الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 682 ه كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الحادي عشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصيد الاصل في إباحة الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا) وقال سبحانه (يسئلونك ماذا أحل لهم؟ قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وأما السنة فروى أبو ثعلبة الخشني قال اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله انا بارض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فاخبرني ماذا يصلح لي؟ " قال اما ما ذكرت أنكم بارض
[ 3 ]
صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم والذي ليس بمعلم فادركت ذكاته فكل " متفق عليه وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله انا نرسل الكلب المعلم فيمسك علينا قال " كل " قلت فان قتل؟ قال " وان قتل ما لم يشركه كلب غيره " قال وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض قال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فلا تأكل " متفق عليه أيضا وأجمع أهل العلم على اباحة الاصطياد والاكل من الصيد
* (مسألة) * (ومن صاد صيدا فادركه حيا حياة مستقرة لم يحل إلا بالذكاة) اما ما ادرك ذكاته من الصيد فلا يشترط في اباحته سوى صحة التذكية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام " وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فادركت ذكاته فكل " فاما ان ادركه وفيه حياة مستقرة فلم يذبحه حتى مات نظرت، فان كان الزمان لا يتسع لذكاته فمات فانه يحل أيضا قال قتادة يأكله ما لم يتوان في ذكاته أو يتركه عمدا وهو قادر على ذكاته ونحوه قول مالك والشافعي وروي ذلك عن الحسن والنخمي، وقال أبو حنيفة لا يحل لانه أدركه وفيه حياة مستقرة فتعلقت اباحته بتذكيته كما لو اتسع الزمان
[ 4 ]
ولنا أنه لم يقدر على ذكاته كالذي قتله الصائد، ويفارق ما قاسوا عليه لانه أمكنه ذكاته وفرط بتركها، لو أدركه وفيه حياة مستقرة يعيش بها زمنا طويلا وأمكنه ذكاته ولم يذكه حتى مات لم يبح سواء كان به جرح يعيش معه اولا وبه قال مالك والليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لان ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل ان عمر رضى الله عنه كانت جراحاته موجبة فأوصى واجيزت وصاياه وأقواله في تلك الحال ولم تسقط عنه الصلاة ولا العبادات ولانه ترك تذكيته مع القدرة عليها فاشبه غير الصيد * (مسألة) * (فان لم يجد ما يذكيه به أرسل الصائد له عليه حتى يقتله في إحدى الروايتين) واختاره الخرقي * (مسألة) * (فان لم يفعل وتركه حتى مات لم يحل وقال القاضي يحل والاخرى لا يحل الا ان يذكيه) اختلف قول أحمد في هذه المسألة فعنه مثل قول الخرقي وهو قول الحسن وابراهيم وقال في موضع إني لاقشعر من هذا يعني أنه لا يراه وهو قول أكثر أهل العلم لانه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح كالانعام وكما لو أخذه سليما. ووجه الاول أنه صيد قتله الجارح له من غير امكان ذكاته فابيح كما لو ادركه ميتا ولانها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالبا فجاز ان تكون ذكاته على حسب الامكان
[ 5 ]
كالمتردية في بئر، وحكي عن القاضي أنه قال في هذا يتركه حتى يموت فيحل لانه صيد تعذرت تذكيته
فابيح بموته من غير عقر الصائد له كالذي تعذرت تذكيته لقلة لبثه، والاول أصح لانه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة فلم يبح بغيرها إذا لم تكن آلة كسائر المقدور على تذكيته، ومسألة الخرقي محمولة على ما يخاف موته ان لم يقتله الحيوان أو يذكى فان كان به حياة يمكن بقاؤه إلى ان يأتي به منزله فليس فيه اختلاف لانه لا يباح الا بالذكاة * (مسألة) * (وان رمى صيدا فاثبته ثم رماه آخر فقتله لم يحل ولمن اثبته قيمته مجروحا على قاتله الا ان يصيب الاول مقتله دور الثاني أو يصيب الثاني مذبحه فيحل وعلى الثاني ما خرق من جلده) إذا رمى صيدا فاثبته ثم رماه آخر فأصابه لم تخل رمية الاول من قسمين (أحدهما) ان تكون موجئة مثل ان ينحره أو يذبحه أو تقع في خاصرته أو قلبه فينظر في رمية الثاني فان كانت غير موجئة فهو حلال ولا ضمان على الثاني الا ان ينقصه برميه شيئا فيضمن ما نقصه وبالرمية الاولى صار مذبوحا، وان كانت رمية الثاني موجئة فقال القاضي وأصحابه يحل كالتي قبلها وهو مذهب الشافعي
[ 6 ]
ويجئ على قول الخرقي ان يكون حراما كما لو ذبح حيوان فغرق في ماء أو ولئ عليه شئ فقتله وقد ذكرناه (القسم الثاني) ان يكون جرح الاول غير موجئ فينظر في رمية الثاني فان كانت موجئة فهو محرم لما ذكرنا الا ان تكون رمية الثاني ذبحته أو نحرته (فصل) فان لم تكن جراحة الثاني موجئة فله ثلاث صور (أحدها) ان يذكى بعد ذلك فيحل (الثانية) لم يذك حتى مات فهو حرام لانه مات من جرحين مبيح ومحرم فحرم كما لو مات من جرح مسلم ومجوسي وعلى الثاني ضمان جميعه لان جرحه هو الذي حرمه فكان جميع الضمان عليه (الثانية) قدر على ذكاته فلم يذكه حتى مات فيحرم لمعنيين (أحدهما) أنه ترك ذكاته مع امكانه (الثاني) أنه مات من جرحين مبيح ومحرم ويلزم الثاني الضمان وفي قدره احتمالان (أحدهما) يضمن جميعه كالتي قبلها (الاحتمال الثاني) يضمن بقسط جرحه لان الاول إذا ترك الذبح مع إمكانه كان جرحه حاضرا أيضا بدليل ما لو انفرد وقتل الصيد فيكون الضمان منقسما عليهما، وذكر القاضي في قسمه عليهما ان يقسط ارش جرح الاول وعلى الثاني ارش جراحته ثم يقسم ما بقي من القيمة بينهما نصفين، وفرض
المسألة في صيد قيمته عشرة دراهم نقصه جرح الاول درهما ونقصه جرح الثاني درهما فعليه درهم
[ 7 ]
ويقسم الباقي وهو ثمانية بينهما نصفين فيكون على الثاني خمسة دراهم درهم بالمباشرة وأربعة بالسراية وتسقط حصة الاول وهي خمسة، وان كان ارش جرح الثاني درهمين لزماه ويلزمه نصف السبعة الباقية ثلاثة ونصف وذلك خمسة ونصف وتسقط حصة الاول اربعة ونصف، فان كانت جنايتهما مملوكة لغيرهما قسم الضمان عليهم كذلك، قال شيخنا: ويتوجه على هذه الطريقة انه سوى بين الجنايتين مع ان الثاني جنى عليه وقيمته دون قيمته يوم جنى عليه الاول وإن لم يدخل ارش الجناية في بدل النفس كما يدخل في الجناية على الآدمي قال شيخنا والجواب عن هذا ان كل واحد منهما انفرد باتلاف ما قيمته درهم وتساويا في اتلاف الباقي بالسراية وتساويا في الضمان وانما يدخل ارش الجناية في بدل النفس التي لا ينتقص بدلها باتلاف بعضها وهو الآدمي، أما البهائم فإذا جنى عليها جناية ارشها درهم نقص ذلك من قيمتها فإذا سرى إلى النفس اوجبنا ما بقي من قيمة النفس ولم يدخل الارش فيها وذكر أصحاب الشافعي في قسمة الضمان طرقا ستة (أصحها) عندهم ان يقال ان الاول اتلف نصف نفس قيمتها تسعة فيلزمه أربعة ونصف فيكون المجوع تسعة ونصفا وهي أقل من قيمته لانها عشرة فتقسم العشرة على تسعة ونصف فيسقط عن الاول ما يقابل اربعة ونصفا، ويتوجه على هذا ان كل
[ 8 ]
واحد منهما يلزمه أكثر من قيمة نصف الصيد حين جنى عليه، وان كانت الجراحات من ثلاثة فان كان الاول اثبته فعلى طريقة القاضي على كل واحد ارش جرحه وتقسم السراية عليهم اثلاثا وان كان المثبت له الثاني فجراحة الاول هدر لا عبرة بها والحكم في جرجي الآخرين كما ذكرنا وعلى الطريقة الاخرى الاول اتلف ثلث نفس قيمتها عشرة فيلزمه ثلاثة وثلث والثاني اتلف ثلثها وقيمتها تسعة فيلزمه ثلاثة (والثالث) اتلف ثلثها وقيمتها ثمانية فيلزمه درهمان وثلثان فمجموع ذلك تسعة تقسم عليها العشرة حصة كل واحد منهم ما يقابل ما اتلفه، وان اتلفوا شاة مملوكة لغيره ضمنوها كذلك (فصل) فان رمياه معا فقتلاه كان حلالا وملكاه لا نهما اشتركا في سبب الملك والحلل تساوى
الجرحان أو تفاوتا لان موته كان بهما فان كان أحدهما موجئا والآخر غير موجئ ولا يثبته مثله فهو لصاحب الجرح الموجئ لانه الذي اثبته وقتله، ولا شئ على الآخر لان جرحه كان قبل ثبوت ملك الاخر فيه وان اصابه أحدهما بعد صاحبه فوجدناه ميتا لم نعلم هل صار بالاول ممتنعا اولا؟ حل لان الاصل الامتناع ويكون بينهما لان ايديهما عليه، فان قال كل واحد منهما انا اثبته ثم قتلته أنت حرم لانهما اتفقا على تحريمه ويتخالفان لاجل الضمان، ان اتفقا على الاول منهما فادعى الاول أنه اثبته
[ 9 ]
ثم قتله الاخر وأنكر الثاني اثبات الاول له فالقول قول الثاني لان الاصل امتناعه ويحرم على الاول لاقراره بتحريمه والقول قول الثاني في عدم الامتناع مع يمينه، وان علمت جراحة كل واحد منهما نظر فيها فان علم ان جراحة الاول لا يبقى معها امتناع مثل ان كسر جناح الطير أو ساق الظبي فالقول قول الاول بغير يمين، وان علم أنه لا يزيل الامتناع مثل خدش الجلد فالقول قول الثاني وان احتمل الامرين فالقول قول الثاني لان الاصل معه وعليه اليمين لان ما ادعاه الاول محتمل * (مسألة) * (وان ادرك الصيد متحركا كحركة المذبوح فحكمه حكم الميت لا يحتاج إلى ذكاة) لان عقره كذكاته، ومتى أدركه ميتا حل بشروط أربعة (أحدها) ان يكون من أهل الذكاة وهو ان يكون مسلما عاقلا أو كتابيا فان كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا أو من غير المسلمين وأهل الكتاب أو مجنونا لم يبح صيده لان الاصطياد اقيم مقام الذكاة والجارح مقام الآلة كالسكين وعقره للحيوان بمنزلة افراء الاوداج قال النبي صلى الله عليه وسلم " فان أخذ الكلب له ذكاة " والصائد بمنزلة المذكي فتشترط الاهلية فيه
[ 10 ]
(فصل) فاما ما لا يفتقر إلى الذكاة كالحوت والجراد فيباح إذا صاده المجوسي ومن لا تباح ذبيحته وقد أجمع على ذلك أهل العلم غير ان مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وافرطوا فقال مالك والليث لا نرى ان يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، واباح أبو ثور صيد المجوسي وذبيحته وقد ذكرنا ذلك في باب الذكاة
* (مسألة) * (فان رمى مسلم ومجوسي صيدا أو ارسلا عليه جارحا أو شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لم يحل، وان اصاب أحدهما المقتل دون الآخر حل ويحتمل أن لا يحل) متى رمى مسلم ومجوسي أو من ليس من أهل الذكاة صيدا أو ارسلا عليه جارحا فمات بذلك لم يحل لانه اجتمع في قتله مبيح ومحرم فغلب التحريم كالمتدلد بين ما يؤكل وبين مالا يؤكل، وكذلك ان شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله لما ذكرنا ولان الاصل الحظر، والحل موقوف على شرط وهو ان يذكيه من هو من أهل الذكاة أو صيده الذي حصلت التذكية به ولم يتحقق ذلك وكذلك ان رمياه بسهميهما فاصاباه فمات لما ذكرناه ولا فرق بين ان يقع سهماهما فيه دفعة واحدة أو يقع أحدهما قبل الآخر، فان اصاب احدهما مقتله دون الاخر مثل ان يكون قد عقره (1) عقرا موحيا مثل ان ذبحه أو جعله في حكم المذبوح ثم اصابه الثاني وهو غير موح ويجئ، على قول الخرقي ان لا يباح فانه قال
(1) هذا نقص ونصه مذبوح فيكون الحكم للاول فان كان الاول المسلم أبيح وان كان المجوسي لم يبح وان كان الثاني موحيا أيضا فقال أكثر أصحابنا الحكم للاول أيضا لان الاباحة حصلت به فأشبه ما لو كان الثاني غير اه من المعني
[ 11 ]
إذا ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء لم تؤكل ولان الروح خرجت بالجرحين فاشبه ما لو جرحاه معا وان كان الاول ليس بموح فالحكم للثاني في الحظر والاباحة (فصل) فان ارسل مسلمان كلبيهما على صيد وسمى احدهما دون الآخر وكان احد الكلبين غير معلم فقتلا صيدا لم يحل، وكذلك ان ارسل كلبه المعلم فاستهل معه معلم اخر بنفسه فقتلا الصيد في قول اكثر اهل العلم منهم ربيعة ومالك والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي وقال الاوزاعي يحل ههنا ولنا أن ارسال الكلب على الصيد شرط لما نذكره ولم يوجد في أحدهما. (فصل) إذا أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون من قتله حل أكله فان اختلفوا في قاتله وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينهم على السواء لان الجميع مشتركة في امساكه فأشبه ما لو كان في أيدي الصيادين وعبيدهم، وان كان البعض متعلقا به دون باقيها فهو لمن كلبه معلق
[ 12 ]
به وعلى من حكمنا له به اليمين في المسئلتين، لان دعواه محتملة فكانت اليمين عليه كصاحب، اليد وان كان قتيلا والكلاب ناحية وقف الامر حتى يصطلحوا ويحتمل أن يقرع بينهم فمن قرع صاحبه حلف وكان له، وهذا قول أبي ثور قياسا على ما لو تداعيا دابة في يد غيرهما وعلى الاول إذا خيف فساده قبل اصطلاحهم عليه باعوه ثم اصطلحوا على ثمنه. * (مسألة) * (وان رد كلب المجوسي إلى كلب المسلم فقتله حل أكله) وهذا قول الشافعي وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يحل لان كلب المجوسي عاون في اصطياده فأشبه إذا عقره. ولنا أن جارحة المسلم انفردت بقتله فابيح كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد فأصابه سهم المسلم فقتله أو أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم وبهذا يبطل ما قاله. * (مسألة) * (وان صاد المسلم بكلب المجوسي حل صيده). وعنه لا يحل صيد المسلم بكلب المجوسي في الصحيح من المذهب، وبه قال سعيد بن المسيب والحكم ومالك والشافعي وأبو ثور واسحاق وأصحاب الرأي وعنه لا يباح وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح) وهذا لم يعلمه وعن الحسن انه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية.
[ 13 ]
ولنا انه آلة صاد بها المسلم فحل صيده كالقوس والسهم، وقال ابن المسيب هو بمنزلة شفرته والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه وما علمه غيرنا فهو فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه، يحققه أن التعليم انما أثر في جعله آلة ولا تشترط الاهلية في ذلك هنا كعمل القوس والسهم وانما أثر فيما أقيم مقام الزكاة وهو ارسال الآلة من الكلب والسهم وقد وجد الشرط هنا. * (مسألة) * (وان صاد المجوسي بكلب المسلم لم يحل صيده في قول الجميع) * (مسألة) * (وان ارسل المسلم كلبا فزجره المجوسي حل صيده لان الصائد هو المسلم وان ارسله مجوسي فزجره مسلم لم يحل لان الصائد هو المجوسي). (فصل) الثاني الآلة وهي نوعان: محدد فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة ولابد أن يجرحه
فان قتله بثقله لم يحل لانه وقذ فيدخل في عموم قوله تعالى (والموقوذة) * (مسألة) * (وان أصاب بالمعراض اكل ما قتل بحده دون عرضه) المعراض عود محدد وربما جعل في رأسه حديدة. قال احمد المعراض يشبه السهم يحذف به الصيد فربما اصاب الصيد بحده فخرق وقتل فيباح.
[ 14 ]
وربما اصاب بعرضه فقتل بثقله فيكون موقوذا فلا يباح وهذا قول علي وسليمان وعمار وابن عباس وبه قال النخعي والحكم ومالك والثوري والشافعي وابو حنيفة واسحاق وابو ثور وقال الاوزاعي والحكم واهل الشام يباح ما قتل بحده وعرضه وقال ابن عمر ما رمي من الصيد بحلاهق أو معراض فهو من الموقوذة وبه قال الحسن. ولنا ما روى عدي بن حاتم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال " ما خرق فكل وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل " متفق عليه، وهذا نص صريح ولان ما قتل بحده بمنزلة ما طعنه برمحه أو رماه بسهمه، ولانه محدد خرق وقتل بحده وما قتل بعرضه انما يقتله بثقله فهو موقوذ كالذي رماه بحجر أو بندق ويحمل قول ابن عمر في تحريم ما قتل بالمعراض على ما قتل بعرضه ولانه شبهه بالبندق. (فصل) وحكم آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله أو الرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام، وكذا ان أصاب بحده فلم يجرح وقتل بثقله لم يبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما خرق فكل " ولانه إذا لم يجرحه فانما يقتل بثقله فأشبه ما أصاب بعرضه.
[ 15 ]
* (مسألة) * (وان نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيدا أبيح فان بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد على ما نذكره). وروي نحو هذا عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة، وقال الشافعي لا يباح بحال لانه لم يذكه أحد وانما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا
فذ بحث شاة ولانه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فذا أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " كل ما ردت عليك يدك " ولانه قصد قتل الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والتسبب يجري مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد، وفارق ما إذا نصب سكينا فان العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهما ولم يرم صيدا فليس ذلك بمعتاد والظاهر انه لا يصيب صيدا فلم يصح قصده بخلاف هذا. * (مسألة) * (وإذا قتله بسهم مسموم لم يبح إذا غلب على الظن أن السم أعان على قتله) إنما كان كذلك لان ما قتله السم محرم وما قتله السهم مباح فإذا مات بسبب مباح ومحرم حرم كما لو مات بسهمي مسلم، فأما ان علم أن السم لم يعن على قتله لكون السهم أوحى منه فهو مباح.
[ 16 ]
* (مسألة) * (وان رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل أو وطئ عليه شئ فقتله لم يبح إلا أن تكون الجراح موحية كالذكاة فهل يحل؟ على روايتين). إذا وقع في ماء يقتله مثله أو تردى ترديا يقتله مثله فلا يحل إذا لم تكن الجراح موحية فان كانت الجراح موحية كالذكاة ففيه روايتان (احداهما) لا يحل وهو الذي ذكره الخرقي، وهي المشهورة عن أحمد وهو ظاهر قول ابن مسعود وعطاء وأصحاب الرأي (والرواية الثانية) يحل وهو قول أكثر أصحابنا المتأخرين ولا يضر وقوعه في الماء ولا ترديه، هو قول الشافعي ومالك والليث وقتادة وأبي ثور لان هذا صار في حكم الميت بالذبح فلا يؤثر فيه ما أصابه. ووجه الاولى قوله عليه الصلاة والسلام " وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " ولانه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موحية ولا خلاف في تحريمه إذا كانت الجراح غير موحية، فاما ان وقع في الماء على وجه لا يقتله مثل أن يكون رأسه خارجا من الماء أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء أو كان التردي لا يقتل مثل ذلك الحيوان فلا خلاف في إباحته، لان قول النبي صلى الله عليه وسلم
[ 17 ]
" وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكله " يقتضي أن يغرق جميعه، ولان الوقوع في الماء والتردي
إنما حرم خشية أن يكون قاتلا أو معينا على القتل وهذا منتف فيما ذكرناه * (مسألة) * (فان رماه في الهواء فوقع على الارض فمات حل) إذا رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل فوقع على الارض فمات به حل وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يحل إلا أن تكون الجراح موحية أو يموت قبل سقوطه وحكي ابن أبي موسى عن أحمد رواية نحو ذلك لقوله تعالى (والمتردية) ولانه اجتمع المبيح والحاظر فغلب الحاظر كما لو غرق. ولنا أنه صيد سقط بالاصابة سقوطا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على جنبه ويخالف ما ذكروه فان الماء يمكن التحرز عنه بخلاف الارض. * (مسألة) * (وان رمى صيدا فغاب ثم وجده ميتا لا اثر به غير سهمه حل وعنه ان كانت الجراح موحية حل وإلا فلا وعنه ان جده في يومه حل وإلا فلا وان وجد به غير أثر سهمه مما يحتمل انه اعان على قتله لم يبح)
[ 18 ]
متى رمى صيدا فغاب عن عينه فوجده ميتا وسهمه فيه لا أثر به غيره حل أكله. هذا المشهور عن أحمد وكذلك لو ارسل كلبه على صيد فغاب عن عينه ثم وجده ميتا ومعه كلبه حل وهذا قول الحسن وقتادة عن أحمد ان كانت الجراح موحية حل والا فلا لانها إذا كانت موحية لم يتأخر الموت عنها ولم تجز نسبة الموت إلى غيرها الا بوجود مثلها أو أوحى بخلاف غيرها، وعنه ان وجده في يومه حل والا فلا قال احمد ان غاب نهارا فلا بأس وان غاب ليلا لم يأكله وعن مالك كالروايتين وعن أحمد ما يدل على انه ان غاب مدة طويلة لم يبح وان كانت يسيرة أبيح قيل له ان غاب يوما؟ قال يوم كثير، ووجه ذلك قول ابن عباس إذا رميت فاقعصت فكل وان رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فكل وان غاب عنك ليلة فلا تأكل فانك لا تدري ما حدث به بعدك. وكره عطاء والثوري أكل ما غاب وعن أحمد مثل ذلك وللشافعي فيه قولان لان ابن عباس قال: كل ما اصميت وما انميت فلا تأكل، قال الحكم الاصماء الاقعاص يعني انه يموت في الحال والانماء ان يغيب عنك يعني انه لا يموت في الحال قال الشاعر فهو لا تنمي رميته * ماله لا عد من نفره
وقال أبو حنيفة يباح ان لم يكن ترك طلبه وان تشاغل عنه ثم وجده لم يبح
[ 19 ]
ولنا ما روى عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل، وان وجدته غريقا في الماء فلا تأكل " متفق عليه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله افتني في سهمي قال " ما رد عليك سهمك فكل " قال وان تغيب عني؟ قال " وان تغيب عنك ما لم تجد فيه اثرا غير سهمك أو تجده قد صل " رواه أبو داود وعن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا رميت الصيد فادركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن " ولان جرحه سبب إباحته وقد وجد يقينا والمعارض له مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك ولانه جده وسهمه فيه ولم يجد به أثرا آخر فاشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة أو كما لو غاب نهارا أو مدة يسيرة أو كما لو لم يغب. إذا ثبت هذا فانه يشترط لحله شرطان (احدهما) ان يجد سهمه فيه أو اثره ويعلم انه أثر سهمه لانه إذا لم يكن كذلك فهو شاك في وجود المبيح فلا يثبت بالشك (والثاني) ان لا يجد به أثرا غير أثر سهمه مما يحتمل انه أعان على قتله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما لم تجد فيه اثرا غير سهمك " وفي لفظ " ان وجدت فيه اثر غير سهمك فلا تأكله فانك لا تدري أقتلته أنت أو غيرك " رواه الدارقطني وفي لفظ " إذا وجدت فيه سهمك ولم يأكل منه سبع فكل منه " رواه النسائي وفي حديث عدي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " فان رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل وان وقع في
[ 20 ]
الماء فلا تأكل " رواه البخاري ولانه إذا وجد به أثرا يصلح ان يكون قد قتله أو أعان على قتله فقد تحقق المعارض فلم يبح كما لو جد مع كلبه كلبا سواه، فأما ان كان الاثر مما لا يقتل مثله مثل أكل حيوان ضعيف كالسنور والثعلب من حيوان قوي فهو مباح لان هذا يعلم انه لم يقتله فهو كما لو تهشم من وقعته * (مسألة) * (وان ضربه فأبان منه عضو أو بقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه وان بقي معلقا بجلده حل وان أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يباح ما أبان منه) وجملة ذلك انه إذا رمى صيدا أو ضربه فأبان منه بعضه لم يخل من ثلاثة أقسام (احدها) ان يقطعه
قطعتين أو يقطع رأسه فيحل جميعه سواء كانت القطعتان متساويتين أو متفاوتتين وبهذا قال الشافعي وروي ذلك عن عكرمة والنخعي وقتادة، قال أبو حنيفة ان كانتا متساويتين أو التي مع الرأس أقل حلتا وإن كانت الاخرى أقل لم تحل وحل الرأس وما معه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أبين من حي فهو ميت " ولنا أنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده فأبيح كما لو تساوت القطعتان (والثاني) ان يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة فالبائن محرم بكل حال سواء بقي الحيوان حيا أو أدركه فذكاه أو رماه
[ 21 ]
بسهم آخر فقتله الا أنه ان ذكاه حل بكل حال دون ما أبان منه، وان ضربه في غير مذبحه فقتله نظرت، فان لم يكن اثبته بالضربة الاولى حل دون ما أبان منه، وان كان اثتبه لم يحل شئ منه لان ذكاة المقدور في الحلق واللبة (الثالث) أبان منه عضوا ولم تبق فيه حياة مستقرة ففيها روايتان (اشهرهما) عن أحمد إباحتها قال أحمد انما حديث النبي صلى الله عليه وسلم " ما قطعت من الحي ميتة إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب " اما إذا كانت البينونة والموت جميعا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا باس به الا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت، وهذا مذهب الشافعي وروي ذلك عن علي وعطاء والحسن وقال قتادة وابراهيم وعكرمة ان وقعا معا أكلهما وان مشى بعد قطع العضو اكله ولم يأكل العضو (والرواية الثانية) لا يباح ما بان منه وهو مذهب ابي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما ابين من حي فهو ميت " ولان هذه البينونة لا تمنع بقاء الحيوان في العادة فلم يبح أكل البائن كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة والاولى المشهورة لان ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قده نصفين والخبر يقتضي ان يكون الباقي حيا حتى يكون المنفصل منه ميتا وكذا نقول قال فان بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة ذكره أبو الخطاب لانه لم يبن
[ 22 ]
(فصل) قال أحمد ثنا هشيم عن منصور عن الحسن انه كان لا يرى بالطريدة بأسا كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله قال والطريدة الصيد يقع بين القوم فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضا حتى يؤتى عليه وهو حي قال وليس هو عندي الا ان الصيد يقع بينهم
لا يقدرون على ذكاته فيقطعونه قطعا * (مسألة) * (وان اخذ قطعة من حوت وافلت حيا أبيح ما أخذ منه) لان أقصى ما فيه انه ميت وميتته حلال لقوله عليه الصلاة والسلام في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " * (مسألة) * (وأما ما ليس بمحدد كالبندق والعصي والحجر والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به) لانه وقيذ أما ما قتلته الشبكة والحبل فهو محرم لا نعلم فيه خلافا الا عن الحسن انه مباح إذا قتله الحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه وهذا قول شاذ يخالف عوام اهل العلم ولانه قتل بما ليس له حد اشبه ما قتله بالبندق (فصل) فأما ما قتل البندق والحجر الذي لا حد له فلا يؤكل وهذا قول عامة الفقهاء فأما الحجر المحدد كالصوان فهو كالمعراض ان قتل بحده ابيح وان قتل بعضره أو ثقله فهو وقيذ لا يباح قال
[ 23 ]
ابن عمر في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة وكره ذلك سالم والقاسم ومجاهد وعطاء والحسن وابراهيم ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور. ورخص فيما قتل بها ابن المسيب أيضا وعمار وعبد الرحمن ابن أبي ليلى ولنا قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - والموقوذة) وروى سعيد باسناده عن ابراهيم عن عدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا تأكل من البندقة الا ما ذكيت " وقال عمر رضي الله عنه ليتق أحدكم ان يحذف الارنب بالعصا والحجر ثم قال ولتذك لكم الاسل الرماح والنبل. إذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه حتى لو رماه ببندقة فقطعت حلقوم طائر ومريئه أو أطارت رأسه لم يحل ومثله لو فعل ذلك بحجر غير محدد (فصل) أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي إذا لم يذكه من هو من أهل الذكاة الا مالا ذكاة له كالسمك والجراد، الا ان مالكا والليث وأبا ثور شذوا عن الجماعة وأفرطوا، فاما مالك والليث فقالا لا نرى يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ورخصا في السمك، وأبا ثور اباح صيده لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وهذا قول يخالف الاجماع فلا عبرة به والحديث انما أريد به قبول الجزية منهم لا تحليل ذبائحهم ونسائهم لمخالفته الاجماع
[ 24 ]
(النوع الثاني) الجارحة فيباح ما قتلته ان كانت معلمة الا الكلب الاسود البهيم فلا يباح صيده، ولا خلاف في اعتبار شرط التعليم في الجارحة لقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم) فاما الكلب الاسود البهيم فلا يباح صيده، والبهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه قال أحمد الذي ليس فيه بياض قال ثعلب وابراهيم الحربي كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم قيل لهما من كل لون؟ قال نعم، وممن كره صيده الحسن والنخعي وقتادة واسحاق قال احمد ما اعرف أحدا يرخص فيه يعني من السلف واباح صيده أبو حنيفة ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر والقياس على غيره من الكلاب ولنا أنه كلب محرم اقتناؤه فلم يبح صيده كغير المعلم ودليل تحريم اقتنائه قول النبي صلى الله عليه وسلم " فاقتلوا منها كل أسود بهيم " رواه سعيد وغيره وروى مسلم في صحيحه باسناده عن عبد الله بن المغفل قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها فقال " عليكم بالاسود البهيم ذي النكتتين فانه شيطان " فأمر بقتله وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده كغير المعلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا ولا يجوز اقتناء الشيطان، واباحة الصيد المقتول رخصة فلا تستباح بمحرم
[ 25 ]
كسائر الرخص والعمومات مخصوصة بما ذكرناه، وان كان فيه نكتتان فوق عينيه لم يخرج بذلك عن كونه بهيما لما ذكرنا من الخبر * (مسألة) * (والجوارح نوعان ما يصيد بنابه كالكلب والفهد فتعليمه بثلاثة أشياء، ان يسترسل إذا ارسل وينزجر إذا زجر وإذا أرسل لم يأكل) * (مسألة) * (ولا يعتبر تكرر ذلك منه) هذا قول الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب بل يحصل ذلك بالمرة لانه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع، وقال القاضي يعتبر تكرار ذلك منه مرة بعد اخرى حتى يصير معلما في العرف وأقل ذلك ثلاث وهو قول أبي يوسف ومحمد ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات لان التقدير بالتوقيف ولا توقيف في هذا بل قدره بما يصير به في العرف معلما، وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا
تكرر مرتين صار معلما لان التكرار يحصل بمرتين وانما اشترطنا التكرار لان تركه للاكل يحتمل ان يكون لشبع ويحتمل ان يكون لتعليم فلا يتميز ذلك الا بالتكرار وما اعتبر فيه التكرار
[ 26 ]
اعتبر ثلاثا كالمسح في الاستحمار والاقرار والشهود في العدة والغسلات في الوضوء. ويفارق الصنائع فانه لا يتمكن من فعلها الا من تعلمها فإذا فعلها علم أنه تعلمها وعرفها، وترك الاكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره فيوجد من الصنفين جميعا فلا يتميز به أحدهما من الاخر حتى يتكرر (فصل) قد ذكرنا ان ترك الاكل شرط لكون الجارح المذكور معلما وحكي عن ربيعة ومالك أنه لا يشترط ترك الاكل لما روى أبو ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وان أكل " ذكره الامام أحمد ورواه أبو داود ولنا ان العادة في المعلم ترك الاكل فاعتبر شرطا كالانزجار إذا زجر وحديث أبي ثعلبة معارض بما روي عدي بن حاتم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فان أكل فلا تأكل فاني اخاف ان يكون انما امسك على نفسه " وهذا اولى بالتقديم لانه اصح وهو متفق عليه ولانه متضمن للزيادة وهو ذكر الحكم معللا ثم ان حديث أبي ثعلبة محمول على جارحة ثبت تعليمها لقوله " إذا ارسلت كلبك المعلم " ولا يثبت التعليم حتى يترك الاكل، إذا ثبت هذا فان الانزجار بالزجر انما يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته أما بعد ذلك فانه لا يعتبر الانزجار بحال قال شيخنا ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في
[ 27 ]
غير الكلب فانه الذي يجيب صاحبه إذا دعاه وينزجر إذا زجره والفهد لا يكاد يجيب داعيا وان عد متعلما فيكون التعليم في حقه ترك الاكل خاصة أو بما يعده به أهل العرف معلما * (مسألة) * (فان أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده ولم يبح ما اكل منه في احدى الروايتين والاخرى يحل) أصح الروايتين ان ما اكل منه لا يباح ويروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وبه قال عطاء وطاوس وعبيد بن عمير والشعبي والنخعي وسويد بن عفلة وأبو بردة وسعيد بن جبير وعكرمة
والضحاك وقتادة واسحاق وأبو حنيفة وأصحابه (والثانية) يباح روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان وأبي هريرة وابن عمر حكاه عنهم الامام احمد وبه قال مالك وللشافعي قولان كالمذهبين واحتج من أباحه بعموم قوله تعالى (فكلوا مما امسكن عليكم) ولحديث أبي ثعلبة ولانه صيد جارح معلم فابيح كما لو لم يأكل فان الاكل يحتمل ان يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم " إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما امسك عليك " قلت وان قتل؟ قال " وان قتل الا ان يأكل الكلب فان أكل فلا
[ 28 ]
تأكل فاني اخاف ان يكون انما امسك على نفسه " متفق عليه ولان ما كان شرطا في الصيد الاول كان شرطا في سائر صيوده كالارسال والتعليم فاما الآية فلا تتناول هذا الصيد لانه قال (مما أمسكن عليكم) وهذا انما امسك على نفسه واما حديث أبي ثعلبة فقال احمد يختلفون عن هشيم فيه وحديثنا اصح لانه متفق عليه وحديث عدي أضبط ولفظه ابين لانه ذكر الحكم والعلة، قال احمد حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الشعبي يقول كان جاري وربيطي فحدثني والعمل عليه ويحتمل أنه أكل منه بعد ان قتله وانصرف عنه (فصل) ولا يحرم ما تقدم من صيده في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يحرم لانه لو كان معلما ما اكل ولنا عموم الآية والاخبار وانما خص ما أكل منه ففيما عداه يجب العمل بالعموم ولان اجتماع شروط التعليم حاصل فوجب الحكم به ولهذا حكمنا بحل صيده فإذا وجد الاكل احتمل ان يكون لنسيان أو فرط جوع فلا يترك ما ثبت يقينا بالاحتمال
[ 29 ]
(فصل) ولا يحرم ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه ويحتمل كلام الخرقي أنه يخرج عن ان يكون معلما فتعتبر له شروط التعليم ابتداء والاول اولى لما ذكرنا في صيده قبل الاكل
(فصل) فان شرب من دمه ولم يأكل منه لم يحرم نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكرهه الشعبي والثوري لانه في معنى الاكل ولنا عموم الآية والاخبار وإنما خرج منه ما اكل منه لحديث عدي وهو قوله " فان اكل منه فلا تأكل " وهذا لم يأكل ولان الدم لا يقصده الصائد منه ولا ينتفع به فلا يخرج بشربه عن ان يكون ممسكا على صائده (فصل) وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم كالفهد وجوارح الطير فحكمه حكم الكلب في اباحة صيده قال ابن عباس في قوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد والفهود والصقور واشباهها وبمعنى ذلك قال طاووس ويحيى ابن أبي كثير والحسن ومالك والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي وأبو ثور وحكي عن ابن عمر ومجاهد انه لا يجوز الصيد الا بالكلب لقول الله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) يعني علمتم من الكلاب
[ 30 ]
ولنا ما روي عن عدي قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال " إذا امسك عليك فكل " ولانه جارح يصاد به عادة ويقبل التعليم فاشبه الكلب، فاما الآية فان الجوارح الكواسب قال الله تعالى (ويعلم ما جرحتم) أي كسبتم وفلان جارحة أهله أي كاسبهم (مكلبين) من التكليب وهو الاغراء (النوع الثاني) ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين فتعليمه بان يسترسل ويجيب إذا دعي ولا يعتبر ترك الاكل، فعلى هذا يباح صيده وان أكل منه وبهذا قال ابن عباس واليه ذهب النخعي وحماد والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ونص الشافعي على أنه كالكلب في تحريم ما أكل منه من صيده، لان مجالدا روى عن الشعبي عن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم " فان أكل الكلب والبازي
[ 31 ]
فلا تأكل " ولانه جارح أكل مما صاده عقيب قتله فأشبه سباع البهائم. ولنا إجماع الصحابة فروي الخلاف باسناده عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل
وان أكل الصقر فكل لانك تستطيع أن تضرب الكلب ولا تستطيع أن تضرب الصقر وقد ذكرنا عن أربعة من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب وخالفهم ابن عباس ووافقهم في الصقر ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم ولان جوارح الطير تعلم بالاكل ويتعذر تعليمها بترك الاكل فلم يقدح في تعليمها بخلاف الكلب والفهد، وأما الخبر فلا يصح برواية مجالد وهو ضعيف قال أحمد مجالد يضير القصة واحدة كم من أعجوبة لمجالد؟ والرواية الصحيحة تخالفه، ولا يصح قياس الطير على السباع لما بينهما من الفرق وعلى هذا كل ما امكن تعليمه والاصطياد به من جوارح الطير كالبازي والصقر والعقاب والباشق ونحوه حل صيدها على ما ذكرنا. * (مسألة) * (ولابد أن يجرح الصيد فان قتله بصدمته أو خنقه لم يبح) قال الشريف وبه قال أكثرهم وقال ابن حامد يباح وهو قول للشافعي لعموم الآية والخبر. ولنا أنه قتله بغير جرح أشبه ما لو قتله بالحجر والبندق، ولان الله تعالى حرم الموقوذة وهذا
[ 32 ]
كذلك وهو يخص ما ذكروه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " يدل على أنه يباح ما لم ينهر الدم. * (مسألة) * (وما أصابه فم الكلب هل يجب غسله؟ على وجهين) [ أحدهما ] لا يجب، لان الله تعالى ورسوله أمرا بأكله ولم يأمرا بغسله [ والثاني ] يجب لان نجاسته قد ثبتت فيجب غسل ما أصابه كبوله. * (فصل) * قال رحمه الله (الثالث أن يرسل الآلة قاصدا للصيد فان استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده وان زجره إلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل، وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي وأبو ثور واصحاب الرأي وقال عطاء والاوزاعي يؤكل صيده إذا جرح الصيد، وقال اسحاق إذا
[ 33 ]
سمى عند انفلاته أبيح وروى باسناده عن ابن عمر أنه سئل عن الكلاب تنفلت من مرابضها فتصيد الصيد قال إذا ذكر اسم الله فكل قال اسحاق فهذا الذي اختار إذا لم يتعمد ارساله من غير اسم
الله عليه قال الخلال هذا قول أبي عبد الله. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، ولان ارسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه فان استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد عدوه بزجره ابيح صيده، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يباح وعن مالك كالمذهبين. ولنا أن زجره أثر في عدوه فصار كما لو أرسله، لان فعل الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة كان الاعتبار بفعل الانسان بدليل أنه لو عدا على إنسان فأغراه آدمي فأصابه ضمن الآدمي، وان لم يزد عدوه بزجره لم يبح لانه لم يؤثر شيئا فهو كما لو لم يزجره
[ 34 ]
(فصل) وان أرسله بغير تسمية ثم سمى وزجره فزاد عدوه فظاهر كلام أحمد أنه يباح فانه قال إذا أرسل ثم سمى فانزجر أو أرسل وسمى فالمعنى قريب من السواء وظاهر هذا الاباحة لانه انزجر بتسميته وزجره فأشبه التي قبلها، وقال القاضي لا يباح لان الحكم يتعلق بالارسال الاول بخلاف ما إذا استرسل بنفسه ولانه لا يتعلق به حظر ولا إباحة. * (مسألة) * (وان أرسل كلبه إلى هدف فقتل صيدا أو أرسله يريد الصيد ولا يرى صيدا لم يحل صيده إذا قتله) لان قصد الصيد شرط ولم يوجد وكذلك ان قصد إنسانا أو حجرا أو رمى عينا غير قاصد صيدا فقتله لم يحل لانه لم يقصد صيدا لكون القصد لا يتحقق إلا بعلمه، وبهذا قال الشافعي في الكلب وقال الحسن ومعاوية بن قرة يأكله لعموم الآية والخبر ولانه قصد الصيد فحل له ما صاده كما لو رآه ولنا أن قصد الصيد شرط ولا يصح مع عدم العلم فأشبه ما لو لم يقصد الصيد.
[ 35 ]
* (مسألة) * (فان رمى حجرا يظنه صيدا فأصاب صيدا لم يحل ويحتمل أن يحل ذكره أبو الخطاب) لانه لم يقصد شيئا على الحقيقة ويحتمل أن يحل اختاره شيخنا لانه قصد الصيد أشبه ما لو رآه، ولان صحة القصد تبنى على الظن وقد وجد وصح قصده فينبغي أن يحل صيده، فأما ان شك هل هو
صيد أم لا؟ وغلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح، لان صحة القصد تنبني على العلم ولم يوجد ذلك. (فصل) فان رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا فرماه فقتله فإذا هو صيد لم يبح، وبهذا قال مالك ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة والشافعي يباح ان كان المرسل سهما ولا يباح ان كان جارحا واحتج من أباحه بعموم الآية والخبر، ولانه قصد الاصطياد وسمى فاشبه ما لو علمه صيدا. ولنا انه لم يقصد فلم يبح كما لو رمى هدفا فاصاب صيدا أو كما في الجارح عند الشافعي وان ظنه كلبا أو خنزيرا لم يبح لذلك وقال محمد بن الحسن يباح لانه مما يباح قتله، ولنا ما تقدم
[ 36 ]
* (مسألة) * (وان رمى صيدا فقتل غيره أو رمى صيدا فقتل جماعة حل) إذا رمى صيدا فأصابه هو وغيره حلا جميعا والجارح في هذا بمنزلة السهم. نص احمد على ذلك وبه قال الثوري وقتادة وأبو حنيفة والشافعي إلا أن الشافعي قال إذا أرسل الكلب على صيد فأخذ آخر في طريقه حل وان عدل عن طريقه إليه ففيه وجهان، وان ارسله على صيد فقتل غيره أبيح وقال مالك إذا أرسل كلبه على صيد بعينه فاخذ غيره لم يبح لانه لم يقصد صيده إلا ان يرسله على صيود فتفرق عن صغار فانها تباح إذا اخذها. ولنا عموم قوله تعالى (فكلوا مما امسكن عليكم) وقوله عليه السلام " إذا ارسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل مما امسك عليك " وقوله عليه السلام " كل ما ردت عليك قوسك " ولانه ارسل آلة الصيد على صيد فحل ما صاده كما لو ارسلها على كبار فتفرقت عن صغار فاخذها عند مالك أو كما لو اخذ صيدا في طريقه عند الشافعي ولانه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد فسقط اعتباره.
