الغدير في الكتاب والسنة والأدب كتاب ديني. علمي. فني. تاريخي. أدبي. أخلاقي مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا ويتضمن تراجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الأثارة من العلم وغيرهم تأليف الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الأكبر الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الجزء الرابع عني بنشره الحاج حسن إيراني صاحب دار الكتاب العربي بيروت - لبنان الطبعة الرابعة 1397 ه - 1977 م جميع الحقوق محفوظة للمؤلف (أ) خطاب تفضل به الفيلسوف الشهير الدكتور محمد غلاب مدرس الفلسفة في شعبة أصول الدين من الجامع الأزهر المصري بالقاهرة، وقد نشرته مجلة " البيان " العصماء النجفية في عددها 10 من سنتها
الأولى ص 258 بعد كلمتها القيمة حول ذلك الخطاب، نتقدم بنشرهما مع تقدير للناشر وإكبار لمقام الكاتب وثناء على ما يعطيه من النصفة من نفسه في كل موضوع. بريد البيان ننشر نص الرسالة التي بعث بها الدكتور محمد غلاب من مصر إلى سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد الحسين الأميني حول كتابه - الغدير في الكتاب والسنة والأدب - وفيها أعرب عن حقايق ناصعة تبشر بفجر صادق يكفل لنا تقدير الآراء المذهبية الحقة، والاعتراف بالحقايق التأريخية التي قاومتها العاطفة ردحا من الزمن، وإليك نص الرسالة: تحيتي يقتادها تقديري، وسلامي يدفعه إجلالي لعلماء العراق عامة ولأهل النجف الأشرف خاصة، وفي طليعتهم المؤلفون الأماجد أمثالكم. وبعد: فقد تسلمت الجزئين: الأول والثاني من كتابكم النفيس [الغدير] الذي شابه الغدير حقا في صفائه ونفعه، والذي يلفي الباحث فيه أمنيته على نحو ما يجد المسافر الظامي في الغدير ما ينقع غلته، والذي عنيتم فيه بجانب هام من جوانب التراث الاسلامي، متوخين الحقايق، متتبعين الآثار الصادقة، متعقبين مواطن الشبه بالتصحيح والنقد. ونحن على يقين من أن الشباب العصري الاسلامي سيستفيد من هذه الثمار الشهية، لا سيما أن أكثر ما يكتب اليوم غث خفيف الوزن، تافه القيمة، وإن الحركتين العلمية والأدبية قد تحولتا إلى حركة تجارية بحتة.
[2]
(ب) ولقد جاءني كتاب حضرتكم في الوقت الملائم لأني عاكف على دارسة كثير من الجوانب الإسلامية وعلى التأليف فيها، ولذا يعنيني كثيرا أن تنكشف أمامي المبادئ الحقيقية، والآراء الصحيحة للشيعة الإمامية حتى لا نكبو - بإزاء هذه
الفرقة الجليلة - في مثل ما كبا فيه.... و.... (1) وأمثالهما من المحدثين المتسرعين، ولقد تسلمت أيضا قبل الآن بضعة كتب من علماء العراق في مبادئ الشيعة الإمامية وآرائهم، ونسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه الرشاد، وأن يهدينا إلى سبل السداد، وأن ينفع بما ننتجه الناطقين بالضاد، وتفضلوا بقبول احترامي الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية بالقاهرة
(1) سمى رجلين من المحدثين المتسرعين لم نذكرهما لعدم علمنا برضاه.
[3]
(ج) مقال أتانا من الشخصية البارزة، بطل الجهاد السياسي، صاحب المعالي الدكتور عبد الرحمن الكيالي الحلبي، أحد رجالات الأسرة الكريمة " الرفاعية " بحلب الشهباء، العريقة بالمجد المؤثل، المطنبة في أرجاء العالم الاسلامي بشرف النسب والحسب والعلم والكرامة، والمقال يعرب عن تقدمه في حبك الكلام، و ترصيف القول، وسبك الغرر والدرر في بوتقة البيان، كما يعرفه بدقة النظر، ورصانة الفكر، والشعور الحي، والروح الشاعرة، حياه الله وبياه، واليك المقال: (1) صاحب الفضل والفضيلة العلامة الجليل الأستاذ الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني المحترم الحمد لله موحد القلوب، وباعث الهمم على جمع شمل المسلمين، والصلاة و
السلام على رسوله هادي الأمم إلى يوم الدين، وعلى آله وأصحابه ومن والاهم من المؤمنين. وبعد: فإن تاريخ الاسلام هو تاريخ العرب، والعرب قصروا في دراسة تاريخهم دراسة علمية مجردة عن الغرض والهوى. والذين كتبوا التاريخ الاسلامي في عهود الأمويين والعباسيين لم يخل أكثرهم من شبهات الميل إلى العاطفة، والانحياز عن الحق، فلم يستطع المتأخرون النقادون استخراج الوقايع، والحقائق، والأحداث، وربطها ببعضها البعض بسياق العبر، و استجلاء الأسباب وإظهار النتائج، وهي من أهم مقاصد التاريخ. إن العالم الاسلامي الذي لا يزال في حاجة ماسة إلى مثل هذه الدراسات يهمه ولا شك أن يعلم تطور الحكم قبل الاسلام وبعده، وأسباب الأحداث التي رافقت قضية الخلافة والخلفاء وما جرى في أيامهم، ويهمه أن يعلم لماذا تعددت دول
(1) هذا المقال من ملحقات الطبعة الثانية.
[4]
(د) الاسلام وتفرقت ؟ وماذا حدث في عصورها من حروب وأعمال ؟ وكيف زالت تلك الدول وحل محلها غيرها ؟ وماذا أدى كل منها من الخدمات إلى الحضارة الإسلامية وإلى الذين شادوا بنيانها ورفعوا منارها ؟ ويهمه أن يعلم ما هي عوامل السرعة في الفتوحات واتساعها وانتشار الاسلام بيد الأمم والشعوب على اختلاف مللهم و نحلهم ؟ ولماذا بدأ الاختلاف بعد وفاة الرسول الأعظم وأبعد بنو هاشم عن حقهم ؟ ويهمه أن يعلم ما هي بواعث الانحطاط والانحلال في المسلمين حتى أصبحوا على ما هم عليه ؟ وما هي الطرق المؤدية إلى وحدة كلمتهم ونهضتهم دينيا، وسياسيا، و اقتصاديا، وأدبيا، وعلميا ؟ وهل يمكن تدارك ما فات بالرجوع إلى ما كتبته التواريخ
القديمة والاعتماد عليها ؟ أم يجب البحث والعمل والانصراف إلى التحرى والاستقراء بتجرد ونزاهة ؟ حتى يمكن الاستنباط والتحقق من العلل، واستخراج الأسباب، وبيان ما يجب أن يتهيأ له الجيل الجديد للأخذ بمقومات العلم والنهضة والتمسك بالمثل العليا التي تمثل لنا مبادئ الرسوم، وسيرته وتعاليمه، وتعاليم من ساروا سيرته. وعملوا بهديه، واستناروا بنوره، وكانوا مصابيح الشريعة، وسند الحق، وكعبة الحياة السعيدة، ومثالا للزهد والتقوى. إنني لأرى - وأنا الواثق بأن مثل هذه الدراسة وهذا النهج القويم هو خير ما يجب على رجال العلم والدين والاصلاح السعي لتحقيقه وإبرازه إلى حيز الوجود - إن في كتابكم " الغدير " الذي أخرجتموه إلى العالم الاسلامي ما يثبت لنا فائدة هذه الدراسة على هذا الطراز العلمي، وفيه ما يحقق لنا حقيقة تاريخية لم ينصف المؤرخون في روايتها بإجماع كما حدثت، بل تناولها بعضهم بالاثبات وبعضهم بالنفي، وهنالك من رواها بالزيادة أو النقصان، ومنهم من نقلها محرفة، ومنهم من ذكرها دون اهتمام، كأنها قضية لا يتوقف على صحتها والعمل بها سلامة البداية وخلود النهاية، فمر بها مرور الغافل، أو الجاهل، أو المغرض. وفي كل ما حدث بقي العالم الاسلامي بعيدا عن فهم الحقيقة حقيقة الحدث التاريخي الذي لو عمل به صحابة العهد النبوي، ونفذ ما جاء في الوصية حسبما أراده الرسول الأمين، والمؤسس الأعظم ما وقع ما وقع، وأصاب المسلمين ما أصاب من بلاء
[5]
(ه) الشقاق، وشقاء الاختلاف، ولبقيت وحدة المسلمين متماسكة الحلقات، سليمة من النوازع والرغبات، وسارت الخلافة تحفها مواكب النصر، وتظلها أعلام الهدى والرشاد في طريق القوة والاجماع، كما رسم خططها الرسول، فلا يتولاها إلا ذو استعداد، وكفاية، وعلم، وإرادة، وشجاعة، وقوة، وحزم، وثبات، إدراكه إدراك صحيح لسياسة الشريعة، وحكمته حكمة عادلة تجمع بين الدين والدنيا، وخلقه خلق النبوة، وسيرته سيرة المصلح، وهديه هدي القرآن، وحياته حياة الزاهد
في حطام الدنيا وزينتها ولذاتها، وعمله عمل الحق والرحمة والمحبة، وسيفه سيف الحكيم الخبير بمواطن الداء، وحكمه حكم القاضي الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، ويده يد الجبار على الظالم، ويد الرحيم مع الضعيف، وعلمه الذي يقيس القضايا بمقاييس العقل والحق والصالح العام، والتجرد عن كل ما يخالف أمر الله، يريد وجهه في كل عمل وقول. أما والواقع كان خلاف ما يجب أن يكون، وحدث ما ليس في الحسبان، وأضاع العرب الفرصة والزمان، وخسر المسلمون رجالاتهم وقوتهم وهم في أول نشأتهم في منابذات ومنازعات، ما أغناهم عنها ! ولولاها لدوخوا العالم، ودكوا العروش، ونشروا ألوية السلام في أقل من نصف قرن، ولبسطوا سلطانهم على العالم، وأسسوا هدى شريعتهم دون عناء. أما وقد انطوت أحداث التاريخ على ما لا يحمد وما يحمد خلال تلك القرون فليكن لنا منها عبرة وبعث ينشطنا إلى بسط الحقائق، وربط الوقائع، وبيان العلل والأسباب، وكشف النتائج معتمدين على منطق العلم والعقل والتجارب، ومنهج جمع الشمل، ولثم الجروح حتى لا تشوب مباحثنا شائبة الزيغ أو التقصير أو الاهمال، فنطهر سيرة ذلك الوصي الذي عاش لله ودينه، واستشهد في سبيل إعلاء كلمته والدفاع عن حقه، وناصر ابن عمه بروحه وجسمه وطاعته وولائه، وبذل جهده وإخلاصه ونفسه للذين تولوا أمور المسلمين على أن يكونوا لدين الله ناصرين، وبكتابه عاملين، ولرعيته راعين، ولتعاليمه حافظين، ولرسالته مؤيدين، ولهديه تابعين. كان في عبادته وأخلاقه وأعماله مثلا أعلى لما رسمه الاسلام لتابعيه، وكان
[6]
(و) سيد الفصاحة والبلاغة، وباب العلم والاجتهاد، وسيف النبي على الأعداء، وصاحب الإرادة التي لا تلين لمطمع أو غاية، والإمام الورع كرم الله وجهه وطهره وآله
وعترته من الرجس وعصمهم عن الزيغ، وأوجب عباده محبتهم، ووهبهم جمال الخلق، وصفاء السريرة، وحسن الطوية، وعفة اليد واللسان، وحباهم بالصبر والثبات. أما والعالم الاسلامي اليوم لفي حاجة إلى إبراز ما منح الله تلك الشخصية الفذة من الصفات، والمزايا، والفضائل، والسياسة، والتدبير، لتكون رائد المؤمنين في حياتهم أينما كانوا وحيثما تولوا، يتبعونها بروحهم وأفكارهم، فينالهم الشفاء، وتنفحهم الهداية بنعمائها ونفحاتها العلوية، فتنقى أرواحهم وقلوبهم من أدران المدنية الكاذبة، وتصفى عقولهم من هواجس الشك ونزوات الالحاد، فإن كتاب " الغدير " وما فيه من سنة، و أدب، وعلم، وفن، وتاريخ، وأخلاق، وحقائق، وتتبعات، وأقوال، لجدير بالاطلاع عليه والاحاطة به، وخليق بكل مسلم اقتناؤه، فيعلم كيف قصر المؤرخون، وأين هي الحقيقة، وبذلك نتفادى نتائج التقصير والاهمال، وننال الأجر والثواب في إقرار الحقائق واتباع الأوامر، وجمع الكلمة، وتوحيد العقائد والمذاهب، وإجماع الرأي، لعلنا ننهض وينهض من آلمهم ما وصل إليه المسلمون، ويستيقظ الجميع وقد عاد إليهم رشدهم وعزهم وقوتهم وما ذلك على الله بعزيز. أبارك عملكم، وأشكر هديتكم، وأرجو دوام سعيكم، ولسيدي الأستاذ الجليل أن يتقبل احترام أخيه وتمنياته بدوام صحته، وأن يتفضل بإعلامه عن وصول هذا المقال، وله من الله الجزاء الأوفر إنه على كل شيئ قدير، والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته بدءا وختاما. المخلص الدكتور عبد الرحمن الكيالي حلب في 18 محرم الحرام عام 1373 المصادف 26 أيلول عام 1953
[7]
(ز) كلمة للبحاثة الكبير والكاتب القدير الأستاذ المحامي توفيق الفكيكي البغدادي حول كتاب [الغدير] نشرتها مجلة الغري الغراء النجفية في عددها 17 من سنتها الثامنة ص 415 ونحن نذكرها مشفوعة بالشكر والتقدير للكاتب والناشر. في أواخر الصيف المنصرم وردتني هدية ثمينة غالية من فضيلة العلامة الجليل والمحقق الفاضل الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي وهي الجزء الأول والثاني من كتابه النفيس القيم [الغدير] وكانت علة التأخير والتقصير عن إبداء رأيي في هذا الكتاب الفريد والاشادة بذكره في حينه هي استبداد المجلد في مطالعتهما واحتكاره والاستفادة من ثمراتهما الشهية، وبعد أن ارتوى المجلد عفى الله عنه من منهل الغدير العذب قدمه لي، ولكن شواغل الحياة ومتاعب المحامات كل ذلك من الدواعي والأسباب أرغمتني إرغاما على أن أسرف في التقصير عن إنصاف كتاب [الغدير] النادر الطريف، إلا أن طمعي الكثير بحلم فضيلة المؤلف حفظه الله خير ضمان لعفوه الكريم وقد قيل: - والعذر عند كرام الناس مقبول - وقبل أن أسجل كلمتي في تقدير قيمة الكتاب العلمية، أتقدم بجزيل الشكر لفضيلة البحاثة النحرير مولف الكتاب على هديته وتحفته العجيبة، وعندي أن إهداء تحف العقول النيرة، وغرر القرائح المشرقة، وعرائس الأفكار الزاهرة، هي أثمن وأغلى من زف العرائس الأبكار، بل وأفضل من تقديم الجواهر والأعلاق من كرائم الأحجاز. وبعد: فقد تصفحت الجزئين من كتاب " الغدير " ووقفت على ما دونه المؤلف ما من الموضوعات والمضامين، ثم فحصت ما جاء فيهما من البحوث الجليلة العلمية العميقة، والتدقيقات التاريخية المضنية، ومناقشة الأحاديث
[8]
(ح) الغامضة، والروايات الكثيرة المتضاربة المختلفة، والمساجلات الأدبية والشعرية، وأثرها في خدمة المبادئ العلوية الشريفة، وكذلك أمعنت النظر في ما نقله صاحب [الغدير] وأحاط به من الآراء العلمية السديدة في التفسير والتأويل لنصوص الذكر الحكيم، والحكمة المحمدية العالية، تلك الآراء والنظرات الصائبة التي كشف الغطاء وزاحت الستار عن كثير من الحقائق المطموسة، والأسرار المحجوبة في شأن يوم الغدير، وقد كان فضيلته في كل ذلك موفقا أعظم التوفيق في تنبيه الأفكار، وتنوير الأذهان، وإرشاد الحائرين إلى معرفة تلك الحقائق التأريخية، وإدراك كنه الحكمة التشريعية في قصة الغدير، وما يتصل بها من مقدمات خطيرة محزنة، ونتائج كبيرة مؤلمة، لا تزال مدعاة للتأمل العميق، والعبرة البالغة في التأريخ الاسلامي وسجيل القومية العربية. لم يكن العلامة مؤلف كتاب (الغدير) أول من كتب وألف في " الغدير " فقد سبقه إلى ذلك كثير من العلماء الأعلام، وجملة كبيرة من كبار الأدباء وحملة الأقلام إلا أنهم مع الاعتراف بغزارة فضلهم، وعلو كعبهم في الأدب والعلم، فلم يتمكنوا من إزاحة العلة، وشفاء الغلة، ولم يتوصلوا إلى ما وصل إليه العلامة الأميني من تحقيق وتدقيق وتمحيص، بنتيجة جلده الجبار في البحث والاستقصاء وصبره العتيد على التعمق في الاستقراء والاستنتاج، ومن ثم بلوغه إلى إصابة الهدف وتقرير الحقيقة، وإبرازها سافرة ناصعة، مما دل على شدة مراسيه، وعنته في جميع الأدلة التاريخية القوية، وإقامة البراهين العلمية الساطعة، وسوق الحجج العقلية والنقلية والأدبية لإثبات دعم موضوعه الخطير في الغدير، وهو ذلك قد أبطل المثل الساير - ما ترك الأوائل للأواخر من شيئ وأراد أن يثبت للقراء بأن الأواخر قد
أتوا بما لا تسطعه الأوائل من ابتكار ومعجزات في العلوم والفنون. لا أغالي في القول إذا قلت: إن كتاب [الغدير] ما هو إلا موسوعة نادرة في العلم والفن والتاريخ والتراجم، وروضة بهيجة أنيقة ساحرة بالطرف الأدبية الزاهرة، وهو فوق ذلك فإنه دائرة معارف جليلة مهمة، حافلة بكثير من الآراء الدينية السديدة، التي تطمئن إليها النفوس الزائغة الحائرة الغارقة في حنادس الجهالة،
[9]
(ط) وغياهب الشك، ودياجير الضلالة، والحق فإن هذا الأثر النفيس الخالد مما يعجز عن تحقيقه وتخليده أكبر الجمعيات العلمية في عصرنا الحاضر، وعليه فإن هذا المجهود الجبار أعظم مفخرة خالدة للعلامة البحاثة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي في ميدان العلم والفن، وهو أكبر خدمة أسداها فضيلته للمكتبة العربية وهي تستحق الاعجاب والتقدير. والذي نؤاخذ به حضرة المؤلف هو عدم قيامه بإكمال هذه المنة من وضع الفهارس بأسماء الرجال والشعراء والأماكن ولكن هذا لا ينقص من قيمة الكتاب التاريخية والعلمية والأدبية، وأعتقد أن أزمة الورق هي السبب الأول لهذا النقص في الكتاب. أما فضيلة المؤلف فقد أهدى هذه الخدمة المشكورة إلى صاحب الولاية الكبرى، سيد الأمة، وأبي الأئمة، مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إذ لم يجد أحدا أولى بإهداء كتابه إليه من صاحب الولاية الكبرى. أيها الشيخ الفاضل إن بضاعتك المزجاة وهي صحائف ولائك الخالص لأمير المؤمنين عليه السلام لأعظم صفقة رابحة في تجارتك التي لن تبور، وإني أبشرك بصك الفوز الأكبر من الفزع الأكبر فلا يمسك وأهلك الضر إن شاء الله تعالى.
بغداد توفيق الفكيكي المحامي شكر وتقدير أقدم جزيل شكري إلى الأعلام الأفذاذ والأساتذة الأماجد من الذين كتبوا كلمة حول كتابنا [الغدير] إشادة بذكر الحق، وإعلاءا لكلمة الولاء وتوحيد الكلمة، وسعيا وراء صالح الأمة. وأردفه بالتقدير لرجالات الصحف والمجلات ناشري تلكم الكلم القيمة في الأقطار الإسلامية من مصر وسوريا والهند والعراق. الأميني
[1]
الجزء الرابع بقية شعراء الغدير في القرن الرابع وشعراءه في القرن الخامس شطر من السادس وهم واحد وثلثون شاعرا والله المستعان
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلنا عليه من الاخلاص في توحيده، وجنبنا من الالحاد والنفاق والشقاق والشك في أمره، ومن علينا بسيد رسله صلى الله عليه وآله، و أكرمنا بالثقلين خليفتي نبيه: كتاب الله العزيز. والعترة
الطاهرة سلام الله عليهم، وأسعد حظنا بتواصل أشواطنا في السعي وراء صالح المجتمع، ووفقنا للسير في سبيل الخدمة للملأ وفي مقدمهم رواد العلم والفضيلة، وأثبت أقدامنا في جدد الحق والحقيقة، وتعالى في تلك الجدة جدنا، وتوالت بسعد الجد صحائف أعمالنا وآثار يراعنا، ونحن نستثبت في الأمر ولا نتفوه إلا بثبت، والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير. عبد الحسين أحمد الأميني
[3]
بقية شعراء الغدير في القرن الرابع (22) أبو الفتح كشاجم المتوفى 360 له شغل عن سؤال الطلل * أقام الخليط به ؟ أم رحل ؟ فما ضمنته لحاظ الظبا * تطالعه من سجوف الكلل ولا تستفز حجاه الخدود * بمصفرة واحمرار الخجل كفاه كفاه فلا تعذلاه * كر الجديدين كر العذل طوى الغي مشتعلا في ذراه * فتطفى الصبابة لما اشتغل له في البكاء على الطاهرين * مندوحة عن بكاء الغزل فكم فيهم من هلال هوى * قبيل التمام وبدر أفل
هم حجج الله في خلقه * ويوم المعاد على من خذل ومن أنزل الله تفضيلهم * فرد على الله ما قد نزل فجدهم خاتم الأنبياء * ويعرف ذاك جميع الملل ووالدهم سيد الأوصياء * ومعطي الفقير ومردي البطل ومن علم السمر طعن الحلي * لدى الروع والبيض ضرب القلل ولو زالت الأرض يوم الهياج * من تحت أخمصه (1) لم يزل ومن صد عن وجه دنياهم * وقد لبست حليها والحلل وكان إذا ما أضيفوا إليه * فأرفعهم رتبة في المثل سماء أضيف إليها الحضيض * وبحر قرنت إليه الوشل (2)
(1) أخمص القدم: ما لا يصيب الأرض من باطنها، ويراد به القدم كلها. (2) الوشل كما مر: الماء القليل يتحلب من صخر أو جبل.
[4]
بجود تعلم منه السحاب * وحلم تولد منه الجبل وكم شبهة بهداه جلا * وكم خطة بحجاه فصل وكم أطفأ الله نار الضلال * به وهي ترمي الهدى بالشعل ومن رد خالقنا شمسه * عليه وقد جنحت للطفل (1) ولو لم تعد كان في رأيه * وفي وجهه من سناها بدل ومن ضرب الناس بالمرهفات * على الدين ضرب عراب الإبل وقد علموا أن يوم الغدير * بغدرهم جر يوم الجمل فيا معشر الظالمين الذين * أذاقوا النبي مضيض الثكل إلى أن قال: يخالفكم فيه نص الكتاب * وما نص في ذاك خير الرسل
نبذتم وصيته بالعراء * وقلتم عليه الذي لم يقل إلى آخر قصيدته الموجودة في نسخ ديوانه المخطوط 47 بيتا وقد أسقط ناشر ديوانه من القصيدة ما يخالف مذهبه وليست هذه بأول يد حرفت الكلم عن مواضعها. * (الشاعر) * أبو الفتح محمود بن محمد بن الحسين بن سندي بن شاهك الرملي (2) المعروف بكشاجم. هو نابغة من رجالات الأمة، وفذ من أفذاذها، وأوحدي من نياقدها، كان لا يجارى ولا يبارى، ولا يساجل ولا يناضل، فكان شاعرا كاتبا متكلما منجما منطقيا محدثا، ومن نطس الأواسي محققا مدققا مجادلا جوادا. فهو جماع الفضايل وإنما لقب نفسه بكشاجم إشارة بكل حرف منها إلى علم فبالكاف إلى أنه كاتب، وبالشين إلى أنه شاعر، وبالألف إلى أدبه أو إنشاده، و بالجيم إلى نبوغه في الجدل أو جوده، وبالميم إلى أنه متكلم أو منطقي أو منجم، و لما ولع في الطلب وبرع فيه زاد على ذلك حرف الطاء فقيل: طكشاجم. إلا أنه
(1) طفلت الشمس: دنت للغروب. مر حديث رد الشمس في الجزء الثالث 126 - 141. (2) نسبة إلى الرملة من أرباض فلسطين.
[5]
لم يشتهر به، هذا ما طفحت به المعاجم (1) في تحليل هذا اللقب على الخلاف الذي أوعزنا إليه في الإشارة، لكن الرجل بارع في جميع ما ذكر من العلوم ولعله هو المنشأ للاختلاف في التحليل. أدبه وشعره إن المترجم قدوة في الأدب وأسوة في الشعر، حتى أن الرفاء السري الشاعر المفلق على تقدمه في فنون الشعر والأدب كان مغرى بنسخ ديوانه، وكان في طريقه يذهب، وعلى قالبه يضرب (2) ولشهرته بهذا الجانب قال بعضهم:
يا بؤس من يمنى بدمع ساجم * يهمى على حجب الفؤاد الواجم (3) لولا تعلله (4) بكأس مدامة * ورسائل الصابي وشعر كشاجم (5) دون شعره أبو بكر محمد بن عبد الله الحمدوني، ثم ألحق به زيادات أخذها من أبي الفرج ابن كشاجم. وشعره كما تطفح عنه شواهد تضلعه في اللغة والحديث، وبراعته في فنون الأدب والكتاب والقريض، كذلك يقيم له وزنا في الغرائز الكريمة النفسية، ويمثله بملكاته الفاضلة كقوله: شهرت نداي مناصب لي * في ذرى كسرى صريحه وسجية لي في المكارم * إنني فيها شحيحه متحيزا فيها معلى المجد * مجتنبا منيحه ولقد سننت من الكتابة * للورى طرقا فسيحه وفضضت من عذر المعاني * الغر في اللغة الفصيحه وشفعت مأثور الرواية * بالبديع من القريحه ووصلت ذاك بهمة * في المجد سائبة طموحه
(1) راجع شذرات الذهب ج 3 ص 37، والشيعة وفنون الاسلام ص 108. (2) تاريخ ابن خلكان ج 1 ص 218. (3) يمنى: يبتلى ويصاب. يهمى: يسيل. الواجم: العبوس من شدة الحزن (4) علل فلانا بكذا: شغله. أو: لهاه به. (5) معجم الأدباء ج 1 ص 326.
[6]
عزيمة لا بالكليلة * في الخطوب ولا الطليحه كلتاهما لي صاحب * في كل دامية جموحه
ويحكي القارئ عن نبوغه وسرده المعاني الفخمة في أسلاك نظمه، ورقة لطائفه، وقوة أنظاره، ودقة فكرته، ومتانة رويته قوله: لو بحق تناول النجم خلق * نلت أعلى النجوم باستحقاق أو ليس اللسان مني أمضى * من ظبات المهندات الرقاق ؟ ويدي تحمل الأنامل منها * قلما ليس دمعه بالراقي أفعوانا تهاب منه الأعادي * حية يستعيذ منها الراقي وتراه يجود من حيث تجري * منه تلك السموم بالدرياق مطرقا يهلك العدو عقابا * ويريش الولي ذا الأخفاق وسطور خططتها في كتاب * مثل غيم السحابة الرقراق صغت فيه من البيان حليا * باختراع البعيد لا الاشفاق وقواف كأنهن عقود الدر * منظومة على الأعناق غرر تظهر المسامع تيها * حين يسمعنها على الأحداق ويحار الفهم الرقيق إذا ما * جال منهن في المعاني الرقاق ثاويات معي وفكري قد * سيرها في نوازح الآفاق وإذا ما ألم خطب فرأسي * فيه مثل الشهاب في الأعناق وإذا شئت كان شعري أحلى * من حديث الفتيان والعشاق حلف مشمولة وزير عوان * أسد في الحروب غير مطاق إصطباحي تنفيذ أمر ونهي * ومن الراح بالعشي اغتباقي ووقور الندى ولا أخجل الشارب * منه ولا أذم الساقي أنزع الكأس إن شربت وأسقيه * دهاقا صحبي وغير دهاق ومعد للصيد منتخبات * من أصول كريمة الأعراق مضمرات كأنها الخيل تطوى * كل يوم بطونها للسباق
رايقات الشباب مكتسبات * حللا من صنيعة الخلاق
[7]
تصف البيض والجفون إذا ما * أخرجت ألسنا من الأشداق وكأن المها إذا ما رأتها * حذرت واستطامنت في وثاق مع ندامي كأنهم والتصافي * خلقوا من تألف واتفاق والباحث يجد شاعرنا عند شعره معلما أخلاقيا فذا بعد ما يرى أمثلة خلايقه الكريمة، ونفايس سجاياه، وصدقه في ولاءه، وقيامه بشؤون الانسانية نصب عينيه مهما وقف على مثل قوله: ولدينا لذي المودة حفظ * ووفاء بالعهد والميثاق أتواخى رضاه جهدي فلما * مسه الضر مسه إرفاقي تلك أخلاقنا ونحن أناس * همنا في مكارم الأخلاق وقوله: أناس أعرضوا عنا * بلا جرم ولا معنى أساؤا ظنهم فينا * فهلا أحسنوا الظنا وخلونا ولو شاؤا * لعادوا كالذي كنا فإن عادوا لنا عدنا * وإن خانوا لما خنا وإن كانوا قد اشتغلوا * فإنا عنهم أغنى وقوله من قصيدة يمدح بها ابن مقلة: كم في من خلة لو أنها امتحنت * أدت إلى غبطة أو سدت الخله وهمة في محل النجم موقعها * وعزمة لم تكن في الخطب منجله وذلة أكسبتني عز مكرمة * وربما يستفاد العز بالذله صاحبت سادات أقوام فما عثروا * يوما على هفوة مني ولا زله
واستمتعوا بكفاياتي وكنت لهم * أوفى من الدرع أو أمضى من الاله خط يروق وألفاظ مهذبة * لا وعرة النظم بل مختاره سهله لو أنني منهل منها أخا ظمأ * روت صداه فلم يحتج إلى غله وكم سننت رسوما غير مشكلة * كانت لمن أمها مسترشدا قبله عمت فلا منشئ الديوان مكتفيا * منها ولم يغن عنها كاتب السله
[8]
وصاحبتني رجالات بذلت لها * مالي فكان سماحي يقتضي بذله فأعمل الدهر في ختلي مكائده * والدهر يعمل في أهل الهوى ختله لكن قنعت فلم أرغب إلى أحد * والحر يحمل عن أخوانه كله وتراه متى ما أبعده الزمان عن أخلائه وحجبهم عنه، عز عليه البين، وعظمت عليه شقته، وثقل عليه عبءه، فجاء في شكواه يفزع ويجزع، ويأن ويحن، فيصور على قارئ شعره حنانه وحنينه، ويمثل سجاح عينه لوعة وجده، ولهب هواه بمثل قوله: يا من لعين ذرفت * ومن لروح تلفت منهلة عبرتها * كأنها قد طرفت (1) إن أمنت فاضت وإن * خافت رقيبا وقفت وإنما بكاؤها * على ليال سلفت وقوله يا معرضا لا يلتفت * بمثل ليلي لا تبت برح هجرانك بي * حتى رثى لي من شمت علقت قلبي بالمنى * فأحيه أو فأمت وبما كان [كشاجم] مجلوبا بالحنان ولين الجانب، وسجاحة الخلايق، و
حسن الأدب، مطبوعا بالعطف والرأفة، مفطورا على عوامل الانسانية، والغرائز الكريمة، ولم يكن شريرا، ولا ردئ النفس، ولا بذي اللسان، ولا مسارعا في الوقيعة في أحد، كان يرى الشعر إحدى مآثره الجمة، ويعده من فضايله، وما كان يتخذه عدة للمدح، ولا جنة في الهجاء، وما يهمه التوجه إلى الجانبين، لم ير لأي منهما وزنا، لعدم تحريه التحامل على أحد، وعدم اتخاذه مكسبا ليدر له أخلاف الرزق، ولا آلة لدنياه وجمع حطامها، وكان يقول: ولئن شعرت لما قصدت * هجاء شخص أو مديحه لكن وجدت الشعر للآداب * ترجمة فصيحه
(1) طرفت عينه: أصابها شيئ فدمعت.
