الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 12

شرح أصول الكافي

مولي محمد صالح المازندراني ج 12


[ 1 ]

كتاب الكافي الأصول والروضة لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني مع شرح الكافي الجامع للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى 1081 ه‍ مع تعاليق الميرزا أبو الحسن الشعراني المجلد الثاني عشر بسم الله الرحمن الرحيم حديث الرياح * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، وهشام بن سالم، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصبا والدبور وقلت: إن الناس يذكرون (1) أن الشمال من الجنة والجنوب من النار ؟ فقال: إن لله عز وجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه ولكل ريح منها ملك موكل بها فإذا أراد الله عز وجل أن يعذب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها قال: فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الأسد المغضب، قال: لكل ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى: * (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا


(1) قوله " إن الناس يذكرون ". هذا حديث صحيح من جهة الإسناد قريب من جهة الإعتبار منبه على طريقتهم عليهم السلام في أمثال هذه المسائل الكونية. والمعلوم من سؤال السائل وقول الناس أن ذهنهم متوجه إلى السبب الطبيعي الموجب لوجود الرياح ومنشأها وعلة اختلافها في البرودة والحرارة وغيرها، وغاية ما وصل إليه فكرهم أن الشمال لبرودتها من الجنة والجنوب لحرارتها من النار فصرف الإمام ذهنهم عن التحقيق لهذا الغرض إذ ليس المقصود من بعث الأنبياء والرسل وإنزال الكتب كشف الأمور الطبيعية، ولو كان المقصود ذلك لبين ما يحتاج إليه الناس من أدوية الأمراض كالسل والسرطان وخواص المركبات والمواليد، ولذكر في القرآن مكررا علة الكسوف والخسوف كما تكرر ذكر الزكاة والصلاة وتوحيد الله تعالى ورسالة الرسل، ولورد ذكر الحوت في الروايات متواترا كما ورد ذكر الإمامة والولاية والمعاد والجنة والنار وكذلك ما يستقر عليه الأرض وما خلق منه الماء مع أنا لا نرى من أمثال ذلك شيئا في الكتاب والسنة المتواترة إلا بعض أحاديث ضعيفة غير معتبرة أو بوجه يحتمل التحريف والسهو والمعهود في كل ما هو مهم في الشرع ويجب على الناس معرفته أن يصير الإمام بل النبي (صلى الله عليه وآله) على تثبيته وتسجيله وبيانه بطرق عديدة غير محتملة للتأويل حتى لا يغفل عنه أحد. وبالجملة لما رأى الإمام (عليه السلام) اعتناء الناس بالجهة الطبيعية صرفهم بأن الواجب على الناظر في أمر الرياح والمتفكر فيها أن يعتني بالجهة الإلهية وكيفية الإعتبار بها والاتعاظ بما يترتب عليها من الخير والشر سواء كانت من الجنة أو من الشام أو من أفريقية واليمن فأول ما يجب أن يعترف بأن جميع العوامل الطبيعية مسخرة بأمر الله تعالى وعلى كل شئ ملك موكل به وأن الجسم الملكي تحت سيطرة المجرد الملكوتي المفارق عن الماديات كما ثبت في محله أن المادة قائمة بالصورة والصورة قائمة بالعقل المفارق وهذا أهم ما يدل عليه هذا الحديث الذي يلوح عليه أثر الصدق وصحة النسبة إلى المعصوم (عليه السلام). ثم بعد هذا الاعتراف يجب الاعتبار بما وقع من العذاب على الأمم السالفة بهذه الرياح وما يترتب من المنافع على جريانها وهذا هو الواجب على المسلم من جهة الدين إذا نظر إلى الأمور الطبيعية. (ش) (*)

[ 2 ]

عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) * وقال: * (الريح العقيم) * وقال: * (ريح فيها عذاب أليم) * وقال: * (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) * وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها من عصاه، قال: ولله عز ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والأرض، ورياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله، ومنها رياح مما عدد الله في الكتاب. فأما الرياح الأربع: الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح - الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله جل وعز في البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الد بور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر، ثم قال أبو جعفر: أما تسمع لقوله: ريح الشمال وريح الجنوب وريح الد بور وريح الصبا، إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها. * الشرح: قوله (حديث الرياح) الريح الهواء المسخر بين الأرض والسماء من حيث أنه متحرك وهو مؤنث على الأكثر فيقال هي الريح وقد يذكر بمعنى الهواء فيقال هو الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الاعصار فإنه مذكر، كذا في المصباح (قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرياح الأربع الشمال) ومهبها الجدى إلى مغرب الاعتدال وفي المصباح وفيها خمس لغات الأكثر بوزن سلام ونقل عياض عن صاحب العين أنه قال: الشمال بفتح الشين والميم والشمأل بسكون الميم وفتح الهمزة والشأمل بتقديم الهمز والشمل بفتح الميم من غير همز والشمول بفتح الشين وضم الميم (والجنوب) من القطب الجنوبي إلى مشرق الاعتدال تقابل الشمال وهو مراد من قال: من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا. (والصبا) بوزن العصا من مشرق الاعتدال إلى الجدي وهو مراد من قال من مطلع الثريا إلى بنات النعش (والدبور) بوزن الرسول من مغرب الاعتدال إلى القطب الجنوبي (فتهيج كما يهيج الأسد المغضب) هاج الشي يهيج إذا ثار ووثب والمغضب بفتح الضاد من أغضبته فهو مغضب * (فكيف كان عذابي ونذر) * أي إنذاري لهم قبل نزول العذاب أو لمن بعدهم في تعذيبهم * (إنا أرسلنا

[ 3 ]

عليهم ريحا صرصرا) * أي شديدة الصوت أو البرد * (في يوم نحس مستمر) * أي يوم شوم استمر شومه أو استمر عليهم حتى هلكوا أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم ذكورهم وإناثهم فلم يبق منهم أحدا واشتدت مرارته وكان يوم الأربعاء آخر الشهر كذا ذكره المفسرون (والريح العقيم) ريح لا تلقح كريح الخريف * (وقال: وأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) * في المصباح: الإعصار: ترتفع بتراب بين السماء والأرض وتستدير كأنها عمود وفي القاموس أو التي فيها نار، وقيل: هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق فيها نار (ولله تعالى رياح رحمة لواقح وغير ذلك) الإضافة لامية كما يدل عليه قوله (ينشرها بين يدي رحمته) لما كان نشر الرياح شيئا عظيما من أسباب بقاء الحيوان والنبات واستعداد الامزجة وللصحة والنمو وغيرهما، حتى قال كثير من الاطباء أنها تستحيل روحا حيوانيا وكانت عناية الله ورحمته شاملة للعالم وهي مستند كل موجود لا جرم نشرها برحمته ومن أظهر آثار الرحمة بنشر الرياح حملها للسحاب المترع بالماء وأثارتها على وفق الحكمة ليصيب الأرض الميتة فينبت بها الزرع وتملأ الضرع كما قال عز وجل * (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه) *. والمراد تنبيه الغافلين على ضروب نعم الله بذكر هذه النعمة الجليلة ليستديموها بدوام شكره والمواظبة على طاعته (فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها) فالإضافة بتقدير اللام لا بيانية وما قد تذكر الشمال أو أخواته ويراد بها الريح فمن باب الاتساع قوله (إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب) دل على بطلان ما قيل من أن العرب يستعمل الرياح في الرحمة والريح في العذاب وأيده بقوله تعالى * (بريح صرصر عاتية) * وقوله تعالى * (يرسل الرياح مبشرات) * وفي معارج النبوة أن كل واحدة من رياح الرحمة ورياح العذاب أربعة أما رياح الرحمة فأولها باشرات قال الله تعالى * (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * وثانيها مبشرات: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات). وثالثها ناشرات * (والناشرات نشرا) * ورابعها ذاريات * (والذاريات ذروا) * وأما رياح العذاب فأولها صرصر * (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر) * وثانيها عقيم * (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) * وثالثها قاصف * (فيرسل عليكم قاصفا من الريح) * ورابعها عاصف * (جاءتها ريح عاصف) * وكذا توجد الرياح الثمانية في ذات العبد أما رياح الرحمة ومهبها السعادة فأولها ريح المحبة وهي في التائبين * (إن الله يحب التوابين) * وريح المودة وهي للصالحين * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) * وريح القربة وهي للسابقين * (والسابقون السابقون أولئك المقربون) * وريح الوصلة وهي للمشتاقين، وأما رياح العذاب ومهبها الشقاوة فريح الغفلة * (وهم في غفلة معرضون) * وريح الفرقة * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * وريح السخط * (سخط الله عليهم) * وريح القطيعة * (فقطع

[ 4 ]

دابر القوم الذين ظلموا) *. * الأصل: - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خر بوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن لله عز وجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله (1) أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل، قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا، قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه. قال: وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الأرحام ولا شيئا من النبات وهي ريح تخرج من تحت الأرضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزان يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم، قال: فعتت على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد، قال: فضج الخزان إلى الله عز وجل من ذلك فقالوا ربنا إنها قد عتت عن أمرنا إنا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك، قال، فبعث الله عز وجل إليها جبرئيل (عليه السلام) فاستقبلها بجناحيه فردها إلى موضعها وقال لها: اخرجي على ما امرت به، قال: فخرجت على ما امر به، وأهلكت قوم عاد ومن كانت بحضرتهم. * الشرح: (فإن شاء الله عز وجل أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا) لعل المراد أن من استحق العذاب بسبب خصلة قبيحة ربما يستحق الرحمة بإزالة تلك الخصلة وكسب خصلة حسنة فلا يصل إليه العذاب بخلاف من استحق الرحمة والإحسان بسبب خصلة حسنة فإنه تصل إليه الرحمة وإن زالت عنه تلك الخصلة لأن الله لا يضيع عمل عامل، أو المراد أنه إذا أرسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب وأما إذا أرسل ريح الرحمة فلا يجعلها عذابا بزوال سبب الرحمة وحدوث سبب العذاب، ومنه يظهر سر سبق رحمته على


(1) قوله " رياح رحمة " هذا حديث صحيح من جهة الإسناد وليس فيه ضعف من جهة المعنى إلا قوله فعتت على خزانها فخرج على مقدار منخر الثور لأن ضعف الملائكة المأمورين من جانب الله على ما شاء من المصلحة عن ضبط الطبائع المقهورة المسخرة غير معقول عندنا ولا نعتقد في الطبائع قوة أشد من الملائكة الموكلين بها ولا نرى أن يأمر الله تعالى ملائكته بأمر يعلم عجزهم، وعلى كل حال فالظاهر من الرواية أن الريح التي أهلكت قوم عاد كانت من البخارات المحتبسة في أعماق الأرض خرجت دفعة من ثقبة حدثت في قشر الأرض بدفعها كما يخرج من البراكين والله أعلم. (ش) (*)

[ 5 ]

غضبه. (وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم من طاعته) ذلك إشارة إلى المذكور وهو جعل العذاب رحمة وأطاعوه صفة لقوما والواو في قوله " وكانت " للحال بتقدير " قد "، والوبال الشدة والمصيبة وسوء العاقبة والعمل السيئ والطاعة لاعلى وجه مطلوب وبال على صاحبه كطاعة أهل الخلاف، وفيه دلالة على أن هذه الطاعة وإن كانت معصية استحقوا بها العذاب إلا أنهم لو تحولوا عنها أدركتهم الرحمة ولم يعذبهم بها، وإنما ذكر هذه المعصية ليقاس عليها غيرها. (بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب وقضاه) أي قضاه قضاء غير محتوم ولم يبلغ حد الإمضاء إذ لا دافع بعده. (فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم آه) قال بعض المفسرين روي أن يونس (عليه السلام) بعث إلى أهل نينوى وهي - بكسر الأول - قرية بالموصل فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم العذاب إلى ثلاث وقيل إلى أربعين فذهب عنهم مغاضبا فلما دنا الوعد غامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم وتسود سطوحهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا وتضرعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشورا يوم الجمعة. (فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الحيوان ولا شيئا من النبات) فلا ينتفع منها النفس الحيوانية والنفس النباتية لشدة حرارتها من فيح جهنم واشتمالها على النار المهلكة لهما (فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم) لعل هذا أعلى المقادير المقدرة لخروج الريح المهلكة لعاد وأدناها مثل خرق الأبرة ثم خرجت بعد العتو على مقدار الأدنى فلا ينافي ما في الفقيه حيث قال: قال (عليه السلام) " ما خرجت ريح قط إلا بمكيال الا زمن عاد فإنها عتت على خزانها فخرجت في مثل خرق الأبرة فأهلكت قوم عاد " (فخرج على مقدار منخر الثور) المنخر بفتح الميم والخاء وتكسر وضمهما وكمجلس الأنف وخرقه (تغيظا منها على قوم عاد) دل على أن لها شعورا وإدراكا ولا يبعد من قدرة الله تعالى أن يجعل لها مشاعر ومدارك فلا حاجة إلى التأويل في نسبة التغيظ والعتو إليها ولا في نسبة الخطاب والأمر إليها باعتبار أنها جماد والجماد لا يتصف بهذه الصفات ولا يؤمر بشئ كما زعمه بعض الناس وقال، التغيظ والعتو لأهلها والأمر للدلالة على التسخير، ومما يؤيد ما قلناه ما رواه في الفقيه من أن للريح وجها وجناحين.

[ 6 ]

(وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم) أي في فنائهم وقربهم وهذه الريح سخرها الله تعالى عليهم سبع ليال أو ثمانية أيام حسوما أي دائمة متتابعة فلما رأوها جمعوا نساءهم وصبيانهم وأموالهم في شعب وأحاطوا حولهم آخذين بأيديهم وقد كانوا عظيم الجثة، طويل القامة، عريض البدن كثير القوة، شديد البطش كان أطولهم ثلاثمائة ذراع وأقصرهم مائة ذرع فقالوا ما تفعل هذه الرياح بنا فأخذت الريح أولا محصوريهم وأطارتهم في الهواء وأهلكتهم ثم أخذتهم ورفعتهم وأهلكتهم ومن لم يخرج منهم إلى الشعب وتحصنوا في بيوتهم هدمت الريح بيوتهم عليهم وأخرجت بعضهم من البيت ورفعته وأهلكته. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (عليه السلام): من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر " الحمد لله " ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ينفي عنه الفقر، وقال: فقد النبي (صلى الله عليه وآله) رجلا من الأنصار، فقال ما غيبك عنا ؟ فقال: الفقر يارسول الله وطول السقم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا أعلمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم ؟ فقال: بلى يارسول الله، فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: " لا حول ولا قوة إلا بالله [ العلي العظيم ] توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " فقال الرجل: فوالله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم. * الشرح: قوله (من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر الحمد الله) وهو قيد للواصل وجذب لغير الحاصل مع ما فيه من الفضل المذكور في كتاب الدعاء (ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار) بأن يقول أستغفر الله أو أستغفر الله ربي وأتوب إليه وكلاهما مروي. (ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) روي عن الباقر (عليه السلام) أن الحول هنا بمعنى التحول والانتقال، أي لا حول لنا عن المعاصي إلا بعون الله ولا قوة لنا على الطاعات إلا بتوفيقه، وفيه إظهار كمال الخضوع والمسكنة والحاجة إليه تعالى في طلب الخيرات ودفع المكاره ومعنى العلي العظيم أنه العلي عن الأشباه والأنداد الرفيع عن التشابه بالممكنات، العظيم المفتقر إليه كل من عداه المستحقر لديه كل من سواه. (توكلت على الحي الذي لا يموت) أي توكلت على المدرك الدايم بلا زوال وفيه تفويض الأمور كلها إليه وإظهار العجز بأنه ليس له قدرة على تحصيل أمر من أموره ورمز لطيف بأنه يتوقع

[ 7 ]

منه تعالى جلب النفع وسلب الفقر والسقم وساير المكاره عنه. (والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) تنزيه له تعالى عن الصاحبة والشهوة الحيوانية ورد على اليهود والنصارى. (ولم يكن له شريك في الملك) فيه إقرار بالتوحيد وتنزيه له عن النقص. (ولم يكن له ولي من الذل) أي ناصر مانع له من الذل لكونه عزيزا على الإطلاق، أو لم يوال أحدا من أجل ذل به ليدفعه بموالاته. (وكبره تكبيرا) أي قل هذا اللفظ بعينه ونقل عن بعض الأفاضل أنه قال قل الله أكبر الله أكبر، وهذا غريب. - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسماعيل ابن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأبي جعفر الأحول وأنا أسمع: أتيت البصرة ؟ فقال: نعم قال: كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه ؟ قال والله إنهم لقليل ولقد فعلوا وإن ذلك لقليل، فقال: عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل خير، ثم قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية، * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * قلت: جعلت فداك إنهم يقولون: إنها لأقارب رسول الله (عليه السلام)، فقال: كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء (عليهم السلام). * الشرح: قوله (فقال عليك بالأحداث) أي ألزمهم في الدعاء إلى هذا الأمر والأحداث الشبان الذين لم يطعنوا في السن فإنهم أسرع إلى كل خير لرقة قلوبهم وصفاء أذهانهم في الجملة وعدم تمكن الجهل المركب في نفوسهم بعد كما تمكن في نفوس الشيوخ. (إنهم يقولون إنها لأقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله)) قد مر آنفا أن جماعة منهم يقولون المراد بهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب كلهم وجماعة يقولون بنو هاشم وحدهم وجماعة يقولون قريش كلهم.

[ 8 ]

حديث أهل الشام * الأصل: - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن داود، عن محمد بن عطية قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما ذاك ؟ قال: فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه (1) فإن بعض من سألته قال: القدر وقال بعضهم: القلم وقال بعضهم الروح فقال أبو جعفر (عليه السلام): ما قالوا شيئا، أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره. وكان عزيزا ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه ولكنه كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه وخلق الريح من


(1) قوله " عن أول ما خلق الله من خلقه " المستفاد من جواب الإمام المعصوم العالم بأدواء النفوس وعلاجها والمطلع على أسرار الضمائر وكوامن القلوب أن هذا السائل كان مبتلى كساير العوام بالعجز عن بيان ما يختلج بباله من الإشكال وأن أصل اضطراب قلبه وتردده في كيفية خلق الأشياء المادية من العدم والراسخ في ذهنه أن كل مصنوع لابد أن يصنع من مادة سابقة عليه فسأل عن المادة الأولى التي خلق كل شئ منها، وكان الجواب الذي سمعه ممن سمعه غير مقنع له إذ لا معنى لكون المصنوعات جميعا مخلوقة من القضاء والقدر ولا من القلم ولا من الروح إذ لا يكون شئ من هذه الأمور مادة لصنع الأشياء، ولم يكن سؤاله عن العلل الفاعلية بل عن العلل المادية التي لابد أن تكون مقدمة على صنعة الصانع على ما كان يراه من عمل أمثال النجار والبناء حيث يعملون ما يعملون في الخشب والطين والحجر فابتدأ (عليه السلام) بإزالة وهمه وبين أن الله تعالى لا يجوز أن يصنع الأشياء من شئ موجود قبله أو معه وإنما يحتاج إلى المواد، الفاعل الصانع البشري والله تعالى هو خالق المواد ولو كان إيجاد كل مصنوع متوقفا على شئ سابق عليه وذلك على شئ آخر وهكذا ذهب الأمر إلى غير النهاية ووجب إثبات شئ غير مخلوق مع الله أزلي بأزليته والإمام (عليه السلام) رأى أنه لم يبدأ بإزالة وهمه هذا واكتفى بأن المخلوق الأول هو الماء لسأل السائل عن الماء مم خلق فإن قيل خلق من جوهرة خضراء لسأل السائل مم خلق الجوهرة الخضراء وهكذا ثم أجاب بما أجاب. ومراده (عليه السلام) من تضعيف قول من قال إن أول ما خلق الله الروح أو القلم أو القدر أنه لم يقع موقعه من السؤال وإلا فجميع هذه أيضا مروية وقد سبق في أول الكتاب أن أول ما خلق الله العقل وروي أن أول ما خلق نور رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن لم يكن سؤال السائل إلا عن المادة الأولى للأجسام وكم من كلام صحيح لا يمكن أن يقع جواب سائل، مثل قوله * (قل هو الله أحد) * في جواب من سأل عن نصاب الزكاة. (ش) (*)

[ 9 ]

الماء ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا نقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا نقب وذلك قوله: * (والسماء بناها * رفع سمكها فسويها * وأغطش ليلها وأخرج ضحيها) *. قال: ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عز ذكره: * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول: بسطها، فقال له الشامي: يا أبا جعفر قول الله تعالى: * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) * فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الأخرى ؟ فقال: نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): استغفر ربك فإن قول الله جل وعز: * (كانتا رتقا) * يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبث فيها من كل دابة فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحب، فقال الشامي: أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك من علمهم. * الشرح: (حديث أهل الشام عنه عن أحمد بن محمد) في مرجع الضمير خفاء وعوده إلى محمد بن يحيى خلاف المتعارف وكأنه يعود إلى أحمد بن محمد بن عيسى ويكون المراد بأحمد بن محمد أبو جعفر البرقي (قد أعيت علي أن أجد) أعيته أعجزته ووصف المسألة بالإعياء من جهة إشكالها وعسر جوابها. (وقد سألت عنها ثلاثة أصناف) لعل المراد بهم أهل الإسلام والحكماء والمتكلمون أو أهل الإسلام واليهود والنصارى. (فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه) رده (عليه السلام) الأجوبة المذكورة بقوله ما قالوا شيئا أخبرك إلى آخره دل على أن " من " ابتدائية وأن مراد السايل بخلقه المثال أو المهية النوعية القديمة أو المادة القديمة الأزلية وقد ذهب إلى الأول من قال أنه تعالى لم يخلق إلا باحتذاء مثال، وإلى الثاني من قال إن الأشياء محدثة بعضها من بعض على سبيل التعاقب والتسلسل مع قدم النوع وإلى الثالث من قال إن خلق الأشياء من أصل قديم، وقد مر بطلان هذه الأقوال في باب جوامع التوحيد وغيره وأوضحناه هناك. (فإن بعض من سألته قال: القدر، وقال بعضهم: القلم وقال بعضهم: الروح) القدر عبارة عما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور وقد يراد به تقدير الأشياء والقلم يطلق تارة على كلما يكتسب

[ 10 ]

به وتارة على ما كتب به اللوح المحفوظ وهو المراد هنا، قال بعض العامة: أول ما خلقه الله القلم ثم النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كاين وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلا ينطق إلى يوم القيامة، واختلفوا في المأمور بالكتابة فقيل: هو صاحب القلم بعد خلقه، وقيل: القلم نفسه لإجرائه مجرى أولي العلم وإقامته مقامه، وأشار القاضي أيضا إلى هذين الوجهين في تفسير قوله تعالى * (ن والقلم وما يسطرون) * والروح ما يقوم به الجسد وتكون به الحياة وقد يطلق على القرآن وعلى جبرئيل (عليه السلام) إذا عرفت هذا أقول لعل القائل الأول نظر إلى أن القضاء والتقدير مقدم على وجودات الأشياء فحكم بأنه الأول، والقائل الثالث نظر إلى أن الروح أشرف الأشياء ويتوقف عليه الكتابة في اللوح فحكم بأنه الأول، والكل معترف بأن ما ذهبوا إليه نشأ من مثال سابق وهذا باطل. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما قالوا شيئا) لأنهم أخطأوا في تعيين الأول وتسليم قول السايل بأن الأول مخلوق من شئ أما الأول فلأن الثلاثة المذكورة متوقفة على العزم المتوقف على الإرادة كما مر في كتاب التوحيد وأما الثاني فلما أشار إليه (عليه السلام) بقوله (أخبرك أن الله تبارك وتعالى كان) في الأزل (ولا غيره شئ وكان عزيزا) غالبا على جميع الأشياء (ولا أحد كان قبل عزه) فلو كان أول ما خلقه من أصل قديم فإن كان ذلك الأصل منه تعالى لزم أن يكون معه شئ وإن كان من غيره لزم أن يكون قبل عزه أحد أعز منه وهو تعالى يتبع أثره وكلاهما باطل وذلك قوله * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * إضافة الرب إلى العزة المطلقة تفيد اختصاصها به وعدم حصولها لغيره، وتنزيهه عن كل وصف لا يليق به يفيد ثبوت كل كمال له وسلب كل نقص عنه تعالى، وكل واحد منهما يستلزم توحيده وعدم مشاركة الغير معه في القدم والعزة المطلقة. (وكان الخالق قبل المخلوق) قبلية زمانية متوهمة وإلا لزمت المشاركة المذكورة الموجبة للنقص وفيه تنبيه على أنه أنشأ الخلق على سبيل القدرة والاختيار لا على سبيل الإيجاب والاضطرار لأنه قديم وخلقه حادث وصدور الحادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة والاختيار دون الإيجاب والاضطرار وإلا لزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت العلة في الأزل دون المعلول. وبعد تمهيد هذه المقدمات الحقة أشار إلى جواب السايل بقوله: (ولو كان أول ما خلق الله من خلقه الشئ من الشئ) المتوقف عليه خلق ذلك الشئ (إذا لم يكن له انقطاع أبدا) إذ يعود الكلام إلى الشئ الأول فيحتاج هو أيضا إلى مثال متقدم (ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه) سواء كان ذلك الشئ من صنعه أو من صنع غيره وإن كان المفروض هو الأول لعدم القائل بالثاني والتالي باطل كما أشر إليه بقوله (ولكنه كان إذ لا شئ غيره) تحقيقا لمعنى القدرة والإختيار ورفعا لمعنى النقص والإيجاب والاضطرار ثم بين أن الأول في عالم الخلق وهو عالم

[ 11 ]

الجسم والجسمانيات خلق من باب الإختراع لا من شئ سابق ومثال متقدم وإذا ثبت ذلك ثبت أن الأول في عالم الأمر وهو عالم الروح والروحانيات خلق كذلك لأن الصانع إذا كان قادرا مختارا عالما بوجوه المصالح يحيل الأشياء إلى أوقاتها باختياره ويوجد كلا في وقته من غير حاجة إلى شئ سابق ومثال متقدم فقال (وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه) في عالم الأجسام. (وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه). هذا وغيره من الروايات صريح في أن الماء أول صنع في عالم الخلق وأنه لم يخلق من شئ فبطل ما ذهب إليه علماء العامة مثل القرطبي وغيره ونطقت به رواياتهم من أن الأول جوهرة أو ياقوتة خضراء فنظر إليها الجبار بالهيبة فانذابت وصارت ماء وتسخنت فارتفع منه دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض، لا يقال الماء محتاج إلى المكان فكيف يكون هو الأول لأنا نقول المكان عدمي وهو البعد الموهوم كما صرح به بعض المحققين ثم حصل له تميز عن مطلق الموهومات وتعين بسبب خلق الماء فكان تميزه تعينه تابعا لخلق الماء، وبما ذكرنا في أول هذا الحديث ظهر أنه لا ينافي ما مر في كتاب الأصول في باب مولد النبي (صلى الله عليه وآله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قال الله تعالى يا محمد إني خلقتك وعليا نورا (يعني روحا) بلا بدن قبل أن أخلق سمواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهللني وتمجدني - الحديث " ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال " أول ما خلق الله روحي " وعنه أيضا " أول ما خلق الله العقل " ولا منافاة بين هذه الروايات لأن هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات إذ هذا المخلوق الأول من حيث إنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره (1) وجودات غيره وفيضان الكمالات من المبدأ عليها سمي نورا، ومن حيث إنه حي


(1) قوله " من حيث أنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره " كلام دقيق مبني على أصول عقلية ونقلية وحاصله أن أول صادر من الواجب تعالى في السلسلة الطولية أعني العلل والمعلولات أشرف المخلوقات مطلقا لكونه أقرب إلى الواجب تعالى وليس إلا روح خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وهو نور لتحقق معناه فيه وكونه ظاهرا بذاته ومظهرا لغيره وهو عقل لتقدم العقل على الجسم في مذهب الالهيين بخلاف الماديين فإن العقل عندهم فرع الجسم إذ ليس الإدراك والشعور عندهم إلا عرضا من عوارض المادة وتركيب العناصر فلابد عندهم من وجود الجمادات مقدما على العقل ولولا تركيب الأبدان ووجود الدماغ لم يكن فكر ولا عقل عندهم وأما عند الالهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها والجسم مركب محتاج إلى موجود عاقل غير جسماني يحفظ أجزاءه ويقيمها كما ثبت في محله، وأما كون الماء أول المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسماني لا أول الموجودات مطلقا كما علم مما مر، واعلم أن الإمام (عليه السلام) جرى هاهنا على اصطلاح الناس في ذلك العصر فإن العناصر عندهم كانت منحصرة في أربعة: الماء والهواء أي الريح، والنار، والأرض وبين (عليه السلام) أن الأصل هو الماء والثلاثة الأخرى مولدة منه وهو رأي ثاليس الملطي من قدماء اليونانيين وقال بعضهم: إن = (*)

[ 12 ]

وبسببه حياة كل موجود سمي روحا، ومن حيث إنه عاقل لذاته وصفاته وذوات سائر الموجودات وصفاتها سمي عقلا، نعم هذه الروايات ظاهرا تنافي ما روي " أن أول ما خلق الله القلم " ويمكن أن يقال القلم أيضا عبارة عما ذكره من حيث أن نقوش العلوم والكائنات في اللوح المحفوظ بتوسطه فهو بهذا الاعتبار سمي قلما فالمعنى في الجميع واحدا والعبارات مختلفة وهذا التوجيه مذكور في كتاب معارج النبوة وكتاب شواهد النبوة. (وخلق الريح من الماء) لتحركه حركة عنيفة واضطرابه اضطرابا شديدا فحدثت منه الريح. (ثم سلط الريح على الماء) فحركت ذلك الماء وأثارت أمواجا كأمواج البحار (فشققت الريح متن الماء) وحركته تحريكا كتحريك ما في القربة والسقاء حتى جعلت أسفله أعلاه وأعلاه أسفله (حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور) واقتضت الحكمة في كمية الأرض وإيجادها على الحجم والبسط المعروفين (فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع) أي شق (ولا نقب) بالنون وفي بعض النسخ بالثاء المثلثة (ولا صعود ولا هبوط) الصعود بالفتح العقبة، والهبوط بالفتح الخدود (ولا شجرة) أراد بالشجرة مطلق النباتات وإنما حدثت هذه الأشياء بعد ذلك بالإرادة والأسباب المقتضية لها. (ثم طواها فوضعها فوق الماء) تحت الكعبة كما دل عليه بعض الروايات. (ثم خلق الله النار من الماء) لا يبعد من القدرة القاهرة أن تحدث النار من حركات الماء وصدماته كما يحدث البرق من صدمات السحاب الماطر عند بعض، وكما تحدث من الشجر


= الأصل هو الهواء وبعض أنه النار وبعض أنه الأرض، ومقتضى كلام غيرهم أن العنا الأربعة كل أصل بنفسه لم يكن أحد منها مشتقا من الآخر لمناسبات واستحسانات رأوها أحسن ولم يدع أحد منهم الظفر بما يوجب اليقين وسلكوا في عددها مسلك الفقهاء حيث ينفون ما لم يثبت دليل على وجوده بأصالة العدم واستصحاب العدم الأزلي مثلا قالوا لم يتبين لنا كون الماء مركبا من عناصر مختلفة فالأصل عدمها فيكون الماء عنصرا بسيطا ولم يتبين لنا وجود عنصر بسيط غير الأربعة فالأصل عدم بسيط غيرها وكذلك في زماننا يعدون عناصر كثيرة لم يظهر لهم تركيبها فالتزموا ببساطتها وعددها نحو من مائة عنصر كلما ظفروا بعنصر جديد زادوه عليها ولا فائدة دينية في تحقيق ذلك وتشخيصها إلا أن يعلم بوجه كلي أن كل شئ إنما يوجد بتأثير مشيئة الله وقدرته وكون العنصر الأصلي أوسط في القوام أظهر في العقل لأن الجامد كالأرض لا يسهل تشكله بالصور المختلفة والفلزات لا يصنع إلا بعد الذوب والريح مايلة إلى الحركة والتفرق ولا يقبل التشكل والضبط، والأولى بقبول التغير وحفظ الشكل في الجملة هو المايع، وهذا المقدار يكفي في تصور تغيير الأشياء من صورة إلى صورة وليس المقام لتحقيق الأمور الطبيعية حتى يحتاج إلى تفصيل أكثر، والإنسان مفطور على إرجاع الكثرات إلى الواحد ليكون أول صادر من الواجب واحدا كما قالوا: الواحد لا يصدر منه إلا الواحد يعني في المرة الأولى، لذلك اطمأن السائل لما سمع من الإمام إرجاع كل المواليد إلى واحد هو الماء (ش). (*)

[ 13 ]

الأخضر قال الله تعالى * (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) * فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان قادرا على إحداث النار من الماء فلا تنظر إلى من استبعد ذلك وقال لا نار هنالك. (فشققت النار متن الماء) وسخنته تسخينا شديدا حتى ثار من الماء دخان وارتفع في جو متوهم وخلاء متسع ارتفاعا تقتضيه الحكمة البالغة (على قدر ما شاء الله أن يثور) ويصلح لخلق السماوات من غير زيادة ونقصان (فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية) وبسط ذلك الدخان بسطا مخصوصا وركبه تركيبا معلوما وضم إليه الجزء الصوري الحافظ لذلك التركيب إلى ما شاء الله. (ليس فيها صدع ولا نقب) بالنون أو الثاء المثلثة واعلم أن ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده وظاهر قوله تعالى * (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) * ناطق بأن السماء مخلوقة من دخان وأن المراد بالنار والدخان معناهما الحقيقي وقيل المراد بالدخان هنا البخار المتصاعد عن وجه الماء الحادث بسبب حركته بتحريك الريح له وليس محمولا على حقيقته لأنه إنما يكون عن النار ولا نار هنالك وإنما سمي البخار دخانا من باب الاستعارة للتشابه بينهما في الصورة لأن البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرارة النار وذلك قوله: * (والسماء بناها * رفع سمكها) * أي رفع سقفها عن الأرض على قدر تقتضيه الحكمة وقد ذكر الصادق (عليه السلام) بعض تلك الحكمة في توحيد المفضل. (فسويها) تسوية موجبة لكمالها من غير نقص فيها. (وأغطش ليلها) أي أظلمه (وأخرج ضحيها) أي ضوءها وهو النهار وإنما أضافهما إليها لأنهما يحدثان بحركتها. (قال ولا شمس ولا نجوم ولا سحاب) حين خلق السماء من الدخان وإنما حدثت هذه الأشياء بعده لمصالح الخلق ومنافعهم. (ثم طواها ووضعها فوق الأرض) على مقدار من الارتفاع المحسوس ثم نسب الخليقتين أي جاء بواحدة منهما في أثر الآخر (فرفع السماء قبل الأرض) أي رفعها بالبسط المعلوم قبل بسط الأرض (فذلك قوله عز ذكره * (والأرض بعد ذلك دحيها) * يقول بسطها) على قدر معلوم لتكون مهدا للإنسان ومرعى للحيوان. واعلم أن ظاهر هذه الخبر وغيره وظاهر القرآن لما دل على كون الماء أصلا تكونت منه السماوات والأرض، وثبت أن الترتيب المذكور أمر ممكن في نفسه، وثبت أن الباري تعالى فاعل مختار قادر على جميع الممكنات، ثم لم يقم دليل عقلي يمنع من إجراء هذه الظواهر على ما دلت

[ 14 ]

عليه بظاهرها وجب علينا القول بمقتضاها ولا حاجة بنا إلى التأويل الذي ذكره بعض الناس ونحن تركناه لطوله ولا يضرنا ما ذهب إليه الحكماء من تأخر وجود العناصر عن وجود السماوات لأن أدلتهم مدخولة. (فقال الشامي يا أبا جعفر قول الله تعالى * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات كانتا رتقا) *) أي ذات رتق أو مرتوقتين * (ففتقناهما) * الرتق ضد الفتق وهو الشق، فالرتق الضم والالتحام، والمراد بالرؤية الرؤية القلبية وهي العلم، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك لكنهم كانوا متمكنين من العلم به نظرا ومن الاستدلال به على وجود الصانع. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان إحداهما من الأخرى (1) فقال نعم) فسره بذلك بعض مفسري العامة وقال بعضهم كانت الأفلاك واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكا وكانت الأرضون واحدة ففتقت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات وأقاليم. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) استغفر ربك) هذا صريح في أن ما زعمه ليس بمراد من الآية، فإن قول الله عز وجل * (كانتا رتقا) *.. إلى آخره بذلك فسره أيضا بعض المفسرين قال القاضي فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أن لها مدخلا ما في الأمطار. (فقال الشامي أشهد أنك من ولد الأنبياء وأن علمك من علمهم) الظاهر أنه آمن به والقول بأن لفظ الشهادة ليس نصا في الإيمان حتى يعتقد ويستسلم وليس ذلك بمعلوم، بعيد. * الأصل: - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد ابن مسلم والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): كان كل شئ ماء وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السماوات من ذلك الدخان وخلق الأرض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء: أنا جند الله الأكبر، وقالت الريح: أنا جند الله الأكبر، وقالت النار: أنا جند الله الأكبر، فأوحى الله عز وجل إلى الريح: أنت جندي الأكبر. * الشرح: قوله (كان كل شئ ماء) أي نسب كل شئ إلى الماء وليس للماء نسب يضاف إليه لأنه أول حادث من أجرام هذا العالم (وكان عرشه على الماء) قيل كان فوقه لا على أن يكون موضوعا على


(1) كذا. (*)

[ 15 ]

متنه واستدل به على إمكان الخلاء، وقال ابن عباس " فوقه " وقوله يحتمل الأمرين وقال الأبى في كتاب إكمال الإكمال أقوال المفسرين فيه كثيرة والله أعلم بحقيقة ذلك، والمقطوع به أنه سبحانه وتعالى قديم بصفاته ليس بجسم وجسماني ولا أول لوجوده وكان ولا شئ معه انتهى. أقول يحتمل أن يراد بالعرش هنا العلم وقد جاء تفسيره به في كثير من الأخبار وكان علمه المتعلق بالموجود من الأجرام على الماء فقط إذ لم يكن غيره موجودا والله يعلم. (فأمر الله عز وجل الماء فاضطرم نارا) اضطرمت النار اشتعلت وأضرمها أوقدها فاضطرمت أي توقدت واشتعلت. (وخلق الأرض من الرماد) هذا لا ينافي ما مر من أنها خلقت من زبد الماء لأن الرماد زبد سمي رمادا باعتبار أنه بقي بعد تأثير النار فيه وخروج أجزاء مائيته وتصاعدها من تأثير النار. (فأوحى الله إلى الريح أنت جندي الأكبر) كل ناصر لدين الله وغالب على عدوه ونافع لخلقه فهو جند لله كما قال عز وجل * (ولله جنود السماوات والأرض) * وقال * (وأيده بجنود لم تروها) * أيده بالملائكة والريح فهزموا الأحزاب وقال * (وإن جندنا لهم الغالبون) * ومن البين أن الأكبرية باعتبار القوة والغلبة والضر والنفع وأن لكل واحد من الماء والنار والريح هذه الأوصاف إلا أنها في الريح أقوى وأشد من الماء والنار إذ طبعهما لا يقتضي إلا أمرا واحدا بخلاف الريح فإنها مع اتحاد جوهرها مصدر لآثار مختلفة كإيقاد النار وإخمادها وإثارة السحاب وجمعها وتفريقها وتنقية الحبوب وتزويج النفوس وتلقيح الأزهار وتربية الثمار وتلطيف الأهوية وتكثيفها وتحريك السفن وتسكينها بالإحاطة عليها وسرعة السير إلى جهات مختلفة وقوة الحركة إلى أمكنة متباعدة إلى غير ذلك من خصالها التي لا تحصى ويكفي في ذلك أنه انفتحت السماء بماء منهمر وانفجرت العيون وجرت المياه من كل جانب لإهلاك قوم نوح وخرجت الريح على مقدار حلقة خاتم أو خرقة أبرة لإهلاك قوم عاد ولو خرجت على مقدار منخر ثور لأهلكت البلاد كلها.

[ 16 ]

حديث الجنان والنوق * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن قول الله عز وجل * (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) * فقال: يا علي إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين، ثم قال له: يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلائلها الاستبرق والسندس وخطمها جدل الأرجوان، تطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفا حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية. قال: فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر وذلك قول الله عز وجل: * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * من تلك العين المطهرة. قال: ثم ينصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا، ثم يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبدا، قال: فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلائق فقد سبق رضاي عنهم ووجبت رحمتي لهم وكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات، قال: فتسوقهم الملائكة إلى الجنة، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة فتصر صريرا يبلغ صوت صريرها كل حوراء أعدها الله عز وجل لأوليائه في الجنان فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة فيقول بعضهن لبعض: قد جاءنا أولياء الله. فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنة وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين فيقلن: مرحبا بكم فما كان أشد شوقنا إليكم ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك. فقال علي (عليه السلام): يارسول الله أخبرنا عن قول الله جل وعز: * (غرف من فوقها غرف مبنية) * بماذا بنيت يارسول الله ؟ فقال: يا علي تلك غرف بناها الله عز وجل لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة، لكل غرفة منها ألف باب من ذهب، على كل باب منها ملك موكل به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والكافور والعنبر وذلك قول الله عز وجل * (وفرش مرفوعة) * إذا ادخل المؤمن إلى منازله في الجنة، وضع على رأسه تاج الملك والكرامة وألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر

[ 17 ]

المنظوم في الأكاليل تحت التاج. قال: وألبس سبعين حلة حرير بألوان مختلفة وضروب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر فذلك قوله عز وجل * (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) *. فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا فإذا استقر لولي الله جل وعز منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكل بجنانه ليهنئه بكرامة الله عز وجل إياه فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف: مكانك فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته وزوجته الحوراء تهيأ له فاصبر لولي الله. قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وهي من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وعليها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ، شراكهما ياقوت أحمر، فإذا دنت من ولي الله فهم أن يقوم إليها شوقا فتقول له: ياولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب فلا تقم أنا لك وأنت لي. قال: فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله، قال: فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحته درة مكتوب فيها: أنت ياولي الله حبيبي وأنا الحوراء حبيبتك، إليك تناهت نفسي وإلي تناهت نفسك، ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه بالحوراء. قال: فينتهون إلى أول باب من جنانه فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه استأذن لنا على ولي الله فإن الله بعثنا إليه نهنئه، فيقول لهم الملك: حتى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم. قال: فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العالمين تبارك وتعالى ليهنئوا ولي الله وقد سألوني أن آذن لهم عليه فيقول الحاجب إنه ليعظم علي أن أستأذن لأحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء قال: وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان. قال: فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنئون ولي الله فاستأذن لهم فيتقدم القيم إلى الخدام فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه بمكانهم قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به قال: فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة قال: فيبلغونه رسالة الجبار عز وجل وذلك قول الله تعالى * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (من أبواب الغرفة) سلام عليكم..) * إلى آخر الآية قال: وذلك قوله جل

[ 18 ]

وعز: * (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) * يعني بذلك ولي الله وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم الكبير، إن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون [ في الدخول ] عليه فلا يدخلون عليه إلا بإذنه فلذلك الملك العظيم الكبير، قال: والأنهار تجري من تحت مساكنهم وذلك قول الله عز وجل * (تجري من تحتهم الأنهار) * والثمار دانية منهم وهو قوله عز وجل: * (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا) * من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ وإن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله: ياولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي. قال: وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات وأنهار من خمر وأنهار من ماء وأنهار من لبن وأنهار من عسل فإذا دعا ولي بغذائه أتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمي شهوته قال: ثم يتخلى مع إخوانه ويزور بعضهم بعضا ويتنعمون في حياتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الشمس وأطيب مع ذلك لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء، وأربع نسوة من الآدميين والمؤمن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدمية وساعة يخلو بنفسه على الأرائك متكئا، ينظر بعضهم إلى بعض، وإن المؤمن ليغشاه شعاع نور وهو على أريكته ويقول لخدامه: ما هذا الشعاع اللامع ؟ لعل الجبار لحظني، فيقول له خدامه: قدوس قدوس جل جلال الله بل هذه حوراء من نسائك ممن لم تدخل بها بعد رأتك متكئا على سريرك تبسمت نحوك شوقا إليك فالشعاع الذي رأيت والنور الذي غشيك هو من بياض ثغرها، وصفائه ونقائه ورقته. قال: فيقول ولي الله: ائذنوا لها فتنزل إلي فيبتدر إليها ألف وصيف وألف وصيفة يبشرونها بذلك فتنزل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلة منسوجة بالذهب والفضة، مكللة بالدر والياقوت والزبرجد صبغهن المسك والعنبر بألوان مختلفة، يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة طولها سبعون ذراعا وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي الله أقبل الخدام بصحائف الذهب والفضة فيها الدر والياقوت والزبرجد فينثرونها عليها ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل. قال: ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن وجنة الفردوس وجنة نعيم وجنة المأوى، قال: وإن لله عز وجل جنانا محفوفة بهذه الجنان وإن المؤمن ليكون له من الجنان ما أحب واشتهى، يتنعم فيهن كيف [ ي‍ ] شاء وإذا أراد المؤمن شيئا أو اشتهى إنما دعواه فيها إذا أراد أن يقول (سبحانك اللهم) فإذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به وذلك قول الله عز وجل * (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام) *

[ 19 ]

يعني الخدام. قال: * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) * يعني بذلك عندما يقضون من لذاتهم من الجماع والطعام والشراب. يحمدون الله عز وجل عند فراغتهم وأما قوله: * (أولئك لهم رزق معلوم) * قال: يعلمه الخدام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله عز وجل: * (فواكه وهم مكرمون) * قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به. * الشرح: قوله (حديث الجنان والنوق) الجنان ككتاب جمع الجنة وهي الحديقة ذات النخل والشجر، ثم غلب إطلاقها على الجنة التي أعدت للمتقين، والنوق جمع الناقة. (يوم نحشر المتقين) هم الذين حبسوا أنفسهم على الحق ورفضوا عنهم الميل إلى الباطل وطهروا ظاهرهم وباطنهم عن الرذائل. (إلى الرحمن وفدا) جمع وافد أي وافدين عليه كما يفد الوافدون على الملوك الكرام منتظرين للإحسان والأنعام، وإنما ذكر الرحمن هنا لأنه أنسب بالمقام لكونه مشعرا بصدور أنواع من الرحمة والإكرام. (إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا) الركبان جمع الراكب للبعير خاصة وقد يكون للخيل والركوب معتبر في الوفد غزوا. (واختصهم) اختصهم بالشئ أي خصهم به فاختصوا به لازم ومتعد، والمعنى خصهم بذاته المقدسة فاختصوا به وصرفوا وجوه قلوبهم إليه وعكفوا على ما فيه رضاه بين يديه ورفضوا ما يشغلهم عنه بغيره (بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب) إضافة النوق إلى العز لامية باعتبار أنها معدة لمن أراد الله تعالى عزته في ذلك اليوم، والرحال جمع رحل وهو مركب للبعير كالسرج للفرس. (مكللة بالدر والياقوت) في الفايق تكليلها أن يحوطها كالأكاليل للرأس ومنه جفنة مكللة وروضة مكللة. (وجلايلها الاستبرق والسندس) جلائل جمع جلال جمع جل وهو بالضم والفتح ما تلبسه الدابة لتصان به، والسندس مارق من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه معرب أو هو استفعل من البريق. (وخطمها جدل الأرجوان) الخطم جمع الخطام كالكتب جمع الكتاب والجدل كالكتب جمع الجديل وهو الزمام المجدول أي المفتول للبعير، والأرجوان معرب أرغوان وهو شجر له نور أحمر وكل نور يشبهه فهو أرجوان، وقيل هذه الكلمة عربية والألف والنون زائدتان. (يطير بهم إلى المحشر) شبه سيرها بالطيران في السرعة ففيه استعارة تبعية مع احتمال إرادة

[ 20 ]

الحقيقة. (حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنة شجرة) لعل المراد إلى قريب من باب الجنة وعلى قرب منه شجرة فلا ينافي ما سيجئ من قوله (فيسوقهم الملائكة إلى الجنة إذا انتهوا بهم إلى باب الجنة) فليتأمل (فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد) لئلا يحسد بعضهم بعضا في درجات الجنة ويحتمل أن يراد به الحسد الذي كان بينهم في الدنيا لأن الجنة لا يدخلها إلا طاهر من جميع الرذائل. (ولا توقفوهم مع الخلائق) الظاهر أن الخلائق في المحشر للحساب لا في مقامهم فلعل المراد لا توقفوهم مع وقوف الخلائق انتظارا لفراغتهم من الحساب. (تصر صريرا) صر يصر صرا وصريرا صوت وصياح شديد. (وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين) أي تشرف عليهم من الغرف من " أشرف عليه " إذا اطلع من فوق أو ترفع عليهم أبصارهن للنظر إليهم أو تخرج من قولهم استشرفوك إذا خرجوا إلى لقائك، وفيه دلالة على أن النساء الصالحات يدخلن الجنة قبل الرجال الصالحين (محبوكة بالفضة) الحبك الشد والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب ونحوه، والتحبيك التوثيق والتخليط. (فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض) الظاهر أنه تفسير لمرفوعة ويحتمل أن يكون وصفا آخر لفرش، وحينئذ يمكن أن يراد بمرفوعة أنها رفيعة القدر كما قيل، وقيل: الفرش النساء وهي مرفوعة على الأرائك، وأيده بقوله تعالى * (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا) * وهذا القول على التفسير المذكور منقطع عن السابق لبيان وصف نساء أهل الجنة، ومرجع الضمير معلوم بحسب المقام مع إمكان الاتصال أيضا بأن يراد بقوله (عليه السلام) * (بعضها فوق بعض) * أن كل واحدة عند الناظر أحسن من الأخرى للمبالغة في عدم وجود النقص فيهن، والله يعلم. (والدر منظوم في الأكاليل تحت التاج) الأكاليل التاج وشبه عصابة تزين بالجوهر ولعل المراد به الثاني وإن أريد به الأول كان المراد بتحت التاج حواشيه * (يحلون فيها من أساور من ذهب) * من الأولى ابتدائية والثانية للبيان، وأساور جمع أسورة جمع سوار بكسر السين وضمها وهو حلي معروف. (فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا) بصعود المؤمن عليه وحمله وكل من خف لأمر وارتاح عنه فقد اهتز له. (فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف مكانك) في النهاية: الوصيف العبد، والأمة وصيفة، وجمعهما وصائف ووصايف وفي القاموس: الوصيف الخادم والخادمة والجمع وصفاء

[ 21 ]

كالوصيفة وجمع الجمع وصائف (فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته) كهيئة المتنعم قال الله تعالى * (متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب) * أي الجنة ونعيمها * (وحسنت مرتفقا) * أي حسنت الأرائك متكأ، والأريكة سرير مزين في قبة أو بيت والجمع أرائك (وزوجته الحوراء تهنأ له فاصبر لولي الله) تهنأ في بعض النسخ بالنون بعد الهاء من التهنية وفي بعضها بالياء بعدها من التهيئة، واعلم أنه لم يذكر الإذن في الدخول لهذا الملك العظيم الشأن ولا يبعد أن يكون إذنه عند إذن ألف ملك يأتي ذكرهم. (قال فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها) وجود الخيمة في الجنة ثبت من طرق العامة أيضا ففي كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) " قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة عن لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا " وفيه روايات أخرى كلها بهذا المعنى، قال عياض: الخيمة بيت مستديرة كبيوت الأعراب وإنما لا يرون لبعدها وطول أقطارها، وقال المازري إذا كان طولها في السماء ستين ميلا فما ظنك بطولها وعرضها في الأرض إلا أن في الرواية الأخرى: وعرضها ستون ميلا، فطولها وعرضها متساويان، انتهى. (نظر إلى عنقها فإذا عليها قلايد من قصب من ياقوت أحمر) القصب محركة ما كان مستطيلا من الجوهر. (فيبلغونه رسالة الجبار) ذكر الجبار هنا لأنه أنسب لدلالته على أنه جبر نقائص الخلائق حتى بلغوا هذه المراتب. (سلام عليكم) أي قايلين * (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) * فهو حال عن فاعل يدخلون والباء متعلق بعليكم أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، والباء للسببية أو البدلية. (وذلك قوله عز وجل) ذلك إشارة إلى ما ذكر من منازل المؤمن في الجنة وحالاته فيها وإذن الملائكة المدخول عليه. (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما) قال القاضي ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر لأنه عام والمعنى أن بصرك أينما وقع رأيت نعيما (وملكا كبيرا) واسعا وفي الحديث (إن لأهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه). " وهو قوله عز وجل: * (ودانية عليهم ظلالها) * " لتوسطها بين غاية الارتفاع والانخفاض وهو دليل على دنو الأثمار وسهولة تناولها، وضمير التأنيث راجع إلى الجنة. * (وذللت قطوفها تذليلا) * قطف العنب يقطفه جناه وقطفه، والقطف بالكسر: العنقود، والجمع القطوف. (يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه) حقيقة أو هو كناية عن نهاية قربها

[ 22 ]

وكونها بحذاء الوجه وقد أجمع أهل الإسلام على أن أهل الجنة يتنعمون فيها كتنعمهم في الدنيا فيأكلون ويشربون ويتناكحون ولا يتغوطون ولا يبولون. (وأن الأنواع من الفاكهة ليقلن لولي الله ياولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي) يمكن أن يكون ذلك القول بإيجاد النطق المعروف فيها وأن يكون بلسان الحال، ويفهم ذلك ولي الله بالإلهام. (وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات) قال القاضي جنات من الكروم معروشات مرفوعات على ما يحملها وغير معروشات ملقيات على وجه الأرض (ويتنعمون في جناتهم في ظل ممدود) غير منقطع أبدا (في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) في اللطافة والرقة والاعتدال لا حار محم ولا بارد مؤذ، وهو قوله عز وجل * (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) *، والظاهر أن " ذلك " في قوله " وأطيب من ذلك " إشارة إلى تفصيل ذلك الظل على ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتعلقه بما بعده بعيد. (لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء وأربع نسوة من الآدميين) لعل هذا أقل المراتب لما رواه في الفقيه من أن لكل مؤمن ألف نسوة من الآدميين، وقبل فيه دلالة على أن صنف النساء في الجنة أكثر من صنف الرجال وأنه ينافي ما دل عليه بعض الأخبار من أن أكثر أهل النار النساء. أقول: المنافاة إنما يتم لو ثبت أن عدد النساء مساو لعدد الرجال أو أنقص وأنه ممنوع لجواز أن يكون أزيد، ولو سلم فنقول أكثريتهن في الجملة لا يستلزم أكثريتهن دائما لجواز الخروج من النار بالشفاعة ونحوها فيكون للمؤمن هذا العدد من الآدميين بعد الخروج لا ابتداء. (ويقول لخدامه ما هذا الشعاع اللامع لعل الجبار لحظني) لحظه ولحظ إليه أي نظر إليه بمؤخر عينه واللحاظ بالفتح مؤخر العين وأمثال هذه الأفعال إذا نسبت إليه تعالى يراد بها المعاني المجازية المناسبة بها فيراد هنا التجلي كما تجلى لموسى على نبينا وعليه السلام فإن قلت قول الخدام قدوس قدوس جل جلال الله دل على أن المراد هنا هو المعنى الحقيقي لأنه الذي وجب تنزيهه عنه دون المعنى المجازي، قلت لا دلالة له على ذلك بل قالوا ذلك لأنهم لما سمعوا اسم الجبار جل شأنه نزهوه تنزيها وهذا كما يقول أحدنا يا الله فيقول الحاضرون: جل جلاله وعظم شأنه. نعم لفظة " له " يشعر بما ذكر، والأمر فيه - بعد وضوح المقصود - هين. (فيقول له خدامه قدوس قدوس جل جلال الله) قيل يجوز في القاف الضم والفتح، ونقل المازري عن ثعلب أن كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا سبوحا وقدوسا فالضم فيهما أكثر، وهو مرفوع على الخبر أي هو قدوس، وبناؤه للمبالغة من التقديس، والمعنى أن الجبار - تعالى شأنه - مطهر منزه عن صفات المخلوقين، وقد يقع منصوبا بإضمار فعل أي أقدسه قدوسا، وقال بعض الأفاضل إنه اسم بمعنى المقدس كما هو مذكور في الأسماء.

[ 23 ]

(هو من بياض ثغرها) الثغر الأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها. (ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل) مللته ومنه بالكسر مللا وملة وملالة سئمته (ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما الجنان المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن) قال الله تعالى * (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) * قال القاضي أي وعدها إياهم وهي غايبة عنهم أو وهم غائبون عنها أو وعدهم بإيمانهم الغيب، قيل جنة عدن اسم لمدينة الجنة وهي مسكن الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس سواهم في جنات حواليها، وقيل هي اسم مركب إضافي فالجنة البستان واختلف في عدن فقيل قصر لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل، وقيل هو نهر على حافتيه جنات وبساتين، وقيل عدن اسم للإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به، وربما يرجح ذلك بأن الله تعالى وعدها المؤمنين والمؤمنات بقوله * (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) *. (وجنة الفردوس) قال الله تعالى * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) * قال القاضي: الفردوس أعلى درجات الجنة وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل، وفي القاموس: الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت، والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين تكون فيه الكروم وقد يؤنث، عربية أو رومية أو سريانية. وفي الفائق عن الفراء: الفردوس هو البستان الذي فيه الكرم بلغة العرب. (وجنة نعيم) قال الله تعالى * (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) * إنكارا لقولهم لو صح ما تقوله لتكون فيها أفضل حظا منهم كما في الدنيا كذا في تفسير القاضي. (وجنة المأوى) قال الله تعالى * (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) * فهي منزل من خاف المقام بين يدي الرب وصرف النفس عن هواها وزجرها عن مقتضاها. (سبحانك اللهم) أي اللهم إنا نسبحك تسبيحا وننزهك تنزيها من كل ما لا يليق بك. (من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به) لأن الطلب ولو من الخدم نقص، والله سبحانه أكرمهم ونزههم منه وفهمهم من هذه الكلمة الشريفة مقصده إما بتكرارها أو بالإلهام أو لدلالة تنزيه الرب إلى حاجته إلى الطعام. (تحيتهم فيها سلام يعني الخدام) أشار إلى أن ضمير الجمع راجع إلى الخدام أي يحيونهم بهذا القول وهو السلامة من الآفات والفوز بالسعادات والأمن من الزوال والفناء، والبشارة بالدوام والبقاء، والتحية تفعلة من الحياة أدغمت الياء في الياء والهاء لازمة والتاء زائدة و " أن " في قولهم (أن الحمد لله) مخففة من المثقلة وينبغي أن يعلم أن تسبيح أهل الجنة مما أجمع عليه الأمة

[ 24 ]

ودلت عليه الآيات والروايات من طرق الخاصة والعامة وهذا التسبيح ليس عن تكليف لأن الجنة ليست دار تكليف ولا مشقة عليهم فيه لأن النفس من الضروريات للإنسان ولا مشقة عليه فيه فكذلك تسبيحه تعالى في الجنة لا مشقة فيه أصلا بل هو من أعظم اللذات وسر ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته ومحبته وأبصارهم برؤية جلاله وعظمته ومن أحب شيئا وجد في نفسه لذة بذكره فهو تسبيح تنعم والتذاذ. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لأبي جعفر (عليه السلام) وأنا عنده: إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج ؟ فقال: ما يريد سالم مني أيريد أن أجئ بالملائكة والله ما جاءت بهذا النبيون ولقد قال إبراهيم (عليه السلام): * (إني سقيم) * وما كان سقيما وما كذب ولقد قال إبراهيم (عليه السلام): * (بل فعله كبيرهم هذا) * وما فعله وما كذب، ولقد قال يوسف (عليه السلام): * (أيتها العير إنكم لسارقون) * والله ما كانوا سارقين وما كذب. * الشرح: قوله (إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه) زيدي بتري من رؤسائهم لعنه الصادق (عليه السلام) وكذبه وكفره مات سنة سبع وثلاثين ومائة في حياته (عليه السلام) (يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج) يعني يقولون إنك تكذب في مطلب واحدا كثيرا وكان ذكر هذا العدد للمبالغة في كثرة الخلاف. (فقال ما يريد سالم مني أيريد أن أجي بالملائكة) ليشهدوا على أني لا أكذب. (والله ما جاءت بهذا النبيون) لإثبات صدقهم فيما يقولون، وما رووه عني لا يقدح في لأن للكلام وجوها مختلفة، منها أن يقصد المتكلم الأخبار عن الواقع ومنها أن ينوي التقية ومنها أن ينوي التورية ومنها أن ينوي التعريض ومنها أن ينوي إصلاح ذات البين إلى غير ذلك من الوجوه التي لا يعلمها إلا العالم الكامل الماهر ولا يستعملها في مواردها إلا الفاضل البارع الماهر، ثم استشهد لذلك بقول الأنبياء فقال: (ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) إني سقيم وما كان سقيما وما كذب) اعتذر (عليه السلام) حين دعوه للخروج معهم لعيدهم فقال إني سقيم وما كان معه سقم معروف عند الناس وما كذب لأنه ورى بهذا القول وأراد خلاف ما فهموا منه ليتخلف منهم ويخلو بأصنامهم ويكسرها كما فعل. وفي تقدير توريته وجوه فقيل: يعني أنه سقيم بحسب القابلية والاستعداد لأن الإنسان معرض للسقم، فورى بهذا اللفظ هذا المعنى المحتمل، وقيل: سقيم لما قدر له من الموت وما يتبعه من

[ 25 ]

مشاهدة أحوال الأخيرة، وقيل: سقيم القلب بما شاهد من كفرهم وترك عبادة الخالق والاشتغال بعبادة الأصنام، وقيل: كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم، فلما رآه اعتذر بعادته وهو معنى قوله تعالى * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) * وقيل: عرض بسقم حجته عليهم وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التي كانوا يشتغلون بها ويعتقدون أنها تضر وتنفع، ولهذا كرر نظره في ذلك، ويحتمل أن يراد به سقم قلبه خوفا من أن لا تؤثر حجته في قلوبهم كما قال سبحانه * (فأوجس في نفسه خيفة موسى) * وأن يراد به ما طرأ عليه بإرادة كسر آلهتهم من الخوف في مآل أمره، والأصوب أن يراد به سوء حاله وانكسار قلبه لما رأى من ملاحظة النجوم ما يرد على الحسين (عليه السلام) من المصائب والبلايا، روى ذلك على ابن محمد رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) * قال: حسب فرأى ما يحل بالحسين (عليه السلام) فقال إني سقيم لما يحل بالحسين (عليه السلام). (ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) بل فعله كبيرهم هذا وما فعله وما كذب) ظن الجاهلون أنه (عليه السلام) كذب وما كذب لأنه لما كسر الأصنام ترك كبيرهم لينسب إليه كسرها ليقطعهم بالحجة فلما رجعوا من عيدهم وجدوها مكسورة فقالوا * (من فعل هذا بآلهتنا) * فقال بعضهم * (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) * والمراد بذكره قوله * (تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) * فلما أحضروه قالوا * (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم) * أي رجع بعض إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته لحجة خصمه * (فقالوا إنكم أنتم الظالمون) * أي في عبادتكم من لا يقدر أن يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره * (ثم نكسوا على رؤوسهم) * أي رجعوا إلى جهالتهم وضلالتهم * (فقالوا لقد علمت..) * الآية ووجه عدم الكذب في قوله * (بل فعله كبيرهم) * أنه من باب التورية والمعاريض حيث علق خبره على شرط نطقه كأنه قال إن كان ينطق فهو فعله على وجه التبكيت لهم وهذا ليس بكذب وداخل في باب المعاريض التي جعلهما الشرع مباحة للتخليص من المكروه والحرام إلى الجايز إصلاحا بين الناس ورفعا لما يضر وإنما الباطل التحيل في إبطال حق أو تمويه باطل وقد ذكرنا زيادة التوضيح في باب الكذب. (ولقد قال يوسف (عليه السلام) أيتها العير إنكم لسارقون) العير الكسر القافلة مؤنثة وهذا القول وإن كان من مناديه (عليه السلام) إلا أنه لما كان بأمره نسب إليه. (والله ما كانوا سارقين وما كذب) لأنه قال ذلك لإرادة الإصلاح هكذا قالوا، ودلت عليه الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) ويمكن أن يكون من باب التورية بأن يراد بالسارق ضعيف العقل أو الذي خفي عن البصر من سرقت مفاصله كفرح إذا ضعفت أو من سرق الشئ كفرح إذا خفي لا يقال قوله (عليه السلام): (ما كذب) في المواضع الثلاثة ينافي ما مر في باب الكذب من قول الصادق (عليه السلام): (إن الله أحب

[ 26 ]

اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح وأبغض الخطر في الطرقات وأبغض الكذب في غير الإصلاح، إن إبراهيم (عليه السلام) قال بل فعله كبيرهم هذا إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون وقال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح يعني قال يوسف (عليه السلام) أيتها العير إنكم لسارقون لإرادة الإصلاح) ووجه المنافاة نفي الكذب في أحدهما وإثباته في الآخر إلا أنه بين أن هذا النحو من الكذب لا يضر لأنا نقول إطلاق الكذب عليه إنما هو بحسب الظاهر من الكلام لغة ونفيه بإعتبار أن له غرضا صحيحا غير ظاهر يتوجه القصد إليه.

[ 27 ]

حديث أبي بصير مع المرأة * الأصل: - أبان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيسرك أن تسمع كلامها ؟ قال: قلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما، فقال لها: توليهما ! قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما ؟ قال: نعم، قالت: فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك ؟ قال: هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) * * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون) *. * الشرح: قوله (التي قطعها يوسف بن عمر) هو كان والي العراق بعد الحجاج وقاتل زيد بن علي (عليه السلام). (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أيسرك أن تسمع كلامها) رغبة في سماع كلامها لأن فيه مصلحة عظيمة كما تظهر في آخر الحديث. (وأجلسني معه على الطنفسة) ليظهر على أم خالد أنه معظم موقر عنده (عليه السلام) والطنفسة بكسر الطاء والفاء وبفتحهما وضمهما وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس: البسط والثياب، وحصير من سعف عرضه ذراع وفي كنز اللغة: " گرد بالش كه بر أو نشينند ". (فسألته عنهما) عن الأول والثاني (فقال لهما توليهما) قال ذلك تقية منها لكونها فصيحة متكلمة مع أهل العلم من الخاصة والعامة (وكثير النوى يأمرني بولايتهما) قيل إنه عامي وقيل زيدي وينسب إليه الفرقة البترية من الزيدية لكونه أبتر اليد فسمي التابعون له بترية وهم قائلون بخلافة الثلاثة. (إن هذا يخاصم فيقول ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون) يعني يخاصم أبو بصير علماء العامة بأن منطوق الآيات المذكورة دل على أن من حكم حكما ما في قضية من القضايا بغير ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فكيف من حكم بغيره في وقايع متكثرة وأفتى بالأهواء والآراء كالشيوخ والخلفاء وتابعيهم من العلماء، ومفهومها دل على أنه وجب أن يكون بين الخلق دائما عالم بجميع ما أنزل الله، حاكم به في كل واقعة، غني عن الاجتهاد وأسبابه وليس ذلك بالاتفاق غير علي (عليه السلام).

[ 28 ]

* الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال عن علي ابن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبد الحميد الوابشي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إن لنا جارا ينتهك المحارم كلها حتى إنه ليترك الصلاة فضلا عن غيرها ؟ فقال: سبحان الله وأعظم ذلك ألا أخبركم بمن هو شر منه ؟ قلت: بلى قال: الناصب لنا شر منه، أما إنه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرق لذكرنا إلا مسحت الملائكة ظهره وغفر له ذنوبه كلها إلا أن يجئ بذنب يخرجه من الإيمان، وإن الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب وإن المؤمن ليشفع لجاره وماله حسنة فيقول: يا رب جاري كان يكف عني الأذى فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافأ عنك فيدخله الجنة وماله من حسنة وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا فعند ذلك يقول أهل النار: * (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) *. * الشرح: قوله (فقال سبحان الله وأعظم ذلك) سبحان الله مصدر فعل محذوف وكثيرا ما يقال للتعجب من استماع أمر عظيم وأعظم فعل ماض يقال عظمه وأعظمه إذا فخمه أي عد ترك الصلاة وغيرها أمرا عظيما شنيعا وحمله على اسم التفضيل غير مناسب كما لا يخفى. (وإن الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب) شفاعة الإخراج من النار جائزة عقلا ودلت عليه الأحاديث والآيات مثل قوله تعالى * (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) * وغيرها ومنعها الخوارج وحكموا بخلود العاصين في النار لأن المعصية عندهم كفر واحتجوا عليه بقوله تعالى * (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) * وبقوله تعالى * (وما للظالمين من حميم) * الآية وحملوا الآيات والأحاديث الدالة على الشفاعة على أنها في رفع الدرجات ولا دلالة فيها على ما ذكروه، والآيتان عندنا في الكفار، والمعصية ليست بكفر، وقد دلت عليه تصريح الآيات والروايات. واعلم أن الشفاعات على ما نقله بعضهم خمس: الأولى لتعجيل الحساب، الثانية للإدخال في الجنة بغير حساب، الثالثة لمنع قوم من النار بعد أن استوجبوها، الرابعة لإخراج العاصي من النار، الخامسة لرفع الدرجات، والظاهر من رواياتنا أنه يجوز للمؤمن الشفاعة في جميع تلك المراتب ولا دلالة في آخر هذا الحديث على تخصيصها بالقسم الرابع، وقال بعض العامة: الأوليان خاصتان بالنبي (صلى الله عليه وآله). (فعند ذلك يقول أهل النار فما لنا من شافعين) يقولون ذلك تحسرا وتحزنا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لنفر عنده وأنا حاضر: ما لكم تستخفون بنا ؟

[ 29 ]

قال: فقام إليه رجل من خراسان فقال: معاذ لوجه الله أن نستخف بك أو بشئ من أمرك فقال: بلى إنك أحد من استخف بي، فقال معاذ لوجه الله أن أستخف بك، فقال له: ويحك أولم تسمع فلانا ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك: احملني قدر ميل فقد والله أعييت، والله ما رفعت به رأسا ولقد استخففت به ومن استخف بمؤمن فبنا استخف وضيع حرمة الله عز وجل. * الشرح: قوله (مالكم تستخفون بنا) هذا من حسن عشرته (عليه السلام) ورفقه بالأصحاب في أنه لم يواجه ابتداء أحدا باللوم والعيب فقال مالكم، وأما تصريحه ثانيا فلأن الخراساني عرض نفسه في معرض اللوم وفيه تغيير المنكر والحث على الإحسان بالمؤمن، وإن الاستخفاف به استخفاف بالأئمة (عليهم السلام) والاستخفاف بهم استخفاف بالله تعالى. (فقام إليه رجل من خراسان فقال معاذ لوجه الله أن نستخف بك) معاذ مصدر بمعنى الالتجاء وهو في أكثر النسخ مرفوع واللام بمعنى " إلى " وفي بعضها منصوب واللام بمعنى الباء أي لنا إلتجاء إلى وجه الله وذاته أو أعوذ بوجه الله معاذا من أن نستخف بك. (ومن استخف بمؤمن فبنا استخف) قال الفاضل الاسترابادي: لا يقال يلزم من ذلك أن يستخف بالله فيلزم الكفر. لأنا نقول: المراد بالإستخفاف أن لا يعده عظيما كما يعد شرب الخمر عظيما، والمتقي هو الذي يعد الكل عظيما لأن حاكم الكل هو الله تعالى. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل من علينا بأن عرفنا توحيده، ثم من علينا بأن أقررنا بمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة ثم اختصنا بحبكم أهل البيت نتولاكم ونتبرأ من عدوكم وإنما نريد بذلك خلاص أنفسنا من النار، قال: ورققت فبكيت، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): سلني فوالله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به، قال فقال له عبد الملك بن أعين: ما سمعته قالها لمخلوق قبلك. قال: قلت: خبرني عن الرجلين ؟ قال: ظلمانا حقنا في كتاب الله عز وجل ومنعا فاطمة صلوات الله عليها ميراثها من أبيها وجرى ظلمهما إلى اليوم، قال - وأشار إلى خلفه - ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما. * الشرح: قوله (فقال أبو عبد الله (عليه السلام) سلني فوالله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به) فيه إشارة إلى كمال علمه (عليه السلام) وتكرمه لعبد الرحمن. قال الفاضل المذكور: لما علم (عليه السلام) أن قصده من إظهار الإخلاص ظهور الأذن منه بالسؤال وأن يجيبه من غير تقية قال (عليه السلام) سلني. (ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما) لا يبعد أن يكون هذا كناية عن بعدهما من كتاب الله وعدم

[ 30 ]

العمل بما فيه والتوجه إليه لأن من جعل شيئا وراء ظهره يلزمه أن لا يكون متوجها إليه وأن يبعد عنه. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الأسدي، عن الكميت بن زيد الأسدي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: والله يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا. قال: قلت: خبرني عن الرجلين قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره، ثم قال: والله يا كميت ما أهريق محجمة من دم ولا أخذ مال من غير حلة ولا قلب حجر عن حجر إلا ذاك في أعناقهما. * الشرح: قوله (ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا) ظاهره أن روح القدس قد ينبعث في بعض الأوقات في روع غير الأئمة (عليهم السلام) وكان كميت شاعرا فصيحا مادحا للأئمة (عليهم السلام) كما كان حسان مادحا للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو حسان بن ثابت بن المنذر ابن عمرو بن النجار الأنصاري يكنى أبا الوليد وقيل أبا عبد الرحمن وقيل أبا الحسام. قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر رسول الله في النبوة، وشاعر العرب كلها في الإسلام. وقال أيضا: اجتمعت العرب كلها على أنه أشعر أهل المدن. وقال الأصمعي: حسان أشعر أهل الحضر، وقيل لحسان: لان شعرك في الإسلام، يا أبا الحسام. فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب، يعني أن الشعر لا يحسنه إلا الإفراط في الكذب والتزيين به، والإسلام يمنع من ذلك. وقال أيضا: ما يجود شعر من يتقي الكذب. توفى سنة أربعين في خلافة علي (عليه السلام)، وقيل: سنة خمسين، وقيل: أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجده، وأدرك النابغة الجعدي والأعشى، وأنشدهما من شعره وكلاهما استجادا شعره. ومعنى الذب: الدفع، وقد كان نفر من قريش يهجون النبي (صلى الله عليه وآله) كابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب وكان حسان يدفعهم ويرد عليهم فتركوا هجوه خوفا منه، فكان هو ناصر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسنان واللسان، والمراد بروح القدس جبرئيل (عليه السلام) والمراد بكونه معه ما دام الذب على سبيل الإمداد بالإلهام والتذكير والإعانة. (والله يا كميت ما أهريق محجمة من دم..) المحجم والمحجمة بكسرهما ما يحجم به، وحرفته: الحجامة بالكسر، ولعل المراد إهراق مقدارها من الدم ظلما، وتغليب حجر عن حجر كناية عن الشدائد، أو عن إزالة الحق عن مركزه، والمقصود أن جميع المفاسد إلى يوم القيامة في

[ 31 ]

أعناقهما لأنهما منشأ لها، ولولا فسادهما في الدين لشاع العدل وارتفع الجور واستقام نظام الخلق. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي العباس المكي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن عمر لقي عليا صلوات الله عليه فقال له: أنت الذي تقرأ هذه الآية * (بأيكم المفتون) * وتعرض بي وبصاحبي ؟ قال: فقال له: أفلا أخبرك بآية نزلت في بني أمية: * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * فقال: كذبت، بنو أمية أوصل للرحم منك ولكنك أبيت إلا عداوة لبني تيم وبني عدي وبني أمية. * الشرح: قوله (إن عمر لقي عليا (عليه السلام) فقال له: أنت الذي تقرأ هذه الآية * (فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون) *) أي بأيكم فتن بالسفاهة والجهالة وإنكار الحق. قال القاضي: أيكم فتن بالجنون، والباء زائدة أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمقتول والمجلود، أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم. (تعرض بي وبصاحبي) التعريض خلاف التصريح، تقول: عرضت لفلان وبفلان، إذا قلت قولا وأنت تعنيه، فكأنك أشرت إلى جانب وتريد جانبا آخر. (فقال أفلا أخبرك بآية نزلت في بني أمية) أي في ذم أعمالهم وأفعالهم وتقبيح عقايدهم وأحوالهم صريحا * (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * " عسى " للترجي، وإلحاق الضمير به جايز عند أهل الحجاز، و " أن تفسدوا " خبره. (وإن توليتم) اعتراض أي فهل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أو إن توليتم وأعرضتم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم تشاجرا على الولاية وتجاذبا لها أو رجوعا إلى ما كنتم في الجاهلية من مقاتلة الأقارب وغيرها، والمعنى: أنكم لضعفكم في الدين وحرصكم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منكم من عرف حالكم، كذا ذكره القاضي وغيره. (فقال كذبت، بنو أمية أوصل للرحم منك) تكذيب الفاسق له باعتبار أنه (عليه السلام) قتل كثيرا من أقاربه في الجهاد. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النصري قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل * (الذين بدلوا نعمة الله كفرا) * قال: ما تقولون في ذلك ؟ قلت: نقول: هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، قال: ثم قال: هي والله قريش قاطبة إن الله تبارك وتعالى خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال إني فضلت قريشا على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولي فبدلوا نعمتي كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

[ 32 ]

* الشرح: قوله (قلت تقول هم الأفجران من قريش) الظاهر أن المراد بهما الأول والثاني (وأن قوله بني أمية وبنو المغيرة) خبر بعد خبر بلا عاطف، وكونه بدلا بعيد. (ثم قيل هي والله قريش قاطبة) أي جميعهم، ونصبها على المصدر أو الحال، والمراد بقريش من لم يؤمن منهم. (فقال إني فضلت قريشا على العرب) ومما يؤيد ذلك ما رواه مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال " الناس تبع لقريش في الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " وعنه أيضا " الناس تبع لقريش في الخير والشر " قال بعضهم: إنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله، وكانت الجاهلية تنتظر إسلامهم كلما أسلموا اتبعهم الناس وجاء وفود العرب من كل جهة، وكذلك حكمهم في الإسلام في تقديمهم للخلافة، وهذا هو الحكم ما بقي من الدنيا وبقي من الناس ومن قريش اثنان هذا كلامه. أقول يدل على هذا أيضا ما رواه مسلم عنه (صلى الله عليه وآله) " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " ثم عين رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصيه وخليفته والأحاديث الدالة على ذلك من الطرفين أكثر من أن تحصى وهم مع ذلك * (بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم) * لما أحدثوا يوم السقيفة، كما أشار إليه بقوله. (فبدلوا نعمتي كفرا) النعمة الرسالة والولاية، وتبديل كل واحدة منهما بالكفر مستلزم لتبديل الأخرى به. (وأحلوا قومهم دار البوار) بار الشي يبور بورا بالضم: هلك، والبوار: الهلاك. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) هم الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الأرض إلا عليا فما سواه بقوله * (فتول عنهم فما أنت بملوم) * ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) *. * الشرح: قوله (قالا إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)) أي بما جاء به، أو الباء زائدة، يقال كذب بالأمر تكذيبا: أنكره، وكذب فلانا جعله كاذبا. (هم الله تبارك وتعالى) أي أراد إرادة غير حتمية (بهلاك أهل الأرض) ممن بلغت إليه الدعوة أو مطلقا (إلا عليا فما سواه) ممن آمن كخديجة حيث لم يؤمن غيرهما قريبا من خمس سنين. وجعل ما سواه تفسيرا للمستثنى منه مبالغة في شمول الهلاك لغير علي (عليه السلام) بعيد لفظا ومعنى بقوله

[ 33 ]

(فتول عنهم) أي فأعرض عنهم بعد ما بلغت وأصروا على الإنكار (فما أنت بملوم) على الإعراض عنهم بعد بذل الجهد في التبليغ، والأمر بالإعراض ليس إلا للغضب عليهم وإرادة هلاكهم (ثم بدا له فرحم المؤمنين) الذين علم الله تعالى أنهم يؤمنون به، والبداء في حقه تعالى عبارة عن إرادة حادثة وفي حق غيره عبارة عن ظهور الشئ بعد الخفاء، وبالجملة: المنكرون استحقوا الهلاك بسبب الإصرار على الإنكار، واستحقوا البقاء لمن في أصلابهم ممن قدر الله تعالى إيمانه، فرجح الثاني ترحما على المؤمنين (ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) الذين علم الله تعالى إيمانهم إلى قيام الساعة. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يحدث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وحدثني أبي أنه سمع أباه علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يحدث الناس قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا في صعيد واحد يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر فيركب بعضهم بعضا ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي، فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم وتضيق بهم أمورهم ويشتد ضجيجهم وترتفع أصواتهم قال: وهو أول هول من أهوال يوم القيامة، قال: فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق أنصتوا واستمعوا منادي الجبار، قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك وتخشع أبصارهم وتضطرب فرائصهم وتفزع قلوبهم ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت * (مهطعين إلى الداع) * قال: فعند ذلك * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * قال: فيشرف الجبار عز وجل الحكم العدل عليهم فيقول: أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقه ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات وأثيب على الهبات ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا وأنا شاهد لكم عليهم وكفى بي شهيدا. قال: فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها، قال: فيمكثون ما شاء الله فيشتد حالهم ويكثر عرقهم ويشتد غمهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد فيتمنون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها، قال: ويطلع الله عز وجل على جهدهم فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى - يسمع آخرهم كما يسمع أولهم -: يا معشر الخلائق أنصتوا لداعي الله تبارك

[ 34 ]

وتعالى واسمعوا إن الله تبارك وتعالى يقول [ لكم ]: أنا الوهاب إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم قال: فيفرحون بذلك لشدة جهدهم وضيق مسلكهم وتزاحمهم قال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلصوا مما هم فيه ويبقى بعضهم فيقول: يا رب مظالمنا أعظم من أن نهبها قال: فينادي مناد من تلقاء العرش أين رضوان خازن الجنان - جنان الفردوس - قال: فيأمره الله عز وجل أن يطلع من الفردوس قصرا من فضة بما فيه من الأبنية والخدم. قال: فيطلعه عليهم وفي حفافة القصر الوصائف والخدم قال: فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى: يا معشر الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر، قال فيرفعون رؤوسهم فكلهم يتمناه. قال فينادي مناد من عند الله تعالى: يا معشر الخلائق هذا لكل من عفا عن مؤمن ؟ قال: فيعفون كلهم إلا القليل، قال: فيقول الله عز وجل لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم ولأحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب، أيها الخلائق استعدوا للحساب. قال: ثم يخلي سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يكرد بعضهم بعضا حتى ينتهوا إلى العرصة والجبار تبارك وتعالى على العرش قد نشرت الدواوين ونصبت الموازين وأحضر النبيون والشهداء وهم الأئمة يشهد كل إمام على أهل عالمه بأنه قد قام فيهم بأمر الله عز وجل ودعاهم إلى سبيل الله قال: فقال له رجل من قريش يا ابن رسول الله إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة، أي شئ يأخذ من الكافر وهو من أهل النار ؟ قال: فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة قال: فقال له القرشي: فإذا كانت المظلمة للمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم ؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم، قال: فقال له القرشي: فإن لم يكن للظالم حسنات ؟ قال إن لم يكن للظالم حسنات فإن للمظلوم سيئات يؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم. * الشرح: قوله (قال إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا) روي من طريق العامة عنه (عليه السلام) أيضا " أنه يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما جردا مردا " قال الأبي في كتاب إكمال الإكمال الأظهر أن مقام التكرمة يقتضي عدم حشر الأنبياء كذلك، انتهى، وقد ذكر (عليه السلام) هنا لأهل المحشر أربع صفات الأولى أنهم غرل بالراء المهملة بعد الغين المعجمة المضمومة جمع أغرل، قال عياض بن الأثير: الأغرل الأغلف، والغرلة الغلفة، وقال المازري: الأغلف غير المختون، والغلفة الجلدة التي تزال في الختان، والمعنى أنهم يحشرون غير مختونين، والقصد أنهم يحشرون كما خلقوا أولا لا يفقدون شيئا حتى الغلفة تكون معهم، انتهى.

