الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 682 ه كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الثاني عشر (وبه تم الكتاب) دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشهادات والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء - وقال سبحانه - وأشهدوا ذوي عدل منكم - وقال عزوجل - وأشهدوا إذا تبايعتم) وأما السنة فروى وائل بن حجر رضي الله عنه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يارسول الله ان هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي (ألك بينة؟ - فقال لا قال - فلك يمينه) قال يارسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ قال (ليس لك منه إلا ذلك) قال فانطلق الرجل ليحلف له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لان حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى محمد بن عبد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان
[ 3 ]
النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) قال الترمذي هذا حديث في اسناده
مقال والعزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغير الا ان أهل العلم أجمعوا على هذا قال قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم ولان العبرة تقتضي مشروعية الشهادة فان الحاجة داعية إليها لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها قال شريح القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فافرغ الشفاء على الداء، واشتقاق الشهادة من المشاهدة لان الشاهد يخبر عما شاهده، وقيل لان الشاهد يخبره ويجعل الحاكم كالشاهد للمشهود عليه وتسمى بينة لانها تبين ما التبس وتكشف الحق في المختلف فيه (مسألة) (تحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وان لم يقم بها أحد تعينت على من وجد لقول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقال - ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه) وإنما خص القلب بالاثم لانه موضع العلم بها ولان الشهادة امانة فلزم اداؤها كسائر الامانات وقال اله تعالى (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها) إذا ثبت هذا فإذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو عدة لزمته الاجابة قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) فان قام بافرض في التحمل والاداء اثنان سقط عن الجميع، وان امتنع الكل اثموا، وإنما يأثم
[ 4 ]
الممتنع إذا لم عليه ضرر وكانت شهادته تنفع، فان كان عليه ضرر في التحمل أو الاداء أو كان ممن لاتقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم تلزمه لقول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وإنه لا يلزمه ان يضر نفسه لنفع غيره وإذا كان ممن لا تقبل شادته لم تجب عليه لان مقصود الشهادة لا يحصل منه وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه؟ فيه وجهان (أحدهما) يأثم لانه قد تعين بدعاية ولانه منهي عن الامتناع بقوله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (والثاني) لا يأثم لان غيره يقوم مقامه فلم تتعين في حقه كما لو لم يدع إليها فاما قول الله تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) فقد قرئ بالقتح والرفع فمن رفع فهو خبر معناه النهي ويحتمل معنيين (احدهما) ان يكون الكاتب فاعلا اي لا يضر الكاتب والشهيد من
يدعوه بالا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد بما لم يستشهد (والثاني) ان يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما (مسألة) (قال الخرقي ومن لزمته الشهادة فعليه ان يقوم بها على القريب والبعيد ولا يسعه التخلف عن اقامتها وهو قادر على ذلك) قد ذكرنا ان الشهادة من فروض الكفايات فان تعينت عليه بان لا يتحملها من يكفي فيها سواه لزمه القيام بها، وان قام بها من يكفي غيره سقط عنه اداؤها إذا قبلها الحاكم فان كان تحملها
[ 5 ]
جماعة فأداؤها واجب على الكل إذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات ودليل وجوبها قول الله تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا - وقوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط - وفي آية أخرى - كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) ولان الشهادة أمانة فلزمه اداؤها كالوديعة (مسألة) (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الاجرة عليها ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين) من له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لانها اداء فرض فان فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا، وان لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذ الجعل لان النفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الامرين فان تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك ايضا واحتمل ألا يجوز لئلا يأخذ العوض عن اداء فروض الاعيان وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أخذ الاجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره؟ على وجهين (مسألة) (ومن كانت عنده شهادة في حد لله تعالى أبيح اقامتها ولم يستحب وللحاكم ان يعرض له بالوقوف عنها في أحد الوجهين)
[ 6 ]
يجوز للشاهد اقامة الشهادة في حدود الله تعالى من غير تقدم دعوى لان ابا بكرة واصحابه شهدوا على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فاجيزت شهادتهم. ولا يستحب اداؤها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ستر عورة ستره الله في الدنيا والآخرة) وللحاكم ان يعرض للشاهد بالوقوف عن الشهادة في اظهر الروايتين لما روى صالح في مسائله عن أبي عثمان النهدي قال جاء رجل إلى عمر فشهد على المغيرة بن شعبة فتغير لون عمر ثم جاء آخر فشهد فاستنكر ذلك ثم جاء شاب يخطر بيديه فقال عمر ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح به عمر صيحة فقال أبو عثمان والله لقد كدت ان يغشى علي فقال يا أمير المؤمنين رأيت أمرا قبيحا فقال الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان باصحاب محمد فأمر باولئك النفر فجلدوا وفي رواية أنه لما شهد عنده على المغيرة شهد ثلاثة وبقي واحد فقال عمر أرى شابا حسنا وارجو ان لا يفضح الله على لسانه رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهذا تعريض ظاهر (مسألة) (ومن كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله فان لم يعلمها استحب له إعلامه بها وله اقامتها قبل ذلك) إذا كان المشهود له يعلم له شهادة عند انسان لم يقمها الشاهد حتى يسأله صاحبها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون ويشهدون
[ 7 ]
ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون) رواه البخاري فان كان لا يعلمها استجب له إعلام صاحبها بها كالوديعة وله اداؤها قبل اعلامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الا انبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل ان يسألها) رواه أبو داود فيتعين حمل الحديث على هذه الصورة جمعا بين الخبرين (مسألة) (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع) وجملة ذلك ان الشهادة لا تجوز إلا بما يعلمه بدليل قول الله تعلى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا) وتخصيص هذه الثلاثة بالسؤال لان العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر لان مدرك
الشهادة الرؤية والسماع وهما بالبصر وقد روي عن ابن عباس انه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة قال (هل ترى المشس؟) قال نعم قال (على مثلها فاشهد أو دع) رواه الخلال باسناده في جامعه. إذا ثبت هذا فان مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الاغلب (مسألة) (والرؤية تخص بالافعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرها) فهذا لا يتحمل الشهادة إلا بالرؤية لانه تمكن الشهادة عليه قطعا ومن ذلك الصفات المرئية في المبيع ونحوها فلا يرجع إلى غير ذلك
[ 8 ]
(مسألة) (والسماع على ضربين سماع من المشهود عليه نحو الاقرار والعقود والطلاق) ونحو ذلك فيحتاج أن يسمع كلام المتعاقدين يقينا ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن انه كلامهما وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ومالك، وذهب ابو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه لان الاصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط ولنا انه عرف المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو رآه وجواز اشتباه الاصوات كجواز اشتباه الصور، وانما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم بالسماع يقينا وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الاعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير محارمهن (فصل) إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه جاز أن يشهد عليه حاضرا كان أو غائبا، وان لم يعرف ذلك لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته وجاز أن يشهد عليه حاضرا بمعرفة عينه نص عليه احمد قال مهنا سألت احمد عن رجل يشهد لرجل بحق له على آخر وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا الا أنه يشهد له فقال إذ قال اشهد ان لهذا على هذا وهما شاهدان جميعا فلا بأس وإذا كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، والمرأة كالرجل في انه إذا عرف اسمها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها وان لم يعرفها
[ 9 ]
لم يشهد عليها إلا في حال حضورها، قال احمد في رواية الجماعة لا تشهد الا لمن تعرف وعلى من تعرف ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها، وإن كانت ممن عرف اسمها ودعيت وذهبت وجاءت فليشهد والا فلا يشهد، فاما ان لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها ونظر إلى وجهها. قال احمد لا تشهد على امرأة حتى تنظر إلى وجهها وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها فاما من تيقن معرفتها ويعرف صوتها يقينا فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها على ما قدمناه في المسألة قبلها فان لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه فروي عن احمد انه قال لا يشهد على شهادة غيره الا بمعرفته لها، وقال لا يجوز للرجل أن يقول للرجل اشهد ان هذه فلانة ويشهد على شهادته وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره وقال القاضي يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة وظاهر قوله المنع منه، وقال احمد لا تشهد على امرأة الا باذن زوجها وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها إلا باذن زوجها لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن على النساء بالاذن أزواجهن رواه احمد في مسنده فاما الشهادة عليها في غير بيتها فجائزة لان اقرارها صحيح وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به
[ 10 ]
(فصل) إذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر الشهادة فهل يجوز ان يشهد بذلك؟ على روايتين (أحداهما) لا يجوز، قال أحمد في رواية حرب فيمن يري خطه وخاتمه ولا يذكر الشهاد: لا يشهد إلا بما يعلم، وقال في رواية يشهد إذا عرف خطه وكيف تكون الشهادة الا هكذا؟ وقال في موضع آخر إذا عرف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخا عنده موضوعا تحت ختمه وحرزه فيشهد وان لم يحفظ، وقال أيضا إذا كان ردئ الحفظ يشهد ويكتبهما عنده وهذه رواية ثالثة وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة عنده بخطه في حرزه ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزلة القاضي في احدى الروايتين إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه ولا يمضيه إذا لم كن كذلك (مسألة) (الضرب الثاني سماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب الا بذلك كالنسب
والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل وما أشبه ذلك) قال الخرقي وما تظاهرت به الاخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به كالشهادة على النسب والولادة، أجمع اهل العلم على صحة الشهادة بالنسب قال ابن المنذر لا أعلم احدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه، وقد قال الله تعالى (يعرفونه كما يعرفون ابناءهم) وكذلك الولادة واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة فقال
[ 11 ]
أصحابنا هو تسعة اشياء النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل وبهذا قال أبو سعيد الاصطخري وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا تجوز في الوقف والولاء والعتق والزوجية لان الشهادة ممكنة فيه بالقطع ولانها شهادة بعقد فاشبه سائر العقود، وقال أبو حنيفة لا تقبل إلا في النكاح والموت ولا تقبل في الملك المطلق لانها شهادة بمال فشابه الدين، وقال صاحباه تقبل في الولاء مثل عكرمة مولى ابن عباس ولنا ان هذه تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة اسبابها فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب قال مالك ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بالسماع وقال: السماع في الاحباس والولاء جائز وقال أحمد في رواية المروذي اشهد ان داريختان لبختان وان لم يشهدك وقيل له تشهد ان فلانة امرأة فلان ولم تشهد فقال نعم إذا كان مستفيضا فاشهد اقول فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وان خديجة وعائشة زوجتاه وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة، فان قيل يمكنه العلم بذلك بمشاهدة السبب قلنا وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببا يقينا فانه يجوز ان يشتري ما ليس بملك البائع ويصطاد صيدا صاده غيره ثم انفلت منه وان تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة على الوقف باللفظ لا يصح لان الشهادة ليست بالعقود ههنا انما يشهد بالوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء
[ 12 ]
وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك لانها مرتبة عليه فوجب ان تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك سواء (مسألة) (ولا تقبل الاستفاضة الا من عدد يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي وقال القاضي تسمع من عدلين فصاعدا) ذكره في المحرر لان الحقوق تثبت بقول اثنين وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي والقول الاول هو الذي تقضيه لفظة الاستفاضة فانها مأخوذة من فيض الماء لكثرته ولانه لو اكتفي فيه بقول اثنتين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وانما اكتفي بمجرد السماع وقد ذكر شيخنا في كتاب المقنع الخلع فيما يثبت بالاستفاضة ولم يذكره في المغني ولا في الكافي ولا رأيته في كتاب غيره ولعله قاسه على النكاح والاولى أنه لا يثبت قياسا على الطلاق والنكاح بخلاف الخلع (مسألة) (وان سمع انسانا يقر بنسب أب أو ابن فصدقه المقر له جاز ان يشهد له به وان كذبه لم يشهد وان سكت جاز ان يشهد ويحتمل ألا يشهد حتى يتكرر) إذا سمع رجلا يقول للصبي هذا ابني جاز ان يشهد به لانه مقر بنسبه وان سمع الصبي يقول هذا ابي فسكت الاب جاز ايضا لان سكوت الاب اقرار له والاقرار يثبت به النسب فجازت الشهادة به وانما أقيم السكوت ههنا مقام الاقرار لان الاقرار على الانتساب الباطل غير جائز بخلاف سائر
[ 13 ]
الدعاوى ولان النسب يغلب فيه الاثبات الا ترى انه يلحق بالامكان في النكاح؟ ويحتمل ان لا يشهد حتى يتكرر ذكره أبو الخطاب لان السكوت ليس باقرار حقيقي وانما أقيم مقامه فاعتبرت تقويته بالتكرار كما اعتبرت تقوية اليد في العقار بالاستمرار (مسألة) (وان رأى شيئا في يد انسان يتصرف فيه تصرف الملاك من النقض والبناء والاجارة والاعارة ونحوها جاز ان يشهد بالملك) قال ذلك أبو عبد الله ابن حامد وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي ويحتمل ان لا يشهد الا باليد ولتصرف ذكره القاضي لان اليد ليست منحصرة في الملك فانه قد يكون باجارة
وإعارة وغضب ووكالة وهو قول بعض أصحاب الشافعي. ووجه الاول ان اليد دليل الملك واستمرارها من غير منازع يقويها فجرت مجرى الاستفاضة فجاز ان يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها من غصب واجارة أو نحو ذلك يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد فان احتمال كون البائع غير المالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ههنا، فان قيل فإذا بقي الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة الا بما يعلم، قلنا الظن يسمى علما قال الله تعالى (فان علمتموهن مؤمنات) ولا سبيل إلى العلم اليقيني ههنا فجاز بالظن (فصل) قال الشيخ رحمه الله ومن شهد بالنكاح فلابد من ذكر شروطه وأنه تزوجها بولي
[ 14 ]
مرشد وشاهدي عدل ورضاها لان الناس يختلفون في شروطه فيجب ذكرها لئلا يكون الشاهد معتقدا صحة النكاح وهو فاسد فان شهد بعقد سواه كالبيع والاجارة فهل يشترط ذكر شروطه؟ على روايتين مبنيتين على الروايتين فيما ادعاها وقد ذكرناه (مسألة) (وان شهد بالرضاع فلابد من ذكر عدد الرضعات وانه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه) لان الناس يختلفون في الرضعات وفي الرضاع المحرم فان شهد انه ابنها من الرضاع لم يكف لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها ولابد من ذكران ذلك في الحولين (مسألة) (وان شهد بالقتل احتاج ان يقول ضربه بالسيف أو جرحه فقتله أو مات من ذلك فان قال جرحه فمات لم يحكم به) لجواز ان يكون مات بغير هذا وقد روي عن شريح انه شهد عنده رجل فقال اتكأ عليه بمرفقه فمات فقال شريح فمات منه أو فقتله؟ فأعاد القول الاول فأعاد عليه شريح سؤاله فلم يقل فقتله ولا مات منه فقال له شريح قم فلا شهادة لك رواه سعيد (مسألة) (ومن شهد بالزنا فلا بد ان يذكر بمن زنى؟ واين زنى؟ وانه رأى ذكره في فرجها)
لان اسم الزنا يطلق على ما لا يوجب الجد وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنا زنا فاعتبر ذكر صفته ليزول الاحتمال واعتبر ذكر المرأة لئلا تكون ممن تحل له أوله في وطئها شبهة وذكر المكان لئلا
[ 15 ]
تكون الشهادة منهم على فعلين ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان لانه محل الفعل فلا يعتبر ذكره كالزمان والاول أولى والزمان ممنوع في أحد الوجهين فانه يشترط ذكره لتكون شهادتهم على فعل واحد لجواز ان يكون ما شهد به احدهما غير ما شهد به الآخر ولان الناس اختلفوا في الشهادة في الحد مع تقادم الزمان فقال ابن أبي موسى لا تقبل لان عمر قال من شهد على رجل بحد فلم يشهد حين يصيبه فانما يشهد على ضغن وقال غيره من أصحابنا تقبل لانها شهادة بحق فجازت مع تقادم الزمان كالقصاص ولانه قد يعرض له ما يمنعه الشهادة في حينها ويتمكن منها بعد ذلك (مسألة) (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة) لاختلاف العلماء في ذلك (مسألة) (وان شهد بالقذف فلابد من ذكر المقذوف وصفة القذف) لذلك (مسألة) (وان شهدا ان هذا العبد ابن أمة فلان لم يحكم به حتى يقولا ولدته في ملكه) إذا ادعى عبدا انه له فشهد له شاهدان انه ابن أمته أو ادعى ثمرة شجرة فشهدت له البينة انها ثمرة شجرته لم يحكم له بها لجواز ان تكون ولدته قبل تملكها واثمرت الشجرة هذه الثمرة قبل ملكه إياها، وان قالت البينة ولدته في ملكه أو أثمرتها في ملكه حكم له بالولد والثمرة لانها شهدت أنها نماء ملكه ما لم يرد سبب ينقله عنه فان قيل فقد قلتم لا تقبل شهادة بالملك السابق على الصحيح وهذه شهادة بملك سابق
[ 16 ]
قلنا الفرق بينهما على تقديم التسليم ان النماء تابع للملك في الاصل فاثبات ملكه في الزمن الماضي على وجه التبع وجرى مجرى ما لو قال ملكته منذ سنة واقام البينة بذلك فان ملكه يثبت في الزمن الماضي تبعا للحال فيكون له النماء فيما مضى، ولان البينة ههنا شهدت سبب الملك وهو ولادتها أو وجودها في ملكه فقويت بذلك ولهذا لو شهدت بالسبب في الزمن الماضي فقالت أفرضه ألفا أو
باعه ثبت الملك وان لم يذكره فمع ذكره أولى (مسألة) (وان شهدت انه اشتراها من فلان أو وقفها عليه أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا وهي في ملكه) لما ذكرنا في المسألة قبلها ولانه يجوز ان يبيع ويقف ويعتق ما لا يملك (مسألة) (وان شهدان هذا الغزل من قطنه والطائر من بيضته أو الدقيق من حنطته حكم له بها) لانه لا يتصور ان يكون الطير من بيضته قبل ملكه البيضة وكذلك الغزل والدقيق ولان الغزل عين القطن وانما تغيرت صفته والدقيق اجزاء الحنطة تفرقت والطير هو البيض استحال فكأن البينة قالت هذا غزله ودقيقه وطيره وليس كذلك الولد والئمرة فانهما غير الام والشجرة ولو شهد ان هذه البيضة من طيره لم يحكم له يها حتى يقول باضها في ملكه لان البيضة غير الطير وانما هي من نمائه فهي كالولد ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرنا (فصل) وإذا مات رجل فادعي آخر انه وارثه فشهد له شاهدان انه وارثه لا يعلمان له وارثا غيره سلم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا، وان قالا لا نعلم له وارثا غيره في هذا البلد احتمل ان يسلم المال إليه واحتمل ان لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها)
[ 17 ]
وجملة ذلك ان من ادعى أنه وارث فلان الميت فشهد له شاهدان انه وارثه لا يعلمان له وارثا غيره قبلت شهادتهما وسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري، وقال ابن أبي ليلى لا يقبل حتى يبينا أنه لا وارث له سواه ولنا أن هذا مما لا يمكن علمه فكفى فيه الظاهر من شهادة الاصل بعدم وارث آخر قال أبو الخطاب سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا وكذلك ذكره شيخنا ويحتمل ان لا يقبل الا من أهل الخبرة الباطنة لان عدم علمهم بوارث آخر ليس بدليل على عدمه بخلاف اهل الخبرة الباطنة فان الظاهر انه لو كان له وارث آخر لم يخف عليهم وهذا قول الشافعي فاما ان قالا لا نعلم له وارثا بهذه البلدة أو بارض كذا وكذا احتمل ان يسلم المال إليه وبهذا قال أبو حنيفة كما لو قالا لا نعلم له وارثا وذكر
ذلك مذهبا لاحمد واحتمل ان هذا ليس بدليل على عدم وارث سواه لانهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الارض ويعلمان له وارثا في غيرها فلم تقبل شهادتهما كما لو قالا لا نعلم له وارثا في هذا البيت وهذا قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو أولى ان شاء الله تعالى (فصل) إذا مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن الميت لا نعلم له وارثا سواه وشهد آخران لاخران هذا الغلام بن هذا الميت لا نعلم له وارثا سواه فلا تعارض بينهما وثبت نسب الغلامين منه ويكون الارث بينهما لانه يجوز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الاخرى.
[ 18 ]
(مسألة) (وتجوز شهادة المستخفي) المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع اقراره ولا يعلم به مثل أن بجحد الحق علانية ويقر به سرا فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا اقراره به ثم يشهدا به فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة، وهو قول الشافعي وروي عن أحمد رواية أخرى لا تسمع شهادته اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وروي ذلك عن شريح والشعبي لان الله تعالى قال (ولا تجسسوا) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة) يعني انه لا يجوز لسامعه ذكره عنه لالتفاته وحذره وقال مالك ان كان المشهود عليه ضعيفا ينخدع لم يقبلا عليه وان لم يكن كذلك قبلت. ولنا انهما شهدا بما سمعاه يقينا فقبلت شهادتهما كما لو علم بهما. (مسألة) (ومن سمع رجلا يقر بحق أو يشهد شاهدا بحق أو سمع حاكما يحكم أو يشهد على حكمه وانفاذه جاز أن يشهد به في إحدى الروايتين ولا يجوز في الاخرى حتى يشهده على ذلك) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله فيمن سمع رجلا يقر بحق فالمذهب انه يجوز ان يشهد عليه وان لم يقل للشاهد اشهد علي وهي التي ذكرها الخرقي وبه قال الشعبي والشافعي، وعن احمد رواية ثانية لا يشهد حتى يقول له المقر اشهد علي كما لا يجوز ان يشهد على شهادة رجل حتى يسترعيه إياها ويقول له اشهد على شهادتي وعنه رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإذا سمعه يقر بدين شهد، لان المقر بالدين معترف انه عليه والمقر بالقرض لا يعترف بذلك لجواز أن يكون قد وفاه وعنه
[ 19 ]
رواية رابعة إذا سمع شيئا فدعي إلى الشهادة به فهو بالخيار ان شاء شهد وان شاء لم يشهد قال ولكن يجب عليه إذا شهد ان يشهد (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال إذا شهدوا وقال ابن أبي موسى إذا سمع رجلا يقر لرجل بحق ولم يقل اشهد علي بذلك وسع الشاهد أن يشهد عليه فيقول أشهد اني حضرت اقرار فلان بكذا، وان سمعه يقول اقترضت من فلان أو قبضت من فلان لم يجز ان يشهد وبه والصحيح الاول لان الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه فجاز ان يشهد به كما يجوز ان يشهد بما رآه من الافعال فأما الشهادة على الشهادة فهي ضعيفة فاعتبرت تقويتها بالاسترعاء وذكر القاضي ان في الافعال روايتين (احداهما) لا يشهد به حتى يقول له المشهود عليه اشهد، قال شيخنا وهذا ان اراد به العموم في جميع الافعال فلا يصح لان ذلك يؤدي إلى منع الشهادة عليه بالكلية فان الغاصب لا يقول لاحد اشهد أني غصبت ولا السارق ولا الزاني واشباه هؤلاء وقد شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بالزنا فلم يقل عمر هل اشهدكم اولا؟ ولا قاله للذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر ولا قاله عثمان للذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر ولم يقل هذا احد من الصحابة ولا غيرهم ولا بلغنا عن حاكم من حكام المسلمين في قديم الدهر وحديثه أنه رد شهادة على فعل بكون الشاهد لم يحملها فحصل ذلك اجماعا ولان الشاهد مخبر صادق وهذا يحصل من غير ان يقال له اشهد وكذلك ان سمع
[ 20 ]
الحاكم يحكم أو شهد على حكمه وانفاذه جاز ان يشهد على ذلك في اظهر الروايتين والاخرى لا يجوز حتى يشهده ووجههما ما ذكرنا والله أعلم (فصل) ولو حضر شاهدان حسابا بين رجلين شرطا عليهما ان لا يحفظا عليهما شيئا كان للشاهدين ان يشهدا بما سمعاه منهما ولم يسقط ذلك بشرطهما لان للشاهد ان يشهد بما سمعه أو علمه وقد حصل ذلك سواء اشهده أو منعه وكذلك يشهدان على العقود بحضورهما وعلى الجنايات بمشاهدتهما ولا يحتاجان إلى إشهاد وبه قال ابن سيرين ومالك والثوري والشافعي
(فصل) والحقوق على ضربين (أحدهما) حق لآدمي معين كالحقوق المالية والنكاح وغيره من العقود والعقوبات كالقصاص وحد القذف والوقف على آدمي معين فلا تسمع الشهادة فيه الا بعد الدعوى لان الشهادة فيه حق لآدمي فلا يستوفى الا بعد مطالبته واذنه ولانه حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقديمها عليها (الضرب الثاني) اما كان حقا لآدمي غير معين كالوقوف على الفقراء والمساكين أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة والوصية لشئ من ذلك أو نحو هذا، وما كان حقا لله تعالى كالحدود الخالصة لله تعالى أو الزكاة الكفارة قلا تفتقر الشهادة إلى تقدم الدعوى لان ذلك ليس له مستحق معين من الادميين يدعيه ويطالب به ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر من غير تقدم دعوى فاجيزت شهادتهم
[ 21 ]
ولذلك لم يعتبر في ابتداء الوقف قبول من أحد ولا رضى منه وكذلك ما لا يتعلق به حق أحد كتحريم الزوجة بالطلاق أو الظهار أو إعتاق الرقيق تجوز الحسبة به ولا تعتبر فيه الدعوى فلو شهد شاهدان بعتق عبد أو أمة ابتداء ثبت ذلك سواء صدقهما المشهود عليه أو لم يصدقهما وبهذا قال الشافعي وقال به أبو حنيفة في الامة وقال في العبد لا يثبت ما لم يصدق العبد به ويدعيه لان العتق حقه فاشبه سائر حقوق ولنا أنها شهادة بعتق فلا تفتقر إلى تقدم الدعوى كعتق الامة وتخالف سائر حقوق الآدمي لانه حق لله تعالى ولهذا لا يفتقر إلى قبول العتق ودليل ذلك الامة وبه يبطل ما ذكروه فان قال الامة يتعلق باعتاقها تحريم الوطئ قلنا هذا لا أثر له فان البيع يوجب تحريمها عليه ولا تسمع الشهادة الا بعد الدعوى (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا أحمر وشهد آخر أنه غصبه ثوبا أبيض أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت) متى كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه أو مكانه أو صفة له تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما مثل ان يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا يوم السبت بدمشق ويشهد الآخر أنه غصبه بمصر أو يشهد أحدهما أنه غصبه دينارا ويشهد الآخر انه غصبه ثوبا فلا تكمل الشهادة لان كل فعل
لم يشهد به شاهدان. وهكذا ان اختلفا في زمن القتل ومكانه أو صفته أو في شرب الخمر أو القذف
[ 22 ]
لم تكمل الشهادة لان ما شهد به أحد الشاهدين غير الذي شهد به الآخر فلم يشهد بكل واحد من الفعلين الا شاهد واحد فلم يقبل إلا على قول أبي بكر فان هذه الشهادة تكمل ويثبت المشهود به إذا اختلفا في الزمان أو المكان، فاما ان اختلفا في صفة الفعل فشهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض وشهد الاخر أنه سرق مع الزوال كيسا أسود أو شهد احدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد الاخر أنه سرقه عشيا لم تكمل الشهادة ذكره ابن حامد وقال أبو بكر تكمل الشهادة والاول اصح لان كل فعل لم يشهده الا واحد على ما قدمنا، فان اختلفا في صفة المشهود به اختلافا يوجب تغايرهما مثل ان يشهد احدهما بثوب والآخر بدينار فلا خلاف في أن الشهادة لا تكمل لانه لا يمكن ايجابهما جميعا لانه يكون ايجاب حق عليه بشهادة واحد ولا ايجاب أحدهما بعينه لان الآخر لم يشهد به وليس أحدهما أولى من الآخر فاما ان شهد بكل فعل شاهدان واختلفا في المكان أو الزمان أو الصفة ثبتا جميعا لان كلا منهما قد شهد به بينة عادلة لو انفردت اثبتت الحق وشهادة الاخرى لا تعارضها لامكان الجمع بينهما الا ان يكون الفعل مما لا يمكن تكراره كقتل رجل بعينه فتتعارض البينتان لعلمنا أن إحداهما كاذبة ولا نعلم أيتهما هي؟ بخلاف ما يتكرر ويمكن صدق البينتين فيه فانهما يثبتان جميعا ان ادعاهما وان لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه دون ما لم يدعه، وان شهد اثنان انه سرق مع الزوال كيسا أسود وشهد آخران انه سرق مع الزوال كيسا أبيض أو شهد اثنان انه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخران أنه سرقه عشيا فقال القاضي يتعارضان وهو مذهب الشافعي كما لو كان المشهود به قتلا، قال شيخنا والصحيح أن هذا لا تعارض فيه لانه يمكن صدق البينتين بان يسرق عند الزوال كيسين أبيض
[ 23 ]
وأسود وتشهد كل بينة باحدهما ويمكن ان يسرق كيسا غدوة ثم يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشيا ومع إمكان الجمع لا تعارض فلى هذا ان ادعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الاولى وأما في الصورة الثانية فيثبت له الكيس المشهود به حسب فان المشهود به وان كان فعلين لكنهما في محل
واحد فلا يجب أكثر من ضمانه، وإن لم يدع المشهود له إلا أحد الكيسين ثبت له ولم يثبت له الآخر لعدم دعواه إياه، وان شهد له شاهد بسرقة كيس في يوم وشهد آخر بسرقة كيس في يوم آخر أو شهد أحدهما بسرقته من مكان وشهد آخر بسرقته في مكان آخر أو شهد احدهما بغصب كيس أبيض وشهد آخر بغصب كيس أسود فادعاها المشهود له فله أن يحلف مع كل واحد منهما ويحكم له به لانه مال قد شهد له شاهد وان لم يدع إلا أحدهما ثبت له ما ادعاه ولم يثبت له الآخر لانه لم يدعه. (مسألة) (وإن شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس وشهد آخر انه اقر له بألف اليوم أو شهد أحدهما انه باعه داره أمس وشهد آخر انه باعه إياها اليوم كملت البينة وثبت البيع والاقرار وكذلك كل شهادة على القول) أما إذا شهد أحدهما انه اقر له بالف امس وشهد آخر انه أقر له بألف اليوم كملت البينة، لان الالف التي شهد بها احدهما هي الالف التي شهد بها الآخر ولان الشاهدين شهدا بالف وان شهد احدهما انه باعه أمس وشهدا آخر انه باعه اليوم أو شهد احدهما انه طلقها امس وشهد آخر انه طلقها
[ 24 ]
اليوم، فقال أصحابنا تكمل الشهادة وقال الشافعي لا تكمل لان كل واحد من البيع والطلاق لم يشهد به إلا واحد أشبه ما لو شهد بالغضب في وقتين. ووجه قول اصحابنا أن المشهود به شئ واحد يجوز ان يعاد مرة بعد اخرى ويكون واحدا فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه فلم يؤثر كما لو شهد احدهما بالعربية والآخر بالفارسية وكذلك الحكم في كل شهادة على قول فالحكم فيه كالحكم في البيع الا النكاح فانه كالفعل إذا شهد احدهما انه تزوجها أمس وشهد الآخر انه تزوجها اليوم لم تكمل الشهادة في قولهم جميعا لان النكاح امس غير النكاح اليوم فلم يشهد بكل واحد من العقدين الا شاهد واحد فلم يثبت كما لو كانت الشهادة على فعل. (مسألة) (وكذلك القذف إذا شهد احدهما انه قذفه غدوة وشهد الآخر انه قذفه عشية أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية وشهد الآخر أنه قذفه بالعجمية أو اختلفا في المكان لم يثبت القذف) لان القذف في مكان غير القذف في المكان الآخر وكذلك الاختلاف في الزمان وقال أبو بكر يثبت
القذف لان المشهود به واحد وإن اختلفت العبارة واختلف الزمان والاول المذهب (فصل) في الشهادة على الاقرار بالفعل مثل أن يشهد أحدهما انه أقر عندي يوم الخميس بدمشق
[ 25 ]
أنه قتله أو قذفه أو غصبه كذا أو ان له في ذمته كذا ويشهد الآخر أنه أقر عندي بهذا يوم السبت بحمص كملت شهادتهما، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال زفر لا تكمل شهادتهما لان كل اقرار لم يشهد به إلا واحد فلم تكمل الشهادة كالشهادة على الفعل ولنا ان المقر به واحد وقد شهد اثنان بالاقرار به فكملت شهادتهما كما لو كان الاقرار بهما واحدا وفارق الشهادة على الفعل فان الشهادة فيها على فعلين مختلفين فنظيره من الاقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قتله يوم الجمعة فان شهادتهما لا تقبل ههنا ويحقق ما ذكرناه أنه لا يمكن جمع الشهود لسماع الشهادة في حق كل واحد والعادة جارية بطلب الشهود في أماكنهم لا في جمعهم إلى المشهود له فيمضي إليهم في أوقات منفردة واماكن مختلفة فيشهدهم على إقراره فان كان الاقرار بفعلين مختلفين مثل أن يقول أحدهما أشهد انه أقر عندي أنه قتله يوم الخميس وقال الآخرر أشهد أنه أقر عندي انه قذفه بالعجمية لم تكمل الشهادة لان الذي يشهد به أحدهما غير الذي شهد به صاحبه فلم تكمل الشهادة كما لو شهد أحدهما أنه أقر أنه غصبه دنانير وشهد الآخر أنه غصبه دراهم لم تكمل وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة في القتل والقذف لان القذف بالعربية أو العجمية والقتل بالبصرة أو الكوفة ليس من المقتضي فلا تعتبر في الشهادة والاول أصح
[ 26 ]
(فصل) فان شهد أحدهما أنه غصبه هذا العبد وشهد الآخر أنه أقر بغصبه منه كملت الشهادة ويحكم بها لانه يجوز أن يكون الغصب الذي أقر به هو الذي شهد الشاهد به فلم يختلف الفعل وكملت الشهادة كما لو شهدا في وقتين على اقراره بالغصب وقال القاضي لا تكمل الشهادة ولا يحكم بها وهو قول الشافعي لانه يجوز ان يكون ما أقر به غير ما شهد به الشاهد وهذا يبطل بالشهادة على اقرارين فانه يجوز أن يكون ما أقر به عند أحد الشاهدين غير ما اقر به عند الآخر إذا كانا في وقتين مختلفين
ولانه إذا أمكن جعل الشهادة على فعل واحد لم يحمل على اثنين كالاقرارين وكما لو شهد بالغصب اثنان وشهد على الاقرار به اثنان فان شهد احدهما أنه غصب هذا العبد من زيد أو اقر بغصبه منه وشهد الآخر انه ملك زيد لم تكمل شهادتهما لانهما لم يشهدا على شئ واحد وان شهد انه اخذه من يديه ألزمه الحاكم رده إلى يديه لان اليد دليل الملك فيرده إلى يده لتكون دلالتها ثابتة له قال مهنا سألت أبا عبد الله عن رجل ادعى دارا في يد رجل وأقام شاهدين شهد احدهما قال أشهد ان هذه الدار لفلان وقال الآخر اشهد ان هذه الدار دار فلان قال شهادتهما جائزة (مسألة) (وان شهد شاهد أنه اقر له بألفين وشهد آخر انه اقر له بالف ثبت الالف ويحلف على الآخر مع شاهده ان احب) وجملة ذلك أنه إذا شهد احد الشاهدين بشئ وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به وهذا قول شريح ومالك والشافعي وابن ابي ليلى وابي يوسف ومحمد واسحاق وابي
[ 27 ]
عبيد وحكي عن الشعبي انه شهد عنده رجلان شهد احدهما انه طلقها تطليقة وشهد آخر انه طلقها تطليقتين فقال قد اختلفتما قوما وحكي عن ابي حنيفة انه إذا شهد شاهد انه أقر بالف وشهد آخر انه اقر بألفين لم تكمل الشهادة لان الاقرار بالالف غير الاقرار بألفين ولم يشهد بكل اقرار الا واحد. ولنا ان الشهادة قد كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يرد احدهما على صاحبه وما ذكروه من ان كل إقرار إنما شهد به واحد يبطل بما إذا شهد احدهما انه اقر بالف غدوة وشهد الآخر انه اقر بألف عشيا فان الشهادة تكمل مع ان كل اقرار إنما شهد به واحد فاما ما انفرد به احدهما فان للمدعي ان يحلف معه ويستحق هذا قول من يرى الحكم بشاهد ويمين وهذا فيما إذا أطلقا الشهادة أو لم تختلف الاسباب والصفات. (فصل) إذا شهد له شاهدان بالف وشاهدان بخمسمائة ولم تختلف الاسباب والصفات دخلت الخمسمائة في الالف ووجب له الالف بالشاهدين، وان اختلفت الاسباب والصفات وجب له الالف والخمسمائة ولم يدخل احدهما في الآخر لانهما مختلفان
(مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد آخران له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين) (أحدهما): تكمل كالتي قبلها، (والثاني): لا تكمل لانه يحتمل أن يكون الالف المنفرد من غير الالفين.
