال الشافعي إذا لم يزد في حد الخمر على الاربعين وان زاد على الاربعين فمات فعليه الضمان لان ذلك تعزير انما يفعله الامام برأيه، وفي قدر الضمان قولان (أحدهما) نصف الدية لانه تلف من فعلين مضمون وغير مضمون فكان عليه نصف الضمان (والثاني) تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر زيادته على الاربعين روي عن علي رضي الله عنه أنه قال ما كنت لاقيم
حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي الا صاحب الخمر لو مات وديته لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ولنا أنه حد وجب لله تعالى فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود وما زاد على الاربعين فهو من الحد على ما نذكره، وان كان تعزيرا فالتعزير يجب فهو بمنزلة الحد، وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وثبت الحد بالاجماع فلم يبق فيه شبهة (فصل) ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في سائر الحدود أنه إذا أتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها لانه فعلها بأمر الله وأمر رسوله فلا يؤاخذ به ولانه نائب عن الله تعالى فكان التلف منسوبا إلى الله سبحانه (مسألة) (وان زاد على الحد سوطا أو أكثر فتلف ضمنه وهل يضمن جميع الدية أو نصفها؟ على وجهين) إذا زاد على الحد فتلف المحدود وجب الضمان بغير خلاف نعلمه لانه تلف بعدوانه فاشبه ما لو ضربه في غير الحد، قال أبو بكر وفي قدر الضمان وجهان (أحدهما) كمال الدية لانه قتل حصل من جهة الله تعالى وعدوان الضارب فكان الضمان على العادي كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به ولانه
[ 136 ]
تلف بعدوان وغيره أشبه مالو القى على سفينة موقرة حجرا فغرقها (والثاني) عليه نصف الضمان لانه تلف بفعل مضمون وغير مضمون فوجب نصف الدية حسب كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في احد قوليه وقال في الآخر يجب من الدية بقدر ما تعدى به تقسط الدية على الاسواط كلها وسواء زاد خطأ أو عمدا لان الضمان يجب في الخطأ والعمد، ثم ينظر فان كان الجلاد زاده من عند نفسه بغير امر فالضمان على عاقلته لان العدوان منه وكذلك ان قال له الامام اضرب ما شئت، وان كان له من يعد عليه فزاد في العدد ولم يجبره فالضمان على من يعد سواء تعمد ذلك أو اخطأ في العدد لان الخطأ منه، وان امره الامام بالزيادة على الحد فزاد فقال القاضي الضمان على الامام، وقياس المذهب انه ان اعتقد وجوب طاعة الامام وجهل تحريم الزيادة فالضمان على الامام وان كان عالما بذلك فالضمان عليه كما لو امره الامام بقتل رجل ظلما فقتله، وكل موضع قلنا يضمن الامام فهل يلزم عاقلته أو بيت المال؟ فيه روايتان (إحداهما) هو في بيت المال لان
خطأه يكثر فلو وجب ضمانه على عاقلته اجحف بهم قال القاضي هذا اصح (والثاني) هو على عاقلته لانها وجبت بخطائه فكانت على عاقلته كما لو رمى صيدا فقتل آدميا، ويحتمل ان تكون الروايتان فيما إذا وقعت الزيادة منه خطأ اما إذا تعمدها فهذا ظلم قصده فلا وجه لتعلق ضمان ببيت المال بحال كما لو تعمد جلد من لاحد عليه، واما الكفارة التي تلزم الامام فلا يحملها عنه غيره لانها عبادة فلا
[ 137 ]
تتعلق بغير من وجد منه سببها ولانها كفارة لفعله فلا تحصل إلا بتحمله إياها ولهذا لا يدخلها التحمل بحال (مسألة) (وإذا كان الحد رجما لم يحفر له رجلا كان أو امرأة في احد الوجهين) سواء ثبت ببينة أو اقرار اما إذا كان الزاني رجلا لم يوثق بشئ ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو اقرار لا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز قال ابو سعيد لما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع فو الله ما حفرنا له ولا اوثقناه ولكنه قام لنا رواه ابو داود ولان الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه فوجب ان لا يثبت (مسألة) (واما المرأة فان كان ثبت باقرارها لم يحفر لها وان ثبت ببينة حفر لها إلى الصدر) ظاهر كلام احمد ان المرأة لا يحفر لها ايضا وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف وذكر في المجرد انه ان ثبت الحد باقرارها لم يحفر لها وان ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر قال ابو الخطاب وهذا أصح عندي وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكرة وبريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة رواه أبو داود ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالاقرار فانها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه لان رجوعها عن إقرارها مقبول
[ 138 ]
ولنا ان أكثر الاحاديث على ترك الحفر فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لليهوديين والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ولا يقولون به فان التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها باقرارها ولا خلاف بيننا فيها فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم إياه، إذا ثبت هذا فان ثياب المرأة تشد
عليها لئلا تنكشف وقد روى أبو داود باسناده عن عمران بن حصين قال فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ولان ذلك استر لها (مسألة) (ويستحب ان يبدأ الشهود بالرجم وان ثبت بالاقرار استحب ان يبدأ الامام) السنة ان يدور الناس حول المرجوم فان كان الزنا ثبت ببينة استحب ان يبدأ الشهود بالرجم وان كان ثبت باقرار بدأ به الامام أو الحاكم ان كان ثبت عنده ثم يرجم الناس بعده وقد روى سعيد باسناده عن علي رضي الله عنه أنه قال الرجم رجمان فما كان منه باقرار فاول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فاول من يرجم البينة ثم الناس ولان فعل ذلك ابعد لهم من التهمة في الكذب عليه (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن اقراره قبل منه، وإن رجع في أثناء الحد لم يتمم) وجملة ذلك أن من شرط إقامة الحد بالاقرار البقاء عليه إلى تمام الحد فان رجع عن اقراره كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والثوري واسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى يقام عليه الحد لا يترك لان ماعزا هرب
[ 139 ]
فقتلوه، وروي أنه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي وأخبروني أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه أبو داود ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته ولانه حق وجب باقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وحكي عن الاوزاعي أنه إن رجع حد للفرية على نفسه، وإن رجع عن السرقة أو الشرب ضرب دون الحد. ولنا أن ماعزا هرب فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال (هل لا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) قال لما بن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزا هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (فهلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟) ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه وعن بريدة قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلقهما وإنما رجمهما عند الرابعة رواه أبو داود
ولان رجوعه شبهة والحد يدرأ بالشبهات ولان الاقرار أحد بينتي الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل اقامة الحد وفارق سائر الحقوق فانها لا تدرأ بالشبهات وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هريه لانه ليس بصريح في الرجوع (مسألة) (وإن رجم ببينة فهرب لم يترك وإن كان باقرار ترك)
[ 140 ]
إذا ثبت الحد عليه باقراره فهرب لم يتبع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (هلا تركتموه؟) وإن لم يترك وقتل لم يضمن لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن ماعزا من قتله ولان هربه ليس بصريح في رجوعه فان قال ردوني إلى الحاكم وجب رده ولم يجز اتمام الحد فان أتم فلا ضمان على من أتمه لما ذكرنا في هربه وإن رجع عن اقراره وقال كذبت في اقراري أو رجعت عنه أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه فان قتله قاتل بعد ذلك فعليه ضمانه لانه قد زال اقراره بالرجوع عنه فصار كمن لم يقر ولا قصاص على قاتله لان العلماء اختلفوا في صحة رجوعه فكان اختلافهم شبهة درئ به القصاص ولان صحة الرجوع ما يخفي فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص فأما إن رجم ببينة فهرب لم يترك لان زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه فلم يؤثر فيه هربه كسائر الاحكام والله أعلم (فصل) وإذا اجتمعت حدود لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها إذا اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن تكون خالصة لله تعالى فهي نوعان (أحدها) أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب ويقتل في المحاربة فهذا يقتل ويسقط سائرها وهذا قول ابن مسعود وعطاء والشعبي والنخعي والاوزاعي ومالك وحماد وأبي حنيفة وقال الشافعي تستوفى جميعها لان ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل كقطع اليد قصاصا ولنا قول ابن مسعود قال سعيد ثنا حسان بن منصور ثنا مجالد عن عامر عن مسروق عن
[ 141 ]
عبد الله قال: إذا اجتمع حدان أحدها القتل أحاط القتل بذلك، وقال ابراهيم يكفيه القتل وثنا هشيم انا حجاج عن ابراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشرت في عهد الصحابة والتابعين ولم يظهر لها مخالف فكان اجماعا ولانها حدود لله فيها قتل فسقط ما دونه
كالمحارب إذا قتل وأخذ المال فانه يكتفى بقتله ولان هذه الحدود تراد لمجرد الزجر ومع القتل لا حاجة إلى زجره لانه لا فائدة فلا يشرع فيه ويفارق القصاص فان فيه غرض التشفي والانتقام ولا يقصد فيه مجرد الزجر إذا ثبت هذا فانه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة أو القتل للردة أو لترك الصلاة فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم لان في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص، وانما اثرت المحاربة تحتمه وحق الآدمي يجب تقديمه (النوع الثاني) أن لا يكون فيها قتل فان كانت من جنس مثل أن زنى أو سرق أو شرب مرارا قبل اقامة الحد عليه أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر. أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم عطاء والزهري ومالك وأبو حنيفة وأحمد واسحاق وأبو يوسف وأبو ثور وهو مذهب الشافعي فان أقيم عليه الحد ثم حدثت منه جناية أخرى ففيها حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامة تزني قبل أن تحيض فقال (اجلدوها ان زنت ثم ان زنت فاجلدوها ثم ان زنت فاجلدوها) ولان تداخل الحدود انما يكون مع اجتماعها والحد الثاني وجب بعد سقوط الحد الاول باستيفائه، وان كانت من أجناس استوفيت كلها من غير خلاف
[ 142 ]
ويبدأ وبالاخف فالاخف فإذا شرب وزنى وسرق حد للشرب أولا تم حد للزنا ثم قطع للسرقة وان أخذ المال في المحاربة قطع لذلك ويدخل فيه القطع للسرقة لان محل القطعين واحد فتداخلا كالقتلين، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يتخير بين البداءه بحد الزنا وقطع السرقة لان كل واحد منهما ثبت بنص القرآن ثم بحد الشرب ولنا أن حد الشرب أخف فيقدم كحد القذف ولا نسلم أن حد الشرب غير منصوص عليه فانه منصوص عليه في السنة ومجمع على وجوبه وهذا التقدير على سبيل الاستحباب ولو بدأ بغيره جاز ووقع الموقع ولا يوالي بين هذه الحدود لانه ربما أفضى إلى تلفه بل متى برأ من حد أقيم عليه الذي يليه (مسألة) (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن) ويبدأ بغير القتل وهي القصاص وحد القذف فهذه تستوفى كلها ويبدأ بأخفها فيحد للقذف ثم
يقطع ثم يقتل لانها حقوق لآدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم وهذا قول الاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة يدخل ما دون القتل فيه لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك رواه سعيد في سننه وقياسا على الحدود الخالصة لله تعالى ولنا أن ما دون القتل حق لآدمي فلم يسقط به كديونهم وفارق حق الله تعالى فانه مبني على المسامحة (مسألة) (فان اجتمعت مع حدود الله بدئ بها)
[ 143 ]
إذا اجتمعت حدود الله تعالى وحدود الآدميين فهذه ثلاثة أنواع (أحدها) أن لا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها وبهذا قال ابو حنيفة والشافعي وعن مالك ان حد الشرب والقذف يتداحلان لاستوائهما فهما كالقتلين والقطعين ولنا انهما حدان من جنسين لا يفوت بهما المحل فلم يتداخلا كحد الزنا والشرب ولا نسلم استواءهما فان حد الشرب أربعون وحد القذف ثمانون وان سلم استواءهما لم يلزم تداخلهما لان ذلك لو اقتضى تداخلهما لوجب دخولهما في حد الزاني لان الاقل مما يتداخل يدخل في الاكثر وفارق القتلين والقطعين فان المحل يفوت بالاول فيتعذر استيفاء الثاني فهذا بخلافه فعلى هذا يبدأ بحد القذف لانه اجتمع فيه معنيان خفته وكونه حقا لادمي صحيح إلا إذا قلنا حد الشرب أربعون فانه يبدأ به لخفته ثم بحد القذف وايهما قدم فالآخر يليه ثم بحد الزنا لانه لا اتلاف فيه ثم بالقطع هكذا ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يبدأ بالقطع قصاصا لانه حق آدمي يتمحض فإذا بر أحد للقذف إذا قلنا هو حق آدمي ثم بحد الشرب فإذا برأ حد للزنا لان حق الآدمي يجب تقديمه لتأكده (النوع الثاني) ان تجتمع حدود الله تعالى وحدود لآدمي وفيها قتل فان حدود الله تعالى تدخل في القتل سواء كان من حدود الله تعالى كالرجم في الزنا والقتل في المحاربة أو الردة أو لحق آدمي كالقصاص لما قدمنا. واما حقوق الآدمي فتستوفى كلها ثم ان كان القتل حقا لله تعالى استوفيت
[ 144 ]
الحقوق كلها متوالية لانه لابد من فوات نفسه فلا فائدة في التأخير وان كان القتل حقا لآدمي انتظر باستيفاء الثاني برؤه من الاول لوجهين (أحدهما) ان الموالاة بينهما يحتمل ان تفوت نفسه قبل القصاص
فيفوت حق الآدمي (والثاني) ان العفو جائز فتأخيره يحتمل ان يعفو الولي فيحيى بخلاف القتل حقا لله سبحانه (النوع الثالث) ان يتفق الحقان في محل واحد كالقتل والقطع قصاصا وحدا فاما القتل فان كان فيه ما هو خالص لحق الله تعالى كالرجم في الزنا وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي وان اجتمع القتل في المحاربة والقصاص بدئ باسبقهما لان القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضا فقدم اسبقهما فان سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني وان سبق القصاص قتل قصاصا ولم يصلب لان الصلب من تمام الحد وقد سقط الحد بالقصاص فسقط الصلب كما لو مات ويجب لولي المقتول في المحاربة ديته لان القتل تعذر استيفاؤه وهو قصاص فصار الوجوب إلى الدية وهكذا لو مات القاتل في المحاربة وجبت الدية في تركته لتعذر استيفاء القتل من القاتل ولو كان القصاص سابقا فعفى ولي المقتول استوفي القتل للمحاربة سواء عفى مطلقا أو إلى الدية وهذا مذهب الشافعي وأما القطع فإذا اجتمع وجوب القطع في يد أو رجل قصاصا
[ 145 ]
وحدا قدم القصاص على الحد المتمحض لله تعالى لما ذكرناه وسواء تقدم سببه أو تأخر، وان عفا ولي الجناية استوفى الحد فإذا قطع يدا وأخذ المال في المحاربة قطعت يده قصاصا وينتظر برؤه فإذا برأ قطعت رجله للمحاربة لانهما حدان وانما قدم القصاص في القطع دون القتل لان القطع في المحاربة حد محض وليس بقصاص والقتل فيهما يتضمن القصاص ولهذا لو فات القتل في المحاربة وجبت الدية ولو فات القطع لم يجب له بدل، وإذا ثبت أنه تقدم القصاص على القطع في المحاربة فقطع اليد قصاصا فان رجله تقطع وهل تقطع يده الاخرى؟ نظرنا فان كان المقطوع بالقصاص قد كان مستحق القطع بالمحاربة قبل الجناية الموجبة للقصاص فيه لم يقطع أكثر من العضو الباقي من العضوين اللذين استحق قطعهما لان محل القطع ذهب بعارض حادث فلم يجب قطع بدله كما لو ذهب بعدوان أو مرض، وعلى هذا لو ذهب العضوان جميعا سقط القطع عنه بالكلية، وان كان سبب القطع قصاصا سابقا على محاربته أو كان المقطوع غير العضو الذي وجب قطعه في المحاربة مثل ان وجب عليه القصاص في يساره بعد
وجوب قطع يمناه في المحاربة فهل تقطع اليد الاخرى للمحاربة؟ على وجهين بناء على الروايتين في قطع يسرى السارق بعد قطع يمينه ان قلنا تقطع ثم قطعت ههنا وإلا فلا، وان سرق وأخذ المال في المحاربة قطعت يده اليمنى لاسبقهما فان كانت المحاربة سابقة قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا
[ 146 ]
وهل تقطع يسرى يديه للسرقة؟ على الروايتين فان قلنا تقطع انتظر برؤه من القطع للمحاربة لانهما حدان وان كانت السرقة سابقة قطعت يمناه للسرقة ولا تقطع رجله للمحاربة حتى تبرأ يده وهل تقطع يسرى يديه للمحاربة على وجهين (فصل) وان سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب ولم تقطع يده لانهما حدان فيهما قتل فدخل ما دون القتل فيه ولم يصلب لان الصلب من تمام حد قاطع الطريق إذا أخذ المال مع القتل ولم يوجد وهذان حدان كل واحد منهما منفصل عن صاحبه فإذا اجتمعا تداخلا، وان قتل في المحاربة جماعة قتل بالاول حتما وللباقين ديات اوليائهم لان قتله استحق بقتل الاول وتحتم بحيث لا يسقط فتعينت حقوق الباقين في الدية كما لو مات (فصل) ومن قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه الحد وجملة ذلك ان من قتل خارج الحرم ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، هذا قول ابن عباس وعطاء وعبيد بن عمير والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه، واما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس فعن احمد فيه روايتان (إحداهما) لا يستوفى من الملتجئ إلى الحرم فيه (والثانية) يستوفى وهذا مذهب ابي حنيفة لان المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل بقوله
[ 147 ]
عليه السلام (فلا يسفك فيها دم) وحرمة النفس أعظم فلا يقاس عليها غيرها ولان الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده: والاولى ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي، قال أبو بكر هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه ان الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على
ان كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، وقال مالك والشافعي وابن المنذر يستوفى منه لعموم الامر بجلد الزاني وقطع السارق واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ان الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بجزية ولا دم) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو متعلق باستار الكعبة حديث صحيح ولانه حيوان ابيح قتله لعصيانه فاشبه الكلب العقور ولنا قول الله تعالى (ومن دخله كان آمنا) يعني الحرم بدليل قوله تعالى (فيه آيات بينات مقام ابراهيم) والخبر أريد به الامر لانه لو أريد الخبر لافضى إلى وقوع الخبر خلاف المخبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسفك فيها دما ولا يعضد بها شجرة فان أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله اذن لرسوله ولم يأذن لكم وانما اذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد الغائب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض وانما احلت لي
[ 148 ]
ساعة من نهار ثم عادت إلى حرمتها فلا يسفك فيه دم) متفق عليهما، والحجة فيه من وجهين (أحدهما) أنه حرم سفك الدم بها على الاطلاق وتخصيص مكة بهذا يدل على أنه أراد العموم فانه لو أراد سفك الدم الحرام لم تختص به مكة فلا يكون التخصيص مفيدا (والثاني) قوله (انما حلت لي ساعة من نهار) ثم عادت حرمتها ومعلوم أنه انما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم فحرمها الحرم ثم احلت له ساعة ثم عادت الحرمة ثم أكد هذا بمنه قياس غيره عليه والاقتداء به بقوله (فان أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم) وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل فانه من رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي منع الناس أن يقتدوا به فيها وبين أنها له على الخصوص وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الاشدق يرد به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح هذا الحديث وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع، وأما جلد الزاني وقطع السارق والامر بالقصاص فانما هو مطلق في الامكنة والازمنة فانه يتناول مكانا غير معين ضرورة أنه لابد من مكان فيمكن إقامته
في مكان غير الحرم ثم لو كان عاما فانما رويناه خاصا يختص به مع أنه قد خص مما ذكروه الحامل والمريض المرجو برؤه فتأخر الحد عنه وتأخر قتل الحامل فجاز أن يخص أيضا بما ذكرناه، والقياس على الكلب العقور لا يصح فان ذلك طبعه الاذى فلم يحرمه الحرم ليدفع اذاه عن أهله، وأما الآدمي فالاصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من
[ 149 ]
المأكولات فان الحرم يعصمها. إذا ثبت هذا فانه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى ويقال له اتق الله واخرج إلى الحل يستوفى منك الحق الذي قبلك فإذا خرج استوفي حق الله منه وهذا قول جميع من ذكرناه، وانما كان كذلك لانه لو أطعم أو أووي لتمكن من الاقامة دائما فيضيع الحق الذي عليه وإذا منع من ذلك كان وسيلة إلى خروجه فيقام فيه حق الله تعالى وليس علينا إطعامه كما أن الصيد لا يصاد في الحرم وليس علينا القيام به، قال ابن عباس رحمه الله من أصاب حدا فلجأ إلى الحرم فانه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه الذي يطلبه فيقول أي فلان اتق الله فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد، رواه الاثرم، فان قتل من له عليه قصاص في الحرم أو أقام حد الجلد أو قتل أو قطع طرفا أساء ولا شئ عليه لانه استوفى حقه في حال لم يكن له استيفاؤه فيه فأشبه مالو اقتص في حر شديد أو برد مفرط. (مسألة) (فان فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه) وجملة ذلك أن من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدا أو قصاصا فانه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافا، وقد روى الاثرم باسناده عن ابن عباس أنه قال من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شئ وقد امر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم فقال تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم) فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم، ولان
[ 150 ]
أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لانفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم وفاتت
هذه المصالح التي لابد منها ولا يجوز الاخلال بها، ولان الجاني في الحرم هاتك لحرمته فلا تنتهض الحرمة لتحريم دمه وصيانته بمنزلة الجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك بخلاف الملتجئ إليها لجناية صدرت منه في غيرها. (فصل) فأما حرم مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمنع إقامة حد ولا قصاص، لان النص انما ورد في حرم الله تعالى، وحرم المدينة دونه في الحرمة فلا يصح قياسه عليه وكذلك سائر البقاع لا تمنع من استيفاء حق ولا إقامة حد، لان أمر الله تعالى باستيفاء الحقوق وإقامة الحد مطلق في الامكنة والازمنة خرج منها الحرم لمعنى لا يلفى في غيره لانه محل الانساك وقبلة المسلمين وفيه بيت الله المحجوج وأول بيت وضع للناس ومقام ابراهيم وآيات بينات فلا يلحق به سواه ولا يقاس عليه لانه ليس في معناه والله سبحانه أعلم. (مسألة) (وان أتى حدا في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الاسلام فيقام عليه) وجملة ذلك أن من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى
[ 151 ]
يقفل فيقام عليه حده وبهذا قال الاوزاعي واسحاق وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يقام الحد في كل موضع، لان امر الله تعالى باقامته مطلق في كل مكان وزمان إلا أن الشافعي قال إذا لم يكن امير الجيش الامام أو امير اقليم ليس له اقامته يؤخر حتى يأتي الامام لان إقامة الحدود إليه وكذلك ان كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به أو شغل عنه أخر وقال ابو حنيفة لاحد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع ولنا على وجوب الحد امر الله تعالى ورسوله به وعلى تأخيره ماروى بسر بن ابي ارطاة انه اتى برجل في الغزاة قد سرق جنيبة فقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تقطع الايدي في الغزاة) قطعتك اخرجه ابو داود وغيره، ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فروى سعيد باسناده عن الاحوص بن حكيم عن ابيه ان عمر كتب إلى الناس ان لا يجلدن امير جيش ولا سرية ولا
رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار
[ 152 ]
وعن أبي الدرداء، مثل ذلك وعن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان وعلينا والوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة اتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ وأني سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد فلما التقى الناس قال ابو محجن. كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا واترك مشدودا علي وثاقيا وقال لابنة حفصة امرأة سعد اطلقيني ولك الله علي ان سلمني الله ان ارجع حتى اضع رجلي في القيد وان قتلت استرحتم مني، قال فحلته حتى التقى الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس قال وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة فوثب ابو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم اخذ رمحا فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع وجعل سعد يقول الصبر صبر البلقاء والطعن طعن
[ 153 ]
أبي محجن وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد فأخبرت ابنة حصفة سعدا بما كان من أمره فقال سعد لا والله لا أضرب اليوم رجلا ابلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم فخلى سبيله، فقال ابو محجن قد كنت أشربها إذ تقام علي الحد وأطهر منها فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها ابدا. وهذا اتفاق لم يظهر خلافه فأما إذا رجع فانه يقام عليه الحد لعموم الآيات والاخبار وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب قافلا (فصل) وتقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه لانها من بلاد الاسلام والحاجة داعية إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم، وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يجلد من شرب الخمر ثمانين وهو بالشام وهو من الثغور.