[ 35 ]

ويمكن أن يقرأ عزلا بالزاي المعجمة بعد العين المهملة جمع أعزل وهو المنفرد المنقطع، والقصد أنهم يحشرون فريدا وحيدا. الثانية أنهم بهم، قال ابن الأثير فيه: " يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة بهما " البهم جمع بهيم، وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواء يعني ليس فيهم شئ من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج وغير ذلك وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار، وقال بعضهم: روي في تمام الحديث. (قيل: وما البهم ؟ قال ليس معهم شئ) يعني من أعراض الدنيا وهذا يخالف الأول من حيث المعنى، الثالث والرابعة أنهم جرد مرد جمع أجرد وأمرد، والأجرد الذي لا شعر على بدنه، والأمرد الذي لا شعر على وجهه. (في صعيد واحد) قيل: الصعيد ما استوى من الأرض، وعن الفراء: هو التراب، وعن ثعلب: هو وجه الأرض، والمراد به هنا الأرض المستوية التي لا عوج فيها ولا أمتا. (يسوقهم النور ويجمعهم الظلمة) كأن المراد بالنور الإيمان وتوابعه من العبادات لأنها أنوار تسعى بين يدي صاحبها يوم القيامة وهم يمشون على أثرها، وبالظلمة الكفر والشرك ولواحقهما من المعاصي، ونسب الجمع إلى الظلمة لأنها سبب لحيرتهم واجتماعهم فكأنها جمعتهم كما هو شأن الضالين عن الطريق يتحيرون ويجتمعون، ويمكن أن يراد بالنور معناه الحقيقي، وبالظلمة زوال النور، فإذا ظهر النور مشوا، وإذا زال اجتمعوا وسكنوا. (حتى يقفوا على عقبة المحشر) في المحشر عقبات مخوفة ومنازل مهولة هي عقبات الفرائص ومنازل الأخلاق سمي عقبة لشدة المرور عليها والتخلص من شدايدها، وإليها أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبة كؤدا - أي شاقة - ومنازل مخوفة لابد من الورود عليها والوقوف عندها) أراد بها (عليه السلام) منازل الآخرة ومقامات النفوس في السعادة والشقاوة والأهوال الأخروية، وظاهر أنه لابد من ورود تلك المنازل والوقوف عندها إلى حين عبورها خصوصا أصحاب الأعمال القبيحة والملكات الردية والعلائق البدنية فإن وقوفهم بها أطول وشدايدهم فيها أهول ومرورهم عليها أشق وأشكل، ولعل المراد بتلك العقبة عقبة الإيمان ومظالم الخلق، كما يرشد إليه قوله فيما بعد: * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * وقوله (ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة) فالكفار في هذه العقبة يسلكون طريق جهنم ومن عنده من المسلمين مظلمة لأحد ولم يقع العفو من المظلوم لم يدخل الجنة حتى يخرج من عهدتها عند الحساب كما سيصرح به ومنه يظهر سر ما مر من أن نشر الدواوين ونصب الموازين إنما هو لأهل الإسلام دون المشركين (فيركب بعضهم بعضا) لكثرتهم وضيق مسلكهم (ويزدحمون دونها) أي يدفع بعضهم بعضا. يقال: زحمه الناس إذا دفعوه في مضيق.

[ 36 ]

(فيمنعون من المضي) لازدحامهم عما هو المطلوب منهم في تلك العقبة فيمنعون (فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم) في كتاب مسلم عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق كمقدار ميل فيكون للناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما " وأشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى فيه. وفي رواية أخرى قال: " إن العرق ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم ". قال عياض: يحتمل أنه عرق نفسه بقدر خوفه لما شاهد من الأهوال ويحتمل أنه عرق نفسه وعرق غيره يختلط ويصير لكل بقدر عمله، وهذا الازدحام وانضمام بعضهم إلى بعض حتى يصير العرق بينهم سايحا على وجه الأرض. وقال القرطبي: العرق للزحام ودنو الشمس حتى تغلى منها الرؤوس وحرارة الأنفاس. فإن قيل: لزم أن يسبح الجميع فيه سبحا واحدا ولا يتفاضلون في القدر، قيل يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق الله تعالى في الأرض التي تحت كل أحد ارتفاعا بقدر عمله فيرتفع العرق بقدر ذلك. وجواب ثان وهو أن يحشر الناس جماعات متفرقة فتحشر من بلغ كعبيه إلى جهة ومن بلغ حقويه في جهة، انتهى. (قال فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة) العرش يطلق على معان ولعل المراد منه الجسم المحيط أو العرش الذي هو مطاف الملائكة، والظلال جمع الظل وهو من كل شئ شخصه ومن بيان لها، والإشراف على الشئ الاطلاع عليه من فوق وهو يستلزم العلم به على وجه الكمال، وإذا نسب إليه تعالى يراد به هذا اللازم أو هو تمثيل، وكونه فوق العرش وفي ظلال من الملائكة صحيح لأنه فوق كل شئ بالعلية والشرف والرتبة والاستيلاء، وفي كل شئ بالعلم المحيط به لا كدخول غيره في شئ، وخصهما بالذكر لشرفهما ودلالتهما على العلو وإشعارهما بأن أمره تعالى جاء من الأعلى إلى الأسفل كما هو مقتضى العادة. (وتخشع أبصارهم) بغضها وإرخاء أجفانها (وتضطرب فرايصهم) في النهاية: الفريصة اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، وأراد بها أصل الرقبة وعروقها لأنها هي التي تثور عند الغضب والخوف وفي الفايق الفريصة لحمة عند منبض القلب ترتعد وتثور عند الفزع والخوف والغضب. (مهطعين إلى الداع) الإهطاع: الإسراع في العدو، وأهطع أيضا: إذا مد عنقه وصوب رأسه أي نكسه * (يقول الكافر هذا يوم عسر) * * (على الكافرين غير يسير) * (1) (فيقول أنا الله لا إله إلا أنا الحكم


(1) " يقول الكافر هذا يوم عسر " في سورة القمر: 8 و " على الكافرين غير يسير " في سورة المدثر: 10. (*)

[ 37 ]

العدل الذي لا يجور) الموصول صفة للكشف والإيضاح مع احتمال الاحتراز لأن العدل من الناس قد يجور، ولعل الغرض من هذا القول مع وضوحه في ذلك اليوم هو التصريح بأنه لا حكم فيه إلا هو والتنبيه بزهوق الهة اتخذوها في الدنيا وقطع طمعهم عن ملجأ سواه وبه يحصل زيادة انبساط للمؤمن وزيادة اغتمام للكافر. (اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي) القسط بالكسر: العدل، فالعطف للتأكيد والتقرير، والإضافة للدلالة على كمال المضاف، وتخصيص اليوم بالذكر مع أنه سبحانه حاكم عادل أزلا وأبدا لزيادة الاعتناء بإظهار العدل فيه ولأن آثار العدل في ذلك اليوم أظهر وأقوى من آثاره في غيره إذ ربما يخطر في قلب بعض الظلمة والفسقة انتفاء عدله في الأحكام الدنيوية لعدم علمهم بالمصالح الكلية والجزئية بخلاف الحكم الأخروي فإنه في الظهور إلى حد يعرف كل أحد أنه حق. (ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات) ينتقل حسنات الظالم إلى المظلوم وسيئات المظلوم إلى الظالم حتى يتم الوفاء كما سيجئ. والمظلمة بكسر اللام: ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك. (وأثيب على الهبات) فيه ترغيب في الهبة والتجاوز عن جرائم صاحبه وفيه رجاء تام لمن قصر في حقوقه تعالى. (ولا حد عنده مظلمة) لظاهر أنه حال عن ظالم وجعله وصفا له، والواو لزيادة الارتباط والاتصال، بعيد. (إلا مظلمة يهبها صاحبها وأثيبه عليها) أي أثيب الصاحب على الهبة. (وآخذله بها عند الحساب) الظاهر أن قوله " وآخذ " عطف على " يهبها " لا على أثيبه إذ لا أخذ بعد الهبة، ولعل المراد أنه لا يجوز هذه العقبة ظالم إلا إذا وهب له المظلوم أو استحق دخول الجنة بعد الأخذ منه عند الحساب وأما غيرهما فيسلك هناك مسلك النار. (فيتعارفون ويتلازمون) أما لأنهم متقاربون في ذلك المكان فيحصل التعارف والتلازم بسهولة أو لأن التباعد في ذلك اليوم لا يمنع منهما (فلا يبقى أحد له أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها) هكذا في بعض النسخ وفي أكثرها " فلا يبقى لأحد " والظاهر أن اللام زائدة أو أن مظلمة فاعل لقوله " فلا يبقى " على سبيل التنازع بينه وبين الابتداء فليتأمل. (إن الله تبارك وتعالى يقول أنا الوهاب) في وصف نفسه بهذه الصفة تنبيه على كمالها وترغيب للناس في اختيارها ليتصفوا بها ويتوقعوا أهبته عما قصروه في حقه. (قال فيأمره الله عز وجل أن يطلع من الفردوس قصرا) أي يظهره من أشراف إلى انحدار من طلع الكوكب والشمس إذا ظهر، وحفافة القصر بالكسر جانبه (حتى يأخذها منه عند الحساب) فإذا بقى بعده حسنات دخل الجنة.

[ 38 ]

(أيها الخلائق استعدوا للحساب) يحتمل أن يكون من كلامه - عز وجل - في ذلك المقام وأن يكون من كلامه (عليه السلام). أمر بالاستعداد في الدنيا لحساب الآخرة فإن ذلك يوجب سلب المفاسد وجلب المنافع حتى يرد على القيامة ولا حساب عليه إذ أدى حسابه في الدنيا (فينطلقون في العقبة) الظاهر أنها العقبة المذكورة (يكرد بعضهم بعضا) الكرد: السوق والطرد، وفي النهاية كرد القوم: صرفهم وردهم، وفي الكنز " كرد راندن " (حتى ينتهوا إلى العرصة) عرصة الدار: ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، والجمع عرصات والمراد بها هنا عرصة القيامة وهي عرصة يجتمع فيها الخلائق للحساب. (والجبار تبارك وتعالى على العرش) قد مر تفسيره سابقا، ويمكن أن يراد به هنا العلم بجميع الموجودات، سمي عرشا لاستقرارها فيه، والغرض من ذكره هو الإشعار بأنه تعالى عالم بجميع الأشياء لا يخفى عليه شئ منها وإنما نشر الدواوين ونصب الموازين وشهادة الأنبياء والأوصياء ليظهر على الخلق حالاتهم التي كانوا عليها حتى لا يكون لهم حجة ولا معذرة ولا محل إنكار، ومر أيضا تفسير الدواوين والموازين سابقا. (فيعذب الكافر بها) دل على أن الكافر معذب بالفروع أيضا. (قال يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم) هذا الظالم على نفسه وعلى غيره هو المفلس والفقير في الحقيقة كما دلت عليه الرواية، وفيه دلالة على عدم الإحباط لأنه أثبت أن له حسنات مع اقترافه المظالم والمعاصي، اللهم إلا أن يقال أحبطت سيئاته من حسناته بقدر ما يقابلها فبقى الباقي من الحسنات بلا معارض. لا يقال قوله " تؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم " مناف لقوله تعالى * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. لأنا نقول هذا غلط وجهالة بينة لأنه إنما عوقب بفعله ووزره لأن العدل يقتضي وقوع المقابلة والموازنة بين الظالم والمظلوم، فأخذ الحسنات وطرح السيئات نوع من الموازنة ونحو من المعاوضة والعقوبات للظالمين وزيادة في ثواب المظلومين وليس من باب أنه مأخوذ ومعذب بذنب لم يعمله من ذنوب غيره ولم يكن مستحقا له أصلا ويقرب ما روي من أن " من ابتدع بدعة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " وقوله تعالى حكاية * (إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك) * فليتأمل.

[ 39 ]

[ في حب الأئمة ] * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنهم قالوا حين دخلوا عليه: إنما أحببناكم لقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولما أوجب الله عز وجل من حقكم، ما أحببناكم للدنيا نصيبها منكم إلا لوجه الله والدار الآخرة وليصلح لامرئ منا دينه. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): صدقتم صدقتم، ثم قال: من أحبنا كان معنا أو جاء معنا يوم القيامة هكذا - ثم جمع بين السبابتين - ثم قال: والله لو أن رجلا صام النهار وقام الليل ثم لقي الله عز وجل بغير ولايتنا أهل البيت للقيه وهو عنه غير راض أو ساخط عليه. ثم قال: وذلك قول الله عز وجل: * (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) * ثم قال: وكذلك الإيمان لا يضر معه العمل وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل ثم قال: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". * الشرح: قوله (في حب الأئمة (عليهم السلام)) [ عنوان و ] ليس هذا في أكثر النسخ. (ثم قال وذلك) أي عدم قبول العمل والسخط على العامل وعدم الرضا عنه إذا لم يكن من أهل الولاية والإيمان (قول الله عز وجل) حيث دل على أن كل من دخل في الدين وكفر بالله وبرسوله بإنكار أمر من أمور الدين وحكم من أحكامه كان مسخوطا وعمله غير مقبول وأعظم ذلك الأمر هو الأمر بالولاية. (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) دل على أن كفرهم بهما مانع من قبول نفقاتهم (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) أي متثاقلين في فعلها لعدم اعتقادهم بفضلها (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) لأنهم يعدونه بمنزلة الإتلاف ولا يعتقدون بفضل الإنفاق فلا يرجون بفعله ثوابا ولا يخافون بتركه عقابا (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) فإنها وبال عليهم واختبار واستدراج ليكمل بها عقولهم عن الآخرة فيأخذهم بغتة كما قال (إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا) بسبب ما يتحملون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدايد والمصائب (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) بالله ورسوله واليوم الآخر. والزهوق: الخروج بصعوبة، كذا ذكر

[ 40 ]

القاضي وغيره. (وكذلك الإيمان لا يضر معه العمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل) مر تفسير هذا بعينه في آخر كتاب الإيمان والكفر، ولعل المراد بالعمل الأول العمل الحقير القليل وبالعمل الثاني العمل العظيم الكثير فإن قليل العمل مع الإيمان مقبول وكثير العمل مع الكفر غير مقبول، ويحتمل أن يراد بالضرر الضرر الموجب للخلود في النار، وبالنفع النفع الموجب للدخول في الجنة. ومما يدل على أنه لابد في هذا الخبر من التأويل ما روي عن محمد بن مارد قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) حديث روى لنا أنك قلت إذا عرفت " يعني الولاية " فاعمل ما شئت، فقال: " قد قلت ذلك " قال: قلت: وإن زنوا وسرقوا أو شربوا الخمر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ما أنصفونا أن يكون أخذنا بالعمل ووضع عنهم إنما قلت إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره فإنه يقبل منك). (ثم قال: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له) في النهاية الوحداني: المفارق للجماعة المنفرد بنفسه وهو منسوب إلى الوحدة، الانفراد بزيادة الألف والنون أي أن تكونوا منفردين قليلين فاصبروا ولا تحزنوا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع شرف ذاته وكمال صفاته كان وحدانيا يدعو الناس إلى الحق بالبراهين الساطعة والمعجزات اللامعة فلا يستيجبون له جهالة أو حسدا أو حبا للدنيا، وفيه تسلية للشيعة في قلتهم ودفع لتوهم من ضعف عقله أن الحق مع الكثرة لعدم تفطنه بأن أكثر الناس في أكثر الأزمنة كانوا كافرين خارجين عن دين الحق، وقد مر التصريح بذلك في أول كتاب الأصول. (وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالب (عليه السلام)) أشار إلى أنه (عليه السلام) أول من أسلم من الذكور، والروايات عندنا وعندهم في ذلك متظافرة، والظاهر أنه لا ينكره أحد إلا أن بعض النواصب قال: إسلامه لم يكن معتبرا لكونه قبل البلوغ. وأجيب عنه: أولا بأنا لا نسلم ذلك، ومستنده وجوه، منها: رواية شداد بن أوس، قال: سألت خباب بن الأرت عن سن علي بن أبي طالب يوم أسلم ؟ قال: أسلم وهو ابن خمسة عشر سنة وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ، ومنها ما رواه أبو قتادة عن الحسن أن أول من أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن خمسة عشر سنة، ولو سلم فلا يتصور الكفر في حقه إذ كان مولودا على الفطرة فمعنى الإسلام إذن دخوله في طاعة الله ورسوله والاستسلام لأوامرهما، فالإيمان الحاصل له وارد على نفس قدسية لم يتدنس بأدناس جاهلية وعبادة الأصنام والعقائد الباطلة المتضادة للحق التي صارت ملكات في نفس من أسلم بعد علو السن وشرب الخمر والشرك بالله، فكان إسلامه أشرف وأكمل من إسلام غيره، وكانت غاية حال الغير أن يمحوا بالرياضة من نفوسهم الآثار الباطلة والملكات الردية فأين أحدهما من الآخر.

[ 41 ]

(وقد قال رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) دل على أنه (عليه السلام) وزيره وخليفته بلا فصل في حياته وبعد وفاته وأن له جميع خصال هارون بالنسبة إلى موسى بقرينة استثناء خصلة واحدة وهي النبوة، فالقول بالفصل وتخصيص خلافته بحال حياة النبي (صلى الله عليه وآله) لا وجه له وقد مر توضيح ذلك. آنفا. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعباد بن كثير البصري الصوفي: ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك وفرجك إن الله عز وجل يقول في كتابه: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم) * اعلم أنه لا يتقبل الله منك شيئا حتى تقول قولا عدلا. * الشرح: قوله (ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك وفرجك) فظننت أنك من أهل النجاة، وعفتهما هي التحرز عن الحرام أو الاكتفاء بقدر الضرورة أو ما دونه من الحلال وهي لا تنفع إلا مع الإقرار بالولاية لأهلها كما أشار إليه بقوله (إن الله عز وجل يقول في كتابه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في فعل المنهيات كلها (وقولوا قولا سديدا) هو القول الحق المعرى عن الباطل (يصلح لكم أعمالكم) بقبولها والإثابة عليها. (اعلم أنه لا يتقبل الله عز وجل منك شيئا) من الأعمال وإن اشتملت على جهات الكمال (حتى تقول قولا عدلا) لما كانت لفظات لسان العباد وأغلاط أقواله كثيرة، منها إنكار الولاية للأئمة الطاهرين (عليهم السلام) نبهه (عليه السلام) بأن تزهده وأعماله لا تنفعه بدون أن يستقيم لسانه ويقول قولا عدلا مستقيما وهو الإقرار بالولاية. * الأصل: - يونس، عن علي بن شجرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لله عز وجل في بلاده خمس حرم: حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحرمة آل رسول الله صلى الله عليهم وحرمة كتاب الله عز وجل وحرمة كعبة الله وحرمة المؤمن. * الشرح: قوله (قال: لله عز وجل في بلاده خمس حرم.. الخ) الحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة: ما لا يحل انتهاكه والذمة والمهابة والنصيب ومن يعظم حرمات الله أي ما وجب القيام به وهي الحقوق المقررة شرعا، ومن حقوق الرسول على الأمة هو التصديق به وبما جاء به، والحب له إلى غير ذلك، ومن حقوق آل الرسول أن يؤمن بهم وبولايتهم والاتباع لهم في العقائد والأعمال والأقوال وأن يحبهم، وقس عليه البواقي فإن تفصيل الحرمات والحقوق يوجب الإطناب.

[ 42 ]

* الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن القاسم، عن علي بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه الله من الأدواء الثلاثة: البرص والجذام والجنون، فإذا بلغ الخمسين خفف الله عز وجل حسابه، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين أمر الله عز وجل باثبات حسناته وإلقاء سيئاته فإذا بلغ التسعين غفر الله تبارك وتعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتب أسير الله في أرضه، وفي رواية أخرى: فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر. * الشرح: قوله (إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه الله) أي غالبا (من الأدواء الثلاثة البرص والجذام والجنون) البرص بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، والجذام كغراب: علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء أو هيئاتها وربما انتهى إلى أكلها وسقوطها، والجنون معروف سمي به لأنه يستر العقل ويزيله (فإذا بلغ الخمسين خفف الله تعالى حسابه) أي يسامحه في حساب يوم القيامة ويساهله في كثير من أموره ولا يشدد عليه (فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة) أي الرجوع إلى الله فيرغب في الطاعة ويندم من المعصية ويداوم ذكر الله تعالى. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) " العمر الذي أعذر الله تعالى فيه ابن آدم ستون سنة " يقال أعذر إليه أي بلغ به أقصى العذر قيل: معناه من عمره الله تعالى ستين سنة لم يبق له عذر في الرجوع إلى الله سبحانه بطاعته في مدة هذه المهلة وما يشاهد فيها من الآيات والعبرة مع ما أرسل إليه من الإنذار والتذكير، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه " لينادي مناد من قبل الله عز وجل أبناء الستين أولم يعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " (فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء) فيذكرون له بالخير ويدعون له ويستغفرون لذنوبه. (فإذا بلغ الثمانين أمر الله تعالى بإثبات حسناته وإلقاء سيئاته) لا يخفى أن الإتيان في هذا السن بالسيئات أشنع والمخالفة للرب أقبح وأفظع ولكنه تعالى يرحمه لضعفه وعجزه فيأمر بإلقاء سيئاته لئلا يخجله على رؤوس الأشهاد ولا يشهره عند المقربين تفضلا عليه، ولعل هذا في بعض الأشخاص أو في بعض السيئات وإلا فقد مر في كتاب الأصول " إن الله تعالى لا ينظر يوم القيامة إلى شيخ زان ". (فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) كان المراد بالذنوب الصغائر من حق الله تعالى مع احتمال الكبائر أيضا، وبالمتأخر الذنب الذي يفعله في هذا السن. (وكتب أسير الله في أرضه) سمي أسيرا لأنه أسره قضاء الله فأخرجه من موطنه الأصلي وحبسه في دار الغربة مدة طويلة وعذبه بهواء النفس وإغواء الشيطان فهو محل الترحم (وفي

[ 43 ]

رواية أخرى فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر) للعمر - وهو زمان بقاء كل شخص - مراتب في القوة والضعف والتوسط، وأضعف المراتب وأرذلها مائة سنة فصاعدا لأن العمر حال الطفولية وإن كان ضعيفا لكنه في مقام الترقي لقبول الكمال بخلاف مائة سنة فإنه في غاية الضعف ومقام التنزل حتى تبلغ حدا لا يدري ما يقول وما يفعل. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمى بن عيسى، عن علي بن الحكم عن داود، عن سيف، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عز وجل إلى ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلظا وشددا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره. * الشرح: قوله (إن العبد لفي فسحة من أمره..) الفسحة بالضم: السعة، أي هو في سعة من أمره التكليفي أو في فعله للمساهلة في كثير من أموره لشدة شهوته وكمال قوته المقتضية للطغيان وضعف عقله المانع من العصيان وليس فيه ما ينافي الحديث السابق إذ ليس في السابق حكم ما دون الأربعين وأما ما في السابق من رفع الأدواء الثلاثة عن صاحب الأربعين فلا ينافي التشديد عليه في أمره ولكن لابد من تقييد التشديد بالبلوغ إلى الخمسين لأن الخمسين يوجب التخفيف كمار مر أو القول بأن التخفيف من باب التفضل لمن يشاء الله فقد يخفف لصاحب الخمسين وقد يشدد عليه. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره فقال: لا بأس إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك لمكان ربئة كانت بحيال العدو، فوقع فيهم الوباء فهربوا منه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الفار منه كالفار من الزحف كراهية أن يخلو مراكزهم. * الشرح: قوله (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوباء..) الوباء يقصر ويمد وجمع المقصور أوباء وجمع الممدود أوبية، وقد وبئت الأرض توبأ وباء فهي موبوءة إذا كثر مرضها، وكذلك وبئت توبأ وباءة فهي وبئة ووبيئة على فعلة وفعيلة وفيه لغة ثالثة أوبأت وهي موئبة وهو مرض عام يكون عند الموت العام وقد سمي بالطاعون وهما بمعنى واحد وقال الجوهري: الطاعون الموت المسبب من الوباء فيفهم منه أن الطاعون نفس الموت المسبب من الوباء، وقيل: مرض مخصوص وهو غدة كغدة البعير تخرج في المراق والاباط غالبا وقد تخرج في الأيدي والأصابع وغيرها من الأعضاء

[ 44 ]

حيث شاء الله تعالى، فعلى هذا كل طاعون وباء ولا ينعكس. وقال القرطبي: هو نقمة يرسلها الله على من شاء من عصاة عبيده وكفرتهم، ورحمة وشهادة للصالحين من عباده، وقال عياض: إنه عذاب يبعثه الله تعالى على من شاء ثم يجعله رحمة للمؤمنين، وفيه جواز الفرار منه والخروج من الأرض الموبوءة إلى غيرها لأن في المقام فيها إيقاع النفس إلى التهلكة والأوهام المشوشة لها، وسر ذلك - على ما أشار إليه الغزالي في آخر كتاب التوكل من الإحياء - أن سبب الوباء عند الأطباء هو عفونة الهواء، والهواء لا يؤثر بأول ملاقاة الجسد بل حتى يدوم الاستنشاق فإذا دام استنشاقه وصل إلى الرية والقلب وباطن الأحشاء فيؤثر فيها، فإذا خرج سلم إلا إذا تعلق المشيئة بموته. ومن طرق العامة روايات متكثرة للمنع من الدخول في أرض الوباء والخروج منها، روى مسلم منها خمسة عشر، منها ما رواه عن اسامة بن زيد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) " الطاعون رجز ارسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ". والبواقي كلها بهذا المضمون وهم قد اختلفوا فأخذ أكثرهم بتلك الروايات فمنعوا الفرار منه والقدوم عليه حتى قال بعضهم: الفرار منه كالفرار من الزحف، وبعضهم أجاز الأمرين، وقال بعضهم: لم ينه عن الخروج خوف أن يهلك قبل أجله ولا عن الدخول خوف أن يصيبه غير ما كتب الله له ولكن خوف فتنة الحي بظن أن هلاك من دخل لدخوله ونجاة من خرج لخروجه، ونقل عن ابن مسعود أن الطاعون فتنة على المقيم والفار، يقول المقيم أقمت فمت، ويقول الفار فررت فنجوت، وإنما فر من لم يحضر أجله وأقام من جاء أجله فمات. (إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك لمكان ربئة) هي بفتح الراء وكسر الباء الموحدة وفتح الهمزة طليعة يقال ربئهم ولهم كمنع صار ربئة لهم أي طليعة. والمركز موضع الرحل ومحله وحيث أمر الجند أن يلزموه. * الأصل: - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي مالك الحضرمي، عن حمزة ابن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه، التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده. * الشرح: قوله (قال ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق والطيرة والحسد) الوسوسة بالفتح والوسواس بالكسر مصدران بمعنى الأفكار وحديث النفس والشيطان بما لا نفع ولا خير فيه، ورجل موسوس على صيغة المفعول إذا غلب عليه الوسوسة، والوسواس بالفتح

[ 45 ]

الاسم وهو ما خطر في القلب من شر ومرض يحدث من غلبة السوداء ولا يضر إذا لم يتمكن فيه سواء كان متعلقا بالأصول أم بغيرها مثل أن يخطر بقلب رجل كيف خلق الله الأشياء بلا مادة أو لم خلق بعضها أو كيف يكون هو موجودا بلا موجد وأمثال ذلك، وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يارسول الله هلكت، فقال له: أتاك الخبيث فقال لك من خلقك ؟ فقلت الله، فقال لك: الله من خلقه فقال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذلك والله محض الإيمان، قال أبو عبد الله (عليه السلام) إنه إنما قال هذا والله محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض ذلك في قلبه) وروي " أنكم إذا وجدتم مثل ذلك قولوا لا إله إلا الله " وروي أيضا " قولوا آمنا بالله وبرسوله ولا حول ولا قوة إلا بالله ". والطيرة بفتح الياء كعنبة: التشؤم وهي مصدر يطير طيرة كيخير خيرة، قال عياض: لم يأت من المصادر على هذا الوزن غيرهما، وبعضهم يقول طيرة بسكون الياء، وقال الزجاج: اشتقاق الطيرة أما من الطيران لأن الإنسان إذا تشأم بشئ كرهه تباعد عنه فشبه سرعة إعراضه عنه بالطيران، وإما من الطير لأنهم كانوا يستعملونه من زجر الطير ويتشأمون ببعضها وقال صاحب المصباح: الطيرة وزان عنبة هي التشؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجائم الطير وأثارتها ليستفيد هل تمضي أو ترجع فنهى الشارع عن ذلك. " وقال: لا هام ولا طيرة " وقال: " وأقروا الطير في وكناتها " أي على مجاثمها، وقال المازري: كانوا يتطيرون بالسوارح والبوارح وكانوا ينشرون الطير والظباء فإذا أخذ ذات اليمين تبركوا ومضوا لحاجتهم وإذا أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحوائجهم فكان ذلك يطردهم في كثير من الأوقات عن مقاصدهم، وهذا أمر وهمي أبطله الشرع بقوله: ولا طيرة، وأخبر أن ذلك لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا وسيجئ نفي الطيرة إن شاء الله تعالى، والحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول ولا تزول عنه وتكون له دونه أو تزول عنه مطلقا (إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده) أي لا يستعمله قولا وفعلا وقلبا بالتفكر في كيفية اجرائه على المحسود وإزالة نعمه، وفيه دلالة على أن هذه الأمور لا إثم بها، وقد مر توضيح ذلك في آخر كتاب الأصول. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال لي: إني لموعوك منذ سبعة أشهر ولقد وعك ابني اثني عشر شهرا وهي تضاعف علينا أشعرت أنها لا تأخذ في الجسد كله وربما أخذت في أعلى الجسد ولم تأخذ في أسفله وربما أخذت في أسفله ولم تأخذ في أعلى الجسد كله ؟ قلت: جعلت فداك إن أذنت لي حدثتك بحديث عن أبي بصير، عن جدك (عليه السلام) أنه كان إذا وعك استعان بالماء البارد فيكون له ثوبان: ثوب في الماء البارد وثوب على جسده يراوح بينهما ثم ينادي حتى يسمع صوته على باب الدار: يا فاطمة بنت محمد، فقال: صدقت، قلت:

[ 46 ]

جعلت فداك فما وجدتم للحمى عندكم دواء ؟ فقال: ما وجدنا لها عندنا دواء إلا الدعاء والماء البارد، إني اشتكيت فأرسل إلي محمد بن إبراهيم بطبيب له فجاءني بدواء فيه قي فأبيت أن أشربه لأني إذا قييت زال كل مفصل مني. * الشرح: قوله (إني لموعوك) الوعك الحمى، وقيل: المها، وقد وعكه المرض وعكا ووعك فهو موعوك. (أشعرت أنها لا تأخذ في الجسد كله) من الشعور وهو العلم يقال شعر به كنصر وكرم شعورا: علم به وفطن له وعقله (أنه إذا كان وعك استعان بالماء البارد) نظيره كثير من طرق العامة، روى مسلم تسعة. منها ما رواه عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء "، ومنها ما رواه أن أسماء كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعوا بالماء فتصبها في جيبها وتقول إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " أبردوها بالماء وقال إنها من فيح جهنم " والفيح شدة حرها، قال محيي الدين البغوي: بعض من في قلبه مرض من جهلة الأطباء يتلاعب ويكثر من ذكر هذه الأحاديث استهزاء ثم يشنع ويقول: الأطباء مجمعون على أن اغتسال المحموم بالماء البارد مهلك لأنه يجمع المسام ويحقن البخار المتحلل فتنعكس الحرارة إلى داخل الجسم فتهلك، وهذا تعيير فيما لم يقله (عليه السلام) فإنه (عليه السلام) قال " أبردوها " فمن أين لهم أنه أراد الانغماس فيحمل على أنه أراد بالإبراد أدنى استعمال الماء البارد على وجه ينفع ولا يبعد أن يراد به أن يرش بعض الجسد بالماء كما دل عليه حديث أسماء فلا يبقى للملحد مطعن، وأيضا الأطباء يسقون صاحب الحمى الصفراوية الماء الشديد البرد ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد فغير بعيد أن يكون (عليه السلام) أراد هذا النوع من الحمى وهذا النحو من الغسل على ما قالوه أو قريبا منه، وقال القرطبي: إن صدر هذا الطعن عمن ارتاب في صدقه (عليه السلام) أقيم عليه الدليل الدال على صدقه في جميع ما يخبر به من المعجزات وغيرها فإن أناب وإلا فيفعل بالسيف ما لا يفعل بالبرهان وإن صدر من فهمه بالإيراد الانغماس فليس هو الذي أراد وإنما أراد استعمال الماء على وجه ينفع فيجب أن يبحث عنه ولا يبعد أنه أراد أن يرش بعض بدنه أو يفعل به ما كانت أسماء تفعل. (إني اشتكيت) أي مرضت، اشتكى فلان إذا مرض. (فأرسل إلي محمد بن إبراهيم...) كأنه العباس الهاشمي المدني الملقب بابن الإمام وهو محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. * الأصل: - الحسين بن محمد الأشعري، عن محمد بن إسحاق الأشعري، عن بكر بن محمد الأزدي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) حم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوذه فقال: بسم الله أرقيك يا محمد،

[ 47 ]

وبسم الله أشفيك، وبسم الله من كل داء يعنيك، بسم الله والله شافيك، بسم الله خذها فلتهنيك، بسم الله الرحمن الرحيم فلا أقسم بمواقع النجوم لتبرأن بإذن الله، قال بكر: وسألته عن رقية الحمى فحدثني بهذا. * الشرح: قوله (فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوذه فقال بسم الله أرقيك يا محمد) رقاه الراقي رقية ورقيا: عوذه ونفث في عوذته من باب ضرب كذا في المغرب. (بسم الله أرقيك) معناه بسم الله أعوذك لا بغيره، والمراد بالاسم هنا المسمى كما قال: * (سبح اسم ربك) * والاسم هو الكلمة الدالة على المسمى إلا أنه قد يتسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة ويحتمل حمله على ظاهره أيضا لأن اسم الله تبارك وتعالى مبارك وله فضيلة عظيمة وخاصية جزيلة لا يحيط العقل بكنهها وفضائل الاسم الأعظم أكثر من أن تعد وتحصى، وفيه دلالة على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى، والتعوذ بالقرآن العظيم وبعض سوره وآياته مشهورة وفي الأخبار ومؤلفات القوم مذكور ولا خلاف في شئ من ذلك بين العامة والخاصة، ولا ينافي ذلك التوكل، وما ورد في النهي عن الرقية فإنما هي الرقية بغير ما مر من الأسماء التي لا يعرف معناها خوف أن يكون كفرا أو قريبا منه، وأما رقية أهل الكتاب مثل اليهود والنصارى فلم يحضرني من الأخبار وأقوال الأصحاب ما يدل على تجويزها أو منعها، وأما العامة فقد اختلفوا فيها فجوزها بعضهم ومنعها مالك خوف أن يكون بما بدلوه وأجيب عنه بأنه يبعد أن يكون مما بدلوه لأنه لا غرض لهم في تبديلها، ثم إنه لا خلاف بيننا وبينهم في جواز المسح باليد على المرقى، والروايات من طرقنا وطرقهم متكثرة وأما النفث والتفل والنفخ فلم أجد من رواياتنا ما يدل عليها وهي مذكورة في رواياتهم. قال القرطبي: التفل والنفث سنة في الرقي عند المالك والطبري وجماعة من الصحابة والتابعين وأنكره بعضهم وأجازوا فيه النفخ واختلف في التفل والنفث، وقيل هما بمعنى واحد وهما نفخ يسير معه يسير ريق، قال أبو عبيد الله: الريق مع التفل لا مع النفث، وقيل بالعكس، وقال بعضهم التفل بالفتح البصاق نفسه. (وبسم الله أشفيك) أي أبرئك من المرض أو أعالجك بهذا الاسم فوضع الشفاء موضع العلاج والمداواة. (وبسم الله من كل داء يعنيك) أي يقصدك يقال عنيت فلانا عينا إذا قصدته، وقيل معناه من كل داء يشغلك، يقال هذا الأمر لا يعنيني أي لا يشغلني. (بسم الله خذها فلتهنيك) هناني الطعام يهنئني ويهنأني من باب ضرب ومنع وكل أمر يأتيك بلا تعب ولا مشقة وهو حسن العاقبة فهي هنئ لك، ولعل ضمير التأنيث راجع إلى هذه الكلمات

[ 48 ]

الشريفة أو العوذة. * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قال: (بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثلاث مرات كفاه الله عز وجل تسعة وتسعين نوعا من أنواع البلايا أيسرهن الخنق. * الشرح: قوله (أيسرهن الخنق) خنقه يخنقه من باب قتل خنقا ككتف إذا عصر حلقة حتى يموت فهو خانق ومخنوق، والخناق ككتاب الحبل يخنق به وكغراب داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب. * الأصل: - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب غضبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرق، قال: فنظر فإذا علي (عليه السلام) إلى جنبه فقال له: الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله، فقال: يارسول الله لي بك أسوة قال: فاكفني هؤلاء، فحمل فضرب أول من لقي منهم فقال جبرئيل (عليه السلام): إن هذه لهي المواساة يا محمد فقال: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام) وأنا منكما يا محمد، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جبرئيل (عليه السلام) على كرسي من ذهب بين السماء والأرض وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. * الشرح: قوله (فقال له الحق ببني أبيك) هذا الأمر إما للرخصة أو للاختبار. (فقال يارسول الله لي بك أسوة) هي بضم الهمزة وكسرها القدوة، وتأسيت به: اقتديت (فقال فاكفني هؤلاء) إشارة إلى جماعة حملوا عليه، قال شارح النهج: إنه لما هزمت الصحابة يوم أحد ونادى الناس " قتل محمد " وكان حيا صريعا بين القتلى حملت عليه فرق من المشركين فقال (صلى الله عليه وآله) اكفني هذه فحمل عليها وهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه أخرى فقال: يا علي أكفني هذه، فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه أخرى فقال يا علي أكفني هذه فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها ثم صمدت إليه ثالثة وكذلك وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك يقول: قال لي جبرئيل: يا محمد هذه المواساة، فقلت: وما يمنعه هو مني وأنا منه. فقال جبرئيل وأنا منكما. وروى المحدثون أيضا أن المسلمون سمعوا ذلك اليوم هاتفا من قبل السماء ينادي: لا سيف إلا

[ 49 ]

ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا تسمعون ؟ هذا صوت جبرئيل وكذلك ثبت معه حنين في نفر يسير من بني هاشم بعد أن ولى المسلمين الأدبار وحمى عنه، أقول: وفي قول جبرئيل: وأنا منكما دلالة على أنهما أشرف منه حيث طلب أن يكون له منزلة من الله مثل منزلتهما. * الأصل: - حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري، عن أبان بن عثمان قال: حدثني فضيل البرجمي قال: كنت بمكة وخالد بن عبد الله أمير وكان في المسجد عند زمزم فقال ادعوا لي قتادة. قال: فجاء شيخ أحمر الرأس واللحية فدنوت لأسمع، فقال خالد: يا قتادة أخبرني بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب وأذل وقعة كانت في العرب، فقال: أصلح الله الأمير أخبرك بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب، وأذل وقعة كانت في العرب، واحدة. قال خالد: ويحك واحدة ! قال: نعم أصلح الله الأمير قال: أخبرني ؟ قال: بدر، قال وكيف ذا ؟ قال: إن بدرا أكرم وقعة كانت في العرب بها أكرم الله عز وجل الإسلام وأهله وهي أعز وقعة كانت في العرب بها أعز الله الإسلام وأهله وهي أذل وقعة كانت في العرب، فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب. فقال له خالد: كذبت لعمر الله إن كان في العرب يومئذ من هو أعز منهم، ويلك يا قتادة أخبرني ببعض أشعارهم ؟ قال: خرج أبو جهل يومئذ وقد أعلم ليرى مكانه وعليه عمامة حمراء وبيده ترس مذهب وهو يقول: ما تنقم الحرب الشموس مني * بازل عامين حديث السن لمثل هذا ولدتني أمي فقال: كذب عدو الله إن كان ابن أختي لأفرس منه يعني خالد بن الوليد - وكانت أمه قسرية - ويلك يا قتادة من الذي يقول: " أوفي بميعادي وأحمي عن حسب " ! فقال: أصلح الله الأمير ليس هذا يومئذ، هذا يوم أحد، خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي: من يبارز ؟ فلم يخرج إليه أحد، فقال: إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونحن نجهزكم بأسيافنا إلى الجنة فليبرزن إلي رجل يجهزني بسيفه إلى النار وأجهزه بسيفي إلى الجنة، فخرج إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب * وهاشم المطعم في اليوم السغب أوفي بميعادي وأحمي عن نسب فقال خالد لعنه الله: كذب لعمري والله أبو تراب ما كان كذلك، فقال الشيخ: أيها الأمير ائذن لي

[ 50 ]

في الانصراف، قال: فقام الشيخ يفرج الناس بيده وخرج وهو يقول: زنديق ورب الكعبة (1). * الشرح: قوله (حدثني فضيل البرجمي) بالضم منسوب إلى البراجم وهم قوم من أولاد حنظلة بن مالك (فقال ادعوا لي قتادة) كأنه قتادة بن النعمان من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله). (فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب) لذهاب رؤسائهم وشرفائهم. (فقال له خالد كذبت لعمر الله) أي لبقاء الله قسمي (إن كان في العرب) إن مخففة من المثقلة (يومئذ من هو أعز منهم) زعم أن قبيلة القسرية أعز من قريش تعصبا وحمية. (وقد أعلم ليرى مكانه) أي أعلم فرسه بأن علق على عنقه ثوبا ملونا أو أعلم نفسه بأن وسمها بسيماء الحرب وزينها بآلاته ليرى مكانه ومنزلته بين الأبطال والشجعان. (وهو يقول ما تنقم الحرب الشموس مني) النقمة بالكسر والفتح وكفرحة المكافاة بالعقوبة ومنه الانتقام، والنقمة أيضا: العيب والكراهة، نقمت عليه أمره ونقمت منه من باب ضرب: إذا عتبه وكرهه أشد الكراهة لسوء فعله، والشموس بالضم مصدر معناه بالفارسية " بيقرار وبد خوشدن اسب "، وبالفتح صفة يعني " بدخو " يقال شمس الفرس شموسا وشماسا منع ظهره فهو شامس وشموس، ووصف الحرب به من باب التشبيه في الإهلاك أو الاضطراب أو الشدة أو عدم أمن صاحبه من المكاره. (بازل عامين حديث السن) الظاهر أن بازل عامين بالجر بدل عن ضمير المتكلم في " منى " ونصبه على الحال محتمل والبازل من الإبل الذي تم له ثماني سنين ودخل في التاسعة وحينئذ تطلع نابه وتكمل قوته يقال له بعد ذلك بازل عام وبازل عامين يقول أنا مجتمع الشباب مستكمل القوة. (فقال كذب عدو الله إن كان ابني أختي لأفرس منه) فلان أفرس من فلان أشجع منه، من " فرس الأسد فريسته " إذا دق عنقها، وجعله للمبالغة والزيادة في الفارس بمعنى راكب الفرس فيرجع مآله إلى ما ذكر بعيد، كما يبعد جهله للمبالغة في الفراسة بالكسر وهي تعرف أحوال الشخص والأمور بالظن الصائب والرأي الثاقب ليكون إشارة إلى كمال معرفته بأحوال الأبطال وأمور الحرب فليتأمل (يعني خالد بن الوليد) وهو كان مشركا حاضرا مع المشركين في حرب بدر ونجا بالفرار منها وأسلم بعد فتح مكة (وكانت أمه قسرية) قال الجوهري قسر بطن من بجيلة وهم رهط خالد بن عبد الله


(1) " زنديق ورب الكعبة " يعني خالد بن عبد الله القسري زنديق لأنه لو كان مسلما لاستبشر بذكر بدر وغلبة المسلمين على قريش وذل قريش بهم ولم يتبجح بشعر أبي جهل ولم يستحسنه، وهكذا في كل زمان إذا رأينا من يتأسف من ظفر العرب على العجم وزوال ملكهم بجنود العرب ويستبشر بعود الجاهلية على ما كان علم أن صاحبه غير مسلم وإلا لكان مسرورا بزوال ملك المجوس وانتقال ملكهم إلى الإسلام. (ش) (*)

[ 51 ]

القسري وهو بتلك النسبة تفاخر بخالد، وفي بعض النسخ " قشرية " بالشين المعجمة منسوبة إلى قشير بوزن رجيل أبو قبيلة وهو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن والظاهر أنها تصحيف. (خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي من يبارز) قيل هو طلحة بن أبي طلحة العبدري من بني عبد الدار قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم أحد والمبارزة في القتال الظهور من الصف. (فقال إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار) ترغيب لهم في المبارزة أو توبيخ على تركها وجهاز الميت والعروس والمسافر ما يحتاجون إليه، تقول جهزت فلانا تجهيزا إذا هيأت جهاز سفره. (وهو يقول أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب) في القاموس: الحوض معروف، وذي الحوضين عبد المطلب واسمه شيبة أو عامر بن هاشم فقوله عبد المطلب بدل من ذى الحوضين، وقوله " وهاشم المطعم في العام السغب " عطف على ذي الحوضين، والسغب: المجاعة، سغب كفرح ونصر سغبا وسغبا جاع، أو لا يكون إلا مع تعب فهو ساغب وسغبان وسغب، وفي وصف العام به مبالغة في شيوع الجوع والقحط فيه. وفي معارج النبوة كان اسم هاشم بن عبد مناف عبد الأعلى أو عمرو ثم لقب بهاشم لأنه كان يهشم الخبز ويكسره ويجعله ثريدا للفقراء، بيان ذلك أنه وقع في مكة قحط عظيم وكان لهاشم دقيق كثير فخبزه وذبح في كل صباح وفي كل مساء إبلا وطبخه وأطعم المحتاجين في كل يوم خبزا ولحما وثريدا فاشتهر بهاشم. (أوفي بميعادي وأحمي عن حسب) الموعد والميعاد محل أو وقت وعد إيقاع الفعل فيه كالحضور والقتال ونحوهما فكأنه (عليه السلام) قدر في نفسه الحضور والقتال في كل مكان أو وقت طلب فيه البطل مبارزا وألزم على نفسه القدسية والوفاء به، والمراد بالحسب إما الدين أو القدر والشرف أو ما يعد من مفاخر الآباء، وحماية كل واحد بدفع النقص والعار عنه لازمة على ذمة العقلاء وأهل الكمال.

[ 52 ]

حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم (عليه السلام) أن لا يقرب هذه الشجرة فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها وهو قول الله عز وجل * (ولقد عهدنا إلى آدم ومن قبل فنسي ولم نجد له عزما) * فلما أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة أهبط إلى الأرض فولد له هابيل وأخته توأم وولد له قابيل وأخته توأم، ثم إن آدم (عليه السلام) أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا، وكان هابيل صاحب غنم وكان قابيل صاحب زرع فقرب هابيل كبشا من أفاضل غنمه وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل وهو قول الله عز وجل * (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر..) * إلى آخر الآية وكان القربان تأكله النار فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتا - وهو أول من بنى بيوت النار - فقال: لأعبدن هذه النار حتى تتقبل مني قرباني، ثم إن إبليس لعنه الله أتاه - وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق - فقال له: يا قابيل قد تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك وإنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك ويقولون نحن أبناء الذي تقبل قربانه فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك فقتله فلما رجع قابيل إلى آدم (عليه السلام) قال له: يا قابيل أين هابيل ؟ فقال: اطلبه حيث قربنا القربان فانطلق آدم (عليه السلام) فوجد هابيل قتيلا فقال آدم (عليه السلام): لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل وبكى آدم (عليه السلام) على هابيل أربعين ليلة ثم إن آدم سأل ربه ولدا فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عز وجل وهبه له وأخته توأم. فلما انقضت نبوة آدم (عليه السلام) واستكمل أيامه أوحى الله عز وجل إليه أن يا آدم قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لن أقطع العلم والإيمان والإسم الأكبر وآثار النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح وبشر آدم بنوح (عليه السلام) فقال: إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله عز ذكره ويكذبه قومه، فيهلكم الله بالطوفان، وكان بين آدم وبين نوح (عليهما السلام) عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلهم، وأوصى آدم (عليه السلام) إلى هبة الله أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق، ثم إن آدم (عليه السلام) مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة الله وقال له: إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له: يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنة فقال له جبرئيل: يا هبة الله إن أباك قد قبض وإنا نزلنا

[ 53 ]

للصلاة عليه فارجع فرجع فوجد آدم (عليه السلام) قد قبض فأراه جبرئيل كيف يغسله فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه قال هبة الله: يا جبرئيل تقدم فصل على آدم فقال له جبرئيل: إن الله عز وجل أمرنا أن نسجد لأبيك آدم وهو في الجنة فليس لنا أن نؤم شيئا من ولده، فتقدم هبة الله فصلى على أبيه وجبرئيل خلفه وجنود الملائكة وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأمر جبرئيل (عليه السلام) فرفع خمسا وعشرين تكبيرة - والسنة اليوم فينا خمس تكبيرات وقد كان يكبر على أهل بدر تسعا وسبعا - ثم إن هبة الله لما دفن أباه أتاه قابيل فقال: يا هبة الله إني قد رأيت أبي آدم قد خصك من العلم بما لم أخص به أنا وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنما قتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون: نحن أبناء الذي تقبل قربانه وأنتم أبناء الذي ترك قربانه فإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل، فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الاكبر وميراث النبوة وآثار علم النبوة حتى بعث الله نوحا (عليه السلام) وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصية آدم (عليه السلام) فوجدوا نوحا (عليه السلام) نبيا قد بشر به آدم (عليه السلام) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه وقد كان آدم (عليه السلام) وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم فيتعاهدون نوحا وزمانه الذي يخرج فيه وكذلك جاء في وصية كل نبي حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم وهو قول الله عز وجل * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه..) * إلى آخر الآية، وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وهو قول الله عز وجل * (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) * يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الأنبياء (عليهم السلام). فمكث نوح (عليه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يشاركه في نبوته أحد ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء (عليهم السلام) الذين كانوا بينه وبين آدم (عليه السلام) وذلك قول الله عز وجل: * (كذبت قبلهم قوم نوح المرسلين) * يعني من كان بينه وبين آدم (عليه السلام) إلى أن انتهى إلى قوله عز وجل * (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * ثم إن نوحا (عليه السلام) لما انقضت نبوته واستكملت أيامه أوحى الله عز وجل إليه أن يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك، فإني لن أقطعها كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) التي بينك وبين آدم (عليه السلام) ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر وبشر نوح ساما بهود (عليه السلام) وكان فيما بين نوح وهود من الأنبياء (عليهم السلام) وقال نوح: إن الله باعث نبيا يقال له: هود إنه يدعو قومه إلى الله عز وجل فيكذبونه والله عز وجل مهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله عز وجل ينجيه من عذاب الريح وأمر نوح (عليه السلام) ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصية

[ 54 ]

عند رأس كل سنة فيكون يومئذ عيدا لهم، فيتعاهدون فيه ما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر ومواريث العلم وآثار علم النبوة فوجدوا هودا نبيا (عليه السلام) وقد بشر به أبوهم نوح (عليه السلام) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه فنجوا من عذاب الريح وهو قول الله عز وجل * (وإلى عاد أخاهم هودا) * وقوله عز وجل: * (كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) * وقال تبارك وتعالى: * (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) * وقوله: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا (لنجعلها في أهل بيته) ونوحا هدينا من قبل) * لنجعلها في أهل بيته، وأمر العقب من ذريته الأنبياء (عليهم السلام) من كان قبل إبراهيم لإبراهيم (عليهم السلام) وكان بين إبراهيم وهود من الأنبياء صلوات الله عليهم وهو قول الله عز وجل * (وما قوم لوط منكم ببعيد) * وقوله عز ذكره: * (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي) * وقوله عز وجل * (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) * فجرى بين كل نبيين عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء كلهم أنبياء وجرى لكل نبي ما جرى لنوح صلى الله عليه وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم صلوات الله عليهم حتى انتهت إلى يوسف بن يعقوب (عليهما السلام)، ثم صارت من بعد يوسف في أسباط إخوته حتى انتهت إلى موسى (عليه السلام) فكان بين يوسف وبين موسى من الأنبياء (عليهم السلام) فأرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وهامان وقارون ثم أرسل الرسل تترى * (كلما جاء أمة رسولهم كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث) * وكانت بنو إسرائيل تقتل نبيا واثنان قائمان ويقتلون اثنين وأربعة قيام حتى أنه كان ربما قتلوا في اليوم الواحد سبعين نبيا ويقوم سوق قتلهم آخر النهار فلما نزلت التوراة على موسى (عليه السلام) بشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء. وكان وصي موسى يوشع بن نون (عليه السلام) وهو فتاه الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله تعالى: * (يجدونه (يعني اليهود والنصارى) مكتوبا (يعني صفة محمد (صلى الله عليه وآله)) عندهم (يعني) في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) * وهو قول الله عز وجل يخبر عن عيسى: * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * وبشر موسى وعيسى بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما بشر الأنبياء (عليهم السلام) بعضهم ببعض حتى بلغت محمدا (صلى الله عليه وآله). فلما قضى محمد (صلى الله عليه وآله) نبوته واستكملت أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم وذلك قول الله تبارك وتعالى * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) *.

[ 55 ]

وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل كذا وكذا فأمرهم بما يحب ونهاهم عما يكره فقص إليهم أمر خلقه بعلم فعلم ذلك العلم وعلم أنبياءه وأصفياءه من الأنبياء والإخوان والذرية التي بعضها من بعض فذلك قوله جل وعز: * (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) *. فأما الكتاب فهو النبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة وأما الملك العظيم فهم الأئمة [ الهداة ] من الصفوة وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض، والعلماء الذين جعل الله فيهم البقية وفيهم العاقبة وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا والعلماء، ولولاة الأمر استنباط العلم وللهداة فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل والأنبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله عز وجل واستنباط علم الله وأهل آثار علم الله من الذرية التي بعضها من بعض من الصفوة بعد الأنبياء (عليهم السلام) من الآباء والإخوان والذرية من الأنبياء. فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم ونجا بنصرتهم ومن وضع ولاة أمر الله عز وجل وأهل استنباط علمه في غير الصفوة من بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) فقد خالف أمر الله عز وجل وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلفين بغير هدى من الله عز وجل وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله فقد كذبوا على الله ورسوله ورغبوا عن وصيته وطاعته ولم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى فضلوا وأضلوا أتباعهم ولم يكن لهم حجة يوم القيامة إنما الحجة في آل إبراهيم (عليهم السلام) لقول الله عز وجل: * (ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما) *. فالحجة الأنبياء (عليهم السلام) وأهل بيوتات الأنبياء (عليهم السلام) حتى تقوم الساعة لأن كتاب الله ينطق بذلك، وصية الله بعضها من بعض التي وضعها على الناس فقال عز وجل: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * وهي بيو [ تا ] ت الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى فهذا بيان عروة الإيمان التي نجا بها من نجا قبلكم وبها ينجو من يتبع الأئمة وقال الله عز وجل في كتابه * (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى و إلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) *. فإنه وكل بالفضل من أهل بيته والإخوان والذرية وهو قول الله تبارك وتعالى: إن تكفر به أمتك فقد وكلت أهل بيتك بالإيمان الذي أرسلتك به فلا يكفرون به أبدا ولا أضيع الإيمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء أمتك وولاة أمري بعدك وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء فهذا بيان ما ينتهي إليه أمر هذه الأمة.

[ 56 ]

إن الله جل وعز طهر أهل بيت نبيه (عليهم السلام) وسألهم أجر المودة وأجرى لهم الولاية وجعله أوصياءه وأحباءه ثابتة بعده في أمته، فاعتبروا يا أيها الناس فيما قلت حيث وضع الله عز وجل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحججه، فإياه فتقبلوا وبه فاستمسكوا تنجوا به وتكون لكم الحجة يوم القيامة وطريق ربكم جل وعز ولا تصل ولاية إلى الله عز وجل إلا بهم فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يكرمه ولا يعذبه ومن يأت الله عز وجل بغير ما أمره كان حقا على الله عز وجل أن يذله وأن يعذبه. * الشرح: قوله (حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة) قال القاضي وغيره: الشجرة هي الحنطة أو الكرمة أو التينة أو شجرة من أكل منها أحدث، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه. (قال إن الله تعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة) نهى عن القرب للمبالغة في ترك التناول منها وللتنبيه على أن القرب من المنهي عنه قد يوجب الدخول فيه واختلفت الامة في هذا النهي فقال علماؤنا أنه نهي تنزيه فيكون لتناوله منها فاعلا لما يكون تركه أولى، ولا ينافيه نسبة العصيان والغواية إليه بقوله عز وجل * (عصى آدم ربه فغوى) * بناء على أن المتصف بهما من فعل كبيرة أو صغيرة بدليل قوله تعالى * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) * وقوله تعالى * (إلا من اتبعك من الغاوين) * فإن متابعة الشيطان كبيرة أو صغيرة لأن حصر العصيان والغواية في الكبيرة والصغيرة ممنوع إذ كما أنهما يتحققان بفعل القبيح والحرام كذلك يتحققان بترك الأولى والمندوب وأما العصيان والغواية في الآية فإنما يراد بهما ما حصل بفعل محرم ألا ترى أنك إذا قلت لرجل على سبيل التنزيه لا تفعل كذا فإن الخير في خلافه ففعله، صح لك أن تقول عصاني وخالفني فغوى أي خاب عن ذلك الخير. وقال بعض أصحابنا: إن الغواية المنسوبة إلى آدم بمعنى الخيبة عن الثواب العظيم المترتب على ترك التناول. (فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها) (1) قد تقرر في كتاب التوحيد أن علمه تعالى بأفعال العباد تابع للمعلوم لا علة له نعم لما علم أكله أراد أكله ليطابق علمه بالمعلوم إرادة تخيير واختيار لا إرادة حتم وإجبار، وقد ذكرنا توضيحه في الكتاب المذكور في باب الاستطاعة وبه يظهر سر ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه تعالى نهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن


(1) " نسي فأكل منها " النسيان هنا بمعنى الترك وإن كان ظاهر الرواية أنه بالمعنى المعروف وأن آدم كان معذورا بنسيانه. ولو كان معذورا لم يعاتب على الأكل من الشجرة ولا يجوز عندنا النسيان والسهو على الأنبياء بحيث يوجب ترك الواجب وفعل الحرام سهوا والأمر سهل فإن الرواية قاصرة عن الحجية. لا يعتمد في أمثالها إلا على ما علم صحته من دليل آخر عقلي أو نقلي. (ش) (*)

[ 57 ]

يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل " ويندفع أيضا التنافي بين إرادة الأكل والنهي عنه المتضمن لإرادة تركه وهذا التوجيه جار في كل ما يفعل العبد من المناهي فليتأمل (وهو قول الله ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) النسيان هنا كناية عن الترك لأنه مستلزم للترك، وقد روي تفسير النسيان في هذه الآية بالترك في كتاب الحجة فلا يرد أن حكم النسيان مرفوع عن الإنسان فلا يرد عليه اللوم به والعزم المنفي هو العزم القوي إذ لو كان له عزم قوي لم يأكل من الشجرة، ولم يفعل ما كان تركه أولى، وفيه تصريح بأن المراد بالعهد في الآية العهد إلى آدم بأن لا يأكل من الشجرة وقد مر في الباب الثالث من كتاب الإيمان والكفر عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا أن المراد به العهد إلى آدم بخلافة المهدي صاحب الزمان وإن شئت أن تعرفه فارجع إلى ما ذكرناه في شرحه، ولا منافاة بينهما لأن العهد مفهوم كلي يندرج فيه هذان الفردان وما روي من " أن في القرآن كل شئ ولا يعلمه إلا المعصوم " أكثره من هذا القبيل. (فلما أكل آدم من الشجرة أهبط إلى الأرض) قيل في لفظ الهبوط دلالة على أنه كان في جنة السماء لا في جنة الدنيا لأن الهبوط هو النزول من الأعلى إلى الأسفل ومنع ذلك بأن الهبوط أعم مما ذكر إذ يصدق على النزول من المقام الأشرف إلى المقام الأخس أيضا، وللكلام في هذا المقام مجال واسع لا يسع المقام ذكره. (ثم آن آدم (عليه السلام) أمر هابيل وقابيل أن يقربا قربانا) اختلف في سبب هذا الأمر فقال بعض العلماء إن آدم (عليه السلام) قال لهابيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه يكون من يقرب القربان فتقربا قربانا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، وقال بعض العامة: السبب أن حواء كانت تلد في كل بطن اثنتين ذكرا وأنثى فولدت في أول بطن قابيل وأخته ثم مكثت سنتين فولدت هابيل وأخته فلما كبروا وأمر الله تعالى آدم أن ينكح قابيل أخت هابيل وينكح هابيل أخت قابيل فرضي هابيل بذلك ولم يرض قابيل لأن أخته كانت أحسنهما فقال آدم: قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه زوجتها منه، وهذا القول مدفوع بأن تحريم الأخوات على الإخوة كان ثابتا في جميع الأديان وأنه تعالى لما أراد أن يبدأ بالنسل على ما ترون أنزل حوراء من الجنة اسمها نزلة فأمره أن يزوجها من إحدى ابنيه ثم أنزل حوراء من الجنة اسمها منزلة فأمره أن يزوجها من ابنه الآخر فولد للأول غلام وللآخر جارية فأمر الله تعالى آدم حين أدركا أن يزوج ابنة الابن من ابن الابن ففعل فولد الصفوة من النبيين والمرسلين وغيرهم من نسلهما، ويدل عليه ما رواه الصدوق في أول كتاب النكاح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام). (فقرب هابيل من أفاضل غنمه) أي خيارها وجيدها (وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق) في المصباح: نقى الشي من باب علم نقاء بالفتح والمد: نظف فهو نقي على فعيل ويعدى بالهمزة. (فقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل) واختلفا في سبب القبول وعدمه، فقيل: لأن هابيل

[ 58 ]

تقرب بأحسن غنم عنده، وتقرب قابيل بأردأ قمح عنده، ووضعا قربانهما على جبل فنزلت نار بيضاء من السماء ووقعت على قربان هابيل دون قابيل، وقيل: لأن نية هابيل كانت خالصة ونية قابيل كانت غير خالصة، وقيل: لإن قابيل كان مصرا على كبيرة لا يقبل الله معها طاعة كما يرشد إليه قول هابيل * (إنما يتقبل الله من المتقين) *. (ثم إن إبليس لعنه الله أتاه وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم) مثله مروي من طرق العامة أيضا قال الأزهري: معناه أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه، وقال: هذا على طريق ضرب المثل، والأكثر أجروه على ظاهره وقالوا: إن الشيطان جعل له هذا المقدار من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق التي هي مجاري الدم من الآدمي إلى أن يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره واخلاص توحيده ويشهد لذلك ظواهر الكتاب والسنة ويذعن لجوازه في القدرة الربانية العقول السليمة وقد ذكرناه مفصلا في شرح الأصول. (فانطلق آدم (عليه السلام) فوجد هابيل قتيلا) الظاهر أنه وجد مدفونا لأن الظاهر أن قابيل بعد قتله دفنه في الأرض بتعليم غراب بعثه الله يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه فقال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب. (فقال آدم لعنت من أرض) وقبلت اللعن (كما قبلت دم هابيل) لعنت بكسر التاء خطاب مع القطعة التي قتل فيها هابيل وبسكونها مسند إلى ضميرها و " من " على التقديرين للتفسير والبيان لها أو للتبعيض للدلالة على أن الملعونة يعني البعيدة عن الخير ونزول الرحمة هي تلك القطعة من الأرض لا جميعها إذ للأرض قطع هي مجال للخير والفيض والبركة والرحمة وقد شاع ذم الزمان والمكان باعتبار وقوع الفعل فيهما. (فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عز وجل وهبه له) دل على أنه (عليه السلام) كان يعرف لغة العرب ويتكلم بها وقيل اسمه في السريانية شيث والتسمية بهبة الله من العرب. (وأخته توأم) عطف على غلام، وفيه رد لما ذكره بعض العامة من أنه تولد من حواء منفردا بخلاف سائر الإخوة. (فاجعل العلم الذي عندك...) لعل المراد بالعلم العلم بالأحكام وغيرها مما أوحى إليه وبالإيمان أصول الدين وأركانه كالتوحيد ونحوه، وبالاسم الأكبر الإسم الأعظم أو الكتاب، روى المصنف في باب ما نص الله ورسوله على الأئمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " الاسم الأكبر هو الكتاب الذي يعلم به علم كل شئ الذي كان مع الأنبياء عليهم السلام وبميراث العلم الإرشاد والتعليم والهداية والخلافة وباثار علم النبوة الصلاح والكرامات والأسرار التي لا يجوز للنبي إظهاره لغير الوصي وفي كتاب معارج النبوة أن آدم (عليه السلام) عند وصيته إلى شيث أخرج صندوقا أبيض وفتح قفله

[ 59 ]

وأخرج منه صحيفة بيضاء ونشرها وبلغ نورها شرقا وغربا وكانت فيها أسامي جميع الأنبياء والأوصياء وصفاتهم وعلاماتهم ومعجزاتهم وأزمنتهم وأيام عمرهم وما يرد عليهم من العطاء والبلاء أولهم آدم (عليه السلام) وآخرهم خاتم الأنبياء وسايرهم على الترتيب فعرضهم على شيث ثم وضعها في الصندوق ودفعه إلى شيث وأمره بحفظه " واعلم أن المقصود من هذا الحديث أن الرسالة والنبوة والوصاية والولاية من لدن آدم (عليه السلام) إلى آخر الدهر إنما كانت بنص الله تعالى وأمره ولم يفوضها إلى الرسل والأنبياء والأوصياء مع كمال عقولهم وهكذا كانت سنة الله دائما فكيف يفوضها إلى الجهلة من هذه الأمة ولن تجد لسنة الله تحويلا. (ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح) أريد بالنجاة النجاة الاخروية لمن تبعه والنجاة من العقوبة الدنيوية للجميع إذ العالم المذكور سبب لبقاء الخلق ولولا وجوده لساخت الأرض بأهلها، كما دل عليه صريح بعض الروايات. (وبشر آدم) هبة الله وخيار أولاده (بنوح صلى الله عليه فقال إن الله تعالى باعث نبيا اسمه نوح) في معارج النبوة اسمه في السريانية يشكر، وسماه العرب نوحا وآدما ثانيا ولقبوه بشيخ الأنبياء ونجي الله، وذكر لتسميته بنوح ثلاثة أوجه أحدها أنه مريوما بكلب أجرب فقال: اخسأ يا قبيح، فتكلم الكلب وقال: اخلق أحسن مني إن قدرت، أو قال: أنت تعيب النقاش دون النقش، أو قال: احفظ لسانك إنما أجريب أنت اسم آدم ووصف النبوة على نفسك فاضطرب نوح وبكى سنين كثيرة سمي لذلك بنوح، وإنما سموه آدم الثاني لأن سلسلة أنساب الخلائق كلهم بعد الطوفان تنتهي إليه (وأوصى آدم (عليه السلام) إلى هبة الله...) أي أمره أو عهده أو فرضه والظاهر أنه (عليه السلام) كتب هذه الوصية وكتب اسم نوح ونعته وأمر هبة الله أن يحفظها أو يعمل بما فيها بقرينة ما يأتي من أنه وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة (فأرسل آدم هبة الله وقال له إن لقيت جبرئيل) دل على أنه كان للملائكة مقام معلوم يراهم آدم وصيه فيه وإلا لما احتاج إلى الإرسال. (فليس لنا أن نؤم شيئا من ولده) في الفقيه " قال جبرئيل (عليه السلام) فلسنا نتقدم على أبرار ولده وأنت من إبرارهم " وفيه دلالة على أن أبرار ولده أفضل من الملائكة وأنه لا يجوز للمفضول التقدم على الأفضل في أمر الصلاة فضلا عن غيره من الرياسة الدينية عموما. (وكبر عليه ثلاثين تكبيرة) في صلاة واحدة على الظاهر أو ست صلوات على احتمال، قال بعض العامة: كبر عليه ثلاث تكبيرات، وقال بعضهم: أربع تكبيرات كما هو المعروف عندهم اليوم. (وقد كان يكبر على أهل بدر تسعا وسبعا) في صلاة ميت واحد أو ميتين بأن كان حضور الثاني بعد التكبير الثاني أو بعد التكبير الرابع، والأول أظهر. (ثم إن هبة الله لما دفن أباه) في معارج النبوة دفنه في كنز وهو في غار جبل أبي قبيس، ثم نقله نوح معه في السفينة ودفنه بعد النزول منها في سرنديب (فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين أه)

[ 60 ]

دل على أن التقية كانت في شرع السابقين أيضا وهي في دين الله الذي قرره لعباده الصالحين حفظا لهم عن ضرر الفاسقين. (وظهرت وصية هبة الله) أي ظهرت وصيته بأنه يبعث نبي اسمه نوح أو بأنه يبعث بعده أنبياء إلى نوح أو ظهر كونه وصيا لآدم لأنه كان يخفيه من الأشرار (حين نظروا في وصية آدم) دل على أن الوصية كانت مكتوبة عند هبة الله كما دل عليه قوله (وقد كان آدم (عليه السلام) وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية) تعاهده تفقده وطلبه عند غيبته أي أمره أن يطلب هذه الوصية ويتجدد العهد بها وينظر ما فيها من نوح وصفته ويطلبوه هل وجد أم لا. (وكذلك جاء في وصية كل نبي...) أي مثل ما ذكر من وصية آدم إلى هبة الله وتبشيره بنوح وذكر نعته وأمر من يدركه بمتابعته وتصديقه جاء في وصية كل نبي إلى وصيه وإلى نبي يأتي بعده وذكر اسمه ونعته وأمر من يدركه بمتابعته وتصديقه حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) فإنه دفع الوصية إلى وصيه وانقطعت الوصية إلى النبي إذ لا نبي بعده. (وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم) الذي حصل لهم بوصية آدم وهبة الله فعلموا بذلك العلم أنه نبي من عند الله تعالى، ولم يكن لهم التعيين والحكم بأنهم نبي من قبل أنفسهم فكذلك الوصي. (وهو قول الله عز وجل) أي كون نوح رسولا بأمر الله تعالى ومن عنده لا بأمر الخلق * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) * فإنه صريح في أنه تعالى أرسله ولا مدخل للخلق في إرساله. (وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين) خوفا من ذرية قابيل ومن تبعهم من الأشرار ولعل المراد أن أكثرهم كانوا مستخفين وإلا فإدريس كان بين آدم ونوح وكان نبيا وسماه تعالى في القرآن ورفعه مكانا عليا (ولذلك خفي ذكرهم في القرآن) إذ لو ذكروا فيه كان المعاند العارف بأحوال الماضين ينسب الكذب إليه (فمكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما بعد البعث، قال القاضي: روى إنه بعث على رأس أربعين ودعا قومه تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين لم يشاركه في نبوته أحد) فكان نبيا وحده ولم يكن غيره في عصره نبيا بخلاف سائر الأعصار فإنه كان في عصر واحد أنبياء (وذلك قول الله عز وجل: كذبت قوم نوح المرسلين) قال القاضي وغيره: القوم مؤنثة ولذلك تصغر على قويمة. (يعني من كان بينه وبين آدم (عليه السلام)) يعني كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل بعد إظهار نوح رسالتهم وبهذا التفسير أيضا صرح بعض المفسرين وقيل كذبوا نوحا وحده الا أن تكذيب واحد من الرسل لما كان كتكذيب الكل صح أنهم كذبوا الكل فأهلكهم الله تعالى بالطوفان. (إلى أن انتهى إلى قوله عز وجل وان ربك لهو العزيز الرحيم) أي العزيز المنتقم من أعدائه الرحيم لأوليائه، والآية في سورة الشعراء (وهو قول الله عز وجل * (وإلى عاد) * أي وأرسلنا إلى عاد

[ 61 ]

* (أخاهم هودا) *) أخاهم مفعول وهودا عطف بيان له (وقوله عز وجل كذبت عاد المرسلين) يعني كذبوا من كان بين هود وآدم (عليه السلام) أو هودا وحده، وتكذيبه تكذيب الكل وأريد بعاد القبيلة ولذلك أنث الفعل وهو في الأصل اسم أبيهم (إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) عقاب الله بالإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر وترك الشرك وقالوا * (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين) * وأهلكهم الله تعالى بريح صرصر كما هو مذكور في الكتاب المبين. (وقال الله تبارك وتعالى ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) إذ وصى هذان النبيان الكريمان بنيهما بالملة المعينة من عند الله تعالى وقالا * (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * ظهر أن الخلافة بالوصاية بأمر الله تعالى كما أن النبوة بأمره تعالى وكذلك قال إبراهيم (عليه السلام) * (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * وقوله * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا) * لنجعلها في أهل بيته) دل على أن النبوة والهداية من صنعه تعالى يضعها في أهل بيت النبي فكيف يتخلف هذا عن أهل بيت خاتم الأنبياء (وآمن العقب من ذرية الأنبياء من كان قبل إبراهيم لإبراهيم (عليه السلام)) دل على أن سنة الله في خلافة اللاحق أن تكون بوصاية السابق دائما وأنها لم تكن مختصة ببعض فلا ينبغي التخلف في بعض المواد وفي بعض النسخ وأمر بالراء (وكان بين إبراهيم وهود من الأنبياء) كلهم يبشرون أمته بخلافة إبراهيم (عليه السلام) ويوصونهم بمتابعته وهذه السنة كانت مستمرة لا ينكرها إلا الجاهلون ومن للتبعيض ثم أراد (عليه السلام) أن يبين ما ذكره من أن نبيا من ذرية الأنبياء آمن لإبراهيم (عليه السلام) وأن إبراهيم (عليه السلام) نبي فقال لبيان الأول (وهو قول الله عز وجل وما قوم لوط منكم ببعيد) خوف شعيب (عليه السلام) قومه المعاندين المشركين بمثل ما أصاب أقوام الأنبياء السابقين فقال * (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد) * بحسب الزمان والمكان فإن لم يعتبروا بمن قبلهم لبعدهم فاعتبروا بهم لقربهم، وفيه دلالة واضحة على أن لوطا وهو من ذرية الأنبياء نبي. وقال لبيان الثاني (وقوله عز وجل فآمن له لوط وقال إني مهاجر) من قومي (إلى ربي) وهو ابن خالته كما سيجئ وأول من آمن به وقيل آمن به حين رأى أن النار لم تحرقه (وقوله عز وجل وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه) إبراهيم منصوب وإذ ظرف للناصب أي وأرسلنا إبراهيم حين كمل عقلا وعرف الحق وأمر الناس به (ذلكم خير لكم) أي ما ذكر من العبادة والتقوى خير لكم مما أنتم عليه (إن كنتم تعلمون) الخير والشر وتفرقون بينهما، واسم التفضيل هنا لأصل الفعل أو لفرضه في المفضل عليه وإلا فلا خير فيه أصلا (فجرى بين كل نبيين) معروفين (عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء) كلهم يبشرون بمن يأتي بعدهم (وجرى لكل نبي ما جرى لنوح (عليه السلام) من

[ 62 ]

