حقوق الطبع محفوظة للمكتب الاسلامي لصاحبه زهير الشاويش الطبعة الرابعة 1406 ه - 1986 م المكتب الاسلامي بيروت: ص. ب 3771 / 11 هاتف 450638 - برقيا: اسلاميا دمشق: ص. ب 800 - هاتف 111637 - برقيا: اسلامي
[ 2 ]
أحكام الجنائز وبدعها
[ 4 ]
- أ - بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء لون به والارحام
إن الله كان عليكم رقيبا)، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما). أما بعد، فان أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وقد قال الله عزوجل: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[ 5 ]
- ب - وهو العزيز الغفور). (2). وقال: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) (3). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها " (1). ثم إنه " لما كان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز خير الهدي مخالفا لهدي سائر الامم، مشتملا على الاحسان لسيت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، وعلى الاحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي، فيها يعامل به، الميت، وكان من هديه في (لجنائز، إقامة العبودية للرب تبارك وتعالي على أكمل الاحوال والاحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه، ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله، ويستغفرون له ويسألونه المغفرة والرحمة، والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعه حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره،
سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه. ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره، والسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في دار (لدنيا. فأول ذلك، تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة، وأمره
(1) حديث صحيح، وهو مخرج في " تخريج فقه السيرة للغزالي " (ص 478 الطبعة الرابعة)، وفي " الاحاديث الصحيحة " (رقم 438) ولذلك أوردته في كتابي " صحيح الجامع الصغير وزيادته " يسر الله تعالى إتمامه بمنه وفضله.
[ 6 ]
- ج - بالوصية والتوبة، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه. ثم النهي عن عادة الامم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الثياب، وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك. وسن الخشوع للميت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك، ويقول: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ". وسن لامته الحمد والاسترجاع، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين، وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق في قضائه وأعظمم له حمدا، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم، رأفة منه ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلب ممتلى باالرضى عن الله عزوجل وشكره، واللسان مشتغل
بذكره وحمده " (1). ولما كان كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن
(1) من كلام ابن القيم رحمه الله في " الفصل الاول من الجنائز " من " زاد المعاد " (1 / 197) وتمامه: " ولما ضاق هذا المشهد، والجمع بين الامرين على بعض العارفين، يوم مات ولده، جعل يضحك! فقيل له، أتضحك في هذه الحالة؟! فقال: ان الله تعالى قضى بقضاء، فأحببت أن أرضى بقضائه. فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا كيف يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبنه إبراهيم، وهو أرضي الحلق عن الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك! فسمعت
[ 7 ]
- د - هديه الله صلى الله عليه وسلم في العبادات كلها، ومنها (الجنائز) بسبب انصرافهم عن دراسة العلم، ولا سيما علم الحديث والسنة، وانكبابهم على العلوم المادية، والعمل لجمع المال، فقد طلب مني بعض الاعزاء بمناسبة وفاة إحدى قريباته يوم الجمعة الواقع في 11 ربيع الآخر سنة 51373، أن أضع رسالة مختصرة في " آداب الجنائز في الاسلام "، ليقوم هو أو غيره بطبعها وتوزيعها على المجتعين للتعزية في أيامها المعتادة عند هم، مغتنما فرصة اجتماعهم لتعريفهم بسنة نبهيم حتى يستنوا بها، ويهتدوا بهديها ويستنيروا بنورها. ومع أنني كنت قد باشرت تأليف بعض المصنفات الاخرى، فقد وعدته خيرا، لما في ذلك من التعاون على إحياء السنة، وإماتة البدعة، فسارعت إلى تحقيق رغبته، وإنجاز طلبته. ولكني ما كدت أشرع في ذلك، حتى تبين لي
أن الامر أبعد من أن يتحقق بتلك السرعة، وأوسع من أن يجمع في رسالة توزع على الناس في مثل تلك المناسبة، ذلك لان آداب الجنائز وأحكامها كثيرة جدا، وقسم كبير منها مما اختلفت فيه أقوال العلماء، وتضاربت حوله الآراء، فمنهم من يحرم شيئا، والآخر يبيحه، ومنهم من يوجب شيئا، والآخر لا يجيزه، ومنهم
= شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف، أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضى عن الله ورحمة الولد والرقة عليه، فحمد الله ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمة ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديته الله، ومحبته الله الرضى والحمد. وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الامرين ولم يتسع باطنه لشهودهما، والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة ".
[ 8 ]
- ه - من يراه سنة، وآخر يراه بدعة، وهكذا.... كما هو الشأن في كثير من المسائل الاخرى، في أكثر أبواب الشريعة، مصداقا لقول الله تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك). لذلك كان لابد قبل كل شئ من جمع مفردات مسائل " الجنائز " ثم دراستها دراسة دقيقة، وتتبع أدلة المختلف عليه منها، ونقدها على ضوء علمي " أصول الحديث " و " أصول الفقه "، واختيار الراجح منها، دون أي تحيز لمذهب معين، أو تأثر بعادة سيطرت حتى صارت كأنها دين يجب أن يتبع! ومما لا يخفى على أهل العلم الذين مارسوا التأليف أن تحقيق مثل هذا العمل، يتطلب سعيا حثيثا، وجهدا بليغا وصبرا جميلا
وزمنا مديدا، وبعد إنجازه يمكن تأليف الرسالة المطلوبة بصورة تطمئن إليها النفس وينشرح لها الصدر، ويعظم بها النفع. لذلك فقد ذكرت للاخ المشار إليه خلاصة هذا معتذرا، فقبل عذري جزاء الله خيرا، ولكنه عاد يطلب مني الشروع في هذا العمل، وحضني عليه، وبالغ فيه راجيا منه خيرا كثيرا. فاستخرت الله تعالى، وانكببت على الدراسة، والمراجعة، قرابة ثلاثة أشهر، أعمل فيها ليلا نهارا، إلا ما لابد منه من العمل في مهنتي، والنوم الذي لا غنى عنه لراحة جسمي، حتى تمكنت من إعداد هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم. ولقد كان يتطلب من الوقت أكثر مما قدر له، لولا أن قسما كبيرا من مسائله وأحاديثه قد كان محققا عندي في بعض تصانيفي، ولذلك تراني أحيل عليها في بعض المواطن منه.
[ 9 ]
- و - ولقد حاولت أن أستقصي فيه كل ما له علاقة بموضوعه من المسائل التي لها دليل من الكتاب والسنة، وأعرضت مما كان مستنده مجرد الرأي، لان الموضوع تعبدي محضى، لا مجال للقياس فيه، إلا ما لا بد منه من القياس الجلي. وأوردت في أوله بعض الفصول والمسائل التي لا تذكر عادة في " باب الجنازة " من عامة كتب الفقه، مثل الوصية، وعلامات حسن (خاتمة، ونحو ذلك، وبعضه قد لا يذكر فيها أصلا، مثل الفصل (5 و 8 و 9)، والمسألة (30)، والفقرة (ج ود) من المسألة (74) والمسألة (98 و 105 99 و 107 و 113 و 125)
والفقرة (7) من مسألة (128) مع أهميتها وكثرة ابتلاء الناس بها، وتواتر الاحاديث فيها، والفقرة (10) منها. واستوحيت ترتيبه من الواقع، فافتتحته بفصل: (1 - ما يجب على المريض) من الرضى بالقضاء والصبر على القدر وترك تمني الموت وأداء الحقوق. والوصية والاشهاد عليها... ثم: (2 - تلقين المحتضر) وما على من حضره من التلقين وأمره بالشهادة. ثم (3 - ما على الحاضرين بعد موته) من غمض عينيه. والدعاء له وتغطيته. والتعجيل بتجهيزه. والمبادرة لقضاء دينه. ثم (4 - ما يجوز للحاضرين وغيرهم) من كشف وجهه وتقبيله والبكاء عليه.
[ 10 ]
- ز ثم (5 - ما يجب على أقارب الميت) من الصبر والرضا بالقدر، والا سترجاع، وإحداد المرأة على زوجها. ثم (6 - ما يحرم عليهم) من النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب، وغير ذلك كنعيه على المنائر. ثم (7 - النعي الجائز). ثم (8 - علامات حسن الخاتمة). ثم (9 - ثناء الناس على الميت). ثم (10 - غسل الميت). وهكذا إلى الدفن وزيارة القبور.
وختمته بفصل خاص ببدع الجنائز. أستوعبت فيه جميع ما وقفت عليه من البدع منصوصا عليه في كتاب من كتب أهل العلم قديما وحديثا. عازيا كل بدعة إلى موضعها من كتبهم. وما لم يعز إليهم. فهو مما يحكم المنهج العلمي في أصول البدع أنه منها. ولكني لم أر من نص، منهم عليها. وكثير منها من بدع العصر الحاضر. وإني لاسأل الله تبارك وتعالى. أن ينفع بهذا الكتاب كل من قرأه. ويكتب لي أجره. ومثله لمن كان سبب تأليفه. ولمن قام على طبعه. إنه سميع مجيب. دمشق 24 محرم سنة 1388 ه (1). محمد ناصر الدين الإلباني
(1) وكان منتظرا صدور الكتاب في 1385 بعد أن سبكت الحروف واعد للطبع ولكن توقف مطابع المكتب الاسلامي من ذي القعدة 1384 حتى منتصف ربيع الاول 1388 حال دون ذلك. والله على المستعان كل حال. الناشر
[ 1 ]
أحكام الجنائز وبدعها تأليف محمد ناصر الدين الالباني المكتب الاسلامي
[ 3 ]
1 - ما يجب على المريض 1 - على المريض أن يرضى بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ذلك خير له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عجبا لامر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لاحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ". وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". رواهما مسلم والبيهقي وأحمد. 2 - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربه، لحديث أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يارسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف ". أخرجه، الترمذي وسنده حسن، وابن ماجه، وعبد الله بن أحمد في " زوائد الزهد " (ص 24 / 25) وابن أبي الدنيا كما في " الترغيب " (4 / 141).
[ 4 ]
3 - ومهما اشتد به المرض، فلا يجوز له أن يتمنى الموت، لحديث أم الفض رضي الله عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم، وعباس عم رسول الله يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم! لا تتمن الموت، فانك إن كنت محسنا، فأن تؤخر تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلاتتمن الموت ".
أخرجه الحاكم (1 / 339) وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي. وإنما هو على شرط البخاري فقط، وأخرجه الشيخان والبهقي (3 / 377) وغيرهم من حديث أنس مرفوعا نحوه، وفيه: " فإن كان لا بد فاعلا فليقل: الهم أحيي ما كانت الحياة خيرا لي: وتوفي إذا كانت الوفاة خيرا لي ". 4 - وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى، أصحابها، إن تيسر له ذلك. وإلا أوصى بذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت عنده مظلمة لاخيه من عرضه (1) أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم " إن كان له عمل صالح أخذ منه، وأعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه ". أخرجه البخاري والبيهتي (3 / 369) وغيرهما. وقال صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وز كاة، ويأتي قدشم هذا، وقذف، هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا، من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ". رواه مسلم (8 / 18)
(1) العرض: موضع المدح والذم من الانسان سواء كان في نفسه أو من يلزمه أمره " نهاية ".
[ 5 ]
وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: " من مات وعليه دين، فليس ثم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات ". أخرجه الحاكم (2 / 27) والسياق له وابن ماجه وأحمد (2 / 70 - 82) من طريقين
عن ابن عمر، والاول صحيح كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، والثاني حسن كما قال المنذري (3 / 34)، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: " الدين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه، فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم (1) ". وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: " لما حضر أحد، دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز على منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن على دينا فاقض، واستوص باخوتك خيرا. فأصبحنا، فكان أول قتيل.. " الحديث. أخرجه البخاري. 5 - ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شئ يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ". قال ابن عمر: " ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي ". رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم. 6 - ويجب أن يوصي لاقربائه الذين لا يرثون منه، لقوله تبارك وتعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين). (البقرة: 180). 7 - وله أن يوصي بالثلث من ماله، ولا يجوز الزيادة عليه، بل الافضل أن ينقض منه لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
(1) وهو حديث صحيح بما قبله، وبحديث عائشة التي في آخر المسألة (17).
[ 6 ]
" كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فمرضت مرضا أشفيت منه على
الموت، فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثي إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك يا سعد! أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (وقال بيده)، إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك. (قال: فكان بعد الثلث جائزا) ". أخرجه أحمد (1524) والسياق له والشيخان والزيادتان لمسلم وأصحاب السنن. وقال ابن عباس رضي الله عنه: " وددت أن الناس عضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الثلث كثير ". أخرجه أحمد (2029، 2 076) والشيخان والبيهقي (6 / 269) وغيرهم. 8 - ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين، فان لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوسق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه، في قول الله تبارك تعالي (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اتنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت، تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين. فإن عثر على أنهما استحقا إثما (1) فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان.
(1) أي فإن اتفق الاطلاع على أن الشاهدين المقسمين استحقا إثما بالكذب والكتمان في الشهادة، أو بالخيانة وكتمان شئ من التركة في حالة ائتمانهما عليها فالواجب، أو فالذي يعمل لاحقاق الحق هو أن ترد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له، الذين استحق ذك الاثم بالاجرام عليهم، والخيانة لهم. كذا في " تفسير المنار "، وراجع تمام البحث فيه (7 / 222).
[ 7 ]
فيقسمان بالله لثسهادتنا أحق من شهادتهما، ما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين. ذلك أدنى أن يأتوا باالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، والتقوا الله واسمعوا، والله لا يهدي القوم الفاسقين). (المائدة 106 - 108). 9 - وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي، فلا تجوز، لأنها منسوخة بآية الميراث، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " (1) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي (6 / 264) وأشار لتقويته، وقد أصاب، فإن إسناده حسن، وله شواهد كثيرة عند البيهقي و " مجمع الزوائد " (4 / 212 ". 10 - ويحرم الاضرار في الوصية، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الارث، أو يفضل بعضهم على بعض فيه، لقوله تبارك وتعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون.... مما قل أو كثر نصيبا مفروضا..) (6 - 12) وفي الاخيرة منها: (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار، وصية من الله، والله عليم حليم). ولقوله صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر، من ضار ضاره الله، ومن شاقه الله ". أخرجه الدار قطني (522) والحاكم (2 / 57 - 58) عن أبي سعيد الخدري، ووافق الذهبي الحاكم: على قوله " صحيح على شرط مسلم " والحق أنه حديث حسن كما قال النووي في " الاربعين " وابن تيمية في " الفتاوى " (3 / 262) لطرقه وشواهده الكثيرة، وقد ذكرها الحافظ ابن رجب في " شرح الاربعين " (ص 219، 220) ثم خرجتها في " إرواء الغليل " رقم 888)
(1) فالناسخ إنما هو القرآن، والسنة إنما هي مبينة لذلك كما ذكرنا، وكما هو واضح من خطبته صلى الله عليه وسلم خلافا لما يظنه كثيرون أن الحديث هو الناسخ، ثم استغل ذلك بعض المعاصرين فزعموا أن حديث الاحاد ينسخ القرآن فقد عرفت الجواب، وهو أن الناسخ إنما هو القرآن، ولو سلمنا أن الناسخ إنما هو الحديث، فهو صالح للنسخ اتفاقا، لان العلماء جميعا تلقوه بالقبول. على أنه حديث متواتر، كما يعلم ذلك من وقف على
طرقه الكثيرة المبثوثة في دواوين السنة ومسانيدها. ولعلنا نوفق لا ستخراجها وتحقيق الكلام عليها في جزء مفرد. ثم جمعت طرقه وخرجتها في " إرواء الغليل " رقم (16) فجاوزت طرقه العشرة، عن ثمانية من الصحابة بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها منجبر الضعف.