باب حد الزنا الزنا حرام وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى (ولا تقربو الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقال تعالى (والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) وعن عبد الله بن مسعود
[ 154 ]
قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب؟ اعظم قال (ان تجعل لله ندا وهو خلقك) قال قلت ثم أي قال (ان تقتل ولدك مخافة ان يطعم معك) قال قلت ثم أي قال (ان تزاني حليلة جارك) متفق عليه وكان حد الزاني في صدر الاسلام الحبس في البيت والاذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر لقوله سبحانه (واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان الله كان توابا رحيما) قال بعض أهل العلم المراد بقوله من نسائكم الثيب لان قوله من نسائكم اضافة إلى زوجية كقوله (للذين يؤلون من نسائهم) ولا فائدة في اضافته ههنا نعلمها الا اعتبار الثيوبة ولانه قد ذكر عقوبتين (احداهما) اغلظ من الاخرى فكانت الاغلظ للثيب والاخرى للبكر كالرجم والجلد ثم نسخ هذا بما روى عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه مسلم فان قيل فكيف ينسخ القرآن بالسنة؟ قلنا قد ذهب اصحابنا إلى جوازه لان الكل من عند الله وان اختلفت طريقه ومن منع ذلك قال ليس هذا نسخا انما هو تفسير للقرآن وتبيين له لان النسخ رفع حكم ظاهره الاطلاق
[ 155 ]
فأما ما كان مشروطا بشرط وزال الشرط لا يكون نسخا وههنا شرط الله سبحانه حبسهن إلى ان يجعل الله لهن سبيلا فبينت السنة السبيل فكان بيانا لا نسخا ويمكن ان يقال ان نسخه حصل بالقرآن فان الجلد كان في كتاب الله تعالى والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه
(مسألة) (إذا زنى الحر المحصن فحده الرجم حتى يموت وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة (احدها) في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلا كان أو امرأة هذا قول عامة أعمل العلم من الصحابة والتابعين من بعدهم من علماء الامصار في جميع الاعصار ولا نعلم احدا خالف فيه الا الخوارج فانهم قالوا الجلد للبكر والثيب لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وقال لا يجوز ترك كتاب الله تعالى الثابت بالقطع واليقين لاخبار آحاد يجوز الكذب فيها ولان هذا يفضي إلى نسخ الكتاب بالسنة وهو غير جائز ولنا انه قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في اخبار تشبه المتواتر واجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نذكره في اثناء الباب في موضعه ان شاء الله تعالى قد انزله الله تعالى في كتابه وانما نسخ رسمه دون حكمه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى ان طال بالناس زمان يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله تعالى فالرجم حق على من زنى إذا احصن من الرجال
[ 156 ]
والنساء إذا قامت به البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) متفق عليه وأما آية الجلد فنقول بها فان الزاني يجب جلده فان كان ثيبا رجم مع الجلد والآية لم تتعرض إلى كيفية والى هذا أشار علي رضي الله عنه حين جلد ثم رجمها جلدتها بكتاب الله ثم رجمتها بسنة رسول الله ثم لو قلنا ان الثيب لا تجلد لكان هذا شراحة تخصيصا للآية العامة وهذا سائغ بغير خلاف فان عمومات القرآن في الاثبات كلها مخصصة وقولهم ان هذ نسخ ليس بصحيح وانما هو تخصيص ثم لو كان نسخا لكان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه وقد روينا ان رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم وقالوا ليس في كتاب الله الا الجلد وقالوا الحائض اوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة والصلاة اوكد فقال لهم عمر وانتم لا تأخذون الا بما في كتاب الله؟ قالوا نعم قال فأخبروني عن عدد
الصلوات المفروضات وعدد ركعاتها واركنها وواجباتها اين تجدونه في كتاب الله؟ واخبروني عما تجب الزكاة فيه ونصبها ومقاديرها؟ قالوا انظرنا فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئا مما سألهم عنه في القرآن فقالوا لم نجده في القرآن قال فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله وفعله المسلمون بعده فقال لهم فكذلك الرجم وقضاء الصوم فان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجم خلفاؤه بعده والمسلمون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصوم دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه. إذا ثبت هذا فمعنى
[ 157 ]
الرجم ان يرمى بالحجارة وغيرها حتى يموت بذلك قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على ان المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت ولان اطلاق الرجم يقتضي القتل به لقوله تعالى (لتكونن من المرجومين) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين للذين زنيا وماعزا والغامدية حتى ماتوا (الفصل الثاني) انه يجلد ثم يرجم في احدى الروايتين فعل ذلك علي رضي الله عنه وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر رضي الله عنهم واختاره وذكر ذلك أبو بكر عبد العزيز عنهم وبه قال الحسن وداود وابن المنذر (والرواية الثانية) يرجم ولا يجلد روي عن عمر وعثمان انهما رجما ولم يجلدا وروي عن ابن مسعود انه قال إذا اجتمع حدان لله فيهما القتل احاط القتل بذلك وبهذا قال النخعي والزهري والاوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي واختاره الجوزجاني والاثرم ونصراه في سننهما لان جابرا روى ان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال (واغد يا أنيس إلى إمرأة هذا فان اعترفت فارجمها) متفق عليه ولم يأمره بجلدها وكان هذا آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب تقديمه، قال الاثرم سمعت ابا عبد الله يقول في حديث عبادة انه اول حديث نزل وان حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده وعمر رجم ولم يجلد ونقل عنه اسماعيل بن سعيد نحو هذا ولانه حد فيه قتل فلم يجتمع معه جلد كالردة ولان الحدود إذا اجتمعت
[ 158 ]
وفيها قتل سقط ما سواه فالحد الواحد اولى ووجه الرواية الاولى قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائه جلدة) وهذا عام ثم جاءت السنة بالرجم في حق الثيب والتغريب في حق البكر
فوجب الجمع بينهما والى هذا اشار علي بقوله جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث عبادة (والثيب بالثيب الجلد والرجم) وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك الا بمثله والاحاديث الباقية ليست صريحة فانه ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يعارض به الصريح بدليل ان التغريب يجب بذكره في هذا الحديث وليس بمذكور في الآية ولانه زان فيجلد كالبكر ولانه قد شرع في حق البكر عقوبتان الجلد والتغريب فيكون الجلد في مكان التغريب فعلى هذه الرواية يبدأ بالجلد اولا ثم يرجم فان والى بينهما جاز لان اتلافه مقصود فلا تضر الموالاة بينهما وان جلده يوما ثم رجمه في آخر جاز كما فعل علي رضي الله عنه جلد شراحة يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة (الفصل الثالث) ان الرجم لا يجب الا على المحصن باجماع أهل العلم وفي حديث عمران (الرجم حق على من زني وقد احصن) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث) ذكر منها (أو زنا بعد احصان) (مسألة) (والمحصن من وطئ امرأته في قبلها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران فان اختل شرط منها فلا احصان لواحد منهما) يشترط للاحصان شروط سبعة (احدها) الوطئ في القبل ولا خلاف في اشتراطه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (والثيب بالثيب الجلد والرجم) والثيابة تحصل بالوطئ في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في ان النكاح
[ 159 ]
الخالي عن الوطئ لا يحصل به احصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطئ فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شئ من ذلك لان هذا لا تصير به المرأة ثيبا ولا تخرج به عن حد الابكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر ولابد ان يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لان ذلك الوطء الذي تتعلق به أحكامه (الثاني) ان يكون في نكاح لان النكاح يسمى احصانا بدليل قوله تعالى (والمحصنات من النساء) يعني المتزوجات ولا خلاف بين اهل العلم في ان وطئ الزنا ووطئ الشبهه لا يصير به الواطئ محصنا ولا نعلم خلافا في ان التسري لا يحصل به الاحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه.
(الثالث) ان يكون النكاح صحيحا وهو قول اكثر اهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي واصحاب الرأي وقال ابو ثور يحصل الاحصان بالوطئ في نكاح فاسد، وحكي ذلك عن الليث والاوزاعي لان الصحيح والفاسد سواء في أكثر الاحكام من وجوب المهر والعدة وتحريم الربيبة وام المرأة ولحاق الولد فكذلك الاحصان ولنا أنه وطئ في غير ملك فلم يحصل به الاحصان كوطئ الشبهة ولا نسلم ثبوت ما ذكروه من الاحكام وانما ثبت بالوطئ فيه وهذه ثبتت في كل وطئ وليست مختصة النكاح الا ان النكاح ههنا صار شبهة فصار الوطئ فيه كوطئ الشبهة سواء
[ 160 ]
(الرابع) الحرية وهي شرط في قول جميع اهل العلم الا ابا ثور قال: العبد والامة هما محصنان يرجمان إذا زنيا الا ان يكون الاجماع يخالف ذلك، وحكي عن الاوزاعي في العبد تحته حرة هو محصن يرجم إذا زنى، وان كان تحته امة لم يرجم وهذه اقوال تخالف النص والاجماع فان الله تعالى قال (فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) والرجم لا يتنصف وايجابه كله يخالف النص مع مخالفة الاجماع المنعقد قبله الا أن يكون إذا عتقا بعد الاصابة فهذا فيه اختلاف سنذكره ان شاء الله، وقد وافق الاوزاعي على ان العبد إذا وطئ الامة ثم عتقا لم يصيرا محصنين وهو قول الجمهور وزاد فقال في المملوكين: إذا عتقا وهما متزوجان ثم وطئها الزوج لا يصيران محصنين بذلك، وهذا أيضا قول شاذ خالف أهل العلم به فان الوطئ وجد منهما حال كمالهما فحصنهما كالصبيين إذا بلغا (الشرط الخامس والسادس) البلوغ والعقل فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا. هذا قول اكثر أهل العلم وقول الشافعي ومن اصحابه من قال يكون محصنا وكذلك العبد إذا وطئ ثم عتق يصير محصنا لان هذا وطئ يحصل به الاحلال للمطلق ثلاثا فحصل به الاحصان كالموجود حال الكمال ولنا قوله عليه السلام (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت
تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله وهو خلاف الاجماع، ويفارق الاحصان
[ 161 ]
الاحلال لان اعتبار الوطئ في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره لان هذا مما تأباه الطباع ويشق على النفوس فاعتبره الشارع زجرا عن الطلاق الثلاث، وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون بخلاف الاحصان فانه اعتبر لكمال النعمة فان من كملت النعمة في حقه كانت جنايته افحش واحق بزيادة العقوبة والنعمة في العاقل البالغ اكمل (الشرط السابع) ان يوجد الكمال فيهما جمعا (جميعا) حال الوطئ فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري واسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملا صار محصنا إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الاوزاعي، واختلف عن الشافعي فقيل له قولان (احدهما) كقولنا (والثاني) الكامل يصير محصنا وهو قول ابن المنذر، وذكر ابن ابي موسى نحو ذلك في الارشاد فقال: إذا وطئ الحر البالغ حرة صغيرة في نكاح صحيح صار محصنا دونها وإذا وطئ الصبي الحر الصغير الكبيرة صارت محصنة دونه كما أنه لا يجب على الصغير الحد ويجب على الكبير ولنا انه وطئ لم يحصن احد المتواطئين فلم يحصن الآخر كالتسري ولانه متى كان أحدهما ناقصا لم يكمل الوطئ فلا يحصل به الاحصان كما لو كانا غير كاملين وبهذا فارق ما قاسوا عليه (مسألة) (ويثبت الاحسان للذميين وهل تحصن الذمية مسلما؟ على روايتين)
[ 162 ]
لا يشترط الاسلام في الاحصان، وبه قال الزهري والشافعي فعلى هذا يكون الذميان محصنين فان تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين وفيه رواية أخرى ان الذمية لا تحصن المسلم، وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري هو شرط في الاحصان فلا يكون الكافر محصنا ولا تحصن الذمية مسلما لان ابن عمر روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أشرك بالله فليس بمحصن) ولانه احصان من شروطه الحرية فكان الاسلام شرطا فيه كاحصان القذف وقال مالك كقولهم إلا ان
الذمية تحصن المسلم بناء على أصله في انه لا يعتبر الكمال في الزوجين وينبغي ان يكون ذلك قولا للشافعي ولنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر انه قال: جاء اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ان رجلا وامرأة زنيا وذكر الحديث فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما متفق عليه ولان الجناية بالزنا استوت من المسلم والذمي فيجب ان يستويا في الحد، وحديثهم لم يصح ولا نعرفه في مسند وقيل هو موقوف على ابن عمر ثم يتعين حمله على إحصان القذف جمعا بين الحديثين فان راويهما واحد وحديثنا صريح في الرجم فيتعين حمل خبرهم على الاحصان الآخر فان قالوا انما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة بدليل انه راجعها فلما تبين له ان ذلك حكم الله تعالى عليهم اقامه فيهم وفيها انزل الله سبحانه (انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا
[ 163 ]
للذين هادوا) قلنا إنما حكم عليهم بما أنزل الله عزوجل إليه بدليل قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ولانه لا يسوغ للنبي صلى الله عليه وسلم الحكم بغير شريعته ولو ساغ ذلك له ساغ لغيره وانما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم وأنهم تاركون شريعتهم مخالفون لحكمهم ثم هذا حجة لنا فان حكم الله في وجوب الرجم ان كان ثابتا في حقهم يجب أن يحكم به عليهم فقد ثبت وجود الاحصان فيهم فانه لا معنى له سوى وجوب الرجم على من زنى منهم بعد وجود شروط الاحصان فيه وإن منعوا ثبوت الحكم في حقهم فلم حكم به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولا يصح القياس على احصان القذف لان من شرطه العفة وليست شرطا ههنا (مسألة) (وإن كان لرجل ولد من امرأة فقال ما وطئتها لم يثبت احصانه ولا يرجم إذا زنى) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يرجم لان الولد لا يكون إلا من وطئ فقد حكم بالوطئ ضرورة الحكم بالولد. ولنا ان الولد يلحق بامكان الوطئ واحتماله والاحصان لا يثبت الا بحقيقة الوطئ فلا يلزم من ثبوت ما يكتفى فيه بالامكان وجود ما يعتبر فيه الحقيقة وهو أحق الناس بهذا فانه قال لو
تزوج امرأة بحضرة الحاكم في مجلسه ثم طلقها فيه فأتت بولد لحقه مع العلم بأنه لم يطأها في الزوجية
[ 164 ]
فكيف يحكم بحقيقة الوطئ مع تحقق انتفائه؟ وهكذا لو كان لامرأة ولد من زوج فأنكرت ان يكون وطئها لم يثبت احصانها لذلك (فصل) ولو شهدت بينة الاحصان أنه دخل بزوجته فقال أصحابنا يثبت الاحصان به لان المفهوم من لفظ الدخول كالمفهوم من لفظ المجامعة (وقول) محمد بن الحسن لا يكتفى به حتى تقول جامعها أو باضعها أو نحوها لان الدخول يطلق على الخلوة بها ولهذا تثبت بها أحكامه قال شيخنا وهذا أصح القولين ان شاء الله تعالى، اما إذا قالت جامعها أو باضعها أو نحوه فلا نعلم خلافا في ثبوت الاحصان وكذلك ينبغي إذا قالت وطئها وان قالت باشرها أو مسها أو اصابها أو أتاها فينبغي ان لا يثبت به الاحصان لان هذا يستعمل فيما دون الجماع في الفرج كثيرا فلا يثبت به الاحصان الذي يندرئ بالاحتمال (فصل) وإذا جلد الزاني على أنه بكر ثم بان محصنا رجم لما روى جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم به فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فرجم رواه أبو داود، ولانه ان وجب الجمع بينهما فقد أتى ببعض الواجب فيجب اتمامه وان لم يجب الجمع بينهما تبين أنه لم يأت بالحد الواجب (فصل) وإذا رجم الزانيان غسلا وصلي عليهما ودفنا إذا كانا مسلمين، اما غسلهما ودفنهما فلا خلاف فيه بين أهل العلم، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما قال الامام أحمد سئل علي عن شراحة وكان رجمها فقال اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم وصلى علي عليها وقال مالك من قتله الامام في حد فلا
[ 165 ]
يصلى عليه لان جابرا قال في حديث ماعز فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ولم يصل عليه متفق عليه، ووجه الاول ماروى أبو داود باسناده عن عمران بن الحصين في حديث الجهنية فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها فقال عمر يارسول الله تصلي عليها وقد زنت؟ فقال والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت افضل من ان جادت بنفسها؟) ورواه الترمذي وفيه فرجمت وصلي عليها وقال حديث حسن صحيح وقال النبي صلى الله عليه وسلم
(صلوا على من قال لا إله إلا الله) ولانه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه فصلي عليه بعده كالسارق واما حديث ماعز فيحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره أو اشتغل عنه بأمر أو غير ذلك فلا يعارض مارويناه (مسألة) (وان زنى الحر غير المحصن جلد مائة وغرب عاما إلى مسافة القصر وان كان ثيبا) ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله تعالى بقوله سبحانه وتعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وجاءت لاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عاما في قول الجمهور روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن أبي وأبي ذر وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم واليه ذهب عطاء وطاوس وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك والاوزاعي يغرب الرجل دون المرأة لان المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة ولانها لا تخلو من التغريب بمحرم أو بغير محرم: لا يجوز بغير محرم لقول رسول الله
[ 166 ]
صلى الله عليه وسلم (لا يحل لامرأه تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) ولان تغريبها بغير محرم اغراء لها بالفجور وتضييع لها وان غربت بمحرم افضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لاذنب له وان كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به كما لو زاد ذلك على الرجل، والخبر الخاص في التغريب انما هو في حق الرجل وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم والعام يجوز تخصيصه لانه يلزم من العمل بعمومه مخالفة مفهومه فانه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه وايجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك وفوات حكمه لان الحد وجب زجرا عن الزيادة وفي تغريبها اغراء به وتمكين منه مع أنه قد يخصص في حق الثيب باسقاط الجلد في قول الاكثرين فتخصيصه ههنا اولى قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لا يجب التغريب لان عليا رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة ان ينفيا وعن ابن المسيب ان عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا اغرب مسلما بعد هذا ابدا ولان الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فايجاب التغريب زيادة على النص ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) وروى أبو هريرة وزيد بن