وصيته) إلى ابنه سام وبشارته بهود، وهذا تأكيد لقوله سابقا " وكذلك جاء في وصية كل نبي ". (وكما جرى لآدم من وصيته) إلى ابنه هبة الله وبشارته بنوح وهكذا في البواقي. (ثم أرسل الرسل تترى) اقتباس لقوله تعالى * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * أي متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد، فالتاء بدل من الواو والأصل " وترى " والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة، كذا ذكره المفسرون (كلما جاء أمة رسولها كذبوه) فلا بعد في تكذيب هذه الأمة خاتم الأنبياء وسيد الأوصياء لأنه شنشنة أعرفها من أخزم (فأتبعنا بعضهم بعضا) في الهلاك بأنواع متعددة كالغرق والخسف والريح والصاعقة والصيحة ونحوها (وجعلناهم أحاديث) جمع حديث أو أحدوثة وهي ما يحدث به تلهفا أي لم يبق منهم إلا حكايات لمن بعدهم يتحدثون بها ويذكرون أمرهم وشأنهم. (وكانت بنو إسرائيل تقتل نبيا واثنان قائمان) قال الفاضل الإسترابادي: يعني شاهدان حاضران ساكتان من باب التقية، ومقصوده (عليه السلام) أن تقية الأوصياء (عليهم السلام) مما جرت به عادة الله تعالى في الأولين والآخرين وليست مخصوصة بأوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) (ويقوم سوق قتلهم آخر النهار) وآخر النهار ظرف لقيام السوق وهو رواجه مع احتمال أن يكون غاية له. (وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء كلهم) يبشرون به وبخاتم الأنبياء، وهذا تأكيد لما مر من قوله " فكان بين يوسف وموسى من الأنبياء (عليهم السلام) ". (وكان وصي موسى يوشع بن نون (عليه السلام)) هذا كالتأكيد للسوابق من أنه لم يمض نبي إلا وصى إلى غيره بأمر الله وهذه كانت عادة مستمرة من الله تعالى إلى خاتم الأنبياء فكيف يجوز أن تخرق العادة ويمضي هو (صلى الله عليه وآله) ولا ينص بوصي كما زعمه الفجرة. (فلم تزل الأنبياء تبشر لمحمد (صلى الله عليه وآله)) أشار إلى أن جميع الأنبياء بشروا أمتهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذكروا نعته ليصدقه كل من أدركه للتنبيه على أن الخليفة لا تكون إلا منصوبا من قبل الله تعالى فلا يجوز أن ينصبه الجهلة بعقولهم الناقصة. (حتى بلغت محمدا (صلى الله عليه وآله)) أي النبوة والبشارة والوصية. (وذلك) أي كون العلم والرسالة والولاية والوصاية في السابقين واللاحقين بوحي منه تعالى وأمره. (قول الله عز وجل إن الله اصطفى) بالكمالات الجسمانية والنفسانية والفضايل العقلية والروحانية والرسالة والولاية (آدم ونوحا وآل إبراهيم) إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد دخل فيهم وفي الذرية الرسول (صلى الله عليه وآله) وأولاده المعصومون (عليهم السلام) (وآل عمران على العالمين) قيل: آل عمران إما موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر ونسبهما إلى لاوي بن يعقوب وهو جد رابع لهما، أو عيسى ومريم ابنة عمران بن ماتان، ونسبهما إلى يهودا ابن يعقوب وهو الجد الثاني والثلاثين

[ 63 ]

لعيسى (عليه السلام)، وسليمان (عليه السلام) جد العشرين له وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. (ذرية بعضها من بعض) حال أو بدل من الأولين أو منهما ومن نوح يعني أنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض، وقيل: بعضها من بعض في الدين، والذرية: الولد يقع على الواحد والجمع، فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت واوا وأدغمت (والله سميع عليم) بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، كذا في تفسير القاضي. (وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا) أي لم يجعل العلم قط بمنزلة الجهل ولا العالم بمنزلة الجاهل في وجوب الاتباع بل أمر باتباع العلم والعالم في جميع الأزمنة والأعصار دون الجهل والجاهل فكيف يجوز لهذه الأمة تقديم الجاهل على العالم ؟ وفيه رد على الثلاثة واتباعهم إلى يوم القيامة، وقال الفاضل الإسترابادي: فيه رد على من قال بأن الله تعالى بين بعض أحكامه على لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) وفوض الباقي إلى ظنون المجتهدين وأفكارهم واجتهاداتهم الظنية وأمر من لم يبلغ درجة الاجتهاد الظني باتباع ظنون المجتهدين، وملخص الكلام أن الظن قد يكون باطلا فيكون جهلا لعدم مطابقة الواقع وأمر عباده باتباع العلم وهو اليقين المطابق للواقع. (ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه..) أي لم يكل أمره الذي هو تعيين الخليفة وتقرير الأحكام قط إلى ملك مقرب ونبي مرسل فضلا عن غيره ولكن الله تعالى قررهما وأرسل ملكا إلى رسله فقال لذلك الملك قل لهم كذا وكذا فأمرهم الملك بما يحب الله ونهاهم عما يكرهه من الأمور المختصة بهم (فقص عليهم أمر خلقه بعلم) قص الخبر قصا من باب قتل حدثه على وجهه، والاسم القصص بفتحتين، ولعل المراد بأمر الخلق كل مطلوب منهم من الأوامر والنواهي وغيرهما مما فيه صلاحهم أو الأعم منه ومما يصدر منهم ظاهرا وباطنا وقوله " بعلم " حال عن الفاعل والغرض منه أن تحديثه كان مقرونا بعلم من الله تعالى لا برأيه فإذا لم يفوض شيئا من أمر الخلق برأي ملك عظيم الشأن كيف يفوضه إلى الجاهلين (فعلم ذلك العلم) الذي علمه الله إياه وأفاضه عليه (وعلم أنبياءه وأصفياءه) كأن المراد بالأنبياء المعنى العام الشامل للرسل أيضا وبالأصفياء والأوصياء مطلقا لصدقها على الرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فبينهما عموم مطلق لأن كل نبي صفي دون العكس، وحمل العطف على التفسير بعيد. (من الأباء والإخوان والذرية التي بعضها من بعض) بيان للأصفياء يعني أن بعضهم آباء لبعض وبعضهم إخوان في النسب أو في الدين كمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وكموسى ويوشع ويوسف وأسباط أخوته (عليهم السلام) وبعضهم ذرية من بعض وقد اجتمعت الثلاثة في كثير منهم باختلاف الإضافة والاعتبار، وفي بعض النسخ: من الأنبياء. ثم استشهد لما أشار إليه من أن النبوة والرياسة والعلم في الذرية التي بعضها من بعض من قبله تعالى (وقال فذلك قوله عز وجل ولقد آتينا إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)

[ 64 ]

مندرج في آله (عليهم السلام) نبينا صلى الله عليه وآله وأوصياؤه عليهم السلام أيضا (فأما الكتاب فهو النبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة) في بعض النسخ " والصفوة " (وأما الملك العظيم فهم الأئمة الهداة من الصفوة) الظاهر أن " من " في المواضع الثلاثة بيانية ويحتمل أن يكون ابتدائية، ولعل المراد أنه أشار بذكر الكتاب إلى النبوة والأنبياء وبذكر الحكمة إلى الحكماء والعلماء لأنهم إذا أتاهم الحكمة وهي العلم بالشرايع وأسرار التوحيد ومصالح الدنيا والآخرة فهم الحكماء العارفون بالمنافع والمضار كلها المحترزون عن المقابح وبذكر الملك العظيم إلى الأئمة الهداة ووجوب طاعتهم إذ بطاعتهم وعونهم ينتظم الملك العظيم وهو رياسة الدارين، وقد أول الصادق (عليه السلام) في باب " أن الأئمة (عليهم السلام) ولاة الأمر " أيضا الكتاب في هذه الآية بالنبوة والحكمة بالفهم والقضا والملك العظيم بالطاعة. (وكل هؤلاء الأنبياء) والحكماء والأصفياء والأئمة من الذرية التي بعضها من بعض في النسب أو الدين أو الوصاية. (والعلماء) عطف على الذرية (الذين جعل الله فيهم البقية) أي من ينتظر وجوده ويترقب ظهوره من قولك بقيت الرجل أبقيه إذا انتظرته ورقبته (وفيهم العاقبة) أي عاقبة أمر النبوة والولاية والوصاية، والعاقبة أيضا آخر كل شئ، وكأن المراد بها نبينا صلى الله عليه وآله وهو آخر الأنبياء (عليهم السلام) أو المهدي المنتظر وهو آخر الأوصياء (عليهم السلام) ويمكن أن يراد بها مجئ واحد بعد آخر على أن يكون مصدرا ومنه العاقب وهو الذي يخلف من قبله، وفي الخبر: ومن أسماء نبينا (صلى الله عليه وآله) العاقب لأنه آخر الأنبياء (عليهم السلام). (وحفظ الميثاق حتى ينقضي الدنيا) وهم (عليهم السلام) يحفظون العهد الذي أخذه الله تعالى عليهم وعلى غيرهم وأمرهم بالوفاء به من غير زيادة ونقصان. (وللعلماء ولولاة الأمر استنباط العلم وللهداة) أي لهم لا لغيرهم استنباط علم الكتاب من الحكمة الإلهية وأسرار التوحيد وعلم الأحكام والأخلاق والسياسات وغير ذلك مما لا يصل إليه إلا عقولهم الشريفة المؤيدة بتأييدات ربانية وتوفيقات إلهية، فإن الكتاب بحر لا يستخرج لئالي أسراره إلا المؤيدون من عند الله والغواصون في بحر عصمته وهم أهل البيت (عليهم السلام) وقد نص بهم الله عز وجل بقوله * (ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * فرد أمر الناس إلى أولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم بقوله * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وفيه إشارة إلى أن كل من ليست له قدرة الاستنباط لا يجوز له تولي أمر الخلافة. (فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل والأنبياء والحكماء والأئمة الهداة والحلماء) " من " للبيان أي حفظ الميثاق واستنباط العلم شأن الفضل وأمرهم، والفضل جمع فاضل مثل كمل جمع كامل، ووصفهم بالأوصاف المذكورة باعتبار تعدد الجهات الذين هم ولاة أمر الله عز وجل أي دين

[ 65 ]

الله أو حكمه وهي صفة للمفضل. (واستنباط علم الله) من الكتب الإلهية وهو عطف على أمر الله (وأهل آثار علم الله) وهي السلاح والمعجزات والأخبار بالمغيبات وتطهير الظاهر والباطن عن الرذايل وتزيينها بالفضايل وتحذير الخلق عن المنهيات وإرشادهم إلى الخيرات والظاهر أن عطفه على أمر الله غير صحيح وعلى الولاة غير مناسب للعطف السابق والأولى أنه مبتدأ وقوله (من الذرية التي بعضها من بعض) خبر له وقوله (من الصفوة بعد الأنبياء (عليهم السلام)) خبر بعد خبر وقوله (من الآباء والإخوان والذرية من الأنبياء) بيان للأنبياء يعني أن أهل آثار علم الله من الصفوة بعد الأنبياء كلهم في الزمان لا في الرتبة والأنبياء آباؤهم وإخوانهم في الدين وذرية الأنبياء (فمن اعتصم بالفضل) الموصوفين بالصفات المذكورة وهم أهل البيت (عليهم السلام) (انتهى بعلمهم) إلى الدرجة القصوى والمرتبة العليا المطلوبة من الإنسان (ونجا بنصرتهم) من العقوبات الاخروية. (ولم يكن لهم حجة يوم القيامة) أي لم يكن لهم إمام يدفع عنهم العذاب ويشفع لهم أو برهان " ودليل يوم القيامة حين سئلوا لم جعلتم الجهال وغير آل إبراهيم من أهل بيت نبيكم وذريته خلفاء أمناء في دين الله إنما الحجة في آل إبراهيم ليس لهم أن يقولوا من جعلناهم خلفاء أيضا آل إبراهيم لأن المراد بالحجة من آل إبراهيم من جعله الله تعالى حجة بدليل قوله تعالى * (وآتيناهم ملكا عظيما) * والملك العظيم هو الإمامة. (وصية الله بعضها من بعض التي وضعها على الناس) الظاهر أنها خبر مبتدأ محذوف وهو هذه وإن ما بعدها صفة لها وأن ضمير التأنيث راجع إليها يعني هذه " أي النبوة والخلافة " وصية الله على الأنبياء، أمر المتقدم منهم أن يوصي للمتأخر، وأوجب على غيرهم قبولها أو متابعتها. وأشار إلى تفصيل هذا الإجمال بقوله (فقال عز وجل: * (في بيوت أذن الله أن ترفع) * وهي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى) ولم تزل فيهم وفي ذريتهم يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا بأمر الله تعالى حتى ورثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) ووضعها النبي في أهل بيته وذريته بأمر الله تعالى. (فهذا بيان عروة الإيمان) أي الكلام المذكور بيان عروة الإيمان والمراد من الإيمان إما المعنى المعروف أو الدين الذي شرع الله تعالى لعباده، والمراد بالعروة الرسول ووصيه على سبيل الإستعارة لأن من تمسك بها فهو حامل للإيمان وناج من الهلاك الدنيوي والاخروي، والعقوبات اللاحقة لمن لم يتمسك بها (وبها ينجو من يتبع الأئمة) الأنسب أن يقول: وبها ينجو من ينجو منكم وإنما عدل عنه للتصريح بالمقصود وهو أن نجاة هذه الأمة باتباع الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله عز وجل في كتابه (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا) أي إلى العلم والحكمة والنبوة وآثارهما (ونوحا هدينا) إليها (من قبل) أي من قبل إبراهيم (ومن ذريته داود وسليمان

[ 66 ]

وأيوب ويوسف وموسى وهارون) قال القاضي: الضمير لإبراهيم، إذ الكلام فيه، وقيل لنوح لأنه أقرب ولأن يونس ولوطا ليس من ذرية إبراهيم فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها، والمذكورون في الآية الثالثة عطف على " نوحا " وفيه أن سياق التعاطف يقتضي أن يكون المعطوف عليه واحدا فالأولى أن الضمير لنوح. (وكذلك نجزي المحسنين) أي مثل ماجزينا إبراهيم برفع الدرجات وإعطاء العلم والحجة والنبوة نجزي المحسنين الكاملين في الإحسان. (كل من الصالحين) العاملين بما ينبغي التاركين لما لا ينبغي. (وكلا فضلنا على العالمين) بالحكمة والنبوة والخلافة. (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) قال القاضي: هو عطف على كلا أو نوحا أي فضلنا كلا منهم أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبيا ولا مهديا (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) عطف على فضلنا (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده أي ما دانوا به) وما كانوا عليه من الحكمة والنبوة والخلافة، وفيه دلالة على أن ذلك من صنع الله تعالى وليس لأحد مدخل فيه. (ولو أشركوا) أي هؤلاء الأنبياء الكرام مع كمال فضلهم وقوة عقلهم بتغيير حكم الله وتبديل وصية لله (لحبط عنهم ما كانوا يعملون) فكيف غيرهم من الجهلة الذين لا يعلمون حقائق الإيمان ولا مراتب كمال الإنسان. (أولئك الذين آتيناهم الكتاب) أراد به الجنس الصادق على المتعدد. (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) قال القاضي وغيره: ضمير بها للثلاثة أي الكتاب والحكم والنبوة وهؤلاء إشارة إلى قريش وقومهم الأنبياء المذكورون ومتابعوهم وقيل هم الأنصار وأصحاب النبي أو كل من آمن به أو الفرس وقيل الملائكة وفسر (عليه السلام) هؤلاء بالأمة جميعا وهي أعم من قريش وفسر القوم بالفضل من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) والمدح شامل لكل من تبعهم إلى يوم القيامة، ولعل المراد بالإيمان الولاية والخلافة أو الأعم منها ومن جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) ويعبر عنه بالدين، وقوله " علماء أمتك " بدل أو بيان لأهل بيتك، وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب (ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء) الرياء معروف وقد ذكرنا تفسيره وأحكامه في شرح كتاب الأصول، والبطر الطغيان عند النعمة وطول الفناء والتكبر عن قبول الحق والكذب من القول والفعل ما لا يطابق الواقع، والزور بالضم الكذب مطلقا أو الكذب المقرون بالقصد أو الميل عن الحق أو الشرك بالله أو ما يعبد من دون الله، فعلى الأول لا فرق بينه وبين الكذب فذكره تأكيد وعلى الثاني بينهما عموم وخصوص مطلق، وعلى الثلاثة الأخيرة بينهما مباينة، أما على الأخيرين فظاهر وأما على السابق منهما فلأن القول من حيث إنه غير مطابق للواقع كذب، ومن حيث إنه مايل عن الحق زور، والإثم

[ 67 ]

بالكسر الذنب وقد يطلق على العمل بما لا يحل وفيه تعريض بمن فيه جميع ذلك. وقال الفاضل الأمين الإسترابادي: فيه إشارة إلى أن الاستنباطات الظنية من الأصل والاستصحاب وإطلاق الآية أو قياس أو نحو ذلك غير جايزة. (فهذا بيان ما ينتهي إليه أمر هذه الأمة) وهو أن أمر الخلافة والولاية في العقب من أهل بيته وذريته بأمر الله تعالى كما كانت في أعقاب الأنبياء وذرياتهم بأمره تعالى هذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا فمن تمسك بهم فهو ناج ومن تخلف عنهم فهو هالك " إن الله تعالى طهر أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله) قال الله عز وجل * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * وقد نزلت فيهم بالاتفاق كما مر في كتاب الأصول (وسألهم أجر المودة) قال عز وجل * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ولم يقبل أموالهم حين عرضوا عليه ثلثها، وفي جعل أجر نعمة الرسالة - التي لا نعمة أعظم منها - مودة ذوي القربى دلالة واضحة على وجوب متابعتهم وكمال حبهم وتعظيمهم. (وأجرى لهم الولاية) قال عز وجل * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا..) * الآية، وقال * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وقال: * (ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم.) *. الآية (وجعلهم أوصياءه وأحباءه ثابتة بعده في أمته) الظاهر أن فاعل " جعلهم " ضمير له تعالى بقرينة العطف، وكونه للرسول بعيد، وثابتة حال عن الأوصياء والأحباء، والتأنيث باعتبار الجماعة أو الوصاية والمحبة، والمراد بثبوتها استمرارها إلى آخر الدهر. (فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يكرمه ولا يعذبه) الإكرام إشارة إلى إيصال أنواع الخير، ونفي التعذيب إلى دفع أنواع الشر. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة ثابت ابن دينار الثمالي، وأبو منصور، عن أبي الربيع قالا: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبد الملك وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه الناس فقال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي، فقال: أشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي قال: فاذهب إليه وسله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقل: سل عما بدا لك.

[ 68 ]

فقال: أخبرني كم بين عيسى وبين محمد (عليه السلام) من سنة ؟ قال: أخبرك بقولي أو بقولك ؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال: أما في قولي فخمسمائة سنة وأما في قولك فستمائة سنة. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل لنبيه * (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * من الذي سأل محمد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) * فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) حيث أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذن شفعا وأقام شفعا وقال في أذانه: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم: على ما تشهدون وما كنتم تعبدون ؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا. فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر، فأخبرني عن قول الله عز وجل: * (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) * قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا وكانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا فلما أن تاب الله عز وجل على آدم (عليه السلام) أمر السماء فتفطرت بالغمام ثم أمرها فأرخت عزاليها ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفهقت بالأنهار فكان ذلك رتقها وهذا فتقها. قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عز وجل * (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) * أي أرض تبدل يومئذ ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب، فقال نافع: إنهم عن الأكل لمشغولون ! فقال أبو جعفر (عليه السلام): أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار ؟ فقال نافع: بل إذ هم في النار. قال: فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحميم. قال: صدقت يا ابن رسول الله، ولقد بقيت مسألة واحدة، قال: وماهي ؟ قال: أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان ؟ قال: ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه، قال: وما هو ؟ قال ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت: إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت، وإن قلت: إنه قتلهم باطلا فقد كفرت، قال: فولى من عنده وهو يقول: أنت والله أعلم الناس حقا حقا، فأتى هشاما فقال له: ما صنعت ؟ قال: دعني من كلامك، هذا والله أعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقا ويحق لأصحابه أن يتخذوه نبيا.

[ 69 ]

* الشرح: قوله (وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب) هو نافع بن الأرزق كما مر في باب الكون والمكان من كتاب التوحيد، وفي جامع الأصول: نافع مولى عمر، وهو أبو عبد الله نافع بن سرجس على وزن نرجس مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب كان ديلميا تابعيا. (من هذا الذي تداك عليه الناس) أي ازدحموا وأصل الدك الدق والكسر. (من الذي سأله محمد وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة) زعم نافع أن بعد الزمان والمسافة مانع من الملاقاة والسؤال، وأجاب (عليه السلام) بأنه وقع الملاقاة والسؤال ليلة الإسراء، وإنما أجاب به لأنه لا يقدر المخاطب المتعنت على إنكاره وإلا فهو (صلى الله عليه وآله) قادر على السؤال في كل وقت أراد إذ لا مسافة في العالم الروحاني. (ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم) قيل كيف يصلون وهم في دار الآخرة وليست دار عمل ؟ وأجيب عنه بوجوه: الأول أنه إذا كان الشهداء أحياء فهؤلاء أولى وإذ كانوا أحياء صح أن يصلوا ويعملوا ساير القربات ويتقربوا بذلك إلى الله تعالى وهم وإن كانوا في الآخرة فالدنيا لم ينقطع بعد فإذا فنيت وعقبتها الآخرة دار الجزاء انقطع العمل. الثاني أن الصلاة ذكر ودعاء، والآخرة دار الذكر والدعاء، قال الله تعالى * (تحيتهم فيها سلام..) *. الآية الثالث أن الموت يمنع التكليف لا العمل. (فلما أن تاب الله تعالى على آدم (عليه السلام)) أي قبل توبته وغفر له وأنقذه من خوف ما صنع أمر السماء (فتقطرت بالغمام) أي أحدثت القطرات بالغمام، وفي بعض النسخ: تفطرت بالفاء أي تشققت. والغمام السحاب، سمي لأنه يغم أي يغطي ويستر وجه السماء أو وجه الشمس. (ثم أمرها فأرخت عزاليها) بفتح العين المهملة والزاي المعجمة واللام المكسورة أو المفتوحة جمع عزلا، وهو فم المزادة شبه اتساع الماء واندفاقه بالذي يخرج من فم الراوية (وتفهقت بالأنهار) أي تفتحت واتسعت، ومنه المتفيهقون وهم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء، وفي بعض النسخ: تفيهقت أي تفتحت. (فقال أبو جعفر (عليه السلام) أرض تبقى خبزة يأكلون منها حتى يفرغ الله عز وجل من الحساب) وفي كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " تكون الأرض خبزة واحدة نزلا لأهل الجنة " والمراد بقوله " نزلا لأهل الجنة " أنها صارت خبزة لأجلهم، ولا ينافي ذلك أكل الكافر منها أيضا وليست من طعام الجنة. ثم تأويله (عليه السلام) هذا لا ينافي ما ورد في بعض الأحاديث من أن الأرض المبدلة أرض بيضاء نقية لا جبال فيها ولا تلال ولا وهاد.

[ 70 ]

(فقال نافع إنهم عن الأكل لمشغولون) أنكر نافع قوله (عليه السلام) بأنهم مشغولون عن الأكل بأهوال القيامة ولا يخطر من الهم والغم والخوف الأكل ببالهم. (قال أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان فقال: ويلك متى لم يكن حتى أخبرك متى كان) متى كان زيد سؤال عن أول زمان كونه ووجوده وهو يستلزم جواز السؤال عن عدمه قبله، ومن ثم قالوا كل ماصح أن يسأل عن وجوده بمتى صح أن يسأل عن عدمه بمتى، واللازم فيما نحن فيه باطل إذ ليس وجوده تعالى مسبوقا بالعدم، فأشار (عليه السلام) إلى أن مقولة متى لا تجري في الواجب لا وجودا ولا عدما وإنما تجري في الوجودات الحادثة. (سبحان من لم يزل ولا يزال) أي أنزه تنزيها لمن لا يكون له زوال وانتقال من العدم إلى الوجود ولا من الوجود إلى العدم لأن قدم وجوده يتأبى عن العدم وقتا ما. (فردا صمدا) حال عن فاعل لم يزل وحجة لعدم كون وجوده مسبوقا بالعدم إذ لو كان كذلك لاحتاج إلى الموجد ضرورة أن الشي لا يوجد نفسه فلا يكون فردا صمدا على الإطلاق لكونه مع موجده واحتياجه إليه (لم يتخذ صاحبة ولا ولدا) لتنزهه عن الشهوة والتماثل والتعاون والفناء والحاجة إلى الولد وغير ذلك من توابع الحدوث ولواحق الإمكان. (قال ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت وإن قلت أنه قتلهم باطلا فقد كفرت) كأن نافعا كان يعتقد بأن عليا (عليه السلام) كان إماما مفترض الطاعة بعد الثلاثة وبأن أهل النهروان كانوا محقين في مخالفته فأورد (عليه السلام) بأن هذين الإعتقادين متنافيان لا يجتمعان معا وذلك لأنك إن قلت إن عليا (عليه السلام) قاتلهم بحق ارتددت بتصديقك أهل النهروان كما ارتدوا وإن قلت أنه قاتلهم باطلا فقد كفرت عند الأمة بنسبة الباطل إليه (عليه السلام) والظاهر أن هذا إلزام لا مفر له عنه والله أعلم.

[ 71 ]

حديث نصراني الشام مع الباقر (عليه السلام) * الأصل: - عنه، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي قال: أخرج هشام ابن عبد الملك أبا جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى الشام فأنزله منه وكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينا هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال: ما لهؤلاء ؟ ألهم عيد اليوم ؟ فقالوا: لا يا ابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه فيسألونه عما يريدونه وعما يكون في عامهم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): وله علم ؟ فقالوا: هو من أعلم الناس قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى (عليه السلام) قال: فهل نذهب إليه ؟ قالوا: ذاك إليك يا ابن رسول الله. قال: فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتو الجبل فقعد أبو جفعر (عليه السلام) وسط النصارى هو وأصحابه وأخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد ثم دخلوا فأخرجوه ثم ربطوا عينيه. فقلب عينيه كأنهما عينا أفعى ثم قصد إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا شيخ أمنا أنت أم من الأمة المرحومة ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): بل من الامة المرحومة فقال: أفمن علمائهم أنت أم من جهالهم ؟ فقال: لست من جهالهم فقال النصراني: أسألك أم تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) سلني. فقال النصراني: يا معشر النصارى رجل من أمة محمد يقول: سلني إن هذا لملئ بالمسائل ثم قال: يا عبد الله أخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا من النهار أي ساعة هي ؟ فقال أبو جعفر: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فقال النصراني: فإذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا فقال النصراني: فأسألك أم تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سلني: فقال النصراني: يا معشر النصارى إن هذا لملئ بالمسائل، أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل أمه ولا يتغوط، فقال النصراني: ألم تقل: ما أنا من علمائهم ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنما قلت لك: ما أنا من جهالهم. فقال النصراني: فأسألك أو تسألني ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): سلني. فقال: يا معشر النصارى والله لأسألنه عن مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل فقال له: سل، فقال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت باثنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة وولدتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في قبر واحد عاش أحدهما خمسين ومائة

[ 72 ]

سنة وعاش الآخر خمسين سنة من هما ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): عزير وعزرة كانا حملت أمهما بهما على ما وصفت ووضعتهما على ما وصفت وعاش عزير وعزرة كذا وكذا سنة ثم أمات الله تبارك وتعالى عزيرا مائة سنة ثم بعث وعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة وماتا كلاهما في ساعة واحدة. فقال النصراني: يا معشر الأنصار ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني، قال: فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع أبي جعفر (عليه السلام). * الشرح: قوله (حديث نصراني الشام مع الباقر (عليه السلام)) رأيت في بعض الكتب بعد نقل هذه الحكاية أنه آمن به ولم يحضرني الآن اسمه (ثم ربطوا عينيه) كأنهم ربطوا حاجبيه لطوله المانع من الرؤية أو لئلا تضر من شعاع الشمس بعد خروجه من ظلمة الغار وذلك كما توضع اليد فوق الحاجبين عند مواجهة الشمس لأجل رؤية ما يقابله وتعلق الربط بالعين لأدنى ملابسة ومقاربة. (من ساعات الجنة) على سبيل التشبيه في الشرف والاعتدال كما مر أو هي من ساعاتها وضعت بينهما. (أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا) في كتاب مسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك على منازل لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب ومجامرهم الالوة ورشحهم المسك، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم ستون ذراعا يعني لا تباغض بينهم ولا تحاسد قلوبهم كقلب واحد وأخلاقهم كخلق واحد ". قال عياض: الرشح العرق والالوة بفتح الهمزة وضم اللام العود الهندي ثم قال: مذهب أئمة المسلمين أن تنعم أهل الجنة حسي كتنعم أهل الدنيا إلا ما بينهم من التفاوت الذي لا شركة فيه إلا بحسب الاسم وأنه دايم لا ينقطع خلافا للفلاسفة والنصارى من قولهم إن تنعم الآخرة إنما هو لذات عقلية وانتقال من هذا العالم إلى الملأ الأعلى، وهذا المعنى هو المعبر عندهم بالجنة، وخلافا لبعض المعتزلة في أن نعيم الجنة غير دائم وإنما هو لأجل، وقالوا مثله في عذاب جهنم، إلا أنهم عندهم يفنون، وهذا كله خلاف ملة الإسلام وسخافة عقل وخلاف في كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وآله.

[ 73 ]

حديث أبي الحسن موسى (عليه السلام) * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران: عن محمد بن منصور، عن علي بن سويد، قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته: بسم الله الرحمن الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة، بالأعمال المختلفة والأديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتد، وسميع وأصم، وبصير وأعمى حيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد (صلى الله عليه وآله). أما بعد فإنك امرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما استرعاك من دينه وما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الأمور إليهم. كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية ومن كتمانها في سعة. فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم: فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الأمر أهله واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم بإفشاء ما استودعتك وإظهار ما استكتمتك ولن تفعل إن شاء الله. إن أول ما أنهى إليك أني أنعي إليك نفسي في ليالي هذه غير جازع ولا نادع ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عز وجل وحتم فاستمسك بعروة الدين: آل محمد والعروة الوثقى: الوصي بعد الوصي والمسالمة لهم والرضا بما قالوا ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم. وتدري ما خانوا أماناتهم ؟ أئتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلو ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم: فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفي سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا، فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عز وجل كلامه

[ 74 ]

وهزءا برسوله (صلى الله عليه وآله) وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما وما ازدادا إلا شكا كانا خداعين مرتابين منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام. وسألت عما حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث فأما الماضي فمفسر وأما الغابر فمزبور وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله). وسألت عن أمهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة، نكاح بغير ولي وطلاق في غير عدة وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه، وسألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان. وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم يرفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف، وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك والوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم فإن خفت على أخيك ضيما فلا وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته ولا تحصن بحصن رياء ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف منا خلافه فإنك لا تدري لما قلناه ؟ وعلى أي وجه وصفناه ؟ آمن بما أخبرك ولا تفش ما استكتمناك من خبرك. إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته ولا تحقد عليه وإن أساء وأجب دعوته إذا دعاك ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك. وعده في مرضه. ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الأذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الأمر به فإذا رأيت المشوه الأعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين وإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الأخيار. * الشرح: (حديث أبي الحسن موسى (عليه السلام)) في عهد هارون الرشيد حين كان محبوسا بأمره عند السندي ابن شاهك في بغداد (الحمد لله العلي العظيم) أي العلي عن المشابهة بالمخلوقين والإحاطة به وصف الواصفين، العظيم بذاته وصفاته فذاته في أعلى مراتب الجلال وصفاته في أقصى مراتب الكمال وكل ما سواه بالإضافة إليه حقير صغير محتاج فقير (الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب

[ 75 ]

المؤمنين...) الظاهر أن الباء للسببية إذ الإبصار والمعاداة والابتغاء وقعت بسببهما بيان ذلك أن عظمته المطلقة وكبرياءه تقتضي معرفة جميع ما سواه إياه وانقيادهم له في أوامره ونواهيه وابتهالهم في ذل الحاجة إليه، ولا يتحقق ذلك إلا بوضع علم بجميع ما يحتاجون إليه في صدر رسول ومن ينوب منابه وهذا العلم يسمى تارة بالنور لاهتداء الخلق به وتارة بالعرش لاستقرار العظمة وجميع المخلوقات فيه فبسبب نوره وعظمته المقتضية له أبصر قلوب المؤمنين سبل الحق وطرق الخيرات وكيفية سلوكها. (وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون) بإنكاره أو إنكار رسوله أو إنكار وليه ووصي رسوله حتى توقفوا وتحيروا في سبيله الحق ولو لم يكن العظمة والنور لم يتصور الإبصار والمعاداة والابتغاء. وقد أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " ومضيت بنور الله حين وقفوا " أرد (عليه السلام) أن سلوكه لسبيل الله على وفق العلم وهو نور الله الذي لا يضل من اهتدى به وذلك حين وقفوا حائرين مترددين جاهلين بالقصد وكيفية سلوك الطريق وكان غرضه (عليه السلام) هو التنبيه على أن هذه الفضيلة كانت فيه لا في غيره فلا يجوز تقديم الغير عليه، وكذلك بعظمته ونوره ابتغى الخلق كلهم الوسيلة والتقرب إليه بالأعمال المختلفة والأديان المتضادة حيث علموا أنه مستحق للتقرب به، فمنهم من اقتفى نوره واتخذ دينا حقا وعمل عملا على وفقه، ومنهم من مزجه بظلمة الجهل وحصلت له شبهة واتخذ دينا باطلا وعمل عملا باطلا فظن أنه وسيلة التقرب به. كما فرع عليه ذلك بقوله (فمصيب) في العقد والعمل (ومخطئ) فيهما (وضال) في الدين (ومهتد) فيه (وسميع) يسمع نداء الحق وآياته الداعية إليه وإلى رسوله وولاة الأمر (وأصم) لا يسمع شيئا من ذلك ولا يعمل به (وبصير) يدرك مراد الله تعالى والمطالب الحقيقية والأسرار الإلهية وما نطق به القرآن الكريم والرسول العظيم (وأعمى حيران) لا يدرك شيئا منها فهو حيران في أمر الدين لا يهتدي إلى الأئمة الهداة دليلا ولا إلى مطالب الشرع سبيلا. (فالحمد لله عرف) في بعض النسخ " عز " (ووصف دينه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم) أي بينه وأوضحه. والدين الطريقة الإلهية التي شرعها لعباده واستعبدهم بها. (أما بعد فإنك امرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة) هي بمنزلة المحبة والقرب والطاعة والانقياد والتسليم لهم، وفيه مدح عظيم لعلي بن سويد، والسند الثاني صحيح إلا أن فيه شهادة لنفسه ففي إثبات مدحه بذلك نظر، فضلا عن توثيقه كما صرح به الفاضل الإسترابادي في حاشية على كتاب رجاله المتوسط نقلا عن الشهيد الثاني (ره) ثم قال فالاعتماد على توثيق الشيخ وهذا الخبر كالمؤيد والله أعلم. (فلما انقضى سلطان الجبابرة) ويقال لها سلطان الباطل وسلطان الشيطان أيضا لأن أطوار الجبابرة أطوار باطلة مردية وأفعالهم أفعال شيطانية مغوية وهم لتمكن رذائل الأخلاق في نفوسهم

[ 76 ]

الشريرة يفسدون في الأرض ويذلون أهل الحق ويقتلون أولياء الله، وجنودهم جنود الشيطان وأولياؤه، والسلطان بضم السين وسكون اللام وضمها للإتباع لغة ولا نظير له قدرة الملك، والمراد بانقضاء سلطانهم انتهاء قدرتهم لأن قدرتهم على أذى الناس وهتك حرمتهم متصورة على الأحياء منهم، وأما إذا جاء الموت وهو المراد بقوله (وجاء سلطان ذي السلطان العظيم..) فقد انقضى سلطانهم وبطلت قدرتهم عليه لأنه خرج عن ملكه. (مخافة أن تدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا) وهم الجهال كما صرح به، وأما الأقوياء فيعلمون أن الأرض لا تخلو من حجة بعده (عليه السلام) فلا تدخل الحيرة عليهم. (فاتق الله جل ذكره..) أمر أولا بالاتقاء عما يوجب عقوبة الله تعالى لأنه المقصود الأصلي من كل أحد والمحرك له إلى حفظ نفسه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله عما لا يليق بالأحرار، وأمر ثانيا بأن يخص بذلك الأمر وهو أمر الخلافة أهله وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يعتقد الإمامة بعده لأهلها لا غير أهلها، وثانيها أن يظهرها لمن يقبل منه لا لغيره، وأمر ثالثا بالحذر عن أن يظهرها للمعاندين فإن إظهارها لهم سبب للبلية على الأوصياء. (أني أنعى إليك نفسي) نعيت الميت نعيا من باب نفع أخبرت بموته فهو منعى والفاعل نعى على فعيل يقال جاء نعيته بكسر العين وشد الباء وهو الذي يخبر بموته. (غير جازع ولا نادم ولا شاك) نفى أولا عن نفسه القدسية الجزع لأن الجزع وهو ضد الصبر إما لضعفه عن حمله ما نزل به أو لشدة خوفه عما يرد عليه بعد الموت أو لشدة حرصه في الدنيا وخوف فواتها، ونفسه الطاهرة كانت منزهة عن جميع ذلك، ونفى ثانيا عنها الندامة لأن الندامة إما عن فعل ما لا ينبغي فعله أو عن ترك ما لا ينبغي تركه وكانت ذاته المقدسة منزهة عنهما. ونفي ثالثا عنها الشك لأن الشك من لوازم الجهل وهو (عليه السلام) معدن العلم والأسرار ومنبع الحكمة وكان عالما بما كان وما يكون وما هو كاين إلى يوم القيامة. (فاستمسك بعروة الدين آل محمد) بدل عن العروة (والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي) من آل محمد شبه آل محمد والوصي منهم بالعروة في أن التمسك بهم حامل للدين شارب من زلاله، ووصفه بالوثقى على سبيل التوشيح للتنبيه على أحكامها وصحة الإيتمان بها حيث لا يعتريها القصم والكسر والقطع. (والمسالمة لهم) عطف على العروة، والمسالمة المصالحة يقال: سالمه مسالمة وسلاما إذا صالحه من السلم بكسر السين وفتحها وهو الصلح، والمراد الانقياد لهم في جميع الأمور وعدم مخالفتهم في شئ منها، ولما كان ذلك قد يتحقق مع الكراهة نبه بقوله (والرضا بما قالوا) على أنه ينبغي أن يكون ذلك مقرونا بالرضا أو أن لم يعرف وجه الصحة أو ثقل ذلك على النفس. (ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك) نهى عن طلب دينهم على وجه الأخذ والعمل به، وأما

[ 77 ]

طلبه للعلم بمواضع فساده ومواقع شبهاتهم لمناظرتهم وكسرهم عند الحاجة فالظاهر أنه جايز بل قد يكون واجبا كفائيا كما صرح به بعض الأصحاب. (ولا تحبن دينهم...) لما كان عدم التمسك بدينهم غير مستلزم لعدم محبته نهى بعده عن محبته وعلل بأنهم خائنون وفعلهم خيانة ودينهم باطل ولا يجوز محبة الباطل كما لا يجوز التمسك به. وفي كنز اللغة: " خيانت با كسى دغلي وناراستي كردن " وفي المصباح: الخاين هو الذي خان من جعل عليه أمينا. (وتدري ما خانوا أماناتهم) التي وضعهم الله تعالى عندهم وائتمنهم عليها (أيتمنوا على كتاب الله) الايتمان: " أمين داشتن كسى را بر چيزى " أمنته على الشي وائتمنته عليه فهو أمين يعني اتخذهم الرسول أمينا على كتابه وأمرهم بحفظه. (فحرفوه) لفظا ومعنى (وبدلوه) أصلا وحكما فغيروا معانيه وحدوده وبدلوا أصوله وأحكامه. (ودلوا على ولاة الأمر منهم) أي دلهم الرسول على ولاة الأمر من آل محمد في مواضع عديدة فانصرفوا عنهم تكذيبا لهم ولمن نصبهم وحبا للدنيا ورياستها، وهذا نوع آخر من الخيانة (فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) اقتباس للآية الكريمة ولأصحاب العربية في تفسير لباس الجوع أقوال: قال صاحب الكشاف: إنه استعارة حقيقية عقلية أو حسية لأنه شبه الضرر والألم الحاصل لهم من الجوع أو شبه انتقاع اللون وتغيره ورثاثة الهيئة الحاصلة لهم منه باللباس لاشتماله عليهم واستعير له لفظ اللباس فجاءت الاستعارة حقيقية عقلية على الأول وحسية على الثاني، وقيل: إنه على المكنية والتخييلية لأنه شبه الجوع بإنسان لابس قاصدا للتأثير والضرر واخترع للجوع صورة وهمية خيالية شبيهة باللباس واستعير له لفظ اللباس، وقيل إنه تشبيه بليغ شبه الجوع باللباس في الشمول والإحاطة والملابسة التامة فصار التركيب من باب لجين الماء. وهذا القول رده جماعة من المحققين، وأقرب الاحتمالات هو الأول لأن تعلق الإذاقة بالمستعار له وهو الضرر والألم أظهر، يقال إذاقة الضرر والبؤس كما صرح به الشريف في حاشيته على المطول. (وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا) أريد برجلين الأول والثاني وبرجل على بن أبي طالب (عليه السلام) وبمال: الخلافة وما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وبإنفاقه على الفقراء تعليمهم وإرشادهم وهدايتهم ورعاية حقوقهم وإجراء الأحكام عليهم كما أمر الله تعالى به. (وقوله حتى حملاه كرها فوق رقبته إلى منازلهما) إشارة إلى ما فعلا بعلي (عليه السلام) من حمله على المبايعة والمتابعة لهما جبرا، والكره بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح ما أكرهك غيرك عليه، والأخير هو المراد هنا. وقوله (فلما أحرزاه توليا انفاقه) إشارة إلى توليهما سياسة الخلق وإنفاق ذلك المال على حسب إرادتهما من غير أن يكون موافقا لمراد الله تعالى، وقوله (عليه السلام) (فلعمري لقد

[ 78 ]

نافقا قبل ذلك) إشارة إلى نفاقهما في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث أظهرا الإيمان به وأبطنا الكفر وعهدهما مع أصحابهما حال حياة النبي (صلى الله عليه وآله) على رد الخلافة عن أهل بيته الطاهرين مشهور، وفي بعض الروايات مذكور، وقوله (وردا على الله عز وجل كلامه) إشارة إلى ردهما الآيات الدالة على أن الولاية والخلافة لأهل البيت (عليهم السلام). وقوله (وهزءا برسول الله (صلى الله عليه وآله)) إشارة إلى استهزائهما به (صلى الله عليه وآله) في مواضع عديدة منها في غدير خم حيث قال أحدهما لصاحبه انظر إلى عينيه تدوران كما تدور عينا مجنون ومنها في صلح الحديبية ومنها في حديث الدواة والقلم، وبسط ذلك وبيان تفاصيله يوجب الإطناب. وقوله (والله ما دخل في قلب أحد منهما شئ من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما) أي من الشرك وعبادة الأصنام وفي بعض النسخ " عن جاهليتهما " تأكيد لما سبق من أنهما كانا منافقين قبل ذلك. وقوله (وما ازدادا إلا شكا) أي ما ازدادا بعد الدخول في الإسلام ظاهرا إلا شكا فيه، إشارة إلى أنهم لم يقروا بشئ مما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)، وإنكار الثاني عليه مذكور في مواضع من كتب العامة أيضا وقد نقلنا جملة منها في شرح كتاب الأصول إلا أنهم قالوا كان خلافه مستندا إلى اجتهاده وهو جائز. (وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبة منهم عارف بحقه ومنهم منكر له) مع معرفته ولم يعينوه ولم ينصروه بل نصروهما وأمدوهما فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة وكل من تبعهم إلى يوم القيامة أهل الردة الثانية أو المراد بالردة الثانية ردة اثنين وسبعين فرقة من هذه الأمة كما نطق به بعض الروايات ويمكن أن يكون تعريضا بأنهم أهل الردة الأولى لا هما لأنهما لم يدخلا في الدين أصلا، والردة بالكسر اسم من الارتداد، ولا يتحقق الارتداد إلا بالخروج بعد الدخول. (وسألت عن مبلغ علمنا) أي غايته ومقداره وهو (على ثلاثة وجوه ماض وغابر وحادث) تقسيمه بها باعتبار المعلوم إذ بعضه متعلق بالأمور الماضية وهو مفسر له في الكتب المنزلة أو بتفسير الأنبياء وبعضه متعلق بالغابر أي بالأمور المستقبلية الحتمية وهو مزبور في الصحف التي عندهم، وبعضه متعلق بأمر حادث في الليل والنهار آنا فآنا وشيئا فشيئا وهو قذف في القلوب ونقر في الأسماع، أما القذف فلأن قلوبهم صافية بالأنوار الإلهية فإذا توجهوا إلى العوالم اللاهوتية وتجردوا عن الطبايع البشرية إلى الطبايع الملكية بل إلى فوقها ظهرت لهم من العلوم والحوادث ما شاء الله، ويعبر عن ظهور هذه العلوم تارة بالقذف في القلوب وتارة بالإلهامات الغيبية، وأما النقر في الأسماع فهو يتصور على وجهين أحدهما أن يسمع من الملك صوتا منقطعا متميزا بالحروف والكلمات كما هو المعروف في سماعنا كلام الناس وثانيهما أن يسمع صوتا وهمهمة ودويا ولا

[ 79 ]

يفهم منه مادام باقيا شيئا فإذا زالت الهمهمة وجد قولا منزلا ملقى في الروع واقعا موقع المسموع إلا أن كيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله أو من يطلعه الله عليه، وهذا الحديث وأمثاله محمولة على ظواهرها، والإيمان بها واجب لا دليل عقلا ونقلا على استحالته، فلا يحملها على خلاف الظاهر إلا ضعيف النظر أعمى القلب، وقد نقل الآبي أن رجلا صالحا كان ساكنا في تونس في زاوية مسجدها وكان يقول للمؤذن أذن للصبح فإني أعرف طلوعه بنزول الملائكة ودويهم وقد نقله في مقام مدحه وذكر فضائله لا على سبيل الرد والطعن فإذا جوزوا مثل ذلك في آحاد الناس فلم ينكرون من عترة نبينا وأهل بيت العصمة عليهم السلام. (وهو أفضل علمنا) لكثرته ولحصوله بلا واسطة بشر ولأنه لا يطلع عليه غيرهم بخلاف المفسر والمزبور فإنه كثيرا ماكان يطلع عليه خواص شيعتهم. (ولا نبي بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)) هذا يحتمل أمرين أحدهما أن يكون دفعا لتوهم النبوة، ووجه الدفع يظهر بالتأمل في النبي والمحدث والفرق بينهما وقد مر ذلك في صدر الكتاب، وثانيهما أن يكون وجها لتخصيص القذف والنقر بالذكر وبيانا لعدم احتمال السماع من الملك عيانا ومشاهدة لأن ذلك مختص بالنبي ولا نبي بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فليتأمل. فأما أمهات أولادهم (فهن عواهر إلى يوم القيامة) العواهر جمع عاهر وهي الزانية، وذلك لأن كلهن مال الإمام عليه السلام على المشهور بين الأصحاب أو خمسهن على قول. (نكاح بغير ولي) وهو الإمام لأنه ولي المسلمين والمسلمات، وأولى بهم من أنفسهم فإذا لم يرض بنكاحهم بسخطه عليهم كان نكاحهم باطلا، ومن ثم ورد في بعض الأخبار أن كلهم من أولاد الزنا. (وطلاق في غير عدة) كأنه أشار بنفي ثبوت العدة في نفس الأمر إلى عدم صحة الطلاق فيها لأن نفي اللازم دليل على نفي الملزوم، والمقصود أن طلاقهم غير صحيح لعدم اقترانه بشرايط صحته في الشريعة كما يظهر لمن رجع إلى أصولهم وفروعهم فيه (وأما من دخل في دعوتنا وأقر بولايتنا فقد هدم إيمانه ضلاله) وهو نكاح أمهات الأولاد والإماء المسبيات في الحروب بدون أذنهم عليهم السلام ونكاحهن أعظم أفراد ضلالة لهؤلاء ورخصته للشيعة كما نطق بها بعض الروايات. (ويقينه شكه) في جواز نكاح مطلقاتهم فإنه يجوز للشيعة نكاحهم بناء على إعتقاد هؤلاء صحة طلاقهم وإن لم يكن صحيحا في مذهب الشيعة وقد وقعت الرخصة به أيضا في بعض الروايات والله أعلم. (وسألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكوات فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان) كأنه سأل هل يجوز أن نشتري منهم وفي مالهم زكاة أو خمس فأجاب (عليه السلام) بأنه

[ 80 ]

يجوز، وهذا ما ذكره الأصحاب من إباحة المتاجر، أو سأل أنهم إذا أخذوا الزكاة منا هل يجب علينا إخراجها مرة أخرى فأجاب (عليه السلام) بأنهم إذا أخذوا الزكاة منكم وإن لم يكونوا أهلها ولم يعطوا أهلها لا يجب عليكم أن تزكوا مرة أخرى، وقد دل عليه بعض الأخبار أيضا، وقال بعض المعاصرين سأل هل يجوز لنا صرف الزكاة فيهم وإعطاؤهم إياها فأجاب (عليه السلام): بأنه لا يجوز ذلك ولا يجوز إعطاؤها غير أهل الولاية. (وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف) كأنه سأل عن المستضعفين المذكورين في سورة النساء * (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) * فأجاب (عليه السلام) بأن المستضعف من لم يعرف الإمام ولم ينكره إذا لم ترفع إليه حجة دالة على حقية الإمام ولم يعرف إختلاف الناس، فيه وأما من دفعت إليه حجة أو عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف لأنه مكلف بالإيمان وطلب الحق فلا يكون معذورا ومن هاهنا يعلم أنه ليس اليوم مستضعف لشيوع الحق والاختلاف، فمن قبله فهو مؤمن، ومن رده فهو كافر، كما مر في باب المستضعف من الأصول. (وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عز وجل...) كما قال الله عز وجل * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * * (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) * وهو بعمومه شامل لما نحن فيه. (فإن خفت على أخيك ضيما فلا) أي فإن خفت على أخيك ظلما فلا تقم عليه الشهادة وذلك إذا علمت أنه لا يقدر على أداء الدين وعلمت أنك إذا شهدت عليه به يؤخذ أو يحبس ظلما فيجوز لك ترك الشهادة عليه إلى ميسرة، وكذا إن خفت على نفسك ضررا غير مستحق كما صرحوا به (وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته) الشرط والشريطة بمعنى، ويجمع الأول على الشروط، والثاني على الشرائط، ولعل المراد بشرائط الله ما شرط عليهم الإتيان به ولهم بالثواب عليه من النواميس الإلهية والشرايع النبوية، والباء في قوله بمعرفتنا للسببية أو صلة للدعاء أي ادع بمعرفتنا إلى شرائط الله، وفيه تنبيه على أنه لا يمكن الوصول إلى تلك الشرايط بدون معرفتهم، وفي بعض النسخ " إلى صراط الله ". (ولا تحضر حضن زنا) الحضور معروف وقد يأتي بمعنى النزول والسكون ومنه الحاضر وهو من نزل على ماء يقيم به ولا يرحل عنه، والحضن بكسر الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة: الجانب والناحية، وإضافته إلى زنا لكثرة وقوعه فيه، وإنما نهى عن حضور ناحيتهم وسكونه فيها لأنه يستلزم مشاهدة منكراتهم الثقيلة على المؤمن وميل الطبع إلى طباعهم الشريرة وهي أثقل وأشد عليه، وفي بعض النسخ " ولا تحصن بحصن رياء " الحصن بكسر الحاء وسكون الصاد

[ 81 ]

المهملتين، والرياء معروفان، وتحصن فلان إذا دخل في حصن، والمعنى قريب مما ذكر، هذا الذي ذكرنا من باب الاحتمال والله أعلم بحقيقة الحال. (ووال آل محمد صلى الله عليه وآله) لا بد في تحقق موالاتهم من التبرأ من أعدائهم. (ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل..) فإن للكلام كما أشار إليه (عليه السلام) وجوها وظهرا وبطنا لا تصل إليها عقول السامعين فلا يجوز إنكاره ووجب التوقف فيه إلى أن يوجد من يفسره، ومما يؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن الله خص عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا ولا يرووا ما لم يعلموا " وقال * (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) *. (وعلى أي وجه وصفناه) من الوضع أو من الوصف على اختلاف النسخ. (آمن بما أخبرك) في بعض النسخ " بما أخبرتك " أمر بالإيمان به لأنه الأصل، والعمل بما يطلب منه العمل تابع له بل هو من جملته فلذلك لم يذكره. (ولا تفش ما استكتمناك من خبرك) في بعض النسخ من خيرك بالياء المثناة التحتانية وإنما أمر بكتمانه لئلا يلحق الضرر به أو بأحد من الشيعة. ثم أشار من باب الاستيناف إلى أن الكتمان مطلوب بالنسبة إلى الأشرار لا بالنسبة إلى أهل الإيمان بقوله (إن من واجب حق أخيك) في الدين (أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته) سواء سألك عنه أم لم يسألك فإن حق الأخوة يقتضي أن ترشده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة (ولا تحقد عليه وإن أساء) الحقد إمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها وهو من الطغيان في القوة الغضبية، وفي ذكر الإساءة تنبيه على أن عدم الحقد مطلوب مع الإساءة فكيف مع عدمها. (وأجب دعوته إذا دعاك) إلى طعام أو جلب نفع أو دفع ضرر (ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس) بل ادفعه عنده على أي وجه يمكن (وإن كان) أي العدو (أقرب إليه منك) فكيف إن كنت أقرب إليه منه لأن ذلك الدفع من مقتضى الإيمان ورعاية الأخوة الدينية ولا مدخل للقرب والبعد فيه (وعده في مرضه) قيل بعد ثلاثة أيام فإذا مضت فيوم بعد يوم أو يومين مع عدم إطالة الجلوس إلا أن يحب المريض. (ليس من أخلاق المؤمنين الغش) غشه غشا من باب قتل، والاسم الغش بالكسر: لم ينصحه وزين غير المصلحة (ولا الأذى) وهو ما يؤذي الغير وأصله مصدر وهو شامل للخصال المؤذية المذمومة كلها مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة وغيرها، وقد مر مضار الأذى ومنافع تركه في كتاب الأصول (ولا الخيانة) هي ترك ما يجب حفظه ورعايته من حقوق الله تعالى وحقوق الناس وهي كما تجري في أفعال الجوارح كذلك تجري في أفعال القلوب أيضا فإن على كل عضو حقا وتركه خيانة، وقد مر تفصيل ذلك وتوضيحه في كتاب الأصول (ولا الكبر) كبر " بزر گى بر خود

[ 82 ]

گرفتن " وهو من صفاته تعالى فلا يجوز للمؤمن أن يعتقده لنفسه، وقد مر توضيح ذلك أيضا في كتاب الأصول (ولا الخنا ولا الفحش) الظاهر أن الخنا أخص من الفحش ففي كنز اللغة: " خنا نا سزا وفحش گفتن "، وفي النهاية: الخنا الفحش في القول، والفحش يكون في القول والفعل، وهو القبيح مطلقا أو كلما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي والخصال القبيحة من الأقوال والأفعال، وفيه تنبيه على أن من أخلاق المؤمن وصفاته المختصة به أن يعتقد أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء كما نطق به القرآن الكريم للرد على من نسب ذلك إليه عز وجل وقد مر توضيحه في شرح الأصول. (فإذا رأيت المشوه الأعرابي) وهو المسيح الدجال صاحب الفتنة العظمة وسمي مشوها لقبح منظره، قال ابن الفارس: سمي الدجال مسيحا لأنه مسح أحد شقي وجهه ولا عين له ولا حاجب وقيل كلتا عينيه معيوبة إحداهما مطموسة مغمورة والأخرى بارزة كبروز حبة العنب عن صواحبها (في جحفل جرار) الجحفل كجعفر الجيش الكبير وجيش جرار ثقيل السير لكثرتهم (فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين) فإنه أقرب علامات ظهور صاحب الأمر (عليه السلام) (وإذا انكسفت الشمس) لعل المراد به كسوف الشمس للنصف من شهر رمضان لما سيجئ من رواية المصنف بإسناده إلى بدر بن الخليل قال " كنت جالسا عند أبي جعفر (عليه السلام) قال آيتان تكونان قبل قيام القايم (عليه السلام) لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض انكساف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره فقال رجل يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر من الشهر والقمر في النصف. فقال أبو جعفر (عليه السلام) إني أعلم ما تقول لكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام) " وسيجئ توضيحه إن شاء الله تعالى. (فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين) قد مر في باب تفسير * (إنا أنزلناه) * في حديث الياس مع الباقر (عليه السلام) ما يناسب هذا المقام وهو قول الباقر (عليه السلام) له " فوددت أن عينك تكون مع مهدي هذه الأمة والملائكة بسيوف آل داود بين السماء والأرض تعذب أرواح الكفرة من الأموات وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء ثم أخرج يعني الياس سيفا ثم قالها ان هذا منها، قال (عليه السلام) أي والذي اصطفى محمدا على البشر ولعل عيون المؤمنين ترى يومئذ عذاب المشركين بين السماء والأرض بكشف الحجاب ". وقد مر شرحه.

[ 83 ]

حديث نادر * الأصل: - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أيوب، وعلي ابن إبراهيم عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى أبو ذر رسول الله (عليه السلام) فقال: يارسول الله إني قد اجتويت المدينة أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة فنكون بها ؟ فقال: إني أخشى أن يغير عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي وأخذ السرح فقال: يارسول الله بل لا يكون إلا خيرا إن شاء الله، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله). فخرج هو وابن أخيه وامرأته فلم يلبث هناك إلا يسيرا حتى غارت خيل لبني فزارة فيها عيينة ابن حصن فأخذت السرح وقتل ابن أخيه وأخذت امرأته من بني غفار وأقبل أبو ذر يشتد حتى وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة فاعتمد على عصاه وقال: صدق الله ورسوله أخذ السرح وقتل ابن أخي وقمت بين يديك على عصاي ! فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا في الطلب فردوا السرح وقتلوا نفرا من المشركين. * الشرح: (حديث نادر) لأنه شاذ، مضمونه غريب، أو لأنه متعلق بشخص معين. (فقال يارسول الله إني قد اجتويت المدينة) قال أبو عبيد: تقول اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن وافقك في بدنك، وقال ابن الأثير: اجتووا المدينة أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها ويقال: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. (أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى مزينة) في القاموس مزينة كجهينة قبيلة وفي المصباح المزن السحاب الواحدة مزنة وتصغيرها مزينة وبها سميت امرأة ثم غلب على ولدها وسميت بها القبيلة، والنسبة إليها مزني بحذف التصغير. (إني أخشى أن تغير عليك خيل من العرب) أغار عليهم يغير إغارة إذا أسرع في السير والعدو وهجم عليهم ديارهم وأوقع بهم ونهبهم، والاسم من الإغارة الغارة مثل أطاع يطيع إطاعة، والإسم منها الطاعة، ثم تطلق الغارة على الخيل المغيرة يقال: شنوا الغارة أي فرقوا الخيل، كذا في المصباح، وقد يأتي غار بمعنى أغار، كما سيجئ. (فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا) الشعث محركة مصدر وهو انتشار الأمر واغبرار الرأس وفي كنز اللغة: شعث " پريشان وغبار آلود شدن ".

[ 84 ]

(وأخذ السرح) هو المال السائم، وفي المصباح: سرحت الإبل سرحا من باب نفع رعت بنفسها وسرحتها يتعدى ولا يتعدى، وسرحتها بالثقيل مبالغة وتكثير، ويقال للمال الراعي سرح تسمية بالمصدر. (فقال يارسول الله بل لا يكون إلا خيرا) قال ذلك لظنه أن خشية النبي (صلى الله عليه وآله) من باب الاحتمال فلما وقع ما خشيه علم أنه كان من باب الإخبار فلذلك قال: صدق الله ورسوله. (حتى غارت خيل لبني فزارة) أبو حي من غطفان وفي القاموس والمصباح: فزرت الثوب شققته فتفزر وانفزر أي انشق وفزرت الكوز ونحوه كسرته وفزرت فلانا بالعصا ضربته على ظهره والفزارة بالفتح انثى النمر، وبلا لام قبيلة من غطفان سميت بها لشدتها. (وأخذت امرأته من بني غفار) في المصباح: غفار ككتاب حي من العرب ومنه أبو ذر الغفاري. (وأقبل أبو ذر يشتد) أي يعدو والشد والاشتداد هنا العدو والإسراع. * الأصل: - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا فجاء وشد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف: ثم قال: من ينيجك مني يا محمد ؟ فقال: ربي وربك فنسفه جبرئيل (عليه السلام) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني ياغورث فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه فقام وهو يقول: والله لأنت خير مني وأكرم. * الشرح: (فنسفه جبرئيل عليه السلام) أي قلعه، يقال: نسف البناء ينسفه إذا قلعه من أصله. (فقال من ينجيك مني ياغورث) في القاموس: غورث بن الحارث سل سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليقتله به فرماه الله بزلخة بين كتفيه والزلخة كقبرة وجع يأخذ في الظهر فيغلظ حتى لا يتحرك معه الإنسان. (فقال جودك وكرمك يا محمد فتركه وقام) كان (صلى الله عليه وآله) شديدا في المؤاخذة بحق الله تعالى وسليما وصبورا حليما في المؤاخذة بحق نفسه، وهذا هو الخلق الحسن المحمود لأنه لو ترك القيام في حق الله تعالى كان ذلك مهانة ولو انتقم لنفسه لم يكن ثمة صبر وكان هذا الخلق بطشا فانتفى عنه الطرفان وبقى في الوسط وهو العدل وخير الأمور أوسطها. (وهو يقول: والله لأنت خير مني وأكرم) يحتمل أن يكون ذلك القول منه إيمانا به (صلى الله عليه وآله) وتصديقا له بالنبوة ويحتمل أن يكون لاحتمال عدم اعتقاده بذلك والأول أقرب.

[ 85 ]

* الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد [ وعلي بن محمد عن القاسم بن محمد ] عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا وما عليك إن لم يثن الناس عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: " لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل يزداد فيها كل يوم إحسانا ورجل يتدارك منيته بالتوبة " وأنى له بالتوبة فوالله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله عز وجل منه عملا إلا بولايتنا أهل البيت. ألا ومن عرف حقنا أو رجا الثواب بنا، رضي بقوته نصف مد كل يوم وما يستر به عورته وما أكن به رأسه وهم مع ذلك والله خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله عز وجل حيث يقول: * (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) * ما الذي آتوا به ؟ آتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم وليس والله خوفهم شك فيما هم فيه من إصابة الدين ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا. ثم قال: إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن. ثم قال: نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه، إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عز وجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين، فقلت له: إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي ؟ فقال: هيهات هيهات فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب أما تلوت قصة سحرة موسى (عليه السلام) ثم قال: كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه وكم من مستدرج بستر الله عليه وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ثم قال: إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر وصاحب هوى والفاسق المعلن. ثم تلا: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * ثم قال: يا حفص الحب أفضل من الخوف، ثم قال: والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا، ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تبارك وتعالى، فبكى رجل فقال: أتبكي ؟ لو أن أهل السماوات والأرض كلهم اجتمعوا يتضرعون إلى الله عز وجل أن ينجيك من النار ويدخلك الجنة لم يشفعوا فيك [ ثم إن كان لك قلب حي لكنت أخوف الناس لله عز وجل في تلك الحال ] ثم قال له: يا حفص كن ذنبا ولا تكن رأسا، يا حفص قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من خاف الله كل لسانه ثم قال: بينا موسى بن عمران (عليه السلام) يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصه فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى ! قل له: لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك. ثم قال: مر موسى بن عمران (عليه السلام) برجل من أصحابه وهو ساجد فانصرف من

[ 86 ]

حاجته وهو ساجد على حاله فقال له موسى (عليه السلام) لو كانت حاجتك بيدي لقضيتها لك فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبلته حتى يتحول عما أكره إلى ما أحب. * الشرح: (إن قدرتم أن لا تعرفوا) بأشخاصكم أو بأعمالكم الصالحة وأخلاقكم الفاضلة (فافعلوا) فإن فيه نجاة من الآفات والبليات الواردة من أبناء الزمان وزيادة تقرب من الرحمن (وما عليك إن لم يثن الناس عليك) العاقل اللبيب لا يرضى بثناء الناس عليه لعلمه بأنه قد يوجب الفخر والكبر والغفلة عن التقصير والرضا بالعمل والغرة وكل ذلك من المهلكات، ولو فرض طهارة نفسه عن قبول أمثال ذلك فيعلم أن الثناء لا يليق إلا بالله عز وجل فلا يريده لنفسه تعظيما له. (وما عليك أن تكون مذموما عند الناس) المراد بالناس أهل الدنيا والمخالفون والفجار لأنهم الذين يذمون الفقراء والعلماء والصلحاء من أهل الدين لكون أطوارهم الحسنة خلاف ما نشأوا هؤلاء عليه، وقوانينهم الشرعية والعقلية خلاف قوانينهم الموضوعة بينهم، وفيه ترغيب في اختيار ما يوجب الحمد عند الله تعالى وإن كان ذلك ما يوجب الذم عند الناس. (إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى) بفعل ما يوجب رضاه وترك ما يوجب سخطه. (إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين) حصر الخير في فعل رجلين (رجل يزداد فيها) أي في الدنيا (كل يوم إحسانا) إلى نفسه بالعلم والعمل وإلى الغير بالتعليم والإرشاد إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة حتى روي أن من ساوى يوماه فهو مغبون (ورجل يتدارك منيته بالتوبة) والرجوع إليه تعالى: الندم على ما فعل والعزم الثابت على عدم العود إليه، والمنية إما بفتح الميم وكسر النون وشد الياء وهي الموت وجمعها المنايا من " مناه الله عليك " إذا قدره، وسمي بها لأنه مقدر بوقت مخصوص، أو بسكون النون وضم الميم أو كسرها ما أرادته نفسك من الأباطيل وإنما حصر الخير فيهما لأن كل خير غيرهما فهو باطل زائل والزائل لا عبرة به (ورضي بقوته نصف مد كل يوم) من أي جنس وجده والمؤمن الخالص يحترز عن كثرة الأكل لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة وزوال الرقة وحدوث القسوة والكسالة وسائر ما يترتب عليها من المفاسد (وما يستر به عورته) من أي جنس وجده (وما أكن به رأسه) من العمامة ونحوها أو البيت. (وهم مع ذلك والله خائفون وجلون) أفرد ضمير الموصول سابقا وجمعه هنا نظرا إلى اللفظ والمعنى، والوجل: الفزع، وهو في الأصل الخوف ثم كثر إطلاقه على اضطراب القلب التابع للخوف وعلى الاستغاثة وطلب الناصر الدافع له وهو هنا أنسب لأن التأسيس خير من التأكيد. (ودوا أنه حظهم من الدنيا) خبر للموصول والضمير المنصوب راجع إلى عرفان حقهم وما عطف عليهم، وتخصيصه بالقوت المذكور وما بعده بعيد.

[ 87 ]

(أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية) أي بطاعة الله أو بطاعتنا مع محبتنا وولايتنا (وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم) لاحتمال تقصيرهم في القدر اللائق بهم وكذلك خوف العابدين من التقصير في العبادة (وليس والله خوفهم خوف شك..) أي ليس خوفهم من أجل شكهم في كون دينهم حقا. (ثم قال إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا تراني) من باب المفاعلة أو التفاعل من الرؤية حذفت إحدى التائين تخفيفا أي لا تعمل عملا رياء وسمعة ليراه الناس ويمدحوك، وقد يأتي المرائي بمعنى المجادل. (ولا تتصنع) التصنع: تكلف حسن السمت والتزين (ولا تداهن) أي لا تساهل في الدين أو لا تظهر بخلاف ما تضمر وقد أفاد (عليه السلام) أن الأفضل أن لا تخرج من بيتك وبين أن في الخروج والمخالطة مع الناس مفاسد ستة قلما ينفك الخارج منها أو من بعضها، وبين أنه وجب عليك أن تحفظ نفسك عند الخروج عنها. ثم قال على سبيل التأكيد والترغيب في الاعتزال بذكر منافعه: (نعم صومعة المسلم بيته...) اختلفوا في أن العزلة أفضل أم الخلطة فذهب جماعة إلى الأول وطائفة إلى الثاني وأورد كل من الفريقين أدلة من الكتاب والسنة على مطلوبهم، والحق أن كلا من الاحتجاجين صحيح، ولكن ليس العزلة أفضل مطلقا ولا المخالطة أفضل مطلقا بل كل في حق بعض الناس بحسب مصلحته وفي بعض الأوقات لوجود المصلحة فيها إذ لكل واحد منهما فوائد ومصالح وشرائط متفاوتة بحسب تفاوت الأشخاص والأوقات، وإن شئت معرفة ذلك تفصيلا فارجع إلى ما ذكرنا في أوايل كتاب العقل. (أن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عز وجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه) رغب في معرفة نعمائه وآلائه بالقلب وتذكيره وتعظيمه والاعتقاد باستحقاقه الثناء، وعد ذلك شكرا موجبا للمزيد كما قال عز وجل * (ولئن شكرتم لأزيدنكم) * ثم عد إظهار تلك النعمة باللسان فردا آخر من الشكر وهو أيضا موجب للزيادة بمقتضى الآية فيحصل حينئذ زيادة على الزيادة لتحقق علتها (ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين) إشارة إلى أنه ينبغي للعابد العارف الكامل أن يعد نفسه مقصرة في الطاعة وطلب الكمال وطاعته ناقصة بذاتها وبالنظر إلى عظمة المعبود بل يعد نفسه أحقر من كل أحد وعبادته أنقص من كل عبادة، وهذا معنى التواضع، فإذا رأى أن له فضلا عن الآخر فقد رأى لنفسه منزلة وحالا ولعلمه فضلا وكمالا وأنه بتلك الحال والكمال أفضل وأشرف من الآخر فهو من المستكبرين الذين ذمهم الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم. (فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف ومحاسب) أشار إلى أن الفضل والقرب

[ 88 ]

واستحقاق الرحمة وحسن العاقبة والارتباط بينه تعالى وبين العبد أمر معنوي ليس لك علم ولا يعلمه إلا هو فلعله غفر له بالتوبة أو العفو وأنت موقوف يوم القيامة محاسب بالمعصية وغيرها فكيف يجوز لك أن ترى نفسك أفضل منه، وقد مر في أول كتاب العقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال " ماتم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى وعد منها أن يرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه " نعم لو رأى في نفسه فضلا وخيرا من علم وطاعة وغيرهما وعده نعمة من الله تعالى ونسبه إليه وحمده به من حيث أنه منه ومن توفيقه فالظاهر أنه لا يضر كما قال سليمان (عليه السلام) * (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده) *. (أما تلوت قصة سحرة موسى (عليه السلام)) فتعرف أن كفرهم بدل بإيمان يوجب نعمة الأبد، وأن معصيتهم بدلت بطاعة توجب ثواب الأبد، وأنه تعالى غفر لهم ما مضى من ذنوبهم، وفيه دلالة على أنه ينبغي تفضيل النفس على الكافر لما مر ولأنه يوجب العجب لا على أنه لا يجوز لعنه أو ذمه لكفره. (وكم من مغرور بما قد أنعم الله عليه) من النعم الظاهرة والباطنة والجليلة والخفية، وليس القصد منه مجرد الأخبار بكثرتها بل القصد هو الحث على الشكر والتواضع والتنزه عن رذيلة الغرور الموجب للشرور، وقس عليه ما بعده. (ثم قال إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الأمة إلا لأحد ثلاثة صاحب سلطان جائر وصاحب هوى والفاسق المعلن) لعل المراد بالنجاة النجاة من دخول النار، والثلاثة المذكورة يدخلونها لا محالة لكن الشفاعة تلحقهم بعد مدة، وإنما حملناه على ذلك لدلالة الروايات على أن هذه الفسوق ليست بكفر وعلى أن العصاة من أهل المعرفة يخرجون من النار بالشفاعة، ثم لا يبعد تخصيص صاحب السلطان الجائر بمن كان معينا له في جوره أو ساكتا لا يعينه ولا يمنعه لأن صاحبه المانع له عن الجور ربما وقع مدحه في بعض الروايات، والمراد بصاحب الهوى من اتخذ الباطل من القول والفعل وصفا له فإنه قد أوقع نفسه في المهلكات، والمراد بالفاسق المعلن الفاسق الذي يذكر فسقه عند الناس أو المشهور به. (ثم تلا قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) الظاهر أن الآية استشهاد لقوله " إني لأرجو النجاة لمن عرف حقنا " لا للمستثنى وإن احتمل ووجه الاستشهاد أن الاتباع يجلب محبة الله تعالى ومن يحبه الله فهو ناج قطعا، فإن قلت: الآية دلت على أن متابعة الرسول يجلب ذلك لا متابعتهم. قلت: المخاطبون بهذا الحديث هم العارفون بحقهم (عليهم السلام) كما دل عليه قوله " إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا " والعارفون بحقهم لا يفرقون بينه وبينهم (عليهم السلام) في وجوب الاتباع فالآية عندهم دلت على أن متابعتهم أيضا تجلب المحبة، والله أعلم.

[ 89 ]

(ثم قال يا حفص الحب أفضل من الخوف) كأن الوجه له أن الخوف يقتضي الإتيان بالمأمور به والاجتناب من المنهي عنه للتحرز عن العقوبة ودفع الضرر عن النفس بخلاف الحب فإنه يقتضي ما ذكر لمجرد رضائه تعالى وطلب التقرب منه والفضل بينهما ظاهر، أو أن حقيقة الحب تقتضي الميل إليه والتوصل به، وحقيقة الخوف وإن كان درجة عظيمة تقتضي الوحشة والفرار وبينهما بون بعيد وإن مقام المحبة أعلى من مقام الخوف لأن الخوف حالة نفسانية تحصل من معرفته تعالى ومعرفة جلاله وعظمته وكبريائه وغنائه عن الخلق ومعرفة قهره وغضبه وكمال قدرته عليهم وعدم مبالاته بتعذيبهم وتأديبهم وإهلاكهم ومعرفة عيوب نفسه وتقصيره في الطاعات والأخلاق والآداب ومعرفة أمر الآخرة وشدائدها وكلما زادت تلك المعارف زاد الخوف فيؤثر ذلك في القلب والجوارح تأثيرا عظيما فيميل القلب إلى ترك الشهوات والندامة على الزلات والعزم على الخيرات ويحترز من الرذائل كلها ويشتغل الجوارح بوظايفها فيحصل بترك الشهوات العفة والزهد وبترك المحرمات التقوى وبترك مالا يعني الورع والصدق والإخلاص ودوام الذكر والفكر حتى يترقى منها إلى مقام المحبة فلا يرى لنفسه إرادة ولا مراد أو يحب كل ما يرد عليه منه ولا يراه ثقيلا على نفسه بل يراه محبوبا مرغوبا يلتذ به أشد التذاذ لمجيئه من جانب المحبوب ويعده تحفة وهدية منه. (ثم قال والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا) لعل السر فيه أن حبه تعالى يستلزم الميل إليه والتوصل به والتقرب منه بكل القربات وحب الدنيا والميل إليها والركون إلى زهراتها وغفلاتها والتولي بغير أئمة الهداة الهادية إلى القربات الداعية إلى الخيرات تنافي جميع ما يستلزم الحب، وما ينافي لازم الشي ينافي ذلك الشي بالضرورة فلا يجامع حب الدنيا وولاية غير الأئمة حب الله أبدا. (ومن عرف حقنا) وهو الولاية والإمامة ووجوب الطاعة. (وأحبنا فقد أحب الله تعالى) كما نطق به صدر الآية المذكورة ولأن ذلك يوجب الإقرار بجميع ما أراده الله تعالى من عباده وأنزله إلى رسوله وهو أصل المحبة وأساسها بخلاف إنكار شئ منها خصوصا أعظمها وهو الولاية فإنه يوجب هدم أساس المحبة. (فبكى رجل) كأنه كان من المنافقين. (لم يشفعوا فيك) على صيغة المجهول من التشفيع أي لم تقبل شفاعتهم وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرايم. (ثم قال يا حفص كن ذنبا ولا تكن رأسا) أي كن مرؤوسا تابعا ولا تكن رئيسا متبوعا شبههما بذنب الحيوان ورأسه، وقد روي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال " ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من الرياسة ".

[ 90 ]

(يا حفص قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خاف الله كل لسانه) أي يحفظه عما لا يعني، ولا ينطق إلا بالحق، وإن شئت أن تعرف مفاسد الكلام فارجع إلى ما ذكرناه في باب الصمت من كتاب الكفر والإيمان. (ثم قال: بينا موسى بن عمران يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصه) أصل " بينا " بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا. (فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى قل له لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك) شرح زيد صدره للحق أي فسحه ووسعه لقبوله وتعديته بعن لتضمين معنى الكشف أي كاشفا عن قلبك برفع ما يواريه ويغطيه من موانع دخول الحق فيه، وفي القاموس شرح كمنع: كشف، وحينئذ لا حاجة إلى التضمين وفيه تنبيه على أنه ينبغي من تطهير القلب وتنزيهه عن الرذائل ليستعد بذلك لقبول الحق وتحصيل الفضائل وإلا فلا ينفع الصياح والبكاء وأعمال الجوارح وشق القميص ونحو ذلك كما قيل بالفارسية: جان پار ساز جامه دريدن چه فايده * از خود ببر زغير بريدن چه فائده (حتى يتحول عما أكره إلى ما أحب) الموصول الثاني عبارة عن المحبة أو تطهير القلب أو تطهير الظاهر والباطن جميعا أو الأعم وكأن ذلك الساجد كان منافقا في دين موسى (عليه السلام) وهكذا يفعل الله تعالى ببعض عباده إما من باب اللطف والتنبيه ليرجع ويتوب أو من باب الغضب وليس المراد أنه يفعله بالجميع كذلك، فلا ينافي ما مر في باب الدعاء من أنه تعالى قد يقبل دعاء الفسقة سريعا لكراهة سماع صوته.

[ 91 ]

" حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) " * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل جائعا خائفا في الله. * الشرح: قوله (حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)) يذكر فيه شئ من آدابه وتواضعه لله تعالى (ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل) أي يصير (جايعا خائفا في الله) مثله في باب ذم الدنيا بسند آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " ما أعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جايعا خائفا " واعلم أن في الجوع فوائد منها ما روي عن الصادق (عليه السلام) " أن البطن ليطغى من أكله وأقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله عز وجل إذا امتلاء بطنه " ومنها صفاء القلب ورقته وقلة النوم وكثرة الحفظ وصحة البدن وقلة الاحتياج إلى كسب الأموال إلى غيرها مما ذكرنا في الباب المذكور. وللخوف أيضا فوائد، منها التزام الخيرات، وينبغي أن يعلم أن خوفه ليس كخوفنا من المعصية والعقوبة والتقصير في الطاعة وسوء الخاتمة وأمثال ذلك فإنه كان منزها عنها بل خوفه من التنزلات عن المقامات العالية لإصلاح الخلق أو من خوضه في هيبة العظمة الإلهية. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن سعيد بن عمرو الجعفي، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم وهو يأكل متكئا قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره فجعلت أنظر إليه فدعاني إلى طعامه فلما فرغ قال: يا محمد لعلك ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه ؟ قال: ثم رد على نفسه: لا والله ما رأته عين يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية من أن بعثه الله إلى أن قبضه، ثم رد على نفسه ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى أن قبضه، أما إني لا أقول: إنه كان لا يجد، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الإبل فلو أراد أن يأكل لأكل. ولقد أتاه جبرئيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة فيختار التواضع لربه عز وجل وما سئل شيئا قط فيقول: لا، إن كان أعطى، وإن لم يكن قال: يكون، وما أعطى على الله شيئا قط إلا سلم ذلك إليه حتى أن كان

[ 92 ]

ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له، ثم تناولني بيده وقال: وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد ويأكل أكلة العبد ويطعم الناس خبز البر واللحم ويرجع إلى أهله فيأكل الخبز والزيت وإن كان ليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الباقي فإذا جاز أصابعه قطعة وإذا أجاز كعبه حذفه. وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه ولقد ولي الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا أقطع قطيعة ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع لأهله بها خادما وما أطاق أحد عمله وإن كان علي بن الحسين (عليهما السلام) لينظر في الكتاب من كتب علي (عليه السلام) فيضرب به الأرض ويقول: من يطيق هذا ؟ * الشرح: (لا والله ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ) فعله (عليه السلام) مع أنه (صلى الله عليه وآله) لم يفعله لبيان الجواز (فقال لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية) هذا متفق عليه بين الأمة، روى مسلم بإسناده أنه " ما شبع رسول الله (قدس سرهما) ثلاثة أيام تباعا من خبر بر حتى مضى لسبيله " وفيه دلالة على أنه شبع من خبز البر دون ثلاثة، ويؤيده ما سيجئ من قوله (صلى الله عليه وآله) " أشبع يوما وأجوع يوما " وبالجملة أمثال هذه الأحاديث دلت على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يديم الشبع والترفه بل كان يأكل الخشن ويقتصر من الأكل على ما يقيم الرمق معرضا عن متاع الدنيا مؤثرا ما ينبغي على ما يفني مع إقبال الدنيا عليه ووفورها لديه، وإنما لم يشبع لئلا يشبع هو ويجوع أحد من المسلمين، ولأن في كثرة الأكل مفاسد روحانية وعللا جسمانية، وليست القوة على العبادة والشجاعة من كثرة الأكل كما زعمه بعض الناس وسمعته من بعض عباد البطن وإنما القوة عليهما قوة إلهية وقدرة روحانية، والحكم بأن القوة من كثرة الغذاء من أحكام الوهم، والعقل الخالص يحكم بأن الله تعالى إذا أراد أن يلبس أحدا حلة القوة من غير أن يأكل غذاء أرباب الترفه يلبسها ولا مانع عنه، ألا ترى أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) مع كمال اتصافهما بقلة الأكل ونهاية الرياضة كانا أشجع الناس وأعبدهم وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا بقوله " وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان " ثم شبه نفسه الزكية بالشجرة البرية في أنها أشد قوة من الحضرية مع أنه لا شراب لها مثل الحضرية فقال " ألا وأن الشجرة البرية أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا والنباتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا " فقد أشار (عليه السلام) إلى أن من سلك سبيل المجاهدة وشرب زلال المشاهدة يأكل قليلا من خشن الطعام ويقدر على ما لم يقدر عليه شجعان الأيام وما هو إلا بقوة الله تعالى، والروائع: العجائب، والعذية بكسر العين وفتحها وسكون الذال والياء المثناة التحتانية: زرع لا يسقيه إلا المطر.