[ 8 ]
11 - والوصية الجائرة باطلة مردودة، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " وأحمد وغيرهم. ولحديث عمران بن حصين: " أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة (1) فجاء ورثته من الاعراب، فأخبر وارسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع، قال: أو فعل ذلك!؟ قال: لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه، قال: فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين، ورد أربعة في الرق ". أخرجه أحمد (4 / 446) ومسلم بنحوه وكذا الطحاوي والبيهقي وغيرهم. 12 - ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم، ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز، كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة عملا بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون) (سورة التحريم: 6). ولذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصون بذلك، والاثار عنهم بما ذكرنا كثيرة، فلا بأس من الاقتصار على بعضها: أ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أباه قال في مرضه الذي مات فيه: " ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ". أخرجه مسلم والبيهقي (3 / 407) وغيرهما.
ب - عن أبي بردة قال: " أوصى إبو موسى رضي الله عنه حين حضره الموت قال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمر، ولا تجعلن على لحدي شيئا يحول بيي وبين التراب، ولا تجعلن على قبري بناء، وأشهدكم أني برئ من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا، سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم، من رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
(1) جمع (رجل).
[ 9 ]
أخرجه أحمد (4 / 397) والبيهقي (3 / 395) بهذا التمام، وابن ماجه بسند حسن. ج - عن حذيفة قال: " إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، فإني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن النعي ". أخرجه الترمذي (2 / 129) وقال: " حديث حسن "، ورواه غيره بنحوه وسيأتي في " النعي " وفي الباب آثار أخرى تأتي في المسألة (47). ولما سبق قال النووي رحمه الله تعالى في " الاذكار ": " ويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك ".
[ 10 ]
(2) نلقين المحتضر 13 - فإذا حضره الموت، فعلى من عنده أمور: أ - أن يلقنوه الشهادة، لقوله صلى الله عليه وسلم: " لقنوا موتا كم لا إله إلا الله، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) ". وكان يقول:
" من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة "، وفي حديث آخر: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". أخرجها مسلم في صحيحه، والزيادة في الحديث الاول عند ابن حبان (719 موارد) (1) ب، ج - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " أخرجه مسلم والبيهقي (3 / 384) وغيرهما. 14 - وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس رضي الله عنه:
(1) ولها شاهد من حديث معاذ بن جبل، وسنده حسن كما بينته في " إرواء الغليل " (679) وسيأتي لفظه في علامات حسن الخاتمة " المسألة 25 ".
[ 11 ]
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار، فقال: يا خال! قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم ". أخرجه الامام أحمد (3 / 152، 154، 268) بإسناد صحيح على شرط مسلم. 15 - وأما قراءة سورة (يس) عنده، وتو جيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: " أليس الميت امرأ مسلما!؟ " وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة. فأفاق، فقال: حولتم فراشي!؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك (1)؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه. إخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (4 / 76) بسند صحيح عن زرعة.
16 - ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الاسلام عليه، رجاء. أن يسلم، لحديث أنس رضي الله عنه قال: " كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار، (فلما مات، قال: صلوا على صاحبكم) ". أخرجه البخاري والحاكم والبيهقي وأحمد (3 / 175، 227، 280 260) والزيادة له في رواية.
(1) الاصل: (علمك) ولعل الصواب ما أثبتنا.
[ 12 ]
(3) ما على الحاضرين بعد موته 17 - فإذا قضى وإسلم الروح، فعليهم عدة أشياء: أ، ب - أن يغمضوا عينيه، وبدعوا له أيضا لحديث أم سلمة قالت: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فان الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لابي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه ". أخرجه مسلم وأحمد (6 / 297) والبيهقي (3 / 334) وغيرهم. د - وهذا في غير من مات محرما، فإما المحرم، فإنه لا يغطى رأسه ووجهه لحديث ابن عباس قال: " بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأقعصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين (وفي رواية: في ثوبيه) ولا تحنطوه
[ 13 ]
(وفي رواية: ولا تطيبوه)، ولا تخمروا رأسه (ولا وجهه)، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ". أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " وأبو نعيم في " المستخرج " (ق 139 - 140) والبيهقي (3 / 390 -) وليست الزيادة عند البخاري ه - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: " أسرعوا بالجنازة.. " الحديث، وسيأتي بثمامه في الفصل (47). وفي الباب حديثان آخران أصرح من هذا، ولكنهما ضعيفان ولذلك أعرضنا عنهما. (1) (1) أما الحديث الاول فهو عن ابن عمر مرفوعا ولفظه: " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ رأسه بفاتحة البقرة، رجليه بخاتمتها ". أخرجه الطبراني " المعجم الكبيز " (3 / 208 / 2) والخلال في " القراءة عند القبود، " (ق 25 / 2) من طريق يحي بن عبد الله بن الضحاك البابلي ثنا أيوب بن نهيك الحلبي الزهري - مولى آل سعد بن أبي وقاص - قال: سمعت عطاء بن أبي رباح المكي قال: سمعت ابن عمر قال: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف وله علتان: الاول: البابلتي - ضعيف كما قال الحافظ في " التقريب ". الثانية: شيخه أيوب بن نهيك، فانه أشد ضعفا منه، ضعفه أبو حاتم وغيره، وقال الازدي: متروك. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وساق له الحافظ في " اللسان " حديثا آخر ظاهر النكاره من طريق يحيى بن عبد الله ثنا أيوب عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. ثم قال: " ويحي ضعيف، لكنه لا يحتمل هذا " ثم قال:! فإذا عرفت هذا فالعجب من الحافظ حيث قال في " الفتح " (3 / 143) في حديث الطبراني هذا: " إسناده حسن "! ونقله عنه الشوكاني في " نيل الاوطار " (3 / 309) وقره!
وأما الهيثمي فقال " المجمع " (3 / 44). " رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف ". وفاته أن فيه أيوب بن نهيك وهو شرمنه كما سبق. وأما الحديث الثاني فهو عن حصين بن وحوح: " أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى الله وسلم يعوده، فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به حتى أشهده فأصلي عليه، وعجلوه، فانه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ". =
[ 14 ]
و - أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه، ولا ينقلوه إلى غيره، لانه ينافي الاسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم، ونحوه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " لما كان يوم أحد، حمل القتلى ليدفنوا بالبقيع، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم - بعدما حملت أمي أبي وخالي عديلين (1) (وفي رواية: عادلتهما) (على ناضح) لتدفنهم تفي البقيع - فردوا (وفي رواية قال: فرجعناهما مع القتلى حيث قتلت) ". أخرجه أصحاب السنن الاربعة وابن حبان في صحيحه (196 - موارد) والرواية الاخرى له، وأحمد (3 / 297 - 380) والبيهقي (4 / 57) بإسناد صحيح، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح " والزيادة لاحمد في رواية يأتي لفظها في المسألة الفصل (80). ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه: " ما أجد في نفسي، أو يحزني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه " (2) أخرجه البيهقي بسند صحيح. ز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل، وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث:
الاول: عن سعد بن الاطول رضي الله عنه: =
أخرجه أبو داود والبيهقي (3 / 386 - 387)، وفيه عروة - ويقال عزرة - ابن سعيد الانصاري عن أبيه، وكلاهما مجهول كما قال الحافظ في " التقريب ". ثم إن الاستدلال بحديث أبي هريرة على ما ذكرنا إنما هو بناء على أن المراد ب (أسرعوا) الاسراع بتجهيزها، وأما على القول بأن المراد الاسراع بحملها إلى قبرها، فلا يتم الاستلال به. وهذا القول هو الذي استظهره القرطبي ثم النووي، وقوى الحافظ القول الاول بالحديثين الذين تكلمنا عنهما آنفا، ولا يخفى ما فيه. (1) أي شددتهما على جنبتي البعير كا لعديلين. (2) قال النووي في " الاذكار ": " وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فان النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الاكثرون، وصرح به المحققون ".
[ 15 ]
" أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إن أخاك محبوس بدينه (فاذهب) فاقض عنه (فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت) قلت: يارسول الله، قد قضيت عنه إلا دينار ين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال أعطها فإنها محقة، (وفي رواية: صادقة) ". أخرجه ابن ماجه (2 / 82) وأحمد (4 / 136، 5 / 7) والبيهقي (10 / 142) وأحد إسناديه صحيح، والاخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في " الزوائد "! وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لاحمد في رواية. الثاني: عن سمرة بن جندب. " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح) فلما انصرف قال: أههنا من آل فلان أحد؟ (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل بحر إزاره
من مؤخر الناس (ثلاثا لا بحيبه أحد)، (فقا له النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك في المرتين الاولين أن تكون أجبتي؟) أما إني لم أفوه باسمك إلا لخير، إن فلانا - لرجل منهم - مأسور بدينه (عن الجنة، فان شئتم فافدوه، وإن فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشئ) " (1) أخرجه أبو داود (2 / 84) والنسائي (2 / 233) والحاكم (2 / 25، 26) والبهقي (6 / 4 / 76) والطيالسي في مسنده (رقم 891، 892) وكذا أحمد (5 / 11، 13، 20) بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط. والرواية الاخرى للمسندين، والزيادة الاول والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولاحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولاحمد وأبي داود السادسة.
(1) وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (ق 156 / 2) بسند ضعيف.
[ 16 ]
الثالث عن جابر بن عبد الله قال: " مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فجاء معنا، (فتخطى) خطى، ثم: قال لعل على صاحبكم دينا؟ قالوا نعم ديناران، فتخلف، (قال: صلوا على صاحبكم)، فقال له رجل منا يقال له إبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي إبا قتادة يقول: (وفي رواية ثم لقيه من الغد فقال:) ما صنعت الديناران؟ (قال: يارسول الله إنما مات أمس) حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الاخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟) قال: قد فضيتهما
يا رسول الله، قال الان حين بردت عليه جلده ". (1) أخرجه الحاكم (2 / 58) والسياق له والبيهقي (6 / 74 - 75) والطيالسي (167 3) وأحمد (3 / 330) بإسناد حسن كما قال الهيثمي (3 / 39) وأما الحاكم فقال: " صحيح الاسناد "! ووافقه الذهبي! والرواية الاخرى مع الزيادات عندهم جميعا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده.
(1) أي بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء ديه.
[ 17 ]
تنبيهان 1 - أفاد هذا الحديث أن قضاء أبي قتادة للدين كان بعد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الميت. وهذا مشكل، فقد صح عن أبي قتادة نفسه أنه قضاه قبل الصلاة كما سيأتي ذكره في المسألة (55) فقرة (و)، فان لم تحمل القصة على التعدد فرواية أبي قتادة أصح من حديث جابر، لان فيه عبد الله بن محمد عقيل، وفيه كلام، وهو حسن الحديث فيما لم يخلف فيه، وأما مع المخالفة فليس بحجة، والله أعلم. 2 - أفادت هذه الاحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، بولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله تبارك وتعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الانسان النقطع عمله إلا من ثلاث.. " الحديث رواه مسلم والبخاري في الادب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شئ والتصدق عنه شئ آخر، فانه أخص من التصدق، وإلا فالاحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما، لانه قياس مع الفارق مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء، لانها أعم منه كما ذكرنا، ولعلنا نتكلم عن
هذه المسألة بشئ من التفصيل في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. الحديث الرابع: عن جابر أيضا. " أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك عليه دينا (ثلاثين وسقا)، (فاشتد الغرماء في حقوقهم)، فلما حضره جداد النخل، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يارسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال: اذهب فبيدر كل تمر على حدة، ففعلت، ثم دعوت، (فغدا علينا حين أصبح)، فلما نظرو إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاثا (ودعا في ثمرها بالبركة)، ثم جلس عليه، ثم قال:
[ 18 ]
ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي، (1) وانا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى اني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه لم ينقص تمرة واحدة، (فوافيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اللمغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما، فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع أن سيكون ذلك ". أخرجه البخاري (5 / 46، 171، 319، 6 / 462، 463) والسياق مع الزيادات له، ورواه بنحوه أبو داود (2 / 15) والنسائي (2 / 127، 128) والدارمي (1 / 22 - 25) وابن ماجه (2 / 82 - 83) والبيهقي (6 / 64) وأحمد (3 / 313، 365 373، 391، 397) مطولا ومختصرا. وفيه عند أحمد زيادات كثيرة، لم أوردها خشية الاطالة. الخامس عنه أيضا قال: " كان رسول الله صلى عليه وسلم يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويثي عليه بما هو أهل له، ويقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب
الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه، كأنه منذر جيش (يقول): صبحكم ومساكم، من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا (2) أو دينا فعلي، وإلي، وأنا (أ) ولى (ب) المؤمنين (وفي رواية: بكل مؤمن من نفسه) ". أخرجه مسلم (3 / 11) والنسائي (1 / 234) والبيهقي في " السنن " (3 / 2 13 - 214) وفي " الاسمائك والصفات " (ص 82) وأحمد (3 / 296، 311، 338 - 371) والسياق له، وإبو نعيم في " الحلية " (3 / 189)، والزيادة الاولى له، وللنسائي والبيهقي
(1) أي وصيته إياه بقضاء الدين عنه، أنطر حديثه في ذلك في الفصل الاول من المسألة الرابعة. (2) أي عيالا، قال ابن الاثير: " وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعا، فسمى العيال يالمصدر كما تقول:
[ 19 ]
وإسنادها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية له وللبيهقي، والثالثة والرابعة لاحمد، والرواية الثانية لمسلم. وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وسيأتي حديثه في المسألة (55) فقرد (و) الحدث الثاني. السادس: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حمل من أمتي دينا، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه ". أخرجه أحمد (6 / 74) وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال المذري (3 / 33): " رواه أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني في الاوسط " ونحوه في " المجمع " (4 / 132) إلا أنه قال: " ورجال أحمد رجال الصحيح " (1).