خالد ان رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما ان ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته وانني افتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب
[ 167 ]
عام والرجم على امرأة هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله: على ابنك جلد مائة وتغريب عام) وجلد ابنه وغربه عاما وأمر أنيسا الاسلمي يأتي امرأة الآخر فان اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه وفي الحديث فسألت رجالا من أهل العلم فقالوا انما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، وهذا يدل على ان هذا كان مشهورا عندهم من حكم الله وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل ان الذي قال لهم هذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ولان التغريب فعله الخلفاء الراشدون ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان اجماعا، ولان الخبر يدل على عقوبتين في حق الثيب فكذلك في حق البكر وما رووه عن علي لا يثبت لضعف روايه وإرساله وقول عمر لا اغرب بعده مسلما فلعله أراد تغريبه في الخمر الذي اصابت الفتنة ربيعة فيه. قال شيخنا وقول مالك يخالف عموم الخبر والقياس لان ماكان حدا في الرجل يكون حدا في المرأة كسائر الحدود، وقال مالك فيما يقع لي أصح الاقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح لانه يستوى الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد ويمكن قلب هذا القياس بانه حد فلا تزاد فيه المرأة على ما على الرجل كسائر الحدود (فصل) ويغرب البكر الزاني حولا فان عاد قبل مضي الحول اعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرا ويبني على ما مضى، ويغرب الرجل إلى مسافة القصر لان ما دونها في حكم الحضر بدليل انه لا يثبت في حقه احكام المسافرين ولا يستبيح شيئا من رخصهم
[ 168 ]
(مسألة) (وعنه ان المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر) وقيل عنه ان خرج معها محرمها نفيت إلى مسافة القصر وان لم يخرج معها محرمها فنقل عن أحمد ان المرأة تغرب إلى مسافة القصر كالرجل وهذا مذهب الشافعي وروي عنه أنها تغرب إلى دون
مسافة القصر لتقرب من أهلها فيحفظوها، ويحتمل كلام احمد ان لا يشترط في التغريب مسافة القصر فيهما فانه قال في رواية الاثرم ينفى من عمله إلى عمل غيره وقال أبو ثور وابن المنذر لو نفى من قرية إلى قرية اخرى بينهما ميل أو أقل جاز وقال إسحاق يجوز من مصر إلى مصر ونحوه قال ابن أبي ليلى لان النفي ورد مطلقا غير مقدر فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، والقصر يسمى سفرا تجوز فيه صلاة النافلة على الراحة ولا يحبس في البلد الذي نفى إليه وبهذا قال الشافعي وقال مالك يحبس ولنا أنها زيادة لم يرد بها الشرع فلم تشرع كالزيادة على العام (فصل) وإن زنى الغريب غرب إلى بلد غير وطنه وان زنى في البلد الذي غرب إليه غرب منه إلى غير البلد الذي غرب منه لان الامر بالتغريب حيث كان لانه قد انس بالبلد الذي يسكنه (فيبعد) عنه (مسألة) (ويخرج مع المرأة محرمها ليسكنها في موضع ثم ان شاء رجع إذا أمن عليها وان شاء اقام معها حتى يكمل حولها، وإن أبى الخروج معها بذلت له الاجرة) قال اصحابنا: وتبذل من مالها لان هذا من مؤونة سفرها ويحتمل ان لا يجب ذلك عليها لان الواجب عليها التغريب بنفسها فلم يلزمها زيادة عليه كالرجل ولان هذا من مؤونة اقامة الحد فلم يلزمها كأجرة الجلاد. فعلى هذا تبذل الاجرة من بيت المال وعلى قول اصحابنا إن لم يكن لها مال بذلت
[ 169 ]
من بيت المال فان ابى محرمها الخروج معها لم يجبر، وإن لم يكن لها محرم غربت مع نساء ثقات والقول في أجرة من يسافر معها منهن كالقول في أجرة المحرم فان اعوز فقال أحمد تنفى بغير محرم وهو قول الشافعي لانه لا سبيل إلى تأخيره فأشبه سفر الهجرة والحج إذا مات المحرم في الطريق، ويحتمل ان يسقط النفي إذا لم تجد محرما كما يسقط سفر الحج إذا لم يكن لها محرم فان تغريبها على هذه الحال اغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة وعموم الحديث مخصوص بعوم النهي عن سفرها بغير محرم (فصل) ويجب ان يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال أصحابنا: والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد، والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع الذي يقيم الحد لان الذي يقيم الحد حاصل ضرورة فيتعين صرف الامر إلى غيره، وقال عطاء
واسحاق اثنان فان اراد به واحدا مع الذي يقيم الحد فهو كالقول الاول وإن اراد اثنين غيره فوجهه ان الطائفة اسم لما زاد على الواحد واقله اثنان، وقال الزهري ثلاثة لان الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك اربعة لانه العدد الذي يثبت به الزنا وللشافعي قولان كقولي الزهري ومالك، وقال ربيعة خمسة وقال الحسن عشرة وقال قتادة نفر واحتج اصحابنا بقول ابن عباس فان اسم الطائفة يقع على الواحد بدليل قول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - ثم قال - فأصلحوا بين أخويكم) وقيل في قوله تعالى (ان نعف عن طائفة منكم) إنه محش بن حمير وحده ولا يجب
[ 170 ]
أن يحضر الامام ولا الشهود وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة ان ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم، وإن ثبت باعتراف وجب على الامام الحضور والبداءة بالرجم لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الرجم رجمان فما كان منه باقرار فأول من يرجم الامام ثم الناس وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس رواه سعيد باسناده ولانه إذا لم يحضر البينة ولا الامام كان في ذلك شبهة والحد يسقط بالشبهات ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم امر برجم ماعز والغامدية ولم يحضرهما والحد ثبت باعترافهما وقال (يا أنيس اذهب إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) ولم يحضرها ولانه حد فلم يلزم ان يحضره الامام ولا البينة كسائر الحدود ولا نسلم ان تخلفهم عن الحضور ولا امتناعهم من البداءة بالرجم شبهة، وأما قول علي رضي الله عنه فهو على سبيل الاستحباب والفضيلة قال أحمد: سنة الاعتراف ان يرجم الامام ثم الناس ولا نعلم خلافا في استحباب ذلك والاصل فيه قول علي، وقد روي في حديث رواه ابو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة ثم رماها بحصاة مثل الحمصة ثم قال (ارموا واتقوا الوجه) رواه ابو داود (مسألة) (وإن كان الزاني رقيقا فحده خمسون جلدة بكل حال ولا يغرب) حد العبد والامة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر العلماء منهم
[ 171 ]
عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والاوزاعي وابو حنيفة والشافعي والبتي والعنبري وقال ابن عباس وابو عبيد إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حد على غيرهما لقول الله تعالى (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيدل بخطابه على انه لا حد على غير المحصنات، وقال داود، على الامة نصف الحد إذا زنت بعد ما زوجت، وعلى العبد جلد مائة بكل حال وفي الامة إذا لم تتزوج روايتان (احداهما) لا حد عليها (والاخرى) تجلد مائة لان قول الله تعالى (فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) عام خرجت منه الامة المحصنة بقوله (فإذا احصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيبقى العبد والامة التي لم تحصن على مقتضى العموم، ويحتمل دليل الامر في الخطاب ان لا حد عليها كقول ابن عباس وقال ابو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم لعموم الاخبار فيه ولانه حد لا يتبعض فوجب تكميله كالقطع في السرقة ولنا ما روى ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله وزيد بن خالد قالوا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامة إذا زنت ولم تحصن فقال (إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم ان زنت فبيعوها ولو بضفير) متفق عليه قال ابن شهاب: وهذا نص في جلد الامة إذا لم تحصن وهو حجة على ابن عباس وموافقيه وداود وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن وخمسين إذا كانت محصنة خلاف
[ 172 ]
ما شرع الله تعالى فان الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنه على غيرها فجعل الرجم على المحصنة والجلد على الكبر وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة واتباع شرع الله تعالى أولى، واما دليل الخطاب فقد روي عن ابن مسعود أنه قال احصانها اسلامها وقرأها بفتح الالف ثم دليل الخطاب انما يكون دليلا إذا لم تكن (للتخصيص) بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له فائدة أخرى لم يكن دليلا مثل ان يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني ولهذا قال الله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ولم يختص التحريم باللائي في حجورهم وقال (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) وحرم حلائل الابناء من الرضاع وأبناء الابناء وقال (ليس عليكم ان تقصروا من الصلاة ان يفتنكم
الذين كفروا) وابيح القصر بدون الخوف، وأما العبد فلا فرق بينه وبين الامة فالتنصيص على احدهما يثبت حكمه في حق الآخر كما ان قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أعتق شركا له في عبد ثبت حكمه في حق الامة) ثم المنطوق أولى منه على كل حال، واما ابو ثور فخالف نص قوله تعالى (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وعمل به فيما لم يتناوله النص وخرق الاجماع في ايجاب الرجم على المحصنات كما خرق داود الاجماع في تكميل الجلد على العبد وتضعيف حد الابكار على المحصنات (فصل) ولا تغريب على عبد ولا أمة وبهذا قال الحسن وحماد ومالك واسحاق وقال الثوري
[ 173 ]
وابو ثور يغرب نصف عام لقوله تعالى (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وجلد بن عمر مملوكا ونفاه إلى فدك، وعن الشافعي قولان، واحتج من أوجبه بعموم قوله عليه السلام (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ولنا الحديث المذكور في حجتنا ولم يذكر فيه تغريبا ولو كان واجبا لذكره لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحديث علي رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس أقيموا على ارقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن فان امة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني ان اجلدها فذكر الحديث رواه ابو داود ولم يذكر انه غربها واما الآية فانها حجة لنا فان العذاب المذكور في القرآن مائة جلدة لا غير فينصرف التنصيف إليه دون غيره بدليل انه لم ينصرف إلى تنصيف الرجم ولان التغريب في حق العبد عقوبة لسيده دونه فلم يجب في الزنا كالتغريم ثم بيان ذلك أن العبد لا ضرر عليه في تغريبه لانه غريب في موضعه ويترفه بتغريبه من الخدمة ويتضرر سيده بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده والكلفة في حفظه والانفاق عليه مع بعده عنه فيصير الحد مشروعا في حق غير الزاني والضرر على غير الجاني وما فعل ابن عمر ففي حق نفسه واسقاط حقه وله فعل ذلك من غير زنا ولا جناية فلا يكون حجة في حق غيره (فصل) إذا زنى العبد ثم عتق فعليه حد الرقيق لانه انما يقام عليه الحد الذي وجب عليه ولو زنى
[ 174 ]
حر ذمي ثم لحق بدار الحرب ثم سبي فاسترق حد حد الاحرار لانه وجب عليه وهو حر، ولو كان احد الزانيين رقيقا والآخر حرا فعلى كل واحد منهما حده لان كل واحد منهما انما تلزمه عقوبة جنايته، ولو زني بعد العتق وقبل العلم به فعليه حد الاحرار لانه زنى وهو حر وان اقيم عليه حد الرقيق قبل العلم بحريته ثم علمت بعد تمم عليه حد الاحرار وان عفى السيد عن عبده لم يسقط عنه الحد في قول عامة أهل العلم إلا الحسن فانه قال يصح عفوه وليس بصحيح لانه حق لله تعالى فلا يسقط باسقاط سيده كالعبادات وكالحر إذا عفا عنه الامام (فصل) فان فجر بامة ثم قتلها فعليه الحد وقيمتها وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وقال أبو يوسف إذا وجبت عليه قيمتها اسقطت الحد عنه لانه يملكها بغرامته اياها فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد ولنا ان الحد وجب عليه فلم يسقط بقتل المزني بها كما لو كانت حرة فغرم ديتها وقوله إنه يملكها غير صحيح لانه انما غرمها بعد قتلها ولم يبق محلا للملك ثم لو ثبت أنه ملكها فانما ملكها بعد وجوب الحد فلم يسقط عنه كما لو اشتراها (مسألة) (وان كان نصفه حرا فحده خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام ويحتمل ان لا يغرب اما الرجم فلا يجب عليه وان كان محصنا) لان الحرية لم تكمل فيه وعليه نصف حد الحر خمسون جلدة ونصف حد العبد خمس وعشرون
[ 175 ]
فيكون عليه خمس وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نص عليه أحمد ويحتمل ان لا يغرب لان حق السيد في جميعه في كل الزمان ونصيبه من العبد لا تغريب عليه فلا يلزمه ترك حقه في بعض الزمان بما لا يلزمه ولا تأخير حقه بالمهايأة من غير رضاه، وان قلنا بوجوب تغريبه فينبغي ان يكون زمن التغريب محسوبا على العبد من نصيبه الحر وللسيد نصف عام بدلا عنه وما زاد عن الحرية أو نقص عنها فبحساب ذلك، فان كان فيها كسر مثل ان يكون ثلثه حرا فيلزم بمقتضى ما ذكرنا ان يلزمه ثلثا حد الحر وهو ست وستون جلدة وثلثان فينبغي ان يسقط
الكسر لان الحد متى دار بين الوجوب والاسقاط سقط، والمدبر والمكاتب وام الولد بمنزلة القن في الحد لانه رقيق كله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (مسألة) (وحد اللوطي كحد الزاني سواء وعنه حده الرجم بكل حال) أجمع أهل العلم على تحريم اللواط وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في حده فروي عنه ان حده الرجم بكرا كان أو ثيبا وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبيدالله ابن معمر والزهري وأبى حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي (والرواية الثانية)
[ 176 ]
ان حده حد الزنا وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي وقتادة والاوزاعي وأبو يوسف ومحمد ابن الحسن وهو المشهور من قولي الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان) ولانه ايلاج في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالايلاج في فرج المرأة. إذا ثبت كونه زنا دخل في عموم الآية والاخبار فيه لانه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريق اللوطي وهو قول ابن الزبير لما روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا امة من الامم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها ارى ان يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه وقال الحكم وأبو حنيفة لا حد عليه لانه ليس بمحل للوطئ أشبه غير الفرج ووجه الرواية الاولى قول النبي صلى الله عليه وسلم (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أبو داود وفي لفظ فارجموا الاعلى والاسفل ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فانهم أجمعوا على قتله وانما اختلفوا في صفته واحتج أحمد بعلي رضي الله عنه أنه كان يرى رجمه ولان الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم
فينبغي ان يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم وقول من اسقط الحد عنه يخالف النص والاجماع وقياس الفرج على غيره لا يصح لما بينهما من الفرق. إذا ثبت هذا فلا فرق بين ان يكون في مملوك له
[ 177 ]
أو أجنبي لان الذكر ليس بمحل لوطئ الذكر فلا يؤثر ملكه له، ولو وطئ زوجته أو مملوكته في دبرها كان محرما ولا حد فيه لان المرأة محل للوطئ في الجملة وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد بخلاف التلوط (مسألة) (ومن أتى بهيمة فحده حد اللوطي عند القاضي واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر وتقتل البهيمة) اختلفت الرواية عن أحمد في الذي يأتي البهيمة فروي عنه أنه يعزر ولا حد عليه اختاره الخرقي وأبو بكر وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي والنخعي والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وهو قول الشافعي (والرواية الثانية) حكمه حكم اللائط سواء، وقال الحسن حده حد الزاني وعن ابي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) رواه أبو داود. ووجه الرواية الاولى أنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على الوطئ في فرج الآدمي لانه لاحرمة لها وليس بمقصود يحتاج في الزجر عنه إلى الحد فان النفوس تعافه وعامتها تنفر منه فيبقى على الاصل في انتفاء الحد والحديث يرويه عمر وبن أبي عمر ولم يثبته احمد وقال الطحاوي هو ضعيف ومذهب ابن عباس خلافه وهو الذي روى عنه قال ابو داود هذا يضعف الحديث عنه قال اسماعيل بن سعيد سألت
[ 178 ]
أحمد عن الرجل يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك ولان الحد يدرأ بالشبهات فلا يجوز ان يثت بحديث فيه هذه الشبهة والضعف لكنه يعزر ويبالغ في تعزيره لانه وطئ في فرج محرم لا شبهة له فيه لم يوجب الحد فاوجب التعزير كوطئ الميتة (فصل) وتقتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي وسواء كانت مملوكة له أو لغيره مأكولة أو غير مأكولة، وذكر ابن أبي موسى في الارشاد في وجوب قتلها روايتين وقال أبو بكرالاختيار قتلها وان تركت فلا بأس، وقال الطحاوي ان كانت مأكولة ذبحت وإلا لم
تقتل وهذا القول الثاني للشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة. ووجه الاول الحديث المذكور وفيه الامر بقتل البهيمة فلم يفرق بين كونها مأكولة وغير مأكولة ولا بين ملكه وملك غيره، فان قيل الحديث ضعيف ولم يعملوا به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه اولى، قلنا إنما لم يعمل به في قتل الفاعل على إحدى الروايتين لوجهين (أحدهما) لانه حد والحد يدرأ بالشبهات وهذا اتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه (الثاني) أنه اتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على اتلافه إلا بدليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في اتلاف مال ولا حيوان سواه، فعلى هذا ان كان الحيوان للفاعل ذهبت هدرا وان كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لانه سبب اتلافه فيضمنه كما لو نصب له شبكة فتلف بها
[ 179 ]
(مسألة) (وكره احمد أكل لحمها وهل يحرم؟ على وجهين) وللشافعي أيضا في ذلك وجهان (أحدهما) يحل أكلها لقول الله تعالى (احلت لكم بهيمة الانعام) ولانه حيوان ذبحه من هو أهل للذكاة يجوز اكله فاشبه ما لو لم يفعل به هذا الفعل ولكن يكره أكله لشبهة التحريم (والثاني) لا يحل أكلها لما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما شأن البهيمة؟ قال ما اراه قال ذلك إلا انه كره أكلها وقد فعل بها هذا الفعل، ولانه حيوان يجب قتله لحق الله تعالى فلم يجز أكله كسائر المقتولات، واختلف في علة قتلها فقيل انما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها وقد روى ابن بطة باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة. قال (لا يقال هذه وهذه) وقيل لئلا تلد خلقا مشوها وقيل لئلا تؤكل واليه اشار ابن عباس في تعليله ولا يجب قتلها حتى يثبت هذا العمل بها ببينة فاما ان اقر الفاعل فان كانت البهيمة له ثبت باقراره وان كانت لغيره لم يجز قتلها بقوله لانه اقرار على ملك غيره فلم يقبل كما لو اقر بها لغير مالكها وهل يثبت هذا بشاهدين عدلين واقرار مرة ويعتبر فيه ما يعتبر في الزنا على وجهين نذكرهما في موضعهما ان شاء الله تعالى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ولا يجب الحد إلا بشروط ثلاثة (أحدها) أن يطأ
في الفرج قبلا أو دبرا).