[ 93 ]

ثم أشار (عليه السلام) تأكيدا لما مر مصدرا بالقسم " والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها " وذلك لأنه (عليه السلام) كان شديد القلب عند البأس والانهزام إنما يكون بالجبن وهو كان منزها عنه. (أما أني لا أقول أنه كان لا يجد لقد كان يجيز الرجل الواحد) أي يعطيه، من " أجازه " إذا أعطاه (بالمائة من الإبل) روي أنه (صلى الله عليه وآله) " ما سئل شيئا قط فقال لا " وحكاية جوده مشهورة، ومن طريق العامة عن أنس قال " ما سئل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا على الإسلام إلا أعطاه قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة ". قال المازري: معنى فأعطاه غنما بين جبلين أي غنما يملأ ما بين جبلين. (ولقد أتاه جبرئيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات...) لعله كناية عن بقائه في الدنيا وتملكه ما فيها وسلطنته على أهلها فاختار الفقر والموت تواضعا لله عز وجل، وسيجئ توضيحه في حديث ابن المغيرة. (ثم تناولني بيده) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها " من يناوله " وهو مرتبط بما قبله والأصل بما بعده (وقال وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد) إن مخففة، والصاحب علي (عليه السلام) والجلسة بالكسر مصدر للنوع، والمقصود أنه (عليه السلام) كان يجلس على التراب والجلود ولم يكن له بساط وفروش مزينة لا لأنه لم يجدها بل للتواضع لله عز وجل. (ويأكل أكلة العبد) الأكلة بالضم اللقمة والقرصة والطعمة وهي ما يطعم ويؤكل والمقصود أن طعامه كان خشنا غليظا أو بلا إدام. (وإن كان ليشتري القميص السنبلاني) وفي القاموس: قميص سنبلاني: سابغ الطول، أو منسوب إلى البلد بالروم، وسنبل ثوبه: جره من خلفه وأمامه، وسنبلان وسنبل بلدان بالروم بينهما عشرون فرسخا. (فإذا جاز أصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذفه) فرارا من عادة المختالين المتكبرين ومخالفة شعار المؤمنين حيث أن قميصهم كما روي إلى نصف الساق أو إلى الكعب، ومن الإسراف في الثوب بما لا حاجة إليه ومن النجاسة فإن الثوب بجره على الأرض يتلوث غالبا ومن سرعة بلاه وخرقه بجره على التراب. (وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضا) احترز به عما إذا لم يكن في أحدهما لله رضا فإنه لا يجوز تعذيب النفس به سواء كان أشق أم أخف (إلا أخذ بأشدهما على بدنه) حملا لنفسه القدسية على الرياضة، والانحراف عن الكسل والراحة، وطلبا للأفضل كما تقرر " أفضل الأعمال أحمزها " وروي " أفضل الأعمال ما أكرهت عليه نفسك " وفيه تنبيه على أنه لابد من تذليل النفس المائلة إلى الراحة بحمل الأشق من الطاعات عليها لتعتاد في الخيرات ويسهل لها سلوك سبيل

[ 94 ]

الطاعات حتى ترتقي إلى غاية الكمالات وتدرك أرفع درجة المثوبات (فما وضع آجرة على آجرة) في المصباح: الآجر اللبن إذا طبخ، بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحد آجرة وهو معرب (ولا لبنة على لبنة) اللبن ككتف: المضروب من الطيب مربعا للبناء ويقال فيه بالكسر وبكسرتين فكابل لغة والواحدة لبنة بفتح اللام وكسر الباء ويقال بكسر اللام وسكون الباء، ولبنه تلبينا اتخذه، والمقصود أنه (عليه السلام) ما اشتغل بعمارة الدنيا ولم ينفق بالهوى في عمارتها لأنها مبغوضة لله منذ خلقها إذ هي سبب انقطاع عباده عن عبادته، ولهذا لما بنى النبي (صلى الله عليه وآله) مسجده اقتصر فيه وقال " عريش كعريش موسى " ولم يشتغل فيه بالتشييد وزخرف الدنيا مع كونه مسجدا فما ظنك بغيره وروى من طرق العامة أنه (صلى الله عليه وآله) مر يوما بقبة مرتفعة فقال: لمن هذه ؟ فقيل: لفلان، رجل كان يدخل عليه ويقربه ويقبل عليه فدخل عليه الرجل بعد ذلك اليوم فلم يلتفت إليه فسأل عن سبب إعراضه عنه فقبل أنه رأى قبتك فذهب الرجل فهدمها وسواها بالأرض، فلما علم النبي (صلى الله عليه وآله) بصنيعه عاد فأقبل عليه. (ولا أقطع قطيعة) لنفسه مع أن ذلك كان جايزا له ولم يفعل لزهده في الدنيا. يقال: أقطعه الإمام الأرض إقطاعا إذا جعل له غلتها رزقا، واسم تلك الأرض التي تقطع قطيعة. (فيضرب به الأرض) أي يضعه عليها. (ويقول من يطيق هذا) إذا قال سيد العابدين ذلك فغيره أولى بالاعتراف بالعجز فعلم منه أنه لم يكن أحد من الأولين والآخرين في قوة العمل مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع كمال زهده في الدنيا فإن لم يكن لك قوة مثل قوته فتشبه به ولا تترك الميسور بالمعسور. * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان قال: حدثني علي بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخيره وأشار عليه بالتواضع وكان له ناصحا، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل أكلة العبد ويجلس جلسة العبد تواضعا لله تبارك وتعالى، ثم أتاه عند الموت بمفاتيح خزائن الدنيا فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا بعث بها إليك ليكون لك ما أقلت الأرض من غير أن ينقصك شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في الرفيق الأعلى. * الشرح: (إن جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول الله (قدس سرهما)) فخيره بين قبول ملك الدنيا وخزائنها وتركها (وأشار عليه بالتواضع لله تعالى) بترك قبولها وقد مر ذلك مع شرحه في باب التواضع من الأصول (وكان له ناصحا) فلم يصدر الإشارة منه بالتواضع والترك من باب الغش بل صدر لمحض النصيحة الخالصة لعلمه بأن ذلك خير له في الدنيا والآخرة (ثم أتاه عند الموت بمفاتيح خزائن الدنيا..) قال الفاضل

[ 95 ]

الأمين الاسترابادي: كان العلة في إتيانه عند الموت بهذا أن النبي (صلى الله عليه وآله) عسى أن يتقبلها لذريته الطاهرة صلوات الله عليهم فإن معظم قصد الناس أن لا يكون ذريتهم فقراء بعده. أقول: ويمكن أن يكون العلة فيه عسى أن يتقبل طول العمر والبقاء في الدنيا مع السلطنة كما يشعر به آخر الحديث (ليكون لك ما أقلت الأرض) أي ما حملته ورفعته (من غير أن ينقصك شيئا في الآخرة) من قربك ومنزلتك عنده تعالى ونقص لازم متعد (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الرفيق الأعلى) الجار متعلق بأكون، قيل: المراد بالرفيق الأعلى الملائكة المقربون، وقيل: الأنبياء المرسلون الذين يسكنون أعلى عليين وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق، والخليط يقع على الواحد والجمع ومنه قوله تعالى * (وحسن أولئك رفيقا) * والرفيق المرافق في الطريق، قيل المراد به الله تعالى لأنه رفيق بعباده من الرفق والرأفة وفيه أن لفظ في يأباه في الجملة إلا أن يكون بمعنى الباء أو إلى أو يقدر بعده الجوار أو الرحمة. * الأصل: - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عبد المؤمن الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عرضت علي بطحاء مكة ذهبا فقلت: يا رب لا ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا شبعت حمدتك وشكرتك وإذا جعت دعوتك وذكرتك. * الشرح: (عرضت علي بطحاء مكة ذهبا) البطحاء والأبطح مسيل واسع فيه دقائق الحصى وقد يطلق على تلك الدقاق. (فقلت يا رب لا) أي لا أريد (ولكن أشبع يوما وأجوع يوما) أي أفطر يوما وأصوم يوما أو أشبع يوما ولا أشبع يوما. (فإذا شبعت حمدتك) فيه إرشاد إلى الحمد والشكر بعد النعمة والدعاء والذكر عند الجوع والحاجة إلى الغذاء، ومنه يظهر بعض فوائد الجوع، وقد ذكرنا كثيرا منها في الأصول.

[ 96 ]

حديث عيسى ابن مريم (عليهما السلام) * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط عنهم (عليهم السلام) قال: فيما وعظ الله عز وجل به عيسى (عليه السلام): يا عيسى أنا ربك ورب آبائك، اسمي واحد وأنا الأحد المتفرد بخلق كل شئ، وكل شئ من صنعي وكل إلي راجعون. يا عيسى أنت المسيح بأمري وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني وأنت تحيي الموتى بكلامي فكن إلي راغبا ومني راهبا ولن تجد مني ملجأ إلا إلي. يا عيسى أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حتى حقت لك مني الولاية بتحريك مني المسرة، فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت، أشهد أنك عبدي، ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك وتقرب إلي بالنوافل وتوكل علي أكفك ولا توكل على غيري فأخذ لك. يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، يا عيسى أحي ذكري بلسانك وليكن ودي في قلبك، يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة واحكم لي لطيف الحكمة، يا عيسى كن راغبا راهبا وأمت قلبك بالخشية. يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي. يا عيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيثما توجهت. يا عيسى احكم في عبادي بنصحي وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان. يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون، يا عيسى حقا أقول. ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهد أنها آمنة من عقابي ما لم تبدل أو تغير سنتي. يا عيسى ابن البكر البتول ! ابك على نفسك بكاء من ودع الأهل وقلي الدنيا وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه. يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام. يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذرا للمعاد، والزلازل الشداد، وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال، يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطالون. يا عيسى كن خاشعا صابرا، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون. يا عيسى رح من الدنيا يوما فيوما، وذق لما قد ذهب طعمه، فحقا أقول: ما أنت إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا ببلغة وليكفك الخشن الجشب فقد رأيت إلى ما تصير ومكتوب ما

[ 97 ]

أخذت وكيف أتلفت. يا عيسى إنك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إياك ولا تقهر اليتيم. يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات وأسمعني لذاذة نطقك بذكري فإن صنيعي إليك حسن. يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالف ذنوب قد عصمتك منها. يا عيسى ارفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل إلى السماء وادعني منك فإني منك قريب ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هما واحدا فإنك متى تدعني كذلك أجبك. يا عيسى إني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك ولا عقابا لمن انتقمت منه. يا عيسى إنك تفنى وأنا أبقى، ومني رزقك وعندي ميقات أجلك وإلي إيابك وعلي حسابك فسلني ولا تسأل غيري، فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة. يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر، الأشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها. يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان: يأكل رزقي ويعبد غيري ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه، فعلي يتمرد ؟ أم بسخطي يتعرض ؟ فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجا ولا دوني ملجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم والأصنام في بيوتكم فإني آليت أن أجيب من دعاني وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا، يا عيسى كم أطيل النظر وأحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون ؟ تخرج الكلمة من أفواههم، لا تعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي ويتحببون بقربي إلى المؤمنين. يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك فليكن قلبك وبصرك واطو قلبك ولسانك عن المحارم وكف بصرك عما لا خير فيه، فكم من ناظر نظرة قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة. يا عيسى كن رحيما مترحما وكن كما تشاء أن يكون العباد لك وأكثر ذكر الموت ومفارقة الأهلين ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك. يا عيسى تب إلي بعد الذنب وذكر بي الأوابين وآمن بي وتقرب إلى المؤمنين ومرهم يدعوني معك وإياك ودعوة المظلوم فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول وأن أجيبه ولو بعد حين. يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي، واعلم من تقارن واختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.

[ 98 ]

يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين، اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون، فيه أجزي بالحسنة أضعافها وإن السيئة توبق صاحبها، فامهد لنفسك في مهلة ونافس في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار. يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحس منهم من أحد وخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين. يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالادهان ليتوقع عقوبتي وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين، طوبى لك يا ابن مريم، ثم طوبى لك إن أخذت بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما وبدأك بالنعم منه تكرما وكان لك في الشدائد، لا تعصه يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك كما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين. يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي. يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات منك ما بطن فإنك إلي راجع. يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين. يا عيسى تزين بالدين وحب المساكين وامش على الأرض هونا وصل على البقاع فكلها طاهر. يا عيسى شمر فكل ما هو آت قريب، واقرأ كتابي وأنت طاهر، وأسمعني منك صوتا حزينا. يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول، يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه، فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها، يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين، حسنة المنظر، طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم، في جنات النعيم، لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا كذلك أفعل بالمتقين. يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال لا يدخلها روح ولا يخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ وكل مختال فخور. يا عيسى بئست الدارين لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا. يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي واشهد على أني خلقتك وأنت عبدي وأني صورتك

[ 99 ]

وإلى الأرض أهبطتك. يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان. يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا وأفطم نفسك عن الشهوات الموبقات وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها، واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين فكن مني على حذر واعلم أنك دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي فكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظانا عند نوم الغافلين. يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتيى لك فخذها مني وإني رب العالمين. يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي وكنت عنده حين يدعوني، وكفى بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون. يا عيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالما متعلما. يا عيسى افض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي وتمسك بوصيتي فإن فيها شفاء للقلوب. يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري. يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون أولئك يؤتون أجرهم وأنا خير المؤتين. يا عيسى كنت خلقا بكلامي، ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي حتى قمت على الأرض حيا تمشي، كل ذلك في سابق علمي. يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك وكفيل أمك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ونظيرك يحيى من خلقي وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي، أحبك إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني. يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني وبطيب الكلام فقدسني. يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي وتقلبهم في أرضي، يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون. يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مما قد تذابح عليه الجبارون وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل. يا عيسى أبغني عند وسادك تجدني وادعني وأنت لي محب فإني أسمع السامعين أستجيب للداعين إذا دعوني. يا عيسى خفني وخوف بي عبادي لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون. يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون. يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار

[ 100 ]

الصالحين. يا عيسى اني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين. يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي واذكرني في ملائك أذكرك في ملاء خير من ملاء الآدميين، يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث. يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا، الدنيا قصيرة العمر، طويلة الأمل وعندي دار خير مما تجمعون. يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون أم علي تجترون، تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون. يا عيسى قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا وأقبلوا علي بقلوبكم فإني لست أريد صوركم. يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضى، وابك على السيئة فإنها شين، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك وإن لطم خدك الأيمن فأعطه الأيسر وتقرب إلي بالمودة جهدك، وأعرض عن الجاهلين. يا عيسى ذل لأهل الحسنة وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا وقل لظلمة بني إسرائيل: يا أخدان السوء والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير. يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقا مني وأنتم بالضحك تهجرون، أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون لعقوبتي ؟ فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين. ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الأحمر والوجه الأقمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس، الحبي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني، أكرم السابقين علي وأقرب المرسلين مني، العربي الأمين الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد المشركين بيده عن ديني، أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعوه وأن ينصروه. قال عيسى (عليه السلام): إلهي من هو حتى أرضيه ؟ فلك الرضا. قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة وطوبى له من نبي وطوبى لأمته إن هم لقوني على سبيله، يحمده أهل الأرض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون طيب مطيب، خير الباقين عندي، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها وأخرجت الأرض زهرتها حتى يروا البركة وبارك لهم فيما وضع يده عليه، كثير الأزواج، قليل الأولاد، يسكن بكة موضع أساس

[ 101 ]

إبراهيم. يا عيسى دينه الحنيفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنا معه، فطوبى له ثم طوبى له، له الكوثر والمقام الأكبر في جنات عدن، يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيدا، له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض، عذب فيه من كل شراب وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينه، يوافق سره علانيته وقوله فعله، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر تنقاد له البلاد ويخضع له صاحب الروم على دين إبراهيم، يسمي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلوات متواليات، ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ويخشع لي قلبه ورأسه. النور في صدره والحق على لسانه وهو على الحق حيثما كان، أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به، تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة وعلي أمته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه أوفيت له بالجنة، فمر ظلمة بني إسرائيل ألا يدرسوا كتبه، ولا يحرفوا سنته، وأن يقرئوه السلام فإن له في المقام شأنا من الشان. يا عيسى كل ما يقربك مني فقد دللتك عليه، وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك. يا عيسى إن الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها، فجانب منها ما حذرتك وخذ منها ما أعطيتك عفوا، يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الريب كن فيها زاهدا ولا ترغب فيها فتعطب. يا عيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الأرض كيف كان عاقبة الظالمين. يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين، فحقا أقول: لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك، مالك من دوني من ولي ولا نصير. يا عيسى أذل قلبك بالخشية وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها. يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أن سروري أن تبصبص إلي، كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا. يا عيسى لا تشرك بي شيئا وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك فإن الدنيا كفئ زائل وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت وأحرقت بالنار، فلا تكفر بي بعد المعرفة فلا تكونن من الجاهلين، فإن الشئ يكون مع الشئ.

[ 102 ]

يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك. يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين. * الشرح: (حديث عيسى بن مريم عليهما السلام) ذكر فيه من فضائل الأخلاق وجلائل الأوصاف وشرائف الصفات ولطايف الحالات ما يعجز عن ذكر وصفه الواصفون وعن إدراك كنهه العارفون (قال فيما وعظ الله تعالى به عيسى (عليه السلام)) أي أوصاه به وأمره بحفظه، والوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله تعالى بلفظ يرق له القلب (يا عيسى أنا ربك ورب آبائك) الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشئ من حد النقص إلى حد الكمال على سبيل التدريج، ثم أطلق على المالك والسيد وهو منكرا بلا إضافة مختص بالواجب، وكذا المعرف باللام إذا كان بمعنى المالك لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات. وقدم هذا الوصف لدلالته على أفضل النعماء وهو الإيجاد والتربية وفيه ترغيب على أداء حقوق الربوبية. (اسمى واحد) إذ لا تركيب فيه أصلا لا ذاتا ولا صفة، وكل ما سواه وإن كان بسيطا فهو مركب إما بحسب الصفات ومن ثم قيل لا وحدة في عالم الإمكان. (وأنا الأحد) إذ لا شريك له في ذاته وصفاته والوجوب والقدم وغيرها. (المتفرد بخلق كل شئ) إذ لا شريك له في فعله. ويستثنى منه ذاته تعالى وأفعال العباد، وفيه رد على من زعم أنه واحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن خلق البواقي مستند إلى العقول (1) ومن زعم


(1) قوله " وأن خلق البواقي مستند إلى العقول ". شبهة راسخة في أذهان بعض الناس لا يكتنه العلماء غورها لبعد أذهانهم عن أذهان الناس فرب أمر يتمسكون به ويبنون عليه من غير أن يعثر أحد على وجهه ولا ريب أن لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وأن سلسلة الأسباب ينتهي إلى واجب الوجود بالذات لامتناع التسلسل ولم يتردد فيه أحد إلا الملاحدة المنكرون للعقول ولكل موجود غير جسماني، فنسبة الفعل والتدبير إلى العقول كنسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) حيث قال تعالى: * (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتكون طيرا باذني) * فكما أن نسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) ليست مردودة باطلة بقوله " المتفرد بخلق كل شئ " لأن كل فاعل واسطة في إيصال الفيض من الله تعالى إلى سائر الممكنات كذلك نسبة الفعل إلى العقل أو إلى الملائكة الموكلين كنسبة إثارة السحاب إلى الريح في قوله تعالى * (يرسل الرياح فتثير سحابا) * ليست مردودة بخلق كل شئ، ولا أدري كيف يكون نسبة الأفعال إلى الأسباب الطبيعية كالحرارة إلى النار والضوء إلى الشمس والشفاء إلى الدواء غير مخالفة للتوحيد ويكون نسبة الفعل إلى العقول مخالفة، إلا أن يكون الرجل ماديا ينكر وجود المجردات أو وهابيا ينكر تأثير غير الأسباب الطبيعية كالقبور والأرواح والتربة المقدسة والخواتيم المنقوشة وليس ذلك كله مما يخفى على الشارح رحمه الله وكأنه أراد بذلك بعض المبتدئين في الفلسفة وكانوا كثيرين في عصره يأخذون بأصل ويتركون أصولا، يبينون فعل القول بيانا يظهر منه التفويض ويغفلون عن قول = (*)

[ 103 ]

أن صفاته الذاتية على ذاته إذ هو حينئذ مستعين في الخلق والإيجاد بصفاته المغايرة له. (وكل شئ من صنعي) هذا تأكيد لما قبله لأن إضافة الصنع إليه عز وجل يقتضي التفرد به. (وكل إلي راجعون) بالحاجة في الوجود والبقاء أو بالزوال والفناء * (ولله ميراث السماوات والأرض) * وفيه وعد بالثواب ووعيد بالعقاب ودلالة على التسخير، وقال الفاضل المذكور: المقصود أن كل شئ من صنعي بلا واسطة أو بواسطة كأفعال العباد وهذا معنى قوله * (كل إلينا راجعون) * وفيه أنه يصدق على مذهب صدور الواحد عنه فقط، وهو باطل عندنا، فالأصوب حمله على الصدور بلا واسطة واستثناء أفعال العباد بدليل خارج. (يا عيسى أنت المسيح بأمري) سمي مسيحا لأنه كان ذو بركة خلقة خلقه الله تعالى مباركا، أو لأنه سائح في الأرض للعبادة وهداية الناس، أو لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لأنه كان صديقا. (وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) قيل معناه أنت تقدر لهم من الطين مثل هيئة الطير فتنفخ فيه (فيكون طيرا) أي حيا طيارا (بإذني) ولما كان الإحياء من أخص صفاته تعالى ذكر الإذن دفعا لتوهم الألوهية له، والظاهر أنه كان تعالى يخلق الحياة في ذلك الجسم عند نفخ عيسى (عليه السلام) إظهارا لمعجزته لأن الإحياء والإماتة من صفاته تعالى كما نطق به القرآن، وقيل: إنه أودع في نفس عيسى (عليه السلام) خاصية بحيث أنه متى نفخ في شئ كان نفخه موجبا لصيرورة ذلك الشئ حيا. (وأنت تحيى الموتى بكلامي) لعل المراد بالكلام الاسم الأعظم، وإحياؤه الموتى مذكور في الكتاب والسنة والسير، وقد روي من طرق الخاصة والعامة أنه كان ابن ميت لعجوزة فأحياه وبقي مدة وولد له ثم مات، وإنما ذكر هذه النعم لأنها من جلايل نعم الله تعالى عليه وهي تقتضي دوام الشكر والذكر وعدم الغفلة عنه ساعة. (فكن إلي راغبا ومني راهبا) الفاء للتفريع، وتقديم الظرف للحصر لأن وجوده وحوائجه وجميع كمالاته وتربيته من الابتداء إلى الانتهاء إذا كان منه تعالى وجب أن تكون رغبته في جميع المقاصد ورهبته من العقوبة وفوات شئ من مقاصده إليه تعالى لا إلى غيره. وإلى ما ذكرنا أشار بقوله (ولن تجد مني ملجأ إلا إلي) لجلب المنافع ودفع المضار، وإذا كان كذلك وجب صرف الرغبة والرهبة إليه لا إلى غيره. (يا عيسى أوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة) التحنن التلطف والرأفة والإشفاق وفي كنز اللغة: " تحنن مهرباني كردن " وفيه تنبيه على أن تلك الوصية نصيحة خالصة وتحريض على قبولها لأن العاقل لا يترك نصح الناصح الأمين.


= الحكماء " لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى " والله الهادي. (ش) (*)

[ 104 ]

ثم أشار إلى غاية الوصية وأقصى مراتب التحنن والرحمة وأعلاها بقوله (حتى حقت) أي ثبتت (لك مني الولاية) أي ولايتي لك أو ولايتك لي وهي بالفتح والكسر: المحبة والنصرة، أو ولايتك في الناس وهي النصرة والإمارة والسلطنة، وفي لفظ " مني " إشعار بأن ثبوت الولاية له من عونه تعالى وتوفيقه. (بتحريك مني المسرة) الباء للسببية، والتحري: طلب أحرى الأمرين وأولاهما، وإضافته إلى الكاف إضافة المصدر إلى الفاعل، والمسرة مفعوله وهي اسم لكل ما يوجب السرور، والجمع المسارة، يعني ثبوت الولاية لك بسبب طلبك ما يوجب سروري أو سرورك وهو الموصى به وغيره، وفي لفظ " مني " إشعار بما ذكرناه، وفي بعض النسخ " تنجز لك " فاعل " تنجز " ضمير راجع إلى الولاية، والمفعول بحاله يعني أن الولاية ينجز لك من عوني أو من لدني ما يوجب سرورك وهو القرب والسعادة والجنة ونعيمها الباقية والله أعلم. (فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيثما كنت) أي جعلت مباركا ميمونا سببا لزيادة الخير والبركة نفاعا معلما للخير بعد البلوغ وقبله حيثما كنت من الأماكن الحسية والعقلية والمراتب الروحانية كما قال عز وجل حكاية عنه في التنزيل * (وجعلني مباركا أينما كنت) *. (أشهد أنك عبدي ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك) النزول من علو إلى الأسفل ويتعدى بالهمزة يقال أنزلته فنزل وأنزلت الضيف فهو نزيل، والنزل بضمتين ما يهيأ للضيف، و " من " بمعنى في، والهم المراد والمقصود، قال ابن فارس: الهم ما هممت به وأردته، والكلام من باب التمثيل والتشبيه أي اجعلني في نفسك ومرادك ومقصودك واجعل لي نزلا وهو القيام بوظائف الطاعات في جميع الحالات. وفي قوله " أشهد " أمر له باليقين وفي قوله " عبدي وابن أمتي " ترغيب له في الإتيان بحق العبودية والخضوع والابتهال بين يديه تعالى. (واجعل ذكري لمعادك) أمره بجعل ذكره تعالى قلبا ولسانا خالصا لوجهه لتنفعه بعد العود إليه (وتقرب إلي بالنوافل) قد يتقرب العبد إليه عز وجل بالنوافل والقيام بها والثبات عليها تقربا معنويا ويتصل به اتصالا روحانيا حتى يصير قوله كقوله وفعله كفعله وأمره كأمره فيصدر عنه حينئذ أمور غريبة وأفعال عجيبة، وفيه تشبيه لقربه بالقرب المكاني للإيضاح (وتوكل علي أكفك) أمره بالتوكل وضمن له الكفاية فإنه إذا توكل العبد عليه وصرف قلبه إليه وسكن سره واستقر أمره وأعرض عن أمور الدنيا وعكف بين يديه وقام بامتثال أوامره وترك نواهيه كفاه الله تعالى مهمات دنياه وأخراه كما قال في التنزيل * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) *. (ولا تول غيري فاخذلك) أي لا تتخذ غيري وليا ناصرا فأخذ لك وأترك نصرتك وعونك وأكلك إلى ذلك الغير وهو لا يقدر على شئ. (يا عيسى اصبر على البلاء) الصبر على البلاء أمر العقلاء، إذ العاقل يعلم أن البلاء جار لا

[ 105 ]

يدفعه الجزع فيصبر، وإن الجزع والاضطراب بلاء على بلاء فيصبر ويحترز عن تضعيفه وإن البلاء يوجب رفع الدرجات على تفاوت مراتبها والصبر يقتضي الوصول إلى أعلاها فيختار الصبر للوصول إليه وأن الصبر مفتاح الفرج فيصبر طلبا له ولما لم يكن الصبر على البلاء موجبا للرضاء به أمره به فقال: (وارض بالقضاء) القضاء الأمر والحكم والخلق على وفق التقدير الأزلي فالقدر بمنزلة الأساس والقضاء بمنزلة البناء وهو إقبال القلب إلى الواردات من الحق وتلقيها بالقبول والسرور بها لكونه هدية منه تعالى ثم الرضاء والسرور بالواردات المحبوبة للنفس مثل الصحة والسعة سهل عليها لأنها موافقة لطبعها وأما الرضا بالواردات المكروهة فمشكل، ويمكن دفعه بأن الرضاء ثمرة المحبة البالغة، ومحبة العبد للرب إذا بلغت حد الكمال يمكن أن يرجح إرادته على إرادة نفسه بل يمكن أن لا يرى لنفسه مرادا غيره تعالى لاستغراقه في بحر المحبة. (وكن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى) أمره بكونه دائما لما يوجب سروره تعالى فيه، ثم بين ما يوجبه بأنه الطاعة مطلقا بجميع أنواعها من غير اقتراف معصية. (يا عيسى أحي ذكري بلسانك) تشبيه الذكر بالميت في سقوطه وسكونه وعدم اعتباره عند أكثر الخلق مكنية وتعلق الإحياء به تخييلية، وذكر اللسان تجريد. (وليكن ودي في قلبك) كأنه إشارة إلى أن ذكر اللسان ليس ذكرا حقيقة ما لم يكن القلب متيقظا ولم يكن المذكور ووده فيه فإن الذكر اللساني عبادة وكون المذكور وحبه في القلب روح لها وسبب لحياتها وحياة القلب وبه يبلغ العبد مقام القرب، ولا خير في عبادة لا روح لها. (يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة) هي ساعات النوم وساعات الاشتغال بالضروريات من الدنيا وبأمور الخلق، والمراد بالتيقظ في هذه الساعات ذكره تعالى والإتيان بوظايف الطاعات وغيرها مما يوجب القرب بالحق والحذر مما يوجب البعد منه (واحكم لي لطيف الحكمة) أي أحكم لأجلي أو لرضاي في قلبك الحكمة اللطيفة الدقيقة وهي العلم بما ينفع في الآخرة والأسرار الإلهية وأتقنها وأمنعها عن الزوال والفساد بالتذكر والتفكر والتعليم والعمل بمقتضاها. (يا عيسى كن راغبا راهبا) أمره بالخوف والرجاء إذ بالخوف يترك موجبات البعد، وبالرجاء يطلب موجبات القرب، وإن شئت زيادة تفصيل فيهما فارجع إلى ما ذكرناه في باب الخوف والرجاء من كتاب الأصول. (وأمت قلبك بالخشية) إنما جعل الخشية موت النفس لأنها توجب ذبولها وهو موتها وموت الجسد أيضا وإنما أمر بهذه الإماتة لأنها مع كونها مطلوبة لتطويع النفس الأمارة وحفظها عن المهلكات مستلزمة لمطلوب آخر وهو إحياؤها بالعلوم والفضائل النفسانية والجسمانية وهي حياة أبدية ومنه يظهر سر " موتوا قبل أن تموتوا " وسر " موتكم في حياتكم وحياتكم في موتكم " هذا أيضا أحد الوجوه في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ".

[ 106 ]

(يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي) رعاية الليل حفظ ساعاته للقيام بوظائف طاعاته وإنما خص الليل بالذكر مع أن الطاعات مطلوبة في جميع الأوقات لأن الشغل في الليل أقل والقلب فيه أفرغ والعبادة فيه أخلص (واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي) أمر من ظمأ مهموز اللام كفرح إذا عطش، نهارك مفعول فيه وهو كناية عن الصوم، لا من أظمأه غيره ونهارك مفعول به والتعلق مجاز عقلي، فإنه بعيد. (يا عيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيث ما توجهت) الخير اسم جامع لكل ما هو مطلوب شرعا وقد أمره به على سبيل المنافسة والمغالبة بقدر الطاقة والإمكان وأشار إلى أن غايته المترتبة عليه غير الثواب الأخروي معرفة الخلق إياه به وذلك من فضل الله عليه ليذكروه به ويتأسوا به كما دل عليه بعض الروايات ولا دلالة فيه على جواز قصد ذلك من عمل الخير أن الظاهر جوازه لا للسمعة والرياء بل لما ذكر أو لإرادة ظهور نعمته تعالى وفعل الخير والتوفيق عليه من أجل نعمائه ولذلك قال خليل الرحمن * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). (يا عيسى احكم في عبادي بنصحي) أي ينصح لي، من باب الحذف والإيصال، والنصح: الخلوص، ولعل المراد به نصيحتهم لوجه الله وأمرهم بما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهذا الحكم أفضل الأعمال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه وقم فيهم بعدلي لدفع الظلم والجور بينهم وبهذا الحكم والقيام يتم نظامهم في الدارين فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان لأن مرض الشيطان ووسواسه في صدور المؤمنين إما في أمر الدنيا أو في أمر المبدأ والمعاد وأمر الآخرة وقد أنزل الله تعالى عليه من العلوم الدينية والقوانين الشرعية والأسرار الحكمية والمواعظ الرباينة والنصايح الإلهية ما يعالج به جميع ذلك. (يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون بالدنيا) أو المعصية لئلا تتشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم ولئلا يميل طبعك إلى طبعهم فإن الفتنة علة مسرية ولئلا يصيبك عذاب إن نزل بهم. (يا عيسى حقا أقول) " حقا " منصوب بفعل مذكور أي: أقول قولا حقا، أو بفعل مقدر قبله لوجود المفسر له، وهذا القول الحق هو قوله (ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي) الخليقة الناس والخشوع " فروتنى كردن " وهو ضد التطاول والترفع، ومبدؤه العلم بأن كل موجود مقهور في تصريف قدرته تعالى ومربوط بربقة الحاجة إليه فإن هذا العلم يوجب تخشعه وتخضعه في الأفعال القلبية والبدنية وإقباله إليه تعالى، وهذا صريح في أن الإيمان الذي ليس معه خشوع ليس بإيمان حقيقة. (ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي) لأن رجاء ثوابه يوجب الإقبال إلى ما يوجبه بقلب خاشع له تعالى فلولا رجاء الثواب لم يحصل الخشوع، ألا ترى أنك إذا لم ترج من زيد شيئا لا تخشع له أصلا، ومن هاتين المقدمتين ظهر أن الإيمان لا يتحقق بدون رجاء الثواب والعمل له.

[ 107 ]

(فأشهد أنها آمنة من عذابي ما لم تبدل أو تغير سنتي) أشهد إما متكلم أو أمر، وفي التفريع دلالة على أن الأمن من العذاب متوقف على الخشوع والرجاء وأن الأمن منه ثابت لها ما لم تبدل هذه الحالة بحالة التطاول والترفع وما لم تغير شيئا من السنة (يا عيسى ابن البكر البتول) البتل: القطع، سميت بتولا لكونها عذراء منقطعة عن الأزواج أو عن الدنيا. (ابك على نفسك بكاء من قد ودع الأهل وقلي الدنيا وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه) أشار بذلك إلى أعلى درجات الزهد ورغبته في تحصيله حيث أمره أولا بوداع الأهل والميل إلى سفر الآخرة وتفويض حالهم إلى ربهم لأن الاشتغال بأمورهم مانع من هذا السفر، وثانيا بقلي الدنيا وبغضها لأن محبتها أيضا مانعة، وثالثا بتركها لأهلها الراغبين إليها لأن بغضها مع عدم تركها أيضا مانع، ورابعا بالرغبة فيما عند الله تعالى من قربه وإحسانه والسعادة الأبدية والنعماء الاخروية. فإذا حصلت هذه المراتب لأحد دخل في مقام المحبة وهو ما دام في هذه الدار لا يخلو عن فراق ما من المحبوب وكأن شأنه البكاء فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور فلذلك قيل: العارفون المحبون يبكون شوقا إلى المحبوب، والمذنبون يبكون من خوف الذنوب. (يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام يقظان إذا نامت عيون الأبرار) لما كان التآلف والتلطف من أسباب تحقق النظام بين الأنام حض على السبب الجالب لها من لين الكلام وإفشاء السلام وقوله " تلين " و " تفشي " و " يقظان " أخبار، والأول مضارع لين بالتشديد أو ألان يقال لينت الشئ وألنته وألينته على النقصان والتمام مثل أطلته وأطولته أي صيرته لينا، والثاني من الإفشاء بمعنى الإذاعة والإشهار والثالث مفرد غير منصرف للوصفية والألف والنون المزيدتين وترك العطف فيه لأنه جايز في الأخبار المتعدد مع رعاية عدم التناسب وعدم قصد الاشتراك في الإعراب ويجوز أن يكون الأول والثاني مصدر التفعل المضاف إلى فاعله لكنه بعيد لخلوه عن ضمير الاسم وعدم حمله عليه إلا بتأويل، وفي إضافة العيون إلى الأبرار مبالغة في طلب اليقظة منه عليه السلام كما لا يخفى، والظاهر أن " حذرا " مفعول له للخبر الأخير أو للكل على احتمال وأن المراد بالزلازل زلازل الساعة وهي شديدة عظيمة كما قال تعالى: * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *. (يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن) من أهوال القيامة وشدائد مقاماتها أو من خوف سوء الخاتمة وانعكاس الأحوال أو من ألم الفراق (إذا ضحك البطالون) الغافلون عن جميع ذلك والكحل معروف وفعله من باب منع ونصر وتشبيه الحزن به وهو تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح مكنية وذكر الميل تخييلية، والمراد بالعين عين القلب لأنه مورد الحزن وبميل الحزن أسبابه الموجبة لحصوله فيه وفي بعض النسخ " بملمول الحزن " وهو الميل. (يا عيسى كن خاشعا صابرا فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون) أمره أولا بالخشوع والتذلل في الظاهر والباطن، وثانيا بالصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات وعند نزول

[ 108 ]

المصايب وتوارد البليات ثم رغب فيه بذكر غايته وهي نيل أجر لا يعلم قدره ألا وهو يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. (يا عيسى رح من الدنيا) إلى الآخرة (يوما فيوما) كما يروح المسافر من المنزل إلى المقصد كذلك وكل يوم ينقضي ينقطع من عمرك وتقرب إلى الآخرة وهذا. بيان للواقع وحث على حسن الاستعداد وأخذ الزاد لها (وذق لما قد ذهب طعمه) ذاقه ذوقا اختبر طعمه، واللام ليست في بعض النسخ أمره بذوق طعم ما ذهب من عمره وما عمل فيه من خير وشر فإنه يجد طعم الأول حلوا وطعم الثاني مرا أو يحتمل أن يكون من باب التهكم تنبيها على عدم بقاء لذة ما ذهب من المعصية وطعمه والله أعلم. (فحقا أقول ما أنت إلا بساعتك) التي أنت فيها (ويومك) الذي تتقلب فيه لأن الماضي من الساعات والأيام ليس من عمرك ولا يمكن عوده إليك والآتي غير معلوم الوقوع فليس عمرك إلا ما أنت فيه فاغتنمه في تحصيل الخيرات. والظاهر أن الفاء للسببية (فرح من الدنيا ببلغة) هي بالضم: ما يتبلغ من العيش ويكفي في بقاء الحياة. (وليكفيك الخشن الجشب) أي الخشن من اللباس والجشب من الطعام وهو الغليظ أو ما لا أدام معه، أمره بالزهد في الدنيا ورفض الزيادة عن قدر الضرورة منها (فقد رأيت إلى ما تصير) من السعادة والقرب ونعيم الجنة أو من وداع الدنيا وأمر الآخرة وأهوالها، والظاهر أن المراد بالرؤية العقلية وهي العلم وأن الفاء للسببية. (ومكتوب ما أخذت) في الدنيا من رزق أو عمل أو عمر (وكيف أتلفت) في وجوه الخير أو الشر فينبغي رعاية المكسب والمصرف وحفظهما عن الفساد. (يا عيسى إنك مسؤول) عما عملت من عمل فيما بيني وبينك، وفيما بينك وبين الخلق (فارحم الضعيف كرحمتي إياك) أريد بالضعيف الضعيف بحسب الحال أو المال أو العقل، وبرحمته إيصال أنواع الخير بقدر الإمكان. (ولا تقهر اليتيم) قهره كمنعه: غلبه، أي لا تغلب اليتيم على حقه وماله لضعف حاله. (يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات) أمر بالبكاء على النفس لموتها بألم الفراق والمعاصي واستحقاق العقاب، والبكاء عليها يوجب حياتها بالقرب وغفران الذنوب واستحقاق الثواب وإنما ذكر الخلوات لأن البكاء فيها من الخلوص أكمل وأقرب وتوجه الذهن إلى معرفة حالات النفس فيها أسهل وأنسب (وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات) ميقاتها الوقت: المضروب لها أو الوضع المعد لها كالمسجد ونحوه (أسمعني لذاذة نطقك بذكري) نطقك مفعول الإسماع حقيقة وإدراج اللذاذة للتنبيه على أن ذكره لذيذ يلتذ بسماعه فلا يرد أن اللذاذة ليست بمسموعة وهذا من باب

[ 109 ]

التمثيل أو اللذاذة به كناية عن إرادته (فإن صنيعي إليك حسن) علة للنقل والإسماع لأن حسن الصنيعة يقتضي مقابلته بحسن الطاعة والعبودية والشكر والذكر وذلك من توابع خلوص المحبة. (يا عيسى كم من أمة قد أهلكتها بسالفة ذنوب قد عصمتك منها) أمنه على عدم هلاكه بعصمته من الذنوب كما خوفه بذكر الإهلاك بسببها، وكم خبرية لإفادة كثرة الأمة المهلكة وقد ذكر في القرآن الكريم جملة منهم. (يا عيسى ارفق بالضعيف) الرفق: التسهيل وهو ضد العنف والتشديد والتصعيب والغلظة والجفاوة في الأقوال والأفعال وغيرهما. (وارفع طرفك الكليل إلى السماء) وصف الطرف بالكليل للتنبيه على أن رفعه ينبغي أن يكون كذلك لا على الحدة والتحديق، أو للإشارة إلى ضعفه الموجب للترحم وإنما أمره برفعه إلى السماء لأنها أشرف الجهات لجريان فيضه تعالى من جهتها عادة (وادعني فإني منك قريب) حث بذكر القرب على الدعاء فإن الداعي إذا علم أن المدعو قريب يسمع نداءه يبالغ في الدعاء. (ولا تدعني إلا متضرعا إلي) التضرع لا يتحقق إلا بحضور القلب والتوجه إلى الله تعالى والانقطاع عن الغير وهو روح العبادة، به يرتقي إلى درجة القبول ومحل الاعتبار. (وهمك هما واحدا) الهم: الحزن والقصد وما قصدته أيضا والظاهر أنه عطف على " متضرعا " وأن " هما " منصوب على المفعولية وأن المراد بالهم الواحد هو الله تعالى بتفريغ القلب عن الغير وصرفه إليه وإلى ذكره. (فإنك متى تدعني كذلك أجبك) هذه قضية كلية دالة على أن الدعاء مع شرائطه مقبول وأما بدونها فقد يقبل وقد لا يقبل. (يا عيسى اني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك ولا عقابا لمن انتقمت منه) إشارة إلى حقارة الدنيا والتنفير عنها حيث إنها ليست ثوابا للمطيع ولا عقابا للعاصي بل هي دار الامتحان والنماء ودار التكليف والفناء وإنما الثواب والعقاب في الآخرة التي هي دار البقاء (يا عيسى إنك تفنى وأنا أبقى) الخطاب لهذا المجموع المركب من الهيكل المخصوص والنفس الناطقة وهو ينتفي بانتفاء الجزء فلا ينافي بقاء النفس كما هو الحق. (ومني رزقك) فثق به وكل ما يحتاج إليه ذو حياة في حياته وبقائه (وعندي ميقات أجلك) أي الوقت أو المكان المقدران لموتك، فالإضافة لامية ولو أريد بالميقات الوقت المضروب للحياة وبالأجل مدة الحياة كانت الإضافة بيانية (وإلي إيابك) أي رجوعك بعد نزولك في الدنيا زمانا مقدرا (وعلى حسابك) مما فعلت في الدنيا من خير أو شر وهذه الفقرات كعلة مستقلة للرجوع إليه في جميع الأمور وطلب جميع المطالب منه لا من غيره فلذلك قال (فسلني ولا تسأل غيري) لأنه لا يملك لك نفعا ولا ضرا وذلك لإفادة أن جميع الأمور الدنيوية والأخروية بيده وليس شئ

[ 110 ]

منها بيد غيره فوجب السؤال منه لا من غيره. (فيحسن منك الدعاء ومني الإجابة) نبه على أن الإجابة المقرونة بالدعاء المقترن بالشرائط التي من جملتها تفريغ القلب عن الغير والتوسل به والتضرع إليه. (يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر) أشار على سبيل التعجب إلى أن الصابر من البشر مع كثرتهم قليل والأكثر لا صبر لهم في مقام الطاعة والمعصية ونزول النوائب والمكاره لضعف عقولهم وقلة علومهم وطغيان نفوسهم وفرار طباعهم عن مرارة الصبر. (الأشجار كثيرة وطيبها قليل) وهو الذي له أثمار نفيسة ورائحة طيبة وهذا من باب التمثيل لتشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الإيضاح (فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها) نهى عن النظر إلى حسن الصورة حتى ينظر إلى حسن السيرة لأن الكمال إنما هو الثاني دون الأول، ولذلك كان العارفون لا يتخذون صديقا ولا يؤثرون رفيقا حتى يمتحنوا ويعرفوا حاله وعقله وعلمه وكماله وخلقه وقوته في الدين وعلموا أن اتخاذ الصديق قبل الاختبار يوجب الفراق منه بالاختيار أو الاضطرار. (يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان) التمرد " سر كشى كردن " والمتمرد العاتي الشديد، وتغريره خدعته ومكره بفعله أو قوله ليجعل الغير مثله. (يأكل رزقي ويعبد غيري) فيضع قوته في غير موضعها وهو الظلم الصريح وذلك الغير هو الأصنام أو الشيطان أو النفس الأمارة وهواها والداعي إلى غير سبيل الله لأن كل من اتبع أحدا وسمع قوله وأذعن له فقد عبده كما دل عليه الآيات والروايات. (ثم يدعوني عند الكرب) الكرب: الحزن يأخذ النفس لشدته كالكربة بالضم والجمع كروب ودعاؤه عند الكرب ونزول البلاء في نفسه أو ماله أو ولده لضعف نفسه الأمارة عن الطغيان وزوال ما يدعوها إلى التمرد والعصيان فيدعوه عقله الصريح إلى الرجوع إليه والتضرع بين يديه (فأجيبه) تفضلا لعله يتذكر أو يخشى أو ليكون حجة عليه (ثم يرجع) بعد الإجابة ورفع الكرب عنه (إلى ما كان عليه) من التمرد والعصيان وعبادة الغير لزوال موانع الطغيان وهو الكرب وحصول بواعث العصيان وهي رفاهة الخاطر وقوة النفس الأمارة. (فعلي يتمرد أم بسخطي يتعرض) الاستفهام للتعجب وإنما ردد بين الأمرين لأن العاصي لا يخلو من أحدهما إذ عصيانه إن كان من أجل التكبر عليه وعدم الإقرار بعظمته واستحقاقه للطاعة فهو متمرد عات، وإن كان مع معرفته واستحقاقه للطاعة فهو متعرض لسخطه وعقوبته. (فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منجى ولا دوني ملجأ أين يهرب من سمائي وأرضي) أي فبذاتي وعزتي أحلف لآخذنه في الدنيا أو في الآخرة أخذة شديدة ليس له منها منجى أي محل النجاة منها من التقوى وغيرها ولا ملجأ من الخلق إذ الخلق لا يقدرون على دفع عقوبة الله إلا بإذنه

[ 111 ]

ولا مهرب له إذ لا يقدر أحد أن يخرج من ملك الله وسلطانه، وبالجملة الدافع للأخذ منحصر في الثلاثة وليس له شئ منها. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل) تصدق الظلمة على الكفرة والفسقة من أهل الإيمان (لا تدعوني والسحت تحت أحضانكم) السحت بالضم وبضمتين: الحرام والرشوة والربا، والإحضان جمع الحضن بالكسر هو الجنب وما دون الإبط إلى الكشح ولعل المراد به. (والأصنام في بيوتكم) كناية عن عبادتها ويحتمل بعيدا أن يراد بالبيوت القلوب وبالأصنام الأهواء النفسانية. (فإني آليت) تعليل لقوله " لا تدعوني " أي أقسمت (أن أجيب من دعاني) كائنا من كان (واجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا) من مواضع دعائهم أو من الخصلة المذمومة المذكورة و " اجعل " عطف على " آليت " أو على " أجيب " والأول أقرب معنى، والثاني لفظا. (يا عيسى كم أطيل النظر) أي الانتظار إلى الرجوع، يقال: نظرت الشئ وانتظرت بمعنى، وفي التنزيل * (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) * أي ما ينتظرون أو المراد به التأمل بالعين تقول نظرته ونظرت إليه إذا تأملته بعينك وهو على الاحتمالين تمثيل أو المراد به التأخير في أخذهم وإهلاكهم ومنه نظرة بالكسر وهو التأخير في الأمور. (وأحسن الطلب) أي طلب رجوعهم من الباطل إلى الحق بالنصيحة والموعظة الحسنة (والقوم في غفلة لا يرجعون) أي في غفلة عما يراد منهم من ذكر الله ومتابعة دينه ورسوله وأحكامه (تخرج الكلمة من أفواههم لا تعيها قلوبهم) إشارة إلى نفاقهم وكون إيمانهم بمجرد اللسان وقلوبهم خالية عنه كما قال في وصف المنافقين من هذه الأمة * (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) * لما كان هنا مظنة أن يقال ما ثمرة اختلاف ظاهرهم وباطنهم أجاب عنه من باب الاستيناف بقوله (يتعرضون لمقتي) أي لعقوبتي أو سلب رحمتي عنهم لفساد قلوبهم (ويتحببون بقربي إلى المؤمنين) الظاهر أن " إلى " متعلق بالقرب والتحبب على سبيل التنازع يعني يتحببون إلى المؤمنين ويظهرون حبهم بسبب قربي إلى المؤمنين فأميل ظاهرهم إلى المؤمنين وأدفع شرهم عنهم، وفيه احتمال آخر أدق فتأمل، وفي بعض النسخ " بي " بدل " بقربي " يعني يظهرون حب المؤمنين بمعونتي وتوفيقي لهم على ذلك بحفظ المؤمنين عن أذاهم وإضرارهم، كل هذا من باب الاحتمال، والله أعلم. (يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا وكذلك فليكن قلبك وبصرك) أمره بموافقة هذه الجوارح في السر والعلانية بأن يقول ويضمر ويبصر في العلانية ما يقول ويضمر ويبصر في السر ولو وقع الاختلاف كان ذلك خيانة ونفاقا. ثم أشار إلى ما هو المقصود من هذا الإجمال على الترتيب بقوله: (واطو قلبك ولسانك عن

[ 112 ]

المحارم وكف بصرك عما لا خير فيه) حيث أمر باستقامة هذه الجوارح وحفظها عن المحارم في جميع الأحوال وهذا إنما يتحقق لمن طاب خلقه وطهرت سجيته وصلحت سريرته وحسنت علانيته. ولما كان أكثر ورود الشهوات إلى النفس من جهة النظر وطريق الإبصار بالغ في كف البصر عن النظر إلى ما لا ينبغي وذكر بعض مفاسده تحذيرا عنه بقوله: (فكم من ناظر نظرة) واحدة (قد زرعت) أي أنبتت وأنمت يقال زرع الله الحرث إذا أنبته وأنما (في قلبه شهوة) هي اشتياق النفس إلى الشئ وذلك الشئ شهي مثل لذيذ وزنا ومعنى، وفيه استعارة تمثيلية متضمنة لتشبيه الأجزاء بالأجزاء حيث شبه الشهوة بالبذر والقلب بالأرض والنظرة بالزراع. (ووردت به موارد حياض الهلكة) عطف على زرعت صفة أخرى للنظرة تابعة للأولى لأن الزارع يحتاج إلى ماء يسقى به زرعه وضمير به راجع إلى الناظر موافق للسابق أو إلى قلبه والموارد جميع مورد وهو موضع الورود على الماء وبلوغه والحياض بالكسر جمع حوض والمراد به هنا مجتمع الماء الكثير لسقي الزرع ونحوه، والهلكة محركة: الهلاك، والإضافة الأولى لامية، والثانية من باب لجين الماء، وجعلها لامية وحمل الهلكة على أنها جمع هالك وإرادة المعاصي والذنوب من الحياض على سبيل الاستعارة محتمل بعيد. (يا عيسى كن رحيما مترحما) على الخلق، والترحم أخص من الرحمة لدلالته على الزيادة فيها أو على صيرورتها ملكة مع احتمال المباينة بحمله على إظهار الرحمة (وكن كما تشاء أن يكون العباد لك) فارض لهم ما ترضى لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك واصنع لهم ما تريد أن يصنعوا لك من التواضع والإحسان والرفق والتعظيم والتوقير، وهذا هو الإنصاف والعدل (وأكثر ذكرك الموت) فإن ذكره يسهل ترك الدنيا وزهراتها ويبعث النفس على طلب الآخرة وما يفضي إلى أعلى درجاتها، وفي الخبر أنه " خرج النبي (صلى الله عليه وآله) فرأى الناس كأنهم يكشرون [ الكشر الضحك السهل ] قال: أما أنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى فأكثروا ذكر هادم اللذات " (ومفارقة الأهلين) ليسهل مفارقتهم بالاضطرار ولئلا يشغلوك عن الله وأمر الآخرة (ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه) ظاهره وباطنه. لهى عنه كرضى: غفل وترك ذكره، واللهو هنا إما مصدر يعني " بازى كردن وغافل شدن ومشغول شدن بباطل وبهرچه از كار خير باز دارد " أو غير مصدر يعني " بازى وباطل وچيزى كه از كار خير باز دارد " كذا في كنز اللغة. (ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد) نهاه عن الغفلة عنه تعالى أو عن الشرع وأحكامه وما يقتضيه من الأعمال أو عن اغترار الدنيا ومكائد النفس والشيطان أو عن الجميع، وعلله تحذيرا عنه بأنه يوجب البعد منه تعالى وهو عند العارف أشد العذاب (واذكرني بالصالحات) من الأذكار والأعمال والأخلاق (حتى أذكرك) بالثواب والجزاء والخير عند المقربين وهذا من لطف الله تعالى

[ 113 ]

حيث أنه مع غناه يقابل ذكرك له بذكره لك (يا عيسى تب إلي بعد الذنب) الذنب يزول بالتوبة كما يزول الظلمة بالنور والغبار بالمطر (وذكر بي الأوابين) أي ذكرهم بذاتي وعظمتي أو برحمتي ومغفرتي والأول أولى لأنه تعالى بذاته يستحق الرجوع إليه، والأواب للمبالغة من آب إذا رجع ولعل المراد به كثير التوبة وهو الذي متى أذنب يتذكر ويتوب بعده (وأمن بي) أما من الأمن أي آمنهم بقبول التوبة لئلا يقنطوا بكثرة الذنوب من الرحمة أو من الإيمان والمراد به الإيمان الكامل. (وتقرب إلى المؤمنين) بالنصح وحسن الخلق والمعاشرة والمحبة والتقرب إليهم تقرب إلى الله تعالى (ومرهم أن يدعوني معك) أي كما تدعوني أو المراد به الاجتماع وهو مطلوب في الدعاء لكونه أقرب إلى الإجابة (وإياك ودعوة المظلوم) تنفير عن الظلم وتحذير من دعاء المظلوم فإنه مستجاب كما قال. (فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول) يحتمل أن يراد بالباب ظاهره وأن يراد به باب سماء الجود والغضب فإن قبول دعاء المظلوم جود بالنسبة إليه وغضب بالنسبة إلى الظالم وقد فسر بذلك بعض المحققين قوله تعالى * (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) *. (وأن أجيبه ولو بعد حين) لعل تأخير الإجابة لمصلحة كاستدراج الظالم باقتداره أو رجوعه عن الظلم وتبعته بإرضاء المظلوم أو تعظيم أجر المظلوم بالصبر أو غير ذلك. (يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي) عدى عليه ظلمه كأعدى، وروي بالكسر يردي: هلك وأرداه غيره، والسوء بالفتح مصدر ساء سوءا ومساءة: فعل به ما يكره ويقبح، وبالضم اسم منه يعني " بد وبدى " وهذا في المعنى نهي عن مصاحبة أصحاب المعاصي وأرباب القبائح لأن صحبتهم مضلة مغوية ومجالستهم مهلكة مردية، ولما كان الإنسان يحتاج في نظام الدنيا والدين إلى الناصر والمعين أمر باختياره بعد اختباره بقوله (فاعلم من تقارن واختر لنفسك إخونا من المؤمنين) المراد بهم من يذكر الله رؤيته ويزيد في العلم منطقه ويرغب في الآخرة عمله. (يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره) تعاظمه الأمر عظم عليه وأعجزه أمره بأن يتوب عن الذنب ويرجع إليه ولا يقنط من الرحمة فإن الذنب وإن كان عظيما في نفسه فهو حقير في جنب رحمته. (اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل) المهلة: المدة. والتأخير يقال: في الأمر مهلة أي تأخير أمره بالعمل في مدة العمر قبل حلول الموت فإنه لا عمل بعده (واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون) في الدنيا أراد به يوم القيامة وطوله بالنسبة إلى الظالمين والكافرين وأما بالنسبة إلى خلص المؤمنين فقد يكون بمقدار زمان صلاة مكتوبة في الدنيا وأمره بالعبادة لذلك اليوم للخلاص من أهواله إذ العبادة الخالصة رأس مال لأرباب النجاة فيه من شدائده وسيجئ إن

[ 114 ]

شاء الله تعالى لهذا زيادة تحقيق بعد هذا الحديث في حديث محاسبة النفس. (فيه أجزي بالحسنة أضعافها) ضعف الشئ: مثله وضعفاه مثلاه، وأضعافه: أمثاله وليس للزيادة قدر معين يضاعف لمن يشاء على ما يشاء أضعافا مضاعفة كما نطق به بعض الروايات، وفيه حث على العبادة لأن الفاعل إذا علم أنه يعطى بعمله زائدا عما يستحقه يجتهد فيه. (وإن السيئة توبق صاحبها) أي تهلكه في الدنيا والآخرة وتورثه عقوبة شديدة، وفيه حث على تركها لأن العاقل إذا علم أن الشئ يضره أو يهلكه يجتنبه ويفر منه (فامهد لنفسك في مهلة من عمرك) مهده كمنعه: كسب وعمل. (ونافس في العمل الصالح) وهو الخالص من المفسدات والمنقصات والمنافسة في العمل الرغبة والاجتهاد فيه على وجه الغلبة كما مر (فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار) أي منقذون منها لاشتغالهم بما يوصلهم إلى رحمة الرب ومقام القرب وهذا في المعنى أمر بحفظ المجلس عما لا يجوز شرعا والاشتغال فيه بما ينفع في الآخرة. (يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع) وهو الدنيا ومتاعها، وعبر عنها به تصريحا بفنائها وانقطاعها وتنبيها على أن العاقل لا ينبغي أن يعلق قلبه بالفاني المنقطع بل ينبغي أن يزهد فيه بحذف كل شاغل عن التوجه إلى الله سبحانه وتنحية كل ما سواه عن سنن الإيثار فإن ذلك أقوى أسباب السلوك إلى العزيز الغفار وأعظم نهج للصعود إلى درجات الأبرار والدخول في مقامات السابقين الذين هم أولياء الله تعالى والواصلون إلى ساحة قربه. (وطأ رسوم منازل من كان قبلك) الرسوم جمع الرسم وهو الأثر (وادعهم وناجهم) المناجي المخاطب للإنسان المحدث له. (هل تحس منهم من أحد) الاستفهام للإنكار (وخذ موعظتك منهم واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين) أحوال السابقين واعظة بلسان الحال لمن نظر إليها وهي عبرة لأولي الأبصار ومحل العظة والاعتبار ما كانوا فيه من نعيم الدنيا ولذاتها والمباهاة من كثرة قنياتها ثم مفارقتهم لذلك كله بالموت وبقاء منازلهم خربة أو مسكونة لغيرهم وصيرورة نفوسهم ساكنة وألسنتهم صامتة بحيث لا يسمع الداعي لهم جوابا ولا المناجي لهم خطابا وبقاء الحسرة والندامة للمستكبرين منها حجبا حائلة بينهم وبين الوصول إلى حضرة جلال الله، فإن من تفكر في هذا وعلم أنه سيلحقهم في اللاحقين ويمضى عقب الماضين وتصير حاله كحالهم ومآله كمآلهم حصلت له ملكة الزهد في الدنيا وبواعث الرجوع إلى الآخرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالإدهان) الإدهان مصدر من باب الافعال وهو كالمداهنة إظهار خلاف ما يضمر وبعبارة أخرى إخفاء الحق أو المساهلة فيه أو ترك النصيحة وفي كنز اللغة: " ادهان چيزيرا پنهان كردن وسستى كردن در كارى ونرمى نمودن ودر ساختن با كسى در

[ 115 ]

كارها " كما قال الله عز وجل * (ودوا لو تدهن فيدهنون) * و " ترك نصيحت كردن وفروتنى كردن ". (ليتوقع عقوبتي) في الآخرة (وينتظر إهلاكي إياه) في الدنيا (سيصطلم مع الهالكين) الاصطلام الاستيصال والظرف حال. (طوبى لك يا ابن مريم) أي طيب العيش والخير كله لك في الدنيا (ثم طوبى لك) في الآخرة، وفي لفظ ثم إشارة إلى التفاوت بين الحالين مع احتمال الإشارة إلى تفاوت المقامات العالية في الآخرة (إن أخذت بأدب إلهك) في كنز اللغة أدب " طور وكار پسنديده " والمراد به ما أمر الله تعالى به من الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وغيرها. (الذي يتحنن عليك ترحما) التحنن التعطف والترحم فقوله " ترحما " منصوب على أنه مفعول مطلق أو على التميز (وبدأك بالنعم منه تكرما) لأن أكثر نعمائه تعالى على العبد من حيث التكرم والتفضل من غير سبق واستحقاق خصوصا نعمه تعالى بالنسبة إليه (عليه السلام) فإنها كثيرة غير محصورة (وكان لك في الشدايد لا تعصه) لأن دواء الشدائد البدنية والروحانية كلها بيد الله تعالى وهو الدافع له ووصف الاله بالأوصاف الثلاثة المذكورة للتنبيه على أن الإله المتصف بهذه الصفات بحسب الأخذ بآدابه، ولعل قوله " لا تعصه " استيناف كأن سائلا سأل بقوله ما الأدب: فأجاب بأنه لا تعصه، فترك العصيان من جميع الوجوه هو الأدب وهو يتوقف على استعمال القوة النظرية والعملية فيما هو مطلوب له تعالى من العقايد والأخلاق والأعمال وصرفهما عما هو مكروه لئلا يتحقق حقيقة العصيان. (يا عيسى فإنه لا يحل لك عصيانه قد عهدت إليك) التفات من الغيبة إلى التكلم (كما عهدت إلى من كان قبلك) العهد: الوصية، يقال عهد إليه بعهد من باب علم إذا أوصاه وعهدت إليه بالأمر: قدمته، وفي التنزيل * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) والعهد: الأمان والموثق والذمة، وفيه إشارة إلى أن هذا العهد مأخوذ منه ومن جميع الأنبياء والرسل، والوفاء به مطلوب كما قال عز وجل * (أوفوا بعدي أوف بعهدكم) * والوفاء بعهدهم هو الجزاء بالقرب والإحسان والإكرام والإنعام، وفي قوله (وأنا على ذلك من الشاهدين) حث على الوفاء به لأنه إذا كان هو الشاهد على أمر لا يتصور الحيف والجور لا في الشهادة ولا في المشهود به ولا في المشهود عليه، وفي لفظة " من " إشارة إلى أن عليه شهودا أخر وهم الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون بعضهم على بعض. (يا عيسى ما أكرمت خليقة بمثل ديني ولا أنعمت عليهم بمثل رحمتي) في كنز العمال: " اكرام: بزرك كردن وبرداشتن ونواختن وبخشش كردن، وإكرامه وإنعامه تعالى على عباده وإمائه في الكثرة على حد لا يبلغه عقول العارفين ولا يحيط به وهم الحاسبين، وأعظمها إكرامهم بالدين وهدايتهم إليه وتوفيقهم للأخذ به وإنعامهم بالرحمة الواسعة المقتضية للعفو ورفع الذنوب، ويحتمل أن يراد بالرحمة الرسول وإرساله.

[ 116 ]

(يا عيسى اغسل بالماء منك ما ظهر) من النجاسات البدنية (وداو بالحسنات منك ما بطن) من النجاسات القلبية فإن الحسنات يذهبن السيئات (فإنك إلي راجع) والمنزه عن جميع الرذائل والنقايص لا ينبغي أن يرجع إليه ويتقرب منه أرباب الخبايث. (يا عيسى أعطيتك بما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين) في إبهام الموصول دلالة على التفخيم، والمراد به القوى الظاهرة والباطنة والأعم منها ومن النعم الظاهرة والعلم بالشريعة، وفي قوله " فيضا " دلالة على كثرته من " فاض الماء " إذا كثر حتى سال عن الوادي، وفي قوله " فيضا " دلالة على كثرته من " فاض الماء " من غير تكدير إشارة إلى صفائه وكماله من غير نقص فيه، يقال: كدر الماء - مثلثا - إذا زال صفائه، وكدره تكديرا إذا جعله كدرا وأزال صفاءه، والمراد بالقرض إما الطاعة أو الأعم منها ومن بذل الماء للفقراء، سماها قرضا على سبيل التشبيه، وقوله " لنفسك " إشارة إلى أن فائدة هذا القرض يعود إليه في يوم الحاجة لا إلى الله تعالى لأنه غني عنها، وضمير " عليها " راجع إلى النفس، وقوله " لتكون من الهالكين " إشارة إلى ثمرة البخل وهي الهلاك الأخروي. (يا عيسى تزين بالدين) بأصله وهو الإقرار به والعلم بأحكامه وآدابه، وفرعه وهو العمل بما يقصد منه العمل. (وحب المساكين) من المؤمنين، ويندرج فيه مراعاة لوازم الحب مثل بذل الندى لهم وكف الأذى عنهم وغيرهما وينبغي أن يكون الحب في الله لما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قد يكون حب في الله ورسوله وحب في الدنيا فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله وما كان في الدنيا فليس بشئ ". (وامش على الأرض هونا) قال الله تعالى في التنزيل في وصف أوليائه * (ويمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) * والهون هو السكينة والوقار والرفق واللين والتلبث. (وصل على البقاع فكلها) ظاهر البقاع بالكسر جمع بقعة وهي بالضم وتفتح القطيعة من الأرض وقد من الله تعالى عليه بهذه النعمة الجليلة رفقا به وبأمته حيث كانوا سائحين في الأرض فجعل كلها محلا لصلاته ولم يجعلهم محصورين على أدائها في البيع كما حصر بعض الأمم السابقة على أدائها في محل مخصوص كالكنائس لليهود (يا عيسى شمر) في العبادة وهو كناية عن الاجتهاد فيها، وفي كنز اللغة " تشمير دامن بر چيدن وچيست شدن در كار وكوشش كردن "، وفي مصباح اللغة التشمير في الأمر السرعة فيه والخفة ومنه قيل شمر في العبادة إذا اجتهد وبالغ وشمر ثوبه رفعه. (فكل ما هو آت قريب) أراد به قرب الموت ويوم القيامة والحساب والجزاء تقليلا لمدة الحياة في الدنيا وتسهيلا لارتكاب مشقة العبادة فيها لذلك اليوم.

[ 117 ]

(واقرأ كتابي وأنت طاهر) أراد به الإنجيل، والظاهر أن الأمر للوجوب وأن الوجوب راجع إلى القيد وكأنه كان في شرعه وأما في شرعنا فالطهارة مندوبة بدون المس، وفيه خلاف. (وأسمعني منك صوتا حزينا) هذا جار في شرعنا أيضا، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " إن القرآن نزل بالحزن فاقرأه بالحزن " ووجه قوله (عليه السلام) " نزل بالحزن " أنه اشتمل على أحوال الحشر والنشر والثواب والعقاب وأحوال الأمم الماضية وإهلاكهم ومسخهم وغير ذلك مما يتطاير عند سماعه قلوب العارفين، والمراد بالحزن إما ضد السرور، أو رقة القلب، وبالصوت الحزين صوت يوجب الحزن وإن اشتمل على نغمة دون الغناء فلا بأس وإنما أمر بذلك لأنه يوجب للنفس خشية وخشوعا وحسن موقع وميل إلى الآخرة ويؤثر في نفوس السامعين. (يا عيسى لا خير في لذاذة لا تدوم وعيش من صاحبه يزول) لذا الشئ يلذ من باب علم لذا ولذاذة بالفتح: صار شهيا فهو لذيذ، والمراد أن لذات الدنيا وعيشها وهو الحياة والطعام وكل ما يعاش به لا خير فيهما لزوالهما وعدم دوامهما فلا ينبغي ميل العاقل إليهما وربط قلبه بهما وإن فرض عدم ضررهما بأمر الآخرة. (يا ابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين) مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (ذاب قلبك) هذا كالمثل يقول كل من اشتاق شيئا وكمل إليه ميله ولم ينله ذاب قلبي (وزهقت نفسك شوقا إليه) أي خرجت تقول زهقت نفسه من باب علم زهقا وزهوقا إذا أخرجت، وأزهقها الله تعالى أخرجها (فليس كدار الآخرة دار تجاور فيها الطيبين) المقصود نفي التشبيه أي ليست دار شبيهة بدار الآخرة لعدم التناسب والتشابه بينهما، وفيه زجر عن دار الدنيا وترغيب في دار الآخرة بأنها دار تجاور فيها الطيبين - أو الطيبون على اختلاف النسخ - والمراد بهم الفاضلون الطاهرون من أرجاس السيئات وأخباث الأخلاق المنزهون عن الرذائل المتصفون بأنواع الفضائل (ويدخل عليهم الملائكة المقربون) كما نطق به القرآن الكريم ودل على بعض تفاصيله حديث الجنان والنوق المذكور سابقا (وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون) لرفضهم في الدنيا عن نفوسهم القدسية أسباب تلك الأهوال وتوجهوا بحسن الاستعداد إلى ذلك اليوم، وضمير التأنيث للقيامة أو ليومها باعتبار المضاف إليها (ولا يتغير فيها النعيم) بطول الزمان لكونه في حفظ قدرته تعالى، ويدفع الاستبعاد حكاية عزيز (عليه السلام) (ولا يزول عن أهلها) لبقائها أبدا، والغرض من ذكر هذه الدار وجملة من أوصافها هو الترغيب في تحصيل ما يوجب الدخول فيها. (يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين) الأمر بالمنافسة في تلك الدار أمر بالمنافسة فيما يوجب الدخول فيها (فإنها أمنية المتمنين) وهم الصالحون في الدنيا أو أهل المحشر فإن كلهم يومئذ يتمنونها (حسنة المنظر) أي الصورة والهيئة لاشتمالها على كل ما له مدخل في حسنها وكمالها من الحور والقصور والأشجار والأنهار وغيرها، والمنظر والمنظرة ما نظرت إليه فأعجبك

[ 118 ]

لحسنه. (طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين) تقديم الظرف للحصر بالنسبة إلى العاملين للدنيا (مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات النعيم) الظرف حال عن اسم " كنت " وفيه دلالة على أن ابن البنت ابن لأبيها حقيقة لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة ودل عليه أيضا بعض الأخبار ومن الأصحاب من قال: إنه ابن له مجازا. (لا تبغي بها بدلا ولا تحويلا) أي لا تطلب في الآخرة بعد مشاهدتها بدلا بها أحسن منها ولا تحويلا منها إلى ما هو مثلها أو عن موضع منها إلى موضع آخر لعدم وجود الأحسن منها والمساوي لها وكون كل موضع منها في غاية الحسن والإعجاب أو لا تطلب الدنيا في الدنيا بدلا منها ولا تحويلا عنها فهو على الأول خبر لفظا ومعنى، وعلى الثاني نهي معنى. (كذلك أفعل بالمتقين) أي مثل ما فعلت بآبائك أفعل بالمتقين الذين ألسنتهم مستقيمة وجوارحهم خاشعة وقلوبهم ذاكرة وملابسهم مقتصدة وجميع حركاتهم وسكناتهم على قوانين شرعية والآخرة بين عيونهم والدنيا وراء ظهورهم وخفايا أعمالهم وسرائر أمورهم منزهة عن المكر والخدعة وظواهر أعمالهم معراة عن الرياء والسمعة. (يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب) لهب النار: اشتعالها إذا خلص من الدخان أو لسانها، والمراد بالهرب إليه سلوك سبيله بفعل الطاعات وترك المنهيات والإتيان بما يوجب التقرب منه من أنواع القربات (ونار ذات أغلال وأنكال) الأغلال جمع الغل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه وهو قد يكون من نار وقد يكون من حية، والأنكال جمع النكل بالكسر وهو القيد الشديد أو قيد من نار ووصف النار بهما لكونهما منها أو لتقيد أهلها بهما (لا يدخلها روح) الروح بالفتح: الراحة والرحمة ونسيم الريح الذي يستنشق به كل ذي روح ويتروح منه ولا يخرج منها غم أبدا لكون أهلها معذبين مغمومين دائما (قطع كقطع الليل المظلم) إما لأنه لا نور لنارها أو لكمال اختلاط الدخان بنورها أو لأن نورها لا يزيل ظلمتها لكمال شدتها وكثافتها كما أن نور اليراعة لا يزيل ظلمة الليل، وفي ذكر هذه الأوصاف لها ترغيب في الفرار منها وترهيب عن فعل ما يوجب الدخول فيها (ومن ينج منها يفز) بالخير والفلاح وفيه حث على عمل ما يوجب النجاة منها كما أن في قوله (ولن ينجو منها من كان من الهالكين) من الكفرة والمشركين تحذير عن العمل بما يوجب الدخول فيها (هي دار الجبارين والعتاة الظالمين) هم سلاطين الجور وأمراؤهم الذين يكسرون خلق الله ويجبرونهم على ما أرادوا من الأوامر والنواهي الخارجة عن القوانين الشرعية، والعتاة جمع العاتي وهو المستكبر المتجاوز عن الحد (وكل فظ غليظ وكل مختال فخور) فظ الرجل من باب علم يفظ فظاظة إذا غلظ جانبه وقسى قلبه وساء خلقه وخشن كلامه، واختال الرجل فهو مختال إذا تكبر وأعجب بنفسه، وفخر إذا ادعى العظم والكبر والشرف

[ 119 ]

في النسب والحسب وغير ذلك من الكمالات الصورية والمعنوية. (يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها) الظاهر أن المراد بالدار دار جهنم وبالركون إليها الركون إلى ما يوجب الدخول فيها من المعاصي ولذات الدنيا، واحتمال إرادة الدنيا بعيد (وبئس القرار دار الظالمين) لأن أثاثها لهبات ونزلها كربات وحاصلها حسرات وجيرانها حيات وعذابها شديد وماؤها صديد. (إني أحذرك نفسك) لأنها أمارة بالسوء تورد صاحبها موارد العصيان ومواضع الخذلان فتجب مراقبتها في جميع الأوقات ومحافظتها عن التوغل في المشتهيات وأخذ زمامها بيد الورع والتقوى وصرف عنانها إلى الشريعة البيضاء. (فكن بي خبيرا) أمره بأن يكون عالما عارفا بالله وما أمر به وأوصى بحفظه وما نهاه عنه ومنع من فعله فإن ذلك أصل الإيمان ورأس مال الإنسان به يرتقي إلى المقامات العلية والسعادات الأبدية. (يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لي) مراقبته تعالى محافظة القلب له ومراعاته إياه في السر والعلانية وهي ثمرة العلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر والسرائر والبواطن والظواهر وهذا العلم إذا استقر في القلب يجذبه إلى مراعاته ومراقبته في جميع الأحوال وثمرته التعظيم والإجلال واستغراق القلب بملاحظة الكبرياء والجلال وانكساره تحت الهيبة والعظمة والكمال وترك الالتفات إلى المباحات فضلا عن المحظورات وحفظ جميع حركاته وسكناته ولحظاته عن كل طور قبيح وأمر شنيع خوفا منه تعالى وتعظيما له وتحرزا من فضيحة يوم القيامة وصرف الظواهر إلى الأعمال الخالصة والأفعال الصالحة وركوب الطريقة الغر أو لزوم المحجة البيضاء وهكذا يراقب ويراعي حتى ينتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ويفوز بقرب الحق ويتخلص من ألم الفراق وهو غاية المراد من الكمال. اللهم اجعل الصبر عطية نجاتنا والمراقبة لك عدة وفاتنا. (واشهد على أني خلقتك وأنك عبدي وأني صورتك) فيه تنبيه على ذكر هذه النعمة وهي خلقه إياه ولم يك شيئا، تفضلا، وتصويره بصورة حسنة تكريما وعلى الإقرار بالعبودية المتوقفة على الإتيان بالعبادات في غاية الخضوع ونهاية التضرع والتذلل وعلى ترك مخالفته في أمر من الأمور وعلى المراقبة له والانقطاع عن الغير فإن العاقل إذا تفكر في أول خلقه إلى كمال قوته وفي كيفية انقلاباته من حال إلى حال وتحولاته من طور إلى طور وفي خواص قواه وأعضائه الظاهرة والباطنة التي يعجز عن إدراك نبذة منها عقول الأذكياء حصل له معرفة تامة بالخالق المصور المنعم وبعظمته وقدرته وحكمته وهي مقتضية لمراقبته والرجوع إليه والتوسل به في جميع الأمور وقطع تعلقه بالغير (وإلى الأرض أهبطتك) بإهباط أبيه آدم أو إهباط روحه والغرض من الإهباط هو التكليف والامتحان والاختبار وفيه تنبيه على نفاذ أمره وجريان حكمه على عبده فكما أهبطه بلا

[ 120 ]

تقصير منه من مقام المقربين إلى الأرض كذلك يهبطه مع التقصير إلى أسفل السافلين وتذكير له بموطنه الأولي ومسكنه الأصلي ليرجع إليه بقدم الاشتياق ويتخلص من ألم الفراق ويظهر مرتبة محبته ودرجة محبته ودرجة مودته، نعم في حال البعد والفراق يظهر صدق دعوى المحبة والاشتياق. (يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد) نهى في المعنى أن يكون أحد ذا لسانين مثل أن يمدح أخاه شاهدا ويعيبه غايبا وأن يتكلم في السر غير ما يتكلم به في العلانية وأن يقول عند قوم غير ما يقول عند آخرين وأن يلقى كلا من الصديقين غير ما يلقى به الآخر ليفرق بينهما وأن يتردد بين العدوين ليغري بينهما العداوة ويشدها وأن يرى كل واحد من الخصمين أنه معه وأمثال ذلك وهذه من خصال المنافقين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار ". (ولا قلبان في صدر واحد) بأن يميل مثلا إلى المؤمنين وإلى المنافقين وأن يحب الله ورسوله ويحب الدنيا (وكذلك الأذهان) أي لا ذهنان في قلب واحد والذهن الفهم والعقل وقوة للنفس معدة للإدراك فيمتنع أن يتوجه إلى إدراك الآخرة وتحصيل الزاد لها وإدراك أمور الدنيا وكيفية تحصيلها وضبطها، وبالجملة هذه الأشياء في الإنسان واحدة فينبغي صرفها إلى ما كلفت به وإلى أمر الآخرة وميلها عن كل ما ينافيها. (يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا) في المصباح: رجل يقظ بكسر القاف: فطن متنبه للأمور، واليقظة محركة: خلاف النوم، ورجل نبيه: شريف، والنهي راجع إلى القيد، ولعل المقصود النهي عن العصيان في حال الاستيقاظ ومعرفة الأمور والعلم بصحيحها وفاسدها وعن اللهو في حال النباهة والشرف فإن العصيان من الفطن العارف واللهو من النبيه الشريف أقبح وأشنع كما دل عليه صريح بعض الروايات. (وأفطم نفسك عن الشهوات الموبقات) أي المهلكات يقال فطمت المرضع الرضيعة من باب ضرب فطما إذا فصلته عن الرضاع فهي فاطمة والصغير فطيم وفطمت الحبل أي قطعته ومنه فطمت الرجل عن عادته إذا منعته عنها وفي الكلام استعارة تمثيلية (وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها) أما الشهوة التي لا توجب البعد مثل الضروريات في التناسل والبقاء والعبادة فالهجر منها غير مطلوب شرعا بل قد يجب تحصيلها وتعد من العبادة (واعلم أنك مني بمكان الرسول الأمين) في كنز اللغة: أمين " كسى كه برا واعتماد باشد واز أو ايمن باشند وبى ترس شده ". (فكن مني على حذر) من العقوبة أمر بذلك لأن الأمين قد يصير خائنا بجرائم النفس ووساوس الشيطان (واعلم أن دنياك مؤديتك إلي) نسبة التأدية إلى الدنيا مجاز باعتبار أن العمر ينقطع وينتهي بمرور الأيام (وإني آخذك بعلمي) بأحوالك ظاهرا وباطنا فقد يخطر في السر ما لا يعلم

[ 121 ]

أحد غيره تعالى وهو يؤخذ عليه ويحاسب به، وفيه تنبيه على وجوب الاستقامة في جميع الأحوال لئلا تتوجه إليه الخيانة والنكال (وكن ذليل النفس عند ذكري) باللسان والجنان، والذل مترتب على العلم بالاحتياج إليه من جميع الجهات فإنه يوجب ذل النفس وسلب العز عنها، ويتبعه الخشوع في القلب والصوت والبصر وسائر الجوارح فلذلك قال: (خاشع القلب حين تذكرني) خص خشوع القلب بالذكر لأنه إذا خشع خشعت الجوارح كلها كما دل عليه بعض الروايات (يقظان عند نوم الغافلين) أمر بالعبادة عنده لأنها أشق عملا وأكمل درجة وأجزل ثوابا وأفضل قربا. (يا عيسى هذه) المذكورات (نصيحتي إياك) خالصة من الإطراء والنقصان (وموعظتي لك) طاهرة من النقص والطغيان (فخذها مني) أخذ القبول والطاعة والانقياد. (فإني رب العالمين) تعليل لما سبق لأن هذا الوصف يقتضي نصيحتهم وموعظتهم وتربيتهم وإرشادهم إلى ما هو سبب العروج من حد النقص إلى الكمال، فعليه البيان والإرشاد والهداية وعليهم القبول والعمل والدراية. (يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي) أي في أمري التكليفي مثل الحج والصوم والصلاة والإيجادي مثل الفقر والنوائب والبليات أو في جانبي وسبيلي وهو الدين القويم والصراط المستقيم أو في حفظ أوليائي وتحمل الشدايد في متابعتهم، والجنب يطلق على هذه المعاني كما هو ظاهر لمن تتبع اللغة والاستعمال. والصبر على هذه الأمور من أعظم العبادات وأفضل القربات وأجره جزيل وثوابه جميل فلذلك قال: (كان ثواب عمله علي) حيث أحاله على ذاته المقدسة وخصه به إظهارا لمزيد الاعتناء به مع أن ثواب جميع الأعمال الصالحة عليه (وكنت عنده حيث يدعوني) بالقرب المعنوي المخصوص المقتضي لإجابة الدعاء وإفاضة الخير وإنزال الرحمة عليه، فلا يرد أنه تعالى عند كل أحد ولو كان كافرا. ثم بعدما بشر من إطاعة حذر من عصاه بقوله: (وكفى بي منتقما ممن عصاني) الباء زائدة وياء المتكلم فاعل كما في قوله تعالى * (وكفى بالله شهيدا) يقال كفى الشئ يكفيه كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره * (والله غالب على كل شئ) * فلا يحتاج في الانتقام من أحد إلى غيره * (والله عزيز ذو انتقام). ثم حذرهم من الاغترار بالإمهال فقال: * (أين يهرب مني الظالمون) * لأنهم لو فروا فغاية فرارهم الوصول إليه إذ هم لا يخرجون من ملكه وملكه لا يخلو منه. (يا عيسى أطب الكلام) أمره بالتكلم بما ينفع ولا يضر وحفظ اللسان عن التسرع بما لا يعني وما يؤذي أحدا والله تعالى عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول.