[ 28 ]
(مسألة) (وإن شهد أحدهما أن له عليه الفا من قرض وشهد آخران أن له عليه الفا من ثمن مبيع لم تكمل البينة) أما إذا اختلفت الاسباب والصفات مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع أو يشهد شاهد بألف بيض وآخر بألف سود أو يشهد أحدهما بالف دينار والآخر بالف درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها أو يحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به (مسألة) (وإن شهد شاهدان أن له عليه الفا وقال أحدهما قضاه بعضه بطلت شهادته نص عليه وإن شهد انه أقرضه ألفا وقال أحدهما قضاه نصفه صحت شهادتهما) إذا شهدا ان له عليه ألفا ثم قال أحدهما قضاه نصفه بطلت شهادته وهكذا ذكره أبو الخطاب وذلك بأنه شهد بأن الالف جميعه عليه فإذا قضاه بعضه لم يكن الالف كله عليه فيكون كلامه متناقضا فتفسد شهادته وفارق هذا ما لو شهد بألف ثم قال بل بخمسمائة لان ذلك رجوع عن الشهادة بخمسمائة واقرار بغلط نفسه وهذا لا يقول ذلك على وجه الرجوع والمنصوص عن أحمد ان شهادته تقبل بخمسمائة فانه قال إذا شهد بالف ثم قال أحدهما قبل الحكم قضاه منه خمسمائة افسد شهادته والمشهود له ما اجتمعا عليه وهو خمسمائة فصحت شهادته في نصف الالف الباقي وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه لانه بمنزله الرجوع عن الشهادة به فأشبه ما لو قال اشهد بألف بل خمسمائة قال أحمد ولو جاء
[ 29 ]
بعد هذا المجلس فقال أشهد انه قضاه منه خمسمائة لم يقبل منه لانه قد أمضى الشهادة فهذا يحتمل أنه أراد إذا جاء بعد الحكم فشهد بالقضاء لم يقبل منه لان الالف قد وجب بشهادتهما وحكم الحاكم ولا
تقبل شهادته بانقضاء لانه لا يثبت بشاهد واحد فألما ان شهد أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما قضاه منه خمسمائة قبلت شهادته في باقي الالف وجها واحدا لانه لا تناقض في كلامه ولا اختلاف (مسألة) (وإن كانت له بينة بألف فقال أريد ان تشهدا لي بخمسمائة لم يجز) وعند أبي الخطاب يجوز قال أحمد إذ شهد على الف وكان الحاكم لا يحكم الا على مائتين فقال له صاحب الحق اريد ان تشهدا لي على مائه لم يشهد الا بألف قال القاضي وذلك ان على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد قال الله تعالى (ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها ولانه لو ساغ للشاهد ان يشهد ببعض ما اشهد لساغ للقاضي ان يقضي ببعض ما شهد به الشاهد وقال أبو الخطاب عندي يجوز بذلك لان من شهد بألف فقد شهد به بمائه وإذا شهد بمائه لم يكن كاذبا في شهادته فجاز كما لو كان قد اقرضه مائة مرة وتسعمائة أخرى: قال شيخنا والاول أصح لما ذكر القاضي لان شهادته بمائة ربما اوهمت ان هذه المائة غير التي شهدت باصله فيؤدي إلى ايجابها عليه مرتين قال أحمد إذا
[ 30 ]
قال اشهد على مائة درهم ومائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة دون مائة كره الا ان يقول اشهدوني على مائة ومائة ومائة يحكيه كله للحاكم كما كان (فصل) قال أحمد إذا شهد بالف درهم ومائة درينار فله دراهم ذلك البلد ودنانيره قال القاضي لانه لما جاز ان يحمل مطلق العقد على ذلك جاز ان تحمل الشهادة عليه (فصل) إذا شهد شاهد انه باعه هذا العبد بالف وشهد آخر انه باعه إياه بخمسمائة لم تكمل البينة لاختلافهما في صفة البيع وله ان يحلف مع أحدهما ويثبت له ما حلف عليه فان شهد بكل عقد شاهدان ثبت البيعان فان أضافا البيع إلى وقت واحد مثل ان يشهدا انه باعه هذا العبد مع الزوال بالف وشهد آخر انه باعه إياه مع الزوال بخمسمائة تعارضت البينتان وسقطتا لانه لا يمكن اجتماعهما وكل بينة تكذب الاخرى وإن شهد بكل واحد من هذين شاهد واحد كان له ان يحلف مع أحدهما ولا يتعارضان لان التعارض انما يكون مع البينتين الكاملتين
[ 31 ]
(باب شروط من تقبل شهادته) وهي ستة أحدها البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان وعنه تقبل ممن هو في حال العدالة وعنه لا تقبل إلى في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فالمشهور عنه أنها لا تقبل شهادة الصبي ما لم يبلغ روي هذا عن ابن عباس وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن ابي ليلى والاوزاعي والثوري والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد رواية ثانية ان شهادته تقبل إذا كان ابن عشر قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد وروي عن علي رضي الله عنه ان شهادة بعضهم تقبل على بعض، وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي قال ابراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم قال المغيرة وكان اصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد. وروى الامام احمد باسناده عن مسروق قال كنا عند علي فجاءه خمسة غلمة فقالوا انا كنا ست غلمة تتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة اخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى بنحو هذا مسروق وعنه رواية ثالثة ان شهادتهم لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها فان تفرقوا لم تقبل شهادتهم وهو قول مالك لان الظاهر صدقهم وضبطهم ولا تقبل بعد الافتراق لانه يحتمل ان يلقنوا. قال ابن الزبير ان اخذوا عند مصاب
[ 32 ]
ذلك فبالحري ان يعقلوا ويحفظوا وعن الزهري ان شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شئ لقول الله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) وقال سبحانه (ممن ترضون من الشهداء) والصبي لا يرضى وقال عزوجل (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه) فاخبر ان الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبي لا يأثم فيدل على انه ليس بشاهد ولان الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعنه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولان من لا يقبل قوله على نفسه في الاقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا ان
الاقرار اوسع لانه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة ولا تصح الشهادة منهم ولان من لا تقبل شهادته في المال لا تقبل في الجراح كالفاسق (والثاني) العقل فلا تقبل شهادة معتوه ولا مجنون الا من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال افاقته ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل اجماعا قال ابن المنذر وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو صغر لانه ليس بمحصل ولا تحصل الثقة بقوله فاما من يخنق في الاحيان إذا شهد في حال افاقته فتقبل شهادته لانها شهادة من عاقل اشبه من يخنق
[ 33 ]
(الثالث) الكلام فلا تقبل شهادة الاخرس نص عليه أحمد قيل له وإن كتبها؟ قال لا أدري وهو قول أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي وابن المنذر تقبل إذا فهمت اشارته لفيامها مقام نطقه في كل أحكامه من كلامه ونكاحه وغير ذلك فكذلك في شهادته واستدل ابن المنذر بان النبي صلى الله عليه وسلم أشار وهو جالس إلى الناس وهو قيام (ان اجلسوا فجلسوا) ولنا أنها شهادة بالاشارة فلم تجز كاشارة الناطق لان الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بايماء الناطق ولا يحصل اليقين بالاشارة وانما اكتفي باشارته في احكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ههنا وما استدل به ابن المنذر لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام وعمل باشارته إلى الصلاة ولو شهد الناطق بالاشارة والايماء لم تصح شهادته اجماعا فعلم ان الشهادة تفارق غيرها من الاحكام ويحتمل ان تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فهمت إشارته لان إشارته بمنزلة نطقه كما في سائر احكامه والاول اولى لانا إنما قبلنا إشارته فيما يختص به للضرورة ولا ضرورة ههنا (الرابع) الاسلام فلا تقبل شهادة كافر إلا اهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم ويحلفهم الحاكم بعد العصر لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وانها لوصية الرجل بعينه فان عثر على انهما استحقا إثما قام آخران من اولياء
[ 34 ]
الوصي فحلفا بالله لشهادتنا احق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضى لهم وعنه ان شهادة بعض اهل
الذمة تقبل على بعض والاول المذهب وجملة ذلك ان شهادة اهل الكتاب لا تقبل في شئ على مسلم ولا كافر الا في الوصية في السفر على ما نذكره ذكره الخرقي، وروى ذلك عن احمد نحو من عشرين نفسا وممن قال لا تقبل شهادتهم الحسن وابن ابي ليلى والاوزاعي ومالك وابو ثور ونقل حنبل عن احمد ان شهادة بعضهم تقبل على بعض وخطأه الخلال في نقله هذا وقال صاحبه أبو بكر هذا غلط لا شك فيه وقال ابن حامد بل المسألة على ووايتين قال أبو حفص البرمكي تقبل شهادة السبي بعضهم على بعض في النسب إذا ادعى احدهم ان الآخر اخوه والمذهب الاول والظاهر غلط من روى خلاف ذلك وذهبت طائفة من اهل العلم إلى ان شهادة بعضهم على بعض تقبل ثم اختلفوا فمنهم من قال الكفر ملة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي هذا قول حماد وسوار والثوري وابي حنيفة واصحابه وعن قتادة والحكم وابي عبيد واسحاق تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودى ويروى عن الزهري والشعبي كقولنا وقولهم، واحتجوا بما روي عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم اجاز شهادة اهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه ولان بعضهم يلي على بعض فتقبل شهادة بعضهم على بعض كالمسلمين ولنا قول الله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقال تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم -
[ 35 ]
إلى قوله - ممن ترضون من الشهداء) والكافر ليس بذي عدل ولا هو منا ولا من رجالنا ولا ممن نرضاه ولانه لا تقبل شهادته على غير اهل دينه فلا تقبل على اهل دينه كالحربي والخبر يرويه اهل مجلد وهو ضعيف وان ثبت فيحتمل انه اراد اليمين فانها تسمى شهادة قال الله تعالى في اللعان (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه لمن الصادقين) واما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة وقرابتهم ثابتة وشفقتهم كشفقة المسلمين وجازت لموضع الحاجة فان غير اهل دينهم لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك لكثرتهم بخلاف الشهادة فانها ممكنة من المسلمين، وقد روي عن معاذ رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تقبل شهادة اهل دين الا المسلمين فانهم عدول على انفسهم وعلى غيرهم
(فصل) فاما شهادة اهل الكتاب بوصية المسافر الذي مات في سفره إذا شهد بها شاهدان من اهل الذمة قبلت شهادتهم إذا لم يوجد غيرهما من المسلمين ويستحلفان بعد العصر على ما ذكرنا في صدر المسألة قال ابن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين يعني الآية التي في سورة المائدة ومن قاله شريح والنخعي والاوزاعي ويحيى بن حمزه وقضي بذلك عبد الله بن مسعود وابو موسى رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لان من لا تقبل شهادته في غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق ولان الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر اولى واختلفوا في تأويل الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الاداء ومنهم قال المراد بقوله من غيركم أي من عشيرتكم ومنهم من قال المراد بالشهادة اليمين
[ 36 ]
ولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم ان انتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت) الآية وهذا نص الكتاب وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى ابن عباس قال خرج رجل من بني تميم الداري وعدي بن زيد فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقد واجام فضة مخوصا بالذهب فاحلفهما رسلو الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تيمم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وان الجام لصاحبهم فنزلت فيهم (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) الآية وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فاشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الاشعري فاخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الاشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته فامضى شهادتهما رواه أبو داود وروى الخلاف حديث أبي موسى باسناده وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لان الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين وقد فسره بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن
[ 37 ]
وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير وسليمان التيمي وغيرهم ودلت عليه الاحاديث التي رويناها ولانه لو صح ما ذكروه لم تجب الايمان لان الشاهدين من المسلمين لاقسامة عليهم وحملها على التحمل لا يصح لانه أمر باحلافهم ولا أيمان في التحمل وحملها على اليمين لا يصح لقوله (فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله) ولانه عطفها على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان وروى أبو عبيد في الناسخ المنسوخ أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان قال احمد اهل المدينة ليس عندهم حديث ابي موسى من أين يعرفونه؟ فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الصحابة وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به سواء وافق القياس أو خالفه (الخامس) ان يكون ممن يحفظ فلا تقبل شهادة مغفل ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان لان الثقة لا تحصل بقوله لاحتمال ان يكون من غلطه وتقبل شهادة من يقل ذلك منه لان احدا لا يسلم من الغلط. (فصل) قال رحمه الله (السادس) (العدالة وهي استواء احواله في دينه واعتدال اقواله وافعاله وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة ويعتبر له شيئان الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم وهو ان لا يرتكب كبيرة ولا يد من على صغيرة) فان الله تعالى نهى ان تقبل شهادة القاذف
[ 38 ]
فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة ولا يخرجه عن العدالة فعل صغيرة لقول الله تعالى (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم) قيل اللمم صغار الذنوب ولان التحرز منها غير ممكن وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ان تغفر اللهم تغفر جما واي عبد لك لا ألما) اي لم يلم فان لامع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل وقيل اللمم ان يلم بالذنب ولا يعود فيه والكبائر كل ذنب فيه حد والاشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين، وقد روى أبو بكرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الا انبئكم بأكبر الكبائر الاشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس فقال - الا وقول الزور وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه قال احمد لا تجوز شهادة
آكل الربا والعاق وقاطع الرحم ولا من لا يؤدي زكاة ماله، وإذا اخرج في طريق المسلمين الاسطوانة والكنيف لا يكون عدلا ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذ من طريق المسلمين ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد لان النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة. وقال عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر على أخيه في عداوة ولا القاطع لاهل البيت ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ضنين في قرابة ولا ولاء) وقد رواه أبو داود (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولان ذي غمر على أخيه) فاما الصغائر فان كان مصرا عليها ردت شهادته وان كان الغالب من امره الطاعات لم ترد لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه. (مسألة) (ولا تقبل شهادة فاسق لقوله سبحانه وتعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم)
[ 39 ]
وقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه وقد روي في الحديث (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الاسلام ولا ذي غمر على أخيه) رواه أبو عبيد وكان أبو عبيد لا يرى الخائن والخائنة مختصا بامانات الناس بل جميع ما فرض الله تعالى على العباد القيام به واجتنابه من كبير ذلك وصغيره قال الله تعالى (انا عرضنا على السموات والارض والجبال) الآية وروي عن عمر أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول ولان دين الفاسق لا يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن ان لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره إذا تقرر هذا فالفسق نوعان: (أحدهما) من جهة الافعال فلا خلاف في رد شهادته (الثاني) من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا. وبه قال مالك وشريك واسحاق وأبو عبيد وابو ثور قال شريك اربعة لا تجوز شهادتهم رافضي يزعم أنه له اماما مفترضة طاعته وخارجي يزعم ان الدنيا دار حرب وقد يزعم ان المشيثة إليه ومرجئ، ورد شهادة يعقوب وقال الا ارد شهادة قوم يزعمون ان الصلاة ليست من الايمان؟ وقال أبو حامد من اصحاب الشافعي المختلفون على ثلاثه اضرب (ضرب) اختلفوا في الفروع
فهؤلاء لا يفسقون ولا ترد شهادتهم وقد اختلفت الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين
[ 40 ]
(الثاني) من نفسقه ولا نكفره وهو من سب القرابة كالخوارج أو من سب الصحابة كالروافض فلا تقبل لهم شهادة لذلك (الثالث) من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفى الرؤية واضاف المشيئة إلى نفسه فلا تقبل له شهادة وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال: وقال احمد ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الاهواء وأجاز سوار شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال قال الشافعي الا أن يكون ممن يرى الشهادة بالكذب كالخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعض بتصديقه ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الاسلام أشبه الاختلاف في الفروع ولان فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الافعال. (مسألة) (ويتخرج قبول شهادة أهل الذمة على قبول شهادة الفاسق من جبة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقيه على مخالفيه كالخطابية. وكذلك قال أبو الخطاب. وروي عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية فكذلك الشهادة.
[ 41 ]
ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولانه فاسق فترد شهادته للآية (مسألة) (فاما من فعل شيئا من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي أو شرب من النبيذ مالا يسكره أو اخر الحج مع امكانه ونحوه متأولا فلا ترد شهادته) وإن فعله معتقدا تحريمه ردت شهادته. ويحتمل أن لا ترد بنص عليه أحمد في شارب النبيذ يحد ولا ترد شهادته. وبهذا قال لشافعي وقال مالك ترد شهادته لانه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه
فاشبه المتفق على تحريمه ولنا ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه ولا يفسقه ولانه فرع مختلف فيه فلم ترد شهادة فاعله كالذي يوافقه عليه الحاكم، فاما ان فعله معتقدا تحريمه ردت شهادته إذا تكرر ويحتمل أن لا ترد وبه قال أصحاب الشافعي لانه فعل لا يرد شهادة بعض الناس فلا يرد شهادة البعض الآخر كالمتفق على حله ووجه الاول انه فعل محرم على فاعله ويأثم به فاشبه المتفق على تحريمه، وبهذا فارق معتقد حله وقد روي عن أحمد فيمن يجب عليه الحج فلا يحج ترد شهادته وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور فاما من يعتقد أنه على التراخي وبتركه بنية فعله فلا ترد شهادته كسائر ما ذكرنا وقيل ترد لانه
[ 42 ]
روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لقد هممت أن انظر في الناس فمن وجدته يقدر على الحج ولا يحج ضربت عليه الجزية ثم قال ما هم بمسلمين وما هم بمسلمين (مسألة) الثاني (استعمال المروءة وهو فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه فلا تقبل شهادة المصانع، والمتمسخر، والمغني، والرقاص، واللاعب بالشطرنج، والنرد، والحمام والذي يتغدى في السوق ويمد رجليه في مجمع الناس ويحدث بمباضعته أهله وأمته ويدخل الحمام بغير مئزر ونحو ذلك) المروءات اجتناب الامور الدنيئة المزرية به وذلك نوعان (أحدهما) في الافعال كالاكل في السوق وهو الذي ينصب مائدة في السوق ويأكل والناس ينظرون إليه ولا يعني أكل شئ يسير كالكسرة ونحوها، وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يمد رجليه في مجمع الناس أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته أو أمته أو غيرهما بحضرة الناس الخطاب الفاحش أو يحدث الناس بمباضعته أهله أو نحو هذا من الافعال الدنيئة فلا تقبل شهادته لان هذا سخف ودناءة فمن
[ 43 ]
رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة ولا تحصل الثقة بقوله قال احمد في رجل شتم بهيمة
قال الصالحون لا تقبل شهادته حتى يتوب، وقد روى ابن مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) يعني من لم يستح صنع ما شاء ولان المروءة تمتنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمتنع منه دو المروة وإن لم يكن ذا دين فقد روي عن ابي سفيان أنه حين سأله قيصر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفته قال والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب لكذبته ولم يكن يومئذ ذا دين ولان الكذب دناءة والمروءة تمنع من الدناءة وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة كالدين ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته لان مروءته لا تسقط به وكذلك إن فعله مرة أو شيئا قليلا لم ترد شهادته لان صغير المعاصي لا يمنع الشهادة إذا قل فهذا اولى ولان المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم يكن عادة
[ 44 ]
(فصل في اللعب) كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته وما خلا القمار وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من احدهما فمنه ما هو محرم ومنه ما هو مباح فالمحرم اللعب بالنرد وهذا قول أبي حنيفة واكثر اصحاب الشافعي وقال بعضهم هو مكروه غير محرم. ولنا ما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من لعب بالنرد شير فقد عصي الله ورسوله). وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه)) رواه أبو داود وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم. إذا ثبت هذا فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته سواء لعب به قمارا أو غير قمار وهو قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي. وقال مالك: من لعب بالشطرنج والنرد فلا أرى شهادته إلا باطلة لان الله تعالى قال (فماذا بعد الحق إلا الضلال) وهذا ليس من الحق فيكون من الضلال (فصل) والشطرنج كالنرد في التحريم إلا أن تحريم النرد آكد لورود النص في تحريمه وهذا
في معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه، وذكر القاضي أبو الحسين ممن ذهب إلى تحريمه علي بن أبي طالب
[ 45 ]
وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والقاسم وسالما وعروة ومحمد بن علي بن الحسين ومطر الوراق ومالكا وأبا حنيفة وذهب الشافعي إلى إباحته وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير واحتجوا بأن الاصل الاباحة ولم يرد بتحريمه نص ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على الاباحة ويفارق الشطرنج النرد من وجهين (أحدهما) ان في الشطرنج تدبير الحرب فأشبه اللعب بالحراب والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل (والثاني) ان المعول في النرد على ما يخرجه الكعبتان فأشبه الازلام والمعول في الشطرنج على حذقه وتدبيره فأشبه المسابقة بالسهام ولنا قول الله سبحانه وتعالى (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) قال علي رضي الله عنه الشطرنج من الميسر ومر رضي الله عنه على قوم فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ قال أحمد أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه وروى واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان لله عزوجل في كل يوم ستمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب (ولانه لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة فأشبه اللعب بالنرد وقولهم لا نص فيها وقد ذكرنا فيها نصا وهو في معنى المنصوص على تحريمه وقولهم ان فيها تدبير الحرب قلنا لا يقصد هذا
[ 46 ]
منها وأكثر اللاعبين بها انما يقصدون منها اللعب والقمار وقولهم ان المعول فيها على تدبيره فهو أبلغ في اشغاله بها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة. إذا ثبت هذا فقال أحمد النرد أشد من الشطرنج انما قال ذلك لورود النص في النرد بخلاف الشطرنج. إذ ثبت هذا فقال القاضي: هو كالنرد في رد الشهادة وهو قول أبي حنيفة ومالك لاشتراكهما في التحريم وقال أبو بكر ان فعله من يعتقد تحريمه فهو كالنرد في حقه وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته الا ان يشغله عن الصلاة في أوقاتها أو يخرجه إلى الحلف الكاذب أو نحوه من المحرمات أو يلعب بها على الطريق أو يفعل في لعبه ما يستخف
به من أجله ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة، وهذا مذهب الشافعي وذلك لانه مختلف فيه أشبه سائر المختلف فيه (فصل) فأما اللاعب بالحمام يطيرها فلا شهادة له وهذا قول أصحاب الرأي وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام ولانه سفه ودناءة وقلة مروءة ويتضمن اذي الجيران واشرافه على دورهم ورميه اياها بالحجارة، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا يتبع حماما فقال (شيطان يتبع شيطانة) فان اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب أو للانس بها من غير اذى يتعدى إلى الناس فلا بأس، وقد روى عبادة بن الصامت أن رجلا اتي النبي صلى الله عليه وسلم (فشكا إليه الوحشة فقال (اتخذ زوجا من الحمام)
[ 47 ]
(فصل) فأما المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات أو على الاقدام فمباحة ولا دناءة فيها ولا ترد بها الشهادة وقد ذكرنا مشروعية ذلك في باب المسابقة وكذلك ما في معناها من الثقاف واللعب بالحراب وقد لعب الحبشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالحراب وقامت عائشة رضي الله عنها تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضرارا ولا شغلا عن فرض فالاصل اباحته فما كان فيه دناءة ينرفع عنه ذووا المروءات منع الشهادة إذا فعله ظاهرا وتكرر منه ومالا دناءة فيه لم ترد الشهادة به بحال (مسألة) (فأما الشين في الصناعة كالحجام والحائك والنخال والنفاط والقمام والزبال والمشعوذ والدباغ والحارس والكناس فهل تقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم؟ على وجهين) الصناعات الدنيئة كالكساح والكباش لا تقبل شهادتهما لما روى سعيد في سننه أن رجلا أتي ابن عمر فقال له اني رجل كناس فقال له أي شئ تكنس؟ الزبل قال لا قال فالعذرة؟ قال نعم قال الاجر خبيث وما تزوجت فخبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه وعن ابن عباس مثله في الكساح ولان هذا دناءة يجتنبه اهل المروءات فاشبه الذي قبله فاما الزبال ونحوهم ففيه وجهان (أحدهما) لا تقبل شهادتهم لانها دناءة تجتنبها أهل المروءات فهو كالذي قبله (والثاني) يقبل لان بالناس إليه
حاجة فعلى هذا الوجه انما تقبل شهادته إذا كان يتنظف للصلاة في وقتها ويصليها فان صلى بالنجاسة لم تقبل شهادته وجها واحدا، وأما الحائك والحارس والدباغ فهو أعلى من هذه الصنائع فلا ترد به
[ 48 ]
الشهادة وذكر شيخنا فيها وجهين وكذلك ذكرها أبو الخطاب والاولى قبول شهادة الحائك والحارس والدباغ لانه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءات وأما سائر الصنائع التي لا دناءة فيها فلا ترد الشهادة بها إلا من كان منهم يحلف كاذبا أو يعد ويخلف وغلب هذا عليه فان شهادته ترد وكذلك من كان منهم يؤخر الصلاة عن أوقاتها ولا يتنزه عن النجاسات فلا شهادة له ومن كانت صناعته يكثر فيها الربا كالصائغ والصيرفي ولم يتق ذلك ردت شهادته (فصل في الملاهي) وهي على ثلاثة أضرب: محرم وهو ضرب الاوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها فمن أدام استماعها ردت شهادته لانه بروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا ظهر في أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء) ذكر منها إظهار المعارف والملاهي وقال سعيد ثنا فرج بن فضالة عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام) يعني الضاربات وروى نافع قال سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال فقلت لا قال فرفع أصبعيه من أذنيه وقال
[ 49 ]
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا رواه الخلال في جامعه من طريقين ورواه أبو داود في سننه وقال حديث منكر وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار وقالوا لو كان حراما لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ومنع ابن عمر نافعا من استماعه ولانكر على الزامر بها قلنا الاول لا يصح لان المحرم استماعها دون سماعها والاستماع غير السماع ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ولم يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه قال الله تعالى (وإذا
سمعوا اللغو أعرضوا عنه) ولم يقل سدوا آذانهم والمستمع هو الذي يقصد السماع ولم يوجد هذا من ابن عمر وإنما وجد السماع ولان بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع سماع الصوت عنه لانه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع أصبعيه من أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فابيح للحاجة وأما الانكار لعله كان في أول الهجرة حينما لم يكن الانكار واجبا أو قبل امكان الانكار لكثرة الكفار وقلة أهل الاسلام فان قيل فهذا الخبر ضعيف فان أبا داود رواه وقال هو حديث منكر قلنا قد رواه الخلال من طريقين فلعل أبا داود ضعفه لانه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين (وضرب مباح) وهو الدف فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف) أخرجه مسلم وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعي انه مكروه في غير النكاح لانه يروى عن عمر انه كان إذا سمع صوت الدف بعث فنظر فان كان في وليمة سكت وان كان في غيرها عمد الدرة
[ 50 ]
ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان امرأة جاءته فقالت إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أوف بنذرك) رواه أبو داود ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا، وروت الربيع بنت معوذ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين) متفق عليه فاما الضرب به للرجال فهو مكروه على كل حال لانه إنما يضرب به النساء والمخنثون، والمشبهون بهن ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء. فاما الضرب بالقضيب فيكره إذا انضم إليه مكروه أو محرم كالتصفيق والغناء والرقص وإن خلا عن ذلك كله لم يكره لانه ليس بآلة لهو ولا بطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهي، ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا (فصل) واختلف اصحابنا في الغناء فذهب الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته قال ابو بكر عبد العزيز الغناء والنوح معنى واحد مباح ما لم يكن معه منكر ولا فيه طعن فان الخلال يحمل الكراهة من احمد على الافعال المذمومة لا على القول بعينه، وروي عن احمد انه سمع من عند ابنه صالح قوالا فلم ينكر عليه، وقال له صالح يا أبه أليس كنت تكرههم؟ فقال قيل لي انهم يستعملون
المنكر، وممن ذهب إلى إباحة الغناء من غير كراهة ابراهيم بن سعد وكثير من أهل المدينة والعنبري لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال مزمور
[ 51 ]
الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (دعها فانها أيام عيد) متفق عليه، وعن عمر رضي الله عنه انه قال الغناء زاد الراكب واختار القاضى انه مكروه غير محرم وهو قول الشافعي وقال من اللهو المكروه، وقال احمد الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني، وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه قال احمد فيمن مات وخلف ولدا يتيما وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها تباع ساذجة قيل له انها تساوي مغنية ثلاثين الفا وتساوي ساذجة عشرين دينارا فقال لا تباع إلا على انها ساذجة واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنيفة في قوله تعالى (واجتنبوا قول الزور) قال الغناء وقال ابن عباس وابن مسعود في قول الله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال هو الغناء وعن ابي امامة ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات وبيعهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن حرام أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد وقد تكلم أهل العلم فيه وروى ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (الغناء ينبت النفاق في القلب) والصحيح انه قول ابن مسعود، وعلى كل حال من اتخذ الغناء صناعة يؤتى إليه ويأتي له أو اتخذ غلامه أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس فلا شهادة له لان هذا عند من لم يحرمه سفه ودناءة وسقوط مروءة ومن حرمه فهو مع سفهه عاص مصر متظاهر بفسقه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء وإنما يترثم لنفسه ولا يغني للناس أو كان غلامه وجاريته انما يغنيان له انبنى هذا على الخلاف فيه فمن أباحه أو كرهه لم ترد شهادته، ومن حرمه قال ان دام عليه ردت شهادته كسائر الصغائر
[ 52 ]
وإن لم يداوم عليه لم ترد شهادته، وان فعله من يعتقد حله فقياس المذهب أن لا ترد شهادته بمالا لا يشتهر به منه كسائر المختلف فيه من الفروع، ومن كان يغشى بيوت المغني أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا بذلك وكثر منه ردت شهادته في قولهم جميعا لانه سفه ودناءة، وان كان مستترا به فهو
كالمغني لنفسه على ما ذكر من التفصيل فيه (فصل) فاما الحداء وهو الانشاد التي تساق به الابل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال وكان انجشة مع التساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة (حرك بالقوم) فاندفع ينشد فتبعه انجشة فأعنقت الابل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا نجشة رويدك رفقا بالقوارير) يعني النساء وكذلك نشيد الاعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الانشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع انشاد الشعر فلا ينكره والغناء من الصوت ممدود مكسور والغنى من المال مقصور والحداء ممدود مضموم كالدعاء ويجوز الكسر كالنداء (فصل) والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (إن من الشعر لحكما) وكان يضع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأنشده كعب بن زهير قصيدته * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * في المسجد وقال له عمه العباس يارسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال قل لا يفضض الله فاك فأنشده
[ 53 ]
من قبلها طبت في الظلال * وفي مستودع حيث يخصف الورق وقال عمر بن الشريد أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أمعك من شعر أمية؟) قلت نعم فأنشدته بيتا فقال (هيه) حتى أنشدته مائة قافية وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب وقد اختلف في هذا فقيل ليس بشعر وإنما هو كلام موزون، وقيل بل هو شعر ولكنه بيت واحد قصير فهو كالنثر، ويروى ان أبا الدرداء قيل له ما من أهل بيت في الانصار إلا وقد قال الشعر قال وأنا قد قلت يريد العبد أن يعطى مناه * ويأبى الله إلا ما أرادا يقول العبد فائدتي ومالي * وتقوى الله أفضل ما استفادا
وليس في إباحة الشعر اختلاف وقد قاله الصحابة والعلماء والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة والعربية وللاستشهاد به في التفسير وتعرف معنى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال الشعر ديوان العرب فان قيل فقد قال الله تعالى (والشعراء يتبهم الغاوون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لان يمتلئ أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا) رواه أبو داود وابو عبيد وقال معنى يريه ياكل جوفه يقال ورواه يريه قال الشاعر:
[ 54 ]
وراهن ربي مثل ما قد ورينني * وأحمى على اكبادهن المكاويا قلنا أما الآية فالمراد بها من اسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله (ألم ترانهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟) ثم استثنى المؤمنين بقوله (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) ولان الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الابرياء لا سيما من كان في ابتداء الاسلام ممن يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو المسلمين ويعيب الاسلام ويمدح الكفار فوقع الذم على الاغلب واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة فالآية دليل على إباحته ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة، واما الخبر فقال أبو عبيد معناه أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه وقيل المراد به ما كان هجاء وفحشا فما كان من الشعر يتضمن هجاء المسلمين والقدح في اعراضهم أو التشبب بامرأة بعينها بالافراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم وهذا ان اريد به أنه محرم على قائله فهو صحيح، وأما على راويه فلا يصح فان المغازي يروى فيها قصائد الذين هاجوا بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك أحد، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما الا قصيدة أمية بن ابي الصلت الحائية وكذلك يروى شعر قيس بن الحطيم في التشبب بعمرة بنت رواحة اخت عبد الله بن رواحة ام النعمان ابن بشير وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير وفيها التشبب بسعاد ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر وروينا ان النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الحطيم فلما دخل النعمان سكتوه من قبل ان فيها ذكر امه فقال النعمان فلم يقل بأسا انما قال
[ 55 ]
وعمرة من سروات النساء * تنفح بالمسك اردانها وكان عمر بن طلحة بمجلس فغناهم رجل بشعر فيه ذكر امه فسكتوه فقال دعوه فان قائل هذا الشعر كان زوجها فأما لشاعر فمتى كان يهجو المسلمين ويمدح بالكذب أو يقذف مسلما أو مسلمة فان شهادته ترد وسواء قذف المسلمة بنفسه أو بغيره وقد قيل أعظم الناس ذنبا رجل يهاجي رجلا فيهجو القبيلة باسرها وقد روينا ان أباد لامة؟ شهد عند قاض فخاف ان ترد شهادته فقال ان الناس غطوني تغطيت عنهم * وان بحثوا عني ففيهم مباحث فقال القاضي ومن يبحثك يا ابا دلامة؟ وغرم المال من عنده ولم يظهر انه رد شهادته (فصل في قراءة القرآن بالالحان) اما قراءته من غير تلحين فلا بأس بها وان حسن صوته به فهو أفضل فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (زينوا أصواتكم بالقرآن) وروي (زينوا القرآن باصواتكم) وقال (لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود) فقال أبو موسى لو أعلم انك تستمع لحبرته لك تحبيرا وروي ان عائشة أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال أين كنت يا عائشة فقالت يارسول الله كنت أسمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع أحدا يقرأ أحسن من قراءته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع قراءته ثم قال (هذا سالم مولى ابي حذيفة الحمد لله الذي جعل في امتي مثل هذا) قال صالح قلت (لابي زينوا القرآن باصواتكم) ما معناه قال ان تحسنه وقيل له ما معنى (من لم يتغن بالقرآن) قال يرفع صوته به، وهكذا قال الشافعي وقال الليث يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به. وقال ابن غيينة وعمر وبن الحارث ووكيع يستغني به فاما القرآن بالتلحين فينظر فيه فان لم يفرط في التمطيط والمد واشباع الحركات فلا بأس به فان النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجع ورفع صوته
[ 56 ]
وقال الراوي لولا ان تجتمع الناس إلى لحكيت لكم قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وقال (ما أذن الله لشئ كاذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) أي يجهر به ومعنى اذن استمع قال القاضي هو مكروه على كل حال ونحوه قول أبي عبيد وقال معنى قوله (من لم يتغن بالقرآن) أي يستغني به قال الشاعر: وكنت أمرأ زمنا بالعراق * عفيف النياح كثير التغني
قال ولو كان الغناء بالصوت لكان من لم يغن بالقرآن وروي نحو هذا التفسير عن ابن عيينة وقال القاضي أحمد بن محمد البرني: هذا قول من أدركنا من اهل العلم وقال الوليد بن مسلم يتغنى بالقرآن يجهر به وقيل يحسن صوته به. قال شيخنا والصحيح أن هذا القدر من التلحين لا بأس به ولانه لو كان مكروها لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح حمله على التغني في حديث (ما أذن الله لشئ كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن) على الاستغناء لان معنى اذن استمع وإنما تسمع القراءة ثم قال يجهر والجهر صفة القراءة لا صفة الاستغناء فاما إذا أسرف في المد والتمطيط واشباع الحركات بحيث يجعل الضمة واوا والفتحة ألفا والكسرة ياء كره ذلك ومن أصحابنا من قال يحرم لانه يغير القرآن ويخرج الكلمات عن وضعها ويجعل الحركات حروفا، وقد روينا عن أبي عبد الله أن رجلا سأله عن ذلك فقال له ما اسمك؟ قال محمد قال أيسرك أن يقال لك يا موحامد؟ قال لا قال ولا يعجبني أن يتعلم الرجل الالحان إلا ان يكون حرمه مثل حرم أبي موسى قال له رجل فيكلمون قال لا كل ذا
[ 57 ]
واتفق اهل العلم على انه تستحب قراءة القرآن بالتحزين والترتيل والتحسين وروى بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرءو القرآن بالحزن فانه نزل بالحزن) وقال المروذي سمعت ابا عبد الله قال لرجل لو قرأت وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه وقال زهير بن حرب كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد فقال له يحيى اقرأ فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل وادخل وقال محمد بن صالح العدوي قرأت عند يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه حتى فانه خمس صلوات (فصل) ولا تقبل شهادة الطفيلي وهو الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لانه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (من اتى طعاما لم يدع إليه دخل سارقا وخرج معيرا) ولانه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة فان لم يتكرر هذا منه لم ترد شهادته لانه من الصغائر ومن سأل من غير ان تحل له المسألة فاكثر ردت شهادته لانه فعل محرما واكل سحتا واتى دناءة، وقد روى قبيصة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة رجل اصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما
من عيش - أو قال - سدادا من عيش، ورجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) فاما السائل ممن تباح له المسألة فلا ترد شهادته بذلك الا أن يكون اكثر عمره سائلا فينبغي ان ترد شهادته لان ذلك دناءة وسقوط مرؤة، فان اخذ من الصدقة من يجوز له الاخذ من غير
[ 58 ]
مسألة لم ترد شهادته لانه فعل جائز لا دناءة فيه وان اخذ منها ما لا يجوز له وتكرر ذلك منه ردت شهادته لانمه مصر على الحرام. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ومتى زالت الموانع منهم فبلغ الصبي وعقل المجنون واسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم بمجرد ذلك) لان المقتضي لقبول الشهادة موجود وإنما ردت لوجود المانع فإذا زال المانع عمل المقتضي عمله كما لو لم يوجد المانع وتقبل توبة الفاسق لقول الله سبحانه وتعالى (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) وقوله سبحانه (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وقال عمر رضي الله عنه: بقية عمر المرء لا قيمة له يدرك فيه ما ما فات ويحيى فيه ما امات ويبدل الله سيأته حسنات والتوبة على ضربين باطنة وحكمية فالباطنة يما بينه وبين الله تعالى فان كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم كقبلة الاجنبية والخلوة بها وشرب المسكر والكذب فالتوبة منها الندم والعزم على ان لا يعود فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء الندم بالقلب والاستغفار باللسان واضمار أن لا يعود) وبمجانبة خلطاء السوء وإن كانت توجب حقا عليه لله تعالى أو لآدمي كمنع الزكاة والغصب فالتوبة منها بما ذكرنا وترك المظلمة حسب إمكانه بان يؤدي الزكاة ويرد المغصوب أو بدله وان عجز عن ذلك نوى رده متى قدر
[ 59 ]
عليه فان كان عليه فيها حق في البدن وكان حقا لآدمي كالقصاص وحد القذف فالمشترط في التوبة التمكين من نفسه ببذلها للمستحق وان كان حقا لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر فتوبته بالدم والعزم على ترك العود ولا يشترط الاقرار به فان كان ذلك لا يشتهر عنه فالاولى له ستر نفسه والتوبة فيما
بينه وبين الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فان من ابدى لنا صفحته اقمنا عليه الحد) فان الغامدية حين أقرت بالزنا لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وان كانت معصينه مشهورة فذكر القاضي أن الاولى به الاقرار ليقام عليه الحد لانه إذا كان مشهورا فلا فائدة في ترك إفامة الحد عليه. قال شيخنا والصحيح ان ترك الاقرار أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم عرض للمقر عنده بالرجوع عن الاقرار فعرض لما عز وللمقر عنده بالسرقة بالرجوع مع اشتهاره عنه باقراره وكره الاقرار حتى قيل إنه لما قطع السارق كانما أسف وجهه رمادا ولم يرد الامر وبالاقرار ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة ولا يصح له قياس انما ورد الشرع بالستر والاستتار والتعريض للمقر بالرجوع عن الاقرار وقال لهزال وهو الذي امر ما عزابا بالاقرار (ياهزال لو سترت بثوبك لكان خيرا لك) وقال أصحاب الشافعي توبة هذا اقراره ليقام عليه الحد وليس بصحيح لما ذكرنا ولان التوبة توجد حقيقتها بدون الاقرار وهي تجب ما قبلها كما ورد في الاخبار مع ما دلت عليه الايات في مغفرة الذنوب بالاستغفار وترك الاسرار وأما البدعة فالتوبه منها بالاعتراف بها واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها
[ 60 ]
(مسألة) (ولا يعتبر اصلاح العمل وعنه يعتبر في التائب اصلاح العمل سنة) ظاهر كلام احمد والخرقي انه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة الولاية في النكاح إصلاح العمل وهو أحد القولين لشافعي وفي القول الاخر يعتبر اصلاح العمل الا أن يكون ذنبه شهادة بالزنا فلم يكمل عدد اشهود فانه يكفي مجرد لتوبة من غير اعتبار اصلاح وما عداه فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة تظهر فيها توبته ويبين فيها صلاحه وهذا رواية عن أحمد حكاها أبو الخطاب لان الله تعالى قال (الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) وهذا نص فانه نهى عن قبول شهادتهم ثم استثنى التائب المصلح ولان عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه حتى بلغته توبته فامر ان لا يكلم الا بعد سنة ولنا قوله عليه السلام (التوبة تجب ما قبلها) وقوله (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ولان المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الاحكام ولان التوبة من الشرك بالاسلام ولا يحتاج إلى اعتبار ما بعده
وهو أعظم الدنوب فما دونه أولى وأما الاية فيحتمل ان يكون الاصلاح من التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين ودليل ذلك قول عمر لابي بكرة تب أقبل شهادتك ولم يعتبر أمر آخر ولان من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا للذكاة فأداها وتاب إلى الله عزوجل قد حصل منه الاصلاح وعلم نزوله عن معصيته نادما عليه فانه لو لم ترد التوبة لما أدى ما في يديه ولان تقديره بسنة تحكم لم يرد به الشرع والتقدير انما يثبت بالتوقيف وما رود من عمر في حق صبيغ انما كان لانه تائب من بدعة وكانت توتبه بسبب الضرب والهجران فيحتمل انه اظهر التوبة تسترا بخلاف مسئلتنا وقد ذكر القاضي ان التائب من البدعة يعتبر له سنة لحديث صبيغ رواه احمد في الورع قال ومن علامة
[ 61 ]
توبته ان يجتنب من كان يواليه من اهل البدع ويوالي من كان يعاديه من اهل النسة والصحيح ان التوبة من البدعة كغيرها الا ان تكون التوبة تفعل بسبب الاكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة يظهر ان توبته عن اخلاص لا عن اكراه وللحاكم ان يقول للمتظاهر بالمعصية تب اقبل شهادتك وقال مالك لا اعرف هذا قال الشافعي وكيف لا يعرفه وقد امر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة وقاله عمر لابي بكرة؟ (مسألة) (ولا تقبل شهادة القاذف حتى يتوب) وجملة ذلك ان القاذف إذا كان زوجا فحقق قذفه ببينة أو لعان أو كان اجنبيا فحققه بالبينة أو بأقرار المقذوف لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة وان لم يحقق قذفه بشئ من ذلك تعلق به وجوب الحد عليه والحكم بفسقه ورد شهادته لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون) فان تاب لم يسقط عنه الحد وزل الفسق بلا خلاف وتقبل شهادته عندنا روي ذلك عن عمر وابي لدرداء وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري وعبد الله بن عتبة وجعفر به ابي ثابت وابى الزناد ومالك والشافعي والبتي واسحاق وابو عبيد وابن المنذر وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد وربيعة وقال شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري واصحاب الرأي لا تقبل شهادته إذا جلد وإن تاب، وعند أبي حنيفة لا ترد شهادته قبل الجلد وإن لم يتب والخلاف معه في فصلين:
[ 62 ]