[ 180 ]
لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطئ امرأة في قبلها حراما لاشبهة له في وطئها أنه يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه والوطئ في الدبر مثله في كونه زنا لانه وطئ في فرج امرأة لا ملك له ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطئ في القبل، ولان الله تعالى قال (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) الآية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد جعل لهن سبيلا (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) والوطئ في الدبر فاحشة لقول الله تعالى في قوم لوط (أتأتون الفاحشة؟) يعني الوطئ في ادبار الرجال ويقال أول ما بدأ قوم لوط بوطئ النساء في أدبارهن ثم صاروا إلى ذلك في الرجال (مسألة) (وأقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج) لان أحكام الوطئ تتعلق به ولا تتعلق بما دونه (مسألة) (وان وطئ دون الفرج فلا حد عليه) لما روى ابن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني وجدت امرأة في البستان فأصبت منها كل شئ غير أني لم أنكحها فافعل بي ما شئت فقرأ عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات) الآية رواه النسائي وعليه التعزير لانه معصية ليس فيها حد ولا كفارة فأشبه ضرب الناس والتعدي عليهم وظاهر الحديث يدل على أنه لا تعزير عليه إذا جاء تائبا، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ويفارق ضرب الناس والتعدي عليهم لانه حق آدمي
[ 181 ]
(مسألة) (وان أتت المرأة المرأة فلا حد عليهما) إذا تدالكت امرأتان فهما ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ولاحد عليهما لان لا يتضمن إيلاجا فأشبه المباشرة دون الفرج وعليهما التعزير لانه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع. (فصل) ولو وجد رجل مع امرأة يقبل كل واحد منهما صاحبه ولم يعلم هل وطئها أولا فلا حد عليهما، وفان قالا نحن زوجان واتفقا على ذلك فالقول قولهما، وبه قال الحكم وحماد والشافعي
وأصحاب الرأي، فان شهد عليهما بالزنا فقالا نحن زوجان فقيل عليهما الحد ان لم تكن بينة بالنكاح وبه قال أبو ثور وابن المنذر لان الشهادة بالزنا تنفى كونهما زوجين فلا تبطل بمجرد قولهما ويحتمل ان لا يجب الحد إذا لم يعلم كونها أجنبية منه لان ما ادعياه محتمل فيكون ذلك شبهة كما لو شهد عليه بالسرقة فادعى أن المسروق ملكه. (فصل) الثاني انتفاء الشبهة فان وطئ (جارية) ولده أو جارية له فيها شرك أو لولده فلا حد عليه، وجملة ذلك أن من وطئ جارية ولده فانه لا حد عليه في قول أكثر اهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور وابن المنذر عليه الحد إلا ان يمنع منه اجماع لانه وطئ في غير ملك اشبه وطئ جارية ابيه
[ 182 ]
ولنا انه وطئ تمكنت الشبهة منه فلا يجب به الحد كوطئ الامة المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم (انت ومالك لابيك) فأضاف مال ولده إليه وجعله له فإذا لم تثبت حقيقة الملك فلا اقل من جعله شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات ولان القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك والاوزاعي ومن وافقهما قد اشتهر قولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان ذلك إجماعا وكذلك ان كان لولده فيها شرك لما ذكرنا ولا حد على الجارية لان الحد انتفى عن الواطئ لشبهة الملك فينتفي عن الموطوءة كوطئ الجارية المشتركة ولان الملك من قبيل المتضايفات إذا ثبت في احد المتضايفين ثبت في الآخر فكذلك شبهته ولا يصح القياس على وطئ جارية الاب لانه لاملك للولد فيها ولا شبهة ملك بخلاف مسئلتنا وحكي عن ابن ابي موسى قول في وطئ جارية الاب والام انه لا يحد لانه لا يقطع بسرقة ماله اشبه الاب والاول اصح وعليه عامة اهل العلم فيما علمنا (فصل) ولا يجب الحد بوطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال ابو ثور يجب. ولنا انه فرج له فيه ملك فلا يجد بوطئه كالمكاتبة والمرهونة (مسألة) (أو وجد امرأة نائمة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو (دعا) الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها فلا حد عليه)
[ 183 ]
وجملة ذلك ان من زفت إليه غير زوجته وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه لا نعلم فيه خلافا. وان لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته أو جاريته فوطئها أو دعا زوجته فجاءته غيرها فوطئها يظنها المدعوة أو اشتبه عليه ذلك لعماه يعتقدها زوجته فلا حد عليه وبه قال الشافعي، وحكي عن ابي حنيفة ان عليه الحد لانه وطئ في محل لا ملك له فيه ولنا انه وطئ اعتقد إباحته بما تعذر مثله فيه فأشبه مالو قيل له هذه زوجتك ولان الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها، فأما ان دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له شبهة كالجارية المشتركة أو لم يكن لانه لا يعذر بهذا فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه فبان اجنبيا. (مسألة) (أو وطئ في نكاح مختلف في صحته أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها) لا يجب الحد بالوطئ في نكاح مختلف في صحته كنكاح المتعة والشغار والنكاح بلا ولي والتحليل والنكاح بغير شهود ونكاح الاخت في عدة اختها والخامسة في عدة الرابعة والبائن: ونكاح المجوسية وهذا قول اكثر اهل العلم لان الاختلاف في إباحة الوطئ فيه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات وحكي عن ابن حامد وجوب الحد بالوطئ في النكاح بلا ولي والمذهب الاول قال ابن المنذر اجمع
[ 184 ]
كل من نحفظ عنه من اهل العلم ان الحدود تدرأ بالشبهات وكذلك ان وطئ امرأته في دبرها أو جاريته فهو محرم ولا يجب به الحد لان المرأة محل للوطئ في الجملة، وقد ذهب بعض العلماء إلى حله فكان ذلك شبهة مانعة من الحد والوطئ في الحيض والنفاس صادف ملكا فكان شبهة (مسألة) (ولا حد على من لم يعلم بتحريم الزنا) قال عمر وعلي وعثمان لا حد إلا على من علمه وهو قول عامة اهل العلم فان ادعى الجهل بالتحريم وكان يحتمل ان يجهله كحديث العهد بالاسلام والناشئ ببادية قبل منه لانه يجوز ان يكون صادقا وان كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين واهل العلم لم يقبل لان تحريم الزنا لا يخفى
على من هو كذلك فقد علم كذبه فان ادعى الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله لان عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة ولان مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير اهل العلم. (مسألة) (أو اكره على الزنا فلا حد عليه وقال اصحابنا إن اكره الرجل فزنى حد) لا يجب الحد على مكرهة على الزنا في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي واصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه النسائي وعن عبد الجبار بن وائل عن ابيه ان امرأة استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد رواه الاثرم قال واتي عمر باماء من اماء
[ 185 ]
الامارة استكرههن غلمان من غلمان الامارة فضرب الغلمان ولم يضرب الاماء، وروى سعيد باسناده عن طارق بن شهاب قال: اتي عمر بامرأة قد زنت قالت اني كنت نائمة فلم استيقظ الا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها ولان هذه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الاكراه بالالجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الاكراه بالتهديد بالقتل ونحوه نص عليه احمد في راع جاءته امرأة قد عطشت فسألته ان يسقيها فقال لها امكنيني من نفسك قال هذه مضطرة، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان امرأة استسقت راعيا فأبى ان يسقيها الا ان تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي ما ترى فيها؟ قال انها مضطرة فأعطاها عمر شيئا وتركها، فان اكره الرجل فزنى فقال اصحابنا عليه الحد وبه قال محمد بن الحسن وابو ثور لان الوطئ لا يكون الا بالانتشار والاكراه ينافيه فإذا وجد الانتشار انتفى الاكراه فيلزمه الحد كما لو اكره على غير الزنا فزنى، وقال ابو حنيفة ان اكرهه السلطان فلا حد عليه وان اكرهه غيره حد استحسانا، وقال الشافعي وابن المنذر لا حد عليه لعموم الخبر ولان الحدود تدرأ بالشبهات والاكراه شبهة فيمنع الحد كما لو كانت امرأة، يحققه ان الاكراه إذا كان بالتخويف أو بمنع ما تفوت حياته بمنعه كان الرجل فيه كالمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه، وقولهم ان التخويف ينافي الانتشار لا يصح لان التخويف بترك الفعل والفعل لا يخاف منه فلا يمنع ذلك وهذا أصح الاقوال ان شاء الله تعالى
(مسألة) (وان وطئ ميتة أو ملك امة أو اخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين)
[ 186 ]
إذا وطئ ميتة فعليه الحد في أحد الوجهين وهو قول الاوزاعي لانه وطئ في فرج آدمية أشبه وطئ الحية ولانه اعظم ذنبا واكثر اثما لانه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة (الثاني) لا حد عليه وهو قول الحسن، قال ابو بكر وبهذا اقول لان الوطئ في الميتة كلا وطئ لانه عوض مستهلك ولانها لا يشتهى مثلها وتعافها النفس فلا حاجة إلى تسرع (شرع) الزاجر عنها، واما إذا ملك أمة (أمه) أو أخته من الرضاع فوطئها فذكر القاضي عن أصحابنا ان عليه الحد لانه فرج لا يستباح بحال فوجب الحد بالوطئ فيه كفرج الغلام وقال بعض أصحابنا لا حد فيه وهو قول اصحاب الرأي، الشافعي لانه وطئ في فرج مملوك له يملك المعاوضة عنه وأخذ صداقه فلم يجب الحد عليه كالوط في الجارية المشتركة فاما ان اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه ووطئها فعليه الحد لا نعلم فيه خلافا لان الملك لا يثبت فيها فلم توجد الشبهة (مسألة) (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع فعليه الحد) إذا تزوج ذات محرمه فالنكاح باطل بالاجماع فان وطئها فعليه الحد في قول اكثر أهل العلم منهم الحسن وجابر بن زيد ومالك والشافعي وابو يوسف ومحمد واسحاق، وقال ابو حنيفة والثوري لا حد عليه لانه وطئ تمكنت الشبهة منه فلم يوجب الحد كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها وبيان الشبهة انه قد وجدت صورة المبيح وهو عقد النكاح الذي هو سبب للاباحة فإذا لم يثبت
[ 187 ]
حكمه وهو الاباحة بقيت صورته دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات. ولنا انه وطئ في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطئ من أهل الحد عالم بالتحريم فلزمه الحد كما لو لم يوجد العقد، وصورة المبيح انما تكون شبهة إذا كانت صحيحة والعقد ههنا باطل محرم وفعله جناية تقتضي العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو اكرهها
وعاقبها ثم زنى بها ثم يبطل بالاستيلاء عليها فان الاستيلاء سبب للملك في المباحات وليس بشبهة، وأما إذا اشترى أخته من الرضاع فهو ممنوع وإن سلمناه فان الملك المقتضي للاباحة صحيح ثابت وانما تخلفت الاباحة لمعارض بخلاف مسئلتنا فان المبيح غير موجود فان عقد النكاح باطل والملك به غير ثابت فالمقتضي معدوم فهو كما لو اشترى خمرا فشربه، إذا ثبت هذا فاختلف في الحد فروي عن احمد انه يقتل على كل حال وبهذا قال جابر بن زيد واسحاق وابو أيوب وابن أبي خيثمة، وروى اسماعيل بن سعيد عن احمد في رجل تزوج امرأة ابيه فقال يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال (والرواية (الثانية) حده حد الزنا وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر، ووجه الاولى ما روى البراء قال: لقيت عمي ومعه الراية فقلت إلى أين تريد؟ فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة ابيه من بعده ان ضرب عنقه وآخذ ماله رواه ابو داود والجوزاني والترمذي، وقال حديث حسن وسمى الجوزجاني عمه الحارث بن عمرو، وروى الجوزجاني وابن ماجه باسنادهما إلى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب اخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من ههنا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله ابن ابي مطرف فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من تخطى المؤمنين فخطوا رأسه بالسيف) وهذه
[ 188 ]
الاحاديث مما ورد في الزنا فتقدم، والقول فيمن زنى بذات محرمه من غير عقد كالقول فيمن وطئها بعد العقد (فصل) وكل عقد اجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو مزوجة أو معتدة أو نكاح المطلقة ثلاثا إذا وطئ فيه عالما بالتحريم فهو زنا موجب للحد المشروع فيه قبل العقد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه لا حد فيه لما ذكروه فيما إذا عقد على ذوات محارمه. وقال النخعي يجلد مائة ولا ينفى ولنا ما ذكرناه فيما مضى وروى ابو نصر المروزي باسناده عن عبيد بن نضيلة قال: رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت في عدتها فقال هل علمتها؟ قالا لا قال لو علمتما لرجمتكما فجلده اسواطا ثم فرق بينهما، وروى ابو بكر باسناده قال: رفع إلى علي عليه السلام أمرأة تزوجت ولها زوج كتمته فرجمها وجلد زوجها الاخير مائة جلدة، فان لم يعلم تحريم ذلك فلا حد عليه لعذر الجهل ولذلك
درأ عمر عنهما الحد لجهلهما. (مسألة) (أو استأجر امرأة للزنا أو لغيره فزنى بها أو زني بامرأة له عليها القصاص أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها أو امكنت العاقلة البالغة من نفسها مجنونا أو صغيرا فوطئها فعليهم الحد) إذا استأجر امرأة لعمل شئ فزنى بها أو استأجرها ليزني بها وفعل ذلك أو زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فعليهما الحد، وبه قال أكثر أهل العلم وقال ابو حنيفة لا حد عليهما في هذه المواضع إلا إذا استأجرها لعمل شئ لان ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد ولا يحد بوطئ امزأة هو مالك لها.
[ 189 ]
ولنا عموم الآية والاخبار ووجود المعنى المقتضى لوجوب الحد، وقوله ان ملكه لمنفعتها شبهة لا يصح فانه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها نفسها له ومطاوعتها إياه فلان لا يسقط بملك محل آخر اولى وأما إذا استأجر امرأة للزنا لم تصح الاجارة فوجود ذلك كعدمه فأشبه وطئ من لم يستأجرها، وأما إذا زنى بامرأة له عليها قصاص فعليه الحد لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك أشبه ما لو لم يكن له عليها قصاص وكما لو كان له عليها دين، واما إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها فانه ما وجب عليه الحد بوطئ مملوكته ولا زوجته وإنما وجب بوطئ اجنبية فتغير حالها لا يسقطه كما لو ماتت، وأما إذا أمكنت المكلفة من نفسها صغيرا أو مجنونا فوطئها أو استدخلت ذكر نائم فعليها الحد دونه، وقال ابو حنيفة لا حد عليها لان فعل الصبي والمجنون ليس زنا فلم يجب عليها الحد إذا أمكنته منه كما لو أمكنته من ادخال أصبعه في فرجها. ولنا أن سقوط الحد عن احد الواطئين لمعنى يخصه لا يوجب سقوطه عن الآخر كما لو زنى المستأمن بمسلمة أو زنى بمجنونة أو نائمة، وقولهم ليس بزنا لا يصح لانه لا يلحق به النسب وانما لم يجب الحد عليه لعذره وزوال تكليفه، وكذلك الحكم في الرجل يظن ان المرأة زوجته فيطؤها وهي تعلم أنه أجنبي وفي المرأة تظنه زوجها وهو يعلم أنها أجنبية
(فصل) فأما الصغيرة فان كانت ممن يمكن وطؤها فهو زنا يوجب الحد لانها كالكبيرة في ذلك وان كانت ممن لا تصلح للوطئ ففيها وجهان كالميتة على ما ذكرنا، وقال القاضي لا حد على من وطئ صغيرة لم تبلغ تسعا لانها لا ينتهي مثلها أشبه ما لو أدخل اصبعه في فرجها، وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر صبي لم يبلغ عشرا فلا حد عليها. قال شيخنا والصحيح انه متى وطئ من امكن وطؤها
[ 190 ]
أو امكنت المرأة من يمكنه الوطئ فوطئها أن الحد يجب على المكلف منهما ولا يصح تحديد ذلك بتسع ولا عشر لان التحديد انما يكون بالتوقيف ولا توقيف في هذا، وكون التسع وقتا لامكان الاستمتاع غالبا لايمنع وجوده قبله كما ان البلوغ يوجد في خمس عشرة عاما غالبا ولا يمنع من وجوده قبله (فصل) الثالث ان يثبت الزنا ولا يثبت الا بأحد شيئين (أحدهما) ان يقر اربع مرات في مجلس أو مجالس وهو بالغ عاقل ويصرح بذكر حقيقة الوطئ ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد، لا يثبت الزنا الا باقرار أو بينة فان ثبت باقرار اعتبر اقرار اربع مرات وبهذا قال الحكم وابن ابي ليلى واصحاب الرأي، وقال الحسن وحماد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر يحد باقراره مرة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) واعتراف مرة اعتراف وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهنية وانما اعترفت مرة، وقال عمران الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ولانه حق فثبت باعتراف مرة كالاقرار بالقتل ولنا ما روى أبو هريرة قال اتى رجل من الاسلميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال يا رسول الله اني زنيت فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله اني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أبك جنون - قال لا - قال هل أحصنت؟ - قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ارجموه) متفق عليه
[ 191 ]
ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى، وروى نعيم بن هزال حديثه وفيه حتى قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انك قد قلتها أربع مرات
فبمن؟) قال بفلانة رواه ابو داود وهذا تعليل منه يدل على أن اقرار الاربع هو الموجب، وروى ابو برزة الاسلمي ان ابا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم ان أقررت اربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل من وجهين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لانه لا يقر على الخطأ (الثاني) أنه قد علم هذا من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه، فأما أحاديثهم فان الاعتراف لفظ للمصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين أن الاعتراف الذي يثبت به كان أربعا (فصل) وسواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة، قال الاثرم سمعت ابا عبد الله يسأل عن الزاني يردد أربع مرات؟ قال نعم على حديث ماعز هو احوط، قلت له في مجلس واحد أو في مجالس شتى؟ قال اما الاحاديث فليست تدل إلا على مجلس واحد إلا على ذلك الشيخ بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وذلك عندي منكر الحديث، وقال أبو حنيفة لا يثبت إلا باربع اقرارات في أربعة مجالس لان ماعزا أقر في أربعة مجالس ولنا ان الحديث الصحيح انما يدل أنه اقر أربعا في مجلس واحد وقد ذكرنا الحديث ولانه أحد حجتي الزنا فاكتفي به في مجلس واحد كالبينة (فصل) ويعتبر في صحة الاقرار ان يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة، لان الزنا يعبر به عن ما ليس بموجب للحد وقد روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز (لعلك قبلت أو غمزت؟) قال لا قال
[ 192 ]
(افنكتها؟) قال نعم قال (حتى غاب ذاك منك في ذاك منها؟) قال نعم قال (كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم قال (أتدري ما الزنا؟) قال نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا وذكر الحديث رواه أبو داود (فصل) وان اقر أنه زني بامرأة فكذبته فعليه الحد دونها وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا حد عليه لانا صدقناها في انكارها فصار محكوما بكذبه ولنا ماروى أبو داود باسناده عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا اتاه فاقر عنده أنه
زنى بامرأة فسماها له فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فانكرت ان تكون زنت فجلده الحد وتركها، ولان انتفاء ثبوته في حقها لا يبطل قراره كما لو سكتت أو كما لو لم تسأل ولان عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه وهو قول عمر إذا كان الحبل أو الاعتراف، وقولهم انا صدقناها في انكارها غير صحيح فانا لم نحكم بصدقها وانتفاء الحد انما كان لعدم المقتضى وهو الاقرار أو البينة لا لوجود التصديق بدليل مالو سكتت أو لم تكمل البينة. إذا ثبت هذا فان الحر والعبد والبكر والثيب في الاقرار سواء لانه أحد حجتي الزنا فاستوى الكل فيه كالبينة (فصل) ويشترط ان يكون المقر بالغا عاقلا ولا خلاف في اعتبار ذلك في وجوب الحد وصحة الاقرار لان الصي والمجنون قد رفع القلم عنهما ولا حكم لكلامهما لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (فصل) والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنى بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه
[ 193 ]
الزنى حال نومه فلا حد عليه لان القلم مرفوع عنه، ولو أقر في حال نومه لم يلتفت إلى اقراره لان كلامه غير معتبر ولا يدل على صحة مدلوله: واما السكران ونحوه فعليه حد الزنى والسرقة والشرب والقذف إذا فعله في حال سكره لان الصحابة رضي الله عنهم اوجبوا عليه حد الفرية لكون السكر مظنة لها ولانه تسبب إلى هذه المحرمات بسبب لا يعذر فيه فاشبه من لا عذر له، وفيه وجه آخر لا يجب عليه الحد لانه غير عاقل فيكون ذلك شبهة في درء ما يندري بالشبهات ولان طلاقه لا يقع في رواية فاشبه النائم، والاول اولى لان اسقاط الحد عنه يفضي إلى ان من أراد فعل هذه المحرمات شرب الخمر وفعل ما احب فلا يلزمه شئ ولان السكر مظنة لفعل المحارم وسبب إليه فقد تسبب إلى فعلها حال صحوه فاما ان اقر بالزنا وهو سكران لم يعتبر اقراره لانه لا يدري ما يقول ولا يدل قوله على صحة خبره فاشبه قول النائم والمجنون وقد روى بريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم استنكه ماعزا، رواه ابو داود وانما فعل ذلك ليعلم هل هو سكران أو لا ولو كان السكران مقبول الاقرار لما احتيج إلى تعرف براءته منه
(فصل) واما الاخرس فان لم تفهم اشارته فلا يتصور منه اقرار وان فهمت اشارته فقال القاضي عليه الحد وهو قول الشافعي وابن القاسم صاحب مالك وأبو ثور وابن المنذر لان من صح اقراره بغير الزنا صح اقراره به كالناطق وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحد باقرار ولا بينة لان الاشارة تحتمل ما فهم منها وغيره فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه مما يندرئ بالشبهات ولا يجب بالبينة لاحتمال ان يكون له شبهة لم يمكنه التعبير عنها ولم يعرف كونها شبهة ويحتمل كلام الخرقي ان لا يلزمه الحد باقراره لانه شرط ان يكون صحيحا وهذا غير صحيح ولان الحد لا يجب بالشبهة فاما الاشارة فلا تنتفي معها الشبهات وأما البينة فيجب عليه بها الحد لان قوله معها غير معتبر
[ 194 ]