[9]
هجاؤه أخرج القرن الرابع شعراء هجائين قد اتخذ كل واحد منهم طريقة خاصة من فنون الهجاء، وكل فن مع هذه نوع فذ في الهجاء، يظهر ميزه متى قرن بالآخر ومنهم مكثر ومنهم من استقل، وشاعرنا من الفرقة الثانية، وله فن خاص من الهجاء كان يختاره ويلتزم به في شعره. ولعلك تجده في فنه المختار مجلوب خلايقه الحسنة، ونفسياته الكريمة، وملكاته الفاضلة، فكأنه قد خمرت بها فطرته، ومزجت بها طينته، أو جرت منه الدم، واستولت على روحه، وحكمت في كل جارحة منه، حتى ظهرت آياتها في هجاؤه النادر الشاذ، فيخيل إليك مهما يهجو أنه واعظ بار يخطب، أو نصوح يودد و يعاتب، أو مجادل دون حقه يجامل، لا أنه يغمز ويعيب، ويغيظ في الوقيعة ويناضل، ويثور ويثأر لنفسه، وتجده قد اتخذ الهجاء شكة دفاع له لا شكة هجوم، وترى كل هجاؤه خليا عن لهجة حادة، وسباب مقذع، عاريا عن قبيح
المقال وخبث الكلام، بعيدا عن هتك مهجوه، ونسبته إلى كل فاحشة، وقذفه بكل سيئة، غير مستبيح إيذاء مهجوه، ولا مستحل حرمته، ولا مجوز عليه الكذب والتهمة، خلاف ما جرت العادة بين كثير من أدباء العصور المتقادمة، فعليك النظر إلى قوله في بعض أبناء رؤساء عصره وقد أنفذ إليه كتابا فلم يجبه عنه: ها قد كتبت فما رددت جوابي * ورجعت مختوما علي كتابي وأتى رسولا مستكينا يشتكي * ذل الحجاب ونخوة البواب وكأنني بك قد كتبت معذرا * وظلمتني بملامة وعتاب فارجع إلى الانصاف واعلم أنه * أولى بذي الآداب والأحساب يا رحمة الله التي قد أصبحت * دون الأنام علي سوط عذاب بأبي وأمي أنت من مستجمع * تيه القيان ورقة الكتاب وقوله الآخر في هجاء جماعة من الرؤساء: عدمت رئاسة قوم شقوا * شبابا ونالوا الغنى حين شابوا حديث بنعمتهم عهدهم * فليس لهم في المعالي نصاب
[10]
يرون التكبر مستصوبا * من الرأي والكبر لا يستصاب وإن كاتبوا صارفوا في الدعاء * كأن دعاؤهم مستجاب ومن لطيف شعره في الهجاء قوله: إن مظلومة التي * زوجت من أبي عمر ولدت ليلة الزفاف * إلى بعلها ذكر قلت: من أين ذا الغلام * وما مسها بشر ؟ قال لي بعلها: ألم * يأت في مسند الخبر ؟ ولد المرأ للفراش * وللعاهر الحجر
قلت: هنيته على * رغم من أنكر الخبر كشاجم والرياسة وبما كان المترجم كما سمعت مطبوعا بسلامة النفس، وقداسة النفس، و طيب السريرة، متحليا بمكارم الأخلاق، خاليا من المكيدة والمراوغة والدسيسة، مزاولا عن البذاء والإيذاء والاعتساف، كان مترفعا نفسه عن الرتبة وإشغال المنصة في أبواب الملوك والولاة، وما كان له مطمع في شأن من الوزراء والولاية والكتابة و العمالة عند الأمراء والخلفاء، وما أتخذ فضايله الجمة لها شركا، ولنيل الآمال وسيلة، وكان يرى التقمص بالرياسة من مرديات النفس ويقول: رأيت الرياسة مقرونة * بلبس التكبر والنخوه إذا ما تقمصها لابس * ترفع في الجهر والخلوه ويقعد عن حق إخوانه * ويطمع أن يهرعوا نحوه وينقصهم من جميل الدعاء * ويأمل عندهم الحظوه فذلك إن أنا كاتبته * فلا يسمع الله لي دعوه ولست بآت له منزلا * ولو أنه يسكن المروه وكان بالطبع والحال هذه ينهي أوليائه عن قبول الوظايف السلطانية، والتولي بشئ من المناصب عند الحكام، ويحذرهم عن التصدي بوظيفة من شؤون الملك والمملكة، ويمثل بين يديهم شنعة الايتمار، وينبههم بما يقتضيه الترأس من الظلم
[11]
والوقيعة في النفوس، ونصب العداء لمخالفيه، وما يوجب من دحض الحق، وإضاعة الحقوق، ورفض مكارم الأخلاق. وحسبك ما كتبه إلى صديق له وكان قد تقلد البريد من قوله: صرت لي عامل البريد مقينا (1) * وقديما إلي كنت حبيبا
كنت تستثقل الرقيب فقد صرت * علينا بما وليت رقيبا كرهتك النفوس وانحرفت عنك * قلوب وكنت تسبي القلوبا أفلا يعجب الأنام بشخص * صار ذئبا وكان ظبيا ربيبا ؟ ! حكمه ودرر كلمه فياله في شعره من شواهد صادقة تمثله بهذا الجانب العظيم، وتعرب عن قدم صدقه في حث أمته إلى المولى سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبت الدعوة إليه بدرر الكلم وغرر الحكم، وإصلاح أمته ببيان بحقيقة، وتشريح دعوة النفس الأمارة بالسوء، وهن حكمياته قوله: ليس خلق إلا وفيه إذا ما * وقع الفحص عنه خير وشر لازم ذاك في الجبلة لا يدفعه * له بذلك خبر حكمة الصانع المدبر أن لا * شيئ إلا وفيه نفع وضر فاجتهد أن يكون أكبر قسميك * من النفع والأقل الأضر وتحمل مرارة الرأي واعلم * أن عقبى هواك منه أمر رض بفعل التدبير نفسك واقصرها * عليه ففيه فضل وفخر لا تطعها على الذي تبتغيه * وليرعها منك اعتساف وقهر إن من شأنها مجانبة الخير * وإتيان كل ما قد يغر وقوله: عجبي ممن تعالت حاله * وكفاه الله زلات الطلب كيف لا يقسم شطري عمره * بين حالين: نعيم وأدب فإذا ما نال دهرا حظه * فحديث ونشيد وكتب مرة جدا وأخرى راحة * فإذا ما غسق الليل انتصب
(1) مذكر المقينة: الماشطة. (*)
[12]
يقتضي الدنيا نهارا حقها * وقضى لله ليلا ما يجب تلك أقسام متى يعمل بها * عامل يسعد ويرشد ويصب ومن كلمه الذهبية في تحليل معنى الرضا عن النفس وما يوجب ذلك من سخطها وجموحها ورفض الآداب قوله: لم أرض عن نفسي مخافة سخطها * ورضى الفتى عن نفسه إغضابها لو أنني عنها رضيت لقصرت * عما تريد بمثلها آدابها وببيننا آثار ذاك وأكثرت * عذلي عليه وطال فيه عتابها ومن حكمه قوله: بالحرص في الرزق يذل الفتى * والصبر فيه الشرف الشامخ ومستزيد في طلاب الغنى * يجمع لحما ما له طابخ يضيع ما نال بما يرتجي * والنار قد يطفئها النافخ وقوله: حلل الشبيبة مستعاره * فدع الصبا واهجر دياره لا يشغلنك عن العلا * خود تمنيك الزيارة خود تطيب طيبها * ويزين ساعدها سواره يخلو أوائل حبها * ويشوب آخره مراره ما عذر مثلك خالعا * في سكر لذته عذاره من بعد ما شد الأشد * على تلابيه إزاره من ساد في عصر الشباب * غدت لسودده غفاره ما الفخر أن يغدو الفتى * متشبعا ضخم الحراره كلفا بشرب الراح مشغوفا * بغزلان الستاره
مهجورة عرصاته * لا تقرب الأضياف داره الفخر أن يشجي الفتي * أعداؤه ويعز جاره ويذب عن أعراضه * ويشب للطراق ناره ويروح إما للإمرة * سعيه أو للوزارة
[13]
فرد الكتابة والخطابة * والبلاغة والعبارة متيقظ العزمات يجتنب * الكرى إلا غراره فكأنه من حدة * ونفاذ تدبير شراره حتى يخاف ويرتجى * ويرى له نشب وشاره في موكب لجب كأن * الليل ألبسه خماره تزهي به عصب تنفض * عن مناكبه غباره ويطيل أبناء الرغائب * في مشاكله انتظاره فادأب لمجد حادث * أو سالف يعلي مناره واعمر لنفسك في العلا * حالا وكن حسن العمارة وأقمر لها سوقا ينفقها * وتاجرها تجاره لا تغد كلا واجتنب * أمرا يخاف الحر عاره وإذا عدمت عن المآكل * خيرها فكل الحجاره رحلة كشاجم غادر المترجم بيئة نشأته [الرملة] إلى الأقطار الشرقية، وساح في البلاد، ورحل رحلة بعد أخرى إلى مصر وحلب والشام والعراق، وكان كما كان في قصيدته التي يمدح بها ابن مقلة بالعراق: هذا على أنني لا أستفيق ولا * أفيق من رحلة في إثرها رحله
وما على البدر نقص في إضاءته * أن ليس ينفك من سيرو من نقله وقال وهو في مصر: قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني * فاليوم عدت وغادت مصر لي دارا أغدو إلى الجيزة الفيحاء مصطحبا (1) * طورا وطورا أرجي السير أطوارا بينا أسامي رئيسا في رياسته * إذ رحت أحسب في الحانات خمارا فللدواوين إصباحي ومنصرفي * إلى بيوت دمى يعلمن أوتارا أما الشباب فقد صاحبت شرته * وقد قضيت لبانات وأوطارا
(1) الجيزة: بليدة في غربي فسطاط مصر.
[14]
من شادن من بني الأقباط يعقد ما * بين الكثيب وبين الخضر زنارا وكأنه في بعض آناته يرى نفسه بين مصر والعراق، ويتذكر أدواره فيهما، و ما ناله في سفره إليهما من سراء أو ضراء، أو شدة أو رخاء، وما حظي من الأهلين من النعمة والنقمة، والاكبار والاستحقار، فيمدح هذا ويذم ذلك فيقول: يا هذا قلت فاسمعي لفتى * في حاله عبرة لمعتبره أمرت بالصبر والسلو ولو * عشقت ألفيت غير مصطبره من مبلغ إخوتي ؟ وإن بعدوا: * إن حياتي لبعدهم كدره قد همت شوقا إلى وجوههم * تلك الوجوه البهية النضره أبناء ملك علاهم بهم * على العلا والفخار مفتخره ترمي بهم نعمة تزينها * مروءة لم تكن ترى نزره ما أنفك ذا الخلق بين منتصر * على الأعادي بهم ومنتصره جبال حلم بدور أندية * أسد وغى في الهياج مبتدره بيض كرام الفعال لا بخل الأيدي * وليست من الندى صفره
للناس منهم منافع ولهم * منافع في الأنام مشتهره متى أراني بمصر جارهم * نسبي بها كل غادة خضره والنيل مستكمل زيادته * مثل دروع الكماة منتثره تغدو الزواريق فيه مصعدة * بنا وطورا تروح منحدره والراح تسعى بها مذكرة * أردانها بالعبير مختمره بكران لكن لهذه مائة * وتلك ثنتان وثنتا عشره يا ليتني لم أر العراق ولم * أسمع بذكر الأهواز والبصره ترفعني تارة وتخفضني * أخرى فمن سهلة ومن وعره فوق ظهر سلهبة (1) * قطانها والبدار مغتفره وتارة في الفرات طامية * أمواجه كالخيال معتكره حتى كأن العراق تعشقني * أو طالبتني يد النوى بتره
(1) السلهبة: الجسيمة
[15]
وكان يجتمع في رحلاته مع الملوك والأمراء والوزراء ويحظى بجوائزهم، و يستفيد من صلاتهم، ويتصل بمشيخة العلم والحديث والأدب، ويقرأ عليهم * ويسمع عنهم، ويأخذ منهم، وجرت بينه وبينهم محاضرات ومناظرات ومكاتبات، إلى أن تضلع في العلوم، وحاز قصب السبق في فنون متنوعة، وتقدم في الكتابة والخطابة، وحصل له من كل فن حظه الأوفى، ونصيبه الأعلى حتى عرفه المسعودي في (مروج الذهب) 2 ص 523 بأنه كان من أهل العلم والرواية والأدب. عقيدته إن عصر المترجم من العصور التي زاعت فيه النحل والمذهب، وشاعت فيه الأهواء والآراء، وقل فيه من لا يرى في العقايد رأيا يفسر به إسلامه وهو ينص به على
خبيئة قلبه تارة ويضمرها أخرى، وأما شاعرنا فكان في جانب من ذلك، إماميا صادق التشيع، مواليا لأهل بيت الوحي، متفانيا في ولائهم، ويجد الباحث في خلال شعره بينات تظاهره بالتهالك في ولاء آل الله، وبثه الدعوة إليهم بحججه القوية، والتفجع في مصابهم والذب عنهم، والنيل من مناوئيهم، واعتقاده فيهم أنهم وسايله إلى المولى في الحاضرة، وواسطة نجاحه في الآخرة. وكان من مصاديق الآية الكريمة: يخرج الحي من الميت. فإن نصب جده السندي ابن شاهك وعدائه لأهل البيت الطاهر وضغطه واضطهاده الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه في سجن هارون مما سار به الركبان، وسودت به صحيفة تاريخه، إلا أن حفيده هذا باينه في جميع نزعاته الشيطانية، فهو من شعراء أهل البيت المجاهرين بولائهم، المتعصبين لهم، الذابين عنهم ولا بدع فإن الله هو الذي يخرج الدر من بين الحصى، وينبت الورد محتفا بالأشواك، فمن نمازج شعره في المذهب قوله: بكاء وقل غناء البكاء * على رزء ذرية الأنبياء لئن ذل فيه عزيز الدموع * لقد عز فيه ذليل العزاء أعاذلتي إن برد التقى * كسانيه حبي لأهل الكساء سفينة نوح فمن يعتلق * بحبهم يعتلق بالنجاء
[16]
لعمري لقد ضل رأي الهوى * بأفئدة من هواها هوائي وأوصى النبي ولكن غدت * وصاياه منبذة بالعراء ومن قبلها أمر الميتون، * برد الأمور إلى الأوصياء ولم ينشر القوم غل الصدور * حتى طواه الردى في رداء ولو سلموا لامام الهدى * لقوبل معوجهم باستواء
هلال إلى الرشد عالي الضيا * وسيف على الكفر ماضي المضاء وبحر تدفق بالمعجزات * كما يتدفق ينبوع ماء علوم سماوية لا تنال * ومن ذا ينال نجوم السماء ؟ لعمري الأولى جحدوا حقه * وما كان أولاهم بالولاء وكم موقف كان شخص الحمام * من الخوف فيه قليل الخفاء جلاه فإن أنكروا فضله * فقد عرفت ذاك شمس الضحاء أراها العجاج قبيل الصباح * وردت عليه بعيد المساء وإن وتر القوم في بدرهم * لقد نقض القوم في كربلاء مطايا الخطايا خذي في الظلام * فما هم إبليس غير الحداء لقد هتكت حرم المصطفى * وحل بهن عظيم البلاء وساقوا رجالهم كالعبيد * وحادوا نساءهم كالإماء فلو كان جدهم شاهدا * ليتبع أظعانهم بالبكاء حقود تضرم بدرية * وداء الحقود عزيز الدواء تراه مع الموت تحت اللواء * والله والنصر فوق اللواء غداة خميس إمام الهدى * وقد غاث فيهم هزبر اللقاء وكم أنفس في سعير هوت * وهام مطيرة في الهواء بضرب كما انقد جيب القميص * وطعن كما انحل عقد السقاء وخيرة ربي من الخيرتين * وصفوة ربي من الأصفياء طهرتم فكنتم مديح المديح * وكان سواكم هجاء الهجاء قضيت بحبكم ما علي * إذا ما دعيت لفصل القضاء
[17]
وأيقنت أن ذنوبي به * تساقط عني سقوط الهباء
فصلى عليكم إله الورى * صلاة توازي نجوم السماء وقوله في مدحهم صلوات الله عليهم: آل النبي فضلتم * فضل النجوم الزاهره وبهرتم أعدائكم * بالمأثرات السائره ولكم مع الشرف البلاغة * والحلوم الوافره وإذا تفوخر بالعلا * منكم علاكم فاخره هذا وكم أطفأتم * عن أحمد من نائره بالسمر تخضب بالنجيع * وبالسيوف البائره تشفى بها أكبادكم * من كل نفس كافره ورفضتم الدنيا لذا * فزتم بحظ الآخره وقوله في ولاء أمير المؤمنين عليه السلام مشيرا إلى ما رويناه ص 26 في الجزء الثالث مما ورد في حب أمير المؤمنين: حب الوصي مبرة وصله * وطهارة بالأصل مكتفله والناس عالمهم يدين به * حبا ويجهل حقه الجهله ويرى التشيع في سراتهم * والنصب في الأرذال والسفله وقوله في المعنى: حب علي علو همه * لأنه سيد الأئمه ميز محبيه هل تراهم * إلا ذوي ثروة ونعمه ؟ ! بين رئيس إلى أديب * قد أكمل الطرف واستتمه وطيب الأصل ليس فيه * عند امتحان الأصول تهمه فهم إذا خلصوا ضياء * والنصب الظالمون ظلمه هذه الأبيات ذكرها له الثعالبي في (ثمار القلوب) ص 136 في وجه إضافة السواد
إلى وجه الناصبي، ويأتي مثله في ترجمة الناشي الصغير.
النجيع: من الدم ما كان مائلا إلى السواد.
[18]
ولكشاجم يرثي آل الرسول صلى الله عليه وآله قوله: أجل هو الرزء فادحه * باكره فاجع ورائحه لأربع دار عفا ولا طلل * أوحش لما نأت ملاقحه فجائع لو درى الجنين بها * لعاد مبيضة مسالحه يا بؤس دهر على آل رسول * الله تجتاحهم جوائحه (1) إذا تفكرت في مصابهم * أثقب زند الهموم قادحه بعضهم قربت مصارعه * وبعضهم بوعدت مطارحه أظلم في كربلاء يومهم * ثم تجلى وهم ذبائحه لا يبرح الغيث كل شارقة * تهمى غواديه أو روائحه على ثرى حلة غريب رسول * الله مجروحة جوارحه ذل حماه وقل ناصره * ونال أقصى مناه كاشحه وسيق نسوانه طلاح (2) * أحسن أن تهادى بهم طلائحه وهن يمنعن بالوعيد من النوح * والملا الأعلى نوائحه عادى الأسى جده ووالده * حين استغاثتهما صوائحه لو لم يرد ذو الجلال حربهم * به لضاقت بهم فسائحه وهو الذي اجتاح حين ما عقرت * ناقته إذ دعاه صالحه يا شيع الغي والضلال ومن * كلهم جمة فضائحه غششتم الله في أذية من * إليكم أديت نصائحه عفرتم بالثرى جبين فتى * جبريل قبل النبي ماسحه
سيان عند الإله كلكم * خاذله منكم. وذابحه على الذي فاتهم بحقهم * لعن يغاديه أو يراوحه جهلتم فيهم الذي عرفه البيت * وما قابلت أباطحه إن تصمتوا عن دعائهم فلكم * يوم وغى لا يجاب صائحه
م - (1) جاحه واجاجه واجتاحه: استأصله وأهلكه. جوائح جمع جائحة: البلية والداهية العظيمة) م - (2) طلاح: معيية من السفر).
[19]
في حيث كبش الردي يناطح من * أبصر كبش الورى يناطحه وفي غد يعرف المخالف من * خاسر دين منكم ورابحه وبين أيديكم حريق لظى * يلفح تلك الوجوه لافحه إن عبتموهم بجهلكم سفها * ما ضر بدر السماء نائحه أو تكتموا الحق فالقرآن مشكله * بفضلهم ناطق وواضحه ما أشرق المجد من قبورهم * إلا وسكانها مصابحه قوم أبى حد سيف والدهم * للدين أو يستقيم جامحه وهو الذي استأنس الزمان به * والدين مذعورة مسارحه حاربه القوم وهو ناصره * قدما وغشوه وهو ناصحه وكم كسى منهم السيوف دما * يوم جلاد يطيح طائحه ما صفح القوم عندما قدروا * لما جنت فيهم صفائحه بل منحوه العناد واجتهدوا * أن يمنعوه والله مانحه كانوا خفافا إلى أذيته * وهو ثقيل الوقار راجحه وله قوله: زعموا أن من أحب عليا * ظل للفقر لابسا جلبابا
كذبوا من أحبه من فقير * يتحلى من الغنى أثوابا حرفوا منطق الوصي بمعنى * خالفوا إد تأولوه الصوابا إنما قال: ارفضوا عنكم الدنيا * إذا كنتم لنا أحبابا مشايخه وتأليفه لم نقف في المصادر التي بين أيدينا على ما يفيدنا في التنقيب عن أيام صباه، و كيفية تعلمه، وأساتذته في فنونه، ومشايخه في علومه، والمصادر برمتها خالية من البحث عن هذا الجانب إلا أن شعره يفيدنا تلمذه على الأخفش الأصغر علي بن سليمان المتوفى سنة 315 فهو إما قرأ عليه في مصر أيام الأخفش بها وقد ورد الأخفش مصر سنة 287 وخرج منها إلى حلب سنة 306، وإما في بغداد قبل أن غادرها الأخفش إلى مصر، إذ يذكر قرائته عليه في قصيدة يمدحه بها في الشام حينما نزل بها الأخفش
[20]
إما في رواحه إلى مصر،. إما في أوبته عنها فقال: فلما خيل الصبح * ولما يبد تبليجه واتبعت العرا وجها * كسى البشر تباهيجه إلى كعبة آداب * بأرض الشام محجوجه إلى معدن بالحكمة * والآداب ممزوجه سماعي قرائي * له في العلم مرجوجه ومن يعدل بالعلم * من المنآد تعويجه إذ الأخبار حاجته * ثناها وهي محجوجه به تغدو من الشك * قلوب القوم مثلوجه ويلقى طرق الحكمة * للأفهام منهوجه لكي يفرج عني الخطب * لا أسطيع تفريجه
وكي يمنحني تأديبه * المحض وتخريجه ومن أولى بتقريب * خلا من كنت ضريجه ومن توجني من علمه * أحسن تتويجه له أدب النديم كما في فهرست ابن النديم. 2 - كتاب الرسائل. 3 - ديوان شعره. 4 - كتاب المصايد والمطارد (1). 5 - خصايص الطرف. 6 - الصبيح. 7 - البيرزة في علم الصيد. ولادته ووفاته ما عثرنا في الكتب والمعاجم على ما يفيدنا تاريخ ولادته لكن يلوح من شعره الذي يذكر فيه شيبه وهرمه في أوايل القرن الرابع أنه ولد في أواسط القرن الثالث
(1) ينقل عنه ابن خلكان في تاريخه ج 2 ص 379.
[21]
قال من قصيدة: وإن شيبي قد لاحت كواكبه * في ظلمة من سواد اللمة الجثله فهذه جملة في العذر كافية * تغنيك فاغن عن التفصيل بالجمله وبان مني شباب كان يشفع لي * سقيا له من شباب بان سقيا له قد كان بابي للعافين منتجعا * ينتابه ثلة من بعدها ثلة وكنت طود المنى يؤوى إلى كنفي * كحائط مشرف من فوقه ظله أفنى الكثير فما إن زال ينقصني * متي دفعت إلى الأفنان والقله
وقد غنيت وأشغالي تبين من * فضلي فقد سترته هذه العطله والسيف في الغمد مجهول جواهره * وإنما يجتنيه عين من سله وهذه القصيدة يمدح بها أبا علي ابن مقلة الوزير ببغداد في أيام وزارته قبل حبسه وقد قبض عليه وحبس سنة 324 وتوفي 328. وأما وفاته ففي " شذرات الذهب " أنه توفي سنة 360 وتبعه - تاريخ آداب اللغة العربية - وفي كشف الظنون، وكتاب الشيعة وفنون الاسلام، والأعلام للزركلي أنها في سنة 350 ورددها غير واحد من المعاجم بين التاريخين، وكل منهما يمكن أن يكون صحيحا، كما يقرب إليهما ما في مقدمة ديوانه من أنه توفي سنة 330 وهو كما سمعت في مدحه ابن مقلة كان يشكو هرمه قبل سنة 324. * (لفت نظر) * ذكر المسعودي في " مروج الذهب " ج 1 ص 523 لكشاجم أبياتا كتبها إلى صديق له ويذم النرد وذكر اسمه أبو الفتح محمد بن الحسن، وأحسبه منشأ ترديد سيدنا صدر الدين الكاظمي في تأسيس الشيعة في إسمه وإسم أبيه بين محمود ومحمد. والحسين والحسن، وذكر المسعودي صوابه في مروجه 2 ص 545، 548، 550. ولده أعقب المترجم ولديه أبا الفرج وأبا نصر أحمد ويكني كشاجم نفسه بالثاني في قوله: قالوا: أبو أحمد يبني. فقلت لهم: * كما بنت دودة بنيان السرق
[22]
بنته حتى إذا تم البناء لها * كان التمام ووشك الخير في نسق ويثني عليه ويصفه بقوله: نفسي الفداء لمن إذا جرح الأسى * قلبي أسوت به جروح أسائي
كبدي وتاموري وحبة ناظري * ومؤملي في شدتي ورخائي ربيته متوسما في وجهه * ما قبل في توسمت آبائي ورزقته حسن القبول مبينا * فيه عطاء الله ذي الآلاء وغدوت مقتنيا له عن أمه * وهي النجيبة وابنة النجباء وعمرت منه مجالسي ومسالكي * وجمعت منه مأربي وهوائي فأظل أبهج في النهار بقربه * وأريه كيف تناول العلياء وأزيره العلماء يأخذ عنهم * ولشذ من يغدو إلى العلماء وإذا يجن الليل بات مسامري * ومجاوري وممثلا بإزائي فأبيت أدني مهجتي من مهجتي * وأضم أحشائي إلى أحشائي وكان أبو نصر أحمد بن كشاجم شاعرا أديبا ومن شعره يذم به بخيلا قوله (1): صديق لنا من أبرع الناس في البخل * وأفضلهم فيه وليس بذي فضل - دعاني كما يدعو الصديق صديقه * فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي فلما جلسنا للطعام رأيته * يرى أنه من بعض أعضائه أكلي ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده * وأعلم أن الغيظ والشتم من أجلي فأقبلت أستل الغذاء مخافة * وألحاظ عينيه رقيب على فعلي أمد يدي سرا لأسرق لقمة * فيلحظني شزرا فأعبث بالبقل إلى أن جنت كفي لحتفي جناية * وذلك أن الجوع أعدمني عقلي فجرت يدي للحين رجل دجاجة * فجرت كما جرت يدي رجلها رجلي وقدم من بعد الطعام حلاوة * فلم أستطع فيها أمر ولا أحلي وقمت لو أني كنت بيت نية * ربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل وذكر الثعالبي في " يتيمة الدهر " ج 1 ص 257 - 251 من شعره ما يناهز
(1) يتيمة الدهر ج 1 ص 248، ونهاية الإرب ج 3 ص 318. (*)
[23]
ستين بيتا. وقال صاحب تعاليق اليتيمة ج 1 ص 240: [لم نعثر في ديوان كشاجم على شيئ من هذه المختارات] ذاهلا عن أن الديوان المعروف هو لكشاجم لا لابنه أبي نصر أحمد الذي انتخب الثعالبي من شعره، ويستشهد بشعره الوطواط في " غرر الخصايص ". خرج أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات الوزير المتوفى سنة 391 إلى بستانه بالمقس فكتب إليه أبو نصر بن كشاجم على تفاحة بماء الذهب وأنفذها إليه (1) إذ الوزير تخلى * للنيل في الأوقات فقد أتاه سميا - ه جعفر بن الفرات ويوجد في " بدايع البداية " شيئا من شعره راجع ج 1 ص 157، وذكر من شعره ابن عساكر في تاريخه ج 4 ص 149 ما نظمه سنة 356 بالرملة لما ورد إليها أبو علي القرمطي القصير. ويذكر محمد بن هارون بن الأكتمي ابني كشاجم ويهجوهما بقوله: (2) يا بني كشاجم أنتما * مستعملان مجربان مات المشوم أبوكما * فخلفتماه على المكان وقرنتما في عصرنا * ففعلتما فعل القران لغلاء أسعار الطعام * وميتة الملك الهجان
(1) في معجم الأدباء ج 2 ص 411. (2) يتيمة الدهر 1 ص 352.