[ 37 ]
* (مسألة) * (وان أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتلته ولولاها ما وصل حل) لانه قتل الحيوان بسهمه ورميه فحل كما لو وقع سهمه في حجر فرده إلى الصيد فقتله
* (مسألة) * (وان رمى صيدا فاثبته ملكه، فان تحامل فأخذه غيره لزمه رده كما يلزمه رد الشاة) * (مسألة) * (وان لم يثبته فذخل خيمة إنسان فأخذه فهو لآخذه) لان الاول لم يملكه لكونه ممتنعا فملكه الثاني باخذه، ولو رمى طيرا على شجرة في دار قوم فطرحه في دارهم فأخذوه فهو للرامي دونهم لانه ملكه بازالة امتناعه. * (مسألة) * (وان وقع صيد في شبكة انسان فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني) أما إذا تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته ملكه لانه أثبته بآلته ذكره أصحابنا فان أخذه انسان لزمه رده عليه لان آلته اثبتته فاشبه ما لو اثبته بسهمه وان لم تمسكه الشبكة بل انفلت منها في الحال أو
[ 38 ]
بعد حين لم يملكه لانه لم يثبته وان أخذ الشبكة وذهب بها فصاده انسان ملكه ويرد الشبكة على صاحبها دون الصائد لانه لم يثبته، وان كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها لانها ازالت امتناعه، فاما ان امسكه الصائد وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه لانه امتنع منه بعد ثبوت ملكه عليه فلم يرد ملكه عنه. كما لو شردت فرسه أو ند بعيره. (فصل) فان اصطاد صيدا فوجد عليه علامة مثل قلادة في عنقه أو في اذنه قرطا لم يملكه لان الذي صاده ملكه فلا يزول ملكه بالانفلات، وكذلك ان وجد طائرا مقصوص الجناح ويكون لقطة فان قيل يحتمل ان الذي أمسكه أولا محرم لم يملكه أو انه أرسله على سبيل التخلية وازالة الملك عنه كالقاء الشئ التافه قلنا أما الاول فنادر وهو مخالف للظاهر لان ظاهر حال المحرم انه لا يصيد ما حرم الله تعالى عليه، وأما الثاني فخلاف الاصل فان الاصل بقاء ملكه عليه وما ذكروه محتمل فلا يزول الملك بالشك * (مسألة) * (ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة) وذلك لان السمك من الصيد المباح فملك بالسبق إليه وهذه حصلت في يد الذي هي في حجره
[ 39 ]
وحجره له ويده عليه دون صاحب السفينة ألم تر انهما لو تنازعا كيسا في حجره كان أحق به من صاحب السفينة؟ كذا ههنا، فأما ان وقعت السمكة في السفينة فهي لصاحبها ذكره ابن أبي موسى
وهو مفهوم كلام الخرقي لان السفينة ملكه ويده عليها فما حصل من المباح فيها كان أحق به كحجره (فصل) فان كانت السمكة وثبت بفعل انسان لقصد الصيد كالصياد الذي يجعل في السفينة ضوأ بالليل وبدق بشئ كالجرس ليثب السمك في السفينة فهذا للصياد دون من وقع في حجره لان الصائد اثبتها بذلك فصار كمن رمى طائرا فألقاه في دار قوم وان لم يقصد الصيد بهذا بل حصل اتفاقا كانت لمن وقعت في حجرة * (مسألة) * (وان صنع بركة ليصيد بها السمك فما حصل فيها ملكه وان لم يقصد بها ذلك لم يملكه) كما لو توحل الصيد في أرضه وكذلك لو حصل في أرضه سمك من مد الماء، وان عشش فيها طائر لم يملكه ولغيره أخذه كما يجوز له أخذ الماء والكلا) * (مسألة) * (ويكره صيد السمك بالنجاسة) وهو أن يترك في الماء شئ نجس كالعذرة والميتة وشبههما ليأكله السمك ليصيد به، كره أحمد
[ 40 ]
ذلك وقال هو حرام لابصادبه وانما كره لما يتضمن من أكل السمك للنجاسة فيشبه الجلالة وسواء في هذا ما يتفرق كالدم ومالا يتفرق كقطعة من الميتة، وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال ان مأواها الحشوش وكره الصيد بالضفادع وقال نهي عن قتل الضفدع * (مسألة) * [ ويكره صيد الطير بالشباش ] وهو طير يخيط عينيه أو يربطه وكره أحمد الصيد بالخراطيم وكل شئ فيه روح لما فيه من تعذيب الحيوان فان صاده فالصيد مباح ولم ير بأسا بالصيد بالشبكة والشرك وبالدبق الذي يمنع الحيوان من الطيران وان يطعم شيئا إذا أكله سكر واخذ * (مسألة) * [ وان أرسل صيدا وقال أعتقتك لم يزل ملكه عنه ويحتمل ان يزول وهو لمن أخذه ] ظاهر المذهب انه لا يزول ملكه عنه بالارسال والاعتاق قاله أصحابنا كما لو أرسل البعير والبقرة ويحتمل ان يزول الملك لان الاصل الاباحة والارسال يرده إلى أصله ويفارق بهيمة الانعام من وجهين [ أحدهما ] ان الاصل ههنا الاباحة وبهيمة الانعام بخلافه (الثاني) ان الارسال ههنا يفيد وهو
رد الصيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين وحبسهم ولهذا روي عن أبي الدرداء انه اشترى عصفورا من صبي فأرسله ولانه يجب ارسال الصيد عل المحرم إذا أحرم بخلاف بهيمة الانعام فان ارساله تضييع له وربما هلك إذا لم يكن له من يقوم به * (فصل) * قال رضي الله عنه (الرابع التسمية عند ارسال السهم أو الجارحة فقان تركها لم يبح سواء تركها عمدا أو سهوا في ظاهر المذهب وعنه ان نسيها على السهم أبيح وان نسيها على الجارحة لم يبح)
[ 41 ]
ظاهر المذهب ان التسمية شرط لاباحة الصيد وانها لا تسقط بالسهو وهو قول الشعبي وأبي ثور وداود وروى حنبل عن أحمد أن التسمية تسقط بالنسيان قال الخلال سها أحمد في نقله، وممن اباح متروك التسمية في النسيان دون العمد أبو حنيفة ومالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولان ارسال الجارحة جرى مجرى التذكية فعفي عن النسيان فيه كالذكاة، وعن أحمد ان التسمية تشترط على ارسال الكلب والعمد والنسيان بخلاف السهم فان السهم آلة خفيفة وليس له اختيار فهو بمنزلة السكين بخلاف الحيوان فانه يفعل باختياره وقال الشافعي يباح متروك التسمية عمدا وسهوا لان البراء روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له أرأيت الرجل منا يذبح وينسى ان يسمي الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " وقد روي عن أحمد مثل ذلك ولنا قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقال (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال " لا تأكل فانك انما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر " متفق عليه وفي لفظ " إذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل " وفي حديث أبي ثعلبة " وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل " وهذه نصوص صحيحة فلا يعرج على ما خالفها وقوله " عفي لامتي عن
[ 42 ]
الخطأ والنسيان يقتضي نفي الاثم لا جعل الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصلاة والفرق
بين الصيد والذبيحة ان الذبح وقع في محله فجاز ان يتسامح فيه بخلاف الصيد وأحاديث أصحاب الشافعي لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة وان صحت فهي في الذبيحة ولا يصح قياس الصيد على الذبيحة لما ذكرنا مع ما في الصيد من النصوص الخاصة والله أعلم [ فصل ] إذا سمى الصائد على صيد فاصاب غيره حل وإن سمى على سهم ثم القاه وأخذ غيره فرمى به لم يبح ما صاد به لانه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها بخلاف الذبيحة ويحتمل ان يباح قياسا على ما لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها وسقوط اعتبار تعيين الصيد لمشقته لا يقتضي اعتبار تعيين الآلة فلا يعتبر. باب الذكاة * (مسألة) * (ولا يباح من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة الا الجراد وشبهه وسائر مالا يعيش الا في الماء فلا ذكاة له، وعنه في السرطان وسائر البحري أنه يباح بلا ذكاة) أما الحيوان المقدور عليه من الصيد والانعام فلا يباح الا بالذكاة بغير خلاف بين أهل العلم لقول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة - إلى قوله - الا ما ذكيتم) فاما السمك وشبهه مما لا يعيش الا في
[ 43 ]
الماء فانه يباح بغير ذكاة لا نعلم في هذا خلافا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وقد صح ان أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا وادهنوا فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبروه فقال " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شئ تطعمونا؟ " متفق عليه (فصل) ولا فرق في ذلك بين ما مات بسبب أو بغير سبب لما ذكرنا من الحديثين وقد أجمع أهل العلم على اباحة ما مات بسبب مثل ان صاده انسان أو نبذه البحر أو جزر عنه وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة حتى يموت فانه يحل، قال أحمد في الطافي يؤكل وما جزر عنه الماء أجود والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف فيه، وانما اختلفوا في الطافي وليس به بأس وممن اباح الطافي من السمك أبو بكر الصديق وأبو أيوب رضي الله عنهما وبه قال مالك والشافعي وروي ذلك عن عطاء ومكحول والثوري
والنخعي وكره الطافي جابر وطاوس وابن سيرين وجابر بن زيد وأصحاب الرأي لما روي ان جابرا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه " رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) وقال ابن عباس طعامه ما مات فيه وأيضا ما ذكر من الحديثين، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الطافي حلال
[ 44 ]
ولانه لو مات في البر أبيح كالجراد واما حديث جابر فانما هو موقوف عليه وكذلك قال أبو داود رواه الثقات فأوقفوه على جابر وقد اسنه من وجه ضعيف فان صح فنحمله على نهي الكراهة لانه إذا مات رسب في أسفله فإذا انتن طفا فكرهه لنتنه لا لتحريمه. * (مسألة) * (وعنه في السرطان وسائر البحري انه يحل بلا ذكاة) قال أحمد السرطان لا بأس به قيل له يذبح؟ قال لا وذلك ان مقصود الذبح انما هو اخراج الدم منه وتطيب اللحم بازالته عنه فما لا دم فيه لا حاجة إلى ذبحه، فان قلنا يذكى فذكاته ان يفعل به ما يموت فاما ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر من دواب البحر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل الا ان يذبح هذا الصحيح من المذهب، قال أحمد كلب الماء نذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح، والرق نذبحه وفيه رواية أخرى أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولانه من حيوان الماء فابيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما في البحر قد ذكاه الله لكم وروى الامام احمد باسناده عن شريح رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل شئ في البحر مذبوح " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ان الله سبحانه ذبح كل شئ في البحر لابن آدم " والاولى أصح فيما سوى السرطان لانه حيوان يعيش في البر له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة كالطير، قال شيخنا ولا
[ 45 ]
خلاف فيما علمناه في الطير والاخبار محمولة على مالا يعيش الا في البحر كالسمك وشبهه لانه لا يتمكن من تذكيته لانه لا يذبح الا بعد اخراجه من الماء ومتى خرج مات
* (مسألة) * (وعنه في الجراد لا يؤكل الا ان يموت بسبب ككبه وتغريقه) لا خلاف في اباحة الجراد وقد روى عبد الله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد متفق عليه، ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قول عامة أهل العلم منهم الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سبب وهو قول مالك ويروى عن سعيد بن المسيب ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام " احلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد " رواه ابن ماجه ولم يفصل ولانه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولانه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذبح وآلة كبهيمة الانعام (فصل) يجوز أكل الجراد بما فيه وكذلك السمك يجوز ان يقلى من غير ان يشق جوفه وقال أصحاب الشافعي في السمك لا يجور لان رجيعه نجس ولنا عموم النص في اباحته وما ذكروه غير مسلم وان بلع انسان منه شيئا وهو حي كره لان فيه تعذيب الحيوان (فصل) وسئل احمد عن السمك يلقى في النار فقال ما يعجبني والجراد فقال ما يعجبني والجراد
[ 46 ]
اسهل فان هذا له دم، ولم يكره أكل السمك إذا ألقي في النار انما كره تعذيبه بالنار وأما الجراد فسهل في إلقائه لانه لا دم ولان السمك لا حاجة إلى القائه في النار لامكان تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت في الحال بل يبقي مدة طويلة، وفي مسند الشافعي ان كعبا كان محرما فمرت به رجل من جراد فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار فشواهما وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار، وذكر له حديث ابن عمر كان الجراد يقلى له فقال انما يؤخذ الجراد فتقطع اجنحته فيلقى في الزيت وهو حي * (مسألة) * (ويشترط للذكاة شروط أربعة (أحدها) أهلية الذابح وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا فتباح ذبيحته ذكرا كان أو أنثى وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب ولا من أحد أبويه غير كتابي) أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقول الله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) يعني ذبائحهم، قال البخاري قال ابن عبسا طعامهم ذبائحهم وكذلك قال مجاهد وقتادة
وروي معناه عن ابن مسعود وهذا قول مالك والشافعي واصحاب الرأي، ولا فرق بين العدم والفاسق من المسلمين واهل الكتاب وعن أحمد لا تباح ذبيحة الاقلف وروي عن ابن عباس، والصحيح اباحته فانه مسلم أشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر مع تحقق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف فالمسلم أولى (فصل) ولا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال لا بأس بها حديث عبد الله بن مغفل قال إسحاق أجاد قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من اهل العلم منهم مجاهد والثوري والشافعي واحمد واسحاق واصحاب الرأي ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره إلا ان في نصارى العرب اختلافا ذكرناه في باب الجزية وسئل مكحول عن ذبائح نصارى العرب فقال اما بهرا وتنوخ فلا بأس
[ 47 ]
وأما بنو تغلب فلا خير في ذبائحهم لانه يروى عن علي رضي الله عنه وهو مذهب الشافعي ولا ذبائح العرب من اهل الكتاب كلهم، والصحيح اباحته لعموم الآية فيهم، فاما من أحد ابويه غير كتابي ممن لا تحل ذبيحته فقال اصحابنا لا تحل ذبيحته وبه قال الشافعي وإذا كان الاب كتابيا ففيه قولان (أحدهما) تباح وهو قول مالك وابي ثور (والثاني) لا تباح لانه وجد ما يقتضي الاباحة والتحريم فغلب ما يقتضي التحريم كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيان وجود ما يقتضي التحريم ان كونه ابن مجوسي أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته وعنه تباح ذبيحته مطلقا وهو قول ابي حنيفة لعموم النص ولانه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابيين، فان كان ابن وثنيين أو مجوسيين فمقتضى قول اصحابنا والشافعي ومالك تحريمه، ومقتضى قول أبي حنيفة حله لان الاعتبار بدين الذابح لا بدين أبيه بدليل ان الاعتبار في قبول الجزية بذلك ولعموم النص والقياس * (مسألة) * (ولا تباح ذكاة مجنون ولا سكران ولا طفل غير مميز ولا مجوسي ولا وثني ولا مرتد) أما المجنون والطفل والسكران فلا تحل ذبيحتهم لانه لا يصح مع القصد أشبه ما لو ضرب انسانا بالسيف فقطع عنق شاة ولانه أمر يعتبر له الدين فاعتبر له العقل كالغسل وبهذا قال مالك وقال
الشافعي لا يعتبر العقل والاولى أولى لان الذكاة يعتبر لها العقل كالعبادة ومن لا عقل له لا يصح منه القصد فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها (فصل) فأما ذكاة المجوسي فلا تحل في قول أهل العلم وشذ أبو ثور فأباح صيده وذبيحته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " ولانهم يقرون بالجزية فتباح ذبيحتهم وصيدهم كاليهود والنصارى وهذا قول يخالف الاجماع فلا عبرة به قال ابراهيم الحربي خرق أبو ثور الاجماع، قال
[ 48 ]
احمد ههنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا ما أعجب هذا؟ يفرض بأبي ثور، وممن كره ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وابو بردة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومالك والثوري والشافعي واصحاب الرأي قال أحمد ولا اعلم أحدا يقول بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة ولان الله تعالى قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار لانهم لا كتاب لهم فلم تحل ذبائحهم كأهل الاوثان، وقد روى الامام احمد باسناده عن قيس بن سكن الاسدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انكم قد تركتم بفارس من النبط فإذا اشتريتم لحما فان كان من يهودي أو نصراني فكلوا وإن كان من ذبيحة مجوسي فلا تأكلوا " ولان كفرهم مع كونهم غير اهل كتاب يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم بدليل سائر الكفار من غير اهل الكتاب وإنما أخذت منهم الجزية لان شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم فلما غلبت في التحريم لدمائهم فوجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطا للتحريم في الموضعين، ولانه اجماع فانه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم ولا فيمن بعدهم إلا رواية عن سعيد بن المسيب روي عنه خلافها (فصل) وسائر الكفار من عبدة الاوثان والزنادقة وغيرهم حكمهم حكم المجوس في تحريم ذبائحهم قياسا عليهم بل هم شر من المجوس لان المجوس لهم شبهة كتاب بخلاف هؤلاء، قال احمد وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل، وإذا أهدي إليه أن يقبل انما كره ذبائحهم أو شيئا فيه دسم. يعني من اللحم ولم ير بالسمن والجبن بأسا، وسئل عما تصنع المجوس لامواتهم ويزمزمون عليهم
أياما عشرا ثم يقسمون ذلك في الجيران قال لا بأس بذلك وعن الشعبي قال كل مع المجوسي وإن
[ 49 ]
زمزم، وروى احمد ان سعيد بن جبير كان يأكل من كواميخ المجوس فأعجبه ذلك، وروى هشام عن الحسن انه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر ولا بشواريزهم ولا بكواميخهم (فصل) ولا تباح ذبيحة المرتد وإن كانت ردته إلى دين اهل الكتاب وهذا قول مالك والشافعي واصحاب الرأي، وقال إسحاق إن تدين بدين اهل الكتاب حلت ذبيحته ويحكى ذلك عن الاوزاعي لان عليا رضي الله عنه قال: من تولى قوما فهو منهم ولنا انه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحته كالوثني ولانه لا تثبت له احكام اهل الكتاب إذا تدين بدينهم فانه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل له نكاح المرتدة، وأما قول علي فهو منهم لم يرد انه منهم في جميع الاحكام بدليل ما ذكرنا ولانه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى بني تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليهم للنصاري ودخولهم في دينهم ومع اقرارهم على ما صولحوا عليه فلا يعتقد ذلك في المرتدين. إذا ثبت هذا فانه إذا ذبح حيوانا لغيره بغير اذنه ضمنه بقيمته حيا لانه أتلفه وحرمه ولا يضمنه إذا كان باذنه لانه أذن في اتلافه * (مسألة) * قال رحمه الله (الثاني الآلة وهو أن يذبح بمحدد سواء كان من حديد أو حجر أو قصب أو غيره إلا السن والظفر) الآلة لها شرطان (أحدها) أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها (والثاني) أن لا تكون سنا ولا ظفرا فإذا اجتمع هذان الشرطان في شئ حل الذبح به حديدا كان أو حجرا أو خشبا أو قصبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر "
[ 50 ]
متفق عليه. وعن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ان أحدنا صاد صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال " امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله عليه " والمروة الصوان، وعن رجل من بني حارثة انه كان يرعى لقحة فأخذها الموت فلم يجد شيئا ينحرها به فوجد وتدا فوجأها به في
لبتها حتى أهريق دمها ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها رواهما أبو داود وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور ونحوه قول مالك وعمرو بن دينار وهو قول أبي حنيفة إلا في السن والظفر فانه قال إذا كانا متصلين لم يجز الذبح بهما وإن كان منفصلين جاز ولنا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا السن والظفر " ولان ما لم تجز الذكاة به متصلا لم تجز منفصلا كغير المحدد (فصل) فأما العظم غير السن فمقتضى اطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي وقال ابن جريج يذكي بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد لانك تصلي على الحمار وتسقيه في جفنتك وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر، وقال النخعي لا يذكى بالعظم والقرن. ووجهه قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة " فعلله بكونه عظما فكل عظم فقد وجدت فيه العلة والاول أصح ان شاء الله تعالى قاله شيخنا، لان العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثنى السن والظفر خاصة فتبقى سائر العظام داخلة فيما يباح الذبح به والمنطوق مقدم على التعليل ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ولا يحرم الذبح بالسكين وان كانت مدية لهم ولان العظام يتناولها سائر الاحاديث العامة ويحصل بها المقصود فأشبهث سائر الآلات.
[ 51 ]
* (مسألة) * (فان ذبح بآلة مغصوبة حل في أصح الوجهين). لان الذكاة وجدت ممن له أهلية الذبح أشبه ما لو ذبح شاة مغصوبة (والثاني) لا يحل له لانه منهي عنه لان الآلة محرمة فلم يحصل مقصودها كما لو استجمر بالروث والرمة. * (فصل) * (الثالث أن يقطع الحلقوم والمرئ وعنه يشترط مع ذلك قطع الودجين) وجملة ذلك أن محل الذبح الحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق الصدر ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالاجماع وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الذكاة في الحلق واللبة " وقال أحمد الذكاة في الحلق واللبة واحتج بحديث عمر وهو ما روى سعيد والاثرم باسنادهما عن الفرافصة
قال كنا عند عمر فنادى إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر وانما نرى أن الذكاة اختصت بهذا المحل لانه مجمع العروق فينسفح الدم بالذبح فيه ويسرع زهوق النفس فيكون اطيب للحم وأخف على الحيوان قال أحمد لو كان حديث أبي العشراء حديثا يعني ما روى أبو العشراء عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أما تكون الزكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو طعنت في فخذها اجزأ عنك " قال أحمد أبو العشراء هذا ليس بمعروف. إذا ثبت ذلك فيشترط قطع الحلقوم والمرئ، وبهذا قال الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يشترط مع ذلك قطع الودجين، وبه قال مالك وأبو يوسف لما روى أبو هريرة قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج ثم تترك حتى تموت رواه أبو داود، وقال أبو حنيفة يعتبر قطع الحلقوم والمرئ وأحد الودجين ولا خلاف في أن الاكمل قطع الاربعة الحلقوم والمرئ والودجين فالحلقوم مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب والودجان هما عرقان محيطان بالحلقوم لانه اسرع لخروج روح الحيوان فيخف عليه ويخرج من الخلاف فيكون أولى والاول يجزئ لانه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة مع قطعه فأشبه ما لو قطع الاربعة والحديث محمول على من لم يقطع المرئ.
[ 52 ]
* (مسألة) * (وان نحره أجزأ وهو أن يطعنه بمحدد في لبته، ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه) ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الابل وذبح ما سواها قال الله تعالى (فصل لربك وانحر) وقال تعالى (ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة) قال مجاهد أمرنا بالنحر وأمر بنو اسرائيل بالذبح فان النبي صلى الله عليه وسلم بعث في قوم ماشيتهم الابل فسن النحر وبنو إسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنة وضحى بكبشين اقرنين ذبحهما بيده متفق عليه، والنحر أن يطعنها بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين عنقها وصدرها. (فصل) فان ذبح الابل ونحر ما سواها أجزأه وهذا قول اكثر اهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث وابو حنيفة والشافعي واسحاق وابو ثور، وحكي عن داود أن الابل لا تباح إلا بالنحر ولا يباح غيرها إلا بالذبح لان الله تعالى قال (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) والامر يقتضي
الوجوب وقال تعالى (فصل لربك وانحر) ولان النبي صلى الله عليه وسلم نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الاحكام من جهته، وحكي عن مالك أنه لا يجزئ في الابل إلا النحر لان أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه وحكى ابن أبي موسى عن احمد انه توقف عن أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر قال ابن المنذر انما كرهه ولم يحرمه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " امرر الدم بما شئت " وقالت اسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه، عن عائشة قالت نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقرة واحدة ولانه ذكاة في محل الذكاة فجاز اكله كالحيوان الآخر. (فصل) وتصح ذبيحة المرأة حرة كانت أو امة إذا أطاقت الذبح ووجدت الشروط وكذلك ذبح الصبي العاقل إذا أطاق حرا كان أو عبدا لا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر اجمع كل من
[ 53 ]
نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي وقد روي أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فادركتها فذكتها بحجر فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال " خذوها " متفق عليه وفي هذا الحديث فوائد سبع (أحدها) إباحة ذبيحة المرأة (والثانية) إباحة ذبيحة الامة (والثالثة) إباحة ذبيحة الحائض لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل (الرابعة) إباحة الذبح بالحجر (الخامسة) اباحة ذبح ما خيف عليه الموت (السادسة) حل ما يذبحه غير مالكه بغير اذنه (السابعة) اباحة ذبحه لغير مالكه * (مسألة) * (فان عجز عن ذلك اي عن قطع الحلقوم والمرئ مثل ان يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع امكنه فقتله حل أكله إلا أن يموت بغيره مثل ان يكون رأسه في الماء فلا يباح) هذا قول أكثر الفقهاء وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وبه قال مسروق والحسن والاسود وعطاء وطاوس واسحاق والشعبي والحكم وحماد والثوري وابو حنيفة والشافعي وابو ثور وقال مالك لا يجوز اكله إلا أن يذكى وهو قول ربيعة والليث قال أحمد لعل مالكا لم يسمع حديث رافع بن خديج، واحتج مالك بان الحيوان الا نسي إذا توحش لم
يثبت له حكم الوحشي بدليل انه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله ولا يصير الحمار الاهلي مباحا إذا توحش. ولنا ما روى رافع بن خديج قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فاعياهم فاهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ان لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا " متفق عليه وحرب ثور في بعض دور الانصار فضربه رجل بالسيف وذكر اسم الله عليه فسئل عنه علي فقال ذكاة وحية فامر باكله، وتردى بعير في بئر فذكي من قبل شاكلته فبيع بعشرين درهما فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين، ولان الاعتبار في الذكاة بحال
[ 54 ]
الحيوان وقت ذبحه لا باصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة فكذلك الاهلي إذا توحش اعتبر بحاله وبهذا فارق ما ذكره، فإذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته فأشبه الوحشي، فاما ان كان رأس المتردي في الماء لم يبح لان الماء يعين على قتله فيحصل قتله بمبيح وحاظر فيحرم كما لو جرحه مسلم ومجوسي. * (مسألة) * (وان ذبح من قفاها وهو مخطئ فاتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت، وان فعله عمدا فعلى وجهين) قال القاضي معنى الخطأ أن تلتوي الذبيحة عليه فتأتي السكين على القفا لانها مع التوائها معجوز عن ذبحها في محل الذبح فسقط اعتبار المحل كالمتردية في بئر، فاما مع عدم التوائها فلا تباح بذلك لان الجرح في القفا سبب للزهوق وهو في غير محل الذبح فإذا اجتمع مع الذبح منع حله كما لو بقر بطنها وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا المعنى فان الفضل بن زياد قال سألت أبا عبد الله عمن ذبح في القفا فقال عامدا أو غير عامد؟ قلت عامدا قال لا تؤكل فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس (فصل) فان ذبحها من قفاها اختيارا فقد ذكرنا عن أحمد انها لا تؤكل وهو مفهوم كلام الخرقي وحكي هذا عن علي وسعيد بن المسيب ومالك واسحاق وقال ابراهيم والنخعي تسمى هذه الذبيحة القفينة وقال القاضي ان بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ حلت والا فلا ويعتبر ذلك بالحركة القوية وهذا مذهب الشافعي وهذا أصح لان الذبح إذا أتى على ما فيه حياة
مستقرة احله كأكيلة السبع والمتردية والنطيحة وعنه ما يدل على اباحتها مطلقا، ولو ضرب عنقا بالسيف فأطار رأسها حلت بذلك فان أحمد قال لو ان رجلا ضرب رأس بطة أو شاة بالسيف يريد بذلك
[ 55 ]
الذبيحة كان له ان يأكله، وروي عن علي رضي الله عنه انه قال تلك ذكاة وحية وافتي بأكلها عمران بن حصين وبه قال الشعبي وأبو حنيفة والثوري، وقال أبو بكر: لابي عبد الله فيها قولان الصحيح انها مباحة لانه اجتمع قطع مالا تبقي الحياة معه مع الذبح فأبيح كما ذكرنا مع قول من ذكرنا قوله من الصحابة من غير مخالف (فصل) فان ذبحها من قفاها فلم يعلم هل كانت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمرئ ام لا؟ نظرت فان كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع فالاولى اباحته لانه بمنزلة ما قطعت عنقه بضربة السيف وان كانت الآلة كالة وابطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح لانه مشكوك في وجود ما يحله فيحرم كما لو أرسل كلبا على الصيد فوجد معه كلبا آخر لا يعرفه * (مسألة) * (وكل ما وجد فيه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلت وان صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل) وجملة ذلك ان المنخنقة الموقوذة وسائر ما ذكر في هذه المسألة وما أصابها مرض فماتت بذلك فهي محرمة الا ان تدرك ذكاتها لقول الله تعالى (الا ما ذكيتم) وفي حديث جارية كعب انها كانت ترعى غنما بسلع فاصيبت شاة من غنمها فادركتها فذبحتها بحجر فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " كلوها " فان كانت لم يبق من حياتها الا مثل حركة المذبوح لم تبح الذكاة لانه لو ذبح ما ذبحه المجوسي لم يبح وإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكنه ذبحها حلت لعموم الآية والخبر وسواء كانت قد انهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش لعموم الآية والخبر ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ولم يستفصل وقد قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فعقرها فوضع قصبها بالارض فأدركها فذبحها بحجر قال يلقي ما أصاب الارض ويأكل سائرها قال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة حتى تبين فيها آثار الموت الا أن فيه الروح
يعني فذبحت فقال إذا مصعت بذنبها وطرفت بعينها وسال الدم فأرجو ان شاء الله ان لا يكون بأكلها بأس وروي ذلك باسناده عن عقيل بن عمير وطاوس وقالا تحركت ولم يقولا سال الدم
[ 56 ]
وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت فذبحوها فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها أو حركت يدها أو رجلها أو ذنبها بضعف فنهر الدم قال لا بأس، وقال ابن أبي موسى إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة ونص عليه أحمد فقال إذا شق الذئب بطنها وخرج قصبها فذبحها لا تؤكل وقال ان كان يعلم انها تموت من عقر السبع فلا تؤكل وان ذكاها وقد خاف على الشاة الموت من العلة والشئ يصيبها فبادرها فذبحها يأكلها وليس هذا مثل هذه لا ندري لعلها تعيش والتي قد خرجت امعاؤها نعلم انها لا تعيش وهذا قول أبي يوسف، والاول اصح لان عمر رضي الله عنه انتهى به الجرح إلى حد علم انه لا يعيش معه فوصى فقبلت وصاياه ووجبت العبادة عليه، وفيما ذكرنا من عموم الآية والخبر وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل في جارية كعب ما يرد هذا، وتحمل نصوص أحمد على شاة خرجت امعاؤها وبانت منها فتلك لا تحل بالذكاة لانها في حكم الميت ولا تبقى حركتها الا كحركة المذبوح، فأما ما خرجت امعاؤها وبانت منها فهي في حكم الحياة تباح بالذبح ولهذا قال الخرقي فيمن شق بطن رجل فأخرج حشوته فقطعها فأبانها ثم ضرب عنقه آخر: فالقاتل هو الاول، ولو شق بطن رجل وضرب عنقه آخر فالقاتل هو الثاني وقال بعض أصحابنا إذا كانت تعيش معظم اليوم حلت بالذكاة وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر النصوص ولا سبيل إلى معرفته، وقوله في حديث جارية كعب فذكتها بحجر يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها في ساعتها، والصحيح انها إذا كانت تعيش زمنا يكون الموت بالذبح اسرع منه حلت بالذبح وانها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة انها متى تحركت وسال دمها حلت والله أعلم * (فصل) * (الشرط الرابع أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وهو ان يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها) فهذه التسمية المعتبرة عند الذبح لان اطلاق التسمية ينصرف إليها وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال " بسم الله والله أكبر " وكان ابن عمر يقوله ولا خلاف أن قول بسم الله يجزئه
وان قال اللهم اغفر لي لم يكف لان ذلك طلب حاجة وان هلل أو سبح أو كبر الله أو حمد الله
[ 57 ]
احتمل الاجزاء لانه ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم واحتمل المنع لان اطلاق التسمية لا يتناوله وان ذكر اسم الله بغير العربية اجزأه وان أحسن العربية لان المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات بخلاف التكبير والسلام فان المقصود لفظه * (مسألة) * (الا الاخرس فانه يومئ برأسه إلى السماء) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على اباحة ذبيحة الاخرس منهم الليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح. إذا ثبت هذا فانه يشير إلى السماء برأسه لان إشارته تقوم مقام نطق الناطق واشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين الله؟ " فأشارت إلى السماء فقال " من أنا؟ " فأشارت باصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى السماء أي انت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اعتقها فانها مؤمنة " رواه الامام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايمانها باشارتها إلى السماء تريد ان الله سبحانه فيها فاولى ان يكتفى بذلك علما على التسمية ولو أنه اشار اشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا (فصل) وإن كان المذكي جنبا جازت له التسمية لانه انما منع من القرآن لا من الذكر ولهذا تشرع التسمية عند الاغتسال وليست الجناية أعظم من الكفر والكافر يذبح ويسمي وممن رخص في ذبح الجنب الحسن والليث والحكم والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر لا اعلم أحدا كره ذلك ولا منع منه، وتباح ذبيحة الحائض لانها في معنى الجنب * (مسألة) * (فان ترك التسمية عمدا لم تبح وان تركها ساهيا ابيحت وعنه تباح في الحالين وعنه لا تباح فيهما)
[ 58 ]
المشهور من مذهب أحمد ان التسمية علي الذبيحة شرط في اباحة أكلها مع الذكر وتسقط بالسهو وروي ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة واسحاق وممن اباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن ابي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة وعن احمد انها مستحبة وليست شرطا في عمد ولا سهو وبه قال الشافعي لان البراء روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم " وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أرأيت الرجل منا يذبح وينسى ان يذكر اسم الله؟ فقال " اسم الله في قلب كل مسلم " قال أحمد انما قال الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) يعني الميتة وذكر ذلك عن ابن عباس، وعن احمد رواية ثالثة أنها تجب في العمد والسهو لقوله سبحانه (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وهو عام في العمد والسهو، ودليل الرواية الاولى ما روى راشد بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد " أخرجه سعيد فأما الآية فمحمولة على ما إذا ترك التسمية عمدا بدليل قوله تعالى (وانه لفسق) والاكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان ". إذا ثبت هذا فالتسمية مع العمد شرط سواء كان الذابح مسلما أو كتابيا فان ترك الكتابي التسمية عمدا وذكر اسم غير الله لم تبح ذبيحته روى ذلك علي وبه قال الشافعي والنخعي وحماد واسحاق وأصحاب الرأي، وقال عطاء ومكحول إذا ذبح الكتابي باسم المسيح حل لان الله تعالى أحل لنا ذبيحتهم وقد علم أنهم يقولون ذلك ولنا قول الله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقوله (وما أهل لغير الله به) والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم، وإن لم يعلم اسمى الذابح أم لا؟ أو ذكر اسم غير الله أو لا؟ فذبيحته حلال لان الله تعالى أباح لنا كل ما ذبحه المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح
[ 59 ]
وقد روي عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله ان قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله أم لم يذكروا؟ قال " سموا أنتم وكلوا " أخرجه البخاري
(فصل) والتسمية على الذبيحة معتبرة حال الذبح أو قريبا منه كما تعتبر، في الطهارة وإن سمى على شاة ثم أخذ أخرى فذبحها بتلك التسمية لم يجز سواء ارسل الاولى أو ذبحها لانه لم يقصد الثانية بهذه التسمية، فان رأى قطيعا من الغنم فقال باسم الله ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية لم تحل فان جهل كون ذلك لا يجزئ لم يجر مجرى النسيان لان النسيان يسقط المؤاخذة والجاهل مؤاخذ ولذلك يفطر الجاهل بالاكل في الصوم دون الناسي وإن أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم ألقى السكين وأخذ أخرى أو رد سلاما أو كلم انسانا أو استسقى ماء حل لانه سمى على تلك الشاة بعينها ولم يفصل بينهما إلا بفصل يسير فاشبه ما لو لم يتكلم * (مسألة) * (وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا خرج ميتا أو متحركا كحركة المذبوح وإن كانت فيه حياة مستقرة لم يبح الا بذبحه وسواء أشعر أو لم يشعر) وجملة ذلك ان الجنين إذا خرج ميتا من بطن أمه بعد ذبحها أو وجد ميتا في بطنها أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والشافعي واسحاق وابن المنذر وقال ابن عمر ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر، وروي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد والزهري والحسن وقتادة ومالك والليث والحسن بن صالح وأبي ثور لان عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا اشارة إلى جميعهم فكان اجماعا، وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يخرج حيا فيذكى لانه حيوان ينفرد بحياته فلا يتذكى بذكاة غيره كما بعد الوضع، قال ابن المنذر وكان الناس على اباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوا إلى ان جاء النعمان فقال لا يحل لان ذكاة نفس لا تكون ذكاة لنفسين ولنا ما روى أبو سعيد قال قيل يا رسول الله إن أحدنا ينحر الناقة ويذبح البقرة والشاة فيجد
[ 60 ]
في بطنها الجنين أيأكله أم يلقيه؟ قال " كلوه إن شئتم فان ذكاته ذكاة أمه " وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ذكاة الجنين ذكاة أمه " رواه أبو داود ولان هذا اجماع من الصحابة ومن بعدهم فلا يعول على ما خالفه ولان الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها فتكون ذكاته
ذكاتها كاعضائها، ولان الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الامكان فيه والقدرة بدليل الصيد الممتنع والمقدور عليه والمتردية والجنين لا نتوصل إلى ذبح باكثر من ذبح أمه فيكون ذكاة له، فأما إن خرج حيا حياة مستقرة يمكن ان يذكى فلم يذكه حتى مات فليس بذكي قال أحمد إن خرج حيا فلابد من ذكاته لانه نفس أخرى (فصل) واستحب أبو عبد الله أن يذبحه وإن خرج ميتا ليخرج الدم الذي في جوفه ولان ابن عمر كان يعحبه أن يريق من دمه وإن كان ميتا * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة وأن يذبح بآلة كالة وأن يحد السكين والحيوان يبصره) وجملة ذلك أنه يستحب ان يستقبل بها القبلة روي ذلك عن ابن عمر وابن سيرين وعطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وكره ابن عمر وابن سيرين أكل ما ذبح لغير القبلة والاكثرون على أنه لا يكره لان أهل الكتاب يذبحون لغير القبلة، وقد أحل الله سبحانه ذبائحهم، ويكره أن يذبح بآلة كالة لما روى أبو داود باسناده عن شداد بن اوس قال خصلتان سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " ويكره أن يحد السكين والحيوان يبصره، ورأى عمر رجلا قد وضع رجليه على شاة وهو يحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة، ويكره أن يذبح شاة والاخرى تنظر إليه كذلك * (مسألة) * (ويكره أن يكسر عنق الحيوان أو يسلخه حتى يبرد أي حتى تزهق نفسه)
[ 61 ]
وقد قال عمر رضي الله عنه لا تعجلوا الانفس حتى تزهق، ولان في ذلك تعذيب الحيوان فأشبه قطع عضو منه، وممن كره قطع عضو منه قبل الزهوق عطاء وعمرو بن دينار ومالك والشافعي ولا نعلم لهم مخالفا * (مسألة) * (فان فعل اساء وأكلت لان ذلك حصل بعد ذبحها وحلها) وقد سئل احمد عن رجل ذبح دجاجة فأبان رأسها فقال يأكلها قيل له والذي بان منها أيضا؟
قال نعم قال البخاري قال ابن عمر وابن عباس إذا قطع الرأس فلا بأس به وهو قول الحسن والنخعي والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وابي ثور وأصحاب الرأي وذلك لان قطع ذلك العضو بعد حصول الذكاة فأشبه ما لو قطعه بعد الموت، فاما ان قطع من الحيوان شئ وفيه حياة مستقرة فهو ميتة لما روى أبو واقد الليثي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " رواه أبو داود ولان إباحته انما تحصل بالذبح وليس هذا بذبح * (مسألة) * (وان ذبح الحيوان ثم غرق في ماء أو وطئ عليه شئ يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين) (احداهما) لا يحل وهو الذي ذكره الخرقي ونص عليه أحمد لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي ابن حاتم في الصيد " وان وقعت في الماء فلا تأكل " وقال ابن مسعود من رمى طائرا فوقع في ماء فغرق فيه فلا يأكله ولان الغرق سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر ولانه لا يؤمن ان يعين على خروج الروح فيكون قد خرجت بفعلين مبيح ومحرم فاشبه ما لو وجد الامران في حال واحدة أو رماه مسلم ومجوسي فمات (والثانية) لا يحرم وبه قال أكثر أصحابنا المتأخرين وهو قول أكثر الفقهاء لانها إذا ذبحت فقد صارت في حكم الميت وكذلك لو ابين رأسها بعد الذبح لم يحرم نص عليه أحمد ولانه لو ذبح انسان ثم ضربه آخر أو غرقه لم يلزمه قصاص ولا دية * (مسألة) * (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا)