(أحدهما) انه عندنا تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه وعند أبي حنيفة ومالك لا تسقط الا بالجلد (والثاني) انه ان تاب قبلت شهادته وإن جلد وعند ابي حنيفة لا تقبل وتعلق لقول الله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) وبما روى ابن ماجة باسناده عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا محدود في الاسلام واحتج في الفصل الآخر بان القذف قبل حصول الجلد يجوز ان تقوم به البينة فلا يجب به التفسيق ولنا في الفصل الثاني إجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لابي بكرة حين شهد على لمغيرة بن شعبة تب أقبل شهادتك ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا قال سعيد بن المسيب شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث ونكل زياد فجلد عمر الثلاثة وقال لهم عمر توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته وكان قد عاد مثل النصل من العبادة ولانه تاب من ذنبه فقبلت شهادته كالتائب من الزنا يحققه ان الزنا أعظم من القذف به وكذلك قتل النفس التي حرم الله وسائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته فهذا أولى. وأما الآية فهي حجة لنا لانه استثنى التائبين بقوله تعالى (إلا الذين تابوا) والاستثناء من النفي إثبات فيكون تقديره إلا الذين تابوا فقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين فان قالوا انما يعود الاستثناء إلى الجملة التي تليه بدليل انه لا يعود إلى الجلد قلنا بل يعود إليه ايضا لان هذه الجمل معطوف بعضها على بعض بالواو وهي للجمع تجعل الجمل كلها كالجملة الواحدة
[ 63 ]
فيعود الاستثناء إلى جميعها الا ما منع. ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا يجلس على تكرمته الا باذنه) عاد الاستثناء إلى الجملتين جميعا ولان الاستثناء يغاير ما قبله فعاد الجمل المعطوف بعضها على بعض بالواو كالشرط فانه لو قال امرأته طالق وعبده حر ان لم يقم عاد الشرط اليهما كذا الاستثناء بل عود الاستثناء إلى الشهادة أولى لان رد الشهادة هو المأمور به فيكون الحكم والتفسيق خرج مخرج الخبر والتعليل لرد الشهادة فعود الاستثناء إلى الحكم المقصود إلى
من رده إلى التعليل وحديثهم ضعيف يرويه الحجاج بن أرطاه وهو ضعيف قال ابن عبد البر لم يرفعه في روايته حجة، وقد روي من غير طريقه ولم يذكر فيه هذه الزيادة فدل ذلك على انها من غلطه ويدل على خطئه قبول شهادة كل محدود في غير المقذوف بعد ثبوته ثم لو قدر صحته فالمراد به من لم يتب بدليل كل محدود تاب سوى هذا. وأما الفصل الاول فدليلنا فيه الآية فانه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء إيجاب الجلد ورد الشهادة والفسق فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد ولان الرمي هو المعصية والذنب الذي يستحق به العقوبة وتثبت به المعصية الموجبة رد الشهادة، والحد كفارة تطهير فلا يجوز تعليق رد الشهادة به، وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان جميعا به وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر، وقولهم إنما يتحقق بالجلد لا يصح لان الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه فلا يستوفى قبل تحقق القذف، وكيف يجوز أن يستوفى حد قبل تحقق سببه ويصير متحققا بعده هذا باطل
[ 64 ]
(فصل) والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتي يتوب والشاهد بالزنا إذا لم تكمل بالبينة تقبل روايته دون شهادته وحكي عن الشافعي ان شهادته لا ترد ولنا ان عمر لم يقبل شهادة ابي بكرة وقال له تب اقبل شهادتك وروايته مقبولة ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد عمر شهادته (مسألة) (وتوبته أن يكذب نفسه وقيل ان علم صدق نفسه فتوبته أن يقول قد ندمت على ما قلت ولا أعود إلى مثله وأنا تائب إلى الله تعالى منه) ظاهر كلام احمد والخرقي أن توبة القاذف اكذابه نفسه فيقول كذبت فيما قلت وهذا منصوص الشافعي واختيار الاصطخري من أصحابه قال ابن عبد البر وممن قال هذا سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء والشعبي وإسحاق وابو ثور وابو عبيدة لما روي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم)
قال ثوبته إكذاب نفسه ولان عرض المقذوف يلوث بقذفه فاكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث فتكون التوية، وذكر القاضي ان القذف ان كان سبا فالتوبة منه إكذاب نفسه وإن كان شهادة فالتوبة منه ان يقول القذف حرام باطل ولن أعود إلى ما قلت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي قال وهو المذهب لانه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالكذب والخبر محمول على الاقرار بالبطلان لانه نوع إكذاب. قال شيخنا والاولى انه متى علم من نفسه الصدق فيما قذف به فتوبته الاستغفار والاقرار ببطلان ما قاله وتحريمه فانه لا يعود إلي مثله وان لم يعلم صدق نفسه فتوبته إكذاب نفسه
[ 65 ]
سواء كان القذف بشهادة أو سب لانه قد يكون كاذبا في الشهادة صادقا في السب، ووجه الاول ان الله تعالى سمى القاذف كاذبا على الاطلاق بقوله سبحانه (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) فتكذيب الصادق نفسه يرجع إلى انه كاذب في حكم الله تعالى، وإن كان في نفس الامر صادقا (فصل) ولا يشترط في الشهادة الحرية بل تجوز شهادة العبد في كل شي إلا في الحدود والقصاص على احدى الروايتين وتجوز شهادة الامة فيما تجوز فيه شهادة النساء الكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول (احدها) في قبول شهادة العبد فيما عدا الحدود والقصاص والمذهب انها مقبولة. روي ذلك عن علي وأنس رضي الله عنهما قال أنس ما علمت ان أحدا رد شهادة العبد وبه قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي وابو ثور وداود وابن المنذر، وقال مجاهد والحسن وعطاء ومالك والاوزاعي والثوري وابو حنيفة والشافعي وابو عبيد لا تقبل شهادته لانه غير ذي مروءة ولانها مبنية على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث، وقال الشافعي والنخعي والحكم تقبل في الشئ اليسير ولنا عموم آيات الشهادة وهو داخل فيها فانه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية، وروى عقبة بن الحارث قال: تزوجت ام يحيى بنت أبي اهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (وكيف وقد زعمت ذلك) متفق عليه
[ 66 ]
وفي رواية ابي داود فقلت يارسول الله انها لكاذبة فقال (وما يدريك وقد قالت ما قالت؟ دعها عنك) ولانه عدل غير متهم فتقبل شهادته كالحر وقولهم ليس له مروءة ممنوع بل هو كالحر ينقسم إلى من له مروءة، ومن لا مروءة له، وقد يكون منهم العلماء والامراء والصالحون والاتقياء سئل اياس ابن معاوية عن شهادة العبد فقال أنا ارد شهادة عبد العزيز بن صهيب، وكان منهم زياد بن أبي عياش من العلماء والزهاد وكان عمر بن عبد العزيز يرفع قدره ويكرمه ومنهم عكرمة مولى ابن عباس من العلماء الثقات وكثير من الموالي كانوا عبيدا وأبناء عبيد لم يحدث فيهم بالاعتاق الا الحرية وهي لا تغير طبعا ولا تحدث علما ولا دينا ولا مروءة ولا يقبل منهم الا من كان ذا مروءة ولا يصح قياس الشهادة على الميراث فان الميراث خلافة للموروث في ماله وحقوقه والعبد لا يمكنه الخلافة لان ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف فيه ولان الميراث يقتضي التمليك والعبد لا يملك ومبنى الشهادة على العدالة التي هي مظنة الصدق وحصول الثقة من القول والعبد أهل لذلك فوجب أن تقبل شهادته (الفصل الثاني) ان شهادته لا تقبل في الحدود وفي القصاص احتمالان (أحدهما) تقبل شهادته فيه لانه حق آدمي، ولا يصح الرجوع عن الاقرار به أشبه الاموال (والثاني) لا تقبل لانه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات فأشبه الحد وقد ذكرنا في هذا الكتاب في الحد والقصاص روايتين وكذلك ذكره الشريف وابو الخطاب فانهما ذكرا في العقوبات كلها روايتين (احداهما) تقبل لما ذكرنا ولانه رجل عدل فتقبل شهادته فيها كالحر والثانية لا تقبل وهي
[ 67 ]
ظاهر المذهب لان الاختلاف في قبول شهادته في الاموال نقص وشبهة فلم تقبل شهادته فيما يندرئ بالشبهات ولانه ناقص الحال فلم تقبل شهادته في الحد والقصاص كالمرأة (الفصل الثالث) ان شهادة الامة تقبل فيما تقبل فيه شهادة النساء قياسا عليهن فان النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص وانما تقبل في المال أو شبهه والامة كالحرة فيما عداهما وقد دل عليه حديث عقبة بن الحارث، وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه حكم القن فيما ذكرنا لان الرق فيهم وقد روي
عن عمر رضي الله عنه أنه لا تجوز شهادة المكاتب وبه قال عطاء والشعبي والنخعي ولنا ما ذكرناه في العبد ولانه إذا ثبت الحكم في القن ففي هؤلاء أولى (فصل) وتجوز شهادة الاصم في المرئيات وعلى المسموعات قبل صممه اما شهادته على المرئيات فهو فيها كالذي يسمع فتقبل شهادته فيها وتجوز شهادته في المسموعات التي كانت قبل صممه كما تجوز شهادة الاعمى على الافعال التى رآها قبل العمى إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه (مسألة) (وتجوز شهادة الاعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة) روي هذا عن علي وابن عباس وبه قال ابن سيرين وعطاء والشعبي والزهري ومالك وابن أبي ليلى وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادته، وروي ذلك عن النخعي وابي هاشم واحتلف فيه عن الحسن واياس وابن أبي ليلى وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة إذا أقر عند أذنه ويد الاعمى على رأسه ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم فشهد عليه ولم يجزها في غير ذلك لان من لا تجوز شهادته على الافعال لا تجوز على الاقوال كالصبي ولان الاصوات تشتبه فلا يحصل اليقين فلم يجز أن يشهد بها كالخط
[ 68 ]
ولنا قول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ولانه رجل عدل مقبول الرواية فقبلت شهادته كالبصير وفارق الصبي فانه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية ولان السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الاعمى وكثرت صحبته له وعرف صوته يقينا فلا يشك فيه فوجب أن تقبل شهادته فيما تيقنه كالبصير ولهذا أجاز الشافعي وأصحابه شهادته بالاستفاضة ولا تثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين ولا بد ان يعرفهما حتي يعرف عدالتهما فإذا صح ان يعرف الشاهدين صح ان يعرف المقر ولا خلاف في قبول روايته وجواز استماعه من زوجته إذا عرف صوتها وصحة قبول النكاح، وجواز اشتباه الاصوات كجواز اشتباه الصفة وفارق الافعال فان مدركها الرؤية وهي غير ممكنة من الاعمى والاقوال مدركها السمع هو يشارك البصير فيه وربما زاد عليه ويفارق الخط فانه لو تيقن من كتب الخط أو رآه يكتبه لم يجز ان يشهد بما كتب فيه
إذا ثبت هذا فانه لا يجوز ان يشهد الا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا فان جوز ان يكون صوت غيره لم يجز ان يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه (مسألة) (وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجوز شهادته أصلا لانه لا يجوز ان يكون حاكما ولنا ما تقدم في المسألة قبلها ولان العمي فقد حاسة لا يخل بالتكليف فلم يمنع قبول الشهادة
[ 69 ]
كالصمم وفارق الحكم فانه يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة ولذلك يعتبر له المسع والاجتهاد وغيرهما. (مسألة) (فان لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه ولم يعرفه الا بعينه قبلت شهادته أيضا لما ذكرنا في المسألة الاولى) وهذا قول القاضي ويصفه للحاكم بما يتميز به قال شيخنا ويحتمل ان لا تقبل لان هذا مما لا ينضبط غالبا (مسألة) (وان شهد عند الحاكم ثم عمي قبلت شهادته وجاز الحكم بها) وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم لانه معنى يمنع قبول الشهادة مع صحة النطق فمنع الحكم بها كالفسق ولنا أنه معنى طرأ بعد اداء لا يورث تهمة في حال الشهادة فلم يمنع قبولها كالموت وفارق الفسق فانه يورث تهمة حال الشهادة (مسألة) (وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره) هذا قول اكثر اهل العلم منهم عضاء والحسن والشعبي والزهري والشافعي واسحاق وابو عبيد وابو حنيفة واصحابه وقال مالك والليث لا تجوز شهادته في الزنا وحده لانه متهم فان العادة فيمن فعل قبيحا انه يحب ان يكون له نظراء وحكي عن عثمان انه قال ودت الزانية ان النساء كلهن زنين ولنا عموم الآيات فانه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا فيقبل في الزنا كغيره ولان من قبلت شهادته في القتل قبلت في الزنا كولد الرشدة قال ابن المنذر وما احتجوا به غلط من وجوه (أحدها)
[ 70 ]
ان ولد الزنا لم يفعل قبيحا يحب ان يكون له نظراء فيه (والثاني) لا أعلم ما ذكر عن عثمان ثابتا عنه وأشبه ذلك ان لا يكون ثابتا وغير جائز ان يثبت عن عثمان كلام بالظن عن ضمير امرأة لم يسمعها تذكره (الثالت ان الزاني لو تاب لقبلت شهادته وهو الذي فعل الفعل القبيح فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه فغيره أولى فانه لا يجوز ان يلزم ولده من وزره اكثر مما لزمه ولا يتعدى الحكم إلى غيره من غير ان يثبت فيه مع ان ولده لا يلزمه شئ من ضرره لقول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر اخرى) وولد الزنا لم يفعل شيئا يستوجب به حكما (مسألة) (وتقبل شهادة الانسان على فعل نفسه كالمرضعة بالرضاع والقاسم على القسمة والحاكم على حكمه بعد العزل) تجوز شهادة المرضعة على الرضاع لما ذكرنا من حديث عقبة بن الحارث وكذلك شهادة القاسم على القسمة لانه يشهد لغيره فصح على فعل نفسه كما لو شهد على فعل غيره وكذلك تقبل شهادة الحاكم على حكمه بعد العزل لذلك وفي ذلك كله اختلاف لما ذكرنا فيما مضى (مسألة) (وتقبل شهادة البدوي على القروي والقروي على البدوي إذا اجتمعت الشروط) وهو ظاهر كلام الخرقي وهو قول ابن سيرين وابي حنيفة والشافعي وابي ثور وأجازه أبو الخطاب وعن أحمد في شهادة البدوي على القروي اخشى ان لا تقبل فيحتمل وجهين (أحدهما) لا تقبل وهو قول جماعة من اصحابنا ومذهب ابي عبيد وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح وكقول الباقين احتياطا للدماء واحتج اصحابنا بما روى أبو داود في سننه عن ابي هريرة رضي الله عنه عن
[ 71 ]
النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا تجوز شهادة بدوي على صحاب قرية) ولانه متهم حيث عدل إذا أشهد قرويا واشهد بدويا قال أبو عبيد ولا أرى شهادتهم ردت الا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله والجفاء في الدين (والثاني) تقبل لان من قبلت شهادته على أهل البلد وقبلت شهادته على البدو قبلت شهادته على اهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من اهل البدو ونخصه بهذا لان الغالب ان
لا يكون له من يسأله الحاكم فيتعرف عدالته (باب موانع الشهادة) ويمنع قبول الشهادة ستة أشياء (أحدها) قرابه الولادة فلا تقبل شهادة والد لولده وان سفل ولا ولد لوالده وان علا. ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ولا لولد ولده وان سفل وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا والدته ولا جده ولا جدته من قبل أبيه وأمه وان علوا وسواء في ذلك الآباء والامهات وآباؤهما وأمهاتهما وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وروي عن أحمد رواية ثانية تقبل شهادة الابن لابنه ولا تقبل شهادة الاب لابنه لان مال الابن في حكم مال الاب له أن يتملكه له إذا شاء فشهادته له شهادة لنفسه أو يجربها لنفسه نفعا قال النبي صلى الله عليه وسلم (انت ومالك لابيك) وقال (ان أطيب
[ 72 ]
ما أكل الرجل من كسبه وان أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم) ولا يوجد هذا في شهادة الابن لابيه وعنه رواية ثالثة تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنى عنه لان كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة وروي ذلك عن شريح وبه قال عمر بن عبد العزيز وابو ثور والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات ولانه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالاجنبي ولنا ما روى الزهري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء) والظنين المتهم والاب متهم لولده لان ماله كما له بما ذكرنا ولان بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها) ولانه متهم في الشهادة على عدوه والخبر أخص من الآيات فتختص به (مسألة) (وتقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين)
أما شهادة أحدهما على صاحبه فتقبل، نص عليه أحمد وهذا قول عامة اهل العلم، قال شيخنا ولم اجد عن احمد في الجامع فيه اختلافا وذلك لقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والاقربين) فأمر بالشهادة عليهم ولو لم تقبل لما امر بها ولانها
[ 73 ]
إنما ردت شهادته له للتهمة في ايصال النفع ولا تهمة في شهادته عليه فوجب ان تقبل كشهادة الاجنبي بل اولى فان شهادته لنفسه لما ردت للتهمة في ايصال النفع إلى نفسه كان اقراره عليها مقبولا وفيه رواية أخرى أن شهادة احدهما لا تقبل على صاحبه حكاها القاضي في المجرد لان شهادته غير مقبولة فلا تقبل عليه كالفاسق وقال بعض الشافعية لا تقبل شهادة الابن على ابيه في قصاص ولا حد قذف لانه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه فلا يلزمه ذلك والمذهب الاول لما ذكرنا ولانه يتهم له ولا يتهم عليه فشهادته عليه ابلغ في الصدق كشهادته على نفسه (فصل) فان شهد اثنان بطلاق ضرة أمها أو قذف زوجها لها قبلت شهادتهما لان حق امهما لا يزداد به وسواء كان المشهود عليه اباهما أو اجنبيا وتوفر الميراث لا يمنع قبول الشهادة بدليل قبول شهادة الوارث لموروثه (فصل) وتجوز شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وابيه وسائر أقاربه منها لانه لا نسب بينهما يوجب الانفاق والصلة وعتق أحدهما على صاحبه وتبسطه في ماله بخلاف قرابة النسب (مسألة) ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في احدى الروايتين) هذا الذي ذكره الخرقي وبه قال الشعبي والنخعي ومالك واسحاق وأبو حنيفة والرواية الاخرى يجوز هذا وقول شريح والحسن والشافعي وأبي ثور لانه عقد على منفعة فلا يمنع قبول الشهادة كالاجارة
[ 74 ]
وقال الثوري وابن أبي ليلى تقبل شهادة الرجل لامرأته لانه لا تهمة في حقه ولا تقبل شهادتهما له لان يساره وزيادة حقها من النفقة يحصل بشهادتها له بالمال فهي متهمة لذلك ولنا أن كل واحد من الزوجين يرث الآخر من غير حجب ويتبسط في ماله عادة فلم تقبل
شهادته له كالابن مع أبيه ولان يسار الرجل يزيد نفقة امرأته ويسار المرأة يزيد في قيمة بضعها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما يضاف إلى الآخر قال الله تعالى (وقرن في بيوتكن) وقال (لا تدخلوا بيوت النبي) فاضاف البيوت اليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم اخرى وقال تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) وقال عمر للذي قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي: لا قطع عليه عبدكم سرق مالكم ويفارق عقد الاجارة من هذه الوجوه كلها (مسألة) (ولا تقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده) أما شهادة السيد لعبده فغير مقبولة لان مال العبد لسيده فشهادته له شهادة لنفسه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا أن يشترطه المبتاع) ولا نعلم في هذا خلافا ولا تقبل شهادته له أيضا بنكاح ولا لامته بطلاق لان في طلاق امته تخليصا له وإباحة بضعها في نكاح العبد نفع له ونفع مال الانسان نفع له ولا تقبل شهادة العبد لسيده لانه يتبسط في ماله وينتفع به ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه (مسألة) (وتقبل شهادة الاخ لاخيه وسائر الاقارب والصديق لصديقه والمولى لعتيقه)
[ 75 ]
قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن شهادة الاخ لاخيه جائزة وروي ذلك عن ابن الزبير وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم وعن مالك أنه لا تقبل شهادته لاخيه إذا كان منقطعا إليه في صلته وبره لانه متهم في حقه وقال ابن المنذر قال مالك لا تجوز شهادة الاخ لاخيه في النسب وتجوز في الحقوق ولنا عموم الايات ولانه عدل غير متهم فتقبل شهادته له كالاجنبي ولا يصح القياس على الوالد والولد لان بينهما بعضية وقرابة بخلاف الاخ (فصل) وشهادة العم وابنه والخال وابنه وسائر الاقارب اولى بالجواز فان شهادة الاخ إذا اجيزت مع قربه كان تنبيها على قبول شهادة من هو أبعد منه بطريق الاولى وتقبل شهادة أحد الصديقين
للاخر في قول عامة العلماء إلا مالكا قال لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لانه يجر إلى نفسه نفعا بها فهو متهم فلم تقبل شهادته كشهادة العدو على عدوه ولنا عموم ادلة الشهادة وما قاله يبطل بشهادة الغريم للمدين قبل الحجر وان كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجى ههنا من الصديقين وأما العداوة فسببها محصور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالف الصداقة وتجوز شهادة المولى المعتق لعتيقه لانه لا تهمة فيه أشبه الاجنبي ولانه بمنزلة الاخ وشهادة الاخ لاخيه مقبولة كما ذكرنا
[ 76 ]
(فصل) الثاني ان يجر إلى نفسه نفعا بشهادته كشهادة السيد لمكاتبه والوارث لموروثه والعبد المأذون له في التجارة وكذلك لا تقبل شهادة الوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال لانه قد يسري الجرح إلى نفسه فتجب الدية لهم ولا تقبل شهادة الشفيع ببيع الشقص الذي له فيه الشفعة لانه يجر إلى نفسه نفعا ولا تقبل شهادة الغرماء بدين المفلس أو بعين ولا شهادتهم للميت بدين أو مال فانه لو ثبت للمفلس أو للميت دين أو مال تعلقت حقوقهم به ويفارق ما لو شهد الغرماء لحي لا حجر عليه بمال فان شهادتهم تقبل لان حقهم لا يتعلق بماله وانما يتعلق بذمته فان قيل إذا كان معسرا سقطت عنه المطالبة فإذا شهدا له بمال ملك مطالبته فجروا إلى أنفسهم نفعا قلنا لم تثبت المطالبة بشهادتهم انما ثبتت بيساره واقراره لدعوى الحق الذي شهدوا به قال القاضي ولا تقبل شهادة الاجير لمن استأجره نص عليه أحمد فان قيل فلم قبلتم شهادة الوارث لموروثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى نفسه نفعا بشهادته قلنا لاحق له في ماله حين الشهادة وإنما يحتمل ان يتجدد له حق وهذا لا يمنع قبول الشهادة كما لو شهد لامرأة يحتمل ان يتزوجها أو لغريم بمال له يحتمل ان يوفيه أو يفلس فيتعلق حقه به وانما المانع ما يحصل به نفع حال الشهادة فان قيل فقد منعتم قبول شهادته لموروثه بالجرح قبل الاندمال لجواز ان يتجدد له حق وان لم يكن له حق في الحال فان قلتم قد انعقد سبب حقه قلنا يبطل بالشاهد لموووثه المريض فان شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل ان عطيته له لا تنفذ وعطيته لغيره نقف على الخروج من الثلث
[ 77 ]
قلنا انما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح لانه ربما افضى إلى الموت به فتجب الدية للوارث الشاهد به ابتداء فيكون شاهدا لنفسه موجبا له بها حقا ابتداء بخلاف الشاهد للمريض والمجروح بمال فانه انما يجب للمشهود له ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل فلم يمنع الشهادة له كالشهادة لغريمه فان قيل فقد اجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بماله لنا إنما أجزناها لان الدية لا تجب للشاهد ابتداء انما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها فاشبهت الشهادة بالمال. (مسألة) (ولا تقبل شهادة الموصى له للميت والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه والشريك لشريكه والغرماء للمفلس بالمال واحد الشفيعين بعفو الاخر عن شفعته وكذلك المضارب بمال المضاربة) لانه متهم ولان الشفعة إذا بطلت للمشهود عليه توفرت على الشاهد فيكون شاهدا لنفسه وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا فاما ان شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه أو الوكيل لموكله في غير ما هو وكيل فيه أو العدو لعدوه أو الوارث لموروثه بمال أو بالجرح بعد الاندمال أو شهد احد الشفيعين بعد ان اسقط شفعته على الاخر باسقاط شفعته أو احد الوصيين بعد سقوط وصيته على الاخر بما يسقط وصيته أو كان احد الوصيتين لا يزاحم بها الاخرى ونحو ذلك مما لا تهمة فيه قبلت لان المقتضي لقبول الشهادة متحقق والمانع منتف فوجب قبولها عملا بالمقتضي (فصل) ولا تقبل شهادة الوصي للموصى عليهم ان كانوا في حجره وهذا قول اكثر اهل العلم منهم الشعبي والثوري ومالك والشافعي والاوزاعي وابو حنيفة وأجاز شريح وابو ثور شهادته لهم إذا كان الخصم غيره لانه اجنبي متهم فقبلت شهادته لهم كما بعد زوال الوصية
[ 78 ]
ولنا أنه شهد بشئ هو خصم فيه فانه الذي يطالب بحقوقهم ويخاصم فيها ويتصرف فيها فلم تقبل شهادته به كما لو شهد بمال نفسه ولانه يأكل من أموالهم عند الحاجة فيكون متهما بالشهادة به وقولهم في حجره احتراز، أما لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم فانها تقبل والحكم في أمين الحاكم يشهد للايتام الذين هم تحت ولايته كالحكم في الوصي سواء قياسا عليه فاما شهادته عليهم فمقبولة لا نعلم فيه
خلافا فانه لا يتهم عليهم ولا يجر بشهادته عليهم نفعا ولا يدفع بها عنهم ضررا فهو كالاجنبي (فصل) الثالث أن يدفع عن نفسه ضررا كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ والغرماء بجرح شهود الدين على المفلس والسيد بجرح من شهد على مكاتبه أو عبده بدين والوصي بجرح الشاهد على الايتام والشريك بجرح الشاهد على شريكه وسائر من لا تقبل شهادته لانسان إذا شهد بجرح الشاهد عليه. إنما لم تقبل شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ لما فيه من دفع الدية عن انفسهم فان كان الشاهد ان بالجرح فقيرين احتمل قبول شهادتهما لانهما لا يحملان شيئا من الدية واحتمل ان لا تقبل لجواز أن يوسرا قبل الحول فيحملان وكذلك الخلاف في البعيد الذي لا يحمل لبعده لجواز أن يموت من هو أقرب منه قبل الحول فيحمل ولا تقبل شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق أو الابراء منه ولا شهادة أحد الشفيعين على الآخر باسقاط شفعته ولا شهادة بعض غرماء المفلس على بعض باسقاط دينه أو استيفائه أو بعض من أوصي له بمال على آخر بما يبطل وصيته إذا كانت
[ 79 ]
وصيته تحصل بها مزاحمته إما لضيق الثلث عنهما أو لكون الوصيتين بمعين فهذا وأشباهه لا تقبل الشهادة فيه لان الشاهد به متهم لما يحصل بشهادته من دفع الضرر عن نفسه ونفعها فيكون شاهدا لنفسه، وقد قال الزهري مضت السنة في الاسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين والظنين المتهم، وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن لا شهادة لخصم ولا ظنين) (فصل) الرابع العداوة كشهادة المقذوف على قاذفه والمقطوع عليه الطريق على قاطعه والزوج بالزنا على امرأته. وجملة ذلك ان شهادة العدو لا تقبل على عدوه في قول أكثر أهل العلم منهم ربيعة والثوري واسحاق ومالك والشافعي والمراد بالعداوة ههنا العداوة الدنيوية مثل شهادة المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع والمقتول وليه على القاتل والمجروح على الجارح والزوج يشهد بالزنا على امرأته فلا تقبل شهادته لانه يقر على نفسه بعداوته لها بافسادها فراشه، وأما العداوة في الدين
كالمسلم يشهد على الكافر أو المحق من اهل السنة يشهد على المبتدع فلا ترد شهادته لان العداوة في الدين والدين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه، وقال أبو حنيفة لا تمنع العداوة الشهادة لانها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة لا تمنع الشهادة له
[ 80 ]
ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه) رواه أبو داود والغمر الحقد ولان العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة وتخالف الصداقة فان شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا، فان قيل فلم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة؟ قلنا العدواوة ههنا دينية والدين لا يقتضي شهادة الزور ولا ان يترك دينه بموجب دينه (فصل) فان شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه لم ترد شهادته بذلك لانا لو أبطلنا شهادته بهذا لتمكن كل مشهود عليه بابطال شهادة الشهاد بقذفه ويفارق ما لو طرأ الفسق بعد اداء الشهادة وقبل الحكم فان رد الشهادة فيه لا يفضي إلى ذلك بل إلى عكسه لان طريان الفسق يورث تهمة في حال اداء الشهادة لان العادة اسراره فظهوره بعد اداء الشهادة يدل على أنه كان يسره حال أدائها وههنا حصلت العداوة بأمر لا تهمة على الشاهد فيه، فأما المحاكمة في الاموال فليست عداوة تمنع الشهادة في غير ما حكم فيه (فصل) قال رحمه الله (الشرط الخامس ان يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب فيعيدها فانها لا تقبل للتهمة) وبهذا قال الشافعي واصحاب الرأي وقال أبو ثور والمزني وداود تقبل قال
[ 81 ]
ابن المنذر والنظر يدل على هذا لانها شهادة تقبل في غير هذه الشهادة فقبلت فيها قياسا على غيرها وكما لو شهد وهو كافر فردت شهادته ثم شهد بها بعد اسلامه ولنا أنه متهم في أدائها لانه يعير بردها وتلحقه غضاضة لكونها ردت بسبب نقص يتغير به
وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار فتلحقه التهمة في أنه قصد اظهار العدالة واعادة الشهادة لتقبل فيزول ما حصل بردها ولان الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد فعند ذلك نقول شهادته مردودة بالاجتهاد فلا تقبل بالاجتهاد لان ذلك يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وفارق ما لو إذا رد شهادة كافر لكفره أو صبي لصغره أو عبد لرقه ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي وعتق العبد واعادوا تلك الشهادة فانها لا ترد لانها لم ترد أولا بالاجتهاد وانما ردت باليقين ولان البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد فيتهم انه فعلهما لتقبل شهادته والكافر لا يرى كفره عارا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت (مسألة) ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت) وذلك لان التحمل لا تعتبر فيه العدالة ولا البلوغ ولا الاسلام لانه لا تهمة في ذلك وانما يعتبر ذلك للاداء فإذا رأى الفاسق شيئا أو سمعه ثم عدل وشهد به قبلت شهادته بغير خلاف نعلمه وهكذا
[ 82 ]
الصبي والكافر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يروون عنه بعد ان كبروا كالحسن والحسين وابن عباس وابن الزبير وابن جعفر والنعمان بن بشير، والرواية في معنى الشهادة تشترط لها العدالة وغيرها من الشروط المعتبرة للشهادة (مسألة) (ولو شهد وهو كافر أو صبي أو عبد فردت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والصبا والرق قبلت) ولما ذكرنا في الفصل الذي قبلها وقد روي عن النخعي والزهري وقتادة وأبي الزناد ومالك انها ترد أيضا في حق من أسلم وبلغ وعن احمد رواية كذلك لانها شهادة مردودة فلم تقبل كشهادة من كان فاسقا وقد ذكرنا ما يقتضي فرقا بينهما فيفترقان، وروي عن أحمد في العبد إذا ردت شهادته لرقه ثم عتق واعاد تلك الشهادة روايتان وقد ذكرنا الاولى ان شهادته تقبل لان العتق من غير فعله وهو أمر يظهر بخلاف الفسق (مسألة) (وان شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبرء الجرح ففي ردهما وجهان)
(أحدهما) تقبل لان زوال المانع ليس من فعلهم فأشبه زوال الصبا والبلوغ ولان ردها بسبب لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار باعادتها بخلاف الفسق (والثاني) لا تقبل لان ردها باجتهاده فلا ينقضها باجتهاده والاول أصح فان الاصل قبول
[ 83 ]
شهادة العدل لم يمنع منه مانع ولا يصح القياس على الشهادة المردودة بالفسق لما ذكرنا بينهما من الفرق ويخرج على هذا كل شهادة مردودة إما للتهمة أو لعدم الاهلية إذا أعادوها بعد زوال التهمة ووجود الاهلية هل تقبل؟ على وجهين (مسألة) (وان شهد الشريك بعفو شريكه عن الشفعة ثم عفا الشاهد عن شفعته واعاد تلك الشهادة لم تقبل ذكره القاضي) لانه متهم فاشبه لفاسق والاولى أنها تخرج على الوجهين لانها إنما ردت لكونها يجر بها إلى نفسه نفعا وقد زال بعفوه والله أعلم. (باب أقسام المشهود به) والمشهود به ينقسم خمسة اقسام: (أحدها) الزنا وما يوجب حده فلا يقبل فيه إلا أربعة رجال أحرار. أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله (سبحانه لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون) وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أربعة وإلا حد في ظهرك) في أخبار سوى هذا وأجمعوا على أنه يشترط كونهم عدولا ظاهرا
[ 84 ]
وباطنا مسلمين سواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالا أحرارا فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا العبيد وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ أبو ثور فقال تقبل شهادة العبيد وحكاه أبو الخطاب والشريف رواية في المذهب، وحكي عن حماد وعطاء أنهما قالا تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين لانه نقص واحد من عدد الرجال فقام مقامه امرأتان كالاموال ولنا ظاهر الآية وان العبد مختلف في شهادته فكان ذلك شبهة في الحد لانه يندرئ بالشبهات
ولا يصح قياس هذا على الاموال لخفة حكمها وشدة الحاجة إلى إتيانها لكثرة وقوعها والاحتياط في حفظها ولهذا زيد في عدد شهود الزنا على شهود المال (مسألة) (وهل يثبت الاقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت الا باربعة؟ على روايتين) وللشافعي قولان (أحدهما) يثبت بشاهدين قياس على سائر الاقاربر (والثاني) لا يثبت الا بأربعة لانه موجب لحد الزنا فاشبه فعله (فصل) (الثاني القصاص وسائر الحدود فلا يقبل فيه إلا رجلان حران) الا ما روي عن عطاء وحماد انهما قالا يقبل فيه رجل وامرأتان قياسا على الشهادة في الاموال ولنا ان هذا مما يحتاط لدرئه واسقا له ولهذا يندرئ بالشبهات ولا تدعو الحاجة إلى اثباته وفي شهادة النساء شسبهة بدليل قوله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى) وان شهادتهن
[ 85 ]
لا تقبل وان كثرت ما لم يكن معهن رجل فوجب ان لا تقبل شهادتهن فيه ولا ويصح قياس هذا على المال لما ذكرنا من الفرق وبهذا الذي ذكرناه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وحماد والزهري وربيعة ومالك والشافعي وأبو عبيد وابو ثور وأصحاب الرأي واتفق هؤلاء كلهم على أنه يثبت بشهادة رجلين ما خلا الزنا إلا الحسن فانه قال الشهادة على القتل كالشهادة على الزنا لا يقبل فيها إلا أربعة، وروي ذلك عن أبي عبد الله لانها شهادة يثبت بها القتل فلم تثبت الا باربعة كالشهادة على زنا المحصن. ولنا أنه احد نوعي القصاص فيقبل فيه اثنان كقطع الطرف وفارق الزنا فانه مختص بهذا وليست العلة كونه قتلا بدليل وجوب الاربعة في زنا البكر ولا قتل فيه ولانه انفرد بايجابه الحد على لرامي به والشهود إذا لم تكمل شهادتهم فلم يجز ان يلحق به ما ليس مثله (فصل) ولا تقبل الشهادة على القتل الا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهد نحو ان يقول ضربه فقتله وقد ذكرنا ذلك فان كانت الشهادة بالجرح فقالا ضربه فاوضحه أو فاتضح منه أو فوجدناه موضحا من الضربة قبلت شهادتهما فان قالا ضربه فاتضح رأسه أو فوجدناه موضحا أو فاسال دمه أو وجدنا
في رأسه موضحة لم يثبت الايضاح لجواز أن يتضح عقيب ضربه بسبب آخر ولا بد من تعبير الموضحة في إيجاب القصاص لانه إن كان في رأسه موضحتان فيحتاجان إلى بيان ما شهدا به منهما وإن كانت
[ 86 ]
واحدة فيحتمل ان يكون قد أوسعها غير المشهود عليه فيجب ان يعينها الشاهدان فيقولان هذه فان قالا أوضحه في موضع كذا من رأسه موضحة قدر مساحتها كذا وكذا قبلت شهادتهما وإن قالا لا نعلم قدرها أو مرضعها لم يحكم بالقصاص لانه يتعذر مع الجهالة وتجب دية الموضحة لانها لا تختلف باختلافها وان قالا ضرب رأسه فأسال دمه في بازلة وان قالا فسال دمه لم يثبت شئ لجواز أن يسيل دمه بسبب آخر وان قالا نشهد أنه ضربه فقطع يده ولم يكن أقطع اليدين قبلت شهادتهما ويثبت القصاص لعدم الاشتباه وان كان أقطع اليدين ولم يعينا المقطوعة لم يجب قصاص لانهما لم يعينا اليد التي يجب فيها القصاص منهما وتجب دية اليد لانها تختلف باختلاف الايدي (فصل) فان شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا والآخر أنه اقر بقتله ولم يقل عمدا ولا خطأ ثبت القتل لان البينة قد كملت عليه ولم تثبت صفته فنسأل المشهود عليه عن صفته فان أنكر أصل القتل لم يقبل انكاره لقيام البينة به وان أقر بقتل العمد ثبت باقراره وان أقر بالخطأ فانكر الولي فالقول قول القاتل وهل يستحلف على ذلك؟ يخرج فيه وجهان فان صدقه الولي على الخطأ ثبت عليه وان أقر بقتل العمد وكذبه الولي وقال بل كان خطأ لم يجب القود لان الولي لا يدعيه وتجب دية الخطأ ولا تحملها العاقلة في هذه المواضع كلها ولا شيئا منها وتكون في ماله لانها لم تثبت ببينة وفي بعضها القاتل مقر بانها في ماله دون مال عاقلته وان شهد أحدهما أنه قتله عمدا وشهد الآخر أنه قتله خطأ ثبت القتل
[ 87 ]
دون صفته ويطالب ببيان صفته على ما ذكرنا لان الفعل قد يعتقده أحدهما خطأ والآخر عمدا ويكون الحكم كما لو شهد احدهما أنه أقر بقتله خطأ. أن المشهود عليه يسأل على ما ذكرنا في أول الفصل فان شهد أحدهما أنه قتله غدوة والآخر انه قتله عشية أو شهد احدهما أنه قتله بسيف وقال الآخر بعصا لم تتم الشهادة ذكره القاضي لان كل واحد منهما يخالف صاحبه ويكذبه، وهو مذهب الشافعي
وقال أبو بكر يثبت القتل لاتفاقهما عليه واختلافهما في الصفة فيثبت القتل كما لو شهد أحدهما بقتل العمد والآخر بقتل الخطأ والاول أصح لان القتل غدوة غير السيف عشية ولا يتصور أن يقتل غدوة ثم يقتل عشاء ولا ان يقتل بسيف ثم يقتل بعصا بخلاف الخطأ والعمد فان الفعل واحد والخلاف في نيته وقصده وقد يخفى ذلك على أحدهما دون الآخر فان شهد أحدهما أنه قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله ثبت القتل نص عليه أحمد واختاره أبو بكر واختار القاضي أنه لا يثبت وهو مذهب الشافعي لان أحدهما شهد بغير ما شهد به الآخر فلم تتفق شهادتهما على فعل واحد ولنا أن الذي أقر به هو القتل الذي شهد به الشاهد فلا تنافي بينهما فيثبت بشهادتهما كما لو شهد احدهما بالقتل عمدا وشهد الآخر بالقتل خطأ أو كما لو شهد أحدهما أن له عليه ألفا وشهد الآخر أنه أقر له بألف. (فصل) إذا قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص فشهد أحد الورثة على واحد منهم أنه عفى
[ 88 ]
عن القصاص سقط القود سواء كان الشاهد عدلا أو فاسقا لان شهادته تضمنت سقوط حقه من القصاص وقوله مقبول في ذلك فان أحد الوليين إذا عفا عن حقه سقط القصاص كله ويشبه هذا ما لو كان عبد بين شريكين فشهد أحدهما ان شريكه أعنق نصيبه وهو موسر عتق نصيب الشاهد. وإن انكره الآخر فان كان الشاهد شهد بالعفو عن القصاص والمال لم يسقط المال لان الشاهد اعترف ان نصيبه سقط بغير اختياره فأما نصيب المشهود عليه فان كان الشاهد ممن لا تقبل شهادته فالقول قول المشهود عليه مع يمينه إذا حلف ثبتت حصته من الدية وان كان مقبول القول حلف الجاني معه وسقط حق المشهود عليه ويحلف الجاني انه عفا عن الدية ولا يحتاج إلى ذكر العفو عن القصاص لانه قد سقط بشهادة الشاهد فلا يحتاج إلى ذكره في اليمين لانه انما حلف على ما يدعى عليه ولا يدعى عليه غير الدية (فصل) إذا جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين وكانت الجراج مندملة قبلت شهادتهما لانها. يجران إلى أنفسهما نفعا وان كانت غير مندملة لم يحكم بشهادتهما
وقد ذكرناه وان شهد وارث المريض له بمال ففي قبول شهاداتهم وجهان (أظهرهما) قبولها كما لو شهدا له وهو صحيح (والثاني) لا تقبل لانه متى ثبت المال للمريض تعلق حق ورثته به ولهذا لا ينفذ تبرعه فيه فيما
[ 89 ]
زاد على الثلث وان شهد لمجروح بالجرح من لا يرثه لكونه محجوبا كالاخوين يشهد ان لاخيهما وله ابن سمعت شهادتهما فان مات ابنه نظرت فان كان الحاكم حكم بشهادتهما لم ينقض حكمه لان ما يطرأ بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها كالفسق، وان كان ذلك قبل الحكم بالشهادة لم يحكم بها لانهما صارا مستحقين فلا يحكم بشهادتهما كما لو فسق الشاهدان قبل الحكم بشهادتهما، وان شهد على رجل بالجرح الموجب للدية على العاقلة فشهد بعض عاقلة المشهود عليه بجرح الشهود لم تقبل شهادته وان كان فقيرا لانه قد يكون ذا مال وقت العقل فيكون دافعا عن نفسه ويحتمل ان تقبل لانهما لا يحملان شيئا من الدية وان كان الجرح مما لا تحمله العاقلة كجراحة العمد سمعت شهادتهما لانهما لا يدفعان عن أنفسهما ضررا، وان كان الشاهدان شهدا على اقراره بالجرح قبلت لان العاقلة لا تحمل الاعتراف وان كانت شهادتهما بجرح عقله دون ثلث الدية خطأ وكانت شهادتهما بالجرح قبل الاندمال لم تقبل لانها ربما صارت نفسا فتحملها وان كان بعده قبلت لانها لا تحمل ما دون ذلك (فصل) وإذا شهد رجلان على رجلين انهما قتلا رجلا ثم شهد المشهود عليهما على الاولين انهما اللذان قتلاه فصدق الولي الاولين وكذب الآخرين وجب القتل عليهما لان الولي يكذبهما وهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما ضررا وان صدق الجميع بطلت شهادتهم أيضا لانه بتصديق
[ 90 ]
الاولين مكذب للاخرين وتصديقه الاخرين تكذيب للاولين وهما متهمان لما ذكرناه فان قيل فكيف تتصور هذه المسألة والشهاة انما تكون بعد الدعوى فكيف يتصور فرض تصديقهم وتكذيبهم؟ قلنا يتصور ان يشهدا قبل الدعوى إذا لم يعلم الولي من قتله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (خير الشهداء الذي ياتي بشهادته قبل ان يسألها) وهذا معني ذلك
(فصل) الثالث ما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والنسب والعتق والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك فلا يقبل فيه الا رجلان وعنه في الرجعة والنكاح والعتق انه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وعنه في العتق انه يقبل فيه شاهد ويمين المدعي وقال القاضي النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين) وجملة ذلك ان ما ليس بعقوبة ولا يقصد به المال كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والايلاء والظهار والنسب والتوكيل والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا فقال القاضي المعول عليه في المذهب ان هذا لا يثبت الا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال وقد نص أحمد في رواية الجماعة على انه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق وقد نقل عن أحمد في الوكالة ان كانت بمطالبة دين يعني يقبل فيها شهادة رجل وامرأتين فأما غير ذلك فلا ووجه ذلك ان الوكالة
[ 91 ]
في اقتضاء الدين يقصد منها المال فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين كالحوالة قال القاضي فيخرج من هذا ان النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة وما عداه يخرج على روايتين وقال أبو الخطاب في النكاح والعتاق أيضا روايتان (أحدهما) لا يقبل فيه الا شهادة رجلين وهو قول النخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والشافعي وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وربيعة في الطلاق (والثانية) تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين روي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك في النكاح عن عطاء واحتجوا بانه لا يسقط بالشبهة فيثبت يرجل وامرأتين كالمال ولنا انه ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال فلم يكن للنساء في شهادته مدخل كالحدود والقصاص وما ذكروه لا يصح فان الشبهة لا مدخل لها في النكاح وان تصور بان تكون المرأة مرتابة بالحمل لم يصح النكاح
(فصل) وقد نقل عن أحمد في الاعسار ما يدل على انه لا يثبت الا بثلاثة لحديث قبيصة بن مخارق وفيه (حتي يشهد ثلاثة من ذوي الحجي من قومه لقد اصابت فلانا فاقة) قال أحمد هكذا جاء الحديث
[ 92 ]
فظاهر هذا انه أخذ به وروي عنه لا يقبل انه وصى حتى يشهد له رجلان أو رجل عدل فظاهر هذا انه اثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد إذا لم يحضره الرجال قال القاضي المذهب في هذا كله لا يثبت الا بشاهدين وحديث قبيصة في حل المسألة لا في الاعسار (فصل) ولا يثبت شئ مما ذكرنا بشاهد ويمين المدعي لانه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين فلان لا يثبت بشاهد واحد ويمين أولى قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين انما يكون ذلك في الاموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل وعن أحمد في العتق انه يثبت بشاهد ويمين العبد ذكره الخرقي فقال إذا ادعى العبد ان سيده اعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا ونص عليه أحمد وقال في الشريكين في عبد ادعى كل واحد منهما ان شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا فيخرج مثل هذا في الكتاب والولاء والوصية والوديعة والوكالة فيكون في الجميع روايتان ما خلا العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه فانه لا يثبت بشاهد ويمين قولا واحدا قال القاضي: المعمول عليه في جميع ما ذكرناه أنه لا يثبت الا بشاهدين وهو قول الشافعي وقد روى الدارقطني باسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار علي في الاموال لا تعدو ذلك) وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نه قضى بالشاهد واليمين، قال نعم في الاموال، وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره ورواه الامام أحمد باسناده وغيره
[ 93 ]
(فصل) الرابع المال وما يقصد به المال كالبيع والرهن والقرض والوصية له وجناية الخطأ يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي وهل يقبل في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين)
وجملة ذلك أن المال كالقرض والرهون والديون كلها وما يقصد به المال كالبيع والوقف والاجارة والهبة والصلح والمساقاة والمصاربة والشركة والوصية له والجناية الموجبة للمال كالخطأ وعمد الخطأ والعمد الموجب للمال دون القصاص كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وقال أبو بكر لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين لانها جناية فأشبهت ما يوجب القصاص والاول أصح لان موجبها المال فأشبهت البيع وفارق ما يوجب القصاص، لان القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء كذلك ما يوجبه والمال يثبت بشهادة النساء فكذلك ما يوجبه ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال، وقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه العزيز بقوله سبحانه (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) وأجمع أهل العلم على القول به. (فصل) وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وشريح والحسن وإياس
[ 94 ]
وعبد الله بن عتبة وأبو سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبو الزناد والشافعي وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والاوزاعي لا يقضى بشاهد ويمين وقال محمد بن الحسن من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه لان الله تعالى قال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص والزيادة في النص نسخ، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي. ولنا ما روي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد، رواه سعيد بن منصور في سننه والائمة من أهل السنن والمسانيد، قال الترمذي هذا حديث غريب وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر وقال النسائي إسناد ابن عباس في اليمين مع الشاهد اسناد جيد ولان اليمين تشرع فيمن ظهر صدقه وقوى جانبه ولذلك شرعت في حق
صاحب اليد لقوة جنبته بها وفي حق المنكر لقوة جنبته فان الاصل براءة ذمته والمدعي ههنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع) اليمين في حقه ولا حجة لهم في الآية لانها دلت على مشروعية الشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا وقولهم إن الزيادة في النص نسخ غير صحيح لان النسخ الرفع والازالة والزيادة في الشئ تقرير له لا رفع والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه
[ 95 ]
ولان الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخا فكذلك إذا انفصلت عنه ولان الآية واردة في التحمل دون الآداء ولهذا قال (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى) والنزاع في الآداء وحديثهم ضعيف وليس هو للحصر بدليل أن اليمين تشرع في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها في حق الامناء لظهور جانبهم وفي حق الاعن وفي القسامة وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة وقول محمد في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين قضوا به وقد قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) والقضاء بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له. (فصل) قال القاضي يجوز أن يحلف على ما لا تجوز الشهادة عليه مثل ان يجد بخطه دينا له على إنسان وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقا ولم يذكره أو يجد رزمانج أبيه بخطه دينا له على إنسان ويعرف من أبيه الامانة وانه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه ولا يجوز أن يشهد به ولو أخبره بحق أبيه ثقة فسكن إليه جاز أن يحلف عليه ولم يجز أن يشهد به، وبهذا قال الشافعي والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين. (أحدهما) أن الشهادة لغيره فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه ولا يحتمل هذا فيما حلف عليه لان الحق إنما هو للحالف فلا يزور أحد عليه.
[ 96 ]
(الثاني) أن ما يكتبه الانسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه بخلاف الشهادة والاولى التورع
عن ذلك ان شاء الله تعالى. (فصل) وكل موضع قبل فيه الشاهد واليمين فلا فرق بين كون المدعي مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا رجلا أو امرأة، نص عليه احمد لان من شرعت في حقه اليمين لا يختلف حكمه باختلاف هذه الاوصاف كالمنكر إذا لم تكن بينة. (فصل) قال احمد مضت السنة أن يقضى باليمين مع الشاهد الواحد فان أبي أن يحلف استحلف المطلوب، وهذا قول مالك والشافعي وروي عن أحمد: فان أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق عليه. (فصل) ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي وبه قال الشافعي، وقال مالك يقبل ذلك في الاموال لانهما في الاموال أقيمتا مقام الرجل فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل ويحتمل لنا مثل ذلك. ولنا أن البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربعة نسوة وما ذكروه يبطل بهذه الصورة فانهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين ولقبل في غير الاموال شهادة رجل وامرأتين، لان شهادة المرأتين ضعيفة تقوت بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل.