[24]
القرن الرابع (23)
الناشي الصغير المولود 271 المتوفى 365 يا آل ياسين من يحبكم * بغير شك لنفسه نصحا أنتم رشاد من الضلال كما * كل فساد بحبكم صلحا وكل مستحسن لغيركم * إن قيس يوما بفضكم قبحا ما محيت آية النهار لنا * وآية الليل ذو الجلال محا وكيف تمحى أنوار رشدكم * وأنتم في دجى الظلام ضحى أبوكم أحمد وصاحبه * الممنوح من علم ربه منحا ذاك علي الذي تفرده * في يوم " خم " بفضله اتضحا إذ قال بين الورى وقام به * معتضدا في القيام مكتشحا: من كنت مولاه فالوصي له * مولى بوحي من الإله وحا فبخبخوا ثم بايعوه ومن * يبايع الله مخلصا ربحا ذاك علي الذي يقول له * جبريل يوم النزال ممتدحا: لا سيف إلا سيف الوصي ولا * فتى سواه إن حادث فدحا لو وزنوا ضربه لعمرو وأعمال * البرايا لضربه رجحا ذاك علي الذي تراجع عن * فتح سواه وسار فافتتحا في يوم حض اليهود حين أقل * الباب من حصنهم وحين دحا لم يشهد المسلمون قط رحى * حرب وألفوا سواه قطب رحى صلى عليه الإله تزكية * ووفق العبد ينشؤ المدحا وقال في قصيدة يوجد منها 36 بيتا:
[25]
ألا يا خليفة خير الورى * لقد كفر القوم إذ خالفوكا أدل دليل على أنهم * أبوك وقد سمعوا النص فيكا خلافهم بعد دعواهم * ونكثهم بعد ما بايعوكا إلى أن قال: فيا ناصر المصطفى أحمد * تعلمت نصرته من أبيكا وناصبت نصابه عنوة * فلعنة ربي على ناصبيكا فأنت الخليفة دون الأنام * فما بالهم في الورى خلفوكا ؟ ولا سيما حين وافيته * وقد سار بالجيش يبغي تبوكا فقال أناس: قلاه النبي * فصرت إلى الطهر إذ خفضوكا فقال النبي جوابا لما * يؤدي إلى مسمع الطهر فوكا ؟: ألم ترض إنا على رغمهم * كموسى وهارون إذ وافقوكا ؟ ولو كان بعدي نبي كما * جعلت الخليفة كنت الشريكا ولكننى خاتم المرسلين * وأنت الخليفة إن طاوعوكا وأنت الخليفة يوم انتجاك * على الكور حينا وقد عاينوكا يراك نجيا له المسلمون * وكان الإله الذي ينتجيكا على فم أحمد يوحي إليك * وأهل الضغاين مستشرفوكا وأنت الخليفة في دعوة * العشيرة إذ كان فيهم أبوكا ويوم " الغدير " وما يومه * ليترك عذرا إلى غادريكا لهم خلف نصروا قولهم * ليبغوا عليك ولم ينصروكا إذا شاهد والنص قالوا لنا * توانى عن الحق واستضعفوكا فقلنا لهم: نص خير الورى * يزيل الظنون وينفي الشكوكا وله يمدح آل الله قوله:
بآل محمد عرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب هم الكلمات والأسماء لاحت * لآدم حين عز له المتاب وهم حجج الإله على البرايا * بهم وبحكمهم لا يستراب
[26]
بقية ذي العلى وفروع أصل * بحسن بيانهم وضح الخطاب وأنوار ترى في كل عصر * لإرشاد الورى فهم شهاب ذراري أحمد وبنو علي * خليفته فهم لب لباب تناهوا في نهاية كل مجد * فطهر خلقهم وزكوا وطابوا إذا ما أعوز الطلاب علم * ولم يوجد فعندهم يصاب محبتهم صراط مستقيم * ولكن في مسالكه عقاب ولا سيما أبو حسن علي * له في الحرب مرتبة تهاب كأن سنان ذابله ضمير * فليس عن القلوب له ذهاب وصارمه كبيعته بخم * معاقدها من القوم الرقاب علي الدر والذهب المصفى * وباقي الناس كلهم تراب إذا لم تبر من أعدا علي (1) * فما لك في محبته ثواب إذا نادت صوارمه نفوسا * فليس لها سوا نعم جواب فبين سنانه والدرع سلم * وبين البيض والبيض اصطحاب هو البكاء في المحراب ليلا * هو الضحاك إن جد الضراب ومن في خفه طرح الأعادي * حبابا كي يلسبه (2) الحباب فحين أراد لبس الخف وافى * يمانعه عن الخف الغراب وطار له فاكفأه وفيه * حباب في الصعيد له انسياب (3) ومن ناجاه ثعبان عظيم * بباب الطهر ألقته السحاب
رآه الناس فانجفلوا (4) برعب * وأغلقت المسالك والرحاب فلما أن دنا منه علي * تدانى الناس واستولى العجاب فكلمه علي مستطيلا * وأقبل لا يخاف ولا يهاب
(1) كذا في تخميس العلامة الشيخ محمد علي الأعسم. وفي كتاب الاكليل والتحفة: ومن لم يبر من أعدا على * فليس له النجات ولا ثواب (2) لسبته الحية: لدغته. (3) انسابت الحية: اجرت وتدافعت. (4) انجفل وتجفل القوم: هربوا مسرعين
[27]
ودن لحاجر (1) وانساب فيه * وقال وقد تغيبه التراب: أنا ملك مسخت وأنت مولى * دعاؤك إن مننت به يجاب أتيتك تائبا فاشفع إلى من * إليه في مهاجرتي الإياب فأقبل داعيا وأتى أخوه * يؤمن والعيون لها انسكاب فلما أن أجيبا ظل يعلو * كما يعلو لدي الجد العقاب وأنبت ريش طاووس عليه * جواهر زانها التبر المذاب يقول: لقد نجوت بأهل بيت * بهم يصلى لظى وبهم يثاب هم النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب * (ما يتبع الشعر) * الأصح أن هذه القصيدة للناشي كما صرح به بن شهر آشوب في " المناقب "، وروى ابن خلكان عن أبي بكر الخوارزمي: إن الناشي مضى إلى الكوفة سنة 325 وأملى شعره بجامعها، وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه بها وكتب من إملائه لنفسه من قصيدة:
كأن سنان ذابله ضمير * فليس من القلوب له ذهاب وصارمه كبيعته بخم * مقاصدها من الخلق الرقاب وذكرها له الحموي في " معجم الأدباء " 5 ص 235، واليافعي في " مرآت الجنان " 2 ص 335، وجزم بذلك في " نسمة السحر " وعزى من نسبها إلى عمرو بن العاص إلى أفحش الغلط وهؤلاء مهرة الفن وإليهم المرجع في أمثال المقام. فما تجده في غير واحد من المعاجم وكتب الأدب ككتاب الاكليل (2) وتحفة الأحباء من مناقب آل العبا (3) من نسبتها إلى عمرو بن العاص على وجوه متضاربة مما لا معول عليه، قال صاحبا الاكليل والتحفة: إن معاوية بن أبي سفيان قال يوما لجلساءه: من قال في علي فله هذه البدرة. فقال عمرو بن العاص هذه الأبيات طمعا بالبدرة.
(1) الحاجر: الأرض المرتفعة ووسطها منخفض. (2) تأليف أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني اليمني. (3) تأليف جمال الدين الشيرازي.
[28]
وكذلك لا يصح عزوها إلى ابن الفارض كما في بعض المعاجم، وكان ابن خلكان والحموي معاصرين لابن الفارض، فما كان يخفى عليهما لو كان الشعر له، على أنه كانت تتناقله الرواة قبل وجود ابن الفارض. والذي أحسبه إن لجملة من الشعراء قصايد علوية على هذا البحر والقافية مبثوثة بين الناس، وربما حرفت أبيات منها عن مواضعها فأدرجت في قصيدة الآخر، كما أنك تجد أبياتا من شعر الناشي في خلال أبيات السوسي المذكورة في مناقب ابن شهر آشوب، وكذلك أبياتا من شعر ابن حماد في خلال أبيات العوني، وأبياتا من شعر الزاهي في خلال شعر الناشي، وأبياتا من شعر العبدي في خلال شعر ابن حماد، وبذلك اشتبه الحال على الرواة فعزي الشعر إلى هذا تارة وإلى ذلك أخرى.
خمس جملة من هذه القصيدة العلامة الحجة الشيخ محمد علي الأعسم النجفي أوله: بنو المختار هم للعلم باب * لهم في كل معضلة جواب إذا وقع اختلاف واضطراب * بآل محمد عرف الصواب * (الشاعر) * أبو الحسن (1) علي بن عبد الله بن الوصيف الناشي (الصغير) الأصغر البغدادي من باب الطاق، نزيل مصر، المعروف بالحلاء، كان أبوه يعمل حلية السيوف فسمي حلاء ويقال له: الناشي لأن الناشي يقال لمن نشأ في من فنون الشعر كما قال السمعاني في الأنساب. كان أحد من تضلع في النظر في علم الكلام، وبرع في الفقه، ونبغ في الحديث، وتقدم في الأدب، وظهر أمره في نظم القريض، فهو جماع الفضايل، وسمط جمان العلوم، وفي الطليعة من علماء الشيعة ومتكلميها، ومحدثيها، وفقهائها، وشعرائها. روى عنه الشيخ الإمام محمد بن محمد بن نعمان المفيد، وبواسطته يروي عنه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي كما في فهرسته ص 89، واحتمل في " رياض العلماء "
(1) في فهرست الشيخ ورجال أبي داود: أبو الحسين.
[29]
رواية الشيخ الصدوق عنه أيضا، وقال: لعله الذي كان من مشايخ الصدوق، وفي " الوافي بالوفيات " و " لسان الميزان " 4 ص 238: إن أبا عبد الله الخالع. وأبا بكر ابن زرعة الهمداني. وعبد الواحد العكبري. و عبد السلام بن الحسن البصري اللغوي. وابن فارس اللغوي. وعبد الله بن أحمد بن محمد بن روزبة الهمداني وغيرهم يروون عنه، وإنه يروي عن المبرد وابن المعتز وغيرهما. وذكر ابن خلكان: إنه أخذ العلم عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت، و
هو من أعاظم متكلمي الشيعة. وقال شيخ الطائفة في فهرسته ص 89: وكان يتكلم على مذهب أهل الظاهر في الفقه. وأهل الظاهر هم أصحاب أبي سليمان داود بن علي بن خلف الاصبهاني المعروف بالظاهري المتوفى 270، قال ابن نديم في " الفهرست " ص 303: هو أول من استعمل قول الظاهر وأخذ بالكتاب والسنة وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس. وقال ابن خلكان في تاريخه 1 ص 193: كان أبو سليمان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية. وفي رجال النجاشي: أن للمترجم كتابا في الإمامة، لكن الشيخ الطوسي يذكر له كتبا في " الفهرست "، وفي تاريخ ابن خلكان: أن له تصانيف كثيرة، وفي الوافي بالوفيات: إن شعره مدون، وأن مدايحه في أهل البيت عليهم السلام لا تحصى كثرة، ولذلك عده ابن شهر آشوب في " معالم العلماء " من مجاهري شعراء أهل البيت عليهم السلام. وفي " معجم الأدباء " قال الخالع: كان الناشي يعتقد الإمامة، ويناظر عليها بأجود عبارة، فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتى عرف بهم، وأشعاره فيهم لا تحصى كثرة، ومدح مع ذلك الراضي بالله وله معه أخبار، وقصد كافورا الأخشيدي بمصر وامتدحه، وامتدح ابن خنزابة وكان ينادمه، وطرى إلى البريدي بالبصرة، وإلى أبي الفضل بن العميد بارجان. وقال: قال ابن عبد الرحيم حدثني الخالع قال: حدثني الناشي، قال أدخلني ابن رائق على الراضي بالله وكنت مداحا لابن رائق ونافقا عليه فلما وصلت إلى الراضي قال لي: أنت الناشي الرافضي ؟ فقلت: خادم أمير المؤمنين الشيعي، فقال: من أي الشيعة ؟ فقلت: شيعة بني هاشم. فقال: هذا خبث حيلة.
[30]
فقلت: مع طهارة مولد، فقال: هات ما معك. فأنشدته فأمر أن يخلع علي عشر قطع ثيابا، وأعطى أربعة آلاف درهم، فأخرج إلي ذلك وتسلمته وعدت إلى حضرته
فقبلت الأرض وشكرته وقلت: أنا ممن يلبس الطيلسان فقال: ها هنا طيالس عدنية أعطوه منها طيلسانا وأضيفوا إليها عمامة خز. ففعلوا، فقال: أنشدني من شعرك في بني هاشم فأنشدته: بني العباس إن لكم دماء * أراقتها أمية بالذحول (1) فليس بهاشمي من يوالي * أمية واللعين أبا زبيل فقال: ما بينك وبين أبي زبيل فقلت: أمير المؤمنين أعلم. فابتسم وقال: انصرف. ويستفاد من غير واحد من الأخبار أن الناشي على كثرة شعره في أهل البيت عليهم السلام حظي منهم بالقبول والتقدير وحسبه ذلك مأثرة لا يقابلها أي فضيلة، ومكرمة خالدة تكسبه فوز النشأتين. روى الحموي في " معجم الأدباء " قال: حدثني الخالع قال: كنت مع والدي في سنة ست وأربعين وثلاثمائة وأنا صبي في مجلس الكبوذي في المسجد الذي بين الوراقين والصاغة وهو غاص بالناس وإذا رجل قد وافى وعليه مرقعة وفي يده سطيحة وركوة ومعه عكاز، وهو شعث، فسلم على الجماعة بصوت يرفعه، ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها فقالوا: مرحبا بك وأهلا ورفعوه فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح ؟ فقالوا: هاهو جالس، فقال: رأيت مولاتنا عليها السلام في النوم فقالت: لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له: نح على ابني بشعر الناشي الذي يقول فيه: بني أحمد قلبي بكم يتقطع * بمثل مصابي فيكم ليس يسمع وكان الناشي حاضرا فلطم لطما عظيما على وجهه وتبعه المزوق والناس كلهم وكان أشد الناس في ذلك الناشي ثم المزوق ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلى الناس الظهر، وتقوض المجلس، وجهدوا بالرجل أن يقبل شيئا منهم، فقال: والله لو أعطيت الدنيا ما أخذتها فإنني لا أرى أن أكون رسول مولاتي عليها السلام ثم
* (هامش 1) * الذحل: الثأر. العداوة. الحقد ج ذحول.
[31]
آخذ عن ذلك عوضا. وانصرف ولم يقبل شيئا، قال: ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتا: عجب لكم تفنون قتلا بسيفكم * ويسطو عليكم من لكم كان يخضع كأن رسول الله أوصى بقتلكم * وأجسامكم في كل أرض توزع قال الأميني: أول هذه القصيدة: بني أحمد قلبي لكم يتقطع * بمثل مصابي فيكم ليس يسمع فما بقعة في الأرض شرقا ومغربا * وليس لكم فيها قتيل ومصرع ظلمتم وقتلتم وقسم فيئكم * وضاقت بكم أرض فلم يحم موضع جسوم على البوغاء ترمي وأرؤس * على أرؤس اللدن الذوابل ترفع توارون لم تأو فراشا جنوبكم * ويسلمني طيب الهجوع فأهجع وقال الحموي: حدثني الخالع قال: إجتزت بالناشي يوما وهو جالس في السراجين فقال لي: وقد عملت قصيدة قد طلبت وأريد أن تكتبها بخطك حتى أخرجها. فقلت: أمضي في حاجة وأعود، وقصدت المكان الذي أردته وجلست فيه فحملتني عيني فرأيت في منامي أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح فقال لي: أحب أن تقوم فتكتب قصيدة الناشي البائية فإنا قد نحنا بها البارحة بالمشهد، وكان هذا الرجل قد توفي وهو عائد من الزيارة، فقمت ورجعت إليه وقلت: هات البائية حتى أكتبها، فقال: من أين علمت أنها بائية ؟ وما ذكرت بها أحدا، فحدثته بالمنام فبكى، وقال: لا شك أن الوقت قد دنا فكتبتها فكان أولها: رجائي بعيد والممات قريب * ويحظى ظني والمنون تصيب قال الأميني: ومن البائية في المديح قوله:
أناس علوا أعلا المعالي من العلا * فليس لهم في الفاضلين ضريب إذا انتسبوا جازوا التناهي لمجدهم * فما لهم في العالمين نسيب هم البحر أضحى دره وعبابه * فليس له من منتفيه رسوب تسير به فلك النجاة وماؤها * لشرابه عذب المذاق شروب هو البحر يغني من غدا في جواره * وساحله سهل المجال رحيب
[32]
هم سبب بين العباد وربهم * محبهم في الحشر ليس يخيب حووا علم ما قد كان أو هو كائن * وكل رشاد يحتويه طلوب وقد حفظوا كل العلوم بأسرها * وكل بديع يحتويه غيوب هم حسنات العالمين بفضلهم * وهم للأعادي في المعاد ذنوب وجمع العلامة السماوي شعر الناشي في أهل البيت عليهم السلام يربو على ثلاثمائة بيتا. * (ولادته ووفاته) * حكى الحموي في " معجم الأدباء " نقلا عن خالع أنه قال: مولده على ما أخبرني به سنة 271، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من صفر سنة 365 وكنت حينئذ بالري فورد كتاب ابن بقيه (1) إلى ابن العميد يخبره وقيل: إنه تبع جنازته ماشيا وأهل الدولة كلهم، ودفن في مقابر قريش وقبره هناك معروف. وهو ممن نبش قبره في واقعة سنة 443 وأحرقت تربته (2) وقال ابن شهر آشوب في " المعالم " ص 136: حرقوه بالنار. وظاهره أنه استشهد حرقا والله أعلم. وهناك أقوال أخر لا تقارف الصحة فقد أرخ وفاته اليافعي في " مرآة الجنان " 2 ص 235: بسنة 342، وابن خلكان بسنة 360، وابن الأثير في " الكامل " بسنة 366، وهو محكي ابن حجر في " لسان الميزان " عن ابن النجار، وبها أرخ علاء الدين البهائي في " مطالع البدور " 1 ص 25 وذكر له: ليس الحجاب بآلة الأشراف * إن الحجاب مجانب الانصاف
ولقل ما يأتي فيحجب مرة * فيعود ثانية بقلب صاف وذكر له الثعالبي في " ثمار القلوب " ص 136 في نسبة السواد إلى وجه الناصبي قوله: يا خليلي ويا صاحبي * من لوي بن غالب حاكم الحب جاير * موجب غير واجب
(1) أبو طاهر محمد بن بقية كان وزير عز الدولة، ولما ملك عضد الدولة بغداد ودخلها طلب ابن بقية وألقاه تحت أرجل الفيلة فلما قتل صلبه بحضرة بيمارستان العضدي ببغداد سنة 367. (ابن خلكان 2 ص 175). (2) سيوافيك في هذا الجزء في ترجمة المؤيد ما وقع في تلك الواقعة الهائلة من الطامات والفظايع.
[33]
لك صدغ كأنما * لونه وجه ناصبي يلدغ الناس إذ تعق - رب لدغ العقارب * (لفت نظر) * توجد في (تنقيح المقال) ج 2 ص 313 ترجمة الناشي وفيها: والظاهر أنه هو علي بن عبد الله بن وصيف بن عبد الله الهاشمي الذي روي في (العيون) عنه عن الكاظم عليه السلام النص على الرضا. ا ه. وهذا أعجب ما رأيت في طي هذا الكتاب القيم من العثرات. * (مصادر ترجمة الناشي) * فهرست الشيخ. معالم العلماء. رجال ابن داود. رجال النجاشي. يتيمة الدهر. أنساب السمعاني. وفيات الأعيان. معجم الأدباء. ميزان الاعتدال. الوافي بالوفيات. خلاصة الرجال. نقد الرجال. كامل ابن الأثير. مجالس المؤمنين. لسان الميزان.
شذرات الذهب. مطالع البدور. جامع الرواة. تلخيص الأقوال. منتهى المقال. نسمة السحر. أمل الآمل. خاتمة الوسايل. رياض العلماء. ملخص المقال. الحصون المنيعة. الشيعة وفنون الاسلام. تلخيص المقال. تأسيس الشيعة. روضات الجنات. تنقيح المقال. هدية الأحباب. وفيات الأعلام. الطليعة. بغية الطالب. شهداء الفضيلة.
[34]
القرن الرابع (24) البشنوي الكردي توفي بعد 380 وقد شهدوا عيد (الغدير) واسمعوا * مقال رسول الله من غير كتمان: ألست بكم أولى من الناس كلهم ؟ * فقالوا: بلى يا أفضل الإنس والجان فقام خطيبا بين أعواد منبر * ونادى بأعلا الصوت جهرا بإعلان بحيدرة والقوم خرس أذلة * قلوبهم ما بين خلف وعينان فلب مجيبا ثم أسرع مقبلا * بوجه كمثل البدر في غصن ألبان فلاقاه بالترحيب ثم ارتقى به * إليه وصار الطهر للمصطفى ثان وشال بعضديه وقال وقد صغى * إلى القول أقصى القوم تالله والدان: علي أخي لا فرق بيني وبينه * كهارون من موسى الكليم ابن عمران ووارث علمي والخليفة في غد * على أمتي بعدي إذا زرت جثماني فيا رب من والى عليا فواله * وعاد الذي عاداه واغضب على الشاني
وله قوله من قصيدة: أأترك مشهور الحديث وصدقه * غداة بخم قام أحمد خاطبا ؟: ألست لكم مولى ومثلي وليكم * علي فوالوه وقذ قلت واجبا وله قوله: يوم (الغدير) لذي الولاية عيد * ولذي النواصب فضله مجحود يوم يوسم في السماء بأنه * العهد فيه وذلك المعهود والأرض بالميراث أضحت وسمه * لو طاع موطود وكف حسود
[35]
* (الشاعر) * أبو عبد الله الحسين بن داود الكردي البشنوي. من الشعراء المجاهرين في مدايح العترة الطاهرة عليهم السلام كما عده ابن شهر آشوب منهم في (معالم العلماء) ويشهد لذلك شعره الكثير فيهم المبثوث في كتاب (المناقب) للسروي، فهو في الرعيل الأول من حاملي ألوية البلاغة، وأحد شعراء الإمامية الناهضين بنشر الأدب، وينم عن مذهبه قوله: ألية ربي بالهدى متمسكا * بإثني عشر بعد النبي مراقبا أبقى على البيت المطهر أهله * بيوت قريش للديانة طالبا وقوله: يا مصرف النص جهلا عن أبي حسن * باب المدينة عن ذي الجهل مقفول مدينة العلم ما عن بابها عوض * لطالب العلم إذ ذو العلم مسئول مولى الأنام علي والولي معا * كما تفوه عن ذي العرش جبرئيل وقوله: قد خان من قدم المفضول خالقه * وللإله فبالمفضول لم أخن
وسيوافيك من شعره ما يظهر منه تضلعه في التشيع، وتمخضه في الولاء، و انقطاعه إلى سادات الأئمة صلوات الله عليهم، فهو من شعراءهم، وما كان يقال: من أنه شاعر بني مروان كما في كامل ابن الأثير ص 24 من ج 9 فالمراد بهم ملوك ديار بكر من أولاد أخت باذ الكردي أولهم أبو علي بن مروان استولى على ما كان يحكم عليه خاله من ديار بكر، وبعد قتله ملك أخوه ممهد الدولة، وبعد قتله قام أخوه أبو نصر و بقي ملكه من سنة 420 إلى سنة 453، وخلفه ولدان: نصر وسعيد، أما نصر فملك ميافارقين وتوفي سنة 453، وملك بعده ابنه منصور، وأما سعيد فاستولى على آمد (1). وكان البشنوي المترجم له يستحث الأكراد البشنوية (2) أصحاب قلعة فتك لمؤازرة باذ الكردي خال بني مروان المذكورين في وقعة سنة 380 التي وقعت بينه و
(1) راجع تاريخ أبي الفدا ج 2 ص 133 و 189 و 204. (2) كامل ابن الأثير ج 9 ص 24. *)
[36]
بين أبي طاهر والحسين إبني حمدان لما ملكا بلاد الموصل سنة 379 وله في ذلك قوله من قصيدة: البشنوية أنصار لدولتكم * وليس في ذا خفا في العجم والعرب فانتماء المترجم إلى بني مروان هؤلاء بعلاقة خالهم باذ المتحد معه في العنصر الكردي، فعلى ما ذكرنا لا يكون لقول من قال (1): إن البشنوي توفي سنة 370 مقيل من الحقيقة فإن التاريخ يشهد بحياته بعدها بعشر سنين. ذكر صاحب (معالم العلماء) للمترجم كتاب الدلايل: والرسايل البشنوية، وقال ابن الأثير في (اللباب) 1 ص 127: وله ديوان مشهور. * (البشنوية) * كانت في العراق في شرقي دجلة طوائف كثيرة من الأكراد ينتمون إلى حصون
وقلاع وبلاد كانت لهم في نواحي الموصل والأربل، ومنهم: البشنوية ومنها شاعرنا المترجم، كانت تسكن هذه الطايفة فوق الموصل قرب جزيرة ابن عمر (2) بينهما نحو من فرسخين، وما كان يقدر صاحب الجزيرة ولا غيره مع مخالطتهم للبلاد عليها، قال ياقوت الحموي في (معجم البلدان): وهي بيد هؤلاء الأكراد منذ سنين كثيرة نحو الثلثمائة سنة وفيهم مروة وعصبية ويحمون من يلتجئ إليهم ويحسنون إليه. ا ه. ولهذه الطائفة هناك قلاع منها قلعة برقة، وقلعة بشير، وقلعة فنك، ومن أمرائها صاحب قلعة فنك الأمير أبو طاهر، والأمير إبراهيم، والأمير حسام الدين من أمراء القرن السادس. * (ومنهم الزوزانية) * تنسب هذه الطايفة إلى الزوزان بفتح أوله وثانيه، ناحية واسعة في شرقي دجلة من جزيرة ابن عمر، وأول حدودها من نحو يومين من الموصل إلى أول حدود خلاط، وينتهي حدها إلى آذربايجان إلى عمل سلماس،
(1) ذكره صاحب أعيان الشيعة ج 1 ص 387. (2) جزيرة ابن عمر بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام ولها رستاق مخضب واسع الخيرات، وأحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي، وهذه الجزيرة تحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال ثم عمل هناك خندق أجرى فيه الماء فأحاط بها الماء من جميع جوانبها، ويقال في النسبة إليها: جزري (معجم البلدان)
[37]
وفيها قلاع كثيرة حصينة للأكراد البشنوية والزوزانية والبختية. * (ومنهم البختية) * لهم عدة قلاع في الزوزان منها قلعة [جرذقيل] وهي أجل قلعة لهم وكرسي ملكهم، وقلعة آتيل. وعلوس. وألقي. وأروخ. و باخوخة. وبرخو. وكنكور. ونيروه. وخوشب. ومن زعمائهم الأمير موسك بن المجلي. * (ألهكارية) * بالفتح وتشديد الكاف ينتمون إلى [الهكارية] قرى فوق
الموصل من جزيرة ابن عمر، ومن أمرائهم بحلب عز الدين عمر بن علي، وعماد الدين أحمد بن علي المعروف بابن المشطوب، وكان أكبر أمير في مصر، ومن علمائهم شيخ الاسلام أبو الحسن علي بن أحمد الهكاري المتوفى سنة 486، والمترجم في تاريخ ابن خلكان ج 1 ص 377. * (الجلانية) * بالفتح وتشديد اللام وكسر النون والياء المشددة، تنسب هذه الطائفة إلى الجلانية وهي قلعة من قلاع الهكارية المذكورة. * (الزوادية) * (1)، وهم أشرف الأكراد، ومنهم أسد الدين شيركوه المتوفى سنة 564 وأخوه نجم الدين أيوب. * (الشوانكارية) * وهم الذين التجأ إليهم في سنة 564 شملة ملك فارس صاحب خوزستان المتوفى سنة 570. * (الحميدية) * كانت لهم قلاع حصينة تجاور الموصل. (الهذبانية) لهم قلعة إربل وأعمالها. (الحكمية) ومن أمرائهم الأمير أبو الهيجاء الأربلي. ومنهم الأكراد المارانية. واليعقوبية، والجوزقانية. والسورانية. و الكورانية، والعمادية، والمحمودية، والجوبية، والمهرانية، والجاوانية، والرضائية، والسروجية: والهارونية، والرية، إلى غير ذلك من القبائل التي لا تحصى كثرة. نبذة من شعره ومن شعر شاعرنا [البشنوي] في المذهب قوله:
(1) كذا في الكامل وفي غيره: الردادية.
[38]
خير الوصيين من خير البيوت ومن * خير القبايل معصوم من الزلل
إذا نظرت إلى وجه الوصي فقد * عبدت ربك في قول وفي عمل أشار بالبيت الأخير إلى ما رواه محب الدين الطبري في رياضه ج 2 ص 219 عن أبي بكر. وعبد الله بن مسعود. وعمرو بن العاص. وعمران بن الحصين. وعن غيرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: النظر إلى وجه علي عبادة. ورواه الكنجي في (كفاية الطالب) ص 64 و 65 عن عن ابن مسعود بطريقين وقال: الحديث الأول أحسن إسنادا من الثاني، والحديث الثاني روته الحفاظ كأبي نعيم في حليته، والطبراني في معجمه، وهو حسن عال جليل غريب من هذا الوجه، والحديث الأول عال حسن السياق. ورواه بطريق آخر عن معاذ بن جبل ص 66 فقال: وأخرجه الحافظ الدمشقي في تاريخه عن غير واحد من الصحابة منهم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وجابر. وثوبان وعايشة. وعمران بن الحصين. وأبو ذر. وفي حديث أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل علي فيكم أو قال في هذه الأمة كمثل الكعبة المستورة، النظر إليها عبادة. والحج إليها فريضة. ورواه في ص 124 بطريق آخر عن علي عليه السلام وله قوله: ولست أبالي بأي البلاد * قضى الله نحبي إذا ما قضاه ولا أين حطت إذا مضجعي * ولا من جفاه ولا من قلاه إذا كنت أشهد أن لا إله * هو الله والحق فيما قضاه وأن محمدا ن المصطفى * نبي وأن عليا أخاه وفاطمة الطهر بنت الرسول * رسولا هدانا إلى ما هداه وابناهما فهما سادتي * فطوبى لعبدهما سيداه وله قوله: يا ناصبي بكل جهدك فاجهد * إني علقت بحب آل محمد الطيبين الطاهرين ذوي الهدى * طابوا وطاب وليهم في المولد
واليتهم وبرئت من أعدائهم * فاقلل ملامك لا أبا لك أو زد فهم أمان كالنجوم وإنهم * سفن النجاة من الحديث المسند
[39]
وله قوله: فقال كبيرهم: ما الرأي فيما * ترون يرد ذا الأمر الجلي سمعتم قوله قولا بليغا * وأوصى بالخلافة في علي ؟ فقالوا: حيلة نصبت علينا * ورأي ليس بالعقد الوفي تدبر غير هذا في أمور * تنال بها من العيش السني سنجعلها إذا ما مات شورى * لتيمي هنالك أو عدي وله قوله: يا قارئ القرآن مع تأويله * مع كل محكمة أتت في حال أعمارة البيت المحرم مثله * وسقاية الحجاج في الأمثال ؟ ! أم مثلي التيمي أو عدويهم * هل كان في حال من الأحوال ؟ ! لا والذي فرض علي وداده * ما عندي العلماء كالجهال وله قوله: فمدينة العلم التي هو بابها * أضحى قسيم النار يوم مآبه فعدوه أشقى البرية في لظى * ووليه المحبوب يوم حسابه وله قوله: خير البرية خاصف النعل الذي * شهد النبي بحقه في المشهد وبعلمه وقضائه وبسيفه * شهد الرسول مع الملائك فاشهد وله في الصديقة الزهراء سلام الله عليها قوله: وقف الندا في موضع عبرت * فيه البتول: عيونكم غضوا
فتغض والأبصار خاشعة * وعلى بنان الظالم العض تسود حينئذ وجوههم * ووجوه أهل الحق تبيض وله يمدح الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: سليل أئمة سلكوا كراما * على منهاج جدهم الرسول إذا ما مشكل أعيى علينا * أتونا بالبيان وبالدليل
[40]
القرن الرابع (25) الصاحب به عباد المولود 326 المتوفى 385 قالت: فمن صاحب الدين الحنيف أجب ؟ * فقلت أحمد خير السادة الرسل قالت: فمن بعده تصفى الولاء له ؟ * قلت: الوصي الذي أربى على زحل قالت: فمن بات من فوق الفراش فدى ؟ * فقلت: أثبت خلق الله في الوهل قالت: فمن ذا الذي آخاه عن مقة ؟ فقلت: من حاز رد الشمس في الطفل قالت: فمن زوج الزهراء فاطمة ؟ * فقلت: أفضل من حاف ومنتعل قالت: فمن والد السبطين إذ فرعا ؟ * فقلت: سابق أهل السبق في مهل قالت: فمن فاز في بدر بمعجزها ؟ * فقلت: أضرب خلق الله في القلل قالت: فمن أسد الأحزاب يفرسها ؟ * فقلت: قاتل عمرو الضيغم البطل قالت: فيوم حنين من فرا وبرا ؟ * فقلت: حاصد أهل الشرك في عجل قالت: فمن ذا دعي للطير يأكله ؟ فقلت: أقرب مرضي ومنتحل قالت: فمن تلوه يوم الكساء أجب ؟ * فقلت: أفضل مكسو ومشتمل
قالت: فمن ساد في يوم (الغدير) أبن ؟ * فقلت: من كان للاسلام خير ولي قالت: ففي من أتى في هل أتى شرف ؟ * فقلت: أبذل أهل الأرض للنفل قالت: فمن راكع زكى بخاتمه ؟ * فقلت: أطعنهم مذ كان بالأسل قالت: فمن ذا قسيم النار يسهمها ؟ * فقلت: من رأيه أذكى من الشعل قالت: فمن باهل الطهر النبي به ؟ * فقلت: تاليه في حل ومرتحل قالت: فمن شبه هارون لنعرفه ؟ * فقلت: من لم يحل يوما ولم يزل قالت: فمن ذا غدا باب المدينة قل ؟ * فقلت: من سألوه وهو لم يسل
[41]
قالت: فمن قاتل الأقوام إذ نكثوا ؟ * فقلت: تفسيره في وقعة الجمل قالت: فمن حارب الأرجاس إذ قسطوا ؟ * فقلت: صفين تبدي صفحة العمل قالت: فمن قارع الأنجاس إذ مرقوا ؟ * فقلت: معناه يوم النهروان جلي قالت: فمن صاحب الحوض الشريف غدا ؟ * فقلت: من بيته في أشرف الحلل قالت: فمن ذا لواء الحمد يحمله ؟ * فقلت: من لم يكن في الروع بالوجل قالت: أكل الذي قد قلت في رجل ؟ * فقلت: كل الذي قد قلت في رجل قالت: فمن هو هذا الفرد سمه لنا ؟ * فقلت: ذاك أمير المؤمنين علي وله من قصيدة: يا كفو بنت محمد لولاك ما * زفت إلى بشر مدى الأحقاب يا أصل عترة أحمد لولاك لم * يك أحمد المبعوث ذا أعقاب كان النبي مدينة العلم التي * حوت الكمال وكنت أفضل باب ردت عليك الشمس وهي فضيلة * بهرت فلم تستر بلف نقاب لم أحك إلا ما روته نواصب * عادتك فهي مباحة الأسلاب عوملت يا تلو النبي وصنوه * بأوابد جاءت بكل عجاب
قد لقبوك أبا تراب بعد ما * باعوا شريعتهم بكف تراب لم تعلموا أن الوصي هو الذي * آتي الزكاة وكان في المحراب لم تعلموا أن الوصي هو الذي * حكم الغدير له على الأصحاب وله قوله: وقالوا: علي علا. قلت: لا * فإن العلا بعلي علا ولكن أقول كقول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا: ألا إن من كنت مولى له * يوالي عليا وإلا فلا وله من قصيدة قوله: وكم دعوة للمصطفى فيه حققت * وآمال من عادى الوصي خوائب فمن رمد آذاه جلاه داعيا * لساعته والريح في الحرب عاصب من سطوة للحر والبرد رفعت * بدعوته عنه وفيها عجائب
[42]
وفي أي يوم لم يكن شمس يومه * إذا قيل هذا يوم تقضى المآرب ؟ أفي خطبة الزهراء لما استخصه * كفاءا لها والكل من قبل طالب ؟ أفي الطير لما قد دعا فأجابه * وقد رده عنه غبي موارب ؟ أفي رفعه يوم التباهل قدره ؟ * وذلك مجد ما علمت مواظب أفي يوم خم إذ أشاد بذكره ؟ * وقد سمع الايصاء جاء وذاهب أيعسوب دين الله صنو نبيه * ومن حبه فرض من الله واجب مكانك من فوق الفراقد لائح * ومجدك من أعلى السماك مراقب وسيفك في جيد الأعادي قلائد * قلائد لم يعكف عليهن ثاقب * (الشاعر) * الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني.