[ 122 ]

(وكن حيث ما كنت عالما متعلما) ترغيب في اكتساب فضيلة العلم والتعلم لأن عليهما مدار التكليف والرجوع إلى الله تعالى وتنبيه على أن العالم وإن بلغ حد الكمال في ظنه لابد له من أن يتعلم لأن العلم بحر لا ينزف كما دل عليه قوله تعالى * (وفوق كل ذي علم عليم) * ودل عليه أيضا حكاية موسى مع الخضر عليهما السلام ولذلك أمر الله تعالى سيد المرسلين وهو أعلم العالمين طلب الزيادة في العلم بقوله * (وقل رب زدني علما) *. (يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي) أي ذكر أجرها وثوابها أو ذكر نفسها وكأنه على الأخير من باب التمثيل لأن أحدنا إذا أرسل هدية إلى صديقه فمتى رآها الصديق يذكرها ويذكر صاحبها وفي الإفاضة إشعار بإكثار الحسنات (وتمسك بوصيتيي فإن فيها شفاء للقلوب) من أمراض الجهل ورذائل الأخلاق ووساوس الشيطان. (يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري) مكر مكرا من باب قتل خدع فهو ماكر وأمكر بالألف لغة ومكر الله وأمكر جازى على المكر وسمي الجزاء مكرا كما سمى جزاء السيئة سيئة مجازا على سبيل مقابلة اللفظ باللفظ (ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري) لما كان أعظم المطالب الدينية ذكر الله تعالى أمر به مرارا مبالغة فيه وهو من أعمال الصالحين، قال الله تعالى في مدحهم * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) * وفي الذكر جلاء للقلوب وأنس بالله وهو ثمرة محبته فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره والغرض من جميع العبادات هو الذكر قال الله تعالى * (أقم الصلاة لذكري) * وبالجملة كل عقد وقول وفعل يقصد به الله تعالى فهو ذكره. (يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي) حساب النفس متوقف على الرجوع إلى الله تعالى لأن حسابها عبارة عن ملاحظة طاعتها ومعصيتها له فينبغي أن يعرف كل أحد أنه يرجع إلى الله تعالى وأنه تعالى يثيبه إن أطاع ويعاقبه إن عصى فإذا حصلت له هذه المعرفة اشتغل بنفسه ويحاسبها في كل يوم وفي كل ساعة فينظر إلى خواطرها وأفعالها وقيامها وقعودها وحركاتها وسكناتها وجميع أعمالها الظاهرة والباطنة على سبيل التفصيل فما كان منها موافقا لإرادة الله تعالى دام عليه وشكر وما كان مخالفا لإرادته فر منه واستغفر وما كان من المباحات رفضه فرارا عما لا ينفعه في الآخرة فإذا دام على ذلك حصلت له ملكة الانقطاع إلى الطاعة والنفرة عن المعصية. ثم أشار إلى غاية حساب النفس وفائدته ترغيبا فيه بقوله: (حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون) استنجز حاجته ويستنجزها: استظفر بها أي تجد ثوابه يوم القيامة عند البعث منجزا بلا تأخير ولا توقيف للحساب لأنك أديت حسابك في الدنيا، أو تجد ثوابه به منجزا في الدنيا وهو السعادة الروحانية الأبدية التي هي قرب الحق وفيضه آنا فآنا وهو عند العارفين أعظم من الثواب الجسماني والله أعلم. (أولئك يؤتون أجرهم) كاملا بل أضعافا مضاعفة (وأنا خير المؤتين) إذ لا نقص في إعطائه

[ 123 ]

ولا خوف في نفاد ما عنده به. (يا عيسى كنت خلقا بكلامي) الظاهر أن كلمة " كن " وهي إظهار للتسخير والقدرة على إيجاد كل فرد كذلك بل بلا أم أيضا كآدم وإنما خلقهم على النحو المعهود ليحصل بينهم التعارف بالنسب والقبايل والقرابة والرحمة والرأفة والرقة والاشفاق ونحوها من الفوائد المعلومة وغيرها ومع هذا التناسب تحقق بينهم العداوة والنفرة وانتفت الرحمة والرأفة فكيف إذا كان كل منفردا في الخلقة، ويحتمل أن يراد بالكلام الاسم الأعظم تكلم به جبرئيل عليه السلام حين نفخه في مريم عليها السلام. (ولدتك مريم بأمري) التكويني المتعلق بوجودك بلا أب، وفي التصريح باسمها تنويه وتعظيم لها (المرسل إليها روحي جبرئيل الأمين من ملائكتي) * (فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) * إلى آخر ما ذكر في القرآن الكريم واختلف في سنها حينئذ فقيل: ثلاث عشر سنة وقيل: عشر سنين وقد حاصت حيضتين، وفي مدة حملها فقيل: ستة أشهر وقيل: سبعة وقيل: ثمانية وقيل: ساعة (حتى قمت على الأرض حيا تمشي) إشارة إلى تربيته من طور إلى طور حتى بلغ هذه الحالة التي هي كمال النشوء وتمام القوة (وكل ذلك في سابق علمي) أي كان في علمي السابق وهو العلم الأزلي أن يكون خلقك على هذا النحو. (يا عيسى زكريا بمنزلة أبيك) في الرأفة والمحبة وإرادة الخير، وفيه حث على تعظيمه وتكريمه وبره والدعاء له (وكفيل أمك) متكفل لأمورها وضامن لمصالحها قبل هي أخت زوجته (إذ يدخل عليها المحراب) قال القاضي: هو الغرفة التي بنيت لها في المسجد أو المسجد أو أشرف مواضعه ومقدمها سمى به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. (فيجد عندها رزقا) قال القاضي: روى أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس. (نظيرك يحيى من خلقي) في دلالة خلقه على القدرة القاهرة أو في العلم والحكمة والنبوة (وهبته لأمه بعد الكبر من غير قوة بها) قيل كان لها نيف وتسعون سنة وكان أبوه أيضا كبيرا كما قال * (رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) *. (أردت بذلك) أي بإيجادك بلا أب وإيجاد يحيى من كبير وعاقر (أن يظهر لها) أي لأم يحيى (سلطاني ويظهر) للخلق (فيك) أي في إيجادك بلا أب (قدرتي) ذكر السلطان دون القدرة مع القدرة تفنن، وذكر الظهور لها في الأول وللخلق في الثاني لأن الثاني أغرب وأعجب، وتخصيص الظهور بها لأن توليد العاقر أبعد من توليد الكبير (أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني)

[ 124 ]

للمحبة والطاعة وللخوف مراتب متفاوتة بعضها فوق بعض وكل من كان طاعته أزيد وأتم وخوفه أكثر وأعظم كانت محبة الله تعالى إياه أكمل وأفخم، وفيه أمر بالطاعة والخوف لتحصيل السعادة الأبدية التي هي المحبة الإلهية. (يا عيسى تيقظ) التيقظ كما يكون للقلب بمعرفته وتذكيره تعالى وتطهير السر عن غيره ومعرفة المضار والمنافع كذلك يكون للسمع والبصر وسائر الجوارح بصرفها إلى الأمور المطلوبة منها. ثم المتيقظ وإن كان مستعدا لفيض الرب ورحمته والقرب منه إلا أنه لما كان مشاهدا لعمله ولا يبرئ نفسه عن التقصير وخوف العاقبة وربما يؤدي ذلك إلى اليأس من روح الله ورحمته نهاه عنه بقوله: (ولا تيأس من روحي) فإن اليأس من غير المتيقظ منه كبيرة وكفر فكيف من المتيقظ. (وسبحني مع من يسبحني) التسبيح: التقديس والتنزيه يقال سبحت الله أي نزهته عما يقول الجاحدون، وقد يكون بمعنى الذكر والصلاة يقال: فلان يسبح الله أي يذكره بإسمائه ويسبح على راحلته أي يصلي ويكون أيضا بمعنى التحميد (وبطيب الكلام فقدسني) أي طهرني عن النقايص والمعايب، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر والتنزه. (يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم بيدي وتقلبهم في أرضي) كأنه كناية عن كمال القدرة والاستيلاء عليهم فلا يجدون مهربا والكفر شامل لكفر الجحود وكفر النعمة وكفر المخالفة، وكيف للإنكار والتوبيخ. (يجهلون نعمتي) الظاهرة والباطنة (ويتولون عدوي) شياطين الجن والإنس والنفس الأمارة (وكذلك يهلك الكافرون) إشارة إلى أن جهل نعمته وتولي غيره أمر مشترك بين الكفرة كلهم على تفاوت مللهم واختلاف درجاتهم. (يا عيسى إن الدنيا سجن ضيق منتن الريح) الظاهر أن الحمل من باب الحقيقة لأن الدنيا محبس لآدم وأولاده خصوصا للأولياء ضيقة بالنسبة إلى الآخرة منتن الريح يجد ريح نتنه العارفون فلذلك يتنفرون منها كتنفرهم من الميتة، ويحتمل أن يكون من باب التشبيه بحذف أداته مثل زيد أسد، بحمل السجن على المعروف عند الناس. (وحسن فيها ما قد ترى) من نعمائها الرائقة وزهراتها الرائعة وثمراتها الفايقة (مما قد تذابح عليها الجبارون) أي ذبح بعضهم بعضا لأخذ ما في يده من أمتعة الدنيا ونعيمها وإذا كانت حال الدنيا الضيقة المنتنة هذه فكيف حال الجنة التي لا يحيط بوصف نعيمها دائرة البيان ولا يبلغ أدنى أوصافها جواد اللسان، دار بناها رحمة رب العالمين وأعدها للمتقين، هذا بحسب ظاهر النظر وأول الفكر وإلا فلو نظرت إليهما بعين اليقين وفكرت فيهما بالفكر المتين وجدت أن ليس بين متاع الدنيا ومتاع الجنة إلا نسبة وهمية. ولما كان المقصود من هذا البيان الثاني هو التحذير عن الدنيا والتحريك إلى الآخرة قال: (وإياك

[ 125 ]

والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل) تحذير عن الدنيا والركون إليها وصرف العمر في تحصيلها لأن نعيمها قليل يزول والعاقل لا يركن إلا القليل الزايل لأجل أنه زايل فكيف إذا كان سببا لزوال الكثير الباقي. (يا عيسى ابغني عند وسادك تجدني) إشارة إلى قربه من كل أحد في كل زمان ومكان أو إلى طلب العبادة في زمان الغفلة وحث على ترك النوم (وادعني وأنت لي محب) محبته تعالى دون غيره من أصول شرايط الدعاء، ومن لوازم تلك المحبة الإنقطاع من الغير إليه وتعلق القلب به والتضرع بين يديه وطلب القرب منه والاعتماد عليه. فإني أسمع السامعين (استجيب للداعين إذا دعوني) ترغيب في طلب الخيرات والمرغوبات كلها منه تعالى والتيقن بحصولها لأن عدم حصولها إما لعدم سماع الدعوة أو لعدم الاستجابة بعده وكلاهما منتف عنه تعالى. (يا عيسى خفني وخوف بي عبادي) الخوف من عقابه والحرمان من إكرامه وثوابه يقتضي فعل المأمورات وترك المنهيات لأن من خاف شيئا هرب منه. (لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون) العاملون العارفون يمسكون عن المعصية نظرا إلى كماله وتعظيما لجلاله ولو لم تكن نار ولا جنة، وأما الجاهلون المذنبون فهم بمنزلة الأطفال ينبغي تطميعهم بالثواب وتخويفهم من العقاب ليرغبوا في الطاعة وينزجروا عن المعصية فإن هلكوا بعد ذلك هلكوا عن علم وبينة ولم تكن لهم معذرة. (يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع) رهب رهبا من باب علم: خاف والاسم الرهبة فهو راهب من الله والله مرهوب والأصل مرهوب عقابه. (والموت الذي أنت لاقيه) أهل الدنيا يرهبون من نفس الموت حبا للبقاء الزائل وأهل الحق يرهبون منه خوفا من الهلاك الأبدي. (فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون) لأن الخالق أولى بالرهبة منه من المخلوق لأن إضرار المخلوق بإقداره فينبغي الرهبة منه لا من غيره. (يا عيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين) أشار إلى أن كل ما سواه ملك له وأنه بقدرته التي لا يتأبى منها شئ وأنه الملك في الدنيا والآخرة لا غيره إذ كل ملك في الدنيا فهو ملك بالاعتبار ولا حقيقة له وبالإضافة إلى بعض من هو تحت حكمه في الجملة ليبين أنه يجب طاعته والفزع إليه وحده وأنه يدخل المطيع جنته في جوار الصالحين من الأنبياء والرسل والأوصياء بلا مانع ولا مدافع إذ لا شريك له يمنعه من ذلك، وفيه ترغيب في الالتجاء إليه والطاعة والمراقبة له في جميع الأحوال. (يا عيسى إني إن غضبت عليك لم ينفعك رضاء من رضى عنك وإن رضيت عنك لم يضرك

[ 126 ]

غضب المغضبين) بفتح الضاد على صيغة المفعول من أغضبه فهو مغضب وذلك مغضب، وفيه تنبيه على وجوب ترك ما يوجب رضاء المخلوق إذا كان موجبا لغضب الخالق ووجوب طلب ما يوجب رضاء الخالق وإن كان موجبا لغضب المخلوق لأن المخلوق وجوده وعدمه سواء فكيف غضبه ورضاه وضره ونفعه. (يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي) أراد به الذكر القلبي وهو عدم الغفلة عنه، وذكره تعالى في نفسه عبارة عن الإكرام وإفاضة الخيرات. (واذكرني في ملأك إذكرك في ملأ خير من ملأ الآدميين) الملأ كجبل: الأشراف والجماعة والقوم، والمراد بهم ملأ الآدميين، وبالملأ الثاني ملأ الملائكة المقربين، ومثل هذا موجود في كتب العامة أيضا، استدل به بعضهم على أن الملائكة أفضل من الأنبياء إذ عد ملأ الملائكة خيرا من ملأ الآدميين ولو كان فيهم نبي، والجواب أن تفضيل المجموع على المجموع لا يوجب تفضيل الأجزاء على الأجزاء وقد ذكرناه مفصلا في شرح الأصول. (يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث) غيري. من شرائط الدعاء أن يقطع الداعي رجاءه عن غيره تعالى ولا يرى لنفسه ملجأ ومغيثا إلا إياه فإن الدعاء على هذا الوجه مقرون بالإجابة قطعا. (يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي عضبا) يمكن أن يراد به العرش الجسماني المحيط بجميع الأجسام والعرش المطاف للملائكة المقربين، وأن يراد به قدرته الشاملة لكل الموجودات وإن لم يشتهر إطلاقه عليها، والعارفون لا يحلفون به صادقا تعظيما له فكيف كاذبا، وقد مر أمثال هذه النصايح للأمة. (الدنيا قصيرة العمر) المراد بالدنيا إما تمامها وعمرها قصير لانقطاعها أو عمر كل شخص وقصره ظاهر فلا ينبغي أن يركن إليها العاقل. (طويلة الأمل) نسبة طول الأمل إلى الدنيا مجاز كنسبة الفعل إلى الزمان، والأمل هو الطمع والرجاء، وقد يفرق بينه وبين الطمع بأن الأمل كثر استعماله فيما يستبعد حصوله، والطمع فيما يقرب، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: أملت الوصول إليه، ولا يقول: طمعت، إلا إذا قرب منه، وبينه وبين الرجاء بأن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مطلوبه فإن قوي الخوف يستعمل الأمل كما صرح به في المصباح، وقد يفصل ما يدخل في القلب بأن ما في القلب مما ينال من الخير أمل ومن الخوف إيجاس ومما لا يكون لصاحبه ولا عليه خطر، ومن الشر وما لا خير فيه وسواس، ولعل الغرض منه هو التعجب لمن أطال أمله في زمان قصير وليس ذلك إلا لجهله حيث شغل قلبه بما لا حاجة له فيه ومع ذلك توقع حصوله في زمان قاصر، عنه أو الحث على ترك الدنيا وطول الأمل وتجهيل فاعلهما بالجمع بين الضدين.

[ 127 ]

(وعندي دار خير مما يجمعون) لكمال زينتها وبقائها وبقاء أهلها ونعيمها أبدا، وفيه ترغيب في طلبها كما في السابق تنفير عن الدنيا. (يا عيسى كيف إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسراير قد كتمتوها وأعمال كنتم بها عاملين) ترغيب في الطاعة وتحذير عن المعصية بذكر الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وذكر صعوبة الأحوال والتخلص منها عند مشاهدتها وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يكتب عليه جليات أموره وخفياتها وأنه يؤخذ بها ويحاسب عليها وقتا ما حصلت له ملكة البواعث على الطاعات والزواجر عن المنهيات، ولذلك كرر ذكر الحفظة وكتبها أعمال العباد في القرآن الكريم. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم) دنس ثوبه وعرضه تدنيسا إذا فعل به ما يشينه، وليس الظلم والذم باعتبار غسل الوجوه فإنه مطلوب بل باعتبار تدنيس القلوب بالعقائد الكاسدة والآمال الفاسدة والمخاطرات القبيحة والأخلاق الذميمة وقد وجب تطهيرها عن هذه الصفات الرذيلة وتزيينها بالأخلاق الجميلة لأن القلب أشرف أعضاء الإنسان وعرش الرحمن وموضع نوره وسره ومعدن حكمه وذكره وقد أمر سبحانه بذلك فمن بدله بما ذكر فهو مغرور جرى كما أشار إليه بقوله: (أبى تغترون أم على تجترون ؟) الاغترار " خدعة كردن وفريب دادن ونمودن باطل را بصورت حق " والاجتراء " دليرى كردن " فكأنه بهذه الصفة إما مخادع أو جرى محارب مع ربه، وفيه وعيد عظيم لهم ليذكروا ويرجعوا. (تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة) توبيخ لهم في إزالة نتن أدناس الظواهر بالطيب والعطر للناس وترك إزالة نتن أمراض القلوب بأدويتها لله مع أنه أقرب إليها منهم إلى الظواهر وما ذلك إلا لتعظيمهم وتحقيره تعالى كأنكم أقوام ميتون في النتن أو بعدم الانتفاع بالزواجر والنصايح. (يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام) قلمت الظفر قلما من باب ضرب: قطعته وأخذته، وقلمته بالتشديد مبالغة وتكثير في الاجتناب عن كسب الحرام والاحتراز منه لأنه يسود القلب ويبعد عن الرب ويورث العقوبة في الدنيا والآخرة. (وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا) زجرهم عن استماع الكلام الفاحش لكونه معصية ومانعة عن ذكر الله ومسودا للقلب مفسدا له، قال الله تعالى في التنزيل في وصف قوم صالحين: * (وإذا مروا باللغوا مروا كراما * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). (وأقبلوا علي بقلوبكم) لكل عضو إقبال وادبار إقباله هو الإتيان بما هو مطلوب منه، وادباره هو الإتيان بضده، وإنما خص إقبال القلب بالطلب لأن القلب أشرف الأعضاء وأكمل، فإقباله وهو تذكر الرب وعدم الغفلة عنه أشرف وأفضل لأن إقباله مسلتزم لإقبال غيره من الأعضاء.

[ 128 ]

(فإني لست أريد ضرركم) ترغيب في قبول النصيحة لأن المنصوح إذا علم شفقة الناصح وبعد نصحه عن الغش والضرر يقبل على قبوله. (يا عيسى افرح بالحسنة فإنها إلي رضا) دل على أن الفرح والسرور بالحسنة من حيث أنها حسنة موافقة لرضاه تعالى ليس بعجب بل هو أيضا حسنة ولذلك أمر به وإنما العجب أن يسر بها من حيث أنه عمل بلغ به حد الكمال وخرج عن حد التقصير وفاق العابدين بالمنزلة الرفيعة عنده تعالى. (وابك على السيئة فإنها شين) البكاء على السيئة حسنة رافعة لها وهو أفضل العبادات للمذنبين، وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك، هذا من لوازم العدل والإنصاف وحسن المخالطة والمعاملة مع الناس وبه يتم نظام العالم ويرتفع الجور في بني آدم. (وإن لطم خدك الأيمن فاعطه الأيسر) لا تعامله بالانتقام إذ يتولد منه المفاسد العظام، وهذا من آثار ملكة الحلم والعفو (وتقرب إلي بالمودة جهدك) أي بمودتي أو مودة الخلق من أهلها، ففيه على الثاني ترغيب في حسن المعاشرة، وعلى الأول في الترقي إلى مقام محبة الرب، والوصول إليه متوقف على مراقبة النفس ومحاسبتها وتصفية الظاهر والباطن عما ليس من طور الشريعة وتحليتهما بالفضائل اللايقة بهما ودوام الذكر والفكر (وأعرض عن الجاهلين) المستقرين في الجهل التابعين لإثارة أحكامه إذ معارضة الجهال جهل وسفه توجب طغيانهم في الجهالة والسفاهة وازديادهم في الأذى والإهانة، وهذا أيضا من آثار الحلم (يا عيسى ذل لأهل الحسنة) قال في القرآن المبين لسيد المرسلين: * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) * وهذا من آثار ملكة التواضع. (وشاركهم فيها كما هو مقتضى القوة العقلية والعملية وكن عليهم شهيدا) تمنعهم من المهلكات وتبعثهم على الصالحات وتشهد لهم بها في القيامة (وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء والجلساء عليه) الأخدان جمع الخدن بالكسر وهو الصديق وفي كنز اللغة: أخدان " دوستان " والسوء بالفتح خصلة مذمومة من قول وفعل وخلق وقد يطلق على المتصف بها، وهذان الوصفان أعني محبة السوء وأهله ومحبة الجلساء عليه لا يجتمعان إلا في الجري على الله المستحق لعقوبته. (إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير) وعيد لهم بالعقوبة الحاضرة غير ما مهد لهم من عقوبة الآخرة وقد وقع مسخ من لم ينته، على ما نقل في السير. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقا مني) الظاهر أن الحكمة بالتحريك: جمع الحاكم وهو صاحب الحكم والقدر والمنزلة من عند الله تعالى كالحفظة جمع الحافظ، ويحتمل أن يكون بكسر الحاء وسكون الكاف على حذف المضاف أي صاحب الحكمة وهي العدل والعلم

[ 129 ]

والحلم والنبوة، وفرقا مفعول له أي تبكي لأجل الخوف مني وخوفهم لمشاهدة العظمة واحتمال تقصيرهم في الطاعة وانتكاس حالهم في العاقبة أو لغير لذلك (وأنتم بالضحك تهجرون) أي تستهزئون، والهجر بالضم والسكون: الفحش والقبيح من الكلام، وهو اسم من " هجر يهجر " من باب قتل، وفي لغة أخرى: أهجر في منطقة إهجارا: أكثر حتى جاوز ما كان تكلم به قبل ذلك، وأهجر بالرجل استهزأ به وقال فيه قولا قبيحا ورماه بالكلمات التي فيها فحش وفضيحة، وهذه من باب لابن وتامر. (أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون بعقوبتي ؟) في كنز اللغة: " براءة: بيزارى از شئ " يقال: برئ زيد من ذنبه يبرأ - مهموز اللام من باب علم - براءة: إذا سقط عنه طلبه حتى كأنه لم يحتج إليه فهو برئ منه وبارئ، والاستفهام للتوبيخ، وإنما ردد بين هذه الأمور الثلاثة لأن حالتهم المذكورة توجب أن يكون لهم واحد منها قطعا. ولكن الواقع لما كان هو الأمر الثالث (قال: فبي حلفت لأتركنكم مثلا للغابرين) أي للباقين إلى يوم الدين، والمثل بالتحريك: الحديث، وتفسير الغابرين بالماضين والمثل بالشبه والنظير بعيد. (ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول) أي المنقطعة عن الرجال أو عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا أو عن الدنيا إليه تعالى أو عن الحيض. (بسيد المرسلين) أي رئيسهم وأشرفهم وأكرمهم (وحبيبي) بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، وقد بلغت المحبة بينهما غاية الكمال فلذلك خصه بهذا اللقب (فهو أحمد) كما نطق به القرآن الكريم: * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * (صاحب الجمل الأحمر) وصفه بهذا وغيره من الأوصاف ليعرفوه بها عند ظهوره (والوجه الأقمر) أي الأبيض، اسم تفضيل من القمرة بالضم وهي لون إلى الخضرة أو بياض فيه، وفيه تشبيه لوجهه بالقمر في النور والضياء. (المشرق بالنور) أي بنور الظاهر لكمال حسنه أو الأعم منه ومن نور الباطن وهو العلم والحكمة وقد وجد فيه جميع جهات الحسن، الطاهر القلب لخلو قلبه عن جميع المقابح واتصافه بجميع المحاسن من أول العمر إلى آخره. (الشديد البأس) على الكافرين والبأس الشدة والقوة والشجاعة (الحيى المتكرم) لا يرتكب شيئا من الرذايل والقبايح حياء ولا يترك شيئا من المحاسن والمحامد تكرما ويعفو عن حقه تفضلا (فإنه رحمة للعالمين) باعتبار أنه يرشدهم إلى صراط مستقيم أو أنه سبب لرفع العقوبة الدنيوية عن أمته مثل المسخ وغيره أو أنه سبب لإيجاد العالم كما ورد " لولاك لما خلقت الأفلاك " أو أنه سبب لنجاة الخلائق يوم القيامة (وسيد ولد آدم) هذا أعم من السابق والسيد الفائق قومه المفزوع إليه في الشدائد وهو صلى الله عليه وآله كذلك في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فلأن أصل وجود الممكنات لوجوده وكل من لحقته فتنة من الأنبياء توسلوا به فرفعها عنهم، وأما في الآخرة فلأن آدم

[ 130 ]

ومن دونه تحت لوائه وله المقام المحمود ومقام الشفاعة ومقام الوسيلة وهذه المنزلة ليست لأحد غيره. (يوم يلقاني) بالرحمة والرضوان. (أكرم السابقين علي) وهم الأنبياء والمرسلون لنور ذاته وشرف صفاته فله من الإحسان حظ أكثر ومن الإكرام نصيب أوفر (وأقرب المرسلين مني) فضلا عن غيرهم لأن ذاته أكمل وأتم وصفاته أفضل وأعظم فله من القرب منزلة أرفع وأعلى ومرتبة أدل وأدنى، وقد روي أن جميع الخلائق في طلب المنزلة والإكرام يرجعون إليه وفي دفع الخوف والعقوبة يلوذون بين يديه، ولولا شفاعته لم يدخل أحد دار السلامة ولم ينج من الحسرة والندامة ولم يستحق منزلة القرب والكرامة. (العربي الأمين) الأول في النسب، يقال: رجل عربي إذا كان ثابت النسب، والثاني في الشرف والحسب بحسب الذات والصفات فصار أمينا محل الاعتماد عليه في أمور الدين والدنيا وإظهار الحق وإبطال الباطل (الديان بديني) الدين: الطريقة الشرعية والصراط المستقيم الذي وضعه الله لعباده، والدين أيضا مصدر بمعنى التعبد يقال: دان بالإسلام دينا - بالكسر - أي تبعد به وتدين به كذلك، فهو دين وديان للمبالغة. (الصابر في ذاتي) لصبره على العبادات يحمله للمشقات وما وصل إليه من لئام الأمة وجهالها من النوائب والمصائب في ذات الله تعالى وطلبا لمرضاته (المجاهد المشركين بيده عن ديني) جهاده مع المشركين مشهور وفي كتب السير والأخبار مذكور وحروبه معهم كثيرة وقد حضر فيها مع قلة المؤونة والمعين بنفسه المقدسة إلا ما شذ، كل ذلك لأجل كشف دين الله تعالى وإظهاره وترويجه (إن تخبر به بني إسرائيل) الظاهر أنه بدل من قوله " سيد المرسلين " فهو المقصود بالوصية. (وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به ويتبعوه وأن ينصروه) عند تشرفهم بملازمته. (قال عيسى (عليه السلام): إلهي من هو حتى أرضيه) بحب صحبته والإتيان بخدمته أو يأمر بني إسرائيل إلى نصرته وطاعته أو بالإيمان به في غيبته (فلك الرضا) بذلك. (قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة) نصب " كافة " على الحال أي جميعا، أو على المصدر أي يكفيهم عن الغير، أو السؤال في أمور دينهم ودنياهم كافة، لأنه يجئ بمقدار حاجتهم من غير نقص. (أقربهم مني منزلة) لكونه أشرفهم وأكملهم وأعلمهم وأقدمهم حسبا ونسبا، وهذا أعم مما ذكر (وأحضرهم شفاعة) يحتمل أن يكون هي الشفاعة الأولى وهي التي لتعجيل الحساب التي يلجأ إليه فيها جميع الخلق، ويحتمل أن تكون شفاعة المغفرة أو شفاعة الإخراج من النار أو

[ 131 ]

الجميع. (يحمده أهل الأرض) ولذلك سمي محمدا كما روي (ويستغفر له أهل السماء) أي لأمته أو له تبركا وتقربا منه، وقد مر توضيح ذلك في باب الاستغفار وغيره من شرح كتاب الأصول. (أمين ميمون) من اليمن بالضم وهو البركة والخير كالميمنة وفعله من باب علم وعني وجعل وكرم (طيب) لطهارته ونزاهته من الأرجاس الكريهة والأفعال القبيحة والأخلاق الذميمة (مطيب) بجوهر ذاته ونور صفاته وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة (خير الباقين عندي) وكذلك خير الماضين كما مر لكونه أكمل ذاتا وصفاتا وأكثر علما وحلما وأحسن خلقا ورحمة وأعظم بركة وقوة واتصافه بغاية العبودية وبلوغه نهاية العبادة المطلوبة من الحقيقة الإنسانية. (يكون في آخر الزمان) إذ الزمان ينقطع بأمته ولا نبي بعده (إذا خرج أرخت السماء عزاليها) بفتح اللام وكسرها جمع العزلاء وزان حمراء وهو فم المزادة الأسفل وفيه إشارة إلى شدة وقطع المطر على التشبيه بنزوله من فم المزادة وقد مر في حديث نافع (وأخرجت الأرض زهرتها) أي نباتها وزروعها وأشجارها وأثمارها وزينتها وحسنها وبهجتها وخيرها، ومن ثم قل القحط في أمته (حتى يروا البركة) أي الزيادة والنماء والخير في العالم (وأبارك لهم فيما وضع يده عليه) تكثير قليل الطعام وغيره بوضع يده عليه مشهور في الأخبار والسير (كثير الأزواج قليل الأولاد) من صلبه وإلا فأولاد أولاده أكثر من أن تحصى (يسكن بكة موضع أساس إبراهيم) السكون المطلق يصدق على سكونه في بعض الأوقات وهو زمان تولده إلى وقت الهجرة. (يا عيسى دينه الحنيفية) أي المائلة من الباطل إلى الحق أو الطاهرة من النواقص والنواص أو ملة إبراهيم عليه السلام، والتأنيث باعتبار إرادة الملة من الدين أو بتقديرها (قبلته يمانية) لأن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن ولهذا يقال: الكعبة اليمانية، كذا في النهاية (وهو من حزبي وأنا معه) معيته بالنصرة والإعانة والتوفيق، وحزب الله من جعلهم أعونا لدينه ووفقهم للعمل بما فيه رضاه (فطوبى له ثم طوبى له، له الكوثر) قيل: هو نهر في الجنة، وقيل الخير: الكثير من العلم والعمل وشرف الدارين، وقيل: أولاده وعلماء أمته، وقيل: القرآن والمشهور أنه حوض فيها أو في خارجها ويؤيده أن جماعة يطردون منها وهم لا يدخلون الجنة وهو فوعل من الكثرة والواو زائدة ومعناه الخير الكثير (والمقام الأكبر) من مقام جميع الرسل (في جنات عدن) قيل جنة عدن اسم لمدينة الجنة فيها جنان كثيرة هي مسكن الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس سواهم في جنات حواليها، وقد مرت. (يعيش أكرم من عاش) لكونه أكمل في القوة النظرية والعملية والأعمال البدنية والقلبية، والكرامة وحسن العيش تتفاوت بحسب تفاوتها (ويقبض شهيدا) سمته يهودية بشاة مسمومة وكفاه الله تعالى من ذلك السم وشفاه لكن بقي فيه شئ منه وقتله بعد حين ولذلك قال العلماء إن

[ 132 ]

الله سبحانه قد جمع له بذلك بين كرم النبوة وفضل الشهادة. (له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس) الظاهر أنه الكوثر المذكور مع احتمال أن يكون غيره وأن يراد بالكوثر المعنى الأول أو غيره من المعاني المذكورة، وقد ثبت أن له (صلى الله عليه وآله) حوضا في الآخرة، من طرق الخاصة والعامة، رواه مسلم عن سبعة عشر صحابيا ورواه غيره عن عشرة غيرهم، عنه (صلى الله عليه وآله) قال عياض: الإيمان به واجب والتصديق به من الإيمان. إذا عرفت هذا فنقول: لم يتبين أن هذا المقدار من جهة الطول أو من جهة العرض ولكن مر في كتاب الحجة في باب فرض الكون مع الأئمة (عليهم السلام) أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " عرضه ما بين صنعاء إلى ايلة فيه قدحان فضة وذهب عدد النجوم " فهذا يدل على أن المراد بالمقدار في هذا الخبر هو الطول، ولو جعل هذا أيضا تحديدا للعرض وقع الاختلاف بينهما، اللهم إلا أن يقال: المقصود منهما هو الكناية من السعة لا على التقدير المحقق، وجاء في بعض روايات العامة: أن زواياه سواء، قال عياض: قام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع فهو على هذا مربع متساوي الأضلاع، أقول: هذا غلط ظاهر لأن تساوي الزوايا لا يستلزم تساوي الأضلاع كما في المستطيل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الناس عن إبله، وقالوا يا رسول الله تعرفنا قال نعم لكم سيماء ليست لأحد من الأمم غيركم تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء ولتصدن عني طائفة منكم فلا تصلون فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: فهل تدري ما أحدثوا بعدك " انتهى، أقول لعل من خالفنا عموا وصموا فلم يروا ولم يسمعوا أمثال هذا الخبر حتى حكموا بكفر من حكم بكفر واحد من الصحابة ولم يجوزوا أن تكون خلافة الثلاثة مما أحدثوا. يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى سواء السبيل وقد ذكرنا كثيرا من رواياتهم الدالة على كفر كثير من الصحابة في كتاب شرح الأصول وسنذكر جملة أخرى منها فيما بعد إن شاء الله تعالى. (من رحيق مختوم) الرحيق: الخمر، والمراد بها خمر الجنة، والمختوم المصون الذي لم يتبدل لأجل ختامه (فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الأرض). من طرق العامة عنه صلى الله عليه وآله قال: " حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا " وفي الآخر: " والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من نجوم السماء " أقول: الكوب كوز لا عروة له أو لا خرطوم له، والآنية جمع الإناء والأواني جمع الآنية، والتشبيه في العدد والصفاء لا في الجرم لأن ما للنجوم من المساحة أكثر من مساحة الحوض، وهذا يحتمل أن يكون كناية عن الكثرة كما قيل في قوله تعالى * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) * ومنه قولهم كلمته في هذا ألف مرة وهو من باب المبالغة المعروف لغة ولا يعد

[ 133 ]

كذبا لكن يشترط في جوازه أن يكون المكنى عنه بذلك كثيرا في نفسه ويحتمل الحقيقة أيضا. لا يقال: لا يحتملها لأن مقدار الحوض من بكة إلى مطلع الشمس فلا تسع أطرافه آنية بعدد مدر الأرض. لأنا نقول: إن ما يشرب به منها يذهب ويخلق غيره فلا يلزم أن يكون هذا العدد موجودا مجتمعا في أطرافه، أو نقول: إنها بأيدي الملائكة عليهم السلام، والله أعلم. (عذب فيه من كل شراب) من أشربة الجنة إما بطريق المزج والتركيب أو بأن يكون في كل ناحية منه شراب خاص، والأول أظهر. (وطعم كل ثمار في الجنة) يحتمل أن يجده الذايقة منفردا أو مركبا (من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا) أي لم يعطش. مثله في طريق العامة قال الأبي في كتاب إكمال الإكمال: هذا يدل على أن الشرب منه بعد الحساب وبعد الدخول في الجنة لأنه الذي لا يعطش، وقيل: لا يشرب منه إلا من لا يدخل النار، وقال العياض: الظاهر أن كل الأمة يشرب منه إلا المرتد ثم من يدخل النار بعده يحتمل أن لا يعذب فيها بالعطش بل بغيره. (وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه) على ساير الرسل، في القاموس: القسم: العطاء وفي لفظة " من " دلالة على أن هذا بعض من عطاياه الكثيرة وتفضلاته الجزيلة. (على فترة بينك وبينه) الفترة ما بين الرسولين وهي ههنا خمسمائة عام عندنا وستمائة عام عندهم كما مر في حديث نافع (يوافق سره علانيته) مع الله ومع الخلق كلهم وهو أعظم أركان الإيمان ينتفي الإيمان بانتفائه رأسا (وقوله فعله) التوافق بين القول والفعل دائما في الأمور الحقة دليل على حد الكمال في القوة النظرية والعلمية، والتخالف بينهما دليل على الفساد في القوة العقلية (لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به) تأكيدا للسابق ودليل على أن الأمر بالشئ ينبغي أن يكون فاعلا له لئلا يتوجه إليه التوبيخ والذم والمقت في قوله تعالى * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) * وقوله تعالى * (لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * وفيه مفاسد كثيرة ذكرنا بعضها في كتاب العلم (دينه الجهاد في عسر ويسر) وان قلوا وكثر الأعداء، وتقديم العسر لتقدمه في الواقع. (ينقاد له البلاد) أي أهلها، على حذف المضاف أو إطلاق المحل على الحال (ويخضع له صاحب الروم) مع كثرة عساكره وهو من باب ذكر الخاص بعد العام (على دين إبراهيم) أي على أصول دينه وآدابه المستمرة (يسمي عند الطعام) هي سنة مؤكدة روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن الرجل إذا أراد أن يطعم طعاما فأهوى بيده فقال: بسم الله والحمد لله رب العالمين، غفر الله عز وجل له قبل أن تصل اللقمة إلى فيه " (ويفشي السلام) كان (صلى الله عليه وآله) يسلم على كل من لقي من صغير وكبير ووضيع وشريف لحسن خلقه (ويصلي والناس نيام) كثرة صلاته حتى تورمت قدماه

[ 134 ]

مشهورة (له كل يوم خمس صلوات متواليات) يجئ بعضها بعد بعض بعدية مخصوصة (ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار) المراد به النداء بالأذان والإقامة، والشعار بالكسر: نداء في الحرب يعرف به أهلها ومنه أنه (صلى الله عليه وآله) جعل شعارهم يوم بدر: يانصر الله اقترب اقترب، ويوم أحد: يانصر الله اقترب، وكانت هذه الكلمة علامة بينهم بها يتعارفون. (يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم) ظاهره وجوب التسليم وخروج النية (ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها) صف القدمين أمر مطلوب في الصلاة وهو كما يفهم عن بعض الأخبار وضع إحداهما جنب الأخرى بحيث يكون البعد بينهما قدر شبر أو أربع أصابع مضمومة ويكون رؤوس أصابعهما نحو القبلة وقوله " كما تصف الملائكة " تأكيدا في الحض عليه. (ويخشع لي قلبه ورأسه) أريد بخشوع القلب دوام ذكره وانقياده والاعتقاد بعجزه وحاجته، وبخشوع رأسه تطامنه أو خشوع لسانه ودوام اشتغاله بالدعاء والتضرع وبسط الحاجة ونحو ذلك أو خشوع قواه الباطنة لأنها في الرأس. (النور في صدره) أي نور العلم والإيمان (والحق على لسانه) أي الكلام الحق والصدق لا يكذب قط صغيرا وكبيرا (وهو على الحق حيث ما كان) دوامه على جنس الحق أو على جميع أفراده يستلزم دوامها فيه وهو يستلزم عدم تطرق شئ من الباطل في وقت من الأوقات إليه. (أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به) من إجراء أحكام دينه وحدوده والاشتغال بهداية الناس والجهاد مع الكفار وغير ذلك، والبرهة تضم الزمان الطويل أو أعم وهو مع كونه بيانا للواقع تنبيه على عظم نعمائه تعالى عليه حيث أنه رباه من هذه الحالة الى حالة خضعت له بها قلوب الخلائق وأعناق الجبابرة. (تنام عيناه ولا ينام قلبه) لكونه محلا للوحي ومشغولا بالرب ومحفوظا عن الحدث. وظاهره أن هذه الحالة كانت له قبل البعثة وبعدها وأمكن تخصيصها بما بعدها، وهذا مذكور في كتاب الحجة أيضا وشرحناه هناك على وجه يندفع التنافي بينه وبين ما رواه المصنف في كتاب الصلاة في باب من نام عنها من أنه (صلى الله عليه وآله) نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس. (له الشفاعة) لأمته وللأمم السابقة (وعلى أمته تقوم الساعة) إذ لا نبي بعده (ويدي فوق أيديهم) عند بيعتهم وعهدهم معه، وهذا من باب التخييل والتمثيل أو المراد باليد يد الرسول (صلى الله عليه وآله) أضيفت إليه تعالى للتشريف والتعظيم وهو مروي. (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي من نقض العهد فإنما ينقضه على نفسه لعود ضرره إليه لا إلى غيره. (ومن أوفى بما عاهد عليه) من الإيمان به والعمل بما جاء به ونصرته في الحروب بالنفس والمال (أوفيت له بالجنة) يقال وفى بالعهد وأوفى ووفى إذا أتمه وأكمله وأتى به كما هو حقه.

[ 135 ]

(فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا كتبه) درس الرسم عفى، ودرسه الريح لازم متعد، والضمير في كتبه راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، والجمع إما للتعظيم أو لاشتمال كتابه على جميع ما في الكتب السابقة أو أريد به القرآن وغيره ومما كتبوه سماعا منه (صلى الله عليه وآله) (ولا يحرفوا سنته) من التحريف لا من الإحراق كما في بعض النسخ (وأن يقرئوه السلام) في القاموس: قرأ عليه السلام بلغه كأقرأه، ولا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا (فإن له في المقام شأنا من الشأن) أي في مقام الشفاعة أو مقام القرب أو مقام القيامة أو مقام ظهوره (عليه السلام) والشأن: الخطب والأمر والحال، والتنكير للتعظيم. (يا عيسى كل ما يقربك مني) من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والآداب الكاملة والحكم البالغة والعلوم النافعة (فقد دللتك عليه) وهديتك إليه فخذها إليك (وكل ما يباعدك مني فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك) أي اطلب لنفسك ما هو خير لك من هذين الأمرين، وارتد: أمر من الارتياد وهو طلب الشئ بالتفكر فيه مرة بعد أخرى كالرود والرياد، ومنه المراودة. (يا عيسى إن الدنيا حلو) الحلو بالضم: نقيض المر، إشارة به إلى وجه اغترار الناس بالدنيا وانخداعهم منها لحلاوة متاعها وزهراتها في بادي نظرهم فمالت إليها نفوسهم، وأما عند أولي الأبصار فهي مخلوطة بالأكدار أو آيلة إليها وما من أحد يتعرض لها إلا ويجدها متضمنة لمكاره شديدة ويجد في حلاوتها مرارة كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذمها. (وقد أمر) أي صار مرا منها ما كان حلوا وكدر منها ما كان صفوا. (وإنما استعملتك فيها) أي طلبت العمل منك فيها للآخرة (فجانب منها ما حذرتك منه) لأنه مع كونه معصية موجبة للبعد عن سبيل الحق والعمل للآخرة (وخذ منها ما أعطيتك عفوا) أي بغير مسألة تقول: أعطيته عفوا أي بغير مسألة وهو دليل على كمال العناية والشفقة وترغيب في الأخذ به. (يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ) أي كما أن ذلك العبد ينظر في ذنبه ويتذلل ويتملق عند مولاه لعله يتجاوز عن تقصيره فانظر أنت أيضا في عملك وعد نفسك مقصرة فيه وتذلل عند مولاك الحق طلبا للتجاوز عن تقصيرك (ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الريب) أي الشك والتهمة في تقصيره فيه بل ظن أنه أتى به بقدر الإمكان، وفي بعض النسخ: " بمنزلة الرب " أي بمنزلة المربي والمتمم له باعتقاد النقصان فيه، وهذا قريب مما روي " أن من خصال العاقل أن يرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه ". (فكن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتعطب) أصل الرغبة فيها سبب للرغبة عن الآخرة خصوصا إذا كانت الرغبة مع لوازمها مثل صرف العمر فيما لا يعني، وتشتت القلب وقساوته وطول الأمل والغفلة عن الحق وغيرها من الرذائل اللازمة للدنيا، وكل ذلك يوجب العطب وخسران الأبد. (يا عيسى اعقل وتفكر) العقل: الإدراك، تقول: عقلت الشئ عقلا من باب ضرب إذا أدركته

[ 136 ]

وتدبرته، ومن باب تعب لغة، ثم أطلق على المدرك بالكسر، ولهذا قال بعض الناس: العقل غريزة يتهيأ به الإنسان إلى فهم الخطاب. والتفكر تردد القلب بالنظر والتدبر والرؤية لطلب معرفة الشئ أوله وآخره وحسنه وقبحه ونفعه وضره وخيره وشره. (وانظر في نواحى الأرض كيف كان عاقبة الظالمين) أمر بالعبرة من أحوال الظالمين حيث كانوا في جنات وعيون وزروع ومقام كريم مع أنصار وأولاد وأحفاد واحترام عظيم قد أخذهم الله تعالى بتخريب ديارهم وتقلب أحوالهم وتدمير أدبارهم وتقطيع آثارهم وغير ذلك من بأس الله وصولاته ووقايعه ومثلاته فصاروا بحيث لم يبق منهم إلا اسم ولا من ديارهم إلا رسم، مأخوذين بأعمالهم مقيدين بسلاسل أفعالهم مغلولين بأغلال أطوارهم مشغولين بالحسرة والندامة محرومين عن الرحمة والكرامة، فإن من تفكر في هذا حصلت له ملكة الانزجار عن حلال الدنيا فضلا عن حرامها وفضيلة الانقطاع عن خلاف الأولى فضلا عن الظلم بأهلها. ثم رغبه في الأخذ بوصيته وقوله مع الوعيد بالعذاب على تركه بقوله: (يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق) أي كل ما بينته لك نصيحة خالصة وكل ما قلته لك حق ثابت لا ريب فيه، فوجب عليك الأخذ به (وأنا الحق المبين) أبان الشئ: ظهر، وأبانه: أظهره وأوضحه لازم متعد، فعلى الأول أشار إلى ظهور وجوده، وعلى الثاني أشار إلى أنه أظهر جميع ما يحتاج إليه الخلق في كمالهم وبينه لهم، والغرض على التقديرين هو الحث على اتباع قوله و " نصحه ". (فحقا أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني ولي ولا نصير) وعيد عظيم للعالم التارك لعلمه بأن عقوبته أشد وأقوى وهو باللوم أجدر وأحرى من الجاهل، وقد دل عليه كثير من الروايات. (يا عيسى أذل قلبك بالخشية) قد مر أنها تابعة للعلم بالله وأنها إذا حصلت لأحد تبعثه على القيام بالعبودية ورعاية الآداب وأداء وظايف الطاعات وترك المنهيات والتقصير في شئ من الحقوق فهي أصل لقبول النصايح ولذلك أمر بها مرارا (وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك) لأن ذلك يسهل أمر الدنيا والصبر على الفايت منها والرضا عن الرب بما أعطاه والحمد والشكر له بخلاف النظر إلى الفوق وقد مر وسيجئ أيضا، وهذا أصل عظيم لترك الدنيا والرضا بالمقدر. (واعلم أن رأس كل خطيئة أو ذنب هو حب الدنيا) الخطايا والذنوب كلها - مثل الكبر والحرص والحسد والزنا والرئاسة والعداوة والقتل وترك الأوامر للراحة وفعل المناهي للشهوة وغير ذلك - تابعة لحب الدنيا منبعثة من الميل إليها والخطيئة أعم من الذنب لأن ترك الأولى وخلاف المروة خطيئة وليس بذنب وفيه زجر عن حب الدنيا والركون إليها، وبالغ فيه فقال: (فلا تحبها فإني لا أحبها) لأن العاقل المحب لله تعالى لا يحب ما لا يحبه ويبغضه، ومن وجوه عدم

[ 137 ]

حبه تعالى للدنيا أنه لا يعصى إلا فيها، وأنها تخدع عباده بزهراتها وتمنعهم عما يوجب القرب منه. (يا عيسى أطب لي قلبك) أمره بتفريغ قلبه عما سواه وتطهيره عن الأخلاق الذميمة وتقويته بالأخلاق الفاضلة (وأكثر ذكري في الخلوات) لأنه في الخلوة أقرب إلى القبول والكمال وأبعد من الرياء والسمعة والاختلال وإلا فذكره مطلوب في جميع الأحوال، ولما كان الذكر أصلا لكل ما يتقرب به أمر به وبإكثاره مكررا. (واعلم أن سروري أن تبصبص إلي) التبصبص: التملق يقال: تبصبص الكلب بذنبه إذا حركه، وإنما يفعل ذلك من خوف أو طمع، ونسبة السرور إليه تعالى باعتبار إرادة لازمة وهو الرضا وإضافة الخيرات (كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا) أراد به حياة النفس بالتوجه إليه والاشتغال به عن غيره. (يا عيسى لا تشرك بي شيئا) نهاه عن الشرك الجلي والخفي كمتابعة الهوى، إن الشرك لظلم عظيم (وكن مني على حذر) أمره بالحذر من عقوبته وخذلانه لأنه تعالى رقيب عليه يعلم سراير قلوبه كما يعلم ظواهر أعماله فوجب الحذر منه والتحرز من مخالفته. (ولا تغتر بالنصيحة) أي بنصيحتي لك وخطابي إياك كما يغتر جليس السلطان بخطابه أو بالعمل بنصيحتي كما يغتر العامل بعمله ويعجب به فإن ذلك يفسده، وفي بعض النسخ بالصحة. (ولا تغبط نفسك) أي لا تتمن نفسك ما في يد أهل الدنيا من متاعها من الغبطة وهي تمني نعمة لا تتحول عن صاحبها وفعلها من باب ضرب وسمع أو لا تفرح بمتاع الدنيا ومنه الاغتباط وهو الابتهاج بالحال الحسنة والسرور بها (فإن الدنيا كفئ زايل) نفر عن الدنيا بتشبيهها بالفئ في سرعة الزوال أو في أنه ليس بشئ ثابت حقيقة أو في الاستظلال به قليلا ثم الارتحال عنه كالمسافر أو في أنه يزول بالتدريج ويفنى آنا فآنا ويرى ساكنا والدنيا كذلك. (وما أقبل منها كما أدبر فنافس في الصالحات جهدك) المراد بما أقبل الزمان المستقبل، شبهه بما أدبر وهو الزمان الماضي في الانقضاء وعدم البقاء أو في عدم الاقتدار على العمل فيه أو في عدم وجودك فيه، فارغب في الأعمال الصالحة بقدر الطاقة والمكنة في الآن الذي أنت فيه وهو عمرك حقيقة أو المراد به الآن المذكور، والوجه هو الأول والعاقل اللبيب إذا نظر في هذا الكلام وعمل بمضمونه وراقب نفسه خلص من آفات الدنيا والآخرة. (وكن مع الحق حيثما كان) المراد بالحق إما الله تعالى أو الخيرات الدنيوية والاخروية التي أمر الله عز وجل بها وبالتزامها. (وإن قطعت وأحرقت بالنار فلا تكفر بي بعد المعرفة) نهى عن الارتداد والكفران بعد المعرفة والإيمان بوعيد المنكرين وتعذيب الكافرين والتقية منهم لأن المعرفة والإيمان أمر قلبي لا تقية فيه، نعم يجوز التقية في الأقوال والأعمال الظاهرة كما هو صريح بعض الروايات مع إمكان اختصاصه (عليه السلام) بعدم جواز التقية فيها أيضا.

[ 138 ]

(ولا تكن مع الجاهلين) الذين ركنوا إلى زهرات الدنيا وشهوات النفس والأهواء الباطلة واللذات الزايلة وأحكام الجهالة وطرق الضلالة، وفي بعض النسخ: " ولا تكونن من الجاهلين " والأول أنسب بقوله. (فإن الشئ يكون مع الشئ) فالصالح مع الفاسق فاسق والعالم مع الجاهل جاهل لأن علة الفسق والجهالة مسرية وصحبة الهالك والضال مردية، ولو فرض تخلصه من ذلك فهو عند الناس مثلهم في الضلالة والغواية، وفي بعض النسخ: " السئ " بالسين المهملة في الموضعين. (يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك) طلب الجمع بين الأمرين خشوع القلب ودموع العينين إذ به يقطع العبد منازل الاشتياق ويصل إلى مقام القرب ويتخلص من ألم الفراق والخشوع وهو تفريغ القلب عن غيره تعالى، وصرف الهمة إلى جميع ما يتقرب به يوجب التذلل والخوف من التقصير والبقاء في منزل الحرمان وموضع الخسران والبعد عن المحبوب الحقيقي وبذلك يتحرك القلب ويجد ويتحرق ويغلي ويتصاعد الرطوبات وتنصب من العينين. (يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين) استغاث به طلب منه العون والنصرة في رفع الكرب والشدة فأغاثه إغاثة أي أعانه ونصره وكشف عنه شدته ورفع عنه كربته فهو مغيث (وأنا أرحم الراحمين) دل على أن الإغاثة والإجابة بفضل رحمته. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا فيقول بعضهم لبعض، * (مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار) * قال: وذلك قول الله عز وجل: * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا. * الشرح: قوله (إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم) فقدته فقدا من باب ضرب وقعد: عدمته، فهو مفقود وفقيد وتفقدته طلبته عند غيبته.

[ 139 ]

حديث إبليس * الأصل: - أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار. عن صفوان، عن يعقوب ابن شعيب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): من أشد الناس عليكم ؟ قال: قلت: جعلت فداك كل، قال: أتدري مم ذاك يا يعقوب ؟ قال: قلت لا أدري جعلت فداك، قال: إن إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه ودعاكم فلم تجيبوه وأمركم فلم تطيعوه فأغرى بكم الناس. * الشرح: قوله (حديث إبليس) في إغوائه الناس على الشيعة وإرادة إيصال المكروه إليهم (قال قلت جعلت فداك كل) أي كل في غاية الشدة وكمالها حتى لا يمكن أن يقال بعضهم أشد من بعض (قال إن إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه) أي دعاهم إلى ترك ولاية أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (فأجابوه وأمرهم) بطاعة أئمة الجور (فأطاعوه) فأغرى بكم الناس، أغراه به إذا أولعه وأغرى بينهم العداوة ألقاها كأنها ألزقها بهم والغراء بالكسر ما يلصق به معمول من الجلد وقد يعمل من السمك. * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما وليقل: * (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) * ثم ليقل: " عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم ". * الشرح: قوله (إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فليتحول عن شقه الذي كان عليه نائما) أي إذا رأى ما يهوله ويفزعه ويشوشه، وقد مر أن ذلك من الشيطان، ولعل أمره بالتحول ليتم تيقظه وللتفؤل بتحول الرؤيا عن تأويلها المكروه وأنها لا تضر، وقد ورد نظير ذلك من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ من شرها وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " والنفث والبصق بمعنى واحد ولعل النفث هو طرد للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهه واسترذال له كما يبصق على الشي المستقذر (وليقل إنما النجوى من الشيطان..) إذا قال ذلك أذهب الله سبحانه عنه الفزع والتشويش وما دل عليه المنام من الأمر المكروه، كما جاء أن الصدقة تدفع البلاء إذا فعل ذلك مصدقا متكلا على الله سبحانه في دفع المكروه.

[ 140 ]

* الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هارون بن منصور العبدي، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام في رؤياها التي رأتها: قولي: " أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت في ليلتي هذه أن يصيبني منه سوء أو شئ أكرهه " ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات. * الشرح: (ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات) انقلبي من الانقلاب في النسخ التي رأيناها، وثلاث مرات متعلق ب‍ " قولي "، وفيه أن الانقلاب إنما هو عن الشق الذي وقع النوم عليه كما مر لا عن اليسار إلا إذا ثبت أنها (عليها السلام) كانت تنام على اليسار وهو كما ترى، والظاهر أنه تصحيف اتفلي بالتاء المثناة الفوقانية، والفاء من التفل وهو شبيه بالبزق وقد تفل يتفل ويتفل، ويؤيده ما روي من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره " ولهم روايات متكثرة في هذه المعنى إلا أن في بعضها فلينفث ثلاثا وفي بعضها فليبصق والتفل والنفث والبصق بمعنى واحد، والتفاوت بالقلة والكثرة، كما يفهم من كلام الجوهري وكون ذلك على اليسار لأنها محل الشيطان والأقذار وقيل يحتمل أن يجعل الله تعالى ذلك التفل ما يطرد به الشيطان ويبعده.

[ 141 ]

حديث محاسبة النفس * الأصل: - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره، فإذا علم الله عز وجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة، ثم تلا: * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون) *. * الشرح: (حديث محاسبة النفس) بصرفها عن المقابح وحبسها على المحاسن. (إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم..) دلت الروايات المعتبرة على أن من له رجاء إلى مخلوق وجعله معتمدا لحصول رجائه وكله الله إليه فلو دعا الله حينئذ فقد جعله شريكا له في قضاء الحوائج وكل عمل له ولشريكه يرده إلى شريكه لأنه تعالى لا يقبل إلا ما خلص له. (فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها) جعل الله العقل والنفس تاجرين شريكين في التجارة للآخرة والعمر رأس المال والطاعة والقرب ودخول الجنة ربحها، والبعد وخلود الناس خسرانها، وجعل العقل لاتصافه بالأمانة أميرا رقيبا حاكما على النفس الأمارة لاتصافها بالخيانة ولذلك خاطبه بقوله بك أثيب وبك أعاقب كما في كتاب العقل. وجعل النفس تابعة له في تلك التجارة لأنه يستعين بها وبقواها والباطنة والظاهرة التي هي بمنزلة الخدم لها في تلك التجارة، كما يستعين التاجر الدنيوي بشريكه ثم يحاسبه الله تعالى لكونه الشريك الأعظم في مواقف القيامة التي هي موقف المعرفة وموقف الإيمان وموقف الرسالة وموقف الولاية وموقف الصلاة وموقف الزكاة وغيرها من الحقوق والطاعات فوجب على العقل أن يحاسب النفس في أوان التجارة ليأمن من خيانتها ويجعلها مطمئنة ويسهل له الحساب في مواقف القيامة أو يتخلص منه، وحقيقة تلك المحاسبة أن يضبط عليها أعمالها وحركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها ولا يغفل عن مراقبتها ويصرفها إلى الخيرات ويزجرها عن المنهيات ويعاتبها ويجاهدها ويعاقبها فإن رأى أنها مالت إلى كسب معصية أو ترك طاعة يوبخها بأن ذلك من الحمق والجهل بالله وبأمر الآخرة وبعقوباتها وخسرانها ويجاهدها حتى ترجع عنه إلى الخير ويعاقبها بترك كثير من المباحات وتحميل كثير من المندوبات ويضيق عليها لينقطع ميلها إلى فعل المنهيات

[ 142 ]

وترك المفروضات وهكذا يفعل بها في حال جميع الاكتسابات حتى تصير منقادة مطمئنة تصلح أن تخاطب بيا * (أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) * ويتخلص من حساب يوم القيامة (فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا " في يوم كان مقداره خمسين [ هكذا ] ألف سنة مما تعدون) يفهم منه أن مدة المواقف يوم وأن مقدار ذلك اليوم خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهذا ينافي ظاهر قوله تعالى * (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) * وظاهر قوله فيما سبق " واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون ". ورفع هذه المنافاة بعض المحققين بأن يوم الآخرة وسنيها أمر موهوم وبينه بأن يوم الآخرة لا يمكن حمله على حقيقته إذ اليوم المعهود عبارة عن زمان طلوع الشمس إلى مغيبها وبعد خراب العالم على ما نطقت به الشريعة لا يبقى ذلك الزمان فتعين حمل اليوم على مجازه وهو الزمان المقدر بحسب الوهم القايس لأحوال الآخرة إلى أحوال الدنيا وأيامها إقامة لما بالقوة مقام ما بالفعل وكذلك السنة وحينئذ قوله تعالى * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) * وفي موضع * (كان مقداره ألف سنة) * إشارة إلى تلك الأزمنة الموهومة لشدة أهوال أحوال الآخرة وضعفها وطولها وقصرها وسرعة حساب بعضهم وخفة ظهره وثقل أوزار قوم آخرين وطول حسابهم، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى * (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) * قال هو يوم القيامة جعل الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة وأراد أن أهل الموقف لشدة أهوالهم يستطيلون بقاءهم فيها وشدتها عليهم حتى تكون في قوة ذلك المقدار، وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما طول هذا اليوم ؟ قال " والذي نفسي بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة تصليها في الدنيا " وهذا يدل على أنها يوم موهوم وإلا لما تفاوت في الطول والقصر إلى هذه الغاية. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كان مسافرا فليسافر يوم السبت فلو أن حجرا أزال عن جبل يوم السبت لرده الله عز وجل إلى موضعه من تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام). * الشرح: قوله (قال من كان مسافرا فليسافر في يوم السبت) أي من أراد السفر وقد يراد من الفعل الاختياري مباديه كما في قوله تعالى " فإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " أي إذا أردتم القيام إليها ويوم الثلاثاء بالمد والضم. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب

[ 143 ]

العالمين مثل السهم في القرب ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر أن يزول هاهنا ولا هاهنا. * الشرح: قوله (مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب) أي في قرب بعضهم من بعض وفي بعض النسخ في القرن وهو بالتحريك جعبة من جلود تشق وتحرز وتجعل فيها السهام وإنما تشق كي تصل الريح إلى الريش فلا يفسد (ليس له من الأرض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة) الكنانة بالكسر جعبة السهام. * الأصل: - وبهذا الإسناد، عن حفص قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة. ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات، ثم قال: يا [ أبا ] حفص إنها والله النخلة التي قال الله جل وعز لمريم (عليها السلام) * (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) *. * الشرح: قوله (يتخلل بساتين الكوفة) أي يدخل بينها وفي خلالها. (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) الهز الإمالة والتحريك بحذب ودفع والباء زائدة للتأكيد، و " تساقط " مجزوم بعد الأمر، وفاعله ضمير النخلة وأصله تتساقط أدغمت التاء الثانية في السين، ورطبا تميز، قال القاضي: روى أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء فهزتها فجعل الله تعالى لها رأسا وخوصا ورطبا، وتسليها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها وأن مثلها لا يتصور لمن ارتكب الفواحش والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل فقال وإنه ليس ببدع من شأنها. * الأصل: - حفص، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال عيسى (عليه السلام) اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليها وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها. * الشرح: قوله (اشتدت مؤونة الدنيا وموؤنة الآخرة) المؤونة الثقل وهي إما على وزن فعولة بفتح الفاء والجمع مؤونات مثل مقولة ومقولات أو على وزن فعلة بضم الفاء والجمع مؤن مثل غرفة وغرف. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يونس بن عمار قال سمعت:

[ 144 ]

أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر أو إلى من يخالفه على دينه فكأنما شكا الله عز وجل إلى عدو من أعداء الله، وأيما رجل مؤمن شكا حاجته وضره إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عز وجل. * الشرح: قوله (أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر..) مثله قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكا إلى الله ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله "، قيل: والوجه في ذلك أن المؤمن من حزب الله والشاكي إليه يجعله وسيلة يتوسل به إلى الله سبحانه والكافر من أعداء الله فالشكاية إليه شكاية عن الله حيث أظهر سره إلى عدوه، والأول محمود إلا عند المتوكلين، قال الله تعالى حكاية عن يعقوب: * (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) * وقال " تشتكي إلى الله " والثاني مذموم شرعا وعقلا. * الأصل: - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل أوحى إلى سليمان بن داود (عليهما السلام) أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها: الخرنوبة، قال: فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس فقال لها: ما اسمك ؟ قالت: الخرنوبة، قال: فولى سليمان مدبرا إلى محرابه فقام فيه متكئا على عصاه فقبض روحه من ساعته، قال: فجعلت الجن والإنس يخدمونه ويسعون في أمره كما كانوا وهم يظنون أنه حي لم يمت، يغدون ويروحون وهو قائم ثابت حتى دبت الأرضة من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان إلى الأرض أفلا تسمع لقوله عز وجل: * (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) *. * الشرح: قوله (إن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها الخرنوبة) الخروب بالتشديد وقد يفتح: شجرة برية ذات شوك وخمل كالتفاح لكنه بشع وشامية ذات خمل كالخيار شنبرا إلا أنه عريض وله رب وسويق، والخرنوب بالضم لغة فيه (وهو قائم ثابت حتى دبت الأرض) في بعض النسخ: دنت بالنون (من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان (عليه السلام) إلى الأرض) الأرضة بالتحريك دابة معروفة تأكل الخشبة والمنسأة كمكنسة العصا من نسأت البعير إذا طردته لأنه يطرد بها (أفلا تسمع لقوله عز وجل * (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) *) زعموا أنهم يعلمون الغيب وكانوا يدعونه عند الناس فأظهر الله تعالى كذبهم فإنهم لو علموا الغيب لعلموا موته حين وقوعه فلم يلبثوا بعده حولا في العذاب المهين.

[ 145 ]

* الأصل: - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد الله ان المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا وغطى رأسه بثوبه لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عز وجل: * (ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون) *. * الشرح: قوله (إن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا) أي حنى ظهره وعطفه وخفض رأسه وهكذا إشارة إلى صورة فعله ولعل صدور هذا الفعل منه لكمال عداوته إن كان قبل النهي عن دخول المشركين في المسجد، أو للخوف من النبي (صلى الله عليه وآله) إن كان بعده ثم هذا الفعل يمكن أن يكون قبل الهجرة وبعدها في طواف العمرة أو في حجة الوداع، والآية على التقادير مكية، وعلى الأخيرين يمكن أن يراد بالمشركين المنافقون كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولا يرد عليه ما أورده القاضي من أن هذا القول منظور فيه لأن الآية مكية والنفاق إنما حدث في المدينة فليتأمل (يعلم ما يسرون) من الشرك والعداوة والنفاق (وما يعلنون) من قبايح الأعمال وفضايح الأفعال والأقوال فيجزيهم على كل منهما. * الأصل: - ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية وخلق الرحمة قبل الغضب وخلق الخير قبل الشر (1) وخلق الأرض قبل السماء وخلق الحياة قبل الموت وخلق


(1) قوله " وخلق الخير قبل الشر " إشارة إلى قاعدة معروفة بإمكان الأشرف في فن المعقول. وكل شئ هو أشرف وأكمل لابد أن يكون أقرب إلى الله تعالى ولذلك يقولون أول ما خلق الله العقل لأن العقل أشرف مما ليس بعاقل، والروحانيون خلقوا قبل الجسمانيين لأنهم أشرف وهكذا ثم أن الغضب والمعصية والشر وأمثالها مجعولة بالعرض وما بالعرض مؤخر عما بالذات، والله تعالى خلق الناس وركب فهم أسباب الطاعة، ومنها أنه خلقهم مختارا وجعل فيهم الشهوة والغضب وهما من أسباب الطاعة أيضا فصرفهما العبد بمقتضى الاختيار في معصية الله تعالى ولم يجعل الله هذه الطبايع لمعصية الله تعالى بل للطاعة فصرفها إلى المعصية بالعرض. والاختيار مجعول في جبلة الناس لمصلحة بعناية الله تعالى وهو خير ذاتا، وصرفه إلى المعصية والشر بالعرض، وهذا مذهب الإلهيين، وأما الماديون والملاحدة فيعتقدون خلاف ذلك وهو أن الحياة متأخرة عن المواد الجامدة وإنما حصلت بتركيب العناصر والعقل متأخر عن الحياة المطلقة وإنما وجد في الإنسان بخاصية ومزاج في دماغه ولو لم يكن تركيب وجسم وعناصر لم يكن عقل، وبالجملة العقل والحياة عند هؤلاء عرض من أعراض الأجسام ولم يكن أول الخلقة عقل ولا حياة وكان الموت قبل الحياة والظلمة قبل = (*)

[ 146 ]

الشمس قبل القمر وخلق النور قبل الظلمة. * الشرح: قوله (إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية) كان المراد بالخلق التقدير دون (1) الإيجاد والتكوين لأن الإيجاد لا يصح في بعض المذكورات كالطاعة والمعصية عند أرباب العصمة (عليهم السلام) ولعل تعلق التقدير أولا بالأمور المقدمة باعتبار أنها أشرف، وهذا ظاهر في غير الأرض والسماء ويمكن أن يقال الأرض أيضا أشرف (2) من حيث إنها مهد للإنسان أحياء وأمواتا ومعبد للأنبياء والأوصياء والصلحاء وفيها معاشهم والسماء مخلوقة لأجلهم كما دل عليه ظاهر الآيات والروايات ثم الترتيب بين التقديرات المتقدمة وكذا بين التقديرات المتأخرة غير ظاهر ولا مستفاد من هذا الحديث لأن الواو لمطلق الجمع والتقديم الذكري غير مفيد. * الأصل: - عنه، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير وفي يوم الأحد والاثنين (3) خلق الأرضين، وخلق أقواتها في يوم


= النور وهكذا. (ش) (1) قوله " كان المراد بالخلق التقدير " قال المجلسي رحمه الله: خلق الطاعة أي قدرها قبل المعصية وتقديرها وكذا في الفقرتين بعدها. (ش) (2) قوله ويمكن أن يقال الأرض أيضا أشرف، وعلى هذا فيعم الكلام خلق الأشرف قبل غيره لأن السماء ليس شرا بل هي أشرف من وجه الأرض أشرف من وجه وقال الله تعالى: * (وفي السماء رزقكم وما توعدون) * ولولا شرفها بالنسبة لم يكن معراج النبي (صلى الله عليه وآله) فخرا له وشرفا ولم يكن الجنة في السماء ولم يمنع المعاندون من السماوات كما قال تعالى: * (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة) * ولعل المراد بالسماوات التي هي أشرف غير ما هو مؤخر في الخلق هنا فإن السماوات إطلاقات واختلفت الروايات وظاهر الآيات في خلق السماوات قبل الأرضين أو بعدها، والأمر سهل. (ش) (3) قال البيضاوي: أي في مقدار يومين أو بنوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، ولعل المراد بالأرض ما هو جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقهما في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا بها صارت أنواعا، انتهى. أقول: خلق الأرض والسماء وما فيها في ستة أيام مذكور في التوراة، والمقصود منه بيان حكمة تقسيم الأسبوع والحكم بتشريع يوم للراحة في كل سبعة أيام وكيف اختير هذا العدد في شرايع الأنبياء ولم يكن عند الفرس وغيرهم يوم في ترتيب الأعداد بل كان عيد العجم في كل يوم ينطبق اسمه مع اسم الشهر فقط كيوم فروردين في شهره ويوم خرداد في شهر خرداد. وكان لليهود سبت سنوي يعطلون المزارع والأراضي في كل سبع سنين سنة واحدة فذكر الله تعالى هذه المناسبة بأن الله تعالى خلق ما خلق في ست نوب فاعملوا أنتم في ستة أيام أو في ست سنين ورأى الله المصلحة في إبقاء هذا التقسيم في شريعة عيسى (عليه السلام) وشريعتنا فبقي الاسبوع = (*)

[ 147 ]

الثلاثاء، وخلق السماوات يوم الأربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قوله عز وجل: * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ايام) *. * الشرح: قوله (إن الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير) يمكن أن يراد بالخير هنا الجنة وبالشر النار، وقد فسر الخير والشر بهما بعض المحققين كما أشرنا إليه في شرح التوحيد، وأن يراد بالخلق هنا التكوين إذ لا مانع منه ويؤيده قوله * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) * إذ الظاهر من الخلق فيه التكوين والإيجاد (وفي الأحد والاثنين خلق الأرضين وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء..) لعل المراد بالقوت هنا كل ما ينتفع به ذو روح وإن اشتهر إطلاقه على ما يؤكل وبأقوات السماوات أسباب الأقوات المقدرة فيها لأهل الأرض كالمطر ونحوه والإضافة فيهما بتقدير " في " أو لأدنى ملابسة. لا يقال: أيام الأسبوع وأسماؤها إنما تحققت بعد خلق السماوات والأرضين فكيف تكون قبلها. لأنا نقول: هذه الأيام كانت في علم الله تعالى فنزل العلم منزلة المعلوم أو نزل الزمان الموهوم بمنزلة الموجود (1) فأجري عليه حكمه.