[ 62 ]
وذو الظفر قال قتادة هي الابل والانعام والبط وما ليس بمشقوق الاصابع، وإذا ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهي شحم الثرب والكليتين في ظاهر كلام احمد رحمه الله واختاره ابن حامد فان أحمد حكى عن مالك في اليهودي يذبح الشاة قال لا تأكل من شحمها قال أحمد هذا مذهب دقيق وظاهر أنه لم يره صحيحا وهذا اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وذهب ابو الحسن التميمي والقاضي إلى تحريمها وحكاه التميمي عن الضحاك ومجاهد وهو قول مالك لان الله تعالى قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وليس هذا من طعامهم ولانه جزء من البهيمة
لم يبح لذابحها فلم يبح لغيره كالدم ولنا ما روى عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فنزوت لآخذه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم الي متفق عليه، ولانها ذكاة اباحت اللحم فاباحت الشحم كذكاة المسلم والآية حجة لنا فان معنى طعامهم ذبائحهم كذلك فسره العلماء وقياسهم ينتقض بما ذبحه الغاصب، وان ذبح شيئا يزعم انه يحرم عليه ولم يثبت أنه محرم عليه حل لعموم الآية وقوله إنه حرام غير معقول * (مسألة) * (وان ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شئ مما يعظمونه لم يحرم عليه لانه من طعامهم فيدخل في عموم الآية) وجملة ذلك ان ما ذبحوه لكنائسهم ينظر فيه فان ذبح مسلم فهو مباح نص عليه وقال أحمد وسفيان في المجوسي يذبح لآلهته ويدفع الشاة إلى المسلم فيذبحها فيسمي: يجوز الاكل منها وقال اسماعيل بن سعيد سألت أحمد عما يقرب لآلهتم يذبحه رجل مسلم قال لا بأس به وان ذبحها الكتابي وسمى الله وحده حلت أيضا لان شرط الحل وجد، وان علم انه ذكر غير اسم الله عليها أو ترك التسمية عمدا لم تحل، قال حنبل سمعت ابا عبد الله قال لا تؤكل يعني ما ذبح لاعيادهم وكنائسهم لانه أهل لغير الله به وقال في موضع يدعون التسمية عمدا انما يذبحون للمسيح، فاما ما سوى ذلك فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقا وهو قول ميمون بن مهران لانه ذبح لغير الله وروي عن أحمد اباحته وسئل عنه العرباض بن سارية فقال كلوا وأطعموني وروي مثل ذلك عن أبي امامة الباهلي وأبي مسلم الخولاني وأكله أبو الدرداء
[ 63 ]
وجبير بن نفير ورخص فيه عمر بن الاسود ومكحول وضمرة بن حبيب لقول الله تعالى (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) وهذا من طعامهم قال القاضي ما ذبحه الكتابي لعيده أو نجم أو صنم أو نبي فسماه على ذبيحته حرم لقول الله تعالى (وما أهل لغير الله به) وان سمى الله وحده حل لقول الله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) لكنه يكره لقصده بقلبه الذبح لغير الله تعالى (فصل) قال أحمد لا تؤكل المصبورة ولا المجثمة وبه قال اسحاق والمجثمة هي الطائر والارنب يجعل غرضا يرمى حتى يقتل والمصبورة مثله الا ان المجثمة لا تكون الا في الطائر أو الارنب واشباهها
والمصبورة كل حيوان وأصل الصبر الحبس، والاصل في تحريمه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر البهائم وقال " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " وروى سعيد باسناده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المجثمة وعن أكلها ولانه حيوان مقدور عليه فلم يبح بغير الذكاة كالبعير والبقرة * (مسألة) * (ومن ذبح حيوانا فوجد في بطنه جرادا أو طائرا فوجد في حوصلته حبا أو وجد الحب في بعر الجمل لم يحرم وعنه يحرم) قال أحمد في السمكة توجد في بطن سمكة أخرى أو حوصلة طائر أو يوجد في حوصلته جراد فقال في موضع: كل شئ أكل مرة لا يؤكل لانه مستخبث وقال في موضع: الطافي أشد من هذا وقد رخص فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال شيخنا وهذا هو الصحيح وهو مذهب الشافعي فيما في بطن السمكة دون ما في حوصلة الطائر لانه كالرجيع ورجيع الطائر عنده نجس ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " احلت لنا ميتتان ودمان " ولانه حيوان طاهر في محل طاهر لا تعتبر له ذكاة فابيح كالطافي من السمك وهذا يخرج في الشعير يوجد في بعر الجمل وخثي الجواميس ونحوها
[ 64 ]
كتاب الاطعمة * (والاصل فيها الحل) * لقول الله تعالى (وخلق لكم ما في الارض جميعا) وقوله (ويحل لهم الطيبات) وقوله سبحانه (أحلت لكم بهيمة الانعام) * (مسألة) * (فيحل كل طعام طاهر لا مضرة به كالحبوب والثمار لانه من الطيبات) فأما النجاسات كالميتة والدم وغيرهما فحرام لانها من الخبائث لقول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم) وقوله (ويحرم عليهم الخبائث) ويحرم ما فيه مضرة من السموم ونحوها لمضرتها وأذيتها لانها تقضي إلى هلاك النفس وقد قال الله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (مسألة) * (والحيوانات مباحة لعموم النص الدال على الاباحة إلا الحمر الاهلية) أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الاهلية قال احمد خمسة وعشرون من اصحاب رسول الله
[ 65 ]
صلى الله عليه وسلم وكرهوها، قال ابن عبد البر لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها، وحكي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما انهما كانا يقولان بظاهر قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وتلاها ابن عباس وقال ما خلا هذا فهو حلال، وسئلت عائشة عن الفأرة فقالت ما هي بحرام وتلت هذه الآية، ولم ير عكرمة وأبو وائل بأكل لحم الخنزير بأسا، وروي عن غالب بن الحر قال أصابتنا سنة فقلت يا رسول الله أصابتنا سنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وأنت حرمت لحوم الحمر الاهلية قال " أطعم أهلك من سمين حمرك فانما حرمتها من أجل حوالي القرية "
[ 66 ]
ولنا ما روى جابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه، قال ابن عبد البر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الاهلية علي وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمر وجابر والبراء و عبد الله بن أبي أوفى وانس وزاهر الاسلمي باسانيد صحاح حسان وحديث غالب بن الحر لا يعرج على مثله مع ما عارضه، ويحتمل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق لكونها تأكل العذرات، قال عبد الله بن أبي أوفي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة من أجل انها تأكل العذرة (فصل) وألبان الحمر محرمة في قول اكثرهم ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري والاول أصح
[ 67 ]
* (مسألة) * (وما له ناب يفرس به كالاسد والتمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس والقرد إلا الضبع) ذكر شيخنا في هذه المسألة الخنزير ولان له ناب يفرس به وهو محرم بالنص وقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ولا خلاف في تحريمه بين أهل العلم، فأما ما سوى الخنزير مما ذكرنا فأكثر اهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع يعدو ويكسر إلا الضبع منهم مالك والشافعي - إلا ان الشافعي لا يحرم ابن عرس - وأبو ثور واصحاب الحديث، وقال سعيد بن جبير
والشعبي وبعض اصحاب مالك هو مباح لعموم قوله (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما - إلى قوله الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير)
[ 68 ]
ولنا ما روى أبو ثعلبة الخشني قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع متفق عليه، وقال أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " قال ابن عبد البر هذا حديث ثابت صحيح مجمع على صحته وهو نص صريح يخص عموم الآيات فيدخل فيه الاسد والنمر والذئب والفهد والكلب، وقد روي عن الشعبي انه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب فقال لا شفاه الله وهذا يدل على انه رأى تحريمه (فصل) والقرد محرم كرهه ابن عمر وعطاء والحسن ولم يجيزوا بيعه، قال ابن عبد البر لا أعلم خلافا بين علماء المسلمين في ان القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن الشعبي ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحم القرد ولانه سبع له ناب فيدخل في عموم التحريم وهو مسخ أيضا فيكون من الخبائث المحرمة
[ 69 ]
(فصل) وابن آوى وابن عرس والنمس حرام وسئل عن ابن آوى وابن عرس فقال كل شئ ينهش بأنيابه فهو من السباع وبهذا قال أبو حنيفة واصحابه، وقال الشافعي ابن عرس مباح لانه ليس له ناب قوي فأشبه الضب ولاصحابه في ابن آوى وجهان ولنا انها من السباع فتدخل في عموم النهي ولانها مستخبثة غير مستطابة فان ابن آوى يشبه الكلب ورائحته كريهة فيدخل في عموم قوله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) * (مسألة) * (وما له مخلب من الطير يصيد به كالبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة) هذا قول أكثر اهل العلم منهم الشافعي وابو ثور واصحاب الرأي وقال مالك والليث والاوزاعي ويحيى بن سعيد لا يحرم من الطير شئ، قال مالك لم أر أحدا من اهل العلم يكره سباع الطير،
[ 70 ]
واحتجوا بعموم الآيات المبيحة وقول أبي الدرداء وابن عباس ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه
ولنا ما روى ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير رواهما أبو داود، وهذا يخص عموم الآيات ويقدم على ما ذكروه فيدخل في هذا كل ماله مخلب يعدو به كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة والبومة وأشباهها * (مسألة) * (وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق وغراب البين والابقع) قال عروة ومن يأكل الغراب وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا؟ والله ما هو من الطيبات ولعله أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والفارة والعقرب والكلب العقور " فهذه الخمس محرمة لان النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد
[ 71 ]
مأكول في الحرم لان ما يؤكل لا يجوز قتله إذا قدر عليه بل يذبح ويؤكل، وسئل أحمد عن العقعق فقال إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به، قال أصحابنا هو يأكل الجيف فيكون على هذا محرما (فصل) ويحرم الخطاف والخشاف والخفاش وهو الوطواط قال الشاعر: مثل النهار يزيد أبصار الورى * نورا ويعمى أعين الخفاش قال أحمد ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال ما أدري، وقال النخعي كل الطير حلال إلا الخفاش، وانما حرمت هذه لانها مستخبثة لا تستطيبها العرب ولا تأكلها، ويحرم الزنابير واليعاسيب والنحل وأشباهها لانها مستخبثة غير مستطابة * (مسألة) * (وما يستخبث كالقنفذ والفار والحيات والحشرات كلها)
[ 72 ]
القنفذ حرام قال أبو هريرة هو حرام وكرهه مالك وأبو حنيفة ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور ولنا ما روي عن أبي هريرة قال ذكر القنفذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " هو خبيثة من الخبائث " رواه أبو داود ولانه يشبه المحرمات ويأكل الحشرات فاشبه الجرذ (فصل) وما استطابته العرب فهو حلال لقول الله تعالى (ويحل لهم الطيبات) يعني ما يستطيبونه وما استخبثته العرب فهو محرم لقول الله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) والذين تعتبر استطابتهم
واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الامصار لانهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي لانهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون فقال: ما دب ودرج إلا أم حبين قال لتهن أم حبين
[ 73 ]
العافية وما وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز فان لم يشبهه شئ منها فهو مباح لدخوله في عموم قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما) الآية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه " فعلى هذا من المستخبثات الحشرات كالديدان والجعلان وبنات وردان والخنافس والفأر والاوزاغ والحرباء والعضا والجراذين والعقارب والحيات وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ورخص مالك وابن أبى ليلى، والاوزاعي في ذلك كله إلا الاوزاغ فان ابن عبد البر قال هو مجمع على تحريمه، وقال مالك الحية حلال إذا ذكيت واحتجوا بعموم الآية المبيحة، ولنا قول الله تعالى (ويحرم عليهم الخبائث) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " خمس فواسق يقتلن في
[ 74 ]
الحل والحرم العقرب والفأرة والغراب والحدأة والكلب العقور " وفي الحديث " الحية " مكان الفأرة ولو كانت من الصيد المباح لم يبح قتلها لان الله تعالى قال (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقال سبحانه (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ولانها مستخبثة فحرمت كالاوزغ ومأمور بقلتها فاشبهت الوزغ (فصل) والسنور الاهلي محرم وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل الهر. * (مسألة) * (وما تولد من مأكول وغيره كالبغل والسمع، والسمع ولدا الضبع من الذئب وقيل سمي العسبار، والعسبار ولد الذئب من الذيخ ذكره صاحب الصحاح)
[ 75 ]
البغال محرمة عند كل من حرم الحمار الاهلي لانها متولدة منه والمتولد من شئ حكمه حكمه في
التحريم وهكذا ان تولد بين الوحشي والانسي ولد فهو محرم تغليبا للتحريم، والسمع المتولد بين الذئب والضبع محرم وكذا العسبار ولد الذئبة من الذيخ قال قتادة ما البغل إلا شئ من الحمار، وعن جابر قال ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل * (مسألة) * (وفي الثعلب والوبر وسنور البر واليربوع روايتان) اختلفت الرواية عن احمد في الثعلب فأكثر الروايات عن احمد تحريمه وهذا قول أبي هريرة ومالك وأبي حنيفة لانه سبع فيدخل في عموم النهي، وروي عن احمد رحمه الله اباحته اختاره
[ 76 ]
الشريف أبو جعفر ورخص فيه عطاء وقتادة وطاوس والليث وسفيان بن عيينة والشافعي لانه يفدى في الحرم والاحرام، قال احمد وعطاء كل ما يودى إذا أصابه المحرم فانه يؤكل، واختلفت الرواية في سنور البر كاختلافها في الثعلب والقول فيه كالقول في الثعلب وللشافعي في سنور البر وجهان. فأما الوبر فمباح وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف قال القاضي هو محرم وهو قول أبي حنيفة واصحابه إلا أبا يوسف ولنا انه يفدى في الاحرام والحرم وهو كالارنب يأكل النبات والبقول وليس له ناب يفرس به ولا هو من المستخبثات فكان مباحا كالارنب ولان الاصل الاباحة وعموم النص يقتضيها ولم يرد فيه تحريم فتجب اباحته. فأما اليربوع فسئل احمد عنه فرخص فيه وهذا قول عروة وعطاء الخراساني والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وفيه رواية أخرى انه محرم وروي ذلك عن ابن سيرين والحكم وحماد واصحاب الرأي لانه يشبه الفأر
[ 77 ]
ولنا ان عمر رضي الله عنه حكم فيه بجفرة ولان الاصل الاباحة ما لم يرد فيه تحريم. وأما السنجاب فقال القاضي هو محرم لانه ينهش بنابه فأشبه الجرد، ويحتمل انه مباح لانه يشبه اليربوع ومتى تردد بين الاباحة والتحريم غلبت الاباحة لانها الاصل وعموم النصوص يقتضيها (فصل) والفيل محرم قال احمد ليس هو من أطعمة المسلمين وقال الحسن هو مسخ وكرهه أبو حنيفة
والشافعي ورخص الشعبي في أكله ولنا أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهو من أعظمها نابا ولانه مستخبث فيدخل في عموم الآية المحرمة
[ 78 ]
(فصل) فأما الدب فينظر فيه فان كان ذا ناب يفرس به فهو محرم وإلا فهو مباح، قال احمد إن لم يكن له ناب فلا بأس به وقال اصحاب أبي حنيفة هو سبع لانه اشبه شئ بالسباع فلا يؤكل ولنا ان الاصل الاباحة ولم يتحقق وجود المحرم فيبقى على الاصل وشبهه بالسباع انما يعتبر في وجود العلة المحرمة وهو كونه ذا ناب يصيد به ويفرس فإذا لم يوجد ذلك كان داخلا في عموم النصوص المبيحة * (مسألة) * (وما عدا هذا فمباح كبهيمة الانعام والخيل والدجاج) لعموم النصوص الدالة على الاباحة كبهيمة الانعام وهي الابل والبقر والغنم قال الله تعالى (أحلت لكم بهيمة الانعام) والخيل كلها عرابها وبراذينها، نص أحمد على ذلك وبه قال ابن سيرين وروي ذلك عن ابن الزبير والحسن وعطاء والاسود بن يزيد وبه قال حماد بن زيد والليث وابن المبارك
[ 79 ]
والشافعي وأبو ثور، وقال سعيد بن جبير ما أكلت شيئا أطيب من معرفة برذون، وحرمها أبو حنيفة وكرهها مالك والاوزاعي وابو عبيد لقول الله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) وعن خالد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حرام عليكم الحمر الاهلية وخيلها وبغالها " ولانه ذو حافر أشبه الحمار ولنا قول جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الاهلية وأذن في لحوم الخيل متفق عليه، وقالت أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه ولانه حيوان طاهر مستطاب ليس بذي ناب ولا مخلب فيحل كبهيمة الانعام ولانه داخل في عموم الآيات والاخبار المبيحة، وأما الآية فانهم انما يتعلقون بدليل خطابها وهم لا يقولون به، وحديث خالد ليس له اسناد جيد قاله احمد قال وفيه رجلان لا يعرفان يرويه ثور عن رجل ليس
[ 80 ]
بمعروف فلا نترك أحاديثنا لمثل هذا الحديث المنكر، والدجاج مباح قال أبو موسى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج متفق عليه * (مسألة) * (والوحشي من البقر والظباء والحمر يباح) بقر الوحش على اختلاف أنواعها من الابل والتيتل والوعل والمها وكذلك الظباء وحمر الوحش من الصيود كلها مباحة وتفدي في الاحرام وهذا كله مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى طلحة بن مصرف ان الحمار الوحشي إذا أنس واعتلف فهو بمنزلة الاهلي، قال احمد وما ظننت انه روي في هذا شئ وليس الامر عندي كما قال وأهل العلم على خلافه لان الظباء إذا تأنست لم تحرم والاهلي إذا توحش لم يحل ولا يتغير منها شئ عن أصله وما كان عليه، قال عطاء في حمار الوحش
[ 81 ]
إذا تناسل في البيوت لا تزول عنه اسماء الوحش، فأما الزرافة فسئل احمد عنها تؤكل؟ قال نعم وهي دابة تشبه البعير إلا ان عنقها أطول من عنقه وجسمها ألطف من جسمه وأعلى منه ويداها أطول من رجليها وهي مباحة لعموم النصوص المبيحة ولانها مستطابة ليس لها ناب ولا هي من المستخبثات أشبهت الابل وحرمها أبو الخطاب والاول أصح لما ذكرنا، والنعامة مباحة وقد قضى فيها الصحابة رضي الله عنهم ببدنة إذا قتلها المحرم ولا نعلم في اباحتها خلافا * (مسألة) * (والارنب مباحة) أكلها سعد بن أبي وقاص ورخص فيها أبو سعيد وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وأبا ثور وابن المنذر ولا نعلم قائلا بتحريمها إلا شيئا روي عن عمرو بن العاص وقد صح عن أنس
[ 82 ]
انه قال أنفجنا أرنبا فسعى القوم فلعبوا فأخذتها وجئت بها أبا طلحة فذبحها فبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي صلى الله عليه فقبله متفق عليه، وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد قال صدت أرنبين فذبحتهما بمروة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بأكلهما رواه أبو داود ولانها حيوان مستطاب ليس بذي ناب فأشبه الضب
* (مسألة) * (وسائر الوحش لعموم النص والضبع والضب) رويت الرخصة في الضبع عن سعد وابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق، قال عروة ما زالت العرب تأكل الضبع لا ترى بأكلها بأسا، وقال أبو حنيفة والثوري ومالك هي
[ 83 ]
حرام وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب فانها من السباع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وهي من السباع فتدخل في عموم النهي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الضبع فقال " ومن يأكل الضبع؟ " ولنا ما روى جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع فقلت صيد هي؟ قال " نعم " احتج به أحمد، وفي لفظ قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال " هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم " رواه أبو داود، وعن عبد الرحمن بن أبي عمار قال قلت لجابر الضبع أصيد هي؟ قال نعم، قلت أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال ابن عبد البر هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي
[ 84 ]
ناب من السباع لانه أقوى منه قلنا هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب باخبار الاحاد، فأما الخبر الذى فيه " ومن يأكل الضبع؟ " فهو حديث طويل يرويه عبد الملك بن المخارق تفرد به وهو متروك الحديث، وقد قيل ان الضبع ليس لها ناب فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي (فصل) والضب مباح في قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سعيد كنا معشر أصحاب محمد لان يهدى إلى احد ناضب أحب إليه من دجاجة وقال عمر ما يسرني أن مكان كل ضب دجاجة سمينة ولوددت أن في كل جحر ضب ضبين وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر وقال الثوري وأبو حنيفة هو حرام لما روي
[ 85 ]
عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن اكل لحم الضب وروي نحوه عن علي ولانه ينهش فاشبه ابن عرس ولنا ما روى ابن عباس قال دخلت انا وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت احرام هو يا رسول الله؟ قال " لا ولكن لم يكن بارض قومي فأجدني اعافه " قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر متفق عليه قال ابن عباس ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الضب تقذرا وأكل على مائدته ولو كان حرما ما أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الضب ولكنه قذره ولو كان عندي لاكلته ولان الاصل الحل ولم يوجد المحرم فبقي على الاباحة ولم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي ولا تحريم ولان اباحته قول من سمينا من الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت عنهم خلافه فيكون اجماعا * (مسألة) * (والزاغ مباح)
[ 86 ]
وبذلك قال الحكم وحماد ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه ويباح غراب الزرع وهو الاسود الكبير الذي يأكل الزرع ويطير مع الزاغ لان مرعاهما الزرع والحبوب فأشبها الحجل وسائر الطير كالحمام وأنواعه من الفواخت والجوازل والرقاطي والدباسي والعصافير والقنابر والقطا والحبارى والحجل لما روى سفينة قال أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى رواه أبو داود، والكركي والكروان والبط والاوز وما اشبهه مما يلتقط الحب أو يفدى في الاحرام مباح لانه مستطاب ويفدى في حق المحرم فكان مباحا كبقية ما يفدى وكذلك الغرانيق والطواويس وطير الماء كله وأشباه ذلك لا نعلم فيه خلافا
[ 87 ]
(فصل) واختلفت الرواية عن أحمد في الهدهد والصرد فعنه انهما حلال لانهما ليسا من ذوات المخلب ولا مستخبثات وعنه تحريمهما لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الهدهد والصرد والنملة والنحلة وكل ما كان لا يصيد بمخلبه ولا يأكل الجيف ولا يستخبث فهو حلال * (مسألة) * (وجميع حيوان البحر مباح لقول الله تعالى (أحل لكم صيد البحر طعامه متاعا لكم)
الا الضفدع والحية والتمساح وقال ابن حامد الا الكوسج) كل صيد البحر مباح الا الضفدع وهذا قول الشافعي وقال الشعبي لو أكل أهلي الضفادع لاطعمتهم ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن قتل الضفدع رواه النسائي فيدل على تحريمه ولانها
[ 88 ]
مستخبثة، وكذلك الحية وقد ذكرنا الخلاف فيها، فاما التمساح فقال ابن حامد لا يؤكل التمساح ولا الكوسج لانهما يأكلان الناس وذكر ابن أبي موسى في التمساح رواية انه مكروه غير محرم للآية وروي عن ابراهيم النخعي أو غيره انهم كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وقال أبو علي النجاد لا يباح من البحري ما يحرم نظيره في البر كخنزير الماء وانسانه وهو قول الليث الا في كلب الماء فانه يرى اباحة كلب البر والبحر وقال أبو حنيفة لا يباح الا السمك وقال مالك كل ما في البحر مباح لعموم قوله سبحانه (أحل لكم صيد البحر وطعامه) (فصل) وكلب الماء مباح وركب الحسن بن علي سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء
[ 89 ]
وهذا قول مالك والشافعي والليث ويقتضيه قول الشعبي والاوزاعي ولا يباح عند أبي حنيفة وهو قول أبي علي النجاد وبعض أصحاب الشافعي ولنا عموم الآية والخبر قال عبد الله سألت أبي عن كلب الماء فقال ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عمر وبن دينار وأبي الزبير سمعا شريحا رجلا ادرك النبي صلى الله عليه وسلم يقول " كل شئ في البحر فهو مذبوح " فذكرت ذلك لعطاء فقال أما الطير فنذبحه وقال أبو عبد الله كلب الماء نذبحه (فصل) قال أحمد لا أكره الجري وكيف لنا بجري ورخص فيه علي والحسن ومالك والشافعي
[ 90 ]
وأبو ثور وأصحاب الرأي وسائر أهل العلم وقال ابن عباس الجري لا نأكله ورافقهم الرافضة ومخالفتهم صواب
(فصل) وتحرم الجلالة التي أكثر علفها النجاسة وبيضها ولبنها وعنه يكره ولا يحرم قال أحمد أكره لحوم الجلالة والبانها قال القاضي هي التى تأكل العذرة فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها وفي بيضها روايتان وان كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها قال شيخنا وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه لكن يمكن تحديده بان يكون كثيرا في ماكولها ويعفى عن اليسير وقال الليث انما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها الا الرجيع وما أشبهه وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان
[ 91 ]
(احداهما) هي محرمة (والثانية) هي مكروهة غير محرمة وهذا قول الشافعي وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس ورخص العمل في لحومها وألبانها لان الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات بدليل ان شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا ولو نجس لما طهر بالاسلام ولا الاغتسال ولو تنجست الجلالة لما طهرت بالحبس ولنا ما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها، رواه أبو داود وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الابل الجلالة ان يؤكل لحمها ولا يحمل عليها الا الادم ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة رواه الخلال باسناده
[ 92 ]
ولان لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه وانما يتغذى الطاهرات وكذلك الكافر في الغالب * (مسألة) * (حتى تحبس وتزول الكراة بحبسها اتفاقا) واختلف في قدره فروي انها تحبس ثلاثا سواء كانت طائرا أو بهيمة وكان ابن عمر إذا اراد أكلها حبسها ثلاثا وهذا قول أبي ثور لان ما طهر حيوانا يطهر الآخر كالذي نجس ظاهره، والاخرى تحبس الدجاجة ثلاثا والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين يوما وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة لحديث عبد الله ابن عمر ولانهما أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما اكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير وعنه
تحبس الشاة سبعا لانها اكبر من الطائر ودون البعير والبقرة، ويكره ركوب الجلالة وهو قول عمر
[ 93 ]
وابنه وأصحاب الرأى لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوبها ولانها ربما عرقت فتلوث بعرقها * (مسألة) (وما يسقي بالماء النجس من الزرع والثمار محرم وكذلك ما سمد به وقال ابن عقيل يحتمل ان يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم بتنجيسها) لان النجاسة تستحيل في بطنها فتطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما ويصير لبنا وهذا قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول مكيل عرة مكيل بر والعرة عذرة الناس ولنا ما روى ابن عباس قال كنا نكري اراضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط عليهم ان لا يدملوها بعذرة الناس ولانها تتغذى بالنجاسات وتسري فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست واطعمت الطاهرات
[ 94 ]
* (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ومن اضطر إلى محرم مما ذكرنا فله ان يأكل منه ما يسد رمقه وهل له الشبع؟ على روايتين) أجمع العلماء على تحريم الميتة والخنزير حالة الاختيار وعلى إباحة الاكل منها في الاضطرار وكذلك سائر المحرمات والاصل في ذلك قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) وقوله (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) ويباح له أكل ما يسد رمقه ويأمن معه الموت بالاجماع ويحرم ما زاد على الشبع بالاجماع أيضا وفي الشبع روايتان
[ 95 ]
(احداهما) لا يباح وهو قول أبي حنيفة واحدى الروايتين عن مالك واحد القولين للشافعي قال الحسن يأكل قدر ما يقيمه لان الآية دلت على تحريم الميتة واستثني ما اضطر إليه فإذا اندفعت الضرورة
لم يحل له الاكل كحالة الابتداء ولانه بعد سد الرمق غير مضطر ولم يبح له الاكل كذا ههنا (والثانية) أبيح له النشبع اختارها أبو بكر لما روى جابر ابن سمرة ان رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال " هل عندك غنى يغنيك؟ " قال لا قال " فكلوها " ولم يفرق رواه أبو داود ولان ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح ويحتمل ان يفرق بينما إذا كانت الضرورة مستمرة وبينما إذا كانت مرجوة الزوال فما كانت مستمرة كحال الاعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جز الشبع لانه إذا
[ 96 ]
اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قريب ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه وربما ادى ذلك إلى تلفه بخلاف التى ليست مستمرة فانه يرجى الغنى فيها بما يحل له. إذ ثبت هذا فان الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها ان ترك الاكل قال احمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من جوع أو يخاف ان ترك الاكل عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك ولا يتقيد ذلك بزمن محصور (فصل) وهل يجب الاكل من الميتة أو غيرها من الحرمات على المضطر؟ فيه وجهان (احدهما) يجب وهو قول مسروق واحد الوجهين لاصحاب الشافعي قال الاثرم سئل أبو عبد الله
[ 97 ]
عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل فذكر مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات. دخل النار وهذا اختيار ابن حامد لقول الله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وترك الاكل مع امكانه في هذه الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما) ولانه قادر على احياء نفسه بما أحله الله له فلزمه كما لو كان معه طعام حلال (والثاني) لا يلزمه لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته فاخرجوه فال قد كان الله احله لي لانني مضطر
ولكن لم أكن لاشمتك بدين الاسلام، ولان اباحة الاكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص ولان له غرضا في اجتناب النجاسة والاخذ بالعزيمة وربما لم تطلب نفسه تناول الميتة وفارق الحلال في الاصل من هذه الوجوه (فصل) وتباح المحرمات عند الاضطرار في الحضر والسفر جميعا لان الآية مطلقة غير مقيدة باحدى الحالتين وقوله سبحانه (فمن اضطر) لفظ عام في كل مضطر ولان الاضطرار يكون في الحضر
[ 98 ]
في سنة المجاعة وسبب الاباحة الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك لكون هذه المصلحة اعظم من مصلحة اجتناب النجاسات والصيانة عن تناول المستخبثات وهذا المعنى عام في الحالين وظاهر كلام احمد أن الميتة لا تحل لمن يقدر على دفع ضرورته بالمسألة وروي عن أحمد أنه قال اكل الميتة انما يكون في السفر يعني انه في الحضر يمكنه السؤال وهذا عن أحمد خرج مخرج الغالب فان الغالب ان الحضر يوجد فيه الطعام الحلال ويمكن دفع الضرورة بالسؤال ولكن الضرورة امر معبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه بالمظنة بل متى وجدت الضرورة اباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد ومتى انتفت لم يبح الاكل لوجود مظنتها بحال (فصل) قال أصحابنا ليس للمضطر في سفر المعصية الاكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق
[ 99 ]
القول الله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) قال مجاهد (غير باغ) على المسلمين (ولا عاد) عليهم وقال سعيد بن جبير إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له فان تاب واقلع عن معصيته حل له الاكل (فصل) وهل للمضطر التزود من الميتة، على روايتين (اصحهما) له ذلك وهو قول مالك لانه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته ولا يأكل منها الا عند ضرورته (والثانية) لا يجوز لانه توسع فيما لم يبح الا للضرورة فان استصحبها فلقيه مضطر لم يجز له بيعه اياه لانه انما يبح له منها ما يدفع به الضرورة ولا ضرورة إلى البيع لانه لا يملكه ويلزمه إعطاء الآخر بعير عوض
[ 100 ]
إذا لم يكن هو مضطرا في الحال إلى منعه لان ضرورة الذي لقيه موجودة وحاملها يخاف الضرر في ثاني الحال * (مسألة) * (وان وجد طعاما لا يعرف مالكه وميتة أو صيدا وهو محرم فقال أصحابنا ياكل الميتة) ويحتمل ان يحل له الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة وكقول اصحابنا قال سعيد بن المسيب وزيد بن اسلم، وقال مالك ان كانوا يصدقونه انه مضطر اكل من الزرع والثمرة وشرب اللبن وان خاف ان تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولاصحاب الشافعي وجهان (احدهما) يأكل الطعام وهو قول عبد الله بن ينار لانه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذل له صاحبه ولنا ان أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه فكان العدول إلى المنصوص
[ 101 ]
عليه أولى لان حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة وحق الآدمي مبني على الشح والضيق ولان حق الادمي تلزمه غرامته وحق الله تعالى لا عوض له ويحتمل ان يحل له أكل الطعام والصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة لانه قادر على الطعام الحلال فاشبه ما لو بذله له صاحبه (فصل) وإذا وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له الامتناع من الاكل والشرب ولا العدول إلى الميتة الا ان يخاف ان يسمه فيه أو يكون الطعام الذي يطعمه مما يضره ويخاف ان يهلكه أو يمرضه (فصل) وإن وجد طعاما مع مالكه وامتنع من بذله أو بيعه منه ووجد ثمنه لم يجز له مكابرته عليه وأخذه منه وعدل إلى الميتة سواء كان قويا يخاف من مكابرته التلف أو لم يخف فان بذله بثمن مثله وقدر على الثمن لم يحل له أكل الميتة لانه قادر على طعام حلال، وان بذله بزيادة على ثمن المثل لا تجحف بماله لزمه شراؤه أيضا
[ 102 ]
لما ذكرناه وان كان عاجزا عن الثمن فهو في حكم العادم وان امتنع من بذله الا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه المضطر بذلك لم يلزمه أكثر من ثمن مثله لان الزيادة احوج إلى بذلها بغير حق فلم يلزم كالمكره (فصل) وان وجد المحرم ميتة وصيدا أكل الميتة وبه قال الحسن ومالك وأبو حنيفة واصحابه وقال الشافعي في واحد قوليه يأكل الصيد ويفديه وهو قول الشعبي لان الضرورة تبيحه ومع القدرة
عليه لا تحل الميتة لعناه عنها قال شيخنا ويحتمل ان يحل أكل الصيد إذا لم تقبل نفسه الميتة ووجه الاول ان اباحة المية منصوص عليها واباحة الصيد مجتهد فيها وتقديم المنصوص عليه أولى فان لم يجد ميتة ذبح الصيد واكله نص عليه احمد لانه مضطر إليه عينا، وقد قيل ان في الصيد تحريمات ثلاثا تحريم قتله وتحريم أكله وتحريم الميتة لان ما ذبحه المحرم من الصيد يكون ميتة فقد ساوى الميتة في هذا وفضل هذا بتحريم القتل
[ 103 ]
والاكل لكن يقال على هذا ان الشارع إذا اباح له أكله لم يصر ميتة ولذا لو لم يجد الميتة فذبحه كان ذكيا طاهرا وليس بنجس ولا ميتة ولهذا يتعين عليه ذبحه في محل الذبح وتعتبر شروط الذكاة فيه ولا يجوز قتله ولو كان ميتة لم يتعين ذلك عليه (فصل) إذا ذبح المحرم الصيد عند الضرورة جاز له ان يشبع منه لانه لحم ذكي ولا حق فيه لآدمي سواه فأبيح له الشبع منه كما لو ذبحه حلال لا من أجله (فصل) فان لم يجد المضطر شيئا لم يبح له بعض أعضائه، وقال بعض أصحاب الشافعي له ذلك لان له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الاكلة. ولنا أن اكله من نفسه ربما قتله فيكون قاتلا لنفسه ولا يتيقن حصول البقاء بأكله، أما قطع الاكلة فانه يخاف الهلاك بذلك فأبيح له ابعاده ودفع الضرر المتوجه منه بتركه كما أبيح قتل الصائل عليه ولم يبح له قتله ليأكله.
[ 104 ]
* (مسألة) * (فان لم يجد إلا طعاما لم يبذله مالكه فان كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به وإلا لزمه بذله فان أبى فللمضطر أخذه قهرا ويعطيه قيمته فان منعه فله قتاله على ما يسد رمقه أو قدر شبعه على اختلاف الروايتين، فان قتل صاحب الطعام لم يجب ضمانه وان قتل المضطر فعليه ضمانه). وجملة ذلك انه إذا اضطر إلى طعام فان لم يجد إلا طعاما لغيره فان كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به ولا يجوز لاحد أخذه منه لانه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة وان اخذه منه أحد فمات فعليه ضمانه لانه قتله بغير حق، وان لم يكن صاحبه مضطرا إليه لزمه بذله
للمضطر لانه يتعلق به احياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله كما يلزمه بذل منافعه في انجائه من الغرق والحرق فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لانه يستحقه دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله فان
[ 105 ]
احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه على ما يسد رمقه لانه الذي اضطر إليه وعنه له قتاله على قدر الشبع والاول أولى وذكر ابن أبي موسى في الارشاد انه لا يجوز قتاله على شئ منه كما ذكر في دفع الصائل فان قتل المضطر فهو شهيد وعلى قاتله ضمانه وان آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لانه ظالم بقتاله فأشبه الصائل الا ان يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لامكان الوصول إليه دونها، فان لم يبعه إلا بأكثر من ثمنه لم يلزمه الا ثمن مثله وقد ذكرناه ويلزمه عوضه في كل موضع أخذه فان لم يكن معه في الحال لزمه في ذمته ولا يباح للمضطر من مال اخيه إلا ما يباح من الميتة، قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لاحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه؟ قال " ياكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل "
[ 106 ]
* (مسألة) * (فان لم يجد إلا آدميا مباح الدم كالمرتد والزاني المحصن حل له قتله وأكله). وجملة ذلك أن المضطر إذا لم يجد الا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله اجماعا ولا اتلاف عضو منه مسلما كان أو كافرا لانه مثله فلا يجوز ان يقي نفسه باتلاقه وهذا لا خلاف فيه، وان كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي ان له قتله واكله، لان قتله مباح وهكذا قال أصحاب الشافعي لانه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع وان وجده ميتا ابيح أكله لان اكله مباح قبله فكذلك بعد موته وان وجد معصوما ميتا لم يبح اكله في قول أكثر الاصحاب وقال الشافعي وبعض الحنفية يباح قال شيخنا وهو اولى، لان حرمة الحي أعظم قال أبو بكر بن داود اباح الشافعي أكل لحوم الانبياء واحتج أصحابنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " كسر عظم الميت ككسره وهو حي " واختار أبو الخطاب ان له اكله وقال لا حجة في الحديث ههنا لان الاكل من اللحم لا من العظم والمراد من الحديث التشبيه
[ 107 ]
في اصل الحرمة لا بمقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا تجب به صيانة الميت. (فصل) وإذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة واصابت الضرورة خلقا كثيرا وكان عند بعض الناس قدر كفايته من غير فضلة لم يلزمه بذل ما معه للمضطرين ولم يفرق اصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه إليهم في ان ذلك واجب عليه لكونه غير مضطر في الحال والآخر مضطر فوجب تقديم حاجة المضطر. ولنا ان هذا مفض به إلى هلاك نفسه وعياله فلم يلزمه كما لو امكنه انجاء الغريق بتغريق نفسه وليس في بذله القاء بيده إلى التهلكة وقد نهى عزوجل عن ذلك وهذا اختيار شيخنا رحمه الله
[ 108 ]
(فصل) والترياق محرم وهو دواء يعالج به من السم يجعل فيه لحوم الحيات ويعجن بالخمر لا يحل اكله ولا شربه لان الخمر ولحوم الحيات حرام، وممن كرهه الحسن وابن سيرين ورخص فيه الشعبي ومالك ويقتضيه مذهب الشافعي لاباحته التداوي ببعض المحرمات. ولنا ان لحم الحية حرام على ما ذكرنا فيما مضى وكذلك الخمر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله لم يجعل شفاء امتي فيما حرم عليها ". (فصل) ولا يجوز التداوي بشئ محرم ولا بشئ فيه محرم مثل ألبان الاتن ولحم شئ من المحرمات ولا شرب الخمر للتداوي لما ذكرنا من الخبر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له النبيذ يصنع للدواء فقال " انه ليس بدواء ولكنه داء "
[ 109 ]
(فصل) (ومن مر بثمرة في شجر لا حائط عليه ولا ناظر فله ان يأكل ولا يحمل وعنه لا يحل ذلك إلا لحاجة) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في ذلك فروي عنه أنه قال إذا لم يكن عليها حافظ أكل إذا كان جائعا وإذا لم يكن جائعا فلا يأكل وقال قد فعله غير واحد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا كان عليه حائط لم يأكل لانه قد صار شبه الحريم وقال في موضع انما الرخصة للمسافر
إلا انه لم يعتبر ههنا الاضطرار لان الاضطرار يبيح ما وراء الحائط، ورويت عنه الرخصة في الاكل من غير المحفوظ مطلقا من غير اعتبار رجوع ولا غيره وهذا المشهور في المذهب لما روي عن أبي زينب التيمي قال سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزه فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم وهو قول عمر وابن عباس وابي برزة قال عمر يأكل ولا يتخذ خبنة، وروي عن احمد انه قال يأكل مما تحت الشجر فإذا لم يكن تحت الشجر فلا
[ 110 ]
يأكل ثمار الناس وهو غني عنه ولا يضرب بحجر ولا يرمي لان هذا يفسد وروي عن نافع عن عبد الله بن عمر قال كنت ارمي نخل الانصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا نافع لم ترمي نخلهم؟ " فقلت يا رسول الله الجوع قال " لا ترم وكل ما وقع اشبعك الله وأرواك "، أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح، وقال أكثر الفقهاء لا يباح الاكل إلا في الضرورة لما روى العرباض بن سارية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الا وان الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت اهل الكتاب إلا باذن ولا ضرب نسائهم ولا اكل ثمارهم إذا اعطوكم الذي عليهم " رواه ابو داود وقال النبي صلى الله عليه وسلم " ان دماءكم واموالكم واعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا " متفق عليه.