قد يرتج القول على صاحبه بالرغم من بلوغه الغاية القصوى من القدرة في تحليل شخصيات كبيرة أتتهم الفضايل من شتى النواحي، واكتنفتهم المزايا الفاضلة من جهات متفرقة، ومن هاتيك النفسيات الكبيرة التي أعيت البليغ حدودها نفسية - الصاحب - فهي تستدعي الافاضة في تحليلها من ناحية العلم طورا، ومن ناحية الأدب تارة، كما تسترسل القول من وجهة السياسة مرة، ومن وجهة العظمة أخرى، إلى جود هامر، وفضل وافر، وشرف صميم، ومذهب قويم، وفضايل لا تحصى ومهما هتف المعاجم بشئ من ذلك فإنه بعض الحقيقة، ولعل في شهرته بهاتيك المآثر جمعاء غنى عن الاطناب في وصفه، وإنك لا تجد شيئا من كتب التراجم إلا وفيه لمع من محامده، ومن أشهرها (يتيمة الدهر) للثعالبي وهو أبسط من كتب فيه من القدماء وقد استوعب فيه 91 صحيفة، وإنما ألفها له ولشعرائه، وأفرد غير واحد من رجال التأليف كتابا في ترجمته منهم: 1 - مهذب الدين محمد بن علي الحلي المزبدي المعروف بأبي طالب الخيمي له كتاب [الديوان المعمور في مدح الصاحب المذكور].
[43]
2 - الشيخ محمد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني المولود 1103 و المتوفى 1181. 3 - السيد أبو القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني الاصبهاني، له كتاب [رسالة الارشاد في أحوال الصاحب بن عباد] ألفها سنة 1259. 4 - الأستاذ خليل مردم بك له كتاب في المترجم طبع في مطبعة الترقي 252 صحيفة بدمشق وهو الجزء الرابع من أئمة الأدب الأربعة في أربعة أجزاء. وبعد هذه الشهرة الطائلة فليس علينا إلا سرد ترجمة بسيطة هي جماع ما في هذه الكتب.
ولد الصاحب في إحدى كور فارس باصطخر أو بطالقان في 16 ذي القعدة سنة 326، وأخذ العلم والأدب عن والده وأبي الفضل ابن العميد. وأبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، وأبي الفضل العباس بن محمد النحوي الملقب بعرام، وأبي سعيد السيرافي وأبي بكر بن مقسم، والقاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن شجرة، و عبد الله بن جعفر بن فارس ويروي عن الأخيرين. قال السمعاني: إنه سمع الأحاديث من الاصبهانيين والبغداديين والرازيين وحدث، وكان يحث على طلب الحديث وكتابته، وروى عن ابن مردويه أنه سمع الصاحب يقول: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الاسلام. وكان يملي الحديث على خلق كثير فكان المستملي الواحد ينضاف إليه الستة كل يبلغ صاحبه، فكتب عنه الناس الكثير الطيب منهم: القاضي عبد الجبار. والشيخ عبد القاهر الجرجاني. وأبو بكر بن المقري. والقاضي أبو الطيب الطبري. وأبو بكر بن علي الذكواني. وأبو الفضل محمد بن محمد بن إبراهيم النسوي الشافعي. ثم شاع نبوغه في العلوم وتضلعه في فنون الأدب، واعترف به الشاهد والغائب حتى عده شيخنا بهاء الملة والدين في رسالة غسل الرجلين ومسحهما من علماء الشيعة في عداد ثقة الاسلام الكليني. والصدوق. والشيخ المفيد. والشيخ الطوسي والشيخ الشهيد ونظرائهم. ووصفه العلامة المجلسي الأول في حواشي نقد الرجال بكونه من أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، وعده في مقام آخر: من
[44]
رؤساء المحدثين والمتكلمين. وأطراه شيخنا الحر العاملي في (أمل الآمل) بأنه محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم. كما أن الثعالبي في (فقه اللغة) جعله أحد أئمتها الذين اعتمد عليهم في كتابه أمثال الليث. والخليل. وسيبويه. وخلف الأحمر. وثعلب الاحمثي. وابن الكلبي.
وابن دريد. وعده الأنباري أيضا من علماء اللغة فأفرد له ترجمته في كتابه: طبقات الأدباء النحاة، وكذلك السيوطي في (بغية الوعاة) في طبقات اللغويين والنحاة، ورآه العلامة المجلسي في مقدمة البحار علما في اللغة والعروض والعربية من الإمامية. م - وقال ابن الجوزي في (المنتظم) 7 ص 180: كان يخالط العلماء والأدباء ويقول لهم: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان، وسمع الحديث وأملى، وروى أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بكيا قال: سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول: لما عزم الصاحب إسماعيل بن عباد على الاملاء وكان حينئذ في الوزارة خرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم فقال: قد علمتم قدمي في العلم فأقروا له بذلك. فقال: وأنا متلبس بهذا الأمر وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أني تائب إلى الله من كل ذنب أذنبته. واتخذ لنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار، وكان الصاحب ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء وأهل الأدب وكان لا تأخذه في الله لومة لائم]. وإخباتا إلى علمه وأدبه ألف له غير واحد من الأعلام الأفذاذ تآليف قيمة منهم. 1 - شيخنا الصدوق أبو جعفر القمي ألف له كتابه [عيون أخبار الرضا] م 2 - الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي كتابه [نفي التشبيه] كذا في لسان الميزان 2 ص 306 نقلا عن فهرست النجاشي، ويظهر من النجاشي ص. 5 إنه غيره ولم يسمه. 3 - الشيخ الحسن بن محمد القمي ألف له كتابه [تاريخ قم]
[45]
4 - أبو الحسن أحمد بن فارس الرازي اللغوي كتابه [الصاحبي]. 5 - القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه [التهذيب]. م 6 - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف المالكي، ألف للصاحب كتابه [الحجر] ووجهه إليه فقال الصاحب: ردوا الحجر من حيث جاء. ثم قبله ووصله عليه، ذكره ابن فرحون في (الديباج المذهب) ص 36] وللصاحب آثار خالدة في العلم والأدب منها: 1 - كتاب أسماء الله وصفاته. 2 - " نهج السبيل في الأصول. 3 - " الإمامة في تفضيل أمير المؤمنين. 4 - " الوقف والابتداء. 5 - " المحيط في اللغة في عشر مجلدات (1). 6 - " الزيدية. 7 - " المعارف في التاريخ. 8 - " الوزراء. 9 - " القضاء والقدر. 10 - " الروزنامجه. ينقل عنه الثعالبي في (يتيمة الدهر). 11 - " أخبار أبي العيناء. 12 - " تاريخ الملك واختلاف الدول. 13 - " الزيديين. 14 - " جوهرة الجمهرة لابن دريد. 15 - " الاقناع في العروض. 16 - " نقض العروض.
17 - " ديوان رسائله في عشر مجلدات. 18 - " الكافي في الرسائل وفنون الكتابة.
(1) كذا في معجم الأدباء، وفي كشف الظنون: في سبع مجلدات.
[46]
19 - " الأعياد وفضايل النيروز. 20 - " ديوان شعره. 21 - " الشواهد. 22 - " التذكرة. 23 - " التعليل. 24 - " الأنوار. 25 - " الفصول المهذبة للعقول. 26 - " رسالة الابانة عن مذهب أهل العدل. 27 - " في الطب. 28 - " في الطب أيضا. 29 - " الكشف عن مساوي شعر المتنبي طبعت بمصر في 26 صحيفة قال الثعالبي في (اليتيمة): ولما عمل الصاحب هذه الرسالة عمل القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه (الوساطة) بين المتنبي وخصومه في شعره، وقال فيه بعض أدباء نيسابور: أيا قاضيا قد دنت كتبه * وإن أصبحت داره شاحطه كتاب (الوساطة) في حسنه * لعقد معاليك كالواسطه 30 - رسالة في فضل سيدنا عبد العظيم الحسني المدفون بالري. 31 - كتاب السفينة نسبها إليه الثعالبي في تتمة اليتيمة.
م 32 - كتاب مفرد في ترجمة الشافعي محمد بن إدريس إمام الشافعية كما في (الكواكب الدرية) ص 263]. م - وشافهني الأستاذ حسين محفوظ الكاظمي بأنه رأى من تآليف الصاحب ما يلي 1 - الفصول الأدبية والمراسلات العبادية، مرتبة على خمسة عشر بابا في كل باب خمسة عشر فصلا، والنسخة مؤرخة بسنة 628. 2 - رسالة في الهداية والضلالة، مخطوطة بالخط الكوفي، نسخت من نسخة المؤلف وعليها خطه.
[47]
3 - الأمثال السائرة من شعر أبي الطيب المتنبي، وهي 372 بيتا "، والنسخة بخط الباخرزي مؤرخة بسنة 434]. والقارئ جد عليم بأن مؤلف هذه الكتب المتنوعة أحد أفذاذ العلم الذين لم يعدهم أي مقام منيع من الفنون، فهو فيلسوف متكلم فقيه محدث مؤرخ لغوي نحوي أديب كاتب شاعر، فما ظنك بمثله من نابغة جمع الشوارد، وألف بين متفرقات العلوم، وهل تجده إلا في الذروة والسنام من الفضل الظاهر، فحق له هذا الصيت الطاير. والذكر السائر مع الفلك الدائر. كانت للصاحب مكتبة عامرة وقد نوه بها لما أرسل إليه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني في السير يستدعيه إلى حضرته، ويرغبه في خدمته وبذل البذول السنية، فكان من جملة أعذاره قوله: ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي ؟ وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة حمل أو أكثر. في (معجم الأدباء) قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذي بالري دليل على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمود لما ورد إلى الري
قيل له: إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه. يظهر من كلام البيهقي هذا أن عمدة الكتب التي أحرقت هي خزانة كتب الصاحب، وهكذا كانت تعبث يد الجور بآثار الشيعة وكتبهم ومآثرهم. وكان خازن تلك المكتبة ومتوليها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري المتوفى 381 (1) وأبو محمد عبد الله الخازن بن الحسن الاصبهاني. وزارته صلاته مادحوه قال أبو بكر الخوارزمي: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه: ورث الوزارة كابرا عن كابر * موصولة الاسناد بالإسناد
(1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 341.
[48]
يروي عن العباس عباد وزارته * وإسماعيل عن عباد وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علما عليه، وذكر الصابي في كتاب التاجي: أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبى وسماه الصاحب فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده. إستكتبه مؤيد الدولة من 347 تقريبا إلى سنة 366 وسافر معه إلى بغداد سنة 347 حتى استوزره من سنة 366، إلى وفاة مؤيد الدولة سنة 373 ثم استوزره أخوه فخر الدولة، وسافر معه إلى الري عاصمة مملكته، ولم يؤل الصاحب جهدا في خدمة أميره وتوسيع مملكته قال الحموي: فتح الصاحب خمسين قلعة سلمها إلى فخر
الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه. وله أيام وزارته عطائه الجزل، وسيب يده المتدفق، وبرء المتواصل إلى العلماء والشعراء، قال الثعالبي: حدثني عون بن الحسين قال: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسابات كاتبها - وكان صديقي - مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة للعلويين والفقهاء والشعراء خاصة غير الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، وكان ينفذ إلى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تفرق على الفقهاء والأدباء، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في شهر رمضان تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة، فكان لا يدخل عليه في شهر رمضان أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الافطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من لياليه من ألف نفس مفطرة فيها [يتيمة الدهر 3 ص 174]. كان عهده أخصب عهد للعلم والأدب بتقريبه رجالات الفضيلة وتشويقه إياهم وتنشيطهم لنشر بضائعهم الثمينة حتى نفق سوقها، ورايج أمرها، وكثرت طلابها، و نبغت روادها، فكانت قلائد الدرر منها تقابل بالبدر والصرر فمدحه على فضله المتوفر. وجوده المديد الوافر خمسمائة شاعر، تجد مدايحهم مبثوثة في الدواوين والمعاجم،
(1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 342.
[49]
قال الحموي، حدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله بمائة ألف قصيدة شعرا عربية وفارسية. وقد خلدت تلك القصائد له على صفحة الدهر ذكرا لا يبلى، وعظمة لا يخلقها مر الجديدين ومن أولئك الشعراء: 1 - أبو القاسم الزعفراني عمر بن إبراهيم العراقي له قصائد في الصاحب منها نونية مطلعها: سواك يعد الغنى واقتنى * ويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد ن المرتجى * تعد نوالك نيل المنى 2 - أبو القاسم عبد الصمد بن بابك يمدح الصاحب بقصيدة أولها: خلعت قلايدها عن الجوزاء * عذراء رقصها لعاب الماء 3 - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الوزير من آل بويه له قصيدة منها: أقول وقلبي في ذراك مخيم * وجسمي جنيب للصبا والجنائب يجاذب نحو الصاحب الشوق مقودي * وقد جاذبتني عنه أيدي الشواذب 4 - الوزير أبو العباس الضبي المتوفى 398 [أحد شعراء الغدير الآتي شعره وترجمته] له قصايد في مدح المترجم. 5 - الكاتب أبو القاسم علي بن القاسم القاشاني كتب إلى الصاحب بقصيدة أولها: إذا الغيوم أرجفن باسقها * وحف أرجاءها بوارقها 6 - أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي العراقي المتوفى سنة 394 له في الصاحب قصيدة أولها: رقى العذال أم خدع الرقيب * سقت ورد الخدود من القلوب وله فيه أرجوزة منها: فما تحل الوزراء ما عقد * بجهدهم ما قاله وما اجتهد شتان ما بين الأسود والنقد * هل يستوي البحر الخضم والثمد أمنيتي من كل خير مستعد * أن يسلم الصاحب لي طول الأبد 7 - القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني المتوفى سنة 392 له من قصيدة في الصاحب قوله.
[50]
أو ما انثنيت عن الوداع بلوعة * ملأت حشاك صبابة وغليلا ؟ ! ومدامع تجري فيحسب أن في * آماقهن بنان إسماعيلا ؟ !
يا أيها القرم الذي بعلوه * نال العلاء من الزمان السولا قسمت يداك على الورى أرزاقها * فكنوك قاسم رزقها المسئولا وله فيه قصايد كثيرة أخرى. 8 - أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني [أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] له قصايد كثيرة في الصاحب همزية. رائية. فائية. بائية وغيرها. 9 - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري، له في الصاحب قصايد منها ميمية أولها: الدمع يعرب ما لا يعرب الكلم * والدمع عدل وبعض القول متهم 10 - أبو هاشم محمد بن داود بن أحمد بن داود بن أبي تراب علي بن عيسى بن محمد البطحائي بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. المعروف بالعلوي الطبري له شعر كثير في الصاحب وللصاحب فيه كذلك. 11 - أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي له قصايد في الصاحب ومن قصيدة يمدحه: ومن نصر التوحيد والعدل فعله * وأيقظ نوام المعالي شمائله ومن ترك الأخيار ينشد أهله * أحل أيها الربع الذي خف آهله 12 - أبو سعد نصر بن يعقوب له قصيدة في الصاحب مطلعها: أبي لي أن أبالي بالليالي * وأخشى صرفها فيمن يبالي 13 - السيد أبو الحسين علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صهر الصاحب له قصيدة تربو على الستين بيتا يمدح بها الصاحب خالية من حرف الواو، ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر منها 20 بيتا، ومؤلف (الدرجات الرفيعة) 14 بيتا أولها. برق ذكرت به الحبائب * لما بدى فالدمع ساكب 14 - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشهير بابن الحجاج البغدادي المتوفى 391
[أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] له فائية يمدح بها الصاحب أولها:
[51]
أيها السائل عني * أنا في حال طريفه وأخرى مطلعها: ساق على حسن وجهها تلفي * وسرها ما رأته العين من دنفي وله نونية في مدحه أولها: يا عذولي أما أنا * فسبيلي إلى العنا وحديثي من حقه * في الزمان أن يدونا 15 - أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم له قصيدة في الصاحب يصف بها داره بقوله: وأبوابها أثوابها من نقوشها * فلا ظلم إلا حين ترخى ستورها 16 - الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسن صاحب البريد ابن عمة الصاحب له قصيدة يصف بها دارا بناها المترجم بإصبهان وانتقل إليها: دار على العز والتأييد مبناها * وللمكارم والعلياء مغناها 17 - أبو الطيب الكاتب له في وصف دار الصاحب بإصبهان قصيدة مطلعها: ودار ترى الدنيا عليها مدارها * تحوز السماء أرضها وديارها 18 - أبو محمد ابن المنجم له رائية يصف بها دار الصاحب مستهلها: هجرت ولم أنو الصدود ولا الهجرا * ولا أضمرت نفسي الصروف ولا الغدرا 19 - أبو عيسى ابن المنجم يمدح الصاحب بقصيدة يصف داره ويقول: هي الدار قد عم الأقاليم نورها * ولو قدرت بغداد كانت تزورها 20 - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن المعلى يصف دار الصاحب بقصيدة أولها: بي من هواها وإن أظهرت لي جلدا * وجد يذيب وشوق يصدع الكبدا
21 - أبو العلاء الأسدي يمدحه بقصيدة ويصف داره مطلعها: واسعد بدارك إنها الخلد * والعيش فيها ناعم رغد 22 - أبو الحسن الغويري له قصايد في الصاحب منها قصيدة يصف بها داره بإصبهان أولها: دار غدت للفضل داره * أفلاك أسعده مداره
[52]
23 - أبو سعيد الرستمي محمد بن محمد بن الحسن الاصبهاني مدح الصاحب بقصائد منها بائية مستهلها: عقني بالعقيق ذاك الحبيب * فالحشى حشوه الجوى والنحيب وله من قصيدة لامية يمدح بها الصاحب قوله: أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا * ويحرم ما دون الرضى شاعر مثلي ؟ ! كما ألحقت واو بعمر وزيادة " * وضويق باسم الله في ألف الوصل 24 - أبو محمد عبد الله بن أحمد الخازن الاصبهاني له قصايد يمدح بها الصاحب أجودها قصيدة مطلعها: هذا فؤادك نهبى بين أهواء * وذاك رأيك شورى بين آراء 25 - أبو الحسن علي بن محمد البديهي وهو الذي قال فيه صاحبنا المترجم: تقول البيت في خمسين عاما * فلم لقبت نفسك بالبديهي له قصايد يمدح بها الصاحب منها لامية أولها: قد أطعت الغرام فاعص العذولا * ما عسى عائب الهوى أن يقولا 26 - أبو إبراهيم إسمعيل بن أحمد الشاشي العامري، له قصايد صاحبية منها بائية أولها: سرينا إلى العليا فقيل كواكب * وثرنا إلى الجلي فقيل قواضب
27 - أبو طاهر بن أبي الربيع عمرو بن ثابت له صاحبيات منها جيمية أولها: أما لصحابي بالعذيب معرج * على دمن أكنافها تتأرج 28 - أبو الفرج الحسين بن محمد بن هند وله صاحبيات منها قصيدة أولها: لها من ضلوعي أن يشب وقودها * ومن عبراتي أن تفض عقودها 29 - العميري قاضي قزوين، أهدى إلى الصاحب كتبا وكتب معها: العميري عبد كافي الكفاة * وإن اعتد في وجوه القضاة خدم المجلس الرفيع بكتب * مفعمات من حسنها مترعات فوقع الصاحب بقوله: قد قبلنا من الجميع كتابا * ورددنا لوقتها الباقيات
[53]
لست أستغنم الكثير فطبعي * قول خذ ليس مذهبي قول هات 30 - أبو الرجاء الأهوازي مدح الصاحب لما ورد الصاحب الأهواز ومن قصيدته: إلى ابن عباد أبي القاسم * الصاحب إسماعيل كافي الكفاة وتشرب الجند هنيئا بها * من بعد ماء الري ماء الفرات (1) 31 - أبو منصور أحمد بن محمد اللجيمي الدينوري له شعر يمدح به الصاحب. 32 - أبو النجم أحمد الدامغاني المعروف ب (شصت كله) المتوفى سنة 432 له قصيدة بالفارسية مدح بها الصاحب. 33 - الشريف الرضي [أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته] مدح الصاحب بدالية سنة 375 ولم ينفذها إليه، وأخرى سنة 385 قيل وفاة الصاحب بشهر وأنفذها إليه. 34 - القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن جعفر الأسكي، له شعر في الصاحب
ومنه قوله: كل بر ونوال وصله * واصل منك إلى معتزله يا بن عباد ستلقى ندما * لفراق الجيرة المرتحله 35 - أبو القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني، له صاحبيات مدحا ورثاء قال الثعالبي في تتميم يتيمته: كان يساير الصاحب يوما فرسم له وصف فرس كان تحته فقال مرتجلا: طرف تحاول شأوه ريح الصبا * سفها فتعجز أن تشق غباره بارى بشمس قميصه شمس الضحى * صبغا ورض حجاره بحجاره 36 - أبو بكر محمد بن أحمد اليوسفي الزوزني له صاحبية أولها: أطلع الله للمعالي سعودا * وأعاد الزمان غضا جديدا
(1) أعجب ما رأيت من تعاليق معجم الأدباء الطبعة الثانية تعليق هذا البيت في ج 6 ص 254 جعل الأستاذ الرفاعي الشطر الثاني في المتن (من بعد ماء الري ماء الصراة) وقال في التعليق: الصراة: نهر بالعراق.
[54]
ومنها: بعث الدهر جنده وبعثنا * نحوه دعوة الإله جنودا يا عميد الزمان إن الليالي * كدن يتركن كل قلب عميدا حادثات أردن إحداث هدم * لعلاه فأحدثت تشييدا وله من أخرى قوله: سلام عليها إن عيني عندما * أشارت بلحظ الطرف تخضب عندما 37 - أبو بكر يوسف بن محمد بن أحمد الجلودي الرازي له قصيدة صاحبية منها قوله:
رياض كأن الصاحب القرم جادها * بأنوائه أو صاغها من طباعه يجلي غيابات الخطوب برأيه * كما صدع الصبح الدجى بشعائه ومنها: سحاب كيمناه وليل كبأسه * وبرق كماضية وخرق كباعه 38 - أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني، قال فريد وجدي في (دائرة المعارف) 6 ص 20: مدح الصاحب بقصايد فأعجبه نظمه توفي سنة 383. 39 - أبو منصور الجرجاني، كتب إلى الصاحب قوله: قل للوزير المرتجى * كافي الكفاة الملتجى إني رزقت ولدا * كالصبح إذ تبلجا لا زال في ظلك ظل * المكرمات والحجى فسمه وكنه * مشرفا متوجا فوقع الصاحب تحتها بقوله: هنئته هنئته * شمس الضحى بدر الدجا فسمه محسنا * وكنه أبا الرجا 40 - الأوسي مدح الصاحب ببائية أنشدها بين يديه فلما بلغ إلى قوله لما ركبت إليك مهري أنعلت * بدر السماء وسمرت بكواكب قال له الصاحب. لم أنثت المهر ؟ ولم شبهت النعل بالبدر ولا يشبهه ؟ ولو
[55]
شبهته بالهلال لكان أحسن فإنه علي هيئته فقال: الأوسي: أما تأنيث المهر فلأني عنيت المهرة ؟ وأما تشبيهي النعل ببدر السماء فلأني أردت النعل المطبقة. 41 - إبراهيم بن عبد الرحمن المعري مدح الصاحب بقصيدة منها: قد ظهر الحق وبان الهدى * لمن له عينان أو قلب
مثل ظهور الشمس في حجبها * إذ رفعت عن نورها الحجب بالملك الأعظم مستبشر * شرق بلاد الله والغرب 42 - محمد بن يعقوب أحد أئمة النحو كتب إلى الصاحب كما في (دمية القصر) 1 ص 301: قل للوزير أدام الله نعمته * مستخدما لمجاري الدهر والقدر أردت عبدا وقد أعطيته ولدا * فسمه بأسم من بالعرب مفتخر وإن وصلت له تشريف كنيته * جمعت بالطول بين الروض والمطر لا زال ظلك ممدودا ومنتشرا * فإنه خير ممدود ومنتشر هنيته ابنا يشيع الأنس في البشر * هنيت مقدم هذا الصارم الذكر 43 - محمد بن علي بن عمر أحد أعيان الري قرأ على الصاحب ومدحه برائية. والأدباء يعبرون عن المترجم وأبي إسحاق الصابي بالصادين كما وقع في قول الشيخ أحمد البربير المتوفى سنة 1226 في كتابه (الشرح الجلي) ص 283 يمدح كاتبا مليحا. لله كاتبا الذي أنا رقه * وهو الذي لا زال قرة عيني في ميم مبسمه ولام عذاره * ما بات ينسخ بهجة الصادين شعره في المذهب وللصاحب مراجعات ومراسلات مع مادحيه تجدها في الكتب والمعاجم، وشعره كما سمعت كثير مدون ونحن نقتصر من نظمه الذهبي بما عقد سمط جمانه في المذهب ذكر له الثعالبي في [يتيمة الدهر] ج 3 ص 247: حب علي بن أبي طالب * هو الذي يهدي إلى الجنة إن كان تفضيلي له بدعة * فلعنة الله على السنة
[56]
وذكر له في الكتاب: ناصب قال لي: معاوية خالك * خير الأعمام والأخوال فهو خال للمؤمنين جميعا * قلت: خال لكن من الخير خالي وذكر له فقيه الحرمين الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في (كفاية الطالب) ص 81، والخوارزمي في (المناقب) ص 69. يا أمير المؤمنين المرتضى * إن قلبي عندكم قد وقفا كلما جددت مدحي فيكم * قال ذو النصب: نسيت السلفا (1) من كمولاي علي زاهد * طلق الدنيا ثلاثا ووفى ؟ ! من دعي للطير أن يأكله ؟ * ولنا في بعض هذا مكتفى من وصي المصطفى عندكم ؟ * ووصي المصطفى من يصطفى وذكر الفقيه الكنجي في الكتاب ص 192، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة خواص الأمة) ص 88، والخوارزمي في (المناقب) ص 61. حب النبي وأهل البيت معتمدي (2) إن الخطوب أساءت رأيها فينا أيا ابن عم رسول الله أفضل من * ساس الأنام وساد الهاشميينا يا ندرة الدين يا فرد الزمان أصخ * لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا هل مثل سيفك في الاسلام لو عرفوا ؟ * وهذه الخصلة الغراء تكفينا هل مثل علمك إذ زالوا وإذ وهنوا * وقد هديت كما أصبحت تهدينا ؟ هل مثل جمعك للقرآن نعرفه * لفظا ومعنى وتأويلا وتبيينا ؟ هل مثل حالك عند الطير تحضره * بدعوة نلتها دون المصلينا ؟ هل مثل بذلك للعاني الأسير وللطفل * الصغير وقد أعطيت مسكينا ؟ هل مثل صبرك إذ خانوا وإذ ختروا * حتى جرى ما جرى في يوم صفينا ؟ هل مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة * لولا علي هلكنا في فتاوينا ؟
يا رب سهل زياراتي مشاهدهم * فإن روحي تهوى ذلك الطينا
(1) تسب السلفا. الخوارزمي (2) هذه الأبيات المحكية عن الكتب الثلاث لم توجد في (أعيان الشيعة) سوى ثلاثة منها.