= والعمل ستة أيام وأن تغير يوم الراحة. وقال تعالى بعدد ذكر الخلق ستة أيام في سورة السجدة وكون خلق الأرض واقواتها في أربعة أيام * (سواء للسائلين) * وأن حفظ هذا الإصطلاح صلاح للناس كما في ساير الأمور، والعلماء وأصحاب الفنون متوافقون عليه مثلا قسموا الدائرة على ستين وثلاثمائة جزءا وسموه درجة وكان تقسيمه بغير هذا الطريق ممكنا لأنهم استحسنوه وحفظ من جاء بعدهم اصطلاحهم لئلا يتشوش الحسابات في الأدوار المختلفة ويفهم كل واحد ما قاله الآخر ولا يحتاج إلى الحسابات المعضلة في تقدير المقادير كما ترى في تطبيق الرطل والمن والصاع والدرهم على المقادير التي غيرها الناس في كل زمان، وقال الله تعالى * (سواء للسائلين) * إشارة إلى هذه المصلحة العامة وإلا فالذي يقابل الليل في العربي الفصيح الصريح هو النهار، ولذا لا ترى في القرآن الكريم في مقابلة الليل إلا لفظ النهار ففي كل موضع تجد الليل والنهار ولا تجد اليوم والنهار في موضع البتة وأما، اليوم فكثيرا ما يطلق على الوقت المطلق مثل: * (إن يوما عند ربك كألف سنة) * وكذلك يقال يوم الفجار أي أيام حرب الفجار ويوم داحس أي زمان هذه الحرب ودامت أربعين سنة وهكذا فسر * (فذكرهم بأيام الله) * أي الأوقات التي أنعم فيها على بني إسرائيل، وهكذا على ما ذكر أهل التفسير، وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى في ستة أيام أي في ستة أوقات وفي يومين أي في وقتين ابتداء الخلق وانقضاؤه. انتهى قوله (ش) (1) " نزل الزمان الموهوم بمنزلة الموجود ". أقول أما الزمان الموجود بمقتضى كلام الشارح فمتفرع على خلق السماوات والأرضين وأما الزمان المقدم عليه فهو موهوم، والمراد بالموهوم في اصطلاح أهل العلم ما ليس له حقيقة في الخارج وإنما يتصوره الإنسان في ذهنه مثل أن يفرض بين جسمين متصلين ألف فرسخ أو يتصور بين آخر النهار وأول الليل بعده ألف سنة وأما الذي لا يتوقف حقيقته على تصور الإنسان وهو ثابت محقق سواء تصوره أم لا فليس موهوما، مثلا بين الأرض والقمر ستون ألف فرسخ سواء علمه وتصوره أحد = (*)

[ 148 ]

* الأصل: - ابن محبوب، عن حنان، وعلي بن رئاب، عن زرارة قال: قلت له: قوله عز وجل: * (لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) * قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا زرارة إنه إنما صمد لك ولأصحابك فأما الآخرون فقد فرغ منهم. * الشرح: قوله (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) أي لأرصد لهم كما يرصد قطاع الطريق، للقافلة، والصراط المستقيم الإيمان ونصبه على الظرف (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) أي لآتينهم من جميع الجهات الممكنة وهي هذه الأربع لإضلالهم وإغوائهم بأي وجه يمكن من الماليات والفروج والآمال والأعمال والتدليسات وغير ذلك مما لا يحصى من طرق وساوسه كما يأتي قاطع الطريق القافلة من هذه الجهات، وعن ابن عباس من بين أيديهم من قبل الآخرة ومن خلفهم من قبل الدنيا، أو عن أيمانهم وعن شمائلهم من قبل الحسنات والسيئات، وقيل: لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش، والحق أنه لم يقلهما جريا على المعتاد من إتيان العدو على عدوه. (فقال أبو جعفر عليه السلام يا زرارة إنما صمد لك ولأصحابك) يعني أن اللعين قصد بذلك


= أو لم يتصوره، وهذا أمر حقيقي واقعي وإن كان الفضاء خاليا باعتقاد أهل عصرنا وليس موهوما، كذلك بين مبدأ تاريخ النصارى والهجرة النبوية الشريفة 622 سنة في الواقع سواء تصوره أحد أم لم يتصوره، والموهوم أن يتصور بينهما يوما واحدا أو ألف سنة خلاف الواقع وإلا لم يكن فرق بين الحقيقي والموهوم، هذا وأما أكثر العوام فيعتقدون الزمان شيئا موجودا بذاته لا يمكن فرض عدمه عندهم كما يعتقدون الفضاء الخالي كذلك فهم قائلون بنوع من تثليث الواجب: الأول هو الله تعالى الحي القيوم خالق كل شئ. الثاني الفضاء والمكان الخالي فيعتقدون أنه كان موجودا بذاته وإنما خلق ساير الأشياء وجعلت فيه. الثالث الزمان هو أيضا كان موجودا قبل خلق الأشياء وهذا رأي بعض الفلاسفة القدماء وبعض أهل الدين والمتشرعين مع اتفاقهم معهم في المعنى يعتذرون بأن المكان والزمان موهومان وإذا تكلمت معهم واستخرجت دخلة رأيهم وجدتهم لا يلتزمون بموهوميتهما بل يرونهما أمرا حقيقيا سواء تصور أحد معناهما أم لا ويقدرونهما بالمقادير الحقيقية، وأما الفلاسفة فقد اختلفوا في أمر المكان والزمان جدا ونقل أقوالهم في الشفاء ولا فائدة في نقلها، وقال المجلسي رحمه الله في فوائد الحديث: إن الزمان ليس بمقدار حركة الفلك كما زعمت الفلاسفة وهو أعلم بما قال فإنا لا نعلم من الفلاسفة إلا الاختلاف، وما ذكره قول بعضهم، ورد عليه أبو البركات، وهو منهم، بما هو أضعف من كل رأي وقال بعضهم: الوجود بنفسه سائل متحرك وليس هنا موضع تحقيق هذه الأمور (ش). (*)

[ 149 ]

الشيعة ويؤيده قعوده على الصراط المستقيم والمخالفون خارجون عنهم فلا يكون قعوده لهم (فأما الآخرون فقد فرغ منهم) لأنه أخرجهم عن الدين فلا يبالي بأعمالهم التي تصير في الآخرة هباء منثورا. * الأصل: - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر ابن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن بدر بن الوليد الخثعمي قال: دخل يحيى بن سابور على أبي عبد الله (عليه السلام) ليودعه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما والله إنكم لعلى الحق وإن من خالفكم لعلى غير الحق، والله ما أشك لكم في الجنة وإني لأرجو أن يقر الله لأعينكم عن قريب. * الشرح: قوله (وإني لأرجو أن يقر الله بأعينكم إلى قريب) أي يبرد الله دمعة أعينكم وهو كناية عن الفرح والسرور لأن دمعتهما باردة، ولعل المراد به ظهور الصاحب أو ظهور منازلهم في الجنة عند الاحتضار. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت: جعلت فداك أرأيت: الراد علي هذا الأمر فهو كالراد عليكم ؟ فقال: يا أبا محمد من رد عليك هذا الأمر فهو كالراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى الله تبارك وتعالى، يا أبا محمد إن الميت [ منكم ] على هذا الأمر شهيد، قال: قلت: وإن مات على فراشه ؟ قال: أي والله وإن مات على فراشه حي عند ربه يرزق. * الشرح: قوله (يا أبا محمد إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد) أي مشهود له بالجنة وهو أحد الوجوه في تسمية الشهيد شهيدا، أو المراد أن له ثواب الشهداء وهذا هو الأظهر بالنظر إلى قوله (وإن مات على فراشه) وإلى قوله (حي عند ربه يرزق) فإنه إشارة إلى قوله تعالى * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) * لأن هذه الفضيلة مختصة بالشهداء والأحاديث على ذلك كثيرة، منها ما سيأتي، ومنها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): " ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم [ يعني الجهاد ] فإن من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا وقع أجره على الله واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله وقامت البينة مقام إسلاله لسيفه " قال بعض المحققين: هذا بيان لحكمهم في زمان عدم قيام إمام الحق لطلب الأمر وتنبيه لهم على ثمرة الصبر وهو ان من مات منهم على معرفة الحقوق المذكورة والاعتراف بها وقصد الاقتداء بأئمة الحق لحق بدرجة الشهداء ووقع أجره على الله بذلك واستحق

[ 150 ]

الثواب منه على ما أتى به من الأعمال والصبر على المكاره من الأعداء وقامت نيته أنه من أنصار الإمام لو قام لطلب الأمر وأنه معينه مقام تجرده بسيفه معه في استحقاق الأجر. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن حبيب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم وإن الناس سلكوا سبلا شتى فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية إنكم أخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره. * الشرح: قوله (أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم) أراد به ما يفهم عرفا وهو حصر محبته على الشيعة لا أن محبتهم زائدة على محبة غيرهم. (وإن الناس) وهم المخالفون (سلكوا سبلا شتى) أي مشتتة متفرقة لأن طرق الضلالة متكثرة (فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية) الرأي: العقل والتدبير أي أخذ أمور دينه بعقله وتدبيره وظنه وتقديره حتى كأنه واضع لها، والهوى بالقصر: مصدر هويته من باب علم إذا أحببته وعلقت به ثم أطلق على ميل النفس إلى الشئ مطلقا، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال فلان اتبع هواه وهو من أهل الأهواء أي اتبع مخاطرات نفسه الأمارة بالسوء كالقياس ونحوه مما ليس دليلا على الحكم الشرعي ويجعله دليلا عليه وبذلك يحلل حراما ويحرم حلالا فيخترع دينا آخر. والمراد بالرواية الرواية المنقولة عن أهل الفسق والجور كأبي هريرة وأضرابه. (وإنكم أخذتم بأمر له أصل) لعل المراد بالأمر الدين وبالأصل الإمام المنصوب من قبل الله تعالى وقبل رسوله ويمكن أن يراد بالأمر ولاية الأئمة عليهم السلام وبالأصل النص بها (فعليكم بالورع) عن المحرمات (والاجتهاد) في الطاعات وفيه ترغيب في تكميل القوة النظرية والعملية (واشهدوا الجنايز وعودوا المرضى) الظاهر شمولهما لجنايزهم ومرضاهم أيضا (واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة) معهم في صورة الجماعة ظاهرا وان تحقق الانفراد باطنا كما دل عليه بعض الروايات، مع الترغيب بأنه يخرج مع ثواب صلاتهم. (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره) أمر بحسن الجوار ورعاية حقوق المجاورة وذلك بالكف عن أذاه والإحسان إليه والصفح عنه وفعل ما فيه رضاه وقد مر تفصيلا. * الأصل: - عنه، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا مالك أما ترضون

[ 151 ]

أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة ؟ يا مالك إنه ليس من قوم ائتموا بإمام في الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلا أنتم ومن كان على مثل حالكم، يا مالك إن الميت والله منكم على هذا الأمر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله. * الشرح: قوله (وتكفوا وتدخلوا الجنة) أي تكفوا ألسنتكم عن الأقوال الفاسدة وأنفسكم عن الأفعال الباطلة، وفيه حث على لزوم الصالحات لأنها الصراط المستقيم للجنة. * الأصل: - يحيى الحلبي، عن بشير الكناسي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وصلتم وقطع الناس، وأحببتم وأبغض الناس وعرفتم وأنكر الناس وهو الحق إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله) عبدا قبل أن يتخذه نبيا وإن عليا (عليه السلام) كان عبدا ناصحا لله عز وجل فنصحه وأحب الله عز وجل فأحبه، إن حقنا في كتاب الله بين، لناصفو الأموال ولنا الأنفال وإنا قوم فرض الله عز وجل طاعتنا وإنكم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، عليكم بالطاعة فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام)، ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي فأرسلتا إلى أبويهما فلما جاءا أعرض بوجهه ثم قال: ادعوا لي خليلي، فقالا: قد رآنا لو أرادنا لكلمنا، فأرسلتا إلى علي (عليه السلام) فلما جاء أكب عليه يحدثه ويحدثه حتى إذا فرغ لقياه، فقالا: ما حدثك ؟ فقال: حدثني بألف باب من العلم يفتح كل باب إلى ألف باب. * الشرح: قوله (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول) في مدح الشيعة وذم المخالفين (وصلتم) بالإمام الحق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) (وقطع الناس) عنه (وأحببتم) أي الرسول وعترته والإمام المنصوب بعده من قبله (وأبغض الناس) إياهم (وعرفتم) حق الإمام ووجوب التسليم له (وأنكر الناس) جميع ذلك. (وهو الحق) لعل المراد أن كل واحد من الوصل والحب والمعرفة الحق الثابت لكم في العهد الأول أو أنه تعالى هو الحق يحكم بينكم وبينهم. (إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله) عبدا) موفيا لأداء العبودية وحقوقها (قبل أن يتخذه نبيا) لعل الغرض منه هو التنبيه على أن العبودية هي الأصل المطلوب من كل أحد ولا يتحقق مع إنكار شئ من الحقوق والولاية أعظمها. (وإن عليا (عليه السلام) كان عبدا ناصحا لله عز وجل فنصحه) نصحه لله تسديد حقوقه وحقوق رسوله وحقوق المسلمين، ونصحه تعالى له هو الأمر بحفظ شرائعه ومواعظه ونصايحه وأوامره ونواهيه وغير ذلك مما جاء به الرسول (وأحب الله عز وجل فأحبه) حقيقة محبة العبد له وبالعكس أمر

[ 152 ]

يعرف ولا يعرف وقد يعرف الأول بأنها القيام بوظائف الطاعات والإتيان بأنواع القربات والاشتغال به عن جميع الأغيار والتسليم له في جميع الأحوال، والثانية بأنها اجلاسه في بساط القرب والعز والسعادة وإهداؤه آنا فآنا أنواعا من التفضل والإحسان والكرامة، وهذا تعريف لهما بشئ من آثارهما. (إن حقنا في كتاب الله) كما دلت عليه آية ذوي القربى وغيرها وقد مر مشروحا بينا (لنا صفو الأموال ولنا الأنفال) مر مشروحا في آخر كتاب الحجة (وإنا قوم فرض الله عز وجل طاعتنا) على العباد كلهم في آية * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وغيرها مما ذكر مشروحا في كتاب الحجة وغيره (وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية) أي مات ميتة كفر وضلال ونفاق، وهذا الحديث متفق عليه بين الأمة ولهم تأويلات ركيكة فاسدة بينا فسادها في شرح كتاب الحجة. (عليكم بالطاعة) أي بطاعة علي (عليه السلام) أو مطلقا (فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام)) هم الذين تشرفوا بصحبته أو الخواص من شيعته مطلقا والمراد بالرؤية الرؤية القلبية وهي العلم بأحوالهم من الورع والتقوى والاجتهاد في الأعمال الصالحة فعليكم الأسوة بهم. (ادعوا لي خليلي) هو الصديق وصاحب السر (ثم قال ادعوا لي خليلي فقالا قد رآنا) فيه اختصار أي فأرسلتا إلى أبويهما فقالا أو قال (صلى الله عليه وآله) هو علي (عليه السلام) إلا أن الحسد والعداوة وحب الدنيا حملتهما على ما صنعتا. (فقال حدثني بألف باب من العلم يفتح كل باب إلي ألف باب) حقيقة علوم هذه الأبواب أعني ألف ألف باب وحقيقة تفاصيلها وتفاصيل الجزئيات المندرجة فيها لا يعلم إلا الله ورسوله وأوصياء رسوله، ثم هذا التحديث والتعليم والتعلم لم يكن في صور جزئية كما هو المعروف فينا بل لصفاء نفسه القدسية على طول صحبته حين كان طفلا إلى أن توفي الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى استعدت للانتقاش بالعلوم الإلهية والأمور الغيبية والصور الكلية والجزئية دفعة واحدة كما تنتقش الصور في المرآة عند محاذاتها، قال الغزالي في رسالة العلم اللدني: قال علي أمير المؤمنين: " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب ". * الأصل: - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن موسى بن عمر بن بزيع قال: قلت للرضا (عليه السلام): إن الناس رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره، فهكذا كان يفعل ؟ قال: فقال: نعم فأنا أفعله كثيرا فافعله، ثم قال لي: أما إنه أرزق لك. * الشرح: قوله (ثم قال لي أما إنه أرزق لك) أما لأنه تعالى جعل الرجوع على هذا النحو سببا لزيادة

[ 153 ]

الرزق بالخاصية أو جعل لكل قطعة من الأرض بركة وسببا لرزق عباده فربما يكون في طريق آخر بركة لم تكن في الأول أو لأن الأرض تفرح بمشي المؤمن على ظهرها فيدعو له الطريق الآخر في الخير والبركة والزيادة كما دعا له الأول فيوجب له زيادة الرزق أو لأن الراجع قد يجد في الآخر من الرزق ما لم يوجد في الأول. * الأصل: - سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه فأسأله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات فقال لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم، لا تذيعن عليه شيئا تشينه به، وتهدم به مروءته فتكون من الذين قال الله في كتابه * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) *. * الشرح: قوله (يا أبا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك) نظيره ما روي من طريق العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال " رأى عيسى بن مريم (عليه السلام) رجلا يسرق فقال له عيسى سرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت نفسي " (فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدقه وكذبهم) القسامة بالفتح الأيمان، وهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمون قسامة أيضا، والمقصود أنه إن شهد عندك خمسون رجلا مع حلفهم بالله أن مؤمنا فعل كذا وقال كذا وقال لك ذلك المؤمن إني لم أفعله أو لم أقله فصدقه وكذبهم، ولعل المراد بتصديقه تصديقه ظاهرا والإغماض عنه وعدم المؤاخذة به والإذاعة عليه لا الحكم بأنه صادق في نفس الأمر لأنه قد يحصل العلم بخلاف ذلك بتلك الشهود خصوصا مع إيمانهم أو بالإبصار أو بالاستماع منه، والحاصل أنه إن صدرت من المؤمن بالنسبة إليك مثلا زلات واغتياب أو غير ذلك مما تكرهه ثم اعتذر إليك فاقبل عذره أو انكر فصدقه، وإن شهد لك شهود ثقات مع إيمان مغلظة شفقة له وتقربا من الله وأما إن صدرت منه بالنسبة إلى الله تعالى أو إلى أحد غيرك فربما وجب عليك أداء الشهادة عليه عند الحاكم وإن لم يجز لك تغييره وإذاعة عثراته بين الناس، وإن شئت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في باب الغيبة وباب من طلب عثرات المؤمن وباب الرواية عليه وباب التعبير من كتاب الكفر والإيمان (لا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته) الإذاعة: الإفشاء والشين خلاف الزين، شأنه من باب باع عابه وعيره، والإذاعة حرام الا ما استثنى. (فيكون من الذين قال الله في كتابه * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) *) الفاحشة ما وقع النهي عنه مطلقا وقد تخص بما يشتد قبحه.

[ 154 ]

قال بعض المحققين: الوعيد في إذاعة فاحشة من لم يعرف بأذاية ولا فساد في الإرض. وأما المعصية الحاضرة فوجبت المبادرة إلى النصيحة والإنكار والمنع منها لمن قدر عليه وليس هذا اذاعة. ويجوز كشف معصية المولع بها إذا سترت غير مرة فلم ينزجر لأن سترها معاونة عليها. ومعصية المعلن بها بل غير المعلن أيضا إذا احنيج الى أداء الشهادة وذكر العيوب الظاهرة كالعمى والعرج ونحوهما للتعريف لا للتعيير، وجرح الشاهدين والرواة والأمناء على الأوقات والصدقات بذكر معاصيهم عند الحاجة إليه لأنه يترتب عليه أحكام شرعية ويجوز رفعه الى الحاكم إذا كان القصد رفع المعصية لا كشف الستر والإذاعة، والله أعلم.

[ 155 ]

حديث من ولد في الاسلام * الأصل: 126 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن زيد، عن عبد ربه بن رافع، عن الحجاب بن موسى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من ولد في الاسلام حرا فهو عربي ومن كان له عهد فخفر في عهده فهو مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن دخل في الاسلام طوعا فهو مهاجر. * الشرح: قوله (حديث من ولد في الاسلام) المراد بالإسلام الإيمان، ويذكر فيه نسب من تولد فيه. (من ولد في الاسلام حرا فهو عربي) لعل المراد بالعرب محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لانه سيد العرب، والنسب صوري ومعنوي، وبعبارة أخرى جسماني وروحاني، والمراد بهذا النسب المعنوي الروحاني وسيجئ أن النسب الذي يصلح للتفاخر به هو الاسلام. (ومن كان له عهد) مع النبي (صلى الله عليه وآله) وأئمة المؤمنين (فخفر في عهده) أي وفى به يقال خفر بالعهد خفارة من باب ضرب إذا وفى به وأخفره إخفارا نقضه، والهمزة للسلب (فهو مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)). في المصباح: المولى: الحليف وهو المعاهد، ويقال منها تحالفا إذا تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدا في النصرة والحماية، والمولى أيضا: الناصر من الولاية بالفتح والكسر وهي النصرة. (ومن دخل في الإسلام طوعا فهو مهاجر) لأنه هاجر من الكفر إلى الإسلام، وهل ينصرف النذر أو الوقف مثلا الى من صدق عليه المفهوم المصطلح من هؤلاء عند الاطلاق ام لا ؟ لم أجد له مستندا ولا قولا للأصحاب، وهو محل تأمل. * الأصل: 127 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة في الدنيا: من أصبح وأمسى معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة، وهو الإسلام. * الشرح: قوله (من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة) في الدنيا لأن نعمة الدنيا هي رفاهية العيش، ومن كانت له هذه الثلاثة فهو مرفه في كل يوم من أيام عمره، وفيه حث علي شكر هذه النعماء وزجر عن هم قوت غد، لأن الغد ليس من عمرك كالأمس وإنما عمرك هو اليوم الذي

[ 156 ]

أنت فيه، والغد داخل في هذه الثلاثة إن عشت فيه. (من أصبح وأمسى معافى في بدنه) أي صحيحا من غير علة (آمنا في سربه) يقال: فلان آمن في سربه - بالكسر - أي في نفسه، وفلان واسع السرب أي رخي البال، ويروى بالفتح وهو المسلك والطريق، يقال: خل له سربه - بالفتح - أي طريقه، والمقصود أنه آمن في نفسه وعرضه وماله أو في طريقه يذهب حيث يشاء لا يتعدى عليه أحد ولا يمنعه ولا يظلمه (وعنده قوت يومه) له ولعياله بقدر الكفاف. * الأصل: 128 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (عن أبيه (عليه السلام)) أنه قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال: أيها الرجل تحتقر الكلام وتستصغره، اعلم أن الله عز وجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فضة ولكن بعثها بالكلام وإنما عرف الله جل وعز نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والأعلام. * الشرح: قوله (قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال أيها الرجل تحتفر الكلام وتستصغره) لماأكثر الرجل الكلام بما لا نفع فيه كأنه أهجر به وزعم أنه سهل ولم يعلم أن الكلام من الأعمال فإن كان صالحا يوجب المدح والثواب وان كان باطلا يوجب الذم والعقاب فلذلك ذمه (عليه السلام) ومنعه عن العود لمثله. (اعلم أن الله عزوجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فصة) خصهما بالذكر لأنهما عند أهل الدنيا أعظم متاعها (ولكن بعثها بالكلام) المراد به الكتب السماوية، أو الأعم منها ومما يتكلم به الرسل بالوحي من أحوال المبدأ والمعاد والأحكام والمواعظ والنصايح النافعة في الدنيا والآخرة. (وإنما عرف الله نفسه الى خلقه بالكلام والدلالات عليه والاعلام) لعل المراد بهذا الكلام أسماؤه تعالى كما مر في كتاب التوحيد أنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، أو الأعم منه ومما أوحى الى رسله من أمر توحيده وصفاته الذاتية والفعلية بواسطة أو بدونها كما قال لموسى (عليه السلام) * (أنا الله لا اله إلا أنا) * والمراد بالدلالات اللفظية والكلامية أو الأعم منها ومن الآثار وبالأعلام أعلام الاهتداء به مثل الرسل والحجج عليهم السلام أو المعجزات وفيه تنبيه على عظ مة شأن الكلام وعلى أنه ينبغي أن لا يتكلم الرجل إلا بأمر الدين أو بما هو ضروري من أمر الدنيا ويترك اللغو المباح وغيره، وقد مر في باب الصمت في كتاب الكفر والإيمان توضيح ذلك مفصلا.

[ 157 ]

* الأصل: 129 - وبهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله جل وعز خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه فيه وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار السفلى فخرت وزخرت وقالت: أي شئ يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ثم قال: إن الأرض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلت الأرض واستقرت، ثم إن الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال وذلت، ثم إن الحديد فخرت على الجبال وقال: أي شئ يغلبني ؟ فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت وقالت: أي شي يغلبني ؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت، ثم إن الماء فخر وزخر وقال: أي شي بغلبني ؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره وحبسه عن مجاريه فذل الماء، ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها وقالت: أي شئ يغلبني ؟ فخلق الإنسان فبنى واحتال واتخذ ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الإنسان طغى وقال: من أشد مني قوة ؟ فخلق له الموت فقهره فذل الإنسان، ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عزوجل: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار ثم لااحييك أبدا فترجى أو تخاف، وقال أيضا: والحلم يغلب الغضب، والرحمة تغلب السخط، والصدقة تغلب الخطيئة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أشبه هذا مما قد يغلب غيره. * الشرح: قوله (وبهذا الاسناد قال) أي أبو عبد الله (عليه السلام) (قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله عز وجل خلقا إلا وقد أمر عليه آخر) أمره عليه تأميرا إذا جعله أميرا (يغلبه فيه) أي في أمره (وذلك أن الله تعالى لما خلق البحار السفلى) هي البحار التي على مركز العالم والعليا هي التي في السماء كما دل عليه بعض الروايات والشعب المنقطعة من السفلى على وجه الأرض (فخرت وزخرت) الفخر والافتخار: المباهاة بالقوة والشدة والعظمة وغيرها من المناقب، والزخور: المد والاستعلاء والارتفاع، يقال: زخر البحر أي مد وكثر ماؤه، وعلا وارتفعت أمواجه (وقالت أي شئ يغلبني) هذا القول منها ومن مثلها إما بلسان الحال أو بلسان المقال إذ لا يبعد من القدرة الإلهيه أن يخلق النطق فيها (فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت) سطحه كمنعه بسطه وصرعه وأضجعه، ولعل الغرض من هذا الكلام بيان أن كل قوى غيره تعالى ضعيف، وكل غالب غيره مغلوب، وأن الكبر والافتخار في الممكن سبب لذله. (ثم قال: إن الأرض فخرت) لما رأت من قوتها وغلبتها على البحار (وقالت أي شئ يغلبني)

[ 158 ]

ظنا منها أن لا شئ أقوى وأرفع منها كما يظن ذلك كل متكبر فخور. (فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها) دل على أن الأرض خلقت أولا نقية خالية عن التلال والوهاد والجبال كما دلت عليه أيضا روايات أخر. (أوتادا من أن تميدبما عليها) ما د يميد ميدا إذا تحرك واضطرب ومال كالسفينة الخالية على وجه الماء (فشمخت واستطالت) شمخ الجبل: علا وطال ومنه الرجل الشامخ وهو الرافع أنفه عزا أو العطف للتفسير، أو من باب ذكر الخاص بعد العام لأن الفعل بعد الطلب أقوى منه بلا طلب، (ثم إن النار زفرت وشهقت وفخرت) زفرت النار إذا سمع لتوقدها صوت، وأصل الزفير إخراج الحمار نفسه بعد مده إياه، وشهقت إذا صوتت أو ارتفعت لهباتها، ومنه الشاهق وهو المرتفع. (ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها) عصفت الريح: اشتدت وأرخت أذيالها إذا مرت على وجه الارض، وفيه تنبيه على كمال شدتها وحركتها من سطح الأرض إلى جو السماء مع الإشارة بإرخاء الأذيال إلى تكبرها وتفاخرها لأنه كان شأن المتكبرين من العرب. (ثم إن الإنسان طغى وقال من أشد مني قوة فخلق الله له الموت فقهره فذل الإنسان) أسباب مذلة الإنسان كثيرة غير محصورة وإنما ذكر الموت لأنه أعظمها، ومن العجايب أنهم مع اتصافهم بأنواع من المصايب الدالة على مسكنتهم وعجزهم وذلهم يدعون التكبر الذي من أخص صفاته تعالى ومن ادعى الشركة معه في أخص صفاته فقد ادعى أنه شريك له. (ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله تعالى: لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين أهل الجنة وأهل النار ثم لا أحييك أبدا فترجى أو تخاف) فيرجوك أهل النار ليتخلصوا من عذابهم أو يخاف منك أهل الجنة خوفا من زوال ماهم عليه من نعيمها، والذبح يحتمل أن يراد به الحقيقة وأن يكون كناية عن إزالته وإفنائه، قيل: إذا استقر الخلائق يوم القيامة في منازلهم أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يؤتى بالموت على صورة كبش يوقف بين الجنة والنار وينادي مناد يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. فيذبح حينئذ. ويقال: يا أهل الجنة ويا أهل النار خلودكم في منازلكم بلا انتهاء ولا موت فيحصل بذلك لأهل الجنة غاية السرور، ولأهل النار نهاية الحسرة والألم، كما يدل عليه قوله تعالى * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) * قال بعض المفسرين إذا قضي الأمر وهو ذبح الموت وقع أهل النار في الحسرة والندامة ولا ينفعهم ذلك. أقول: ذبح الموت متفق عليه بين الخاصة والعامة، روى مسلم بإسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح يتوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون

[ 159 ]

هذا ؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يا أهل الجنة خلود فلاموت ويا أهل النار خلود فلاموت، قال: ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) * وأشار به الى الدنيا. قال عياض وابن الأعرابي: الأملح النقي من البياض، وقال الكسائي: هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، وقال صاحب معارج النبوة: كبش أملح " غوچي كه خاكستر گون است "، قال بعض أهل المعاني: اختلاف اللونين يحتمل أنه لاختلاف الحالين فالبياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم، والسواد لأهل النار الذين اسودت وجوههم. وقال محيي الدين: قال الهروي: وأشرب النفاق معناه: ظهر وعلا، وكل رافع رأسه شريب، وقال محيي الدين: الموت عرض لأنه ضد الحياة، وقال بعض المعتزلة: ليس بمعنى وإنما هو عدم الحياة وهو خطأ لقوله تعالى: * (خلق الموت والحياة) * وغيره من الأدلة، وعلى المذهبين - وإن كان الثاني خطأ - فليس الموت بجسم يقع فيه الذبح فيتأول الحديث على أنه تعالى يخلق هذا الاسم ثم يذبح مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة، انتهى كلامه، وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث يستحيل لأن الموت إما عرض أو أمر عدمي، وعلى الوجهين يستحيل أن ينقلب كبشا لأن انقلاب الأجناس محال، وتأول بوجهين أحدهما أن يخلق الله تعالى كبشا ويخلق فيه الموت فإذا رأوه عرفوه ثم يفعل الله سبحانه فيه فعلا يشبه الذبح ويعدمه، ذلك الفعل حتى يأمل أهل الجنة فيزدادوا سرورا وييأس أهل النار فيزدادوا حزنا، والثاني أنه تمثيل بعدم الموت لأن الموت لما عدم في حق أهل الدارين صار بمنزلة الكبش الذي ذبح، وهذا فيه بعد، والصواب الأول. انتهى كلامه، وقال الآبي: والأظهر أنه تمثيل، انتهى. أقول: لا يبعد حمله على ظاهره لأن ما هو عرض في هذا العالم لا يبعد أن يكون قائما بذاته مصورا بصورة في العالم الآخر بالنسبة الى القدرة القاهرة، وقد قال الآبي: إن القرآن يصور بصورة إنسان في الآخرة: القرآن يصور بصورة ويجئ بها يوم القيامة ويراها الناس كما تجعل الأعمال صورا وتوضع في الميزان ويقع فيها الوزن، والقدرة صالحة لإيجاد كل ممكن، والإيمان به واجب، هذا كلامه بعينه فليتأمل. * الأصل: 130 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يارسول الله أوصني، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك حتى قال له ذاك ثلاثا وفي كلها يقول له الرجل نعم يا رسول الله فقال له رسول الله فقال له رسول

[ 160 ]

الله (صلى الله عليه وآله): فأني اصيك: إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن يك رشدا فامضه وإن يك غيا فانته عنه. * الشرح: قوله (فهل أنت مستوص) أي طالب للوصية قابل لها، وفي كنز اللغة: " استيصاء: اندرز پذيرفتن ونيكو داشتن واندرز كردن " والأول هو المراد هنا. (إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته) دبر كل أمر وعاقبته آخره، والتدبر فيه النظر في آخره. وهذا اللفط وجيز جامع في النصيحة. وإن من فعل أمرا بالتدبر فيه لا يتوجه إليه عقوبة ولوم في الدنيا والآخرة. * الأصل: 131 - وبهذا الإسناد أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ارحموا عزيرا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال. * الشرح: قوله (ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال) رحمته رحما بضم الراء ورحمتة ومرحمة إذا رققت له وحننت عليه وعطفت عليه وانما أمر برحمة هؤلاء لأن كل واحد فقد نعمة جليلة ودخل في صعوبة شديدة وبلية عظيمة فهو محل الترحم، وفيه ترغيب في رعايتهم وجبر أحوالهم. * الأصل: 132 - وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأصحابه يوما: لا تطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودتة ولا توقفوه على سيئة يخضع لها فإنها ليست من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا من أخلاق أوليائه. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن خير ما ورث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال، فان المال يذهب والأدب يبقى، قال مسعدة: يعنى بالأدب العلم. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أجلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لأدبك لتستعين به على يوم موتك، فقيل له: وما تلك الاستعانة ؟ قال: تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه. قال: وكتب أبو عبد الله (عليه السلام) إلى الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون، والسعيد يتعظ بموعظة التقوى وإن كان يراد بالموعظة غيره. * الشرح: قوله (لاتطعنوا في عيوب من أقبل إليكم بمودته) طعن فيه وعليه بالقول: من باب قتل، ومن

[ 161 ]

باب منع لغة: دخل فيه وعتب وعير أي لا تدخلوا في عيوب الناس وأعراضهم ولا تعيروهم بها ولا تفشوها، خصوصا من أقبل اليكم وأظهر مودته وأخلص لكم محبته وصداقته فإن الطعن في عيوبه يوجب العداوة وزوال المودة وانقطاع المحبة وتبدد النظام والبقاء بلا صديق وفي كل ذلك فساد عظيم ولأن تعييره بالعيب تعيير على الله تعالى وإلقاء المجبنة عليه، ولا فرق في العيوب بين أن تكون خلقية أو خلقية متعلقة بالأخلاق مثل الجهل والحقد والحسد بالغير ونحوها، أو عملية متعلقة بأعمال الجوارح، نعم لابد في الأخيرتين من النصح والموعظة الحسنة كناية أو صريحا في الخلق ولا يجوز التعيير على حال كما أشار إليه بقوله (ولا توقفوه على سيئة يخضع لها...) أي لا تسكنوه ولا تقيموه على سيئة فيذل لأجلها عند الله وعند الرسول والأولياء بل ادفعوه عنها وامنعوه منها بالنصح والوعظ فإن السيئة صفة ذميمة ليست من أخلاق الرسول وأوليائه فتجب الأسوة بهم والدخول في زمرتهم ويحتمل أن يراد بالإيقاف الاطلاع، يقال: أوقفه على كذا إذا أطلعه عليه. (قال مسعدة: يعنى بالأدب: العلم) أريد به العلم النافع في الآخرة وهو علم الدين ومقدماتة وإنما سمي أدبا لأنه يأدب أي يدعو الى مفاخر الدارين ولأنه نور به يهتدي كل عضو إلى ما هو مطلوب منه من الآداب فإن أدب البصر النظر الى ما يجوز وصرفه عما لا يجوز وأدب اللسان التكلم في موضعه المطلوب شرعا وترك التكلم في غيره وإن كان صادقا فكيف إذا كان كاذبا وقس عليهما البواقي. (قال تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه) في كنز اللغة: " تخليف: واپس گذاشتن، واحكام استوار كردن ومحكم ساختن "، والموصول شامل لمصالح الدنيا والآخرة، وحسن تدبيرها لا يتحقق بدون العلم والأدب، ومن الاستعانة ما نقل عن بعض أهل العلم أنه قال حين احتضر: جاء الخبيث وألقى علي الشبهات والوساوس فأجبت واحدة واحدة حتى أسكته فعلمت أن العلم نفعني حيا وميتا. (أما بعد فإن المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون) السعادة وهي قرب الحق والنجاة من أهوال الآخرة إنما يحصل بالإيمان والمواقفة بين القلب واللسان وخلوص عمل الجوارح والأركان، والمنافق لفساد قلبه ونقصان عقله وعدم التدبر في عاقبة أمره لا يرغب في شئ منها. (والسعيد يتعظ بموعظة التقوى) السعيد وهو الذي يرغب فيما ذكر لصفاء قلبه وكمال عقله وحسن تدبره في مآل أمره يتعظ أي يأتمر ويكف نفسه عما كرهه الله تعالى بموعظة التقوى وهي الكلام الحامل على طاعة الله تعالى الزاجر عن مخالفته على وجه يرق له القلب، والاضافة لامية من قبيل إضافة السبب الى المسبب. (وإن كان يراد بالموعظة غيره) قد اشتهر في الأخبار أن السعيد من اتعظ بغيره، قيل: صار هذا بمنزلة المثل، والمعنى أن السعيد في الدنيا والآخرة من اعتبر حال غيره ويشاهد بعين بصيرته

[ 162 ]

حاله كحاله ويصرف موعظته الى نفسه فيتعظ منها. * الأصل: 133 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن على بن أسباط قال: أخبرني بعض أصحابنا عن محمد ابن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن مسلم الناس أهل رياء غيركم وذلك أنكم أخفيتكم ما يحب الله عز وجل وأظهرتم ما يحب الناس والناس أظهروا ما يسخط الله عز وجل وأخفوا ما يحبه الله، يا ابن مسلم إن الله تبارك وتعالى رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم عن الأشربة (الأسرية خ ل). * الشرح: قوله (قاله أبو جعفر (عليه السلام): يا ابن مسلم الناس أهل رياء غيركم وذلك أنكم أخفيتم ما يحب الله وأظهرتم ما يحب الناس، والناس أظهروا ما يسخط الله عزوجل وأخفو ما يحب الله) أشار (عليه السلام) بذلك الى حقيقة الإيمان والنفاق وأن الإيمان أمر قلبي هو الإيقان بالله وبرسوله والولاية وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله، وأن التقية دين الله. فإن قلت: نحن أخفينا ما يحب الله وأظهرنا ما يحب الناس وهو ما يكرهه الله ويسخط وهم أيضا أخفوا ما يحب الله وأظهروا ما يسخطه، فما الفرق بينا وبينهم وبين الإخفائين وبين الإظهارين ؟. قلت الفرق بين الإخفائين أن إخفاء الإيمان أعم من وجوده وعدمه بناء على أن السلب قد يكون باعتبار وجود الموضوع وقد يكون باعتبار عدمه، فإخفاؤه باعتبار وجود الايمان وإخفاؤهم باعتبار عدمه وبين الإظهارين أنا أظهرنا ما يحب الناس ويحبه الله أيضا لأنه وقع تقية والتقية دين الله أحبها لدفع الشدائد عن عباده، وهم أظهروا ما يسخط الله ظاهرا وفي نفس الأمر، والله أعلم. (يا ابن مسلم إن الله تبارك وتعالى رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم من الأسرية) كأن الياء للنسبة إلى الأسير والتاء باعتبار تأنيث الموصوف وهي الأمة كالأثرية والحنفية في النسبة الى الأثير والحنيف يعني أنه تعالى لما علم أن السرية والأمة في دولة الباطل في يد أهله وأن ليس لكم القدرة على شرائها وحفظها وإنفاقها جعل لكم المتعة عوضا منها وهي أسهل. وقيل: الأسرية جمع للسرية وهي الأمة المستورة، وهذا الجمع وإن لم يثبت لغة لأن الاسرية جمع سري كغني وهو نهر صغير يجري الى النخل لكن كلام المعصوم هو الأصل انتهى. وفي بعض النسخ " الأشربة " بالشين المعجمة والمراد بها الأشربة المحرمة التي تستحله العامة كالنبيذ والفقاع ونحو هما وفيه تنفير عنها وترغيب في المتعة. * الأصل: 134 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن معمر بن خلاد قال: قال لي أبو الحسن

[ 163 ]

الرضا (عليه السلام): قال لي المأمون: يا أبالحسن لو كتبت إلى بعض من يطيعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا، قال: قلت له: يا أمير المؤمنين إن وفيت لي وفيت لك إنما دخلت في هذا الأمر الذي دخلت فيه على أن لا آمر ولا أنهى ولا اولي ولا أعزل وما زادني هذا الأمر الذي دخلت فيه في النعمة عندي شيئا ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب ولقد كنت أركب حماري وأمر في سكك المدينة وما بها أعز مني وما كان بها أحد منهم يسألني حاجة يمكنني قضاؤها له إلا قضيتها له، قال: فقال لي: أفي ذلك. * الشرح: قوله (قال لي المأمون يا أبا الحسن لو كتبت الى بعض من يطيعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا. اه‍) لو للتمني أو للشرط، والجزاء محذوف، وهو " كان أحسن " ونحوه، والمراد بالمفسد من خرج عليه من العلويين في العراق، ولعل هذه القضية غير ما رواه الصدق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده عن معمر بن خلاد قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): " قال لي المأمون يوما يا أبا الحسن انظر من تثق به نوليه بعض هذه البلدان التي قد فسدت علينا. فقلت له: تفي لي وأفي لك فإني إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ولا أعزل ولا أولي ولا أشير حتى يقدمني الله قبلك فوالله ان الخلافة لشئ ما حدثت به نفسي ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي وإن أهلها وغيرهم يسألوني في الحوائج فأقضيها لهم فيصيرون كالأعمام لي وإن كتبي لنافذة في الأمصار ومازدتني في نعمة هي علي من ربي. فقال: أفي لك ". * الأصل: 135 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه. * الشرح: قوله (حق المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم اخوانه. اه‍) لعل المراد بإعلامهم زيارتهم وتوديعهم، ويحتمل الأعم وفيه فوائد كثيرة، منها أن يشايعوه، ومنها أن يدعوا له لكثرة مخاطرات السفر، و منها تجديد العهد بهم، ومنها إدخال السرور عليهم، ومنها ازدياد محبتهم، ومنها التشرف بزيارتهم. * الأصل: 136 - وبهذا الإسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): خلتان كثير من الناس فيهما مفتون: الصحة والفراغ. * الشرح: قوله (خلتان كثير من الناس فيهما مفتون الصحة والفراغ) كما قيل: الفراغ والصحة والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة، والفتنة فيها إما لطغيان النفس لأنهما من الأسباب القريبة له أو لترك الشكر

[ 164 ]

عليهما لأنهما من النعماء الجليلة التي يجب الشكر عليها. * الأصل: 137 - وبهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيره (الحياة خ ل) في يده. * الشرح: قوله (من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن) ونصب إليه ما يسوؤه من الفسوق و غيرها بل ينبغي أن يلوم نفسه وفيه حث على ترك مجالسة الجاهل والفاسق والظالم وترك كل موضع فيه مظنة سوء لا يليق بذوي المروة وأهل الدين (ومن كتم سره كانت الحياة في يده) أي من كتم سر نفسه ودينه كانت حياته الدنيوية والأخروية طيب عيشه في يده، ومن أفشاه عرض نفسه للهلاك، وفي بعض النسخ: " الخيرة " وقد مرت أحاديث كتمان السر مع شرحها في كتاب الكفر والإيمان. * الأصل: 138 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن شاذان، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال لي أبي: إن في الجنة نهرا يقال له: جعفر، على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى شاطئه الأيسير درة صفراء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لإبراهيم وآل إبراهيم (عليه السلام). * الشرح: قوله (إن في الجنة نهرا يقال له جعفر على شاطئه الأيمن. اه‍) جعفر: النهر الصغير والكبير الواسع ضد، والنهر الملآن ماء، وفوق الجدول، ولعل المراد بأيمنه أيمنه بانسبة الى الداخل في الجنة أو بالنسبة إلى القائم في منبعه أو بكونه أعلى مواضع الجنة وأشرفها، والأشرف يسمى أيمنا وإنما بني قصر نبينا صلى الله عليه وآله أبيض، وفي الأيمن لأنه أشرف الأنبياء فينبغي أن يكون قصره أحسن الألوان وفي أشرف المكان. * الأصل: 139 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما التقت فئتان قط من أهل الباطل إلا كان النصر مع أحسنهما بقية على (أهل) الاسلام. * الشرح: قوله (ما التقت فئتان قط من أهل الباطل الا كان النصر مع أحسنهما بقية على الإسلام) البقية:

[ 165 ]

الخير والأثر والحالة المستقيمة وعدم المبالغة في الفساد، وفي القاموس: أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في إفساده، والاسم البقية، ونصبها على التمييز، والمراد بالفئتين الفئتان من أهل الاسلام كالسلطانين منهم تقاتلا على ملك، وفيه ترغيب في رعاية قوانين الاسلام بأنها تنفع صاحبها مع كونه في الباطل، والفئتان من أهل الكفر أيضا فإن إحداهما إذا كانت لها حالة مستقيمة على أهل الإسلام بالخير والرأفة وعدم الإفساد كانت النصرة معها. * الأصل: 140 - عنه، عن أحمد، عن على بن حديد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جبلت القلوب على حب من ينفعها وبغض من أضر بها. * الشرح: قوله (جبلت القلوب على من حب من ينفعها وبعض من أضر بها) هذا جار في الحيوانات أيضا، والنفع والضر يشملان الدنيوي والأخروي، وفيه أمر بإيصال النفع وترغيب فيه بذكر بعض مفاسده والحب يترتب عليه منافع كثيرة والبغض يترتب عليه مضار عظيمة كما لا يخفى على ذوي البصاير. * الأصل: 141 - محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن عيسى بن عبد الله، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: أخذ أبي بيدي ثم قال: يا بني إن أبي محمد بن علي (عليهم السلام) أخذ بيدي كما أخذت بيدك وقال: إن أبي علي بن الحسين (عليهم السلام) أخذ بيدي وقال: يا بني ! افعل الخير إلى كل من طلبه منك فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل عذره. * الشرح: قوله (با بني افعل الخير إلى كل من طلبه منك) الخير يشتمل بذل المال والقول النافع والمشي للحاجة، وهذا من المرغبات التي لا يتركها أهل الكمال وإلا فيجوز الترك خصوصا بعد الثلاثة كما دل عليه بعض الروايات مثل ما رواه المصنف بإسناده عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في السؤال: أعطوا ثلاثة وإن شئتم أن تزدادوا فازدادوا وإلا فقد أديتم حق يومكم (وإن شتمك رجل عن يمينك وتحول الى يسارك فاعتذر اليك فاقبل عذره) أي طلب منك قبول عذره ورفع اللوم عنه والعذر بسكون الذال وضمها للاتباع وفيه ترغيب في الأخلاق الكريمة برفع اللوم عن المعتذر والعفو عنه وتصفية القلب معه.

[ 166 ]

* الأصل: 142 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): كان كل شئ ماء وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله عز وجل السماوات من ذلك الدخان وخلق الله عز وجل الأرض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء: أنا جند الله الأكبر وقالت النار: أنا جند الله الأكبر وقالت الريح: أنا جند الله الأكبر، فأوحى الله عز وجل إلى الريح أنت جندي الأكبر. * الشرح: قوله (محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد. اه‍) مر هذا الحديث بعينه متنا وسندا مع شرحه في حديث أهل الشام فلا نعيده.

[ 167 ]

حديث زينب العطارة * الأصل: 143 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن أبى نجران، عن صفوان، عن خلف بن حماد عن الحسين بن زيد الهاشمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وبناته وكانت تبيع منهن العطر فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) وهي عندهن فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، قال: إذا بعت فأحسني ولاتغشي فإنه أتقى وأبقى للمال، فقالت: يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي وإنما أتيت أسألك عن عظمة الله عز وجل، فقال: جل جلال الله سأحدثك عن بعض ذلك، ثم قال: إن هذه الأرض بمن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي وهاتان بمن فيهما ومن عليهما عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي والثالثة حتى انتهى إلى السابعة وتلا هذه الآية * (خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن) *. والسبع الارضين بمن فيهن ومن عليهن على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة قي والديك له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم، والسبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخرة كحلقة ملقاة في فلاة قي والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت بمن فيه ومن عليه على البحر المظلم كحلقة ملقاة في فلاة قي، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم على الهواء الذاهب كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء على الثرى كحلقة ملقاة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية * (له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى) * ثم انقطع الخبر عند الثرى، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الاولى كحلقة في فلاة قي وهذا كله والسماء الدنيا بمن عليها ومن فيها عندفوقها كحلقة في فلاة قي وهاتان السماءان ومن فيهما ومن عليهما عند التي فوقهما كحلقة قي، وهذه الثلاث بمن فيهن ومن عليهن عند الرابعة كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة، وهن ومن فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية: * (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) * وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند

[ 168 ]

حجب النور كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الآية: * (وسع كرسية السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية: * (الرحمن على العرش استوى) * وفي رواية الحسن: الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب. * الشرح: قوله (حديث زينب العطارة) وهو حديث غريب دل على كمال قدرة الصانع وعظمتة بما يشتمل عليه إجمالا من نضد العالم السفلي والعلوي ولا يعلم حقيقتة وكيفيتة إلا أصحاب الوحي ومن تجرد عن العلائق الجسمية والعوائق البدنية حتى اتصل بالملأ الأعلى ورأى الاشياء كما عليه في نفس الأمر. (قال: إذا بعت فأحسني ولا تغشي) غشه من باب قتل: إذا لم يخلص أو أظهر خلاف ما أضمر، والغش بالكسر: اسم منه، والمغشوش: الغير الخالص كاللبن الممزوج بالماء، والمسك والزعفران الممزوجين بما يشابههما ونحو ذلك، وفيه إشارة الى بعض آداب البيع وهو الإحسان الى المشترى بعدم المما كسة وعدم طلب الزيارة على القدر المعتاد أو على قدر الحاجة وعدم مزج المبيع بغيره وعلل ذلك للحث عليه بقوله (فإنه أتقى) من العقوبة وأخذر من أسبابها (وأبقى للمال) فإن الحلال أشد بقاء من الحرام (فقالت يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي) البيع " خريدن " و " فروختن " ضد ويطلق على المبيع ويجمع على البيوع وأبيعة بالألف لغة كما في المصباح (وإنما أتيت أسالك عن عظمة الله عز وجل) سألت عن حقيقة عظمة أو عن قدرها أو عن آثارها وأجاب (عليه السلام) ببعض آثارها الدالة على كمال العظمة لابجميعها إذ كما لا يمكن للبشر أن يعرف حقيقة عظمة كذلك لا يمكن له أن يعرف جميع الآثار مفصلة (ثم قال: إن هذه الأرض) التي هي مسكننا ومسكن سائر الحيوانات (عند الأرض) التي تحتها (كحلقة ملقاة في فلاة قي) القي بكسر القاف وشد الياء القفر الخالي وأصله قوى فعل. (وتلا هذه الآية * (خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن) *) استشهد بالآية لما ذكر حيث جعل الأرض سبع طبقات كل طبقة تحتانية أعظم من الفوقانية وهذه الأرض أصغر من الجميع قال بعض العلماء: كلما أحاط به فلك القمر يطلق عليه اسم الأرض كما قال تعالى الذي " خلق سبع السموات ومن الأرض مثلهن " وهي سبع طبقات الأولى: النار، الثانية: الهواء الثالثة: الماء، الرابعة: الأرض وثلاث طبقات ممتزجة من هذه الأربع الأولى ممتزجه من النار والهواء، الثانية ممتزجة من الهواء

[ 169 ]

والماء، الثالثة ممتزجة من الماء والأرض وهي الكرة الطينية أقول الظاهر أن هذا القول غير موافق لهذا الحديث حيث ذكر الثلاثة الأولى على حدة ثم أقول: يلزم من هذا الحديث على تقدير تماس هذه السبع بعضها ببعض أحد الأمرين إما أن يكون السبع أجساما مسطحة أو يكون كرات مماسة بنقطة، وذلك لأنها إن كانت مسطحة فهو الأمر الأول وإن كانت كرة فإن كان مجموعها من حيث المجموع كرة واحدة لزم أن يكون الأعظم القطعة التي فيها المنطقة وأن يكون ما فوقها وما تحتها من القطاع مساوية كل واحدة لنظيرها وهذا ينافي كون كل تحتانية أعظم من الفوقانية وإن كان كل واحدة كرة فإن كان كل تحتانية محيطة بالفوقانية لزم أن تكون هذه الأرض محاطة بأرض أخرى وليس كذلك فينبغي أن يكون غير محيطة فيلزم أن يكون التماس بنقطة وهو الأمر الثاني فليتأمل (شرح روضة الكافي " 10 "). (على ظاهر الديك): هو ذكر الدجاج والجمع ديوك وديكة وزان قردة (له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم) التخم: منتهى كل قرية أو أرض والجمع تخوم مثل فلس وفلوس وقال ابن الأعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم والجمع تخم مثل رسول ورسل ولعل المراد بالتخوم هنا منتهى الصخرة وينبغي حمله على ظاهره لعدم استبعاده بالنظر الى القدرة القاهرة (1) والمصالح التي لا يعلمها إلا هو وحمله على المبالغة كالتأويل بعيد (على البحر المظلم) وهو البحر الأعظم سمي مظلما لكثرة مائه وغور عمقه فإن البحر كلما زاد عمقه كان ماؤه أسود (على الهواء الذاهب): أي المتحرك والوصف للإيضاح أو للإحتراز به عن الهواء الغير المتحرك وهو ما سيجئ من الهواء الذي تحار فيه القلوب (على الثرى) لعل المراد بالثرى هنا كرة


1 - قوله " لعدم استبعاده بالنظر الى القدرة القاهرة " إن كان الديك من الأجسام المثالية التي لا تتزاحم إذا اجتمعت على مكان واحد فلكلام الشارح وجه وإلا فإن كان جسما ماديا يجب من وجوده على ما ذكر عدم بقاء مكان لساير الأجسام لقضاء الضرورة ببطلان الطفرة والتداخل على ما قاله المحقق الطوسى (رحمهم الله) في التجريد وبينه العلامة الحلي (رحمهم الله) في شرحة وكذلك نقول في ما ورد من عظمة بعض ملائكة الرحمن وكونهم بحيث يملؤون الخافقين، والحق أن رواية زينب العطارة ضعيفة على فرض صدور شئ منها حقيقة من المعصوم لانطمئن بحفظ الرواة وضبطهم جميع الالفاظ التي سمعوها وإنما يحتاج الى تكلف التأويل والتوجية بما يشمئز منه الطبع والإلتزام بالمحالات من يعتقد صدور شئ جميع الروايات منها من المعصوم وعصمة الرواة من الخطأ والسهو والنسيان في نقل جميع ألفاظ الإمام (عليه السلام) وهو اعتقاد سخيف نرى في كثير من الأخبار المعتبرة نقل آيات القرآن ضمن كلام المعصوم غلطا مع أنا نعلم أنه (عليه السلام) لم يقرأ إلا كما هو صحيحا. فالحق عدم التعرض لشئ مما ورد في رواية زينب العطارة والتوقف فيها. والعجب أن بعض الناس حاولوا تطبيق الرواية على العلوم الطبيعية والهيئة الإفرنجية والبعد بينهما أبعد مما بين السماء والأرض (ش). (*)

[ 170 ]

الأثير بقرينة اقترانه بالسماء الأولى والله أعلم (ثم انقطع الخبر عند الثرى) وهو كلام النبي (صلى الله عليه وآله) والخبر إما بالضم وهو العلم أو بالفتح وهو معروف انقطع علم البشر بالسفليات أو خبرها عند الثرى ولا علم لهم أكثر من ذلك (عند البحر المكفوف عن أهل الأرض) أي الممنوع من الانصباب عليهم بقدرة الله تعالى إذلو انصب عليهم أهلكهم دفعة وفيه دلالة على أن بين السماء والأرض السابعة والثامنة المسماة بالكرسي وسائط أربعة، وما ذكره أرباب الرياضي من الاتصال بينهما لادليل عليه عقلا ونقلا، وهم أيضا صرحوا بأن الاتصال من باب الاستحسان فوجب التمسك بما دل عليه الشرع (وحجب النور) لعل المراد بها حجاب القدرة وحجاب العظمة وحجاب الرفعة وحجاب الهيبة وحجاب الرحمة، وهذه الحجب ذكرها صاحب معارج النبوة، وكل ذلك نشأ من نور ذاته تعالى أو نور علمه أو الإضافة بيانية باعتبار أن تلك الحجب نفسها أنوار إلهية (ثم تلا هذه الآية * (وسع كرسيه السموات والأرض) *)، الكرسي في هذه الآية فسر في كتاب التوحيد وتارة بالعلم وتارة بالفلك الثامن، لكن المراد هنا هو الخير والمراد بالسموات: السموات السبع ويدل عليه أيضا ماروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) حين سئل، الكرسي أكبر أم العرش ؟ قال (عليه السلام) " كل شئ خلق الله تعالى في الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي ".

[ 171 ]

حديث الذي أضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالطائف * الأصل: 144 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن يزيد الكناسي، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان نزل على رجل بالطائف قبل الإسلام فأكرمه فلما أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الناس قيل للرجل: أتدري من الذي أرسله الله عز وجل إلى الناس ؟ قال: لا، قالوا له: هو محمد بن عبد الله يتيم أبي طالب وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فأكرمته، قال فقدم الرجل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلم عليه وأسلم، ثم قال له: أتعرفني يا رسول الله ؟ قال: ومن أنت ؟ قال: أنا رب المنزل الذي نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا وكذا فأكرمتك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): مرحبا بك سل حاجتك: فقال: أسألك مأتي شاة برعاتها، فأمر له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما سأل، ثم قال لأصحابه: ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بنى إسرائيل لموسى (عليه السلام) فقالوا: وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى ؟ فقال: إن الله عز ذكره أوحى إلى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدسة بالشام فسأل موسى عن قبر يوسف (عليه السلام) فجاءه شيخ فقال إن كان أحد يعرف قبره ففلانة فأرسل موسى (عليه السلام) إليها فلما جاءته قال: تعلمين موضع قبر يوسف (عليه السلام) ؟ قالت نعم قال: فدليني عليه ولك ما سألت قال: لاأدلك عليه إلا بحكمي، قال: فلك الجنة، قالت: لا إلا بحكمي عليك، فأوحى الله عز وجل إلى موسى لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها، فقال لها موسى: فلك حكمك، قالت: فان حكمي أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها يوم القيامة في الجنة ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان على هذا لوسألني ما سألت عجوز بني إسرائيل. * الشرح: قوله (حديث الذي أضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالطائف) الظاهر من سياق الحديث أن هذه الضيافة كانت قبل بعثته (صلى الله عليه وآله) وإن قدوم الرجل عليه كان بعد قوة الإسلام وكثرة الغنائم (ثم قال لأصحابه ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى (عليه السلام)) لما كان غاية همة هذا الرجل طلب الدنيا والميل الى زهراتها تعجب (صلى الله عليه وآله) من حاله وذمه وأشار الى موسى أن يكون نهاية هم المرء طلب الآخرة والميل الى رفعة درجاتها (فقال: إن الله أوحى الى موسى أن احمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها الى الأرض المقدسة بالشام)، دل على أن النقل كان بالوحي وعلى استحبابه كما هو مذهب الأصحاب وقيل كان النقل لوصية يوسف (عليه السلام) به ولا منافاة بينهما

[ 172 ]

والمراد بالعظام: جسده المطهر لأن الأنبياء لاتبلى أجسادهم (1) ولا منافاة بينه وبين ماروى من أن الأنبياء ينقلون بعد ثلاثة أيام الى السماء لجواز رجوعهم بعد صعودهم (فأرسل موسى (عليه السلام) إليها فلما جاءته قال تعلمين. اه‍) قال الصدوق: فبعث إليها فأتى بعجوز مقعدة عمياء فقال: تعرفين قبر يوسف ؟ قالت: نعم فأخبرني بموضعه قال: لا أفعل حتى تعطيني خصالا تطلق رجلي وتعيد إلي بصري وترد إلي شبابي وتجعلني معك في الجنة فكبر ذلك على موسى (عليه السلام) فأوحى الله عزوجل إنما تعطني علي فأعطها ما سألت ففعل فدلته على قبر يوسف (عليه السلام) فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر (قالت فإن حكمي أن أكون معك في الدرجة التي تكون فيها يوم القيامة في الجنة) قال بعض العامة طلب درجة الأنبياء في الجنة ممتنع لأنه يستلزم طلب مساواتهم وأنه ممتنع. أقول: فيه نظر، لأنه إن أراد أن طلب مساواتهم في المنزل واشتراكهم في الكون فيه ممتنع فهو ممنوع ولا دليل على امتناعه عقلا ونقلا بل الظاهر جواز ذلك في الجنة كما جاز في الدنيا، وإن أراد أن طلب مساواتهم في الشرف والكمال ورفعة القدر ممتنع، فهو مسلم لكن طلب درجاتهم ومكانهم لا يستلزم طلب المساواة بهذا المعنى. * الأصل: 145 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كانت امرأة من الأنصار تودنا أهل البيت وتذكر التعاهدلنا وإن عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم وهي تريدنا فقال لها: أين تذهبين يا عجوز الأنصار ؟ فقالت: أذهب إلى آل محمد اسلم عليهم واجدد بهم عهدا وأقضي حقهم، فقال لها عمر: ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا إنما كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي، فانصرفت حتى أتت ام سلمة فقالت لها ام سلمة: ماذا أبطأ بك عنا ؟ فقالت: إني لقيت عمر ابن الخطاب وأخبرتها بما قالت لعمر وما قال لها عمر، فقالت لها ام سملة: كذب لا يزال حق آل محمد (صلى الله عليه وآله) واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة.


1 - قوله " لأن الأنبياء لاتبلى أجسادهم " ينبغي السكوت والتوقف في هذه المسائل التي اختلفت الروايات فيه وهي مما لا حاجة لنا الى العلم بها ولا طريق موجب لليقين الى قول المعصوم فيها فقد روي في تاريخ العسكري (عليه السلام) حديث استسقاء النصاري وإجابة دعائهم دون دعاء المسلمين واستخراج العسكري (عليه السلام) عظام الأنبياء من بين أصابع القسيس، وأما رجوع عظام الأنبياء بعد صعودهم فخلاف صريح بعض الروايات، فإن الراوي سأل عن وجود عظامه (صلى الله عليه وآله) في قبره الشريف بعد سنين كثيرة من رحلتة (صلى الله عليه وآله). (ش) (*)

[ 173 ]

* الشرح: قوله: (وتكثر التعاهد لنا)، أي لرؤيتنا وزيارتنا ورعاية حرمتنا (فقال لها عمر ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا، إنما كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي) قال ذلك حسدا وعنادا وعداوة لهم، وقد اعترف بأنه كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقال له ذلك الحق إن كان لاجل القرابة فهي باقية بعده وإن كان لأجل فضلهم وكمالاتهم فيه أيضا باقيه بعده فبأى شئ بطل حقهم بعده (فقالت لها أم سلمة: كذب، لا يزال حق آل محمد على المسلمين واجبا الى يوم القيامة، هذا هو الحق الذي لاريب فيه ودل عليه صريح قوله تعالى * (قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * وغيره وصريح كثير من روايات العامة والخاصة وإنما ذلك الرجل بمجرد النفاق والعداوة. * الأصل: 146 - ابن محبوب، عن الحارث بن محمد بن النعمان، عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله الله عز وجل: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال: هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل فاستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. * الشرح: قوله (قال هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة) قال الفاضل الأمين الاسترابادي: الظاهر أن المراد بالجنة التي خلقها في المغرب وجعلها مكان أرواح السعداء في عالم البرزخ، أقول: يحتمل أن يراد بها الحنة المعروفة وهي موجودة كما هو الحق ودلت عليه الآيات والروايات ولا يمتنع دخول أرواح المؤمنين فيها في البرزخ عقلا ونقلا، وأما عدم خروج من دخلها فلعله يكون بعد الحشر وعود الأرواح الى الأبدان (واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل) أي علموا ذلك بالمعاينة واستيقنوا بعين اليقين وإلا كان لهم العلم واليقين بذلك قبل الموت وبين علم اليقين وعين اليقين فرق ظاهر، ومن ذلك قوله تعالى " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قالوا: أراد (عليه السلام) أن يحصل له علم اليقين بعد ما كان له علم اليقين (فاستبشروا بمن له يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ضمير عليهم راجع الى المستبشرين أو إلى اللاحقين الباقين اوالى الجميع باعتبار هذا الصنف وهم الشيعة.

[ 174 ]

* الأصل: 147 - عنه، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل " فيهن خيرات حسان " قال: هن صوالح المؤمنات العارفات، قال: قلت: " حور مقصورات في الخيام " ؟ قال الحور هن البيض المضمومات المخدرات في خيام الدر والياقوت والمرجان، لكل خيمة أربعة أبواب، على كل باب سبعون كاعبا حجابا لهن ويأتيهن في كل يوم كرامة من الله عز ذكره ليبشر الله عز وجل بهن المؤمنين. * الشرح: قوله: (قال: قلت: حور مقصورات في الخيام): امرأة مقصورة محبوسة في البيت لا تترك أن تخرج (قال: الحور: هن البيض المضمومات المخدرات) الضم: قبض الشئ الى شئ، والمراد ضمهن الى الخيام أو إلى الأزواج والخدر بالكسر الستر وجارية مخدرة إذا لزمت الخدر (على كل باب سبعون كاعبا) الكاعب: المرأة حين يبدو ثديها للنهود، والجمع: الكواعب (يبشر الله بهن المؤمنين): أي يبشر الله تعالى المؤمنين في كتابه بأن لهم صنفين من النسوة في الآخرة وفي بعض النسخ " ليبشر الله " باللام أي أنزل هذه الآية ليبشرهم. * الأصل: 148 - على بن إبراهيم، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا كل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، فتنزل كل يوم على برج منها، فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثم ترد موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها، وإن وجهها لأهل السماء وقفاها لأهل الأرض ولو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض ومن عليها من شدة حرها، ومعنى سجودها ما قال سبحانه وتعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ". * الشرح: قوله (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا، كل برج منها مثل جزيرة من جزاير العرب فتنزل كل يوم على برج منها فإذا غابت انتهت على حد بطنان العرش (1) فلم تزل


1 - قوله " الى حد بطنان العرش " الكلام في هذه الرواية كالكلام في رواية زينب العطارة لانطمئن بحفظ الرواة وضبطهم على فرض صدور الحديث من المعصوم (عليه السلام) إذ لم يكن الرواة معصومين من الخطأ ولم يبين = (*)

[ 175 ]

ساجدة الى الغد ثم ترد الى موضعها مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها وأن وجهها السماء وقفاها لأهل الأرض ولو كان وجهها لأهل الأرض لأحرقت الأرض ومن عليها من شدة حرها) البرج في اللغة: الركن، والمراد به هنا: الدرجة المدارية أو الدرجة التي هي مطلع الشمس من أول السرطان إلى أول الجدي ذاهبة وجائية وهي ثلاثمائة وستون، وتمثيلها بالجزيرة تنبيه لسعتها فتنزل الشمس كل يوم من أيام السنة على درجة من هذه الدرجات ستة أشهر عائدة فإذا نزلت على درجة منها وجرت حتى غربت في درجة محاذية لها وانتهت الى حد بطنان العرش أي الى تحته والمراد به: المنزلة التي ترجع منها وتطلع من المغرب في آخر الزمان عند قيام الساعة، وقد عد ذلك من أشراطها، وإلا فالشمس دايما تحت العرش، والمراد بسجودها: خشوعها وانتظارها لأمر الله سبحانه هل يأمر برجوعها أم لا وانقيادها لحكمه فيأمر بردها إلى مطلعها فترد إليه فتصبح طالعة


= الشارح وجه تأويله بما أوله مثلا الدرجة المدارية التي تنزلها الشمس كل يوم درجات مدار الحركة الخاصة كما قال المجلسي رحمة الله: لعل المراد بالبروج الدرجات التي تنتقل إليها بحركتها الخاصة فيكون نزول كل يوم في برج تغليبا انتهى، وعلى هذا إذا نزلت الشمس في درجة نهارا تبقى في تلك الدرجة جميع ذلك اليوم الى غروبها، وبعد الغروب ايضا تكون في تلك الدرجة بعينها وانمال تنتقل الى درجة بعدها بعد أربع وعشرين ساعة. ثم قال المجلسي (رحمه الله): فإذا غابت، أي بالحركة اليومية. وقد علم أنها بالحركة اليومية تنتقل عن تلك الدرجة، انتهت الى حد بطنان العرش فيكون وصولها إلى حد بطنان العرش في كل يوم مرة، وحمله المجلسي رحمه الله على نصف الليل حين تمر الشمس بدائرة نصف النهار من تحت الأرض، وهذا الذي ذكره المجلسي (رحمه الله) ألصق بعبارة الحديث لكن يعسر الوقوف على مقصوده ومعناه لأن العرش على ما قاله يكون فوق رؤوس أهل مكة فكون الشمس في نصف النهار في النهار محاذية لبطنان العرش أظهر من محاذاته في الطرف الآخر وإن كان ولابد فلابد من المحاذاة في اليوم بليلته مرتين، وأما تفسير الشارح فلا ينطبق على عبارة الحديث ولكن معناه مفهوم لنا فإذا غابت الشمس أي في اليلة التي تكون غدها يوم القيامة وهي في الدرجة التي نزلتها وقتا ما وجرت بعدها حتى غابت وانتهت الى بطنان العرش، أي تحت العرش ولهذا الانتهاء والتحتية خصوصية مثل أن تكون أقرب حتى يأمرها الله تعالى بالرجوع والطلوع من المغرب بخلاف ساير الأيام، ثم أن كلام الشارح يدل على أن الشمس حية ناطقة تتغير حالها بمشاهدة جلال الله تعالى وهو اقتباس من الحكماء بوجه غير مرضى عندهم لأنهم لا يرون النفوس الفلكية مبدء لتغير مبدء لتغير في الجسم كيفا أو كما بل لو فرض رؤية أحد بعض الفلكيات لم ير فيه من آثار الحياه إلا الدروان كما يرى الرحى الذي يتحرك من غير متحرك فيذهب الذهن الى أن موجودا كالجن يحركه، وأما كون الشمس مواجهة للأرض بوجه واحد فغير مطابق لما حققه أهل الفن، فإنها تدور على نفسها في كل خمسة وعشرين يوما فتواجهه الأرض بجميع أطرافها والحق التوقف في هذه الروايات لا تطمئن بصدورها إذا لم نعرف لها معنى صحيحا من غير تكلف ولا أدري كيف لتأويل الأخبار الواردة في الطبيعيات من يتحرز عن تأويل ما يتعلق بالأمور المعنوية حتى في أبده المسائل. (ش) (*)

[ 176 ]

منه، وهكذا كان دايما الى ما شاء الله أن يأمر بردها من مغربها، ولعل الملكين الهاتفين يزجرانها ويأمرانها بالطلوع إلى مطالعها المعروفة وقوله " وجهها لأهل السماء " يحتمل أن يراد به: أن وجهها لأهل السماء متوجه الى العرش حين كونها ساجدة، ووجه شدة حرارتها وإحراقها للأرض ومن عليها على تقدير كون وجهها للأرض ظاهر لتغيير حالها بمشاهدة جلال الله وعظمة كبريائه، كما نقل ذلك في حال نبينا (صلى الله عليه وآله) عند نزول الوحي، ويحتمل أن وجهها لأهل السماء دايما، ويؤيد الأول ما رواه في الفقيه من أن الشمس بلغت الجو وجازت الكو قلبها ملك النور ظهر البطن فصار ما يلي الأرض إلى السماء وبلغ شعاعها تخوم العرش الحديث " لا يقال كيف نتوقع الشمس طلوعها من المغرب في كل وقت والدجال وعيسى والمهدى (عليهم السلام) لم يظهروا بعد لأنه يمكن أن يقال أنه لاعلم لها بعدم تحقق طلوعها قبل ظهورهم، هذا الذي ذكرناه مما تحتمله العبارة، ويمكن أيضا حملها على أن ذلك الفعل من الشمس عبادة وانقياد له جل شأنه والله أعلم، (وكثير من الناس) عطف على الدواب إن جوز استعمال المشترك في معنييه واستناده إلى أمر باعتبار أحدهما، وإلى الآخر باعتبار الآخر، وتخصيص الكثير يدل على إرادة وضع الجبهة أو مبتدء خبره محذوف أي حق له الثواب لدلالة ما بعده عليه وهو كثير حق عليه العذاب أو فاعل فعل محذوف أي ويسجدله كثير من الناس لدلالة المذكور عليه. * الأصل: 149 - عدة من أصحابنا، عن صالح بن أبي حماد، عن إسماعيل بن مهران، عمن حدثة، عن جابر بن يزيد قال: حدثني محمد بن علي (عليه السلام) سبعين حديثا لم احدث بها أحدا قط ولا أحدث بها أحدا أبدا، فلما مضى محمد بن علي (عليهم السلام) ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثا لم يخرج مني شئ منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني ؟ قال: يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فاخرج إلى الجبانة واحتفر حفرة ثم دل رأسك فيها وقل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ثم طمه فان الأرض تستر عليك قال، جابر ففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده. عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران مثله. * الشرح: قوله (فقال يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ) أي من كتمان السر، وعدم إظهاره لأحد (فأخرج الى الجبانة): هي بتشديد الباء وثبوت الهاء أكثر من حذفها المصلى في الصحراء وربما

[ 177 ]

أطلقت على المقبرة لأن المصلى غالبا يكون فيها (واحتفر حفيرة ثم دل رأسك فيها) أي أرسله فيها من دليت الدلو أرسلتها في البئر، وهو يدل على أن حفظ السر واجب وأن إظهاره على النحو المذكور يدفع ضيق الصدر الحاصل من كتمانه، وأن ما هو جماد نفسا مدركة في نفس الأمر كما قيل وقد ذكرناه سابقا في الأصول، وفي طم الحفر تنبيه على عدم إفشائه، وإنما لم يأمره (عليه السلام) بإظهاره له وهو (عليه السلام) أحفظ منه إما لأنه (عليه السلام) لما كان عالما به لم يكن الإظهار له دافعا للضيق أو ليعلم كيفية التخلص من الضيق من لم يجد مثله (عليه السلام) الى قيام القائم (عليه السلام). * الأصل: 150 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لآخذن البرئ منكم بذنب السقيم ولم لاأفعل ويبلغكم عن الرجل مايشينكم ويشينني فتجالسونهم وتحدثونهم فيمربكم المار فيقول: هؤلاء شر من هذا فلوأنكم إذا بلغكم عنه ما تكرهون زبرتموهم ونهيتموهم كان أبربكم وبي. * الشرح: قوله (قال أبو عبد الله (عليه السلام): لآخذن البرئ منكم بذنب السقيم. اه‍) أريد بالبرئ: البرئ من مثل ذنب السقيم وإن كان هو أيضا مذنبا باعتبار ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو يدل على وجوبهما على كل عالم بالمعروف والمنكر، وعلى أنه لا يجوز مجالسة الفاسق، وعلى أنه يجب التحرز من موضع التهمة، وضمير الجمع في تجالسونهم، راجع الى الرجل باعتبار الجنس الشامل للكثرة، وهؤلاء إشارة إلى الجالسين وهذا إشارة إلى الرجل والأفراد باعتبار اللفظ وإرجاع هؤلاء الى الرجل والجالسين معه، وهذا: إلى أبى عبد الله (عليه السلام) بعيد جدا والمراد بالموصول في قوله " مايشينكم ويشينني " أعم من إظهار السرو كتمان الحق وفعل المعصية ووجه كون ذلك شينا له (عليه السلام) ظاهر لأن خلاف الرعية ومخالفتهم للسلطان يوجب ذم الأمير وعيبه أيضا والمراد بالأخذ الأخذ في الدنيا بالتأديب أو في الآخرة بالتعذيب أو الأعم منهما. * الأصل: 151 - سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " فلما نسوا مادكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء " قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا.

[ 178 ]

* الشرح: قوله (فلما نسوا ما ذكروا به): لعل المراد بالنسيان لازمة وهي ترك ما يوجب الثواب وفعل ما يوجب العقاب لشباهتهم بالناس في ذلك (صنف ايتمروا): أي قبلوا الأمر والنهي وامتثلوا (وأمروا) بالمعروف (ونهوا) عن المنكر (فنجوا) من العقوبة الدنيوية والأخروية (وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا)، للمداهنة والمساهلة مع أهل المعاصي في السكوت عما رأوا منهم من المنكرات، فمن شاهد معصية ولم ينه عنها فهو عاص أيضا، وربما ساقه ذلك الى فعل منكر والمشاركة مع أهله، وعلى التقديرين يستحق العقوبة، ويفهم منه أن الأمر بالمعروف عند قيام بعض به لا يسقط عن غيره إذا لم يأتمر العاصي، بل وجب عليه أيضا فلعله يأتمر بتظاهرهم وتعاونهم. * الأصل: 152 - عنه، عن علي بن أسباط، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: كتب أبو عبد الله (عليه السلام) إلى الشيعة: ليعطفن ذووا السن منكم والنهي عن ذوي الجهل وطلاب الرئاسة، أو لتصبينكم لعنتي أجمعين. * الشرح: قوله (كتب أبو عبد الله (عليه السلام) الى الشيعة: ليعطفن ذووالسن منكم والنهي عن ذوي الجهل وطلاب الرياسة أو لتصبينكم لعنتي أجمعين) عطف عنه مال وصرف وجهه عنه، والنهي: جمع النهية: وهي العقل، لأنه ينهى عن القبيح وفيه ترغيب في مفارقة الجاهلين والفاسقين وطلاب الرئاسة لأن كل رئيس غير معصوم ظالم لنفسه ولغيره محتاج إلى من يأمره وينهاه ولو بكلام خشن ولا ينبغي للعالم العارف أن يميل إليه، ويساهله، ويجالسه إلا مع الخوف، فيجب أن يبغضه قلبا وفي بعض النسخ " على ذوي الجهل " يقال عطف عليه إذا أشفق ورؤف وفيه حينئذ ترغيب في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، لأن ذلك شفقة لهم ورأفة بهم. * الأصل: 153 - محمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن الحسن جميعا، عن صالح بن أبي حماد، عن أبي جعفرا الكوفي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة لآدم (عليه السلام) ودولة لإبليس فدولة آدم هي دولة الله عز وجل فإذا أراد الله عز وجل أن يعبد علانية أظهر دولة آدم وإذا أراد الله يعبد سرا كانت دولة إبليس، فالمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين.

[ 179 ]

* الشرح: قوله: (إن الله عز وجل جعل الدين دولتين دولة لآدم (عليه السلام) ودولة لابليس. اه‍): الدولة: بفتح الدال وضمها: اسم من تداول القوم الشئ وهو حصوله في يد هذا تارة وفي يد هذا أخرى، وجمع المفتوح: دول بالكسر مثل قصعة وقصع، وجمع المضموم: دول بالضم مثل غرفة وغرف ومنهم من يقول: الدولة: بالضم: في المال، وبالفتح: في الحرب، والمارق: الخارج، من مرق السهم من الرمية مروقا خرج من الجانب الآخر، والخوارج مارقة لخروجهم من الدين، إذا عرفت هذا فتقول: لكل دولة ناصر ومعين، فدولة إبليس ناصره جنود الشيطان من الجن والإنس ودولة آدم ناصره العلماء والصلحاء والأتقياء، فإذا غلب جنود الشيطان، انطمس نور الدين، وظهر الفساد في البر والبحر وعبد الله سرا لقلة أهل الصلاح وضعف قوتهم، فلوراموا للمقاومة معهم هلكوا بسطوتهم وزال الدين بالكلية، فلذلك وجب عليهم الصبر الى أن تظهر دولة الحق لقوة أهلها.