[ 111 ]
ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الثمر المعلق فقال " ما اصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن اخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه والعقوبة " وقال الترمذي هذا حديث حسن وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا أتيت على حائط بستان فناد صاحب البستان ثلاثا فان اجابك وإلا فكل من غير ان تفيد " وروى سعيد باسناده عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولانه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فكان اجماعا، فان قيل فقد ابى سعد أن ياكل قلنا امتناع سعد من اكله ليس مخالفا لهم فان الانسان قد يترك المباح غنى عنه أو تورعا أو تقذرا
كترك النبي صلى الله عليه وسلم اكل الضب فاما احاديثهم فهي مخصوصة بما رواه من الحديث
[ 112 ]
والاجماع فان كانت محوطة لم يجز الدخول إليها لقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهي حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، ولان إحرازه بالحائط يدل على شح صاحبه به وعدم المسامحة، قال بعض أصحابنا إذا كان عليه ناطور فهو كالمحوط في أنه لا يدخل إليه ولا يأكل منه إلا في الضرورة. * (مسألة) * (وفي الزرع وشرب لبن الماشية روايتان) اختلفت الرواية عن أحمد في الزرع فروي عنه أنه قال: لا يأكل انما رخص في الثمار ليس الزرع،
[ 113 ]
وقال ما سمعنا في الزرع أن يمس منه وجهه ان الثمار خلقها الله تعلى للاكل رطبة والنفوس تتوق إليها والزرع بخلافها. (والثانية) قال يأكل من الفريك لان العادة جارية بأكله رطبا أشبه الثمر، وكذلك الحكم في الباقلا والحمص وشبهه مما يؤكل رطبا، فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الاكل منه والاولى في الثمار وغيرها ان لا يأكل منها الا باذن لما فيها من الخلاف والاخبار الدالة على التحريم. وكذلك روي عن أحمد رحمه الله في حلب لبن الماشية روايتان (احداهما) يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل لما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أتى أحدكم
[ 114 ]
على ماشية فان كان فيها صاحبها فليستأذنه فان أذن فليحلب وليشرب ولا يحمل " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول اسحاق (والرواية الثانية) لا يجوز له ان يحلب ولا يشرب لما روى ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحلبن احد ماشية احد الا باذنه ايحب احدكم ان تؤتى مشربته وتكسر خزانته وينقل طعامه فانما تخزن لهم ضروع مواشيهم اطعمتهم فلا يحلبن احد ماشية احد الا باذنه " وفي لفظ " فان ما في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم " متفق عليه
(فصل) قال احمد اكره اكل الطين ولا يصح فيه حديث الا أنه يضر بالبدن يقال إنه ردي وتركه خير من أكله وانما كرهه أحمد من أجل مضرته فان كان منه ما يتداوى به كالطين الارمني
[ 115 ]
فلا يكره وان كان مما لا مضرة فيه ولا نفع كالشئ اليسير جاز أكله لان الاصل الاباحة والمعنى الذي لاجله كره منتف ههنا فلم يكره (فصل) ويكره أكل البصل والثوم والكراث والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد لما روى ابن ماجه ان النبي صلى الله عليه وسلم " قال ان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس " فان اكله لم يقرب المسجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا " وفي رواية " فلا يقربنا في مساجدنا " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وليس أكلها محرما لما روى أبو أيوب ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بطعام
[ 116 ]
فلم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال " فيه الثوم " فقال يا رسول الله أحرام هو؟ قال " لا ولكني اكرهه من أجل ريحه " رواه الترمذي وقال حديث حسن وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي " كل الثوم فلولا ان الملك يأتيني لاكلته " وانما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته ولذلك نهى عن قربان المسجد فان أتى المسجد كره له ذلك ولم يحرم لما روى المغيرة بن شعبة قال أكلت ثوما وأتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقت بركعة فلما دخلت المسجد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الثوم فلما قضى صلاته قال من " أكل من هذه
[ 117 ]
الشجره فلا يقربنا حتى يذهب ريحها " فجئت فقلت يا رسول الله لتعطني يدك قال فادخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر فقال " ان لك عذرا " رواه أبو داود وقد روي عن أحمد أنه يأثم لان ظاهر النهي التحريم ولان أذى المسلمين حرام وهذا فيه اذاهم (فصل) ويكره أكل الغذة واذن القلب لما روي عن مجاهد قال كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الشاة ستا وذكر هذين ولان النفس تعافهما وتستخبثهما قال الشيخ ولا اظن أحمد كرههما الا لذلك لا للخبر لانه قال فيه حديث منكر ولان في الخبز ذكر الطحال وقد قال أحمد لا بأس به ولا أكره منه شيئا (فصل) قيل لابي عبد الله الجبن؟ قال يؤكل من كل وسئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس قال
[ 118 ]
وما أدري الا أن أصح حديث فيه حديث الاعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال سئل عمر عن الجبن وقيل له تعمل فيه الانفحة الميتة فقال سموا انتم وكلوا رواه أبو معاوية عن الاعمش وقال أليس الجبن الذي يأكله عامتهم يصنعه المجوس (فصل) ولا يجوز ان يشتري الجوز الذي يتقامر به الصبيان ولا البيض الذي يتقامرون به يوم العيد لانهم يأخذونه بغير حق والله أعلم * (مسألة) * (ويجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يوما وليلة فان أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم) قال أحمد الضيافة على المسلمين كل من نزل به ضيف كان عليه ان يضيفه قيل ان ضاف الرجل
[ 119 ]
ضيف كافر يضيفه؟ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم " ولما أضاف المشرك دل على ان المسلم يضاف وما أراه كذلك والضيافة معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر، واليوم والليلة حق واجب وقال الشافعي ذلك مستحب وليس بواجب لانه غير مضطر إلى طعامه فلم يجب عليه بذله كما لو لم يضفه ولنا ما ذكرناه من الحديث وروى المقدام ابن أبي كريمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليلة الضيف حق واجب فان أصبح بفنائه فهو دين عليه ان شاء اقتضى وان شاء ترك " حديث صحيح وفي لفظ " ايما رجل ضاف قوما فاصبح الضيف محروما فان نصره على كل مسلم حتى
[ 120 ]
يأخذ بحقه من زرعه وماله " رواه أبو داود، والواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام وذكر ابن أبي موسى ان الواجب ثلاثة أيام لما روى أبو سريج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الضيافة ثلاثة
أيام وجائزته يوم وليلة لا يحل لمسلم ان يقيم عند أخيه حتى يؤثمه " قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال " يقيم عنده وليس عنده ما يقريه " متفق عليه قال أحمد معنى قوله عليه السلام " جائزته يوم وليلة " كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لانه يصير أربعة أيام وقد قال وما زاد على الثلاثة فهو صدقة، فان امتنع من ضيافته فللضيف بقدر ضيافته قال أحمد يطالبهم بحقه الذي جعله له النبي صلى الله
[ 121 ]
عليه وسلم ولا يأخذ شيئا الا بعلم أهله وعنه رواية أخرى له ان يأخذ ما يكفيه بغير اذنهم لما روى عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا قال " إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " متفق عليه * (مسألة) * (وتستحب ضيافته ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة) وعن أحمد ان الضيافة على أهل القرى دون أهل الامصار قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل إلى أي شئ تذهب فيها؟ قال هي مؤكدة وكأنها على أهل القرى والطرق الذين يمر بهم الناس أوكد
[ 122 ]
فاما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك وذلك أهل القرى والله أعلم ليس عادتهم بيع القوت فلو لم تلزمهم الضيافة بقي المسافر ليس له ما يقتات بخلاف أهل الامصار فان عادتهم ذلك فيجد المسافر ما يشتري ويقتات فلا تلزمهم الضيافة * (مسألة) * (وليس له انزال الضيف في بيته) لما فيه من الحراج الا ان لا يجد مسجدا أو رباطا يبيت فيه فيبيت عنده للضرورة ولان الخبر انما ورد في الضيافة لا غير فكان خاصا فيها دون غيرها (فصل) قال المروذي سألت أبا عبد الله قلت تكره الخبز الكبار؟ قال نعم اكرهه ليس فيه بركة انما البركة في الصغار وقال مرهم ان لا يخبزوا كبارا قال ورأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده
[ 123 ]
وان كان على وضوء وقال مهنا ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم " بركة الطعام الوضوء قبله وبعده " وذكرت الحديث
لاحمد فقال ما حدث به الا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث قلت بلغني عن يحى بن سعيد قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام لم كره سفيان ذلك؟ قال لانه من زي العجم قلت بلغني عن يحيى بن سعيد قال كان سفيان يكره ان يكون تحت القصعة الرغيف لم كرهه سفيان؟ قال كره ان يستعمل الطعام قلت تكرهه أنت؟ قال نعم وروى ابن عقيل قال حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال لا تتخذوا الخبز بساطا وقال المروذي قلت لابي عبد الله ان ابا معمر قال ان ابا اسامة قدم إليهم خبزا فكسره فقال هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون قيل لابي عبد الله يكره الاكل
[ 124 ]
متكئا؟ قال أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا آكل متكئا " رواه أبو داود عن شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه قال ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا قط رواه أبو داود وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأكل الرجل منبطحا رواه أبو داود (فصل) وتستحب التسمية عند الطعام وحمد الله تعالى عند آخره لما روى عمر بن أبي سلمة قال اكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال " بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " فما زالت اكلتي متفق عليه وروى الامام احمد باسناده عن أبي هريرة قال لا اعلمه الا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " اطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر " قال معناه إذا اكل وشرب بشكر الله ويحمده على ما رزقه " وعن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا اكل أحدكم فليذكر اسم الله فان نسي ان يذكر اسم الله في اوله فليقل بسم الله اوله وآخره " رواه أبو داود وعن معاذ بن انس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اكل طعاما فقال الحمد لله الذي اطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " وعن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم
[ 125 ]
إذا اكل طعاما قال الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين " وعن أبي امامة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع طعامه، أو ما بين يديه قال " الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع " رواهن ابن ماجه (فصل) ويأكل بيمينه ويشرب بها روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا
أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " رواه مسلم وأبو داود ويستحب الاكل بثلاث اصابع لما روى كعب بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الامام أحمد وذكر له حديث ترويه ابنة الزهري ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير إلا ثلاث اصابع وروي عن أحمد انه أكل خبيصا بكفه كلها وروي عن عبد الله بن بريدة انه كان ينهى بناته ان يأكلن بثلاث اصابع وقال لا تشبهن بالرجال (فصل) قال مهنا سألت احمد عن حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تقطعوا اللحم بالسكين فان ذلك صنيع الاعاجم " فقال ليس بصحيح لا يعرف هذا وقال حديث عمرو بن امية الضمري خلاف هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة فقام إلى الصلاة وطرح السكين وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكري عن المغيرة ابن شعبة ضفت برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فامر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يجز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فالقى الشفرة قال وسألت أحمد عن حديث أبي جحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اكفف جشاءك يا أبا جحيفة فان اكثركم شبعا اليوم اكثركم جوعا يوم القيامة " فقال هو ويحيى جميعا ليس بصحيح
[ 126 ]
(فصل) وروي عن ابن عباس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفخ في طعام ولا شراب ولا يتنفس في الاناء وعن أنس قال: ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة. قال قتادة فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. حديث صحيح وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام عن الطعام حتى يرفع وعن نبيشة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة " وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها فانه لا يدري في أي طعامه البركة " رواهن ابن ماجه (فصل) وسئل أبو عبد الله عن غسل اليد بالخالة قال: لا بأس به نحن نفعله وسئل عن الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة لم يدع إليه فلما دخل إليهم دعوه يأكل؟ قال نعم وما بأس وسئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه ادخر لاهله قوت سنة هو صحيح؟ قال نعم ولكنهم يختلفون في لفظه
(فصل) روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الابرار وصلت عليكم الملائكة " وعن جابر قال صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما فرغوا قال " أثيبوا أخاكم - قالوا: يا رسول الله وما اثابته؟ قال - ان الرجل إذا دخل بيته وأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك اثابته " رواهما أبو داود
[ 127 ]
باب السبق * (مسألة) * (تجوز المسابقة على الدواب والخيل والاقدام والسفن والمزاريق وسائر الحيوانات) والاصل في ذلك السنة والاجماع. أما السنة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. متفق عليه قال موسى بن عقبة بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة اميال، وقال سفيان من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض ومسابقة بعوض، فأما المسابقة بغير عوض فتجوز مطلقا من غير تقييد بشئ معين كالمسابقة على الاقدام والسفن والطيور والبغال والحمر والفيلة والمزاريق وتجوز المصارعة ورفع الحجارة ليعرف الاشد وغير هذا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان مع عائشة في سفر فسابقته على رجلها فسبقته قالت فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال " هذه بتلك " رواه أبو داود وسابق سلمة بن الاكوع رجلا من الانصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد، وصارع النبي
[ 128 ]
صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه، ورواه الترمذي، ومر بقوم يربعون حجرا يعني يرفعونه ليعرفوا الاشد منهم فلم ينكر عليهم، وسائر المسابقة يقاس على هذا * (مسألة) * (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والابل والسهام) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر " رواه أبو داود، فالسبق
بسكون الباء المسابقة والسبق بفتحها الجعل المخرج في المسابقة، اختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها لانها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وإحكامها والتفوق فيها، وهي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد فيها والاحكام لها وقد ورد الشرع بالامر بها والترغيب في فعلها، قال الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) قال النبي صلى الله عليه وسلم " ألا ان القوة الرمي ألا ان القوة الرمي وروى سعيد في سننه عن خالد بن زيد قال كنت رجلا راميا وكان عقبة بن عامر الجهني يمر فيقول يا خالد اخرج بنا نرمي فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال هلم أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله عزوجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة:
[ 129 ]
صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله، ارموا واركبوا وان ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس من اللهو الا ثلاث: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فانها نعمة تركها " رواه أبو داود وعن مجاهد قال قال رسول الله [ ص ] " ان الملائكة لا تحضر من لهوكم الا الرهان والنضال " قال الازهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما. وقال مجاهد أدركت ابن عمر يشتد بين الهدفين إذا أصاب خصلة قال أنا بها أنا بها، وعن حذيفة مثله، فلا تجوز المسابقة بعوض الا في هذه الثلاثة وبهذا قال الزهري ومالك وقال أهل العراق نحو ذلك في المسابقة على الاقدام والمصارعة لورود الاثر بهما فان النبي صلى الله عليه وسلم سابق عائشة وصارع ركانة ولاصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين، ولهم بالمسابقة بالطيور والسفن وجهان بناء على الوجهين في المسابقة على الاقدام والمصارعة ولنا ما ذكرنا من الحديث فنفى السبق في غير هذه الثلاثة ويحتمل انه أراد به نفي الجعل أي لا يجوز الجعل الا في هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي المسابقة بعوض فانه يتعين حمل الخبر على
[ 130 ]
أحد الامرين للاجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة، وعلى كل تقدير فالحديث حجة
لنا، ولان غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إلى الثلاثة فلم تجز المسابقة عليها بعوض كالرمي بالحجارة ورفعها إذا ثبت هذا فالمراد بالنصل السهام من النشاب والنبل وغيرها وبالحافر الخيل وحدها وبالخف الابل خاصة. وقال أصحاب الشافعي تجوز المسابقة بكل ماله فصل من المزاريق وفي الرمح والسيف وجهان وفي الفيل والبغال والحمير وجهان لان للمزاريق والرماح والسيوف نصلا وللفيل خف وللبغال والحمير حوافر فتدخل في عموم الخبر ولنا ان هذه الحيوانات المختلف فيها لا تصلح للكر والفر ولا يقاتل عليها ولا يسهم لها، والفيل لا يقاتل عليه أهل الاسلام، والرماح والسيوف لا يرمى بها فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس، والخبر ليس بعام فيما تجوز المسابقة به لانه نكرة في اثبات وانما هو عام في نفي ما لا تجوز المسابقة به بعوض لكونه نكرة في سياق النفي ثم لو كان عاما لحمل على ما عهدت المسابقة عليه، وورود الشرع بالحث على تعلمه وهو ما ذكرناه
[ 131 ]
* (مسألة) * (ولا تصح الا بشروط خمسة) (أحدها) تعيين المركوب والرماة لان القصد معرفة جوهر الدابتين وسرعة عدوهما معرفة حذق الرماة ولا يحصل الا بالتعيين لان المقصود معرفة حذق رام بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة فلو عقد اثنان نضالا على أن مع كل واحد منهما ثلاثة غير متعينين لم يجز لذلك * (مسألة) * (ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين) لا يشترط تعيين القوس ولا السهام في المناضلة ولو عينها لم تتعين لان القصد معرفة الحذق وهو لا يختلف إلا بالرمي دون القوس والسهام، وفي الرهان يشترط تعيين الحيوان الذي يسابق به لما ذكرنا ولا يعتبر تعيين الراكب لان المقصود معرفة عدو الفرس لا حذق الراكب وكل ما يتعين لا يجوز إبداله كالمتعين في البيع، وما لا يتعين يجوز إبداله لعذره وغيره، فعلى هذه ان شرطا أن لا يرمى بغير هذا القوس ولا بغير هذا السهم ولا يركب غير هذا الراكب فهي شروط فاسدة وهي تنافي مقتضى
العقد فهو كما لو شرط إصابة باصابتين (فصل) ويجوز عقد النضال على اثنين وعلى جماعة لان النبي صلى الله عليه وسلم مر على اصحاب له ينتضلون
[ 132 ]
فقال " ارموا وأنا مع ابن الادرع - فأمسك الآخرون وقالوا كيف نرمي وأنت مع ابن الادرع؟ فقال - ارموا وأنا معكم كلكم " رواه البخاري، ولانه إذا جاز أن يكونا اثنين جاز أن يكونا جماعتين لان المقصود معرفة الحذق وهو يحصل في الجماعتين وكذلك في سباق الخيل وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة وبين الخيل التي لم تضمر * (مسألة) * (الثاني أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد فلا يجوز بين عربي وهجين ولا بين قوس عربية وفارسية ويحتمل الجواز) إذا كانا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز لان البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة فان كانا من نوعين كالعربي والهجين والبختي والعرابي ففيه وجهان [ أحدهما ] لا يصح ذكره أبو الخطاب لان التفاوت بينهما في الجري معلوم بحكم العادة فأشبها الجنسين [ والثاني ] يصح ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي (فصل) ولا بأس بالرمي بقوس فارسية في ظاهر كلام أحمد، وقد نص على جواز المسابقة بها وقال أبو بكر يكره لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه رأى مع رجل قوسا فارسية فقال " القها فانها ملعونة ولكن عليكم بالقسي العربية وبرماح القنا فبها يؤيد الله الدين وبها يمكن الله لكم في الارض " رواه الاثرم.
[ 133 ]
ولنا انعقاد الاجماع على الرمي بها وإباحة حملها فان ذلك جار في أكثر الاعصار وهي التي يحصل الجهاد بها في عصرنا هذا وأما الخبر فيحتمل انه لعنها، لان حملتها في ذلك العصر العجم ولم يكونوا أسلموا بعد ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها ولهذا أمر برماح القنا ولو حمل انسان رمحا غيرها لم يكن مذموما وحكى أحمد ان قوما استدلوا على القسي الفارسية بقوله تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم
من قوة) لدخوله في عموم الآية. * (مسألة) * (الثالث تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي بما جرت به العادة) يشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة وان يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها لان الغرض معرفة اسبقهما ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية، لان أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه سريعا في انتهائه وبالعكس فيحتاج إلى غاية تجمع حالتيه ومن الخيل ما هو أصبر والقارح أصبر من غيره وروى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية، رواه أبو داود فان استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف اولا لم يجز لانه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى تنقطع فرسه ويتعذر الاشهاد على السبق فيه، ولذلك يشترط معرفة مدى الرمي إما بالمشاهدة أو بالذرعان نحو مائة ذراع أو مائتي ذراع لان الاصابة به نختلف بالقرب والبعد ويجوز ما يتفقان عليه إلا ان يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الاصابة في مثلها غالبا وهو ما زاد على ثلثمائة ذراع فلا يصح، لان الغرض يفوت بذلك وقد قيل ما رمى في اربعمائة ذراع الا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه.
[ 134 ]
* (مسألة) * (الشرط الرابع كون العوض معلوما لانه مال في عقد فوجب العلم به كسائر العقود) إما بالمشاهدة أو بالقدر أو بالصفة على ما تقدم في غير موضع وبجوز أن يكون حالا ومؤجلا وبعضه حالا وبعضه مؤجلا فلو قال ان فضلتني فلك دينار حال وقفيز حنطة بعد شهر جاز لان ما جاز ان يكون حالا ومؤجلا جاز ان يكون بعضه حالا وبعضه مؤجلا كالبيع غير انه يحتاج إلى صفة الحنطة بما تعلم به كالسلم * (مسألة) * (الشرط الخامس الخروج عن شبه القمار بان لا يخرج جميعهم) متى استبق اثنان والجعل منهما فاخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا، لان كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم وهذا قمار. * (مسألة) * (فان كان الجعل من الامام أو احد غيرهما أو احدهما على ان من سبق أخذه جاز). وجملة ذلك ان المسابقة إذا كانت بين اثنين أو حزبين لم بخل اما ان تكون منهما أو من غيرهما فان كان من غيرهما وكان من الامام جاز سواء كان من ماله أو من بيت المال لان في ذلك
مصلحة وحثا على تعلم الجهاد ونفعا للمسلمين، وان كان غير الامام فله بذل العوض من ماله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز، لان هذا مما يحتاج إليه في الجهاد فاختص به الامام كتولية الولايات وتأمير الامراء
[ 135 ]
ولنا انه بذل لماله فيما فيه مصلحة وقربة فجاز كا لو اشترى به خيلا أو سلاحا فاما ان كان منهما اشترط كون الجعل من احدهما فيقول ان سبقتني فلك عشرة وان سبقتك فلا شئ عليك فهو جائز وحكي عن مالك انه لا يجوز لانه قمار. ولنا ان احدهما يختص بالسبق فجاز كما لو اخرجه الامام ولا يصح ما ذكره لان القمار لا يخلو كل واحد منهما ان يغنم أو يغرم وههنا لا خطر احدهما فلا يكون قمارا. * (مسألة) * (فان جاءا معا فلا شئ لهما) لانه لا سابق فيهما وان سبق المخرج احرز سبقه ولا شئ له على صاحبه لانه لو اخذ منه شيئا كان قمارا وان سبق الآخر احرز سبق المخرج فملكه وكان كسائر امواله لانه عوض في الجعالة فملك فيها كالعوض المجهول في رد الضالة، فان كان العوض في الذمة فهو دين يقضى به عليه ويجبر على تسلميه ان كان موسرا وان افلس ضرب به مع الغرماء. * (مسألة) * (وان اخرجا معا لم يجز إلا ان يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما فان سبقهما احرز سبقهما وان سبقاه احرز اسبقيهما ولم يأخذا منه شيئا وان سبق احدهما احرز السبقين وان سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما) السبق بفتح الباء الجعل الذي يسابق عليه ويسمى الخطر والندب والقرع والرهن ويقال سبق
[ 136 ]
إذا اخذ وإذا أعطى وهو من الاضداد، متى استبق اثنان فاخرج كل واحد منهما لم يجز وكان قمارا، لان كل واحد منهما لا يخلو من ان يغنم أو يغرم وسواء كان ما اخرجاه متساويا أو متفاوتا مثل ان أخرج أحدهما عشرة والآخر خمسة ولو قال ان سبقتني فلك عشرة وان سبقتك فلي عليك قفيز حنطة أو قال ان سبقتني فلك علي عشرة ولي عليك قفيز حنطة لم يجز لما ذكرناه. فإذا ادخلا بينهما محللا وهو ثالث لم يخرج شيئا
جاز، وبهذا قال سعيد بن المسيب والزهري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وحكى أشهب عن مالك انه قال في المحلل لا أحبه وعن جابر بن زيد انه قيل له ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يرون بالدخيل بأسا قال هم أعف من ذلك. ولنا ما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن ان يسبق فليس بقمار ومن ادخل فرسا بين فرسين وقد امن ان يسبق فهو قمار " رواه أبو داود فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق لانه لا يخلو كل واحد منهما ان يغنم أو يغرم وإذا لم يؤمن أن يسبق لم يكن قمارا، لان كل واحد منهما يجوز أن يخلو عن ذلك. ويشترط أن يكون فرس المحلل مكافئا لفرسيهما أو بعيره لبعيريهما أو رميه لرمييهما فان لم يكن مكافئا مثل ان تكون فرساهما اجود من فرسه فيكونا
[ 137 ]
جوادين وهو بطئ فهو قمار للخبر ولانه مأمون سبقه فوجوده كعدمه، وان كان مكافئا جاز فان جاءوا الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه ولا شئ للمحلل لانه لا سابق فيهم وكذلك إن سبقا المحلل وان سبق المحلل أحرز السبقين بالاتفاق وان سبق احد المستبقين وحده احرز سبق نفسه واخذ سبق صاحبه ولم يأخذ من المحلل شيئا وان سبق احد المستبقين والمحلل احرز السابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحل نصفين وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتى لو كانوا مائة وبينهم محلل لا سبق منه جاز ولذلك لو كان المحلل جماعة جاز لانه لا فرق بين الاثنين والجماعة وهذا مذهب الشافعي. * (مسألة) * (وان قال المخرج من سبق فله عشرة ومن صلى فله ذلك لم يجز إذا كانا اثنين وإن قال من صلى فله خمسة جاز) وجملة ذلك انه إذا كان المخرج غير المتسابقين فقال لهما أو لجماعة ايكم سبق فله عشرة جاز لان كل واحد منهم يطلب ان يكون سابقا فأيهم سبق استحق العشرة فان جاؤا جميعا فلا شئ لواحد
[ 138 ]
منهم لانه لا سابق فيهم وان قال لاثنين أيكما سبق فله عشرة وايكما صلى فله ذلك لم يصح لانه لا فائدة
في طلب السبق فلا يحرص عليه، وان قال ومن صلى فله خمسة صح لان كل واحد منهما يطلب السبق لفائدته فيه بزيادة الجعل، وان كانوا أكثر من اثنين فقال من سبق فله عشرة ومن صلى فله ذلك صح لان كل واحد منهم يطلب ان يكون سابقا أو مصليا والمصلي هو الثاني لان رأسه عند صلي الآخر والصلوان هما العظمان الناتئان من جانبي الذنب وفي الاثر عن علي انه قال: سبق أبو بكر وصلى عمر وخبطتنا فتنة قال الشاعر: إن تبتدر غاية يوما لمكرمة * تلق السوابق منا والمصلينا فان قال للمجلي وهو الاول مائة، وللمصلي وهو الثاني تسعون، وللتالي. هو للثالث ثمانون، وللنازع وهو الرابع سبعون، وللمرتاح وهو الخامس ستون، وللحظي وهو السادس خمسون، وللعاطف وهو السابع أربعون، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثون، وللطيم وهو التاسع عشرون، وللسكيت وهو العاشر عشرة، وللفسكل وهو الاخير خمسة صح لان كل واحد يطلب السبق فإذا فاته طلب ما يلي السابق
[ 139 ]
والفسكل اسم وللآخر ثم استعمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوزا كما روي ان أسماء بنت عميس كانت تزوجت جعفر بن ابي طالب فولدت له عبد الله ومحمدا وعونا، ثم تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي بن ابي طالب فقالت له ان ثلاثة أنت آخرهم لاخيار، فقال لولدها فسكلتني أمكم، وإن جعل للمصلي أكثر من السابق أو جعل للتالي أكثر من المصلي أو لم يجعل للمصلي شيئا لم يجز لان ذلك يفضي إلى أن لا يقصد السبق بل يقصد التأخر فيفوت المقصود (فصل) وإذا قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة صح فان جاءوا معا فلا شئ لهم لانه لم يوجد الشرط الذي يستحق به الجعل في واحد منهم، وإن سبقهم واحد فله العشرة لوجود الشرط فيه، وإن سبق اثنان فلهما العشرة وإن سبق تسعة وتأخر واحد فالعشرة للتسعة لان الشرط وجد فيهم فكان الجعل بينهم كما لو قال من رد عبدي الآبق فله كذا فرده تسعة ويحتمل ان يكون لكل واحد من السابقين عشرة لان كل واحد منهم سابق فيستحق الجعل بكماله كما لو قال من رد عبدا لي فله عشرة فرد كل واحد عبدا وفارق ما لو قال من رد عبدي فرده تسعة لان كل واحد منهم لم يرده انما
[ 140 ]
رده حصل من الكل ويصير هذا كما لو قال من قتل قتيلا فله سلبه فان قتل كل واحد واحدا فلكل واحد سلب قتيله كاملا، وإن قتل الجماعة واحدا فلجميعهم سلب واحد وههنا كل واحد له سبق مفرد فكان له الجعل كاملا، فعلى هذا لو قال من سبق فله عشرة ومن صلى فله خمسة فسبق خمسة وصلى خمسة فعلى الوجه الاول للمسابقين عشرة لكل واحد منهم درهمان وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم وعلى الوجه الثاني لكل واحد من السابقين عشرة فيكون لهم خمسون ولكل واحد من المصلين خمسة فيكون لهم خمسة وعشرون، ومن قال بالوجه الاول احتمل على قوله ان لا يصح العقد على هذا الوجه لانه يحتمل ان يسبق تسعة فيكون لهم عشرة لكل واحد منهم درهم وتسع ويصلي واحد فيكون له خمسة فيكون للمصلي من الجعل أكثر مما للسابق فيفوت المقصود * (مسألة) * (وإن شرطا ان السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط) وفي صحة المسابقة وجهان لانه عوض على عمل فلا يستحقه غير العامل كالعوض في رد الآبق لا يفسد العقد وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفسد
[ 141 ]
ولنا انه عقد لا تتوقف صحته على تسمية بدل فلم يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح، وذكر القاضي أن الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين - (أحدهما) ما يخل بشرط صحة العقد نحو ان يعود إلى جهالة العوض أو المسافة ونحوهما فيفسد العقد لان العقد لا يصح مع فوات شرطه (والثاني) ما لا يخل بشرط العقد نحو ان يشرط ان يطعم السبق أصحابه أو غيرهم أو يشترط انه إذا نضل لا يرمي أبدا أو لا يرمي شهرا أو شرطا ان لكل واحد منهما أو لاحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل وأشباه هذا فهذه شروط باطلة في نفسها وفي العقد المقترن بها وجهان (أحدهما) حصته لان العقد تم باركانه وشروطه فإذا حذف الزائد الفاسد بقي العقد صحيحا (والثاني) لا يبطل لانه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لا يلزمه العوض وكل
موضع فسدت المسابقة فان كان السابق المخرج أمسك سبقه وإن كان الآخر فله أجر عمله لانه عمل بعوض لم يسلم له فاستحق أجر المثل كالاجارة الفاسدة * (فصل) * قال رحمه الله (والمسابقة جعالة لكل واحد منهما فسخها إلا أن يظهر الفضل لاحدهما فيكون له الفسخ دون صاحبه
[ 142 ]
ذكره ابن حامد وهو قول ابي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر هو لازم إن كان العوض منهما وجائز إن كان من أحدهما أو من غيرهما وذكر القاضي احتمالا لانه عقد من شرطه ان يكون العوض والمعوض معلوما فكان لازما كالاجارة ولنا انه عقد على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه فكان جائزا كرد الآبق وذلك لانه عقد على الاصابة ولا يدخل تحت قدرته وبهذا فارق الاجارة. فعلى هذا لكل واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشروع في المسابقة، وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان منها لم يلزم الآخر اجابته، فاما بعد الشروع فيها فان لم يظهر لاحدهما فضل مثل ان يسبقه بفرسه في بعض المسافة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ دون المفضول لانه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة فلا يحصل ا؟ قصود، وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا العقد جائز ففي جواز الفسخ وجهان * (مسألة) * (وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين) إذا قلنا انها عقد جائز قياسا على العقود الجائزة من الوكالة والشركة والمضاربة ونحوها وإن قلنا
[ 143 ]
بلزومها انفسخت بموت أحد المركوبين والراميين لان العقد تعلق بعين المركوب والرامي فانفسخ بتلفه كما لو تلف المعقود عليه في الاجارة، ولا تبطل بموت الراكبين ولا تلف أحد القوسين لانه غير المعقود عليه فلم ينفسخ العقد بتلفه كموت أحد المتبايعين، فعلى هذا يقوم وارث الميت مقامه كما لو استأجر شيئا ثم مات، فان لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته كما لو أجر نفسه لعمل معلوم ثم مات * (مسألة) * (والسبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الاعناق وفي مختلفي العنق والابل بالكتف)
وجملته انه يشترط في المسابقة ارسال الفرسين والبعيرين دفعة واحدة فان أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر اولا؟ لم يجز هذا في المسابقة بعوض لانه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتبهما وعند الغاية من يضبط السابق منهما لئلا يختلفا في ذلك ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلث الاعناق فان اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الابل اعتبر السبق بالكتف لان الاعتبار بالرأس متعذر فان طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه لا بسرعة عدوه وفي الابل ما يرفع رأسه وفيها ما يمد عنقه فربما سبق رأسه لمد عنقه لا بسبقه فلذلك اعتبر بالكتف
[ 144 ]
فان سبق رأس قصير العنق فهو سابق بالضرورة وان سبق رأس طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق فقد سبق وان كان بقدره لم يسبق وان كان أقل فالآخر سابق ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري إذا سبق احدهما بالاذن كان سابقا ولا يصح ذلك لان احدهما قد يرفع رأسه ويمد عنقه فيسبق باذنه لذلك لا لسبقه، وان شرط السبق باقدام معلومة كثلاثة أو أكثر أو أقل لم يصح وقال بعض أصحاب الشافعي يصح ويتخاطان ذلك كما في الرمي ولا يصح لان هذا لا ينضبط ولا يقف الفرسان عند الغاية بحيث يعرف مساحة ما بينهما، وقد روى الدار قطني باسناده عن علي رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس فخرج علي فدعا سراقة ابن مالك فقال يا سراقة اني قد جعلت اليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا اتيت الميطان - قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية - فصف الخيل ثم ناد هل من مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجبك احد فكبر ثلاثا ثم خلها عند الثالثة فيسعد الله بسبقه من شاء من خلقه وكان علي يقعد عند منتهى الغاية يخط خطا ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين ابهامي ارجلهما وتمر الخيل بين الرجلين ويقول لهما إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف اذنيه أو اذن أو عذار فاجعلا السبقة له وإن شككتما فاجعلا سبقهما نصفين وهذا الادب الذي ذكره
[ 145 ]
في هذا الحديث في ابتداء الارسال وانتهاء الغاية من أحسن ما قيل في هذا مع كونه مرويا عن امير
المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه فينبغي ان تتبع ويعمل بها * (مسألة) * (ولا يجوز ان يجنب احدهما مع فرسه فرسا يحرضه على العدو ولا يصيح به في وقت سباقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا جلب ولا جنب " رواه أبو داود) معنى الجنب ان يجنب المسابق إلى فرسه فرسا لا راكب عليه يحرض الذى تحته على العدو ويحثه عليه وقال القاضي معناه ان يجنب فرسا يتحول عند الغاية عليها لكونها أقل كلالا واعياء قال ابن المنذر كذا قيل ولا أحسب هذا يصح لان الفرس التي يسابق بها لابد من تعيينها فان كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها وان كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة ومن شرط السابق ذلك، ولان هذا متى احتاج إلى التحول والاشتغال به فربما سبق باشتغاله لا بسرعة غيره ولان المقصود معرفة عدو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان انما يركبه في آخر الحلبة فما حصل
[ 146 ]
المقصود. وأما الجلب فهو ان يتبع الرجل فرسه تركض خلفه ويجلب عليه ويصيح وراءه يستحثه بذلك على العدو هكذا فسره مالك وقال قتاده الجلب والجنب في الرهان وعن أبي عبيد كقول مالك وحكي عنه ان الجلب ان يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم قال ولا يفعل ليأتهم على مياههم فيصدقهم والتفسير الاول اصح لما روى عمران بن حصين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا جلب ولا جنب في الرهان " رواه أبو داود ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من اجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا " (فصل في المناضلة) قال الشيخ رحمه الله وهي المسابقة في الرمي بالسهام والمناضلة مصدر ناضلته مناضلة ونضالا وسمي الرمي نضالا لان السهم التام يسمى نضلا فالرمي به عمل بالنضل فسمي نضالا ومناضلة مثل جادلته جدالا ومجادلة ويشترط لها شروط اربعة (احدها) ان تكون على من يحسن الرمي فان كان في احد الحزبين من لا يحسنه بطل العقد فيه) واخرج من الحزب الآخر من جعل بازائه لان كل واحد من الزعيمين
يختار واحدا ويختار الاخر في مقابلته آخر كما لو بطل العقد في بعض المبيع بطل في ثمنه وهل يبطل
[ 147 ]
في الباقين؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة فان قلنا لا يبطل فلكل حزب الخيار لتبعيض الصفقة في حقهم فان كان يحسن الرمي لكنه قليل الاصابة فقال حزبه ظنناه كثير الاصابة أو لم نعلم حاله وان بان كثير الاصابة فقال الحزب الآخر ظنناه قليل الاصابة لم يسمع ذلك منهم لان شرط دخوله في العقد ان يكون من أهل الصنعة دون الحذق كما لو اشترى عبدا على انه كاتب فبان حاذقا أو ناقصا فيها لم يؤثر (الثاني معرفة عدد الرشق وعدد الاصابة) الرشق بكسر الراء عدد الرمى وأهل العربية يقولون هو عبارة عما بين العشرين والثلاثين والرشق بفتح الراء الرمي مصدر رشقت رشقا وانما اشترط علمه لانه لو كان مجهولا لافضى إلى الاختلاف لان احدهما قد يريد القطع والآخر الزيادة ولابد من معرفة عدد الاصابة فيقولان الرشق عشرون والاصابة خمسة أو ستة أو ما يتفقا عليه الا انه لا يصح اشتراط اصابة تندر كاصابة جميع الرشق أو تسعة من عشرة ونحو هذا لان الظاهر انه لا يوجد فيفوت الغرض وانما اشترط العلم بعدد الاصابة ليتبين حذقهما (فصل) ويشترط استواؤهما في عدد الرشق والاصابة وصفتها وسائر احوال الرمي فان جعلا رشق احدهما عشرا والآخر عشرين أو شرطا أن يصيب احدهما خمسة والآخر ثلاثة أو شرطا إصابة
[ 148 ]
احدهما خواسق والآخر خواصل أو شرطا ان يحط احدهما من إصابته سهمين أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه أو شرط ان يرمي أحدهما من بعد والآخر من قرب أو ان يرمي احدهما وبين أصابعه سهم والآخر بين أصابعه سهمان أو ان يرمي احدهما وعلى رأسه شئ والآخر خال عن شاغل أو ان يحط عن أحدهما واحدا من خطئه لا عليه ولا له واشباه هذا مما تفوت به المساواة لم يصح لان موضوعها على المساواة والغرض معرفة الحذق وزيادة أحدهما على الآخر فيه ومع التفاضل لا يحصل فانه ربما أصاب احدهما لكثرة رميه لا لحذقه فاعتبر المساواة كالمسابقة بالحيوان
(فصل) ويشترط ان تكون المسابقة على الاصابة لا على البعد فلو قال السبق لابعدنا رميا لم يجز لان الغرض من الرمي الاصابة لا بعد المسافة فان المقصود من الرمي إما قتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك وكل هذا انما يحصل من الاصابة لا من الابعاد (فصل) إذا عقد النضال ولم يذكرا قوسا صح في ظاهر كلام القاضي ويستويان في القوس اما بالعربية أو الفارسية وقال غيره لا يصح حتى يذكرا نوع القوس الذي يرميان عليه في الابتداء لان اطلاقه ربما افضى إلى الاختلاف وقد امكن التحرز عنه بالتعيين للنوع فيجب ذلك، وان اتفقا على انهما يرميان بالنشاب في الابتداء صح وينصرف إلى القوس الاعجمية لان سهامها هو المسمى بالنشاب وسهام العربية يسمى نبلا فان عينا نوعا لم يجز العدول عنها إلى غيرها لان احدهما قد يكون احذق بالرمي باحد النوعين دون الآخر (الثالث معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؟) المناضلة على ثلاثة أضرب (أحدها) يسمى المبادرة وهي ان يقولا من سبق إلى خمس اصابات من عشرين رمية فهو السابق فايهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي فقد سبق فإذا رميا عشرة عشرة فاصاب أحدهما خمسا ولم يصب الآخر خمسا
[ 149 ]
فالمصيب خمسا هو السابق لانه قد سبق إلى خمس وسواء أصاب الآخر أربعا أو ما دونها أو لم يصب شيئا ولا حاجة إلى تمام الرمي لان السبق قد حصل بسبقه إلى ما شرطا السبق إليه فان أصاب كل واحد منها من العشر خمسا فلا سابق فيهما ولا يكملان الرشق لان جميع الاصابة المشروطة قد حصلت واستويا فيها فان رمى أحدهما عشرا فاصاب خمسا ورمى الآخر تسعا فاصاب اربعا لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر فان اصاب به فلا سابق فيهما وان اخطأ به فقد سبق الاول فان لم يكن اصاب من التسعة الا ثلاثا فقد سبق ولا يحتاج إلى رمي العاشر لان أكثر ما يحتمل ان يصيب به ولا يخرجه عن كونه مسبوقا (الثاني) المفاضلة وهو ان يقول أينا فضل صاحبه باصابة أو اصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق وتسمى محاطة لان ما تساويا فيه من الاصابة محطوط غير معتد به ويلزم إكمال الرشق إذا كان فيه فائدة، فإذا قالا أينا فضل صاحبه بثلاث فهو سابق فرميا اثني عشر سهما فاصاب بها احدهما واخطأ
الآخر كلها لم يلزم إتمام الرشق لان أكثر ما يمكن أن يصيب الآخر الثمانية الباقية ويحطئها الاول ولا يخرج الاول بهذا عن كونه سابقا، وان كان الاول انما أصاب من الاثني عشرة عشرا لزمهما ان يرميا الثالثة عشرة فان أصابا بها أو أخطأ أو أصابها الاول وحده فقد سبق ولا يحتاج إلى اتمام الرشق وان اصابها الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابعة عشرة والحكم فيها وفيما بعدها كالحكم في الثالثة عشر فانه متى ما اصاباها أو اخطآ أو أصابها الاول فقد سبق ولا يرميان ما بعدها وان أصابها الآخر وحده رميا بعدها وكذا كل موضع يكون في اتمام الرشق فائدة لاحدهما يلزم اتمامه
[ 150 ]
وان يئس من الفائدة لم يلزم أتمامه فإذا بقي من العدد ما يمكن ان يسبق احدهما به صاحبه أو يسقط به سبق صاحبه لزم الاتمام والا فلا، فإذا كان السبق يحصل بثلاث اصابات من عشرين فرميا ثماني عشرة فأخطأها أو أصاباها أو تساويا في الاصابة فيها لم يلزم الاتمام لان أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئهما الآخر ولا يحصل السبق بذلك وكذلك ان فضل أحدهما الآخر بخمس اصابات فما زاد لم يلزم الاتمام لان اصابة الآخر السهمين الباقيين لا يخرج الآخر عن كونه فاضلا بثلاث اصابات وان لم يفضله الا باربع رميا السهم الآخر فان اصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر فان أصابه المفضول ايضا أسقط سبق الاول وان أخطا في احد السهمين أو أصاب الاول في احدهما فهو سابق (الثالث) ان يقول أينا أصاب خمسا من عشرين فهو سابق فمتى أصاب أحدهما خمسا من العشرين ولم يصبها الآخر فالاول سابق وان أصاب كل واحد منهما خمسا أو لم يصب واحد منهما خمسا فلا سابق فيهما وهذه في معنى المحاطة في انه يلزم اتمام الرمي ما كان فيه فائدة ولا يلزم إذا خلا عنها ومتى أصاب كل واحد منهما خمسا لم يلزم اتمامه ولم يكن فيهما سابق وان رميا ست عشرة رمية فلم يصب واحد منهما شيئا لم يلزم اتمامه ولا سابق فيهما لان اكثر ما يحتمل ان يصيبها احدهما وحده ولا يحصل السبق بذلك، واختلف اصحابنا فقال أبو الخطاب لابد من معرفة الرمي هل هو مبادرة أو محاطة أو مفاضلة لان غرض الرماة يختلف فمنهم من تكثر اصابته في الابتداء دون الانتهاء ومنهم بالعكس فوجب بيان ذلك ليعلم ما دخل فيه وهذا الذي ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وظاهر
كلام القاضي انه لا يحتاج إلى اشتراط ذلك لان مقتضى النضال المبادرة وان من بادر إلى الاصابة فهو
[ 151 ]
السابق فانه إذا شرط السبق لمن اصاب خمسة من عشرين فسبق إليها واحد فقد وجد الشرط، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) وإن شرطا اصابة موضع من الهدف على ان يسقط ما قرب من اصابة أحدهما ما بعد من اصابة الآخر ففعل ثم فضل أحدهما الآخر بما شرطاه كان سابقا ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لانه نوع من المحاطة فإذا أصاب أحدهما موضعا بينه وبين الغرض شبر وأصاب الآخر موضعا بينه وبين الغرض أقل من شبر سقط الاول، وإن أصاب الاول الغرض أسقط الثاني وإن اصاب الثاني الدائرة التي في الغرض لم يسقط الاول لان الغرض كله موضع الاصابة فلا يفضل أحدهما صاحبه إذا أصاباه إلا أن يشترطا ذلك، وإن شرطا ان يحتسب كل واحد منهما خاسقه باصابتين جاز لان أحدهما لم يفضل صاحبه بشئ فقد استويا (فصل) فان عقد النضال جماعة ليتناضلوا حزبين فذكر القاضي انه يجوز وهو مذهب الشافعي ويحتمل ان لا يجوز لان التعيين شرط وقبل التفاضل لم يتعين من في كل واحد من الحزبين فعلى هذا إذا تفاضلوا عقدوا الناضل بعده، وعلى قول القاضي يجوز العقد قبل التفاضل ولا يجوز ان يقتسموا بالقرعة لانها قد تقع على الحذاق في أحد الحزبين وعلى الكوادن في الآخر فيبطل مقصود النضال بل يكون لكل حزب زعيم فيختار أحدهما واحدا ثم يختار الآخر واحدا كذلك حتى يتفاضلوا جميعا ولا يجوز ان يجعل الخيار إلى أحدهما في الجميع ولا ان يختار جميع حزبه أولا لانه يختار الحذاق في حزبه ولا يجوز ان يجعل رئيس الحزبين واحدا لانه يميل إلى حزبه فتلحقه التهمة ولا يجوز ان يختار كل
[ 152 ]
واحد من الرئيسين أكثر من واحد واحد لانه أبعد من التساوي وإذا اختلفا في المبتدئ بالخيار أقرع بينهما، ولو قال أحدهما انا أختار اولا واخرج السبق أو يخرجه اصحابي لم يجز لان السبق انما يستحق بالسبق لا في مقابلة تفضل احدهما بشئ
(فصل) وإذا أخرج احد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه لم يكن على حزبه شئ لانه جعله على نفسه دونهم وإن شرطه عليهم فهو عليهم بالسوية ويقسم على الحزب الآخر بالسوية من أصاب ومن أخطأ في احد الوجهين كما انه على الحزب الآخر بالسوية وفي الوجه الآخر يقسم بينهم على قدر الاصابة ولا شئ لمن لم يصب لان استحقاقه بالاصابة فكان على قدرها واختص بمن وجدت فيه بخلاف المسبوقين فانه وجب عليهم لالتزامهم به وقد استووا في ذلك (فصل) ومتى كان النضال بين حزبين اشترط كون الرشق يمكن قسمه بينهم بغير كسر ويتساووا فيه فان كانوا ثلاثة وجب ان يكون له ثلث، وكذلك ما زاد لانه إذا لم يكن كذلك بقي سهم أو اكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه (فصل) ولا يجوز ان يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق ولا ان من خرجت قرعته فالسبق عليه ولا ان يقولوا نرمي فأينا أصاب فالسبق على الآخر لانه عوض في عقد فلا يستحق بالقرعة ولا بالاصابة، وإن شرطوا ان يكون فلان مقدم حزب وفلان مقدم الآخر ثم فلان ثانيا في الحزب الاول وفلان ثانيا من الحزب الثاني كان فاسدا لان تقديم كل واحد من الحزبين يكون إلى زعيمه وليس للحزب الاخر مشاركته في ذلك فإذا شرطوه كان فاسدا (فصل) إذا تناضل اثنان واخرج احداهما السبق فقال اجنبي انا شريكك في الغرم والغنم ان
[ 153 ]
نضلك فنصف السبق علي وإن نضلته فنصفه لي لم يجز وكذلك لو كان المتناضلون ثلاثة منهما محلل فقال رابع للمستبقين انا شريككما في الغنم والغرم كان باطلا لان الغنم والغرم انما يكون من المناضل. فأما من لا يرمي فلا يكون له غنم ولا عليه غرم ولو شرطا في النضال انه إذا جلس المستبق كان عليه السبق لم يصح لان السبق على النضال وهذا الشرط يخالف مقتضى النضال فكان فاسدا (فصل) ولو فضل أحد المتناضلين صاحبه فاقل المفضول اطرح فضلك وأعطيك دينارا لم يجز لان المقصود معرفة الحذق وذلك يمنع منه وإن فسخا العقد وعقدا عقدا آخر جاز وإن لم يفسخاه ولكن رميا تمام الرشق فتمت الاصابة له مع ما اسقطه استحق السبق ورد الدينار إن كان أخذه
* (مسألة) * (وإذا أطلقا الاصابة تناولها على أي صفة كانت) لانها اصابة وذكر شيخنا صفة الاصابة شرطا لصحة المناضلة في كتاب المغني فان قالا خواصل كان تأكيدا لها لانه اسم لها كيفما كانت. قال الازهري يقال خصلت مناضلي خصلة وخصلا ويسمى ذلك القرع والقراطسة يقال قرطس إذا أصاب * (مسألة) * (فان قالا خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه أو خوازق وهو ما خزقه ووقع بين يديه أو موارق وهو ما نفذ الغرض ووقع وراءه أو خوارم وهو ما خرم جانب الغرض أو حوابي وهو ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب إليه ومنه يقال حبا الصبي أو خواصر وهو ما كان في أحد جانبي الغرض ومنه قيل الخاصرة لانها في جانب الانسان تقيدت المناضلة بذلك) لان المرجع في المسابقة إلى شرطهما فيقيد بما شرطاه ههنا وان شرطا الخواسق والحوابي معا صح
[ 154 ]
* (مسألة) * (وان شرط اصابة موضع من الغرض كالدائرة فيه تفيد به) لما ذكرنا (الرابع معرفة قدر الغرض طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الارض) الغرض ما يقصد اصابته من قرطاس أو جلد أو خشب أو فرع أو غيره سمي غرضا لانه يقصد ويسمى شارة وشنا قال الازهري ما نصب في الهدف فهو القرطاس وما نصب في الهواء فهو الغرض ويجب ان يكون قدره معلوما بالمشاهدة أو بتقدير بشبر أو نحوه بحسب الشرط فان الاصابة تختلف باختلاف صغره وكبره وغلظه ورقته فوجب اعتبار ذلك * (مسألة) * (وان تشاحا في المبتدئ منهما أقرع بينهما وقيل يقدم من له مزية باخراج السبق) وجملة ذلك انه لابد في المناضلة من أن يبتدئ احدهما بالرمي لانهما لو رميا معا أفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما، فان كان المخرج اجنبيا قدم من يختاره منهما فان لم يختر وتشاحا اقرع بينهما لانهما تساويا في استحقاق هذا فصارا إلى القرعة كما لو تنازع المتقاسمان في استحقاق سهم معين أو في المبتدئ بالاخذ وأيهما كان أحق بالتقديم فبدره الآخر فرمى لم يعتد له بسهمه اصاب ام اخطأ.