[57]
يا رب صير حياتي في محبتهم * ومحشري معهم آمين آمينا وذكر ابن شهر آشوب من هذه القصيدة بعد البيت الثاني من أولها: أنت الإمام ومنظور الأنام فمن * يرد ما قلته يقمع براهينا هل مثل فعلك في ليل الفراش وقد * فديت بالروح ختام النبيينا ؟ هل مثل فاطمة الزهراء سيدة * زوجتها يا جمال الفاطميينا ؟ هل مثل برك في حال الركوع وما * بر كبرك برا للمزكينا ؟ هل مثل فعلك عند النعل تخصفها * لو لم يكن جاحدوا التفضيل لاهينا ؟ هل مثل نجليك في مجد وفي كرم * إذ كونا من سلال المجد تكوينا ؟ وله في مناقب الخطيب الخوارزمي ص 105، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 243، وتذكرة خواص الأمة ص 31، ومناقب ابن شهر آشوب، وغيرها قصيدة ولوقوع الاختلاف فيها نجمع بين رواياتها ونشير إلى ما روته رجال العامة ب (ع): بلغت نفسي مناها * بالموالي آل طه برسول الله من * حاز المعالي وحواها وببنت المصطفى من * أشبهت فضلا أباها ع من كمولاي علي * والوغى تحمي لظاها ؟ (من يصيد الصيد فيها * بالظبى حتى انتظاها ؟ يوم أمضاها عليهم * ثم أمضاها عليهم فارتضاها (من له في كل يوم * وقعات لا تضاهي ؟
(كم وكم حرب ضروس * سد بالمرهف فاها ؟ (اذكروا أفعال بدر * لست أبغي ما سواها (اذكروا غزوة أحد * إنه شمس ضحاها (اذكروا حرب حنين * إنه بدر دجاها (اذكروا الأحزاب قدما " * إنه ليث شراها (اذكروا مهجة عمرو * كيف أفناها شجاها ؟ (اذكروا أمر براءة * واخبروني من تلاها ؟
[58]
(اذكروا من زوج الزهراء * قد طاب ثراها (1) (اذكروا بكرة طير * فلقد طار ثناها ؟ (اذكروا لي قلل العلم * ومن حل ذراها (حاله حالة هارون * لموسى فافهماها (أعلى حب علي * لامني القوم سفاها ؟ ! (أهملوا قرباه جهلا * وتخطوا مقتضاها (أول الناس صلاة * جعل التقوى حلاها (ردت الشمس عليه * بعد ما غاب سناها (حجة الله على الخلق * شقى من قد قلاها وبحبي الحسن البالغ * في العليا مداها والحسين المرتضى * يوم المساعي إذ حواها ليس فيهم غير نجم * قد تعالى وتناهى عترة أصبحت الدنيا * جميعا في حماها ما تحدث عصب البغي * بأنواع عماها
أردت الأكبر بالسم وما كان كفاها وانبرت تبغي حسينا * وعرته وعراها منعته شربة والطير قد أروت صداها فأفاتت نفسه * ياليت روحي قد فداها بنته تدعوا أباها * أخته تبكي أخاها لو رأى أحمد ما * كان دهاه ودهاها لشكا الحال إلى الله * وقد كان شكاها (2) وله في مناقبي ابن شهر آشوب والخطيب الخوارزمي ص 233 قصيدة نجمع بينهما
(1) في لفظ أهل السنة: اذكروا من زوج * الزهراء كيما تتباهى (2) غير واحد من الأبيات لا يوجد في (أعيان الشيعة).
[59]
لاختلافهما في عدد الأبيات ألا وهي: ما لعلي العلى أشباه * لا والذي لا إله إلا هو مبناه مبنى النبي تعرفه * وابناه عند التفاخر إبناه إن عليا علا إلى شرف * لو رامه الوهم ذل مرقاه (1) أيا غداة الكساء لا تهني * عن شرح علياه إذ تكساه يا ضحوة الطير تنبئي شرفا * فاز به لا ينال أقصاه براءة استعملي بلاغك من * أقعد عنه ومن تولاه ؟ ! يا مرحب الكفر قد أذاقك من * من حد ما قد كرهت ملقاه ؟ ! يا عمرو من ذا الذي أنالك من * حارة الحتف حين تلقاه ؟ ! لو طلب النجم ذات أخمصه * علاه والفرقدان نعلاه
أما عرفتم سمو منزله ؟ ! * أما عرفتم علو مثواه ؟ ! أما رأيتم محمدا حدبا * عليه قد حاطه ورباه ؟ ! واختصه يافعا وآثره * واعتامه مخلصا وآخاه زوجه بضعة النبوة إذ * رآه خير امرئ وأتقاه يا بأبي السيد الحسين وقد * جاهد في الدين يوم بلواه يا بأبي أهله وقد قتلوا * من حوله والعيون ترعاه يا قبح الله أمة خذلت * سيدها لا تريد مرضاه يا لعن الله جيفة نجسا * يقرع من بغضه ثناياه وله دالية ذكرها الخوارزمي في (المناقب) ص 223، وابن شهر آشوب في مناقبه ونجمع بين الروايتين وهي: هو البدر في هيجاء بدر وغيره * فرايصه من ذكره السيف ترعد علي له في الطير ما طار ذكره * وفامت به أعداؤه وهي تشهد علي له في هل أتى ما تلوتم * على الرغم من آنافكم فتفردوا
(1) هذا البيت وما بعده إلى أربعة أبيات لا توجد في مناقب ابن شهر آشوب بل رواها الخوارزمي.
[60]
وكم خبر في خيبر قد رويتم * ولكنكم مثل النعام تشردوا وفي أحد ولى رجال وسيفه * يسود وجه الكفر وهو مسود ويوم حنين حن للغل بعضكم * وصارمه عضب الغرار مهند تولى أمور الناس لم يستغلهم * ألا ربما يرتاب من يتقلد ولم يك محتاجا إلى علم غيره * إذا احتاج قوم في قضايا تبلدوا ولا سد عن خير المساجد بابه * وأبوابهم إذ ذاك عنه تسدد
وزوجته الزهراء خير كريمة * لخير كريم فضلها ليس يجحد (1) وبالحسنين المجد مد رواقه * ولولاهما لم يبق للمجد مشهد تفرعت الأنوار للأرض منهما * فلله أنوار بدت تتجدد هم الحجج الغر التي قد توضحت * وهم سرج الله التي ليس تخمد أو إليكم يا آل بيت محمد * فكلكم للعلم والدين فرقد وأترك من ناواكم وهو هتكه * ينادى عليه مولد ليس يحمد وذكر له الحموئي صاحب (فرايد السمطين) في السمط الثاني في الباب الأول: منايح الله جاوزت أملي * فليس يدركها شكري ولا عملي لكن أفضلها عندي وأكملها * محبتي لأمير المؤمنين علي وذكر العلامة المجلسي في (البحار) ج 10 ص 264 نقلا عن بعض الكتب القديمة من قصيدة طويلة له: أجروا دماء أخي النبي محمد * فلتجر غزر دموعنا ولتهمل ولتصدر اللعنات غير مزالة * لعداه من ماض ومن مستقبل وتجردوا لبنيه ثم بناته * بعظايم فاسمع حديث المقتل منعوا الحسين الماء وهو مجاهد * في كربلاء فنح كنوح المعول منعوه أعذب منهل وكذا غدا * يردون في النيران أوخم منهل أيجز رأس ابن النبي وفي الورى * حي أمام ركابه لم يقتل ؟ وبنو السفاح تحكموا في أهل حي * على الفلاح بفرصة وتعجل
(1) هذا البيت رواه الخوارزمي ولا يوجد فيما جمع له السيد في (أعيان الشيعة)
[61]
نكت الدعي بن الدعي ضواحكا * هي للنبي الخير خير مقبل (2) تمضي بنو هند سيوف الهند * في أوداج أولاد النبي وتعتلي
ناحت ملائكة السماء لقتلهم * وبكوا فقد اسقوا كؤوس الذبل فأرى البكاء على الزمان محللا * والضحك بعد الطف غير محلل كم قلت للأحزان: دومي هكذا * وتنزلي في القلب لا تترحلي هذه نبذة من شعره في الأئمة عليهم السلام، وفي مناقب ابن شهر آشوب منه نبذ منثورة على أبواب الكتاب جمعها السيد في [أعيان الشيعة] ولمثول الكتابين للطبع وانتشارهما ضربنا عن ذكر جميعها صفحا، ولم نذكر هاهنا إلا الخارج عن الكتابين ولو في الجملة. قال السيد في (الدرجات الرفيعة): إن الصاحب رحمه الله قال قصيدة معراة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولا في المنثور والمنظوم وأولها: قد ظل يجري صدري * من ليس يعدوه فكري وهي في مدح أهل بيت عليهم السلام في سبعين بيتا فتعجب الناس، وتداولتها الرواة فسارت مسير الشمس في كل بلدة، وهبت هبوب الريح في البر والبحر، فاستمر الصاحب على تلك الطريقة، وعمل قصايد كل واحدة منها خالية من حرف واحد من حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره أبو الحسين علي لعملها وقال قصيدة ليست فيها واو ومدح الصاحب بها وأولها: برق ذكرت به الحبائب * لما بدى فالدمع ساكب كان للصاحب خاتمان نقش أحدهما هذه الكلمات: على الله توكلت * وبالخمس توسلت ونقش الآخر: شفيع إسماعيل في الآخرة * محمد والعترة الطاهرة ذكره الشيخ في المجالس وأشار إليه شيخنا الصدوق في أول (عيون الأخبار)
(2) لم يذكر سيدنا الأمين في أعيان الشيعة من القصيدة إلا هذا البيت. (*)
[62]
الصاحب ومذهبه إن كون الصاحب من علية الشيعة الإمامية مما لا يمتري فيه أي أحد من علماء مذهبه الحق، كما يشهد بذلك شعره الكثير الوافر في أئمة أهل البيت عليهم السلام ونثره المتدفق منه لوايح الولاية والتفضيل وهو يهتف بقوله: فكم قد دعوني رافضيا لحبكم * فلم ينثني عنكم طويل عوائهم وقد نص على مذهبه هذا السيد رضي الدين ابن طاووس في كتاب (اليقين) ومر عن المجلسي الأول أنه من أفقه فقهاء أصحابنا، واقتفى أثره ولده في مقدمات البحار فصرح بأنه كان من الإمامية، وعده القاضي الشهيد في مجالسه من وزراء الشيعة، ويقول شيخنا الحر في أمل الآمل. إنه كان شيعيا إماميا، وعده ابن شهر آشوب في المعالم من شعراء أهل البيت المجاهرين، وشيخنا الشهيد الثاني من أصحابنا، و في (معاهد التنصيص): إنه كان شيعيا جلدا كآل بويه معتزليا، وقبل هذه الشهادات كلها شهادة الشيخين العلمين رئيس المحدثين الصدوق في (عيون أخبار الرضا)، وشيخنا المفيد فيما حكاه عنه ابن حجر في (لسان الميزان) 1 ص 413، ورسالته في أحوال عبد العظيم الحسني المندرجة في خاتمة (المستدرك) 3 ص 614 (1) من جملة الشواهد أيضا، وفي (لسان الميزان) 1 ص 413: كان الصاحب إمامي المذهب و أخطأ من زعم أنه كان معتزليا، وقد قال عبد الجبار القاضي لما تقدم الصلاة عليه: ما أدري كيف أصلي على هذا الرافضي. وعن ابن أبي طي: إن الشيخ المفيد شهد بأن الكتاب الذي نسب إلى الصاحب في الاعتزال وضع على لسانه ونسب إليه وليس هو له. وهناك نقول متهافتة يبطل، بعضها بعضا تفيد اعتناق الصاحب مذهب الاعتزال تارة وتمذهبه بالشافعية أخرى، وبالحنفية طورا، وبالزيدية مرة، وفي القاذفين من
يحمل عليه حقدا يريد تشويه سمعته بكل ما توحي إليه ضغاينه كأبي حيان التوحيدي ومن حكي عنه طرفي نقيض كشيخنا المفيد الذي ذكرنا حكاية ابن حجر عنه بوضع ما نسب إلى الصاحب من الكتاب الذي يدل على الاعتزال، ونقل عنه أيضا نسبته
(1) نقلا عن نسخة بخط بعض بني بابويه مؤرخة بسنة 516.
[63]
إلى جانب الاعتزال. وهذا التهافت في النقل يسقط الثقة بأي النقلين وإن كان النص على تشيعه معتضدا بكلمات العلماء قبله وبعده، والسيد رضي الدين الذي عرفت النص عنه بتشيعه في كتاب (اليقين) فقد نقل عنه حكايته عن الشيخ المفيد وعلم الهدى نسبته إلى الاعتزال، وأنت تعلم أن نصه الأول هو معتقده وهذه حكاية محضة، وقد عرفت حال المحكي عن الشيخ المفيد، وأما السيد المرتضى فالظاهر أن منتزع هذه النسبة إليه هو رده على الصاحب في تعصبه للجاحظ الذي هو من أركان المعتزلة، غير أنا نحتمل أن هذا التعصب كان لأدبه لا لمذهبه كتعصب الشريف الرضي للصابي. وما وقع إلينا في المحكي عن رسالة (الابانة) للصاحب من إنكار النص على أمير المؤمنين عليه السلام فهو حكاية محضة عمن يقول بذلك بل ما في (الابانة) يكفي بمفرده في إثبات كونه إماميا وإليك نص كلامه مشفوعا " بمقاله في (التذكرة) حول الإمامة. قال في (الابانة): زعمت العثمانية وطوائف الناصبية أن أمير المؤمنين عليه السلام مفضول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير فاضل واستدلت بأن أبا بكر وعمر وليا عليه وقالت الشيعة العدلية: فقد ولى النبي عليه السلام عليهما عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فليقولوا: إنه خير منهما، فقالت الشيعة: علي عليه السلام أفضل الناس بعد النبي فلذلك آخى بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر فلم يكن ليختار لنفسه إلا الأفضل، وقد ذكر ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. ثم إنه
لم يستثن إلا النبوة وفيه قال: أللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. وقد قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه: وعاد من عاداه. إلى آخر الدعاء. وبعد: فالفضيلة تستحق بالمسابقة وهو أسبقهم إسلاما وقد قال الله تعالى: السابقون السابقون أولئك المقربون، وبالجهاد وهو لم يغمد حساما، ولم يقصر إقداما، كشاف الكروب، وفراج الخطوب، ومسعر الحروب، وقاتل مرحب، وقالع باب خيبر، وصارع عمرو بن عبد ود، ومن قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. كرارا غير فرار، وقد قال الله تعالى:
[64]
فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. وبالعلم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وأثر ذلك بين لأنه عليه السلام لم يسئل من الصحابة أحدا وقد سألوه، ولم يستفتهم وقد استفتوه، حتى أن عمر يقول: لولا علي لهلك عمر، ويقول: لا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن، وقد قال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. وبالزهد والتقوى والبر والحسنى فإذا كان أعلمهم فهو أتقاهم وقال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء. وبعد: فهو الذي آثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه مخرجا قوته كل ليلة إليهم عند فطره حتى أنزل الله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. فأخبر نبيه وعده عليه الجنة. والحديث طويل وفضله كثير، وهو الذي تصدق بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه: إنما وليكم الله ورسوله. وزعمت طائفة من الشيعة ذاهلة عن تحقيق الاستدلال أن عليا عليه السلام كان في تقية فلذلك ترك الدعوة إلى نفسه. وزعمت أن عليه نصا جليا لا يحتمل التأويل، وقالت العدلية: هذا فاسد، كيف تكون عليه التقية في إقامة الحق وهو سيد بني هاشم ؟ وهذا
سعد بن عبادة نابذ المهاجرين وفارق الأنصار لم يخش مانعا ودافعا وخرج إلى حوران ولم يبايع، ولو جاز خفاء النص الجلي عن الأمة في مثل الإمامة لجاز أن يتكتم صلاة سادسة وشهر يصام فيه غير شهر رمضان فرضا، وكلما أجمع عليه الأمة من أمر الأئمة الذين قاموا بالحق وحكموا بالعدل صواب، وأما من نابذ عليا عليه السلام وحاربه وشهر سيفه في وجهه فخارج عن ولاية الله إلا من تاب بعد ذلك وأصلح إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. ا ه. المراد على ما يفهم من جواب العدلية أن دعوى تقية علي عليه السلام وتركه الدعوة إلى نفسه مع ادعاء النص الجلي عليه زعم فاسد، وإن الاعتقاد بترك الدعوة لا يوافق مع القول بالنص الجلي إذ لو كان لأبان وما ترك الدعوة، والمدعي ذاهل عن تحقيق الاستدلال بما ذكر من الكتاب والسنة فإنه عليه السلام دعا إلى نفسه واحتج بأدلة أوعزت إليها، فنسبة إنكار النص الجلي إلى المترجم بهذه العبارة كما فعله غير واحد في غير محله جدا.
[65]
وقال في ذيل كتابه [التذكرة] ذكر الصاحب رحمه الله في آخر كتاب: (نهج السبيل): إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدل عليه بأن الأفضلية تستحق بالسابقة والعلم والجهاد والزهد فوق جميعهم، فلا شك أنه متقدمهم وغير متأخر عنهم، وقد سبقهم بمنازلة الأقران، وقتل صناديد الكفار وأعلام الضلالة، وهو الذي آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر، و رضيه كفوا لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليهم، ودعا الله أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه، وأخبرنا أنه منه بمنزلة هارون من موسى لفضل فيه، وقال عليه السلام: أللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر، ولا يكون أحبهم إلى الله إلا أفضلهم، وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقال: أنا ما سألت الله شيئا إلا سألت لعلي
مثله حتى سألت له النبوة فقيل: لا ينبغي لأحد من بعدك، ولم يكن يسألها إلا لفضله. ولهذا استثنى النبوة في حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. فصبر على المحن، وثبت على الشدايد، ولم ترده أيام توليته إلا خشونة في الدين، وأكله للجشب (1) ولبسا للخشن، يستقون من علمه، وما يستقي إلا ممن هو أعلم، خير الأولين وخير الآخرين، عهد إليه في الناكثين والقاسطين والمارقين، وقتل بين يديه عمار بن ياسر المشهود له بالجنة لبصيرته في أمره، وشبهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيسى بن مريم عليه السلام كما شبهه بهارون، لا تضرب الأمثال إلا بالأنبياء، وتصدق بخاتمة في ركوعه حتى أنزل فيه: إنما وليكم الله ورسوله. الآية، وآثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه حتى أنزل فيه: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، وقال تعالى: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنا المنذر وأنت يا علي الهادي، وقال تعالى: و تعيها أذن واعية وقال صلى الله عليه وآله وسلم: هي أذن علي عليه السلام وجعله الله في الدنيا فصلا بين الإيمان والنفاق حتى قيل: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا عليه السلام، وأخبر أنه في الآخرة قسيم الجنة والنار، وقال ابن عباس: ما أنزل الله في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي سيدها وأبوها وشريفها، وأعلى من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: علي يعسوب المؤمنين، وله ليلة الفراش حين نام عليه في مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صابرا
(1) جشب الطعام: غلظ.
[66]
على ما كان يتوقع من الذبح صحبة إسحاق ذبيح الله حين صبر على ما ظن أنه نازل به من الذبح، وقال فيه مثل عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، ولا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن. ودهره كله إسلام وزمانه أجمع إيمان، لم يكفر بالله طرفة عين، عاش في نصرة الاسلام حميدا، ومضى لسبيله شهيدا، جعلنا الله ممن آثر المحبة في القربى، وهدانا للتي هي أحسن وأولى، وحسبنا الله منزل الغيث وفاطر النسم (1).
وقد أبان عن مذهبه الحق [الإمامية] في شعره بقوله: بالنص فاعقد إن عقدت يمينا * كل اعتقاد الاختيار رضينا مكن لقول إلهنا تمكينا *: واختار موسى قومه سبعينا وقال في قصيدته البائية التي مرت: لم تعلموا أن الوصي هو الذي * آتي الزكاة وكان في المحراب لم تعلموا أن الوصي هو الذي * حكم (الغدير) له على الأصحاب وله قوله: إن المحبة للوصي فريضة * أعني أمير المؤمنين عليا قد كلف الله البرية كلها * واختاره للمؤمنين وليا وما في (لسان الميزان) من اشتهاره بذلك المذهب (الاعتزال) وإنه كان داعية إليه فيدفعه تخطأته أولا من زعم أنه من معتنقيه، وما نقله عن القاضي عبد الجبار من أنه لما تقدم للصلاة عليه قال: ما أدري كيف أصلي على هذا الرفضي، وما تكرر في شعره من قذف أعدائه له بالرفض، إلا أن يريد ابن حجر الاشتهار المحض دون الحقيقة فليلتئم مع قوله الآخر. والذي أرتأيه ويساعدني فيه الدليل أن الصاحب كغيره من أعلام الإمامية كان يوافق المعتزلة في بعض المسائل كمسألة العدل التي تطابقت آراء الشيعة والمعتزلة فيها على مجابهة الأشاعرة في الجبر واستلزامه تجوير الحق تعالى، وإن افترقا من ناحية أخرى في باب التفويض وأمثال هذه، فقد كان يصعب على الباحث التمييز بين
(1) كل ما ذكره الصاحب من الأحاديث في فضل مولانا أمير المؤمنين ثابت وصحيح عند القوم مبثوث في أجزاء كتابنا بأسانيده، أخرجه بها الحفاظ في الصحاح والمسانيد.
[67]
الفريقين فيرمى كل فريق باسم قسيمه، ومن هنا أتى الصاحب بهذه القذيفة كغيره من
أعلام الطايفة مثل علم الهدى السيد المرتضى وأخيه الشريف الرضي. وأما نسبته إلى الشافعية فيدفعها عزوه إلى الحنفية، ومن أبدع التناقض قول أبي حيان في كتاب [الامتاع ج 1 ص 55] إنه كان يتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية، وأما انتسابه إلى الزيدية فيدفعه تعداده الأئمة عليهم السلام في شعره كقوله: بمحمد ووصيه وابنيهما * الطاهرين وسيد العباد ومحمد وبجعفر بن محمد * وسمي مبعوث بشاطي الوادي وعلي الطوسي ثم محمد * وعلي المسموم ثم الهادي حسن وأتبع بعده بإمامة * للقائم المبعوث بالمرصاد وقوله: بمحمد ووصيه وابنيهما * وبعابد وبباقرين وكاظم ثم الرضا ومحمد ثم ابنه * والعسكري المتقي والقائم أرجو النجاة من المواقف كلها * حتى أصير إلى نعيم دائم وقوله: نبي والوصي وسيدان * وزين العابدين وباقران وموسى والرضا والفاضلان * بهم أرجو خلودي في الجنان وقوله أرجوزة: يا زائرا قد قصد المشاهدا * وقطع الجبال والفدافدا فأبلغ النبي من سلامي * ما لا يبيد مدة الأيام حتى إذا عدت لأرض الكوفة * البلدة الطاهرة المعروفة وصرت في الغري في خير وطن * سلم على خير الورى أبي الحسن ثمة سر نحو بقيع الغرفد * مسلما على أبي محمد
وعد إلى الطف بكربلاء * أهد سلامي أحسن الاهداء لخير من قد ضمه الصعيد * ذاك الحسين السيد الشهيد
[68]
واجنب إلى الصحراء بالبقيع * فثم أرض الشرف الرفيع هناك زين العابدين الأزهر * وباقر العلم وثم جعفر أبلغهم عني السلام راهنا * قد ملأ البلاد والمواطنا واجنب إلى بغداد بعد العيسا * مسلما على الزكي موسى واعجل إلى طوس على أهدى سكن * مبلغا تحيتي أبا الحسن وعد لبغداد بطير أسعد * سلم على كنز التقى محمد وأرض سامراء أرض العسكر * سلم على علي ن المطهر والحسن الرضي في أحواله * من منبع العلوم في أقواله فإنهم دون الأنام مفزعي * ومن إليهم كل يوم مرجعي وله أرجوزة أخرى يعد فيها الأئمة الهداة ويسميهم. م - وقصيدة في الإمام أبي الحسن الرضا ثامن الحجج صلوات الله عليهم، تذكر في مقدمة (عيون الأخبار) لشيخنا الصدوق، وقصيدة أخرى فيه عليه السلام أيضا ألا وهي، يا زائرا قد نهضا * مبتدرا قد ركضا وقد مضى كأنه * البرق إذا ما أومضا أبلغ سلامي زاكيا * بطوس مولاي الرضا سبط النبي المصطفى * وابن الوصي المرتضى 5 من حاز عزا أقعسا * وشاد مجدا أبيضا وقل له عن مخلص * يرى الولا مفترضا: في الصدر نفح حرقة * تترك قلبي حرضا
من ناصبين غادروا * قلب الموالي ممرضا صرحت عنهم معرضا * ولم أكن معرضا 10 نابذتهم ولم أبل * إن قيل: قد ترفضا يا حبذا رفضي لمن * نابذكم وأبغضا ولو قدرت زرته * ولو على جمر الغضا لكنني معتقل * بقيد خطب عرضا
[69]
جعلت مدحي بدلا * من قصده وعوضا أمانة مورده * على الرضا ليرتضى 15 رام بن عباد بها * شفاعة لن تدحضا نوادر فيها المكارم 1 - يحكى أن الصاحب استدعى في بعض الأيام شرابا فأحضروا قدحا فلما أراد أن يشربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم - وكان الغلام الذي ناوله واقفا - فقال للمحذر: ما الشاهد على صحة قولك ؟ فقال: تجربه في الذي ناولك إياه. قال: لا أستجيز ذلك ولا استحله. قال: فجر به في دجاجة قال: التمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح وأمر بقلبه، وقال: للغلام انصرف عني ولا تدخل داري، وأمر بإقرار جارية وجرايته عليه، وقال لا يدفع اليقين بالشك، والعقوبة بقطع الرزق نذالة. 2 - كتب إليه بعض العلويين يخبره بأنه قد رزق مولودا ويسأله أن يسميه ويكنيه فوقع في رقعته: أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد والله ملأ العين قرة، و النفس مسرة مستقرة، والاسم علي ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإني أرجو له فضل جده، وسعادة جده، وقد بعثت لتعويذه دينارا من مائة
مثقال، قصدت به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الأبرز من نوب الأيام، والسلام. 3 - كتب بعض أصحاب الصاحب إليه رقعة في حاجة فوقع فيها، ولما ردت إليه لم ير فيها توقيعا، وقد تواترت الأخبار بوقوع التوقيع فيها، فعرضها على أبي العباس الضبي فم أزال يتصفحها حتى عثر بالتوقيع وهو ألف واحدة، وكان في الرقعة: فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا ؟ فعل. فأثبت الصاحب أمام (فعل) ألفا يعني: أفعل. 4 - كتب الصاحب إلى أبي هاشم العلوي وقد أهدى إليه في طبق فضة عطرا: العبد زارك نازلا برواقكا * يستنبط الاشراق من إشراقكا فاقبل من الطيب الذي أهديته * ما يسرق العطار من أخلاقكا والظرف يوجب أخذه مع ظرفه * فأضف به طبقا إلى أطباقكا
[70]
5 - نظر أبو القاسم الزعفراني يوما إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملونة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا فسأل الصاحب عنه، فقيل: إنه في مجلس كذا يكتب. فقال: علي به. فاستهل الزعفراني ريثما يكمل مكتوبه فأعجله الصاحب، وأمر بأن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله الصاحب. اسمعه ممن قاله تزدد به * عجبا فحسن الورد في أغصانه قال: هات يا أبا القاسم. فأنشده أبياتا منها: سواك يعد الغنى ما اقتنى * ويأمره الحرص أن يخزنا وأنت ابن عباد ن المرتجى * تعد نوالك نيل المنى وخيرك من باسط كفه * وممن ثناها قريب الجنى غمرت الورى بصنوف الندى * فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما * وأشكرهم عاجزا الكنا أيا من عطاياه تهدي الغنى * إلى راحتي من نأى أو دنا كسوت المقيمين والزائرين * كسى لم يخل مثلها ممكنا وحاشية الدار يمشون في * ضروب من الخز إلا أنا ولست أذكر لي جاريا * على العهد يحسن أن يحسنا فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة: أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة، وقميص. ودراعة. وسراويل وعمامة. ومنديل. ومطرف. ورداء. وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بإدخاله الخزانة، وصب تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه. 6 - كتب أبو حفص الوراق الاصبهاني إلى الصاحب: لولا أن الذكرى أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين: وهزة الصمصام تعين المصلتين لما ذكرت ذاكرا، ولا هززت ماضيا، ولكن ذا الحاجة لضرورته يستعجل النجح،
[71]
ويكد الجواد السمح، وحال عبد مولانا أدام الله تأييده في الحنطة مختلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، ولم يشد رحله ؟ فعل إن شاء الله تعالى، فوقع الصاحب فيه: أحسنت أبا حفص قولا، وسنحسن فعلا، فبشر جرذان دارك بالخصب: و أمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع إن شاء الله تعالى. 7 - عن أبي الحسن العلوي الهمداني الشهير بالوصي إنه قال: لما توجهت
تلقاء الري في سفارتي إليها من جهة السلطان فكرت في كلام ألقى به الصاحب، فلم يحضرني ما أرضاه، حين استقبلني في العسكر، وأفضى عناني إلى عنانه جرى على لساني: (ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم). فقال: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندوني، ثم قال: مرحبا بالرسول ابن الرسول، الوصي ابن الوصي. 8 - مرض الصاحب في الأهواز بإسهال فكان إذا قام عن الطست ترك إلى جانبه عشرة دنانير، حتى لا يتبرم به الخدم، فكانوا يودون دوام علته، ولما عوفي تصدق بنحو من خمسين ألف دينار. 9 - في (اليتيمة) عن أبي نصر ابن المرزبان إنه قال: كان الصاحب إذا شرب ماء بثلج أنشد على أثره: قعقعة الثلج بماء عذب * تستخرج الحمد من أقصى القلب ثم يقول: أللهم جدد اللعن على يزيد. 10 - في (معجم الأدباء) كان ابن الحضيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عينه ليلة فنام وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني: يا بن الحضيري لا تذهب على خجل * لحادث كان مثل الناي والعود فإنها الريح لا تسطيع تحبسها * إذ لست أنت سليمان بن داود
[72]
غرر كلم للصاحب تجري مجرى الأمثال من استماح البحر العذب، استخرج اللؤلؤ الرطب. من طالت يده بالمواهب، إمتدت إليه ألسنة المطالب. من كفر النعمة، استوجب النقمة.
من نبت لحمه على الحرام، لم يحصده غير الحسام. من غرته أيام السلامة، حدثته ألسن الندامة. من لم يهزه يسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة. رب لطائف أقوال، تنوب عن وظائف أموال. الصدر يطفح بما جمعه، وكل إناء مؤد ما أودعه. اللبيب تكفيه اللمحة، وتغنيه اللحظة عن اللفظة. الشمس قد تغيب ثم تشرق، والروض قد يذبل ثم يورق. البدر يأفل ثم يطلع، والسيف ينبو ثم يقطع. العلم بالتذاكر، والجهل بالتناكر. إذا تكرر الكلام على السمع، تقرر في القلب. الضمائر الصحاح أبلغ من الألسنة الفصاح. الشيئ يحسن في إبانه، كما أن الثمر يستطاب في أوانه. الآمال ممدودة، والعواري مردودة. الذكرى ناجعة، وكما قال الله تعالى نافعة. متن السيف لين، ولكن حده خشن، ومتن الحية ألين، ونابها أخشن عقد المنن في الرقاب لا يبلغ إلا بركوب الصعاب. بعض الحلم مذلة، وبعض الاستقامة مزلة. كتاب المرء عنوان علقه، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه.
[73]
إنجاز الوعد من دلائل المجد واعتراض المطل من إمارات البخل، وتأخير الاسعاف من قرائن الأخلاف. خير البر ما صفا وضفا، وشره ما تأخر وتكدر.