(1) وعزاه الشوكاني (4 / 21) لابن ماجه وهم، فاني لم أجده عنده بعد مزيد البحث عنه، ولم
يورده النابلسي في " الذخائر " ولو كان عنده لعزاه إليه المذري، ولما أورده الهيثمي في " المجمع " كما هو المعروف عند المشتغلين بهذا العلم الشريف.
[ 20 ]
(4) ما يجوز للحاضرين وغيرهم 18 - ويجوز لهم كشف وجه الميت وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيام، وفي ذلك أحاديث: الاول: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " لما قتل أبي، جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، ونهوني، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، (فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرفع)، فجعلت عمي فاطمة تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم تبكين، أولا تبكين، مازالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه ". أخرجه الشيخان والنسائي والبيهقي وأحمد (3 / 298) والزيادة لمسلم والنسائي. الثاني: عن عائشة رضي الله عنها قالت: " أقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه ب (السنح) حتى نزل فدخل على المسجد، (وعمر يكلم الناس) فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببردة جرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله (بين عينيه)، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله " لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها، وفي رواية: بلقد مت الموتة التي
[ 21 ]
أخرجه البخاري (3 / 89) والنسائي (1 / 260 - 261) والزيادة له في رواية، وابن حبان في صحيحه (2155) والبيهقي (3 / 406) وغيرهما. الثالث: عن عائشة أيضا: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف في وجهه، ثم أكب عليه فقبله، وبكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه ".
أخرجه الرمذي (2 / 135) وصححه والبيهقي وغيرهما، وله شاهد بإسناد حسن يراجع في " مجمع الزوائد " (3 / 20). الرابع عن أنس رضى الله عنه قال: " دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي سيف - وكان ظئرا (1) الابراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". أخرجه البخاري (3 / 35) ومسلم والبيهقي (4 / 69) بنحوه. الخامس: عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم.. " الحديث. رواه أبو داود (2 / 124) والنسائي (2 / 292) وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد بأتم منه، وسيأتي لفظه في " التعزية ". إن شاء الله تعالى.
(1) أي زوج مرضعة إبراهم عليه السلام.
[ 22 ]
(5) ما يجب على أقارب الميت 19 - ويجب على أقارب الميت يبلغهم خبرو وفاته أمران: الاول: الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الا موال والانفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعو ن. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمحة " وأولئك
هم المهتدون). (البقرة: 155 - 157، ولحديث أنسن بن مالك رضي الله عنه قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فانك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: أخرجه البخاري (3 / 115 - 116) ومسلم (3 / 40 - 41) والبيهقي (4 / 65) والسياق له. والصبر على وفاة الاولاد له أر. عظيم، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها: أولا: " لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من تالولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ".
[ 23 ]
أخرجه الشيخان والبيهقي (67 / 4) عن أبي هريرة. ثانيا: " مامن مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته، قال: ويكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجئ أبوانا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبوا كم بفضل رحمة الله ". أخرجه النسائي (1 / 265) والبيهقي (4 / 68) وغيرهما عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين. ثالثا: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان ". أخرجه البخاري (3 / 94) ومسلم والبيهقي (4 / 67) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
رابعا: " إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الارض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة ". أخرجه النسائي (1 / 264) عن عبد الله بن عمرو بسند حسن. الامر الثاني: مما يجب على الاقارب: الاسترجاع، وهو أن يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون) كما جاء في الآية المتقدمة، ويزيد عليه قوله: " اللهم اجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها " لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من مسلم تصبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إنا لله وإنا إليه راجعون) اللهم اجرني في معيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب با الغيرة ". أخرجه مسلم (3 / 37) والبيهقي (4 / 65) وأحمد (6 / 309).
[ 24 ]
20 - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها، حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشرا، لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: " دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر (أن) تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ثم دخلت على زينب بنت جحش - حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.. " فذكرت الحديث.
أخرجه البخاري (3 / 114، 9 400 / 400 - 401). 21 - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها، فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لام سليم وزوجها أبي طلحة الانصاري رضي الله عنهما، ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك - على طولهما - لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، فقال أنس رضي الله عنه: " قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم - وهي أم أنس -: إن هذا الرجل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم يحرم الخمر - فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سليم، في كلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصلح لى أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك، قالت: وما دهري قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أربد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الاسلام، (فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره)، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبو طلحة يريد النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الاسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذالك، قال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس) فما بلغنا أن مهرا كان أعظم منه أنها رضيت الاسلام مهرا، فتزوجها وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني، وكان يحبه أبو طلحة حبا شديدا. ومرض الصبي (مرضا شديدا)، وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له،
[ 25 ]
(فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجئ يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة) فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي صلى الله عليه وسلم (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا يتعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي
أنعاه له، فهيأت الصبي (فسجت عليه)، ووضعته (في جانب البيت)، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها (ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه) فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ماكان منذ اشتكى أسكن منه الساعة (وأرجو أن يكون قد استراح!) فأتته بعشائه (فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم)، (قال فقال إلى فراشه فوضع رأسه)، ثم قامت فتطيبت، (وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك)، (ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلي أهله)، (فلما كان آخر الليل) قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا قوما علية لهم، فسألو هم إياها أكان لهم أن يمنعو هم؟ فقال: لا، قالت فإن الله عزوجل كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت بما وقعت به نعيت إلي ابني! (فاسترجع، وحمد الله)، (فلما أصبح اغتسل)، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصلى معه) فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بارك الله لكما في غابر ليلتكما، فثقلت منت ذلك الحمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولدت فأتوني بالصبي، (قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، دقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أد فانطلقا قال: وضربها المخاض حين قدموا)، فولدت غلاما، وقالت لابنها أنس: (يا أنس! لا يطعم شيئا حتى تغدوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وبعثت معه بتمرات)، قال: فبات يبكي، وبت مجنحا (1) عليه، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، (وعليه بردة)، وهو يسم إبلاء أو غنما (قدمت عليه)، فلما نظر إليه، قال لانس: أولدت
(1): مائلا
[ 26 ]
بنت ملحان؟ قال: نعم، (فقال: رويدك أفرغ لك)، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: (أمعه شئ؟ قالوا: نعم، تمرات)، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم (بعض) التمر (فمضغهن، ثم جمع يزاقه)، (ثم فغز فاه، وأوجره إياه)، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: (يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (1) ريق رسول اللله صلى الله عليه وسلم فقال: انظروا إلى حب الانصار التمر، (قال: قلت: يارسول الله سمه، قال:) (فمسح وجهه) وسماه عبد الله، (فما كان في الانصار شاب أفضل منه)، قال: فحرج مننه رجل (2) كثير، واستشهد عبد الله بفارس) ". أخرجه الطيالسي (رقم 2056) والسياق له، ومن طريقه البيهقي (4 / 65 - 66 - وابن حبان (725) وأحمد (3 / 105 - 106، 181، 196، 287، 290) والزيادات كلها له كما سيأتي، ورواه البخاري (3 / 132 - 133) ومسلم (6 / 174 - 175) مختصرا مقتصرا على قصة وفاة الصبي، وروى النسائي (2 / 87) قسما من أوله، والزيادة الاولى له، والسادسة والثامنة والخامسة عشر والسادسة عشر للبخاري، والتاسعة عشر والثانية والعشرون لمسلم، وسائرها لاحمد كما سبق. وقد عنيت عناية خاصة بجمع روايات هذه القصة وألفاظها، لما فيها من روعة وجلالة، وليأخذ القارئ عنها فكرة جامعة صادقة، وذلك تتم العبرة والفائدة.
(1) كذا الاصل، ولعل حرف (على) مقحم من بعض النساخ. (2) جمع راجل، وهو ضد الفارس.
[ 27 ]
(6)
ما يحرم على أقارب الميت 22 - لقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا كان ولا يوال بعض الناس يرتكبونها إذا مات لهم ميت، فيجب معرفتها لا جتنابها، فلا بد من بيانها: أ - النياحة (1)، وفيها أحاديث كثيرة: 1 - " أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الاحساب، بو الطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ". رواه مسلم (3 / 45) والبيهقي (4 / 63) من حديث أبي مالك الاشعري. 2 - " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنايحة على الميت ". رواه مسلم (1 / 58 45) والبيهقي (4 / 63) وغيرهما من حديث هريرة. 3 - " لما مات ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هذا مني، وليس بصائح حق، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا يغضب الرب " رواه ابن حبان (743) والحاكم (1 / 382) عن أبي هريرة بسند حسن.
(1) وهو أمر زائد على البكاء. قال ابن ابن العربي: " النوح ما كانت الحاهلية تفعل، كان النساء يقفن متقابلات يصحن، ويحثين التراب على روءسهن ويضربن وجوههن " نقله الابي على مسلم.
[ 28 ]
4 - عن أم عطية قالت: " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة (تعني من المبايعات) إلا خمس، أم سليم، أم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ ". رواه البخاري (3 / 137) ومسلم (3 / 46) واللفظ له، والبيهقي (4 / 62) وغيرهم. 5 - عن أنس بن مالك:
" أن عمر بن الخطاب لما طعن عولت عليه حفصة، فقال: يا حفصد أما حفصة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المعول عليه يعذب؟! وعول عليه وفي أخرى: (في قبره) بما نيح عليه ". أخرجه البخاري ومسلم والسياق له والبيهقي (4 / 72 - 73) وأحمد (رقم 268، 288، 290، 315، 334، 254، 386) من طرق عن عمر مطولا ومختصرا، وروى ابن حبان في " صحيحه " (741). قصة حفصة فقط. 6 - " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ". أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الاخرى لمسلم وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحه (742) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الاولى. 7 - " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) " (1)
(1) في هذا الحديث بيان أن البكاء المذكور في الحديث الذي قبله، ليس المراد به مطلق البكاء، بل بكاء خاص وهو النياحة، وقد أشار إلى هذا حديث عرم المتقدم في الرواية الثانية وهو قوله: " ببعض بكاء... ". ثم إن ظاهر هذا الحديث واللذين قبله مشكل، لانه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعد ها المقررة في مثل قوله تعالى: " ولا تزر وازرد وزر أخرى "، وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانيد أقوال، وأقربها إلى الصواب قولان:
[ 29 ]
أخرجه البخاري (3 / 126) ومسلم (3 / 45) والبيهقي (4 / 72) وأحمد (4 / 245، 252، 255). 8 - عن النعمان بن بير قال: " أغمي على عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي، كذلك!؟ فلما مات لم تبك عليه ". أخرجه البخاري والبهقي (4 / 64).
ب، ج - ضرب الخدود، وشق الجيوب لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من تلطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية ". رواه البخاري (3 / 127 - 128، 129) ومسلم (1 / 70) وابن الجارود (257) والبيهقي (4 / 63 - 64) وغيرهم من حديث ابن مسعود. الاول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوص بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: " إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شئ " (1). والعذاب عند هم بمعنى العقاب. والاخر: أن معنى " أي يتألم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة. وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما. قالوا: " ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: " السفر قطعة من العذاب "، وليس هذا عقابا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم ". (2). وقد يؤيد هذا قوله في الحديث (5، 6): " في قبره ". وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف لمخالفته للحديث السابع الذي قيد العذاب بأنه " يوم القيامة "،. عندهم بين هذا القيد والقيد الاخر في قوله " في قبره "، بل يضم أحدهما إلى الاخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة. وهذا بين إيشاء الله تعالى.
(1) عمدة القارئ (4 / 74). (2) أنظر كلام ابن تيمية في " مجموعة الرسائل المنيرية " (2 / 209) وابن القيم في " التهذيب " (4 / 290 - 293).
[ 30 ]
د - حلق الشعر، لحديث أبي بردة بن أبي موسى قال: " وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: إنا برئ ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، (1) والحالقة، والشاقة ".
أخرجه البخاري (3 / 129) ومسلم (1 / 70) والنسائي (1 / 263) والبيهقي (4 / 64). ه - نشر الشعر، لحديث امرأة من المبايعات قالت: " كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه، وأن لانخمش وجها ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا ". أخرجه إبو داود (2 / 59) ومن طريقه البيهقي (4 / 64) بسند صحيح. و - إعفاء بعض الرجال لحاهم أ + ياما قليلة حزنا على ميتهم، فإذا مضت عادوا إلى حلقها! فهذا الاعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر، يضاف إلى ذلك أنه بدعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". رواه النسائي والبيهقي في " الاسماء والصفات " بسند صحيح عن جابر ر - الاعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها، لانه من النعي، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه: " كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي ".
(1) هي التي ترفع صوتها عند الفجيعة بالموت
[ 31 ]
أخرجه الترمذي (2 / 129) وحسنه، وابن ماجه (1 / 450) وأحمد (5 / 406) والسياق له والبيهقي (4 / 74)، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة في " المصنف " (4 / 97) وإسناده حسن كما قال الحافظ في " الفتح ". والنعي لغة: هو الاخبار بموت الميت، فهو على هذا يشمل كل إخبار، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على جواز نوع من الاخبار، وقيد العلماء بها مطلق النهي، وقالوا: إن المراد بالنعي الاعلان الذي يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية من
الصياح على أبواب البيوت والاسواق كما سيأتي، ولذلك قلت:
[ 32 ]
(7) النعي الجائز 23 - ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك، وفيه أحاديث: الاول: عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعا ". أخرجه الشيخان وغيرهما، وسيأتي ذكره بجميع زياداته من مختلف طرقه في المسألة (60) الحديث السابع. الثاني: عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخذ الرواية زيد فأصيب، بثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب - وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له ". أخرجه البخاري وترجم له والذي بنفسه ". وقبله بقوله: " باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه ". وقال الحافظ: " وفائدة هذاه الترجمة الاشارة إلى أن النعي ليس ممنوعا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور
[ 33 ]
قلت: وإذا كان هذا مسلما، فالصياح بذلك رؤوس المنائر يكون نعيا من باب أولى، ولذلك جز منابه في الفقرة التي قبل هذه، وقد يقترن به أمور أخرى هي في ذاتها محرمات أخر، مثل أخذ الاجرة على هذا الصياح! ومدح الميت بما يعلم أنه
ليس كذلك، كقولهم: " الصلاة على فخر الاماجد المكرمين، وبقية السلف الكرام الصالحين.. "! 24 - ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لحديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الانصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يارسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا، قال: امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وأمر أن ينادي الصلاة ب جامعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناب خير، أو ثاب خير - شك عبد الرحمن - يعني ابن مهدي) -، ألا أخبر كم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدا، فاستغفروا له - فاستغفر له الناس - ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدا، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا، فاستغفروا له، ثم أخذا اللواء خالد بن الوليد - ولم يكن من الامراء، بهو أمر نفسه - ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره - فمن يومئذ سمي خالد سيف الله - ثم قال: انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا ". أخرجه أحمد (5 / 299، 300 - 301) وإسناده حسن. وفي الباب عن أبي هريرة وغيره في قوله صلى الله عليه وسلم لما نعي للناس النجاشي: " استغفروا لاخيكم " وسيأتي في المسألة (60) ص 87 - 88 (1)
(1) ومما سبق تعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد: " الفاتحة على روح فلان " مخالف للسنة المذكورة، فهو بدعة بلا شك، لا سيما والقراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
[ 34 ]
(8) علامات حسن الخاتمة 25 - ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة. - كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة. الاولى: نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث. - " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ". أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن عن معاذ. وله شاهد من حديث أبي هريرة تقدم في " اللقين " فقرة (أ) ص 10 - 2 عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: " رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلا، فقال: مالك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك امرأة عمك يا إبا فلان؟ قال: لا - (وأثنى على أبي بكر) إلا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: إني لاعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفس الله عنه كربته، قال: فقال عمر: إني لاعلم ماهي! قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت: لا إله الله؟ قال طلحة: صدقت، هي والله هي ". أخرجه الامام أحمد (رقم 1384) وإسناده صحيح، وابن حبان (2) بنحوه، والحاكم (1 / 350، 351) والزيادة له، وقال " صحيح على شرطهما " ووافقه الذهبي. وفي الباب أحاديث ذكرت في " التلقين ".