[ 97 ]
(فصل) ولا يشترط أن يقول في يمينه وان شاهدي صادق في شهادته وقيل يشترط وهل تقبل شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين في دعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه ودعوى الاسير إسلاما سابقا لمنع رقه؟ على روايتين من المحرر (الخامس) مالا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه فيقبل فيها شهادة امرأة واحدة وعنه لا يقبل فيها أقل من امرأتين وان شهد به لرجل كان أولى بثبوته ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة، قال القاضي والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء الولادة والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص وانقضاء العدة وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع لانه يجوز ان يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالنكاح.
ولنا ما روي عقبة بن الحارث قال تزوجت ام يحيى بنت أبي اهاب فأتت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض عني ثم أتيته فقلت يارسول الله انها كاذبة فقال (وكيف وقد زعمت ذلك؟) ولانها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل فيها شهادة النساء كالولادة ويخالف عقد النكاح فانه ليس بعورة وحكي عن أبي حنيفة أيضا أن شهادة النساء المنفردات لا تقبل في الاستهلال لانها تكون بعد الولادة وخالفه صاحباه وأكثر أهل العلم لانها تكون حال الولادة
[ 98 ]
فيتعذر حضور الرجال فأشبهت الولادة نفسها وقد روي عن علي انه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال رواه الامام أحمد وسعيد بن منصور من حديث جابر الجعفي وأجازه شريح والحسن والحارث العكلي وحماد فإذا ثبت هذا فكل موضع قلنا تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فانه يقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، وقال طاوس تجوز شهادة المرأة في الرضاع وإن كانت سوداء، وعن احمد رواية أخرى لا يقبل فيه إلا امرأتان وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة واليه ذهب مالك والثوري لان كل جنس يثبت به الحق يكفي فيه اثنان كالرجال ولان الرجال أكمل منهن ولا يقبل منهن إلا اثنان وقال عثمان يكفي ثلاث لان كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل وقال أبو حنيفة تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة المطلقة، وقال عطاء الشعبي وقتادة لا يقبل فيها إلا أربع لانها شهادة من شرطها الحرية فلم تقبل فيها الواحدة كسائر الشهادات، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال (شهادة امرأتين بشهادة رجل) ولنا حديث عقبة بن الحارث الذي ذكرناه وروى حذيفة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (يجزي في الرضاع شهادة امرأة واحدة) ولانه معنى يثبت بقول النساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية واخبار الديانات، وما ذكره الشافعي من اشتراط الحرية غير مسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (شهادة امرأتين بشهادة رجل) في الموضع الذي تشهد فيه مع الرجل فان شهد الرجل بذلك قبل وحده وهو قول
[ 99 ]
ابي الخطاب لانه أكمل من المرأة فإذا اكتفى بها وحدها فلان يكتفى به أولى ولان ما قبل فيه قول
المرأة الواحدة قبل فيه قول الرجل كالرواية (فصل) قال رحمه الله (وإذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت قصاص ولا دية، وان شهدوا بالسرقة ثبت المال دون القطع) لان السرقة توجب القطع والمال فإذا قصرت عن أحدهما أثبتت الآخر. والقتل يوجب القصاص والمال بدل منه فإذا لم يثبت الاصل لم يجب بدله، وإن قلنا موجبه أحد شيئين لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار فلو أوجبنا الدية وحدها اوجبنا معينا، وقال ابن أبي موسي لا يجب المال فيما إذا شهدوا بالسرقة ولانها شهادة لا توجب الحد وهو أحد موجبها فإذا بطلت في أحدهما بطلت في الآخر (مسألة) (وإذا ادعى رجل الخلع قبل فيه رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي) لانه يدعي المال الذي خالعت به وان ادعته المرأة لم يقبل فيه إلا رجلان لانها لا تقصد منه إلا الفسخ وخلاصها من الزوج ولا يثبت ذلك بهذه البينة فاما ان اختلفا في عوض الخلع خاصة ثبت برجل وامرأتين وكذلك ان اختلفا في الصداق لانه مال (فصل) وان ادعى رجل انه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأ وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلف معه ثبت قتل الثاني لانه خطأ موجبه المال ولم يثبت
[ 100 ]
قتل الاول لانه عمد موجبه القصاص فهما كالجنايتين المفترقتين وعلى قول أبي بكر لا يثبت منهما شئ لان الجناية عنده لا تثبت إلا بشاهدين سواء كان موجبها المال أو غيره، ولو ادعى رجل على آخر انه سرق منه وغصبه مالا فحلف بالطلاق والعتاق ما سرق منه ولا غصبه، وأقام المدعي شاهدا أو امرأتين شهدا بالسرقة والغصب، أو شاهدا وحلف معه استحق المسروق والغصوب لانه أتى ببينة يثبت ذلك بمثلها ولم يثبت طلاق ولا عتق لان هذه البينة جحد في المال دون الطلاق والعتاق وظاهر مذهب الشافعي (مسألة) (وإذا شهد رجل وامرأتان لرجل بجارية انها أم ولده ولدها منه قضي له بالجارية ام الولد وهل تثبت حرية الولد ونسبه من مدعيه؟ على روايتين)
أما الجارية فنحكم له بها لان ام الولد مملوكة له ولهذا يملك وطأها واجارتها واعارتها وتزويجها ويثبت لها حكم الاستيلاد باقراره لان إقراره ينفذ في ملكه ولذلك يثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين. ولا نحكم له بالولد لانه يدعي نسبه والنسب لا يثبت بذلك ويدعي حريته أيضا فعلى هذا نقول الولد في يد المنكر مملوكا له وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يأخذها وولدها ويكون ابنه لان من يثبت له العين ثبتت له نماؤها والولد نماؤها وذكر فيها أبو الخطاب عن احمد روايتين كقول الشافعي
[ 101 ]
ولنا انه لم يدع الولد ملكا وإنما يدعي حريته ونسبه، وهذان لا يثبتان بهذه البينة فيبقيان على ما كانا عليه (فصل) فان ادعى انها كانت ملكه فأعتقها لم يثبت ذلك بشاهد وامرأتين لان البينة شهدت بملك قديم فلم يثبت والحرية لا تثبت إلا برجل وامرأتين ويحتمل أن تثبت كالتي قبلها (باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة) (تقبل الشهادة على الشهادة فيما يقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة (أحدها) جوازها (والثاني) في موضعها (والثالث) في شرطها. أما الاول فان الشهادة على الشهادة جائزة باجماع العلماء وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. قال أبو عبيد اجتمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على امضاء الشهادة على الشهادة في الاموال، ولان الحاجة داعية إليها فانها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على الموقوف وما يتأخر اثباته عند الحاكم ثم يموت شهوده، وفي ذلك ضرر على الناس ومشقة شديدة فوجب أن تقبل كشهادة الاصل
[ 102 ]
(الفصل الثاني) انها تقبل في المال وما يقصد به المال كما ذكر أبو عبيد ولا تقبل في حد وهذا قول الشعبي والنخعي وابي حنيفة وقال مالك والشافعي في قول وابو ثور تقبل في الحدود وفي كل حق لان ذلك يثبت بشهادة الاصل فيثبت بالشهادة على الشهادة كالمال
ولنا ان الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات والاسقاط بالرجوع عن الاقرار والشهادة على الشهادة فيها شبهة فانها يتطرق إليها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الاصل وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الاصل وهو معتبر بدليل انها لا تقبل مع القدرة على شهود الاصل فوجب أن لا تقبل فيما يندرئ بالشبهات ولانها إنما تقبل للحاجة ولا حاجة إليها في الحد لان ستر صاحبه اولى من الشهادة عليه ولانه لا نص فيها ولا يصح قياسها على شهادة الاصل لما ذكرنا فيبطل اثباتها، وظاهر كلام احمد انها لا تقبل في القصاص أيضا ولا حد القذف لانه قال انما يجوز في الحقوق. اما الدماء والحد فلا وهذا قول ابي حنيفة وقال مالك والشافعي يقبل وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في كل شئ إلا في الحدود ولانه حق آدمي لا يسقط بالرجوع عن الاقرار به ولا يستحب ستره فأشبه الاموال وذكر أصحابنا هذا رواية في الطلاق وليس هذا برواية فان الطلاق لا يشبه القصاص والمذهب انها لا تقبل فيه لانه عقوبة فيه تدرأ بالشبهات وتبني على الاسقاط فأشبهت الحدود فاما ما عدا الحدود والقصاص والاموال كالنكاح والطلاق وسائر ما لا يثبت إلا
[ 103 ]
بشاهدين فنص أحمد على قبولها في الطلاق والحقوق فدل على قبولها في جميع هذه الحقوق وهذا قول الخرقي، وقال ابن حامد لا تقبل في النكاح ونحوه قول أبي بكر فعلى قولهما لا تقبل الا في المال وما يقصد به المال وهو قول أبي عبيد لانه حق لا يثبت الا بشاهدين فاشبه حد القذف ووجه الاول أنه حق لا يدرأ بالشبهات فيثبت بالشهادة على الشهادة كالمال وبهذا فارق الحدود (الفصل الثالث) في شروطها وهي ثلاثة (أحدها) أن تتعذر شهادة شهود الاصل بموت أو مرض أو غيبة إلى مسافة القصر وعنه لا تقبل إلا أن يموت شاهد الاصل هذا أحد الشروط وهو تعذر شهادة الاصل لموت أو غيبة أو مرض أو حبس أو خوف من سلطان أو غيره، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وحكي عن أبي يوسف ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الاصل قياسا على الرواية وأخبار الديانات وروي عن الشعبي أنها لا تقبل إلا ان يموت شاهد الاصل لانهما إذا كانا حيين رجي حضورهما فكانا كالحاضرين وعن احمد مثل ذلك الا ان القاضي تأوله
على الموت وما في معناه من الغيبة البعيدة ونحوها ويمكن تأويل قول الشعبي على هذا فيزول هذا الخلاف ولنا على اشتراط تعذر شاهد الاصل انه إذا أمكن الحاكم أن يسمع شهادة شاهدي الاصل يستغني عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع وكان احوط للشهادة فان سماعه منهما معلوم وصدق شاهدى الفرع عليهما مظنون والعمل باليمين مع امكانه أولى من اتباع الظن ولان شهادة الاصل
[ 104 ]
تثبت نفس الحق وهذا إنما تثبت الشهادة عليه ولان في شهادة الفرع ضعفا لانه يتطرق إليها احتمالان احتمال غلط شاهدي الفرع فيكون ذلك وهنا فيها ولذلك لم ينتهض لاثبات الحدود والقصاص فينبغي أن لا يثبت الا عند عدم شهادة الاصل كسائر الابدال ولا يصح قياسها على أخبار الديانات لانه خفف فيها وكذلك لا يعتير فيها العدد ولا الذكورية ولا الحرية ولا اللفظ والحاجة داعية إليها في حق عموم الناس بخلاف مسئلتنا. ولنا على قبولها عند تعذرها بغير الموت أنه قد تعذرت شهادة الاصل فتقبل شهادة الفرع كما لو مات شاهد الاصل ويخالف الحاضرين فان سماع شهادتهما ممكن فلم يجز غير ذلك. إذا ثبت هذا فذكر القاضي ان الغيبة المشروطة لسماع شهاد الفرع أن يكون شاهد الاصل بموضع لا يمكن أن يشهد ثم يرجع من يومه وهذا قاله أبو يوسف وأبو حامد من أصحاب الشافعي لان الشاهد تشق عليه المطالبة بمثل هذا السفر. وقد قال تعالى (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وإذا لم يكلف الحضور تعذر سماع شهادته فاحتيج إلى سماع شهادة الفرع وقال أبو الخطاب تعتبر مسافة القصر. وهو قول أبي حنيفة وأبي الطيب الطبري مع اختلافهم في مسافة القصر كل على أصله لان ما دون ذلك في حكم الحاضر في الترخص وغيره بخلاف مسافة القصر ويعتبر دوام هذا الشرط إلى الحكم وسنذكره ان شاء الله تعالى
[ 105 ]
(مسألة) (ولا يجوز لشاهد الفرع ان يشهد حتى يسترعيه شاهد الاصل فيقول اشهد على شهادتي اني أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه أقر عندي أو أشهدني على نفسه
طوعا بكذا أو شهدت عليه أو أقر عندي بكذا، وان سمعه يقول أشهد على فلان بكذا لم يجز أن يشهد إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم أو يشهد بحق يعزيه إلى سبب من بيع أو اجارة أو قرض فهل يشهد؟ به على وجهين) يشترط لجواز شهادة الفرع أن يسترعيه على ما ذكرنا فان سمع شاهدا يسترعي آخر شهادة يشهد عليها جاز لهذا السامع ان يشهد بها لحصول الاسترعاء ويحتمل أن لا يجوز له ان يشهد إلا ان يسترعيه بعينه وهو قول أبي حنيفة قال أحمد لا تكون شهادة الا ان يكون يشهدك فاما ان سمعه يتحدث فانما ذلك حديث وبما ذكرناه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد فاما ان سمع شاهدا يشهد عند الحاكم بحق أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سبب نحو ان يقول أشهد ان لفلان على فلان الفا من ثمن سبيع فهل يشهد به؟ فيه روايتان ذكرهما أبو الخطاب، وذكر القاضي أن له الشهادة وهو مذهب الشافعي لانه بالشهادة عند الحاكم ونسبة الحق إلى سببه يزول الاحتمال ويرتفع الاشكال فتجوز له الشهادة على شهادته كما
[ 106 ]
لو استرعاه والرواية الاخرى لا يجوز له ان يشهد على شهادته وهو قول أبي حنيفة وأبي عبيد لان الشهادة فيها معنى النيابة فلا ينوب عنه الا باذنه ومن نصر الاول قال هذا ينقل شهادته ولا ينوب عنه لانه لا يشهد مثل شهادته إنما شهد على شهادته، فاما ان قال اشهد اني أشهد على فلان بكذا فالاشبه أنه يجوز ان يشهد على شهادته وهو قول أبي يوسف لان معنى ذلك اشهد على شهادتي اني أشهد لانه إذا قال اشهد فقد امره بالشهادة ولم يسترعه وما عدا هذه المواضع لا يجوز ان يشهد فيها على الشهادة فإذا سمعه يقول أشهد ان لفلان على فلان ألف درهم لم يجز ان يشهد على شهادته لانه لم يسترعه الشهادة فيحتمل ان يكون وعده بها وقد يوصف الوعد بالوجوب مجازا فان النبي صلى الله عليه وسلم قال (العدة دين) ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم فلم يجز لسامعه الشهادة به، فان قيل فلو سمع رجلا يقول لفلان على فلان الف درهم جاز ان يشهد بذلك فكذا هذا قلنا الفرق بينهما من وجهين: (أحدهما) ان الشهادة تحتمل العلم ولا يحتمل الاقرار ذلك (الثاني) أن الاقرار أوسع في لزومه من الشهادة بدليل صحته في المجهول وانه لا يراعى فيه العدد بخلاف الشهادة ولان الاقرار قول
الانسان على نفسه وهو غير متهم عليها فيكون أقوى منها ولهذا لا تسمع الشهادة في حق المقر ولا يحكم بها ولو قال شاهد الاصل انا اشهد أن لفلان على فلان ألفا فاشهد به انت عليه لم يجز ان يشهد على
[ 107 ]
شهادته لانه ما استرعاه شهادته فيشهد عليها ولا هو شاهد بالحق لانه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه ولا شاهد سببه. (فصل) فأما كيفية الاداء إذا كان قد استرعاه الشهادة فانه يقول أشهد أن فلان بن فلان وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته أشهدني أنه يشهد ان لفلان بن فلان كذا أو ان فلانا اقر عندي بكذا وان لم يعرف عدالته لم يذكرها وان سمعه يشهد غيره قال اشهد ان فلان بن فلان اشهد على شهادته ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا، وان كان سمعه يشهد عند الحاكم قال اشهد ان فلان بن فلان شهد على فلان بن فلان عند الحاكم بكذا، وان كان نسب الحق إلى سببه قال اشهد ان فلان بن فلان قال اشهد ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا من جهة كذا وكذا وإذا اراد الحاكم ان يكتب ذلك كتبه على ما ذكرناه (فصل) ويشترط ان يعينا شاهدي الاصل على ما ذكرنا ويسمياهما. وقال ابن جرير إذا قالا ذكرين حرين عدلين جازوان لم يسميا لان الغرض معرفة الصفات دون العين وليس بصحيح لجواز ان يكونا عدلين عندهما وهما مجروحان عند غيرهما ولان المشهود عليه ربما امكنه جرح الشهود فإذا لم يعرف أعيانهما تعذر عليه ذلك.
[ 108 ]
(مسألة) (وتثبت شهادة شاهدي الاصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدوا على كل واحد منهما أو شهد على كل واحد منهما شاهد من شهود الفرع وقال أبو عبد الله بن بطة لا يثبت حتى يشهد اربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع). وجملة ذلك انه يجوز أن يشهد على كل واحد من شاهدي الاصل شاهد فرع فيشهد شاهدا فرع على شاهدي اصل، قال القاضي لا يختلف كلام احمد في هذا. وهو قول شريح والشعبي والحسن وابن
شبرمة وابن ابي ليلى والثوري واسحاق والبتي والعنبري وقال اسحاق لم يزل اهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء. قال احمد وشاهد على شاهد يجوز لم يزل الناس على ذا شريح فمن دونه إلا أن أبا حنيفة أنكره، وذهب أبو عبد الله بن بطة إلى أنه لا يقبل على كل شاهد أصل الا شاهدا فرع وهذا قول ابي حنيفة ومالك والشافعي لان شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الاصل فلا تثبت شهادة كل واحد منهما بأقل من شاهدين كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد على كل واحد منها واحد ولنا ان هذا يثبت بشاهدين وقد شهد اثنان بما يثبته فيثبت كما لو شهدا بنفس الحق ولان شاهدي الفرع بدل من شاهدي الاصل فيكفي في عددها ما يكفي في شهادة الاصل ولان هذا اجماع
[ 109 ]
على ما ذكره احمد وإسحاق ولان شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الاصل حقا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول واحد كاخبار الديانات فانهما لا ينقلان الشهادة وليسقت حقا عليهما ولهذا لو انكراهما لم يعد الحاكم عليهما ولم يبطلها منهما وهذا الجواب عما ذكروه. إذا ثبت هذا فمن اعتبر لكل شاهد أصل شاهدي فرع أجاز ان يشهد شاهدان على كل واحد من شاهدي الاصل وبه قال مالك وأصحاب الرأي قال الشافعي رأيت كثيرا من الحكام والمفتين يجيزه وخرجه على قولين (أحدهما) جوازه (والآخر) لا يجوز حتى يكون شهود الفرع أربعة على كل شاهد اصل شاهدا فرع، واختاره المزني لان من يثبت به أحد طرفي الشهادة لا يثبت به الطرف لآخر كما لو شهد أصلا ثم يشهد مع آخر على شهادة شاهد الاصل الآخر ولنا انهما شهدا على قولين فوجب أن يقبل كما لو شهدا باقرار اثنين أو باقرارين بحقين وانما لم يجز أن يشهد شاهد الاصل فرعا لانه يؤدي إلى أن يكون بدلا أصلا بشهادة بحق وذلك لا يجوز ولانهم يثبتون بشهادتهم شهادة الاصل وليست شهادة أحدهما ظرفا لشهادة الآخر فعلى قول الشافعي إن يثبت الحق بشهادة رجل وامرأتين وجب أن يكون شهود الفرع ستة وإن كان ثبت بأربع نسوة وجب أن يكون شهود الفرع ثمانية وإن كان المشهود به زنا خرج فيه خمسة أقوال (أحدها) لا مدخل لشهادة
[ 110 ]
الفرع في اثباته (والثاني) يجوز ويجب أن يكون شهود الفرع ستة عشر فيشهد على كل واحد من شهود الاصل أربعه (الثالث) يكفي ثمانية (والرابع) يكون أربعة يشهدون على كل واحد (والخامس) يكفي شاهدان يشهدان على كل واحد من شهود الاصل وهذا اثبات لحد الزنا بشاهدين وهو بعيد (فصل) فان شهد بالحق شاهد أصل وشاهدا فرع يشهدان على شهادة أصل آخر جاز وإن شهد شاهد أصل وشاهد فرع خرج فيه ما ذكرنا من الخلاف من قبل (فصل) وان شهد شاهد أصل ثم شهد هو وآخر فرعا على شاهد أصل آخر لم تفد شهادته الفرعية شيئا وكان حكم ذلك حكم ما لو شهد على شهادته شاهد واحد (مسألة) (ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع) عن احمدان الذكورية شرط فلا يقبل في شهود الفرع نساء بحال سواء كان الحق مما يقبل فيه شهادة النساء اولا. وهذا قول الشافعي ومالك والثوري لانهم يثبتون بشهادتهم شهود الاصل دون الحق وليس ذلك بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجل فأشبه القصاص والحد (والثانية) لهن مدخل فيما كان المشهود به يثبت بشهادتهن في الاصل قال حرب قيل لاحمد فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز؟ قال نعم يعني إذا كان معهما رجل، وذكر الاوزاعي قال: سمعت نمير بن أوس يجيز شهادة المرأة على شهادة المرأة. ووجهه ان المقصود بشهادتهن اثبات الحق الذي شهد به شهود الاصل فيدخل
[ 111 ]
النساء فيه فيجوز أن يشهد رجلان على رجل وامرأتين، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى ان النساء ليس لهن مدخل في الشهادة على الشهادة لان فيها ضعفا لما ذكرنا من قبل فلا مدخل لهن فيها لانها تزداد بشهادتهن ضعفا فاعتبرت تقويتها باعتبار الذكورية فيها فعلى هذه الرواية لا يكن أصولا ولا فروعا ولنا ان شهود الفرع ان كانوا يثبتون شهادة الاصول فهي تثبت بشهادتهم وان كانوا يثبتون نفس الحق فهو يثبت بشهادتهم ولان النساء يشهدن بالمال أو ما يقصد به المال فيثبت بشهادتهن كما لو أدينها عند الحاكم وما ذكر للرواية الاخرى لا أصل له (مسألة) (قال القاضي لا تجوز شهادة رجلين على شهادة رجل وامرأتين) نص عليه احمد
وقال أبو الخطاب هذه الرواية سهو من ناقلها (مسألة) (ولا يحوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى تثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الاصل) وذلك لان الحكم ينبني على الشهادتين جميعا فاعتبرت الشروط في كل واحد منهما ولا نعلم في هذا خلافا فان عدل شهود الاصل شهود الفرع فشهدا بعدالتهما وعلى شهادتهما جاز بغير خلاف نعلمه وان لم يشهدا بعدالتهما جاز، ويتولى الحاكم ذلك فإذا علم عدالتهما حكم وان لم يعرفهما وهذا مذهب الشافعي
[ 112 ]
وقال الثوري وابو يوسف ان لم يعدل شاهد الفرع شاهدي الاصل لم يسمع الحاكم شهادتهما لان ترك تعديله يرتاب به الحاكم ولا يصح ذلك لانه يجوز أن لا يعرفا ذلك فيرجع فيه إلي بحث الحاكم ويجوز أن يعرفا عدالتهما ويتركانها اكتفاء بما يثبت عند الحاكم من عدالتهما (مسألة) (وان شهدوا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الاصل وقف الحكم على سماع شهادتهم) لانه قدر على الاصل قبل العمل بالبدل فأشبه المتيمم إذا قدر على الماء فلا تصح صلاته حتى يتوضأ (مسألة) (وان حدث منهم ما يمنع قبول شهادتهم لم يجز الحكم) لابد من اشتراط اسم العدالة في الجميع إلى استمرار الحكم لما ذكرنا في شاهد الاصل قبل هذا فعلى هذا ان رجعوا قبل الحكم لم يحكم بها لان الحكم ينبني عليها فأشبه ما لو فسق شهود الفرع أو رجعوا (مسألة) (فان حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان) لان الاتلاف كان بشهادتهم فلزمهم الضمان كما لو اتلفوا بأيديهم (مسألة) (فان رجع شهود الاصل لم يضمنوا) لان الاتلاف كان بشهادة غيرهم فلا يلزمهم ضمان كالمتسبب مع المباشر ولانهم لم يلجئوا الحاكم إلي الحكم ويحتمل أن يضمنوا لان الحكم يضاف إليهم بدليل انه تعتبر عدالتهم فلزمهم الضمان كما لو حكم بشهادتهم ثم رجعوا ولانهم سبب في الحكم فيضمنون كالمزكين
[ 113 ]
(فصل) فان مات شهود الاصل أو الفرع لم يمنع الحكم وكذلك لو مات شهود الاصل قبل أداء الفروع الشهادة لم يمنع من أدائها والحكم بها لان موتهم من شرط سماع شهادة الفروع والحكم فلا يجوز جعله مانعا وكذلك ان جنوا لان جنونهم بمنزلة موتهم (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان ولم ينقض الحكم سواء كان المال قائما أو تالفا) وسواء كان قبل القبض أو بعده أما الرجوع به على المحكوم له فلا نعلم بين أهل العلم خلافا انه لا يرجع به عليه ولا ينقض الحكم في قول أهل الفتيا من علماء الامصار وحكي عن سعيد ابن المسيب والاوزاعي انهما قالا ينقض الحكم وان استوفى الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا زال ما يثبت به الحكم كما لو تبين انهما كانا كافرين ولنا ان حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما كما لو ادعياه لانفسهما يحقق هذا ان حق الانسان لا يزول إلا ببينة أو اقرار ورجوعهما ليس بشهادة ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ولا هو إقرار من صاحب الحق وفارق ما إذا تبين انهما كانا كافرين لاننا تبينا انه لم يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول وفي مسئلتنا لم يتبين ذلك بجواز أن يكونا عدلى صادقين في شهادتهما وانما كذبا في رجوعهما ويفارق العقوبات حيث لا تستوفى لانها تدرأ بالشبهات. وأما الرجوع على الشاهدين
[ 114 ]
به فهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأصحاب الرأي وقول الشافعي القديم وقال في الجديد لا يرجع عليهما بشئ إلا أن يشهدا بعتق عبد فيضمنا قيمته لانه لم يوجد منهما اتلاف للمال ولا يد عادية عليه فلم يضمنا كما لو ردت شهادتهما ولنا انهما انما أخرج ماله من يده بغير حق وحالا بينه وبينه فلزمهما الضمان كما لو شهدا بعتقه ولانهما أزالا يد السيد عن عبده بشهادتهما المرجوع عنها فأشبه ما لو شهدا بحريته ولانهما تسببا إلى اتلاف حقه بشهادتهما بالزور عليه فلزمهما الضمان كشاهدي القصاص يحقق هذا انه إذا لزمهما القصاص الذي يدرأ بالشبهات فوجوب المال أولى وقوله انهما ما أتلفا المال يبطل بما إذا شهدا بعتقه فان الرق في الحقيقة لا يزول بشهادة الزور وإنما حالا بين سيده وبينه وفي موضع اتلاف
المال فهما تسببا إلى تلفه فلزمهما ضمان ما تلف بسببهما كشاهدي القصاص وشهود الزنا وحافر البئر وناصب السكين. (مسألة) (وان رجع شهود العتق غرموا القيمة) كالحكم في الشهادة بالمال على ما ذكرنا من الخلاف لانهما من جملة المال. وإن شهدا بالحرية ثم رجعا عن الشهادة لزمهما غرامة قيمتهما لسيدهما بغير خلاف بينهم فيه، فان المخالف في التي قبلها هو الشافعي وقد وافق ههنا وهو حجة عليه فيما خالف فيه ويغرما القيمة لان العبيد من المتقومات.
[ 115 ]
(مسألة) (وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى وان كان بعده لم يغرموا شيئا) إذا شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة ثم رجعا عن الشهادة وكان قبل الدخول فالواجب عليهما نصف المسمى. وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه يجب مهر المثل لانهما تلفا عليه البضع فلزمها عوضه وهو مهر المثل وفي القول الآخر يلمزمهما نصف مهر المثل لانه إنما يملك نصف البضع بدليل انه إنما يجب عليه نصف المهر. ولنا أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل ما لو أخرجه من ملكه بردتها واسلامها أو قتلها نفسها فانها لا تضمن شيئا ولو فسخت نكاحها قبل الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحها لم يغرم شيئا وإنما يجب نصف المسمى لانهما ألزماه للزوج بشهادتهما وقرراه عليه كما يرجع به على فسخ نكاحه برضاع أو غيره وقوله انه ملك نصف البضع غير صحيح فان البضع لا يجوز تمليك نصفه ولان العقد ورد على جميعه والصداق واجب جميعه ولهذا تملكه المرأة إذا قبضته ونماؤه لها وتملك طلبه إذا لم تقبضه وإنما يسقط نصفه بالطلاق واما ان يكون الحكم بالفرقة بعد الدخول فليس عليهما ضمان وبه قال أبو حنيفة وعن احمد رواية أخرى عليهما ضمان المسمى في الصداق لانهما فوتا عليه
[ 116 ]
نكاحا وجب عليه به عوض فكان عليهما ضمان ما وجب به كما قبل الدخول، وقال الشافعي يلزمهما له مهر المثل لانهما أتلفا البضع وقد سبق الكلام سعه في هذا ولا يصح القياس على ما قبل الدخول لانهما قررا عليه نصف المسمى وكان بعرض السقوط وههنا قد تقرر المهر كله بالدخول فلم يقررا عليه شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما فأشبه ما لو أخرجاه من ملكه بقتلها أو أخرجته هي بردتها. (مسألة) (وإن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف وان كان بعده وقالوا أخطأنا فعليهم دية ما تلف ويقسط الغرم على عددهم فان رجع أحدهم غرم بقسطه). وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها لم تخل من ثلاثه أحوال (أحدها) أن يرجعوا قبل الحكم بها فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم وحكى عن ابي ثور أنه شذ عن اهل العلم فقال يحكم بها، لان الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحكم وهذا فاسد، لان الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقا ولان رجوعهما يظهر به كذبهما فلم يجز به الحكم كما لو شهد بقتل رجل ثم علمت حياته ولانه زال ظنه في أن ما شهد به حق فلم يجز به الحكم كما لو تغير اجتهاده وفارق ما بعد الحكم فانه تم بشرطه ولان الشك لا يزيل ما حكم به كما لو تغير اجتهاده (الحال الثاني) أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فان كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص ولم يجز استيفاؤه، لان
[ 117 ]
الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات ولان المحكوم به عقوبة لم يبق ظن استحقاقها ولا سبيل إلى خبرها فلم يجز استيفاؤها كما لو رجعا قبل الحكم وان كان المحكوم به مالا استوفي ولم ينقض الحكم وقد ذكرناه وفارق المال القصاص والحد فانه يمكن جبره بالزام الشاهد عوضه والحد والقصاص لا يجير بايجاب مثله على الشاهدين لان ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع لزجر والتشفي والانتقام لا للجبر، فان قيل فلم قلتم إنه إذا حكم بالقصاص ثم فسق الشاهد استوفي في أحد الوجهين قلنا الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لانهما يقران أن شهادتهما زور وانهما كانا فاسقين حين شهدا وحين حكم الحاكم بشهادتهما وهذا الذي طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا ولا انه كان فاسقا حين أدى الشهادة ولا حين الحكم بها ولهذا لو فسق بعد
الاستيفاء لم يلزمه شئ والراجعان تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا، (الحال الثالث) أن يرجعا بعد الاستيفاء فانه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شئ سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة لان الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين فان كان المشهود اتلافا في مثله القصاص كالقتل والجرح وقالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص وبه قال ابن أبي ليلى والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وقال أصحاب الرأي لاقود عليهما لانهما لم يباشرا الاتلاف فأشبها حافر البئر إذا تلف به شئ.
[ 118 ]
ولنا أن عليا رضي الله عنه شهد عنده رجلان على رجل بالسرقة فقطعه ثم عادا فقالا أخطأنا ليس هذا السارق فقال علي لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما ولا مخالف له في الصحابة ولانهما تسببا إلى قتله وقطعه بما يفضي إليه غالبا فلزمهما القصاص كالمكره وفارق الحفر فانه لا يفضي إلى القتل غالبا وقد ذكرنا هذه المسألة في الجنايات فان قالا عمدنا الشهادة عليه ولم نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك وجبت الدية في أموالهما مغلظة لانه شبه عمد ولم تحمله العاقلة لانه ثبت باعترافهما وان قال أحدهما عمدت قتله وقال الآخر أخطأت فعلى العامد نصف الدية مغلظة وعلى الآخر نصفها مخففة ولا قصاص في الصحيح من المذهب وان قال كل واحد منهما إنما اعترف بعمد شارك فيه مخطئا وهو لا يوجب القصاص والانسان إنما يؤاخذ باقراره لا باقرار غيره فعلى هذا تجب عليهما دية مغلظة وإن قال أحدهما عمدنا جميعا وقال الآخر عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الاول القصاص وفي الثاني وجهان كالتي قبلها، وإن قالا أخطأنا فعليهما الدية مخففة في أموالهما لان العاقلة لا تحمل الاعتراف وان قال أحدهما عمدنا معا وقال الآخر اخطأنا معا فعلى الاول القصاص وعلى الثاني نصف الدية مخففة لان كل واحد منهما يؤاخذ باقراره، وان قال كل واحد منهما عمدت ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القصاص لاقرار كل واحد منهما بالعمد ويحتمل أن لا يجب عليهما القصاص، لان اقرار كل واحد منهما لو انفرد
[ 119 ]
لم يجب عليه قصاص وإنما يؤاخذ الانسان باقراره لا باقرار صاحبه وان قال أحدهما عمدت ولا أدري
ما قصد صاحبي سئل صاحبه فان قال مثل قوله فهي كالتي قبلها، وإن قال عمدنا معا فعليه القصاص وفي الاول وجهان وإن قال أخطأت أو أخطأنا فلا قصاص على كل واحد منهما وان جهل حال الآخر بجنون أو موت أو لم يقدر عليه فلا قصاص على المقر وعليه نصيبه من الدية المغلظة. (فصل) وان رجع أحد الشاهدين وحده فالحكم فيه كالحكم في رجوعهما في ان الحاكم لا يحكم بشهادتهما إذا كان رجوعه قبل الحكم ولا تستوفى العقوبة إذا رجع قبل استيفائها لان الشرط يختل برجوعه كاختلاله برجوعهما وان كان رجوعه بعد الاستيفاء لزم حكم اقراره وحده فان اقربما يوجب القصاص وجب عليه وان اقربما يوجب دية مغلظة وجب عليه قسطه منها وان أقر بالخطأ وجب عليه قسطه من الدية المخفقة وان كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق المالية أو القصاص ونحوه فيما يثبت بشاهدين أو أكثر من أربعة فرجع لزائد منهم قبل الحكم أو الاستيفاء لم يمنع ذلك الحكم ولا الاستيفا لان ما بقي من البينة كاف في اثبات الحكم واستيفائه وان رجع بعد الاستيفاء فعليه القصاص ان أقر بما يوجبه أو قسطه من الدية أو من المفوت بشهادتهم ان كان غير ذلك وفي ذلك اختلاف ذكرنا بعضه
[ 120 ]
(فصل) وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع فانه يوزع بينهم على عددهم قلوا أو كثروا قال أحمد في روايه بن منصور إذا شهد بشهادة ثم رجع وقد اتلف مالا فانه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة فان كانوا ائنين فعليه النصف وان كانوا ثلاثة فعليه الثلث وعلى هذا لو كانوا عشرة فعليه العشر فان رجع أحدهم وحده غرم بقسطه على ما ذكرنا وفيه اختلاف يذكر إنشاء الله تعالى فإذا شهد اربعة بالقتل فقتل المشهود عليه ثم رجع واحد فعليه الربع ان قال أخطأنا وان رجع اثنان فعليهما النصف (مسألة) (فإذا شهد ستة بالزنا على محصن فرجم بشهادتهم ثم رجع واحد فعليه القصاص أو سدس الدية وان رجع اثنان فعليهما القصاص أو ثلث الدية) وبهذا قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة ان رجع واحد أو اثنان فلا شئ عليهما لان بينة
الزنا قائمة فدمه غير محقون وان رجع ثلاثة فعليهم ربع الدية وان رجع أربعة فعليهم نصف الدية وان رجع خمسة فعليهم ثلاثة ارباعها وان رجع الستة فعلى كل واحد منهم سدسها ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان كمذهب أبي حنيفة واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة فرجع أحدهم فقال أبو إسحاق لا قصاص عليه لان بينة القصاص قائمة وهل يجب عليه ثلث الدية؟
[ 121 ]
على وجهين قال ابن الحداد عليه القصاص وفرق بينه وبين الراجع من شهود الزنا إذا كان زائدا بان دم المشهود عليه بالزنا غير محقون وهذا دمه محقون وانما أبيح دمه لولي القصاص وحده واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم على وجهين (أحدهما) يضمن الثلث (والثاني) لا شئ عليه ولنا ان الاتلاف حصل بشهادتهم فالراجع يقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا كمن هو مثله في ذلك فلزمه القصاص كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله ولانه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثاني من شهود القصاص والرابع من شهود الزنا ولانه أحد من حصل الاتلاف بشهادته فلزمه من الضمان بقسطه كما لو رجع الجميع، وقولهم ان دمه غير محقون غير صحيح فان الكلام فيما إذا قتل ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثم أقرانه قتله ظلما وان الشهود شهود زور والتفريق بين القصاص
[ 122 ]
والرجم يكون دم القاتل غير محقون لا يصح لانه غير محقون بالنسبة إلى من قتله ولان كل واحد مؤاخذ باقراره ولا يعتبر قول شريكه ول هذا لو أقر أحد الشريكين بعمدها وقال الآخر أخطأنا وجب القصاص على المقر بالعمد (مسألة) (وان شهد اربعة بالزنا واثنان بالاحصان ثم رجع الجميع لزمتهم الدية اسداسا في أحد الوجهين وفي الاخرى على شهود الزنا النصف وعلى شهود الاحصان النصف فان شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالاحصان صحت الشهادة فان رجم ثم رجعوا عن الشهادة فعلى من شهد بالاحصان ثلثا الدية على الوجه الاول وعلى الوجه الثاني يلزمهم ثلاثة أرباعها)
وجملة ذلك انه إذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالاحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة فالضمان على جميعهم وقال أبو حنيفة لا ضمان على شهود الاحصان لانهم شهدوا بالشرط دون السبب الموجب للقتل وانما يثبت ذلك بشهادة الزنا ولاصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين ولنا ان قتله حصل بمجموع الشهادة فتجب الغرامة على الجميع كما لو شهدوا جميعا على الزنا وفي كيفية الضمان وجهان
[ 123 ]
(أحدهما) يوزع عليهم على عدد رؤوسهم كشهود الزنا لان القتل حصل من جميعهم (والثاني) على شهود الزنا النصف وعلى شهود الاحصان النصف لانهما حزبان فلكل حزب نصف فان شهد أربعة بالزنا واثنان منهم بالاحصان ثم رجعوا فعلى الاول على شاهدي الاحصان الثلثان وعلى الاخر الثلث لان على شاهدي الاحصان الثلث لشهادتهما به والثلث بشهادتهما بالزنا وعلي الآخرين الثلث لشهادتهما بالزنا وحده وعلى الوجه الثاني على شهود الاحصان ثلاثة ارباع الدية لان عليهما النصف لشهادتهما بالاحصان ونصف الباقي لشهادتهما بالزنا ويحتمل ان لا يجب على شاهدي الاحصان الا النصف لان كل واحد منهما جنى جنايتين وجنى كل واحد من الاخرين جناية واحدة فكانت الدية بينهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جنايتهم كما لو قتل اثنان واحدا جرحه أحدهما جرحا والآخر اثنين (فصل) وإذا حكم الحاكم في المال برجل وامرأتين ثم رجعوا عن الشهادة يوزع الضمان عليهم على الرجل نصفه وعلى كل امرأة ربعه وان رجع أحدهم وحده فعليه من الضمان حصته وان كان الشهود رجلا وعشر نسوة فرجعوا على شهادتهم فعلى الرجل السدس وعلى كل امرأة نصف السدس وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لان كل امرأتين كرجل فالعشر كخمسة رجال ويحتمل ان يجب عليهن النصف وعلى الرجل النصف وبهذا قال أبو يوسف ومحمد لان الرجل نصف البينة بدليل أنه
[ 124 ]
نصف البينة بدليل أنه لو رجع وحده قبل الحكم كان كرجوعهن كلهن فيكون الرجل حزبا والنساء حزبا فان رجع بعض النسوة وحده والرجل فعلى الراجع مثل ما عليه إذا رجع الجميع وعند ابي حنيفة
وأصحابه متى رجع من النسوة معا زاد على اثنين فليس على الراجعات شئ وقد مضي الكلام معهم في هذا (فصل) وإذا شهد أربعة باربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد عن مائة وآخر عن مائتين والثالث عن ثلاثمائة والرابع عن اربعمائة فعلى كل واحد منهما ما رجع عنه بسقطه فعلى الاول خمسة وعشرون وعلى الثاني خمسون وعلى الثالث خمسة وسبعون وعلى الرابع مائة لان كل واحد منهم يقر بانه فوت على المشهود عليه وبع ما رجع عنه ويقتضي مذهب أبي حنيفة ان لا يلزم الراجع عن الثلاثمائة والاربعمائة أكثر من خمسين خمسين لان المائتين اللتين رجع عنهما قد بقى بهما شاهدان (مسألة) (وإذا حكم الحاكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله ويتخرج ان يغرم النصف) المنصوص عن أحمد رحمه الله انه يضمن المال كله في رواية جماعة ويتخرج ان يضمن النصف وبه قال مالك والشافعي لانه أحد حجتي الدعوى فكان عليه النصف كما لو كانا شاهدين
[ 125 ]
ولنا ان الشاهد حجة الدعوى فكان الضمان عليه كالشاهدين يحققه ان اليمين قول الخصم وقول الخصم لمس بحجة على خصمه وانما هو شرط الحكم فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالحكم وبهذا ينفصل عما ذكروه، وان سلمنا انها حجة لكن انما جعلها حجة شهادة الشاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته بخلاف شهادة الشاهد الآخر قال أبو الخطاب ويتخرج ان لا يلزمه الا النصف إذا قلنا برد اليمين على المدعي (فصل) وإذا شهد شاهدان انه أعتق هذا العبد عن ضمان مائة درهم وقيمة العبد مائتان فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا رجع السيد على الشاهدين بمائة لانها تمام القيمة وكذلك ان شهدا على رجل انه طلق امرأته قبل الدخول على مائة ونصف المسمى مائتان غرما للزوج مائة لانهما فوتاها بشهادتهما المرجوع عنها، وان شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد آخران بدخوله بها ثم رجعوا بعد الحكم عليه بصداقها فعلى شهود النكاح الضمان لانهم الزموه المسمى ويحتمل أن يكون
عليهم النصف وعلى الآخرين النصف لانهما قرراه وشاهدا النكاح أوجباه فيقسم بين الاربعة ارباعا، وان شهد مع هذا شاهدان بالطلاق لم يلزمهما شئ لانهما لم يفوتا عليه شيئا يدعيه ولا أوجبا عليه ما لم يكن واجبا.