فراسة الكريم لا تبطي، وقيافة الشر لا تخطي. قد ينبح الكلب القمر ؟ فليلقم النابح الحجر. كم متورط في عثار رجاء أن يدرك بثار. بعض الوعد كنقع الشراب، وبعضه كلمع السراب. قد يبلغ الكلام حيث تقصر السهام. ربما كان الاقرار بالقصور أنطق من لسان الشكور. ربما كان الامساك عن الاطالة أوضح في الابانة والدلالة. لكل امرئ أمل، ولكل وقت عمل. إن نفع القول الجميل، والأنفع السيف الصقيل. شجاع ولا كعمرو، مندوب ولا كصخر. لا يذهبن عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، والنسور والبغاث. كفران النعم عنوان النقم. جحد الصنائع داعية القوارع. تلقي الاحسان بالجحود تعريض النعم للشرود. قد يقوى الضعيف، ويصحو النزيف، ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد. للصدر نفثة إذا أحرج، وللمرء بثة إذا أحوج. ما كل امرء يستجب للمراد، ويطيع يد الارتياد. قد يصلي البرئ بالقسيم، ويؤخذ البر بالأثيم. ما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم مزن يسقاه. وقد أكثر الثعالبي في ذكر أمثال هذه الكلم الحكمية في (يتيمة الدهر) و ذكرها برمتها سيدنا الأمين في (أعيان الشيعة). هذا مثال الشيعة وهذه أمثلته، هذا وزير الشيعة وهذه حكمه، هذا فقيه
[74]
الشيعة وهذا أدبه، هذا عالم الشيعة وهذه كلمه، هذا متكلم الشيعة وهذا مقاله، هؤلاء رجال الشيعة وهذه مآثرهم وآثارهم، هكذا فليكن شيعة آل الله وإلا فلا. وفاته توفي الصاحب ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة 385 بالري ولما توفي عطلت المدينة وأسواقها، واجتمع الناس على باب قصره، وينتظرون خروج جنازته، وحضر فخر الدولة وسائر القواد، وقد غيروا بزاتهم، فلما خرج نعشه من الباب على أكتاف حامليه للصلاة عليه قام الناس بأجمعهم إعظاما، وصاحوا صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، وخرقوا ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء و النحيب عليه جهدهم، وصلى عليه أبو العباس الضبي، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة وقعد في بيته للعزاء أياما، وبعد الصلاة عليه علق نعشه بالسلاسل في بيت إلى أن نقل إلى إصفهان فدفن في قبة هناك تعرف بباب درية (1) قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض. وقال السيد في (روضات الجنات) قلت: بل وهي عامرة إلى الآن، وكان أصابها تشعث وانهدام فأمر الإمام العلامة محمد إبراهيم الكرباسي في هذه الأيام بتجديد عمارتها، ولا يدع زيارتها مع ما به من العجز في الأسبوع والشهر والشهرين، وتدعى في زماننا بباب الطوقچي والميدان العتيق، و الناس يتبركون بزيارته، ويطلبون عند قبره الحوائج من الله تعالى. قال الثعالبي في (اليتيمة): لما كنى المنجمون عما يعرض عليه له في سنة موته قال الصاحب: يا مالك الأرواح والأجسام * وخالق النجوم والأحكام مدبر الضياء والظلام * لا المشترى أرجوه للانعام ولا أخاف الضر من بهرام * وإنما النجوم كالأعلام
والعلم عند الملك العلام * يا رب فاحفظني من الأسقام ووقني حوادث الأيام * وهجنة الأوزار والآثام
(1) بفتح الدال المهملة وكسر الراء كذا ضبطها السيد في أعيان الشيعة، وتجدها في (اليتيمة) وغيرها بالذال المجمعة كما يأتي بعيد هذا في شعر أبي منصور اللجيمي.
[75]
هبني لحب المصطفى المعتام * وصنوه وآله الكرام ورثي الصاحب بقصايد كثيرة منها نونية أبي منصور أحمد بن محمد اللجيمي منها (1): أكافينا العظيم إذا وردنا * ومولانا الجسيم إذا فقدنا أردنا منك ما أبت الليالي * فأبطل ما أرادت ما أردنا شققت عليك جيبي غير راض * به لك فاتخذت الوجد خدنا ولو أني قتلت عليك نفسي * لكان إلى قضاء الحق أدنى أفدنا شرح أمر فيه لبس * فإنا صائبا كنا استفدنا ألم تلك منصفا عدلا ؟ فأني * عمرت حفيرة وقلبت مدنا وكيف تركت هذا الخلق حالت * خلائقهم فليس كما عهدنا ؟ ! تملكنا اللئام وصيرونا * عبيدا بعد ما كنا عبدنا لئن بلغت رزيته قلوبا * فذبن أو أعينا منا فجدنا لما بلغت حقائقها ولكن * على الأيام نعرف من فقدنا وله في رثائه من قصيدة (2): مضى من إذا ما أعوز العلم والندى * أصيبا جميعا من يديه وفيه مضى من إذا أفكرت في الخلق كلهم * رجعت ولم أظفر له بشبيه ثوى الجود والكافي معا في حفيرة * ليأنس كل منهما بأخيه
هما اصطحبا حيين ثم تعانقا * ضجيعين في قبر بباب ذريه قد يعزى بعض هذه الأبيات إلى أبي القاسم بن أبي العلاء الاصبهاني مع حكاية طيف عنه. ومنها نونية أبي القاسم بن أبي العلاء الاصفهاني ذكر منها الثعالبي في (يتيمة الدهر) ج 3 ص 263 قوله: يا كافي الملك ما وفيت حظك من * وصف وإن طال تمجيد وتأبين
(1) يتيمة الدهر ج 4 ص 375. (2) يتيمة الدهر ج 4 ص 375.
[76]
فقت الصفات فما يرثيك من أحد * إلا وتزيينه إياك تهجين ما مت وحدك لكن مات من ولدت * حواء طرا بل الدنيا بل الدين هذي نواعي العلا مذ مت نادبة * من بعد ما ندبتك الخرد العين تبكي عليك العطايا والصلات كما * تبكي عليك الرعايا والسلاطين قام السعاة وكان الخوف أقعدهم * فاستيقظوا بعد ما مت الملاعين لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا * مضى سليمان وانحل الشياطين ومنها دالية أبي الفرج بن ميسرة ذكر منها الثعالبي في [اليتيمة] ج 3 ص 254 قوله: ولو قبل الفداء لكان يفدى * وإن حل المصاب على التفادي ولكن المنون لها عيون * تكد لحاظها في الانتقاد فقل للدهر: أنت أصبت فالبس * برغمك دوننا ثوبي حداد إذا قدمت خاتمة الرزايا * فقد عرضت سوقك للكساد ومنها دالية لأبي سعيد الرستمي ذكر الثعالبي منها قوله:
أبعد ابن عباس يهش إلى السرى * أخو أمل أو يستماح جواد ؟ ! أبى الله إلا أن يموتا بموته * فما لهما حتى المعاد معاد ومنها لأمية أبي الفياض سعيد بن أحمد الطبري ذكرها الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 254. خليلي كيف يقبلك المقيل ؟ * ودهرك لا يقيل ولا يقيل ينادي كل يوم في بنيه *: ألا هبوا فقد جد الرحيل وهم رجلان منتظر غفول * ومبتدر إذا يدعى عجول كأن مثال من يفنى ويبقى * رعيل سوف يتلوه رعيل 5 فهم ركب وليس لهم ركاب * وهم سفر وليس لهم قفول تدور عليهم كأس المنايا * كما دارت على الشرب الشمول ويحدوهم إلى الميعاد حاد * ولكن ليس يقدمهم دليل ألم تر من مضى من أولينا * وغالتهم من الأيام غول
[77]
قد احتالوا فما دفع الحويل * وأعولنا فما نفع العويل ؟ ! ؟ ! كذاك الدهر أعمار تزول * وأحوال تحول ولا تؤول 10 لنا منه وإن عفنا وخفنا * رسول لا يصاب لديه سول وقد وضح السبيل فما لخلق * إلى تبديله أبدا سبيل لعمرك إنه أمد قصير * ولكن دونه أمد طويل أرى الاسلام أسلمه بنوه * وأسلمهم إلى وله يهول أرى شمس النهار تكاد تخبو * كأن شعاعها طرف كليل 15 أرى القمر المنير بدا ضئيلا * بلا نور فأضناه النحول أرى زهر النجوم محدقات * كأن سراتها عور وحول
أرى وجه الزمان وكل وجه * به مما يكابده فلول أرى شم الجبال لها وجيب * تكاد تذوب منه أو تزول وهذا الجو أكلف مقشعر * كأن الجو من كمد عليل 20 وهذي الريح أطيبها سموم * إذا هبت وأعذبها بليل وللسحب الغزار بكل فج * دموع لا يزار بها المحول نعى الناعي إلى الدنيا فتاها * أمين الله فالدنيا ثكول نعى كافي الكفاة فكل حر * عزيز بعد مصرعه دليل نعى كهف العفاة فكل عين * بما تقذي العيون به كحيل 25 كأن نسيم تربته سحيرا * نسيم الروض تقبله القبول إذا وافى أنوف الركب قالوا *: سحيق المسك أم ترب مهيل ؟ ! آيا قمر المكارم والمعالي * أبن لي كيف عاجلك الأفول ؟ ! أبن لي كيف هالك ما يهول * وغالك بعد عزك ما يغول ؟ ! ؟ ! ويا من ساس أشتات البريا * وألجم من يقول ومن يصول 30 أدلت على الليالي من شكاها * وقد جارت عليك فمن يديل بكاك الدين والدنيا جميعا * وأهلهما كما يبكى الحمول بكتك البيض والسمر المواضي * وكنت تعولها فيمن تعول
[78]
بكتك الخيل معولة ولكن * بكاها حين تندبك الصهيل 35 قلوب العالمين عليك قلب * وحظك من بكائهم قليل ولي قلب لصاحبه وفي * يسيل وتحته روح تسيل إذا نظمت يدي في الطرس بيتا * محاه منه منتظم هطول فإن يك رك شعري من ذهولي * فذلك بعض ما يجني الذهول
كتبت بما بكيت لأن دمعي * عليك الدهر فياض همول 40 وكنت أعد من روحي فداء * لروحك إن أريد لها بديل أأحيا بعده وأقر عينا * حياتي بعده هدر غلول حياتي بعده موت وحي * وعيشي بعده سم قتول عليك صلاة ربك كل حين * تهب بها من الخلد القبول ومنها ميمية أبي القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني يقول فيها: (1) مضى نجل عباد المرتجى * فمات جميع بني آدم أوارى بقبرك أهل الزمان * فيرجح قبرك بالعالم وله من قصيدة أخرى في رثاء الصاحب يقول فيها: هي نفس فرقتها زفراتي * ودماء أرقتها عبراتي لشباب عذب المشارع ماض * ومشيب جذب المراتع آت زمن أذرت الجفون عليه * من شؤوني ما كان ذوب حياتي تتلاقى من ذكره في ضلوعي * ودموعي مصايف ومشاتي جاد تلك العهود كل أجش الودق * ثر الاخلاف جون السرات بل ندى الصاحب الجليل أبي القاسم * نجل الأمير كافي الكفاة تتبارى كلتا يديه عطايا * ومنايا حتما لعاف وعات ضامنا سيبه لغنم مفاد * موذنا سيفه بروح مفات وارتياح يريك في كل عطف * ألف ألف كطلحة الطلحات ويد لا تزال تحت شكور * لاثم ظهرها وفوق دواة
(1) تتميم يتيمة الدهر ج 1 ص 120.
[79]
ومنها تائية رثاه بها صهره السيد أبو الحسن علي بن الحسين الحسني
أولها (1). ألا إنها أيدي المكارم شلت * ونفس المعالي إثر فقدك سلت حرام على الظلماء إن هي قوضت * (2) وحجر على شمس الضحى أن تجلت لتبك على كافي الكفاة مآثر * تباهي النجوم الزهر في حيث حلت لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت * كما عظمت منه العطايا وجلت ألا هل أتى الآفاق آية غمة * أطلت ؟ ! ونعمي أي دهر تولت ؟ ! وهل تعلم الغبراء ماذا تضمنت * وأعواد ذاك النعش ماذا أفلت ؟ ! ؟ ! فلا أبصرت عيني تهلل بارق * يحاكي ندى كفيك إلا استهلت ولو قبلت أرواحنا عنك فدية * لجدنا بها عند الفداء وقلت وقال السيد أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني المعروف بالوصي الهمداني المترجم في يتيمة الدهر في رثائه: مات الموالي والمحب * لأهل بيت أبي تراب قد كان كالجبل المنيع * لهم فصار مع التراب (3) وله في رثائه: نوم العيون على الجفون حرام * ودموعهن مع الدماء سجام تبكي الوزير سليل عباد العلا * والدين والقرآن والاسلام تبكيه مكة والمشاعر كلها * وحجيجها والنسك والاحرام تبكيه طيبة والرسول ومن بها * وعقيقها والسهل والأعلام كافي الكفاة قضى حميدا نحبه * ذاك الإمام السيد الضرغام مات المعالي والعلوم بموته * فعلى المعالي والعلوم سلام ورثاه سيدنا الشريف الرضي [الآتي ذكره في شعراء القرن الخامس] بقصيدة
(1) ذكرها له الحموي في معجم الأدباء والسيد في (الدرجات الرفيعة) (2) الحجر المنع.
(3) ذكرهما له في ترجمته الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 260.
[80]
شرحها أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى 392 في مجلد واحد كما ذكره الحموي في (معجم الأدباء) 5 ص 31، ولنشر القصيدة في ديوان ناظمه الشريف وفي غير واحد من المعاجم نضرب عنها صفحا أولها: أكذا المنون يقطر الأبطالا ؟ ! * أكذا الزمان يضعضع الأجيالا ؟ ! أكذا تصاب الأسد وهي مدلة * تحمي الشبول وتمنع الأغيالا ؟ ! أكذا تقام على الفرائس بعدما * ملأت هماهمها الورى أوجالا ؟ ! أكذا تحط الزاهرات عن العلى * من بعد ما شأت العيون منالا ؟ ! [القصيدة 112 بيتا] ومر أبو العباس الضبي بباب الصاحب بعد وفاته فقال: أيها الباب لم علاك اكتئاب ؟ ! * أين ذاك الحجاب والحجاب ؟ ! أين من كان يفزع الدهر منه ؟ ! * فهو اليوم في التراب تراب لا يذهب على القارئ أن استدلال مثل الصاحب أحد عمد مراجع اللغة والأدب على أفضلية أمير المؤمنين نظما ونثرا بحديث (الغدير) حجة قوية على صحة إرادة معنى للمولى لا يبارح الإمامة والخلافة كما أراد هو. مصادر ترجمة الصاحب يتيمة الدهر 3 ص 169 - 267 فهرست ابن النديم ص 194 أنساب السمعاني. معالم العلماء محاسن إصبهان للمافروخي الاصبهاني نزهة الألباء في طبقات الأدباء كامل ابن الأثير 9 ص 37 معجم الأدباء 6 ص 168 - 317 المنتظم لابن الجوزي 7 ص 179 تجارب السلف لابن سنجر ص 243 تاريخ ابن خلكان 1 ص 78
مرآة الجنان لليافعي 2 ص 441 تاريخ ابن كثير 11 ص 314 شرح دراية الحديث للشهيد نهاية الأرب 3 ص 108 شذرات الذهب 3 ص 113 معاهد التنصيص 2 ص 162 بغية الوعاة للسيوطي ص 196 مجالس المؤمنين للقاضي ص 324 بحار الأنوار ج 10 ص 264 - 7 الدرجات الرفيعة للسيد علي خان
[81]
أمل الآمل لشيخنا الحر العاملي لسان الميزان لابن حجر 1 ص 413 تكملة الأمل للشيخ عبد النبي الكاظمي منتهى المقال لأبي علي ص 56 روضات الجنات تنقيح المقال لشيخنا المامقاني 1 ص 135 أعيان الشيعة 12 في 240 صحيفة سفينة البحار للقمي 2 ص 13 الكنى والألقاب 2 ص 365 - 71 الطليعة في شعراء الشيعة ج 1 قال الحموي في (معجم البلدان) 6 ص 8: ذكرت أخباره مستقصاة في أخبار مردويه. ولأبي حيان التوحيدي المتوفى 380 رسالة [مثالب الوزيرين] ألفها في تعيير المترجم الصاحب وأبي الفضل ابن العميد نشرت في [الامتاع والمؤانسة] 1 ص 53 - 67 وقد سلب عنهما مالهما من المآثر والفضائل، وبالغ في التعصب عليهما، وجاء بأمر خداج، وأتى بمنكر من قول وزور، وفاحشة مبينة، وما أنصف وما أبر بإجماع المؤرخين، ولهتيكته هذه أسباب تجد ذكرها في أعيان الشيعة وغيره.
[82]
القرن الرابع (26) الجوهري الجرجاني المتوفى حدود 380
أما أخذت عليكم إذ نزلت بكم * (غدير خم) عقودا بعد أيمان ؟ ! وقد جذبت بضبعي خير من وطي * البطحاء من مضر العليا وعدنان وقلت والله يأبى أن اقصر أو * أعف المسألة عن شرح وتبيان: هذا علي مولى من بعثت له * مولى وطابق سري فيه إعلاني هذا ابن عمي ووالي منبري وأخي * ووارثي دون أصحابي وإخواني محل هذا إذا قايست من بدني * محل هارون من موسى بن عمران (1) وله في (المناقب) لابن شهر آشوب ج 2 ص 203 قوله: و (غدير خم) ليس ينكر فضله * إلا زنيم فاجر كفار من ذا عليه الشمس بعد مغيبها * ردت ببابل ؟ فاستبن يا حار وعليه قد ردت ليوم المصطفى * يوما وفي هذا جرت أخبار حاز الفضايل والمناقب كلها * أنى تحيط بمدحه الأشعار ؟ ! * (الشاعر) * أبو الحسن علي بن أحمد الجرجاني ويعرف بالجوهري كما ذكر ذلك في غير مورد من شعره، مقياس من مقاييس الأدب، وأحد أعضاد العربية، ومن المفلقين في صاغة القريض، كان من صنائع الوزير الصاحب ابن عباد وندمائه وشعرائه، تعاطى صناعة الشعر في ريعان من عمره وأوليات أمره، وكان يرمي إلى المغازي البعيدة بلفظ قريب، وترتيب سهل، وكان في إعطاء المحاسن إياه زمامها كما قيل:
(1) مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 532 طبع ايران، والصراط المستقيم للبياضي العاملي.
[83]
جذع يبن على المذاكي القرح (2). وكان الصاحب يعجب به أشد الاعجاب، ويروقه مستحسن شعره المجانس لحسن روائه، ومناسبة روحه وشمائله خفة وظرفا، وقد اصطنعه لنفسه واختاره للسفارة
بينه وبين العمال والأمراء فكان يمثله في رسالاته أحسن تمثيل، فيملأ العيون جمالا، والقلوب كمالا، وقد أطراه أبلغ إطراء فيما كتبه إلى أبي العباس الضبي [أحد شعراء الغدير] بإصبهان واستحثه على إكرامه وجلب مراضيه والكتاب مذكور في (اليتيمة) ج 4 ص 26 وها نحن نأخذ منه لبابه قال: فإن يقل مولاي: من ذا الذي هذا خطبه وهذه خطته ؟ ! أقل: من فضله برهان حق، وشعره لسان صدق، و من أطبق أهل جلدته على أنه معجزة بلدته، فلا يعد لجرجان بعيدا ولا قريبا، أو لأختها طبرستان قديما ولا حديثا مثله، ومن أخذ برقاب النظم أخذه، وملك رق القوافي ملكه، ذاك على اقتبال شبابه وريعان عمره، وقبل أن تحدثه الآداب، وقبل جري المذكيات غلاب - أبو الحسن الجوهري - أيده الله، وبناؤه منذ حين وخصوصه بي كالصبح المبين، إلا أن لمشاهدة الحاضر ومعاينة الناظر، مزية لا يستقصيها الخبر، وإن امتد نفسه وطال عنانه ومرسه، وقد ألف إلى هذه الفضيلة التي فرع بينها، وأوفى على ذوي التجربة والتقدمة فيها نفاذا في أدب الخدمة، ومعرفة بحق الندام والعشرة، و قبولا يملأ به مجلس الحفلة، إنصاتا للمتبوع إلا إذا وجب القول، وإعظاما للمخدوم إلا إذا خرج الأمر، وظرفا يشحن مجلس الخلوة، وحديثا يسكت به العناد، ويطاول البلابل، فإن اتفق أن يفسح له الفارسية نظما ونثرا طفح آذيه، وسال آتيه، فالسنة أهل مصره إلا الأفراد بروق إذا وطئوا أعقاب العجم، وقيود إذا تعاطوا لغات العرب، حتى أن الأديب منهم المقدم والعليم المسوم يتلعثم إذا حاضر بمنطقه كأنه لم يدر من عدنان، ولم يسمع من قحطان، ومن فضول أخينا أو فضله أنه يدعي الكتابة، ويدارس البلاغة، ويمارس الانشاء، ويهذي فيه ما شاء، وكنت أخرجته إلى ناصر الدولة أبي
(2) الجذع بالحركتين: صغير البهائم والشاب الحديث. بين من أبن بالمكان: أقام به وثبت ولزم: المذاكي ج المذكي، من الخيل ما تم سنه وكملت قوته. القرح ج القارح هو من ذي الحافر الذي شق نابه وطلع. (*)
[84]
الحسن محمد بن إبراهيم فوفق التوفيق كله صيانة لنفسه، وأمانة في ودائع لسانه و يده، وإظهارا لنسك لم أعهده في مسكه، حتى خرج وسلم على نقده، وإن نقده لشديد لمثله، ومولاي يجريه بحضرته مجراه بحضرتي، فطعامه ومنامه وقعوده وقيامه إما بين يدي، أو بأقرب المجالس لدي، ولا يقولن: هذا أديب وشاعر، أو وافد و زائر، بل يحسبه قد تخفف بين يديه أعواما وأحقابا، وقضى في التصرف لديه صبا و شبابا، وهذا إنما يحتاج إلى وسيط وشفيع ما لم ينشر بزه، ولم يظهر طرزه، و إلا فسيكون بعد شفيع من سواه، ووسيط من عداه، فهناك يحمد الله درقه وحدقه، و وجنة مطرفة، وما أكثر ما يفاخرنا بمناظر جرجان وصحاريها ورفارفها وحواشيها فليملأ مولاي عينه من منتزهات إصبهان، فعسى طماحه أن يخف وجماحه أن يقل. والثعالبي لم يئل جهدا في الثناء عليه وقال: عهدي به وقد ورد نيسابور رسولا إلى الأمير أبي الحسن في سنة سبع وسبعين وثلثمائة، وذكر نبذا راقية من شعره في مجلدات (اليتيمة)، وترجمه صاحب (رياض العلماء) ووصف فضله وشعره، ومن قوله، في رثاء الإمام السبط الشهيد عليه السلام: وجدي بكوفان ما وجدي بكوفان * تهمي عليه ضلوعي قبل أجفاني أرض إذا نفخت ريح العراق بها * أتت بشاشتها أقصى خراسان ومن قتيل بأعلى كربلاء على جهد * الصدى فتراه غير صديان وذي صفائح يستسقى البقيع به * ري الجوانح من روح ورضوان 5 هذا قسيم رسول الله من ادم * قدا معا مثل ما قد الشراكان وذاك سبطا رسول الله جدهما * وجه الهدى وهما في الوجه عينان واخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم * مضر جين نشاوى من دم قان يقول: يا أمة حف الضلال بها * واستبدلت للعمى كفرا بإيمان
ماذا جنيت عليكم إذ أتيتكم * بخير ما جاء من آي وفرقان ؟ ! 10 ألم أجركم وأنتم في ضلالتكم * على شفا حفرة من حر نيران ؟ ! ألم أؤلف قلوبا منكم فرقا * مثارة بين أحقاد وأضغان ؟ ! أما تركت كتاب الله بينكم * وآية العز في جمع وقرآن ؟ !
[85]
ألم أكن فيكم غوثا لمضطهد ؟ ! * ألم أكن فيكم ماء لظمآن ؟ ! قتلتموا ولدي صبرا على ضمأ * هذا وترجون عند الحوض إحساني 15 سبيتم ثكلتكم أمهاتكم * بني البتول وهم لحمي وجثماني مزقتم ونكثتم عهد والدهم * وقد قطعتم بذاك النكث أقراني يا رب خذلي منهم إذ هم ظلموا * كرام رهطي وراموا هدم بنياني ماذا تجيبون والزهراء خصمكم * والحاكم الله للمظلوم والجاني ؟ ! أهل الكساء صلاة الله ما نزلت * عليكم الدهر من مثنى ووحدان 20 أنتم نجوم بني حوا ما طلعت * شمس النهار وما لاح السما كان ما زلت منكم على شوق يهيجني * والدهر يأمرني فيه. ينهاني حتى أتيتك والتوحيد راحلتي * والعدل زادي وتقوى الله إمكاني هذي حقايق لفظ كلما برقت * ردت بلألئها أبصار عميان هي الحلي لبني طه وعترتهم * هي الردى لبني حرب ومروان 25 هي الجواهر جاء [الجوهري] بها * محبة لكم من أرض جرجان وله قصيدة يرثي بها الإمام الشهيد قتيل الطف عليه السلام في يوم عاشوراء ذكرها له الخوارزمي في مقتله، وابن شهر آشوب في مناقبه، والعلامة المجلسي في المجلد العاشر من البحار: يا أهل عاشور يا لهفي على الدين * خذوا حدادكم يا آل ياسين
اليوم شقق جيب الدين وانتهبت * بنات أحمد نهب الروم والصين اليوم قام بأعلى الطف نادبهم * يقول: من ليتيم أو لمسكين ؟ ! اليوم خضب جيب المصطفى بدم * أمسى عبير نحور الحور والعين اليوم خر نجوم الفخر من مضر * على مناخر تذليل وتوهين اليوم أطفئ نور الله متقدا * وجررت لهم التقوى على الطين اليوم هتك أسباب الهدى مزقا * وبرقعت غرة الاسلام بالهون اليوم زعزع قدس من جوانبه * وطاح بالخيل ساحات الميادين اليوم نال بنو حرب طوايلها * مما صلوه ببدر ثم صفين
[86]
10 اليوم جدل سبط المصطفى شرقا * من نفسه بنجيع غير مسنون زادوا عليه بحسب الماء غلته * تبا لرأي فريق منه مغبون نالوا أزمة دنياهم ببغيهم * فليتهم سمحوا منها بماعون حتى يصيح بقنسرين (1) راهبها * يا فرقة الغي يا حزب الشياطين أتهزون برأس بات منتصبا * على القناة بدين الله يوصيني ؟ ! 15 آمنت ويحكم بالله مهتديا * وبالنبي وحب المرتضى ديني فجدلوه صريعا فوق جبهته * وقسموه بأطراف السكاكين وأوقروا صهوات الخيل من إحن * على أساراهم فعل الفراعين مصعدين على أقتاب أرحلهم * محمولة بين مضروب ومطعون أطفال فاطمة الزهراء قد فطموا * من الثدي بأنياب الثعابين 20 يا أمة ولي الشيطان رايتها * ومكن الغي منها كل تمكين ما المرتضى وبنوه من معاوية * ولا الفواطم من هند وميسون آل الرسول عباديد السيوف فمن * هام على وجهه خوفا ومسجون
يا عين لا تدعي شيئا لغادية * تهمي ولا تدعي دمعا لمحزون قومي علي جدث بالطف فانتقضي * بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون 25 يا آل أحمد إن (الجوهري) لكم * سيف يقطع عنكم كل موصون وذكر له الثعالبي كثيرا من شعره في (اليتيمة) 4 ص 29 - 41 ومما ذكر له من قصيدة في شريف حسني قوله: لا عتب إن بذلت عيني بما أجد * فقد بكى لي عوادي لما عهدوا لو أن لي جسدا يقوى لطفت به * على العزاء ولكن ليس لي جسد تبعتهم بذماء كان يمسكه * تعلل بخيال كلما بعدوا يا ليلة غمضت عني كواكبها * ترفقي بجفون غمضها رمد 5 أهوى الصباح وما لي فيه منتصف * من الظلام ولكن طالما أجد لو أن لي أمدا في الشوق أبلغه * صبرت عنك ولكن ليس لي أمد
(1) قنسرين بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده: مدينة بينهما وبين حلب مرحلة.
[87]
بكيت بعد دموعي في الهوي جلدي * وهل سمعت ببال دمعه جلد ؟ ! تذوب نار فؤادي في الهوى بردا * وهل سمعت بنار ذوبها برد ؟ ! قالوا: ألفت رباجي (1) فقلت لهم: * الحب أهل وإدراك المنى ولد أندى محاسن جي انه بلد * طلق النهار ولكن ليله نكد 10 إذا استحب بلاد للمعاش بها * فحيثما نعمت حالي به بلد وللمكارم قوم لا خفاء بهم * هم يعرفون بسيماهم إذا شهدوا لله معشر صدق كلما تليت * على الورى سورة من مجدهم سجدوا ذرية أبهرت طه بجدهم * وهل أتى بأبيهم حين تنتقد ؟ ! وإن تصنع شعر في ذوي كرم * يا بن النبي فشعري فيك مقتصد 15
أصبت فيك رشاري غير مجتهد * وليس كل مصيب فيك مجتهد بسطت عرض فناء الدهر مكرمة * طرائق الحمد في حافاتها قدد توفي المترجم بجرجان بعد سنة 377 وقبل سنة 385 فقد بعثه الصاحب بن عباد رسولا إلى الأمير أبي الحسن ناصر الدولة سنة 377 ووجهه بعدها إلى أبي العباس الضبي إلى إصفهان، ولما انقلب من إصبهان إلى جرجان لم تطل به الأيام حتى أصبح مقبورا كما ذكره الثعالبي، فوفاة المترجم في حياة الصاحب المتوفى 385 تستدعي وقوعها بين التاريخين حدود 380.
(1) جي بالفتح ثم التشديد: مدينة بينها وبين اصبهان نحو ميلين، قال ياقوت في المعجم وتسمى الآن عند المعجم: شهرستان وعند المحدثين: المدينة.
[88]
القرن الرابع (27) ابن الحجاج البغدادي المتوفى 391 يا صاحب القبة البيضاء في النجف * من زار قبرك واستشفى لديك شفي زوروا أبا الحسن الهادي لعلكم * تحظون بالأجر والاقبال والزلف زوروا لمن تسمع النجوى لديه فمن * يزره بالقبر ملهوفا لديه كفي إذا وصلت فأحرم قبل تدخله * ملبيا واسع سعيا حوله وطف 5 حتى إذا طفت سبعا حول قبته * تأمل الباب تلقا وجهه فقف وقل: سلام من الله السلام على * أهل السلام وأهل العلم والشرف إني أتيتك يا مولاي من بلدي * مستمسكا من حبال الحق بالطرف راج بأنك يا مولاي تشفع لي * وتسقني من رحيق شاني اللهف
لأنك العروة الوثقى فمن علقت * بها يداه فلن يشقى ولم يخف 10 وإن أسماءك الحسنى إذا تليت * على مريض شفي من سقمه الدنف لأن شأنك شأن غير منتقص * وإن نورك نور غير منكسف وإنك الآية الكبرى التي ظهرت * للعارفين بأنواع من الطرف هذي ملائكة الرحمن دائمة * يهبطن نحوك بالألطاف والتحف كالسطل والجام والمنديل جاء به * جبريل لا أحد فيه بمختلف 15 كان النبي إذا استكفاك معضلة * من الأمور وقد أعيت لديه كفي وقصة الطائر المشوي عن أنس * تخبر بما نصه المختار من شرف والحب والقضب والزيتون حين أتوا * تكرما من إله العرش ذي اللطف والخيل راكعة في النقع ساجدة * والمشرفيات قد ضجت على الحجف (1)
(1) الحجف محركة: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب. والصدور. واحدتها: الحجفة.
[89]
بعثت أغصان بان في جموعهم * فأصبحوا كرماد غير منتسف لو شئت مسخهم في دورهم مسخوا * أو شئت قلت لهم: يا أرض انخسفي 20 والموت طوعك والأرواح تملكها * وقد حكمت فلم تظلم ولم تجف لا قدس الله قوما قال قائلهم: * بخ بخ لك من فضل ومن شرف وبايعوك (بخم) ثم أكدها * (محمد) بمقال منه غير خفي عاقوك واطرحوا قول النبي ولم * يمنعهم قوله: هذا أخي خلفي هذا وليكم بعدي فمن عقلت * به يداه فلن يخشى ولم يخف 25 القصيدة تناهز 64 بيتا ولها قصة تأتي في الترجمة إنشاء الله. وله من قصيدة أجاب بها عن قصيدة ابن سكرة (1) المتحامل بها على آل الله وشاعرهم ابن الحجاج المترجم، أخذناها من ديوانه المخطوط سنة 620 بقلم عمر بن إسماعيل بن أحمد الموصلي
أولها: لا أكذب الله إن الصدق ينجيني * يد الأمير بحمد الله تحييني إلى أن قال: فما وجدت شفاء تستفيد به * إلا ابتغاءك تهجو آل ياسين كافاك ربك إذ أجرتك قدرته * بسب أهل العلا الغر الميامين فقر وكفر هميع (2) أنت بينهما * حتى الممات بلا دنيا ولا دين فكان قولك في الزهراء فاطمة * قول امرئ لهج بالنصب مفتون 5 عيرتها بالرحا والزاد تطحنه * لا زال زادك حبا غير مطحون وقلت: إن رسول الله زوجها * مسكينة بنت مسكين لمسكين كذبت يا بن التي باب إستها سلس * الاغلاق بالليل مفكوك الزرافين (3) ست النساء غدا في الحشر يخدمها * أهل الجنان بحور الخرد العين
(1) محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي من ولد علي بن المهدي العباسي له ديوان شعر يربو على خمسين ألف بيت توفي سنة 385. (2) أي لا تزال باكيا. (3) سلست الخشبة: نخرت وبليت. والسلس: اللين السهل. الغلق ما يغلق به الباب ج أغلاق. الزرفين واحدة الزرافين: الحلق الصغيرة للباب.