(فصل) ولا يصح الاقرار من المكره فلو ضرب الرجل ليقر بالزنى لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنى ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في ان اقرار المكره لا يجب به حد، وروي عن عمر رضي الله عنه قال ليس الرجل مأمونا على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته رواه سعيد وقال ابن شهاب في رجل اعترف بعد جلده ليس عليه حد ولان الاقرار انما يثبت به المقر به لوجود الداعي إلى الصدق وانتفاء التهمة عنه فان العاقل لايتهم بقصد الاضرار بنفسه ومع الاكراه يغلب على الظن ان اقراره لدفع ضرر الاكراه فانتفى ظن الصدق عنه فلم يقبل (فصل) وان اقر بوطئ امرأة وادعى أنها امرأته فانكرت المرأة الزوجية نظرنا فان لم تقر المرأة بوطئه اياها فلا حد عليه لانه لم يقر بالزنى ولا مهر لها لانها لا تدعيه، وان اعترفت بوطئه اياها أو اعترفت بانه زنى بها مطاوعة فلا مهر عليه أيضا ولا حد على واحد منهما الا ان يقر اربع مرات لان الحد لا يجب بدون اقرار اربع، وان ادعت أنه أكرهها عليه أو اشتبه عليه فعليه المهر لانه اقر بسببه وقد روى منها عن أحمد انه سأله عن رجل وطئ امرأة وزعم أنها زوجته وأنكرت هي ان يكون زوجها واقرت بالوطئ فقال هذه قد أقرت على نفسها بالزنا ولكن يدرأ عنه الحد بقوله انها امرأته ولا مهر عليه وادرأ عنها الحد حتى تعترف مرارا، قال احمد وأهل المدينة يرون عليها الحد يذهبون إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (واغد يا انيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) وقد تقدم الجواب عن قولهم
(فصل) ولا ينزع عن اقراره حتى يتم الحد لان من شروط اقامة الحد بالاقرار البقاء عليه على تمام الحد فان رجع عن اقراره أو هرب كف عنه وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهري وحماد ومالك والشافعي والثوري وإسحاق وابو حنيفة وابو يوسف وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن
[ 195 ]
ابي ليلى يقام الحد ولا يترك لان ماعزا هرب فقتلوه وروي انه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قومي هم غروني من نفسي واخبروني ان النبي صلى الله عليه وسلم غير قاتلي فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه رواه ابو داود وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحدود (مسألة) (ومتى رجع المقر بالحد عن اقراره قبل منه) وقد ذكرنا الخلاف فيه والله اعلم (الثاني) ان يشهد عليه اربعة رجال احرار عدول يصفون الزنا ويجيئون في مجلس واحد سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين يشترط في شهود الزنا سبعة شروط ذكرها الخرقي (احدها) ان يكونوا اربعة وهذا اجماع ليس فيه اختلاف بين اهل العلم لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وقال تعالى (لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون) وقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا امهله حتى آتى باربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (نعم) رواه مالك في الموطأ وابو داود (الشرط الثاني) ان يكونوا رجالا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافا إلا شيئا يروى عن عطاء وحماد انه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو قول شاذ لا يعول عليه لان لفظ الاربعة اسم لعدد المذكورين ويقتضي ان يكتفى فيه باربعة ولا خلاف في ان الاربعة إذا كان بعضهم نساء انه لا يكتفى بهم وان اقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص ولان في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال اليهن قال الله تعالى (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى) والحدود تدرأ بالشبهات (الشرط الثالث) الحرية فلا تقبل شهادة العبيد ولا نعلم في ذلك خلافا الا رواية حكيت عن
[ 196 ]
احمد وهو قول ابي ثور لعموم النصوص فيه ولانه عدل مسلم ذكر فتقبل شهادته كالحر ولنا أنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد لانه يندرئ بالشبهات (الشرط الرابع) العدالة ولا خلاف في اشتراطها فانها تشترط في سائر الشهادات فههنا مع مزيد الاحتياط فيها اولى فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز ان يكون فاسقا (الشرط الخامس) ان يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي لان أهل الذمة كفار لا تتحقق العدالة فيهم فلا تقبل روايتهم ولا أخبارهم الدينية ولا تقبل شهادتهم كعبدة الاوثان (الشرط السادس) ان يصفوا الزنى فيقولوا رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر وهذا قول معاوية بن أبي سفيان والزهري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روينا في قصة ماعز أنه لما اقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى فقال (انكتها؟ - فقال نعم قال - حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟) قال نعم وإذا اعتبر التصريح في الاقرار كان اعتباره في الشهادة اولى وروى أبو داود باسناده عن جابر قال جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ائتوني باعلم رجلين منكم) فأتوه بابني صوريا فنشدهما (كيف تجدان امر هذين في التوراة؟) قالا إذا شهد أربعة انهم راوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال (فما يمنعكم ان ترجموهما؟) قالوا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود (فجاؤا له)
[ 197 ]
أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ولانهم إذا لم يصفوا الزنا أحتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه قال بعض أهل العلم يجوز للشهود ان ينظروا إلى ذلك منهما لاقامة الشهادة عليهما فيحصل الردع بالحد فان شهدوا انهم رأوا ذكره قد غيبه في فرجها كفى والتشبيه تأكيد (فصل) فأما تعيين المزني بها إن كانت الشهادة على رجل أو الزاني إن كانت الشهادة على امرأة
ومكان الزنا فذكر القاضي أنه يشترط لئلا تكون المرأة ممن اختلف في إباحتها ويعتبر ذكر المكان لئلا تكون شهادة أحدهم على غير الفعل الذي شهد به الآخر ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم (إنك أقررت أربعا فبمن؟) وقال ابن حامد لا يعتبر ذكر هذين لانه لا يعتبر ذكرهما في الاقرار ولم يأت ذكرهما في الحديث الصحيح وليس في حديث الشهادة في رجم اليهوديين ذكر المكان ولان ما لا يشترط فيه ذكر الزمان لا يشترط فيه ذكر المكان كالنكاح ويبطل ما ذكروه بالزمان (الشرط السابع) مجئ الشهود كلهم في مجلس واحد ذكره الخرقي فقال: وإن جاءوا أربعة متفرقين والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي والبتي وابن المنذر لا يشترط ذلك لقول الله تعالى (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) ولم يذكر المجلس، وقال تعالى (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت) ولان كل شهادة مقبولة إذا اتفقت (وغير) مقبولة إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات ولنا أن أبا بكرة ونافعا وسهل بن معبد شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يشهد
[ 198 ]
زياد فحد الثلاثة ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر ولانه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم وبهذا فارق سائر الشهادات، وأما الآية فانها لم تتعرض للشروط ولهذا لم يذكروا العدالة وصفة الزنا ولان قوله (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) لا يخلو من أن يكون مطلقا في الزمان كله أو مقيدا لا يجوز أن يكون مطلقا لانه يمنع من جواز جلدهم لانه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء أو بكمالهم ان كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به فيكون متناقضا، وإذا ثبت أنه مقيد بالمجلس لان المجلس كله بمنزلة الحالة الواحدة ولهذا ثبت فيه خيار المجلس واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا فانه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم ولو جاءوا متفرقين واحدا بعد واحد في مجلس واحد قبل شهادتهم وقال مالك وأبو حنيفة إن جاءوا متفرقين فهم قذفة لانهم لم يجتمعوا
في مجيئهم فلم تقبل شهادتهم كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولنا قصة المغيرة فان الشهود جاءوا واحدا بعد واحد وسمعت شهادتهم وانما حدوا لعدم كمالها في المجلس وفي حديثه أن أبا بكرة قال أرأيت لو جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: اي والذي نفسي بيده ولانهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه مالو جاءوا مجتمعين ولان المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرنا وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد لان من شهد بالزنا ولم تكمل الشهادة يلزمه الحد لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة
[ 199 ]
أو لم يكملها فهم قذفه وعليهم الحد) إذا لم يكمل شهود الزنا فعليهم الحد في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي وذكر أبو الخطاب فيهم روايتين وحكي عن الشافعي فيهم قولان (أحدهما) لا حد عليهم لانهم شهود فلم يجب عليهم الحد كما لو كانوا أربعة أحدهم فاسق ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وهذا يوجب الجلد على كل رام لم يشهد بما قال أربعة ولانه إجماع الصحابة فان عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة فلم ينكره احد وروى صالح باسناده عن ابي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك عمر ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان: والله لقد كدت يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين: رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد قال فأمر بأولئك النفر فجلدوا، وفي رواية أن عمر لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي زياد فقال عمر ارى شابا حسنا وارجو الا يفضح الله على لسانه رجلا من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا امير المؤمنين رأيت استا تنبو ونفسا يعلو ورأيت رجليها فوق عنقه كأنهما أذنا حمار ولا ادري
ما وراء ذلك فقال عمر: الله اكبر الله اكبر وامر بالثلاثة فضربوا، وقول عمر يا سلح العقاب معناه انه يشبه سلح العقاب الذي يحرق كل شئ اصابه كذلك هو يوقع العقوبة بأحد الفريقين لا محالة، إن كملت شهادته حد المشهود عليه وإن لم تكمل حد اصحابه، فان قيل فقد خالفهم ابو بكرة واصحابه الذين شهدوا قلنا لم يخالفوا في وجوب الحد عليهم إنما خالفوهم في صحة ما شهدوا به ولانه
[ 200 ]
رام بالزنا لم يأت بأربعة شهداء فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد (مسألة) (وان كانوا افساقا أو عميانا أو بعضهم فعليهم الحد وعنه انه لاحد عليهم) إذا كانوا اربعة غير مرضيين كالعبيد والفساق والعميان ففيهم ثلاث روايات (احداهن) عليهم الحد وهو قول مالك قال القاضي وهو الصحيح لانها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو لم يكمل العدد (والثانية) لا حد عليهم وهو قال الحسن والشعبي وابي حنيفة ومحمد لان هؤلاء قد جاءوا بأربعة شهداء فدخلوا في عموم الآية ولان عددهم قد كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم (الثالث) إن كانوا عميانا أو بعضهم جلدوا وإن كانوا عبيدا أو فساقا فلا حد عليهم وهو قول الثوري واسحاق لان العميان معلوم كذبهم لكونهم شهدوا بما لم يروه يقينا والآخرون يجوز صدقهم وقد كمل عددهم فاشبهوا مستوري الحال. وقال أصحاب الشافعي إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والرق والفسق الظاهر ففيهم قولان وإن كان لمعنى خفي فلا حد عليهم لان ما يخفى يخفى على الشهود فلا يكون ذلك تفريطا منهم بخلاف ما يظهر، فان شهد ثلاثة رجال وامرأتان حد الجميع لان شهادة النساء في هذا الباب كعدمها وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وهذا يقوي رواية ايجاب الحد على الاولين وينبه على ايجاب الحد فيما إذا كانوا عميانا أو بعضهم لان المرأتين يحتمل صدقهما وهما من أهل الشهادة في الجملة والاعمى كاذب يقينا وليس من أهل الشهادة على الافعال فوجوب الحد عليهم وعلى من معهم أولى
[ 201 ]
(مسألة) (وإن كان أحدهم زوجا حد لثلاثة ولاعن الزوج ان شاء) لان الزوج لا تقبل شهادته على امرأته لانه بشهادته مقر بعداونه لها فلا تقبل شهادته عليها فيبقى الشهود ثلاثة فيحدون كما يحد شهود المغيرة بن شعبة ولان الله سبحانه قال (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن شهد اثنان انه زنى بها في بيت أو بلد واثنان أنه زنا بها في بيت أو بلد آخر فهم فذفة وعليهم الحد وعنه يحد المشهود عليه وهو بعيد) وجملة ذلك أنه إذا شهد اثنان أنه زنا بها في هذا البيت واثنان انه زنا بها في بيت آخر وشهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد صاحباهما أو اختلفوا في اليوم فالجميع قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك والشافعي، واختار أبو بكر: أنه لا حد عليهم وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانهم كملوا أربعة ولنا انه لم يكمل اربعة على زنا واحد فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان واما المشهود عليه فلا حد عليه في قولهم جميعا، وقال أبو بكر عليه الحد، وحكاه قولا لاحمد وهو بعيد لانه لم يثبت زنا واحد بشهادة اربعة فلم يجب الحد ولان جميع ما يعتبر له البينة يعتبر كمالها في حق واحد فالموجب للحد اول لانه مما يحتاط له ويدرء بالشبهات وقد قال ابو بكر انه لو شهد اثنان انه زنى بامرأة بيضاء وشهد اثنان انه زنا بسوداء فهم قذفة ذكره القاضي وهذا ينقض قوله (مسألة) وإن شهد اثنان انه زنى بها في زاوية بيت وشهد اثنان انه زنى بها في زواية منه اخرى كملت شهادتهم ان كانت الزاويتان متقاربتين وحد المشهود عليه)
[ 202 ]
وبه قال ابو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه لان شهادتهم لم تكمل ولانهم اختلفو في المكان اشبه ما لو اختلفا في البيتين، فأما ان كانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول في البيتين وعلى قول ابي بكر تكمل الشهادة سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا
ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود بان يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الاخرى أو ينسبه كل اثنين إلى احدى الزوايتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين فانه لا يمكن كون المشهود به فعلا واحدا، فان قيل فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين فلم أوجبتهم الحد مع الاحتمال والحد يدرأ بالشبهات، قلنا ليس هذا شبهة بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد فان هذا يحتمل فيه والحد واجب والقول في الزمان كالقول في هذا متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم ومتى تقاربا كملت شهادتهم. (مسألة) (وان شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد آخران أنه زنى بها في قميص أحمر كملت شهادتهم ويحتمل أن لا تكمل كما لو شهد كل اثنان أنه زنى بها في بيت غير الذي شهد به صاحباهما) وكذلك ان شهد اثنان انه زنى بها في قميص كتان أو شهد اثنان أنه زنى بها في قميص خز تكمل الشهادة، وقال الشافعي لا تكمل لتنافي الشهادتين. ولنا انه لا تنافي بينهما فانه يمكن أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين واحدا وتركا ذكر الآخر ويمكن أن يكون عليه قميص أبيض وعليها قميص أحمر وإذا أمكن التصديق لم يجز التكذيب. (مسألة) (وان شهد أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة فلا حد عليها اجماعا، لان الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد وفي الرجل وجهان.
[ 203 ]
(أحدهما) لا حد عليه وهو قول أبي بكر والقاضي وأكثر الاصحاب وهو قول أبي حنيفة واحد الوجهين لاصحاب الشافعي، لان البينة لا تكمل على فعل واحد فان فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين ولان كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين وذلك يمنع قبول الشهادة أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن ان يكون كل واحد منهما مكذبا للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في احدهما ومكرهة في الآخر وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولان شاهدي المطاوعة قاذفان لها ولا تكمل البينة عليها فلا تقبل شهادتهم على غيرها والوجه الثاني يجب الحد على الرجل اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد ووجه ثان
للشافعي، لان الشهادة كملت على وجود الزنا منه واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله فلا يمنع كمال الشهادة عليه. (مسألة) (وهل يحد الجميع أو شاهد المطاوعة؟ على وجهين) في الشهود ثلاثة أوجه (أحدها) لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم (والثاني) عليهم الحد لانهم شهدوا بالزنا فلم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم (والثالث) يجب الحد على شاهدي المطاوعة لانهما قذفا المرأة بالزنا فلم تكمل شهادتهما عليها ولا يجب على شاهدي الاكراه لانهما لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهم على الرجل وانما انتفى عنه الحد للشبهة وعند أبي الخطاب يحد الزاني المشهود علية دون المرأة والشهود وقد ذكرناه. (مسألة) (وان شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شئ على الراجع ويحد الثلاثة وان كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة ويغرم الرابع ربع ما أتلفوه).
[ 204 ]
وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم ففيهم روايتان (احداهما) يجب الحد على الجميع لانه نقص عدد الشهود فلزمهم الحد كما كانوا ثلاثة وان رجعوا كلهم فعليهم الحد لانهم يقرون انهم قذفة، وهو قول أبي حنيفة (والثانية) يحد الثلاثة دون الراجع اختارها ابو بكر وابن حامد لانه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله فيسقط عنه الحد لان في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة الشهود وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد فتفوت تلك المصلحة وتتحقق المفسدة فناسب ذلك نفي الحد عنه، وقال الشافعي يحد الراجع دون الثلاثة لانه أقر على نفسه بالكذب في قذفه واما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم وانما سقط بعد وجوبه برجوع الرابع ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد كما لو لم يرجع احد. ولنا انه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة وقولهم وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم وبالراجع وحده فان الحد وجب ثم
سقط ووجب الحد بسقوطه ولان الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه باسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه واحيائه المشهود عليه بعد اشرافه على التلف فعلى غيره أولى فاما ان كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة لان إقامة الحد كحكم الحاكم الحاكم لا تسقط برجوع الشاهد بعده وعلى الراجع ربع ما تلف بشهادتهم ويذكر ذلك في الرجوع عن الشهادة ان شاء الله تعالى. (فصل) وإذا ثبتت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه لم يسقط الحد وقال ابو حنيفة يسقط لان صحة البينة يشترط لها الانكار وما كمل بالاقرار. ولنا قول الله (فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا)
[ 205 ]
وبين النبي صلى الله عليه وسلم (السبيل بالحد فتجب إقامته ولان البينة تمت عليه فوجب الحد كما لو لم يعترف ولان البينة احد حجتي الزنا فلم تبطل بوجود الحجة الاخرى وبعضها كالاقرار يحققه ان وجود الاقرار يؤكد البينة ويوافقها ولا ينافيها فلا يقدح فيها كتزكية الشهود والثناء عليهم ولا نسلم اشتراط الانكار وانما يكتفى بالاقرار في غير الحد إذا وجد بكماله وههنا لم يكمل فلم يجب الاكتفاء به ووجب سماع البينة والعمل بها وعلى هذا لو أقر مره أو دون الاربع لم يمنع ذلك سماع البينة عليه ولو تمت البينة وأقر على نفسه اقرارا تاما ثم رجع عن اقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه وقوله يقتصي خلاف ذلك (فصل) فان شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البينة ولم يجب الحد لا نعلم في ذلك خلافا بين من اعتبر اقرار اربع مرات وهو قول أصحاب الرأي لان احدى الحجتين لم تكمل ولا تلفق أحداهما بالاخرى كاقرار بعض مرة. (فصل) فان كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا جاز الحكم بها وإقامة الحد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقام الحد لجواز أن يكونوا رجعوا وهذا شبهة تدرأ الحد ولنا أن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم مع غيبتهم كسائر الشهادات واحتمال رجوعهم ليس بشبهة كما لو حكم بشادتهم. (فصل) وإن شهدوا بزنا قديم أو أقر به وجب الحد، وبهذا قال مالك والاوزاعي والثوري
واسحاق وأبو ثور وقال ابو حنيفة لا أقبل بينة على زنا قديم واحده بالاقرار به وهذا قول ابن حامد وذكره ابن موسى مذهبا لاحمد لما روي عن عمر انه قال ايما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فانما هم شهود ضغن ولان تأخيره للشهادة إلى هذا الوقت يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد ولنا عموم الآية وانه حق ثبت على الفور فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق والحديث
[ 206 ]
مرسل رواه الحسن ومراسيل الحسن ليست بالقوية والتأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة والحد لا يسقط بمجرد الاحتمال فانه لو سقط بكل احتمال لم يجب حد أصلا. (فصل) وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع لا نعلم فيه اختلافا ونص عليه احمد واحتج بقصة أبي بكرة حيث شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه دعوى، ولان الحد حق لله تعالى لم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى كسائر العبادات يبينه أن الدعوى في سائر الحقوق إنما تكون من المستحقين وهذا لا حق فيه لاحد من الآدميين فيدعيه فلو وقفت الشهادة به على الدعوى لامتنع اقامتها (مسألة) (وان شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا الشهود نص عليه) وبهذا قال الشعبي والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك عليها الحد، لان شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود فلا يسقط بشهادتهن ولنا ان البكارة تثبت بشهادة النساء ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا لان الزنا لا يحصل بدون الايلاچ في الفرج ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة لان البكر هي التي لم توطأ في قبلها وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد كما لو قامت البينة بان المشهود عليه بالزنا مجبوب وانما لم يجب الحد على الشهود لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم بانه يحتمل ان يكون وطئها ثم عادت عذرتها فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم غير موجب له عليها فان الحد لا يجب بالشهات ويكتفي بشهادة امرأة واحدة لان شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال فأما ان شهدت بأنها رتقاء أو ثبت ان الرجل المشهود عليه
مجبوب فينبغي أن يجب الحد على الشهود لانه يتيقن كذبهم في شهادتهم بامر لا يعلمه كثير من الناس فوجب عليهم الحد.