* (مسألة) * (وإذا بدأ احدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما فان شرطا البداءة لاحدهما في كل الوجوه لم يصح) لان موضوع المناضلة على المساواة وهذا تفاضل فان فعلا ذلك من غير شرط برضاهما جاز لان البداءة لا اثر لها في الاصابة ولا في جودة الرمي، وان شرطا ان يبدأ كل واحد منهما وجهين متواليين
[ 155 ]
جاز لتساويهما ويحتمل ان يكون اشتراط البداءة في كل موضع ذكرنا غير لازم ولا يؤثر في العقد لانه لا اثر له في تجويد رمي ولا كثرة اصابة وكثير من الرماة يختار التأخر على البداية فيكون وجود هذا الشرط كعدمه، وإذا رمى البادئ بسهم رمى الثاني بسهم كذلك حتى يقضيا رمييهما لان اطلاق المناضلة يقتضي المراسلة ولانه اقرب إلى التساوي وانجز للرامي، لان احدهما يصلح فرسه ويعدل سهمه حتى يرمي الآخر، وان رميا سهمين سهمين فحسن وان شرطا أن يرمي احدهما رشقه ثم يرمي الاخر أو يرمي احدهما عددا ثم يرمي الآخر مثله جاز لانه لا يؤثر في مقصود المناضلة وان خالف مقتضى الاطلاق كما يجوز ان يشترط في البيع ما لا يقتضيه الاطلاق من النقود والخيار والاجل لما كان غير مانع من المقصود. * (مسألة) * (والسنة يكون لهما غرضان يرميان أحدهما ثم يمضيان إليه فيأخذان السهام يرميان الآخر) لان هذا كان فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة " وقال ابراهيم التيمي رأيت حذيفة يشتد بين الهدفين يقول أنابها أنابها في قميص وعن ابن عمر مثل ذلك، والهدف ما ينصب الغرض عليه اما تراب مجموع أو حائط ويروى ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشتدون بين الاغراض يضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانا فان جعلوا غرضا واحدا جاز لان المقصود يحصل به وهو عادة أهل عصرنا (فصل) وإذا تشاحا في الوقوف فان كان الموضع الذي طلبه أحدهما أولى مثل ان يكون في أحد الموقفين يستقبل الشمس أو ريحا يؤذيه استقبالها ونحو ذلك والآخر يستدبرها قدم قول من طلب استدبارها لانه العرف إلا ان يكون في شرطهما استقبال ذلك فالشرط اولى كما لو اتفقا على الرمي ليلا
فان كان الموقفان سواء كان ذلك إلى الذي يبدأ فيتبعه الآخر فإذا كان في الوجه الثاني وقف الثاني حيث شاء ويتبعه الاول
[ 156 ]
(فصل) فان أراد أحدهما التطويل والتشاغل عن الرمي بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك إرادة التطويل على صاحبه لعله ينسى القصد الذي أصاب به أو يفتر منع من ذلك وطولب بالرمي ولا يزعج بالاستعجال بالكلية بحيث يمنع من تحري الاصابة، ويمنع كل واحد منهما من الكلام الذي يغيظ به صاحبه مثل ان يرتجز ويفتخر ويتبجح بالاصابة ويعنف صاحبه على الخطأ أو يظهر له أنه يعلمه وهكذا الحاضر معهما مثل الامين والشاهدين يكره لهم مدح المصيب وتعنيف المخطئ وزجره لان فيه كسر قلب أحدهما وغيظه * (مسألة) * (وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فان كان شرطهما خواصل احتسب له به) لعلمنا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه) * (مسألة) * (وإن كان شرطهما خواسق لم يحتسب له به ولا عليه) وهذا قول أبي الخطاب لانا لا ندري هل يثبت في الغرض ان كان موجودا اولا؟ وقال القاضي ينظر فان كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض فثبت في الهدف احتسب له به لانه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف وان لم يثبت فيه مع التساوي لم يحتسب وإن كان الهدف أصلب فلم يثبت فيه أو كان رخوا لم يحتسب السهم له ولا عليه لاننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه اولا وهذا مذهب الشافعي فان وقع السهم في غير موضع الغرض احتسب به على راميه لانه اخطأ ولو وقع في الغرض في الموضع الذي طار إليه حسب عليه أيضا إلا ان يكونا اتفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه وكذلك الحكم إذا القت الريح الغرض وجهه (فصل) إذا كان شرطهما خواصل فاصاب بنصل السهم حسب له كيفما كان فان أصاب بعرضه أو بفوقه نحو ان ينقلب السهم بين يدي الغرض فيصيب فوقه الغرص لم يعتد به لان هذا من سيئ الخطأ فان انقطع السهم قطعتين فاصابت القطعة الاخرى لم يعتد به وان كان الغرض جلدا خيط عليه
[ 157 ]
شنبر كشنبر المنخل وجعلا له عرى وخيوطا تعلق به في العرى فاصاب الشنبر أو العرى نظرت في شرطهما فان شرطا اصابة الغرض اعتدله لان ذلك من الغرض فاما المعاليق وهي الخيوط فلا يعتد له باصابتها على كلا الشرطين لانها ليست من الجلدة ولا من الغرض فهي كالهدف (فصل) فان كان شرطهما خواسق وهو ما نقب الغرض وثبت فيه فمتى أصاب الغرض بنصله وثبت فيه احتسب به وان خدشه ولم ينقبه لم يحتسب له وحسب عليه وان مرق منه احتسب له به لان ذلك لقوة رميه فهو أبلغ من الخاسق وان خرقه ووقع بين يديه احتسب له به في أحد الوجهين لانه نقب نقبا يصلح للخسق وانما لم يثبت السهم لسبب آخر من سعة النقب أو غيره (والثاني) لا يحتسب له وهو اولى لان الخاسق ما ثبت وهذا لم يثبت وثبوته يكون لحذق الرامي وقصده برميه ما اتفقا عليه الا ان يكون امتناع السهم من الثبوت لوجود ما يمنع الثبوت من حصاة أو حجر أو عظم أو ارض غليظة ففيه الوجهان أيضا الا أنه إذا لم يحتسب له لم يحتسب عليه لكون العارض منعه من الثبوت أشبه ما لو منعه عارض من الاصابة، فان اختلفا في وجود العارض فان عرف موضع النقب باتفاقهما أو ببينة نظر في الموضع فان لم يكن فيه ما يمنع فالقول قول المنكر وان كان فيه ما يمنع فالقول قول المدعي بغير يمين لان الحال تشهد بصدق ما ادعاه وان لم يعلما موضع النقب الا أنهما اتفقا على انه خرق الغرض ولم يكن وراءه شئ يمنع فالقول قول المنكر بغير يمين أيضا لانه لا مانع وان كان وراءه ما يمنع وادعى المصاب عليه انه لم يكن السهم في موضع وراءه ما يمنع فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم الاصابة مع احتمال ما يقوله المصيب وان أنكر أن يكون خرق فالقول قوله أيضا مع يمينه لما ذكرنا (فصل) إذا شرطا خاسقا فوقع السهم في نقب في الغرض أو موضع بال فنقبه وثبت في الهدف
[ 158 ]
معلقا في الغرض فان كان الهدف صلبا كصلابة الغرض حسب له لانه علم أنه لو كان الغرض صحيحا لثبت فيه وان كان الهدف ترابا أهيل لم يحسب له ولا عليه لانا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض لو اصاب موضعا منه قويا أولا؟ وان صادف السهم في نقب الغرض قد ثبت في الهدف مع قطعة من الغرض
فقال الرامي خسقت وهذه الجلدة قطعها سهمي لشدة الرمية فانكر الآخر وقال بل كانت مقطوعة فان علم ان الغرض كا ن صحيحا فالقول قول الرامي وان اختلفا فذكر القاضي أنها كالتي قبلها ان كان الهدف رخوا وان كان قويا صلبا اعتد به، وان وقع سهمه في سهم ثابت في الغرض اعتدله به إن كان شرطهما خواصل وان كان خواسق لم يحسب له ولا عليه لانا لا نعلم يقينا انه لولا فوق السهم الثابت لخسق وان أصاب السهم ثم سبح عنه فخسق احتسب له به * (مسألة) * (وان عرض عارض من كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة لم يحسب عليه بالسهم) إذا أخطأ لعارض مما ذكرنا أو حيوان اعترض بين يديه أو ريح شديدة ترد السهم عرضا يحسب عليه بذلك السهم لان خطأه للعارض لا لسوء رميه قال القاضي ولو أصاب لم يحسب لانه إذا لم يحسب عليه لم يحسب له لان الريح الشديدة كما يجوز ان تصرف الرمي الشديد فيخطئ يجوز ان تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيبا فتكون إصابته بالريح لا بحذق رميه، فأما ان وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمرقه وأصاب الغرض حسب له لان اصابته لسداد رميه ومروقه لقوته فهو أولى من غيره وان كانت الريح لينة لا ترد السهم عادة لم يمنع لان الجو لا يخلو من ريح ولان الريح اللينة لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا ينتفع به (فصل) إذا قال رجل لآخر ارم هذا السهم فان أصبت به فلك درهم صح وكان جعالة لانه بذل مالا في فعل له فيه غرض صحيح ولم يكن نضالا لان النضال يكون بين اثنين أو جماعة على أن يرموا جميعا ويكون الجعل لبعضهم إذا كان سابقا، وإن قال ان أصبت به فلك درهم وان أخطأت فعليك درهم لم يصح لانه قمار وان قال ارم عشرة أسهم فان كان صوابك اكثر من خطئك فلك درهم صح لانه جعل الجعل في مقابلة اصابة معلومة فان اكثر العشرة أقله ستة وليس ذلك مجهولا لانه بالاقل يستحق
[ 159 ]
الجعل، وإن قال ان كان صوابك اكثر فلك بكل سهم أصبت به درهم صح وكذلك ان قال ارم عشرة ولك بكل سهم أصبت به منها درهم. أو قال فلك بكل سهم زائد على النصف من المصيبات درهم لان الجعل معلوم بتقديره بالاصابة فاشبه ما لو قال استق لي من هذا البئر ولك بكل دلو تمرة
أو قال من رد عبدا من عبيدي فله بكل عبد درهم، وان قال إن كان خطؤك اكثر فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لانه قمار وان قال ارم عشرة فان أخطأتها فعليك درهم أو نحو هذا لم يجز لان الجعل يكون في مقابلة عمل ولم يوجد من القابل عمل فيستحق به شيئا ولذلك لو قال الرامي لاجنبي إن أخطأت فلك درهم لم يجز لذلك (فصل) وإن شرط ان يرميا أرشاقا كثيرة جاز لانه إذا جاز على القليل جاز على الكثير ولابد أن تكون معلومة فان شرطا ان يرميا منها كل يوم قدرا اتفقا عليه جاز لان الغرض في ذلك صحيح فانهما أو احدهما قد يضعف عن الرمي كله مع حذقه، وان أطلقا العقد جاز وحمل على التعجيل والحلول كسائر العقود فيرميان من اول النهار إلى آخره الا ان يعرض عذر يمنع من مرض أو عذر كريح يشوش السهام أو لحاجة إلى طعام أو شراب أو صلاة أو قضاء حاجة لان هذه مستثناة بالعرف وإذا جاء الليل تركاه لان العادة ترك الرمى بالليل فحمل العقد عليه مع الاطلاق الا ان يشترطاه ليلا فيلزم فان كانت الليلة مقمرة منيرة اكتفي بذلك والا رميا بضوء شمعة أو مشعل * (مسألة) * (وان عرض مطر أو ظلمة جاز تأخير الرمي) لان المطر يرخي الوتر ويفسد الريش وان عرض ظلمة كمجئ الليل تركا الرمي إلى الغد لان العادة الرمي نهارا الا أن يشترطا الرمي ليلا فيأخذ احدهما صاحبه بذلك وقد ذكرناه في الفضل قبله ويكره للامين والشهود مدح أحدهما وزهرهته إذا أصاب وعيبه إذا أخطأ لما فيه من كسر قلب صاحبه وقد ذكرناه
[ 160 ]
كتاب الايمان والاصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقول الله سبحانه (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) الآية. وقال تعالى (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلف في ثلاثه مواضع فقال (ويستنبئونك أحق هو؟ قل إي وربي انه لحق) وقال سبحانه (قل بلى وربي لتأتينكم) وقال (قل بلى وربي لتبعثن) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا
أتيت الذي هو خير وتحللتها " متفق عليه. وكان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم " ومصرف القلوب - ومقلب القلوب " ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آي واخبار سوى هذين كثير، وأجمعت الامة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها ووضعها في الاصل لتوكيد المحلوف عليه (فصل) وتصح من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين ولا تصح من غير مكلف كالصبي والمجنون والنائم كالاقرار وفي السكران وجهان بناء على ان هذا مكلف أو غير مكلف، ولا تنعقد يمين مكره وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تنعقد لانها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولنا ما روى أبو أمامة وواثلة بن الاسقع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس على مقهور يمين " ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر (فصل) وتصح من الكافر وتلزمه الكفارة بالحنث سواء حنث في كفره أو بعد اسلامه،
[ 161 ]
وبه قال الشافعي وابو ثور وابن المنذر إذا حنث بعد اسلامه وقال الثوري واصحاب الرأي لا تنعقد يمينه لانه ليس بمكلف ولنا ان عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره ولانه من اهل القسم بدليل قوله تعالى (فيقسمان بالله) ولا نسلم انه غير مكلف وانما تسقط عنه العبادات باسلامه لان الاسلام يجب ما قبله. فأما ما التزمه بنذره أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لانه من جهته. (فصل) والايمان تنقسم خمسة أقسام (أحدها) واجب وهي التي ينجي بها انسانا معصوما من هلكة كما روي عن سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدوله فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنا انه أخي فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدقت المسلم أخو المسلم " رواه أبو داود فهذا وأشباهه واجب لان انجاء المعصوم واجب وقد تعين في اليمين فيجب وكذلك انجاء نفسه مثل أن تتوجه ايمان القسامة في دعوى القتل عليه وهو برئ
(الثاني) مندوب وهو الحلف الذي تتعلق به مصلحة من اصلاح بين متخاصمين أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو في دفع شر فهذا مندوب لان فعل هذه الامور مندوب إليه واليمين مفضية إليه، وإن حلف على فعل طاعة أو ترك معصية ففيه وجهان (احدهما) انه مندوب إليه وهو قول بعض اصحابنا واصحاب الشافعي لان ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وترك المعاصي
[ 162 ]
(والثاني) ليس بمندوب إليه لان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الاكثر الاغلب ولا حث النبي صلى الله عليه وسلم أحدا عليه ولا ندبهم إليه ولو كان ذلك طاعة لم يخلوا به ولان ذلك يجري مجرى النذر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال " انه لا يأتي بخير وانما يستخرج به من البخيل " متفق عليه. (الثالث المباح الحلف على فعل مباح أو تركه والحلف على الخبر بشئ هو صادق فيه أو يظن انه فيه صادق فان الله تعالى قال (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ومن صور اللغو ان يحلف على شئ يظنه كما حلف ويتبين بخلافه (الرابع) المكروه وهو الحلف على مكروه أو ترك مندوب قال الله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) وروي ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه حلف لا ينفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال وكان من أهل الافك فأنزل الله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم) الآية، قيل المراد بقوله (ولا يأتل) أي لا يمتنع ولان اليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة أو حاملة على فعل المكروه فتكون مكروهة، فان قيل لو كانت مكروهة لانكر النبي صلى الله عليه وسلم على الاعرابي الذي سأله عن الصلوات فقال هل علي غيرها؟ فقال " لا إلا أن تتطوع " فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل قال " أفلح الرجل إن صدق " قلنا لا يلزم هذا فان اليمين على تركها لا تزيد على تركها ولو تركها لم ينكر عليه ويكفي في ذلك بيان ان ما تركه تطوع وقد بينه له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " إلا أن تتطوع " ولان هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه
[ 163 ]
منه شيئا وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع فيترجح جانب الاتيان بها على تركها فيكون من قبل المندوب فكيف ينكر؟ ولان في الاقرار على هذه اليمين بيان حكم يحتاج إليه وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به ولو أنكر على الحالف هذا لحصل ضد هذا وتوهم كثير من الناس لحوق الاثم بتركه فيفوت الغرض، ومن قسم المكروه الحلف في البيع فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحلف منفق للسلعة ممحق للبركة " رواه ابن ماجه (القسم الخامس) المحرم وهو الحلف الكاذب فان الله تعالى ذمه بقوله سبحانه (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) ولان الكذب حرام فإذا كان محلوفا عليه كان أشد في التحريم وان أبطل به حقا واقتطع به مال معصوم كان أشد فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " متفق على معناه وأنزل الله تعالى في ذلك (ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) ومن هذا القسم الحلف على معصية أو ترك واجب فان المحلوف عليه حرام فكان الحلف حراما لانه وسيلة إليه والوسيلة تأخذ حكم المتوسل إليه (فصل) ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم كان حلها محرما لان حلها بفعل المحرم وهو محرم وإن كانت على مندوب أو ترك مكروه فحلها مكروه وإن كانت على مباح فحلها مباح، فان قيل فكيف يكون حلها مباحا وقد قال الله سبحانه وتعالى (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها - إلى قوله - تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) والعهد يجب الوفاء به بغير تمين فمع اليمين أولى فان الله تعالى قال (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) وقال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ولهذا نهى عن نقض اليمين والنهي يقتضي التحريم وذمهم عليه وضرب لهم مثل التي
[ 164 ]
نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ولا خلاف في ان المحل المختلف فيه لا يدخله شئ من هذا؟ وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب إليه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا حلفت
على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وقال عليه السلام " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها وإن كانت اليمين على فعل محرم أو ترك واجب فحلها واجب لان حلها بفعل الواجب وفعله واجب * (مسألة) * (واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته) أجمع أهل العلم على ان من حلف بالله تعالى فقال والله أو بالله أو تالله فحنث ان عليه الكفارة، قال ابن المنذر وكان مالك وابو عبيد والشافعي وابو ثور واصحاب الرأي يقولون من حلف باسم من اسماء الله تعالى فحنث فعليه الكفارة ولا نعلم في هذا خلافا إذا كان من أسماء الله الذي لا يسمى بها سواه * (مسألة) * (وأسماء الله تعالى قسمان) (أحدهما) مالا يسمى به غيره ونحو والله والقديم الازلي والاول الذي ليس قبله شئ والآخر الذي ليس بعده شئ وخالق الخلق ورزاق العالمين، فهذا القسم به يمين بكل حال وكذلك قوله ورب العالمين، ورب السموات، والحي الذي لا يموت (الثاني) ما يسمى به غيره واطلاقه ينصرف إلى الله تعالى كالعظيم والرحيم والرب والمولى والرازق ونحوه. فأما الرحمن فذكره شيخنا من هذا القسم في الكتاب المشروح وذكره في كتاب المغني من القسم الاول وهو أولى لان ذلك انما كان يسمى به غير الله تعالى مضافا كقولهم في مسيلمة رحمان اليمامة أما إذا أطلق فلا ينصرف إلا إلى الله تعالى، فهذا القسم الذي يسمى به غير الله مجازا بدليل قوله تعالى (ارجع إلى ربك - واذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه) وقال (فارزقوهم منه) وقال (بالمؤمنين رئوف رحيم)
[ 165 ]
* (مسألة) * (فهذا إن نوى بالقسم به اسم الله تعالى أو اطاق كان يمينا لانه باطلاقه ينصرف إليه بالنية) وهذا مذهب الشافعي، وقال طلحة العاقولي إذا قال والرب والخالق والرازق كان يمينا على كل حال كالاول لا يستعمل مع التعريف باللام إلا في اسم الله تعالى فأشبهت القسم الاول * (مسألة) * (وأما مالا يعد من اسمائه كالشئ والموجود والحي والعالم والمؤمن والكريم والشاكر فان لم ينو به الله تعالى أو نوى غيره لم يكن يمينا وإن نواه كان يمينا)
فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الاطلاق ففي الاول يكون يمينا وفي الثاني لا يكون يمينا، وقال القاضي والشافعي في هذا القسم لا يكون يمينا أيضا وإن قصد به اسم الله تعالى لان اليمين انما تنعقد لحرمة الاسم فمع الاشتراك لا يكون له حرمة والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين ولنا انه أقسم بالله قاصدا به الحلف فكان يمينا مكفرة كالقسم الذي قبله، وقولهم ان النية المجردة لا تنعقد بها اليمين نقول به وما انعقد بالنية المجردة وانما انعقد بالاسم المحتمل المراد به اسم الله تعالى فان النية تصرف اللفظ المحتمل إلى احد محتملاته فيصير كالمصرح به كالكنايات ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله لم يكن يمينا لنيته * (مسألة) * (وإن قال وحق الله وعهد الله وايم الله وأمانة الله وميثاقه وقدرته وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ونحو ذلك فهو يمين) وإن قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إلى الله تعالى لم يكن يمينا إلا أن ينوي صفة الله تعالى وعنه يكون يمينا، وإن قال وحق الله فهي يمين مكفرة وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا كفارة لها لان حق الله طاعته ومفروضاته وليست صفة له ولنا ان لله حقوقا يستحقها لنفسه من البقاء والعظمة والجلال والعزة وقد اقترن عرف الاستعمال
[ 166 ]
بالحلف بهذه الصفة فينصرف إلى صفة الله تعالى كقوله وقدر الله، وإن نوى بذك القسم بمخلوق فالقول فيه كالقول في الحلف بالعلم والقدرة الا ان احتمال المخلوق بهذا اللفظ أظهر، وإن قال وعهد الله وكفالته فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها وبهذا قال الحسن وطاوس والشعبي والحارث العكلي وقتادة الحكم والاوزاعي ومالك، وقال عطاء وابن المنذر وأبو عبيد لا يكون يمينا الا ان ينوي وقال الشافعي لا يكون يمينا إلا ان ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته، وقال أبو حنيفة ليس بيمين ولعلهم ذهبوا إلى ان العهد من صفات الفعل فلا يكون الحلف به يمينا كما لو قال وحق الله، وقد وافقنا أبو حنيفة في أنه إذا قال علي عهد الله وميثاقه ثم حنث انه تلزمه الكفارة ولنا ان عهد الله يحتمل كلامه الذي أمرنا به ونهانا عنه لقوله (ألم أعهد اليكم يا بني آدم؟)
وكلامه قديم صفة له، ويحتمل انه استحقاقه لما تعبدنا به وقد ثبت له عرف الاستعمال فيجب أن يكون يمينا باطلاقه كما لو قال وكلام الله. إذا ثبت هذا فانه إذا قال علي عهد الله وميثاقه لافعلن أو قال وعهد الله ميثاقه لاأفعلن فهو يمين * (مسألة) * (وإن قال وايم الله أو وايم الله فهي يمين موجبة للكفارة) وهو كالحلف بعمر الله على ما نذكره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به وانضم إليه عرف الاستعمال فوجب ان ينصرف إليه، واختلف في اشتقاقه فقيل هو جمع يمين وحذفت النون فيه في البعض تخفيفا لكثرة الاستعمال وقيل هو من اليمن فكأنه قال ويمن الله لافعلن والفه الف وصل * (مسألة) * (وإن قال وأمانة الله فقال القاضي لا يختلف المذهب في ان الحلف بأمانة الله يمين مكفرة وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا تنعقد اليمين بها الا أن ينوي الحلف بصفة الله) لان الامانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق قال الله تعالى (انا عرضنا الامانة على
[ 167 ]
السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان) وقال تعالى (ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) يعني الودائع والحقوق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " اد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " وإذا كان اللفظ محتملا لم يصرف إلى أحد محتملاته الا ببينة أو دليل صارف إليه ولنا ان أمانة الله صفة من صفاته بدليل وجوب الكفارة على من حلف بها إذا نوى حملها على ذلك عند الاطلاق لوجوه (أحدها) أن حملها على غير ذلك صرف ليمين المسلم إلى المعصية أو المكروه لكونه قسما بمخلوق والظاهر من حال المسلم خلافه (الثاني) ان القسم في العادة يكون بالمعظم المحترم دون غيره وصفة الله أعظم حرمة وقدرا (الثالث) ان ما ذكروه من الفرائض والودائع لم يعهد القسم بها ولا يستحسن ذلك لو صرح به فلذلك لا يقسم بما هو عبارة عنه
(الرابع) ان امانة الله المضافة إليه هي صفته وغيرها يذكر غير مضاف إليه كما ذكر في الآيات والخبر (الخامس) ان اللفظ عام في كل امانة الله لان اسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة افاد الاستغراق فتدخل فيه أمانه الله التي هي صفته فتنعقد اليمين بها موجبة للكفارة كما لو نواها (فصل) والقسم بصفات الله تعالى كالقسم باسمائه، وصفاته ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها كعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي لان هذه من صفات ذاته ولم يزل موصوفا بها، وقد ورد الاثر بالقسم ببعضها فروي " ان النار تقول قط قط وعزتك " رواه
[ 168 ]
البخاري والذي يخرج من النار يقول " وعزتك لا أسألك غيرها " وفي كتاب الله تعالى قال (فبعزتك لاغوينهم أجمعين) (الثاني) ما هو صفة للذات الا أنه يعبر به عن غيرها مجازا كعلم الله وقدرته فهذه صفة للذات لم يزل موصوفا بها، وقد تستعمل في المعلوم والمقدور أقساما كقولهم اللهم اغفر لنا علمك فينا ويقال اللهم قد اريتنا قدرتك فارنا عفوك ويقال انظروا إلى قدرة الله أي مقدوره فمتى أقسم بهذا كان يمينا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال وعلم الله لا يكون يمينا لانه يحتمل المعلوم ولنا أن العلم من صفات الله تعالى فكانت اليمين به يمينا موجبة للكفارة كالعظمة والعزة والقدرة وينتقض ما ذكروه بالقدرة فانه قد سلموها وهي قرينتها، فأما ان نوى القسم بالمعلوم والمقدور احتمل أن لا يكون يمينا وهو قول أصحاب الشافعي لانه نوى بالاسم غير صفة الله تعالى مع احتمال اللفظ ما نواه فأشبه ما لو نوى القسم بمخلوق في الاسماء التي يسمى بها غير الله تعالى، وقد روي عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال ولا يقبل منه نية غير صفة الله كالعظمة وقد ذكر طلحة العاقولي أن أسماء الله تعالى المعرفة بلام التعريف كالخالق والرازق أنها تكون يمينا بكل حال لانها لا تنصرف الا إلى اسم الله تعالى كذا هذا (الثالث) ما لا ينصرف باطلاقه إلى صفة الله تعالى لكن ينصرف باضافته إلى الله سبحانه لفظا
[ 169 ]
أو نية كالعهد والميثاق والامانة فهذا لا يكون يمينا مكفرة الا باضافته أو نيته وسنذكره ان شاء الله * (مسألة) * (وان قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إلى الله تعالى لم يكن يمينا الا أن ينوي صفة الله تعالى وعنه يكون يمينا) إذا قال والعهد والميثاق والامانة والعظمة والكبرياء والقدرة والجلال ونوى عهد الله كان يمينا وكذلك في سائرها لانه نوى الحلف بصفة من صفات الله، وان أطلق فقال القاضي فيه روايتان [ أحداهما ] يكون يمينا لان لام التعريف ان كانت للعهد يجب أن تصرف إلى عهد الله تعالى لانه الذي عهدت اليمين به وان كانت للاستغراق دخل فيه ذلك [ والثانية ] لا تكون يمينا لانه يحتمل غير ما وجبت به الكفارة ولم يصرفه إلى ذلك بنيته فلا تجب الكفارة لان الاصل عدمها (فصل) ويكره الحلف بالامانة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من حلف بالامانة فليس منا " رواه أبو داود، وروى زياد بن خدير أن رجلا حلف عنده بالامانة فجعل يبكي بكاء شديدا فقال له الرجل هل كان هذا يكره؟ قال نعم كان عمر ينهى عن الحلف بالامانة أشد النهي * (مسألة) * (وان قال لعمر الله كان يمينا وقال أبو بكر لا يكون يمينا إلا أن ينوي). ظاهر المذهب أن ذلك يمين موجبة للكفارة وان لم ينو وبه قال أبو حنيفة وقال أبو بكر ان قصد اليمين فهو يمين وإلا فلا وهو قول الشافعي لانها إنما تكون يمينا بتقدير خبر محذوف فكأنه قال لعمر الله ما أقسم به فيكون مجازا والمجاز لا ينصرف إليه الاطلاق. ولنا انه أقسم بصفة من صفات الله فكانت يمينا موجبة للكفارة كالحلف ببقاء الله وحياته
[ 170 ]
ويقال العمر والعمر واحد وقيل معناه وحق الله وقد ثبت له عرف الشرع والاستعمال قال الله تعالى (لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون). وقال النابغة: فلا لعمر الذي قد زرته حججا * وما أريق على الانصاب من جسد
وقال آخر: إذا رضيت كرام بني قشير * لعمر الله أعجبني رضاها وهذا في الشعر والكلام كثير، واما احتياجه إلى التقدير فلا يضر فان اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الاسماء العرفية ويجب حمله فيه عند الاطلاق دون موضوعه الاصلي على ما عرف من سائر الاسماء العرفية ومتى احتاج اللفظ إلى التقدير وجب التقدير له ولم يجز اطراحه ولهذا يفهم مراد المتكلم به ومن غير اطلاع على نية قائله وقصده كما يفهم ان مراد المتكلم من المتقدمين القسم ويفهم من القسم بغير حرف القسم في اشعارهم في مثل قولهم. فقلت يمين الله أبرح قاعدا ويفهم من القسم الذي حذف في جوابه حرف لانه مقدر مراد لهذا لبيت ويفهم من قول الله تعالى (واسئل القرية - وأشربوا في قلوبهم العجل) التقدير فكذا ههنا وان قال عمرك الله كما في قوله. أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله كيف يلتقيان؟ فقد قيل هو مثل قوله نشدتك الله ولهذا ينصب اسم الله فيه وان قال لعمري أو لعمرك أو عمرك فليس بيمين في قول أكثرهم، وقال الحسن في قوله لعمري عليه الكفارة. ولنا انه اقسم بحياة مخلوق فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي وذلك لان هذا اللفظ يكون قسما بحياة الذي أضيف إليه العمر فان التقدير لعمرك قسمي أو ما أقسم به والعمر الحياة والبقاء.