[90]
10 فقلت: إن أمير المؤمنين بغى * على معاوية في يوم صفين وإن قتل الحسين السبط قام به * في الله عزم إمام غير موهون فلا ابن مرجانة فيه بمحتقب (1) * إثم المسيئ ولا شمر بملعون وإن أجر ابن سعد في استباحة * آل النبوة أجر غير ممنون هذا وعدت إلى عثمان تندبه * بكل شعر ضعيف اللفظ ملحون
15 فصرت بالطعن من هذا الطريق إلى * ما ليس يخفى على البله المجانين وقلت: أفضل من يوم (الغدير) إذا * صحت روايته يوم الشعانين ويوم عيدك عاشوراء تعدله * ما يستعد النصارى للقرابين تأتي بيوتكم فيه العجوز وهل * ذكر العجوز سوى وحي الشياطين ؟ ! عاندت ربك مغترا بنقمته * وبأس ربك بأس غير مأمون فقال: كن أنت قردا في استه ذنب * وأمر ربك بين الكاف والنون وقال: كن لي فتى تعلو مراتبه * عند الملوك وفي دور السلاطين والله قد مسخ الأدوار قبلك في * زمان موسى وفي أيام هارون بدون ذنبك فالحق عندهم بهم * ودع لحاقك بي إن كنت تنويني [القصيدة 58 بيتا] وله من قصيدة قوله: بالمصطفى وبصهره * ووصيه يوم (الغدير) * (الشاعر) * أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج النيلي البغدادي، أحد العمد والأعيان من علماء الطايفة، وعبقري من عباقرة حملة العلم والأدب، و قد عده صاحب [رياض العلماء] من كبراء العلماء كما عده ابن خلكان وأبو الفدا من كبار الشيعة، والحموي في [معجم أدبائه] من كبار شعراء الشيعة، وآخر من فحول الكتاب، فالشعر كان أحد فنونه، كما أن الكتابة إحدى محاسنه الجمة،
احتقب الإثم: جمعه.
[91]
وله في العلم قنن راسية، وقدم راسخة، غير أن انتشار أدبه الفائق، ومقاماته البديعة فيه، وتعريف الأدباء إياه بأدبه الباهر، وقريضه الخسرواني، والثناء عليه بأنه
ثاني معلميه كما في (نسمة السحر) أخفى صيت علمه الغزير، وغطى ذكره العلمي، ونحن نقوم بواجب الحقين جميعا. ينم عن مقامه الرفيع في العلوم الدينية وتضلعه فيها وشهرته في عصره بها توليه الحسبة (1) مرة بعد أخرى في عاصمة العالم في ذلك اليوم [بغداد] وهي من المناصب الرفيعة العلمية التي كانت تخص توليها في العصور المتقادمة بأئمة الدين، وزعماء الاسلام، وكبراء الأمة، وهي كما قال الماوردي في (الأحكام السلطانية) 224: من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها. ه. * (الحسبة) * هي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بين الناس كافة وممن وليها ببغداد قبل المترجم الفيلسوف الكبير أحمد بن الطيب السرخسي، صاحب التآليف القيمة في فنون متنوعة المقتول سنة 283، وتولاها بعد عزل المترجم عنها فقيه الشافعية وإمامها أبو سعيد الحسن بن أحمد الاصطخري المتوفى سنة 328، على ما يقال كما في تاريخ ابن خلكان، ومرآة الجنان لليافعي وغيرهما، قال الماوردي في [الأحكام السلطانية] ص 209 فمن شروط والي الحسبة، أن يكون حرا، عدلا، ذا رأي وصرامة، وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة، واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا ؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي سعيد الاصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلس فيه. ا ه وقال رشيد الدين الوطواط المتوفى سنة 573: إن أولى الأمور بأن تصرف أعنة العناية إلى ترتيب نظامه، وتقصر الهمم على مهمة إتمامه، أمر يتعلق به ثبات الدين، ويتوقف عليه صلاح المسلمين، وهو أمر الاحتساب، فإن فيه تثبيت الزايغين
(1) كما في تاريخ ابن خلكان تاريخ ابن كثير. مرآة الجنان، رياض العلماء. دائرة
المعارف الاسلامي، دائرة المعارف لفريد وجدي، الأعلام للزركلي.
[92]
عن الحق، وتأديب المنهمكين في الفسق، وتقوية أعضاد أرباب الشرع وسواعدها، وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها، وينبغي أن يكون متقلد هذا الأمر موصوفا بالديانة، معروفا بالصيانة، معرضا عن مراصد الريب، بعيدا عن مواقف التهم والعيب، لابسا مدارع السداد، سالكا مناهج الرشاد [معجم الأدباء ج 19 ص 31] ففي تولية شاعرنا المترجم الحسبة مرة بعد أخرى غنى وكفاية عن سرد جمل الثناء على علمه وفقهه وإطراء عدله ورأيه، واجتهاده في جنب الله وصرامته، وخشونته في الدين، ورشاده وسداده، وقد تولاها مرتين في بغداد مرة على عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله كما سمعته من ابن خلكان واليافعي، وأخرى أقامه عليها عز الدولة في وزارة ابن بقية الذي استوزره عز الدولة سنة 362 وتوفي سنة 367 و قد كتب المترجم إليه في وزارته قصيدة أولها: أيها ذا الوزير إن أنت أنصفت * وإلا فقم مع الجيران ويقول فيها ليت شعري ألست محتسب * الناس ؟ ! فلم ليس تعرفون مكاني ؟ ! * (أما أدبه) * وهو كما أوعزنا إليه أحد نوابغ شعراء الشيعة، والمقدم بين كتابها، حتى قيل: إنه كامرئ القيس في الشعر (1) لم يكن بينهما من يضاهيهما، و يقع ديوانه في عشر مجلدات، والغالب عليه العذوبة والانسجام، وتأتي المعاني البديعة في طريقته إلى ألفاظ سهلة، وأسلوب حسن، وسبك مرغوب فيه، وفي (نسمة السحر) إنه يعد المعلم الثاني، والمعلم الأول إما مهلهل بن وائل، أو امرؤ القيس، إخترع منهجا لم يسبق إليه، وتبعه فيه الناس، ومن أتباعه أبو الرقعمق وصريع الدلاء. قال الثعالبي: سمعت به من أهل البصيرة في الأدب وحسن المعرفة بالشعر على
أنه فرد زمانه في فنه الذى شهر به وإنه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه في نمطه ولم ير كاقتداره على ما يريده من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها وانتظامها في الملاحة والبلاغة. ا ه. رتب ديوانه البديع الاسطرلابي هبة الله بن حسن المتوفى سنة 534 على
(1) كما في تاريخ ابن خلكان، ومعجم الأدباء، وشذرات الذهب.
[93]
واحد وأربعين ومائة باب، وجعل كل باب في فن من فنون الشعر وسماه: درة التاج في شعر ابن الحجاج (1) وهي محفوظة في باريس رقم 5913 وبها مقدمة لابن الخشاب النحوي. وللشريف الرضي انتخاب ما استجوده من شعره سماه [الحسن من شعر الحسين] (2) ورتبه على الحروف، وكان ذلك في حياة المترجم، وله في ذلك شعر يوجد في المجلد الأخير من ديوانه وهو قوله: أتعرف شعري إلى من ضوى * فأضحى على ملكه يحتوي ؟ ! إلى البدر حسنا إلى سيدي * الشريف أبي الحسن الموسوي إلى من أعوذه كلما * تلقيته بالعزيز القوي فتى كنت مسخا بشعري السخيف * وقد ردني خلقا سوي تأملته وهو طورا يصح * وطورا بصحته يلتوي 5 فميز معوجه والردي * فيه من الجيد المستوي وصحح أوزانه بالعروض * وقرر فيه حروف الروي وأرشده لطريق السداد * فأصلح شيطان شعري الغوي وبين موقع كف الصناع * في نسج ديباجه الخسروي فأقسم بالله والشيخ في * اليمين على الحنث لا ينطوي 10
لو أن زرادشت أصغى له * لأزرى على المنطق الفهلوي وصادف زرع كلامي البليغ * فيه شديد الظما قد ذوي فما زال يسقيه ماء الطرا * وماء البشاشة حتى روي فلا زال يحيى وقلب الحسود * بالغيظ من سيدي مكتوي له كبد فوق حمر الغضا * على النار مطروحة تشتوي 15 قال الثعالبي. إن ديوان شعره لا تنحط قيمته عن ستين دينارا لتنافسهم في ملحه ووفور رغبتهم فيه وقال: وديوان شعره أسير في الآفاق من الأمثال، وأسرى
(1) راجع معجم الأدباء، تاريخ ابن خلكان، مرآة الجنان، كشف الظنون. (2) في دائرة المعارف الإسلامية: إنه أسماه (التنظيف من السخيف).
[94]
من الخيال. وذكر في اليتيمة شطرا مهما من فنون شعره في 62 صحيفة في الجزء الثالث. والغالب على شعره الهزل والمجون، كأنهما لازما غريزته، ومطبوعا قريحته، وخمرتا طينته، وكان إذا استرسل فيهما فلا يجعجع به حضور ملك أو هيبة أمير، و يأتي بما عنده غير مكترث للسامعين، فلا يستقبل منهم إلا عطفا وقبولا، كما أن جل شعره يعرب عن ولاءه الخالص لأهل البيت والوقيعة في مناوئيهم. حلفاء عصره وملوكه أدرك ابن الحجاج جمعا من خلفاء بني العباس وهم: 1 - المعتمد على الله ابن المتوكل المتوفى 279. 2 - المعتضد بالله أبو العباس المتوفى 289. 3 - المكتفي بالله المتوفى 295. 4 - المقتدر بالله المتوفى 320.
5 - الراضي بالله المتوفى 329. 6 - المستكفي بالله المتوفى 338. 7 - القاهر بالله المتوفى 339. 8 - المتقي لله المتوفى 358. 9 - المطيع لله المتوفى 364. 10 - الطايع لله المتوفى 393. وعاصر من ملوك آل بويه من الذين ملكوا العراق 1 - معز الدولة فاتح العراق المتوفى سنة 356. 2 - عز الدولة أبا منصور بختيار بن معز الدولة المقتول 367. 3 - عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة المتوفى 372. 4 - شرف الدولة ابن عضد الدولة المتوفى 379. 5 - صمصام الدولة ابن عضد الدولة المقتول 388. 6 - بهاء الدولة أبا نصر ابن عضد الدولة المتوفى 403.
[95]
وكان كما قال الثعالبي على طول عمره يتحكم على وزراء الوقت، ورؤساء العصر، تحكم الصبي على أهله، ويعيش في أكنافهم عيشة راضية، ويستثمر نعمة صافية ضافية. ويوجد في ديوانه شعر كثير مدحا ورثاء وهجاء في رجالات عصره من الخلفاء والوزراء والأمراء والكتاب والمثقفين تربو عدتهم فيما قرأناه من مجلدات ديوانه على ستين منهم: أبو عبد الله هارون بن المنجم المتوفى 288. أبو الفضل عباس بن الحسن المتوفى 296 الوزير أبو محمد المهلبي المتوفى 352 أبو الطيب المتنبي الشاعر = 354 الوزير أبو الفضل بن العميد 360
المطيع لله الخليفة العباسي = 364 أبو الفتح ابن العميد = 366 الوزير أبو ريان خليفة عضد الدولة ببغداد الوزير أبو طاهر ابن بقية = 367 عز الدولة بختيار ابن بويه المتوفى 367 عمران بن شاهين = 369 الأمير أبو تغلب غضنفر = 369 عضد الدولة فنا خسرو = 372 أبو الفتح ابن شاهين = 372 أبو الفرج بن عمران بن شاهين = 373 أبو المعالي ابن محمد بن عمران = 373 شرف الدولة ابن بويه = 379 أبو إسحاق إبراهيم الصابي = 384 القاضي أبو علي التنوخي = 384 الوزير الصاحب بن عباد = 385 ابن سكرة العباسي الشاعر = 385 أبو علي محمد بن الحسن الحالتي = 388 أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف = 388 الوزير أبو نصر سابور بن أردشير = 416 الوزير أبو منصور محمد المرزبان = 416 أبو أحمد ابن حفص عارض المترجم في أمور الحسبة. الوزير أبو الفرج محمد بن العباس بن فسا بخس قال الثعالبي في (اليتيمة) 3 ص 70: كان الوزير أبو الفرج والوزير أبو الفضل [ابن العميد] قد خلوا في الديوان لعقوبة أصحاب المهلبي [الوزير أبي محمد الحسن] عقب موته، وأمرا أن تلوث ثياب الناس بالنفط إن قربوا من الباب وقد كان المهلبي فعل مثل هذا فحضر ابن الحجاج فعجب وخاف النفط فانصرف فقال: الصفع بالنفط في الثياب * ما لم يكن قط في حسابي
[96]
ليس يقوم الوصول عندي * مقام خيطين من ثيابي يا رب من كان سن هذا * فزده ضعفا من العذاب في قعر حمراء ليس فيها * غير بني البظر والقحاب تفعل في لحمه المهري (1) * ما يفعل الجمر بالكباب
فالقرد عندي يجل عمن * يسن هذا على الكلاب أكثر (المترجم) من مدايح أهل البيت عليهم السلام والنيل من مناوئيهم نظراء مروان بن أبي حفصة حتى إنه ربما كان ينتقد على تشديده الوطئ والنكير المحتدم على فضائع القوم [أعداء آل الله] بلهجة حادة، وسباب مقذع، غير أن ذلك كله كان نفثة مصدور، وأنه متوجع من الظلم الواقع على ساداته أئمة أهل البيت عليهم السلام، لا ولعا منه في البذاء أو وقيعة في الأعراض لمحض الشهوة ومتابعة الهوى، ولذلك وقع شعره مقبولا عند مواليه صلوات الله عليهم، وكونوا إذا مروا باللغو منه مروا كراما. حدث (2) سيدنا الأجل زين الدين علي بن عبد الحميد النيلي النجفي (3) في كتابه [الدر النضيد في تغازي الإمام الشهيد] إنه كان في زمان ابن الحجاج رجلان صالحان يزدريان بشعره كثيرا وهما: محمد بن قارون السيبي، وعلي بن زرزور السورائي، فرأى الأول منهما ليلة في الواقعة كأنه أتى إلى روضة الحسين عليه السلام و كانت فاطمة الزهراء سلام الله عليها حاضرة هناك مستندة ظهرها إلى ركن الباب الذي هو على يسار الداخل وسائر الأئمة إلى مولانا الصادق عليه السلام أيضا جلوس في مقابلها في الزاوية بين ضريحي الحسين عليه السلام وولده علي الأكبر الشهيد متحدثين بما لا يفهم ومحمد بن قارون المقدم قائم بين أيديهم قال السورائي: وكنت أنا أيضا غير بعيد عنهم
(1) هرى الثوب: صفره أي جعله أصفر. (2) نقله عنه بحاثة الطايفة ميرزا عبد الله الاصبهاني في (رياض العلماء)، وسيدنا (روضات الجنات) ص 239، وشيخنا العلامة الحجة النوري في (دار السلام) ج 1 ص 148، ونحن نلخص ما في (رياض العلماء). (3) هو الفقيه الأوحد صاحب المقامات والكرامات أحد مشايخ العلم الحجة ابن فهد الحلي المتوفى 841. (*)
[97]
فرأيت ابن الحجاج مارا في الحضرة المقدسة فقلت لمحمد بن قارون: ألا تنظر إلى الرجل كيف يمر في الحضرة ؟ فقال: أنا لا أحبه حتى أنظر إليه: قال: فسمعت الزهراء بذلك، فقالت له مثل المغضبة: أما تحب (أبا عبد الله) ؟ أحبوه فإنه من لا يحبه ليس من شيعتنا. ثم خرج الكلام من بين الأئمة عليهم السلام، بأن من لا يحب أبا عبد الله فليس بمؤمن. قال الشيخ محمد بن قارون: ولم أدر من قاله منهم، ثم انتبهت فزعا مرعوبا مما فرطت في حق أبي عبد الله من قبل ذلك قال: ثم نسيت المنام ولم أذكره إلى أن أتيح لي بزيارة السبط الشهيد سلام الله عليه فإذا بجماعة في الطريق من أصحابنا يروون شعر ابن الحجاج فلحقتهم فإذا فيهم علي بن الزرزور وسلمت عليه، وقلت: كنت تنكر رواية شعر ابن الحجاج وتكرهها، فما بالك الآن تسمعه وتصغي إلى أنشاده ؟ فقال: أحدثك بما رأيت فيما يراه النائم فقص علي بمثل ما رأيته في الطيف حرفيا وحكيته بما رأيت، ثم اتفقا على مدح الرجل وإيراد أشعاره و بث مآثره ونشر مناقبه. وأيضا: إن السلطان مسعود بن بابويه (1) لما بنى سور المشهد الشريف و دخل الحضرة الشريفة وقبل أعتابها وأحسن الأدب فوقف أبو عبد الله المترجم بين يديه وأنشد قصيدته الفائية التي ذكرناها فلما وصل منها إلى الهجاء أغلظ له الشريف سيدنا المرتضى ونهاه أن ينشد ذلك في باب حضرة الإمام عليه السلام فقطع عليه فانقطع، فلما جن عليه الليل رأى ابن الحجاج الإمام عليا عليه السلام في المنام وهو يقول: لا ينكسر خاطرك فقد بعثنا المرتضى علم الهدى يعتذر إليك فلا تخرج إليه حتى يأتيك، ثم رأى الشريف المرتضى في تلك الليلة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم حوله جلوس فوقف بين أيديهم وسلم عليهم فحس منهم عدم إقبالهم عليه فعظم ذلك عنده وكبر لديه فقال: يا موالي أنا عبدكم وولدكم ومواليكم فبم استحققت هذا منكم ؟
فقالوا: بما كسرت خاطر شاعرنا أبي عبد الله ابن الحجاج فعليك أن تمضي إليه وتدخل عليه وتعتذر إليه وتأخذه وتمضي به إلى مسعود بن بابويه وتعرفه عنايتنا فيه و شفقتنا عليه، فقام السيد من ساعته ومضى إلى أبي عبد الله فقرع عليه الباب فقال ابن
(1) كذا في النسخة وأحسبه، عضد الدولة بن بويه.
[98]
الحجاج: سيدي الذي بعثك إلي أمرني أن لا أخرج إليك، وقال: إنه سيأتيك، فقال: نعم سمعا وطاعة لهم، ودخل عليه واعتذر إليه ومضى به إلى السلطان وقصا القصة عليه كما رأياه فأكرمه وأنعم عليه وخصه بالرتب الجليلة وأمر بإنشاد قصيدته. ولادته ووفاته لم يختلف اثنان في تاريخ وفاة المترجم له وأنه توفي في جمادي الآخرة سنة 391 بالنيل وهو بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة، وحمل إلى مشهد الإمام الطاهر [الكاظمية] ودفن فيه وكان أوصى أن يدفن هناك بحذاء رجلي الإمام عليه السلام و يكتب على قبره: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. ورثاه الشريف الرضي بقصيدة توجد في ديوانه ج 2 ص 562، وذكر ابن الجوزي منها أبياتا في (المنتظم) 7 ص 217. ولم نقف في طيات الكتب والمعاجم على تاريخ ولادته لكن الباحث عنها يقطع بأن الرجل ولد في المائة الثالثة وعاش عمرا طويلا حدود المائة والثلاثين، وهناك شواهد قوية على هذا منها: 1 - ما ذكر ابن شهر آشوب في المعالم من قرائته على ابن الرومي المتوفى 282. 2 - توليه الحسبة قبل الإمام الاصطخري المتوفى 328 كما في تاريخ ابن خلكان ومرآة الجنان لليافعي وغيرهما قالوا: إنه تولى حسبة بغداد وأقام مدة، و يقال: إنه عزل بأبي سعيد الاصطخري وله في عزله أبيات مشهورة. ا ه. والاصطخري قد تولى الحسبة بأمر المقتدر بالله سنة 320 كما في (شذرات الذهب) 2 ص 312
وغيره. 3 - شعره الموجود في ديوانه في هجاء أبي عبد الله هارون بن علي بن أبي منصور المنجم المتوفى 288 وقال في ديوانه: قاله وهو حدث السن. 4 - قصيدته الموجودة في ديوانه في أبي الفضل عباس بن الحسين وزير المكتفي بالله المقتول سنة 296. وقد ذكر كثيرا في شعره المنظوم في أواسط القرن الرابع شيخوخته منه أبيات يمدح بها أبا منصور بختيار بن معز الدولة المقتول 367 منها: قلت اقبلي رأيي * ورأي الشيخ محمود موافق
[99]
وله في الوزير أبي طاهر ابن بقية المتوفى 366 يطلب منه تجز جرايته ورزقا لابنه في ديوان (بادويا) أبيات منها قوله: طلبت ما يطلبه مثلي * الشيوخ الفسقه وأنت لا تجد قط شاعرا يذكر شيخوخته وهرمه في شعره كابن الحجاج كقوله في أبي محمد يحيى بن فهد: أيها الشاعر الجديد الذي * يعبث بالشاعر النفيس الخليع أنت مثل الثوب الجديد * وشعري مثل قب الغلالة المرقوع (1) أنا شيخ طبيعتي تنثر البعر * على كل شاعر مطبوع وقوله فيما كتبه إلى أبي محمد ابن فهد المذكور وقد ولد للمترجم مولود: قولوا ليحيى بن فهد: يا من * جعلت مما يخشى فداه أليس قد جاءني غلام ؟ * يجلب بالحسن من رآه كالشمس والشمس في ضحاها * والبدر والبدر في دجاه يفتنني ريه ويحنو في * المهد قلبي على خصاه
كأنني مع وفور نسلي * لم أر من قبله سواه ومن قصيدة ذات 129 بيتا في الوزير أبي نصر التي أولها: يا عاذلي كيف أصنع * وليس في الصبر مطمع قوله: خذها إليك عروسا * لها من الحسن برقع الأذن لا العين منها * بحسنها تتمتع خطيبها فيك شيخ * مهملج الفكر مصقع ويمدح عضد الدولة فنا خسرو المتوفى 372 بقصيدة ذات 41 بيتا ويذكر فيها شيبه وهرمه. والباحث جد عليم بأنه من المعمرين وليد القرن الثالث مهما وقف على قوله في إحدى مقطوعاته. وقائلة: تعيش * مظلوما بسيف (2)
(1) القب: ما يدخل في جيب القميص من الرقاع. الغلالة شعار يلبس تحت الثوب. (2) كذا وجدناه في ديوانه وفيه سقط.
[100]
فقلت لها: أباكي ذاك حزني * على مائة فجعت بها ونيف. فبعد ذلك كله لا يبقى وزن في تضعيف ابن كثير في تاريخه 11 ص 329 قول ابن خلكان بأنه عزل عن حسبة بغداد بأبي سعيد الاصطخري المتوفى 328. كما لا يبعد عندئذ ما في (المعالم) من تلمذه علي ابن الرومي المتوفى 283 إذ تلمذه عليه إنما كان في الأدب في الآليات، ومن الممكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغ الحلم أيضا كتلمذ الشريف الرضي على أستاذه السيرافي وله دون العشر من عمره كما يأتي في ترجمته. مصادر ترجمة ابن الحجاج يتيمة الدهر 3 ص 25 تاريخ الخطيب 8 ص 14
معجم الأدباء 4 ص 6 تاريخ ابن خلكان 1 ص 170 معالم العلماء ص 136 الكامل لابن الأثير 9 ص 63 المنتظم لابن الجوزي 7 ص 216 تاريخ ابن كثير 11 ص 329 تاريخ أبي الفدا 3 ص 242 مرآة الجنان 2 ص 444 معاهد التنصيص 2 ص 62 مجالس المؤمنين 459 شذرات الذهب 3 ص 136 إيضاح المقاصد للبهائي مخطوط كشف الظنون 1 ص 498 رياض العلماء للميرزا عبد الله. مخطوط أمل الآمل للشيخ الحر رياض الجنة للسيد الزنوزي. مخطوط روضات الجنات ص 239 نسمة السحر فيمن تشيع وشعر. مخطوط سفينة البحار 1 ص 225 تتمم الأمل لابن أبي شبانة. مخطوط الشيعة وفنون الاسلام 106 تنقيح المقال 1 ص 318 دائرة المعارف الإسلامية 1 ص 130 أعلام الزركلي 1 ص 245 دائرة المعارف للبستاني 1 ص 439 دائرة المعارف لفريد وجدي 6 ص 12
[101]
القرن الرابع (28) أبو العباس الضبي المتوفى 398 لعلي الطهر الشهير * مجد أناف على ثبير صنو النبي محمد * ووصيه يوم الغدير وحليل فاطمة ووالد * شبر وأبو شبير (1)
* (ما يتبع الشعر) * * (ثبير) * بفتح المثلثة ثم الموحدة المكسورة من أعظم جبال مكة بينهما و بين عرفة، سمي باسم رجل من هذيل مات في ذلك الجبل. أخرج أبو نعيم في [ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين] والنطنزي في [الخصايص العلوية] عن شعبة ابن الحكم عن ابن عباس قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بمكة بيدي وبيد علي فصعد بنا إلى (ثبير) ثم صلى بنا أربع ركعات ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أللهم إن موسى بن عمران سألك وأنا محمد نبيك فأسئلك أن تشرح لي صدري وتيسر لي أمري وتحلل عقدة من لساني ليفقه قولي واجعل لي وزيرا من أهلي علي بن أبي طالب أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري، قال ابن عباس: فسمعت مناديا ينادي: يا أحمد قد أوتيت ما سألت. * (الشاعر) * الكافي الأوحد أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي - نسبة إلى ضبة - الوزير الملقب بالرئيس، أحد من ملك أزمة السياسة والأدب بعد الصاحب ابن عباد، وكان من ندمائه واختص بالزلفة منه والتأدب بآدابه، والحظوة بقرباه حتى عاد منار
(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 ص 550 ط ايران.
[102]
الفضل والأدب ومفزع روادهما، وممن يشار إليه وينص عليه، لم يفتء كذلك حتى قضى الصاحب نحبه سنة 385 فخلفه على الوزارة لما استوزره فخر الدولة البويهي وضم إليه أبا علي الملقب بالجليل وفي ذلك قال بعض ولد المنجم: والله والله لا أفلحتم أبدا * بعد الوزير ابن عباد بن عباس إن جاء منكم جليل فاقطعوا أجلي * أو جاء منكم رئيس فاقطعوا رأسي فالمترجم كانت تحط بفنائه الرحال، وتنال منه الآمال، وتفد إليه القوافي
من كل حدب، ويسير شعره مع الركبان، وكان نعم الخليفة لسلفه الصاحب، والموئل الفذ لما كانت له من مراتب، وله في جامع إصبهان خانكات مرتفعة، وخانات عامرة متسعة، قد وقفت لأبناء السبيل، وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزانتها وقد بناهن ونضد فيها من الكتب عيونا، وخلدها من العلوم فنونا، يشتمل فهرستها على ثلث مجلدات كبيرة كما في محاسن إصبهان ص 85، وكتب التراجم (1) تطفح بالثناء عليه، ولشعراء عصره قصائد رنانة في مدحه ومنهم: أبو عبد الله محمد بن حامد الخوارزمي له قصيدة في إطراءه منها: زمان جديد وعيد سعيد * ووقت حميد فماذا تريد ؟ ! وأحسن من ذاك وجه الرئيس * وقد طلعت من سناه السعود وكم حلة خطها قد غدت * على برد آل يزيد تزيد 2 - أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني [السابق ذكره] له قصائد في المترجم له منها: قصيدة في ميلاده وتحويل سنه ذكرها الثعالبي في (اليتيمة) 4 ص 38 منها: يوم تبرجت العلا * فيه ومزقت الحجب يوم أتاه المشتري * بشهاب سعد ملتهب بسلالة المجد الفصيح * وصفوة المجد الزرب
(1) راجع يتيمة الدهر 3 ص 260، معجم الأدباء 1 ص 65، كامل ابن الأثير 9 ص 73، معالم العلماء لابن شهر آشوب، ديوان مهيار ؟ ص 29، أعيان الشيعة 8 ص 77، دائرة المعارف للبستاني 11 ص 120.
[103]
ملك إذا ادرع العلا * فالدهر مسلوب السلب وإذا تنمر في الخطوب * فيا لنار في حطب
وإذا تبسم للندى * مطرت سحائبه الذهب يا غرة الحسب الكريم * وأين مثلك في الحسب ؟ ! هذا صباح حليت * بسعوده عطل الحقب ميلادك الميمون فيه * وهو ميلاد الأدب عرج عليه بمجلس * ريان من ماء العنب واضرب عليه سرادقا * للأنس ممتد الطنب 3 - مهيار الديلمي [أحد شعراء الغدير الآتي ذكره] مدح المترجم بقصائد منها ميمية 65 بيتا توجد في ديوانه 3 ص 344 أولها: أجيراننا بالغور والركب متهم * أيعلم خال كيف بات المتيم ؟ ! رحلتم وعمر الليل فينا وفيكم * سواء ولكن ساهرون ونوم ومنها بائية 45 بيتا في ديوانه ج 1 ص 15 مطلعها: شفى الله نفسا لا تذل لمطلب * وصبرا متى يسمع به الدهر يعجب ودالية 61 بيتا في ديوانه ج 1 ص 230 أولها: إذا صاح وفد السحب بالريح أوحدا * وراح بها ملأى ثقالا أو اغتدى وبائية 37 بيتا في ديوانه ج 1 ص 12 مستهلها: دواعي الهوى لك أن لا تجيبا * هجرنا تقى ما وصلنا ذنوبا وعينية 40 بيتا في ديوانه 2 ص 179 مطلعها: على أي لائمة أربع ؟ ! * وفي أيما سلوة أطمع ؟ ! وقد أخذ العهد يوم الرحيل * أمامي والعهد مستودع ولامية 52 بيتا في ديوانه 3 ص 18 مستهلها: اليوم أنجز ماطل الآمال * فأتتك طائعة من الاقبال وقصيدة 69 بيتا توجد في ديوانه 4 ص 30 نظمها سنة 392، أولها:
قالوا: عساك مرجم فتبين * هيهات ليس بناظري إن غرني
[104]
هي تلك دارهم وذلك ماؤهم * فاحبس ورد وشرقت إن لم تسقني ولقد أكاد أضل لولا عنبر * في الترب من أرج الحبائب دلني فتقوا به أنفاسهن لطائما (1) * وظعن وهي مع الثرى لم تظعن يا منزلا لعبت به أيدي الصبا * لعب الشكوك وقد بدت بتيقني إما تناشدني العهود فإنها * حفظت فكانت بئس ذخر المقتني سكنتك بعدهم الوحوش تشبها * بهم وليتك آنفا لم تسكن لعيونهن علامة سحرية * عندي فما بال الظباء تغشني ؟ ! ويقول فيها: حاشا طلابي أن أعم به وقد * خص السماح بموضع متعين ؟ ! يا حظ قم فاهتف بناحية الغنى * في الري وارحم كد من لم يفطن وأعن على إدراكها فبمثلها * فرقت بين موفق ومحين لمن الخليط مشرق وضمانه * رزق لنا في غيره لم يؤذن اشتقت يا سفن الفلاة فأبلغي * وطربت يا حادي الركاب فغنني وأنهض فرحل يا غلام مذللا (1) * تتوعر البيداء منه بمدمن يرضى بشم العشب إما فاته * والسير يأكل منه أكل الممعن مرح الزمام يكاد يصعب ظهره * فتصيح فاغرة الرحال به: لن الرزق والانصاف قد فقدا فلذ * بالري واستخرجهما من معدن. وإلى أبي العباس حافظ ملكها * سهل الأشد ولأن خبث الأخشن 4 - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري له قصيدة في مدح أبي العباس منها: وإني وأقواف القريض أحوكها * لاشعر من حاك القريض وأقدرا
كما تضرب الأمثال وهي كثيرة * بمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا ولكنني أملت عندك مطلبا * انكبه عمن ورائي من الورى ألم تر أن ابن الأمير أجارني * ولم يرض من إدرائه لي سوى الذرى ؟ !