[ 35 ]
الثانية: الموت برشح الحبين، لحديث بريدة بن الخصيب رضي الله عنه: " أنه كان بخراسان، فعاد أخا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق
جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: موت المؤمن بعرق الجبين ". أخرجه أحمد (5 / 357، 360) والسياق له، والنسائي (1 / 259) والترمذي (2 / 128) وحسنه، وابن ماجه (1 / 443 - 444) وابن حبان (730) والحاكم (1 / 761) والطيالسي (808) وقال الحاكم: " صحيح عل شرط مسلم " ووافقه الذهبي! وفيه نظر لا مجال لذكره هنا، لا سيما وأن أحد إسنادي النسائي صحيح على شرط البخاري. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. رواه الطبراني في " الاوسط " و " الكبير " ورجاله ثقات رجال الصحيح، كما في " المجمع " (2 / 325). الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، لقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر ". أخرجه أحمد (6582 - 6646) من طريقين عن عبد الله بن عمرو، والترمذي من أحد الوجهين، وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله، وغيرهما، فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح (1). الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال، قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) (ال عمران: 169). وفي ذلك أحاديث: 1 - " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في إول دفعة من دمه، ويرى مقعده من
(1) راجع " تحفة الاحوذي "
[ 36 ]
الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الاكبر، ويحلى حلية الايمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه ". أخرجه الترمذي (3 / 17) وصححه، وابن ماجه (2 / 184) وأحمد (131) وإسناده صحيح، ثم أخرجه (4 / 200) من حديث عبادة بن الصامت ومن حديث قيس الجذامي (4 / 200) وإسنادهما صحيح أيضا. 2 - عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " أن رجلا قال: يارسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ". رواه النسائي (1 / 289) وعنه القاسم السرقسطي في " الحديث " (2 / 165 / 1) وسنده صحيح. (تنبيه): ترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصا من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". أخرجه مسلم (2 / 49) والبيهقي (9 / 169) عن أبي هريرة. وله في " المستدرك " (2 / 77) شواهد. الخامسة: الموت غازيا في سبيل الله، وفيه حديثان: 1 - " ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يارسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل، قالوا: فمن هم يارسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن ما في البطن (1) فهو شهيد، والغريق شهيد ". أخرجه مسلم (6 / 51) وأحمد (2 / 522) عن أبي هريرة.
(1) أي بداء البطن وهو الاستسقاء وانتفاخ البطن. وقيل: هو الاسهال، وقيل: الذي يشتكي بطنه.
[ 37 ]
وفي الباب عن عمر عند الحاكم (2 / 109) والبيهقي. 2 - " من فصل (أي خرج) في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، بأو وقصه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة ". أخرجه أبو داود (1 / 391) والحاكم (2 / 78) والبيهقي (9 / 166) من حديث أبي مالك الاشعري، وصححه الحاكم، وإنما هو حسن فقط. السادسة: الموت بالطاعون، وفيه أحاديث: 1 - عن حفصة بنت سيرين: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطاعون شهادة لكل مسلم ". أخرجه البخاري (10 / 156 - 157) والطيالسي (2113) وأحمد (3 / 150، 2 20، 223، 258 - 265). 2 - عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: " انه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ماكتب الله له، إلا كان له مثل أر الشهيد ". أحرجه البخاري (10 / 157 - 158) والبيهقي (3 / 376) وأحمد (6 / 64، 145، 252) 3 - " يأتي الشهداء والتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما ريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك ". أخرجه الامام أحمد (4 / 185) والطبراني في " الكبير " (مجموع 6 / 55 / 2) بسند حسن كما قال الحافظ (10 / 159) عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه. وله شاهد من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أخرجه النسائي (2 / 63)
[ 38 ]
وأحمد (4 / 128، 129) والطبراني وحسنه الحافظ أيضا، وهو حسن في الشواهد. وفي الباب عن أبي هريرة ب، وتقدم في " الفقرة الخامسة " الحديث الاول، ويأتي أيضا في " الثامنة والتاسعة، وعن عبادة ويأتي في " العاشرة ". السابعة: الموت بداء البطن، وفيه حديثان: 1 - "... ومن مات في البطن فهو شهيد ". رواه مسلم وغيره، وتقدم بتمامه في " الخامسة ". 2 - عن عبد الله بن يسار قال: " كنت جالسا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذ كروا رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته فقال أحمد هما للاخر: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره "؟ فقال الاخر: بلى وفي رواية " صدقت ". أخرجه النسائي (1 / 289) والترمذي (2 / 160) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (رقم 728 - موارد) والطيالسي (1288) وأحمد (4 / 262) وسنده صحيح. الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله ". أخرجه البخاري (6 / 33 - 34) ومسلم (6 / 51) والترمذي (2 / 159) وأحمد (2 / 325، 533) من حديث أبي هريرة. العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، لحديث عبادة بن الصامت: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز (1) له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: إن شهداء أمتي إذا
(1) بالحاء المهملة والواو المشددة، أي: تنحى.
[ 39 ]
لقليل! قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة والمرأة يقتلها ولدها جمعاء (1) شهادة، (يجرها ولدها بسرره (2) إلى الجنة) ". أخرجه إحمد (4 / 201 - 5 / 323) والدارمي (2 / 208) والطيالسي (582) وإسناده صحيح. وله في " المسند " (4 / 315، 317، 328) طرق أخرى. وفي الباب عن صفوان بن إمية عند الدارمي والنسائي (1 / 289) وأحمد (6 / 465) - 466). وعن عقبه بن عامر 7 عند النسائي (2 / 62 - 63). وعن راشد بن حبيش عند أحمد (3 / 289)، ورجاله ثقات، وقال المذري في " الترغيب " (2 / 201): " إسناده وفيه الزيادة وهي في حديث عبادة عند الطيالسي وأحمد. وعن جابر بن عتبك ويأتي لفطه في الفقرة الاتية: الحادية عشر، والثانية عشر: الموت بالحرق، وذات الجنب (3) وفيه أحاديث، أشهر ها عن جابر بن عتيك مرفوعا: " الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع (4) شهيدة ". أخرجه ملك (1 / 232 - 233) وإبو داود (2 / 26) والنسائي (1 / 261) وابن
(1) هي التي تموت، وفي بطنها ولد. انظر كلام " النهاية " في التعليق الاتي قريبا. (2) السرة ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، والسرر ما تقطعه، وهو السر بالضم أيضا.
(3) هي ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للاضلاع. (4) في " النهاية ": " إي تموت وفي بطنها ولد، وقيل التي تموت بكرا، والجمع بالضم بمعنى المجموع، كذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شئ مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة " قلت: والمراد هنا الحمل قطعا بدليل الحديث المتقدم في " العاشرة " بلفظ " يقتلها ولدها جمعاء ".
[ 40 ]
ماجه (2 / 185 - 186) وابن حبان في صحيحه (1616 - موارد) والحاكم (1 / 3 52) وأحمد (5 / 446) وقال الحاكم: " صحيح الاسناد "! ووافقه الذهبي! ولست أشك في صحة متنه، لان له شواهد كثيرة، تقدم أكثرها وروي الطبراني من حديث ربيع الانصاري مرفوعا به نحوه دون ذكر الهدم. قال المنذري وتبعه الهيثمي (5 / 300): " ورواته مجتج بهم في الصحيح ". وروى أحمد (4 / 15 7) من حديث عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: " الميت من ذات الجنب شهيد ". وسنده حسن في الشواهد، وقا جاءت هذه الجملد في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم في " الخامسة " 7 أخرجه أحمد (2 / 441 - 442) وفيه محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد عنعنه. الثالثة عشر: الموت بداء السل لقوله صلى الله عليه وسلم: " القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق (1) شهادة والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة ". قال في " مجمع الزوائد " (2 / 317 - 301): " رواه الطبراني في الاوسط، وفيه مندل بن علي، وفيه كلام كثير وقد وثق ".
فقد زاد فيه أحمد في رواية له: " والسل ". ورجاله موثقون، وحسنه المنذري كما سبق، وله شاهد آخر في " المجمع ".
(1) بفتحتين، وكذا (الغرق) ب، كما في " حاشية المسند " (ق 301 / 1) مكتبة شيخ الاسلام في المدينة
[ 41 ]
الرابعة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه، وفيه أحاديث: 1 - " من قتل دون ماله، (وفي رواية: من أريد ماله بغير حق فقاتل، فقتل) فهو شهيد ". أخرجه البخاري (5 / 93) ومسلم (1 / 87) وإبو داود (2 / 285) والنسائي (2 / 173) والترمذي (2 / 315) وصححه وابن ماجه (2 / 123) وأحمد (16 68، 6823، 6829) كلهم بالرواية الثانية إلا البخاري ومسلم فبالاولى، وهي رواية للنسائي والترمذي وأحمد (6822) عن عبد الله بن عمرو. 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يارسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار ". أخرجه مسلم (1 / 87)، وأخرجه النسائي (2 / 173) وأحمد (1 / 339 - 360) من طريق أخرى عنه. 3 - عن مخارق رضي الله عنه. " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يأتيي فيريد مالي؟ قال: ذكره بالله، قال فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإن نأى السلطان عني (وعجل علي)؟ قال: قاتل دون ملك حتى تكون من شهداء الاخرة، إو تمنع مالك ".
أخرجه النسائي وأحمد (5 / 294، 294، 295) والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم. الخامسة عشر، والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، وفيه حديثان:
[ 42 ]
1 - " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومنت قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، بومن قتل دون دمه فهو شهيد ". أخرجه أبو داود (2 / 275) والنسائي والترمذي (2 / 316) وصححه، وأحمد (1652) 1653) عن سعيد بن زيد، وسنده صحيح. 2 - " من قتل دون مظلمته فهو شهيد " (1). أخرجه النسائي (2 / 173 - 174) من حديث سويد بن مقرن، وأحمد (2780) من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح إن سلم من الانقطاع بين سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس، لكن أحد الطريقين يقوى الاخرى، وفي الاولى من لم يوثقه غير ابن حبان. السابعة عشرة: الموت مرابطا في سبيل الله، ونذكر فيه حديثين: 1 - " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي ز كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان ". رواه مسلم (6 / 51) والنسائي (2 / 62) والترمذي (3 / 18) والحاكم (2 / 80) وأحمد (5 / 440، 441) من حديث سلمان الفارسي، ورواه الطبراني وزاد: " وبعث يوم القيامة شهيدا ". لكن في سنده من لم يعرفهم الهيثمي في " مجمعه " (5 / 290)، وسكت عليه المنذري في " ترغيبه " (2 / 150).
2 - " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر ". أخرجه إبو داود (1 / 391) والترمذي (3 / 2) وصححه، والحاكم (2 / 144) وأحمد (6 / 20) من حديث فضالة بن عبيد، وقال الحاكم:
(1) قلت: وهذا بإطلاقه يشمل الانواع الاربعة المذكورة في الحديث الاول وغيرها.
[ 43 ]
" صحيح على شرط الشيخين "! الثامنة عشر: الموت على عمل صالح لقوله صلى الله عليه وسلم " من قال: لا إله إلا الله: " من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة " أخرجه أحمد (5 / 391) عن حذيفة قال: " أسندت النبي صلى الله عليه وآله وإلى صدري فقال " فذكره. وإسناده صحيح، قال المنذري (2 / 61) " لا بأس به ".
[ 44 ]
(9) ثناء الناس على الميت 26 - والثناء بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين، أقلهم اثنان، من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنهة، وفيه أحاديث: 1 - عن أنس رضي الله عنه قال: " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة، فأثنى عليها خيرا، (وتتابعت الالسن بالخير)، فقالوا:
كان - ما علمنا - يجب الله ورسوله)، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا، (وتتابعت الالسن لها بالشر)، (فقالوا: بئس المرء كان في دين الله)، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت، فقال عمر: فدى لك أبي وإمي، مر بجنازة فأثني عليها شرا، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، (الملائكة شهداء الله في السماء، و) أنتم شهداء الله في الارض، أنتم شهداء الله في الارض، أنتم شهداء الله في الارض، (وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الارض)، (إن الله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر) ". أخرجه البخاري (3 / 177 - 178، 5 / 192 - 193) ومسلم (3 / 53) والنسائي (1 / 273) والترمذي (2 / 158) وصححه، وابن ماجه (1 / 454) والحاكم (1 / 377) والطيالسي (2062) وأحمد (3 / 179، 186، 197، 211، 245، 281) من طرق عن
[ 45 ]
أنس، والسياق لمسلم، والرواية الاخرى لاين ماجه، ورواية لاحمد والبخاري، والزيادات كلها إلا التي قبل الاخيرة لا حمد، وللبخاري وللبخاري الاولى منها، وللحاكم الاخيرة وصححها، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وأخرجه أبو داود (2 / 72) والنسائي وابن ماجه والطيالسي (2388) وأحمد (2 / 261، 466، 470، 498، 528) من طريقين عن أبي هريرة، والزيادة الاخيرة للنسائي عنه، وإسنادها صحيح، والطريق الاخرى إسنادها حسن. 2 - عن أبي الاسود الديلي قال: " أتيت المدينة، وقد بها مرض، وهم يموتون موتا ذريعا، فجلست إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فمرت جنازة، فأثنى خيرا، فقال عمر: وجبت، وفقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة قال: وثلاثة قال: قلنا
واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله في الواحد ". أخرجه البخاري والنسائي والترمذي وصححه البيهقي (4 / 75) والطيالسي (رقم 23) وأحمد (رقم 129، 204). 3 - " مامن مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الاذنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له مالا تعلمون " (1)
(1) إعلم أن مجموع هذه الاحاديث الثلاثة يدل هذه الشهادة لا تختص بالصحابة، بل هي أيضا لمن بعدم من المؤمنين الذين هم على طريقهم في الايمان والعلم والقدق وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في " الفتح " فليراجع كلامه من شاء المزيد من اليان. ثم إن تقييد الشهادة بأربع في الحديث الثالث، الظاهر أنه كان قبل حديث عمر قبله، ففيه الاكتفاء بشهادة اثنين، وهو العمدة. هذا، وأما قول بعض الناس عقب صلاة الجنازة: " ما تشهدون فيه. اشهدوا له بالخير "! فيجيبونه بقولهم صالح. أو من أهل الخير، ونحو ذلك، فليس هو المراد بالحديث قطعا، بل هو بدعة قبيحة، لانه لم يكن من عمل السلف، ولان الذين يشهدون بذلك لا يعرفون الميت في الغالب، بل قد يشهدون بخلاف ما يعرفون استجابة لرغبة طالب الشهادة بالخير، ظنا منهم أن ذلك ينفع الميت، وجهلا منهم بأن الشهادة النافعة إنما هي التي توافق الواقع في نفس المشهود له، كما يدل على ذلك قوله في الحديث الاول " إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر ".