[ 126 ]
(مسألة) (وان بان بعد الحكم ان الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض الحكم ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له، وان كان المحكوم به اتلافا فالضمان على المزكين فان لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم، وعنه لا ينقض إذا كانا فاسقين) وجملة ذلك أن الحاكم إذا حكم بشهادة شاهدين ثم بانا فاسقين أو كافرين فان الامام ينقض حكمه ويرد المال ان كان قائما أو عوضه ان كان تالفا، فان تعذر ذلك لاعسارة أو غيره فعلى الحاكم ثم يرجع على المشهود له وعن احمد رواية أخرى لا ينقض حكمه إذا كانا فاسقين ويغرم الشهود المال وكذلك إذا شهد عنده عدلان أن الحاكم قبله حكم بشهادة فاسقين ففيه روايتان، واختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا ولا خلاف بين الجميع انه ينقض حكمه إذا كانا كافرين وينقض حكم غيره إذا ثبت عنده انه حكم بشهادة كافرين فنقيس على ذلك إذا حكم بشهادة فاسقين فان شهادة الفاسقين مجمع على ردها وقد نص الله تعالى التبين فيها فقال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وأمر
[ 127 ]
وامر باشهاد العدول فقال سبحانه (وأشهدوا ذوي عدل منكر) وقال سبحانه (ممن ترضون من الشهداء) فيجب نقض الحكم لفوات العدالة كما يجب نقضه لفوات الاسلام ولان الفسق معنى لو ثبت عند الحاكم قبل الحكم منعه فإذا شهد شاهدان انه كان موجودا حال الحكم وجب نقض الحكم كالكفر والرق في العقوبات. إذا ثبت هذا فان ابا حنيفة قال لا يسمع الحاكم الشهادة بفسق الشاهدين قبل الحكم ولا بعده ومتى جرح المشهود عليه البينة لم تسمع بينته بالفسق لكن يسأل عن الشاهدين ولا يسمع على الفسق شهادة لان الفسق لا يتعلق به حق أحد فلا تسمع فيه الدعوى والبينة. ولنا أنه معنى يتعلق به الحكم فسمعت فيه الدعوى والبينة كالتزكية، وقوله لا يتعلق به حق
أحد ممنوع فان المشهود عليه يتعلق حقه بفسقه في منع الحكم عليه قبل الحكم ونقضه بعد وتبرئته من اخذ ماله أو عقوبته بغير حق فوجب ان تسمع فيه الدعوى والبينة كما لو ادعى رق الشاهد ولم
[ 128 ]
يدعه لنفسه ولانه إذا لم تسمع البينة بالفسق أدى إلى ظلم المشهود عليه فإذا لم يسمع عليه شهادتهم وحكم عليه بشهادة الفاسقين كان ظالما له فأما ان قامت البينة انه حكم بشهادة والدين أو ولدين أو عدوين فان كان الحاكم الذي حكم بشهادتهما ممن يرى الحكم به لم ينقض حكمه لانه حكم باجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد ولم يخالف نصا ولا اجماعا، فان كل ممن لا يرى الحكم بشهادتهم نفضه لان الحاكم يعتقد بطلانه. (فصل) فان كان المحكوم به اتلافا كالقطع في السرقة والقتل ثم بان أنهما كافران أو فاسقان أو عبدان أو أحدهما فلا ضمان على الشاهدين لانهما مقيمان على أنهما صادقان فيما شهدا به وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة فانهما اعترفا بكذبهما فان لم يكن ثم مزكون فالضمان على الحاكم أو الامام الذي تولى ذلك لانه حكم بشهادة من لا يجوز له الحكم بشهادته ولا قصاص عليه لانه مخطئ وتجب الدية وفي محلها روايتان (احداهما) في بيت المال (والثانية) على العاقلة وقد ذكرنا ذلك فيما مضى وللشافعي قولان كالروايتين، فان قلنا الدية على العاقلة لم تحمل إلا الثلث فما زاد ولا تحمل الكفارة لانها لا تحمل ذلك في محل الوفاق كذى ههنا وتكون الكفارة في مال القاتل، وان قلنا في بيت المال فينبغي أن يكون فيه القليل والكثير لانه يكثر فيه خطؤه فجعل الضمان عليه يجحف به وان قل ولان جعله في بيت المال لعلة انه نائب عنهم وخطأ النائب على مستنيبه وسواء تولى الحاكم الاستيفاء بنفسه أو أمر من يتولاه، قال أصحابنا وان كان الولي استوفاه فهو كما لو استوفاه الحاكم لان الحاكم سلطه على ذلك ومكنه منه والولي يدعي انه حقه فان قيل فإذا
[ 129 ]
كان الولي استوفى حقه فينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسق الشهود كان الضمان على المستوفي دون الحاكم كذا ههنا قلنا ثم حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حق
فوجب عليه رده أو ضمانه ان تلف وههنا لم يحصل في يده شي وانما أتلف شيئا بخطأ الامام وتسليطه عليه فافترقا. (فصل) فان كان ثم مزكون مثل أن يشهد بالزنا أربعة فيزكيهم اثنان فرجم المشهود عليه ثم بان الشهود فسقة أو عبيد أو بعضهم فلا ضمان على الشهود لانهم يزعمون أنهم محقون ولم يعلم كذبهم يقينا والضمان على المزكين، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال القاضي الضمان على الحاكم لانه حكم بقتله من غير تحقيق شرطه ولا ضمان على المزكين لان شهادتهما شرط وليست الموجبة، وقال ابو الخطاب في رءوس المسائل الضمان على الشهود بالزنا ولنا ان المزكين شهدوا بالزور شهادة أفضت إلى قتله فلزمهم الضمان كشهود الزنا إذا رجعوا ولا ضمان على الحاكم لانه أمكن احالة الحكم على الشهود فاشبه ما إذا رجعوا عن الشهادة وقولهم إن شهادتهم شرط لا يصح لان من أصلنا ان شهود الاحصان يلزمهم الضمان وان لم يشهدوا بالسبب
[ 130 ]
وقد نص عليه احمد وقول ابي الخطاب لا يصح لان شهود الزنا لم يرجعوا ولا علم كذبهم بخلاف المزكين فانه تبين كذبهم وانهم شهدوا بالزور فأما ان تبين فسق المزكين فالضمان على الحاكم لان التفريط منه حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية ولا بحث فلزمه الضمان كما لو قبل شهادة شهود الزنا من غير تزكية ثم تبين كذبهم (فصل) ولو جلد امام انسانا تشهادة شهود ثم بان أنهم فسقة أو كفرة أو عبيد فعلى الامام ضمان ما حصل بسبب الضرب) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه ولنا انها جناية صدرت عن خطأ الامام فكانت مضمونة عليه كما لو قطعه أو فتله (مسألة) (وإذا شهدوا عند الحاكم بحق ثم ماتوا حكم بشهادتهم إذا ثبتت عدالتهم) لانهم أدوا الشهادة، أشبه ما لو كانوا أحياء وكذلك ان جنوا لان جنونهم بمنزلة موتهم (مسألة) (وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال
انا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه) شهادة الزور من اكبر الكبائر وقد نهى تعالى عنه في كتابه مع نهيه عن الاوتان فقال سبحانه (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) وروى أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا أنبئكم باكبر الكبائر؟) قالوا بلى يارسول الله قال (الاشراك بالله وعقوق الوالدين)
[ 131 ]
وكان متكئا فجلس فقال (ألا وقول الزور وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه وروى أبو حنيفة عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار) فمتى ثبت عند الحاكم أن رجلا شهد بزور عمدا عزره وشهره في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو قول شريح والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والاوزاعي وابن ابي ليلى ومالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعزر ولا يشهر ولانه قول منكر وزور فلا يعزر به كالظهار، وروى عنه الطحاوي انه يشهر وانكره المتأخرون ولنا انه قول محرم يضر به الناس فأوجب العقوبة على قائله كالسب والقذف ويخالف الظهار من وجهين (أحدهما) انه يختص بضرره (والثاني) انه اوجب كفارة شاقة هي يشد من التعزير ولانه قول عمر رضي الله عنه ولا نعلم له في الصحابة مخالفا. إذا ثبت ذلك فان عقوبته غير مقدرة وإنما ذلك مفوض إلى رأي الحاكم ان راى ذلك بالجلد فعل وإن رآه بحبس أو كشف راسه وتوبيخه فعل ولا يزيد في جلده على عشر جلدات وقال الشافعي لا يزيد على تسع وثلاثين وقال ابن ابي ليلى يجلد خمسا وسبعين سوطا. وهذا احد قولي ابي يوسف وقال الاوزاعي في شاهدي الطلاق يجلدان مائة ويغرمان الصداق. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حد من من حدود الله) متفق عليه
[ 132 ]
وقال القاسم وسالم يخفق سبع خفقات فأما شهرته بين الناس فانه يوقف في سوقه ان كان من اهل السوق أو في قبيلته ان كان من اهل القبائل أو في مسجده إن كان من أهل المساجد ويقول الموكل به
ان الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول هذا شاهد زور فاعرفوه، وهذا مذهب الشافعي وأتي الوليد بن عبد الملك بشاهد زور فأمر بقطع لسانه وعنده القاسم وسالم فقالا سبحان الله بحسبه أن يخفق سبع خفقات ويقام بعد العصر فيقال هذا أبو قبيس وجدناه شاهد زور ففعل ذلك به، ولا يسخم وجهه ولا يركب ولا يكلف أن ينادي على نفسه، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه يجلد أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطال حبسه رواه الامام احمد وقال سوار يلبب ويدار به على حلق المسجد فيقول من رأني فلا يشهد بزور وروي عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه امر بحلق بعض رؤوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في السوق والذي شهدوا له معهم. ولنا أن هذا مثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وما روي عن عمر فقد روي عنه خلافه وانه حبسه يوما وخلى سبيله وفي الجملة ليس في هذا تقدير شرعي فما فعل الحاكم مما رآه لم يخرج عن مخالفة نص أو معنى نص فله ذلك ولا يفعل به شئ من هذا حتى يتحقق أنه شاهد زور وتعمد ذلك أو يشهد على رجل بفعل في الشام ويعلم ان المشهود عليه في ذلك الوقت في العراق أو يشهد بقتل رجل وهو حي وأن هذه البهيمة في يد هذا منذ ثلاثة أعوام وسنها اقل من ذلك أو يشهد على رجل
[ 133 ]
انه فعل شيئا وقد مات قبل ذلك وأشباه هذا مما يعلم به كذبه ويعلم تعمده لذلك فأما تعارض البينتين أو ظهور فسقه أو غلطه في شهادته فلا يؤدب لان الفسق لا يمنع الصدق والتعارض لا يمنع أنه كذب احدى البينتين بعينها والغلط قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى عنه قال الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) (فصل) ومتى علم ان الشاهدين شهدا بالزور تبين ان الحكم كان باطلا ولم نقضه لانا تبينا كذبهما وان كان المحكوم به مالا رد إلى صاحبه وإن كان اتلافا فعلى الشاهدين ضمانه لانهما سبب اتلافه إلى أن يثبت ذلك باقرارهما على أنفسهما من غير موافقة المحكوم له فيكون ذلك رجوعا منهما عن شهادتهما وقد مضى حكم ذلك. (فصل) وان تاب شاهد الزور ومضى على ذلك مدة تظهر فيها توبته وتبين صدقه فيها
وعدالته قبلت شهادته، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا تقبل شهادته أبدا لان ذلك لا يؤمن منه.
[ 134 ]
ولنا انه تائب من ذنبه فقبت توبته كسائر التائبين وقوله لا يؤمن منه ذلك. قلنا مجرد الاحتمال لا يمنع قبول الشهادة بدليل سائر التائبين فانه لا يؤمن معاودة ذنوبهم وشهادتهم مقبولة (مسألة) (ولا تقبل الشهادة الا بلفظ الشهادة فان قال أعلم أو احق لم يحكم به) وجملة ذلك أن لفظ الشهادة معتبر في أدائها فيقول أشهد أنه اقر بكذا ونحوه ولو قال أعلم أو احق أو اتيقن أو اعرف لم يعتد به لان الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة فلا بد من الاتيان بفعلها المشتق منها ولان فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات بدليل انها تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك من غيرها وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم في ذلك خلافا. (فصل) وإذا عين العدل شهادته بحضرة الحاكم فزاد فيها أو نقص قبلت منه ما لم يحكم بشهادته ذكره الخرقي مثل ان يشهد بمائة ثم يقول بل هي مائة وخمسون أو بل هي تسعون فانه يقبل منه رجوعه ويحكم بما شهد به أخيرا وبهذا قال أبو حنيفة والثوري واسحاق وقال الزهري لا تقبل شهادته الاولى ولا الاخيرة لان كل واحدة منهما ترد ولان الاولى مرجوع عنها (والثانية) غير موثوق بها لانها من مقر بغلطه وخطئه في شهادته فلا يؤمن أن تكون في الغلط كالاولى وقال مالك يؤخذ باقل قوليه لانه أدى الشهادة وهو غير متهم فلا يقبل رجوعه عنها كما لو اتصل بها الحكم
[ 135 ]
ولنا ان شهادته الآخرة شهادة من عدل غير متهم لم يرجع عنها فوجب الحكم بها كما لو لم يتقدمها ما يخالفها ولا تعارضها الاولى لانها قد بطلت برجوعه عنها ولا يجوز الحكم بها لانها شرط الحكم فوجب استمرارها إلى انقضائه ويفارق رجوعه بعد الحكم لان الحكم قد تم باستمرار شرطه فلا ينقض بعد تمامه. (باب اليمين في الدعاوى)
وهي مشروعة في حق المنكر في كل حق لآدمي وجملة ذلك أن الحقوق على ضربين (احدهما) ما هو حق لآدمي (والثاني) ما هو حق لله تعالى وحق الآدمي ينقسم قسمين: (أحدهما) ما هو مال أو المقصود منه المال كالبيع والقرض والصلح والغصب والجناية الموجبة للمال فيستحلف فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه ولحديث الحضرمي والكندي
[ 136 ]
(القسم الثاني) ما ليس بمال ولا المقصود منه المال وهو كل ما لا يثبت الا بشاهدين كالقصاص وحد القذف والنكاح والطلاق والرجعة والعتق والنسب والاستيلاء والولاء والرق ففيه روايتان: (احداهما) لا يستحلف المدعى عليه ولا تعرض عليه اليمين قال احمد ولم أسمع من مضى جوز الايمان إلا في الاموال والعروض خاصة، وهذا قول مالك ونحوه قول أبي حنيفة فانه قال لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من دعوى الرجعة والفيئة في الايلاء ولا في الرق وما يتعلق به من الاستيلاء والولاء والنسب لان هذه الاشياء لا يدخلها البدل وانما تعرض اليمين فيما يدخلها البدل فان المدعى عليه مخير بين ان يحلف أو يسلم ولان هذه الاشياء لا تثبت الا بشاهدين ذكرين فلا تعرض فيها اليمين كالحدود. (والرواية الثانية) يستحلف في الطلاق والقصاص والقذف وقال الخرقي إذا قال ارتجعتك فقالت انقضت عدتي قبل رجعتك فالقول قولها مع يمينها وإذا اختلفا في مضي الاربعة الاشهر في الايلاء فالقول قوله مع يمينه فيخرج في هذا أنه يستحلف في كل حق لآدمي وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد
[ 137 ]
لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قول دماء رجال وأموالهم) ولان اليمين على المدعى عليه وهذا عام في كل مدعى وهو ظاهر في دعوى الدماء لذكرها في الدعوى مع عموم الاحاديث ولانها دعوى صحيحة في حق آدمي فجاز أن يحلف عليه كدعوى المال وهذا أولى إن
شاء الله تعالى. وقال أبو بكر عبد العزيز تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في النكاح والطلاق لان هذا مما لا يحل بذله فلم يستحلف كحقوق الله سبحانه وانما كان كذلك لان الابضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول لان النكول ليس بحجة قوية لانه سكوت مجرد يحتمل أن يكون للخوف من اليمين ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال، ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي ومع هذه الاحتمالات لا نيبغي أن يقضى به فيما يحتاط له، وقال أبو الخطاب تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في تسعة أشياء النكاح والرجعة والطلاق والرق والاستيلاء والنسب والقذف والقصاص لان البدل لا يدخل هذه الاشياء ثم يستحلف فيها كحقوق الله سبحانه، وقال القاضي في الطلاق والقصاص والقذف روايتان (احداهما) لا يستحلف فيها لذلك (والثانية) يستحلف فيها لانها دعوى صحيحة يستحلف فيها كدعوى المال. وأما الستة الباقية فلا يستحلف فيها رواية واحدة لما سبق وقال الخرقي لا يستحلف
[ 138 ]
في القصاص ولا المرأة إذا أنكرت النكاح وتحلف إذا ادعت انقضاء عدتها لما سبق وإذا أقام العبد شاهدا بعتقه حلف مع شاهده وعتق وهي إحدى الروايتين عن احمد وقد ذكرنا ذلك (مسألة) (ولا يستحلف في حقوق الله سبحانه) وهي نوعان (أحدهما) الحدود فلا تشرع فيها يمين لا نعلم في هذا خلافا لانه لو أقر ثم رجع عن اقراره قبل منه وخلي من غير يمين فلان لا يستحلف مع عدم الاقرار اولى ولانه يستحب ستره والتعريض للمقر به بالرجوع عن إقراره وللشهود ترك الشهادة والستر عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال في قصة ماعز (ياهزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك) فلا تشرع فيه يمين بحال (النوع الثاني) الحقوق المالية كدعوى الساعي الزكاة على رب المال وان الحول قد تم وكمل النصاب فقال احمد القول قول رب المال بغير يمين ولا يستحلف الناس على صدقاتهم وقول الشافعي وابو يوسف يستحلف لانها دعوى مسموعة يتعلق بها حق آدمي اشبه حق الآدمي، ووجه الاول انه حق لله تعالى اشبه الحد ولان ذلك عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة ولو ادعي عليه ان عليه كفارة يمين أو ظهار أو نذر أو صدقة أو غيرها فالقول قوله في نفي ذلك من غير يمين ولا تسمع
الدعوى في هذا ولا في حد لله تعالى ولانه لا حق للمدعي فيه ولا ولاية له عليه فلا تسمع منه دعواه
[ 139 ]
كما لو ادعى حقا لغيره من غير اذنه ولا ولاية له عليه فان تضمنت دعواه حقا له مثل ان يدعي سرقة ماله لتضمين السارق أو يأخذ منه ما سرق أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله تعالى (مسألة) (ويجوز الحكم في المال وما يقصد به المال بشاهد ويمين المدعي) روي ذلك عن الخلفاء الاربعة رضي الله عنهم، وقد سبق ذكر ذلك ولا تقبل فيه شهادة امرأتين ويمين لان شهادة النساء ناقصة وانما اجيزت بانضمام الذكر اليهن فلا يقبلن منفردات وان كثرن ويحتمل ان يقبل لان المرأتين في المال مقام رجل فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل وهو مذهب مالك ويبطل ذلك بشهادة اربع نسوة فانه لا يقبل اجماعا (مسألة) (وهل يثبت العتق بشاهد ويمين؟ على روايتين) (أحداهما) يثبت وهو اختيار الخرقي وأبي بكر لانه ازالة ملك فيقبل فيه شاهد ويمين كالبيع أو اتلاف مال فيقبل فيه شاهد ويمين كالاتلاف بالفعل (والرواية الثانية) لا تثبت الحرية إلا بشاهدين عدلين ذكرين لانه ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الاحوال فأشبه الحدود والقصاص.
[ 140 ]
(مسألة) (ولا يقبل في النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه كالطلاق والوصية شاهد ويمين) لقول الله تعالى في الرجعة (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقسنا عليه سائر ما ذكرنا لانه ليس بمال ولا يقصد به المال أشبه العقوبات وفيه رواية اخرى يقبل فيه رجل وامرأتان أو يمين لانه ليس بعقوبة ولا يسقط بالشبهة أشبه المال وقال القاضي النكاح لا يثبت الا بشاهدين والثاني يخرج فيه روايتان ذكرنا وجههما (مسألة) (ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه في الاثبات حلف على البت)
معنى البت القطع أي يحلف بالله ما له علي شئ والايمان كلها على البت والقطع الا على نفي فعل الغير فانها على نفي العلم وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال الشعبي والنخعي كلها على العلم وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد وذكر حديث البستاني عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تضطروا الناس في ايمانهم ان يحلفوا على ما لا يعلمون) ولانه لا يحلف على ما لا علم له به وقال ابن ابي ليلى كلها علي البت كما يحلف على فعل نفسه ولنا حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال (قل والله الذي لا اله الا هو ماله عليك حق) وروى الاشعث بن قيس ان رجلا من كندة ورجلا من نضر موت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارض من اليمين فقال الحضرمي يارسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده
[ 141 ]
قال (هل لك بينة؟) قال لا ولكن أحلفه: والله ما يعلم انها ارضي اغتصبنيها ابوه فتهبأ الكندي لليمين رواه أبو داود ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكروه لا يصح لانه يمكنه الاحاطة بفعل نفسه ولا يمكنه ذلك في فعل غيره فافترقا في اليمين كما لو افترقت الشهادة فأنها تكون بالقطع فيما يمكن القطع فيه من العقود وعلى الظن فيما لا يمكن فيه القطع من الاملاك والاسباب وعلى نفي العلم فيما لا تمكن الاحاطة بانتفائه كالشهادة علي انه لا وارث له الا فلان وفلان وحديث القاسم بن عبد الرحمن محمول على اليمين على نفي فعل الغير إذا ثبت هذا فانه يحلف فيما عليه على البت نفيا كان أو اثباتا، وأما ما يتعلق بفعل غيره فان كان اثباتا مثل ان يدعي انه اقرض أو باع ويقيم شاهدا بذلك فانه يحلف مع شاهده على البت والقطع، وان كان على نفي مثل ان يدعى عليه دين أو غصب أو جناية فانه يحلف على نفي العلم لا غير، وان حلف عليه على البت كفاه وكان التقدير فيه العلم كما في الشاهد إذا شهد بعدد الورثة وقال ليس له وارث غيرهم سمع ذلك وكان التقدير فيه علمه ولو ادعى ان عبده استدان أو جنى فأنكر ذلك فيمينه على نفي العلم لانها يمين على فعل الغير فاشبهت يمين الوارث على نفي فعل الموروث (فصل) ذكر ابن أبي موسى أنه اختلف قوله فيمن باع سلعة فظهر المشتري على عيب بها فانكره
البائع هل اليمين على البتات أو على علمه؟ على روايتين ولو ابق عبد المشتري فادعى على البائع أنه ابق عنده فانكر هل يلزمه أن يحلف انه لم يأبق قط أو على نفي علمه؟ على روايتين الا أن يكون ولده
[ 142 ]
فيلزمه ان يجلف أنه لم يأبق قط، ووجه كون اليمين على نفي علمه انها على نفي فعل الغير فاشبه ما لو ادعى عليه ان عبده جنى، ووحه الاخرى أنه ادعى عليه انه باعه معيبا يستحق رده عليه فلزمته اليمين على البت كما لو كان اثباتا (مسألة) (ومن توجهت عليه يمين الجماعة فقال احلف يمينا واحدة فرضوا جاز وان ابوا حلف لكل واحد يمينا) إذا كان الحق لجماعة فرضوا بيمين واحدة صح وسقطت دعواهم باليمين لانها حقهم ولانه لما جاز ثبوت الحق ببينة واحدة لجماعة جاز سقوطه بيمين واحدة قال القاضي: ويحتمل ان لا يصح حتى يحلف لكل واحد يمينا وهو احد الوجهين لاصحاب الشافعي لان اليمين حجة في حق الواحد فإذا رضي بها اثنان صارت الحجة في حق كل واحد منهما ناقصة لا يعمل برضى الخصم كما لو رضي ان يحكم عليه بشاهد واحد والصحيح الاول لان الحق لهما فإذا رضيا به جاز ولا يلزم من رضاهما بيمين واحدة ان يكون لكل واحد بعض اليمين كما ان الحقوق إذا قامت بها بينة واحدة لا تكون لكل حق بعض البينة فاما ان حلفه الحاكم لجميعهم يمينا واحدة فخطأه أهل عصره (1) (فصل) قال (الشيخ رحمه الله واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه في قول عامة
(1) كذا بالاصل
[ 143 ]
أهل العلم الا ان مالكا أحب بالله الذي لا اله الا هو وان استحلف حاكم بالله أجزأ) قال ابن المنذر وهذا أحب إلي لان ابن عباس روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف رجلا فقال (قل والله الذي لا اله الا هو ماله عندك شئ) رواه أبو داود وفي حديث عمر حين حلف لابي قال والله الذي لا اله الا هو ان النخل لتخلي وما لابي فيها شئ وقال الشافعي ان كان المدعى قصاصا أو عتاقا أو حدا أو مالا يبلغ نصابا غلظت اليمين فحلف بالله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم
الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية وقال في القسامة عالم خائنة الاعين وما تخفي الصدور وهذا اختيار أبي الخطاب وذكر القاضي ان هذا في ايمان القسامة خاصة وليس بشرط ولنا قول الله تعالى (فيقسمان بالله ان ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربي) وقال تعالى (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) وقال تعالى في اللعان (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) وقال سبحانه (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) قال بعض المفسرين من اقسم بالله فقد أقسم بالله جهد اليمين واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد في الطلاق فقال (آالله ما أردت الا واحدة؟) وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه ولان فيه كفاية فوجب ان يكتفى باسمه في اليمين كالمواضع التي سلموها فأما حديث ابن عباس وابن عمر فانه يدل على جواز الاستحلاف لذلك وما ذكرناه يدل على
[ 144 ]
الاكتفاء ببسم الله وحده وما ذكره الباقون تحكم لا نص فيه ولا قياس يقتضيه إذا ثبت هذا فان اليمين في حق المسلم والكافر جميعا بالله تعالى لا يحلف أحد بغيره لقول الله تعالى (فيقسمان بالله) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (مسألة) (وان رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز) ففي اللفظ يقول والله الذي لا اله الا هو عالم الغيب وشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور واليهودي والله الذي انزل التوراة على موسى وفلق له البحر وانجاه من فرعون وملائه والنصراني يقول والله الذي انزل الانجيل على عيسى وجعله يحى الموتى ويبرئ الاكمه والايرص والمجوسي يقول والله الذي خلقني وصورني ورزقني، والزمان يحلفه بعد العصر وبين الاذانين والمكان يحلفه بمكة بين الركن والمقام وفي الصخرة ببيت المقدس وفي سائر البلدان عند المنبر ويحلف أهل الذمة في المواضع التي يعظمونها وهذا الذي ذكره شيخنا اختيار أبي الخطاب قال وقد أومأ إليه أحمد في رواية الميموني وذكر التغليظ في حق المجوسي قال قل والله الذي خلقني ورزقني وان كان وثنيا حلفه بالله وحده وكذلك ان كان لا يعبد الله لانه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) ولان
[ 145 ]
هذا ان لم يكن يعد هذه يمينا فانما يزداد بها اثما وعقوبة وربما عجلت عقوبته فيتعظ بذلك ويعتبر به غيره وهذا كله ليس بشرط في اليمين وانما للحاكم فعله إذا رأى، وظاهر كلام الخرقي ان اليمين لا تغلظ الا في حق أهل الذمة ولا تغلظ في حق المسلم وبه قال أبو بكر وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني (لليهود نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى؟) رواه أبو داود وكذلك قال الخرقي تغلظ في المكان فيحلف في المواضع التي يعظمونهما ويتوقى الكذب فيها ولم يذكر التغليظ بالزمان، وممن قال يستحلف أهل الكتاب بالله وحده مسروق وأبو عبيدة بن عبد الله وعطاء وشريح والحسن وابراهيم وكعب بن سور ومالك والثوري وأبو عبيد وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه وقال مالك والشافعي تغلظ ثم اختلفا فقال مالك يحلف في المدينة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف قائما ولا
[ 146 ]
يحلف قائما الا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستحلفون في غير المدينة في مساجد الجماعات ولا يحلف عند المنبر الا على ما يقطع فيه السارق فصاعدا وهو ثلاثة دراهم وقال الشافعي يستحلف المسلم بين الركن والمقام بمكة وفي المدينة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سائر البلدان في الجوامع عند المنبر وعند الصخرة ببيت المقدس وتغلظ في الزمان في الاستحلاف بعد العصر على نحو ما ذكرناه في صدر المسألة ولا تغلظ في المال الا في نصاب فصاعدا وتغلظ في الطلاق والعتاق والحد والقصاص وقال ابن حزم تغلظ بالقليل والكثير واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار) فثبت انه يتعلق بذلك تأكيد اليمين، وروى مالك قال اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع في دار كانت بينهما إلى مروان بن الحكم فقال زيد أحلف له مكاني فقال مروان لا
[ 147 ]
والله الا عند منقطع الحقوق قال فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ويأبى ان يحلف عند المنبر فجعل مروان يعجب.
ولنا قول الله تعالى (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) ولم يذكر مكانا ولا زمانا ولا زيادة في اللفظ، واستحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة في الطلاق فقال (آالله ما أردت إلا واحدة؟) قال آالله ما أردت الا واحدة ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ، وحلف عمر لابي حين تحاكما إلى زيد في مكانه وكانا في بيت زيد وقال عثمان لابن عمر تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه وفيما ذكروه من التغليظ تقييد لهذه النصوص ومخالفة للاجماع فان ما ذكر عن الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر وهو في الشهرة فكان إجماعا وقوله تعالى (تحبسونهما من بعد الصلاة) إنما كان في حق أهل الكتاب والوصية في السفر وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع، منها قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين، ومنها استحلاف الشاهدين، ومنها استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الاثم وهم لا يعلمون بها أصلا فكيف
[ 148 ]
يحتجون بها؟ ولما ذكر ايمان المسلمين أطلق اليمين ولم يقيدها والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياس وترك العمل به. وأما حديثهم فليس فيه دليل على مشروعية اليمين عند المنبر إنما فيه دليل على تغليظ الاثم على الحالف. وأما قضية مروان فمن العجب احتجاجهم بها وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها وقول زيد فقيه الصحابة وقارئهم وأفرضهم أحق أن يحتج به من قول مروان الذي لو انفرد ما جاز الاحتجاج به فكيف يجوز مع مخالفة اجماع الصحابة وقول أئمتهم وفقهائهم ومخالفة فعلى النبي صلى الله عليه وسلم واطلاق كتاب الله سبحانه وتعالى؟ فهذا مما لا يجوز إنما ذكر الخرقي التغليظ بالمكان واللفظ في حق الآدمي لاستحلاف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله (نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى) وروي عن كعب بن سور في النصراني قال: اذهبوا به إلى المذبح واجعلوا الانجيل في حجره والتوراة على رأسه، وقال الشعبي في نصراني: اذهب إلى البيعة فاستحلفه بما يستحلف به مثله. وقال ابن المنذر لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه ولا يمينا يستحلف بها غير التي يستحلف بها المسلمون، وفي الجملة لا خلاف بين المسلمين في أن التغليظ بالمكان والزمان والالفاظ غير
[ 149 ]
واجب الا أن ابن الصباغ ذكر في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي وخالفه ابن القاص فقال لا خلاف بين أهل العلم أن القاضي حيث استحلف المدعى عليه في عمله وبلد قضائه جاز وانما التغليظ بالمكان اختيار منه فيكون التغليظ عند من رآه اختيارا واستحبابا. (فصل) قال ابن المنذر ولم أجد أحدا يوجب اليمين بالمصحف وقال الشافعي رأيتهم يؤكدون بالمصحف ورأيت ابن مازن وهو قاض بصنعاء يغلظ اليمين بالمصحف قال أصحابه فيغلظ عليه بالحضار المصحف لانه يشتمل على كلام الله وأسمائه وهذه زيادة على ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين وعلى ما فعله الخلفاء وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه لفعل ان مازن ولا غيره (مسألة) (ولا تغلظ اليمين الا فيما له خطر كالجنايات والعتاق والطلاق وما تجب فيه الزكاة من المال عند من يرى التغليظ)
[ 150 ]
وقيل ما يقطع فيه السارق روي ذلك عن مالك لان التغليظ زيادة على اليمين التي ورد الشرع بوجوبها فلا تجب الا بزيادة على مطلق الحق وترك التغليظ أولى على ما اختاره شيخنا ودل عليه الا في موضع ورد الشرع به وصح كتحليف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود بقوله (نشدتكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى) ونحوه (مسألة) (وان رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيبا) لموافقته مطلق النص وهو قوله عليه الصلاة والسلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) (فصل) ومن توجهت عليه يمين وهو فيها صادق أو توجهت له أبيح له الحلف ولا شئ عليه من اثم ولا غيره لان الله تعالى شرع اليمين ولا يشرع محرما وقد أمر الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقسم على الحق في ثلاثة مواضع من كتابه منها قوله تعالى (زعم الذين كفروا أن لن
[ 151 ]
يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن)) وحلف عمر لابي على نخل ثم وهبه إياه وقال خفت ان لم احلف ان يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم فيصير سنة قال حنبل بلي أبو عبد الله بمثل هذا جاء إليه ابن عمه فقال لي قبلك حق من ميراث أبي وأطالبك بالقاضي وأحلفك فقيل لابي عبد الله ما ترى؟ قال أحلف له، إذا لم يكن له في قبلي حق وأنا غير شاك في ذلك حلفت له وكيف لا أحلف وابن عمر قد حلف؟ وانا من أنا؟ وعزم أبو عبد الله على اليمين فكفاه الله ذلك ورجع الغلام عن تلك المطالبة واختلف في الاولى فقال قوم الحلف أولى من افتداء يمينه لان عمر حلف ولان في الحلف فائدتين (أحداهما) حفظ ماله عن الضياع وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته (والثانية) تخليص أخيه الظالم من مظلمته وأكل المال بغير حقه وهذا من نصحه ونصرته بكفه عن ظلمه وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل ان يحلف ويأخذ حقه وقال أصحابنا الافضل افتداء يمينه فان عثمان افتدى يميمنه وقال خفت ان يصادف قدرا فيقال حلف وعوقب، أو هذا شؤم يمينه. وروى الخلال باسناده ان حذيفة عرف جملا سرق
[ 152 ]
له فخاصم إلى قاضي المسلمين فصارت اليمين على حذيفة فقال لك عشرة دراهم فابى فقال لك عشرون فأبى فقال لك ثلاثون فأبى فقال لك أربعون فأبى فقال حذيفة أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله انه ما باع ولا وهب، ولان في اليمين عند الحاكم تبذلا ولا يأمن أن يصادف قدرا فينسب إلى الكذب وانه عوقب بحلفه كاذبا وفي ذهاب ماله أجر وليس هذا تضيبعا للمال فان أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة، وأما عمر فانه خاف لاستنان به وترك الناس الحلف على حقوقهم فيدل على أنه لولا ذلك لما حلف قال شيخنا وهذا أولى والله تعالى أعلم (فصل) والحلف الكذب ليقتطع به مال أخيه فيه اثم كبير وقيل انه من الكبائر لان الله تعالى وعده عليه العذاب الاليم فقال سبحانه (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) متفق عليه وقد روي في حديث أن يمين الغموس تدع الدبار بلاقع.
[ 153 ]
(فصل) ومن ادعي عليه دين وهو معسر به لم يحل له ان يحلف انه لا حق له علي وبهذا قال المزني وقال أبو ثور له ذلك لان الله تعالى قال (وإن كانوا ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولانه لا يستحق مطالبته في الحال ولا يجب عليه اداؤه إليه. ولنا أن الدين في ذمته وهو حق له عليه ولو لم يكن عليه حق لم يجز انظاره به (فصل) ويمين الحالف على حسب جوابه فإذا ادعى عليه انه غصبه أو استودعه أو اقترض منه نظرنا في جواب المدعى عليه فان قال ما غصبتك ولا استودعتني ولا أقرضتني كلف ان يحلف على ذلك، وإن قال مالك علي شئ أو لا تستحق علي شيئا أو لا تستحق علي ما ادعيته ولا شيئا منه كان جوابا صحيحا ولا يكلف الجواب عن الغصب والوديعة والقرض لانه يجوز أن يكون غصب منه ثم رده عليه فلو كلف جحد ذلك كان كاذبا، وإن أقر به ثم ادعى الرد لم يقبل منه فإذا طلبت منه اليمين حلف
[ 154 ]
على حسب ما أجاب ولو ادعى أنني ابتعتك الدار التي في يدك فانكره وطلب يمينه فان كان أجاب بانك لا تستحقها حلف على ذلك
[ 155 ]
قال احمد في رجل ادعى على رجل انه أودعه فانكره هل يحلف ما أودعتك؟ قال إذا حلف مالك عندي ولا في يدي شئ فهو يأتي على ذلك؟ وهذا يدل على انه لا يلزمه أن يحلف على حسب الجواب
[ 156 ]
وانه متى حلف مالك قبلي حق برئ بذلك ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) ولا تدخل اليمين النيابة ولا يحلف أحد عن غيره فلو كا ن المدعى عليه صغيرا أو مجنونا
[ 157 ]
لم يحلف عنه حتى يبلغ الصبي أو يعقل المجنون ولم يحلف عنه وليه ولو ادعى الاب لابنه الصغير حقا أو ادعاه الوصي أو الامين له وأنكر المدعى عليه فالقول قوله مع يمينه فان نكل قضي عليه ومن لم ير
[ 158 ]
القضاء بالنكول ورأى رد اليمين على المدعي لم يحلف الولي عنهما ولكن تقف اليمين ويكتب الحاكم محضرا بنكول المدعى عليه، وان ادعى على العبد دعوى وكانت مما يقبل قول العبد فيها على نفسه
[ 159 ]
كالقصاص والطلاق والقذف والخصومة معه دون سيده فان قلنا ان اليمين تشرع في هذا حلف العبد دون سيده وان نكل لم يحلف غيره. وان كان مما لا يقبل قول العبد فيه كاتلاف مال أو
[ 160 ]
جنياة توجب المال فالخصم السيد واليمين عليه ولا يحلف العبد فيها بحال، وإن نكل من توجهت عليه اليمين عنها وقال لي بينة أقيمها أو حساب أستثبته لاحلف على ما أتيقنه فذكر أبو الخطاب انه لا يمهل وان لم يحلف جعل ناكلا. وقيل لا يكون ذلك نكولا ويمهل مدة قريبة كما لو ادعى قضاء أو إبراء (فصل) ولو ادعى على رجل دينا أو حقا فقال قد أبرأتني منه واستوفيته مني فالقول قول
[ 161 ]
المنكر الابراء والاستيفاء مع يمينه ويكفيه ان يحلف بالله ان هذا الحق ويسميه تسمية يصير بها معلوما - برئت ذمتك منه ولا من شئ منه، أو ما برئت ذمتك من ذلك الحق ولا من شئ منه وان ادعى استيفاءه أو البراءة بجهة معلومة كفاه الحلف على تلك الجهة وحدها
[ 162 ]
باب الدعاوى والبينات الدعوى إضافة الانسان إلى نفسه شيئا أو ملكا أو استحقاقا أو نحوه. وهو في الشرع إضافته إلى نفسه استحقاق شئ في يد غيره أو في ذمته والمدعى عليه من يضاف إليه استحقاق شئ عليه. وقال ابن عقيل الدعوى الطلب قال الله تعالى (ولهم ما يدعون) (مسألة) (والمدعي من إذا ترك سكت والمنكر من إذا سكت لم يترك) وقيل المدعي من يلتمس بقوله أخذ شئ من يد غيره وإثبات حق في ذمته والمدعى عليه من
ينكر ذلك وقد يكون كل واحد منهما مدعيا ومدعى عليه بأن يختلفا في العقد فيدعي كل واحد منهما ان اليمين غير الذي ذكره صاحبه. والاصل في الدعوى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قول دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم وفي حديث (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) (مسألة) (ولا تصح الدعوى والانكار الا من جائز التصرف) لان من لا يصح تصرفه لا قول له في المال ولا يصح إقراره ولا تصرفه فلا تسمع دعواه ولا إنكاره كما لا يسمع إقراره
[ 163 ]
(مسألة) (وان تداعيا عينا لم تخل من ثلاثة أقسام (أحدها) أن تكون في يد أحدهما فهي له مع يمينه انه لا حق للآخر فيها إذا لم تكن بينة) لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو أن الناس أعطوا بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) متفق عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحصرمي والكندي (شاهداك أو يمينه ليس لك الا ذلك) ولان الظاهر من اليد الملك (مسألة) (ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل والآخر آخذ بزمامها فهي للاول) لان تصرفه أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعتها، فان كان لاحدهما عليها حمل والآخر راكبها فهي للراكب لانه اقوى تصرفا فان اختلفا في الحمل فادعاه الراكب وصاحب الدابة فهو للراكب لان يده على الدابة والحمل معا فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها. وإن تنازع الراكب وصاحب الدابة في السرج فهو لصاحب الدابة لان السرج في العادة يكون لصاحب الفرس. ولو تنازع اثنان في ثياب عبد لاحدهما فهي لصاحب العبد لان يد العبد عليها وإن تنازع صاحب الثياب وآخر في العبد اللابس لها فهما سواء لان نفع الثياب يعود إلى العبد لا إلى صاحب الثياب ومذهب الشافعي في هذا الفصل كالذي ذكرنا
[ 164 ]
(فصل) وان تنازعا قميصا أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه لان تصرفه أقوى وهو المستوفي لمنفعته، فان كان كمه في يد احدهما وباقيه مع الآخر أو تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها في يد الآخر فهما سواء فيها لان يد الممسك بالطرف عليها بدليل انه لو كان باقيها على الارض فنازعه فيها غيره كانت له وإذا كانت في أيديهما تساويا فيها (فصل) ولو كانت دار فيها أربعة ابيات في احد أبياتها ساكن وفي الثلاثة الباقية ساكن آخر فاختلفا فيها فان لكل واحد ما هو ساكن فيه لان كل بيت منفصل عن صاحبه ولا يا شرك الخارج منه الساكن فيه في ثبوت اليد عليه وإن تنازعا الساحة التي يتطرق منها إلى البيوت فهي بينهما نصفان لاشتراكهما في ثبوت اليد عليها فأشبهت العمامة فيما ذكرنا (مسألة) (وإن تنازع صاحب الدار والخياط الابرة والمقص فهما للخياط) لان تصرفه فيهما أكثر وأظهر، والظاهر ان الانسان إذا دعى خياط يخيط له فالعادة انه يحمل معه ابرته ومقصه. وإن اختلفا في القميص فهو لصاحب الدار إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره وإنما العادة ان يخيط قميص صاحب الدار فيها وإن اختلف صاحب الدار والنجار في القدوم والمنشار وآلة النجارة فهي النجار وإن اختلفا
[ 165 ]
في الخشبة المنشورة والابواب والرفوف المنجورة فهي لصاحب الدار وإن اختلف النجاد ورب الدار في قوس الندف فهو للنجاد، وان اختلفا في الفرش والقطن والصوف فهو لصاحب الدار (مسألة) (وإن تنازع هو والقراب القربة فهي للقراب) وإن اختلفا في الخابية والجرار فهي لصاحب الدار، ومذهب الشافعي في هذه المسائل على ما ذكرناه (مسألة) (وان تنازعا عرصة فيها شجر أو بناء لاحدهما فهي له) لانه استوفى لمنفعتها (مسألة) (وإن تنازعا حائطا معقودا ببناء أحدهما أو وحده أو متصلا به اتصالا لا يمكن إحداثه أو له عليه ازج فهو له وإن كان محلولا من بنائهما أو معقودا بهما فهو بينهما) وجملة ذلك ان الرجلين إذا تنازعا حائطا بين ملكهما وتساويا في كونه معقودا ببنائهما معا وهو
أن يكون متصلا بهما اتصالا لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين كهذه معطائر التي لا يمكن إحداث اتصال بعضها ببعض أو تساويا في كونه محلولا من بنائهما أي غير متصل القنائهما الاتصال المذكور بل بينهما شق مستطيل كما يكون بين الحائطين اللذين ألصق أحدهما بالآخر فهما سواء في الدعوى إن لم تكن لواحد منهما بينة تحالفا فيحلف كل واحد منهما على نصف الحائط انه له وتكون بينهما نصفين لان كل واحد منهما يده على نصف الحائط لكون الحائط في أيديهما. وإن حلف كل واحد منهما على جميع الحائط انه له وما هو لصاحبه جاز وبهذا قال أبو حنيفة وأبو ثور وابن
[ 166 ]
المنذر ولا أعلم فيه مخالفا لان المختلفين في العين إذا لم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول من هي في يده مع يمينه، وإذا كانت في أيديهما كانت يد كل واحد منهما على نصفها فيكون القول قوله في نصفها مع يمينه، وإن كان لاحدهما بينة حكم له بها وإن كان لكل واحد منهما بينة تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما فان لم تكن لهما بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط في أيديهما على ما كان وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي على الناكل فكان الكل للآخر، وإن كان متصلا بببناء أحدهما دون الاخر فهو له مع يمينه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو ثور لا يرجح بالعقد ولا ينظر إليه ولنا أن الظاهر ان هذا البناء بني كله بناء واحدا فإذا كان بعضه لرجل كان باقيه له والبناء الآخر الظاهر انه بني وحده فانه لو بني مع هذا كان متصلا به فالظاهر انه لغير صاحب هذا الحائط المختلف فيه فوجب أن يرجح بهذا كاليد فان قيل فلم لا تجعلوه له بغير يمين لذلك؟ قلنا لان ذلك ظاهر وليس بيقين إذا يحتمل ان أحدهما بنى الحائط لصاحبه تبرعا مع حائطه أو كان له فوهبه إياه أو بناه بأجرة فشرعت اليمين من أجل الاحتمال كما شرعت في حق صاحب اليد وسائر من وجبت عليه اليمين. فأما إن كان معقودا ببناء أحدهما عقد يمكن إحداثه كالبناء باللبن والآجر فانه يمكن أن ينزع من الحائط المبني نصف لبنة أو آجرة ويجعل مكانها لبنة صحيحة أو آجرة صحيحة تعقد الحائطين فقال القاضي: لا يرجح بهذا لاحتمال أن يكون فعل هذا ليتملك الحائط المشترك، وظاهر كلام الخرقي أنه يرجح بهذا الاتصال
كما يرجح بالاتصال الذي لا يمكن احداثه لان الظاهر أن صاحب الحائط لا يدع غيره يتصرف فيه.