[ 180 ]

حديث الناس يوم القيامة * الأصل: 154 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأولين والآخرين لفصل الخطاب: دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعي امير المؤمنين (عليه السلام) فيكسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة خضراء تضيئ ما بين المشرق والمغرب ويكسى علي (عليه السلام) مثلها ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يدعى بالنبيين (عليهم السلام) فيقامون صفين عند عرش الله عز وجل حتى نفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بعث رب العزة عليا (عليه السلام) فأنزلهم منازلهم من الجنة، وزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وماذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عز ذكره، وفضلا فضله الله به ومن به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوا فيها أبوابها لان أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه. * الشرح: قوله (حديث الناس يوم القيامة) يذكر فيه إجمالا حالاتهم ومقامات الأئمة (عليهم السلام) وشيعتهم (فيكسي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة خضراء تضئ ما بين المشرق والمغرب): أي تضئ هذا المقدار من المسافة في عرصة القيامة أو كل العرصة، والحلة بالضم: لا تكون الاثوبين من جنس واحد، والجمع حلل مثل غرفة وغرف (ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس) حقيقة الحساب تعود الى تعريف الإنسان ماله وما عليه وهم (عليهم السلام) قادرون بإذن الله تعالى على حساب الخلائق مع كثرتهم دفعة واحدة، لا يشغلهم كلام عن كلام، وحسابهم كحساب الله تعالى والله سريع الحساب. (فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار) لأنهم قوام الله تعالى على خلقه وعرفاؤه على عباده لايدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه، كما مر تفصيله في شرح الأصول (بعث رب العزة عليا (عليه السلام) فأنزلهم منازلهم من الجنة وزوجهم): أي يترك كل أحد منزلا يناسبه باعتبار حالة من العلم والعمل والصلاح والورع والتقوى، ويزوجهم من الحور، فكما أن كل خير في الدنيا بسبب وجوده ونوره وهدايته فكذلك كل خير في الآخرة بتوسطه (عليه السلام) (وهو والله يدخل أهل النار النار) لا ينافي ما مر لأنه (عليه السلام) داخل في نحن ولأن أمرهم أمر واحد، ومن طرق العامة قال علي (عليه السلام) " أنا قسيم النار والجنة " قال صاحب النهاية: أراد أن الناس فريقان: فريق معي فهم على هدى، وفريق علي فهم ضلال، فنصف معي في الجنة ونصف علي في النار. وقسيم:

[ 181 ]

فعيل بمعنى فاعل كالجليس والسمير قيل: أراد بهم الخوارج وقيل: كان من قاتله انتهى، أقول كل من خالفه ولو بنقله عن مقامه. * الأصل: 155 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: خالطوا الناس، فإنه إن لم ينفعكم حب علي وفاطمة (عليهم السلام) في السر لم ينفعكم في العلانية. * الشرح: قوله (خالطوا الناس فإنه إن لم ينفعكم حب علي وفاطمة (عليهم السلام) في السر لم ينفعكم في العلانية) أراد بالناس، من أنكر حرمتهما أو أبغضهما وأبغض أولادهما الطاهرين وشيعتهم، وكره استماع فضائلهم وتقدمهم على الأمة كلهم، ولما كانت مخالطتهم توجب إخفاء محبتهم وسترها خوفا منهم أمر بالمخالطة دفعا لضررهم بتركها، وعلل بأن المحبة أمر قلبي لا تنافي المخالطة وإن تلك المحبة القلبية هي النافعة إذ لم تنفع المحبة العلانية اللسانية إذ نفع هذه فرع لنفع تلك والفرع لا يتحقق بدون تحقق الأصل. * الأصل: 156 - جعفر عن عنبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إياكم وذكر علي وفاطمة (عليهم السلام) فان الناس ليس شئ أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة (عليهم السلام). * الشرح: قوله (إياكم وذكر علي وفاطمة (عليهم السلام) فإن الناس ليس شئ أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة (عليهم السلام)) حذر عن ذكرهما عند الناس المبغضين لهما ترغيبا في التقية منهم وحفظ النفس من شرهم والثواب المترتب على ذكرهما مترتب على ترك ذكرهما تقية. * الأصل: 157 - جعفر، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد. * الشرح: قوله: (ان الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد) سيجئ نظيره في حديث نوح (عليه السلام) ولا حاجة الى التأويل بأنه كناية عن زوال دولتهم باعتبار أنها أمر منقطع لأن أسرع الفلك وابطاؤة على القدر المعتاد أمر ممكن بالنسبة الى القدرة الكاملة، كيف لا وحركته أما أرادية أو قسرية أو طبيعية، وعلى التقادير بمكن السرعة والبطوء فيها وبختلف

[ 182 ]

بحسبهما الزمان زيادة ونقصانا، أما على الأولين فظاهر وأما على الأخير فلأن الحركة الطبيعية تشتد وتضعف بالقسر، ونظير ذلك ما رواه مسلم في حديث الدجال أنه يلبث في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وساير أيامه كأيامكم، قال القرطبي: يخرق العادة في تلك الأيام ويبطأ بالشمس عن حركتها المعتادة في تلك الأيام حتى يكون الأول كسنة والثاني والثالث كما ذكر، وهذا ممكن انتهى كلامه بعينه. * الأصل: 158 - جعفر بن بشير، عن عمرو بن عثمان، عن أبي شبل قال: دخلت أنا وسليمان بن خالد على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له سليمان بن خالد: إن الزيدية قوم قد عرفوا وجربوا وشهرهم الناس، وما في الأرض محمدي أحب إليهم منك، فإن رأيت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل، فقال: يا سليمان بن خالد إن كان هؤلاء السفهاء يريدون أن يصدونا عن علمنا إلى جهلهم فلا مرحبا بهم ولا أهلا، وإن كانوا يسمعون قولنا وينظرون أمرنا فلا بأس. * الشرح: قوله: (فقال له سليمان بن خالد: إن الزيدية قوم قد عرفوا وجربوا وشهرهم الناس، وما في الأرض محمدي أحب إليهم منك) جربتة تجربيا: اختبرته مرة بعد أخرى، والاسم التجربة وشهرته بكذا وشهرته بالتشديد: للمبالغة، ولعل المراد أنهم عرفوا حقك وفضلك إن كان الفعل معلوما، أو عرفوا بحبك إن كان مجهولا وجربوا به وشهرهم الناس به وما في الأرض أحد من أولاد محمد (صلى الله عليه وآله) وأتباعه أحب إليهم منك، وهذه الأمور مقتضية لإدنائهم وتقريبهم، فلذلك قال (فإن رأيت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل) على سبيل الالتماس أو التضرع أو الشفاعة فأجاب (عليه السلام) بأن هؤلاء السفهاء والجهلة إن كانوا يريدون بالمخالطة والمعاشرة (أن يصدونا عن علمنا) بموضع الولاية والأحكام وما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جهلهم ويردونا الى طريقتهم فلا مكان لهم عندنا ولا قرابة، وإن كانوا يسمعون قولنا ويتبعون علمنا وينتظرون أمرنا وهو ظهور الصاحب (عليه السلام) أو الأعم فلا بأس بمخالطتهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم، وفيه دلالة على أنه ينبغي التقارب بالموافق والتباعد من المخالف. * الأصل: 159 - عد ة من أصحبنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انقطع شسع نعل أبي عبد الله (عليه السلام) وهو في جنازة فجاء رجل بشسعه لينا وله فقال: أمسك عليك شسعك فان صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها.

[ 183 ]

* الشرح: قوله: (انقطع شسع نعل أبي عبد الله (عليه السلام) في جنازة) الشسع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام. والزمام: السير الذي يعقد فيه الشسع (فإن صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها) الصبر: حبس النفس عن الجزع، والمصيبة: الشدة النازلة وكل ما يثقل على النفس فهو مصيبة، وهذا القول كاد أن يكون مثلا لكل من أراد أن يدفع المكروه عن الغير بحمله على نفسه. 160 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحجامة في الرأس هي المغيثة تنفع من كل داء إلا السأم، وشبر من الحاجبين إلى حيث بلغ إبهامه ثم قال: هاهنا. * الشرح: قوله: (الحجامة في الرأس هي المغيثة تنفع من كل داء إلا السأم) اما أن يراد به المبالغة في أن منافع الحجامة كثيرة يندفع أكثر الأمراض، أو يراد بالداء، الداء الدموي فيكون عاما مخصوصا وإلا فالأمر مشكل لأن كون الحجامة نافعة في جميع الأمراض محل تأمل، وعلم ذلك تقدير صحة السند وإرادة العموم مرفوع عنا والله يعلم حقائق الأشياء. (وشبر من الحاجبين الى حث بلغ إبهامه ثم قال هاهنا) الشبر بالكسر: ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، وشبرت الشئ شبرا من باب قتل قسته بالشبر. * الأصل: 161 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن مروك بن عبيد، عن رفاعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: أتدري يا رفاعة لم سمي المؤمن مؤمنا ؟ قال: قلت: لاأدري، قال: لأنه يؤمن على الله عز وجل فيجيز الله له أمانه. * الشرح: قوله: (قال: أندري يا رفاعة لم سمي المؤمن مؤمنا ؟ قال: قلت: لا أدري، قال: لأنه يؤمن على الله عز وجل فيجيز الله له أمانه) لعل المراد بالمؤمن: الكامل من جميع الوجوه أو أكثرها، فإن لهم درجة الشفاعة والأمان يوم القيامة، والأعم محتمل، وتعدية يؤمن بعلى باعتبار معنى الوجوب. * الأصل: 162 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن حنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا يبالي الناصب صلى أم زنى وهذه الآية نزلت فيهم " عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ". * الشرح: قوله: (لا يبالي الناصب صلى أم زنى) الظاهر أن لا يبالي مبني للمفعول يقال: لا اباليه ولا أبالي

[ 184 ]

به: أي لاأهتم ولا أكترث له، وفي الصباح الأصل فيه قولهم: تبالي القوم إذا تبادروا الى الماء القليل فاستقوا فمعنى لا أبالي: لا أبادر إهمالا له، ولعل المراد، أن صلاته غير نافعة له، أو أن صلاته أيضا معصية كالزنا، لأن الصلاة الفاقدة لبعض شرائط صحتها معصية يعذب بها صاحبها كما يعذب من صلى بغير طهارة، وهذا أظهر (وهذه الآية نزلت فيهم عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) أي شديد حرها، وقد قيل: ان حرارة نار جهنم أشد من حرارة نار الدنيا بسبعين درجة. * الأصل: 163 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن زيد، عن محمد بن مرازم، ويزيد بن حماد جميعا، عن عبد الله بن سنان فيما أظن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لو أن غير ولي علي (عليه السلام) أتى الفرات وقد أشرف ماؤه على جنبيه وهو يزخ زخيخا فتناول بكفه وقال بسم الله فلما فرغ قال: الحمد لله، كان دما مسفوحا أو لحم خنزير. * الشرح: قوله: (وهو يزخ زخيخا) زخه يزخه زخيخا: رفعة بيده وفي كنز اللغة: " زخيخ چيزى را بدست دور داشتن وبدور انداختن ". ولعل السر في حرمة شربه، أن كل ما في الدنيا فهو مال الإمام (عليه السلام)، كما دل عليه بعض الروايات وقد أباحه لأوليائه، فمن تناول منه من أعدائه فهو حرام عليه مثل لحم الخنزير. * الأصل: 164 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل ذكره، عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف صنعتم بعمي زيد ؟ قلت: إنهم كانوا يحرسونه فلما شف الناس أخذنا جثته فدفناه في جرف على شاطئ الفرات فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه، فقال: أفلا أو قرتموه حديدا وألقيتموه في الفرات، صلى الله عليه ولعن الله قاتله. * الشرح: قوله: (قلت: إنهم كانوا يحرسونه بعد صلبه فلما شف الناس): أي قلوا (أخذنا خشبته) في بعض النسخ " جثته " (فدفناه في جرف على شاطئ الفرات) في المصباح الجرف بضم الراء وبالسكون للتخفيف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض، وفي كنز اللغة جرف: " مكاني كه أو را سيل شكافته وجوى كرده " وهذا الحديث دل على مدح زيد وحسن حاله قال الفاضل الاسترابادي في رجاله: زيد بن علي بن الحسين، مدني، تابعي، قتل سنة إحدى وعشرين ومائة، وله اثنان وأربعون سنة، وهو جليل القدر، عظيم المنزلة، قتل في سبيل الله وطاعته، وورد في علو قدره روايات يضيق المقام عن إيرادها انتهى.

[ 185 ]

* الأصل: 165 - عدة عن أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام. * الشرح: قوله: (قال: إن الله عز وجل أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام) الظاهر أن الباء متعلق بأذن، يعني: وقع الإذن بسبعة أيام بعد إحراقهم، وكان قتله سنة إحدى وعشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان انقطاع ملكهم سنة إحدى وثلاثين ومائة، ومدة ملكهم إحدى وتسعون سنة وملوكهم أربعة عشر رجلا. * الأصل: 166 - سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عمن ذكره، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله جل ذكره ليحفظ من يحفظ صديقه. * الشرح: قوله: (إن الله ليحفظ من يحفظ صديقه) بدفع المكاره عنه وجلب المنافع له، والصديق المصادق وهو بين الصداقة من الصدق في الود والحب، وفيه ترغيب في حفظ أولياء الله واحبائه. * الأصل: 167 - سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن سعدان، عن سماعة قال: كنت قاعدا مع أبي الحسن الأول (عليه السلام) والناس في الطواف في جوف الليل فقال: يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عز وجل. * الشرح: قوله: (يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم. ان) لعل المراد بهذا الخلق: نوع البشر بقرينة أنهم لا يشفعون لأعدائهم، ولا يستوهبون لهم، أو الناس كانوا أشياعهم وأتباعهم. * الأصل: 168 - سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن سليمان المسترق، عن صالح الأحول قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر أن لا يعصي سلمان. * الشرح: قوله: (قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبى ذر، واشترط على

[ 186 ]

أبي ذر أن لا يعصي سلمان) في الاشتراط تأكيد للتعاون والتناصر والمواساة ورعاية الحقوق التي تقتضيه الإخوة الدينية، وفيه دلالة على كمال فضل سلمان (رضي الله عنه)، وعلى أن على الفاضل متابعة الأفضل وترك عصيانه قولا وفعلا وغيرهما. قال القرطبي: آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين على بن أبي طالب ونفسه فقال: أنت أخي وصاحبي، وفي رواية أخرى: أخي في الدنيا والآخرة، وكان علي (رضي الله عنه) يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، لم يقلها أحد قبلي ولا بعدي إلا كاذب مفتر، وبين أبي عبيدة بن الجراح وأبي طلحة وبين أبي بكر وخارجة بن زيد وبين عمر وعتبان بن مالك، وبين عثمان وأوس ابن ثابت أخي حسان بن ثابت، وهكذا بين بقيتهم، ثم قال: المواخاة: مفاعلة من الأخوة ومعناه: أن يتعاهد الرجلان على التناصر والمواساة والتوارث حتى يصيرا كالأخوين نسبا، وقد يسمى ذلك حلفا كما قال أنس حالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين قريش والأنصار في المدينة وكان ذلك معروفا في الجاهلية معمولا به عندهم، ولم يكونوا يسمونه إلا حلفا، ولما جاء الإسلام عمل النبي (صلى الله عليه وآله) به وورث به كما جاء في السير وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخا بين أصحابه مرتين قبل الهجرة وبعدها، قال أبو عمرو: والصحيح عند أهل السير في المؤاخاة التي عقدها رسول الله بين المهاجرين والأنصار حين قدومه المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والحق، فكانوا يتوارثون دون القرابة حتى نزلت * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فنسخ ذلك ورد التوارث الى القربة وقصر التحالف والتعاهد على نصرة الحق والقيام والمواساة، وسمي ذلك أخوة، مبالغة في التأكيد وهذه المواخاة لكونها محصورة على الإعانة في الأمور المشروعة غير المواخاة الجاهلية لأن المتحالفين في الجاهلية، كانا يتناصران في كل شئ فيمتنع الرجل حليفه وان كان ظالما ويقوم دونه ويدفع عنه بكل ممكن حتى يمنع الحقوق وينتصر به على الظلم والفساد انتهى كلامه بعينه. * الأصل: 169 - سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن خطاب بن محمد، عن الحارث بن المغيرة، قال لقيني أبو عبد الله (عليه السلام) في طريق المدينة فقال: من ذا ؟ أحارث ؟ قلت: نعم، قال: أما لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، ثم مضى فأتيته فاستأذنت عليه فدخلت فقلت: لقيتني فقلت: لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، فدخلني من ذلك أمر غظيم، فقال: نعم ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه وتقولوا قولا بليغا ؟ فقلت له: جعلت فداك إذا لايطيعونا ولا يقبلون منا ؟ فقال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم.

[ 187 ]

* الشرح: قوله: (ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون) من الذنوب وإفشاء السر وخلاف الآداب (أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه) التأنيب: المبالغة في التوبيخ، والتعنيف والعذل: الملامة كالتعذيل والاسم العذل محركة واعتذل وتعذل قبل الملامة (وتقولوا له قولا بليغا) أي بالغا متراقيا الى أعلى مراتب النصح والموعظة من قولهم بلغت المنزل إذا وصلته أو كافيا في ردعه عن نكره كما كان يقال في هذا بلاغ أي كفاف أو فصيحا مطابقا لمقتضى المقام (فقلت له جعلت فداك إذا لايطيعونا ولا يقبلون منا فقال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم) هذا أيضا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه فوايد: الأولى: ترك التشابة بهم، الثانية: التحرز من غضب الله وعقوبته عليهم، الثالثة تحقق لزوم البغض في الله وثباته، الرابعة: رفض التعاون في المعصية فأن الوصل بالعاصي، والمساهلة معه يوجب معاونته في المعصية وجرأته فيها، الخامسة: بعثه على ترك المعصية فإن الوصل العاصي إذا شاهد هجران الناس عنه ينفعل وينزجر عن فعله بل تأثيره قد يكون أنفع من القول والضرب. * الأصل: 170 - سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن سيابة بن أيوب، ومحمد بن الوليد، وعلي بن أسباط يرفعونه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إن الله يعذب الستة بالستة: العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والأمراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهل. * الشرح: قوله: (إن الله تعالى يعذب الستة بالستة) أي ستة أصناف بستة أوصاف واحدا بواحد (العرب بالعصبية) قيل: العصبية من لوازم الكبر وكانت حقيقتها تعود الى العصب عن تصور المؤذي مع الترفع على فاعله، واعتقاد الشرف عليه، وكانوا قبايل متعددة، وكان الرجل يخرج من منازل قبيلة فيمر بمنازل قبيلة أخرى فيقع أدنى مكروه من أحدهم فينسب إليه وإلى قبيلته ما لا يليق فينادي هذا نداء عاليا أي آل فلان فيثور عليه فساق القبيلة ويضربونه، فمضى هو الى قبيلته ويستصرخ بها يقصد به الفتنة وإثارة الشر، فتسل بينهم السيوف وتثور الفتنة ويقتل جم غفير ولايكون لها أصل في الحقيقة ولاسبب يعرف. (والدهاقين بالكبر) قيل: دهقان: معرب دهبان، وفي المغرب، الدهقان: معرب يطلق على رئيس القرية وعلى التاجر، وعلى من له مال وعقار، وداله مكسورة، وفي لغة تضم، والجمع دهاقين ودهقن الرجل وتدهقن: كثر ماله. (والامراء بالجور) الامراء لمشاهدة قوتهم الفانية في نفوسهم الخسيسة المايلة عن الحق كثيرا ما يجورون الضعفاء والعجزة ويظلمونهم في النفس والمال والعرض والله يعذبهم وينتقم منهم،

[ 188 ]

(والفقهاء بالحسد) الحسد: هو تمني رجل زوال نعمة الغير بالوصول إليه أو مطلقا وإن كان قد يتحقق في غير الفقهاء أيضا إلا أنه في الفقهاء أكثر وأقبح، أما أنه أكثر، فلأن المحسود به هنا وهو الكمال والشرف أعظم وهو أولى بالحسد من المال فيكون أكثر، وأما أنه أقبح، فلأن العالم الفقيه اعلم بقبح الحسد من غيره فالحسد منه أقبح وإذا كان كذلك فهو أولى بالتعذيب لأجل الحسد من غيره، (والتجار بالخيانة) في كنز اللغة: " خيانت با كسى دغلى وناراستى كردن " وهي وإن كانت توجد في غير التجار أيضا لكنها فيهم أكثر كما ورد " إلا أن التجار فجار، والفجار في النار " فهم أولى وأقدم بالتعذيب من غيرهم لأجلها، (وأهل الرساتيق بالجهل) في المصابح، الرستاق: معرب ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم والرزداق مثله والجمع رساتيق ورزاديق وقال بعضهم: الرستاق وصوابه رزدان والمراد بالجهل: الجهل بالأحكام الشرعية سيما الواجبات العينية فإنه فيهم أظهر وأكثر وأشد من السواد الأعظم، وهذه الفقرات في لفظ أخبار ووعيد وفي المعنى أمر لكل صنف بترك ما تلبس به من المعصية. * الأصل: 171 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل خائفا جائعا في الله عز وجل. * الشرح: قوله: (ماكان شئ أحب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل خائفا جائعا في الله عز وجل) مر سابقا بعينه مع شرحه وبيان مراتب الخوف وفوايد الجوع. * الأصل: 172 - علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جمعيا، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، وحفض بن البختري وسلمة بياع السابري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أخذ كتاب علي (عليه السلام) فنظر فيه قال: من يطيق هذا من يطيع ذا ؟ قال: ثم يعمل به وكان إذا قام إلى الصلاة تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه وما أطاق أحد عمل علي (عليه السلام) من ولده من بعده إلا علي بن الحسين (عليه السلام). * الشرح: قوله: (كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أخذ كتاب علي (عليه السلام) فنظر فيه قال من يطيق هذا. اه‍) كمال العبادة والشكر إنما يتحقق بربط كل عضو من الأعظاء الظاهرة والباطنة في كل وقت من الأوقات بما هو مطلوب منه وجوبا وندبا مع غاية خضوع القلب وخشوعه اللازم لكمال الخوف وإدراك الهيبة والعظمة الإلهية، وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه المثابة وفوق ذلك، وبعده سيد العابدين

[ 189 ]

على ابن الحسين (عليهم السلام) كان ذلك لتفرغ قلبه الطاهر عن أشغال الدنيا وصرف همته الى الطاعات وفعل الخيرات، وفيه تنبيه للغافلين وإيقاظ لهم عن نوم الغفلات، وترغيب في فعل العبادات. * الأصل: 173 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن ولي علي (عليه السلام) لا يأكل إلا الحلال لأن صاحبه كان كذلك وإن ولي عثمان لا يبالي أحلالا أكل أو حراما لان صاحبه كذلك، قال: ثم عاد الى ذكر علي (عليه السلام) فقال: أما والذي دهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما، قليلا ولا كثيرا حتى فارقها ولاعرض له أمران كلاهما لله طاعة إلا بأشدهما على بدنه، ولا نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) شديدة قط إلا وجهه فيها ثقة به، ولا أطاق أحد من هذه الامة عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده غيره ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر إلى الجنة والنار، ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله كل ذلك تحفي فيه يداه وتعرق جبينه التماس وجه الله عز وجل والخلاص من النار وما كان قوته الخل والزيت وحلواه التمر إذا وجده وملبوسه الكرابيس فإذا فضل عن ثيابه شئ دعا بالجلم فجزه. * الشرح: قوله: (إن ولي علي (عليه السلام) لا يأكل إلا الحلال. اه‍) دل على أن آكل الحرام ليس بولي علي بل هو ولي لعثمان، لأن من اقتفى أثر أحد فهو منه) ولاعرض له أمران كلاهما لله طاعة إلا أخذ بأشدهما (1) على بدنه) لطلب الأفضل كما روي " أفضل الأعمال أحمزها " ولمخالفة النفس وهواها لأن النفس مائلة إلى الأسهل، واحترز بقوله كلاهما طاعة عما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز تعذيب النفس بغير طاعة (ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر الى الجنة والنار) شبه رؤيته القلبية البالغة مرتبة عين اليقين برؤيته العينية في الجلاء وانكشاف الخفاء باعتبار أن أجلى المعلومات هو المحسوسات وإليه أشار (عليه السلام) بقوله " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " اذيقينه لما كان في نهاية الكمال لا يتصور فيه الزيادة والنقصان، فهو قبل المشاهدة العينية كهو بعدها، ومن البين أن من بلغ هذه المرتبة لا يترك شيئا من الخيرات، (ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله كل ذلك تحفي فيه يداه) الحفارقة: القدم والخف والحافر من كثرة المشي، والإحفاء والتحفي: المبالغة في العمل فالفعل إما مجرد أو مزيد من باب الأفعال أو التفعل (وما كان قوته إلا الخل والزيت) لعل المراد بالقوت: الأدم ولا يتوهم أنه (عليه السلام) لم يجد غيره لأن من أعتق الف مملوك من صلب ماله


1 - قوله " إلا أخذ بأشدهما " زعم بعض الناس أنه ليس سعادة فوق اجتناب المحرمات وأداء الواجبات ولا يزيد بالنوافل شئ يعتد به، وكذلك بالزهد والرياضة وإنما الواجب والحرام بمنزلة القوت الضروري لأفقر الفقراء في الدنيا لا يحصل بها الإنسان في الآخرة الأعلى أقل الدرجات (ش). (*)

[ 190 ]

وتصدق أموالا جزيلة لوجه الله تعالى لا يتصور فيه ذلك بل لأن ذلك أصلح في تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة وتزكيتها وتبعيدها عن أهوائها، ولتسلية نفوس الفقراء الذين لا يجدون الأطمعة اللذيذة والادم النفيسة، وتنبيههم على أن الضروري من الطعام ما تقوم به البنية، وتبقي معه الحياة، (وحلواه التمر) إذا وجده والحلواء ويقصر معروف والفاكهة الحلوة (وملبوسه الكرابيس) في المصباح، الكرباس: الثوب الخشن، وهو فارسي عرب بكسر الكاف والجمع: كرابيس، وينسب إليه بياعه فيقال كرابيسي (فإذا فضل عن ثيابه شئ دعا بالجلم فجزه) الجلم بالتحريك: ما يجز به الشعر والصوف كالمقراض، وإنما جزه لأن تطويل جيب القميص وكمه مذموم شرعا لدلالته على الخيلاء والتجبر عند العرب وقد روي عن طريق العامة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إزرة المؤمن على انصاف ساقيه، ثم قال: ولاجناح عليه فيما بينه وبين الكعب وما أسفل من ذلك ففي النار " ونقلوا أن إطالة الكم أن يتجاوز عن طرف الأصابع، فجز الفضل هنا يحتمل جز ما زاد على الأصابع وجز ما زاد على الكعبين أو على نصف الساق، والأول أصح لأنه قد مر " أن قميصه (عليه السلام) إذا جاز أصابعه قطعة وإذا جاز كعبة حذفه ". * الأصل: 174 - أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان بن خالد، عن عامل كان لمحمد بن راشد قال: حضرت عشاء جعفر بن محمد (عليه السلام) في الصيف فأتى بخوان عليه خبز وأتى بجفنة فيها ثريد ولحم تفور فوضع يده فيها فوجدها حارة ثم رفعها وهو يقول: نستجير بالله من النار، نعوذ باالله من النار، نحن لانقوى على هذا فكيف النار، وجعل يكرر هذا الكلام حتى أمكنت القصعة فوضع يده فيها ووضعنا أيدينا حين أمكنتنا فأكل وأكل وأكلنا معه، ثم إن الخوان رفع فقال: يا غلام ائتنا بشئ فاتي بتمر في طبق فمددت يدي فإذا هو تمر، فقلت: أصلحك الله هذا زمان الأعناب والفاكهة ؟ قال: إنه تمر، ثم قال: ارفع هذا وأتنا بشئ فاتي بتمر فمددت يدي فقلت: هذا تمر ؟ فقال: إنه طيب. * الشرح: قوله: (فأتى بخوان) الخوان: كغراب وكتاب ما يؤكل عليه الطعام، والجفنة بالفتح: كالقصعة وفي كنز اللغة جفنة " كاسه چوبين " والفور: الغليان (قال: إنه تمر) هذا إما استفهام أو خبر لبيان أنه أشرف مما ذكر، وأمره بالرفع لرعاية جانب الضيف وشهوته، ولعل الآتي الثاني غير الأول فأتى بالتمر لعدم علمه بأن الأول أتى به مع احتمال أن يكون الأول وأتى به ثانيا لعدم وجود غيره من الأعناب والفواكه التي شتهاها الضيف (فقال علي (عليه السلام): إنه طيب) جيد بعد الطعام أحسن من الفواكه فيدل على أنه ينبغي إظهار ما حضر في البيت للضيف من غير تكلف.

[ 191 ]

* الأصل: 175 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبضة تواضعا لله عز وجل وما رأى ركبتيه أمام جليسه في مجلس قط ولاصافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا قط فنزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ولاكافأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسسئة قط قال الله تعالى له: " ادفع بالتي هي أحسن السيئة " ففعل، وما منع سائلا قط، إن كان عنده أعطى وإلا قال: يأتي الله به، ولا أعطى على الله عز وجل شيئا قط إلا أجازه الله إن كان ليعطي الجنة فيجيز الله عز وجل له ذلك قال: وكان أخوه من بعده والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما قط حتى خرج منها والله كان ان ليعرض له الأمران كلاهمالله عز وجل طاعة فيأخذ بأشد هما على بدنه، والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عز وجل دبرت فيهم يداه، والله ما أطاق عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده أحد غيره والله ما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط إلا قدمه فيها ثقه منه به وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليبعثه برايته فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ثم ما يرجع حتى يفتح الله عز وجل له. * الشرح: قوله: (ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا) الأكل متكئا وإن جاز كما مر لكن الأفضل تركه تعظيما للنعمة والمنعم، ألا ترى أن من أكل متكئا في مائدة رجل جليل القدر ذمه أهل العرف وعده محقرا لها ولصاحبها وإن لم يكن قصده التحقير (وما رأى ركبتيه أمام جليسه) لتبعيد نفسه، عن أثر التكبر وتعظيم جليسه والظاهر أن رأى معلوم والفاعل هو الرسول أو غيره لا مجهول وإلا لكان ركبتاه بالرفع (قال الله له ادفع بالتي هي أحسن السيئة) ففعل ما أمره الله تعالى به من مقابلة السيئة التي وقعت بالنسبة إليه بالعفو والصفح والإحسان فهو أحسن من المؤاخذة بمثلها وإن كانت جائزة لقوله تعالى * (فاعتدوا بمثل ما اعتدى عليكم) * وهذا التفسير لا ينافي ما مر من تفسير الإحسان بالتقية لأن الآية قد يكون لها وجوه متعددة (والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عز وجل دبرت فيهم يداه) الدبر: محركة: القرحة وفعله كفرح (ما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط إلا قدمه فيها) حروبه وقتاله (عليه السلام) مع الأعداء، وإقدامه على النوازل والحوادث وشجاعته ونصرته للرسول والمؤمنين بين العامة والخاصة مشهورة، وفي كتب السير والأخبار مذكورة، وقد نادى جبرئيل (عليه السلام) يوم أحد " لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار ". * الأصل: 176 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة

[ 192 ]

وسيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم، قال: وكان علي (عليه السلام) يستقي ويحتطب، وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز وترقع، وكانت من أحسن الناس وجها كأن وجنتيها وردتان صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وولدها الطاهرين. * الشرح: قوله: (كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة وسيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله). اه‍) الطعمة بالضم: المأكلة: وهي ما يؤكل، والسيرة: الطريقة والهيئة والحالة (كان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم اه‍) فيه تنبيه على رياضة النفس وحملها على الرياضة وقلة الأكل والاعتبار بالجشب من الطعام وإيثار الأحسن منه والعمل لنفسه وترك الاستنكاف منه (وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن) طحنت البر طحنا من باب نفع فهو طحين ومطحون (وتعجن) عجنته عجنا، من باب ضرب ونصر فهو معجون وعجين اعتمدت عليه بجمع الكف والغمز فيه، وأصل العجن: الاعتماد ومنه قيل للمسن الكبير إذا اعتمد بيده على الأرض عند القيام عاجن (وتخبز) خبزت الخبز من باب ضرب: صنعته (وترقع) رقعت الثوب من باب منع: أصلحته بالرقعة وهي بالضم ما يرقع به الثوب والجمع: الرقاع بالكسر وفيه تسلية للمؤمنين والمؤمنات في تحمل أعمال أنفسهم (كان وجنتيها وردتان) الوجنة مثلثة وككلمة: ما ارتفع من الخدين. * الأصل: 177 - سهل بن زياد، عن الريان بن الصلت، عن يونس رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل لم يبعث نبيا قط إلا صاحب مرة سوداء صافية، وما بعث الله نبيا قط حتى يقر له بالبداء. * الشرح: قوله: (إن الله عزوجل لم يبعث نبيا قط إلا صاحب مرة سوداء) صافية عن كدرة لذات الدنيا ورذايل النفس من الحسد والنفاق والغلظة وغيرها، والمرة بالكسر: مزاج من أمزجة البدن والقوة والشدة أيضا، فيمكن أن يراد بها الخلط الأسود الصافي كما صرح به بعض الأفاضل وقال: إنه أصلح وأنفع بحال الإنسان في حدة الطبع ودقة النظر، وأن يكون كناية عن القوة الغضبية الصافية عن رذيلتي الإفراط والتفريط ويعبر عنه بالشجاعة. (وما بعث الله نبيا حتى يقر له باالبداء) البداء بالفتح والمد: إيجاد الأشياء كل شئ في وقته بتقدير وتدبير وإرادة حادثة لمصلحة لا يعلمها إلا هو، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه لو علم الناس ما في البداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه " أقول لأن فيه اعترافا بسلطانه تعالى وتقديره وتدبيره وقدرته على أيجاد الحوادث واختياره في إفاضة الوجود واقتداره على إعدام ما أراد عدمه وابقاء ما أراد بقاؤه، وخروجا عن قول اليهود القائلين بأنه قد فزغ من الأمر فراغا لا يريد ولا يقدر ولا يدبر بعده شيئا، وعن قول الحكماء القائلين

[ 193 ]

بأنه واحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وعن قول المعتزلة القائلين بأنه خلق الأشياء كلها دفعة ثم يظهر وجوداتها متعاقبة بحسب تعاقب الأزمنة، وعن قول الدهرية القائلين بأن الجالب للحوادث هو الدهر وعن قول الملاحدة القائلين بأن المؤثر هو الطبايع. * الأصل: 178 - سهل، عن يعقوب بن يزيد، عن عبد الحميد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ناقته قالت له الناقة والله لاأزلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا. * الشرح: قوله: (لما نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ناقته قالت له الناقة والله لا زلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا) لما نفر المنافقون ناقته بالدباب في العقبة المعروفة تكلمت الناقة بإذن الله تعالى وقالت له هذا القول وأخبرته بمكرهم، والإرب: العضو، والقضية مذكورة في كتاب الاحتجاج للطبرسي مفصلة، وفيه أيضا: أن عليا حينئذ كان في المدينة بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)، وبعض المنافقين معه حفروا بئرا في طريقه وطمسوا رأسها فلما بلغ فرسه قريبا منها لوى عنقه وأخبره بالبئر وكانت هذه القضية مقارنة لقضية تنفير الناقة فنزل جبرئيل (عليه السلام) وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بما فعلوا بعلي (عليه السلام). * الأصل: 179 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد جميعا، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: يا ليتنا سيارة مثل آل يعقوب حتى يحكم الله بيننا وبين خلقه. * الشرح: قوله (يا ليتنا سيارة مثل آل يعقوب حتى يحكم الله بيننا وبين خلقه) كما حكم بين آل يعقوب بإظهار يوسف في كمال القوة والقدرة والسلطنة على أحبائه، والسيارة: القافلة ولعل المراد بهم من دخلوا عليه حتى عرفوه وأخبروا بحاله وموضعه يعقوب، وقد تمنى (عليه السلام) ظهور المهدي المنتظر في وقته وأخبار المخبرين به ليستولي على أعدائه ويظهر دين آبائه على الأديان الباطلة كلها. * الأصل: 180 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن إسماعيل بن قتيبة، عن حفص بن عمر، عن إسماعيل بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يقول: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل إنما أتقبل هواه وهمه فإن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تقديسا وتسبيحا. * الشرح: قوله: (ان الله عز وجل يقول لست كل كلام الحكمة أتقبل، إنما أتقبل هواه وهمه) ضمير هواه

[ 194 ]

وهمه راجع الى المتكلم المفهوم من الكلام، والهم: العزم، والقصد: الإرادة، والمراد أن التكلم بالحكمة والقوانين الشرعية والأقوال الصحيحة الثابتة لا ينفع المتكلم ما لم تكن نيته خالصة صادقة وقصده صحيحا وإرادته متعلقة بمراد الله تعالى ورضاه فإنه تعالى لا ينظر الى الصورة الظاهرة وإنما ينظر الى الصورة الباطنة ويجزي عليها ويثبت بها كما أشار إليه بقوله (فإن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تسبيحا وتقديسا) وأثيب به ثوابا جزيلا مضافا على ثواب ما صدر منه ظاهرا وإلا فلا ثواب له وعليه عقوبة النفاق وفيه تنبيه على أنه ينبغي لكل عاقل من تصحيح قلبه أو لا وجعل ظاهره موافقا لباطنه. * الأصل: 181 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن الطيار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " قال: خسف ومسخ وقذف، قال: قلت: حتى يتبين لهم ؟ قال: دع ذا، ذاك قيام القائم. * الشرح: قوله: (سنزيهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق قال خصف ومسخ وقذف) خسف المكان خسفا: من باب ضرب: غار في الأرض وخسفه الله يتعدى ولا يتعدى وأسامه الخسف أولاه الذل والهوان ومسخه الله مسخا حول صورته الى صورة أقبح منها، وقذفه قذفا رماه بالحجارة، والظاهر أن هذه الثلاثة بيان للآيات في النفس، وأما الآيات في آفاق الأرض ونواحيها فيحتمل أن يكون الفتوحات التي تقع على يد الصاحب (عليه السلام)، والضمير في أنه راجع الى القائم (عليه السلام) أو الى قيامة أو الى دينه كما أشار إليه. * الأصل: 182 - سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار وابن سنان وسماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طاعة علي ذل ومعصيته كفر بالله، قيل: يا رسول الله كيف تكون طاعة علي ذلا ومعصيته كفرا بالله ؟ فقال: إن عليا يحملكم على الحق فإن أطعتموه ذللتم وإن عصيتموه كفرتم بالله. * الشرح: قوله: (طاعة علي ذل ومعصية كفر) الذل بضم الذال: " خوار شدن " وبكسرها " رام شدن ونرم شدن " كذا في كنز اللغة، والظاهر هنا هو الأول والمراد به: الذل عند الناس وقد وقع ما أخبر به (صلى الله عليه وآله) إلى ظهور القائم (عليه السلام) لأنهم يقتلون من أطاعه ويأسرون ويعدون ذلك موجبا للاجر كما قتلوا وأسروا في سالف الزمان.

[ 195 ]

* الأصل: 183 - عنه، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، أو غيره قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن بنو هاشم وشعيتنا العرب وسائر الناس الأعراب. * الشرح: قوله: (نحن بنو هاشم وشيعتنا العرب وسائر الناس الأعراب) لعل المراد أن الشيعة عرب بعد الموت يتكلمون بلسان العرب وسائر الناس وهم المخالفون كفار من العجم بقرينة الحديث التالي شبههم بالاعراب الذين قال الله تعالى في ذمهم " الأعراب أشد كفرا ونفاقا " وهم يتكلمون في القيامة بلسان الفرس، يدل على ذلك ما رواه المصنف في مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بإسناده عن عيسى شلقان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) له خؤلة في بني مخزوم وإن شابا منهم أتاه فقال: يا خالي إن أخي مات وقد حزنت عليه حزنا شديدا، قال: فقال له: أتشتهي أن تراه ؟ قال: بلى قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متزرا بها فلما انتهى الى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال: بلى، ولكنا متنا على سنة فلان وفلان فانقلبت ألسنتنا "، واحتمال كون المراد أن الشيعة كأهل الأمصار في كونهم من أهل العلم والدين والإيمان والمخالفون كأهل البادية في كونهم من أهل الجهل والكفر والخذلان بعيد. * الأصل: 184 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن حنان، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): نحن قريش وشيعتنا العرب وسائر الناس علوج الروم. * الشرح: قوله (نحن قريش وشيعتنا العرب وسائر الناس علوج، العلوج: كالاعلاج جمع علج بالكسر وهو الرجل من كفار العجم وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا. * الأصل: 185 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: كأني بالقائم (عليه السلام) على منبر الكوفة عليه قباء فيخرجون من وريان قبائة كتابا مختوما بخاتم من ذهب فيفكه فيقرأه على الناس فيجفلون عنه إجفال الغنم فلم يبق إلا النقباء فيتكلم بكلام فلا يلحقون ملجأ حتى يرجعوا إليه وإني لأعرف الكلام الذي يتكلم به. * الشرح: قوله: (كأني بالقائم (عليه السلام) على منبر الكوفة عليه قباء فيخرج من وربان قبائه كتابا مختوما. اه‍)

[ 196 ]

الكاف في كأني: للتشبيه وخبر أن محذوف والباء بمعنى مع أي كأني كائن مع القائم (عليه السلام) وناظر إليه، فقد شبه حالته العلمية بحالته البصرية في تحقق وقوعها وتيقنه ويحتمل إرادة المماثلة بين الحالتين من غير تشبيه إحداهما بالأخرى، وقوله " على منبر الكوفة " حال عن القائم (عليه السلام) وقوله " عليه قباء " حال بعد حال، والوربان بالكسر الجيب، وكأنه معرب كريبان (فيجفلون عنه أجفال الغنم) جفل الناس واجفلوا وانجفلوا: أي ذهبوا مسرعين، وفي المصباح جفل الشئ جفلا من بابي ضرب وقعدند وشرد فهو جافل وجفال مبالغة، وجفلت الطائر أيضا: نفرته، وفي طاوعه فأجفل هو بالألف جاء الثلاثي متعديا والرباعي لازما عكس المشهور يقال: أجفل القوم وانجفلوا وتجفلوا أسرعوا الهرب (فلم يبق النقباء) أي الأشراف من الشيعة وفي المصباح نقب على القوم من باب قتل نقابة بالكسر فهو نقيب أي عريف والجمع نقباء. * الأصل: 186 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن ابن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الحكمة ضالة المؤمن فيحثما وجد أحدكم ضالته فليأخذها. * الشرح: قوله: (الحكمة ضالة المؤمن فحيث ما وجد أحدكم ضالته فليأخذها) المراد بالحكمة العلم بالمعارف الإلهية التي تفيد البصيرة التامة، في أمر الدين، وقيل: هي نفس تلك البصيرة، ومن ثم قيل الحكمة: نور يهدي الله به من يشاء. والمعنى أن الحكمة ضالة المؤمن ومطلوبة له، فإذا وصل إليها ووجدها استقر قلبه وأخذها، وهو أولى بها كالضالة إذا وجدها صاحبها فإنه يأخذها وهو أولى بها من غيره، أو المراد أن الناس متفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأمور المرموزة فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الروايات على من رزق فهما وألهم تحقيقا وإن لم يكن أهلا لها كما أن صاحب الضالة لا ينظر الى خساسة من وجدها عنده، كذلك المؤمن والحكيم لا ينظر الى خساسة من يتكلم بالحكمة بالنظر إليه بل يأخذها منه أخذ الضالة، وفيه ترغيب على تعلم الحكمة ولو كان المعلم دونه في الدين والشرف والرتبة في العلم والعمل ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما نقل عنه السيد رضى الدين في نهج البلاغة: " خذ الحكمة أنى كانت فإن الحكمة تكون في صدر المنافق تضطرب في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن ". وقال أيضا: " الحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق " وفي كتب العامة " الحكمة ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها "، وقيل: المراد كما أن الرجل إذا وجد ضالة في مضيعة فسبيله أن لا يتركها بل يأخذ ويتفحص عن صاحبها حتى يجده فيرد ما عليه كذلك من

[ 197 ]

سمع كلاما لم يفهم معناه أو لا يبلغ منهه ومغزاه فعليه أن لا يضيعه ويحمله إلى من هو أفقه منه فلعله يفهم منه مالا يفهمه ويستنبط منه ما لا يستنبطه، أو المراد كما أن صاحب الضالة أخذ ضالته ممن يجدها ولا يحل له منع مالكها منها فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى ورأى في السايل فطانة واستعدادا لذلك العلم فعليه أن يعلمه إياه ولا يحل له منعه منه والأول أنسب. * الأصل: 187 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي بن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام) وابنته جعدة سمت الحسن (عليه السلام) ومحمد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السلام). * الشرح: قوله: (إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين (عليه السلام)) قال العلامة في الخلاصة نقلا عن الشيخ: إن الأشعث بن قيس الكندي أبو محمد سكن الكوفة ارتد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في ردة أهل ياسر، وزوجه أبو بكر أخته أم فروة، وكانت عوراء فولدت له محمدا وكان من أصحاب علي (عليه السلام) ثم صار خارجيا ملعونا، أقول: إن الأشعث هو الذي أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم ليحث عساكر أمير المؤمنين (عليه السلام) على الرضا بالتحكيم فأغراهم عليه حتى فعلوا ما فعلوا. * الأصل: 188 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن صباح الحذاء عن أبي اسامة قال: زاملت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: فقال لي: اقرأ [ قال ]: فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها فرق وبكى، ثم قال: يا أبا اسامة ارعوا قلوبكم بذكر الله عز وجل واحذروا النكت فأنه يأتي على القلب تارات أو ساعات (الشك من صباح) ليس فيه إيمان ولاكفر شبه الخرقة البالية أو العظم النخر. يا أبا اسامة أليس ربما تفقدت قلبك فلا تذكر به خيرا ولا شرا ولا تدري أين هو ؟ قال: قلت له: بلى إنه ليصيبني وأراه يصيب الناس قال: أجل ليس يعرى منه أحد. قال فإذا كان ذلك فاذكروا الله عز وجل واحذروا النكت فانه إذا أراد بعبد خيرا نكت إيمانا وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك، قال: قلت: ما غير ذلك جعلت فداك [ ما هو ] ؟ قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا. * الشرح: قوله: (ارعوا قلوبهم بذكر الله عز وجل) أمر بمراعات أحوال القلوب وحفظها بذكر الله تعالى عن السهو والغفلة فإن في غفلتها مفاسد ولذلك قال: (واحذروا النكت) أصل النكت أن يضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، والمراد به دخول شئ من المفاسد فيه كالكفر ونحوه فيتأثر به ومنه النكتة وهو النقطة وشبه الوسخ (فإنه يأتي على القلب تارات الخ) جمع تارة: وهي الحين

[ 198 ]

والمرة، والمراد بها ساعة الغفلة عن ذكره تعالى والاشتغال بما سواه ليس فيه إيمان ولاكفر، دل على أن الكفر وجودي وهو الانكار إذ لو كان عدميا كما قيل وهو عدم الايمان لما انتفيا معا (شبه الخرقة البالية أو العظم النخر) النخر: ككتف، والناخر: البالي المتفتت، وفيه تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح والتشويه والوجه هو الكثافة والرثاتة (فإنه إذا أراد بعبد خيرا نكت ايمانا وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك) لعل المراد بالخير اللطف والتوفيق وهو فعل صادر منه تعالى تابع لعلمه بحسن استعداد العبد لقبوله وبقاء فطرته الأصلية على نحو من الكمال، ويظهر منه حال قرينه فلا يرد أنه تعالى أراد خير كل العبد لأن المراد بهذا الخير أعمالهم الصالحة وفيه توجيه آخر ذكرناه في شرح الأصول. (قال: قلت: وما غير ذلك جعلت فداك ما هو ؟ قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا) إن قلت: هل فيه دلالة على أن الإيمان والكفر من فعله تعالى كما هو مذهب الأشاعرة أم لا ؟ قلت: لا، لأن هذا القلب الغافل لا محالة، إما أن يعود إلى الإيمان باختياره أو الى الكفر باختياره، فإن عاد إلى الأول كان في علمه السابق الأزلي إيمانه، وإن عاد الى الثاني كان فيه كفره فأراد عز وجل إيمانه أو كفره بالعرض ليطابق علمه بمعلوم إلا أن بين الإيمان والكفر فرقا وهو أنه تعالى أراد إيمانه بالذات أيضا دون كفره ولما كان صدورهما من هذا الغافل بإرادته تعالى بالعرض نسب نكتهما إليه بهذا الاعتبار وهو لا يستلزم صدورهما منه تعالى، وهذا هو المراد من قول أبي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث طويل " علم أنهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم " وليست إرادة حتم إنما هي إرادة اختيار وإن أردت زيادة توضيح فارجع إلى ما ذكرنا في شرح أحاديث باب الاستطاعة من كتاب التوحيد، ولنا توجيه آخر ذكرناه في باب سهو القلب من كتاب الإيمان والكفر، وحاصله أنه سبحانه وكل على القلب ملكا يهديه ويرشده الى الخير وشيطانا يضله ويرشده الى الشر كما دلت عليه الروايات المعتبرة المذكورة في كتاب المذكور فإن تابع الأول يعود إلى الإيمان وإن تابع الثاني يعود الى الكفر وبهذا الاعتبار كانت تلك النكتة منه تعالى والله أعلم. * الأصل: 189 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا عن زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني لاأكاد ألقاك إلا في السنين فأوصني بشئ آخذ به، قال: اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لاورع معه، وإياك أن تطمح نفسك إلى من فوقك، وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله (صلى الله عليه وآله): " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " وقال الله عز وجل لرسوله: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " فإن خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش

[ 199 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) فانما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله) فان الخلق لم يصابوا بمثله (صلى الله عليه وآله) قط. * الشرح: قوله: (اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد) أوصاه بأربع خصال مشتملة على جميع ما هو مطلوب من الإنسان: الأولى: التقوى: وهي ملكة تورث الخوف من الله تعالى والاجتناب عن المحارم والإتيان بوظائف الطاعات كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله " عباده الله إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم، الحديث " الثانية: صدق الحديث النافع في الدنيا والآخرة، وهو من توابع العدل المتوقف على استقامة القوى العقلية والغضبية والشهوية، إذ لو فسدت أحداهما وقع الكذب في اللسان كثيرا، الثالثة: الورع وهو ملكة التحرز عن المشتهيات ولذات الدنيا وإن كانت مباحة، الرابعة: الاجتهاد في العلم والعمل (وأعلم أنه لا ينفع اجتهاد لاورع معه) لأن الخير المختلط بشر شران ساويا أو زاد الشر ومشوب مختلط إن زاد الخير، والله سبحانه لا يتقبل إلا الخالص، ولأن الاجتهاد ميل الى الآخرة وترك الورع ميل الى الدنيا فيذهب هذا بذاك، ومن ثم قيل الميل الى الدنيا والآخرة لا يجتمعان. (وإياك أن تطمح نفسك الى من فوقك)، طمح بصره إليه من باب منع: امتد وارتفع وأشرف، وأصله قولهم: جبل طامح: أي طائل مشرف وفيه تحذير للانسان من أن ينظر الى من فوقه ويتمنى ما عنده من نعمه ومتاع الدنيا ويطلب اللحاق به، لأنه ربما يقع في الحرام ولايبالي ويشقى بذلك وربما لا يتيسر له اللحاق فيموت غما أو حسدا، وهو على التقديرين يبعد من الدين ويصير من الهالكين وإذا نطر إلى من هو دونه عرف قدر نعمه الله عليه والتزم شكر المنعم وطاعته، هذا حال الناظر الى متاع الدنيا وأما الناظر إلى الطاعة والعلم والزهد ينبغي أن يكون الأمر بالعكس (وكفى بما قال الله عز وجل لرسوله (صلى الله عليه وآله) * (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) * كفى هذا القول الكريم زجرا عن الطموح ومنعا من النظر والإشرف إذا المقصود منه نصيحة الأمة إذ قدس ذاته (صلى الله عليه وآله) ارفع من أن ينظر إليهم ويتمنى ما هم عليه من النعمة الفانية، ولو فرض أنه المقصود من هذه النصيحة فغيره أولى بها (وقال الله عز وجل * (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) *) نصب زهرة بمقدر دل عليه المذكور وهو متعنا وفيه وجوه آخر ذكرها المفسرون وإنما نهاه (صلى الله عليه وآله) عن مدالنظر الى ما متع به أصنافا من الكفرة وغيرهم من زهرة الدنيا وزينتها وتمنيه أن يكون له مثله لأن ذلك يوجب فساد القلب وحب الدنيا وكثرة الذنوب والبعد عن الآخرة التي هي دار المتقين (فإن خفت شيئا من ذلك) أي من الطموح ومد العينين (فاذكر عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله). آه) الوقود كالصبور: الحطب والسعف، محركة جريد النخل أو ورقة أمر بذلك فإن ذكر

[ 200 ]

عيشه وقناعته وصبره على الجوع وتركه الدنيا ولذات نعيمها مع أن الدنيا وما فيها خلقت له يسهل الصبر على ضنك المعيشة والإعراض عن زهرات الدنيا ويزيل حبها عن القلب (وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله)) بذلك يسهل الصبر على المصيبة الحاضرة لأن المصيبة الصغرى لاقدر لها عند المصيبة الكبرى وفيه حث على الصبر في مواطن المكروه وزجر عن الجزع منه بتذكر تلك المصيبة التي لا أعظم منها ومن المجرب أن تذكر المصائب الواردة على الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) هانت له صورة مصائب الدنيا كلها. * الأصل: 190 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن السري، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلم فرددنا (عليه السلام)، ثم قال: مالي أري حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب، وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم، سبيلهم سبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون، بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم، فيظنون أنهم مخلدون بعد هم هيهات هيهات [ أ ] ما يتعظ آخر هم بأولهم لقد جهلوا ونسوا كل واعظ في كتاب الله وأمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة. طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس. طوبى لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه. طوبى لمن تواضع لله عز ذكره وزهد فيما أحل الله له من غير رغبة عن سيرتي ورفض زهرة الدنيا من غير تحول عن سنتي واتبع الأخيار من عترتي من بعدي وجانب أهل الخيلاء ولاتفاخر والرغبة في الدنيا، المبتدعين خلاف سنتي العاملين بغير سيرتي. طوبي لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقه في غير معصية وعاد به على أهل المسكنة، طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره، طوبى لمن أنفق القصد وبذل الفضل وأمسك قوله عن الفضول وقبيح الفعل. * الشرح: قوله: (مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس، هذا حال أكثر كل عصر لغموض أمر الآخرة وخفاء أحوالها مع اغماضهم عين البصيرة عنها وظهور أمر الدنيا ونعيمها، مع ميل طبايعهم إليها وضعف عقولهم عن ادراك قبايحها وكشف مفاسدها، فصار ذلك سببا لحب الدنيا وترك الآخرة (حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب)، لكون حالهم شبيهة بحال من يظن

[ 201 ]

ذلك، وفيه تنبيه على أن تذكر الموت الباعث على فراق الدنيا والورود في الآخرة موجب لهوان الدنيا وما فيها ولذلك ورد في روايات كثيرة الحث على تذكره (وكان الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب) الظاهر أن المراد بالحق: حق الله تعالى وآدابه وأحكامه الدينية المتعلقة بكيفية العلم والعمل وتخصيصه بالموت بعيد (وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم)، السماع بالنسبة الى من مات من السابقين والغائبين والرؤية بالنسبة إلى من مات من الحاضرين وفيه توبيخ بترك العبرة بحالهم حيث كانوا في الدنيا فماتوا وتركوا ما في أيديهم اضطرارا وسكنوا قبورهم معذبين بعذاب أليم إلا من أتى الله بقلب سليم. (سبيلهم سبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون) سفر الرجل سفرا من باب طلب: خرج للارتحال فهو مسافر، والجمع سفر، مثل راكب وركب وصاحب وصحب، وفيه تنبيه على سرعة زوال العمر ورجوع الباقين الى الماضين وترغيب في العمل لما بعد الموت وترك حب الدنيا وزهراتها المانعة عن الاستعداد لما ينفع بعده (بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم فيظنون أنهم مخلدون بعدهم هيهات هيهات) أي بعد هذا الظن عن الصواب والتكرير للمبالغة، والجدث القبر والجمع أجداث مثل سبب وأسباب وفيه تنفير عن الدنيا وتزيين البيوت فيها لأن من علم أنه يسكن هذا البيت الضيق المظلم وهو القبر في زمان طويل لا يعلم طوله إلا الله يسهل عليه ترك الدنيا الفانية بحذافيرها فضلا عن بيت وصرف العمر في تحصيل ما يحتاج إليه البيت (أما يتعظ آخرهم بأولهم) فليقدر الآخر نفسه كالأول في أنه سكن الدنيا لحظة وارتحل الى الآخرة دفعة (ونسوا كل واعظ في كتاب الله تعالى) واعظ بليغ يعظهم بفناء الدنيا وخساسة متاعها واهلاكها السابقين بالركون إليها، ويدعوهم الى التذكر للموت والعمل لما بعده وغير ذلك من المنفرات عن الدنيا والمرغبات للآخرة (وآمنوا شر كل عاقبة سوء) لاحقه بهم في الدنيا للركون إليها وفي الآخرة بالإعراض عنها وترك العمل لها، وفيه ترغيب في الأعمال الصالحة وترك لوازم حب الدنيا لتحصيل النجاة من سوء العاقبة (ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة) الفادحة: النازلة الثقلية، وفوادح الدهر: خطوبه، فدح كمنع ثقل والظاهر أن بوائق عطف على نزول لا على فادحة لأن ذكر حادثة يتأبى عنه والبائقة: النازلة: وهي الداهية والشر الشديد، يقال: باقت الداهية إذا نزلت والجمع البوائق، وفي ذكر عدم الخوف مما ذكر ترغيب في الخوف منه وتنفير عن تركه المستلزم للميل الى الدنيا والمعاصي التابعة لها. (طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس)، أي الجنة أو طيب العيش في الدنيا والآخرة له، وفيه حث على الخوف من عذاب الله لأنه الموجب للامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه وزجر عن خوف الناس لأنه يوجب التشبث بأطوارهم والتباعد عن خوف الله تعالى (طوبى

[ 202 ]

لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه)، حرض المكلف على الاشتغال بعيوب نفسه واصلاحها والإعراض عن ذكر عيب غيره من المؤمنين خليقتة كانت أو كسبية إلا ما استثنى، وخص ذلك بالمؤمن إذ لا حرمة للكافر (طوبى لمن تواضع لله عز وجل) بالعبادة مع التذلل والخشوع له (وزهد فيما أحل الله له) من متاع الدنيا لعلمه بأنه يشغله عن الله تعالى وعن أمر الآخرة، والزهد في الشئ خلاف الرغبة فيه وفعله من باب منع وسمع وكرم (من غير رغبة عن سيرتي) أي طريقتي وهيئتي والرغبة عنها، إما بإنكارها أو بترك التمسك بها والبلوغ إليها وإن لم يكن لأحد لكن ينبغي طلب التشبه به وعدم ترك الميسور بالمعسور (ورفض زهرة الدنيا) أي زينتها ومتاعها مطلقا سواء أحل له أم لا من غير تحول عن سنتي وهي الشريعة التي جاءته من عند الله تعالى، وإنما خص البشارة بغير الراغب عن سيرته وغير المتحول عن سنته إذ الزهد ورفض الدنيا لا ينفعان لهما بل يلحق بهما خسران الدنيا والآخرة (واتبع الأخيار من عترتي من بعدي) في سيرتهم ودينهم وعقائدهم وأقوالهم وأعمالهم، والعترة بالكسر: نسل الرجل ورهطه وعشيرته وأشرف عترته علي (عليه السلام) (وجانب أهل الخيلاء)، المتكبرين (والتفاخر) بالحسب والنسب والجاه والمال وغيرها (والرغبة في الدنيا) بطلبها زائدة عن قدر الكفاف وإن كانت مباحة (المبتدعين خلاف سنتي) كأصحاب الرأى والقياس والأهواء النفسانية (العاملين بغير سنتي) إن ابتدعه غيرهم كاتباع المبتدعين ومن ابتدعه وعمل به جامع للرذيلتين وفي بعض النسخ " بغير سيرتي ". إنما بشر من جانب هؤلاء لأن صحبتهم شوم وأمراضهم مسرية مهلكة، قلما يتخلص جليسهم عن صفاتهم وآدابهم (طوبى لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقه في غير معصيته وعاد به على أهل المسكنة) عاد معروفة عودا أفضل وأعطى والاسم العائدة وذكر أهل المسكنة من باب ذكر الخالص بعد العام للاهتمام والترغيب في إعطاء المساكين وفيه وعد لمن اكتسب حلالا وأنفقه في وجوه البر بالأجر الجميل والثواب الجزيل. (طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره) رغب في ثلاث خصال بها نظام الدنيا وكمال الدين، الأولى: حسن الخلق مع الناس أن يخالطهم بالجميل والتودد والرأفة واللطف وحسن الصحبة والعشرة والمراعات والرفق والصبر والاحتمال لهم والاشفاق عليهم وبالجملة حسن الخلق تابع لاستقامة جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة. الثانية: بذل المعونة لهم في أمر الدين والدنيا وهي اسم من أعانه إذا أمده ونصره ووزنها مفعلة بضم العين، وبعضهم يجعل الميم زائد ويقول هي فعولة، الثالثة: دفع شره وشر غيره عنهم ولهذه الخصال فوائد لا تحصى (طوبى لمن اتفق القصد): وهو التوسط بين الإسراف والتبذير وبدل الفضل وهو الزائد على قدر الكفاف، وإنفاقه ينشأ من العلم بأن الزائد لا يحتاج إليه في البقاء مع ترتب الثواب الجزيل عل انفاقه في دار الجزاء (وأمسك قوله عن

[ 203 ]

الفضول) وهو ما لا ينفع سواء ضر أم لا، لأن المومن لا يلوث لسانه بما لا ينفع ما يضر (وقبيح الفعل) كأنه عطف على أمسك بتقدير فعل يدل عليه المذكور أي أمسك عن قبيح الفعل وهو ما يذم به عقلا وشرعا وعطفه على الفضول بحمل الفعل على فعل اللسان يأباه ظهور عموم الفعل ولزوم التكرار وتخصيص الفضول بالمباح خلاف الظاهر. * الأصل: 191 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد رفعه، عن بعض الحكماء قال: إن أحق الناس أن يتمنى الغنى للناس أهل البخل لان الناس إذا استغنوا كفوا من أموالهم وإن أحق الناس أن يتمنى صلاح الناس أهل العيوب لأن الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم وإن أحق الناس أن يتمنى حلم الناس أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفي عن سفههم فأصبح أهل العيوب يتمنون فسقهم وأصبح أهل الذنوب يتمنون سفههم وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب وفي السفه المكافاة بالذنوب. * الشرح: قوله: (فأصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس) والحامل لهم على ذلك وجوه: الأول: إن صفة البخل يقتضي الحرص في جمع المال وضبطه فيحب البخيل جمعه لنفسه. الثاني: إنها تقتضي الحسد، والحسد يقتضي حب زوال النعمة عن الغير وبقائهم على الفقر، الثالث: إنها تابعة لطلب العزة بكثرة المال فيجب أن يكون سبب العز وهو المال كله له، الرابع: إنها صفة مستحسنة عند البخيل فيجب أن تكون تلك الصفة للجواد الوهاب أيضا (وأصبح أهل العيوب يتمنون فسقهم) لتحصل بينهم المشاركة في نوع من العيب ويمكن لهم المقابلة بالتعيير في وقت ما (وأصبح أهل الذنوب يتمنون سفههم طلبا) للمشاركة لما مر ولعل المراد بالذنوب: السفه تسمية للسبب باسم المسبب والسفه: التمني حقيقة على الأول ومجاز على الثاني. * الأصل: 192 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكر لبعض إخوانك فانك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية بمال وإما معونة بجاه أو دعوة فتستجاب أو مشورة برأي. * الشرح: قوله: (يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها الى أحد من أهل الخلاف) في كنز اللغة شكاية " گله كردن واظهار بدى حال كردن " وفعلها من باب قتل وهي ممن نزلت به نازلة مذمومة سيما الى

[ 204 ]

أهل الخلاف الذين هم عدو لله وله لتضمنها الشماتة غالبا وشكاية الرب الى عدوه إذ الشكاية عن الفعل شكاية عن فاعله كما يدل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " من أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه " وقال " من شكى الى كافر فكأنما شكى الله " (ولكن اذكرها لبعض اخوانك فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال) أي لن تفقد، والعدم بالضم وبضمتين وبالتحريك: الفقدان وفعله من باب علم (إما كفاية وإما معونة بجاه أودعوة تستجاب أو مشورة برأى) المؤمن إذا نزلت به نازلة ينبغي التوسل الى الله كما حكاه الله تعالى عن يعقوب (عليه السلام) " وإنما أشكو بثي وحزني الى الله " وعن المرأة " وتشتكي الى الله " والله سبحانه أشكاهما وأزال حزنهما وإن دعت نفسه إلى ذكرها لأحد ينبغي أن يذكرها لمؤمن عاقل يتوقع منه المدد في ازالتها بأحد الوجوه الأربعة المذكورة لأن المؤمن من حزب الله تعالى وهو يجعله وسيلة والشكاية إليه شكاية الى الله حقيقة كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من شكا الحاجة الى مؤمن فكأنما شكاها الى الله " وفيه تنبيه على أن المؤمن المرفوع إليه الشكاية ينبغي له الإتيان بإحدى الخصال الأربع ومراعاة الأقوى في إزالة الشكاية أقدم وأقوى.

[ 205 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 193 - علي بن الحسين المودب وغيره، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن أبي الحارث الهمداني، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: الحمد لله الخافض الرافع، الضار النافع، الجواد الواسع، الجليل ثناؤه، الصادقة أسماؤه، المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب، الذي جعل الموت بين خلقه عدلا وأنعم بالحياة عليهم فضلا، فأحيا وأمات وقدر الأقوات، أحكمها بعلمه تقديرا وأتقنها بحكمته تدبيرا إنه كان خبيرا بصيرا، هو الدائم بلا فناء والباقي إلى غير منتهى، يعلم ما في الأرض وما في السماء و ما بينهما وما تحت الثرى. أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده به الملائكة والنبيون، حمدا لا يحصى له عدد ولا يتقدمه أمد، ولا يأتي بمثله أحد، اومن به وأتوكل عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقضيه بخير وأسترضيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (صلى الله عليه وآله). أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولاقرار، إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغذوا وراحوا، دخلوا خفافا وراحوا خفافا، لم يجدوا عن مضي نزوعا، ولا إلى ما تركوا رجوعا، جدبهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا اخذ بكظمهم وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم، فأصبحتم حلولا في ديارهم، ظاعنين على آثارهم والمطايا بكم تسير سيرا، ما فيه أين ولا تفتير، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب فأصبحتم تحكون من حالهم حالا وتحتذون من مسلكهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم فيها سفر حلول والموت بكم نزول، تنتضل فيكم مناياه، وتمضي بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب. فرحم الله امرءا راقب ربه وتنكب ذنبه وكابر هواه وكذب مناه، امرءا زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها، رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا سأما، كدوحا لآخرته متحافظا، امرءا جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته ودواء أجوائه،

[ 206 ]

فاعتبر وقاس وترك الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد وقدوقر قلبه ذكر المعاد وطوبى مهاده وهجر وساده، منتصبا على أطرافه، داخلا في أعطافه، خاشعا لله عز وجل، يرواح بين الوجه والكفين، خشوع في السر لربه، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب، شديدة أسباله، ترتعد من خوف الله عز وجل أوصاله، قد عظمت فيما عند الله رغبته واشدت منه رهبته، راضيا بالكفاف من أمره يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم اولئك ودائع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله عز ذكره لأبره، أو دعا على أحد نصره الله، يسمع إذا ناجاه ويستجيب له إذا دعاه، جعل الله العاقبة للتقوى والجنة لأهلها مأوى، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء " سبحانك اللهم " دعا [ ؤ ] هم المولى على ما آتاهم " وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين ". * الشرح: قوله: (خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)) مشتملة بعد الحمد والثناء والشهادة بالرسالة على المنفرات عن الدنيا والمرغبات في الآخرة بأفصح كلام وأبلغ نظام (الحمد لله الخافض الرافع) لأنه يخفض الجبارين والفراعنة وكل شئ يريد خفضه وذله: أي يضعهم ويهينهم والخفض ضد الرفع ويرفع المؤمنين بالتوفيق والإسعاد، والأولياء بالتقريب والإمداد، والعلماء بالإنعام والإرفاد (والضار النافع) لأنه يضر من يشاء بالتعذيب وسلب إفاضة الكمالات، ويوصل النفع إلى من يشاء ويوفقه للخيرات (الجواد الواسع) لانه يعطي المؤمن والكافر والبر والفاجر اعطاء كثيرا من غير استحقاق بل لأن وجود الممكن ولوازم وجوده كلها من فيض جوده (الجليل ثناؤه) أي العظيم ثناؤه لا يصل إلى أقصى ثنائه عقول العارفين لكونه موصوفا بجميع نعوت الجلال والكمال التي لا يبلغ إليها أوهام الواصلين ولذلك قال خاتم النبيين: " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (الصادقة أسماؤه) كل اسم من أسمائه تعالى مدحة دالة على صفة في غاية الكمال وصدقها عبارة عن ثبوت مدلولها في الواقع وليس ذلك من باب المبالغة أو الجزاف كما يقع مثل ذلك في كلام أرباب الإطراء (المحيط بالغيوب) علما وقدرة لان الغائب الخارج عن المحسوسات التي يمكن إدراك الحواس لها وقتا ما حاضر عنده كالشاهد (وما يخطر بالقلوب) القلب ومخاطراته حاضرة عنده محاطة بعلمه وهو رقيب عليها عليم بذات الصدور، وفيه حث على تنزيه القلب عن خواطر السوء ولو خطر فيه مالا ينبغي أن يتدارك بالتوبة والاستغفار والتوسل بالله تعالى والتضرع إليه، كما يلزم ذلك في أفعال الجوارح (الذي جعل الموت بين خلقه عدلا) في وصفه تعالى بتقدير الموت ترغيب في طاعته والانزجار عن معصيته وذكر المعاد إليه ووعده ووعيده والرغبة عن الدنيا والزهد فيها، وبذل الفضل وتكميل جميع الأخلاق فهو محض عدل حقي لو لم يكن موت وقع الهرج والمرج وفسد نظام الخلق وبطل رفاهة العيش (وأنعم بالحياة عليهم فضلا) أي

[ 207 ]

أنعم بالحياة المسبوقة بالعدم، أو الأعم منها ومن المسبوقة بالوجود والكل من باب الفضل والإحسان بلا سابقة استحقاق فيجب الشكر على تلك النعمة الجليلة (فأحيى وأمات) قد عرفت أن الموت والحياة نعمتان جليلتان فوجب الرضا بهما والشكر عليهما (وقدر الأقوات أحكمها بعلمه تقديرا وأتقنها بحمكة تدبيرا) قدر الأقوات والأرزاق كلها في يومين كما نطق به القرآن الكريم وقدر لكل نوع وكل صنف من أنواع المرزوقين وأصنافهم رزقا معلوما على قدر معلوم لحكمة ومصلحة بحيث لا يتغير ولا يتبدل، ولا يمكن أن يقال لو كان الأمر على خلاف ذلك كان أحسن، وهذا معنى الإحكام والإتقان وهما بمعنى واحد، وتدبير الشئ: فعله عن فكر ورؤية ونظر إلى دبره وهو عاقبته وآخره، والمراد به هنا تعلق العلم بصلاح آخره كتعلقه بصلاح أوله من غير روية وفكر. (إنه كان خبيرا بصيرا): أي كان عليما بالأشياء ظواهرها وبواطنها وحقايقها ولوازمها وعوارضها، من خبرت الشئ من باب قتل خبرا، علمته، ومن خبرت الأرض: شققتها للزراعة، فأنا خبير وبصير بالمبصرات بنفس الذات وفي ذكر البصير بعد الخبير الذي هو العالم المطلق رد على من زعم أنه ليس بعالم بالجزئيات لأن المبصرات كلها جزئيات، (هو الدائم بلافناء) لأن الفناء من صفات الكائنات الحادثة الفاسدة الهالكة في حد ذاتها وفيه سلب لحمل دوامه عليه على المعنى العرفي وهو الزمان الطويل (والباقي الى غير منتهاء): أي من غير انتهاء لذاته فلا يتصف ذاته بحد ونهاية لأنهما عن لوازم المقدار وهو منزه عنها أو من غير انتهاء لوجوده لأنه واجب الوجود لذاته فيستحيل أن يلحقه العدم وينتهي وجوده الى حد وينقطع عند غاية (يعلم ما في الأرض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى) يعلم كله وكل جزء من الأجزاء علما محيطا بظواهره وبواطنه وجلياته وخفياته على السواء (أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده الملائكة والنبيون حمدا لا يحصى له عدد ولا يتقدمه أحد ولا يأتي بمثله أحد) طلب (عليه السلام) لكونه كاملا أن يكون حمده كاملا من وجوه، الأول: وهو الأصل في جميع العبادات، أن يكون خالصا من النقص والسمعة والرياء، الثاني: أن يكون مخزونا لا يعلم قدره ووصفه وكماله إلا الله تعالى، الثالث: أن يكون كاملا بكمال المحمود به وتعدده وهو ما حمده به الملائكة المقربون والنبيون، الرابع: أن يكون متكثرا غير محصور ولامعدود لا يبلغه أوهام الحاسبين، الخامس: أن يكون في كمال ذاته وخصوص صفائه بحيث لا يتقدمه أحد ولا يأتي بمثله أحد، واختلفوا في أن الحامد بالحمد الإجمالي على هذا الوجه هل يثاب بثواب ما تمناه أو بثواب ما فوق الواحد أو بثواب حمد واحد، فذهب إلى كل فريق والأخير بعيد لظهور الفرق بينه وبين الواحد والثاني قوى للفرق بين الإجمال والتفصيل، والأول أقوى إذ لا نقص في كرمه تعالى (أو من به وأتوكل عليه) ايمانا كاملا وتوكلا صادقا وهو

[ 208 ]

تفويض الأمور كلها عليه والثقة به وقد ذكرنا حقيقة التوكل ومبدأه وفوائده في شرح كتاب العقل. (واستهديه وأستكفيه) أي أطلب منه الهداية الخاصة الى الخيرات والكفاية في المهمات (وأستقضيه بخير وأسترضيه) في كنز اللغة استقضاء " قاضي وحاكم كردن واخذ كردن حق " يقال استقضيته حقي أي أخذته واسترضاء " خشنودي خواستن " والمعنى أطلب منه أن يكون قاضيا حاكما لي بخير أو أطلب أخذ الخير منه وأن يكون راضيا عني وفيه تنبيه على أن هذه الأمور غاية المقاصد للإنسان الكامل وهو محتاج إلى طلبها لئلا يضل في الخاتمة ولا يذل في العاقبة فكيف غيره. (وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قيل هاتان شهادتان مقرونتان لا تنفع إحدهما بدون الأخرى، والثانية بمنزلة الباب للأولى إذ لا يحصل التوحيد والحق إلا ببيان الرسول والإقرار به، وفي عبده إشارة الى شرف مرتبة العبودية (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الهدى: القرآن، والايمان والبيان والدلالة ودين الحق: الشريعة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) وإظهاره على الأديان كلها عند ظهور الصاحب (عليه السلام) كما دل عليه صريح بعض الروايات. (أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولاقرار) في كنز اللغة قرار " آرام گاه " كما قال تعالى * (ثم جعلناه في قرار مكين) * وقرار الأرض المستقر الثابت منها وفيه تنبيه للغافلين من أبناء الدنيا على أنه لا ينبغي لهم الركون إليها وقصد السكون فيها للزوم مفارقتها سريعا كما أشار إليه بقوله (إنما أنتم فيه كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغدوا وراحوا) الركب جمع راكب: الدابة كصحب جمع الصاحب، والتعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، والاستقلال: رفع الشئ وحمله ذهاب القوم، تقول استقله أي حمله ورفعه واستقل القوم: أي ذهبوا وارتحلوا، والغدو والرواح: الذهاب غدوة وعشية أي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وآخر النهار، ثم كثر استعمالها في الذهاب أي وقت كان من ليل أو نهار فهما متفارقان في الأصل ومتساويان في الاستعمال وقد خاطب الناس أجمعين من باب التغليب وشبههم بجماعة الفرسان من المسافرين وأشار الى وجه الشبه بقوله عرسوا الى آخره وهو متحقق في المشبه به حسا وفي المشبه عقلا أو شبههم بالذين ماتوا على أن يكون المراد بالركب الجماعة الماضين بقرينة ما بعده والوجه وهو ما ذكر متحقق في الطريفين عقلا، توضيح ذلك: أن الإنسان وهو النفس حقيقة بعد نزوله في هذا المنزل وهو الدنيا في مدته قليلة سائر الى دار الآخرة سريعا ومركبه البدن والقوى النفسانية، وطريق سيره هي العالم المحسوس والمعقول، وسيره هو تصرفه في العالمين لتحصيل السعادة أو الشقاوة في الآخرة وفيه ترغيب في الأول

[ 209 ]

وتحذير عن الثاني (دخلوا خفافا وراحوا خفافا) الخفاف ضد الثقال وضمير الجمع للركب أي دخلوا في الدنيا خفافا من متاعها وراحوا منها إلى الآخرة خفافا منه وفيه تنفير للناس عن الدنيا وزهراتها لأنهم لا يحملون معهم عند الارتحال إلى الآخرة شيئا منها فينبغي أن لايصرفوا أعمارهم في تحصيلها (لم يجدوا عن مضى نزوعا) المضي بالفتح فالسكون " گذشتن ورفتن " والنزوع بضم النون " ابا نمودن وبا كسى در چيزى مخالفت كردن وباز ايستادن "، يقال: نزع عن الأمر نزوعا انتهى عنه وأباه (ولا إلى ما تركوا رجوعا): أي لم يجدوا رجوعا الى ما تركوا من الدنيا والمساكن والأموال وغيرها، والمراد أن رحيلهم من الدنيا الى الآخرة وقطع عقبات الموت وما بعده أمر اضطراري وليس لهم قدرة على الرجوع الى الدنيا بعد الخروج منها ليتداركوا ويعملوا عملا صالحا وفيه حث على رفض الدنيا وفضول الدنيا وفضول زهراتها وما يلهيهم عن تحصيل دار الآخرة وأخذما ينبغي أحذه بها لئلا يقعوا في حسرة وندامة لا تنفع. (جدبهم فجدوا) الجد بالكسر: الاجتهاد في الأمر وضد الهزل وفعله من بابي ضرب وقتل أي جد المضي والذهاب من الدنيا بهم فجدوا فيهما اضطرارا (وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا) أي مالوا إلى الدنيا واعتمدوا عليها فما استعدوا لأمر الآخرة لأن الدنيا والآخرة لا يجتمعان وركن من أبواب علم وقعد ومنع، والثاني: غير فصيح، والثالث: من باب تداخل اللغتين لأن شرطه أن يكون العين أو اللام حرف حلق (حتى إذا أخذ بكظمهم) أي بحلقهم ومخرج نفسهم والجمع كظام وهو كناية عن موتهم (وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم) الخلوص الصفاء ويستعار للوصول وفي كنز اللغة: " خلوص بكسى رسيدن وبچيزى پيوستن " والمراد بالأقلام: أقلام كرام الكاتبين، والإضاقة لأدنى ملابسة وجفافها كناية عن انقطاع عملهم، ويحتمل أن يكون جفاف أقلامهم كناية عن جريان ماكتب في اللوح المحفوظ من مقادير أحوالهم الخيرية والشرية عليهم تمثيلا للفراغ منها بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه (لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر) لعل المراد بالخير خبر أسمائهم وأفعالهم وصفاتهم وبالأثر أثر مساكنهم وأموالهم وقبورهم، وقيد بالأكثر لبقاء خبر بعضهم وأثر بعد في الجملة (قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم) أي إرسالهم إليها بالموت وهذا في اللفظ خبر وفي المعنى أمر بالإعراض عن متاع الدنيا والإقبال الى متاع الآخرة لأن هذه الحالة جارية في جميع الخلق كما أشار إليه بقوله (فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم) الإصباح: الدخول في الصباح وبمعنى الصيرورة أيضا، والحلول: جمع الحال كالقعود جمع القاعد، والديار: جمع الدار والمراد بها الدنيا أو مساكنهم ومنازلهم، والظعن: الارتحال والظاعن المرتحل وفي جعل ظاعنين حالا عن فاعل أصبحتم دلالة على اتحاد زمان الحلول والارتحال مبالغة وفيه تحريك للنفوس العاقلة الى الاستعداد للارتحال وتجهيز سفر الآخرة (والمطايا بكم يسير سيرا)

[ 210 ]

المطايا: جمع المطية وهي دابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع ؟ ولعل المراد بها الليل والنهار أو الاعمار على سبيل الاستعارة، والسير يجئ لازما ومتعديا يقال سار البعير وسرته والباء متعلق به إما للتعدية أو للمبالغة فيها كتأكيد السير بالمصدر للمبالغة فيه وأفادة شدته كما أشار إليه بقوله (ما فيه أين ولاتفتير)، الأين: الإعياء وهو لازم ومتعد يقال: أعياني كذا بالألف اتعبني فأعييت والفتور لازم والتفتير متعد يقال فتر فتورا من باب قعدا إذا انكسر بعد حدة ولان بعد شدة وفتره تفتيرا كسره بعدهما وفيه تنبيه للنازلين في الدنيا على لزوم خروجهم منها سريعا لأن قلة المسافة وسرعة المركوب في السير مع انتفاء الإعياء والتفتير يستلزم قطع تلك المسافة في أقرب أوقات الإمكان، ولا تظن أيها الغافل أنك مقيم فإن من كانت مطيتة الليل والنهار فهو ساير وإن كان واقفا وقاطع للمسافة، وإن كان مقيما كما يجد ذلك راكب السفينة وقد أشار الى توضيح ذلك بقوله (نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب) الظرف في الموضعين متعلق بما بعده والتقديم لرعاية السجع والدؤوب فعول من الدأب وهو الجد في الأمر والطرد أيضا ولا يخفى على العارف بالسجع بدايع هذا الكلام ولطفه، والعجب من أبناء الدنيا مع حبهم طول عمرهم وبقائهم فيها يتمنون انقضاء الأيام والليالي سريعا بشئ يسير يتوقعون حصوله بعد مدة ولا يعلمون أن انقضائها انقضاء لعمرهم وهذا أيضا من سخافة عقولهم (فأصبحتم تحكون من حالهم حالا) أي صارت حالكم وصفاتكم مثل حالهم وصفاتهم، تقول: حكيت الشئ أحكيه حكاية إذا أتيت بمثله على الصفة التي بها غيرك فأنت كالناقل، ومنه حكيت صنعته إذا أتيت بمثلها وهو هنا كالمعارضة بالمثل، وحكوته أحكوه لغة، قال ابن السكيت: وحكى عن بعضهم أنه قال: لا أحكوا كلام ربي لا أعارضه. (وتحتذون من سلكهم مثالا) الاحتذاء: الاقتداء، تقول احتذى مثالهم أي اقتدى به والسلك مصدر بمعنى الذهاب تقول سلكت الطريق سلوكا وسلكا إذا ذهبت فيه، وفي بعض النسخ " من مسلكهم " وهو الطريق والمثال بالكسر اسم من ماثله إذا شابهه وقد يطلق على الوصف والصورة فيقال: مثاله كذا وصفه وصورته والجمع أمثله (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) أي لا تخدعنكم بزينتها يقال: غرته الدنيا غرور ممن باب قعدت خدعته بزينتها وأطمعته بالباطل فاغتر هو بها ولما كان المغتر بها هو المحب لها والراكن إليها والناسي الموت وما بعده نبه بما يوجب سلب جميع ذلك بقوله (فإنما أنتم سفر حلول والموت بكم نزول) لأن ذكر الموت والعلم بوقوعه وجعل ذلك نصب العين وانتظاره في كل آن يزيل حب الدنيا والميل الى زينتها، ويستلزم ذكر المعاد الى الله تعالى ووعده ووعيده وحسابه وجزائه ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) " أكثروا ذكر هادم اللذات " (تنتضل فيكم مناياه) في كنز اللغة انتضال " تيرانداختن " وضمير مناياه راجع الى الموت، والمراد بالمنايا أسبابه

[ 211 ]

وإرجاعه إلى الدنيا باعتبار الدهر بعيد وقد شبه المنية بالرامي وأثبت له الانتضال مكنية وتخييلية وجعل الإنسان غرضا وفيه تنفير عن الدنيا لعدم الأمن من سهام الموت (وتمضي بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب) مطاياه من قبيل لجين الماء أو فيه مكنية وتخييلية بتشبيه الموت بالرسول الذي يبلغ خبر الغايب واثبات المطايا له وإمضاء الأخبار ترشيح واسناده إلى المطاياه مجاز من باب إسناد فعل الحال إلى المحل، كأن الموت يخبر أهل الثواب وأهل العقاب بخبره ووصوله، والمراد بدار الثواب ودار العقاب، أما القيامة الكبرى أو الصغرى وهي البرزخ فإن كل من كان فيه يعلم أنه من أهل الثواب أو من أهل العقاب ولا يخفى لطف هذا الكلام وحسنه (فرحم الله امرءا راقب ربه) حافظ ربه كأنه يراه فيخلي الظاهر والباطن عن الرذايل ويحليهما بالفضائل وينظر إلى جميع حركاته وسكناته ولحظاته فإن كانت إلهية بادر إليها وإن كانت شيطانية تعجل إلى دفعها وسبب تلك المراقبة هو العلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر والسرائر وشاهد على كل نفس بما كسبت ورقيب على كل شئ، وإذا استقرت هذه المعرفة في القلب تبعثه الى مراقبته بالتعظيم والإجلال والاستغراق ببحار القدرة والكمال والانكسار تحت الهيبة والاقتدار بحيث لا يلتفت الى المباحات فضلا عن المحظورات، ومن بلغ هذه المرتبة فقد يغفل عن الخلق والمتصفون بها على جميع درجات متباينة ومقامات متفاوتة (وتنكب ذنبه): أي عدل ومال عنه تعظيما لربه وخوفا من عقابه (وكابر هواه): أي غالبه وعانده وتلك المكابرة بأن يطوع نفسه الأمارة للأعمال البدنية، وراقبها في كل خاطر تلقيه إلى قلبه وقابلها بقمعه ودفعه، وفي بعض النسخ كابد بالدال من المكابدة: وهي تحمل المشاق على ترك هواه (وكذب مناه) أي قابل ما يلقيه إليه الشيطان من الأماني ويعده بالوصول إليها بالتكذيب والدفع له بتجويز عدم نيلها ونسبتها إلى الأكاذيب المخترعة. (أمرءا زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام فقادها الى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها) القود نقيض السوق فهو من أمام وذاك من خلف والقدع الكف قدعه كمنعه كفه قد شبه النفس الأمارة بالفرس الحرون، والتقوى بالزمام، والخشية باللجام ثم فرع ما يناسب كلا إليه ولا يخفى لطفه (رافعا الى المعاد طرفه) الطرف: النظر والمراد به بالنظر القلبي وهو توجهه الى أمر الآخرة والعمل لها (متوقعا في كل أوان حتفه): أي موته لعلمه بوروده قطعا مع عدم علمه بزمان وروده فيتوقعه في كل آن وذلك يبعثه على ترك الدنيا وطلب الآخرة (دائم الفكر) في أمر الآخرة والتخلص من عقابتها (طويل السهر) وهو عدم النوم في الليل كله أو بعضه يقال: سهر الليل أو بعضه إذا لم ينم فيه فهو ساهر وهو كناية عن العبادة في الليل والقيام بوظائف الطاعات فيه (عزوفا عن الدنيا سأما) عزفت نفسه عنه: زهدت فيه وانصرفت عنه (كدوحا

[ 212 ]

لآخرته متحافظا) عن حطام الدنيا ومخاطرات النفس ووساوس الشيطان والكدح السعي والحرص في العمل. (امرءا جعل الصبره مطية نجاته) أي حمل النفس على فعل الطاعة وترك المعصية ودفعها عن هواها ومنعها عن الجزع في النوائب واستعار المطية للصبر لكونه سببا للنجاة كالمطية (والتقوى عدة وفاته) العدة بالضم: الاستعداد والتأهب وما أعد من مال وسلاح أو غير ذلك ليوم حاجة، والتقوى عدة واقية من أهوال الموت وما بعده (وداواء أجوائه) الجوي الحزن والحرقة وتطاول المرض وداء في الصدر وملالة القلب، والتقوى دواء للأمراض القلبية والبدنية الموجبة لفساد الظاهر والباطن وميلهما عن صراط الحق الى الباطل (فاعتبر وقاس) أي فاعتبر بأحوال الماضين وسرعة انتقالهم من هذه الدار الى دار القرار وفراقهم عن المال والعيال وسكونهم في القبور مع أعمالهم وقاس نفسه عليهم حتى أنه كأحدهم (وترك الدنيا والناس) الواو إما بمعنى مع أي ترك الدنيا مع الناس المائلين إليها ولا يشاركهم فيها أو للعطف أي ترك الدنيا بالإعراض عنها وترك الناس بالاعتزال منهم لعلمه بأن مجالستهم تفسد دينه ودنياه (يتعلم للتفقه والسداد) التفقه: التفهم من الفقه وهو الفهم وغلب إطلاقه على علم الدين لشرفه والسداد، بالفتح: الصواب من القول والفعل يعنى غرضه من التعلم أمران أحدهما تفهم القوانين الشرعية والآداب والأخلاق النبوية وتكميل النفس بها وثانيهما تسديد طاهره وباطنه بالعمل بها وليس غرضه منه الرياء والسمعة ورياسة الخلق وصرف وجوههم إليه (وقد وقر قلبه ذكر المعاد) التوقير هنا بمعنى التعظيم والتبجيل أو بمعنى الترزين والتسكين، وقلبه على الأول فاعل وذكر المعاد مفعول، وعلى الثاني بالعكس، والمراد بتعظيم ذكر المعاد هو التوجه الى الاستعداد له وتحصيل ما ينفع فيه وترك ما ينافيه من أعراض الدنيا وبتسكين القلب وترزينه تسكينه عن الاضطراب من فوات الدنيا وترزينه عن الميل الى زهراتها (وطوى مهاده وهجر وساده) المهد والمهاد: الفراش، وهذا كناية عن الإتيان بما أقرت به الشريعة من الكمالات الباقية والمبالغة في تحصيلها خصوصا في الليل فإن العبادة فيها لكثرة المشقة وبعد الرياء وحضور القلب اعظم أجرا منها في النهار (منتصب على أطرافه) أي على قديمه أو على جميع جوارحه باستعمال كل منها فيما طلب منه (داخل في أعطافه) كأنها جمع عطف الشئ بالكسر: وهو جانبه وهو إشارة الى أن غلبة النوم المحرك له إلى جوانبه لا تمنعه من القيام بوظائف الطاعات، ويمكن أن يراد بها الازر والأردية (خاشعا لله تعالى) أي مقبلا على الله تعالى بظواهره المشغولة بما هو مطلوب منها (يراوح بين الوجه والكفين) يضع وجهه تارة على التراب ويرفع كفيه تارة الى السماء أو يرفع وجهه الى السماء تارة وكفيه إليها أخرى (خشوع في السر لربه) أي مقبل على الله بقلبه ساكن مطمئن إليه فارغ عما سواه.