[ 207 ]
(مسألة) (وان شهد اربعة انه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه وهل يحد الشهود الاولون حد الزنا؟ على روايتين) (إحداهما) لا يجب الحد على واحد منهم، وهذا قول أبي حنيفة لان الاولين قد جرحهم الآخرون بشهادتهم عليهم والآخرون تتطرق إليهم التهمة (والثانية) يجب الحد على الشهود الاولين اختارها أبو الخطاب لان شهادة الآخرين صحيحة فيجب الحكم بها، وهذا قول أبي يوسف وذكر أبو الخطاب في صدر المسألة كلاما معناه لا يحد احد منهم حد الزنا وهل يحد الاولون حدالقذف؟ على وجهين بناء على القاذف إذا جاء مجئ الشاهد هل يحد على روايتين (فصل) وكل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له بقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ويدخل فيه اللواط ووطئ المرأة في دبرها لانه زنا وعند أبي حنيفة يثبت بشهاهدين بناء على أصله بانه لا يوجب الحد وقد بينا وجوب الحد به ويخص هذا بان الوطئ في الدبر فاحشة بدليل قوله تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين؟ وقال تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعه منكم) فإذا وطئت في الدبر دخلت في عموم الآية. واما وطئ البهيمة إن قلنا بوجوب الحد به لم يثبت الا بشهود أربعة، وإن قلنا لا يوجب الا التعزير ففيه وجهان: (احدهما) يثبت بشاهدين لانه لا يوجب الحد فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق (والثاني) لا يثبت الا باربعة وهو قول القاضي لانه فاحشة ولانه ايلاج في فرج محرم فأشبه الزنا وعلى قياس هذا كل وطئ يوجب التعزير ولا يوجب الحد كوطئ الامة المشتركة وامته المزوجة فان لم يكن وطئا كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين وجها واحدا لانه ليس بوطئ اشبه سائر الحقوق
[ 208 ]
(مسألة) (وان حملت امرة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده لكنها تسأل فان ادعت انها اكرهت ووطئت بشبهة أو لم تعرف بالزنا لم تحد) وهذا قول ابي حنيفة والشافعي، وقال مالك عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة الا أن تظهر امارات الاكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة لقول عمر رضي الله عنه والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قلعت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وروي ان عثمان اتى بامرأة ولدت لستة أشهر فامر بها عثمان ان ترجم فقال علي ليس لك عليها سبيل. قال الله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وهذا يدل على انه كان يرجمها بحملها، وعن عمر نحو من هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال أيها الناس إن الزنا زناآن زنا سر وزنا علانية فزنا السر ان يشهد الشهود فيكون الشهود اول من يرمي وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الامام أول من يرمي، وهذا قول سادة الصحابة لم يظهر لهم في عصرهم مخالف فيكون اجماعا ولنا أنه يحتمل انه من وطئ اكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات وقد قيل ان المرأة تحمل من غير وطئ بأن يدخل ماء الرجل في فرجها اما بفعلها أو فعل غيرها ولهذا تصور حمل البكر وقد وجد ذلك، واما قول الصحابة فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد ثنا خلف بن خليفة ثنا أبو هشام ان امرأة رفعت إلى عمر رضي الله عنه ليس لها زوج وقد حملت فسألها عمر فقالت إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد، وروى النوال بن سبرة عن عمر انه أتي بامرأة حامل فادعت أنها اكرهت فقال خل سبيلها وكتب إلى امراء الاجناد أن لا يقتل أحد الا باذنه، وروي عن علي وابن عباس انهما قالا إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل وروى الدارقطني باسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم
[ 209 ]
قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت ولا خلاف ان الحد يدرأ بالشبهات وهي متحققه ههنا (فصل) ويستحب للامام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالاقرار التعريض له بالرجوع إذا تم والوقوف عن اتمامه إذا لم يتم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه اعرض عن ماعز حين اقر عنده ثم
جاءه من الناحية الاخرى فاعرض عنه حتى تمم اقراره أربعا ثم قال (لعلك قبلت لعلك لمست) وروي أنه قال للذي أقر بالسرقة (ما اخالك فعلت) رواه سعيد عن سفيان عن يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ثنا هشيم عن الحكم بن عتبة عن يزيد بن أبي كبشة عن ابي الدرداء انه اتي بجارية سوداء سرقت فقال لها اسرقت قولي لا فقالت لا فخلى سبيلها، ولا بأس ان يعرض بعض الحاضرين بالرجوع أو بان لا يقر وروينا عن الاحنف انه كان جالسا عند معاوية فاتي بسارق فقال له معاوية اسرقت؟ فقال له بعض الشرطة اصدق الامير فقال الاحنف الصدق في كل المواطن معجزة فعرض له بترك الاقرار وروي عن بعض السلف انه قال: لا يقطع ظريف يعني أنه إذا قامت عليه بينة ادعى شبهة فدفع عنه القطع فلا يقطع، ويكره لمن علم حاله أن يحثه على الاقرار لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لهزال وقد كان قال لماعز بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان ينزل فيك قرآن (ألا سترته بثوبك كان خيرا لك؟) رواه سعيد وروى باسناده أيضا عن سعيد بن المسيب قال جاء ماعز بن مالك إلى عمر بن الخطاب فقال له إنه أصاب فاحشة فقال له أخبرت بهذا أحدا قبلي؟ قال لا قال فاستر يستر الله وتب إلى الله فان الناس يعيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يعير فتب إلى الله ولا تخبر به أحدا فانطلق إلى ابي بكر فقال له مثل ما قال عمر فلم تقره نفسه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك
[ 210 ]
(باب القذف) وهو الرمي بالزنا وهو محرم باجماع الامة والاصل في تحريمه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) وقال سبحانه (ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: وما هن يارسول الله؟ قال (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله واكل الرابا واكل
مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات) متفق عليه. (مسألة) (ومن قذف حرا محصنا فعليه جلد ثمانين جلدة ان كان القاذف حرا واربعين ان كان عبدا وقذف غير المحصن يوجب التعزير) المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان (احدها) العفائف وهو المراد ههنا. (الثاني) بمعنى المزوجات كقوله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) وقوله تعالى (ومحصنات غير مسافحات). (والثالث) بمعنى الحرائر كقوله تعالى (فمن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات) وقوله تعالى (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وقوله [ فعليهن نصف ما على المحصنات ] (والرابع) بمعنى الاسلام كقوله (فإذا أحصن) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها. وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنا إذا كان القاذف مكلفا
[ 211 ]
(مسألة) (والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله، وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين) فهذه الخمسة شروط الاحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديما وحديثا سوى ماروي عن داود انه أوجب الحد على قاذف العبد. وقال ابن أبي موسى إذا قذف أم ولد رجل وله منها ولد حد. وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالوا إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد، وقال ابن أبي موسى إذا قذف مسلم ذمية تحت مسلم أو لها منه ولد حد في إحدى الروايتين، والاول أولى لان ما لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ فروي عنه انه شرط وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانه احد شرطي التكليف فأشبه العقل، ولان زنا الصبي لا يوجب عليه الحد فلا يجب الحد بالقذف به كزنا المجنون (والثانية) لا يشترط لانه حر عاقل عفيف يتعير بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير وهذا قول مالك واسحاق، فعلى هذه الرواية لابد أن يكون كبيرا يجامع مثله وأدناه
أن يكون للغلام عشر وللجارية سبع (فصل) ويجب بقذف المحصن ثمانون جلدة إذا كان القاذف حرا وأربعون ان كان عبدا كما ذكره وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنا وأن حده ثمانون ان كان حرا وقد دل عليه قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وان كان القاذف عبدا فحده أربعون جلدة، وأجمعوا على وجوب الحد على العبد إذا قذف محصنا لدخوله في
[ 212 ]
عموم الآية وحده اربعون في قول اكثر العلماء فروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة انه قال: ادركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف الا اربعين. وروى خلاس ان عليا قال في عبد قذف حرا عليه نصف الحد، وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبدا قذف حرا ثمانين وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزيز عملا بعموم الآية، والصحيح الاول للاجماع المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم ولانه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من حد الحر كحد الزنا وهذا يخص عموم الآية وقد عيب على ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة ما رأيت أحدا جلد العبد ثمانين قبله وقال سعيد ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبدا في فرية ثمانين فأنكر ذلك من حضره من الناس وغيرهم من الفقهاء فقال لي عبد الله بن عامر بن ربيعة اني رأيت والله عمر بن الخطاب فما رأيت احدا جلد عبدا في فرية فوق اربعين قال الخرقي ويكون بدون السوط الذي يجلد به الحر لانه لما خفف في عدده خفف في سوطه كما أن الحدود في نفسها كلما قل منها كان سوطه أخف، وظاهر ما ذكره شيخنا انه يكون بسوط الحر فيتساووا في الجلد ليتحقق التنصيف لانه انما يتحقق بذلك (مسألة) (وقذف غير المحصن يوجب التعزير فإذا قذف مشركا أو عبدا أو مسلما له دون عشر سنين أو مسلمة لها دون تسع أو من ليس بعفيف فعليه التعزير)
[ 213 ]
لانه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين وكفا له عن أذاهم (فصل) ويجب الحد على قاذف الخصي والمجبوب والمريض المدنف والرتقاء والقرناء. وقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا حد على قاذف مجبوب. قال ابن المنذر وكذلك الرتقاء. وقال الحسن لا حد على قاذف الخصي لان العار منتف على المقذوف بدون الحد للمسلم بكذب القاذف، والحد انما يجب لنفي العار ولنا عموم قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) والرتقاء داخلة في عموم الآية ولانه قاذف محصنا فيلزمه الحد كالقاذف للقادر على الوطئ ولان إمكان الوطئ أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد فيجب كقذف المريض (فصل) ويجب الحد على القاذف في غير دار الاسلام وبهذا قال الشافعي. وقال اصحاب الرأي لا حد عليه لانه في دار لا حد على أهلها. ولنا عموم الآية ولانه مسلم مكلف حر قذف محصنا فأشبه من في دار الاسلام (فصل) ويشترط لاقامة الحد على القاذف شرطان (أحدهما) مطالبة المقذوف لانه حق له فلا يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه (الثاني) ان لا يأتي ببينة لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) الآية ولذلك يشترط عدم إقرار المقذوف لانه في معنى البينة. وان كان القادف زوجا اعتبر شرط آخر وهو امتناعه من اللعان، ولا نعلم في هذا كله خلافا ويعتبر استدامة
[ 214 ]
الطلب إلى إقامة الحد فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال الحسن وأصحاب الرأي لا يسقط بعفوه لانه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود ولنا انه حد لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص. وفارق سائر الحدود فانه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، فأما حد السرقة فانما يعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا استيفاء الحد ولانهم قالوا تصح دعواه ويستحلف فيه ويحكم الحاكم فيه بعلمه ولا يقبل رجوعه بعد الاعتراف فدل على انه حق لآدمي (فصل) وإذا قلنا بوجوب الحد بقذف من لم يبلغ لم تجز إقامته حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه
لان مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد لعدم اعتبار كلامه وليس لوليه المطالبة عنه لانه حق شرع للتشفي فلم يقم غيره مقامه في استيفائه كالقصاص فإذا بلغ وطالب اقيم حينئذ، ولو قذف غائبا لم يقم عليه الحد حتى يقدم ويطالب الا ان يثبت انه طالب في غيبته، ويحتمل أن لا تجوز إقامته في غيبته بحال لانه يحتمل ان يعفو بعد المطالبة فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه يندرئ بالشبهات، ولو جن المقذوف بعد قذفه وقبل طلبه لم تجز إقامته حتى يفيق ويطالب وكذلك إن اغمي عليه فان كان قد طالب به قبل جنونه وإغمائه جازت إقامته كما لو وكل في استيفاء القصاص ثم جن أو أغمي عليه قبل استيفائه (فصل) وإذا قذف ولده لم يجب عليه الحد وان نزل سواء كان القاذف رجلا أو امرأة وبهذا
[ 215 ]
قال الحسن وعطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو ثور وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ولانه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنا ولنا انه عقوبة تجب حقا لآدمي فلا تجب للولد على الوالد كالقصاص أو نقول انه حق لا يستوفى الا بالمطالبة باستيفائه فأشبه القصاص ولان الحد يدرأ بالشبهات فلا يجب للابن على ابيه كالقصاص ولان الابوة معنى يسقط القصاص فمنعت الحد كالكفر وبهذا خص عموم الآية، ثم ما ذكروه ينتقض بالسرقة فان الاب لا يقطع بالسرقة من مال ابنه، والفرق بين القذف والزنا ان حد الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فيه وحد القذف حق لآدمي فلا يثبت للابن على ابيه كالقصاص وعلى انه لو زنى بجارية ابنه لم يجب عليه حد إذا ثبت هذا فانه لو قذف ام ابنه وهي أجنبية منه فماتت قبل استيفائه لم يكن لابنه المطالبة لان ما منع ثبوته ابتداء أسقطه طارئا كالقصاص فان كان لها ابن آخر من غيره كان له استيفاؤه إذا ماتت بعد المطالبة به لان الحد يملك بعض الورثة استيفاءه كله بخلاف القصاص وأما قذف سائر الاقارب فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعا (مسألة) (وإن قال زنيت وأنت صغيرة وفسره بصغر عن تسع لم يحد والا خرج على روايتين) أما إذا فسره بصغر عن تسع سنين فانه لا يحد فانه لا يجب بقذفها الحد على ما ذكرنا وكذلك
[ 216 ]
ان قذف صغيرا له دون عشر سنين وإن لم يفسره بذلك وفسره بما زاد عليه خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ فان قلنا هو شرط في الاحصان لم يحد وعليه التعزير وإن قلنا ليس بشرط لزمه الحد كالبالغ لانه قذف محصنا (فصل) فان اختلف القاذف والمقذوف فقال القاذف كنت صغيرا حين قذفتك وقال المقذوف كنت كبيرا فذكر القاضي أن القول قول القاذف لان الاصل الصغر وبراءة الذمة من الحد فان أقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخين مختلفين فهما قذفان موجب أحدهما التعزير والآخر الحد وان ثبنتا تاريخا واحدا وقالت احداهما وهو صغير وقالت الاخرى وهو كبير تعارضتا وسقطتا وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف (مسألة) وإن قال لحرة مسلمة زنيت وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد) إذا قال زنيت إذ كنت مشركا أو إذ كنت رقيقا فقال المقذوف ما كنت رقيقا ولا مشركا نظرنا فان ثبت أنه كان مشركا أو رقيقا فهي كالتي قبلها وان ثبت أنه لم يكن كذلك فعليه الحد لانه يعلم كذبه في وصفه بذلك، وإن لم يثبت واحد منهما وجب عليه الحد في احدى الروايتين، لان الاصل عدم الشرك والرق ولان الاصل الحرية واسلام اهل دار الاسلام (والثانية) لا يجب لان الاصل براءة ذمته، وأما إذا قال زنيت وانت مشرك فقال المقذوف اردت قذفي بالزنا والشرك معا وقال القاذف بل أردت قذفك بالزنا إذ
[ 217 ]
كنت مشركا فقال أبو الخطاب القول قول القاذف وهو قول بعض الشافعية لان الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وقوله وانت مشرك مبتدأ وخبر وهو حال لقوله زنيت كقوله تعالى (الا استموه وهم يلعبون) وقال القاضي: يجب الحد وهو قول بعض الشافعية لان قول زنيت خطاب في الحال والظاهر أنه أراد زناه في الحال وهكذا ان قال زنيت وانت عبد، فأما إن قال زنيت وقال اردت انه زنى وهو مشرك فقال الخرقي جيب عليه الحد، وكذلك ان كان عبدا لانه قذفه في حال كونه حرا مسلما محصنا وكذلك يقتضي وجوب الحد عليه لعموم الآية ووجود المعنى، فإذا ادعى ما يسقط
الحد عنه لم يقبل منه كما لو قذف كبيرا ثم قال اردت انه زنى وهو صغير، فأما إن قال زنيت في شركك أو وأنت مشرك ففيه وجهان (احدهما) لا حد عليه وهو قول الزهري وأبي ثور واصحاب الرأي، وعن احمد رواية أخرى وعن مالك أنه يحد وهو قول الثوري لان القذف وجد في حال كونه محصنا. ووجه الاول أنه أضاف القذف إلى حال ناقصة أشبه مالو قذفه في حال الشرك ولانه قذفه بما لا يوجب الحد على المقذوف أشبه مالو قذفه بالوطئ دون الفرج، وهكذا الحكم لو قذف من كان رقيقا، فان قال زنيت وأنت صبي أو صغير سئل عن الصغر فان فسره بما لا يجامع مثله ففيها الوجهان، وإن فسره بصغر يجامع في مثله خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ للاحصان (فصل) وان قذف مجهولا وادعى انه رقيق أو مشرك وقال المقذوف بل أنا حر مسلم
[ 218 ]
فالقول قوله، وقال ابو بكر القول قول القاذف في الرق لان الاصل براءة ذمته من الحد وهو يدرأ بالشبهات وما ادعاه محتمل فيكون شبهة وعن الشافعي كالوجهين ولنا أن الاصل الحرية وهو الظاهر فلم يلتفت إلى ما خالفه كما لو فسر صريح القذف بما يحيله (مسألة) (ومن قذف محصنا فزال احصانه قبل اقامة الحد عليه لم يسقط الحد عن القاذف) وبهذا قال الثوري وابو ثور والمزني وداود، وقال ابو حنيفة ومالك والشافعي لاحد عليه لان الشروط تجب استدامتها إلى حال اقامة الحد بدليل انه لو ارتد أو جن لم يقم الحد لان وجود الزنا يقوي قول القاذف ويدل على تقدم الفسق منه فأشبه الشهادة إذا طرأ الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها ولنا ان الحد قد وجب وتم بشروطه فلم يسقط بزوال شرط الوجوب كما لو زنى بأمة ثم اشتراها أو سرق عينا فنقصت قيمتها أو ملكها أو كما لو جن المقذوف بعد المطالبة، وقولهم ان الشروط تعتبر استدامتها قلنا الشروط ههنا للوجوب فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب وقد وجب الحد بدليل انه ملك المطالبة به وتبطل الاصول التي ذكروها بالاصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد فلا يسقط الحد وانما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة فأشبه مالو غاب من له الحد، فان ارتد من وجب له
الحد لم يملك المطالبة لان حقوقه واملاكه تزول أو تكون موقوفة، وفارق الشهادة فان العدالة شرط للحكم بها فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها بخلاف مسئلتنا فان العفة شرط للوجوب فلا تعتبر الا إلى حين الوجوب (فصل) ولو وجب الحد على ذمي أو مرتد ملحق بدار الحرب ثم عاد لم يسقط عنه وقال ابو حنيفة يسقط ولنا انه حد وجب فلم يسقط بدخول دار الحرب كما لو كان مسلما دخل بأمان (فصل) ويحد من قذف ابن الملاعنة نص عليه احمد، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن
[ 219 ]
والشعيي وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وجمهور العلماء ولا نعلم فيه خلافا، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الملاعنة أن ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد رواه ابو داود ولان حضانتها لم تسقط باللعان ولا يثبت الزنا به ولذلك لم يلزمها به حد، ومن قذف ابن الملاعنة فقال هو ولد زنا فعليه الحد للخبر والمعنى، وكذلك ان قال هو من الذي رميت به، فاما ان قال ليس هو ابن فلان يعني الملاعن وأراد أنه منفي عنه شرعا فلا حد عليه لانه صادق (فصل) فاما ان ثبت زناه ببينة أو اقرار أو حد للزنا فلا حد على قاذفه لانه صادق ولان احصان المقذوف قد زال بالزنا. ولو قال لمن زنى في شركه أو من كان مجوسيا تزوج بذات محرم بعد أن أسلم يا زاني فلا حد عليه إذا فسره بذلك وقال مالك عليه الحد لانه قذف مسلما لم يثبت زناه في اسلامه ولنا انه قذف من ثبت زناه اشبه ما لو ثبت زناه في الاسلام لانه صادق ومقتضى كلام الخرقي وجوب الحد عليه لقوله ومن قذف من كان مشركا وقال اردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله وحد. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (والقذف محرم ما ذكرنا من الآية والخبر والاجماع إلا في موضعين (أحدهما) ان يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفيه لان ذلك يجري مجرى اليقين في ان الولد من الزاني لكونها أتت به لستة أشهر من حين الوطئ فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث اقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وأخواته وليس ذلك بجائز فيجب نفيه لازالة ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ايما امرأة ادخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ولن يدخلها جنته، وأيما رجل جحد ولده
وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الاولين والآخرين) رواه أبو داود وقوله (وهو ينظر إليه) يعني يراه منه فكما حرم على المرأة ان تدخل على قوم من ليس منهم فالرجل مثلها وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها فهو كما لو رآها
[ 220 ]
(الثاني) ان لا تأتي بولد يجب نفيه مثل ان يراها تزني ولا تأتي بولد يلحقه نسبه أو يكون ثم ولد لكن لا يعلم أنه من الزنا أو استفاض زناها في الناس أو أخبره ثقة ورأي رجلا يعرف بالفجور يدخل عليها فيباح قذفها لانه يغلب على ظنه فجورها ولا يجب لانه يمكنه مفارقتها وقد روى علقمة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ارأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فذكر أنه يتكلم أو يسكت فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسكوت ههنا اولى ان شاء الله تعالى لانه استر ولان قذفها يلزم منه ان يحلف احدهما كاذبا أو يقر فيفتضح) (مسألة) (وان أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك وقال أبو الخطاب ظاهر كلامه اباحته) إذا اتت بولد يخالف لونه لونهما ويشبه رجلا غير والديه لم يبح نفيه بذلك لما روى أبو هريرة قال جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان امرأتي جاءت بولد اسود يعرض بنفيه - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (هل لك من ابل قال نعم قال - فما الوانها؟ - قال - حمر قال - هل فيها من اورق؟ قال ان فيها لورقا قال - فاني (فانى) أتاها ذلك؟ قال عسى ان يكون نزعه عرق قال - وهذا عسى ان يكون نزعه عرق) قال ولم يرخص له في الانتفاء منه متفق عليه ولان الناس كلهم من آدم وحواء والوانهم وخلقهم مختلفة ولولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة ولان دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف ولذلك لما تنازع سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة الحق الولد بالفراش وترك الشبه وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي وذكر القاضي وأبو الخطاب ان ظاهر كلام أحمد جواز نفيه وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان (ان جاءت به اورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذي رميت به) فاتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لولا الايمان لكان
لي ولها شأن) فجعل الشبه دليلا على نفيه عنه والصحيح الاول وهذا الحديث انما يدل على نفيه
[ 221 ]
عنه مع ما تقدم من لعانه ونفيه اياه عن نفسه فجعل الشبه مرجحا لقوله دليلا على تصديقه وما تقدم من الاحاديث يدل على عدم استقلال الشبه بالنفي، ولان هذا كان في موضع زال الفراش وانقطع نسب الولد عن صاحبه فلا يثبت مع بقاء الفراش المقتضي لحوق النسب بصاحبه وان كان يعزل عن امرأته لم يبح له نفيه لما روى أبو سعيد أنه قال يا رسول الله انا نصيب النساء ونحب الاثمان افنعزل عنهن؟ فقال (ان الله إذا قضى خلق نسمة خلقها) ولانه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فيعلق) (فصل) ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لانه غير مأمون على الكذب عليها ولا برؤيته رجلا خارجا من عندها من غير ان يستفيض زناها لانه يجوز ان يكون دخل سارقا أو هاربا أو لحاجة أو لغرض فاسد فلم تمكنه ولا لاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة تدل على صدقهم لاحتمال ان يكون اعداؤها اشاعوا ذلك عنها، وفيه وجه أنه يجوز لان الاستفاضة أقوى من خبر الثقة (فصل) قال رحمه الله والفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح قوله يا زاني يا عاهر زنى فرجك مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله لانه صريح فيه فاشبه التصريح بالطلاق (مسألة) (وان قال يا لوطي أو يا معفوج فهو صريح في المنصوص عن أحمد وعليه الحد) إذا قذفه بعمل قوم لوط اما فاعلا أو مفعولا به فعليه حد القذف وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وقال عطاء وقتادة وأبو حنيفة لا حد عليه لانه قذف بما لا يوجب الحد عنده، وعندنا هو موجب للحد وقد بيناه فيما مضى وكذلك لو قذف امراة أنها وطئت في دبرها أو قذف رجلا بوطئ امرأة في دبرها فعليه الحد عندنا وعند أبي حنيفة لا حد عليه، ومبني الخلاف ههنا على الخلاف في وجوب حد الزنى على فاعل ذلك وقد تقدم الكلام فيه، فان قذف رجلا باتيان بهيمة انبنى ذلك على وجوب الحد على فاعله فمن اوجب عليه الحد اوجب حد القذف على قاذفه ومن لا فلا، وكل مالا يجب الحد بفعله لا يجب الحد على القاذف به كما لو قذف انسانا بالمباشرة فيما دون الفرج أو بالوطئ بالشبهة أو قذف امرأة بالمساحقة أو بالوطئ مستكرهة
لم يجب الحد على القاذف لانه رماه بما لا يوجب الحد فاشبه مالو قذفه باللمس والنظر وكذلك لو قال
[ 222 ]