[ 167 ]
بنزع آجره وتغيير بنائه وفعل ما يدل على ملكه له فوجب ان يرجح كما يرجح باليد مع أنها تحتمل أن تكون يدا عادية حدثت بالغصب أو بالعارية أو الاجارة ولم يمنع ذلك الترجيح بها فان كان لاحدهما عليه بناء كحائط مبني عليه أو عقد معتمد عليه أو قبة ونحو هذا فهو له، وبهذا قال الشافعي لان وضع بنائه عليه بمنزلة اليد الثابتة لكونه منتفعا به فجرى مجرى حمله على البهيمة وزرعه في الارض ولان الظاهر ان الانسان لا يترك غيره يبني على حائط وكذلك إن كانت عليه سترة أو كان في أصل الحائط خشبة أو طرفها بجنب حائط منفرد به احدهما أو له عليه أزج معقود فالحائط المختلف فيه له لان الظاهر في الخشبة أنها لمن ينفرد بوضع بنائه عليها فيكون الظاهر أن ما عليها من البناء له (مسألة) ولا ترجح الدعوى بوضع خشب احدهما عليه ولا بوجوه الآجر والتزويق والتجصيص ومعاقد القمط في الخمص) قال أصحابنا لا ترجح دعوى أحدهما بوضع خشبة على الحائط وهو قول الشافعي لان هذا مما يسمح به الجار وقد ورد في الخبر النهي عن المنع منه وهو عندنا حق يجب التمكين منه فلا ترجح به الدعوى كاسناد متاعه إليه وتجصيصه وتزويقه ويحتمل ان ترجح به الدعوى وهو قول مالك لانه
[ 168 ]
ينتفع به بوضع ماله عليه فاشبه الباني عليه والزارع في الارض وورود الشرع بالنهي عن المنع منه لا يمنع كونه دليلا على الاستحقاق بدليل اننا استدللنا بوضعه على كون الوضع مستحقا على الدوام حتى متى زال جازت إعادته ولان كونه مستحقا تشترط له الحاجة إلى وضعه ففيما لا حاجة إليه له منعه من وضعه، وأما السماح به فان أكثر الناس لا يسامحون به، ولهذا لما روى أبو هريرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم طأطئوا رؤوسهم كراهة لذلك فقال مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لا رمين بها بين اكتافكم وأكثر الفقهاء لا يوجبون التمكين من هذا ويحملون الحديث على كراهة المنع لا على تحريمه ولان الحائط يبنى لذلك فيرجح به كالازج وقال أصحاب أبي حنيفة لا ترجح الدعوى بالجذع الواحد
لان الحائط لا يبنى له وترجح بالجذعين لان الحائط يبنى لهما ولنا أنه موضوع على الحائط فاستوى في ترجيح الدعوى قليله وكثيره كالبناء (فصل) ولا ترجح الدعوى بكون الدواخل إلى أحدهما والخوارج ووجوه الاجر والحجارة ولا كون الاجرة الصحيحة مما يلي أحدهما وقطع الآجر مما يلي ملك الآخر ولا بمعاقد القمط في الخص يعني عقد الخيوط التي يشد بها الخص، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يحكم به لمن إليه وجه الحائط ومعاقد القمط لما روى نمران بن حارثة التميمي عن ابيه أن قوما اختصموا
[ 169 ]
إلى النبي صلى الله عليه وسلم في خص فبعث حذيفة بن اليمان يحكم بينهم فحكم لمن تليه معاقد القمط ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال (أصبت وأحسنت) رواه ابن ماجه وروي نحوه عن علي ولان العرف جار بأن من بنى حائطا جعل وجه الحائط إليه ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولان وجه الحائط ومعاقد القمط إذا كانا شريكين فيه لا بد من ان يكون إلى أحدهما إذ لا يمكن كونه اليهما جميعا فبطلت دلالته كالتزويق، ولانه براد للزينة فهو كالتزويق، وحديثهم لا يثبته أهل النقل واسناده مجهول قاله ابن المنذر قال الشالنجي ذكرت هذا الحديث لاحمد فلم يقنعه وذكرته لاسحاق بن راهويه فقال ليس هذا حديثا ولم يصححه وحديث علي فيه مقال وما ذكروه من العرف ليس بصحيح فان العادة جعل وجه الحائط إلى خارج ليراه الناس كما يلبس الرجل احسن ثيابه أعلاها الظاهر للناس ليروه فيتزين به فلا دليل فيه (فصل) ولا ترجح الدعوى بالتزويق والتحسين ولا بكون أحدهما له الآجر وسترة غير مبنية عليه لانه مما يتسامح به ويمكن إحداثه.
[ 170 ]
(مسألة) وان تنازع صاحب العلو والسفل في السلم والدرجة فهي لصاحب العلو الا أن يكون تحت الدرجة مسكن لصاحب السفل فيكون بينهما وان تنازعا في السقف الذي بينهما فهو بينهما)
إذا تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها ولم يكن تحتها مرفق لصاحب السفل كسلم مستمر أو دكة فهي لصاحب العلو وحده لان له اليد والتصرف وحده لكونها مصعد صاحب العلو لا غير والعرصة التي عليها الدرجة له أيضا لانتفاعه بها وحده وان كان تحتها بيت بنيت لاجله وليكون مدرجا للعلو فهي بينهما لان يدهما عليه ولانها سقف للسفلاني وموطئ للفوقاني فهي كالسقف وان كان تحتها طباق صغيرة لم تبن الدرجة لاجله وانما جعل مرفقا يجعل فيه حب الماء ونحوه فهي لصاحب العلو لانها بنيت لاجله وحده، ويحتمل ان تكون بينهما لان يدهما وانتفاعهما حاصل بها فهي كالسقف (فصل) فان تنازعا السقف الذي بينهما تحالفا وكان بينهما وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة هو لصاحب السفل لان السقف على ملكه فكان القول قوله فيه كما لو تنازعا سرجا على دابة أحدهما كان القول قول صاحبها وحكي عن مالك أنه لصاحب السفل وحكي عنه أنه لصاحب العلو لانه يجلس عليه ويتصرف فيه ولا يمكنه السكنى الا به ولنا انه حاجز بين ملكيهما ينتفعان به غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان فكان بينهما
[ 171 ]
كالحائط بين الملكين وقولهم هو على ملك صاحب السفل يبطل بحيطان العلو ولا يشبه السرج على الدابة لانه لا ينتفع به غير صاحبها ولا يراد إلا لهذا فكان في يده وهذا السقف ينتفع به كل واحد منهما لانه سماء صاحب السفل يظله وأرض صاحب العلو يقله فاستويا فيه، وان تنازعا حوائط العلو فهي لصاحب العلو لما ذكرنا (مسألة) (وان تنازع المؤجز والمستأجر في رف مقلوع أو مصراع له شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها والا فهو بينهما) وجملة ذلك ان المكتري والمكري إذا اختلفا في شئ في الدار فان كان مما ينقل ويحول كالاثاث والاواني والكتب فهو للمكتري لان العادة أن الانسان يكري داره فارغة من رحله وقماشه وإن كان في شئ مما يتبع في البيع كالابواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة والسلاليم
المستمرة والرحا المنصوبة وحجرها الفوقاني فهو للمكري لانه من توابع الدار فاشبه الشجرة المغروسة فيها وان كانت الرفوف موضوعة على أوتاد فقال احمد إذا اختلفا في الرفوف فهي لصاحب الدار فظاهر هذا العموم في الزفوف كلها، وقال القاضي هي بينهما إذا تحالفا لانها لا تتبع في البيع فاشبهت القماش فهذا ظاهر يشهد للمكتري وللمكري ظاهر يعارض هذا وهو أن المكري يترك الرفوف في الدار ولا ينقلها عنها فإذا تعارض الظاهر من الجانبين استويا وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا إن
[ 172 ]
تحالفا كانت بينهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف وذكر شيخنا في الكتاب المشروح أنه ان كان للرف شكل منصوب في الدار فهو لصاحب الدار مع يمينه وان لم يكن له شكل فهو بينهما إذا تحالفا لانه إذا كان له شكل منصوب في الدار فالمنصوب تابع للدار فهو لصاحبها والظاهر أن احد الرفين لمن له الآخر وكذلك إذا اختلفا في مصراع باب مقلوع فالحكم فيه كما ذكرنا هكذا ذكره أبو الخطاب وذكره القاضي في موضع لان احدهما لا يستغني عن صاحبه فكان أحدهما لمن له الآخر كالحجر الفوقاني من الرحا والمفتاح مع السكرة (مسألة) وان تنازعا دارا في أيديهما فادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها جعل بينهما نصفين واليمين على مدعي النصف نص عليه احمد ولا يمين على الآخر لان النصف المحكوم له به لا منازع له فيه ولا أعلم في هذا خلافا الا انه حكي عن ابن شبرمة ان لمدعي الكل ثلاثة أرباعها لان النصف له لا منازع له فيه والنصف الآخر يقسم بينهما على حسب دعواهما فيه ولنا ان مدعي النصف على ما يدعيه فكان القول قوله فيه مع يمينه كسائر الدعاوى فان لكل واحد منهما بينة بما يدعيه فقد تعارضت بينتاهما في النصف فيكون النصف لمدعي الكل والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم، وظاهر المذهب تقديم بينة المدعي الكل وعلى قول
[ 173 ]
أبي حنيفة وصاحبيه إن كانت الدار في يد ثالث لا يدعيها فالنصف لصاحب الكل لا منازع له فيه
ويقرع بينهما في النصف الآخر فمن خرجت له القرعة حلف وكان له، وان كان لكل واحد بينة تعارضتا وسقطتا وصارا كمن لا بينة لهما، وإن قلنا تستعمل البينتان اقرع بينهما وقدم من تقع له القرعة في أحد الوجهين والثاني يقسم بينهما النصف فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباعها (فصل) فان كانت دار في يد ثلاثة ادعى أحدهم نصفها وادعى الآخر ثلثها وادعى الثالث سدسها فهذا اتفاق منهم على كيفية ملكهم وليس ههنا اختلاف ولا تجاحد، وإن ادعى كل واحد منهم ان بقية الدار وديعة أو عارية كانت لكل واحد منهما بما ادعاه من الملك بينة قضي له بها لان بينته تشهد بما ادعاه ولا معارض لها وان لم تكن لواحد منهم بينة حلف كل واحد منهم وأقرفي يده ثلثها (فصل) فان ادعى أحدهم جميعها والآخر نصفها والآخر ثلثها فان لم يكن لواحد منهم بينة قسمت بينهم أثلاثا وعلى كل واحد منهم اليمين على ما حكم له به لان يد كل واحد منهم على ثلثها وإن كانت لاحدهم بينة نظرت فان كانت لمدعي الجميع فهي له وإن كانت لمدعي النصف أخذه والباقي بين الآخرين نصفين لصاحب الكل السدس بغير يمين ويحلف على نصف السدس ويحلف الآخر على الربع الذي يأخذه جميعه وإن كانت البينة لمدعي الثلث أخذه والباقي بين الآخرين لمدعي الكل السدس بغير يمين ويحلف على السدس الآخر ويحلف الاخر على جميع ما يأخذه وان كانت لكل
[ 174 ]
واحد بما يدعيه بينة فان قلنا تقدم بينة صاحب اليد قسمت بينهم أثلاثا لان يد كل واحد منهم على الثلث وإن قلنا تقدم بينة الخارج فينبغي أن تسقط بينة صاحب الثلث لانها داخلة ولمدعي النصف السدس لان بينته خارجة فيه ولمدعي الكل خمسة أسداس لان له السدس بغير بينة لكونه لا منازع له فيه لان أحدا لا يدعيه وله الثلثان لكون بينته خارجة فيهما وقيل بل لمدعي الثلث السدس لان بينته تدعي الكل وتدعي النصف تعارضتا فيه وتساقطتا وبقي لمن هو في يده ولا شئ لمدعي النصف لعدم ذلك فيه وسواء كان لمدعي الثلث بينة أو لم تكن، وان كانت العين في يد غيرهم واعترف انه لا يملكها ولا بينة لهم فالنصف لمدعي الكل لانه ليس منهم من يدعيه ويقرع بينهم في النصف الباقي فان خرجت القرعة لصاحب الكل أو صاحب النصف حلف وأخذه وإن خرجت لصاحب
الثلث حلف وأخذ الثلث ثم يقرع بين الآخرين في السدس فمن قرع صاحبه حلف وأخذه وان أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فالنصف لمدعي الكل لما ذكرنا والسدس الزائد يتنازعه مدعي الكل ومدعي النصف والثلث يدعيه الثلاثة وقد تعارضت البينات فيه فان قلنا تسقط البينات قرعنا بين المتنازعين فيما تنازعوا فيه فمن قرع صاحبه حلف وأخذه ويكون الحكم فيه كما لو لم تكن لهم بينة وهذا قول أبي عبيد وقول الشافعي إذ كان بالعراق وعلى الرواية التي تقول إذا تعارضت البينتان قسمت العين بين المتداعيين فلمدعي الكل النصف ونصف السدس الزائد وثلث الثلث ولمدعي النصف نصف
[ 175 ]
السدس وثلث الثلث ولمدعي الثلث ثلثه وهو التسع فتخرج المسألة من ستة وثلاثين لمدعي الكل النصف ثمانية عشر ونصف السدس ثلاثة والتسع أربعة فذلك خمسة وعشرون سهما ولصاحب النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة وهو التسع وهذا قياس قول قتادة والحارث العكلي وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وهو قول الشافعي وقال أبو ثور يأخذ مدعي الكل النصف ويوقف الباقي حتى يتبين وروي هذا عن مالك وهو قول الشافعي وقال ابن أبي ليلى وقوم من أهل العراق تقسم العين بينهم على حسب عول الفرائض لصاحب الكل ستة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث اثنان فصح من احد عشر سهما. وسئل سهل بن عبد الله بن أويس عن ثلاثة ادعوا كيسا وهو بأيديهم ولا بينة لهم وحلف كل واحد منهم على ما ادعاه ادعى أحدهم جميعه وادعى الآخر ثلثيه وادعى آخر نصفه فأجاب فيها بشعر: نظرت أبا يعقوب في الحسب التي طرت * فأقامت منهم كل قاعد فللمدعي الثلثين ثلث وللذي * استلاط جميع المال عند التحاشد من المال نصف غير ماسيغو به * وحصته من نصف ذا المال زائد وللمدعي نصفا من المال ربعه * ويؤخذ نصف السدس من كل واحد وهذا قول من قسم المال بينهم على حسب العول فكأن المسألة عالت إلى ثلاثة عشر وذلك
[ 176 ]
انه أخذ مخارج الكسور وهي ستة فجعلها لمدعي الكل وثلثاها اربعة لمدعي الثلثين ونصفها ثلاثة لمدعي النصف صارت ثلاثة عشر (فصل) فان كانت الدار في أيدي أربعة فادعى أحدهم جميعها والثاني ثلثيها والثالث نصفها والرابع ثلثها ولا بينة لهم حلف كل واحد منهم وله ربعها لانه في يده والقول قول صاحب اليد مع يمينه، وإن أقام كل واحد منهم بما ادعاه بينة قسمت بينهم أرباعا أيضا لاننا ان قلنا تقدم بينة الداخل فكل واحد منهم داخل في ربعها فتقدم بينته فيه، وإن قلنا تقدم بينة الخارج فان الرجلين إذا ادعيا عينا في يد غيرهما فأنكرهما وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وأقر الشئ في يد من هو في يده، وإن كانت الدار في يد خامس لا يدعيها ولا بينة لواحد منهم بما ادعاه فالثلث لمدعي الكل لان أحدا لا ينازعه فيه ويقرع بينهم في الباقي، فان خرجت القرعة لصاحب الكل أو مدعي الثلثين أخذه وإن وقعت لمدعي النصف أخذه وأقرع بين الباقين في الباقي فان وقعت لصاحب الثلث أخذه وأقرع بين الثلاثة في الثلث الباقي وهذا قول أبي عبيد والشافعي إذ كان بالعراق إلا انهم عبروا عنه بعبارة أخرى فقالوا لمدعي الكل الثلث ويقرع بينه وبين مدعي النصف في السدس الزائد عن الثلث ثم يقرع بين الاربعة في الثلث الباقي ويكون الاقرار في ثلاثة مواضع، على الرواية الاخرى الثلث لمدعي الكل ويقسم السدس الزائد عن النصف بينه وبين مدعي الثلثين ثم يقسم السدس الزائد عن الثلث بينهما وبين مدعي النصف أثلاثا ثم يقسم الثلث الباقي بين الاربعة أرباعا وتصح المسألة من
[ 177 ]
ستة وثلاثين سهما لصاحب الكل ثلئها اثنا عشر ونصف السدس الزائد عن النصف ثلاثة وثلث السدس الزائد عن الثلث سهمان وربع الثلث الباقي ثلاثة فيحصل له عشرون سهما وذلك خمسة أتساع الدار، ولمدعي الثلثين ثمانية أسهم تسعان وهي مثل ما لمدعي الكل بعد الثلث الذي انفرد به ولمدعي النصف خمسة أسهم تسع وربع تسع، ولمدعي الثلث ثلاثة نصف سدس وعلى قول من قسمها على العول من خمسة عشر لصاحب الكل ستة ولصاحب الثلثين أربعة ولصاحب الثلث سهمان ولصاحب النصف ثلاثة وعلى قول أبي ثور لصاحب الكل الثلث ويوقف الباقي
(مسألة) (وان تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان يصلح للنساء فهو للمرأة وما كان يصلح لهما فهو بينهما) إذا اختلف الزوجان في قماش البيت أو في بعضه فقال كل واحد منهما جميعه لي أو قال كل واحد منهما هذه العين لي وكانت لاحدهما بينة ثبت له بلا خلاف، وان لم تكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد ان ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والاقبية والطيالسة والسلاح وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه وما يصلح للنساء كحليهن وقمصهن ومقانعهن ومغازلهن
[ 178 ]
فالقول قول المرأة مع يمينها وما يصلح لهما كالمفارش والاواني فهو بينهما وسواء كان في أيديهما من طريق الحكم أو من طريق المشاهدة وسواء اختلفوا في حال الزوجية أو بعد البينونة وسواء اختلفا أو اختلف ورثتهما أو أحدهما وورثه الآخر قال احمد في رواية الجماعة منهم يعقوب بن بختان في الرجل يطلق زوجته أو يموت فتدعي المرأة المتاع: فما كان يصلح للرجال فهو للرجل وما كان من متاع النساء فهو للنساء وما استقام أن يكون للرجال وللنساء فهو بينهما، فان كان المتاع على يدي غيرهما فمن أقام البينة دفع إليه وان لم تكن لهما بينة اقرع بينهما فمن كانت له القرعة حلف وأعطي المتاع وقال في رواية مهنا وكذلك ان اختلفا وأحدهما مملوك وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى لان أيديهما جميعا على قماش البيت بدليل ما لو نازعهما فيه اجنبي كان القول قولهما وقد يرجح احدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب تقديمه كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامهما أو قميصا احدهما لابسه والآخر آخذ بكمه أو جدارا متصلا بجداريهما معقودا ببناء احدهما (مسألة) (وان اختلف صانعان في قماش دكان لهما حكم بآلة كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي) لما ذكرنا فيما إذا اختلف الزوجان في قماش البيت فألة العطار له وآلة النجارين للنجار فان لم يكونا في دكان واحد ولكن اختلفا في عين لم يرجح احدهما بصلاحية العين المختلف له فيها كما يذكر في مسألة الزوجين بعد وقال القاضي هذا انما هو إذا كانت ايديهما عليه من طريق
[ 179 ]
الحكم أما ما كان في يد أحدهما من طريق المشاهدة فهو له مع يمينه، وان كان في ايديهما قسم بينهما نصفين سواء كان يصلح لهما أو لاحدهما وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الا أنهما قالا ما يصلح لهما ويدهما عليه من طريق الحكم فالقول فيه قول الرجل مع يمينه، وإذا اختلف احدهما وورثه الاخر فالقول قول الباقي، لان اليد المشاهدة أقوى من اليد الحكمية بدليل ما لو تنازع الخياط وصاحب الدار في الابرة والمقص كانت للخياط وقال أبو يوسف القول قول المرأة فيما جرت العادة انه قدر جهاز مثلها وقال مالك ما صلح لكل واحد منهما فهو له وما صلح لهما كان للرجل سواء كان في أيديهما من طريق المشاهدة أو من طريق الحكم لان البيت للرجل ويده عليه أقوى لان عليه السكنى وقال الشافعي وزفر والبتي ما كان في البيت فهو لهما نصفين فيحلف كما واحد منهما على نصفه ويأخذه وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لانهما تساويا في ثبوت يدهما على المدعى وعدم البينة فلم يقدم احدهما على صاحبه كالذي يصلح لهما أو كما لو كان في يدهما من حيث المشاهدة عند من سلم ذلك ولنا أن يديهما جميعا على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه اجنبي كان القول قولهما وقد يرجح احدهما على صاحبه يدا وتصرفا فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة احدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها أو جدارا متصلا بداريهما معقودا ببناء احدهما اوله أزج ولنا على أبي حنيفة والقاضي انهما تنازعا فيما في ايديهما اشبه إذا كان في اليد الحكمية، فاما ما كان
[ 180 ]
يصلح لهما فانه في أيديهما ولا مزية لاحدهما على صاحبه أشبه إذا كان في ايديهما من جهة المشاهدة والدلالة على انه ليس للباقى منهما ان وارث الميت قائم مقامه اشبه ما لو جعل احدهما لنفسه وكيلا (فصل) فأما إذا لم تكن لاحدهما يد حكمية بل تنازع رجل وامرأة في عين غير قماش بينهما فلا يرجح احدهما بصلاحية ذلك له بل ان كانت في ايديهما فهي بينهما وان كانت في يد احدهما فهي له وان كانت في يد غيرهما اقترعا عليها فمن خرجت له القرعة فهي له واليمين على من حكمنا له بها في كل المواضع لانه ليس لهما يد حكمية فاشبها سائر المختلفين
(مسألة) (وكل من قلنا هو له فهو له مع يمينه إذا لم تكن بينة) لاحتمال ما ادعاه خصمه (مسألة) (وان كان لاحدهما بينة حكم له بها) وجملة ذلك ان البينة إذا كانت للمدعي وحده وكانت العين في يد المدعى عليه حكم باليمين للمدعي بغير خلاف ولم يحلف وهو قول اهل الفتيا من اهل الامصار منهم الزهري والثوري وابو حنيفة ومالك والشافعي وقال شريح وعون بن عبد الله والنخعي والشعبي وابن ابي ليلي يستحلف الرجل مع بينته قال شريح لو أثبت كذا وكذا شهداء عندي ما قضيت لك حتى تحلف ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البنية على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولان البينة احد حجتي الدعوى
[ 181 ]
فيكتفى بها كاليمين إذا ثبت ذلك فقال اصحابنا لا فرق بين الحاضر والغائب والحي والميت والعاقل والمجنون والصغير والكبير وقال الشافعي إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن نفسه احلف المشهود له لانه لا يعبر عن نفسه في دعوى القضا والابراء فيقوم الحاكم مقامه في ذلك لنزول الشبهة قال شيخنا وهذا حسن فان قيام البينة للمدعي بثبات حقه لا بنفي احتمال القضاء والابراء بدليل ان المدعى عليه لو ادعاه سمعت دعواه وبينته فإذا كان حاضرا مكلفا فسكوته عن الدعوى دليل على انتفائه فيكتفى بالبينة فان كان غائبا أو ممن لا قول له بقي احتمال ذلك من غير دليل يدل على انتفائه فتشرع اليمين لنفيه وان لم تكن للمدعي بينة وكانت للمنكر بينة سمعت بينته ولم يحتج إلى الحلف معها لانا ان قلنا بتقديمها مع التعارض وانه لا يحلف معها فمع افرادها اولي، وان قلنا بتقديم بينة المدعى عليه فيجب ان يكتفى بها عن اليمين لانها اقوى من اليمين فإذا اكتفي باليمين فيما هو اقوى منها اولى ويحتمل ان تشرع ايضا لان البينة ههنا يحتمل أن يكون مستندها اليد والتصرف فلا تفيد الا ما افادته اليد والتصرف لا يغني عن اليمين فكذلك ما قام مقامه (مسألة) (وان كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي في ظاهر المذهب، وعنه إن
[ 182 ]
شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الامام قدمت بينته وإلا فهي للمدعي
ببينته وقال القاضي فيهما إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يحكم بها رواية واحدة وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال) وجملة ذلك ان من ادعى عينا في يده غير فأنكره وأقام كل واحدة منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته وتسمى بينة الخارج وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل وقد اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيما إذا تعارضتا فالمشهور عنه تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال وهذا اختيار الخرقي وهو قول اسحاق وعنه رواية ثانية ان شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقالت نتجت في ملكه أو اشتراها أو نسجها أو كانت بينته اقدم تاريخا قدمت وإلا قدمت بينة المدعي وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور في النتاج والنساج فيما لا يتكرر نسجه، وأما ما يتكرر نسجه كالخز والصوف فلا تسمع بينته لانها إذا شهدت بالسبب فقد افادت مالا تفيده اليد وقد روى جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير فقام كل واحد منهما البينة أنه أنتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده، وذكر أبو الخطاب رواية ثالثة ان بينة المدعى عليه تقدم بكل حال وهو قول شريح والشعبي والحكم والشافعي وأبي عبيد وقال هو قول أهل المدينة وأهل الشام وروي ذلك عن طاوس وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد وقال لا تقدم بينة الداخل إذا لم تفد الا ما افادته يده رواية واحدة واحتج من ذهب الي تقديم بينة المدعى عليه بان جنبته أقوى لان الاصل معه ويمينه تقدم
[ 183 ]
على يمين المدعي فإذا تعارضت البيتان وجب ابقاء يده على ما فيها وتقديمه كما لو لم تكن بينة لواحد منهما وحديث جابر يدل على هذا فانه انما قدم بينته ليده ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فجعل جنس البينة من جنبة المدعي فلا يبقي في جنبة المدعى عليه بينة ولان بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح والتعديل ودليل كثرة فائدتها أنها تثبت شيئا لم يكن وبينة المنكر انما تثبت ظاهرا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة ولان الشهادة بالملك يجوز ان يكون مستندها رؤية اليد والتصرف فان ذلك جائز عند كثير من أهل العلم فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فقدم عليه بينة المدعي كما تقدم اليد
كما ان شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الاصل لم تكن لهما مزية عليهما (فصل) وأي البينتين قدمناها لم يحلف صاحبها وقال الشافعي في أحد قوليه يستحلف صاحب اليد لان البينتين سقطتا بتعارضهما فصارتا كمن لا بينة لهما فيحلف الداخل كما لو لم تكن لواحد منهما بينة ولنا ان إحدى البينتين راجحة فيجب الحكم بها منفردة كما لو تعارض خبران خاص وعام أو أحدهما ارجح بوجه من الوجوه ولا نسلم ان البينة الراجحة تسقط وانما ترجح ويعمل بها وتسقط المرجوحة (مسألة) (وان اقام الداخل ببينة أنه اشتراها من الخارج وأقام الخارج بينة انه اشتراها
[ 184 ]
من الداخل فقال القاضي تقدم بينة الداخل لانه الخارج في المعنى وقيل تقدم بينة الخارج) لقول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي) (فصل) إذا ادعى الخارج ان العين ملكه وأنه أودعها الداخل أو اعاره اياها أو اجرها منه ولم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول المنكر مع يمينه لا نعلم فيه خلافا وان كان لكل واحد منهما بينة قدمت بينة الخارج وهو قول الشافعي وقال القاضي بينة الداخل مقدمة لانه هو الخارج في المعنى كالمسألة قبلها لانه ثبت ان المدعي صاحب اليد فان يد الداخل نائبة عنه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فتكون البينة للمدعي كما لو لم يدع الايداع. يحققه ان دعواه الايداع زيادة في حجته وشهادة البينة بها تقوية لها فلا يجوز ان تكون مبطلة لبينته، وان ادعى الخارج ان الداخل غصبه اياها وقام بينتين قضي للخارج ويقتضي قول القاضي انها للداخل والاولى ما ذكرناه (فصل) فان كان في يد رجل جلد شاة مسلوخة ورأسها وسواقطها وباقيها في يد آخر فادعاها كل واحد منهما جميعها ولا بينة لهما ولا لاحدهما فلكل واحد منهما ما في يده مع يمينه وان اقاما بينتين وقلنا تقدم بينة الداخل فلكل واحد منهما ما في يده من غير يمين وان كان في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما ان الشاة التي في يد صاحبه له ولا بينة لهما حلف كل واحد منهما
[ 185 ]
لصاحبه وكانت الشاة التي في يده له وان اقاما بينتين فلكل واحد منهما شاة التي في يد صاصبه ولا تعارض بينهما وان كان كل واحد قال هذه الشاة التي في يدك لي من نتاج شاتي هذه فالتعارض في النتاج لا في الملك وان ادعى واحد منهما ان الشاتين له دون صاحبه واقاما بينتين تعارضتا وانبنى ذلك على القول في بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الخارج جعل لكل واحد منهما ما في يد الآخر ومن قدم بينة الداخل أو قدمها إذا شهدت بالنتاج جعل لكل واحد منهما ما في يده (فصل) إذا ادعى زيد شاة في يد عمرو واقام بها بينة فحكم له بها حاكم ثم ادعاها عمرو على زيد واقام بها بينة فان قلنا بينة الخارج مقدمة لم تسمع بينة عمرو لان بينة زيد مقدمة عليها وان قلنا بينة الداخل مقدمة نظرنا في الحكم كيف وقع؟ فان كان حكم بها لزيد لان عمرا لا بينة له ردت إلى عمرو لانه قد قامت له بينة واليد كانت له وان كان حكم بها لزيد لانه يرى تقديم بينة الخارج لم ينقض حكمه لانه حكم بما يسوغ الاجتهاد فيه وان كانت بينة عمرو قد شهدت له ايضا وردها الحاكم لفسقها ثم عدلت لم ينقض الحكم ايضا لان الفاسق إذا شهد عند الحاكم بشهادة فردها لفسقه ثم اعادها بعد لم تقبل وان لم يعلم الحكم كيف كان لم ينقض لانه حكم حاكم الاصل جريانه على الصحة والعدل فلا ينقض بالاحتمال وان جاء ثالث فادعاها واقام بها بينة فبينته وبينة زيد متعارضتان ولا
[ 186 ]
يحتاج زيد إلى اقامة بينة لانها قد شهدت مرة وهما سواء في الشهادة حال التنازع فلم يحتج إلى اعادتها كالبينة إذا شهدت ووقف الحكم على البحث عن حالها ثم بانت عدالتها فانها تقبل ويحكم بها من غير إعادة شهادتهما كذا ههنا (فصل) وإذا كان في يد رجل شاة فادعاها رجل انها له منذ سنة واقام بذلك بينة وادعى الذي هي في يده انها في يديه منذ سنتين واقام بذلك بينة فهي للمدعي بغير خلاف لان بينته تشهد له بالملك وبينة الداخل تشهد باليد خاصة فلا تعارض بينهما لامكان الجمع بينهما بان تكون اليد عن غير ملك فكانت بينة الملك اولى وان شهدت بينته بانها ملكه منذ سنتين فقد تعارض ترجيحان تقديم
التاريخ من بينة الداخل وكون الاخرى بينة الخارج ففيه روايتان (إحداهما) تقدم بينة الخارج وهو قول ابي يوسف ومحمد وابي ثور ويقتضيه عموم كلام الخرقي لقوله عليه الصلاة والسلام (البينة على المدعي) ولان بينة الداخل يجوز ان يكون مستندها اليد فلا تفيد أكثر مما تفيده اليد فاشبهت الصورة الاولى (والثانية) تقدم بينة الداخل وهو قول ابي حنيفة والشافعي لانها تضمنت زيادة وان كانت بالعكس فشهدت بينة الداخل انه يملكها منذ سنة وشهدت بينة الخارج انه يملكها منذ سنتين قدمت بينة الخارج الا على الرواية التي تقدم فيها بينة الداخل فيخرج فيها وجهان بناء على الروايتين في التي قبلها وظاهر مذهب الشافعي تقديم بينة الداخل على كل حال وقال بعضهم فيها
[ 187 ]
قولان فان ادعى الخارج انها ملكه منذ سنة وادعي الداخل انه اشتراها منه منذ سنتين واقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الداخل ذكره القاضي وهو قول ابي ثور فان اتفق تاريخ البينتين إلا ان بينة الداخل تشهد بنتاج أو شراء أو غنيمة أو ارث أو هبة من مالك أو قطيعة من الامام أو سبب من اسباب الملك ففي أيهما يقدم روايتان ذكرناهما فان ادعى انه اشتراها من الآخر قضي له بها لان بينة الابتياع شهدت بأمر حادث خفي على البينة الاخرى فقدمت عليها كما تقدم بينة الجرح على التعديل (فصل) قال رحمه الله (القسم الثاني أن تكون العين في يديهما فيتحالفان وتقسم بينهما) وجملة ذلك انه إذا تنازع نفسان في عين في أيديهما فادعى كل واحد منهما انها له دون صاحبه ولم تكن لهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه وجعلت بينهما نصفين لا نعلم في هذا خلافا لان يد كل واحد منهما على نصفها والقول قول صاحب اليد مع يمينه وإن نكلا جميعا عن اليمين فكذلك لان كل واحد منهما يستحق ما في يد الآخر بنكوله، وان نكل أحدهما وحلف الآخر قضي له بجميعها لانه يستحق ما في يده بيمينه وما في يد الآخر بنكوله أو بيمينه التي ردت عليه بنكول صاحبه، وان كان لاحدهما بينة دون الآخر حكم له بها بغير خلاف علمناه لانه يرجح بالبينة (مسألة) (وان تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وارض الآخر تحالفا وهي بينهما) لانها حاجز بين ملكيهما فكانت يدهما عليه كما لو تنازعا حائطا بين داريهما وفي كل موضع قلنا
[ 188 ]
هو بينهما نصفين انما يحلف كل واحد منهما على النصف الذي يجعله له دون ما لا يحصل له (مسألة) (وان تنازعا صبيا في يديهما فكذلك) لان يديهما عليه واليد دليل الملك والطفل لا يعبر عن نفسه فهو كالبهيمة والمتاع إلا أن يعترف أن سبب يده غير الملك مثل ان يلتقطه فلا تقبل دعواه لرقه لان اللقيط محكوم بحريته فاما غيره فقد وجد فيه دليل الملك من غير معارض فيحكم برقه فعلى هذا إذا بلغ فادعى الحرية لم تسمع دعواه لانه محكوم برقه قبل دعواه فاما ان كان مميزا فقال إني حر منعا منه إلا ان تقوم بينة برقه لان الظاهر الحرية وهي الاصل في بني آدم والرق طارئ عليها فان كان له بينة قدمت البينة لانها تقدم على الاصل لانها تشهد بزيادة ويحتمل أن يكون كالطفل فيكون بينهما لانه غير مكلف أشبه الطفل والاول أولى لان المميز يصح تصرفه بالوصية ويلزم بالصلاة أشبه البالغ ولانه يعرب عن نفسه في دعوى الحرية أشبه البالغ فاما البالغ إذا ادعى رقه فأنكر لم يثبت رقه الا ببينة وان لم تكن له بينة فالقول قوله مع يمينه في الحرية لانها الاصل وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي فان ادعى رقه اثنان فاقر لهما بالرق ثبت رقه فان ادعاه كل واحد منهما لنفسه فاعترف لاحدهما فهو لمن اعترف له وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون بينهما نصفين لان يدهما عليه فاشبه الطفل والثوب ولنا أنه انما ثبت رقه باعترافه فكان مملوكا لمن اعترف له كما لو لم تكن يده عليه ويخالف الثوب
[ 189 ]
والطفل فان الملك حصل فيهما باليد وقد تساويا فيها وههنا حصل بالاعتراف وقد اختص به أحدهما فكان مختصا به فان أقام كل واحد بينة أنه مملوكه تعارضتا وسقطتا ويقرع بينهما أو يقسم بينهما على ما مر من التفصيل فان قلنا بسقوطهما ولم يعترف لهما بالرق فهو حر وان اعترف لاحدهما فهو لمن اعترف له وإن أقر لهما معا فهو بينهما لان البينتين سقطتا فصارتا كالمعدومتين وان قلنا بالقرعة أو بالقسمة فانكرهما لم يلتفت إلى إنكاره فان اعترف لاحدهما لم يلتفت إلى اعترافه لان رقه ثابت بالبينة فلم يبق له يد على نفسه كما قلنا فيما إذا ادعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد بينة أنها ملكه واعترف
أنها ليست له ثم أقر أنها ليست له ثم أقر انها لاحدهما لم يرجح باقراره (مسألة) (وان كان لاحدهما بينة حكم له بها لانه ترجح بالبينة وإن كان لكل واحد منهما بينة قدم اسبقهما تاريخا فان وقتت احداهما وأطلقت الاخرى فهما سواء ويحتمل تقديم المطلقة) أما إذا أقام كل واحد منهما بينة وتساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما نصفين وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى أبو موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين رواه ابو داود ولان كل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها فتقدم بينة كل واحد منهما
[ 190 ]
فيما في يده عند من يقدم بينة الداخل وفيما في يد صاحبه عند من يقدم بينة الخارج فيستويان على كل واحد من القولين. (مسألة) (وان كانت إحداهما متقدمة التاريخ وحكم بها له مثل أن تشهد احداهما أنها له منذ سنة وتشهد الاخرى أنها للآخر منذ سنتين فيقدم أسبقهما تاريخا) قال القاضي هو قياس المذهب وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لان المتقدمة التاريخ أثبتت الملك له في وقت لم تعارضه فيه البينة الاخرى فيثبت الملك فيه ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان وتعارضت البينتان في الملك في الحال فسقطتا وبقي ملك السابق تحت استدامته وأن لا يثبت لغيره ملك الا من جهته وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما وهو أحد قولي الشافعي ووجهه أن الشاهد بالملك الحادث أحق بالترجيح لجواز أن يعلم به دون الاول بدليل انه لو ذكر أنه اشتراه من الآخر أو وهبه إياه لقدمت بينته اتفاقا فإذا لم يرجح بها فلا أقل من التساوي وقولهم إنه يثبت الملك في الزمان الماضي من غير معارضة قلنا إنما يثبت تبعا لثبوته في الحال ولو انفرد بان يدعي الملك في الماضي لم تسمع دعواه ولا بينته (مسألة) (فان وقتت إحداهما وأطلقت الاخرى فهما سواء) ذكره القاضي ويحتمل أن يحكم به لمن يوقت قاله أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد
[ 191 ]
ولنا انه ليس في إحداهما ما يقتضي الترجيح من تقدم الملك ولا غيره فوجب استواؤهما كما لو أطلقا أو استوى تاريخهما (مسألة) (وان شهدت احداهما بالملك والاخرى بالملك والنتاج أو سبب من اسباب الملك فهل يرجح بذلك؟ على وجهين) (احداهما) لا يرجح به وهو اختيار الخرقي لانهما تساوتا فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فوجب تساويهما في الحكم (والثاني) تقدم بينة النتاج وما في معناه وهو مذهب أبي حنيفة لانها تتضمن زيادة علم وهو معرفة السبب والاخرى خفي عليها ذلك فيحتمل ان تكون شهادتها مستندة إلى مجرد اليد والتصرف فتقدم الاولى عليها كتقديم بينة الجرح على التعديل، وهذا قول القاضي فيما إذا كانت العين في يد غيرهما. (مسألة) ولا تقدم احداهما بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة ولا الرجلان على الرجل وامرأتين ويقدم الشاهدان على الشاهد واليمين في أحد الوجهين) لا ترجح احدى البينتين بكثرة العدد واشتهار العدالة وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويتخرج أن يرجح بذلك مأخوذا من قول الخرقي ويقدم الاعمى أوثقهما في نفسه وهذا قول مالك لان احد الخبرين يرجح بذلك فكذلك الشهادة ولانها خبر ولان الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به
[ 192 ]
وإذا كثر العدد أو قويت العدالة كان الظن أقوى وقال الاوزاعي تقسم على عدد الشهود فإذا شهد لاحدهما شاهدان وللآخر اربعة قسمت العين بينهما أثلاثا لان الشهادة سبب الاستحقاق فتوزع الحق عليها ولنا ان الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية بخلاف الخبر فانه مجتهد في قبول خبر الواحد دون العدد فرجح بالزيادة والشهادة متفق فيها على خبر الاثنين فصار الحكم متعلقا بهما دون اعتبار الظن ألا ترى أنه لو شهد النساء منفردات لا تقبل شهادتهن وان كثرن حتى صار الظن
بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين؟ وعلى هذا لا ترجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في المال لان كل واحدة من البينتين حجة في المال فإذا اجتمعتا تعارضتا فاما ان كان لاحدهما شاهدان وللآخر شاهد فبذل يمينه معه ففيه وجهان: (احدهما) يتعارضان لان كل واحد منهما حجة بمفرده فاشبه الرجلين مع الرجل والمرأتين (والثاني) يقدم الشاهدان لانهما حجة متفق عليها والشاهد واليمين مختلف فيهما ولان اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الاجنبيين فوجب تقديمها كتقديمها على يمين المنكر وهذا الوجه أصح ان شاء الله تعالى وللشافعي قولان كالوجهين (مسألة) وان تساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما بغير يمين وعنه أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما وعنه أنه يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها)
[ 193 ]
وجملة ذلك ان البينتين إذا تساوتا تعارضتا وقسمت العين نصفين لما ذكرنا من حديث أبي موسى وما ذكرناه من المعنى. واختلفت الرواية هل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به أو يكون له من غير يمين؟ روي انه يحلف وهو الذي ذكره الخرقي لان البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح وجب اسقاطهما كالخبرين إذا تعارضا وتساويا وإذا سقطا صار المختلفان كمن لا بينة لهما ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به وهذا أحد قولي الشافعي بناء على ان اليمين تجب على الداخل مع بينته ويحلف معها والرواية الاخرى: تقسم بينهما العين من غير يمين وهو قول مالك وأبي حنيفة والقول الثاني للشافعي وهو أصح ان شاء الله للخبر والمعنى الذي ذكرناه ولا يصح قياس هاتين البينتين على الخبرين المتساوييين لان كل بينة راجحة في نصف العين على كل واحد من القولين وقد ذكرنا ان البينة يحكم بها من غير يمين وفيه رواية أخرى أنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له لا حق للآخر فيها وكانت العين له كما لو كانت في يد غيرهما ذكر هذه الرواية أبو الخطاب والاولى أصح ان شاء الله تعالى للخبر والمعنى.