[ 171 ]
* (مسألة) * (وان حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهي يمين فيها كفارة واحدة وعنه عليه بكل آية كفارة.) وجملة ذلك ان الحلف بكلام الله أو بالقرآن أو بآية منه يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وبه قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة فمنهم من زعم انه مخلوق ومنهم من قال لا تعهد اليمين به. ولنا أن القرآن كلام الله تعالى وصفة من صفات ذاته فتنعقد اليمين به كما لو قال وجلال الله
وعظمته وقولهم هو مخلوق قلنا هذا كلام المعتزلة وانما الخلاف مع الفقهاء وقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " القرآن كلام الله غير مخلوق " وقال ابن عباس في قوله تعالى (قرآنا عربيا غير ذي عوج) أي غير مخلوق وأما قولهم لا تعهد اليمين به فيلزمهم قولهم: وكبرياء الله وعظمته وجلاله إذا ثبت هذا فان الحلف بآية منه كالحلف بجميعه لانها من كلام الله تعالى وكذلك الحلف بالمصحف تنعقد به اليمين وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكره ذلك امامنا واسحاق، لان الحلف بالمصحف انما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن فانه بين دفتي المصحف باجماع المسلمين. (فصل) فان حلف بالقرآن أو بحق القرآن أو بكلام الله لزمته كفارة واحدة، ونص أحمد على أنه تلزمه بكل آية كفارة وهو الذي ذكره الخرقي وهو قول ابن مسعود والحسن، وقياس المذهب أنه تلزمه كفارة واحدة وهو قياس مذهب الشافعي وأبي عبيد، لان الحلف بصفات الله تعالى وتكرر اليمين بالله سبحانه لا يوجب أكثر من كفارة فالحلف بصفة من صفات الله أولى أن تجزئه كفارة واحدة. ووجه الاول ما روى مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف بسورة من
[ 172 ]
القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر " رواه الاثرم، ولان ابن مسعود قال ذلك ولم نعرف له مخالفا في الصحابة قال أحمد وما أعلم شيئا يدفعه، قال شيخنا ويحتمل كلام احمد ان في كل آية كفارة على الاستحباب لمن قدر عليه فانه قال عليه بكل آية كفارة لمن قدر عليها فان لم يمكنه فكفارة واحدة ورده إلى واحدة عند العجز دليل على ان ما زاد عليه غير واجب وكلام ابن مسعود أيضا يحمل على الاختيار لكلام الله والمبالغة في تعظيمه كما روي عن عائشة انها اعتقت أربعين رقبة حين حلفت بالعهد وليس ذلك بواجب، فعلى هذا تجزئه كفارة واحدة لقول الله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) فكفارته اطعام عشرة مساكين وهذه يمين فتدخل في عموم الايمان المنعقدة وإنها يمين واحدة فلم توجب كفارات كسائر الايمان، ولان إيجاب كفارات بعدد الآيات يفضي إلى المنع من البر والتقوى والاصلاح بين الناس، لان من علم أنه بحنثه تلزمه هذه الكفارات كلها يترك المحلوف عليه كائنا ما كان وقد يكون برا وتقوى واصلاحا فتمنعه يمينه وقد
نهى الله تعالى عنه بقوله (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) وان قلنا بوجوب كفارات بعدد الآيات فلم يطق ذلك اجزأته كفاره واحدة نص عليه احمد. * (مسألة) * (وان قال أحلف بالله أو اشهد بالله أو اقسم بالله أو اعزم بالله كان يمينا، وان لم يذكر اسم الله لم يكن يمينا إلا ان ينوي وعنه يكون يمينا). هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافا وسواء نوى اليمين أو اطلق لانه لو قال بالله ولم يقل أقسم ولا اشهد ولم يذكر الفعل كان يمينا وانما كان يمينا بتقدير الفعل قبله، لان
[ 173 ]
الباء تتعلق بفعل مقدر على ما ذكرناه فان اظهر الفعل ونطق بالمقدر كان اولى بثبوت حكمه وقد ثبت له عرف الاستعمال، قال الله تعالى (فيقسمان بالله) وقال تعالى (واقسموا بالله) وقال (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه لمن الصادقين) ويقول الملاعن في لعانه اشهد بالله اني لمن الصادقين وتقول المرأة اشهد بالله انه لمن الكاذبين وانشد اعرابي * اشهد بالله لتفعلنه * وكذلك الحكم ان ذكر الفعل بلفظ الماضي فقال اقسمت أو شهدت بالله قال عبد الله بن رواحة * أقسمت بالتنزلنه * ان أراد بقوله اقسمت بالله الخبر عن قسم ماض أو بقوله اقسم بالله الخبر عن قسم يأتي به فلا كفارة عليه وان ادعى ذلك قبل منه، وقال القاضي لا يقبل في الحكم وهو قول بعض اصحاب الشافعي لانه خلاف الظاهر. ولنا ان هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإذا علم من نفسه انه نوى شيئا واراده مع احتمال اللفظ إياه لم يلزمه شئ وان قال شهدت بالله اني آمنت بالله فليس بيمين وذكر أبو بكر في قوله أعزم بالله انه ليس بيمين مع الاطلاق وهو قول الشافعي لانه لم يثبت له عرف الشرع ولا الاستعمال فظاهره غير اليمين، لان معناه اقصد الله لافعلن، ووجه الاول انه يحتمل اليمين وقد اقترن به ما يدل عليه وهو جوابه بجواب القسم فيكون يمينا فأما ان نوى بقوله غير اليمين لم يكن يمينا. (فصل) وان قال أولي بالله أو حلفت بالله أو آليت بالله أو الية بالله أو حلفا بالله أو قسما بالله فهو يمين سواء نوى به اليمين أو أطلق لما ذكرناه في اقسم بالله وحكمه حكمه في تفصيله لان الايلاء والحلف والقسم واحد قال الله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) وقال سعد بن معاذ أحلف
بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به وقال الشاعر: أولي برب الراقصات إلى منى * ومطارح الاكوار حيث تبيت وقال ابن دريد: الية باليعملات ترتمي * بها النجاء بين اجواز الفلا
[ 174 ]
وقال: بل قسما من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى؟ (فصل) فأما ان قال أقسمت أو آليت أو شهدت لافعلن ولم يذكر اسم الله فعن أحمد روايتان (احداهما) انها يمين سواء نوى اليمين أو اطلق وروي ذلك عن عمر وابن عباس والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وعن أحمد ان نوى اليمين بالله كان يمينا والا فلا وهو قول مالك واسحاق وابن المنذر لانه يحتمل القسم بالله وبغيره فلم يكن يمينا حتى يصرفه بنيته إلى ما تجب به الكفارة وقال الشافعي ليس بيمين وان نوى، وروي نحو ذلك عن عطاء والحسن والزهري وقتادة وأبي عبيد لانها عريت عن اسم الله تعالى وصفته فلم تكن يمينا كما لو قال أقسمت بالبيت ولنا انه قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال فان أبا بكر قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما اصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقسم يا أبا بكر " رواه أبو داود وقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال " أبررت قسم عمي ولا هجرة " وفي كتاب الله تعالى (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله - إلى قوله - اتخذوا ايمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله) فسماها يمينا وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وقالت عاتكة بنت عبد المطلب حلفت لئن عادوا لنصطلمنهم * لجاءو تردي حجرتيها المقانب وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل فآليت لا تنفك عيني حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا وقولهم يحتمل القسم بغير الله قلنا انما يحمل على القسم المشروع ولهذا لم يكن مكروها ولو حمل
[ 175 ]
على القسم بغير الله كان مكروها ولو كان مكروها لم يفعله أبو بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبر النبي صلى الله عليه وسلم
قسم العباس حين اقسم عليه (فصل) وان قال أعزم أو عزمت لم يكن قسما نوى به القسم أو لم ينوه لانه لم يثبت لهذا اللفظ عرف في الشرع ولا هو موضوع للقسم ولا فيه دلالة عليه، ولذلك ان قال استعين بالله أو أعتصم بالله أو أتوكل على الله أو علم الله أو عز الله أو تبارك الله أو نحو هذا لم يكن يمينا نوى أو لم ينو لانه ليس بموضوع للقسم لغة ولا ثبت له عرف في شرع ولا استعمال فلم يجب به شئ كما لو قال سبحان الله وبحمده ولا اله الا الله والله أكبر (فصل) وحروف القسم ثلاثة: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة والاصل في حروف القسم الباء وتدخل على المظهر والمضر جميعا كقولك بالله وبك والواو وهي بدل من الباء تدخل على المظهر دون المضمر وهي أكثر استعمالا ولانها جاءت في أكثر الاقسام في الكتاب والسنة، وانما كانت الباء الاصل لانها الحرف الذي تصل به الافعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها والتقدير في القسم أقسم بالله كما قال الله سبحانه (وأقسموا بالله جهد ايمانهم) والتاء بدل من الواو وتختص باسم واحد من أسماء الله تعالى وهو الله ولا تدخل على غيره فيقال تالله ولو قال تالرحمن أو تالرحيم لم يكن قسما فإذا اقسم باحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه كان قسما صحيحا لانه موضوع له وقد جاء في كتاب الله تعالى وكلام العرب قال الله تعالى (تالله لتسئلن عما كنتم تفترون - تالله لقد آثرك الله علينا - تالله تفتؤ تذكر يوسف - تالله لاكيدن اصنامكم) وقال الشاعر: تالله يبقى على الايام ذو حيد * بمشمخر به الضيان والآس
[ 176 ]
وان قال ما أردت به القسم لم يقبل قوله لانه اتى باللفظ الصريح في القسم واقترنت به قرينة دالة عليه وهو الجواب بجواب القسم فيمنع صرفه إلى غيره * (مسألة) * (ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول الله لافعلن بالجر والنصب فان قال الله لافعلن بالرفع كان يمينا الا ان يكون عربيا ولا ينوى به اليمين) إذا اقسم بغير حرف القسم فقال الله لاقومن بالجر والنصب فهو يمين وقال الشافعي لا يكون
يمينا الا ان ينوي لان ذكر الله تعالى بغير حرف القسم ليس بصريح في القسم فلا ينصرف الا بالنية ولنا انه سائغ في العربية وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع فروي ان عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه قتل ابا جهل فقال " الله انك قتلته؟ " قال الله اني قتلته ذكره البحاري وقال لركانة ابن عبد يزيد " الله ما أردت الا واحدة " قال الله ما أردت الا واحدة وقال امرؤ القيس * فقلت يمين الله أبرح قاعدا * - وقال أيضا * فقالت يمين الله مالك حيلة * وقد اقترنت به قرينتان تدلان عليه (احداهما) الجواب بجواب القسم (والثانية) الجر والنصب واسم الله تعالى فوجب ان يكون يمينا كما لو قال والله، فان قال الله لافعلن بالرفع ونوى اليمين فهو يمين الا ان يكون قد لحن كما لو قال والله بالرفع ولم ينو اليمين فقال أبو الخطاب تكون يمينا لان قرينة الجواب بجواب القسم كافية والعامي لا يعرف الاعراب فيأتي به الا ان يكون من أهل العربية فان عدوله عن إعراب القسم دليل على انه لم يرده، قال شيخنا ويحتمل ان لا يكون قسما في حق العامي لانه ليس بقسم في حق أهل العربية فلم يكن قسما في حق غيرهم كما لو لم يجبه بجواب القسم ويجاب القسم بأربعة احرف: حرفان للنفي وهما ما ولا وحرفان للاثبات وهما ان واللام المفتوحة وتقوم ان الخفيفة المكسورة مقام ما النافية مثل قوله (وليحلفن ان أردنا الا الحسنى) وان قال والله افعل بغير حرف فالمحذوف ههنا لا
[ 177 ]
ويكون يمينه على النفي لان موضوعه في العربية لذلك قال الله تعالى (تفتؤ تذكر يوسف) اي لا تفتؤ وقال الشاعر: * تالله تبقى على الايام ذو حيد * وقال آخر: * فقلت يمين الله أبرح قاعدا * أي لا أبرح (فصل) وان قال لاها لله ونوى اليمين كان يمينا لان ابا بكر رضي الله عنه قال في سلب قتيل أبي قتادة لاها لله إذا تعمد إلى أسد من اسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق " وان لم ينو اليمين فالظاهر انه لا يكون يمينا لانه لم يقترن به صرف ولا نية ولا في جوابه حرف يدل على القسم وهذا مذهب الشافعي * (مسألة) * (ويكره الحلف بغير الله تعالى ويحتمل ان يكون محرما وذلك نحو أن يحلف بأبيه أو
بالكعبة أو بصحابي أو امام أو غيره قال الشافعي أخشى ان يكون معصية قال ابن عبد البر هذا أمر مجتمع عليه وقيل لا يكره ذلك لان الله تعالى أقسم بمخلوقاته فقال (والصافات صافا - والمرسلات عرفا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي الذي سأل عن الصلاة " افلح وأبيه ان صدق " وقال في حديث أبي العشراء " وأبيك لو طعنت في فخذها لاجزأك " ولنا ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم ادركه وهو يحلف بابيه فقال " ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " قال عمر فو الله ما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا متفق عليه يعني ولا حاكيا عن غيري
[ 178 ]
وعن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف بغير الله فقد اشرك " قال الترمذي هذا حديث حسن فاما قسم الله بمصنوعاته فانما أقسم دالا على قدرته وعظمته ولله تعالى ان يقسم بما شاء ولا وجه للقياس على إقسامه وقد قيل ان في إقسامه اضمار القسم برب هذه المخلوقات فقوله (والضحى) أي ورب الضحى وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي " افلح وأبيه ان صدق " فقال ابن عبد البر هذا اللفظ غير محفوظ من وجه صحيح وحديث أبي العشراء قال أحمد لو كان يثبت يعني انه لم يثبت، ثم ان لم يكن الحلف بغير الله محرما فهو مكروه لان من حلف بغير الله فقد عظم غيره تعظيما يشبه تعظيم الرب تبارك وتعالى ولهذا سمي شركا لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به، فعلى هذا يستغفر الله إذا اقسم بغير الله قال الشافعي من حلف بغير الله فليقل استغفر الله * (مسألة) * (ولا تجب به الكفارة سواء أضافه إلى الله تعالى مثل قوله ومعلوم الله وخلقه ورزقه وبيته أو لم يضفه كقوله والكعبة وأبي) ويعني لا تجب الكفارة بالحنث فيها وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء * (مسألة) * (وقال أصحابنا تجب الكفارة بالحنث برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة) وروي عن أحمد أنه قال إذا حلف بحق رسول الله فحنث فعليه الكفارة ولانه أخذ شرطي الشهادة فالحلف به موجب للكفارة كالحلف بالله تعالى والاول اولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان حالفا
فليحلف بالله أو ليصمت " ولانه حلف بغير الله تعالى فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الانبياء ولانه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كالحلف بابراهيم عليه السلام ولانه ليس بمنصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة وكلام أحمد يحمل على الاستحباب
[ 179 ]
(فصل) ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط (أحدها) ان تكون اليمين منعقدة وهي التي يمكن فيها البر والحنث وذلك الحلف على مستقبل ممكن قال ابن عبد البر اليمين التي فيها الكفارة باجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الافعال كمن حلف ليضربن غلامه أو لا يضربه فان فعل فعليه الكفارة وذهبت طائفة إلى أن الحنث إذا كان طاعة لم يوجب كفارة، وقال قوم من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها، وقال سعيد بن جبير اللغو أن يحلف فيما لا ينبغي له يعني فلا كفارة عليه في الحنث وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فان تركها كفارة " رواه أبو داود ولان الكفارة انما تجب لدفع الاثم ولا اثم في الطاعة ولان اليمين كالنذر ولا نذر في معصية الله ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وقال " اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " اخرجه البخاري وحديثهم لا يعارض حديثنا لان حديثنا اصح منه واثبت ثم انه يحتمل ان تركها كفارة لاثم الحلف والكفارة المختلف فيها كفارة المخالفة وقولهم ان الحنث طاعة قلنا فاليمين غير طاعة فتلزمه الكفارة للمخالفة ولتعظيم اسم الله عزوجل إذا حلف به ولم تبر يمينه، إذا ثبت ذلك نظرنا في يمينه فان كان على ترك شئ ففعله حنث ووجبت الكفارة، وإن كانت على فعل شئ فلم يفعله وكانت يمينه مؤقتة بلفظ أو بنية أو قرينة حاله ففات الوقت حنث، وإن كانت مطلقة لم يحنث إلا بفوات وقت الامكان لانه مادام في الوقت والفعل
ممكن فيحتمل أنه يفعل فلا يحنث * (مسألة) * (فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة وهي نوعان: الغموس وهي التى يحلف بها
[ 180 ]
كاذبا عالما بكذبه وعنه فيها الكفارة، ومثلها الحلف على مستحيل كقتل الميت واحيائه وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه) ظاهر المذهب ان يمين الغموس لا كفارة فيها نقله الجماعة عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والاوزاعي والثوري والليث وابو عبيد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة. وانما سميت هذه يمين الغموس لانها تغمس صاحبها في الاثم قال ابن مسعود كنا نعد اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس، وعن سعيد بن المسيب قال هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر، وروي عن احمد ان فيها الكفارة وروي ذلك عن عطاء والزهري والحكم والبتي وهو قول الشافعي لانه وجدت منه اليمين بالله والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة ولنا انها يمين غير منعقدة فلا توجب الكفارة كاللغو أو يمين على ماض أشبهت اللغو، وبيان انها غير منعقدة كونها توجب برا ولا يمكن فيها ولانه قارنها ما ينافيها فلم تنعقد كالنكاح الذي قارنه الرضاع ولان الكفارة لا ترفع إثمها فلا تشرع فيها، ودليل انها كبيرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من الكبائر الاشراك بالله عقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس " رواه البخاري وروي فيه " خمس من الكبائر لا كفارة لهن: الاشراك بالله والفرار من الزحف وبهت المؤمن وقتل النفس بغير حق والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم " ولا يصح القياس على المستقبلة لانها يمين منعقدة يمكن حلها والبر فيها وهذه غير منعقدة فلا حل لها وقول النبي صلى الله عليه وسلم " فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير " يدل على ان الكفارة انما تجب على فعل يفعله فيما يستقبله قاله ابن المنذر (فصل) والمستحيل نوعان (أحدهما) مستحيل عقلا كقتل الميت واحيائه وشرب ماء الكوز
[ 181 ]
ولا ماء فيه فقال أبو الخطاب لا تنعقد يمينه ولا تجب بها كفارة وهذا مذهب مالك لانها يمين قارنها
مالا يتصور فلم تنعقد كيمين الغموس لان اليمين انما تنعقد على متصور أو متوهم التصور وليس ههنا واحد منهما وقال القاضي ينعقد موجبا للكفارة في الحال وهذا قول أبي يوسف والشافعي لانه حلف على فعل نفسه في المستقبل ولم يفعل فهو كما لو حلف ليطلقن امرأته فمات قبل طلاقها وبالقياس على المستحيل عادة، ولا فرق بين أن يعلم أو لا يعلم مثل أن يحلف ليشربن الماء الذي في الكوز ولا ماء فيه فالحكم واحد فيمن علم انه لا ماء فيه ومن لم يعلم، ذكر شيخنا في الكتاب المشروح احياء الميت وقتله في المستحيل عقلا واحياء الميت متصور عقلا وانما هو مستحيل عادة فهو من النوع الثاني. فأما قتل الميت فان أراد قتله حال موته فهو من المستحيل عقلا فيه من الخلاف ما ذكرنا، وإن حلف ليقتلن فلانا وهو ميت فهو كالمستحيل عادة فانه يتصور أن يحييه الله فيقتله فتنعقد يمينه على ما نذكره في المستحيل عادة (النوع الثاني) المستحيل عادة كصعود السماء والطيران وقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة فإذا حلف على فعله انعقدت يمينه ذكره القاضي وابو الخطاب لانه يتصور وجوده فإذا حلف عليه انعقدت يمينه ولزمته الكفارة في الحال لانه مأيوس من البر فيها فوجبت الكفارة كما لو حلف ليطلقن امرأته فماتت. (فصل) إذا قال والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعل كذا أو حلف على حاضر فقال والله لتفعلن كذا فأحنثه ولم يفعل فالكفارة على الحالف كذلك قال ابن عمر وأهل المدينة وعطاء وقتادة والاوزاعي وأهل العراق والشافعي لان الحالف هو الحانث فكانت الكفارة عليه كما لو كان هو الفاعل لما يحنثه
[ 182 ]
ولان سبب الكفارة إما اليمين أو الحنث أو هما وأي ذلك قدر فهو موجود في الحالف، وإن قال أسألك بالله لتفعلن وأراد اليمين فهي كالتي قبلها وإن أراد الشفاعة إليه بالله فليس بيمين ولا كفارة على واحد منها، وإن قال بانه لتفعلن فهي يمين لانه أجاب بجواب القسم إلا أن ينوي ما يصرفها وإن قال بالله أفعل فليست يمينا لانه لم يجبها بجواب القسم ولذلك لا يصلح أن يقول والله افعل ولا تالله أفعل وانما صلح ذلك في الباء لانه لا تختص القسم فيدل على انه سؤال فلا تجب به كفارة
* (الثاني) * لغو اليمين وهو أن يحلف على شئ يظنه حقا فيبين بخلافه فلا كفارة فيها أكثر أهل العلم على ان هذه اليمين لا كفارة فيها قاله ابن المنذر يروى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وأبي حنيفة والثوري وممن قال هذا لغو اليمين مجاهد وسليمان بن يسار والاوزاعي والثوري وابو حنيفة وأصحابه، واكثر اهل العلم على ان لغو اليمين لا كفارة فيه وقال ابن عبد البر اجمع المسلمون على هذا وقد حكي عن النخعي في اليمين على شئ يظنه حقا فيبين بخلافه انه من لغو اليمين وفيه الكفارة وهو احد قولي الشافعي وروي عن احمد ان فيه الكفارة وليس هو من لغو اليمين لان اليمين بالله وجدت مع المخالفة فاوجبت الكفارة كاليمين على مستقبل. ولنا قول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) ولانها يمين غير منعقدة فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس ولانه غير قاصد للمخالفة فاشبه ما لو حلف ناسيا، وفي الجملة لا كفارة في يمين على ماض لانها تنقسم ثلاثة أقسام ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا وما تعمد الكذب فيه فهو يمين
[ 183 ]
الغموس لا كفارة فيها لانها أعظم من ان تكون فيها كفارة وقد ذكرنا الخلاف فيها وما يظنه حقا فيبين بخلافه فلا كفارة فيها لانها من لغو اليمين * (فصل) * (الشرط الثاني ان يحلف مختارا، فان حلف مكرها لم تنعقد يمينه) وبه قال مالك والشافعي وذكر فيها أبو الخطاب روايتين [ احداهما ] تنعقد وهو قول أبي حنيفة لانها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولان هذه الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الاكراه ككفارة الصيد ولنا ما روى أبو امامة وواثلة بن الاسقع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس على مقهور يمين " ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح مع الاكراه ككلمة الكفر، واما كفارة لصيد فلا تجب مع الاكراه فهي كمسئلتنا. * (مسألة) * (وان سبقت اليمين على لسانه كقوله لا والله وبلى والله في عرض حديثه فلا كفارة عليه) هذا قول أكثر أهل العلم لانها من لغو اليمين نقل عبد الله عن ابيه انه قال اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى انها كذلك والرجل يحلف فلا يعقد قلبه على شئ وممن قال ان اللغو اليمين
التي لا ينعقد عليها قلبه عمر وعائشة رضي الله عنهما وبه قال عطاء والقاسم وعكرمة والشعبي والشافعي لما روي عن عطاء قال قالت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني في اللغو في اليمين " هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله " اخرجه أبو داود قال ورواه الزهري وعبد الله بن ابي سليمان ومالك بن
[ 184 ]
مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا، وروى الزهري أن عروة حدثه عن عائشة قالت إنما اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب، وأيمان الكفارة كل يمين حلف عليها على وجه من الامر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن فذاك عقد الايمان التي فرض الله عزوجل فيها الكفارة ولان اللغو في كلام العرب غير المعقود عليه وهذا كذلك، وممن قال لا كفارة في هذا ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك وزرارة بن أوفى والحسن والنخعي ومالك وهو قول من قال إنه من لغو اليمين ولا نعلم في هذا خلافا ووجه ذلك قول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين) فجعل الكفارة لليمين التي يؤاخذ بها ونفى المؤاخذة باللغو فيلزم انتفاء الكفارة ولان المؤاخذة يحتمل ان يكون معناها إيجاب الكفارة بدليل انها تجب في الايمان التي لا يأتم فيها وإذا كانت المؤاخذة ايجاب الكفارة فقد نفاها في اللغو فلا تجب لانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان إجماعا ولان قول عائشة في تفسير اللغو وبيان الايمان التي فيها الكفارة خرج منها تفسيرا لكلام الله تعالى وتفسير الصحابي مقبول: * (فصل) * (الشرط الثالث في الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف عن تركه أو يترك ما حلف عن فعله مختارا ذاكرا وان فعله مكرها أو ناسيا فلا كفارة عليه وعنه على الناسي كفارة) إذا حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا فلا كفارة عليه، نقله عن أحمد الجماعة إذا كان في غير الطلاق والعتاق وهذا ظاهر المذهب، اختاره الخلال وصاحبه فأما الطلاق والعتاق فانه يحنث فيهما في ظاهر المذهب وعنه لا يحنث في الطلاق والعتاق أيضا، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار واسحاق وهو ظاهر مذهب الشافعي لقوله تعالى (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم
[ 185 ]
" إن الله تجاوز عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولانه غير قاصد للمخالفة فلم يحنث كالنائم والمجنون لانه أحد طرفي اليمين فاعتبر فيه القصد كحالة الانتهاء بها وعن أحمد رواية أخرى أنه يحنث وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والزهري وقتادة وربيعة ومالك وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لانه خالف ما حلف عليه قاصدا لفعله فلزمه الحنث كالذاكر وكما لو كانت اليمين بالطلاق والعتاق ولنا على أن الكفارة لا تجب في اليمين المكفر (1) ما تقدم من الآية والخبر، ولانها تجب لمحو الاثم ولا اثم على الناسي، وأما الطلاق والعتاق فهو معلق بشرط فيقع بوجود شرطه من غير قصد كما لو قال أنت طالق ان طلعت الشمس أو قدم الحاج (فصل) فان فعله غير عالم بالمحلوف عليه كرجل حلف لا يكلم فلانا فسلم عليه يحسبه أجنبيا أو حلف لا يفارقه حتى يستوفي حقه فأعطاه ففارقه ظنا منه أنه قد برأ فوجده معيبا أو رديئا أو حلف لا بعت لزيد ثوبا فوكل زيد من يدفعه إلى من يبيعه فدفعه إلى الحالف فباعه من غير علمه فهو كالناسي لانه غير قاصد للمخالفة أشبه الناسي (فصل) والمكره على الفعل ينقسم قسمين (أحدهما) أن يلجأ إليه مثل من حلف لا يدخل دارا فحمل فادخلها أو لا يخرج منها فاخرج محمولا ولم يمكنه الامتناع فلا يحنث في قول الاكثرين وبه قال أصحاب الرأي وقال مالك ان دخل مربوطا لم يحنث وذلك لانه لم يفعل الدخول والخروج فلم يحنث كما لو لم يوجد ذلك (الثاني) أن يكره بالضرب والتهديد بالقتل ونحوه فقال أبو الخطاب فيه روايتان كالناسي وللشافعي قولان وقال أبو حنيفة ومالك يحنث لان الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الاكراه والنسيان ككفارة الصيد
(1) أي في النسيان
[ 186 ]
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولانه نوع اكراه
فلم يحنث به كما لو حمل ولم يمكنه الامتناع لان الفعل لا ينسب إليه فاشبه من لم يفعله ولا نسلم الكفارة في الصيد بل انما تجب على المكره * (مسألة) * (فان حلف فقال ان شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إذا كان متصلا بيمينه) وجملة ذلك أن الحالف إذا قال ان شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء. قال ابن عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث فعل أو ترك " رواه أبو داود، وأجمع العلماء على تسميته استثناء وانه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " رواه الترمذي وروى أبو داود " من حلف فاستثنى فان شاء رجع وان شاء ترك " ولانه متى قال لافعلن ان شاء الله فقد علمنا انه متى شاء الله فعل ومتى لم يفعل لم يشاء الله ذلك فان ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. إذا ثبت هذا فانه يشترط أن يكون الاستثناء متصلا باليمين بحيث لا يفصل بينهما بكلام اجنبي ولا يسكت بينهما سكوتا يمكنه الكلام فيه فاما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أوعي أو عارض من عطشة أو شئ غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه وبهذا قال مالك والثوري وأبو عبيد واسحاق وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف فاستثنى " وهذا يقتضي كونه عقيبه ولان الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه وخبر المبتدأ والاستثناء بالا، ولان الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه وانعقدت موجبة لحكمها وبعد ثبوته لا يمكن رفعه ولا تغييره، قال أحمد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك " ولم يقل فاستثن ولو جاز الاستثناء في كل حال لم
[ 187 ]
يحنث حالف به، وعن أحمد رواية أخرى انه يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما قال في رواية المروذي حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " والله لاغزون قريشا " ثم سكت ثم قال " إن شاء الله " انما هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره، ونقل عنه إسماعيل بن سعيد مثل هذا وزاد ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعني لم ير ذلك إلا متصلا ويحتمله كلام الخرقي فانه قال إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء كلام ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت وهذا قول الاوزاعي قال في رجل قال لا أفعل
كذا كذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فقال له انسان قل إن شاء الله أيكفر عن يمينه؟ قال أراه قد استثنى وقال قتادة له أن يستثني قبل أن يقوم أو يتكلم، ووجه ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم استثنى بعد سكوته إذ قال " والله لاغزون قريشا " ثم سكت ثم قال " إن شاء الله " احتج به أحمد ورواه أبو داود، وقال الوليد بن مسلم لم يغزهم، ويشترط على هذا الرواية أن لا يطيل الفصل بينهما ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي، وحكي ابن أبي موسى عن بعض اصحابنا انه قال يصح الاستثناء مادام في المجلس وحكي ذلك عن الحسن وعطاء. وعن عطاء انه قال قدر حلب الناقة العزوزة، وعن ابن عباس ان له أن يستثني بعد حين وهو قول مجاهد وهذا القول لا يصح لما ذكرناه وتقديره بمجلس أو غيره لا يصح لان التقديرات بابها التوقيف فلا يصار إليه بالتحكم (فصل) ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وابو ثور وابو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " والقول هو النطق ولان اليمين لا تنعقد بالنية وكذلك الاستثناء، وقد روي عن أحمد ان كان مظلوما فاستثنى
[ 188 ]
في نفسه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه فهذا في حق الخائف على نفسه لان يمينه غر منعقدة أو لانه بمنزلة المتأول وأما في حق غيره فلا (فصل) واشترط القاضي قصد الاستثناء فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد أو كانت بمادته جاربة بالاستثناء فجرى على لسانه من غير قصد لم يصح لان اليمين لما لم تنعقد من غير قصد فكذلك الاستثناء وهذا مذهب الشافعي وذكر بعضهم انه لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتدائه، فلو حلف غير قاصد للاستثناء ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه وهذا القول يخالف عموم الخبر هو قوله عليه السلام " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " فلا يصح ولان لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته (فصل) ويصح الاستثناء في كل يمين مكفرة كاليمين بالله تعالى والظهار والنذر قال ابن أبي موسى
من استثنى في يمين تدخلها كفارة فله ثنياه لانها ايمان مكفرة فدخلها الاستثناء كاليمين بالله تعالى فلو قال أنت علي كظهر أمي ان شاء الله أو لله علي أن أتصدق بمائة درهم ان شاء الله لم يلزمه شئ لانها ايمان فتدخل في عموم قوله " من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " (فصل) فان قال والله لاشربن اليوم إلا أن يشاء الله أو لا أشرب إلا أن يشاء الله لم يحنث بالشرب ولا تركه لما ذكرنا في الاثبات ولا فرق بين تقديم الاستثناء وتأخيره في هذا كله، فإذا قال والله إن شاء الله لا أشرب اليوم أو لا أشربن ففعل أو ترك لم يحنث لان تقديم الشرط وتأخيره سواء قال الله تعالى (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) (فصل) فان قال والله لاشربن اليوم إن شاء زيد فشاء زيد ولم يشرب حتى مضى اليوم حنث
[ 189 ]
وان لم يشأ زيد تلزمه يمين، فان لم تعلم مشيئته لغيبة أو جنون أو موت انحلت اليمين لانه لم يوجد الشرط، وان قال والله لا أشرب إلا أن يشاء زيد فقد منع نفسه الشرب إلا أن توجد مشيئة زيد فان شاء فله الشرب وان لم يشأ لم يشرب، وإن خفيت مشيئته لغيبة أو موت أو جنون لم يشرب وان شرب حنث لانه منع نفسه الا أن توجد المشيئة (1) فيكذب ولكن غفر الله له بتوحيده، وأما الافراط في الحلف فانه انما كره لانه لا يكاد يخلو من الكذب والله أعلم وأما قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) فمعناه لا تجعلوا ايمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والاصلاح بين الناس وهو ان يحلف بالله أن لا يفعل برا ولا تقوى ولا يصلح بين الناس ثم يمتنع من فعله ليبر في يمينه ولا يحنث فيها فنهوا عن المضي فيها، قال احمد وذكر حديث ابن عباس باسناده في قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) الرجل يحلف أن لا يصل قربته وقد جعل الله له مخرجا في التكفير فأمره أن لا يعتل بالله وليكفر وليبر وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لان يستلج أحدكم في يمينه آثم له عند الله من أن يؤدي الكفارة التي فرض الله عليه " وان كان النهي عاد إلى اليمين فالمنهي عنه الحلف على ترك البر والتقوى والاصلاح بين الناس لا على كل يمين فلا حجة فيها لهم إذا * (مسألة) * (فان دعي إلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب له افتداء يمينه فان حلف فلا بأس)
قال أصحابنا تركه أولى فيكون مكروها وبه قال أصحاب الشافعي لما روي ان المقداد وعثمان تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردها على عثمان فقال عمر: لقد أنصفك فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف وقال خفت أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمين عثمان. والصحيح انه لا يكره بل مباح فعله كتركه لان الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه السلام بالحلف على الحق في ثلاثة
(1) كذا في الاصل وفيه نقص يراجع في المغني في مظنته
[ 190 ]
مواضع فقال (ويستنبئونك أحق هو؟ قل اي وربي انه لحق) والثاني قوله (قل بلى وربي لتأتينكم) والثالث (قل بلى وربي لتبعثن) وروى محمد بن كعب القرظي ان عمر قال على المنبر وفي يده عصا يا أيها الناس لا يمنعكم اليمين من حقوقكم فو الذي نفسي بيده ان في يدي لعصا، وروى الشعبي ان عمرو أبيا احتكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد اعف أمير المؤمنين فقال عمر ولم يعفي أمير المؤمنين؟ ان عرفت شيئا استحققته بيميني وإلا تركته والذي لا إله إلا هو ان النخل لنخلي وما لابي فيه حق فلما خرجا وهب النخل لابي فقيل له يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين؟ فقال خفت أن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فتكون سنة ولانه حلف صدق على حق فأشبه الحلف عن غير الحاكم * (فصل) * قال رحمه الله: وإن حرم أمته أو شيئا من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين ان فعله ويحتمل أن يحرم تحريما تزيله الكفارة وقال أبو حنيفة يحرم لقول الله تعالى (لم تحرم ما أحل الله لك؟) وقوله (قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم) ولانه تحريم للحلال فحرم كتحريم الزوجة ولنا انه إذا أراد التكفير فله فعل المحلوف عليه وحل فعله مع تركه محرما تناقض، والعجب ان أبا حنيفة لا يجيز التكفير إلا بعد الحنث وقد فرض الله تعالى تحلة اليمين، فعلى قوله يلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لانه لا تحصل التحلة إلا بفعل المحلوف وهو عنده محرم وهذا غير جائز، ولانه لو كان محرما لوجب تقديم الكفارة عليه كالظهار ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال
" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " فأمر بفعل المحلوف عليه ولو كان محرما لم يأمر بفعله وسماه خيرا والمحرم ليس بخير
[ 191 ]
واما الآية فالمراد بها قوله هو علي حرام أو منع نفسه منه وذلك ليس يسمى تحريما قال الله تعالى (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) وقال (وحرموا ما رزقهم الله) ولم يثبت فيه التحريم حقيقة ولا شرعا فإذا قال هذا حرام علي إن فعلت وفعل أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت ثم فعل فهو مخير ان شاء ترك ما حرمه على نفسه وإن شاء كفر، وإن قال هذا الطعام حرام علي فهو كالحالف على تركه، ويروي نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة واسحاق وأهل العراق وقال سعيد بن جبير فيمن قال الحل علي حرام يمين من الايمان يكفرها، وقال الحسن هي يمين إلا أن ينوي امرأته، وعن ابراهيم مثله، وعنه إن نوى طلاقا وإلا فليس بشئ، وعن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين، وقال طاوس هو ما نوى، وقال مالك والشافعي ليس بيمين ولا شئ عليه لانه قصد تغيير المشروع فلغا ما قصده كما لو قال هذه ابنتي ولنا قوله الله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) سمى تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهو الكفارة. وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت انا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل اني اجد منك ريح مغافير فدخل على أحدانا فقالت له ذلك فقال " لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود " فنزلت (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؟) متفق عليه فان قيل انما نزلت الآية في تحريم مارية القبطية كذلك قال الحسن وقتادة قلنا ما ذكرناه أصح فانه متفق عليه وقول عائشة صاحبة القصة الحاضرة للتنزيل المشاهدة للحال أولى والحسن وقتادة لو سمعا قول عائشة لم يعدلا به شيئا ولم يصيرا إلى غيره فكيف يصار إلى قولهما ويترك قولها؟
[ 192 ]
وقد روي عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه جعل تحريم الحلال يمينا ولو ثبت ان
الآية نزلت في تحريم مارية كان حجة لنا لانها من الحلال الذي حرم وليست زوجة فوجوب الكفارة بتحريمها يقتضي وجوبها بتحريم كل حلال بالقياس عليها لانه حرم الحلال فأوجب الكفارة كتحريم الامة المزوجة وما ذكروه يبطل بتحريمها. إذا ثبت هذا فعليه ان فعله كفارة يمين لقوله عليه السلام " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " متفق عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم العسل أو مارية أنزل الله سبحانه (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) قال الحسن سمي تحريم ما أحل الله يمينا وفرض له تحلة وهي الكفارة ويحتمل أن يحرم تحريما تزيله الكفارة لانه تحريم يوجب الكفارة بالفعل فحرم ما حرمه كالظهار * (مسألة) * (وإن قال هو يهودي أو نصراني أو برئ من الله تعالى أو من القرآن أو الاسلام أو النبي عليه السلام) إن فعل ذلك فقد فعل محرما لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من حلف على ملة غير الاسلام كاذبا معتمدا فهو كما قال " متفق عليه، وفي لفظ " من حلف انه برئ من الاسلام فان كان قد كذب فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يرجع إلى الاسلام سالما " * (مسألة) * (وعليه كفارة إن فعل في إحدى الروايتين) اختلفت الرواية عن احمد في الحالف بالخروج من الاسلام مثل أن يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا، وهو برئ من الاسلام أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقول هو يعبد الصليب أو يعبد غير الله إن فعل أو نحو هذا إن فعل فعن احمد عليه الكفارة. إذا حنث يروى هذا عن
[ 193 ]
طاوس والحسن والشعبگ والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن زيد ابن ثابت رضي الله عنه (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي والليث وابي ثور وابن المنذر لانه لم يحلف باسم الله ولا صفته فلم تلزمه كفارة كما لو قال عصيت الله فيما أمرني به ويحتمل أن يحمل كلام احمد في الرواية الاولى على الندب دون الايجاب فانه قال في رواية حنبل إذا قال أكفر بالله أو أشرك
بالله فاحب إلي أن يكفر كفارة يمين إذا حنث - ووجه الرواية الأولى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن الرجل يقول هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئ من الاسلام في اليمين يحلف بها فيحنث في هذه الاشياء؟ قال " عليه كفارة يمين " أخرجه أبو بكر، ولا البراءة من هذه الاشياء توجب الكفر بالله فكان الحلف بها يمينا كالحلف بالله تعالى. قال شيخنا والرواية الثانية أصح ان شاء الله تعالى فان الوجوب من الشارع ولم يرد في هذه اليمين نص ولا هي في قياس المنصوص فان الكفارة انما وجبت بالحلف باسم الله تعظيما لاسمه واظهارا لشرفه وعظمته ولا تتحقق التسوية * (مسألة) * (وإن قال أنه أستحل الزنا ونحوه فعلى وجهين) وكذلك إن قال انا أستحل ترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام فهو كالحلف بالبراءة من الاسلام لان استحلال ذلك يوجب الكفر فيخرج على الروايتين في المسألة قبلها * (مسألة) * (وإن قال عصيت الله أو انا أعصي الله في كل ما أمرني به أو محوت المصحف إن فعلت كذا وحنث فلا كفارة)
[ 194 ]
نص عليه احمد وبه قال عطاء والثوري وابو عبيد وأصحاب الرأي، وقال طاوس والليث عليه الكفارة وبه قال الاوزاعي إذا قال عليه لعنة الله ولنا ان هذا لا يوجب الكفر أشبه ما لو قال محوت المصحف، وإن قال لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت وحنث فقال القاضي عليه كفارة، وذكر ان احمد نص عليه والصحيح ان هذا لا كفارة فيه لان إيجابها في هذا ومثله تحكم بغير نص. لا قياس صحيح * (مسألة) * (وإن قال عبد فلان حر لافعلن فليس بشئ وعنه عليه كفارة ان حنث) أما إذا قال عبد فلان حر من غير تعليق لم يلزمه شئ وكذلك إن علقه لان تعليق الشئ بالشرط أثره في أن يصير عند الشرط كالمعلق فإذا كان المعلق لا يوجب شيئا فكذلك المعلق، ولا يعتق العبد إذا حنث بغير خلاف لانه لا يعتق بغير تنجيز العتق فالتعليق أولى وهل تلزمه كفارة؟ فيه روايتان
عن احمد ذكرهما ابن ابي موسى (احداهما) عليه كفارة لانه حلف بالعتق فيما لا يقع بالحنث فلزمته كفارة كما لو قال فلله علي ان أعتق فلانا (والثانية) لا كفارة عليه لانه حلف باخراج مال غيره فلم يلزمه شئ كما لو قال مال فلان صدقة إن دخلت الدار ولانه تعليق للعتق على صفة فلم تجب به كفارة كسائر التعليق، أما إذا قال لله علي ان أعتق عبدا فانه نذر فاوجب الكفارة بكون النذر كاليمين وتعليق العتق خلافه (فصل) وإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة أو فعلى فلان حجة أو فمال فلان حرام عليه
[ 195 ]
أو هو برئ من الاسلام وأشباه هذا فليس ذلك بيمين ولا تجب به كفارة لا نعلم بين أهل العلم فه خلافا لانه لم يرد الشرع فيه بكفارة ولا هو في معنى ما ورد الشرع به * (مسألة) * (وإن قال أيمان البيعة تلزمني فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال فان كان الحالف يعرفها ونواها انعقد يمينه بما فيها والا فلا شئ عليه، ويحتمل أن لا تنعقد إلا في الطلاق والعتاق) قال أبو عبد الله بن بطة كنت عند ابي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة فقال لست أفتي فيها بشئ ولا رأيت أحدا من شيوخنا يفتي في هذه اليمين قال وكان ابي رحمه الله يعني الحسين يهاب الكلام فيها، قال أبو القاسم إلا أن يلتزم الحالف بها بجميع ما فيها من الايمان فقال له السائل عرفها ام لم يعرفها؟ قال نعم وكانت اليمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة فلما ولي الحجاج رتبها ايمانا تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال فمن لم يعرفها لم تنعقد يمينه بشئ مما فيها لان هذا ليس بصريح في القسم والكناية لا تصح إلا بالنية ومن لم يعرف شيئا لم يصح أن ينويه وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم يصح أيضا لما ذكرناه ومن عرفها ونوى اليمين بما فيها انعقد في الطلاق والعتاق لان اليمين بها تنعقد بالكناية، وما عدا الطلاق والعتاق كاليمين بالله تعالى وصدقة المال فقال القاضي تنعقد يمينه ههنا أيضا لانها يمين فتنعقد بالكناية المنوية كالطلاق والعتاق وكما لو لفظ بكل واحدة وحدها وقال في موضع لا تنعقد اليمين بالله بالكناية، وهو مذهب الشافعي، لان الكفارة إنما وجبت
فيها لما ذكر فيها من اسم الله تعالى المعظم المحترم ولا يوجد ذلك في الكناية. * (مسألة) * (وان قال علي نذر أو يمين ان فعلت كذا وفعله فقال أصحابنا عليه كفارة يمين).
[ 196 ]
لما روى ابن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين " قال الترمذي هذا حديث صحيح. * (فصل) * في كفارة اليمين قال الشيخ رحمه الله: والاصل في كفارة اليمين الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون اهيكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) الآية، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك " في اخبار سوى هذا، واجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى. * (مسألة) * (وهي تجمع تخييرا وترتيبا فيخير بين ثلاثة أشياء اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة) لما ذكرنا في الآية. وقد سبق شرح العتق والاطعام في كفارة الظهار، كسوة المساكين للرجل ثوب يجزئه ان يصلي فيه وللمرأة درع وخمار ولا خلاف في أن كسوة أحد أصناف الكفارة لنص الله عليها في كتابه بقوله (أو كسوتهم) وتتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه على ما ذكرنا، وهذا قول مالك، وممن قال لا تجزئه السراويل وحدها الاوزاعي وأبو يوسف وقال ابراهيم ثوب جامع، وقال الحسن كل مسكين حلة ازار ورداء، وقال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وأصحاب الرأي يجزئه ثوب ثوب ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة، وروى الحسن قال تجزئ العمامة، وقال سعيد بن المسيب عباءة وعمامة، وفي القلنسوة وجهان، واحتجوا بان ذلك يقع عليه اسم الكسوة فأجزأ كالذي تجوز الصلاة فيه.