[ 46 ]
أخرجه أحمد (3 / 242) والحاكم (1 / 378) وقال: " صحيح على شرط مسلم " ووافقه الذهبي! وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (2 / 408) وفيه شيخ من أهل العلم لم يسم، والراوي عنه عبد الحميد
ابن جعفر الزيادي ولم أجد له ترجمة. وله شاهد آخر مرسل عن بشر بن كعب. أخرجه أبو مسلم الكجي كما في " الفتح " (3 / 179). الوفاة عند الكسوف 28 - وإذا اتفق وفاة أحد مع انكساف الشمس أو القمر، فلا يدل ذلك على شئ، واعتقاد أنه يدل على عظمة المتوفي من خرافات الجاهلية التي أبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه ابراهيم عليه السلام، وانكسفت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأنثى عليه، ثم قال: " أما بعد، أيها الناس، إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله به عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره. ودعائه واستغفاره، وإلى الصدقة والعتاقة والصلاة في المساجد حتى تنكشف ". هذا السياق ملتقط من جملة أحاديث سقتها في كتاب لي في " صلاة الكسوف " تكلمت فيه على طرقها وألفاظها، ثم جمعت في آخره خلاصتها في سياق واحد وهذا القدر منه. وجله في " الصحيحين " " والسنن ".
[ 47 ]
(10) غسل الميت 28 - فإذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله، أما المادرة فقد سبق دليلها في الفصل الثالث (المسألة 17 الفقرة ه).، (ص 13) وأما وجوب الغسل فلامره صلى الله عليه وسلم به في غير ما حديث: 1 - اغسلوه بماء وسدر... " وقد مضى لفظه بتمامه وتخريجه في المسألة المشار إليها (فقره د)، (ص 12 - 13)
2 - قوله صلى الله عليه وسلم في ابنته زينب رضي الله عنها: " اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ذلك... ". الحديث ويأتي بتمامه وتخريجه في المسألة التالية. أولا: غسله ثلاثا فأكثر على ما يرى القائمون على غسله. ثنايا: أن تكون الغسلات وترا. ثالثا: أن يقرن مع بعضها سدر، أو ما يقوم مقامه في التنظيف، كالاشنان والصابون.
[ 48 ]
رابعا: أن يخلط مع آخر غسلة منها شئ من الطيب، والكافور أولى. خامسا: نقض الضفائر وغسلها جيدا. سادسا: تسريح شعره. سابعا: بجعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها. ثامنا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه. تاسعا: أن يتولى غسل الذكر الرجال، والانثى النساء إلا ما استثني كما بيانه. والدليل على هذه الامور حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: " دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نغسل ابنته (زينب)، فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا (أو سبعا)، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، (قالت: قلت: وترا؟ قال: نعم)، واجعلن في الاخرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذني، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه (1) فقال: أشعرنها (2) إياه (تعني إزاره)، (قالت: ومشطناها ثلاثة (قرون)، (وفي رواية: نقضنه ثم غسلنه) (فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث: قرنيها وناصيتها) وألقيناها)، (قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) ". أخرجه البخاري (3 / 99 - 104) ومسلم (3 / 47 - 48) وأبو داود (2 / 60 - 61)
والنسائي (1 / 266 - 267) والترمذي (2 / 130 - 131) وابن ماجه (1 / 445) وابن الجارود (258، 259) واحمد (5 / 84 - 85، 4076 - 408) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ". والرواية الثانية للبخاري والنسائي، والزيادة الاول لمسلم، والثانية له والبخاري وأبي داود والنسائي، والثالثة للنسائي، وللشيخين معناها، والرابعة للبخاري وأبي داود
(1) أي إزاره. قال ابن الاثير: " والاصل في الحقو معقد الازار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمى بها الازار للمجاورة ". (2) أي اجعلنه شعارها، والشعار الثوب الذي الذي يلي الجسد لانه يلي شعره.
[ 49 ]
والخامسة له ولمسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد، والسادسة للشيخين وأحمد، والسابعة للبخاري وأبي داود والنسائي وأحمد، والاخيرة لجميعهم. عاشرا: أن يغسل بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كلها، فانه كذلك كان العمل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما يفيده حديث عائشة رضي الله عنها: " لما أرادوا غسل البيي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري، أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغلسه وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى مامنهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه، وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويد لكونه بالقميص، دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه ". أخرجه أبو داود (2 / 60) وابن الجارود في " المنتقى " (257) والحاكم (3 / 59 - 60) وصححه على على شرط مسلم! والبيهقي (3 / 387) والطيالسي (رقم 1530) وأحمد (6 / 726) بسند صحيح، وروى ابن ماجه (1 / 446)
منه قول عائشة في آخره: " لو استقبلت.. " ورواه ابن حبان في صحيحه (2156) حادي عشر: ويستثني مما ذكر في (رابعا) المحرم، فإنه لا يجوز تطييبه لقوله في الحديث الذي سبقت الاشارة إليه قريبا: " لا تحنطوه، وفي رواية: ولا تطيبوه.. فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ". أخرجه الشيخان وغيرهما كما تقدم ص 12 - 13 ثاني عشر: ويستثنى أيضا مما ورد في (تاسعا) الزوجان فإنه يجوز لكل منهما أن يتولى غسل الاخر، إذ لا دليل يمنع منه، والاصل الجواز، ولا سيما وهو مؤيد بحديثين: 1 - عن عائشة رضي الله عنها قالت:
[ 50 ]
" لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه " (1) أخرجه ابن ماجه، ورواه أبو داود وغيره في آخر حديثها المتقدم قريبا في غسل النبي صلى الله عليه وسلم. 2 - عنها أيضا قالت: " رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأقول: وارأساه فقال: بل انا وارأساه ما ضرك لومت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك ". أخرجه أحمد (6 / 228) والدارمي (1 / 37 - 38) وابن ماجه (1 / 448) وابن هشام في " السيرة " (2 / 366) - بولاق) والدار قطني (192) والبيهقي (3 / 396)، وفيه عندهم جميعا محمد بن اسحاق وقد عنعنه، إلا في رواية ابن هشام فقد صرح بالتحديث فثبت الحديث، والحمد لله. على أن الحافظ ابن حجر قد ذكر في " التلخيص " (5 / 125) الطبعة المنيرية) انه تابعه عليه صالح بن كيسان عند أحمد والنسائي. قلت: هو عند
أحمد (6 / 14 4) لكن ليس فيه التصريح بالغسل، فتراجع رواية النسائي فلعله فيها، فإني لم أر الحديث في سننه الصغرى، فلعله في الكبرى له. ثالث عشر: أن يتولى غسله من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه، لان الذين تولوا غسله صلى الله عليه وسلم كانوا كما ذكرنا، فقد قال علي رضي الله عنه: " غسلت رسول الله صلى عليه وسلم، فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا، صلى الله عليه وسلم ". أخرجه ابن ماجه (1 / 447) والحاكم (1 / 362) والبيهقي (3 / 388) وإسناده صحيح كما قال في " الزوائد " (ق 92 / 1) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: فيه انقطاع ". قلت: وهذا مما لاوجه له، فإن الحديث من رواية معمر عن الزهري عن سعيد بن
(1) قال البيهقي: " فتلهفت على ذلك، ولا يتلهف: إلا على ما يجوز ". قلت: والجواز هو قول الامام أحمد كما رواه أبو داود في " مسائله " ص 149.
[ 51 ]
المسيب عن علي. وهذا سند متصل معروف رواية بعضهم عن بعض، أما معمر عن الزهري، والزهري عن سعيد فأشهر من أن يذكر، وأما رواية سعيد عن علي فموصولة أيضا كما أشار إلى ذلك الحافظ في " التهذيب ". بل ذهب إلى أنه سمع من عمر أيضا (1) وفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي صلى الله عليه وسلم مع علي رضي الله عنه الفضل، يعني ابن العباس وأسامة بن زيد. أخرجه أبو داود (2 / 69) وسنده صحيح مرسل. وله شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه أحمد (3 358) بسند ضعيف.
30 - ولمن تولى غسله أجر عظيم بشرطين اثنين: الاول: أن يستر عليه، ولا يحدث بما قد يرى من المكروه، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة ". أحرجه الحاكم (1 / 354، 362) والبيهقي (3 / 395) من حديث أبي رافع رضي الله عنه، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وقد رواه الطبراني في " الكبير " بلفظ: " أربعين كبيرة ". وقال المنذري (4 / 171) وتبعه الهيثمي (3 / 21): " رواته محتج بهم في الصحيح ". وقال الحافظ ابن حجر في " الدراية " (1 40): " إسناده قوي ".
(1) قلت: وفيما ذكره في عمر نظر، لا يتسع المجال الان لبيانه، وأما سماعه من علي فهو صحيح، وذلك أن وفاة علي رضي الله عنه كانت سنة أربعين، وكان لسعيد يومئذ من العمر ثمان وعشرون سنة فأين الانقطاع.!
[ 52 ]
الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريد به جزاء ولا شكورا ولا شيئا من أمور الدنيا، لما تقرر في الشرع أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العبادات إلا ماكان خالصا لوجهه الكريم، والادلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا. أجتزئ هنا بذكر ستة منها: 1 - قوله تباك وتعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحز إلى أنما إلهكم إله واحد، فمن كان يرجو لقاء ربه
فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحد) (الكهف: 110)، أي: لا يقصد بها غير وجه الله تعالى: 2 - قوله أيضا: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (البينة: 5) 3 - قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". أخرجه البخاري في أول " صحيحه " ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه 4 - قوله أيضا: " بشر هذه الامة بالسناء والتمكين في البلاد والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم بعمل الاخرة للدنيا، فليس له في الاخرة نصيب ". أخرجه أحمد وابنه في زوائد " المسند " (5 / 134) وابن حبان في " صحيحه " (موارد) والحاكم (4 / 311) وقال: " صحيح الاسناد ". ووافقه الذهبي، وأقره المنذري (1 / 31). قلت: وإسناد عبد الله صحيح على شرط البخاري.
[ 53 ]
5 - عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ماله؟ فقال: لا شئ له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي وجهه ". أخرجه النسائي (2 / 59) وإسناده جيد كما قال المنذري (1 / 24).
6 - قوله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: أنا أغنى الشر كاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك ". رواه ابن ماجه في " الزهد " من حديث أبي هريرة واسناده صحيح شرط مسلم، وقد أخرجه في " صحيحه " (8 / 223) حوه. 31 - ويستحب لمن غسله يغتسل لقوله صلى الله عليه وسلم " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ". أخرجه أبو داود (2 / 62 - 63) والترمذي (2 / 132) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (751 - موارد) والطيالسي (2314) وأحمد (280، 433، 454، 472). من طرق عن أبي هريرة، وبعض طرقه حسن، وبعضه صحيح على شرط مسلم، (1) وقد ساق له ابن القيم في " تهذيب السنن " إحدى عشر طريقا عنه، ثم قال: " وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ ". قلت: وقد صححه ابن القطان، وكذا ابن حرم في " المحلى " (1 / 250، 2 / 23 - 25) والحافظ في " التلخيص " (2 / 134 - منيرية) وقال: وظاهر الامر يفيد الوجوب، وإنما لم نقل به لحديثين: الاول قوله صلى لله عليه وسلم: " ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ".
(1) وقد بينت ذلك بيانا شافيا في كتابي " الثمر المستطاب " - " كتاب الغسل ".
[ 54 ]
أخرجه الحاكم (1 / 386) والبيهقي (3 / 398) من حديث ابن عباس وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري " ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن الاسناد كما قال الحافظ في " التلخيص " لان فيه عمرو بن عمرو، وفيه كلام، وقد قال الذهبي نفسه
في " الميزان " بعد أن ساق أقوال الائمة فيه: " حديثه صالح حسن ". الثاني: قول ابن عمر رضي الله عنه " كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " أخرجه الدار فطني (191) والخطيب في تاريخه (5 / 424) باسناد صحيح كما قال الحافظ، وأشار إلى ذلك الامام أحمد، فقد روى الخطيب عنه أنه حض ابنه عبد الله على كتابة هذا الحديث. 32 - ولا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنه كان جنبا، وفي ذلك أحاديث: الاول: عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ادفنوهم في دمائهم - يعني يوم أحد - ولم يغسلهم. (وفي رواية) فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح (في الله) إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لونن الدم، وريحه ريح المسك ". أخرجه البخاري (3 / 165) بالرواية الاولى وأبو داود (2 / 60) والنسائي (1 / 277 - 278) والترمذي (2 / 147) وصححه، وابن ماجه (1 / 461 - 462) والبيهقي (4 / 10) والرواية الاخرى له وكذا ابن سعد في " الطبقات " (ج 3 ق 1 ص 7) والزيادة له، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ولها، أي الرواية الاخرى طريق أخرى في المسند (3 / 296) من رواية ابن جابر عن جابر مرفوعا بلفظ: " لا تغسلوهم، فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم ". وإسناده صحيح إن كان ابن جابر هو عبد الرحمن، وأما إذا كان ومحمدا أخا عبد الرحمن فإنه ضعيف، ولم يترجح عندي أيهما المراد هنا. وأما الشو كاني فقال في " نيل الاوطار " (4 / 25): " إنها رواية لا مطعن فيها ".