(مسألة) (وإن ادعى أحدهما انه اشتراها من زيد لم تسمع البينة على ذلك حتى تقول وهو ملكه وتشهد البينة به)
[ 194 ]
وجملة ذلك انه متى كان في يد رجل عين فادعى آخر أنه اشتراها من زيد وهي ملكه واقام بذلك بينة حكم له بها لانه ابتاعها من مالكها وكذا ان شهدت أنه باعه اياها وسلمها إليه حكم له بها لانه لم يسلمها إليه إلا وهي في يده وإن لم يذكر إلا التسليم لم يحكم بها لانه يمكن أن يبيعه مالا يملكه فلا يزال صاحب اليد فان ادعي أحدهما انه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر انه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا فان كانت في يد أحدهما انبنى ذلك على الروايتين في تقديم بينة الخارج والداخل فان كانت في أيديهما قسمت بينهما لان بينة كل واحد منهما داخلة في أحد النصفين خارجة عن النصف الآخر وإن كانت في يد أحد البائعين فأنكرهما وادعاها لنفسه فان قلنا تسقط البينتان حلف وكانت له وإن أقر بها لاحدهما صار الداخل إلا أن يقر بعد أن يحلف انها له وإن قلنا يقدم أحدهما بالقرعة فهي لمن تخرج له القرعة مع يمينه وإن قلنا تقسم بينهما قسمت ورجع كل احد منهما بنصف ثمنها فان كان المبيع مما يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد أو كان المشتري مقرا بقبضه فلا خيار لو حد منهما ولا الرجوع بشئ من الثمن لاعترافه بسقوط الضمان على البائع وإن كان من
[ 195 ]
المكيل والموزون ولم يقبض فلكل واحد منهما الخيار في الفسخ والامضاء فان اختار أحدهما الفسخ لم يتوفر المبيع على الآخر لان البائع اثنان والله أعلم (مسألة) (وإن أقام أحدهما بينة انها ملكه وأقام الآخر بينة انه اشتراها أو أعتقه قدمت بينة الثاني) لانها تشهد بأمر حادث على الملك خفي على بينة الملك ولا تعارض بينهما فيثبت الملك للاول والشراء منه للثاني. (مسألة) (وان أقام رجل بينة ان هذه الدار لابي خلفها تركة وأقامت امرأته بينة ان أباه أصدقها اياها فهي للمرأة) لما ذكرنا
(فصل) قال رضي الله عنه (القسم الثالث تداعيا عينا في يد غيرهما فان يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف انها له وأخذها) وجملة ذلك ان الرجلين إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما فأنكرهما فالقول قوله مع يمينه بغير خلاف، وان اعترف أنه لا يملكها وقال لا أعرف صاحبها أو قال هي لاحدكما لا أعرفه عينا اقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف انها له وسلمت إليه لما روى أبو هريرة ان رجلين تداعيا عينا لم تكن لواحد منهما بينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها رواه أبو داود، ولانهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولايد والقرعة تميز عند التساوي كما لو اعتق عبيدا الا مال له غيرهم في مرض موته
[ 196 ]
(مسألة) (فان كان المدعى عبدا فأقر لاحدهما لم يرجح باقراره) لانه محجور عليه أشبه الطفل فان كانت لاحدهما بينة حكم له بها بغير خلاف نعلمه (مسألة) (وان كانت لكل واحد منهما بينة ففيه روايتان ذكرهما أبو الخطاب) (إحداهما) تسقط البينتان ويقترع لتداعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة هذا الذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام الخرقي لانه ذكر القرعة ولم يفرق بين ان تكون معها بينة أو لم تكن روي هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال اسحاق وأبو عيبد وهو رواية عن مالك وقديم قولي الشافعي لما روى ابن المسيب ان رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما رواه الشافعي في مسنده ولان البينتين حجتان تعارضتا من غير ترجيح لاحداهما على الاخرى فسقطتا كالخبرين (والرواية الثانية) تستعمل البينتان وفي كيفية استعمالهما روايتان (احداهما) تقسم العين بينهما وهو قول الحارث العكلي وقتادة وابن شبرمة وحماد وأبي حنيفة وقول للشافعي لما ذكرنا من حديث أبي موسى ولانهما تساويا في دعواه فتساويا في قسمته (والرواية الثانية) تقدم إحداهما وهو قول للشافعي وله قول رابع يوقف الامر حتى يتبين وهو قول أبي ثور لانه اشتبه الامر فوجب التوقف
كالحاكم إذا لم يتضح الحكم له في قضية
[ 197 ]
ولنا خبر أبي موسى وخبر ابن المسيب ولان تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما إذا ثبت هذا. فأما إذا أسقطنا البينتين أقرعنا بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها كما لو لم تكن لهما بينة، وان قلنا يعمل بالبينتين ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة أخذها من غير يمين وهذا قول الشافعي لان البينة تغني عن اليمين، وقال أبو الخطاب عليه اليمين مع بينته ترجيحا لها وعلى هذا القول تكون هذه الرواية كالاولى وانما يظهر اختلاف الحكم في شئ آخر سنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) وان أنكرهما من العين في يده وكانت لاحدهما بينة حكم له بها وإن أقام كل واحد منهما بينة فان قلنا تستعمل البينتان أخذت العين من يده وقسمت بينهما على قول من يرى القسمة وتدفع إلى من تخرج له القرعة عند من يرى ذلك، وان قلنا تسقط البينتان حلف صاحب اليد وأقرت في يده كما لو لم تكن لهما بينة (مسألة) (وان أقر صاحب اليد لاحدهما لم يرجح باقراره إذا قلنا لا تسقط البينتان) لانه قد ثبت زوال ملكه فصار كالاجنبي وان قلنا بسقوطهما فأقر بها لهما أو لاحدهما قبل اقراره، فأما ان أقر بها في الابتداء لاحدهما صار المقر له صاحب اليد لان من هي في يده مقر بأن يده نائبة عن يده، وان أقر لهما جميعا فاليد لكل واحد منهما في الجزء الذي أقر له به لذلك
[ 198 ]
(مسألة) (وان ادعاها صاحب اليد لنفسه وقلنا يسقوط البينتين حلف لكل واحد منهما وهي له وهو قول القاضي) لانه صاحب اليد وهو منكر فلزمته اليمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (اليمين على من أنكر) وقال أبو بكر بل يقرع بين المدعبين فتكون لمن تخرج له القرعة وهذا ينبني على ان البينتين إذا تعارضتا لا يسقطان فرجحت احدى البينتين بالقرعة كما لو أقر صاحب اليد انها لاحدهما لا يسلمه بعينه (فصل) إذا تداعيا عينا في يد غيرهما فقال هي لاحدكما لاعرفه عينا أو قال لا أعرف صاحبها
أو هو أحدكما أو غيركما أو قال أودعنيها أحدكما أو رجل لا أعرفه عينا فادعى كل واحد منهما انك تعلم اني صاحبها أو اني أنا الذي أودعتكها وطلب يمينه لزمه أن يحلف له لانه لو أقر له لزمه تسليمها إليه ومن لزمه الحق مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار ويحلف على ما ادعاه من نفي العلم وإن صدقاه فلا يمين عليه، وان صدقه أحدهما حلف الآخر وإن أقر بها لاحدهما أو لغيرهما صار المقر له صاحب اليد فان قال غير المقر له احلف لي ان العين ليست ملكي أو اني لست الذي أودعكها لزمته اليمين على ما ادعاه من ذلك لما ذكرنا وإن نكل عن اليمين قضي عليه بقيمتها وإن اعترف لهما كان الحكم فيها كما لو كانت في أيديهما ابتداءا وعليه اليمين لكل واحد منهما في النصف المحكوم به لصاحبه وعلى كل واحد منهما اليمين لصاحبه في الصنف المحكوم له به. (فصل) إذا كان في يد رجل دار فادعاها نفسان فقال أحدهما أجرتكها وقال الآخر هي داري
[ 199 ]
أعرتكها أو قال هي داري ورثتها من أبي أو قال هي داري ولم يذكر شيئا آخر فأنكرهما صاحب اليد فالقول قوله مع يمينه، وان كان لاحدهما بينة حكم له بها فان اقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه تعارضتا وكان الحكم على ما ذكرنا فيما مضي إلا على الرواية التي تقدم فيها البينة الشاهدة بالسبب فان بينة من ادعى انه ورثها مقدمة لشهادتها بالسبب، وان أقام احدهما بينة انه غصبه إياها واقام الاخر بينة انه اقر له بها فهي للمغصوب منه ولا تعارض بينهما لان الجمع بينهما ممكن بأن يكون غصبها من هذا واقر بها لغيره واقرار الغاصب باطل وهذا مذهب الشافعي فتدفع إلى المغصوب منه (فصل) نقل ابن منصور عن احمد في رجل اخذ من رجلين ثوبين احدهما بعشرة والاخر بعشرين ثم لم يدر أيهما ثوب هذا من هذا فادعى احدهما ثوبا من هذين الثوبين وادعاه الاخر يقرع بينهما فأيهما اصابته الفرعة حلف واخذ الثوب الجديد والآخر للآخر وانما قال ذلك لانهما تنازعا عينا في يد غيرهما. (فصل) إذا تداعيا عينا فقال كل واحد منهما هذه العين لي استدنتها من زيد بمائة ونقدته اياها ولا بينة لواحد منهما فان أنكرهما زيد فهي له مع يمينه وان أقر بها لاحدهما سلمها إليه وحلف للآخر وان أقر لكل
واحد منهما بنصفها سلمت إليهما وحلف لكل واحد منهما على نصفها وان قال لا أعلم لمن هي اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف واخذها وان حلف البائع له ثم أقربها لاحدهما سلمت إليه وان أقربها للآخر
[ 200 ]
لزمته غرامتها وان أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه وكانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين مثل ان يدعي احدهما انه اشتراها في المحرم وادعى الآخر انه اشتراها في صفر وشهدت بينة كل واحد منهما للآخر بدعواه فهي للاول لتقدم بينته بانه باعها منه أولا وزال ملكه عنها فيكون بيع الثاني باطلا لكونه باع ما لا يملكه ويطالب برد الثمن وان اتفق تاريخهما أو كانتا مطلقتين أو أحدهما مطلقة والآخري مؤرخة تعارضتا لتعذر الجمع فينظر في العين فان كانت في يد أحدهما انبنى ذلك على بينة الداخل والخارج فمن قدم بينة الداخل جعلها لمن هي في يده ومن قدم بينة الخارج جعلها له وان كانت في يد البائع وقلنا تسقط البينتان رجع إلى البائع فان أنكرهما حلف لهما وكانت له وان أقر لاحدهما سلمت إليه وحلف للآخر وان أقر لهما فهي بينهما ويحلف لكل واحد منهما على نصفها كما لو لم يكن لهما بينة وان قلنا لا تسقط البينتان لم يلتفت إلى انكاره ولا اعترافه وهذا قول القاضي وأكثر أصحاب الشافعي لانه قد ثبت زوال ملكه وان يده لا حكم لها فلا حكم لقوله فمن قال يقرع بينهما اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة فهي له مع يمينه وهذا قول القاضي لم يذكر غيره وقال أبو الخطاب يقسم بينهما وقد نص عليه أحمد في رواية الكوسج في رجل أقام بينة انه اشترى سلعة بمائة وأقام الاخر بينة انه اشتراها بمائتين فكل واحد منهما يستحق نصف السلعة بنصف الثمن ويكونان شريكين وحمل القاضي هذه الرواية على ان العين في أيديهما أو على ان البائع أقر لهما
[ 201 ]
جميعا واطلاق والرواية يدل على صحة قول أبي الخطاب فعلى هذا ان كان البيع مما لا يدخل في ضمان المشتري الا بقبضه فلكل واحد منهما الخيار لان الصفقة تبعضت عليه فان اختار الامساك رجع كل واحد منهما بنصف الثمن وان اختار الفسخ رجع كل واحد منهما بجميع الثمن وان اختار أحدهما الفسخ توفرت السلعة كلها على الآخر الا ان يكون الحاكم قد حكم بنصف السلعة ونصف الثمن فلا
يعود النصف الاخر إليه وهذا قول الشافعي في كل موضع (فصل) ولو كان في يد رجل دار فادعى عليه رجلان كل واحد منهما يزعم انه غصبها منه واقام بذلك بينة فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ادعي كل واحد منهما: إني اشتريتها منه على ما مضى من التفصيل فيه (مسألة) (وان كان في يد رجل عبد فادعى انه اشتراه من زيد فادعى العبد ان زيدا أعتقه وأقام كل واحد بينة انبني على بينة الداخل والخارج فان كان العبد في يد زيد فالحكم فيه كالحكم فيما إذا ادعيا عينا في يد غيرهما) إذا ادعي رجل عبدا في يد آخر انه اشتراه منه وادعى العبد ان سيده اعتقه ولا بينة لهما فانكرهما حلف لهما والعبد له فان أقر لاحدهما ثبت ما أقر به ويحلف للاخر وان أقام احدهما بينة بما ادعاه ثبت وان اقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مؤرختين بتاريخين
[ 202 ]
مختلفين قدمنا الاولى وبطلت الاخرى لانه ان سبق العتق لم يصح البيع وان سبق البيع لم يصح العتق لانه أعتق عبد غيره فان قيل يحتمل انه عاد إلى ملكه فاعتقه قلنا قد ثبت الملك للمشتري فلا يبطله عتق البائع، وان كانتا مؤرختين بتاريخ واحد أو مطلقتين أو احداهما مطلقه تعارضتا لانه لا ترجيح لاحداهما على الاخرى فان كان في يد المشتري انبني ذلك على الخلاف في تقديم بينة الداخل والخارج فان قدمنا بينة الداخل فهو للمشتري وان قدمنا بينه الخارج قدم العتق لانه خارج وان كان في يد البائع وقلنا ان البينتين تسقطان بالتعارض صارا كمن لا بينة لهما فان انكرهما حلف لهما وإن اقر بالعتق ثبت ولم يحلف العبد لانه لو اقر بأنه ما اعتقه لم يلزمه شئ فلا فائدة في احلافه وان قلنا ترجح احدى البينتين بالقرعة قرعنا بينهما فمن خرجت قرعته قدمناه قال أبو بكر هذا قياس قول ابي عبد الله فعلى هذا يحلف من خرجت له القرعة في احد الوجهين وان قلنا يقسم قسمنا العبد فجعلنا نصفه مبيعا ونصفه حرا ويسري العتق إلى جميعه ان كان البائع موسرا لان البينة عليه انه اعتقه مختارا وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما (مسألة) (وان كان في يده عبد وادعى عليه رجلان كل واحد منهما انه اشتراه بثمن سماه فصدقهما
لزمه الثمن لكل واحد منهما وان أنكرهما حلف لهما وبرئ وان صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر
[ 203 ]
وان كان لاحدهما بينة فله الثمن ويحلف للآخر وإن كان لكل واحد منهما بينة وأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو اطلاقهما أو اطلاق إحداهما وتاريخ الاخرى ععمل بهما وان اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم وان كان في يد انسان عين فادعى عليه رجلان كل واحد منهما انك اشتريته مني بألف وأقام بذلك بينة واتفق تأريخهما مثل ان يقول اشتراها مني مع الزوال يوم كذا ليوم واحد فهما متعارضتان فان قلنا يسقطان رجع إلى قول المدعى عليه فان أنكرهما حلف لهما وبرئ وان أقر لاحدهما فعليه له الثمن يحلف للآخر وان أقر لهما فعليه لكل واحد منهما الثمن لانه يحتمل ان يشتريها من أحدهم ثم يهبها للآخر ويشتريها منه وإن قال اشتريتها منكما صفقة واحدة بألف فقد أقر لكل واحد منهما بنصف الثمن وله ان يحلف على الباقي وان قلنا يقرع بينهما وجب الثمن لمن تخرج له القرع ويحلف للاخر ويبرأ وان قلنا يقسم قسم الثمن بينهما ويحلف لكل واحد منهما على الباقي فان كان التاريخان مختلفين أو كانتا مطلقتين أو أحداهما مطلقة ثبت العقدان ولزمه الثمنان لانه يمكن ان يشتريها من أحدهما ثم يملكها الآخر فيشتريها منه وإذا أمكن صدق البينتين والجمع بينهما وجب تصديقهما فان قيل فلم قلتم ان البائع إذا كان واحدا والمشتري اثنان فأقام أحدهما بينة انه اشتراه في المحرم وأقام الاخر بينة انه اشتراه في صفر يكون الشراء الثاني باطلا؟ قلنا انه إذا ثبت الملك للاول لم يبطله بان يبيعه للثاني ثانيا
[ 204 ]
وفي مسئلتنا ثبوت شرائه من كل واحد منها يبطل ملكه لانه لا يجوز ان يشتري ثانيا ملك نفسه ويجوز ان يبيع البائع ما ليس له فافترقا فان قيل فإذا كانت البينتان مطلقتين أو احداهما مطلقة احتمل ان يكون تاريخهما واحدا فيتعارضان والاصل برائة ذمة المشهود عليه فلا تشغل بالشك قلنا متى امكن صدق البينتين وجب تصديقهما ولم يكن ثم شك وانما يبقى الوهم والوهم لا تبطل به البينة لانها لو بطلت به لم يثبت بها حق اصلا لانه ما من بينة الا ويحتمل ان تكون كاذبة أو غير عادلة أو متهمة أو معارضة ولم يلتفت إلى الوهم كذا ههنا
(مسألة) (وان ادعي كل واحد منهما انه باعني اياه بألف وأقام بنية قدم اسبقهما تاريخا لما ذكرنا فان لم تسبق أحدهما تعارضنا (مسألة) (وان قال أحدهما غصبني اياه وقال الاخر ملكنيه أو أقر لي به فان اقام كل واحد منهما بينة فهو للمغصوب منة ولا يغرم للاخر شيئا) لانه لا تعارض بينهما لجواز ان يكون غصبه من هذا ثم ملكه الاخر والله أعلم (مسألة) (وإذا ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بذلك قبل اقرارها) لانها اقرت على نفسها وهي غير متهمة لانها لو ارادت ابتداء النكاح لم تمنع منه فان ادعاها اثنان فاقرت لاحدهما لم يقبل اقرارها لان الآخر يدعي ملك بضعها وهي معترفة ان ذلك قد ملك
[ 205 ]
عليها فصار اقرارها بحق غيرها ولانها متهمة فانها لو ارادت ابتداء تزويج احد المتداعيين لم يكن لها ذلك قبل الانفصال من دعوى الاخر فان قيل فلو تداعيا عينا في يد ثالث فأقر لاحدهما قبل قلنا لا يثبت الملك باقراره في العين إنما يجعله كصاحب اليد فيحلف والنكاح ولا يستحق باليمين فلم ينفع الاقرار بها ههنا فان كان احد المتداعيين له بينة حكم له بها لان البينة حجة في النكاح وغيره وان اقاما بينتين تعارضتا وسقطا وحيل بينهما وبينها ولا يرجح أحد المتداعيين باقرار المرأة لما ذكرنا ولا بكونها في بيته ويده لان اليد لا تثبت على حرة ولا سبيل إلى القسمة ههنا ولا إلى القرعة لانه لابد مع القرعة من اليمين ولا مدخل لها ههنا (باب في تعارض البينتين) إذا قال لعبده متى قتلت فانت حر فادعى العبد أنه قتل وأنكر لورثة فالقول قولهم لان الاصل عدم القتل فان أقام بينة بدعواه عتق وان أقام الورثة بينة بموته قدمت بينة العبد في أحد الوجهين لانها تشهد بزيادة وهي القتل (والثاني) يتعارضان لان إحداهما تشهد بضد ما شهدت به الاخرى فيبقى على الرق
[ 206 ]
(مسألة) (وان قال ان مت في المحرم فسالم حر وان مت في صفر فغانم حر واقام كل واحد منهما بينة بدعواه بموجب عتقه قدمت بينة سالم في أحد الوجوه) لان معها زيادة علم فانها اثبتت ما يجوز ان يختفي على البينة الاخرى (والثاني) يتعارضان ويبقى العبد على الرق لانهما سقطا فصارا كمن لا بينة لهما (والثالث) يقرع بينهما فيعتق من تقع له القرعة فاما ان لم تقم لواحد منهما بينة وأنكر الورثة فالقول قولهم لانه يجوز ان يموت في غير هذين الشهرين وان اقروا لاحدهم عتق باقرارهم وكذلك ان أقام بينة (مسألة) (وان قال ان مت من مرضي هذا فسالم حر وان برئت فغانم حر فاقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق ذكره أصحابنا والقياس ان يعتق أحدهما بالقرعة ويحتمل ان يعتق غانم وحده لان بينته تشهد بزيادة) إذا قال ان مت من مرضي هذا فسالم حر وان برئت فغانم حر فمات وادعى كل واحد منهما موجب عتقه اقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق لانه لا يخلو من ان يكون برأ أو لم يبرأ فيعتق أحدهما على كل حال ولم تعلم عينه فيخرج بالقرعة كما لو اعتق احدهما فاشكل علينا ويحتمل ان يقدم قول سالم لان الاصل عدم البرء وان أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه فقال أصحابنا يتعارضان ويبقى العبدان على الرق وهذا مذهب الشافعي لان كل واحدة منهما تكذب الاخرى وتثبت زيادة
[ 207 ]
تنفيها الاخرى وهذا قول لا يصح وهو ظاهر الفساد لان التعارض أثر في اسقاط البينتين ولو لم يكونا أصلا لعتق أحدهما فكذلك إذا سقطا وذلك لانه لا يخلو من احدى الحالتين اللتين علق على كل واحدة منهما عتق احدهما فيلزم وجوده كما لو قال ان كان هذا الطائر غرابا فسالم حر وان لم يكن غرابا فغانم حر ولم يعلم حاله ولكن يحتمل وجهين (احدهما) يقرع بينهما كما في مسألة الطائر ولان البينتين إذا تعارضنا قدمت احداهما بالقرعة في رواية (والثاني) تقدم بينة غانم لانها شهدت بزيادة وهي البرء وان اقر الورثة لاحدهم عتق باقرارهم ولم يسقط حق الآخر مما ذكرنا الا ان يشهد عدلان منهم بذلك مع انتفاء التهمة فيعتق وحده إذا لم تكن للآخر بينة
(مسألة) (وان اتلف ثوبا فشهدت بينة ان قيمته عشرون وشهدت أخرى ان قيمته ثلاثون لزمته أقل القيمتين) وجملة ذلك أنه إذا شهد شاهد أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد آخر ان قيمته ثلاثة ثبت ما اتفقا عليه وهو درهمان فله ان يحلف مع الآخر على درهم لانهما اتفقا على درهمين وانفرد احدهما بدرهم فاشبه ما لو شهد احدهما بالف والآخر بخمسمائة وإذا شهد شاهدان ان قيمته درهمان وشاهدان ان قيمته ثلاثة ثبت له درهمان وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له ثلاثة لانه قد شهد بها شاهدان
[ 208 ]
وهما حجة فيؤخذ بهما كما يؤخذ بالزيادة في الاخبار وكما لو شهد شاهدان بالف وشاهدان بالفين فانه يجب له الفان قال القاضي ويتوجه لنا مثل ذلك كما لو شهد له شاهدان بالف وشاهدان بخمسمائة ولنا ان من شهد ان قيمته درهمان ينفي ان قيمته ثلاثة فقد تعارضت البينتان في الدرهم ويخالف الزيادة في الاخبار فان من يروي الناقص لا ينفي الزيادة وكذلك من شهد بالف لا ينفي ان عليه الفا آخر فان قيل فلم قلتم إنه إذا شهد بواحدة من القيمتين شاهدان تعارضتا وان شهد شاهد لم يتعارضا وكان له ان يحلف من الشاهد بالزيادة عليها؟ قلنا لان الشاهدين حجة وبينة وإذا كملت من الجانبين تعارضت الحجتان لتعذر الجمع بينهما اما الشاهد الواحد فليس بحجة وحده وانما يصير حجة مع اليمين فإذا حلت مع احدهما كملت الحجة مع يمينه ولم يعارضها ما ليس بحجة كما لو شهد باحدهما شاهدان وبالآخر شاهد واحد (مسألة) (ولو ماتت امرأة وابنها فقال زوجها ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته وقال أخوها بل مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لابيه وميراث المرأة لاخيها وزوجها نصفين وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا أيضا وقياس مسائل الخرقي ان يجعل للاخ سدس مال الابن والباقي للزوج) وجملة ذلك أنه إذا مات جماعة برث بعضهم بعضا واختلف الاحياء من ورثتهم في السابق
[ 209 ]
بالموت في المسألة المذكورة فقال الزوج ماتت المرأة أولا فصار ميراثها كله لي ولابني ثم مات ابني فصار ميراثه لي وقال أخوها مات ابنها أولا فورثت ثلث ماله ثم ماتت فكان ميراثها بيني وبينك نصفين حلف كل واحد منهما على ابطال دعوى صاحبه وجعلنا ميراث كل واحد منهما للاحياء من ورثته دون من مات معه لان سبب استحقاق الحي من موروثه موجود وانما يمتنع لبقاء موروث الاخر بعده وهذا الامر مشكوك فيه فلا نزول عن اليقين بالشك فيكون ميراث الابن لابيه لا مشارك له فيه وميراث المرأة بين أخيها وزوجها نصفين وهذا مذهب الشافعي فان قيل فقد اعطيتم الزوج النصف وهو لا يدعي إلا الربع قلنا بل هو مدع لجميعه ربعه بميراثها منه وثلاثة أرباعه بميراثه من أبيه قال أبو بكر قد ثبتت البنوة بيقين فلا يقطع ميراث الاب فيه إلا ببينة تقوم للاخ وهذا تعليل لقول الخرقي في هذه المسألة وذكر قولا آخر يحتمل ان الميراث بينهما نصفين قال شيخنا وهذا ما يدرى ما أراد به ان اراد ان مال المرأة بينهما نصفين لم يصح لانه يفضي إلى إعطاء الاخ ما لا يدعيه ولا يستحقه يقينا لانه لا يدعي من مال الابن أكثر من سدسه ولا يمكن ان يستحق أكثر منه وان أراد ان ثلث مال الابن يضم إلى مال المرأة فيقسمانه نصفين لم يصح لان نصف ذلك إلى الزوج باتفاق منهما لا ينازعه الاخ فيه وانما النزاع بينهما في نصفه ويحتمل ان يكون هذه مراده كما لو تنازع رجلان دارا في ايديهما فادعاها احدهما كلها وادعى الاخر نصفها فانها تقسم بينهما نصفين وتكون اليمين على مدعي النصف الا ان الفرق بين هذه المسألة وتلك ان الدار في ايديهما فكل واحد منهما في يد
[ 210 ]
نصفها فمدعى النصف يدعيه وهو في يده فقبل قوله فيه مع يمينه وفي مسئلتنا يعترفان أن هذا ميراث عن البنين فلا يد لاحدهما عليه لاعترافهما بانه لم يكن لهما وانما هو ميراث يدعيانه من غيرهما وان اراد ان سدس مال الابن يضم إلى نصف مال المرأة فيقسم بينهما نصفين فله وجه لانهما تساويا في دعواه فيقسم بينهما كما لو تنازعا دابة في أيديهما وعلى كل واحد منهما اليمين فيما حكم له به والذي يقتضيه قول أصحابنا في الغرقى والهدمي أن يكون سدس الابن للاخ وباقي ميراثهما للزوج لانا نقدر ان المرأة ماتت أولا فيكون ميراثها لابنها وزوجها ثم مات الابن فورثه أبوه وهو الزوج فصار ميراثها كله لزوجها ثم
نقدر ان الابن مات أولا فورثه أبواه لامه الثلث ثم ماتت فصار الثلث بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحد منهما السدس فلم يرث الاخ الا سدس مال لابن كما ذكرنا قال شيخنا ولعل هذا القول يختص بمن جهل موتهما واتفق وراثهما على الجهل به والقولان المتقدمان قول الخرقي وقول أبي فيما إذا ادعى ورثة كل ميت ان مات أخيرا وان الاخر مات قبله فان كان لاحدهما بينة بما ادعاه حكم له بها وان اقاما بينتين تعارضتا وهل يسقطان أو يقرع بينهما أو يقسمان ما اختلفا فيه؟ يخرج على الروايات الثلاث. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا شهدت بينة على ميت انه وصي بعتق سالم وهو ثلث ماله وشهدت بينة أخرى أنه وصى بعتق غانم وهو ثلث ماله أقرع بينهما فمن تقع له القرعة عتق دون
[ 211 ]
صاحبه الا ان يجيز الورثة لان الوصيتين ثبتا بشهادة العدول فهما سواء فيقرع بينهما سواء اتفق تاريخهما أو اختلف لان الوصية يستوي فيها المتقدم والمتأخر فمن خرجت له القرعة عتق جميعه وقال أبو بكر وابن ابي موسى يعتق نصف كل واحد منهما بغير قرعة لان القرعه إنما تجب إذا كان أحدهما عبدا والآخر حرا ولا كذلك ههنا فيجب ان يقسم بينهما ويدخل النقص على كل واحد منهما بقدر وصيته كما لو أوصى لاثنين بمال والاول قياس المذهب لان الاعتاق بعد الموت كالاعتاق في مرض الموت وقد ثبت في الاعتاق في مرض الموت أنه يقرع بينهما لحديث عمران بن حصين كذلك بعد الموت ولان المعنى المقتضي في أحدهما في الحياة موجود بعد الممات فيثبت فلما ان صرح فقال إذا مت فنصف كل واحد من سالم وغانم حر أو كان في لفظه ما يقتضيه أو دلت عليه قرينة ثبت ما اقتضاه وان أجاز الورثة عتقهما عتقا لان الحق لهم فأشبه ما لو أعتقوهما بعد موته (مسألة) وان شهدت بينة سالم أنه رجع عن عتق غانم عتق سالم وحده سواء كانت بينته وارثة أو لم تكن) لانهما لم يجران بشهادتهما إلى أنفسهما نفعا ولا يدفعان عنها ضررا فان قيل فهما يثبتان لانفسهما ولاء سالم قلنا وهما يسقطان ولاء غانم أيضا على أن الولاء إنما هو اثبات سبب الميراث ومثل ذلك لا ترد الشهادة فيه كما يثبت النسب بالشهادة وان كان الشاهد يجوز أن يرث المشهود له وتقبل شهادته
لاخيه بالمال وان جاز ان يرثه
[ 212 ]
(مسألة) (وان كانت قيمة غانم سدس المال وبينته أجنبية قبلت) لانها بينة غير متهمة فتقبل شهادتها كما لو كانت قيمته ثلث المال وان كانت بينته وارثة عتق العبدان لان البينة الوارثة متهمة في شهادتها لكونها ترد إلى الرق من كثرت قيمته وترد شهادتها في الرجوع كما لو كانت فاسقة ويعتق سالم كله بالبينة العادلة ويعتق غانم لان سالما لما عتق بشهادة الاجنبيين صار كالمغصوب فصار غانم ربع التركة فيعتق جميعه لنقصه عن ثلث الباقي لان الباقي يصير كانه التركه جميعها وإنما يعتق باقرارهم لا بشهادتهم قال أبو بكر، ويحتمل ان يقرع بينهما فان خرجت القرعة لسالم عتق وحده وان خرجت لغانم عتق هو ونصف سالم كما لو لم تشهد بالرجوع فان الشهادة بالرجوع لم تقبل فكان وجودها كعدمها فانه في هذه الصورة يعتق فيها ثلث المال وتكمل في احدهما فإذا وقعت القرعة لسالم عتق جميعه لانه ثلث المال وان وقعت لغانم عتق جميعه ونصف سالم لان ذلك ثلث المال (مسألة) وان شهدت بينة أنه أعتق سالما في مرضه وشهدت أخرى أنه وصى بعتق غانم وكل واحد منهما ثلث المال عتق سالم وحده) لانه لا ينفذ تصرفه في مرضه الا في الثلث إذا لم تجز الورثة وعتق سالم منجز وعتق غانم وصية فيقدم عتق سالم على الوصية
[ 213 ]
(مسألة) وان شهدت بينة غانم أنه اعتقه في مرضه أيضا عتق اقدمهما تاريخا فان جهل السابق عتق أحدهما بالقرعة) وجملة ذلك أنه إذا ادعى سالم أنه أعتقه في مرض موته وادعى عبده غانم انه اعتقه في مرض موته وأقام كل واحد منهما بينة بدعواه فلا تعارض بينهما لان ما شهدت به كل بينة لا ينفي ما شهدت به الاخرى ولا يكذبها فيثبت اعتاقه لهما فان كانت البينتين مؤرختين بتاريخين متخلفين عتق الاول منهما ورق الثاني الا ان يجيز الورثة لان المريض إذا تبرع تبرعا يعجز ثلثه قدم الاول فالاول وان
اتفق تاريخهما أو اطلقتا أو احداهما فهما سواء لانه لا مزية لاحداهما على الاخرى فيستويان ويقرع بينهما فيعتق من تخرج له القرعة ويرق الآخر الا أن يجيز الورثة لانه لا يخلو اما أن يكون أعتقهما معا فيقرع بينهما كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العبيد الستة الذين أعتقهم سيدهم عنه موته ولم يكن له مال سواهم أو يكون اعتق احدهما قبل صاحبه واشكل علينا فيخرج بالقرعه كما في مسألة الطائر وقيل يعتق من كل واحد نصفه. وهو قول الشافعي لانه أقرب إلى التعديل منهما فان في القرعه قد يرق السابق المستحق للعتق ويعتق الثاني المستحق للرق وفي القسمة لا يخلو المستحق للعتق من حرية ولا المستحق للرق من رق ولذلك قسمنا المختلف فيه على إحدى الروايتين إذا تعارضت بينتان والاول المذهب لانه لا يخلو من شبهة باحدى
[ 214 ]
الصورتين اللتين ذكرناهما والقرعة ثابتة في كل واحد منهما وقولهم ان في القرعة احتمال ارفاق الحر قلنا وفي القسمة ارقاق نصف الحر يقينا وتحرير نصف الرقيق يقينا وهو أعظم ضررا (مسألة) (فان كانت بينة أحدهما وارثة ولم تكذب الاجنبية فكذلك وان قالت ما أعتق سالما انما أعتق غانما عتق غانم كله وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بينته في انه يعتق ان تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإلا فلا، وان كانت الوراثة فاسقة ولم تطعن في بينة سالم عتق سالم كله وينظر في بينة غانم فان كان تاريخ عتقه سابقا أو خرجت القرعه له عتق كله، وإن كان متأخرا أو خرجت القرعه لسالم لم يعتق منه شئ. وقال القاضي: يعتق من غانم نصفه وإن كذبت بينة سالم عتق العبدان) وجملة ذلك ان المريض إذا خلف ابنين لا وارث له سواهما فشهدا انه اعتق سالما في مرض موته وشهد اجنبيان انه اعتق غانما في مرض موته وكل واحد ثلث ماله ولم يطعن الاثنان في شهادتهما وكانت البينتين عادلتين فالحكم فيه كالحكم فيما إذا كانتا اجنبيتين سواء لانه قد ثبت ان الميت اعتق العبدين، وان طعن الاثنان في شهادة الاجنبيين وقالا ما اعتق غانما انما اعتق سالما لم يقبل قولهما في رد شهادة الاجنبية لانها بينه عادلة مثبته والاخرى نافيه وقول المثبت يقدم على قول النافي ويكون حكم ما شهدت به إذا لم تطعن الوارثة في شهادتها انه يعتق ان تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة ويرق
[ 215 ]
إذا تأخر تاريخه أو خرجت القرعه لغيره. واما الذي شهد به الابنان فيعتق كله لاقرارهما باعتاقه وحده واستحقاقه الحرية. وهذا قول القاضي وقيل يعتق ثلثاه إن حكم بعتق سالم وهو ثلث الباقي لان العبد الذي شهد به الاجنبيان كالمغصوب من التركة والذاهب من التركة بموت أو تلف فيعتق ثلث الباقي وهو ثلثا غانم والاول أصح لان المعتبر خروجه من الثلث حال الموت وحال الميت في قول الابنين لم يعتق سالم انما عتق بالشهادة بعد الموت فيكون ذلك بمنزلة موته بعد موت سيده فلا يمنع من عتق من خرج من الثلث قبل موته فان كان الاثنان فاسقين ولم يردا شهادة لاجنبية ثبت العتق لسالم ولم يزاحمه من شهد له الاثنان لفسقهما فلا يقبل قولهما في اسقاط حق ثبت ببينة عادلة وقد أقر الابنان بعتق غانم فينظر فان تقدم تاريخ عتقه أو أقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق كله كما قلنا في التي قبلها وإن تأخر تاريخ عتقه أو خرجت القرعة لغيره لم يعتق منه شئ لان الاثنين لو كانا عدلين لم يعتق منه شئ فإذا كانا فاسقين أولى وقال القاضي وبعض اصحاب الشافعي يعتق نصقه في الاحوال كلها لانه استحق العتق باقرار الورثة مع ثبوت عتق الاخر بالبينة العادلة فصار بالبينة كأنه أعتق العبدين فيعتق منه نصفه. قال شيخنا: وهذا لا يصح فانه لو أعتق العبدين لاعتقنا أحدهما بالقرعة ولانه في حال تقديم تاريخ من شهدت له البينة لا يعتق منه شئ وكانت بينة عادلة فمع فسوقها أولى وان كذبت الوارثة
[ 216 ]
الاجنبية فقالت ما أعتق سالما انما أعتق غانما عتق العبدان وقيل يعتق من غانم ثلثاه والاول أولى. (فصل) إذا شهد عدلان أجنبيان انه وصى بعتق سالم وفهد عدلان وارثان انه رجع عن الوصية بعتق سالم ووصى بعتق غانم وقيمتهما سواء أو كانت قيمة غانم أكثر قبلت شهادتهما وبطلت وصية عتق سالم وقد ذكرناه فان كان الوارثان فاسقين لم تقبل شهادتهما في الرجوع ويلزمهما اقرارهما لغانم فيعتق سالم بالبينة العادلة ويعتق غانم باقرار الورثة بالوصية باعتاقه وحده، وذكر القاضي واصحاب
الشافعي انه انما يعتق ثلثاه لانه لما أعتق سالم بشهادة الاجنبيين صار كالمغصوب فصار غانم نصف التركة فيعتق ثلثاه وهو ثلث التركة ولنا ان الوارثة لقر بأنه حين الموت ثلث التركة وان عتق سالم انما كان بشهادتهما بعد الموت فسار كالمغصوب بعد الموت ولو غصب بعد الموت لم يمنع عتق غانم كله فكذلك الشهادة بعتقه، وقد ذكر القاضي فيما إذا شهدت بينة عادلة باعتاق سالم في مرضه ووارثة فاسقة باعتاق غانم في مرضه وانه لم يعتق سالما ان غانما يعتق كله وهذا مثله، فأما ان كانت قيمة غانم أقل من قيمة سالم فالوارثة متهمة لكونها ترد إلى الرق من كثرت قيمته فترد شهادتهما في الرجوع كما ترد شهادتهما بالرجوع عن الوصية بعتق سالم ويعتق غانم كله أو ثلث الباقي على ما ذكرنا من الاختلاف فيما إذا كانت فاسقة
[ 217 ]
فان لم تشهد الوارثة بالرجوع عن عتق سالم لكن شهدت بالوصية بعتق غانم وهي بينة عادلة ثبتت الوصيتان سواء كانت قيمتهما سواء أو مختلفة إن خرجا من الثلث وإن لم يخرجا من الثلث أقرع بينهما فيعتق من خرجت له القرعة ويعتق تمام الثلث من الاخر سواء تقدمت احدى الوصيتين عن الاخرى أو استوتا لان المتقدم والمتأخر من الوصايا سواء (فصل) ولو شهدت بينة عادلة انه وصى لزيد بثلث ماله وشهدت بينة أخرى انه رجع عن الوصية لزيد ووصى لعمرو بثلث ماله وشهدت بينة ثالثة انه رجع عن الوصية لعمرو ووصى لبكر بثلث ماله صحت الشهادة كلها وكانت الوصية لبكر سواء كانت البينات من الورثة أو لم تكن لانه لا تهمة في حقهم وإن كانت شهادة البينة الثالثة انه رجع عن احدى الوصيتين لم تفد هذه الشهادة لانه قد ثبت بالبينة الثانية انه رجع عن الوصية لزيد وهي احدى الوصيتين، فعلى هذا تثبت الوصية لعمرو، وان كانت البينة شهدت بالوصية لعمرو ولم تشهد بالرجوع عن وصية زيد فشهدت الثالثة برجوعه عن احدى الوصيتين لا بعينها فقال القاضي لا تصح الشهادة وهو مذهب الشافعي لانهما لم يعينا المشهود عليه وتصير كما لو قالا نشهد ان لهذا على هذين ألفا أو ان لاحد هذين على هذا ألفا فيكون الثلث بين الجمع أثلاثا، وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله انه يصح الرجوع عن احدى الوصيتين
ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة بالرجوع عن وصيته بطلت وهذا قول ابن أبي موسى وإذا صح
[ 218 ]
الرجوع عن احدهما بغير تعيين صحت الشهادة به لذلك، ووجه ذلك ان الوصية تصح بالمجهول وتصح الشهادة فيها بالمجهول فجازت في الرجوع من غير تعيين الرجوع عن وصيته (فصل) إذا شهد شاهدان انه وصى لزيد بثلث ماله وشهد واحد انه وصى لعمرو بثلث ماله انبنى هذا على الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين؟ فيه وجهان (أحدهما) يتعارضان فيحلف عمر مع شاهد ويقسم الثالث بينهما لان الشاهد واليمين حجة في المال فأشبه الشاهدين (والثاني) لا يعارضهما لان الشاهدين أقوى فعلى هذا ينفرد زيد بالثلث وتقف وصية عمرو على اجازة الورثة. فاما إن شهد واحد انه رجع عن وصية زيد ووصى لعمرو بثلثه فلا تعارض بينهما ويحلف عمرو مع
[ 219 ]
شاهده وتثبت الوصية له والفرق بين المسئلتين ان في الاول تقابلت البينتان فقدمنا اقرارهما، وفي الثانية لم يتقابلا وانما يثبت بالرجوع وهو يثبت بالشاهد واليمين لان المقصود به المال وهذا مذهب الشافعي (فصل) إذا اختلفا في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة ان هذه الدار كانت أمس ملكه أو منذ شهر فهل تسمع هذه البينة ويقضى بها؟ على وجين (أحدهما) تسمع ويحكم بها لانها تثبت الملك في الماضي وإذا ثبت استديم حتى يعلم زواله (والثاني) لا يحكم بها، قال القاضي وهو الصحيح لان الدعوى لا تسمع ما لم يدع المدعي الملك في الحال فلا تسمع بينته على ما لم يدعه، لكن ان انضم إلى شهادتهما بيان سبب يد الثاني وتعريف تعديهما فقالا نشهد انها كانت ملكه أمس فغصبها هذا منه أو سرقها أو ضلت منه فالتقطها هذا ونحو ذلك سمعت وقضي بها لانها إذا لم تبين السبب فاليد دليل الملك ولا تنافي بين ما شهدت به البينة وبين دلالة اليد لجواز أن تكون ملكه أمس ثم تنتقل
[ 220 ]
إلى صاحب اليد، فإذا ثبت ان سبب اليد عدوان خرجت عن كونها دليلا فوجب القضاء باستدامة الملك السابق، وان أقر المدعى عليه انها كانت ملكا للمدعي أمس أو فيما مضى سمع اقراره وحكم به
في الصحيح لانه حينئذ يحتاج إلى بيان سبب انتقالها إليه فيصير هو المدعي فيحتاج إلى البينة ويفارق البينة من وجهين (أحدهما) انه اقوى من البينة لكونها شهادة من الانسان على نفسه ويزول به النزاع بخلاف البينة ولهذا تسمع في المجهول ويقضى به بخلاف البينة (والثاني) ان البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه والدعوى يجب أن تكون معلقة بالحال والاقرار يسمع ابتداءا، وإن شهدت البينة انها كانت في يده أمس ففي سماعها الوجهان وان أقر المدعى عليه بذلك، والصحيح انه يسمع ويقضى به لما ذكرنا (فصل) قال الشيخ رحمه الله (إذا مات رجل وخلف ولدين مسلما وكافرا فادعى كل واحد
[ 221 ]
منهما انه مات على دينه فان عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه وان لم يعرف فالميراث للكافر لان المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الاسلام) إذا مات رجل لا يعرف دينه وخلف تركة وابنين أحدهما مسلم والآخر كافر فادعى كل واحد منهما انه مات على دينه وان الميراث له دون أخيه فالميراث للكافر ذكره الخرقي لان دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميت مسلما أصليا فيجب كون اولاده مسلمين ويكون اخوه الكافر مرتدا وهذا خلاف الظاهر فان المرتد لا يقر على ردته في دار الاسلام أو يقول ان أباه كان كافرا فأسلم قبل موته فهو معترف بأن الاصل ما قاله اخوه مدع زواله وانتقاله والاصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت زواله، وذكر ابن أبي موسى عن احمد رواية أخرى انهما في الدعوى سواء فالميراث
[ 222 ]
بينهما نصفين كما لو تنازع اثنان عينا في يديهما ويحتمل أن يكون الميراث للمسلم منهما وهو قول أبي حنفة لان الدار دار الاسلام يحكم باسلام لقيطها ويثبت للميت فيها إذا لم يعرف اصل دينه حكم الاسلام في الصلاة عليه ودفنه وتكفينه من الوقف الموقوف على تكفين اموات المسلمين ولانه يدفن في مقابر المسلمين ويغسل فيثبت فيه سائر أحكام المسلمين فكذلك في ميراثه ولان الاسلام يعلو ولا يعلى ويجوز ان يكون أخوه الكافر مرتدا لم تثبت عند الحاكم ردته ولم ينته إلى الامام خبره وظهور الاسلام بناء على هذا أظهر من ثبوت الكفر بناء علي كفر أبيه ولهذا جعل الشرع أحكامه أحكام المسلمين فيما عدا
المتنازع فيه وقال القاضي قياس المذهب اننا ننظر فان كانت التركة في أيديهما اقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف واستحق كما قلنا فيما إذا تداعيا عينا ويقتضي كلامه انها إذا كانت في يد أحدهما فهي له مع يمينه وهذا قول لا يصح لان كل واحد منهما يقر بأن هذه التركة تركة هذا الميت وانه انما يستحقها بالميراث فلا حكم ليده، وقال أبو الخطاب يحتمل ان يقف الامر حتى يعرف أصل دينه أو بصطلحا وهذا قول الشافعي وقد ذكرنا الدليل على ظهور كفره فأما ظهور حكم الاسلام في الصلاة عليه وغسله وغير ذلك فان هذا لا ضرر فيه على أحد وأما قوله ان الاسلام يعلو ولا يعلى فانما يعلو إذا ثبت والنزاع في ثبوته وهذا إذا لم يثبت أصل دينه فان ثبت اصل دينه فالقول قول من ينفيه مع يمينه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة القول قول المسلم على كل حال لما ذكرنا في التى قبلها ولنا ان الاصل بقاء ما كان عليه فكان القول قول من يدعيه كسائر المواضع وأما ان لم يعترف
[ 223 ]
المسلم أنه أخوه وادعى كل واحد منهما ان الميت أبوه دون الآخر فهما سواء في الدعوى لتساوي أيديهما عليه ودعاويهما فان المسلم والكافر في الدعوى سواء ويقسم المال بينهما نصفين كما لو كان في ايديهما دار فادعي كمل واحد منهما اتها له ولا بينة لهما ويحتمل ان يقدم قول المسلم لان حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه وسائر أحكامه، وقال القاضي يقرع بينهما كما إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ولم يدعها لنفسه ويحتمل ان يقف الامر حتي يعرف أصل دينه وهو قول الشافعي الا ان يصطلحا (مسألة) (وإن أقام كل واحد بينة انه مات على دينه تعارضتا وان قال شاهدان نعرفه مسلما وقال شاهدان نعرفه كافرا فالميراث للمسلم إذا لم تؤرخ الشهود معرفتهم) اما إذا أقاما بينتين كل واحد بينة انه مات على دينه ولم يعرف اصل دينه تعارضتا وان عرف اصل دينه نظرنا في لفظ الشهادة فان شهدت كل واحدة منهما انه كان آخر كلامه التلفظ بما شهدت به فهما
[ 224 ]
متعارضتان وان شهدت احداهما انه مات على دين الاسلام وشهدت الاخرى انه مات على دين الكفر
قدمت بينة من يدعي انتقاله عن دينه لان المبقية له على اصل دينه ثبتت شهادتها على الاصل الذي تعرفه لانهما إذا عرفا اصل دينه ولم يعرفا انتقاله عنه جاز لهما ان يشهدا أنه مات على دينه الذي عرفاه والبينة الاخرى معها علم لم تعلمه الاولى فقدمت عليها كما لو شهدا ان هذا العبد كان ملكا لفلان إلى ان مات وشهد آخران انه اعتقه أو باعه قبل موته قدمت بينة العتق والبيع فأما ان قال شاهدان نعرفه مسلما وقال شاهدان نعرفه كافرا نظرنا في تاريخهما فان اختلف تاريخيهما عمل بالاخرة منهما لانه ثبت انه انتقل عما شهدت به الاولى إلى ما شهدت به الاخرى وان كانتا مطلقتين أو احداهما مطلقة قدمت بينة المسلم لان المسلم لا يقر على الكفر في دار الاسلام وقد يسلم الكافر فيقر وإن كانتا مؤرختين
[ 225 ]
بتاريخ واحد نظرنا في شهادتهما فان كانت على اللفظ فهما متعارضتان وإن لم تكن على اللفظ ولم يعرف أصل دينه فهما متعارضتان وإن عرف أصل دينه قدمت الناقلة له عن أصل دينه وكل موضع تعارضت البينتان فقال الخرقي تسقط البينتان ويكونان كمن لا بينة لهما وقد ذكرنا روايتين أخريين (احداهما) يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذ (والثانية) يقسم بينهما ونحو هذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تقدم بينة الاسلام على كل حال وقد مضى الكلام معه وقد قال الخرقي إذا قال شاهدان نعرفه كان مسلما وقال شاهدان نعرفه كان كافرا فالميراث للمسلم إذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم وهو محمول على
[ 226 ]
من لم يعلم أصل دينه أو على أن أصل دينه الكفر اما من كان مسلما في الاصل فينبغي ان تقدم بينة الكفر لان بينة الاسلام يجوز أن تستند إلى ما كان عليه في الاصل (فصل) وان خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال موته فالحكم فيها كالتي قبلها وهكذا سائر الاقارب. (مسألة) (وان خلف ابوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابوين ويحتمل أن القول قول الابنين)
[ 227 ]
ظاهر المذهب أن القول قول الابوين لان كون الابوين كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه لان الولد قبل بلوغه محكوم له بدين ابويه فيثبت انه كان كافرا في صغره. ويحتمل أن القول قول الابنين لان كفر ابويه يدل على أصل دينه في صغره واسلام ابنيه يدل على اسلامه في كبره فيعمل بهما جميعا يحمل كل واحد منهما على مقتضاه فهو كما لو قال شاهدان نعرفه كافرا في صغره وقال شاهدان نعرفه مسلما في كبره (فصل) وان خلف ابنا كافرا وأخا وامرأة مسلمين واختلفوا في دينه فالقول قول الابن على
[ 228 ]
قول الخرقي. ووجهه ما سبق فيما إذا خلف ابنين مسلما وكافرا وقال القاضي يقرع بينهما وقد سبق تعليله في مسألة الابنين. وقال أبو بكر قياس المسألة أن تعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الاخ) والابن نصفين لانها تدعي زيادة عليه فيدخل في عموم قوله تعالى (ولهن الربع مما تركتم فلا يخرج الا بدليل تخصيصها ولا يخرج بالشك ويقسم الباقي بين الاخوين لتساويهما في الدعوى وهو في أيديهما. (فصل) ولو مات مسلم وخلف زوجة وورثة سواها وكانت الزوجة كافرة ثم اسلمت وادعت
[ 229 ]
أنها اسلمت قبل موته وانكرها الورثة فالقول قولهم لان الاصل عدم ذلك فان لم يثبت أنها كافرة فادعى عليها الورثة أنها كانت كافرة وانكرتهم فالقول قولها لان الاصل عدم ما ادعوه وان ادعوا انه طلقها قبل موته فأنكرتهم فالقول قولها فان اعترفت بالطلاق وانقضاء العدة وادعت أنه راجعها فالقول قولهم وان اختلفوا في انقضاء عدتها فالقول قولهما في أنها لم تنقض لان الاصل بقاؤها ولا نعلم في هذا كله خلافا. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولو خلف ولدين مسلمين اتفقا على ان أحدهما كان مسلما حين
[ 230 ]
موت ابيه وادعى الآخر أنه أسلم في حياة أبيه وجحده أخوه فالميراث للمتفق عليه لان الاصل بقاء
الكفر الا ان يعلم زواله وعلى أخبه اليمين وتكون على نفي العلم لانها على نفي فعل أخيه الا ان يكون ثبت أنه اسلم قبل قسم التركة فيرث فان من اسلم على ميراث قبل القسمة قسم له وان كان أحدهما حرا والآخر رقيقا ثم عتق واختلفا في حريته عند الموت فالقول قول من ينفيها وان لم يثبت أنه كان رقيقا ولا كافرا فادعي عليه أنه كذلك فانكر فالقول قوله والميراث بينهما لان الاصل الحرية والاسلام وعدم ما سواهما.