[ 197 ]
ولنا أن الكسوة أحد أنواع الكفارة فلم يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالاطعام والاعتاق ولان التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة فلم يجز فيه اقل مما ذكرناه كالصلاة ولانه مصروف للمساكين في الكفارة فيقدر كالاطعام، ولان اللابس ما لا يستر عورته يسمى عريانا فلم يجزئه لقول الله تعالى (أو كسوتهم) إذا ثبت هذا فانه إذا كسا امرأة اعطاها درعا وخمارا على ما ذكرنا لانه اقل ما يستر عورتها وتجزئها الصلاة فيه، وان اعطاها ثوبا واسعا يمكنها أن تستر به بدنها ورأسها أجزأه ذلك والرجل يجزئه إذا كساه ثوب أو قميص يمكنه ان يستر به عورته ويجعل على عاتقه منه شيئا أو ثوبين يأتزر باحدهما ويرتدي بالآخر، ولا يجزئه مئزر وحده ولا سراويل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يصلي احدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شئ " ويجوز ان يكسوهم من جميع أصناف الكسوة من القطن والكتان والصوف والشعر والوبر والخز والحرير، لان الله تعالى امر بكسوتهم ولم يعين جنسها فاي جنس كساهم منه خرج عن العهدة لوجود الكسوة المأمور بها، ويجوز ان يكسوهم جديدا ولبيسا إلا أن يكون قد بلي وذهبت منفعته فلا يجوز لانه معيب فهو كالحب المعيب والرقبة إذا ذهبت منفعتها وسواء كان ما أعطاهم مصبوغا أولا أو خاما أو مقصورا لانه تحصل به الكسوة المأمور بها والمنفعة المقصودة بها. (فصل) والذي تجزئ كسوتهم هم المساكين الذين يجزئ اطعامهم، لان الله تعالى قال (فاطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم) فينصرف الضمير إليهم. و * (مسألة) * (فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة ان شاء قبل الحنث وان شاء بعده ولا يجوز تقديمها على اليمين). إذا عجز عن العتق والاطعام والكسوة أجزأه صيام ثلاثة أيام للآية وقد ذكرنا صفة العجز
[ 198 ]
في كفارة الظهر في العجز عن الرقبة، ويشترط التتابع في صوم الايام الثلاثة وعنه لا يشترط لان الامر بصومها مطلق فلم يجز بغير دليل والاول ظاهر المذهب لان في قراءة أبي وابن مسعود (فصيام ثلاثة ايام متتابعات) والظاهر انهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون خبرا ولانه صوم في كفارة فلا ينتقل
عنه إلا بعد العجز عن العتق فوجب التتابع كصوم المظاهر. * (مسألة) * (وهو مخير في التكفير ان شاء قبل الحنث وان شاء بعده) سواء كان صوما أو غيره فيما سوى الظهار في قول اكثر اهل العلم منهم مالك وممن روي عنه تقديم التكفير على الحنث عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وسلمان الفارسي ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وابن سيرين وربيعة والاوزاعي والثوري وابن المبارك واسحاق وابو عبيد وأبو خيثمة وسليمان بن داود، وقال اصحاب الرأي لا تجزئ الكفارة قبل الحنث لانه تكفير قبل وجود سببه فاشبه ما لو كفر قبل اليمين، ودليل ذلك ان سبب التكفير الحنث وهو هتك الاسم المعظم المحترم ولم يوجد وقال الشافعي كقولك في الاعتاق والاطعام والكسوة وكقولهم في الصيام من أجل انه عبادة بدنية فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة كالصيام. ولنا ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير " رواه أبو داود وقد روى أبو هريرة وابو الدرداء وعدي بن حاتم رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، رواه الاثرم وعن ابي موسى عن النبي
[ 199 ]
صلى الله عليه وسلم انه قال " اني ان شاء الله لا احلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها لا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذى هو خير وكفرت عن يميني " رواه البخاري ولانه كفر بعد وجود السبب فأجزأ كما لو كفر بعد الجرح وقبل الزهوق والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وقوله سبحانه (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " وكفرت عن يميني فكفر عن يمينك " وتسمية الكفارة كفارة اليمين وبهذا ينفصل عما ذكروه وعلى هذا فالحنث شرط وليس بسبب، ولان تعجيل حق الله تعالى في المال بعد وجود سببه قبل وجود شرطه جائز بدليل تعجيل الزكاة بعد وجوب النصاب وقبل الحول وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق، قال ابن عبد البر العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تعجيل الزكاة من غير ان يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة وأبوا تقديم الكفارة ههنا مع كثرة الرواية الواردة فيها والحجة
في السنة ومن خالفها محجوج بها، فاما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالاحاديث مع انهم قد احتجوا بها في البعض وخالفوها في البعض، وفرقوا ما جمع بينه النص ولان الصيام نوع تكفير فجاز قبل الحنث كالتكفير بالمال، وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة باصل الوضع، أما تقديمها على اليمين فلا يجوز عند أحد من العلماء لانه تقديم للحكم قبل سببه فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب وكفارة القتل قبل الجرح. (فصل) والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة، وقال ابن أبي موسى بعده أفضل عند احمد وهو قول مالك والثوري والشافعي لما فيه من الخروج من الخلاف وحصول النفس ببراءة الذمة. ولنا ان الاحاديث الواردة فيه فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية، ولانه
[ 200 ]
تعجيل مال يجوز تعجيله قبل وجوبه فلم يكن التأخير أفضل كتعجيل الزكاة وكفارة القتل وما ذكروه معارض بتعجيل النفع للفقراء والتبرع بما لم يجب عليه، والخلاف المخالف لا يوجب تفضيل المجمع عليه كترك الجمع بين الصلاتين. (فصل) فان كان الحنث في اليمين محظورا فجعل الزكاة قبله ففيه وجهان (احدهما) يجزئه لانه عجل الكفارة قبل سببها فأجزأته كما لو كان الحنث مباحا (والثاني) لا يجزئه لان التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية والحديث لم يتناول المعصية فانه قال " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها " ولاصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا * (مسألة) * (ومن كرر ايمانا قبل التكفير فكفارة واحدة وعنه لكل يمين كفارة) وإذا كرر أيمانا قبل التكفير مثل ان قال والله لاغزون قريشا والله لاغزون قريشا والله لاغزون قريشا فحنث فليس عليه الا كفارة واحدة، وكذلك ان حلف بايمان كقوله والله وعهد الله وميثاقه وقدرته وكلامه وكبريائه على شئ واحد روي نحو هذا عن ابن عمر وبه قال الحسن وعروة واسحاق، وروي أيضا عن عطاء وعكرمة والنخعي وحماد والاوزاعي، وقال أبو عبيد فيمن قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته
ثم حنث فعليه ثلاث كفارات، وقال اصحاب الرأي عليه لكل يمين كفارة الا ان ينوي التأكيد أو التفهيم ونحوه عن الثوري وأبي ثور، وعن أحمد مثل ذلك وعن الشافعي قولان كالمذهبين، وعن عمرو بن دينار إن كان في مجلس واحد كقولنا وإن كان في مجالس كقولهم، واحتجوا بأن أسباب الكفارات تكررت فتكرر في الكفارات كالقتل لآدمي أو صيد حربي ولان اليمين الثانية مثل الاولى فتقتضي ما تقتضيه ولنا أنه حنث واحد أوجب جنسا واحدا من الكفارات فلم يجب به أكثر من كفارة كما
[ 201 ]
لو قصد التأكيد، قولهم انها اسباب تكررت ممنوع فان السبب الحنث وهو واحد سلمنا فينتقض بما إذا كرر الوطئ في رمضان في أيام وبالحدود إذا تكررت أسبابها، ولا يصح القياس على الصيد الحرمي لان الكفارة بدل ولذلك تزداد بكبر الصيد وتقدر بقدرة فهي كدية القتل ولا على كفارة قتل الآدمي لانها اجريت مجرى البدل أيضا لحق الله تعالى لانه لما اتلف آدميا عابدا لله تعالى ناسب ان يوجد عبدا يقوم مقامه في العبادة فلما عجز عن الايجاد لزمه اعتاق رقبة لان العتق ايجاد للعبد بتخليصه من رق العبودية وشغلها إلى فراغ البال للعبادة بالحريه التي حصلت بالاعتاق ثم الفرق ظاهر لان السبب ههنا تكرر بكماله وشروطه وفي محل النزاع لم يوجد ذلك لان الحنث، اما ان يكون هو السبب أو جزءا منه أو شرطا له بدليل توقف الحكم على وجوده وأياما كان فلم يتكرر فلم يجز وإن صح القياس فقياس كفارة اليمين على مثلها اولى من قياسها على القتل لبعد ما بينهما * (مسألة) * (والظاهر فيما إذا كرر الايمان انها ان كانت على فعل واحد فكفارة واحدة وان كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة) ولانها إذا كانت على فعل واحد كان سببها واحدا فالظاهر أنه اراد التوكيد لذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم " والله لاغزون قريشا " قالها ثلاثا وإن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفاره وهو ظاهر كلام الخرقي ورواه المروذي عن أحمد وهو قول أكثر اهل العلم وقال أبو بكر تجزئه كفارة واحدة رواها ابن منصور عن احمد قال القاضي هي الصحيحة وقال أبو بكر ما نقله المروذي عن أحمد قول لابي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه وهو قول اسحاق لانها كفارات من
[ 202 ]
جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد وان اختلفت محالها بان سرق من جماعة أو زنى بنساء ولنا أنهن ايمان لا يحنث في احداهن بالحنث في الاخرى فلم تكفر احداهما بكفارة الاخرى كما لو كفر عن احداهما قبل الحنث في الاخرى وكالايمان المختلفة الكفارة وبهذا فارق الايمان على شئ واحد فانه متى حنث في احداهما كان حانثا في الاخرى فلما كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة وههنا تعذر الحنث فتعذرت الكفارات، وفارق الحدود فانها وجبت للزجر وتندرئ بالشبهات بخلاف مسئلتنا ولان الحدود عقوبة بدنية والموالاة بينها ربما افضى إلى التلف فاجتزئ باحداها وههنا اخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام فلا يلزم الضرر الكبير بالموالاة فيه ولا يخشى منه التلف (فصل) إذا حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة فقال والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست فحنث في الجميع فكفارة واحدة لا نعلم فيه خلافا لان اليمين واحدة والحنث واحد فانه يحنث بفعل واحد من المحلوف عليه وتنحل يمينه، وإن حلف أيمانا على أجناس فقال والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في واحدة منها فعليه كفارة، فان أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى لا نعلم في هذا خلافا لان الحنث في الثاني تجب به الكفارة بعد ان كفر عن الاولى فاشبه ما لو وطئ في رمضان فكفر ثم وطئ مرة أخرى فان حنث في الجميع قبل التكفير ففيه روايتان ذكرناهما في المسألة قبل هذا الفصل * (مسألة) * (وان كانت الايمان مختلفة الكفارة كالظهار واليمين بالله فلكل يمين كفارتها مثل ان يحلف بالله تعالى وبالظهار وبعتق عبده فإذا وجبت فعليه كفارة يمين وكفارة ظهار ويعتق العبد)
[ 203 ]
لان تداخل الاحكام انما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس فأما الكفارات فمن أجناس وأسبابها مختلفة فلم تتداخل كحد الزنا والسرقة والقذف والشرب * (مسألة) * (وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه ومن بعضه حر فحكمه في الكفارة حكم الاحرار) لا خلاف في ان العبد يجزئه الصيام في الكفارة ولان ذلك فرض المعسر من الاحرار وهو
أحسن حالا من العبد فانه لم يملك في الجملة ولان العبد داخل في قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) (فصل) فان أذن السيد لعبده في التكفير بالمال لم يلزمه لانه ليس يملك لما أذن له فيه وهل يجزئه باذن السيد؟ فيه روايتان [ احداهما ] لا يجزئه وهو ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه الا الصيام [ والثانية ] يجزئه لان المنع لحق السيد وقد اذن اشبه ما لو اذن له ان يتصدق بالمال وقد ذكرنا ذلك في الظهار والاختلاف فيه، وذكر القاضي ان أصل هذين عنده الروايتان في ملك العبد بالتمليك فان قلنا يملك بالتمليك فملكه سيده وأذن له بالتكفير بالمال جاز لانه مالك لما يكفر به وإن قلنا لا يملك بالتمليك ففرضه الصيام لانه لا يملك شيئا يكفره، وكذلك ان قلنا انه يملك ولم يأذن له سيده في التكفير بالمال ففرضه الصيام وإن ملك لانه محجور عليه ممنوع من التصرف فيما في يديه قال أصحابنا يجعلون في العبد روايتين مطلقا سواء قلنا يملك أو لا يملك ثم على الرواية التي تجيز له التكفير بالمال له ان يطعم،
[ 204 ]
وهل له أن يعتق؟ على روايتين [ احداهما ] ليس له ذلك لان العتق يقتضي الولاء والولاية والارث وليس ذلك للعبد وهذا رواية عن مالك وبه قال الشافعي على القول الذي يجيز له التكفير بالمال أو الثانية له التكفير بالعتق لان من صح تكفيره بالمال صح تكفيره بالعتق كالحرية ولانه يملك العبد فصح تكفيره باعتاقه كالحر، وقولهم ان العتق يقتضي الولاء والولاية ممنوع إذا عتق في الكفارة على ما أسلفناه وإن سلمنا فتخلف بعض الاحكام لا يمنع ثبوت المقتضي فان الحكم يتخلف لتخلف سببه لا لتخلف أحكامه كما أنه يثبت لوجود سببه، ولان تخلف بعض الاحكام مع وجود المقتضي انما يكون لمانع ويجوز أن يختص المنع بها دون غيرها وهذا السبب المقتضي لهذه الاحكام ولا يمنع ثبوته تخلفها عنه في الرقيق على أن الولاء يثبت اعتاق العبد لكن لا يرث به كما لو اختلف ديناهما وهذا اختيار أبي بكر ويفرع عليه إذا أذن له سيده فأعتق نفسه ففيه قولان [ احدهما ] يجزئه لانه رقبة تجزئ عن غيره فأجزأت عنه كغيره [ والآخر ] لا يجزئه لان الاذن له في الاعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره وهذا التعليل يدل على
أن سيده إذا أذن له في اعتاق نفسه عن كفارته جاز ومتى اطلق الاذن في الاعتاق فليس له أن يعتق إلا أقل قبة تجزئ عن الواجب وليس له اعتاق نفسه إذا كان مما يجزئ وهذا من ابي بكر يقتضي أن لا يعتبر في التكفير أن يملكه سيده ما يكفر به لانه لا يملك نفسه بل متى أذن له في التكفير بالاطعام أو الاعتاق اجزأه لانه لو اعتبر التمليك لما صح له أن يعتق نفسه لانه لا يملكها ولان التمليك لا يكون إلا في معين فلا يصح ان يأذن فيه مطلقا
[ 205 ]
(فصل) إذا أعتق العبد عبدا عن كفارته باذن سيده وقلنا ان الاعتاق في الكفارة يثبت به الولاء، لمعتقه ثبت ولاؤه للعبد الذي اعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الولاء لمن أعتق " ويرث به لانه ليس من أهل الميراث وانتفاء الارث لا يمنع ثبوت الولاء كما لو اختلف ديناهما أو قتل المعتق عتيقه فانه لا يرثه مع ثبوت الولاية عليه فان عتق المعتق ورث بالولاء لزوال المانع كما إذا كانا مختلفي الدين فأسلم الكافر منها ذكر هذا طلحة العاقولي، ومقتضى هذا ان سيد العبد لا يرث عتيقه في حياة عبده كما لا يرث ولد عبده وان أعتق عبده ثم مات ورث السيد مولى عبده لانه مولى مولاه كما انه لو أعتق العبد وله ولد عليه الولاء لمولى امه يجر ولاءه ويرثه سيده إذا مات أبوه * (مسألة) * (وليس للسيد منع عبده من التكفير بالصيام سواء كان الحنث والحلف باذنه أو بغير اذنه وسواء أضربه الصيام أو لم يضربه) وقال الشافعي ان حنث بغير اذنه والصوم يضربه فله منعه لان السيد لم يأذن له فيما ألزم نفسه مما يتعلق به ضرر على السيد فكان له منعه وتحليله كما لو احرم بالحج بغير اذنه ولنا انه صوم واجب لحق الله تعالى فلم يكن لسيده منعه كصيام رمضان وقضائه، ويفارق الحج لان ضرره كثير لطول مدته وغيبته عن سيده وتفويت خدمته ولهذا ملك تحليل زوجته منه ولم يملك منعها صوم الكفارة، فأما صوم التطوع فان كان فيه ضرر عليه فللسيد منعه منه لانه يفوت حقه وليس بواجب عليه وان كان لا يضر به لم يكن لسيده منعه منه لانه يعبد ربه بما لا مضرة فيه فأشبه ذكر الله تعالى وصلاة النافلة في غير وقت خدمته، وللزوج منع زوجته منه في كل حال لانه يفوت حقه من
الاستمتاع ويمنعه منه
[ 206 ]
(فصل) ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الاحرار، متى ملك لجزئه الحر ما يكفر به لم يجز له الصيام وله التكفير بأحد الامور الثلاثة وظاهر كلام الشافعي ان له التكفير بالاطعام والكسوة دون الاعتاق لانه لا يثبت له الولاء ومنهم من قال لا يجزئه الا الصيام لانه منقوص بالرق اشبه القن ولنا قول الله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) وهذا واجد ولانه يملك ملكا تاما فأشبه الحر الكامل ولا نسلم أنه لا يثبت له الولاء ثم ان امتناع بعض احكامه لا يمنع صحته كعتق المسلم رقيقة الكافر [ فصل ] والكفارة في حق الحر والعبد والمسلم والكافر سواء لان الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ عام في جميع المخاطبين فدخل الكل في عمومه الا ان الكافر لا يصح منه التكفير بالصيام لانه عبادة وليس هو من أهلها ولا بالاعتاق لان من شرطه الايمان في الرقبة ولا يجوز لكافر شراء مسلم الا ان يتفق اسلامه في يديه أو يرث مسلما فيعتقه فيصح اعتاقه وان لم يتفق ذلك فتكفيره بالاطعام أو الكسوة فإذا كفر ثم أسلم لم تلزمه اعادة التكفير وإن أسلم قبل التكفير كفر بما يجب عليه في تلك الحال من اعتاق أو اطعام أو كسوة أو صيام ويحتمل على قول الخرقي انه لا يجزئه الصيام لانه انما يكفر بما وجب عليه حين الحنث ولم يكن الصيام مما وجب عليه [ فصل ] إذا حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني في يمينك لم يلزمه شئ لان يمين
[ 207 ]
الاول ليست ظرفا ليمين الثاني، وان نوى انه يلزمني من اليمين ما يلزمك لم يلزمه حكمها قاله القاضي وهو مذهب الشافعي لان اليمين بالله لا تنعقد بالكناية لان تعليق الكفارة بها لحرمة اللفظ باسم الله المحترم أو صفة من صفاته ولا يوجد ذلك بالكناية. فأما ان حلف بطلاق فقال آخر يميني في يمينك ينوي أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك انعقدت يمينه نص عليه أحمد وسئل عن رجل حلف بالطلاق لا يكلم رجلا فقال رجل وانا على مثل يمينك فقال عليه مثل الذي حلف لان الكناية تدخل في الطلاق، وكذلك يمين العتق وان لم ينو شيئا لم تنعقد يمينه لان الكناية لا تقبل بغير نية وليس قوله
هذا بصريح وان كان المقول له لم يحلف بعد وانما أراد انه يلزم الاخر يمينا يحلف بها فحلف المقول لم تنعقد يمين القائل وان كان في الطلاق والعتاق لانه لابد ان يكون هناك ما يكنى عنه وليس ههنا ما يكنى عنه (فصل) وإذا قال حلفت ولم يكن حلف فقال أحمد هي كذبة وليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لانه أقر على نفسه والاول المذهب لانه حكم فيما بينه وبين الله فان كذب في الخبر به لم يلزمه حكمه كما لو قال ما صليت وقد صلى، ولو قال علي يمين فهي كالتي قبلها وان نوى القسم فقال أبو الخطاب هي يمين وهو قول أصحاب الرأي وقال الشافعي ليس بيمين لانه لم يأت باسم الله المعظم ولا صفته فلم يكن يمينا كما لو قال حلفت وهذا أصح ان شاء الله تعالى فان هذه ليست صيغة اليمين والقسم وانما هي صيغة الخبر فلا يكون بها حالفا وان قدر ثبوت حكمها لزمه أقل ما تناوله الاسم وهو يمين ما وليست كل يمين موجبة للكفاره فلا يلزمه شئ، ووجه الاول انه كناية عن اليمين وقد نوى بها اليمين فتكون يمينا كالصريح [ فصل ] وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أمر بابرار المقسم أو القسم رواه البخاري وهذا والله
[ 208 ]
أعلم على سبيل الندب لا سبيل الايجاب بدليل ان أبا بكر رضي الله عنه قال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقسم يا أبا بكر " ولم يخبره ويحتمل ان يجب ابراره إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من ابرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه، وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " قال العباس أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في يده فقال " ابررت قسم عمي ولا هجرة " فأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه [ فصل ] وتستحب اجابة من حلف بالله لما روى ابن عمر قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فاعطوه ومن استجار بالله فاجيروه ومن أتى اليكم معروفا فكافئوه فان لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا ان قد كافأتموه " وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله: أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم
بقرابة بينه وبينهم فتخلف رجل باعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته الا الله عزوجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو كتابي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فاقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم " رواهما النسائي
[ 209 ]
* (باب جامع الايمان) * * (مسألة) * (ويرجع في الايمان إلى النية فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها) الايمان مبنية على نية الحالف فإذا نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له، فالموافق للظاهر ان ينوي باللفظ موضوعه الاصلي مثل ان ينوي باللفظ العام العموم وبالمطلق الاطلاق وبسائر الالفاظ ما يتبادر إلى الافهام منها. والحالف يتنوع أنواعا (احدها) ان ينوي بالعام الخاص مثل ان يحلف لا يأكل لحما ولا فاكهة يريد لحما بعينه وفاكهة بعينها (ومنها) ان يحلف على فعل شئ أو تركه مطلقا وينوي فعله أو تركه في وقت بعينه مثل أن يحلف لا يتغدى ويريد اليوم أولا أكلت يعني الساعة (ومنها) ان ينوي بيمينه غير ما يفهمه السامع منه كما ذكرنا في المعاريض في مسألة إذا تأول في يمينه فله تأويله (ومنها) أن يريد بالخاص العام مثل أن يحلف لا شربت لفلان الماء من العطش يعني قطع كل ماله فيه منة أو لا يأوي مع امرأته في دار يريد حفاءها بترك اجتماعه بها في جميع الدور أو حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يريد قطع منتها به فتعلق يمينه بالانتفاع به أو بثمنه منها مما لها فيه منة عليه وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا عبرة بالنية والسبب فيما يخالف لفظه لان الحنث مخالفة ما وقعت عليه اليمين واليمين لفظة فلو أحنثناه على ما سواه لاحنثناه على ما نوى لا على ما حلف ولان النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها ولنا انه نوى بكلامه ما يحتمل ويسوغ في اللغة التعبير عنه فتنصرف يمينه إليه كالمعاريض،
[ 210 ]
وبيان احتمال اللفظ له انه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام قال الله تعالى (ما يملكون
من قطمير - ولا يظلمون فتيلا - وإذا لا يؤتون الناس نقيرا) والقطمير لفافة النواة والفتيل ما في شقها والنقير النقرة التي في ظهرها ولم يرد ذلك بعينه بل نفى كل شئ، وقال الحطيئة يهيج بني العجلان: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * ولم يرد الحبة بعينها انما أراد لا يظلمونهم شيئا وقد يذكر العام ويراد به الخاص كقوله تعالى (الذين قال لهم الناس) أراد رجلا واحدا (ان الناس قد جمعوا لكم) يعني أبا سفيان وقال (تدمر كل شئ بأمر ربها) ولم تدمر السماء والارض ولا مساكنهم، وإذا احتمله اللفظ وجب صرف اليمين إليه إذا نواه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وانما لامرئ ما نوى " ولان كلام الشارع يحمل على مراده به إذا ثبت ذلك بالدليل فكذلك كلام غيره. قولهم ان الحنث مخالفة ما عقد اليمين عليه قلنا وهذا كذلك فان اليمين انما انعقدت على ما نواه ولفظه مصروف إليه وليست هذه نية مجردة بل لفظ منوي به ما يحتمله (فصل) ومن شرائط انصراف اللفظ إلى ما نواه احتمال اللفظ له فان نوى ما لا يحتمله اللفظ مثل أن يحلف لا يأكل خبزا يعنى به لا يدخل بيتا فان يمينه لا تنصرف إلى المنوي لانها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين * (مسألة) * [ فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها ] إذا عدمت البينة نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالتها على النية فإذا حلف ليقضينه حقه غدا فقضاه قبله لم يحنث إذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب لا يقتضيه وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد
[ 211 ]
وأبو ثور وقال الشافعي يحنث إذا قضاه قبله لانه يترك ما حلف عليه مختارف فحنث كما لو قضاه بعده ولنا ان مقضتى اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد فإذا قضاه قبله فقد قضي قبل خروج الغد وزاده خيرا ولان مبنى الايمان على هذا ونية هذا بيمينه تعجيل القضاء قبل خروجه فتعلقت يمينه بهذا المعنى كما لو صرح به، فان لم تكن له نية رجع إلى سبب اليمين فان كان يقتضي التعجيل فهو كما لو نواه لان السبب يدل على النية، وان لم ينو ذلك ولا كان السبب يقتضيه فظاهر كلام الخرقي انه لا يبر إلا بقضائه قبله وقال القاضي يبر على كل حال لان اليمين للحنث على الفعل فمتى
عجله فقد أتى بالمقصود فيه فيبر كما لو نوى ذلك، والاول أصح ان شاء الله تعالى لانه ترك فعل ما تناولته يمينه لفظا ولم تصرفها عنه نية ولا سبب فحنث كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجبا ويحتمل أن ما قاله القاضي في القضاء خاصة لان عرف هذه اليمين في القضاء التعجيل فتنصرف اليمين المطلقة إليه. [ فصل ] فأما غير قضاء الحق كأكل شئ أو شربه أو بيع شئ أو شرائه أو ضرب عبده أو نحوه فمتى عين وقتا ولم ينو ما يقتضي تعجيله ولا كان سبب يمينه يقتضيه لم يبر إلا بفعله في وقته، وذكر القاضي انه يبر بتعجيله عن وقته وحكي ذلك عن بعض أصحاب أبي حنيفة. ولنا انه لم يفعل المحلوف عليه في وقته من غير نية تصرف يمينه ولا سبب فيحنث كالصيام، ولو فعل بعض المحلوف عليه قبل وقته وبعضه في وقته لم يبر لان اليمين في الاثبات لا يبر فيها إلا بفعل جميع المحلوف عليه، فترك بعضه في وقته كترك جميعه إلا أن ينوي أن لا يجاوز ذلك الوقت أو يقتضي ذلك سببها.
[ 212 ]
* (مسألة) * (وان حلف أن لا يبيع ثوبه الا بمائة فباعه بأكثر لم يحنث ان باعه بأقل حنث) لان قصده أن لا يبيعه بأقل منها فحنث إذا باعه بالاقل ولا يحنث إذا باعه بأكثر لان قرينة الحال تدل على ذلك والعرف فهو كما لو حلف ليقضينه حقه غذا فقضاه اليوم، ومقتضى مذهب الشافعي انه يحنث إذا باعه بأكثر لمخالفته اللفظ * (مسألة) * (ومن حلف لا يبيع ثوبه بعشره فباعه بها أو بأقل حنث وان باعه بأكثر لم يحنث) وقال الشافعي لا يحنث إذا باعه بأقل لانه لم تتناوله يمينه ولنا ان العرف في هذا أن لا يبيعه بها ولا بأقل منها بدليل انه لو وكل في بيعه انسانا وأمره أن لا يبيعه بعشرة لم يكن له بيعه بأقل منها، وإن هذا تنبيه على امتناعه من بيعه بما دون العشرة والحكم يثبت بالتنبيه كثبوته باللفظ، وان حلف لا أشتريه بعشرة فاشتراه بأقل لم يحنث وان اشتراه بها أو باكثر منها حنث لما ذكرنا، ومقتضى مذهب الشافعي أن لا يحنث إذا اشتراه بأكثر منها لان يمينه لم تتناوله لفظا
ولنا انها تناولته عرفا وتنبيها فكان حانثا كما لو حلف أن ماله علي حبة فانه يحنث إذا كان عليه أكثر منها، قيل لاحمد رجل حلف لا ينقص هذا الثوب من كذا قال قد أخذته ولكن هب لي كذا؟ قال هذا حيلة، قيل له فان قال البائع أبيعك بكذا وأهب لفلان شيئا آخر؟ قال هذا كله ليس بشئ وكرهه. * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل دارا ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره)
[ 213 ]
لان قصده يتعلق باليوم فاختص الحنث بالدخول فيه دون غيره * (مسألة) * (وان دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إذا قصده لما ذكرنا) * (مسألة) * (وان حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع منته حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة) لان ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه كقول الله تعالى (ولا يظلمون فتيلا) يريد لا يظلمون شيئا وقال الشاعر: * ولا يظلمون الناس حبة خردل * * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس ثوبا من غزلها يقصد قطع منتها فباعه واشترى بثمنه ثوبا فلبسه حنث وكذلك ان انتفع بثمنه) هذه المسألة أصل فرع قد تقدم ذكره في أول الباب وهو ان الاسباب معتبرة في الايمان بتعدى الحكم بتعديها فإذا امتن عليه بثوب فحلف أن لا يلبسه لتنقطع المنة به حنث بالانتفاع به في غير اللبس لانه نوع انتفاع به تلحق المنة به، فان لم يقصد قطع المنة ولا كان سبب يمينه يقتضي ذلك لم يحنث الا بما تناولته يمينه وهو لبسه خاصة، فلو أبدله بثوب غيره ثم لبسه أو باعه وأخذ ثمنه لم يحنث لعدم تناول اليمين له لفظا ونية وسببا (فصل) فان فعل شيئا لها فيه منة عليه سوى الانتفاع بالثوب وبعوضه مثل ان سكن دارها أو أكل طعاما أو لبس ثوبها لها غير الثوب المحلوف عليه لم يحنث لان المحلوف عليه الثوب فتعلقت يمينه به أو بما حصل به فلم يتعد إلى غيره لاختصاص اليمين والسبب به
[ 214 ]
(فصل) وان امتنت امرأته عليه بثوب فحلف ان لا يلبسه قطعا لمنتها فاشتراه غيرها ثم كساه إياه أو اشتراه الحالف ولبسه على وجه لا منة لها فيه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث لمخالفته يمينه لفظا ولان لفظ الشارع إذا كان أعم من السبب وجب الاخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذا في اليمين ولانه لو خاصمته امرأة له فقال نسائي طوالق طلقن كلهن وان كان سبب الطلاق واحدة كذا ههنا (والثاني) لا يحنث لان السبب اقتضى تقييد لفظه بما وجد فيه السبب فصار كالمنوي أو كما لو خصصه بقرينة لفظية: * (مسألة) * (فان حلف لا يأوي معها في دار يرد جفاءها ولم يكن للدار سبب يهيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث) وهذه المسألة أيضا من فروع اعتبار النية وذلك أنه متى قصد جفاءها بترك الاوي معها ولم يكن للدار أثر في يمينه كان ذكر الدار كعدمه وكأنه حلف لا يأوي معها فإذا أوى معها في غيرها حنث لمخالفته ما حلف على تركه وصار هذا بمنزلة سؤال الاعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعت أهلي نهار رمضان فقال " اعتق رقبة " لما كان ذكره أهله لا أثر له في ايجاب الكفارة حذفناه من السبب وصار السبب الوقاع سواء كان للاهل أو لغيره، وان كان للدار أثر في يمينه مثل ان يكره سكناها أو خوصم من أجلها أو امتن عليه بها لم يحنث إذا أوى معها في غيرها لانه قصد بيمينه الجفاء في الدار بعينها فلم يخالف ما حلف عليه
[ 215 ]
وان عدم السبب والنية لم يحنث إلا بفعل ما تناوله لفظه وهو الاوي معها في تلك الدار بعينها لانه لم يجب اتباع لفظه إذا لم يكن سبب ولا نية تصرف اللفظ عن مقتضاه أو تقتضي زيادة عليه ومعنى الاوي الدخول فمن حلف لا يأوي معها فدخل معها الدار حنث قليلا كان لبثهما أو كثيرا قال الله تعالى مخبرا عن فتى موسى (إذ اوينا إلى الصخرة) قال أحمدكم كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله يقال اويت انا واويت غيري قال الله تعالى (إذ أوى الفتية إلى الكهف) وقال تعالى (وآويناهما إلى ربوة)
(فصل) وان برها بهدية أو غيرها أو اجتمع معها فيما ليس بدار ولا بيت لم يحنث سواء كان للدار سبب في يمينه أو لم يكن لانه قصد جفاءها بهذا النوع فلم يحنث بغيره فان حلف ان لا يأوي معها في دار لسبب فزال السبب الموجب ليمينه مثل ان كان السبب امتنانها بها عليه فملك الدار أو صارت لغيرها فأوى معها فيها فهل يحنث؟ على وجهين مضى ذكرهما وتعليلهما (فصل) وان حلف لا يدخل عليها بيتا فدخل عليها فيما ليس ببيت فحكمه حكم المسألة التي قبلها ان قصد جفاءها ولم يكن للبيت سبب هيج يمينه حنث والا فلا وان دخل على جماعة هي فيهم يقصد الدخول عليها معهم حنث وكذلك ان لم يقصد شيئا، وان استثناها بقلبه ففيه وجهان (أحدهما) لا يحنث كما لو حلف ان لا يسلم عليها فسلم على جماعة هي فيهم يقصد بقلبه السلام على غيرها فانه لا يحنث (والثاني) يحنث لان الدخول فعل لا يتميز فلا يصح تخصيصه بالقصد وقد وجد في حق الكل على السواء وهي منهم فحنث به كما لو لم يقصد استثناءها، وفارق السلام فانه قول يصح تخصيصه بالقصد ولهذا يصح ان يقال السلام عليكم الا فلانا ولان السلام قول يتناول ما يتناوله الضمير في عليكم
[ 216 ]
والضمير عام يصح ان يراد به الخاص فصح ان يراد به من سواها والفعل لا يتأتى فيه هذا وان دخل بيتا لم يعلم أنها فيه فوجدها فيه فهو كالدخول عليها ناسيا ففيه روياتان فان قلنا لا يحنث بذلك فخرج حين علم بها لم يحنث وكذلك ان حلف لا يدخل عليها فدخلت هي عليه فخرج في الحال لم يحنث وان اقام معها فهل يحنث؟ على وجهين بناء على من حلف لا يدخل دارا هو فيه فاستدام المقام فهل يحنث؟ على وجهين * (مسألة) * (وان حلف لعامل لا يخرج الا بأذنه فعزل أو على زوجته فطلقها أو على عبده فاعتقه ونحوه يريد ما دام كذلك انحلت يمينه وان لم تكن له نية انحلت يمينه أيضا) ذكره الخرقي لان الحال تصرف اليمين إليه وذكر في موضع آخر ان السبب إذا كان يقتضي التعميم عممناها به وان اقتضى الخصوص مثل من نذر لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال أحمد النذر يوفي به، قال شيخنا والاول اولى لان السبب يدل على النية فصار كالمنوي سواء، وان حلف لا رأيت منكرا الا رفعته إلى فلان القاضي فعزل انحلت يمينه ان نوى مادام قاضيا وان لم ينو
احتمل وجهين وقد ذكرنا في أول الباب ان النية إذا عدمت نظرنا في سبب اليمين وما أثارها لدلالته على النية فإذا حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار وكان سبب يمينه غيظا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منة عليه بها اختصت يمينه بها، وان كان لغيظ لحقه من المرأة يقتضي جفاءها لا أثر للدار فيه تعلق باويه معها في كل دار، ومثله إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها ان كان سببه المنة عليه منها فكيفما انتفع به أو بثمنه حنث، وان كان سبب يمينه خشونة غزلها أو رداءته لم تتعد يمينه لبسه وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه والسبب دليل على النية فيتعلق اليمين به وقد ثبت ان كلام الشارع إذا
[ 217 ]
كان خاصا في شئ لسبب عام تعدى إلى ما وجد فيه السبب لنصه على تحريم التفاضل في أعيان ستة ثبت الحكم في كل ما وجد فيه معناها كذلك في كلام الآدمي مثله، فاما ان كان اللفظ عاما والسبب خاصا مثل من دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى أو حلف ان لا يقعد فان كانت له نية فيمينه على ما نوى وان لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين (إحداهما) ان اليمين محمولة على العموم لان أحمد سئل عن رجل نذر لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال النذر يوفى به يعني لا يدخله. ووجه ذلك ان لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الاخذ بعوم اللفظ لا بخصوص السبب كذلك يمين الحالف وذكر القاضي فيمن حلف على زوجته أو عبده ان لا يخرج الا بأذنه فعتق العبد وطلقت المرأة وخرجا بغير أذنه لا يحنث لان قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وانما يملك منع الزوجة أو العبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكي، ولان السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم ولو نوى الخصوص لاختصت يمينه به فكذلك إذا وجد ما يدل عليها. ولو حلف لعامل لا يخرج الا باذنه فعزل أو حلف لا يرى منكرا الا رفعه إلى فلان القاضي فعزل ففيه وجهان بناء على ما تقدم (أحدهما) لا تنحل اليمين بعزله قال القاضي هذا قياس المذهب لان اليمين إذا تعلقت بيمين موصوفة تعلقت بالعين وان تغيرت الصفة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي (والوجه الآخر) تنحل اليمين بعزله وهو مذهب أبي حنيفة لانه لا يقال رفعه إليه الا في حال ولايته. فعلى هذا ان رأى المنكر في ولايته فامكنه رفعه فلم يرفعه إليه حتى عزل لم يبر برفعه إليه في حال العزل وهل يحنث بعزله؟ فيه وجهان
[ 218 ]
(أحدها) يحنث لانه قد فات رفعه إليه فاشبه ما لو مات (والثاني) لا يحنث لانه لم يتحقق فواته لاحتمال ان يلي فيرفعه إليه بخلاف ما لو مات فانه يحنث لانه قد تحقق فواته، وإن مات قبل إمكان رفعه إليه حنث أيضا لانه قد فات فاشبه ما لو حلف ليضر بن عبده في غد فمات العبد اليوم ويحتمل ان لا يحنث لانه لم يتمكن من فعل المحلوف عليه فاشبه المكره، وان قلنا لا تنحل يمينه فعزل فرفعه إليه بعد عزله بر بذلك (فصل) وان اختلف السبب والنية مثل ان امتنت عليه امرأته بغزلها فحلف ان لا يلبس ثوبا من غزلها ينوي اجتناب اللبس خاصة دون الانتفاع بثمنه وغيره قدمت النية على السبب وجها واحدا لان النية وافقت مقتضى اللفظ وان نوى بيمينه ثوبا واحدا فكذلك في ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي يقدم السبب لان اللفظ، ظاهر في العموم والسبب يؤكد ذلك الظاهر ويقويه لان السبب هو الامتنان وظاهر حاله قصد قطع المنة فلا يلتفت إلى نيته المخالفة للظاهرين والاول أصح لان السبب انما اعتبر لدلالته على القصد فإذا خالف حقيقة القصد لم يعتبر فكان وجوده كعدمه فلم يبق الا اللفظ بعمومه والنية تخصه على ما بيناه فيما مضى * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فان عدم ذلك رجع إلى التعيين - يعني إذا عدمت النية والسبب رجع إلى التعيين - فإذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاء أو حماما أو مسجدا أو باعها فلان، أو لالبست هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا أو امرأة فلان أو صديقة فلان أو غلامه سعدا فطلقت الزوجة وزالت الصداقة وعتق العبد فكلمهم، أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشا أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمرا أو دبسا أو خلا أو لا اكلت هذا اللبن فتغير أو عمل منه شئ فأكله حنث في ذلك كله ويحتمل أن لا يحنث)
[ 219 ]
وجملة ذلك أنه إذا حلف على شئ عينه بالاشارة مثل أن حلف لا يأكل هذا الرطب لم يخل من حالين (أحدهما) أن يأكله رطبا فيحنث بلا خلاف بين الجميع لكون فعل ما حلف على تركه صريحا (الثاني) أن تتغير صفته فذلك خمسة أقسام
(أحدها) أن تستحيل أجزاؤه ويتغير اسمه مثل ان حلف لا أكلت هذه البيضة فصارت فرخا أو لا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا فأكله فلا يحنث لانه زال اسمه واستحالت أجزاؤه وعلى قياسه لا شربت هذا الخمر فصار خلا وشربه (القسم الثاني) وتغيرت صفته وزال اسمه مع بقاء أجزائه مثل ان حلف لا أكلت هذا الرطب فصار تمرا، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا، أو لا أكلت هذا الحمل فصار كبشا، أو لا دخلت هذه الدار فدخلها بعد تغيرها (1) وقاله أبو يوسف في الحنطة إذا صارت دقيقا وللشافعي في الرطب إذا صار تمرا والصبي إذا صار شيخا والحمل إذا صار كبشا وجهان وقالوا في سائر الصور لا يحنث لان اسم المحلوف عليه وصورته زالت فلم يحنث كما لو حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا ولنا ان عين المحلوف عليه باقية فحنث كما لو حلف لا أكلت هذا الحمل فأكل لحمه أو لا لبست هذا الغزل فصار ثوبا ولبسه أو لا لبست هذا الرداء فلبسه بعد أن صار قميصا أو سراويل، وفارق البيضة إذا صارت فرخا لان أجزاءها استحالب فصارت عينا أخرى ولم تبق عينها ولانه لا اعتبار بالاسم مع التعيين كما لو حلف لا كلمت زيدا هذا فغير اسمه أو لا كلمت صاحب الطيلسان
(1) سقط من الاصل هنا كلام كثير يراجع في المغني
[ 220 ]
فكلمه بعد بيعه ولانه متى اجتمع التعيين مع غيره فما يعرف به كان الحكم للتعيين كما لو اجتمع مع الاضافة (القسم الثالث) تبدلت الاضافة مثل ان حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فعلق الزوجة وباع العبد والدار فكلمهما ودخل حنث وبه قال مالك والشافعي ومحمد وزفر، وقال أبو حنيفة وابو يوسف لا يحنث الا في الزوجة لان الدار لا توالى ولا تعادى وانما الامتناع لاجل مالكها فتعلقت اليمين بها مع بقاء ملكه عليه وكذلك العبد في الغالب ولنا أنه إذا اجتمع في اليمين التعيين والاضافة كان الحكم للتعيين كما لو قال والله لا كلمت زوجة فلان ولا صديقه. وما ذكروه لا يصح في العبد لانه يوالى ويعادي ويلزمه في الدار إذا أطلق ولم
يذكر مالكها فانه يحنث بدخولها بعد بيع مالكها اياها (القسم الرابع) إذا تغيرت صفته بما يزيل اسمه ثم عادت كمقص انكسر ثم أعيد وقلم كسر ثم بري وسفينة نقضت ثم أعيدت فانه يحنث لان أجزاءها واسمها موجودان فأشبه ما لو لم يتغير (القسم الخامس) إذا تغيرت صفته بما لا يزيل اسمه كلحم شوي وعبد بيع ورجل مرض فانه يحنث به بلا خلاف نعلمه لان الاسم الذي علق عليه اليمين لم يزل، ولا زال التغيير فحنث به كما لو لم يتغير حاله (فصل) وان قال والله لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح أو صديق عمرو أو مالك هذا الدار أو صاحب الطيلسان، أو لا كلمت هندا امرأة سعد أو صبيحا عبده أو عمرا صديقه ف؟ لق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا وكلمهم حنث لانه متى اجتمع الاسم والاضافة غلب الاسم بجريانه مجرى التعيين في تعريف المحل (فصل) ولو حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في حال حلفه فارتدى به أو اتزر أو اعتم به
[ 221 ]
أو جعله قميصا أو سراويل أو قباء فلبسه حنث، وكذلك ان كان قميصا فارتدى به أو سراويل فاتزر بها وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي لانه قد لبسه، وان قال في يمينه لا لبسته وهو رداء فغيره عن كونه رداء ولبسه لم يحنث لان اليمين وقعت على ترك لبسه رداء، وكذلك ان نوى بيمينه في شئ من هذه الاشياء مادام على تلك الصفة والاضافة وما لم يتغير في هذه المسائل المذكورة في هذا الفصل والذي قبله لقوله عليه السلام " وانما لا مرئ ما نوى) * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (فان عدم ذلك رجعنا إلى ما يتناوله الاسم. والاسماء تنقسم ثلاثة أقسام شرعية وحقيقية وعرفية) وجملة ذلك أن الاسماء تنقسم على ستة أقسام (أحدها) ماله مسمى واحد كالرجل والمرأة والانسان والحيوان فهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بيغر خلاف (والثاني) ماله موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والصلاة والطهارة والزكاة والصوم والحج والعمرة والبيع فهذا ينصرف اليمين عند الاطلاق إلى الموضوع الشرعي دون اللغوي لا نعلم أيضا فيه خلافا إلا ما ذكره فيما يأتي إن شاء الله
(الثالث) ماله موضوع حقيقي ومجاز لم يستعمل أكثر من الحقيقة كالاسد والبحر فيمين الحالف ينصرف عند الاطلاق إلى الحقيقة دون المجاز لان كلام الشارع إذا ورد مثل هذا حمل على حقيقته دون مجازه كذلك اليمين (الرابع) الاسماء العرفية، وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة فيه فهذا على ضروب (أحدها) ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالرواية وهي في العرف اسم للمزادة
[ 222 ]
وفي الحقيقة اسم لما يستقى عليه من الحيوانات، والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها، والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة، وفي الحقيقة العذرة فناء الدار ولذلك قال علي رضي الله عنه لقوم ما لكم لا تنظفون عذراتكم؟ يريد أفنيتكم، والغائط المطمئن من الارض. فهذا وأشباهه يصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لانه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره (الضرب الثاني) أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم الموضوع ويتنوع أنواعا نذكرها إن شاء الله في المسائل كادابة والريحان وغير ذلك * (فصل) * في الاسماء الشرعية، إذا حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا أو لا ينكح فنكح نكاحا فاسدا لم يحنث إلا أن يضيف اليمين إلى شئ لا تتصور فيه الصحة مثل أن يحلف أن لا يبيع الحر أو الخمر فيحنث بصورة البيع إذا حلف أن لا يبيع ولا ينكح انصرف إلى الصحيح دون الفاسد وبهذا قال الشافعي، وقال ابو حنيفة إذا قال لعبده ان زوجتك أو بعتك فأنت حر فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق، وان باعه بيعا فاسدا يملك به حنث لان البيع ينصرف إلى الصحيح بدليل قول الله تعالى (وأحل الله البيع) وأكثر ألفاظه في البيع انما تنصرف إلى الصحيح فلا يحنث بما دونه كما في النكاح وكالصلاة وغيرهما وما ذكروه من ثبوت الملك به ممنوع، وقال ابن أبي موسى لا يحنث بالنكاح الفاسد وهل يحنث بالبيع الفاسد؟ على
[ 223 ]
روايتين، وقال أبو الخطاب ان نكحها نكاحا مختلفا فيه مثل أن يتزوجها بلا ولي ولا شهود أو باع في وقت النداء فعلى وجهين، وقال ابن أبي موسى ان تزوجها زواجا مختلفا فيه أو ملك ملكا مختلفا فيه حنث فيهما جميعا ولنا أنه نكاح فاسد وبيع فاسد فلم يحنث بهما كالمتفق على فسادهما (فصل) والماضي والمستقبل سواء في هذا وقال محمد بن الحسن إذا حلف ما تزوجت ولا صليت ولا بعت وكان قد فعله فاسدا حنث لان الماضي لا يقصد منه الا الاسم والاسم يتناوله، والمستقبل بخلافه فانه يراد بالنكاح والبيع الملك وبالصلاة القربة ولنا أن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي وكغير المسمى وما ذكره لا يصح لان الاسم لا يتناول الا الشرعي ولا يحصل (فصل) فان حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار حنث، وقال أبو حنيفة لا يحنث لان الملك لا يثبت في مدة الخيار فأشبه البيع الفاسد ولنا أنه بيع صحيح شرعي فيحنث به كالبيع اللازم وما ذكره ممنوع فان بيع الخيار يثبت الملك به بعد انقضاء الخيار بالاتفاق وهو سبب له فكذلك قبله (فصل) وإن حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل المتزوج والمشتري لم يحنث وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان البيع والنكاح عقدان لا يتمان إلا بالقبول فلم يقع الاسم على الايجاب بدونه فلم يحنث به
[ 224 ]
(فصل) وإن أضاف اليمين في البيع والنكاح إلى ما تتصور فيه الصحة كالخمر والخنزير والحر حنث كصورة البيع لانه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح فتعين محملا له ويحتمل أن لا يحنث لانه ليس ببيع في الشرع * (مسألة) * (وذكر الفاضي فيمن قال لامرأته ان سرقت مني شيئا ويعينه فأنت طالق ففعلت لم تطلق) لان البيع الشرعي لم يوجد (1) والاول أولى لان صورة البيع وجدت
(فصل) وإن حلف لا يتزوج حنث بمجرد الايجاب والقبول الصحيح لا نعلم فيه خلافا لان ذلك يحصل به المسمى الشرعي فتناولته يمينه، وإن حلف ليتزوجن بر بذلك سواء كانت له امرأة أو لم تكن وسواء تزوج نظيرتها أو أعلى منها الا ان يحتال على حل يمينه بتزوج لا يحصل المقصود مثل ان يواطئ امرأته على نكاح لا يغيظها به فلا يبر وبهذا قال أصحابنا إذا حلف ليتزوجن على امرأته لا يبر حتى يتزوج نظيرتها ويدخل بها وهو قول مالك لانه قصد غيظ زوجته ولا يحصل الا بذلك ولنا أنه تزوج تزويجا صحيحا فبر به كما لو تزوج نظيرتها والدخول غير مسلم فان الغيظ يحصل بمجرد الخطبة وان حصل بما ذكروه زيادة في الغيظ فلا يلزمه الزيادة على الغيظ الذي يحصل بما تناولته يمينه كما أنه لا يلزمه نكاح اثنين ولا ثلاثة ولا أعلى من نظيرتها والذي تناولته يمينه مجرد التزويج ولذلك لو حلف لا يتزوج على امرأة حنث بهذا فكذلك يحصل البر به لان المسمى واحد فما تناوله النفي تناوله في الاثبات وانما لا يبر إذا زوج تزويجا لا يحصل به الغيظ كما ذكرناه من الصورة ونظائرها لان مبنى الايمان على المقاصد والنيات ولم يحصل مقصوده ولان التزويج يحصل ههنا حيلة على التخلص من
[ 225 ]
يمينه بما لا يحصل مقصودها فلم تقبل منه حيلته وقد نص أحمد على هذا فقال إذا حلف ليتزوجن على امرأته فتزوج بعجوز أو زنجية لا يبر لانه أراد ان يغيظها ويغيرها ويغمها وبهذا لا تغار ولا تغتم فعلله أحمد بما يغيظ به الزوجة ولان الغيظ لا يتوقف على ذلك، ولو قدر ان تزوج العجوز يغيظها والزنجية لبر به وانما ذكره أحمد لان الغالب أنه لا يغيظها لانها تعلم انه انما فعل ذلك حيلة لئلا يغيظها ويبر به (فصل) وإن حلف لا تسريت فوطئ جاريته حنث ذكره أبو الخطاب وقال القاضي لا يحنث حتى يطأ فينزل فحلا كان أو خصيا وقال أبو حنيفة لا يحنث حتى يحصنها ويحجبها عن الناس لان التسري مأخوذ من السر وهو الوطئ لانه يكون في السر قال الله تعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) وقال الشاعر: فلن تطلبوا سرها للغنى * ولن تسلموها لازهادها
وقال الآخر لقد زعمت بسباسة القوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ولان ذلك حكم تعلق بالوطئ فلم يعتبر فيه الانزال ولا التحصن كسائر الاحكام * (مسألة) * (إذا حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوما) هذا إذا لم يسم عددا ولم ينوه وأقل ذلك صوم يوم لا خلاف فيه لانه ليس في الشرع صوم مفردا أقل من يوم فلزمه لانه اليقين
[ 226 ]
* (مسألة) * (وإن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة) وفيه روايتان (احداهما) يجزئه ركعة نقلها اسماعيل بن سعيد لان أقل الصلاه ركعة فان الوتر صلاة مشروعة وهي ركعة واحدة وروي عن عمر رضي الله عنه انه تطوع بركعة واحدة (والثانية) لا يجزئه إلا ركعتان وبه قال أبو حنيفة لان اقل صلاة وجبت بالشرع ركعتان فوجب حمل اليمين عليه وقد قيل انما يجب ركعتان في النذر لانه واجب، أما الوتر فهو نفل ولان الركعة لا تجزئ في الفرض فلا تجزئ في النفل قياسا عليه وكالسجدة وللشافعي قولان كالروايتين وقال القاضي ان حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ من أقل ما يقع عليه اسم الصلاة على ما ذكرنا وإن حلف لا يصلي حنث بالتكبير وهذا اشبه ما إذا قال لزوجته ان حضت حيضة فأنت طالق فانها لا تطلق حتى تحيض ثم تطهر، ولو قال ان حضت طلقت بأول الحيض لانه إذا شرع في الصلاة يسمى مصليا. قال شيخنا: يحتمل أن يخرج على هذا الروايتين فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه (فصل) وإن حلف لا يهب زيدا شيئا ولا يوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث إذا حلف لا يهب زيدا شيئا أو لا يعيره فأوجب ذلك ولم يقبل زيد حنث ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة وابن شريح لان الهبة والعارية لا عوض فيهما فكان مسماهما الايجاب والقبول شرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيجب بمجرد الايجاب فيه كالوصية وقال الشافعي لا يحنث بمجرد الايجاب لانه عقد لا يتم الا بالقبول فلم يجب بمجرد الايجاب كالنكاح والبيع، فأما الهدية والوصية والصدقة
[ 227 ]
فتجب بمجرد الايجاب وذكره أبو الخطاب قال شيخنا ولا أعلم قولا للشافعي الا ان الظاهر انه لا يخالف في الوصية والهدية لان الاسم يقع عليها بدون القبول ولهذا لما قال الله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) إنما اراد الايجاب دون القبول ولان الوصية تصح قبل موت الموصي ولا قبول لها حينئذ * (مسألة) * (وإن حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث لان التصدق نوع من الهبة ولا يحنث الحالف على نوع آخر ولا يثبت للجنس حكم النوع ولهذا حرمت الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحرم الهبة ولا الهدية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به على بريرة " هو عليها صدقة ولنا هدية " وان حلف لا يهبه شيئا فأسقط عنه دينا لم يحنث الا ان ينوي لان الهبة تمليك عين وليس له الا دين في ذمته * (مسألة) * (وان حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث وكذلك ان اهدى له أو أعمره) لان ذلك من أنواع الهبة وان أعطاه من الصدقة الواجبة يحنث لان ذلك حق لله تعالى عليه يجب اخراجه فليس هو هبة منه فان تصدق عليه تطوعا حنث قال القاضي هو مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا يحنث وهو قول اصحاب الرأي لانهما يختلفان اسما وحكما بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " هو عليها صدقة ولنا هدية " وكانت الصدقة محرمة عليه والهدية حلال له ويقبل الهدية
[ 228 ]
ولا يقبل الصدقة ومع هذا الاختلاف لا يحنث في احدهما بفعل الآخر، ووجه الاول انه تبرع بعين في الحياة فحنث به كالهدية ولان الصدقة تسمى هبة فلو تصدق بدرهم قيل وهب درهما وتبرع بدرهم واختلاف التسمية لكون الصدقة نوعا من الهبة فتخص باسم دونها كاختصاص الهدية والعمرى باسمين ولم يخرجهما ذلك عن كونهما هبة وكذلك اختلاف الاحكام فانه قد يثبت للنوع ما لا يثبت للجنس كما يثبت للآدمي من الاحكام ما لا يثبت لمطلق الحيوان * (مسألة) * (وان أعاره لم يحنث الا عند ابي الخطاب)
لان العارية هبة المنفعة وقال القاضي لا يحنث وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح لان الهبة تمليك الاعيان وليس في العارية تمليك عين ولان المستعير لا يملك المنفعة وانما يستحقها ولهذا يملك المعير الرجوع ولا يملك المستعير اجارتها * (مسألة) * [ وان وقف عليه حنث قاله أبو الخطاب ] لانه تبرع له بعين في الحياة، ويحتمل ان لا يحنث لان الوقف لا يملك في رواية ولانه لا يطلق عليه اسم الهبة * (مسألة) * (وان وصى له لم يحنث) لان الهبة تمليك في الحياة والوصية انما تملك بالقبول بعد الموت. * (مسألة) * (وان باعه وحاباه حنث في أحد الوجهين).