[ 55 ]
ولها طريق ثالث، اخرجه احمد (5 / 431 - 432) من رواية عبد الله بن ثعلبة ابن صعير، وله رؤية، ولم يثبت له سماع فهو مرسل صحابي فهو حجة، وإسناده إليه صحيح، وقد وصله البيهقي (4 / 11) من حديثه عن جابر. الثاني: عن أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لا صحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانا، وفلانا، وفلا وثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه، فطلب في القتلى، فو جدوه إلى جنب سبعة قتلهم، ثم قتلوه! فأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف عليه فقال: قتل سبعة ثم قتلوه! هذا مني، وأنا مني وأنا منه، (قالها مرتين أو ثلاثا)، (ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما)، قال: فوضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: فحفر له ووضع في قبره، لم يذكر غسلا ". أخرجه مسلم (7 / 152) والسياق له، والطيالسي (924) والزيادتان له، وأحمد (4 / 421، 425) والبيهقي (4 / 21). الثالث: عن أنس: " أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم (غير حمزة) ". أخرجه أبو داود (2 / 59) والزيادة له وللحاكم ويأتي لفظه - والترمذي (2 / 138 - 139) وحسنه وابن سعد (3 ق 1 ص 8) والحاكم (1 / 365 - 366) والبيهقي (4 / 10 - 11) وأحمد (3 / 128) وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وقال النووي في " المجموع " (5 / 265) بعد ماعزاه لابي داود وحدة: " إسناده حسن أو صحيح ". قلت: هو عندي حسن، على أنه على شرط مسلم. الرابع: عن عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر، قال:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[ 56 ]
" إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته "، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لذلك غسلته الملائكة ". أخرجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم (3 / 204) والبيهقي (4 / 15) بإسناد جيد كما قال النووي في موضع من " المجموع " (5 / 260) ثم نسي ذلك فقال بعد (5 / 263): " وذكرنا أنه حديث ضعيف "! فجل من لا ينسى، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "! وأقره الذهبي! الخامس: عن ابن عباس قال: " أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب، وهما جنب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت الملائكة تغسلهما ". رواه الطبراني في " الكبير " (3 / 1489) وإسناده حسن، كما قال الهيثمي في " المجمع " (3 / 23)، ورواه الحاكم (3 / 195) دون ذكر حنظلة، وقال: " صحيح الاسناد " وتعقبه الذهبي فأصاب، لكن له شاهد مرسل قوي أخرجه ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 9) عن الحسن البصري مرفوعا مثله. قلت: وسنده صحيح رجاله كلهم ثقات، وفيه رد على الحافظ، فإنه وصف حديث ابن عباس بالغرابة، لانه ذكر فيه حمزة مع أنه قال في سنده: إنه لا بأس به، كما حكاه الشو كاني عنه (4 / 26)، فالظاهر أن الحافظ رحمه الله لم يقف على هذا الشاهد (2).
(1) هي الصوت الذي تفزع عنه، وتخاف منه. " نهاية ". (2) واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غسل الشهيد الجنب، هو ما ذكره الشافعية وغيرهم أنه
لو كان واجبا لما سقط بغسل الملائكة، ولامر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله، لان المقصود منه تعبد الادمي به، انظر " المجموع "
[ 57 ]
(11) تكفين الميت 23 - وبعد الفراغ من غسل الميت، يجب تكفينه، لامر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث المحرم الذي وقصته الناقة: ".... وكفنوه...... ". متفق عليه، وقد تقدم بتمامه في الفصل (3) فقرة (د). (ص 12 - 13) 34 - والكفن أو ثمنه من مال الميت، ولو لم يخلف غيره لحديث خباب بن الارث قال: " هاجر نا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شئ، (وفي رواية: ولم يترك) إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوها مما يلي رأسه (وفي رواية: غطوا بها رأسه)، واجعلوا على رجليه الاذخر (1)، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها "، أي: يجتنيها. أخرجه البخاري (3 / 110) ومسلم (3 / 45) والسياق له. وابن الجارود في
(1) بكسر الهمزة والخاء - حشيش معروف طيب الرائحة.
[ 58 ]
" المنتقي " (260) والترمذي (357) وصححه والنسائي (1 / 269) والبيهقي (3 / 401) وأحمد (6 / 695) والرواية الثانية له وللترمذي. وروى منه أبو داود
(2 / 14، 62) قوله في مصعب: " قتل يوم أجد... الخ والرواية الثالثة له وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري وغيره. 35 - وينبغي أن يكون الكفن طائلا سابغا يستر جميع بدنه لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. " أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فذ كر رجلا من أصحابه قبض فكفن غير طائل، وقبر ليلا، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يظطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه (إن استطاع) ". أخرجه مسلم (3 / 50) وابن الجارود (268) وأبو داود (2 / 62) وأحمد (3 / 295، 329) وروى الجملة الاخيرة منه الترمذي (2 / 133) وابن ماجه من حديث أبي قتادة، وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: بل هو حديث صحيح، فإن إسناده عن جابر صحيح (1)، فكيف إذا انضم إليه حديث أبي قتادة؟ وعزاه صديق حسن خان في " الروضة الندية " ((1 / 164) لمسلم فوهم. والزيادة لاحمد في رواية له. قال العلماء: " والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره، وتو سطه، وليس المراد به السرف فيه والمغالاة، ونفاسته ".
(1) وله طريق أخرى عن جابر، أخرجه هو والذي قبله الحاكم في " المستدرك " (1 - 369)، وسنده صحيح.
[ 59 ]
واما اشتراط النووي كونه من جنس لباسه في الحياة لاأفخر منه ولا أحقر ففيه
نظر عندي، إذا أنه مع كونه مما لا دليل عليه، عليه، فقد يكون لباسه في الحياة نفيسا، أو حقيرا، فكيف يجعل كفنه من جنس ذلك!؟ 36 - فإن ضاق الكفن عن ذلك، ولم يتيسر السابغ، ستر به رأسه وما طال من جسده، وما بقي منه مكشوفا جعل عليه شئ من الاذخر أو غيره من الحشيش، وفيه حديثان: الاول: عن خباب بن الارت في قصة مصعب وقوله في نمرته: " ضعوها مما يلي رأسه (وفي رواية: غطوا بها رأسه) واجعلوا على رجليه الاذخر " متفق عليه، وتقدم بتمامه في المسألة (34)، (ص 57) الثاني: عن حارثة بن مضرب قال: " دخلت على خباب وقد اكتوى (في بطنه) سبعا، فقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يتمنين أحدكم الموت " لتمنيته. ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك درهما، وإن في جانب بيتي الان لاربعين ألف درهم! ثم أتى بكفنه، فبلما رآه بكى وقال: ولكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، وجعل على قدميه الاذخر " أخرجه أحمد (6 / 395) بهذا التمام، وإسناره صحيح، والترمذي دون قوله: ثم أتى بكفنه.. " وقال: " حديث حسن صحيح ". وروى الشيخان وغيرهما من طريق أخرى النهي عن نمي الموت. وله شاهد من حديث أنس، نذكره إن شاء الله في المسألة التالية. 37 - وإذا قلت الاكفان، وكثرت الموتى، جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد، ويقدم أكثرهم قرآنا إلى القبلة، لحديث أنس رضي الله عنه قال: " لما كان يوم أحد، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة بن عبد المطلب، وقد جدع ومثل
[ 60 ]
به، فقال: لو لا أن صفية (في نفسها ل) تركته (حتى تأكله العافية) (1)، حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، فكفنه في نمرة، (وكانت) إذا خمرت رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه، فخمر رأسه، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، وقال: أنا شاهد عليكم اليوم، (قال: وكثرت القتلى، وقلت الثياب، قال:) وكان يجمع الثلاثة والاثنين في قبر واحد، ويسأل أيهم أكثر قرآنا، فيقدم في اللحد،. وكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد " (2). أخرجه أبو داود (2 / 59) والترمذي (2 / 138 - 139) وحسنه، وابن سعد (ج 3 ق 1 ص 8) والحاكم (1 / 365 - 366) والسياق له وعنه البيهقي (4 / 10 - 11) وأحمد (3 / 128) والزيادات له، وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي، وإنما هو حسن فقط كما سبق في الثالث من المسألة (32).، (ص 53) 38 - ولا يجوز نزع ثياب الشهيد الذي قتل فيها، بل يدفن وهي عليه لقوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد: " زملوهم في ثيابهم ". أخرجه أحمد (5 / 431) بهذا اللفظ، وفي رواية له: " زملوهم بدمائهم ". وكذلك أخرجه النسائي (1 / 282)، وعزاه الشو كاني (4 / 34) لابي داود فوهم. وفي الباب عن جابر وأبي برزة وأنس، فانظر المسألة (32) الحديث الاول والثاني والثالث.، (ص 52 - 53)
(1) هي السباع والطير التي تقع على الجيف كلها، ويجمع على العوافي. (2) قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: " معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة، وإن لم
يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذل كي لا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته. ذكره في " عون المعبود " (3 / 165)، وهذا التفسير هو الصواب، وأما قول من فسره على ظاهره فخطأ مخالف لسياق القصة كما بينه ابن تيمية، وأبعد منه عن الصواب من قال: معنى ثوب واحد قبر واحد! لان هذا منصوص عليه في الحديث فلا معنى لاعادته.
[ 61 ]
39 - ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب، وتقدمت قصتهما في المسألة (34، 36، 37)، وفي الباب قصتان أخريان: الاولى: عن شداد بن الهاد: " أن رجلا من الاعراب، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر) غنم النبي صلى الله عليه وسلم (فيها) شيئا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قال: قسمته لك قال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى ههنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت، فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك، خرج مهارجرا في سبيلك، فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك ". أخرجه النسائي (1 / 277) والطحاوي في " (1 / 291) والحاكم (3 / 595 - 596) والبيهقي (4 / 15 - 16). قلت: وإسناده صحيح، رجاله كلهم على شرط مسلم ما عدا شداد بن الهاد
لم يخرج له شيئا، ولا ضير، فإنه صحابي معروف، وأما قول الشو كاني في " نيل الاوطار " (3 / 37) تبعا للنووي في " المجموع " (5 / 565): إنه تابعي! فوهم واضح فلا يغتر به. الثانية: عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال: المرأة المرأة! قال: فتوسمت أنها أمي صفية،
[ 62 ]
فخرجت أسعى إليها، فأدر كتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمت (1) في صدري، وكانت امرأة جلدة، قالت: إليك لا أرض لك، فقلت: إن رسول صلى الله عليه وسلم عزم عليك، فوقفت، وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لاخي حمزة، فقد بلغي مقتله، فكفنه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الانصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والانصاري لاكفن له، فقلنا: لحمزة، ثوب، وللانصاري ثوب، فقدر ناهما فكان أحدهما أكبر من الاخر، فأقر عنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له ". أخرجه أحمد (1418) والسياق له بسند حسن. والبيهقي (3 / 401) وسنده صحيح 40 - والمحرم يكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته الناقة: "... وكفنوه في ثوبيه (اللذين أحرم فيهما).. ". وتقدم بتمامه في الفصل (3) فقرة (د)، ص 12 - 13) وهذه الزيادة رواها النسائي وكذا الطبراني في " المعجم الكبير " (ق 165 / 2) مر طريقين عن عمرو بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس. وهذا سند صحيح.
41 - ويستحب في الكفن أمور: الاول: البياض، لقوله صلى الله عليه وسلم: " البسوا من ثيابكم البياض، فانها خير ثيابكم، وكفنوا فيها ". أخرجه أبو داود (2 / 176) والترمذي (2 / 132) وصححه، وابن ماجه (1 / 449) والبيهقي (3 / 245) وأحمد (3426)، والضياء في " المختارة " (60 / 229 / 2) وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
(1) أي: ضربت ودفعت
[ 63 ]
وله شاهد من حديث سمرة بن جندب. أخرجه النسائي (1 / 268) وابن الجارود (260) والبيهقي (3 / 402 - 403) وغيرهم قلت: وسنده صحيح أيضا كما قال الحاكم والذهبي والحافظ في " فتح الباري " (3 / 105). الثاني: كونه ثلاثة أثواب، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية، من كرسف، ليس فيهن قميص، ولا عمامة (أدرج فيها إدراجا) ". أخرجه الستة، وابن الجارود (259) والبيهقي (3 / 399) وأحمد (6 / 40، 93، 118، 165، 192، 203، 221، 231، 264) والزيادة له. الثالث: أن يكون أحدها ثوب حبرة (1) إذا تيسر، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا توفي أحدكم فوجد شيئا، فليكفن في ثوب حبرة ". أخرجه أبو داود (2 / 61) ومن طريقه البيهقي (3 / 403) ومن طريق وهب بن منبه عن جابر مرفوعا.
قلت: وهذا سند صحيح عندي، وهو كذلك عند المزي وأما الحافظ فقال في " التلخيص " " من وجد سعة، فليكفن في ثوب حبرة ". (2)
(1) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان من البرود مخططا. (2) اعلم أنه لا تعارض بين الحديث الاول في " البياض ": " وكفنوا فيها موتا كم ". لامكان التوفيق بينهما بوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الان منها وجهان: الاول: أن تكون الحبرة بيضاء مخططة، وهذا إذا كان الكفن ثوبا واحدا، وأما إذا كان أكثر فالجمع أيسر وهو الوجه الاتي.
[ 64 ]
وسنده صحيح لولا عنعنة أبي الزبير. الرابع: تبخيرة ثلاثا، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا جمرتم الميت، فأجمروه ثلاثا ". أخرجه أحمد (3 / 331) وابن أبي شيبة (4 / 92) وابن حبان في " صحيحه " (752 - موارد) والحاكم (1 / 355) والبيهقي (3 / 405) قال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم " ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وصححه الووي أيضا في " المجموع " (5 / 196). وهذا الحكم، لا يشمل المحرم لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته الناقة "... ولا تطيبوه... ". وقد مضى بتمامه مع تخريجه في المسألة (17) فقرة (د) (ص 52 - 53). 42 - ولا يجوز المغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة لانه خلاف ما كفن لا سيما والحي أولى به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (1). =
الثاني: أن يجعل كفن واحد حبرة، وما بقي أبيض، وبذلك يعمل بالحديثين معا. وبهذا قال الحنفية، ودليلهم هذا الحديث، وليس هو الحديث الذي عزاه الحافظ لابي داود عن جابر أنه عليه السلام كفن في ثوبين وبرد حبرة. وقال: إسناده حسن، فإن هذا لم يستدلوا به بل لا وجود له عند أبي داود، بل عنده عن عائشة في حديثها وهو الثاني قالت: أتي بالبر لكنهم ردوه ولم بكفنوه فيه وسنده صحيح. (1) ويعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلامة أبو الطيب في " الروضة الندية " (1 / 165) " وليس تكثير الاكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود، فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال، لانه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: " إن الحي أحق بالجديد "، لما قيل له عند تعيينه لثوب من أبوابه في كفنه: " إن هذا خلق ". والحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في في سبعة أثواب، منكر تفرد به من وصف بسوء الحفظ فراجعه في " نصب الراية " (2 / 261 - 262).