يا كافر يا فاسق يا سارق يا منافق يا فاجر يا خبيث يا اعور يا اقطع يا اعمى يا مقعد يا ابن الزمن الاعمى الاعرج فلاحد في ذلك كله لانه قذفه بما لا يوجب الحد فهو كما لو قال يا كاذب يانمام ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم ولكنه يعزر لسب الناس وأذاهم فاشبه مالو قذف من لا يوجب قذفه الحد (مسألة) (فان قال اردت بقولي يا لوطي أنك تعمل عمل قوم لوط فقال الخرقي لا حد عليه وهو بعيد) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروى عنه جماعة أنه يجب عليه الحد بقوله يا لوطي ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف وهو اختيار أبي بكر ونحوه قال الزهري ومالك (والثانية) لا حد عليه نقلها المروذي ونحو هذا قال الحسن والنخعي، قال الحسن إذا قال نويت ان دينه دين لوط فلا حد عليه، وان قال اردت أنه يعمل عمل قوم لوط فعليه الحد. ووجه ذلك أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد فلم يجب عليه حد كما لو فسره به متصلا بكلامه. وعن احمد رواية ثالثة أنه إذا كان في غضبه قال انه لاهل ان يقام عليه الحد لان قرينة الغضب تبدل على ارادة القذف بخلاف حال الرضاء والصحيح في المذهب الرواية الاولى لان هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط فكانت صريحة فيه كقوله يا زاني ولان قوم لوط لم يبق منهم أحد فلا يحتمل ان ينسب إليهم (مسألة) (فان قال اردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير اتيان الرجال احتمل وجهين) نحو ان يقول اردت أنك على دين لوط أو أنك تحب الصبيان وتقبلهم أو تنظر إليهم أو انك تتخلق باخلاق قوم لوط في انديتهم غير اتيان الفاحشة أو انك تنهى عن الفاحشة كنهي لوط عنها ونحو ذلك خرج في ذلك كله وجهان بناء على الروايتين المنصوصتين في المسألة المذكورة لان هذا في معناه (فصل) وان قال يا معفوج فالمنصوص عن أحمد ان عليه الحد وكلام الخرقي يقتضي انه يرجع إلى تفسيره فان فسره بغير الفاحشة مثل ان قال اردت يا مفلوج أو مصابا دون الفرج ونحو ذلك فلا حد عليه لانه فسره بما لا حد فيه، وان فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها
[ 223 ]
(مسألة) (وإن قال لست بولد فلان فقد قذف امه) إذا نفى رجلا عن أبيه فعليه الحد لانه قذف امه نص عليه احمد الا أنه يسأل عما اراد فان فسره بالقذف فهو قاذف وان كان منفيا باللعان ثم استلحقه أبوه فهو قذف أيضا نص عليه، وان لم يكن استلحقه فلا حد لان النبي صلى الله عليه وسلم نفى الولد المنفي باللعان عن أبيه الا أن يفسره بان امه زنت فيكون قاذفا وان لم يكن كذلك فهو قذف في الظاهر للام لانه لا يكون لغير أبيه الا بزنى امه ويحتمل ان لا يكون قذفا لانه يجوز أن يريد أنك لا تشبهه في كرمه وأخلاقه وكذلك ان نفاه عن قبيلته، وبهذا قال النخعي وإسحاق وبه قال أبو حنيفة والثوري وحماد إذا نفاه عن امه وكانت امه مسلمة حرة، وان كانت ذمية أو رقيقة فلا حد عليه لان القذف لها ووجه الاول ما روى الاشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول (لا اوتى برجل يقول ان كنانة ليست من قريش الا جلدته) وعن ابن مسعود أنه قال لا جلد الا في اثنين رجل قذف محصنة أو نفى رجلا عن أبيه وهذا لا يقوله الا توقيفا فاما ان نفاه عن امه فلا حد عليه لانه لم يقذف احدا بالزنى، وكذلك إن قال إن لم تفعل كذا فلست بابن فلان لان القذف لا يتعلق بالشرط قال شيخنا والقياس يقتضي ان لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته لان ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا فاشبه مالو قال للاعجمي إنك عربي (مسألة) (وإن قال لست بولدي فعلى وجهين) (احدهما) أنه يكون قذفا لها لانه إذا لم يكن ولده كان لغيره فأشبه مالو قال لاجنبي لست بولد فلان فانه يكون قذفا لامه كذا ههنا (والثاني) لا يكون قاذفا قاله القاضي لان للرجل أن يغلظ لولده في القول والفعل (مسألة) (وإن قال أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة فهو قاذف له لانه أضاف إليه الزنا بصفة المبالغة وهذا قول أبي بكر
[ 224 ]
وأما الثاني ففيه وجهان (احدهما) يكون قاذفا له اختاره القاضي لانه أضاف الزنا اليهما وجعل أحدهما فيه ابلغ من الآخر فان لفظة أفعل التفضيل تقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه كقوله أجود من حاتم
(والثاني) يكون قاذفا للمخاطب خاصة لان لفظه أفعل تستعمل للمنفرد بالفعل كقوله تعالى (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟) وقال تعالى (فأي الفريقين أحق بالامن؟) وقال لوط (بناتي هن أطهر لكم) اي من أدبار الرجال ولا طهارة فيهم وقال الشافعي وأصحاب الرأي ليس بقذف للاول ولا للثاني إلا أن يريد به القذف وهو قول ابن حامد ولنا أن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرنا فحمل عليه كما لو قال أنت زان (مسألة) (وإن قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان أو قال زنت يداك ورجلاك فهو صريح في القذف في قول أبي بكر وليس بصريح عند ابن حامد) أما إذا قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان فاختار ابو بكر انه صريح في قذفهما وهو مذهب الشافعي واختار ابن حامد انه ليس بقذف الا ان يفسره به وهو قول ابي حنيفة لانه يحتمل انه يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا كما يقال للعالم علامة وللكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة ولنا ان ما كان قذفا لاحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وبكسرها لهما جميعا ولان هذا اللفظ خطاب لهما واشارة اليهما بلفظ الزنا وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها وكذلك لو قال للمرأة يا شخصا زانيا وللرجل يانسمة زانية كان قاذفا، وقولهم انه يريد بذلك انه علامة في الزنا لا يصح فان ما كان اسما للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة كقولهم حفظة وراوية للمبالغة في الرواية كذلك همزة ولمزة وصرعة ولان كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح، وان قال زنت يداك أو رجلاك لم يكن قاذفا في ظاهر المذهب وهو قول ابن حامد لان زنا هذه الاعضاء لا يوجب الحد بدليل
[ 225 ]
قول النبي صلى الله عليه وسلم (العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي) ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه وفيه وجه آخر انه يكون قذفا لانه اضاف الزنى إلى عضو منه فأشبه مالو اضافه إلى الفرج والاولى ان يرجع إلى تفسيره (مسألة) (وإن قال زنأت في الجبل مهموزا فهو صريح عند ابي بكر، وقال ابن حامد
ان كان يعرف العربية فليس بصريح) إذا قال زنات في الجبل بالهمز فهو صريح عند ابي بكر وابي الخطاب لان عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف فكان قذفا كما لو قال زنيت وقال ابن حامد ان كان عاميا فهو قذف لانه لا يريد به إلا القذف وإن كان من اهل العربية لم يكن قذفا لان معناه في العربية طلعت كقول الشاعر * وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل * فالظاهر انه يريد موضوعه ولاصحاب الشافعي في كونه قذفا وجهان، وإن قال زنأت ولم يقل في الجبل فالحكم كالتي قبلها، وقال الشافعي ومحمد بن الحسن ليس بقذف، قال الشافعي ويستحلف على ذلك ولنا انه إذا كان عاميا لا يعرف موضوعه في اللغة تعين مراده في القذف ولم يفهم منه سواه فوجب ان يكون قذفا كما لو فسره بالقذف أو لحن لحنا غير هذا (فصل) إذا قال لرجل زنيت بفلانة كان قذفا لهما وقد نقل عن ابي عبد الله انه سئل عن رجل قال لرجل يا ناكح أمه ما عليه؟ قال إن كانت أمه حية فعليه للرجل حد ولامه حد، وقال مهنا: سألت أبا عبد الله إذا قال الرجل للرجل يا زاني ابن الزاني؟ قال: عليه حدان قلت أبلغك في هذا
[ 226 ]
شئ؟ قال مكحول قال فيه حدان، وإن أقر انسان أنه زنى بامرأة فهو قاذف لها سواء لزمه حد الزنا باقراره أو لم يلزمه، وبهذا قال ابن المنذر وأبو ثور ونسبه مذهبا للشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه حد القذف لانه يتصور منه الزنا بغير زناها لاحتمال أن تكون مكرهة أو موطوءة بشبهة ولنا ما روى ابن عباس أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقال كذب والله يا رسول الله فجلده حد الفرية ثمانين، والاحتمال الذي ذكره لا ينافي الحد بدليل ما لو قال يا نايك أمه فانه يلزمه الحد مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة، وقد روي عن أبي هريرة أنه جلد رجلا قال لرجل ذلك ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة بناء على ما إذا قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت، فان أصحابنا قالوا لا حد عليها في قولها: بك زنيت، لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئا بشبهة ولا يجب الحد عليه لتصديقها
إياه وقال الشافعي عليه الحد دونها وليس هذا باقرار صحيح ولنا أنها صدقته فلم يلزمه حد كما لو قال يا زانية أنت أزنى مني فقال أبو بكر هي كالتي قبلها في سقوط الحد ويلزمها له ههنا حد القذف بخلاف التي قبلها فانها أضافت الزنا إليه، وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها. (مسألة) (والكنايات نحو قوله لامرأته قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه أو يقول لمن يخاصمه يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنا يا عفيفة أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة أو يقول لعربي يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلا يقذف رجلا فيقول صدقت أو اخبرني فلان انك زنيت وكذبه الآخر فهذا كناية ان فسره بما يحتمله غير القذف قبل قوله في أحد الوجهين وفي الآخر هذا كله صريح)
[ 227 ]
ظاهر كلام الخرقي أن الحد لا يجب على القاذف إلا باللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير القذف وهو أن يقول يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الالفاظ فيرجع فيه إلى تفسيره كما ذكر في قوله يا لوطي يا معفوج، فلو قال لرجل يا مخنث ولامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف نحو أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث والتشبه بالنساء ويا قحبة أنها تستعد لذلك فلا حد عليه وكذلك إذا قال يا فاجرة يا خبيثة. وحكي أبو الخطاب في هذا رواية أخرى أنه كله صريح يجب به الحد، والصحيح الاول. قال احمد في رواية حنبل: لا ارى الحد إلا على من صرح بالقذف والشتيمة، وقال ابن المنذر الحد على من نصب الحد نصبا ولانه قول يحتمل غير الزنا فلم يكن صريحا في القذف كقوله: يا فاسق، وكذلك إذا قال أردت بالنبطي نبطي اللسان أو فارسي الطبع أو رومي الخلقة فانه لا حد عليه، وعنه فيمن قال يا فارسي أنه يحد لانه جعله لغير أبيه، والاول اصح لانه يحتمل ما ذكرناه فلا يكون قذفا وكذلك إن قال افسدت عليه فراشه اي خرقت فراشه أو اتلفته، وفي قوله علقت عليه اولادا من غيره أي التقطت ولدا وذكرت انه ولده فان فسر شيئا من ذلك بالزنا فلا شك في كونه قذفا. ومن
صور التعريض أن يقول لزوجة الآخر قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه اولادا من غيره وأفسدت فراشه فذكر ابو الخطاب في جميع ذلك روايتين، وذكر أبو بكر عبد العزيز أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض (فصل) واختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في التعريض بالقذف مثل ان يقول لمن يخاصمه ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنا يا حلال ابن الحلال ويقول ما انا بزان ولا امي بزانية فروى عنه حنبل انه لا حد عليه وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار ابي بكر وبه قال عطاء وعمروبن دينار وقتادة والثوري والشافعي وابو ثور
[ 228 ]
واصحاب الرأي وابن المنذر لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل ان امرأتي ولدت غلاما اسود يعرض بنفيه فلم يلزمه بذلك حد ولاغيره، وقد فرق الله تعالى بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فأباح التعريض وحرم التصريح وكذلك في القذف ولان كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا كقوله يا فاسق. وروى الاثرم وغيره ان عليه الحد روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال اسحاق لان عمر حين شاورهم في الذي قال لصاحبه ما أبى بزان ولا أمي بزانية فقالوا قد مدح أباه وأمه فقال عمر قد عرض بصاحبه فجلده الحد وروى الاثرم أن عثمان جلد رجلا قال لآخر يا ابن سافة (1) الوذر يعرض له بزنا امه والوذر قدر اللحم يعرض بكمر الرجال ولان الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالتصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بها، فأما ان لم يكن في حال الخصومة ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف فلا شك في أنه لا يكون قذفا (فصل) فأما ان قال لرجل يا ديوث يا كشحان فقال أحمد يعزر قال ابراهيم الحربي الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته وقال ثعلب القرطبان الذي يرضى ان يدخل الرجال على نسائه وقال القرنان والكشحان لم ارهما في كلام العرب ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريبا منه فعلى القاذف به التعزيز على قياس قوله في الديوث لانه قذفه بما لا حد فيه وقال خالد بن يزيد عن أبيه في الرجل يقول للرجل يا قرنان إذا كان له أخوات أو بنات في الاسلام ضرب الحد يعني أنه قاذف لهن وقال خالد عن أبيه القرنان عند العامة من له بنات والكشحان من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن
والقواد عند العامة السمسار في الزنا، والقذف بذلك كله يوجب التعزير لانه قذف بما لا يوجب الحد (مسألة) (أو يسمع رجلا يقذف فيقول صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه
[ 229 ]
الآخر فهو كناية إذا فسره بما يحتمله غير القذف قبل في قوله في احد الوجهين وفي الآخر صريح) إذا سمع رجلا يقذف فقال صدقت فالمصدق قاذف في أحد الوجهين لان تصديقه ينصرف إلى ما قاله، بدليل ما لو قال لي عليك الف فقال صدقت كان اقرارا بها، ولو قال اعطني ثوبي هذا قال صدقت كان اقرارا، وفيه وجه آخر لا يكون قاذفا وهو قول زفر لانه يحتمل أن يكون أراد تصديقه في غير القذف، ولو قال اخبرني فلان انك زنيت لم يكن قاذفا سواء صدقه المخبر عنه أو كذبه وبه قال الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي، وفيه وجه آخر انه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر وذكره ابو الخطاب وبه قال عطاء ومالك ونحوه عن الزهري لانه اخبر بزناه ولنا انه انما اخبر انه مقذوف فلم يكن قذفا كما لو شهد على رجل انه قذف رجلا (مسألة) (وان قذف اهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عزر ولم يحد) لانه لا عار على المقذوف بذلك للقطع بكذب القاذف ويعزر على ما اتى به من المعصية والزور فهو كما لو سبهم بغير القذف (مسألة) (وإن قال لامرأته يا زانية قالت بك زنيت لم تكن قاذفة) لانها صدقته فيما قال فلم يجب عليه حد كما لو قالت صدقت، ولا يجب عليها حد القذف لانه يمكن الزنا منها به من غير أن يكون زانيا بأن يكون قد وطئها بشبهة ولا يجب عليها حد الزنا لانها لم تقر أربع مرات (مسألة) (وإن قال لرجل اقذفني فقذفه فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين) وهذا مبني على الاختلاف في حد القذف إن قلنا هو حق لله تعالى وجب عليه ولم يسقط بالاذن فيه كالزنا، وإن قلنا هو حق لآدمي لم يجب عليه الحد كما لو أذن في اتلاف ماله ويعزر لانه فعل محرما لا حد فيه.
[ 230 ]
(مسألة) (وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الام في الحياة، وان قذفت وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما ذكره الخرقي وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة) أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لان الحق لها فلا يطالب به غيرها ولا يقوم غيرها مقامها سواء كان محجورا عليها أو غير محجور عليها لانه حق ثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها لان الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد، وأما ان قذفت وهي ميتة فان لولدها المطالبة لانه قدح في نسبه لانه بقذف أمه ينسبه إلى أنه من زنا ولا يستحق ذلك بطريق الارث فلذلك تعتبر الحصانة فيه ولا تعتبر الحصانة في أمه لان القذف له، وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال وهو قول أصحاب الرأي لانه قذف لمن لا تصح منه المطالبة فأشبه قذف المجنون، وقال الشافعي ان كان الميت محصنا فلوليه المطالبة وينقسم بانقسام الميراث، وان لم يكن محصنا فلا حد على قاذفه لانه ليس بمحصن فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حيا، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من لم يقذف محصنا حيا ولا ميتا لانه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلان لا يحد بقذفه بعد موته أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن الملاعنة (من رمى ولدها فعليه الحد) يعني من رماه بأنه ولد زنا، وإذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى، ولان أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين وان كانا ميتين والحد انما وجب للولد لان الحد لا يورث عندهم، فأما ان قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد فلا حد عليه في ظاهر
[ 231 ]
كلام الخرقي سواء كانت الام حرة مسلمة أو لم تكن، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال لكافر أو عبد لست لابيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد، وان قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد لست لابيك فعليه الحد، وان كان العبد للقاذف عند أبي ثور، وقال أصحاب الرأي يستقبح أن يحد المولى لعبده
واحتجوا بأن هذا قذف لامه فيعتبر احصانها دون احصانه لانها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولان معنى هذا ان أمك زنت فأتت بك من الزنا وإذا كان الزنا منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ولنا ما ذكرناه ولانه لو كان القذف لها لم يجب الحد لان الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولانهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال فثبت ان القذف له فيعتبر احصانه دون احصانها (فصل) فان قذفت جدته فقياس قول الخرقي أنه كقذف امه ان كانت حية فالحق لها وتعتبر حصانتها وليس لغيرها المطالبة عنها، وان كانت ميتة فله المطالبة إذا كان محصنا لان ذلك قدح في نسبه، فأما ان قذف أباه أو جده أو أحدا من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لانه انما وجب الحد بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر احصان المقذوفة واعتبر احصان الولد وإذا كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي، وقال الشافعي ان كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به وينقسم انقسام الميراث لانه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي ولنا أنه قذف من لا يتصور منه المطالبة فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول قذف من لا يجب الحد له فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي فان الحد يجب له (مسألة) (وان مات المقذوف سقط الحد عن القاذف) إذا كان قبل المطالبة بالحد ولم يجب، وان مات بعد المطالبة قام وارثه مقامه ولانه حق له
[ 232 ]
يجب بالمطالبة أشبه رجوع الاب فيما وهب ولده وكالشفعة تسقط بموت الشفيع قبل المطالبة دون ما بعدها (مسألة) (وان قذف ام النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا) يعني ان حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد، وحكي أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل، وبه قال ابو حنيفة والشافعي مسلما كان أو كافرا لان هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته.
ولنا أن هذا حد قذف فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي صلى الله عليه وسلم ولانه لو قبلت توبته وسقط حده لكان أخف حكما من قذف آحاد الناس لان قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولابد من إقامته واختلفت الرواية فيما إذا كان القاذف كافرا فأسلم فروي انه لا يسقط باسلامه لانه حد قذف فلم يسقط بالاسلام كقذف غيرها، وروي أنه يسقط لانه لو سب الله سبحانه وتعالى في كفره ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولان الاسلام يجب ما قبله والخلاف في سقوط القتل عنه، فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فان الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها والحكم في قذف النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم في قذف امه لان قذف امه إنما أوجب القتل لكونه قذفا للنبي صلى الله عليه وسلم وقدحا في نسبه. (فصل) وقذف النبي صلى الله عليه وسلم وقذف امه ردة عن الاسلام وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالاسلام لان سب الله سبحانه وتعالى يسقط بالاسلام فسب النبي صلى الله عليه وسلم أولى وقد جاء في الاثر ان الله تعالى يقول (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما شتمه إياي فقوله اني اتخذت ولدا وانا لم ألد ولم أولد) ولا خلاف في أن اسلام النصراني القائل لهذا القول يصح.
[ 233 ]
(مسألة) (ومن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم وعنه ان طالبوا متفرقين حد لكل واحد حدا) أما إذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فالمشهور في المذهب أنه لا يلزمه الا حد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، وبهذا قال طاوس والزهري والشعبي والنخعي وقتادة وحماد ومالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وابن ابي ليلى واسحاق وعنه رواية ثانية أنه يحد لكل واحد حدا كاملا وبه قال الحسن وأبو ثور وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات. ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)
لم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولان الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر الا حدا واحدا، ولانه قذف واحد فلم يجب الا حد واحد كما لو قذف واحدا ولان الحد انما وجب بادخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب ان يكتفي به بخلاف مااذا قذف كل واحد قذفا مفردا فان كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في الآخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده الآخر. إذا ثبت هذا فانهم ان طلبوا جملة حد لهم وان طلبه واحد أقيم الحد لان الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفي وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها في تزويجها إذا قام به واحد سقط عن الباقين وان أسقطه احدهم فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لان المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لانه قد اسقط حقه منه وعن احمد رواية ثالثة انهم ان طلبوه دفعة واحدة فحد واحد وكذلك ان طلبوه واحدا بعد
[ 234 ]
واحد الا انه ان لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد وان طلبه فأقيم له ثم طلبه آخر اقيم له وكذلك جميعهم وهذا قول عروة لانهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه لجميعهم فإذا طلبه واحد منهم كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا اسقاطهم. (مسألة) (وان قذفهم بكلمات حد لكل واحد حدا). وبهذا قال عطاء والشعبي وقتادة وابن ابي ليلى وابو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك لا يجب الا حد واحد لانها جناية توجب حدا فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر ولنا انها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فانه حق الله تعالى (فصل) إذا قال لرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لما بكلمة واحدة، فان كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد وجها واحدا، وان قال يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فان كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد وان كان ميتا فالظاهر في المذهب انه لا يجب الحد بقذفه وان قال يا زاني ابن الزانية وكانت أمة (أمه) في الحياة فكل واحد حد، وان كانت ميتة فالقذفان جميعا له، وان قال زنيت
بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال يا ناكح امه ويخرج فيها الروايات الثلاث (مسألة) (وان حد للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد اما إذا قذف رجل مرات ولم يحد فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وان قذفه فحد ثم أعاد قذفه وكان قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكي عن ابن القسم انه اوجب حدا ثانيا وهذا يخالف إجماع الصحابة فان ابا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الاثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر انه زنى
[ 235 ]
فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا وقال شهود زور فقال أبو بكرة اليس ترضى ان اتاك رجل عدل يشهد برجمه؟ قال نعم والذي نفسي بيده قال أبو بكرة وأنا أشهد انه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال علي يا أمير المؤمنين انك ان اعدت عليه الجلد اوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر فلا يعاد في فرية جلد مرتين قال الاثرم قلت لابي عبد الله قول علي ان جلدته فارجم صاحبك قال كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله وكنت انا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول إذا
[ 236 ]
جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر، فأما ان حد له ثم قذفه بزنا ثان نظرت فان قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لانه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف ابدا بحيث يتمكن من قذفه بكل حال، وان قذفه عقيب حده ففيه روايتان. (احداهما) يحد ايضا لانه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزمه فيه حد كما لو طال الفصل ولان
[ 237 ]
سائر اسباب الحد إذا تكررت بعد ان حد للاول ثبت للثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الاسباب (والثانية) لا يحد لانه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقيبه كما لو قذفه بالزنا الاول (فصل) إذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل فلا حد عليه في قول احد من اهل العلم
وكذلك ان اختلف رجلان في شئ فقال احدهما الكاذب هو ابن الزانية فلا حد عليه، نص عليه احمد لانه لم يعين احدا بالقذف وكذلك ما اشبه هذا. (فصل) إذا ادعى على رجل انه قذفه فأنكر لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري
[ 238 ]
وأصحاب الرأي وعن احمد انه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري ومالك والشافعي واسحاق وابي ثور وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولانه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الاول انه حد فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فان نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لان الحد يدرأ بالشبهات فلا يقضى فيه بالنكول كسائر الحدود.