[ 229 ]
لانه ترك له بعض المبيع بغير عوض أو هبة بعض الثمن، والوجه الآخر أنه لا يحنث وهو أولى لانها معاوضة يملك الشفيع أخذ جميع المبيع ولو كان هبة أو بعضه لم يملك أخذه كله وان أضافه لم يحنث لانه لا يملكه شيئا وانما اباحه الاكل ولهذا لا يملك التصرف بغيره. * (فصل) * قال رحمه الله (القسم الثاني الاسماء الحقيقية، فإذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الالية أو الدماغ أو القانصة لم يحنث) وجملة ذلك ان الحالف على أكل اللحم لا يحنث باكل ما ليس بلحم من الشحم والمخ وهو الذي في العظام والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ولا الكبد والطحال والرئة والقلب والكرش والمصران والقانصة ونحوها، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يحنث بأكل هذا كله لانه لحم حقيقة ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم فأشبه لحم الفخذ. ولنا أنه لا يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته، ولو أمر وكيله بشراء لحم فاشترى هذا لم يكن ممتثلا لامره ولا ينفذ الشراء للموكل فلم يحنث باكله كالبغل، وقد دل على أن الكبد والطحال ليسا لحما قول النبي صلى الله عليه وسلم " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الدمان فالكبد والطحال " ولا نسلم أنه لحم حقيقة
بل هو من الحيوان كالعظم والدم فأما ان قصد اجتناب الدسم حنث بأكل الشحم، لان له دسما وكذلك المخ وكل ما فيه دسم ولا يحنث بأكل الالية، قال بعض أصحاب الشافعي يحنث لانها نابتة في اللحم وتشبهه في الصلابه ولا يصح ذلك لانها لا تسمى لحما ولا يقصد منها ما يقصد منه وتخالفه
[ 230 ]
في اللون والذوب والطعم فلم يحنث بأكلها كشحم البطن فأما الذي على الظهر والجنب وفي تضاعيف اللحم فلا يحنث في أكله في ظاهر كلام الخرقي فانه قال اللحم لا يخلو من الشحم يشير إلى ما يخالط اللحم مما تذيبه النار وهذا كذلك وهو قول طلحة العاقولي وممن قال هذا شحم أبو يوسف ومحمد، وقال القاضي هو لحم يحنث باكله من حلف لا يأكل شحما وهو مذهب الشافعي لانه لا يسمى شحما ولا بائعه شحاما ولا يفرد عن اللحم مع الشحم ويسمى بائعه لحاما ويسمى لحما سمينا ولو وكل في شراء لحم فاشتراه الوكيل لزمه ولو اشتراه الوكيل في شراء الشحم لم يلزمه. ولنا قول الله تعالى (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) ولانه يشبه اللحم في صفته وذوبه ويسمى دهنا فكان شحما كالذي في البطن ولا نسلم أنه لا يسمى شحما ولا انه يسمى بمفرده لحما وانما يسمى اللحم الذي هو عليه لحما سمينا ولا يسمى بائعه شحاما لانه لا يباع بمفرده وإنما يباع تبعا للحم وهو تابع له في الوجود والبيع فلذلك سمي بائعه لحاما ولم يسم شحاما لانه سمي بما هو الاصل دون التبع. * (مسألة) * (وان أكل المرق لم يحنث). وقد قال أحمد لا يعجبني قال أبو الخطاب هذا على سبيل الورع وقال ابن موسى والقاضي يحنث لان المرق لا يخلو من اجزاء اللحم الذائبة فيه، وقد قيل المرق أحد اللحمين. ولنا انه ليس بلحم حقيقة ولا يطلق عليه اسم اللحم فلا يحنث به كالكبد ولا نسلم ان اجزاء اللحم
[ 231 ]
فيه وانما فيه ماء اللحم ودهنه وليس ذلك بلحم وأما المثل فانما اريد به المجاز كما في نظائره من قولهم الدعاء أحد الصدقتين وقلة العيال أحد اليسارين وهذا دليل على أنها ليست بلحم لانه جعلها
غير اللحم الحقيقي. (فصل) فان أكل رأسا أو كراعا لا يحنث إلا أن ينوي لا يشتري من الشاة شيئا، قال القاضي لان اطلاق اسم اللحم لا يتناول الرؤوس والكوارع، ولو وكله في شراء لحم فاشترى رأسا أو كارعا لم يلزمه ويسمى بائع ذلك رواسا ولا يسمى لحاما، وقال أبو الخطاب يحنث بأكل لحم الخد لانه لحم حقيقة وحكي عن ابن أبي موسى انه لا يحنث حتى ينويه باليمين، وان أكل اللسان احتمل وجهين [ أحدهما ] يحنث لانه لحم حقيقة [ والثاني ] لا يحنث لانه منفرد عن اللحم باسمه وصفته فأشبه القلب. * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث ]. ظاهر هذا أن الشحم كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان وهو ظاهر كلام الخرقي وظاهر الآية والعرف يشهد لذلك، وهو ظاهر قول ابي الخطاب وطلحة العاقولي، وهو قول ابي يوسف ومحمد ابن الحسن، وقال القاضي الشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره وان اكل من كل شئ من الشاة من لحمها الاحمر والابيض والالية والكبد والطحال والقلب فقال شيخنا يعني
[ 232 ]
ابن حامد لا يحنث لان اسم الشحم لا يقع عليه وهو قول ابي حنيفة والشافعي وقد سبق الكلام في ان شحم الظهر والجنب شحم فيحنث به، فأما ان أكل اللحم الاحمر وحده ولم يظهر فيه شئ من الشحم فقال الخرقي يحنث لانا قد ذكرنا ان الشحم كل ما يذوب بالنار ولا يكاد اللحم يخلو من شئ منه وان قل فيحنث به ولانه يظهر في الطبخ فيبين على وجه المرق وان قل وهذا يفارق من حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه ولا لونه فان هذا يظهر الدهن فيه، وقال غير الخرقي من أصحابنا لا يحنث وهو الصحيح لانه لا يسمى شحما ولا يظهر فيه طعمه ولا لونه والذي يظهر في المرق قد فارق اللحم فلا يحنث بأكل اللحم الذى كان فيه. (فصل) ويحنث بالاكل من الالية في ظاهر كلام الخرقي وموافقيه لانها دهن تذوب بالنار وتباع مع الشحم ولا تباع مع اللحم، وعلى قول القاضي وموافقيه ليست شحما ولا لحما فلا
يحنث به الحالف على تركهما. (فصل) إذا حلف لا يأكل لحما حنث باكل اللحم المحرم كالميتة والخنزير والمغصوب وبه قال ابو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحنث باكل اللحم المحرم باصله لان يمينه تنصرف إلى ما يحل دون ما يحرم فلا يحنث بما لا يحل كما لو حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا. ولنا ان هذا لحم حقيقة وعرفا فحنث به كالمغصوب وقد سماه الله تعالى لحما فقال (ولحم الخنزير)
[ 233 ]
وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبا فلبس ثوب حرير، واما البيع الفاسد فلا يحنث به لانه ليس ببيع في الحقيقة. * (مسألة) * (وان حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا أو سمنا أو كشكا أو بصلا أو جبنا لم يحنث وان حلف على الزبد والسمن فأكل لبنا لم يحنث) إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الانعام أو الصيد أو لبن آدمية حنث لان الاسم يتناوله حقيقة وعرفا وسواء كان حليبا أو رائبا أو مائعا أو مجمدا لان الجميع لبن. ولا يحنث بأكل الجبن والسمن والبصل والاقط والكشك، وان أكل زبدا فكذلك نص عليه وقال القاضي يحتمل ان يقال في الزبد ان ظهر فيه لبن حنث بأكله والا فلا كما لو حلف لا يأكل سمنا فأكل خبيصا فيه سمن وهذا مذهب الشافعي، وان حلف لا يأكل زبدا فأكل سمنا أو لبنا لم يظهر فيه الزبد لم يحنث وان كان الزبد فيه ظاهرا حنث وان أكل لبنا لم يحنث وكذلك سائر ما يصنع من اللبن سوى السمن لم يحنث وان أكل السمن منفردا أو في عصيدة أو حلواء أو طبيخ يظهر فيه طعمه حنث وكذلك إذا حلف لا يأكل لبنا فأكل طبيخا فيه لبن أو لا يأكل خلا فأكل طبيخا فيه خل يظهر فيه طعمه حنث وبهذا قال
[ 234 ]
الشافعي وقال بعض أصحابنا لا يحنث لانه لم يفرده بالاكل ولا يصح لانه أكل المحلوف عليه وأضاف إليه غيره فحنث كما لو أكله وأكل غيره * (مسألة) * (وان حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز واللوز والتمر والرمان
حنث وان أكل البطيخ حنث ويحتمل ان لا يحنث) إذا حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة وذلك كل ثمرة تخرج من الشجر يتفكه بها من العنب والرطب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش والاترج والتوت والنبق واللوز والجميز وبهذا قال الشافعي وأبويوسث ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة وأبو ثور لا يحنث باكل ثمرة النخل والرمان لقول الله تعالى (فيهما فاكهة ونخل ورمان) والمعطوف يغاير المعطوف عليه ولنا انها ثمرة شجرة يتفكه بها فكانا من الفاكهة كسائر الاثمار ولانهما فاكهة في عرف الناس ويسمى بائعهما فاكهانيا وموضع بيعهما دار الفاكهة والاصل في العرف الحقيقة والعطف لتشريفها وتخصيصهما كقوله تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) وهما من الملائكة، فأما يابس هذه الفواكه كالزبيب والتمر والتين والمشمش اليابس والاجاص ونحوها فهو من الفاكهة لانه ثمر شجرة يتفكه به ويحتمل انه ليس منها لانه يدخر ومنه ما يقتات فأشبه الحبوب، والزيتون ليس بفاكهة لانه لا يتفكه بأكله وانما المقصود منه الادم لا التفكه والبطم في معناه لان
[ 235 ]
المقصود زيته ويحتمل انه فاكهة لانه ثمر شجرة يؤكل غضا ويابسا على جهته اشبه التوت، والبلوط ليس بفاكهة لانه لا يتفكه به وانما يؤكل عند المجاعة أو للتداوي وكذلك سائر ثم الشجر البري الذي لا يستطاب كالزعرور الاحمر وثمر القيقب والعفص وحب الآس ونحوه ان كان فيها ما يستطاب كحب الصنوبر والبندق فهو فاكهة لانه ثمر شجرة يتفكه به وفي البطيخ وجهان (احدهما) هو من الفاكهة ذكره القاضي وهو قول الشافعي وأبي ثور لانه ينضج ويحلو اشبه ثمر الشجر (والثاني) لا يحنث بأكله لانه ثمر بقلة اشبه الخيار * (مسألة) * [ ولا يحنث بأكل القثاء والخيار ونحوه والقرع والباذنجان ] لانه من الخضر وليس من الفاكهة وكذلك ما يكون في الارض كالجزر واللفت والفجل والقلقاس والسوطل ونحوه، ليس شئ من ذلك فاكهة لانه لا يسمى بها ولا هو في معناها * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل رطبا فأكل مذنبا حنث ]
وهو الذي بدأ فيه الارطاب من ذنبه وباقيه بسر أو منصفا وهو الذي بعضه بسر وبعضه رطب أو حلف لا يأكل بسرا فأكل ذلك حنث وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد والشافعي وقال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي لا يحنث لانه لا يسمى رطبا ولا تمرا
[ 236 ]
ولنا انه أكل رطبا وبسرا فحنث كما لو أكل نصف رطبة ونصف بسرة منفردين وما ذكروه لا يصح فان القدر الذي ارطب رطب والباقي بسر ولو انه حلف لا يأكل البسر فأكل البسر الذي في المنصف حنث وان أكل البسر من يمينه على الرطب وأكل الرطب من يمينه على البسر لم يحنث واحد منهما وان حلف واحد ليأكلن رطبا وآخر ليأكلن بسرا فأكل الحالف على أكل الرطب ما في المنصف من الرطب وأكل الآخر باقيها برا جميعا وان حلف ليأكلن رطبة أو بسرة أو لا يأكل ذلك فأكل منصفا لم يبر ولم يحنث لانه ليس فيه رطبة ولا بسرة * (مسألة) * (وان أكل تمرا أو بسرا لم يحنث) لانه ليس برطب [ فصل ] وان حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث لانه لم يتناوله الاسم وكذلك لو أكل بسرا أو بلحا وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا [ فصل ] فان حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا أو دبسا أو خلا أو ناطفا أو لا يكلم شابا فكلم شيخا أو لا يشترى جديا فاشترى تيسا أو لا يضرب عبدا فضرب عتيقا لم يحنث بغير خلاف لان اليمين تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة فجرى مجرى قوله لا أكلت هذه التمرة فأكل غيرها فأما ان عين المحلوف عليه ففيه خلاف ذكرناه فيما مضى * (مسألة) * [ وان حلف لا يأكل ادما حنث باكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به وفي التمر وجهان ]
[ 237 ]
إذا حلف على ترك الادم حنث بأكل ما جرت العادة بأكل الخبز به لان هذا معنى التأدم وسواء في هذا ما يصطبغ به كالطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن قال الله تعالى (وصبغ
للآكلين) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم الادام الخل - وقال - ائتدموا بالزيت وادهنوا به فانه من شجرة مباركة " رواه ابن ماجه - أو من الجامدات كالشواء والجبن والباقلا والزيتون والبيض وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ما لا يصطبغ به فليس بأدم لان كل واحد منهما يرفع إلى الفم مفردا ولنا ما روي عن البني صلى الله عليه وسلم انه قال " سيد الادام اللحم - وقال - سيد أدمكم الملح " رواه ابن ماجه ولانه يؤكل به الخبز عادة فكان ادما كالذي يصطبغ به ولان كثير مما ذكرنا لا يؤكل في العادة وحده انما يعد للتأدم به فكان ادما كالخل واللبن وقولهم انه يرفع إلى الفم مفردا عنه جوابان (احدهما) ان منه ما يرفع مع الخبز كالملح ونحوه (والثاني) انهما يجتمعان في الفم والمضغ والبلع الذى هو حقيقة الاكل فلا يضر افتراقهما قبله وأما التمر ففيه وجهان (احدهما) انه أدم لما روى يوسف عن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع تمرة على كسرة وقال " هذا إدام هذه " رواه أبو داود وذكره الامام احمد (والثاني) ليس بأدم لانه
[ 238 ]
لا يؤتدم به عادة وانما يؤكل قوتا وحلاوة ولانه فاكهة فأشبه الزبيب [ فصل ] إذا حلف لا يأكل طعاما حنث بأكل كل ما يسمى طعاما من قوت وأدم وحلواء وجامع ومائع قال الله تعالى (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ما حرم اسرائيل على نفسه - وقال تعالى - ويطعمون الطعام على حبه) يعني على محبة الطعام وحاجتهم إليه وقيل على حب الله تعالى وقال تعالى (قل لاجد فيما أوحي الي محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما فقال " انما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم " وفي الماء وجهان (أحدهما) هو طعام لقوله تعالى (ومن لم يطعمه فانه مني) والطعام ما يطعم ولان النبي صلى الله عليه وسلم سمى اللبن طعاما وهو مشروب فكذلك الماء. [ والثاني ] ليس بطعام لانه لا يسمى طعاما ولا يفهم من اطلاقه اسم الطعام ولهذا يعطف عليه فيقال طعام وشراب وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب الا اللبن " رواه ابن ماجه ويقال باب
الاطعمة والاشربة ولانه إن كان طعاما في الحقيقة فليس بطعام في العرف فلا يحنث بشربه لان مبنى الايمان على العرف لكون الحالف في الغالب لا يريد بلفظه إلا ما يعرفه، فان أكل دواء ففيه وجهان:
[ 239 ]
(احدهما) يحنث لانه يطعم حال الاختيار وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يحنث لانه لا يدخل في إطلاق اسم الطعام ولا يوكل الا عند الضرورة، فان اكل من نبات الارض ما جرت العادة باكله حنث وان أكل ما لم تجر به عادة كورق الشجر ونشارة الخشب والتراب احتمل وجهين (احدهما) يحنث لانه قد اكله فأشبه ما جرت العادة باكله ولانه روي عن عتبة بن غزوان انه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى قرحت أشداقنا (والثاني) لا يحنث لانه لا يتناوله اسم الطعام في العرف (فصل) وان حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو تينا أو لحما أو لبنا حنث لان كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان، ويحتمل ان لا يحنث الا بما يقتاته أهل بلده لان يمينه تنصرف إلى القوت المتعارف عندهم وفي بلدهم ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين وان اكل سويقا أو استف دقيقا حنث لانه يقتات كذلك، ولهذا قال بعض اللصوص لا تخبزا خبزا وبسابسا * ولا تطيلا بمقام حبسا وان اكل حبا يقتات خبزه حنث ولذلك روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت عياله سنة وانما يريد الحب، ويحتمل ان لا يحنث لانه لا يقتات كذلك وان أكل عنبا أو حصرما أو خلا لم يحنث لانه لم يصر قوتا. * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس شيئا فلبس ثوبا أو درعا أو جوشنا أو خفا أو نعلا حنث) وكذلك ان لبس عمامة أو قلنسوة)
[ 240 ]
وقال أصحاب الشافعي في الخف والنعل وجهان (احدهما) لا يحنث ولنا انه ملبوس حقيقة وعرفا فحنث كالثياب وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه النجاشي خفين فلبسهما. وقيل لابن عمر: إنك تلبس هذه النعال فقال رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يلبسهما. فان ترك القلنسوة في رجله أو ادخل يده في الخف أو النعل لم يحنث لان ذلك ليس بلبسه لهما * (مسألة) * (وان حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث وان لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين) إذا حلف لا يلبس حليا فلبس حلية ذهب أو فضة حنث فان لبس خاتما من فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو جوهر وحده حنث وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لانه ليس بحلي وحده ولنا قول الله تعالى (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وقال تعالى [ يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمر انه قال: قال الله تعالى للبحر الشرقي إني جاعل فيك الحلية والصيد والطيب ولان الفضة حلي إذا كانت سوارا أو خلخالا فكانت حليا إذا كانت خاتما كالذهب والجوهر، واللؤلؤ حلي مع غيره فكان حليا وحده كالذهب وان لبس عقيقا أو سبجا لم يحنث
[ 241 ]
وقال الشافعي إن كان من اهل السواد حنث وفي غيرهم وجهان لان هذا حلي في عرفهم (ولنا) ان هذا ليس بحلي فلا يحنث به كالودع وخرز الزجاج وما ذكروه ويبطل بالودع، وان لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين (أحدهما) لا يحنث لانه ليس بحلي إذا لم يلبسه فكذلك إذا لبسه [ والثاني ] يحنث لانه ذهب وفضة لبسه فكان حليا كالسوار والخاتم وان لبس سيفا محلى لم يحنث لان السيف ليس بحلي، وان لبس منطقة محلاة ففيه وجهان [ أحدهما ] لا يحنث لان الحلية لها دونه فاشبهت السيف المحلى [ والثاني ] يحنث لانها من حلي الرجال ولا يقصد بلبسها محلاة في الغالب إلا التجمل بها، وان حلف لا يلبس خاتما فلبسه في غير الخنصر من أصابعه حنث وقال الشافعي لا يحنث لان اليمين تقتضي لبسا معتادا وليس هذا معتادا فأشبه ما لو أدخل القلنسوة في رجله ولنا انه لابس لما حلف على ترك لبسه فاشبه ما لو اتزر بالسراويل. وأما إدخال القلنسوة في رجله فهو عبث وسفه بخلاف هذا فانه لا فرق بين الخنصر وغيرها الا من حيث الاصطلاح على تخصيصه بالخنصر
[ 242 ]
* (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث وان ركب دابة استعارها لم يحنث) إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار مملوكة له أو دارا يسكنها باجرة أو عارية أو غصب حنث وبذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث الا بدخول دار يملكها لان الاضافة في الحقيقة إلى المالك بدليل أنه لو قال هذه الدار لفلان كان مقرا له بملكها ولو قال انه يسكنها لم يقبل ولنا أن الدار تضاف إلى ساكنها كاضافتها إلى مالكها قال الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وأراد بيوت أزواجهن اللائي يسكنها وقال تعالى (وقرن في بيوتكن) ولان الاضافة للاختصاص ولذلك يضاف الرجل إلى أخيه بالاخوة والى امه بالبنوة والى والده بالابوة والى امرأته بالزوجية وساكن الدار مختص بها فكانت إضافتها إليه صحيحة وهي مستعملة في العرف فوجب ان يحنث بدخولها كالمملوكة له، وقولهم هذه الاضافة مجاز ممنوع بل هي حقيقة لما ذكرناه ولو كانت مجازا لكنه مشهور فيتناوله اللفظ كما لو حلف لا شربت من رواية فلان فانه يحنث بالشرب من مزادته. أما الاقرار فانه لو قال هذه دار زيد وفسر إقراره بسكناها احتمل ان لا يقبل تفسيره، وان سلمنا
[ 243 ]
فان قرينة الاقرار تصرفه إلى الملك وكذلك لو حلف لا دخلت مسكن زيد حنث بدخوله الدار التي يسكنها، ولو قال هذا المسكن لزيد كان مقرا له به ولا خلاف في هذه المسألة وهي نظيرة مسئلتنا [ فصل ] وان ركب دابة عبده أو لبس ثوبه أو دخل داره حنث لان ما في يد العبد لسيده فهو كالذي في يده، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان دار العبد ملك للسيد فان حلف لا يلبس ثوب السيد ولا يركب دابته فلبس ثوب عبده وركب دابته حنث وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحنث لان العبد بهما أخص ولنا أنهما مملوكان للسيد فتناولتهما يمين الحالف كالدار وما ذكروه يبطل بالدار * (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استعارها لم يحنث وان ركب دابة استأجرها حنث)
لانه ملك منافعها بخلاف المستعير وهكذا ذكره أبو الخطاب ولو ركب دابة غصبها فلان لم يحنث، وفارق مسألة الدار فانه لم يحنث في الدار لكونه استعارها ولا غصبها وانما حنث لسكناه فيها فاضيفت الدار إليه لذلك ولو غصبها أو استعارها من غير ان يسكنها لم تصح إضافتها إليه فلا يحنث الحالف فيكون كمستعير الدابة وغاصبها * (مسألة) * (وان حلف لا يركب دابه عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث)
[ 244 ]
وكذلك ان حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يلبس ثوبه وعند الشافعي لا يحنث لانه لا يملك شيئا من ذلك والاضافة تقتضي الملك وقد قدمنا الكلام معه فيما مضى ويخص هذا الفصل بان الملكية لا تمكن ههنا فلا تصح الاضافة بمعناها فتعين حمل الاضافة ههنا على إضافة الاختصاص دون الملك * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث وان دخل طاق الباب احتمل وجهين) إذا حلف لا يدخل دارا فرقى سطحها حنث، وبه قال مالك وابو ثور واصحاب الرأي وقال الشافعي لا يحنث ولاصحابه فيما إذا كان السطح محجرا وجهان واحتجوا بان السطح يقيها الحر والبرد ويحرزها فهو كحيطانها، ولنا ان سطح الدار منها وحكمه حكمها فحنث بدخوله كالمحجر أو كما لو دخل بين حيطانها ودليل ذلك أن الاعتكاف يصح في سطح المسجد ويمنع الجنب من اللبث فيه، ولو حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها لم يبر ولو حلف ان لا يخرج منها فصعد سطحها لم يحنث، ولانه داخل في حدود الدار ومملوك لصاحبها ويملك بشرائها ويخرج منها من ملك صاحبها ببيعها، والبائت عليه يقال بات في داره وبهذا يفارق ما وراء حائطها، فان كان في اليمين قرينة لفظية أو حالية تقتضي اختصاص الارادة بداخل الدار مثل ان يكون بسطح الدار طريق وسبب يمينه يقتضي ترك وصلة أهل الدار لم يحنث بالمرور على سطحها وكذلك
[ 245 ]
ان نوى بيمينه باطن الدار تقيدت يمينه بما نواه لانه ليس المرء الا ما نواه، وان دخل طلق الباب احتمل وجهين (أحدهما) يحنث لانه دخل في حدها (والثاني) لا يحنث لانه لا يسمى داخلا وقال
القاضي إذا قام على العتبة لم يحنث لان الباب إذا أغلق حصل خارجا منها ولا يسمى داخلا فيها (فصل) فان تعلق بغصن شجرة في الدار لم يحنث لانه لم يدخلها فان صعد حتى صار في مقابلة سطحها بين حيطانها حنث وان لم ينزل بين حيطانها احتمل ان لا يحنث لانه في هوائها وهواؤها ملك لصاحبها فاشبه ما لو قام على سطحها واحتمل ان لا يحنث لانه لا يسمى داخلا ولا هو على شئ من اجزائها وكذلك لو كانت الشجرة في غير الدار فتعلق بفرع ماد على الدار في مقابلة سطحها وان قام على حائط احتمل وجهين (أحدهما) يحنث وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لانه داخل في حدها فاشبه القائم على سطحها (والثاني) لا يحنث لانه لا يسمى دخولا (فصل) وان حلف لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا أو ماشيا أو حافيا أو منتعلا حنث كما لو حلف لا يدخلها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور ان دخلها راكبا لم يحنث لانه لم يضع قدمه فيها ولنا أنه قد دخل الدار فيحنث كما لو دخلها ماشيا ولا نسلم أنه لم يضع قدمه فيها فان قدمه
[ 246 ]
موضوعة على الدابة فيها فاشبه ما لو دخلها منتعلا وعلى ان هذا في العرف عبارة عن اجتناب الدخول فتحمل عليه يمينه، فان قيل هذا مجاز لا يحمل اليمين عليه قلنا المجاز إذا اشتهر صار من الاسماء العرفية فينصرف اللفظ باطلاقه إليه كلفظ الرواية والدابة وغيرهما * (مسألة) * (وان حلف لا يكلم انسانا حنث بكلام كل انسان - لانه فعل المحلوف عليه - فان زجره فقال تنح أو اسكت حنث) لانه كلمه وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحنث بالقليل لان هذا تمام الكلام الاول والذي يقتضيه يمينه ان لا يكلمه كلاما مستأنفا ولنا ان هذا القليل كلام منه له حقيقة وقد وجد بعد يمينه فيحنث به كما لو فصله ولان ما يحنث به إذا فصله يحنث به إذا وصله كالكبير، وقولهم ان اليمين تقتضي خطابا مستأنفا قلنا هذا خطاب مستأنف وهو غير الاول بدليل أنه لو قطعه حنث به قال شيخنا وقياس المذهب ان لا يحنث لان قرينة صلته
هذا الكلام بيمينه تدل على ارادة كلام يستأنفه بعد انقضاء هذا الكلام المتصل فلم يحنث كما لو وجدت النية حقيقة ولو نوى كلاما غير هذا لم يحنث بهذا في المذهبين (فصل) فان صلى بالمحلوف عليه إماما ثم سلم من الصلاة لم يحنث نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي يحنث لانه شرع له ان ينوي السلام على الحاضرين
[ 247 ]
ولنا أنه قول مشروع في الصلاة فلم يحنث به كتكبيرها وليست نية الحاضرين بسلامه واجبة في السلام وان أرتج عليه في الصلاة ففتح عليه الحالف لم يحنث لان ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين * (مسألة) * (وان حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معا حنث) لان كل واحد منهما مبتدئ إذ لم يتقدم كلامه كلام سواه (فصل) وان كاتبه أو أرسل إليه رسولا حنث الا ان يكون اراد ان لا يشافهه وهذا قول الاصحاب ومذهب مالك والشافعي في القديم وقد روى الاثرم وغيره عن أحمد في رجل حلف ان لا يكلم رجلا فكتب إليه كتابا فقال وأي شئ كان سبب ذلك؟ انما ننظر إلى سبب يمينه ولم حلف؟ ان الكتاب يجري مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام في بعض الحالات وهذا يدل على أنه لا يحنث بالكتاب الا ان تكون نيته أو سبب يمينه يقتضي هجرانه وترك صلته فان لم يكن كذلك لم يحنث بكتاب ولا رسول لان ذلك ليس بتكليم في الحقيقة وهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته انما كاتبته أو راسلته ولذلك قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله - وقال - يا موسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل ولم يختص بكونه كليم الله ونجيه، وقد قال أحمد حين مات بشر الحافي لقد كان فيه أنس
[ 248 ]
وما كلمته قط وقد كانت بينهما مراسلة وممن قال لا يحنث بهذا الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في الجديد، واحتج اصحابنا بقول الله تعالى (وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) فاستثنى الرسول من التكلم والاصل ان يكون المستثنى من جنس
المستثنى منه ولانه موضوع لافهام الآدميين أشبه الخطاب والصحيح ان هذا ليس بتكليم وهذا الاستثناء من غير الجنس كما قال في الآية الاخرى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا) والرمز ليس بتكليم لكن ان نوى ترك مواصلته أو كان سبب يمينه يقتضي هجرانه حنث ولذلك قال أحمد الكتاب يجرى مجرى الكلام وقد يكون بمنزلة الكلام فلم يجعله كلاما انما قال هو بمنزلته في بعض الحالات إذا كان السبب يقتضي ذلك وان اطلق احتمل ان لا يحنث لانه لم يكلمه واحتمل ان يحنث لان الغالب من الحالف بهذه اليمين قصد المواصلة فتعلق يمينه بما يراد في الغالب (فصل) وان اشار إليه ففيه وجهان (أحدهما) يحنث قاله القاضي لانه ليس بكلامه قال الله تعالى لمريم عليها السلام (فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا - إلى قوله - فاشارت إليه) وقال في زكريا (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا - إلى قوله - فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشيا) ولان الكلام حروف وأصوات ولا يوجد في الاشارة ولان
[ 249 ]
الكلام شئ مسموع وتبطل به الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " والاشارة خلاف هذا، فان قيل فقد قال الله تعالى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) قلنا هذا استثناء من غير الجنس بدليل ما ذكرنا ولصحة نفيه عنه فيقال ما كلمه وإنما أشار إليه. (فصل) فان ناداه بحيث يسمع فلم يسمع لتشاغله أو غفلته حنث نص عليه أحمد فانه سئل عن رجل حلف ان لا يكلم انسانا فناداه والمحلوف عليه لا يس؟ ع قال يحنث وهذا لكون ذلك يسمى تكليما يقال فلم يسمع (فصل) وان سلم على المحلوف عليه حنث لان السلام كلام تبطل به الصلاة فحنث به كغيره من الكلام * (مسألة) * (وان حلف لا يكلمه حينا فذلك ستة أشهر نص عليه) وجملة ذلك انه إذا حلف لا يكلمه حينا فقيد ذلك بلفظه أو نيته بزمن تقيد به وان اطلق انصرف
[ 250 ]
إلى ستة أشهر روي ذلك عن ابن عباس وبه قال أصحاب الرأي وقال مجاهد والحكم وحماد ومالك هو سنة لقوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) اي كل عام وقال الشافعي وأبو ثور ليس هو مقدرا ويبر بادنى زمن لان الحين اسم مبهم يقع على الكثير والقليل، قال الله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) قيل اراد يوم القيامة، وقال (هل أتى على الانسان حين من الدهر؟ - وقال - فذرهم في غمرتهم حتى حين - وقال - حين تمسون وحين تصبحون) ويقال جئت منذ حين وإن كان اتاه من ساعة ولنا ان الحين المطلق في كلام الله تعالى اقله ستة اشهر قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) إنه ستة أشهر فيحمل مطلق كلام الآدمي على مطلق كلام الله تعالى ولانه قول ابن عباس ولا نعلم له في الصحابة مخالفا وما استشهدوا به من المطلق في كلام الله تعالى فما ذكرناه أقله فيحمل عليه لانه اليقين * (مسألة) * (وان قال زمنا أو دهرا أو بعيدا أو مليا أو الزمان رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ) وكذلك وقتا أو طويلا أو بعيدا أو قريبا في قول أبي الخطاب وهو مذهب الشافعي لان هذه الاشياء لا حد لها في اللغة وتقع على القليل والكثير فوجب حمله على أقل ما تناوله اسمه وقد يكون القريب بعيدا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه أو قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه ولا يجوز التحديد بالتحكم
[ 251 ]
وانما يصار إليه بالتوقيف ولا توقيف ههنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما تناوله الاسم وقال ابن أبي موسى الزمان ثلاثة أشهر وقيل هو كالابد والدهر وهو اقيس لانه بالالف واللام فهو على معناهما وقال طلحة العاقولي: الحين والعمر والزمان واحد لانهم لا يفرقون في العادة بينها والناس يقصدون بذلك البعيد فلو حمل على القليل حمل على خلاف قصد الحالف، ودهر يحتمل أنه كالحين أيضا لهذا المعنى وقال في بعيد وطويل وملي هو على أكثر من شهر وهذا قول أبي حنيفة لان ذلك ضد القليل فلا يجوز حمله على ضده * (مسألة) * (وان قال عمرا احتمل أنه كذلك واحتمل أن يكون أربعين عاما)
واحتمل ان يكون كالحين وهو قول طلحة العاقولي واحتمل ان يكون أربعين عاما لقول الله تعالى (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) وكان ذلك أربعين سنة فيجب حمل الكلام عليه ولان العمر في الغالب لا يكون الا مدة طويلة فلا يحمل على خلاف ذلك وهذا قول حسن قاله شيخنا وقال القاضي هذه الالفاظ كلها مثل الحين قياسا الا بعيدا ومليا فانه على أكثر من شهر لانه يقتضي البعيد * (مسألة) * (وان قال الابد والدهر فذلك على الزمان كله) لان الالف واللام للاستغراق تقتضي الدهر كله وكذلك الزمان في الصحيح وقد ذكرناه
[ 252 ]
* (مسألة) * (والحقب ثمانون عاما وقال مالك أربعون يوما) لان ذلك يروى عن ابن عباس وقال القاضي وأصحاب الشافعي هو أدنى زمان لانه لم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) الحقب ثمانون سنة وما ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لا يصح لان قول ابن عباس حجة لان ما ذكروه يفضي إلى حمل كلام الله تعالى (لابثين فيها أحقابا - وقول موسى - أو أمضي حقبا) إلى اللكنة لانه أخرج ذلك مخرج التكثير فإذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضي لحظات أو ساعات صار مقتضى ذلك التقليل وهو ضد ما أراد الله تعالى بكلامه وضد المفهوم منه ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به * (مسألة) * والشهور اثنا عشر عند القاضي وعند أبي الخطاب ثلاثة كالاشهر) أما الاشهر فهي ثلاثة لانها أقل الجمع وأما الشهور فاختار أبو الخطاب أنها ثلاثة أيضا لذلك ولان جمع الكثرة يستعمل بمعنى القلة كقوله تعالى (ثلاثة قروء) وقال القاضي وغيره هي اثنا عشر شهرا ولان الشهور جمع الكثرة وأقله عشرة فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة * (مسألة) * (والايام ثلاثة) لانها أقل الجمع قال الله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق)
[ 253 ]
(فصل) وان حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يكن له ان يتكلم في الايام التي بين الليالي ولا في الليالي التي بين الايام الا ان ينوي قال الله تعالى (آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام الا رمزا) وفي موضع آخر ثلاث ليال سويا فكان كل واحد من اللفظين عبارة عن الزمانين جميعا وقال تعالى (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر) فدخل فيه الليل والنهار * (مسألة) * (وان حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث) إذا حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من غير الباب لم يحنث لان يمينه لم تتناول غير الباب ويتخرج ان يحنث إذا أراد بيمينه اجتناب الدار ولم يكن الباب سبب هيج يمينه كما لو حلف لا يأوي مع زوجته في دار فاوى معها في غيرها وان حول بابها إلى مكان آخر فدخل منه حنث لانه دخلها من بابها وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي. وان حلف لا دخلت من باب هذه الدار فكذلك وان جعل لها باب آخر مع بقاء الاول فدخل منه حنث لانه دخل من باب الدار وان قلع الباب ونصب في دار أخرى وبقي الممر حنث بدخوله ولم يحنث بالدخول من الموضع الذي نصب فيه الباب لان الدخول في الممر لا من المصراع * (مسألة) * (وان حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه باوله)