[ 65 ]
أخرجه البخاري (3 / 266) ومسلم (5 / 131) وأحمد (4 / 246، 249، 250، 254) من حديث المغيرة بن شعبة. وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما. أخرجه مسلم. 43 - والمرأة في ذلك كالرجل، إذا لا دليل على التفريق (1).
(1) وأما حديث ليلى بنت قائف الثقفية في تكفين ابنته (ص) في خمسة أبواب فلا يصح إسناده، لان فيه نوح بن حكيم الثقفي وهو مجهول كما قال الحافظ ابن حجر وغيره وفيه علة أخرى بينها الزيلعي في " نصب الراية " (2 / 258).
[ 66 ]
(12) حمل الجنازة واتباعها
43 - ويجب حمل اجنازة واتباعها، وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث، أذكر اثنين منها: الاول: قوله صلى الله عليه وسلم: " حق المسلم (وفي رواية: يجب المسلم على أخيه) خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ". أخرجه البخاري (3 / 88) والسياق له، ومسلم (7 / 3) بالرواية الثانية وابن ماجه (1 / 439) وابن الجارود (261) وأحمد (2 / 372، 412، 540)، وقال في رواية له: " ست ". وزاد: " وإذا استنصحك فانصح له "، وهي رواية لمسلم أيضا، أخرجوه كلهم من حديث أبي هريرة. وفي الباب عن البراء بن عازب عند الشيخين وغيرهما. الثاني: قوله أيضا: " عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكر كم الاخرة ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (4 / 73) والبخاري في " الادب المفرد " (ص 75) وابن حبان في " صحيحه " (709 - موارد) والطيالسي (1 / 224) وأحمد (3 / 27،
[ 67 ]
32، 48) والبغوي في " شرح السنة " (1 / 166 / 1) من حديث أبي سعيد الخدري. قلت: وإسناده حسن. وله شاهد من حديث عوف بن مالك بدون الجملة الاخيرة. رواه الطبراني. راجع " المجمع " (2 / 299). 44 - واتباعها على مرتبتين: الاولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها. والاخرى: اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.
وكل منهما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " كنا مقدم النبي صلى الله عليه وسلم (يعني المدينة)، إذا حضر منا الميت آذنا النبي صلى الله عليه وسلم، فحضره واستغفر له، حتى إذا قبض، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى يدفن، وربما طال؟؟؟ حيس ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خشينا مشقة ذلك عليه، قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد حتى يقبض، فإذا قبض آذناه، فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا خبس، ففعلنا ذلك، وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت، فيأتيه فيصلي عليه، فربما انصرف، وربما مكث حتى يدفن الميت، فكنا على ذلك حينا، ثم قلنا لو لم يشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وحملنا جنازتنا إليه حتى يصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به، فكان ذلك الامر إلى اليوم ". أخرجه ابن حبان في صحيحه (753 - مورد) والحاكم (1 / 353 - 364 - 365) وعنه البيهقي (3 / 74) وأحمد (3 / 66) بنحوه، وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "! وإنما هو صحيح فقط، لان فيه سعيد بن عبيد بن السباق، ولم يخرجا له شيئا. 45 - ولا شك في أن المرتبة الاخرى أفضل من الاولى لقوله صلى الله عليه وسلم: " من شهد الجنازة (من بيتها)، (وفي رواية من ابتع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا) حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهد ها حتى تدفن، (وفي الرواية الاخرى: يفرغ
[ 68 ]
منها) فله قيراطان (من الاجر)، قيل: (يارسول الله) وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين. (وفي الرواية الاخرى: كل قيراط مثل أحد) ". أخرجه البخاري (1 / 89 - 90، 3 / 150، 154) ومسلم (3 / 51 - 52) وأبو داود (2 / 63 - 64) والنسائي (1 / 282) والترمذي (2 / 150) وصححه، وابن ماجه (1 / 467 - 468) وابن الجارود (261) والبيهقي (3 / 412 - 413) والطيالسي
(2581) وأحمد (2 / 233، 246، 320، 401، 458، 470، 474 493، 521، 531) من طرق كثيرة عن أبي هريد رضي الله عنه. والرواية الثانية للبخاري والنسائي وأحمد. والزيادة الاولى لمسلم وأبي داود وغيرها، والزيادتان الاخريان للنسائي. وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. الاول عن ثوبان عند مسلم والطيالسي (985) وأحمد (5 / 276 - 277، 282 - 283 - 284). الثاني والثالث: عن البراء بن غازب لث: عن البراء بن عازب وعبد الله بن مغفل، عند النسائي وأحمد (4 / 86، 294). الرابع عن أبي سعيد الخدري. رواه أحمد (3 / 20، 27، 97) من طريقين عنه. وله شواهد أخرى ذكرها الحافظ في " الفتح " (3 / 153). وفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة لعله من المستحسن ذكرها: " وكان ابن عمر يصلي عليها، ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال: (أكثر علينا أبو هريرة، (وفي رواية: فتعاظمه))، (فإرسل خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتي رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الارض ثم قال:) لقد فرطنا في قراريط كثيرة، (فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفقة
[ 69 ]
السوق، ولا غرس الودي (1)، إنما كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم لكلمة يعلمنيها، وللقمة يطعمنيها)، (فقال له ابن عمر: أنب يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه) ".
هذه الزيادات كلها لمسلم، إلا الاخيرة، فهي لاحمد (2 / 2 - 3، 387) وكذا سعيد بن منصور بإسناد صحيح كما قال الحافظ في " الفتح "، والتي قبلها للطيالسي وسندها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية للشيخين، والرواية الثانية فيها للترمذي وأحمد. والزيادة الاخيرة صريحة بأن ابن عمر رضي الله عنه اتصل عنه اسصل بنفسه بأبي هريرة، ويؤيده ما في رواية لمسلم وغيره بلفظ: فقال ابن عمر: أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله عليه وسلم، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة، فقال لها، يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فذكر الحديث)، فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن.. الخ. فظاهر هذا كله يخالف رواية أنه أرسل خبابا إلى ابن عمر. وجمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر يخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة، فمشى إلى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة. ولابي هريرة رضي الله عنه حديث آخر في فضل شهود الجنازة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ". أخرجه مسلم في " صحيحه " (3 / 92، 7 / 110) والبخاري في " الادب المفرد " ص 75 46 - وهذا الفضل في اتباع الجنائز، إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي صلى الله عليه وسلم لهن عن اتباعها، وهو ني تنزيه، فقد قالت أم عطية رضي الله عنها:
(1) بتشديد الياء صغار النخل.
[ 70 ]
" كنا ننهى (وفي رواية: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا ".
أخرجه البخاري (1 / 328 - 329، 3 / 162) ومسلم (3 / 47) والسياق له، وأبو داود (2 / 63) وابن ماجه (1 / 487) وأحمد (6 / 408، 409) وكذا البيهقي (4 / 77) والاسماعيلي والرواية الاخرى له، وهي رواية للبخاري تعليقا. " لا تتبع الجنائز، بما يخالف الشريعة، وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتباعها بالبخور، وذلك في وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ". أخرجه أبو داود (2 / 64) وأحمد (2 / 42 7، 528، 532) من حديث أبي هريرة. وفي سنده من لم يسم، لكنه يتقوى بشواهده المرفوعة، وبعض الاثار الموقوفة. أما الشواهد، فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتبع الميت صوت أو نار، قال الهيثمي (3 / 29): " رواه أبو يعلى، وفيه من لاذكر له ". وعن ابن عمر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع جنازة معها رانة ". أخرجه ابن ماجه (1 / 479 - 480) وأحمد (5668) من طريقين عن مجاهد عنه. وهو حسن بمجموع الطريقين. وعن أبي موسى في النهي عن اتباع الميت بمجمر. وقد تقدم لفظه في المسألة (1 2) فقرة (ب)، (ص 8). وأما الاثار، فعن عمرو بن العاص أنه قال في وصيته: " فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ". أخرجه مسلم (1 / 78) وأحمد (4 / 199). وعن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: " لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمر (وفي رواية: بنار) ". رواه أحمد وغيره بسند صحيح كما يأتي بعد مسألة، الحديث الثاني.
[ 71 ]
48 - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لانه بدعة، ولقول قيس ابن عباد: " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز ". أخرجه البيهقي (4 / 74) بسند رجاله ثقات. ولان فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشئ من أنا جيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين (1). وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الالات الموسيقية أما مها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الاسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان. 49 - ويجب الاسراع في السيربها، سيرا دون الرمل، وفي ذلك أحاديث: الاول: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ". أخرجه الشيخان، والسياق لمسلم، وأصحاب السنن الاربعة، وصححه الترمذي وأحمد (2 / 240، 280، 488) والبيهقي (4 / 21) من طرق عن أبي هريرة، وله حديث آخر بنحو الاتي.
(1) قال النووي رحمه الله تعالى في " الا ذكر " (ص 203): " واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف رضي الله عنهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض رضي الله عنه ما معناه: " إلزم طرق الهدي ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ". وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته (يشير إلى قول فيس بن عباد). وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغير ها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أو ضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب " آداب القراءة ".
والله المستعان ".
[ 72 ]
الثاني: " إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني (قدموني)، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها!؟ يسمع صوتها كل شئ إلا الانسان، ولو سمعه (ل) صعق ". أخرجه البخاري (3 / 142) والنسائي (1 / 270) والبيهقي وأحمد (3 / 41، 58) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ويشهد للزيادة الاولى حديث أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: " لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمر، وأسر عوا بي، فإني سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: " إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدموني... " الحديث نحوه، دون قوله يسمع صوتها... أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه (764) والبيهقي والطيالسي (رقم 2336) وأحمد (2 / 292، 274، 500) بإسناد صحيح على شرط مسلم. الثالث: عن عبد الرحمن بن جوشن قال: " كنت في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فجع ل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثم يقولون: رويدا بارك الله فيكم: فلحقهم أبو بكرة في بعض سكك المدينة فحمل عليهم بالبغلة، وشد عليهم بالسوط، وقال: خلوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنكاد أن نرمل بها رملا ". أخرجه أبو داود (2 / 65) والنسائي (1 / 271) والطحاوي (1 / 276) والحاكم (1 / 255) والبيهقي (4 / 22) والطيالسي (883) وأحمد (5 / 36 - 38) قال الحاكم:
" صحيح ". ووافقه الذهبي، ومن قبله النووي في " المجموع " (5 / 272) (1)
(1) وقال فيه (5 / 271): " واتفق العلماء على استحباب الاسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الاسراع =
[ 73 ]
50 - ويجوز المشي أمامها وخلفها، وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبا منها، إلا الراكب فيسير خلفها، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الراكب (يسير) خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، (خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها)، والطفل يصلى عليه، (ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) ". أخرجه أبو داود (2 / 65) والنسائي (1 / 275 - 276) والترمذي (2 / 144) وابن ماجه (1 / 451، 458) والطحاوي (1 / 278) وابن حبان في " صحيحه " (769) والبيهقي (84، 25) والطيالسي (701 - 702) وأحمد (4 / 247، 248 - 249، 249، 252) من حديث المغيرة بن شعبة، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. والسياق للنسائي وأحمد في رواية. والزيادات الثلاث لابي داود والحاكم والطيالسي، ولاحمد الاوليان منها، وللبيهقي الثالثة. وقال أبو داود وابن حبان: " السقط " بدل " الطفل " وهو رواية للحاكم والبيهقي وأحمد، وعزاها الحافظ في " التلخيص " (5 / 147) للترمذي أيضا، وهو وهم فإنما لفظه عنده كلفظ الجماعة. 51 - وكل من المشي أمامها وخلفها، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا، كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه:
=
انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأتي ". قلت: ظاهر الامر الوجوب، وبه قال ابن حزم (5 / 154 - 155)، ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب، فوقفنا عنده. وقا لابن القيم في " زاد المعاد ": " وأما دبيب الناس اليوم خطوة فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود ".
[ 74 ]
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها ". أخرجه الطحاوي (1 / 278) من طريقين عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن. قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين (1). 51 - لكن الافضل المشي خلفها، لانه مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: " واتبعو الجنائز "، وما في معنا ه مما تقدم في المسألة (43) أول هذا الفصل. ويؤيده قول علي رضي الله عنه: " المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (4 / 101) والطحاوي (1 / 279) والبيهقي (4 / 9 25 وأحمد (754) وكذا ابن حزم في " المحلى " (5 / 165) وسعيد بن منصور من طريقين عنه، قال الحافظ (3 / 143) في أحدهما: " وإسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الاثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده ". قلت: لكنه يتقوى بالطريق الاخر (2).
(1) قلت: وأما ما في " الجوهر النقي " (4 / 25): " وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: " ما مشى رسول الله (ص) حتى مات، إلا خلف الجنازة ". وهذا سند صحيح على شرط الجماعة ".
فأقول: كيف وهو مرسل: فإن طاووسا تابعي وقد أرسله، والمرسل ليس حجة عندهم، وقد عارضه حديث أنس الصحيح، وأعله الشوكاني (4 / 62) ايضا بالارسال، ولكنه قال: " لم أقف عليه في شئ من كتب الحديث " (2) تنبيه، قال الشوكاني عقب كلمته السابقة: " وحكى في البحر عن الثوري أنه قال: الراكب يمشي خلفها، والماشي أما مها. ويدل لما قاله حديث المغير ة المقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الراكب خلف الجنازة، والماشي أما مها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها. أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، وهذا مذهب قوي... ". قلت: كلا فإن الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، وفيه ضعف وقد زاد غيره فقال: " خلفها وأمامها... " كما تقدمت الاشارة إليها، وقد رواها المبارك أيضا عند الطيالسي، فوجب الاخذ بها، وهي نص في التخيير لا في تفضيل التقدم عليها، ومن الغريب أن هذه الزيادة ذكرها صاحب المنتقى في المكان الذي أشار إليه الشوكاني نفسه بقوله آنفا " المتقدم " ثم هو ذهل عنها.
[ 75 ]
52 - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراء ها لقوله صلى الله عليه وسلم: " الراكب يسير خلف الجنازة.. ". وقد مضى ذلك بتمامه في المسألة (50). لكن الافضل المشي، لانه المعهور عنه صلى الله عليه وسلم، ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان رضي الله عنه: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لاركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت ". أخرجه أبو داود (2 / 64 - 65) والحاكم (1 / 355) والبيهقي (4 / 23) وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
53 - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز، بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا، ومثله حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح (ونحن شهود)، (وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح (ماشيا))، ثم أتي بفرس عري، فعقله رجل فر كبه (حين انصراف)، فجعل يتوقص به (1)، ونحن نتبعه نسعى خلفه، (وفي رواية: حوله) قال: فقال رجل من القوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح ". أخرجه مسلم (2 / 60 - 61) والسياق له، وأبو داود (2 / 65) والنسائي (1 / 284) والترمذي (2 / 138) وصححه، والبيهقي (4 / 22 - 23) والطيالسي (760 - 761) وأحمد (5 / 98 - 99، 102) من طرق عن سماك بن حرب عنه.