[ 231 ]
(فصل) إذا اسلم احد الابنين في غرة شعبان والآخر في غرة رمضان واختلفا في موت ابيهما فقال الاول مات في شعبان فورثته وحدي وقال الآخر مات في رمضان فالميراث بينهما لان الاصل بقاء حياته حتى يعلم زوالها وان أقام واحد منهما بينة بدعواه ففيه وجهان (أحدهما) يتعارضان (والثاني) نقدم بينة موته في شعبان لانها معها زيادة علم لانه ثبت موته في شعبان ويجوز ان يخفى ذلك على البينة الاخرى (مسألة) ولو مات مسلم وخلف ولدين مسلما وكافرا فأسلم الكافر وقال اسلمت قبل موت ابى وقال أخوه بل بعده فلا ميراث له لان الاصل بقاء الكفر حتى يعلم زواله وعلى أخيه اليمين وتكون على نفي العلم لانها على نفي فعل الغير وقد ذكرناه
[ 232 ]
(مسألة) وان قال اسلمت في المحرم ومات أبي في صفر فلي الميراث وقال أخوه بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه لان الاصل بقاء الحياة فان أقام كل واحد بينة بدعواه فهل يتعارضان أو تقدم بينة من ادعى تقديم موته؟ فيه وجهان ذكرناهما في الفصل قبل هاتين المسئلتين والله أعلم. الله أكبر
[ 233 ]
كتاب العتق
العتق في اللغة الخلوص ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير اي خالصتها وسمي البيت احرام عتيقا لخلوصه من أيدي الجبابرة وهو في الشرع تحرير الرقبة وتخليصها من الرق يقال عتق العبد واعتقته أنا وهو عتيق ومعتق والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (فتحرير رقبة) وقال تعالى (فك رقبة) وأما السنه فما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربا منه من النار حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج) متفق عليه في أخبار كثيرة سوى هذا وأجمع الامة على صحة العتق وحصول القربة به (مسألة) (وهو من افضل القرب) لان الله تعالى جعله كفارة للقتل والوطئ في رمضان والايمان وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكا لمعتقه من النار ولان فيه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه وتكميل احكامه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه على حسب إرادته واختياره واعتاق الرجل افضل من اعتاق المرأة لما روى كعب بن مرة البهزي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه منه النار يجزى بكل عظم من عظامه عظما من عظامه، وايما رجل مسلم اعتق امرأتين مسلمتين
[ 234 ]
كانتا فكاكه من النار يجزى بكل عظم من عظامهما عظما من عظامه، وأيما امرأة اعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجرى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها) وقيل عتق المرأة للمرة أفضل. (مسألة) (والمستحب عتق من له كسب ودين ينتفع بالعتق) فأما من لا قوة له ولا كسب فلا يستحب عتقه ولا كتابته لسقوط نفقتة عن سيده باعتاقه فيضيع أو يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة فلا يستحب عتقه ولا كتابته فان كان ممن يخاف عليه الرجوع إلى دار الحرب وترك اسلامه أو يخاف عليه الفساد كمن يخاف أنه إذا أعتق فاحتاج سرق أو فسق أو قطع الطريق أو جارية يخاف عليها الزنا والفساد كره اعتاقه فان غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا كان محرما لان التوسل إلى الحرام حرام فان اعتقه صح لانه اعتاق صدر من اهله في محله فصح كعتق غيره
(مسألة) (ويحصل العتق بالقول والملك ولا يحصل بالنية المجردة) لانه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة كالطلاق والفاظه تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح لفظ العتق والحرية كيف صرفا نحو انت حر أو محرر أو عتيق أو معتق أو اعتقتك لان هذين اللفظين وردا في الكتاب والسنة وهما يستعملان في العتق عرفا فمتى اتى بشئ من هذه الالفاظ حصل به العتق سواء نواه
[ 235 ]
أو لم ينوه قال احمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال قد عتقت عليه وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة مروا أنتم أحرارا وكانت معهم أم ولده لم يعلم بها قال هذا عندي تعتق أم ولده ويحتمل ان لا تعتق في هذين الموضعين لانه قصد باللفظة الاولى غير العتق فلم تعتق به كما لو قال عبدي حر بريد انه عفيف كريم الاخلاق واللفظة الثانية أراد غير أم ولده فأشبه ما لو نادى امرأة من نسائه فأجابته غيرها فقال انت طالق يظنها المناداة فانها لا تطلق في رواية فكذا ههنا، وأما ان قصد غير العتق كالرجل يقول عبدي هذا حر يريد عفته وكرم أخلاقه أو يقول لعبده ما أنت الا حر أي انك لا تطيعني ولا ترى لي حقا ولا طاعة فلا يعتق في ظاهر المذهب قال حنبل سئل أبو عبد الله عن رجل قال لغلامه انت حر وهو يعاتبه قال إذا كان لا يريد به العتق يقول كأنك حر ولا يريد ان يكون حرا أو كلاما شبه هذا رجوت ان لا يعتق وأنا اهاب المسألة لانه نوى بكلامه ما يحتمله فانصرف إليه كما لو نوى بكناية العتق العتق قال وان طلب استحلافه حلف وبيان احتمال اللفظ لما اراده ان المرأة تمدح بهذا يقال امرأة حرة يعنون عفيفة وتمدح المملوكة به أيضا ويقال للحيي الكريم الاخلاق حر قالت سبيعة ترثي عبد المطلب ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة * ويوم على حر كريم الشمائل وأما الكناية فنحو قوله خليتك والحق باهلك واذهب حيث شئت ونحوها وكذلك قوله حبلك
[ 236 ]
على غاربك فهذا ان نوى به العتق عتق وان لم ينوه لم يعتق لانه يحتمل غيره ولم يرد به كتاب ولا سنة ولا عرف استعمال وفي قوله لا سبيل لي عليك ولا ملك لي عليك ولا رق لي عليك وفككت
رقبتك وانت مولاي وأنت لله وانت سائبة روايتان (احداهما) انه صريح (والاخرى) كناية ذكر القاضي وأبو الخطاب في قوله لا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك: روايتين (احداهما) أنه صريح (والاخرى) كناية قال شيخنا والصحيح أنه كناية لما ذكرناه، فأما قوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك وانت لله فقال القاضي هو صريح نص عليه احمد وذكر أبو الخطاب فيه روايتين لانه يحتمل غير العتق ولا خلاف في المذهب انه يعتق به إذا نوى وممن قال يعتق بقوله انت لله إذا نوى الشعبي والمسيب بن رافع وحماد والشافعي وقال أبو حنيفة لا يعتق به لان مقتضاه انت عبد الله أو مخلوق لله وهذا لا يقتضي العتق ولنا انه يحتمل انت حر لله أو عتيق لله أو عبد لله وحده لست بعبد لي ولا لاحد سوى الله فإذا نوى الحرية به وقعت كسائر الكنايات وما ذكروه لا يصح لان احتماله لما ذكروه لا يمنع احتماله لما ذكرناه بدليل سائر الكنايات فانها تحتمل العتق وغيره ولو لم تحتمل الا العتق لكانت صريحة فيه وما احتمل امرين انصرف إلى احدهما بالنية وهذا شأن الكنايات وما ذكروه من الاحتمال يدل على ان هذا ليس بصريح وانما هو كناية وقوله لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك
[ 237 ]
خبر عن انتفاء ملكه ولم يرد به شرع ولا عرف استعمال في العتق فلم يكن صريحا فيه كقوله ما انت عبدي ولا مملوكي وقوله لامرأته ما انت امرأتي ولا زوجتي وفي قوله فككت رقبك وأنت سائبة وانت مولاي روايتان (احداهما) هو صريح في العتق لانها تتضمنه وقد جاء في كتاب الله تعالى (فك رقبة) يعني العتق فكانت صريحة كقوله اعتقتك (والثاني) هو كناية لانه يحتمل غير العتق (مسألة) (وفي قوله لامته أنت طالق وانت حرام روايتان) (أحداهما) هي كناية والاخرى لا تعتق به وهو قول ابي حنيفة لان الطلاق لفظ وضع لازالة الملك عن المنفعة فلم يزل به الملك عن الرقبة كفسخ الاجارة ولان ملك الرقبة لا يستدرك بالرجعة فلا ينحل كسائر الاملاك (والثانية) هو كناية تعتق به إذا نواه وهو قول مالك والشافعي لان الرق احد الملكين على
الآدمي فيزول بلفظ الطلاق كالآخر أو فيكون للفظ الموضوع لازالة احدهما كناية في ازالة الآخر كالحرية في ازالة النكاح ولان فيه معنى الاطلاق فإذا نوى به اطلاقها من ملكه فقد نوى بلفظه ما يحتمله فتحصل به الحرية كسائر كنايات العتق (فصل) وان قال لامته انت حرام ينوي به العتق عتقت، وذكر أبو الخطاب ان فيها رواية
[ 238 ]
أخرى لا تعتق كقوله لها أنت طالق والصحيح انها تعتق به لانه يحتمل انك حرام علي لكونك حرة فتعتق به كقوله لا سبيل لي عليك (مسألة) (وان قال لعبده وهو اكبر منه انت ابني لم يعتق ذكره القاضي ويحتمل ان يعتق) إذا قال لا كبر منه أو لمن لا يولد لمثله: هذا ابني مثل ان يقول من لم عشرون سنة لمن له خمسة عشرة سنة: هذا ابني لم يعتق ولم يثبت نسبه، وقال أبو حنيفة يعتق وخرجه أبو الخطاب وجها لنا لانه اعترف بما تثبت به حريته فاشبه ما لو اقر بها ولنا أنه قول يتحقق كذبه فيه فلم يثبت الحرية كما لو قال لطفل هذا ابي أو لطفلة هذه أمي، قال ابن المنذر هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه احد إليه ولا تبعه احد عليه وهو محال من الكلام وكذب يقينا ولو جاز هذا لجاز ان يقول الرجل لطفل هذا ابي ولانه لو قال لزوجته وهي أسن منه: هذه ابنتي أو قال لها وهي أسن منه هذه أمي لم تطلق كذا هذا (مسألة) (وان اعتق حاملا عتق جنينها الا ان يستثنيه) لانه يتبعها في البيع والهبة ففي العتق أولى فان استثناه لم يعتق روي ذلك عن ابن عمر وابي هريرة والنخعي واسحاق وابن المنذر وقال ابن سيرين له ما استثنى وقال عطاء والشعبي إذا استثنى ما في بطنها فله ثنياه وقال مالك والشافعي لا يصح استثناء الجنين لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا ان تعلم وقياسا على استثنائه في البيع اشبه بعض اعضائها
[ 239 ]
ولنا انه قول ابن عمر وأبي هريرة قال أحمد اذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ولا أذهب
إليه في البيع ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولانه يصح افراده بالعتق فصح استثناؤه كالمنفصل وخبرهم نقول به والحمل معلوم فصح استثناؤه للحديث ويفارق البيع لانه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات العوض ليعلم هل هو قائم مقام لعوض أم لا؟ والعتق تبرع لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق ولا تنافيه الجهالة ويكفي العلم بوجوده وقد وجد ولذلك صح افراد الحمل بالعتق ولم يصح بالبيع ولان استثناءه في البيع إذا بطل بطل البيع كله وههنا إذا بطل استثناؤه لم يبطل العتق في الامة ويسري الاعتاق إليه فكيف يصح إلحاقه به مع تضاد الحكم فيها؟ ولا يصح قياسه على بعض اعضائها لانه يصح انفراده بالحرية عن امه فيما إذا اعتقه دونها وفي ولد المغرور بحرية أمة وفيما إذا وطئ بشبهة وفي ولد ام الولد وغير ذلك ولا يصح ذلك في بعض أعضائها ولان الولد يرث ويورث ويوصى به فكيف يصح قياسه على بعض الاعضاء؟ وروى الاثرم عن ابن عمر أنه اعتق أمة واستثنى ما في بطنها ولانها ذات حمل فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر واشترط ثمرتها وقال القاضي يخرج على الروايتين فيما إذا استثنى ذلك في البيع والمنصوص عنه ما ذكرنا من انه يصح استثناؤه في العتق ولا يصح في البيع لم ذكرنا من الفرق بينهما
[ 240 ]
(مسألة) (وان اعتق ما في بطنها دونها عتق وحده) لا نعلم في ذلك خلافا وهو قول سفيان واحمد واسحاق لان حكمه حكم الانسان المنفرد ولهذا يورث الجنين إذا ضرب بطن امرأة فاسقطت جنينا وجب فيه غرة موروثة عنه كأنه سقط حيا وتصح الوصية به وله ويرث إذا مات موروثه قبل ان يولد ثم ولد بعده فصح عتقه كالمنفصل (فصل) ولا يصح العتق الا من جائز التصرف فلا يصح عتق الصبي والمجنون قال ابن المنذر هذا قول عامة اهل العلم منهم الحسن والشعبي والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ) ولانه تبرع بالمال فلم يصح كالهبة ولا يصح عتق المحجور عليه للسفه وهو قول القاسم بن محمد وعنه يصح قياسا على طلاقه وتدبيره
ولنا أنه محجور عليه في ماله لحظ نفسه فلم يصح عتقه كالصبي ولانه تصرف في المال في حياته أشبه هبته وبيعه ويفارق الطلاق لان الحجر عليه في ماله والطلاق ليس بتصرف فيه ويفارق التديبر لانه تصرف فيه بعد موته وغناه عنه بالموت ولهذا صحت وصيته ولم تصح هبته المنجزة وعتق السكران مبني على طلاقه وفيه من الخلاف ما فيه ولا يصح عتق المكره كما لا يصح بيعه ولا تصرفاته ولا يصح
[ 241 ]
عتق الموقوف لان فيه ابطالا لحق البطن الثاني منه وليس له ذلك (فصل) ولا يصح العتق من غير المالك بغير إذنه فلو اعتق عبد ولده الصغير أو يتيمه الذي في حجره لم يصح، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال مالك يصح عتق عبد ولده الصغير لقوله عليه الصلاة والسلام (أنت ومالك لابيك) ولان له عليه ولاية وله فيه حق فسح اعتاقه كما له ولنا انه عتق من غير مالك فلم يصح كاعتاق عبد ولده الكبير قال ابن المنذر لما روث الله الاب من مال ابنه السدس مع ولده دل على أنه لا حق له في سائره وقوله عليه السلام (أنت ومالك لابيك) لم يرد به حقيقة الملك وإنما أراد المبالغة في وجوب حقه عليك وامكان الاخذ من مالك وامتناع مطالبتك إياه بما أخذ منه ولهذا لم ينفذ اعتاقه لعبده ولده الكبير الذي ورد الخبر فيه وثبوت الولاية له على مال ولده أبلغ في امتناع اعتاق عبده لانه انما أثبت عليه الولاية لحظ الصبي ليحفظ ماله عليه وينميه له ويقوم بمصالحه التي يعجز الصبي عن القيام بها. وإذا كان مقصود الولاية الحفظ اقتضت منع التفريط والتضييع باعتاق رقيقه والتبرع بماله ولو قال رجل لعبد انت حر من مالي فليس بشئ فان اشتراه بعد ذلك فهو مملوكه ولا شئ عليه وبه قال مالك والشافعي وعامة للفقهاء ولو بلغ رجلا أن رجلا قال لعبده أنت حر من مالي فقال قد رضيت فليس بشئ وبه قال الثوري واسحاق (مسألة) (وأما الملك فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه وعنه لا يعتق الا عمودا النسب) ذو الرحم المحرم القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلا والآخر امرأة وهم الولدان
[ 242 ]
وان علوا من قبل الاب والام جميعا والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات والاخوة والاخوات
وأولادهم وان سفلوا والاعمام والعمات والاخوال والخالات وان علوا دون أولادهم فمتى ملك أحدا منهم عتق عليه روي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وجابر بن زيد وعطاء والحكم وابن أبي ليلى والثوري والليث وأبو حنيفة والحسن بن صالح وشريك ويحيى بن آدم واعتق مالك الوالدين والمولودين وان بعدوا والاخوة والاخوات دون أولادهم ولم يعتق الشافعي الا عمودي النسب وعن احمد كذلك ولم يعتق داود واهل الظاهر احدا حتى يعتقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجزي ولد والده الا ان يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه) رواه مسلم ولنا ما روى الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ملك ذا رحم محرم فهو حر) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن ولانه ذو رحم محرم فعتق عليه بالملك كعمودي النسب وكالاخوة والاخوات عند مالك فأما قوله (حتى يشتريه فيعتقه) فيحتمل أنه أراد فيشتريه فيعتقه بشرائه كما يقال ضربه فقتله والضرب هو القتل وذلك لان الشراء لما كان يحصل به العتق تارة دون أخرى جاز
[ 243 ]
عطف صفته عليه كما يقال ضربه فأطار رأسه وسواء ملكه بشراء أو هبة أو غنيمة أو ارث أو غيره لا نعلم بين اهل العلم فيه خلافا (فصل) ولا خلاف في ان المحارم من غير ذوي الارحام لا يعتقون على سيدهم كالام من الرضاعة والاخ منها والربيبة وام الزوجة وابنتها إلا انه حكي عن الحسن وابن سيرين وشريك انه لا يجوز بيع الاخ من الرضاعة وروي عن ابن مسعود انه كرهه والاول اصح قال الزهري جرت السنة بان يباع الاخ والاخت من الرضاعة ولانهم لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الاصل ولانهما لا رحم بينهما ولا توارث ولا تلزمه نفقته فاشبه الربيبة وام الزوجة. (مسألة) (وان ملك ولده من الزنا لم يعتق عليه في ظاهر كلام أحمد) لان أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث والحجب والمحرمية ووجوب الانفاق وثبوت الولاية عليه ويحتمل أن يعتق لانه جزؤه حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتفاء هذه الاحكام.
(مسألة) وان ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وعليه قيمة نصيب شريكه وإن كان معسرا لم يعتق عليه الا ما ملك وان ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك موسرا كان أو معسرا وعنه أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسرا.
[ 244 ]
وجملة ذلك أن من ملك سهما ممن يعتق عليه فانه يعتق عليه ما ملك منه سواء ملكه بعوض أو بغير عوض كالاغتنام والوصية وسواء ملكه باختياره كالذي ذكرنا أو بغير اختياره كالميراث لان كل ما يعتق به الكل يعتق به البعض كالاعتاق بالقوم ثم ينظر فان كان معسرا لم يسر العتق واستقر في ذلك الجزء ورق الباقي لانه لو اعتقه بقوله لم يسر اعتاقه بتصريحه بالعتق وقصده إياه فههنا أولى وان كان موسرا وكان الميراث باختياره كالملك بغير الميراث سرى إلى باقيه قعتق جميع العبد ولزمه لشريكه قيمة باقيه لانه فوته عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وقال قوم لا يعتق عليه الا ما ملك سواء ملكه بشراء أو غيره لان هذا لم يعتقه وانما عتق عليه بحكم الشرع عن غير اختيار فلم يسر كما لو ملكه بالميراث وفارق ما أعتقه لانه فعله باختياره قاصدا إليه ولنا انه فعل سبب العتق اختيارا منه وقصد إليه فسرى ولزمه الضمان كما لو وكل من اعتق نصيبه وفاروق الميراث فانه حصل بغير فعله ولا قصده ولان من باشر سبب السراية اختيارا لزمه الضمان كمن جرح إنسانا فسرى جرحه ولان مباشرة ما يسري ونسبته إليه في لزوم حكم السراية واحدة بدليل استواء الحافر والدافع في ضمان الواقع فاما ان ملكه بالميراث لم يسر العتق فيه واستقر فيما ملكه ورق الباقي موسرا كان أو معسرا لانه لم يتسبب إلى اعتاقه وانما حصل بغير اختياره وبه قال مالك والشافعي وابو يوسف وعن احمد ما يدل على أنه أنه يسري إلى نصيب الشريك إذا كان موسرا
[ 245 ]
لانه عتق عليه بعضه وهو موسر فسرى إلى باقيه كما لو وصى له به فقبله والمذهب الاول لانه لم يعتقه ولا تسبب إليه فلم يضمن ولم يسر كالاجنبي وفارق ما تسبب إليه (فصل) وان ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما عتق ولم يسر إلى باقيه لانه إذا لم
يسر في حق المكلف ففي حقهما أولى وان وهب لهما أو وصي لهما به وهما معسران فعلى وليهما قبوله لانه نفع لهما باعتاق قريبهما من غير ضرر يلحق قريبهما وان كانا موسرين ففيه وجهان مبنيان على أنه هل يقوم عليهما باقيه إذا ملكا بعضه؟ فيه وجهان (احدهما) لا يقوم ولا يسري العتق إليه لانه يدخل ملكه بغير اختياره اشبه ما لو ورثه (والثاني) يقوم عليه لان قبول وليه يقوم مقام قبوله فاشبه الوكيل فعلى هذا الوجه ليس لوليه قبوله لما فيه من الضرر، وعلى الاول يلزمه قبوله لانه نفع بغير ضرر إذا كان ممن لا تلزمه نفقته وإذا قلنا ليس له ان يقبله فقبله احتمل أن لا يصح القبول لانه فعل ما لم يأذن له الشرع فيه فاشبه ما لو باع ماله بغبن واحتمل ان يصح وتكون الغرامة عليه لانه الزمه هذه الغرامة فكانت عليه كنفقة الحج إذا حجه (فصل) وان باع عبدا لذي رحمه واجنبي صفقة واحدة عتق كله إذا كان ذو رحمة موسرا وضمن لشريكه قيمة حقه منه وقال أبو حنيفة لا يضمن لشريكه شيئا لان ملكه لم يتم الا بقبول شريكه فصار كانه اذن له في اعتاق نصيبه بملكه باختياره فوجب ان يقوم عليه باقيه مع يساره كما لو انفرد بشرائه ولا نسلم انه لا يصح قبوله الا بقبول شريكه.
[ 246 ]
(فصل) إذا كانت مزوجة ولها ابن موسر فاشتراها هو وزوجها وهي حامل منه صفقة واحدة عتق نصيب الابن من امه وسرى إلى نصيب الزوج ويقوم عليه وعتق الحمل عليهما معا لانه ابن الزوج واخو الابن ولا يجب لاحدهما على الآخر منه شئ لانه عتق عليهما في حال واحدة ولو كانت المسألة بحالها فوهبت لهما أو وصي لهما بها فقبلاها في حال واحدة فكذلك وان قبلها احدهما قبل الآخر نظرنا فان قبل الابن اولا عتقت الام وحملها وعليه قيمة باقيهما للزوج وإن قبل الزوج أو لا عتق عليه الحمل كله ثم إذا قبل الابن عتقت عليه الام كلها ويتقاصان ويرد كل واحد منهما الفضل على صاحبه ومن قال في الوصية ان الملك لا يثبت فيها بالموت فالحكم فيه كما لو قبلاها دفعة واحدة (مسألة) (وان مثل بعبده فجدع انفه واذته أو نحو ذلك عتق نص عليه) لما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان زنباعا ابا روح وجد غلاما له مع جاريته فقطع
ذكره وجدع انفه فأتى العبد النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما حملك على ما فعلت؟) قال فعل كذا وكذا قال (اذهب فأنت حر) قال القاضي والقياس ان لا يعتق لان سيده لم يعتقه بلفظ صريح ولا كناية وإذا ثبت الحديث وجب العمل به وترك القياس (مسألة) (وإذا أعتق العبد فماله لسيده) روي هذا عن ابن مسعود وأبي ايوب وأنس ابن مالك وبه قال قتادة والحكم والثوري والشافعي
[ 247 ]
وأصحاب الرأي وروي ذلك عن حماد والبتي وداود بن أبي هند وحميد وعنه رواية أخري أنه للعبد وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة يبيعه لما روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من اعتق عبدا وله مال فالمال للعبد) رواه الامام أحمد وغيره وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر انه كان إذا اعتق عبدا لم يعرض لماله ولنا ما روى الاثرم باسناده عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير يا عمير إني أريد ان اعتقك عتقا هنيئا فاخبرني بمالك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ايما رجل اعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده ولان العبد وماله كانا للسيد فازال ملكه عن احدهما فبقي ملكه في الآخر كما لو باعه وقد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا ان يشترطه المبتاع) فأما حديث ابن عمر فقال أحمد يرويه عبد الله بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف في الحديث كان صاحب فقه فاما في الحديث فليس هو فيه بالقوي وقال أبو الوليد هذا الحديث خطأ فاما فعل ابن عمر فهو تقضل منه على معتقه قيل لاحمد كان هذا عندك على التفضل؟ فقال أي لعمري على التفضل قيل له فكأنه عندك للسيد؟ فقال نعم للسيد مع البيع سواء (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وإذا اعتق جزءا من عبده معينا أو مشاعا عتق كله) أما إذا اعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف فانه يصح عتقه باجماع أهل العلم فان اعتق بعضه
[ 248 ]
عتق كله في قول جمهور العلماء روي ذلك عن عمر وابنه رضي الله عنهما وبه قال الحسن والحكم
والاوزاعي والثوري والشافعي قال ابن عبد البر عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا يعتق كله إذا اعتق نصفه وقال طاوس يعتق في عتقه ويرق في رقه وقال حماد وابو حنيفة يعتق منه ما اعتق ويسعى في باقيه وخالف أبا حنيفة أصحابه فلم يروا عليه معايه وروي عن مالك في رجل اعتق نصف عبد ثم غفل عنه حتى مات فقال أرى نصفه حرا ونصف رقيقا لانه تصرف في بعضه فلم يسر إلى باقيه كالبيع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من اعتق شركا له في عبد فكان معه ما يبلغ ثمنه قوم عليه قيمة عدل وعتق عليه جميع العبد) وإذا عتق عليه نصيب شريكه كان تنبيها على عتق جميعه إذا كان كله ملكا له وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من اعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله) ولانه ازالة ملك عن بعض مملوكه الآدمي فزال عنه جميعه كالطلاق ويفارق البيع فانه لا يحتاج إلى السعاية ولا ينبى على التغليب والسراية. إذا ثبت هذا فلا فرق بين ان يعتق جزءا كبيرا كنصفه أو ثلثه أو صغيرا كعشره أو عشر عشره ولا نعلم في هذا خلافا بين القائلين بسراية العتق إذا كان مشاعا (فصل) قان اعتق جزءا معينا كرأسه أو يده أو أصبعه عتق كله أيضا وبه قال قتادة والشافعي وإسحاق وقال اصحاب الرأي ان اعتق رأسه أو ظهره أو بدنه أو بطنه أو جسده أو نفسه أو فرجه عتق كله لان حياته لا تبقى بدون ذلك وان اعتق يده أو عضوا تبقى حياته بدونها لم يعتق لانها يمكن ازالة ذلك مع بقائه فلم يعتق كاعتاقه شعره
[ 249 ]
ولنا أنه اعتق عضوا من اعضائه فعتق جميعه كرأسه فاما إذا اعتق شعره أو سنه أو ظفره لم يعتق وقال قتادة والليث في الرجل يعتق ظفر عبده يعتق اكله لانه من اجزائه أشبه أصبعه ولنا ان هذه الاشياء تزول ويخرج غيرها فاشبهت الشعر والريق وسنذكر ذلك في الطلاق والعتق مثله (مسألة) (وان اعتق شركا له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه) وجملته ان الشريك إذا اعتق نصيبه من العبد عتق عليه لا نعلم فيه خلافا لما ذكرنا من الاثر وإذا عتق نصيبه سرى العتق إلى جميعه فصار جميعه حرا وعلى المعتق قيمة انصباء شركائه ولولاء له هذا قول
مالك وابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والشافعي وأبي يوسف ومحمد وإسحاق وقال البتي لا يعتق الا حصة المعتق ونصيب الباقين باق على الرق ولا شئ على المعتق لما روى التلب عن أبيه ان رجلا اعتق شقصا له في مملوك فلم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم رواه الامام أحمد ولانه لو باع نصيبه لاختص البيع به فكذلك العتق الا ان تكون جارية نفيسة يغالى فيها فيكون ذلك بمنزلة الجاية من المعتق للضرر الذي أدخله على شريكه وقال أبو حنيفة لا يعتق الا حصة المعتق ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء ان شاء اعتق وان شاء استسعى العبد وان شاء ضمن شريكه فيعتق حينئذ
[ 250 ]
ولنا الحديث الذي روينا وهو صحيح متفق عليه ورواه مالك في موطئه عن نافع عن ابن عمر فاثبت النبي صلى الله عليه وسلم العتق في جميعه وأوجب قيمة نصيب المعتق عليه ولم يجعل له خيرة ولا لغيره ورورى قتادة عن أبي المليح عن أبيه ان رجلا من قومه اعتق شقصا له في مملوك فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خلاصه عليه في ماله وقال (ليس لله شريك) قال أبو عبد الله الصحيح أنه عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وليس فيه عن أبيه هذا معنى كلامه وقول البتي شاذ يخالف الاخبار كلها فلا يعول عليه وحديث التلب يتعين حمله على المعسر جمعا بين الاحاديث وقياس العتق على البيع لا يصح فان البيع لا يسري فيما إذا كان العبد كله له والعتق يسري فانه لو باع نصف عبده لم يسر ولو أعتقه عتق كله. إذا ثبب هذا فان ولاءه يكون له لانه عتق باعتاقه من ماله ولا خلاف في هذا عند من يرى عتقه عليه (فصل) ولا فرق في هذا بين أن يكون الشركاء مسلمين أو كافرين أو بعضهم مسلما وبعضهم كافرا ذكره القاضي وهو قول الشافعي وذكر أبو الخطاب في الكافر وجها أنه إذا اعتق نصيبه من مسلم أنه لا يسري إلى باقيه ولا يقوم عليه لانه لا يصح شراء الكافر عبدا مسلما ولنا عموم الخبر ولان ذلك يثبت لازالة الضرر فاستوى فيه الكافر والمسلم كالرد بالعيب والغرض ههنا تكميل العتق ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك بخلاف الشراء ولو قدر ان ههنا تمليكا لكان تقديرا في أدنى زمان حصل ضرورة تحصيل العتق لا ضرر فيه فان قدر فيه ضرر فهو مغمور
[ 251 ]
بالنسبة إلى ما يحصل من العتق فوجوده كالعدم وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق (مسألة) (فان اعتقه الشريك بعد ذلك وقبل أخذ القيمة لم يثبت له فيه عتق) لانه قد صار حرا بعتق الاول له لان عتقه حصل باللفظ لا يدفع القيمة وصار جميعه حرا واستقرت القيمة على المعتق الاول فلا ينعتق بعد ذلك بعتق غيره وبهذا قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قول له اختاره المزني وقال الزهري وعمرو ابن دينار ومالك والشافعي في قول لا يعتق الا بدفع القيمة ويكون قبل ذلك ملكا لصاحبه ينفذ عتقه فيه ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط ثم يعتق) فجعله عتيقا بعد دفع القيمة ولان العتق إذا ثبت بعوض ورد الشرع به مطلقا لم يعتق إلا بالاداء كالمكاتب وللشافعي قول ثالث ان العتق مراعى، فان دفع القيمة تبينا ان العتق كان حصل من حين اعتق نصيبه، وان لم يدفع القيمة تبينا أنه لم يكن عتق لان فيه احتياطا لهما جميعا ولنا حديث ابن عمر فانه روي بالفاظ مختلفة تجتمع في الدلالة على الحرية باللفظ فروى أبو أيوب عن نافع عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق) رواه أبو داود والنسائي وفي لفظ رواه ابن أبي مليكة عن نافع عن ابن عمر (فكان له مال
[ 252 ]
فقد عتق كله) وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر (وكان للذي يعتق ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل يعتق كله) وروى أبو داود باسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اعتق شقصا في مملوك فهو حر من ماله) وهذه نصوص في محل النزاع فانه جعله حرا وعتيقا باعتاقه مشروطا بكونه موسرا ولانه عتيق بالسراية فكانت حاصلة من لفطه عقيبه كما لو أعتق جزءا من عبده ولا القيمة معتبرة وقت الاعتاق ولا ينفذ تصرف الشريك فيه بغير الاعتاق وعند الشافعي لا ينفذ بالاعتاق أيضا فدل على ان العتق حصل فيه بالاعتاق الاول فاما حديثهم فلا حجة لهم فيه فان الواو لا تقتضي ترتيبا وأما العطف بثم في اللفظ الآخر فلم يرد بها الترتيب فانها قد ترد لغير الترتيب كقوله سبحانه (ثم الله شهيد على ما يفعلون) فاما العوض فانما وجب عن المتلف بالاعتاق بدليل اعتباره بقيمته حين
الاعتاق وعدم اعتبار التراضي فيه ووجوب القيمة من يغر وكس ولا شطط بخلاف الكتابة. إذا ثبت هذا فان الشريك إذا أعتقه بعد عتق الاول وقبل أخذ القيمة لم يثبت له فيه عتق ولا له عليه ولاء وولاؤه كله للمعتق الاول وعليه القيمة لانه قد صار حرا باعتاقه وعند مالك يكون ولاؤه بينهما على قدر ملكهما فيه ولا شئ على المعتق الاول من القيمة ولو ان المعتق الاول لم يؤد القيمة حتى أفلس عتق العبد وكانت القيمة في ذمته دينا يزاحم بها الشريك عندنا وعند مالك لا يعتق منه الا ما عتق ولو كان المعتق جارية حاملا فلم يؤد القيمة حتى وضعت حملها فليس على المعتق الا قيمتها حين
[ 253 ]
أعتقها لانه حينئذ حررها وعند مالك يقوم ولدها أيضا ولو أتلف العبد قبل اداء القيمة تلف حرا والقيمة على المعتق لانه فوت رقه، وعند مالك لا شئ على المعتق وما لم يقوم ويحكم بقيمته فهو في جميع أحكامه عبد (فصل) والقيمة معتبرة حين اللفظ بالعتق لانه حين الاتلاف وهو قول الشافعي على أقواله كلها فان اختلفا في قدره رجع إلى قول المقومين فان كان العبد قد مات أو غاب أو تأخر تقويمه زمنا تختلف فيه القيم ولم تكن بينة فالقول قول المعتق لانه منكر للزيادة والاصل براءة ذمته منها وهذا أحد قولي الشافعي فان اختلفا في صناعة في العبد توجب زيادة في القيمة فالقول قول المعتق كذلك الا أن يكون العبد يحسن الصناعة في الحال ولم يمض زمن يمكن تعلمها فيه فيكون القول قول الشريك لعلمنا بصدقه وان مضى زمن يمكن حدوثها فيه ففيه وجهان (أحدهما) القول قول المعتق لان الاصل براءة ذمته (والثاني) القول قول الشريك لان الاصل بقاء ما كان وعدم الحدوث وان احتلفا في عيب ينقص قيمته كسرقة أو اباق فالقول قول الشريك لان الاصل السلامة فبالجهة التي رجحنا قول المعتق في نفي الصناعة يرجح قول الشريك في نفي العيب وان كان العيب فيه حال الاختلاف واختلفا في حدوثه فالقول قول المعتق لان الاصل براءة ذمته وبقاء ما كان على ما كان وعدم حدوث العيب فيه ويحتمل ان يكون القول قول الشريك لان الاصل براءته من العيب حين الاعتاق