[ 213 ]

(لدمعه صبيب ولقلبه وجيب) الصبيب والوجيب مصدران يقال: صب الماء من باب ضرب صبيبا: إذا انسكب ووجب القلب وجيبا: إذا رجف واضطرب، ولعل الأول لألم الفراق والثاني لكمال الاشتياق (شديدة أسباله) أسبل المطر والدمع: إذا هطلا وتتابعا، والاسم السبل بالتحريك ويجمع على أسبال كالبطل على الأبطال (يرتعد من خوف الله عز ذكره أوصاله): أي مفاصله (وقد عظمت فيما عند الله رغبته) من القرب والكرامة والسعادة والثواب ونعيم الأبد وعلامة تلك الرغبة هي الاشتغال بأسباب الوصول إلى ما ذكر (واشتدت منه رهبته) علامة صدق الرهبة هي الفرار من أسباب ما يخافه (راضيا بالكفاف من أمره) الدنيوي في كل ما يحتاج إليه في البقاء من المأكل والمشرب والمسكن والملبس وغيرها، والكفاف بالفتح مقدار الحاجة من الرزق من غير زيادة ونقص سمى بذلك لأنه يكف عن سؤال الناس ويغني عنهم (وأحسن طول عمره) أي في طول عمره ومدة حياته فهو ظرف للإحسان، والمراد به فعل ما ينبغي وترك مالا ينبغي (يظهر دون ما يكتم) أي يظهر ما ينبغي كتمانه من كمالاته وعباداته وأسراره وغيرها مما في إظهاره فساده أو فساد غيره، وفيه ترغيب في الاقتصار على الإظهار قبل البلوغ الى حد ما يكتم (ويكتفي بأقل مما يعلم) أي يكتفي في إفادته بأفل مما يعلم من معلوماته اكتفاء بقدر الحاجة وحذرا من الفخر والعجب من إظهار الحال على وجه الكمال (اولئك ودائع الله في بلاده) فيجب على أهل البلاد حفظهم كما يجب حفظ الوديعة، ويحتمل أن يراد بالودايع العهود والمواثيق من قولهم توادع الفريقان إذا أعطى كل واحد منهما الآخر عهدا واسم ذلك العهد الوديع، يقال أعطيته وديعا أي عهدا كذا في النهاية فكأنه تعالى أخذ على أهل البلاد عهدا بحفظهم وهم أخذوا على الله تعالى عهدا على دفعه عنهم ما أقاموا على الوفاء بذلك العهد وهذا أنسب بقوله (المدفوع بهم عن عباده) كما روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال " إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء (لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره لأبره) القسم: اليمين وقد أقسم بالله وتعديته بعلى لتضمين معنى الإيجاب ومعناه كما صرح في الفائق أن يقول بحقك يا رب أفعل كذا فإذا قال ذلك لأبره أي أمضى يمينه بالصدق تعظيما له واستجابة لسؤاله وقضاء لطلبته (أودعا على أحد نصره الله) كما دعا نوح وموسى (عليهم السلام) على قومهما فأجاب الله تعالى دعائهم وأهلك قومهما بالغرق ودعا كثير من الصالحين على عدوهم فأخذهم الله بغتة وأهلكهم. (يسمع إذا ناجاه) أي يسمع سماع قبول (ويستجيب له إذا دعاه) قد دعا كثير من الأولياء واستجاب دعائهم بلا مهلة كما نطقت به الآيات والرويات (جعل الله العاقبة للتقوى والجنة لأهلها مأوى) ترغيب في التقوى لنرتب حسن العاقبة ودخول الجنة عليها كما قال عز وجل * (والعاقبة للمتقين) * وقال * (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) * (دعائهم فيها أحسن الدعاء

[ 214 ]

سبحانك اللهم) الظاهر أن أحسن خبر مبتدأ، وأن سبحانك اللهم خبر بعد خبر أو بدل عنه أو خبر مبتدأ محذوف وهم يقولون ذلك عند إرادتهم طعاما أو شرابا أو غيرهما فإذا قالوا ذلك بادرت الخدمة بما يشتهون من غير طلبهم ووجه كونه أحسن الدعاء أنه دال على ذاته المتصف بجميع الكمالات وتوحيده المطلق وتنزيهه عن جميع النقايص (دعاؤهم المولى على ما آتاهم) من النعماء التي لا يحيط بها البيان، والظاهر أنه بدل أو بيان لقوله دعائهم (وآخر دعواهم) إذا فرغوا من لذاتهم من الطعام والشراب وغيرهما (أن الحمد لله رب العالمين) هذا التفسير ذكره الباقر (عليه السلام) في آخر حديث النوق والجنان.

[ 215 ]

خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) * الأصل: 194 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أو غيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة: الحمد لله أهل الحمد ووليه ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع، الأجل الأعظم الأعز الأكرم المتوحد بالكبرياء، والمتفرد بالآلاء، القاهر بعزه ؟ والمسلط بقهره، الممتنع بقوته، المهيمن بقدرته، والمتعالي فوق كل شئ بجبروته، المحمود بامتنانه وبإحسانه، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده، الموسع برزقه، المسبغ بنعمه، نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه حمدا يزن عظمة جلاله ويملأ قدر آلائه وكبريائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا، خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته ودانوا لدوام أبديته. وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اختاره بعلمه واصطفاه لوحيه وائتمنه على سره وارتضاه لخلقه وانتدبه لعظيم أمره ولضياء معالم دينه ومناهج سبيله ومفتاح وحيه وسببا لباب رحمته ابتعثه على حين فترة من الرسل، وهدأة من العلم، واختلاف من الملل، وضلال عن الحق، وجهالة بالرب، وكفر بالبعث والوعد، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد، ضرب للناس فيه الأمثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا أو نذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ويكون بلاغا لقوم عابدين، فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين (صلى الله عليه وآله) وسلم تسليما كثيرا. أوصيكم عباد الله واوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدأ بدأ الأمور بعلمه وإليه يصير غدا ميعادها وبيده فناؤها وفناؤكم وتصرم أيامكم وفناء آجالكم وانقطاع مدتكم، فكأن قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم، فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل فانها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعدا والدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها المحبين لها، المطمئنين إليها المفتونين بها، أن تكون كما قال الله عز وجل: * (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام) * الآية، مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته

[ 216 ]

عبرة، ولا يصبح فيها في جناح آمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة أو تغير نعمة أو زوال عافية، مع أن الموت من وراء ذلك وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كل نفس بما عملت * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) *. فاتقوا الله عز ذكره وسارعوا إلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فإنه قريب مجيب، جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه، ثم إن أحسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التذكر كتاب الله جل وعز قال الله عز وجل: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) *. أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الر حيم والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " " إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد، وتحنن على محمد وآل محمد وسلم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم أعط محمدا الوسيلة والشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة، اللهم اجعل محمدا وآل محمد أعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة وأقربهم منك مقعدا وأوجههم عندك يوم القيامة جاها وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا، اللهم أعط محمدا أشرف المقام وحباء السلام وشفاعة الاسلام، اللهم وألحقنا به غير خزايا ولاناكثين ولا نادمين ولامبدلبن. إله الحق آمين. ثم جلس قليلا ثم قام فقال: الحمد لله أحق من خشي وحمد وأفضل من اتقي وعبد وأولى من عظم ومجد نحمده لعظيم غنائه، وجزيل عطائه، وتظاهر نعمائه، وحسن بلائه، ونؤمن بهداه الذي لايخبو ضياؤه ولايتهمد سناؤه ولا يوهن عراه ونعوذ بالله من سوء كل الريب وظلم الفتن ونستغفره من مكاسب الذنوب ونستعصمه من مساوي الأعمال ومكاره الآمال والهجوم في الأهوال ومشاركة أهل الر يب والرضا بما يعمل الفجار في الأرض بغير الحق. اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات الذين توفيتهم على دينك وملة نبيك (صلى الله عليه وآله)، اللهم تقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأدخل عليهم الر حمة والمغفرة والرضوان واغفر للأحياء من المؤمنين والمؤمنات الذين وحدوك وصدقوا رسولك وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك واقتدوا بنبيك وسنوا سننك وأحلوا حلالك وحرموا حرامك وخافوا عقابك ورجوا ثوابك ووالوا أولياءك وعادوا أعداءك، اللهم اقبل حسناتهم وتجاوز عن سيأتهم

[ 217 ]

وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين. إله الحق آمين. * الشرح: (خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)) مشتملة على معان لطيفة وأسرار خفية ونكات دقيقة وألفاظ رشيقة بحيث تقف في أول منزل من منازلها عقول الخطباء وفي أول مرحلة من مراحلها فحول العلماء (الحمد لله أهل الحمد ووليه) علق الحمد باسم الذات وحكم بأنه أهله وأولى به للتنبيه على أنه مستحق له لذاته، وما اشتهر من أن الحمد متعلق بالفضايل أو الفواضل فهو باعتبار الأكثر والأغلب دون الاختصاص، ويؤيده أن الحمد عبادة وهو سبحانه مستحق لها بالذات (ومنتهى الحمد ومحله) فالحمد كله ينتهى إليه ومن ثم قيل باختصاص جنس الحمد وجميع أفراده به وبين الاختصاصين تلازم (البدئ البديع) البدئ: فعيل بمعنى فاعل من بدأ الخلق أي فطرهم وأنشأهم وذكر البديع بعده: وهو الذي يخترع الشئ لاعن شئ للدلالة على أنه خلقهم لاعن مادة ولاعن مثال سابق (الأجل الأعظم الأعز الأكرم) إن كان أفعل صفة وان كانت خلاف ظاهر فالأمر ظاهر وإن كان اسم تفضيل والمفضل عليه غيره فالتفضيل باعتبار وجود أصل الفعل في ذلك الغير وجودا اعتباريا إضافيا، والأحسن أن معناه أجل وأعظم وأعز وأكرم من أن يوصف أو يعرف كنه ذاته وصفاته أو يتخيل بالأوهام أو يتصور في العقول والإفهام كما روي في الله أكبر من أن معناه الله أكبر من أن يوصف لا أنه أكبر من كل شئ فإنه لا يقاس بشئ حتى يقال إنه أكبر منه. (المتوحد بالكبرياء) أي المتفرد بالعظمة المطلقة لأن العظمة إما باعتبار شرف الذات أو الوجود أو الصفات الذاتية والفعلية وجميع ذلك له وكل ما سواه في ذل الحاجة إليه متضرع في طلب كماله بيين يديه (والمتفرد بالآلاء) المتفرد إما بالتاء المثناة الفوقانية أو بالنون أو الأول أولى لأنه أنسب بالمتوحد مع ما فيه من المبالغة في الإنفراد. والألى بالقصر وفتح الهمزة وكسرها: النعمة مطلقا والجمع الآلاء على أفعال مثل سبب وأسباب لكن أبدلت الهمزة التي هي فاء ألفا استثقالا لاجتماع همزتين ووجه التفرد ظاهر لأن كل نعمة منه تعالى وكل من له نعمة أخذها منه (القاهر بعزه) أي الغالب على جميع الأشياء ووضعها في مواضعها وتقدير حقايقها وصفاتها وكمالاتها لشدة قوته وقدرته بحيث لا يقدر شئ على أن يتجاوز عما قدر له ويطلب غيره (والمتسلط بقهره) على جميع ما سواه بالإيجاد والإبقاء والإعدام والإفناء (الممتنع بقوته) أي المتقوي بها فلا يحتاج في التقوى الى أحد ولا يقدر عليه من يريده من امتنع بقومه إذا تقوى بهم فلا يقدر عليه من يريده أو الممتنع بها عن الشريك والنظير والاستعانة من أحد من امتنع من الأمر إذا كف عنه وأبى منه (المهيمن بقدرته) قيل هو الشهيد لأنه تعالى شاهد على خلقه بما يكون منهم من قول وفعل وغيرهما ومنه قوله تعالى " مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه " وقيل: هو الرقيب على

[ 218 ]

الممكنات الحافظ لها، وقيل: هو اسم من أسمائه تعالى في الكتب، وقيل: هو المؤتمن، وقيل: هوالقايم بامور الخلق، وقيل: هو المؤمن غيره من الخوف وأصله مؤيمن قلبت الهمزة الثانية ياء والأولى هاء (والمتعالي فوق كل شئ بجبروته): أي المتعالي عن مشابهة الأعراض والأجسام عن ادراك العقول والأوهام وهو فوق كل شئ بجبروته، والجبروت من الجبر: بمعنى الإفناء والإصلاح لأنه تعالى يفني ما يشاء، ويبقي ما يشاء ويصلح مفاقر الخلق ونقايص حقايق الممكنات بإفاضة الوجود وما يتبعه من الخيرات والكمالات أو بمعنى الإلزام لأنه الجبار الذي ألزم خلقه وجبرهم على قبول أمره التكويني والتكليفي، أو بمعنى التكبر لأن العظيم المتكبر الذي له حق على كل شئ وليس لشئ حق عليه، وعلى التقادير فيه إيماء الى أن المراد بالفوقية بالاستيلاء والشرف والعلية والحكم، ويمكن أن يراد به علوه على كل شئ والتعبير بالمتعالى للمبالغة فيه ومابعده حينئذ تفسير له. (المحمود بامتنانه وباحسانه) الامتنان: الإنعام وانما لم يذكر المفعول للدلالة على التعميم، ولأن ذكر الكل تفصيلا متعذر وذكر البعض والكل إجمالا يوهم التخصيص من غير مخصص وليقدر السامع كل ما يخطر بباله أو لأن المقصود أنه المحمود بأصل الامتنان والإحسان، ولا يبعد أن يراد بالامتنان الإنعام بافاضة وجوداتهم وتكميل ذواتهم بلوازم ماهياتهم وبالإحسان الإنعام بعد ذلك بما يحتاج إليه كل شخص في التربية والبقاء والخروج من حد النقص الى الكمال (المتفضل بعطائه) العطاء: العطية أي المحسن بها على وجه الكمال من غير استحقاق (وجزيل فوايده) الجزيل: الوسيع والعظيم، والفوايد جمع الفايدة: وهي الزيادة من علم وأدب ومال وغيرها ووصفها بالجزالة لأن كل فائدة من فوايده أمر عظيم في نفسه لا يقدر قدره العارفون (الموسع برزقه) وسع الله على عباده رزقه يوسع وسعا من باب نفع وأوسعه ايساعا ووسعه توسيعا إذا بسطه وكثره، والباء للمبالغة في التعدية والقول بأن معناه أنه تعالى ذوسعة برزقه على أن يكون الموسع من أوسع الرجل إذا صار ذاسعة بعيد (المسبغ بنعمته) الإسباغ: الإتمام والكمال وقد أسبغ الله تعالى على عباده نعمه الظاهرة والباطنة كما نطق به القرآن الكريم وتخصيصها بالظاهرة خلاف الظاهر ولما حمده على وجه يدل على الدوام والثبات أراد أن يحمده على وجه يدل على تجدده واستمراره لوقوعه بإزاء آلائه المتعددة ونعمائه المتظاهرة المتواترة. فقال: (نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه) أي مجئ بعضها ظهر بعض وعقبه على وجه التعاون وتقوية كل واحدة للأخرى، والعطف للتفسير أو التأسيس بتخصيص احداهما بالباطنة والأخرى بالظاهرة (حمدا يزن عظمة جلاله) أي يعادلها طلب أن يجعل الله تعالى تفضلا حمده عظيما لا يصل إليه أفهام الحامدين كما لا يصل الى عظمة جلاله عقول العارفين ويثيبه عليه (ويملأ

[ 219 ]

قدر آلائه وكبريائه) أي يساويها في الكثرة والعظمة وهذا من باب الكناية لأن الملأ يستلزم التساوي بين الظرف والمظروف (الذي كان في أوليته متقادما) أريد بأوليته سيق وجوده وجود الموجودات كلها، وبقدمه: عدم كون وجوده حادثة مسبوقا بالعدم، وأشار بلفظ التقادم الى أن ليس المراد بالقدم طول الزمان بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأن الفعل بين الاثنين على وجه الغلبة وإن لم يكن هنا بين اثنين يوجب وقوعه على وجه الكمال وتلك الزيادة والكمال يدلان على أن المراد هو الأولية المنافية للحدوث (وفي ديمومية متسيطر): أي متسلطا على جميع ما سواه فلا يجري عليه الزوال والفناء وإلا كان الزوال أو غيره متسلطا عليه، هذا خلف أو متعهدا لبقائه أبدا ولأمور الخلائق، أو رقيبا حفيظا عليهم، والأولان أنسب لدلالتهما على ديموميته المنافية لانقطاع وجوده وطريان العدم عليه كما أن في السابق دلالة على أزلية المنافية للحدوث. (خضع الخلائق بوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته) أن ذل واستكان له جميع الخلائق بسبب أوصافه الثلاثة أما الوحدانية والأزلية القديمة فلأن الشركة والحدوث يقتضيان عدم خضوع الجميع له بل خضوعه لغيره في الجملة، وأما الربوبية فلأن مالكية الجميع وإيجادهم وتربيتهم من حد النقص الى حد الكمال اللائق بالكل وضع كل في مرتبته ويقتضي خضوع الكل له (ودانوا الدوام أبديته) أي تعبدوا بأحكامه وشرائعه وآدابه وأوامره ونواهيه لدوام أبديته الباعث على العبادة له الموجب لاستحقاقه لها لأن غير الدائم الأبدي لا يستحق العبادة ولا يقدر على الوفاء بما وعد به بعد الفناء. (وارتضاه لخلقه): أي اختاره لهم لأنه نور يهديهم الى منافعهم الدنيوية والأخروية نقول رضيت الشئ ورضيت به وارتضيته إذا اخترته (وانتدبه لعظيم أمره) الظاهر أن اللام بمعنى إلى تقول ندبته إلى الأمر ندبا من باب قتل وانتدبته إليه إذا دعوته فانتدب يستعمل لازما ومتعديا، ولعل المراد بالأمر العظيم المندوب إليه تبليغ الرسالة والصبر على أذى الأمة أو الأعم منهما ومن تحمل الصبر على الإتيان بالعبادات (ولضياء معالم دينه) ضياء " روشنى " وهو اسم من أضاء القمر إضاءة: أنار وأشرق، والمراد بمعالم الدين: مواضع علومه وهي القوانين الشرعية الجارية الى يوم القيامة المضيئة في قلوب أهل العلم (ومناهج سبيله) الإضافة بيانية، والمناهج: جمع منهج وهو طريقته الواضحة المؤدية للسالكين بأيسر سعى الى رضوانه (ومفتاح وحيه) لعل التركيب من قبيل لجين الماء أي دعاه إلى وحيه الذي كالمفتاح في فتح أبواب العلوم الربانية والأسرار الإلهية وسببا لباب رحمته السبب في الأصل: الحبل: وهو ما يتوسل به للاستعلاء ثم استعير لكل شئ يتوسل به إلى أمر من الأمور وهو (صلى الله عليه وآله) سبب يتوسل به للوصول الى رحمته تعالى والظاهر أن نصبه على المفعولية بتقدير جعل عطفا على قوله وانتدبه وفي الكلام مكنية وتخييلية (ابتعثه على حين

[ 220 ]

فترة من الرسل) استيناف أو حال والابتعاث الإرسال والفترة مابين الرسولين من الزمان الذي انقطع فيه الوحي والرسالة وفشا الجهل والجور والهرج والقساوة وفيه وفيما بعده تحريك إلى معرفة قدر نعمة البعثة وإلى الشكر عليها والانقياد لها (وهدأة من العلم): أي سكون من العلم الشرعي وزواله عن الخلق حتى صاروا سايرين في تيه الجهالة وبيداء الضلالة لا يهتدون إلى الحق دليلا ولا الى الخير سبيلا (واختلاف من الملل الباطلة) حيث عدلوا كلهم عن الحق والعرفان واخترعوا مذاهب باطلة وعبدوا الأصنام والنيران وأعرضوا عن الكتاب والتوحيد والإيمان فصاروا تائهين حايرين متمسكين بذيل آثار الجهل وقوانين الجور، كافرين. (وضلال عن الحق) الضلال: مصدر، تقول: ضل الرجل عن الحق ضلالا وضلالة إذا زل عنه فلم يهتد إليه فهو ضال والمراد بالحق: إما الله تعالى أو ضد الباطل أو الأعم منهما (وجهالة بالرب) وعدم العلم به وبصافته الذاتية والفعلية ولزوم الطاعة أو الانقياد له (وكفر بالبعث والوعد) لأن أكثرهم كانوا منكرين لذلك كما حكى الله عنهم في القرآن الكريم بقوله * (قالوا من يحيي العظام وهي رميم) * وبعضهم وإن قالوا به كأهل الكتاب إلا أنهم لما حرفوا كتابهم ولم يعملوا بما فيه ومالوا الى آرائهم الزائلة وأهوائهم الباطلة كانوا في حكم المنكرين الكافرين (أرسله الى الناس أجمعين) أكد لدفع توهم تحصيصهم ببعض الأصناف دون بعض وخصهم بالذكر للاهتمام بهم وبهدايتهم أو المراد بهم من جميع من أرسل إليهم على سبيل التغليب (رحمة للعالمين) ذكروا في تفسيرها وجوها، الأول: أنه الهادي إلى الله والقائد إلى رضوانه، الثاني: أن تكاليفه أسهل من تكاليف ساير الأنبياء، الثالث: أنه تعالى يعفو عن امته بسبب شفاعته، الرابع: أنه رحم كثيرا من أعدائه ببذل الأمان لهم وقبول الجزية منهم ولم يكن ذلك قبله، الخامس: أنه سأل الله تعالى أن يرفع عن أمته بعده عذاب الاستيصال رحمة (بكتاب كريم) الباء للمصاحبة بمعنى مع والكريم العزيز والنفيس ويوصف به كل ذي قدر وشرف لبيان عظمة قدرته وشرفه (قد فضله) على سائر الكتب بالفصاحة والبلاغة واشتماله على الأحكام والدقائق والأسرار والخواص والحقائق وكل ماكان وما يكون وما هو كاين إلى يوم القيامة (وفصله وبينه وأوضحه وأعزه)، أي فصل القرآن بأن جعل بعضه في الواجبات وبعضه في المحرمات وبعضه في المندوبات وبعضه في المكروهات وبعضه في العقوبات وبعضه في المباحات وبعضه في الأخلاق والآداب وبعضه في المواعظ والنصائح وبعضه في أحوال الجنة وداخليها وبعضه في أحوال النار وساكنيها الى غير ذلك وبين كل ذلك وأوضحه بحيث لا يشبه شئ منها بالاخر وأعزه أي جعله عزيزا لم يوجد مثله ولا يوجد أقواه بحيث لا يغلبه شئ من الكتاب ولايقهره كامل من الخطاب. (وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه): أي لا يتطرق الباطل الى ما فيه من

[ 221 ]

الأخبار الماضية والآتية لأنه حق أو من جهة الكتب الماضية والاتية أما الأولى فلأنها مصدقة له وأما الثانية: فلختم الكتاب به ولا يأتي بعده كتاب حتى يبطله، أو لا يتطرق شك وشبهة الى لفظه ومعناه على أن يراد باليدين اللفظ وبالخلف المعنى، أو لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات الست واكتفى بذكر الجهتين عن البواقي، أو لأن الإتيان الى الشي غالبا من هاتين الجهتين (تنزيل من حكيم حميد): أي هو منزل من عند الحكيم المستحق للحمد والثناء الذي علم الأشياء كلها وفعل أفعالا محكمة لا يتطرق إليها نقص، وهذا كالتأكيد للسابق (ضرب للناس فيه الأمثال) كما قال عز وجل: * (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) * والمثل: كلام يقصد به إلحاق خفي بجلي محسوس أو مشهور ولا يدرك حسن مبانية ولطف معانيه وكيفية ارتباطه بالمقصود وطريق دلالته على المطلوب إلا العلماء الذين ينتقلون بنور بصيرتهم وضياء سريرتهم من ظاهره إلى باطنه ومن محسوسه الى معقوله، وقد روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " أمثال القرآن لها فوائد فأنعموا النظر وتفكروا في معانيها ولاتمروا بها " (وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون): أي بين فيه الآيات الدالة على وجوده ووحدته وعلمه وحكمته وقدرته وحشره ونشره وحسابه وأحكامه وثوابه وعقابه وكيفية ايجاده للخلق والغرض منه، لعلهم يعقلون ويفهمون الغرض من تلك الآيات والمقصود من تصريفها (أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام): الحرام مالايجوز، والحلال: ما يجوز، فيشمل الأقسام الأربعة، ولايجوز لأحد الحكم بتحليل الشئ ولا بتحريمه إلا ما وجده فيه أو خذه من العالم به (وشرع فيه الدين لعباده) أي أظهره وأوضحه بتفسير النبي والوصي (عليهم السلام) (عذرا أونذرا) قيل: هما بالضم وضمتين للاتباع كالنكر والنكر مصدران من عذر إذا محى الإساءة ورفع اللوم ومن نذر إذا خوف بعد الإعلام وكل منهما مفعول له لشرع أي شرع فيه الدين عذرا للمحقين لاشتماله على رفع اللوم عنهم وذكر مثوباتهم ورفع درجاتهم أو نذرا للمبطلين لاشتماله على ذكر عقوباتهم وشدائدهم ودركاتهم أو بدل عن الدين ويحتمل أن يكونا حالبين عن فاعل شرع أو عن ضمير فيه أو عن الدين وهما حينئذ بمعنى العاذر المنذر (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) إذ بعد إرسال الرسول وإنزال الكتاب وإظهار الدين لم يكن للمبطلين حجة على الله تعالى لترك الحق ومتابعة الباطل، وأما قبله فلهم أن يقولوا لرفع التعذيب عن أنفسهم لولا أرسلت إلينا رسولا وأنزلت إلينا كتابا وأوضحت لنا دينا والتعليل متعلق بجميع ما تقدم وتخصيصه بالبعض بلا مخصص. (ويكون بلاغا لقوم عابدين) الظاهر أنه معطوف على أن لا يكون والضمير عائد الى الكتاب أو الرسول أو الدين واشتمال المعطوف على الضمير دون المعطوف عليه غير ممتنع على الظاهر على أنه عطف جملة على جملة لقصد الاشتراك في العلية، والبلاغ: مصدر بمعنى الوصول الى

[ 222 ]

المقصود، والحمل للمبالغة في السببية أي ليكون سبب الوصول الى الحق لقوم مؤمنين بالله عابدين له أي مستعدين للإيمان والعبادة (فبلغ رسالته) الى عباده كما أمر من غير زيادة ولا نقصان (وجاهد في سبيله) حق جهاده من غير تقصير ولاتوان (وعبده) حق عبادته ظاهرا وباطنا (حتى أتاه اليقين) وهو الموت فخرج عن الدنيا طاهرا مطهرا (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) امتثالا لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) *. (أوصيكم عباد الله) أي أمركم أو أذكركم كذا في المصباح (وأوصي نفسي بتقوى الله) الجار متعلق بالفعلين على سبيل التنازع، والتقوى: وقاية عن شدائد الدنيا والآخرة وكثيرا ما يعبر عنها بالطاعة وإن كانت أخص منها في بعض المواضع كما مرت مرارا (الذي ابتدأ بدأ الامور بعلمه) البداء الأول الخلق والايجاد ومنه " بدء الخلق " أي خلقهم وأوجدهم أي ابتدأ خلق الامور وإيجادها بعلمه المحيط بها المقتضي لإعطاء كل شئ ما أراده من الحقيقة ولوازمها وآثارها وكمالاتها وفيه دلالة على اختياره وحدوث الممكنات (وإليه يصير غدا معادها) كما قال عز وجل: * (الا إلى الله تصير الأمور) * والمراد بالغد: يوم الموت أو يوم القيامة وفيه وعد ووعيد وترغيب في التقوى والطاعة وتخويف عن المخالفة والمعصية (وبيده فناؤها وفناؤكم) اليد: القدرة، والتقديم للحصر وفيه تنبيه على أن الإفناء والإماتة أيضا منه تعالى كما أن الوجود منه والرجوع إليه فهو أهل لأن يتقى منه ويطاع (فكان قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم) أشار به الى قلة مدة العمر وسرعة زوالها، وحث بالتشبيه على العبرة بالماضين كيف دخلوا في الدنيا ومضوا مسرعين بزوال آجالهم، وبقوا مشتغلين بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فقدر نفسك كأحدهم (فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل) الفناء للتفريع لأن ما بعده كالمعلول للسابق إذ كون الوجود منه ذكر القصير تنفير عن الدنيا وتسهيل لتحمل التعب من العمل كما أن في ذكر الطويل تهويلا من الفقر والإفلاس فيه، والمراد بالزاد الأعمال الصالحة سميت زادا لاحتياج الناس في البقاء الاخروي إليها كاحتياجهم إلى الزاد في البقاء الدنيوي (فإنها دار عمل) ولا عمل بعد الخروج منها (والآخرة دار القرار والجزاء) أي المكافاة وفيها بجد كل عامل ما عمل من خير وشر (فتجانوا عنها) أي عن الدنيا ولا تركنوا إليها وخذوا من هذه الدار الفانية أنواع المعارف والطاعات للدار الباقية (فإن المغتز من اغتر بها) الظاهر أن الأول من الغرة بالكسر: وهي الغفلة، والثاني من الغرور: وهو الخدعة، أي الغافل عن الله وعن أمر الآخرة من انخدع بالدنيا وزهراتها فإنها تعرض نفسها للراكن إليها حتى تجدد له مطالب وهمية وأمارات خيالية في تحصيلها فربما لم تحصل له وينكشف بطلان تلك الأمارات بعد العناء الطويل وربما تحصل له مع مشقة شديدة ولا تدوم له بل

[ 223 ]

تأخذه الدنيا منه عن قريب وتغلبه فتخرج منها فريدا وحيدا مسكينا وكلا الأمرين شاق على النفس، كما أشار إليه بقوله (لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها المحبين لها المطمئنين إليها المفتونين بها، أن تكون كما قال الله عز وجل. اه‍) أي لن تتجاوز الدنيا عند تناهي أماني الراغبين فيها وحصول متمنياتهم كما هي أن تكون مشابهة لما تضمنته الآية الكريمة فقوله " أن تكون " مفعول لن تعدوا، وبالجملة شبه حالهم في سرعة زوالهم وذهاب نعيمهم وانقطاع متمنياتهم بعد إقبالها واهتزازهم بها بحال الأرض في نضرتها وخضرتها وبهجتها وحسنها بالنبات الحاصل من الماء، ثم سرعة تعقب الهلاك والزوال والفناء، ثم أشار الى أن نعماء الدنيا مشوبة ببلائها وزهراتها مختلطة بآفاتها جرا عن الميل إليها وصرف العمر فيها وتبديل النعماء الاخروية الصافية الدايمة بها بقوله (مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة) وهي بالفتح: النعمة الحسنة وسعة العيش (إلا أورثته عبرة) وهي بالفتح: الدمعة قبل أن يفيض أو الحزن بلا بكاء (ولا يصبح فيها في جناح أمن) أي في ظل جناح أمن أو تحت جناحه كبيض الطير أو فرخه تحت جناحه وفيه مكنية وتخييلية (إلا وهو يخاف فيها نزول جايحة): هي آفة تهلك الثمار ومصيبة عظيمة وفتنة مبيرة (أو تغير نعمة أو زوال عافية) كل ذلك ظاهر لأهل الدنيا بمشاهدة انقلاباتها وتغير حالاتها ثم ذكر ما يوجب ترك الدنيا لمن تأمل وتدبر وتعقل وتفكر فقال: (مع أن الموت من وراء ذلك) من تفكر في أمر الموت وشدائده وضرورة وقوعه يستعد له ويمنعه عن الطعام والشراب فضلا عن الاطمينان في الدنيا التي هي بمنزلة السراب (وهول المطلع) قيل: هو رؤية ملك الموت وفي الصحاح هو موضع الاطلاع من أشرف إلى انحدار وفي الحديث هول المطلع شبه ما أشرف من أمر الآخرة عليه، وفي النهاية يريد به الموقف يوم القيامة أو مايشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال (والوقوف بين يدي الحكم العدل) أشار بذكر الوقوف الى ذل الخلائق حينئذ ويذكر الحكم الى جريان حكمه عليهم وبذكر العدل الى أنه يثيب المطيع ويعاقب العاصي، ولايجوز أن يعكس أو يمنع الحق عن المستحق وفيه تحريض على الطاعة وتبعيد عن المعصية وأعظمها حب الدنيا والميل إليها (تجزي كل نفس بما عملت) كأنه استيناف جوابا عن سبب الوقوف أو غرضه والمراد بالموصول الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة وأضدادهما ثم فصل ذلك مع زيادة بقوله (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) أي: المثوبة الحسنى أو المعاملة الحسنى أو المنزلة والمرتبة الحسنى وهي الزلفى أو الجنة وفي جعل جزاء الإساءة ما عملوا وجزاء الإحسان الحسنى تنبيه على أن جزاء السيئة لايضاعف وجزاء الحسنة يضاعف، ثم أمر بعد الأوصاف المقتضية للتقوى والمسارعة الى الطاعة وما يوجب الرضوان والتقرب بهذه الأمور على سبيل التفريع فقال:

[ 224 ]

(فاتقوا الله عز ذكره) حق تقاته بالحذر عما يكرهه من منهياته. (وسارعوا الى رضوان الله) أي: إلى سبب رضوانه (والعمل بطاعته) المندرجة فيها طاعته رسوله وطاعة ولي الأمر بعده (والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا) الظاهر أنه متعلق بالتقرب فيدل على أن كل ما فيه رضاه تعالى هو سبب للتقرب إليه لكن بشرط مقاربته للخلوص بل الخلوص داخل فيه لأنه في نفسه سبب للتقرب وشرط لاعتبار سائر ما يتقرب به ولايكون في غيره رضاه تعالى حتى يقترن به ثم حرض على ما ذكر بقوله (فإنه قريب مجيب) كما قال عز وجل: * (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * وذلك لأن العاقل إذا علم أنه قريب مجيب بعثه هذا العلم على السعي في العمل والاجتهاد فيه ثم أشار إلى أنه لابد للعامل من سلب الحول والقوة عن نفسه والتمسك بحول الله وقوته ولطفه وتوفيقه في جميع الأمور بقوله (جعلنا الله واياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه) والمراد بهذا الجعل صرف وجوه توفيقاته وألطافه وهداياه الخاصة التي لأوليائه إلينا والعبد بعد توجهه إلى الخيرات يستحق لهذه الفيوضات والمحاب: اسم مفعول بمعنى المحبوب في لغة هذيل، والمراد بسخطه: موجباته وهي ما يقتضي عقوبته (ثم أن أحسن القصص) أي: أحسن الخبر والحديث المنقول على وجهه ولزوم متابعته يقال: قصصت الخبر قصا من باب فتل أي حدثته على وجهه والاسم القصص بفتحتين وقصصت الأثر تتبعته (وأبلغ الموعظة) أي أكملها البالغ غاية الكمال أو غاية الفصاحة والبلاغة، والموعظة كما مر كلام مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله تعالى على وجه يرق له القلب (وأنفع التذكر) أي تذكر أمر الآخرة ودوام ثوابها وعقابها وعظمة شدايدها وأمر الدنيا وسرعة زوالها وفناء نعيمها وشوب زهراتها بمصيباتها وتحولاتها. (كتاب الله تعالي) وهو الوافي بجميع ذلك لمن تفكر، والكافي لمن تأمل وتذكر، لم يترك شيئا مما ينبغي وما لا ينبغي من أمر الدنيا والآخرة (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) أمر بالاستماع لينتقل الى المقصود وبالانصات لئلا يشتغل القلب بغيره وجعل الغاية رجاء نيل الرحمة التي هي غايه أمنية العابدين (والعصر) أقسم بالعصر وهو الدهر الذي من أعظم آثار قدرته الجديد ان أو ما بعد الزوال إلى الغروب أو آخر ساعة من النهار أو صلاة العصر أو عصر النبوة على اختلاف المفسرين وجواب القسم قوله (إن الإنسان لفي خسر) في أعمالهم وصرف أعمارهم واللام للاستغراق والتنكير للتعظيم. (إلا الذين آمنوا) بالله ورسوله واليوم الآخر (وعملوا الصالحات) فنجوا بهذين الوصفين عن الخسران واستخقوا للسعادة والكرامة والإحسان (وتواصوا بالحق) أي أوصى بعضهم بعضا وأمر كل واحد الآخر بالحق من العقد والعمل والصبر على أخذه ومشقة تحمله أو على مصائب الدنيا

[ 225 ]

ونوائبها أو عن المعصية والتقحم فيها، هذا وقد قرأ (عليه السلام) سورة كاملة في الخطبة الأولى ولم يقرأ شيئا في الثانية والمشهور أنه لابد فيها أيضا من سورة كاملة، واكتفى بعض الأصحاب بالآية التام الفائدة والاحتياط ظاهر (وبارك على محمد وآل محمد) بارك: إما من بروك البعير إذا استناخ ولزم مكانا واحدا لا يخرج منه أو من البركة: بمعنى النماء والزيادة، والمعنى على الأول: أدم عليهم الكرامة والتشريف، وعلى الثاني: زدهم تشريفا بعد تشريف وكرامة بعد كرامة (وتحنن على محمد وآل محمد) في كنز اللغة: " تحنن مهرباني كردن " (وسلم على محمد وآل محمد) أي خلصهم من الآفات الدنيوية والأخروية، وطهرهم من الأرجاس البدنية والروحانية وهم طاهرون منها، والطلب للتيمن والتبرك والتقرب بهم (كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد) أراد أن يكون كل فرد من أفراد الصلاة على محمد (صلى الله عليه وآله)، وكذا كل فرد من أفراد ما عطف عليها كأفضل أفراد الصلاة على إبراهيم وأفضل أفراد ما عطف عليها في كونه في غاية الكمال وبالجملة للصلاة على إبراهيم أفراد متفاوتة بعضها في غاية الكمال دون بعض وأراد باتشبيه أن يكون كل فرد من افراد الصلاة على محمد وآله كأفضل أفراد الصلاة على إبراهيم في بلوغه إلى حد الكمال، فلا يلزم منه إلحاق الناقص بالكامل بل إلحاق كل فرد من طرف المشبه بأفضل الأفراد من طرف المشبه به بل يفهم منه تفضيله (صلى الله عليه وآله) على إبراهيم (عليه السلام) وتفضيل صلاته على صلاته وعليه فقس فليتأمل (اللهم أعط محمدا الوسيلة) في كنز اللغة الوسيلة: " دست آويز وهر چه باو نزديكى جويند بچيزى " والوسيلة أيضا: أعلى درجات الجنة ونهاية القرب، وأيضا: المنبر يوضع يوم القيامة له ألف مرقاة كما مر وهذه الأمور التي طلبها له (صلى الله عليه وآله) كلها حاصلة له وليس الغرض من طلبها طلب حصولها له لاستحالة تحصيل الحاصل بل الغرض منه إظهار الشعف والسرور بحصولها له وطلب التقرب منه بذكر فضائله والرضا بها (وأوجههم عندك يوم القيامة جاها) أي أفضلهم وأكرمهم والوجه سيد القوم والجاه القدر والمنزلة (وحباء السلام) حبى فلانا أعطاه والاسم الحباء ككتاب (وألحقنا به غير خزايا) خزى يخزي خزاية بالفتح استحيى فهو خزيان، والجمع خزايا والمخزية على صيغة فاعل من أخزى: الخصلة الذميمة أي غير مستحيين منه بالمخزية من الأفعال والأخلاق (ولا ناكثين) أي غير ناقضين لعهده وعادلين عن طريقة (ولا نادمين) عن قبايح أعمالنا والسلب باعتبار انتفاء الموضوع (ولا مبدلين) لأحكامه وشرائعه وآدابه أوله بغيره (إله الحق آمين) في المصباح آمين بالقصر في الحجاز والمد بإشباع بدليل أنه لا يوجد في العربية كلمة على فاعيل ومعناه " اللهم استجب " وقيل: معناه كذلك يكون والموجود في مشاهير الأصول المعتمدة أن التشديد خطأ وقال بعضهم التشديد لغة وهو وهم قديم وذلك أن أبا العباس أحمد بن يحيى قال " وآمين مثل عاصين " أن المراد صيغة الجمع

[ 226 ]

لأنه قابله بالجمع وهو مردود بقول ابن جنى وغيره أن المراد موازنة اللفظ اللفظ لاغير ويؤيده قول صاحب التمثيل في الفصيح والتشديد خطأ. (ثم جلس قليلا) الجلوس بين الخطبتين واجب للتأسي ولدلالة الروايات المعتبرة عليه ولايجوز تركه إلا مع الضرورة (ثم قام فقال: الحمد لله أحق من خشي وحمد) لأن استحقاق أحد للخشية والخوف منه والحمد والثناء له إنما هو على قدر عظمة وقدرته وكثرة إحسانه ومحامده وقد عجزت عن معرفة عظمته وقدرته عقول العارفين، وعن إحسانه ومحامده ألسنة العاملين (وأفضل من اتقى وعبد) لأنه أهل لأن يتقى من مخالفته وعقوبته ويتذلل له بعبادته وطاعته، والاتقاء من الغير والطاعة له فإنما هو بأمره (وأولى من عظم ومجد) لأن التعظيم والمجد: أي العز والشرف يكونان إما لشرف الذات أو لشرف الوجود أو لصفات أو لكمال الأفعال والإحسان وكل ذلك على وجه الكمال له وأما غيره فهو في ذل الحاجة إليه من جميع هذه الجهات والسائل المفتقر إليه في الاتصاف بجميع الكمالات، فتعظيمه وتمجيده راجعان إليه في الحقيقة، ثم حمده على وجه يدل على التجدد لوقوعه مقابل نعمة بقوله (نحمد لعظيم غنائه): أي نفعه وفي الكنز: " غنى آسوده داشتن وفايده دادن " (وجزيل عطائه) كثرة عطاياه في حد لا يحمل قليلا منها الدفاتر ويعجز عن عد واحد من ألف ألسنة الأكابر (وتظاهر نعمائه) أي ظهور بعضها عقب بعض وتقوية السابق باللاحق (وحسن بلائه) البلاء المنحة والعطية والنعمة والبلاء الحسن العطاء الجميل ولو أريد به المحنة فالمراد به البلاء الموجب لتذكر أمر الآخرة والرجوع إليه سبحانه وأما الموجب لفساد الدين فقد وقعت الاستعاذة منه (ونؤمن بهداه الذي لايخبو ضياؤه) الخبوء: خمود لهب النار خبت النار خبوا من باب قعد خمد لهبها ويعدى بالهمزة، والمراد بالهدى: القرآن أو الرسول أو القوانين الشرعية، وعلى التقادير تشبيهة بالنار مكنية وإثبات الضياء له تخييلية والخبو: ترشيح (ولايتهمد سناؤه) التهمد والهمود: وهو الموت وطفؤ النار أو ذهاب حرارتها وفي بعض النسخ " يتمهد " من المهد وهو الوضع ومنه المهاد للفراش يوضع ويوطأ والسناء على الأول بالقصر وهو ضوء البرق وفيه مكنية وتخييلية وترشيح وعلى الثاني بالمد وهو الرفعة. (ولا يوهن عراه) الوهن الضعف وفعله من باب وعد وورث وكرم وأوهنه أضعفه، والمراد بالعروة القوانين الشرعية والأحكام الإلهية وفيه أيضا مكنية وتخييلية وترشيح (ونعوذ بالله من سوء كل الريب): الشك في الحقوق الثابتة لله وللخلق مثل الشك في ذاته تعالى ووجوده ووحدته واختياره وساير صفاته اللايقة به وفي كتابه ورسوله وما جاء به رسوله وفي أوصيائه واحد بعد واحد الى غير ذلك كله سوء يجب الاستعاذة منه على كل أحد وإن كان متصفا باليقين لأن الإنسان لا يأمن من المزلة والنسيان ولكن ذلك منه (عليه السلام) على سبيل التعليم أو التعبد وإظهار العجز والعبودية،

[ 227 ]

وإلا فساحة عصمته وكمال علمه منزهة من دخول الريب اللازم للجهل فيها (وظلم الفتن) الفتنة: المحنة والبدعة وغيرهما مما يوجب الميل عن الحق مثل المال والجمال والحسب الكريم والنسب الشريف وكثرة العشائر وغيرها وتشبيهها بالشئ المظلم في عدم اهتداء من وقع فيه مكنية واثبات الظلمة لها تخييلية (ونستغفره من مكاسب الذنوب) جمع الذنب: الاثم، ومكاسب الذنوب: مواضع كسبها من الأفعال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة (ونستعصمه عن مساوئ الأعمال) مساوئ: " بديها " وكأنها جمع سوء على غير قياس كالمحاسن جمع حسن أو جمع مساوة، وفي المصباح المساءة نقيض المسرة وأصله مسوءة على مفعلة بفتح الميم والعين ولهذا ترد الواو في الجمع فيقال هي المساوى لكن استعملوا الجمع مخففا (ومكاره الآمال) المكاره: المقابح من كره الأمر والمنظر كراهة فهو كريه مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى، والأمل والطمع والرجاء في الأمور الدنيوية زيادة على القدر المحتاج إليه في أصل البقاء وقوام البدن والقوة على العبادة وهو المسمى بالكفاف كلها مقابح والفرق بينها أن أكثر استعمال الأمل فيما يستبعد حصوله والطمع فيما يقرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مرجوه فإن قوى الخوف يستعمل استعمال الأمل وإلا استعمل بمعنى الطمع (والهجوم في الأهوال) هجمت وعليه هجموما من باب قعد دخلت فيه بغتة على غفلة، والهول: ما يخاف منه ويفزع لشدته واضراره، وموضع مهيل بفتح الميم ومهال أيضا أي مخوف (ومشاركة أهل الريب) في مجالستهم أو في معاملتهم أو في دينهم بالتظاهر والتعاون فيه (والرضا بما يعمل الفجار في الأرض بغير الحق) لأن الرضاء بالفسق فسق، فالراضي به فاسق مثل العامل به وقوله " بغير الحق " تأكيدان خص عملهم بالفجور، وتقييد أن عمم والبواقي ظاهر (وسنوا سنتك) أي ساروها أو أحسنوا القيام عليها والسنة الطريقة والسيرة. * الأصل: 195 - الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزه قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لكل مؤمن حافظ وسايب، قلت: وما الحافظ وما السايب يا أبا جعفر ؟ قال: الحافظ من الله تبارك وتعالى حافظ من الولاية يحفظ به المؤمن أينما كان، وأما السايب فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله) يبشر الله تبارك وتعالى بها المؤمن أينما كان وحيثما كان. * الشرح: قوله: (حافظ من الولاية) أي ملك حافظ من الولاية بأن لا يزل من ولاية الحق إلى ولاية الباطل يحفظه الله تعالى بذلك الحافظ المؤمن من الخروج عنها أينما كان من شرق الأرض أو غربها أو

[ 228 ]

سهلها أو جبلها أو برها أو بحرها (وأما السايب) كأنه من السيب: بمعنى العطاء أو الجري (فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله)) بشرته أبشره من باب قتل في لغة تهامه وما والاها والتعدية بالتثقيل لغة عامة العرب والبشارة بكسر الباء والضم: لغة وإضافتها الى الفاعل وهي في الخير أكثر من الشر وإذا أطلقت اختصت بالخير (يبشر الله تبارك وتعالى بها المؤمن أينما كان وحيثما كان) لعل هذه البشارة عند لقاء الموت فإنه يحضر المؤمن ويبشره بكرامة الله ورحمته ويخبره بمال حاله في الجنة كما دلت عليه الروايات. * الأصل: 196 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجال، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم ". * الشرح: قوله (خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم) خبرت الشئ أخبره من باب قتل خبرا: علمته وأنا خبير، والخبرة: معرفة بواطن الأمور. والقلي بالكسر والقصر وبالفتح والمد: البغض، قلاه، يقليه: أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه وقليه كرضيه يقلاه لغة طي والمعنى: خالط الناس وجربهم فإنك إن خالطتهم وجربتهم تخبرهم: أي تعرف مآل حالهم في الآخرة وانهماكهم في تحصيل الدنيا وجمع زخارفها وخبث عقايدهم وسوء أخلاقهم وكمال بعدهم عن ذكر الله تعالى، ومتى تخبرهم وتعرفهم بهذه الخصائل الذميمة تقلهم، يعني: تبغضهم أشد بغض ولا تحبهم، وهذا في اللفظ أمر وفي المعنى خبر أي من خالطهم أبغضهم وتركهم قال السيد رضى الدين في نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " تخبره تقله " ثم قال: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: قال المأمون: لولا أن عليا (عليه السلام) قال " أخبره تقله " لقلت أنا: أقله تخبر قال بعض الشارحين حمل مأمون أخبر على معنى اختبر أي تبغضه تختبره ولكل وجه فإن من اختبر من لا يحصل مرامه منه يبغضه ومن أبغض آخر يختبره ومن الناس من روى هذا لرسول (صلى الله عليه وآله) ومما يقوى أنه من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي. * الأصل: 197 - سهل، عن بكر بن صالح رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الاسلام أصل. * الشرح: قوله (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة) قيل: إنما جعلوا كالمعادن لمافيهم من الاستعدادات المتفاوتة، فمنهم قابل لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنهم غير قابل لها

[ 229 ]

وقيل: لأن فيهم مبدأ الإيمان والكفران وأصل الطاعة والعصيان وغير ذلك من الخيرات والشرور وهي فيه كالنخلة في النواة والنار في الحجر، كما أن في المعادن ذهب وفضة وجيد وردئ، يظهر كل بالتمحيص والتجربة والامتحان وإلى ذلك أشار بقوله (فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل) أصل كل شئ ما يستند إليه ذلك الشئ، كالأب للولد والعرق للشجر، والنهر للجدول، ولعل المراد أن من له في علم الله أصل الإيمان ومادته في الجاهلية فله ذلك بعد الإسلام وهو يؤمن به ومن له مادة الكفر فيها فله ذلك بعده وهو يكفر به والغرض هو إظهار البعد بين حال المؤمن وحال الكافر ويقرب منه ما مر عن سيد العابدين (عليه السلام) قال: " إن العبد إذا كان خلقه الله في الأصل أصل الخلق مؤمنا في علمه لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده منه، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه " وهذا بعض كلامه وإن شئت تمامه فارجع إلى حديثه المذكور في صدر هذا الكتاب، ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى تقدم بني هاشم على غيرهم في الشرف والمنزلة في الجاهلية والإسلام، فإن شرفهم في الجاهلية أيضا مشهور ومكارم أخلاقهم لا يدفعها دافع ويؤيده أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين 7 أن فلانا وفلانا أقدم منك، وأظهر أيضا أولويته عليه فكتب (عليه السلام) في جوابه: " لولا نهى الله تعالى من تزكية المرء لنفسه لذكرت جمة من فضايلي فإنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا " ثم أظهر أن عزه قديم دون عزه وعز قومه وبين التفاوت بين بني هاشم وبني أمية، قال بعض الشارحين لكلامه (عليه السلام): وفيه إشارة إلى أن شرفهم لا يختص بالإسلام فإن شرفهم وعلو منزلتهم ومنزلة آبائهم قبل الإسلام أيضا مشهور. * الأصل: 198 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سنان، عن معاوية بن وهب قال: تمثل أبو عبد الله (عليه السلام) ببيت شعر لابن أبي عقب: وينحر بالزوراء منهم لدى الضحى * ثمانون ألفا مثل ما تنحر البدن وروى غيره البزل. ثم قال لي: تعرف الزوراء ؟ قال: قلت: جعلت فداك يقولون: إنها بغداد قال: لا، ثم قال (عليه السلام): دخلت الري ؟ قلت: نعم، قال: أتيت سوق الدواب ؟ قلت: نعم، قال: رأيت الجبل الأسود عن يمين الطريق ؟ تلك الزوراء يقتل فيها ثمانون ألفا منهم ثمانون رجلا من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة، قلت: ومن يقتلهم جعلت فداك ؟ قال: يقتلهم أولاد العجم. * الشرح: قوله: (تمثل أبو عبد الله (عليه السلام) ببيت شعر لابن أبي عقب. انتهى) كأنه سمعه من المعصوم

[ 230 ]

وأدرجه في سلك النظم ويدل على جواز التمثيل بالشعر وإنشاده إذا كان صادقا غير مؤذ لأحد أو حكمة، وينحر على صيغة المجهول، وثمانون في مقام الفاعل والباء في بالزوراء بمعنى " في " والبدن بضمتين وإسكان الدال تخفيف جمع البدنة محركة وهي الإبل (وروى غيره البزل) بدل البدن والظاهر أن ضمير غيره راجع إلى معاوية بن وهب وأن هذا كلام المصنف أو محمد بن سنان، والبازل من الإبل: مادخل في السنة التاسعة، والذكر والأنثى سواء، يقال: جمل وناقة بازل وبزول إذا طلع نابه، والجمع كركع وكتب وبوازل (قال: لا) لعل المراد أن المقصود بالزوراء ههناليس بغداد إلا أن الزوراء لا يطلق عليها لأن صاحب القاموس قال فيه: زوراء دجلة وبغداد لأن أبوابه الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة (منهم ثمانون رجلا من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة) لرفعة شأنهم من حيث الدنيا وكونهم من أولاد الخلفاء وكأنه أراد بفلان عباسا وأشار بذلك الى قتال أمين مع المأمون فإنه وقع بالري وقتل عساكر أمين هناك وكان عسكر مأمون أهل خراسان وحواليها ويمكن أن يكون إشارة الى قضية هلاكو. * الأصل: 199 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن محمد بن زياد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا "، قال: مستبصرين ليسوا بشكاك. * الشرح: قوله: (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا) *، قال: مستبصرين ليسوا بشكاك) في تلك الآيات بإنكارها أو بعدم معرفة حقها، والمعنى لم يسقطوا ولم يقيموا عليها غير واعين لها ولا مبتصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بأذن واعية متبصرين بعيون واعية وفيه وعد بأن الثواب المذكور في الآية إنما هو للمؤمن المستبصر الموقن والآيات شاملة للائمة (عليهم السلام) لأنهم الآيات الكبرى وأعظم أفرادها بهم يعرف الله ويعبد. * الأصل: 200 - عنه، علي، عن إسماعيل بن مهران، عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " فقال: الله أجل وأعدل [ وأعظم ] من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به، ولكنه فلج فلم يكن له عذر. * الشرح: قوله: (ولكنه فلج فلم يكن له عذر) الفلج بالضم والسكون والجيم: الغلبة يقال فلج أصحابه

[ 231 ]

وعلى أصحابه إذا غلبهم ويمكن أن يكون بالحاء المهملة بمعنى: القطع والشق يقال فلجت الحديد فلجا من باب منع إذا قطعته وشققته وفلج على الاحتمالين مبني للمفعول أي غلب أو قطع وكسر فلم يكن له عذر في ترك الحق والإقرار بالإمام العادل ومتابعته حتى يعتذر به. * الأصل: 201 - علي، عن علي بن الحسين، عن محمد الكناسي، قال: حدثنا من رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز ذكره: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلونه إليهم فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء، فاولئك الذين يجعل الله عز ذكره لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون. وفي قول الله عز وجل: * (هل أتاك حديث الغاشية) * ؟ قال: الذين يغشون الإمام إلى قوله عز وجل: * (لا يسمن ولا يغني من جوع) * لا ينفعهم ولا يغنيهم، لا ينفعهم الدخول ولا يغنيهم القعود. * الشرح: قوله: (قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء) إشارة إلى من الموصولة والجمع باعتبار المعنى والمراد بالضعف: ضعف حالهم في الدنيا للفقر كما فسره بقوله (ليس عندهم ما يتحملون به إلينا) التحمل: تكلف حمل شئ أي ليس عندهم ما يتحملون به المسير إلينا من الزاد والراحلة وغيرهما من أسباب السفر (فيسمعون حديثنا) متفرع على المنفى (ويقتبسون من علمنا) اقتبس العلم استفاده (فيرحل قوم فوقهم) فوقية دنيوية بالغناء والمال، ولعل المراد بالقوم أهل الخلاف كالزيدية والإسماعيلية والفطحية والواقفية وأمثالهم، ولو أريد بهم الإمامية أو الامامية أيضا ينبغي حمل التضييع على تضييع العمل بالمروي أو على الأعم منه ومن إنكاره، إلا أنه يرد أن الإمامية الناقلين إن عملوا كانوا مندرجين تحت الآية كالضعفاء بل هم أولى بالدخول، والضعفاء إن لم يعملوا كانوا خارجين عنها، فالفرق بينهما بأن الناقلين خارجون والمنقول إليهم داخلون غير واضح فليتأمل (وينفقون أموالهم) بتجهيز أسباب السفر (ويتعبون أبدانهم) بتحمل مشاقه (حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم) أي الى شيعتنا الضعفاء (فيعيه هؤلاء) أي يحفظه الشيعة الضعفاء (ويضيعه هؤلاء) أي الأغنياء (فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجا) من الضيق ويرزقهم رزقا روحانيا وهو العلم بالشرع والعمل به (من حيث لا يحتسبون) رزقهم منه، وبالجملة لما دلت الآية الكريمة على أن التقوى: وهي التحرز من الكفر مطلقا وما يوجب التأثم والشغل بغير

[ 232 ]

الله تعالى سببا للرزق الجسماني والروحاني بتوارد الفيض الرباني من حيث لا يحتسبون أشار (عليه السلام) إلى أن من اتصف بها هم الشيعة وإن من جملة رزقهم الذي يأتيهم من حيث لا يحتسبون تعلمهم حديث أهل العصمة (عليهم السلام) والعمل به ونقله إليهم على النحو المذكور. (وفي قول الله تعالى هل أتاك حديث الغاشية، قال: الذين يغشون الإمام) الغاشية: الداهية التي يغشى الناس شدايدها، قال أكثر المفسرين: هي القيامة، وقال بعضهم: هي النار وقال (عليه السلام): من يغشى الإمام المنصوب من قبل الله تعالى بالسوء والآية لبيان شدائدهم الأخروية وعقوباتهم الأبدية ومن جملتها أن ليس لهم طعام إلا من ضريع، روي عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الضريع: شئ في جهنم أمر من الصبر وأنتن من الجيفه وأحر من النار، وتأويل الغاشية بهذا تأويل آخر غير ما ذكر من أن الغاشية، الصاحب المنتظر (عليه السلام)، يغشاهم بالسيف إذا ظهر، والتاء للمبالغة ويعلم منه أنه قد يكون للآية تأويلات كلها صحيحة * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * الى قوله تعالى (لا يسمن ولا يغني من جوع قال: لا ينفعهم ولا يغنيهم لا ينفعهم الدخول ولا يغنيهم القعود) الإسمان: إكثار اللحم والشحم وقد يجعل كناية عن النفع. والإغناء: النفع والجوع: ضد الشبع ويطلق أيضا على العطش وعلى الاشتياق الى الشئ. والدخول في الأمر الأخذ فيه، والقعود عن الأمر التأخر والتباعد عنه والقعود للأمر الاهتمام له عرفت هذا فنقول: إن قوله: لا يسمن وما عطف عليه على تفسير المفسرين صفة لضريع أو استيناف كأنه قيل هل في أكل الضريع نفع مطلوب من الأكل وهو السمن ورفع الجوع، فأجيب بأنه لا، وعلى تأويله (عليه السلام) استيناف عن سؤال آخر كأنه قيل: هل ينفع الغاشية ما قصدوه من إيصال الضر إلى الإمام واطفاء نوره وهل يترتب على فعلهم ذلك ؟ فاجيب بأنه لا ينفعهم الدخول فيما يقتضى وصول الضرر إليه ولا ينفعهم القعود لذلك والاهتمام به * (يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) * وهذا الذي ذكرناه من باب الاحتمال والله يعلم. * الأصل: 202 - عنه، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم " قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفه والمغيرة بن شعبة حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية، قال: قلت: قوله عز وجل: " أم أبرموا أمرا فانا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلي

[ 233 ]

ورسلنا لديهم يكتبون ". قال: وهاتان الآيتان نزلنا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبد الله (عليه السلام): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام) وهكذا كان في سابق علم الله عز وجل الذي أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين (عليه السلام) وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله. قلت: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل) * قال: الفئتان إنما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة، وهم أهل هذه الآية وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان الواجب عليه قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ولو لم يفيئوا لكان الواجب عليه فيما أنزل الله أن لا يرفع السيف عنهم حتى يفيئوا ويرجعوا عن رأيهم لأنهم بايعوا طائعين غير كارهين، وهي الفئة الباغية كما قال الله تعالى فكان الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم، كما عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة إنما من عليهم وعفى وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل مكة حذوا النعل بالنعل. قال: قلت: قوله عز وجل: " والمؤتفكة أهوى " قال: هم أهل البصرة هي المؤتفكة، قلت: " والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات " ؟ قال: اولئك قوم لوط ائتفكت عليهم انقلبت عليهم. * الشرح: قوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) ذكر الثلاثة والخمسة دون الاثنين والأربعة لأن الله تعالى وتريحب الوتر مع الإشعار بذكر الزوج بعد الاستثناء الى أن شيئا من العدد لا يخلو من الازدواج معه كما صرح في قوله (ولا ادنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) للتعميم بعد التخصيص (أينما كانوا من فوق الأرض وتحتها وشرقها وغربها والخلاء والملاء (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) من خير وشر ويجزيهم به (إن الله بكل شئ عليم) إشارة إلى أن المراد بكونه معهم علمه محيطا بظواهرهم وضمائرهم لا معية زمانية أو مكانية (لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة أبدا) أي تعاهدوا في حجة الوداع في الكتاب إلى منع اجتماعتهما في بني هاشم حسدا وعنادا وعداوة وحبا للدنيا وميلا الى كون الخلافة في قريش لئلا تذهب مكر متهم في العرب (فأنزل الله عز وجل فيهم هده الآية) توبيخا ووعيدا لهم والآية وإن نزلت فيهم مضمونها عام ولا ينافي خصوص السبب عمومها ولا يخصصه. (قال: قلت: قوله عز وجل أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون) هم أبرموا أمر التعاهد ورد الخلافة عن بني هاشم وأحكموا ذلك بزعمهم والله سبحانه أبرم وأحكم أمر الخلافة في أهلها (قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (عليه السلام). انتها) شبه يوم

[ 234 ]

قتل الحسين (عليه السلام) بيوم كتب فيه الكتاب في كونه مصيبة عظيمة وبلية شديدة على الهاشمين والعلويين والشيعة أجمعين لكونه أصلا ليوم القتل وسببا له إذ لو كانت الخلافة في بني هاشم ولم ينقلوها منهم إلى بني تيم وبني عدى وبني أمية لم يقع قتل الحسين (عليه السلام) (فقد كان ذلك كله) أي كتب الكتاب وقتل الحسين (عليه السلام) وخروج الملك من بني هاشم وكان تامة أو ناقصة وخبرها محذوف أي في علم الله تعالى. (قلت: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) أي تقاتلوا والافتعال يجئ بمعنى التفاعل مثل اختصموا وفعل الشرط محذوف لوجود مفسر له كما في قوله تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك " (فأصلحوا بينهما) بالوعظ والنصح والدعاء الى حكم الله تعالى (فإن بغت احداهما على الأخرى) أي ظلمت وتعدت (فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ الى أمر الله) أي ترجع إلى حكمه أو إلى ما أمرت به من ترك البغي (فإن فاءت) بعد المقاتلة الى أمر الله (فأصلحوا بينهما بالعدل) قيل تقييد الإصلاح بالعدل هنا لأنه مظنة الحيف من حيث أنه بعد المقاتلة ومن العدل العفو عنهم ورد أمواله كما يشير إليه) قال الفئتان) قيل السائل سأل عن الطائفتين فقال (عليه السلام) الفئتان أي هما الفئتان اللتان تعرفهما واللام للعهد وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) أي خرجوا عليه كالمرأة وأصحابها (فكان الواجب عليه) أي على أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى من تبعه (قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله) أي إلى طاعة الله تعالى وطاعة الإمام أو يقتلوا كالحربي (لأنهم بايعوه طائعين غير كارهين) فهم كانوا مؤمنين ثم نكثوا وارتدوا فكان هذا دليل لقوله (وهم أهل هذه الآية) إذ هو يقتضي تحقق الإيمان في الطائفتين ولا ينافي ذلك خروج الباغي عن الإيمان (فكان الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة إنما من عليهم وعفى وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل مكة حذو النعل بالنعل) أي عمل مثل عمله من غير تفاوت كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل الأخرى، والحذو: التقدير والقطع، واعلم أنه كان للنبي (صلى الله عليه وآله) سبي نساء مشركي أهل مكة وذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة جايز وإنما لم يسب ولم يأخذ على سبيل المن عليهم دون استحقاقهم وظاهر التشبيه في قوله " وكذلك صنع أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل البصرة " وظاهر قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلامه " مننت على أهل البصرة كما من النبي (صلى الله عليه وآله) على أهل مكة يشعر بجواز سبي نساء مقاتلي أهل البصرة وذراريهم وأخذ أموالهم مطلقا لأمير المؤمنين (عليه السلام) وإنما لم يسب ولم يأخذ على طريق المن أيضا وجواز أخذ الأموال مشهور بين الأصحاب منهم الشهيد (ره) في خمس الدروس ويؤيده وأنه (عليه السلام) بعد الغلبة على أهل البصرة قسم أموالهم أولا ثم أمر بردها على أصحابها ولولا جوازه لما فعله أولا، ولكن قيدها المجوزون بالأموال التي حواها

[ 235 ]

العسكر مع عدم رجوعهم الى الطاعة ونقلوا الإجماع على ذلك، وأما ما لم يحوها العسكر وإن كان مما ينقل ويحول أوحواها مع رجوعهم إلى الطاعة وعدم إصرارهم على المخالفة فلا يجوز قطعا، وقال بعضهم لا يجوز أخذ أموالهم مطلقا منهم الشهيد (ره) في اللمعة وأما السبي فلا يجوز على المشهور وجوزه بعض عملا بظاهر التشبيه المذكور. (قال قلت قوله عز وجل والمؤتفكة أهوى) هو الشئ يهوي هويا بالفتح: سقط من علو إلى سفل، وأهواه: أسقطه، قال المفسرون: هي قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها، انقلبت أهواها بعد أن رفعها وقلبها وقال (عليه السلام): هو البصرة يدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه في ذم أهل البصرة " يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها انقلبت بهم ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة " وقال في خطبة اخرى: " وإنها: يعني البصرة لاسرع الأرض خرابا وأخبثها ترابا وأشدها عذابا ولقد خسف بها في القرون الخالية مرارا وليأتين عليها زمان " وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: وقد ائتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة (قلت والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات قال: اولئك قوم لوط ائتفكت عليهم انقلبت عيهم) كما هو المشهور، قال بعض المفسرين كانت أربعة صواهم وزاد وما وعامورا وسدوم. * الأصل: 203 - علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن حنان قال: سمعت أبي يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك ؟، فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله عز وجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي. قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمان (رضي الله عنه) يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إلي قال عمر بن الخطاب: من أنت وما أصلك وما حسبك ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فما قلت له يا سلمان ؟ قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش، إ ن حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله وقال الله عز وجل: * (إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله) لسلمان: ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل وإن

[ 236 ]

كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل. * الشرح: قوله: (حتى بلغوا سلمان فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك) افتخر عمر على سلمان بشرف آبائه ولم يعلم أن الشرف كل رجل بأفعال شريفة وأخلاق كريمة وأن شرف الآباء لو كان لا ينفعه وأن العبد الحبشي لو كان له دين ومروة وعقل وتقوى وورع خير من رجل قرشي لم يكن له، ذلك وأنه ليس للانسان إلا ما سعى، وأجاب سلمان بأمور دلت على تذلله وتواضعه لله تعالى، والشكر على نعمه وهي نسبه المشعر بالعبودية والهداية بعد الضلالة التي هي الخروج من دين الحق أو الجهل بالأحكام الشرعية والغنى بعد العيلة، والفقر والعتق بعد الملك، والمراد به: العتق المعروف حمله على العتق من قيد النفس الأمارة بعيد ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما ذكره القرطبي قال " سلمان يكنى أبا عبد الله (عليه السلام) وكان ينسب إلى الإسلام فيقول أنا سلمان بن الإسلام ويعد من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه أعانه بما كوتب عليه فكان سبب عتقه، وكان يعرف بسلمان الخير، وقد نسبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بيته فقال: سلمان منا أهل البيت، وأصله فارسي من رامهرمز قرية يقال لهاجي وقيل: بل من أصبهان وكان أبوه مجوسيا فنبهه الله تعالى على قبح ماكان عليه أبوه وقومه وجعل في قلبه التشوق إلى طلب الحق فهرب بنفسه إلى أن وصل إلى الشام فلم يزل يجول في البلدان ويختبر الأديان ويكتشف الأحبار والرهبان إلى أن دل على واهب الوجود فوصل إلى المقصود بعد مكابدة عظيمة انتهى وسنذكر تفصيل أحواله إن شاء الله تعالى. (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه) في المصباح الحسب بفتحتين: ما يعد من المآثر وهو يكون في الإنسان وإن لم يكن لآبائه شرف، ورجل حسيب: كريم في نفسه، ولا ريب في أن الدين والعمل بما فيه أشرف المآثر والمفآخر (ومروءته خلقه) في المصباح، المروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال: مرؤ الإنسان فهو مرئ، مثل قرب فهو قريب أي ذومروءة قال الجوهري وقد شدد فيقال مروة (وأصله عقله) إذ به يتم كماله وحقيقته وينتسب إلى الأنبياء والأوصياء وقد أشار (صلى الله عليه وآله) أن مزية الإنسان وشرفه بهذه الأمور الثلاثة لا بالنسب وشرف الآباء وشهرتهم (قال الله عز وجل إنما خلقناكم من ذكر وأنثى): أي: من رجل وامرأة وهما آدم وحوا عليهما السلام أو المراد بهما الأب والأم لكل واحد فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب والتعيير والاعتياب به والخطاب لجميع الناس من العرب والعجم والذكر والنثى والحر والعبد (وجعلناكم شعوبا وقبائل) الشعب بالفتح: ما انقسمت فيه قبائل العرب، والجمع شعوب مثل فلس وفلوس ويقال الشعب: هو الحي العظيم المنسوبون إلى أصل واحد وشعبت القوم شعبا من باب منع جمعتهم وفرقتهم فيكون

[ 237 ]

من الأضداد فالجمع باعتبار جمع كل شعب لأولاده والتفريق باعتبار تميز كل شعب من آخر ويقال أنساب العرب أنقسم ست مراتب: شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة بفتح العين وكسرها، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة، فالشعب: هو النسب الأول كعدنان فهو بمنزلة الجنس يندرج فيه سائر المراتب، والقبيلة: ما انقسم فيه أنساب الشعب، والعمارة: ما انقسم فيه أنساب القبيلة، والبطن: ما انقسم فيه أنساب العمارة، والفخذ: ما انقسم فيه أنساب البطن، والفصيلة: ما انقسم فيه أنساب الفخذ، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبايل بطون العرب، وقيل: الشعوب باعتبار المدينة والبلد مث