(1) أي يثب ويقارب الخطو.
[ 76 ]
والرواية الثانية للنسائي، والزيادة فيها للترمذي في إحدى روايتيه، ومعناها للطيالسي. والرواية الثالثة لابي داود والترمذي، ولمسلم والبيهقي وأحمد في رواية لهم. والزيادة الاولى للنسائي والاخرى لابي داود (1). 54 - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات، فهذه الصورة لا تشرع البتة، وذلك لامور: الاول: أنها من عادات الكفار، وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها. وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا، كنت أستوعبتها وخرجتها في كتابي " حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة "، بعضها في الامر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم، وبعضها من فعله صلى الله عليه وسلم في مخالفتهم في ذلك، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه (2).
الثاني: أنها بدعة في عبادة، مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة، وكل ماكان كذلك من المحدثات، فهو ضلالة اتفاقا. الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكر الاخرة، كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ:
(1) وهي نص في أنه صلى الله عليه وسلم ركب انصرافه من الجنازة، وقد خفي هذا على أبي الطيب صديق حسن خان فاستدل في " الروضة " (1 / 173) على أن المشبع للجنازة مخير بين أن يمشي أمامها أو خلفها بهذا الحديث فقال: إن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح! وهذا خطأ من وجهين: الاول: أنه ليس في الحديث ما ذكره، بل هو صريح في أنهم كانوا يمشون حول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تلازم بين الامرين كما هو ظاهر. الثاني: أن ذلك كاف عند الانصراف من الجنازة كما سبق، ولعل سبب الوهم رواية عمربن موسى بن الوجيه عن سماك به بلفظ: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جنازة ثابت بن الدحداح على فرص أغر محجل تحته، ليس عليه سرج، مع الناس وهم حوله قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ثم جلس حتى فرغ منه، ثم قام فقعد على فرسه ثم انطلق يسير حوله الرجال ". أخرجه أحمد (5 / 99)، فهذا صريح في الركوب أثناء تشييعها أيضا، ولكنه بهذا السياق باطل لان عمر ابن موسى هذا كان يضع الحديث فلا يحتج به عند الموافقة فكيف عند المخالفة! (2) وقد قام بطبعه " المكتب الاسلامي " ثانية، وفيها إضافات لم ترد في الطبعة السابقة.
[ 77 ]
"... واتبعوا الجنائز تذكركم الاخرة ". أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك، فإنه ممالا يخفى على البصير أن حمل الميت على الاعناق، ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم، أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على
الصورد المذكورة، ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الاوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به، بسبب تغلب المادة عليهم، وكفرهم بالاخرة! الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الاجر الذي سبق ذكره في المسألة (45) من هذا الفصل، ذلك لانه لايستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها " الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولامن بعيد مع ما عرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الامر الخطير: الموت! والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة، لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره! 55 - والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين: أ - قيام الجالس إذا مرت به. ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الارض. والدليل على ذلك حديث علي رضي الله عنه، وله ألفاظ: الاول: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة فقمنا، ثم جلس فجلسنا ". أخرجه مسلم (3 / 59) وابن ماجه (1 / 468) والطحاوي (1 / 383) والطيالسي (150) وأحمد رقم (631، 1094، 1167). الثاني: " كان يقوم في الجنائز، ثم جلس بعد ". رواه مالك (1 / 332) وعنه الشافعي في " الام " (1 / 247) وأبو داود (2 / 64). الثالث: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال:
[ 78 ]
" شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت، ثنى مسعود بن الحكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه
برحبة الكوفة وهو يقول: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس ". أخرجه الشافعي وأحمد (627) والطحاوي (1 / 282) وابن حبان في " صحيحه " هذا الوجه بلفظ آخر وهو. الرابع: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجنائز حتى توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك، وأمر هم بالقعود ". الخامس: من طريق اسماعيل بن مسعود (1) بن الحكم الزرقي عن أبيه قال: " شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالا قياما نيتظرون أن توضع، ورأيت علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يشير إليهم أن اجلسوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالجلوس بعد القيام " (2). أخرجه الطحاوي (1 / 282) بسند حسن. 56 - ويستحب لمن حملها أن يتوضأ، لقوله صلى الله عليه وسلم: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ". وهو حديث صحيح، كما تقدم بيانه في المسألة (31).
(1) وقع في الاصل " اسماعيل بن الحكم بن مسعود " والصواب ما أثبت، وكأنه انقلب على الطابع، أو بعض النساخ. (2) قلت: هذا اللفظ والذي قبله صريحان في أن القيام لها حتى توضع داخل في النهي، وأنه منسوخ، فقول صديق حسن خان في " الروضة " (1 / 176) بعد أن قرر منسوخية القيام لها إذا مرت: " وأما قيام الناس خلفها حتى توضع على حتى توضع على الارض فمحكم لم ينسخ ". فهذا خطأ بين، لمخالفته لما ذكرنا من اللفظين، والظاهر أنه لم يقف عليهما.
[ 79 ]
(13)
الصلاة على الجنازة 57 - والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية، لامره صلى الله عليه وسلم بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني: " أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " صلوا على صاحبكم "، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله "، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين! ". أخرجه مالك في " الموطأ " (2 / 14) وأبو داود (1 / 425) والنسائي (1 / 278) وابن ماجه (2 / 197) وأحمد (4 / 114 - 5 / 192) بإسناد صحيح، وقال الحاكم: " صحيح على شرطهما "، وفيه نظر بينته في " التعليقات الجياد على زاد المعاد ". وفي الباب عن أبي قتادة ويأتي حديثه في المسألة الاية ص 82 وعن أبي هريرة فيها، ص 84 58 - ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما: الاول: الطفل الذي لم يبلغ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ابنه ابراهيم عليه السلام، قالت عائشة رضي الله عنها: " مات ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
[ 80 ]
أخرجه أبو داود (2 / 166) ومن طريقه حزم (5 / 158) وأحمد (6 / 267) وإسناده حسن، كما قال الحافظ في " الاصابة "، وقال ابن حزم: " هذا خبر صحيح "! (1). الثاني: الشهيد، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد وغيرهم، وفي ذلك ثلاثة أحاديث سبق ذكرها في المسألة (32)، (ص 5 2).
ولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي من الاحاديث فيهما في المسألة التالية: 59 - وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم: الاول: الطفل، ولو كان سقطا (وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه) وفي ذلك حديثان: 1 - "... والطفل (وفي رواية: السقط) يصلى عليه، ويد عى لوالديه بالمغفرة والرحمة ". رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح، وقد سبق بتمامه في المسألة (50) 2 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الانصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوة، ولم يدركه. قال: أو غير ذلك
(1) قلت: والصواب ما قاله الحافظ، فقد ذكر ابن القيم في " زاد المعاد " (1 / 203) عن الامام أحمد أنه قال: " هذا حديث منكر "، ولعله يعني " حديث فرد " فإن هذا منقول عنه في بعض الاحاديث المعروفة الصحة. واعلم أنه لا يخدج في ثبوت الحديث أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى على ابنه ابراهيم. لان ذلك لم يصح عنه وإن جاء من طرق، فهي كلها معلولة اما بالارسال، وإما بالضعف الشديد، كما تراه مفصلا في " نصب الراية " (2 / 279 - 280)، وقد روى أحمد (3 / 281) عن أنس أنه سئل: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه ابراهيم؟ قال: لا أدري. وسنده صحيح. ولو كان صلى عليه، لم يخف ذلك على أنس إن شاء الله، وقد خدمه عشر سنين.
[ 81 ]
يا عائشة؟ خلق الله عزوجل الجنة، وخلق لها أهلا، وخلقهم، في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم " (1) أخرجه مسلم (8 / 55) والنسائي (276 9 1) وأحمد (6 / 208) واللفظا للنسائي،
وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير شيخه عمرو بن منصور، وهو ثقة ثبت. والظاهر أن السقط إنما يصلي عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر، ثم مات، فإما إذا سقط قبل ذلك، لانه ليس بميت كما لا يخفى. وأل ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكا... ينفخ فيه الروح ". متفق عليه. واشترط بعضهم أن يسقط حيا، لحديث: " إذا استهل السقط صلي عليه وورث ". ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به، كما بينه العلماء (2). الثاني: الشهيد، وفيه إحاديث كثيرة، أكتفي بذكر بعضها 1 - عن شداد بن الهاد:
(1) قا لا لنووي رحمه الله تعالى: " أجمع من يعتقد بن من علماء المسلمين على أن من ما من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، والجواب عن هذا لاحديث أنه لعله نهاها عن المسارعة إل يالقطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ". وأجاب السندي في حاشيته على النسائي بجواب آخر خلاصته: أنه إنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين. قال: ولا يصبح الجزم في مخصوص لان إيمان الأبوين تحقيقا غيب، وهو المناط عند الله تعالى. (2) انظر " نصب الراية " (2 / 277) و " التلخيص " (5 / 146 - 147) و " المجموع " (5 / 255)، وكتابي " نقد التاج الجامع للاصول الخمسة " (رقم 293)، وإنما صح الحديث بدون ذكر الصلاة فيه، كما حققته في " إرواء الغليل " (1704) يسر الله طبعه.
[ 82 ]
" أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم آمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك.. فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ".. ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، ثم قدمه فصلى عليه.. ". أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، وقد مضى بتمامه المسألة (39) (ص 61). 2 - عن عبد الله الزبير: " أن رسول الله صلى اله عليه وسلم أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يصفون، ويصلي عليهم. وعليه معهم ". أخرجه الطحاوي في " معاني الآثار " (1 / 290) وإسناده حسن. رجاله كلهم ثقات معروفون، وابي اسحاق قد صرح بالحديث. وله شواهد كثيرة ذكرت بعضها في " التعليقات الجياد " في المسألة (75). 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بحمزة وقد مثل به وأيضا، على أحد من الشهداء غيره. يعني شهداء أحد ". (1) أخرجه أبو داود بسند حسن، وهو مختصر حديثه المتقدم المسألة (37). (ص 57 - 58). 4 - عن عقبة بن عامر الجهني: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت [ بعد ثمان سنين ] [ كالمودع للأحياء والأموات ]، ثم انصرف إلى المنبر [ فحمد الله وأثنى ] عليه! فقال: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، [ وإن موعدكم الحوض ] وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، [ وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة ]، - وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض واني والله ما أخاف عليكم أن وتشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم [ الدنيا ] أن تتنافسوا فيها [ وتقتتلوا فتهلكوا هلك من كان قبلكم ]
(1) لعله يعني الصلاة على غيره استقلالا، فلا ينبغي الصلاة على غيره مقرونا معه كما في الحديث الذي قبله، ولا يعارض هذان الحديثان بحديث جابر المتقدم أنه صلى الله عليه وسلم لم بصل على شهداء أحد لأنه ناف، والمثبت مقدم على المنافي، وانظر التفصيل في " نيل الأوطار ".
[ 83 ]
قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ". أخرجه البخاري (3 / 64 - 7 / 279 - 280 و 302) ومسلم (7 / 67) وأحمد (4 149، 153، 154)، والسياق للبخاري، والزيادة الأولى والثانية والسادسة والسابعة له، ولمسلم الثانية والخامسة وما وراءها ولأحمد الأولى إلى الرابعة. رواه البيهقي (4 / 14) وعنده الزيادات كلها إلا الثالثة والخامسة. وأخرجه الطحاوي (1 / 290) وكذا النسائي (1 / 277) والدارقطني (ص 197) مختصرا، وعند الدارقطني الزيادة الأولى (1) الثالث: من قتل في حد من حدود الله، لحديث عمران بن حصين " أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جاءت بنفسها لله تعالى؟ " أخرجه مسلم (5 / 121) وأبو داود (2 / 233) والنسائي (1 / 278) والترمذي (2 / 325) وصححه، والدارمي (2 / 180) والبيهقي (4 / 18 و 19). ورواه ابن ماجه (2 / 116 و 117) مختصرا الرابع: الفاجر المنعث في المعامي والمحارم، مثل تارك الصلاة والزكاة مع اعترافه بوجوبهما، والزاني ومدمن الخمر، ونحوهم من الفساق فإنه يصلي عليهم، إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليهم، عقوبة وتأديبا لأمثالهم، كما فعل
النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك أحاديث:
(1) قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنها واجبة فلماذا لا يقال بالوجوب! قلت: لما سبق ذكره في المسألة (58). ونزيد علي ذلك هنا فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى عليهم ولو فعل لنقلوه عنه. فدل ذلك أن الصلات عليهم غير واجبة. ولذلك قال ابن القيم في " تهذيب السنن " (4 / 295): (والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجئ. الاثار بكل واحد من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الامام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه " قلت: ولاشك أن الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسرت لأنها دعاء وعبادة.
[ 84 ]
1 - عن أبن قتادة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعي لجنازة سأل عنها، فان أثني عليها خير قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها شأنكم بها، ولم يصل عليها " أخرجه أحمد (5 / 399، 300، 301) والحاكم (1 / 364) وقال: " صحيح على شرط الشيخين "، وواففه الذهبي. وهو كما قالا. 2 - عن جابر بن سمرة قال " مرض رجل، فصيح عليه، فجاء جاره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد مات، قال: وما يدريك؟ قال: أنا رأيته، قال رسول الله: إنه لم يمت، قال: فرجع فصيح عليه، فقالت امرأته، انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأخبره فقال الرجل: اللهم العنه! قال: ثم انطلق الرجل فرآه قد نحر نفسه بمشقص، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه مات، فقال ما يدريك؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشقص معه! قال: أنت رأيته؟ قال: نعم، قال: إذا لا أصلي عليه. أخرجه بهذا التمام أبو داود (2 / 65) باسناد صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه. سملم (3 / 66) مختصرا، وكذا النسائي (1 / 279) والترمذي (2 / 161) وابن ماجه (1 / 465) والحاكم (1 / 364) والبيهقي (4 / 19) والطيالسي (779) وأحمد (5 / 87 و 91 و 92 و 96 94 - 97 و 102 و 107) وقال الترمذي: " هذا حديث حسن، وقد اختلف أهل العلم في هذا زرارة فقال بعضهم: يصلي على كل من صلى للقبلة، وعلى قاتل النفس وهو قول سفيان الثوري وإسحاق " وقال أحمد: لا يصلي الامام على قاتل النفس، ويصلي عليه غير الامام " وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في " الاختيارات " (ص 52): " ومن امتنع من الصلاة على أحدهم (يعني القاتل والناس والمدين الذي ليس له و