[ 239 ]
باب القطع في السرقة الاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع، اما الكتاب فقول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) واما السنة فروت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تقطع اليد في ربع دينار) فصاعدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم (انما هلك من كان قبلكم بانهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) متفق عليه في أخبار سوى هذه نذكرها ان شاء الله تعالى في مواضعها، وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة (مسألة) (ولا يجب إلا بسبعة شروط) (أحدها) السرقة وهي أخذ المال على وجه الاختفاء ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك (مسألة) ولا قطع على منتهب ولا مختلس ولا غاصب ولا خائن ولا جاحد وديعة ولا عارية وعنه يقطع جاحد العارية) لا يقطع مختطف ولا مختلس عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية قال اقطع المختلس ولانه يستخفي باخذه فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الامصار على خلافه وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس على الخائن ولا المختلس قطع) وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس على
[ 240 ]
المنتهب قطع) وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال (ليس على الخائن والمختلس قطع) رواهما أبو داود وقال لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير ولان الواجب قطع السارق وهذا غير سارق ولان الاختلاس نوع من الخطف والنهب، انما استخفى في ابتداء اختلاسه بخلاف السارق (فصل) ولا يقطع جاحد الوديعة ولا غيرها من الامانات لا نعلم فيه خلافا فاما جاحد العارية فقد اختلف عن أحمد رحمه الله فيه فعنه أنه يقطع وهو قول إسحاق لما روت عائشة قالت كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فأتى اهلها اسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (الا اراك تكلمني في حد من حدود الله؟) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال (انما هلك من كان من قبلكم بانه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) قالت فقطع يدها، قال أحمد لا اعرف شيئا يدفعه متفق عليه وعن أحمد رواية ثانية أنه لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لقول رسول صلى الله عليه وسلم (لا قطع على الخائن) ولان الواجب قطع السارق والخائن ليس بسارق فاشبه جاحد الوديعة فاما المرأة التي كانت تستعير المتاع فانما قطعت لسرقتها لا لجحدها: الا تسمع قوله (ذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) وقوله (والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) وفي بعض الفاظ
[ 241 ]
رواة هذه القصة عن عائشة ان قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت وذكر القصة رواه البخاري وفي حديث أنها سرقت قطيفة فروى الاثرم باسناده عن مسعود بن الاسود قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعظمنا ذلك وكانت امرأة من قريش فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها باربعين اوقية فقال (تطهر خير لها) فلما سمعنا لين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم اتينا اسامة فقلنا كلم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث بنحو سياق حديث عائشة وهذا ظاهر في ان القصة واحدة وانها سرقت فقطعت لسرقتها وانما عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك ولا يلزم
ان يكون ذلك سببا كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرناه جمع بين الاحاديث وموافقة لظاهر الاحاديث والقياس وفقهاء الامصار فيكون اولى (مسألة) (ويقطع الطرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه وعنه لا يقطع) قال احمد الطرار سرا يقطع وان اختلس لم يقطع، ومعنى الطرار الذي يسرق من جيب الرجل أو كمه أو صفنه وسواء بط ما أخذ منه المسروق أو قطع الصفن فأخذه أو ادخل يده في الجيب فاخذ ما فيه فان عليه القطع، وروي عن احمد في الذي يأخذ من جيب الرجل وكمه لاقطع عليه وفي ذلك روايتان (إحداهما) يقطع لانه سرق من حرز (والثانية) لا يقطع كالمختلس
[ 242 ]
(فصل) الثاني ان يكون المسروق مالا محترما سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ اولا وسواء كان ثمينا كالمتاع والذهب أو غير ثمين كالخشب والقصب وكذلك يقطع بسرقة الاحجار والصيد والنورة والجص والزرنيخ والتوابل والفخار والزجاج وغيره وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد كالفواكه والطبائخ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا قطع في ثمر ولا كثر) رواه أبو داود ولان هذا معرض للهلاك اشبه ما لم يحرز، ولا قطع فيما كان أصله مباحا في دار الاسلام كالصيود والخشب الا في الساج والابنوس والصندل والقنا والمعمول من الخشب فانه يقطع به وما عدا هذا لا يقطع به لانه يوجد كثيرا مباحا في دار الاسلام فاشبه التراب، ولا قطع في القرون وان كانت معمولة لان الصنعة لا تكون غالبة عليها بل القيمة لها بخلاف معمول الخشب ولا قطع عنده في التوابل والنورة والجص والزرنيخ والملح والحجارة واللبن والزجاج والفخار وقال الثوري ما يفسد في يومه كالثريد واللحم لا قطع فيه ولنا عموم قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فذكر الحديث ثم قال (ومن سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع) رواه أبو داود وغيره وروي ان عثمان رضي الله عنه أتي برجل قد سرق اترجة فأمر بها عثمان فاقيمت فبلغت قيمتها ربع دينار فأمر به عثمان فقطع رواه
[ 243 ]
سعيد ولان هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط كالمجفف ولان ما وجب القطع في معموله وجب فيه قبل العمل كالذهب والفضة، وحديثهم اراد به الثمر المعلق بدليل حديثنا فانه مفسر له وتشبيهه بغير المحرز لا يصح لان غير المحرز مضيع وهذا محفوظ ولهذا افترق سائر الاموال بالحرز وعدمه، وقولهم يوجد مباحا في دار الاسلام ينتقض بالذهب والفضة والحديد والنحاس وسائر المعادن (مسألة) (ويقطع بسرقة العبد الصغير في قول عامة أهل العلم) قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم الحسن ومالك والثوري والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي، والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي لا يميز فان كان كبيرا لم يقطع سارقه الا ان يكون نائما أو مجنونا أو اعجميا لا يميز بين سيده وغيره في الطاعة فيقطع سارقه، وقال ابو يوسف لا يقطع سارق العبد وان كان صغيرا لان من لا يقطع بسرقته كبيرا لا يقطع بسرقته صغيرا كالحر ولنا انه سرق مالا مملوكا تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات وفارق الحر فانه ليس بمال ولا مملوك وفارق الكبير لانه لا يسرق وانما يخدع بشئ فان كان المسروق في حال نومه أو جنونه ام ولد ففي قطع سارقها وجهان (أحدهما) لا يقطع لانها لا يحل بيعها ولا نقل الملك
[ 244 ]
فيها فاشبهت الحرة (والثاني) يقطع لانها مملوكة تضمن بالقيمة فاشبهت القن وحكم المدبر حكم القن لانه يجوز بيعه ويضمن بقيمته، فاما المكاتب فلا يقطع سارقه لان ملك سيده ليس بتام عليه لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه ولا اخذ ارش الجناية عليه ولو جنى السيد عليه لزمه له الارش ولو استوفى منافعه كرها لزمه عوضها ولو حبسه لزمه اجرة مدة حبسه أو انظاره مقدار تلك المدة، ولا يجب القطع لاجل ملك المكاتب في نفسه لان الانسان لا يملك نفسه فاشبه الحر فاما ان سرق مال المكاتب فعليه القطع لان ملك المكاتب ثابت في مال نفسه الا ان يكون السارق سيده فلا قطع عليه لان له في ماله حقا وشبهة تدرأ الحد ولذلك لو وطئ جاريته لم يحد
(مسألة) (ولا يقطع بسرقة حر وان كان صغيرا وعنه انه يقطع بسرقة الصغير) ظاهر المذهب انه لا يقطع بسرقة الحر الصغير وبهذا قال الثوري والشافعي واصحاب الرأي وابن المنذر وعن احمد رواية ثانية انه يقطع بسرقة الصغير وذكرها ابو الخطاب وهو قول الحسن والشعبي ومالك وإسحاق لانه غير مميز اشبه العبد ولنا انه ليس بمال فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم (مسألة) (فان كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصابا لم يقطع وبه قال ابو حنيفة واكثر اصحاب الشافعي) وفيه وجه آخر انه يقطع حكاه ابو الخطاب وبه قال ابو يوسف وابن المنذر لظاهر الكتاب ولانه سرق نصابا من المال فأشبه مالو سرقه منفردا
[ 245 ]
ولنا انه تابع لما لا قطع في سرقته فأشبه ثياب الكبير ولان يد الصبي على ما عليه بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له وهكذا لو كان الكبير نائما على متاع فسرقه وثيابه لم يقطع لان يده عليه (فصل) وإن سرق ماء فلا قطع فيه قاله ابو بكر وابو إسحاق بن شاقلا لانه لا يتمول عادة ولا نعلم فيه خلافا فان سرق كلا أو ملحا فقال ابو بكر لاقطع عليه لانه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فأشبه المال، وقال ابو اسحاق عليه القطع لانه يتمول عادة فأشبه التبن والشعير، واما الثلج فقال القاضي هو كالماء لانه ماء جامد فأشبه الجليد قال شيخنا والاشبه انه كالملح لانه يتمول عادة فأشبه الملح المنعقد من الماء، واما التراب فان كان مما تقل الرغبات فيه كالمعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه لانه لا يتمول وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الارمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسل به أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين (احدهما) لا قطع فيه لانه من جنس ما لا يتمول اشبه الماء (والثاني) فيه القطع لانه يتمول عادة ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه فأشبه العود الهندي ولا يقطع بسرقة السرجين لانه إن كان نجسا فلا قيمة له وإن كان طاهرا فلا يتمول عادة ولا تكثر الرغبات فيه اشبه التراب الذي للبناء وما عمل من التراب كاللبن والفخار ففيه القطع لانه يتمول عادة
(مسألة) (ولا يقطع بسرقة مصحف وعند ابي الخطاب يقطع)
[ 246 ]
قال ابو بكر والقاضي لا قطع فيه وهو قول ابي حنيفة لان المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى وهو مما لا يجوز اخذ العوض عنه، واختار ابو الخطاب وجوب قطعه، وقال هو ظاهر كلام احمد فانه سئل عمن سرق كتابا فيه علم لينظر فيه فقال كلما بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع، وهذا قول مالك والشافعي وابي ثور وابن المنذر لعموم الآية في كل سارق ولانه متقوم تبلغ قيمته نصابا فوجب القطع بسرقته ككتب الفقه (مسألة) (ويقطع بسرقة سائر كتب العلم) ولا نعلم فيه خلافا بين اصحابنا في القطع بسرقة كتب الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية لعموم الادلة (فصل) فان قلنا لا يقطع بسرقة المصحف وكان عليه حلية تبلغ نصابا خرج فيه وجهان (احدهما) لا يقطع وهو قياس قول ابي اسحاق بن شاقلا ومذهب ابي حنيفة لان الحلي تابع لما لا يقطع بسرقته فأشبهت ثياب الحر (والثاني) يقطع وهو قول القاضي لانه سرق نصابا من الحلي فأشبه مالو سرقه منفردا واصل هذين الوجهين من سرق صبيا عليه حلي (فصل) وإن سرق عينا موقوفة وجب القطع لانها مملوكة للموقوف عليه ويحتمل أن لا يقطع بناء على الوجه الذي يقول إن الموقوف لا يملكه الموقوف عليه، فعلى هذا إن كان وقفا غير معين لم يقطع بسرقته.
[ 247 ]
(مسألة) (ولا يقطع بسرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر) لا يقطع بسرقة آلة لهو كالطنبور والمزمار والشبابة وإن بلغت قيمته مفصلا نصابا وبهذا قال أبو حنيفة، وقال أصحاب الشافعي إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابا ففيه القطع وإلا فلا لانه سرق ما قيمته نصابا لاشبهة له فيه من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه كما لو كان ذهبا مكسورا
ولنا انه آلة للمعصية بالاجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولان له حقا في أخذها لكسرها فكان ذلك شبهه مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فان كانت عليه حلية تبلغ نصابا فلا قطع فيه أيضا في قياس قول أبي بكر لانه متصل بما لا قطع فيه أشبه الخشب والاوتار وقال القاضي فيه القطع وهو مذهب الشافعي لانه سرق نصابا من حرزه أشبه المنفرد (فصل) ولا يقطع بسرقة محرم كالخمر والخنزير والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو كافر وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لانه مال لهم أشبه مالو سرق دراهمهم ولنا أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولان ما لا يقطع بسرقته من المسلم لا يقطع بسرقته من الذمي كالميتة والدم، وما ذكروه ينتقص بالخنزير ولا اعتبار به فان الاعتبار بحكم الاسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم (مسألة) (وإن سرق آنية فيها الخمر أو صليبا أو صنم ذهب لم يقطع وعند أبي الخطاب يقطع)
[ 248 ]
إذا سرق إناء فيه خمر يقطع وهو مذهب الشافعي كما لو سرقه ولا شئ فيه، وقال غيره من أصحابنا لا يقطع لانه متصل بما لا قطع فيه فأشبه مالو سرق شيئا مشتركا بينه وبين غيره بحيث تبلغ قيمته بالشركة نصابا وقال ابن شاقلا لو سرق اداوة فيها ماء لم يقطع لاتصالها بما لا قطع فيه ووجه الاول أنه سرق نصابا من حرز لا شبهة له فيه أشبه مالو سرقه فارغا، وإن سرق صليبا أو صنما من ذهب أو فضة يبلغ نصابا متصلا فقال القاضي لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة، وقال ابو الخطاب يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي، ووجه الوجهين ما تقدم فيما إذا سرق آلة لهو محلاة والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان التي قبلها له كسره بحيث لا يبقى له قيمة تبلغ نصابا وههنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولان الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيها مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون تابعا للصناعة المحرمة فأشبه الاوتار
(فصل) ولو سرق اناء من ذهب أو فضة قيمته نصابا إذا كان منكسرا فعليه القطع لانه غير مجمع على تحريمه وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وان سرق اناء معدا لحمل الخمر ووضعه فيه ففيه القطع لان الاناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه نيته وقصده فأشبه مالو سرق سكينا معدة لذبح
[ 249 ]
الخنازير أو سيفا يعد لقطع الطريق ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود يعلم به فعليه القطع وإن لم يعلم به فلا قطع فيه لانه لم يقصد سرقته فأشبه مالو تعلق بثوبه، وقال الشافعي يقطع لانه سرق نصابا فأشبه مالو سرق ما لا يعلم أن قيمته نصاب والفرق بينهما أنه علم بالمسروق ههنا وقصد سرقته بخلاف الدينار فانه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بايجاب الحد عليه (فصل) الثالث أن يسرق نصابا وهو ثلاثة دراهم أو قيمة ذلك من الذهب والعروض، وعنه أنه ثلاثة دراهم أو ربع دينار أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما وعنه لا تقوم العروض إلا بالدراهم فلا يجب القطع بسرقة دون النصاب في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن وداود وابن بنت الشافعي والخوارج فانهم قالوا يقطع في القليل والكثير لعموم الآية ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده) متفق عليه ولانه سارق من حرز فتقطع يده كسارق الكبير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا) متفق عليه واجماع الصحابة على ما سنذكره وهذا يخص عموم الآية، والحبل يحتمل أن يساوي ذلك، وكذلك البيضة يحتمل أن يراد بها البيضة السلاح وهي تساوي ذلك، واختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في قدر النصاب الذي
[ 250 ]
يجب القطع بسرقته فروى عنه أبو إسحاق الجوزجاني أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما وهذا قول مالك واسحاق وروى عنه الاثرم أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع وعنه أن الاصل الورق ويقوم الذهب به فان نقص ربع دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع سارقه وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور وقالت عائشة لا قطع
الا في ربع دينار فصاعدا، وروي هذا عن عمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والشافعي وابن المنذر لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا قطع الا في ربع دينار فصاعدا) وقال عثمان البتي تقطع اليد في درهم فما فوقه وعن أبي هريرة وأبي سعيد ان اليد تقطع في اربعة دراهم فصاعدا، وعن عمر رضي الله عنه ان الخمس لا تقطع الا في الخمس وبه قال سليمان بن يسار وابن ابي ليلى وابن شبرمة. وروي ذلك عن الحسن قال انس رضي الله عنه قطع ابو بكر في مجن قيمته خمس دراهم رواه الجوزجاني باسناده وقال عطاء وابو حنيفة واصحابه لا تقطع اليد الا في دينار أو عشرة دراهم لما روى الحجاج ابن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا قطع الا في عشرة دراهم) وروى ابن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم وعن النخعي لا تقطع اليد الا في اربعين درهما
[ 251 ]
ولنا ما روى ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه قيمته ثلاثة دراهم متفق عليه قال ابن عبد البر هذا اصح حديث يروى في هذا الباب لا يختلف اهل العلم في ذلك وحديث أبي حنيفة الاول يرويه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، والذي روي عن الحجاج ضعيف أيضا والحديث الثاني لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه فان من اوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بعشرة ويدل هذا الحديث على ان العرض يقوم بالدارهم لان المجن قوم بها ولان ما كان الذهب فيه أصلا كان الورق فيه اصلا كنصب الزكوات والديات وقيم المتلفات، وقد روى أنس أن سارقا سرق مجنا ما يسرني انه لي بثلاثة دراهم أو ما يساوي ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة فأمر بها عثمان فقومت فبلغت قيمتها ربع دينار فقطع (فصل) وإذا سرق ربع دينار من المضروب الخالص ففيه القطع وان كان فيه غش أو تبر يحتاج إلى تصفية لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من الذهب ربع دينار لان السبك ينقصه وان سرق ربع دينار قراضة أو تبرا خالصا أو حليا ففيه القطع نص عليه احمد في رواية الجوزجاني قال قلت
له كيف يسرق ربع دينار فقال قطعة ذهب أو خاتما أو حليا وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي وذكر القاضي في وجوب القطع احتمالين (احدهما) لا قطع عليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي لان الدينار اسم للمضروب
[ 252 ]
ولنا ان ذلك ربع دينار لانه يقال له دينار قراضه ومكسور أو دينار خلاص ولانه لا يمكنه سرقة ربع دينار مفرد في الغالب إلا مكسورا، وقد أوجب عليه القطع بذلك ولانه حق لله تعالى تعلق بالمضروب فتعلق بما ليس بمضروب كالزكاة والخلاف فيما إذا سرق من المكسور والتبر ما لا يساوي ربع دينار صحيح فان بلغ ذلك ففيه القطع، والدينار هو المثقال من مثاقيل الناس اليوم وهو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم وهو الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله ولم يتغير وانما كانت الدراهم مختلفة فجمعت وجعلت كل عشرة منها سبعة مثاقيل فهي التي يتعلق القطع بثلاثة منها إذا كانت خالصة مضروبة كانت أو غير مضروبة على ما ذكرناه في الذهب وعند أبي حنيفة ان النصاب انما يتعلق بالمضروب منها، وقد ذكر مادل عليه ويحتمل ماقاله في الدراهم لان اطلاقها يتناول الصحاح المضروبة بخلاف ربع الدينار على اننا قد ذكرنا فيها احتمالا متقدما فههنا اولى وما قوم من غيرهما بهما فلا قطع فيه حتى يبلغ ثلاثة دراهم صحاحا لان اطلاقها ينصرف إلى المضروب دون المكسر (مسألة) (وان سرق نصابا ثم نقصت قيمته أو ملكه ببيع أو هبة أو غيرهما لم يسقط القطع) إذا نقصت قيمة العين عن النصاب بعد إخراجها من الحرز لم يسقط القطع وبهذا قال مالك والشافعي وقال ابو حنيفة يسقط لان النصاب شرط فتعتبر استدامته ولنا قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولانه نقص حدث في العين فلم يمنع
[ 253 ]
القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرط لوجوب القطع فلا تعتبر استدامته كالحرز وما ذكره يبطل بالحرز فانه لو زال الحرز لم يسقط عنه القطع وسواء نقصت قيمتها بعد الحكم أو قبله لان سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ. فأما ان نقص النصاب قبل الاخراج لم يجب القطع لعدم
الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله. فان وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع لان الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه ولان الاصل عدمه (مسألة) (وان ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غير ذلك من أسباب الملك وكان ملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده لم يجب القطع) وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا، وان ملكها بعده لم يسقط القطع عند مالك والشافعي وإسحاق، وقال أصحاب الرأي يسقط لانها صارت ملكه فلا يقطع في عين هي ملكه كما لو ملكها قبل المطالبة بها ولان المطالبة شرط والشروط يعتبر دوامها ولم يبق لهذه العين مطالب ولنا ما روى الزهري عن ابن صفوان عن صفوان بن امية انه نام في المسجد وتوسد رداءه فأخذ من تحت رأسه فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ان يقطع فقال صفوان