(1) لطائم جمع لطيمة، وهي نافجه المسك. (3) المذلل: الجمل يذلل الطريق ويعبدها
[105]
5 - صاعد بن محمد الجرجاني كتب إلى المترجم له بقوله: ولو أنني حسب اشتياقي ومنيتي * منحتك شيئا لم يكن غير مقلتي ولكنني أهدي على قدر طاقتي * وأحمل ديوانا بخط ابن مقلة 6 - أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن علي بن الحريش الاصبهاني قال في المترجم من قصيدة كبيرة: بنفسي وأهلي شعب واد تحله * ودهر مضى لم يجد إلا أقله وعطفه صدغ يهتدي فوق خده * ويضربه روح الصبا فيضله وطيب عناقي منه بدرا أضمه * ألي وأهوى لثمه فاجله وقفنا معا واللوم يصفق رعده * ومنا سحاب الدمع يسجم وبله ترق على ديباجتيه دموعه * كما غازل الورد المضرج طله وينأى رقيب عن مقام وداعنا * وتبلغه أنفاسنا فتذله يقلقني عتب الحبيب وعذره * ويقلقني جد الرقيب وهزله وكيف أقي قلبي مواقع رميه ؟ ! * ولست أرى من أين ينثال نبله يولي وبالأحداق تفرش أرضه * ويفدى وبالأفواه ترشف رجله وبعد ردح من تقلده الوزارة كما وصفناه اتهمته أم مجد الدولة بأنه سم أخاه فطلبت منه مائتي ألف دينار لينفقها في مأتم أخيه فأبى عليها ذلك فهرب عنها سنة 392 إلى
(بروجرد) وهي من أعمال بدر بن حسنويه (1) فبذل بعد ذلك مأتي ألف دينار ليعود إلى عمله فلم يقبل منه، ولم يبرح بها حتى مات سنة 398 وقيل: إن أبا بكر ابن رافع أحد قواد فخر الدولة واطأ أحد غلمانه فسقاه سما، وأرسل ابنه تابوته إلى بغداد مع أحد حجابه وكتب إلى أبي بكر الخوارزمي يعرفه أنه وصى بدفنه في مشهد الحسين
(1) من أمراء الجبل لقبه القادر بناصر الدولة وعقد له لواءا وكان يبر العلماء والزهاد والأيتام، وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم، ويصرف إلى الأساكفة والحذائين بين همدان وبغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية ثلاثة آلاف دينار، ويصرف إلى أكفان الموتى كل شهر عشرين ألف درهم، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، وكان ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار، ثم يرتفع إلى خزائنه بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم (شذرات الذهب 3 ص 173).
[106]
عليه السلام بكربلاء المشرفة ويسأله القيام بأمره وابتياع تربة بخمس مائة دينار، فقيل للشريف أبي أحمد [والد السيدين علم الهدى والشريف الرضي]: أن يبيعه موضع قبره بخمسمائة دينار. فقال: هذا رجل التجأ إلى جوار جدي فلا آخذ لترتبه ثمنا. وكتب نفسه الموضع الذي طلب منه وأخرج التابوت إلى (براثا) وخرج الطاهر أبو أحمد ومعه الأشراف والفقهاء وصلى عليه وأصحبه خمسين رجلا من رجاله حتى أوصلوه ودفنوه هناك (1) ورثاه مهيار الديلمي [الآتي ذكره] بقصيدة 59 بيتا ويعزي ابنه سعدا و أنفذها إلى (الدينور) توجد في ديوانه 3 ص 27 أولها: ما للدسوت وللسروج تسائل: * من قائم عنهن أو من نازل ؟ ! لم سد باب الملك وهو مواكب ؟ ! * وخلت مجالسه وهن محافل ؟ ! ما للجياد صوافنا (2) وصوامتا * نكسا ؟ ! وهن سوابق وصواهل من قطر (3) الشجعان عن صهواتها ؟ ! * وهم بها تحت الرماح أجادل (4)
5 ما للسماء عليلة أنوارها ؟ ! * لمن السماء من الكواكب ثاكل ؟ ! من لجلج الناعي يحدث إنه * أودي فقيل: أقائل ؟ ! أم قاتل ؟ ! المجد في جدث ثوى ؟ أم كوكب الدنيا * هوي ؟ ! أم ركن ضبة مائل ؟ ! ما كنت فيه خائفا إن الردى * من عز جانبه إليه واصل أدرى الحمام بمن - وأقسم ما درى - * تلتف كفات له وحبائل ؟ ! 10 خطب أخل الدهر فيه بعقله * والدهر في بعض المواطن جاهل يا غيث أرضي الأرض سقيا واحتبي * بالروض يشكره المحل الماحل ينهل منهل المزادة (6) موثقا * إن الثرى الظمآن منه ناهل يسم الصخور كأن كل مجودة (7) * لحظ العليق بها حصان
(1) معجم الأدباء ج 1 ص 65. (2) الصوافن من الخيل: الواقفة على ثلاث وقوائم وطرف حافر الرابعة. (3) قطر: ألقى. (4) أجادل جمع أجدل وهو الصقر. (5) الكفات جمع كفة بضم الكاف وهي الحبالة. (6) المزادة: الراوية. يربد بها السحاب الممطر على التشبيه. (7) المجودة: الأرض جادها المطر.
[107]
تمريه غبراء الإهاب كأنما (1) * قادت خزائمها النعام الجافل حلفت لأفواه الربي أخلافها * أيمان صدق إنهن حوافل (2) 15 وليت سيوف البرق قطع عروقها * فبكل فج شاريان سائل أبلغ أبا العباس أنك فاحص * حتى تبل جوى ثراه فواغل (3) مني وأطباق الصعيد حجابه * عني فكيف تخاطب وتراسل ؟ !
سعدت جنادل ألحفتك على البلى * لا مثل ما شقيت عليك جنادل أبكيك لي والمرملين بنوهم الأيتام * بعدك والنساء أرامل 20 ولمستجير والخطوب تنوشه * مستطعم ؟ الدهر فيه آكل متلوم (4) العزمات لا هو قاطن * في داره قفرا ولا هو راحل أودى به التطواف ينشد ناصرا * فيضل أن يلقاه إلا خاذل حتى إذا الاقبال منك دنا به * أنساه عندك عام بؤس قابل ولمعشر طرق العلوم ذنوبهم * في الناس وهي لهم إليك وسائل 25 كانوا عن الطلب الذليل بمعزل * ثقة وأنت بما كفاهم كافل قطع الجدا بهم وقد قطع الردى * بك أن يظن تزاور وتواصل وعصائب هي إن ركبت مواكب * تسع العيون وإن غضبت جحافل تفري بأذرعها الكعوب كأنما * تحت الرماح على الرماح عوامل (5) لو كان في (ثعل) بموتك ثأرها * ما عاش من ثعل (6) عليك مناضل 30 نكروا حلومك والمنون تسوقها * حقا وأنت مدافع متثاقل قعد البعيد وقام عنك متاركا * ما جاء يقنصك القريب الواصل ولج الحمام إليك بابا ما شكا * غير الزحام عليك فيه داخل
(1) تمريه: تدر عليه. غبراء الإهاب: السحابة السوداء. (2) أخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. حوافل: ممتلئة. (3) الواغل: الداخل المتغلغل في الشئ. (4) المتلوم: المنتظر. (5) تفرى من الفرى: الشق. كعوب جمع كعب: العقدة. عوامل جمع عامل وهو صدر الرمح الذي يلي السنان. (6) ثعل: قبيلة مشهورة بالرمي. (*)
[108]
مستبشرا بالوفد لم يجبه به * رد ولم ينهر عليه سائل 35 لم يغنك الكرم العتيد ولا حمى * عنك السماح ولا كفاك النائل كنت الذي مر الزمان وحلوه * فيمن يصابر عيشه ويعاسل فغدوت مالك في عدوك حيلة * تغني ولا لك من صديقك طائل والموت أجور حاكم وكأنه * في الناس قسما بالسوية عادل لا اغتر بعدك بالحياة مجرب * عرف الحقوق فلم يرقه الباطل 40 يا ثاويا لم تقض حق مصابه * كبد محرقة وجفن هامل أفديك لو أن الردى بك قابل * من مهجتي وذوي ها أنا باذل ما بال أوقاتي بفقدك هجرت ؟ ! * ولقد تكون لديك وهي أصائل قد كنت ملتحفا بمدحك حلة * فخرا تجر لها علي ذلاذل (1) ويقول فيها: لا تحسبن وسعد ابنك طالع * يحتل برجك إن سعدك آفل 45 ما أنكر الزوار بعدك وجهه * في البدر من شمس النهار مخايل أجمل له يا سعد واحمل وزره (2) * ما طال باع أو أطاعك كاهل وأنا الذي يرضيك فيه باكيا * ويسره بك في الذي هو قائل ولشاعرنا أبي العباس الضبي شعر رقيق ونظم جيد ومنه قوله: ترفق أيها المولى بعبد * فقد فتنت لواحظك النفوسا وأسكرت العقول فليس ندري * أسحرا ما تسقى أم كؤوسا ؟ ! وله قوله وهو مما يتغنى به: ألا يا ليت شعري ما مرادك ؟ ! * فقلبي قد أضر به بعادك وأي محاسن لك قد سباني ؟ ! * جمالك ؟ ! أم كمالك ؟ ! أم ودادك ؟ !
وأي ثلاثة أوفى سوادا ؟ ! * أخالك ؟ ! أم عذارك ؟ ! أم فؤادك ؟ !
قلت لمن أحضرني زهرة * ومجلسي بالأنس بسام وقرة العينين نيل المنى * عندي ولا سام ولا حام: تجنب النمام لا تجنه * فإنما النمام نمام أخشى علينا العين من أعين * يبعثها بالسوء أقوام وله قوله: لا تركنن إلى الفراق * فإنه مر المذاق الشمس عند غروبها * تصفر من فرق الفراق ومما كتب إلى الوزير الصاحب ابن عباد قوله: أكافي كفاة الأرض ملكك خالد * وعزك موصول فأعظم بها نعمي نثرت على القرطاس درا مبددا * وآخر نظما قد فرعت به النجما جواهر لو كانت جواهر نظمت * ولكنها الأعراض لا تقبل النظما وله في الثريا: خلت الثريا إذ بدت * طالعة في الحندس (1) سنبلة من لؤلؤ * أو باقة من نرجس وقوله فيها: إذ الثريا اعترضت * عند طلوع الفجر حسبتها لامعة * سنبلة من در وقوله في قصر الليل: وليلة أقصر من * فكري في مقدارها بدت لعيني وانجلت * عذراء من قرارها
وقوله في طول الليل: رب ليل سهرته * مفكرا في امتداده كلما زدت رعيه * زادني من سواده فتبينت إنه * تائه في رقاده أو تفانت نجومه * فبدا في حداده وخلف المترجم له على مجده وفضله ولده أبو القاسم سعد بن أحمد الضبي، تبع
(1) الحندس: الظلام.
[110]
والده لما هرب إلى (بروجرد) وتوفي بها بعد والده بشهور ; ولمهيار الديلمي في مدحه عدة قصايد منها قصيدة 45 بيتا أنشدها إياه وهو مقيم ببروجرد أولها:. ذكرت وما وفاي بحيث أنسى * بدجلة كم صباح لي وممسى وأخرى 45 بيتا مستهلها: أشاقك من حسناء وهنا طروقها ؟ * نعم كل حاجات النفوس يشوقها ونونية 44 بيتا في ديوانه 4 ص 51 مطلعها: ما أنت بعد البين من أوطاني * دار الهوى والدار بالجيران ويقول فيها: كثر الحديث عن الكرام وكل من * جربت ألفاظ بغير معاني إلا بسعد من تنبه للعلا * هيهات نومهم من اليقظان مهلا بني الحسد الدخيل فإنها * لا تدرك العلياء بالأضغان سعد بن أحمد أبيض من أبيض * في المجد فانتسبوا بني الألوان بين الجبال الصم بحر ثامن * يحوي جلامدها وبدر ثاني من معشر سبقوا إلى حاجاتهم * شوط الرياح وقد جرت لرهان
قوم إذا وزروا الملوك برأيهم * أمرت عمائمهم على التيجان ضربوا بمدرجة السبيل قبابهم * يتقارعون بها على الضيفان ويكاد موقدهم يجود بنفسه * - حب القرى - حطبا على النيران أبناء ضبة واسعون وفي الوغى * يتضايقون تضايق الأسنان يا راكبا زهر الكواكب قصده *: قرب لعلك عندها تلقاني قف ناد: يا سعد الملوك رسالة * من عبدك القاصي بحب داني غالطت شوقي فيك قبل لقائنا * والقرب ظن والمزار أماني حتى إذا ما الوصل أطفأ غلتي * بك كان أعطش لي من الهجران ولرب وجد تواصف ناهضته * وضعفت لما صار وجد عيان ولقد عكست علي ذاك لأنني * كنت الحبيب إليك قبل تراني وممن العجائب والزمان ملون * أن الدنو هو الذي أقصاني
[111]
القرن الرابع (29) أبو الرقعمق الأنطاكي (1) المتوفى 399 كتب الحصير إلى السرير *: أن الفصيل ابن البعير فلمثلها طرب الأمير * إلى طباهجة بقير (2) فلأمنعن حمارتي * سنتين من علف الشعير لا هم إلا أن تطير * من الهزال مع الطيور فلأخبرنك قصتي * فلقد وقعت على الخبير إن الذين تصافعوا * بالقرع في زمن القشور
أسفوا علي لأنهم * حضروا ولم أك في الحضور لو كنت ثم لقيل: هل * من آخذ بيد الضرير ؟ ! ولقد دخلت على الصديق * البيت في اليوم المطير متشمرا متبخترا * للصفع بالدلو الكبير فأدرت حين تبادروا * دلوي فكان على المدير يا للرجال تصافعوا * فالصفع مفتاح السرور لا تغفلوه فإنه * يستل أحقاد الصدور هو في المجالس كالبخور * فلا تملوا من بخور ولأذكرن إذا ذكرت * أحبتي وقت السحور ولأحزنن لأنهم * لما دنا نضج القدور رحلوا وقد خبزوا الفطير * ففاتهم أكل الفطير
(1) نسبة إلى انطاكية مدينة شهيرة بينها وبين حلب يوم وليلة. (2) الطباهجة: اللحم المشرح.
[112]
لا والذي نطق النبي * بفضله يوم الغدير ما للإمام أبي علي * في البرية من نظير (1) * (الشاعر) * أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي نزيل مصر المعروف بأبي الرقعمق، أحد الشعراء المشاهير المتصرفين في فنون الشعر، وله شوطه البعيد في أساليب البيان غير أنه ربما خلط الجد بالهزل، نشأ بالشام ثم رحل إلى مصر وأخذ فيها شهرة طائلة و مكانة من الأدب عظيمة، ومدح ملوكها وزعمائها ورؤسائها وممن مدح المعز أبو تميم معد بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وابنه زفر عزيز مصر، والحاكم
ابن العزيز، وجوهر القائد، والوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس ونظرائهم، وصادف فيها جماعة من أهل الهزل والمجون فأوغل فيهما كل الايغال حتى نبز بأبي الرقعمق، وقد يقال: إنه هو الذي سمى نفسه بذلك، وقد أعلن في شعره إنه حليف الرقاعة بقوله: أستغفر الله من عقل نطقت به * مالي وللعقل ليس العقل من شاني لا والذي دون هذا الخلق صيرني * أحدوثة وبحب الحمق أغراني والبيتان من قصيدة له سجل بها ليل [تنيس (2)] وهي مدينة مصرية كان بها في بعض العهود خمسمائة صاحب محبرة يكتبون الحديث ومطلع القصيدة: ليلي بتنيس ليل الخائف العاني * تفنى الليالي وليلي ليس بالفاني وينم عن توغله في المجون قوله من قصيدة: كفي ملامك يا ذات الملامات * فما أريد بديلا بالرقاعات كأنني وجنود الصقع تتبعني * وقد تلوت مزامير الرطانات قسيس دير تلا مزماره سحرا * على القسوس بترجيع ورنات وقد مجنت وعلمت المجون فما * ادعى بشئ سوى رب المجانات وذاك إني رأيت العقل مطرحا * فجئت أهل زماني بالحماقات وقوله في قصيدة:
ففي ما شئت من حمق ومن هوس * قليله لكثير الحمق إكسير كم رام إدراكه قوم فأعجزهم * وكيف يدرك ما فيه قناطير ؟ ! لأشكرن حماقاتي لأن بها * لواء حمقي في الآفاق منشور ولست أبغي بها خلا ولا بدلا * هيهات غيري بترك الحمق معذور
لا عيب في سوى أني إذا طربوا * وقد حضرت يرى في الرأس تفجير وقوله من قصيدة: فاسمعن مني ودعني * من كثير وقليل وصغير وكبير * ودقيق وجليل قد ربحنا بالحماقات * على أهل العقول فرعى الله ويبقي * كل ذي عقل قليل ما له في الحمق والخفة * مثلي من عديل فمتى أذكر قالوا: * شيخنا طبل الطبول شيخنا شيخ ولكن * ليس بالشيخ النبيل وأكثر شعره جيد على اسلوب صريع الدلاء والقصار البصري كما قاله ابن خلكان، ويستشهد بشعره في الأدب كما في باب المشاكلة (1) من التلخيص وساير كتب البيان وقد استشهد عليها بقوله: قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا قال السيد العباسي في (معاهد التنصيص) 1 ص 225: هو قول أبي الرقعمق يروى أنه قال: كان لي إخوان أربعة وكنت أنادمهم أيام الأستاذ كافور الأخشيدي فجاءني رسولهم في يوم بارد وليست لي كسوة تحصنني من البرد فقال: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة فاشته علينا ما نطبخ لك منها. قال: فكتبت إليهم. إخواننا قصد والصبوح بسحرة * فأتى رسولهم إلي خصوصا قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
(1) هي ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقول أبي الرقعمق: اطبخوا. وارادة خيطوا.
[114]
قال: فذهب الرسول بالرقعة فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير فلبست إحدى الخلع وسرت إليهم ترجمه الثعالبي في (يتيمة الدهر) 1 ص 269 - 296 وذكر من شعره أربعمائة وأربعة وتسعين بيتا وقال: نادرة الزمان، وجملة الاحسان، وممن تصرف بالشعر الجزل في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداح المجيدين والفضلاء المحسنين وهو بالشام كابن الحجاج بالعراق. ولعل كونه كابن الحجاج [السابق ذكره] ينم عن تشيعه فإن ذلك أظهر أوصاف ابن الحجاج وأجل ما يؤثر عنه، فقد عرفه من عرفه بولائه الصلب لأهل بيت الوحي عليهم السلام والتجهم أمام أضدادهم والوقيعة فيهم، فقاعدة التشبيه تستدعي أن يكون شاعرنا المترجم مثله أو قريبا منه، على أن صاحب (نسمة السحر)) عده ممن تشيع وشعر وعقد له ترجمة ضيافة الذيول. نعم: ويشبه ابن الحجاج في تغلب المجون على شعره ; ولا يبعد جدا أن يكون هذا مرمى كلام الثعالبي، ومن شعره قصيدة في ممدوح (1) له علوي منها قوله: وعجيب والحسين له * راحة بالجود تنسكب إن شربي عنده رنق * ولديه مربعي جدب وله الورد المعاذ به * والجناب الممرع الخصب وهو الغيث الملث إذا * أعوزتنا درها السحب وإلى الرسي ملجأنا * من صروف الدهر والهرب سيد شادت علاه له * في العلا آباؤه النجب وله بيت تمد له * فوق مجرى الأنجم الطنب حسبه بالمصطفى شرفا * وعلي حين ينتسب رتبة في العز شامخة * قصرت عن نيلها الرتب
م (1) هو نقيب الأشراف بمصر أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ترجمان الدين أبي محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى. الرسي المتوفى سنة 365. راجع تاج العروس 4: 161)
[115]
ذاك فخر ليس تنكره * لكم عجم ولا عرب ولأنتم من بفضلهم * جاءت الأخبار والكتب وإليكم كل منقبة * في الورى تعزى وتنتسب وبكم في كل معركة * تفخر الهندية القضب وبكم في كل عارفة * ترفع الأستار والحجب وإذا سمر القنا اشتجرت * فبكم تستكشف الكرب وله من قصيدة أولها: باح وجدا بهواه * حين لم يعط مناه مغرم أغرى به السقم * فما يرجى شفاه كاد يخفيه نحول الجسم * حتى لا تراه لو ضنا يخفى عن العين * لأخفاه ضناه ومنها قوله: حبذا الرسي مولى * رضي الناس ولاه جعل الله أعاديه * من السوء فداه فلقد أيقن بالثروة * من حل ذراه من رقى حتى تناهى * في المعالي مرتقاه فاق أن يبلغ في السؤدد * والمجد مداه ملك مذكان بالسطوة * ممنوع حماه
بحر جود ليس يدرى * أين منه منتهاه لم يضع من كان إبراهيم * في الناس رجاه لا ولا يفرق من * صرف زمان إن عراه من به استكفى أذى الأيام * والدهر كفاه كيف لا أمدح من لم * يخل خلق من نداه ومن غرر محاسنه قوله يمدح من قصيدة أولها: قد سمعنا مقاله واعتذاره * وأقلناه ذنبه وعثاره
[116]
والمعاني لمن عييت ولكن * بك عرضت فاسمعي يا جاره من مراد به أنه أبد الدهر * تراه محللا أزراه عالم أنه عذاب من الله * مباح لأعين النظاره هتك الله سترة فلكم هتك * من ذي تستر أستاره سحرتني ألحاظه وكذا كل * مليح لحاظه سحاره ما على مؤثر التباعد والأعراض * لو آثر الرضى والزياره وعلى أنني وإن كان قد عذب * بالهجر مؤثرا ايثاره لم أزل لاعدمته من حبيب * أشتهي قربه وآبى نفاره يقول في مدحها: لم يدع للعزيز في سائر الأرض * عدوا إلا وأخمد ناره فلهذا اجتباه دون سواه * واصطفاه لنفسه واختاره لم تشيد له الوزارة مجدا * لا ولا قيل رفعت مقداره بل كساها وقد تخرمها الدهر * جلالا وبهجة ونضاره كل يوم له على نوب الدهر * وكر الخطوب بالبذل غاره
ذو يد شأنها الفرار من البخل * وفي حومة الوغى كراره هي فلت عن العزيز عداه * بالعطايا وكثرت أنصاره هكذا كل فاضل يده تمسي * وتضحي نفاعة ضراره فاستجره فليس يأمن إلا * من تقيا بظله واستجاره فإذا ما رأيته مطرقا يعمل فيما يريده أفكاره لم يدع بالذكاء والذهن شيئا * في ضمير الغيوب إلا أناره لا ولا موضعا من الأرض إلا * كان بالرأي مدركا أقطاره زاده الله بسطة وكفاه * خوفه من زمانه وحذاره وذكر النويري من شعره في (نهاية الأرب) في الجزء الثالث ص 190 قوله: لو نيل بالمجد في العلياء منزلة * لنال بالمجد أعناق السماوات يرمي الخطوب برأي يستضاء به * إذا دجا الرأي من أهل البصيرات
[117]
فليس تلقاه إلا عند عارفه * أو واقفا في صدور السمهريات (1) ترجمه ابن خلكان في تاريخه 1 ص 42 وقال بعد الثناء عليه وقل كلام الثعالبي المذكور وذكر أبيات من شعره: وذكره الأمير المختار المسيحي في تاريخ مصر وقال: توفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة، وزاد غيره في يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر، وأظنه توفي بمصر. وترجمه اليافعي وأرخ وفاته كما ذكر في (مرآة الجنان) 2 ص 452، وابن العماد الحنبلي في (الشذرات) 3 ص 155، والسيد العباسي في (معاهد التنصيص) 1 ص 226، والزركلي في (الأعلام) 1 ص 74، وصاحب (تاريخ آداب اللغة) 2 ص 264.
(1) هذه أبيات من قصيدة ذكرها الثعالبي في (اليتيمة) 1 ص 174. (*)
[118]
القرن الرابع (30) أبو العلا السروي علي إمامي بعد الرسول * سيشفع في عرصة الحق لي ولا أدعي لعلي سوى * فضايل في العقل لم يشكل ولا أدعي إنه مرسل * ولكن إمام بنص جلي وقول الرسول له إذ أتى * له شبه الفاضل المفضل: ألا أن من كنت مولى له * فمولاه من غير شك علي (1) * (الشاعر) * أبو العلا محمد بن إبراهيم السروي، هو شاعر طبرستان الأوحد، وعلم الفضيلة المفرد، وله مساجلات ومكاتبات مع أبي الفضل ابن العميد المتوفى سنة 360، وله كتب وشعر زائع وملح كثيرة ذكرت في (اليتيمة) منها جملة صالحة ج 4 ص 48، و في [محاسن أصبهان] ص 52 و 56، وفي [نهاية الإرب في فنون الأدب]، ومن شعره في وصف طبرستان ما ذكره الحموي في (معجم البلدان) ج 6 ص 18 وهو: إذ الريح فيها جرت الريح أعجلت * فواختها في الغصن أن تترنما فكم طيرت في الجو وردا مدثرا * يقلبه فيه ووردا مدرهما وأشجار تفاح كأن ثمارها * عوارض أبكار يضاحكن مغرما فإن عقدتها الشمس فيها حسبتها * خدودا على القضبان فذا وتوأما ترى خطباء الطير فوق غصونها * تبث على العشاق وجدا معتما
(1) ذكرها ابن شهر آشوب في (المناقب) ج 1 ص 531 طبع ايران، ويعبر عن المترجم في (المناقب) بأبي العلا بلا قيد زايد كما يظهر عنه عند نقله: في أبيات قصيدته الفائية في ج
2 ص 139.
[119]
وله في مدح أهل البيت عليهم السلام قوله ذكره ابن شهر آشوب في (المناقب) ج 2 ص 73 ط ايران: ضدان جالا على خديك فاتفقا * من بعد ما افترقا في الدهر واختلفا هذا بأعلام بيض إغتدا فبدا * وذا بأعلام سود انطوى فعفا أعجب بما حكيا في كتب أمرهما * عن الشعارين في الدنيا وما وصفا هذا ملوك بني العباس قد شرعوا * لبس السواد وأبقوه لهم شرفا وذي كهول بني السبطين رايتهم * بيضاء تخفق أما حادث أزفا 5 كم ظل بين شباب لا بقاء له * وبين شيب عليه بالنهي عطفا هل المشيب إلى جنب الشباب سوى * صبح هنالك وجه الدجى كشفا ؟ ! وهل يؤدي شباب قد تعقبه * شيب سوى كدر أعقبت منه صفا ؟ ! لو لم يكن لبني الزهراء فاطمة * من شاهد غير هذا في الورى لكفى فراية لبني العباس عابسة * سوداء تشهد فيه التيه والشرفا 10 وراية لبني الزهراء زاهرة * بيضاء يعرف فيها الحق من عرفا شهادة كشفت عن وجه أمرهما * فبح بها وانتصف إن كنت منتصفا حاز النبي وسبطاه وزوجته * مكان ما أفنت الأقلام والصحفا والفخر لو كان فيهم صورة جسد * عادت فضايلهم في أذنه شنفا وقد تناكرت الأحلام وانقلبت * فيهم فأصبح نور الله منكسفا 15 ألا أضاء لهم عنها أبو حسن * بعلمه ؟ وكفاهم حرها وشفا ؟ ! وهل نظير له في الزهد بينهم * ولو أصاح لدنيا أو بها كلفا ؟ ! وهل أطاع النبي المصطفى بشر * من قبله ؟ وحذا آثاره وقفا ؟ !
وهل عرفنا وهل قالوا سواه فتى * بذي الفقار إلى أقرانه زلفا ؟ ! ؟ ! يدعو النزال وعجل القوم محتبس * والسامري بكف الرعب قد نزفا 20 مفرج عن رسول الله كربته * يوم الطعان إذا قلب الحبان هفا تخاله أسدا يحمي العرين إذا * يوم الهياج بأبطال الوغى رجفا يظله النصر والرعب اللذان هما * كانا له عادة إذ سار أو وقفا
[120]
شواهد فرضت في الخلق طاعته * برغم كل حسود مال وانحرفا 25 ثم الأئمة من أولاده زهر * متوجون بتيجان الهدى حنفا من جالس بكمال العلم مشتهر * وقائم بغرار السيف قد زحفا مطهرون كرام كلهم علم * كمثل ما قيل كشافون لا كشفا وله في (يتيمة الدهر) ج 4 ص 48: مررنا على الروض الذي قد تبسمت * ذراه وأوداج الأبارق تسفك فلم نر شيئا كان أحسن منظرا * من الروض يجري دمعه وهو يضحك وله في النرجس: حي الربيع فقد حيا بباكور * من نرجس ببهاء الحسن مذكور كأنما جفنه بالغنج منفتحا * كأس من التبر في منديل كافور وله في النرجس ذكر صاحبا (الظرائف واللطايف) ص 159، و (حلية الكميت) ص 203: انظر إلى نرجس تبدن * صبحا لعينيك منه طاقه واكتب أسامي مشبهيه * بالعين في دفتر الحماقة وأي حسن يرى لطرف * مع برقان يحل ماقه كراثة ركبت عليها * صفرة بيض على رقاقه
وكتب إليه شاعر غريب يشكو إليه حجابه أبياتا منها: جئت إلى الباب مرارا فما * إن زرت إلا قيل لي: قد ركب وكان في الواجب يا سيدي * أن لا ترى عن مثلنا تحتجب فأجابه على ظهر رقعته: ليس احتجابي عنك من جفوة * وغفلة عن حرمة المغترب لكن لدهر نكد خائن * مقصر بالحر عما يجب وكنت لا أحجب عن زائر * فالآن من ظلي قد أحتجب وذكر الثعالبي في (ثمار القلوب) ص 354 له قوله: أما ترى قضب الأشجار قد لبست * أنوارها تنثني ما بين جلاس
[121]
منظومة كسموط الدر لابسة * حسنا يبيح دم العنقود للحاسي وغردت خطباء الطير ساجعة * على منابر من ورد ومن آس (خطباء الطير) في الشعر هي الفواخت والقماري والرواشن والعنادب وما أشبهها قال الثعالبي: أظن أول من اخترع هذه الاستعارة المليحة أبو العلاء السروي في قوله المذكور، وذكر له صاحب (محاسن إصبهان) ص 52 في الوصف قوله: أو ما ترى البستان كيف تجاوبت * أطياره وزها لنا ريحانه وتضاحكت أنواره وتسلسلت * أنهاره وتعارضت أغصانه وكأنما يفتر غب القطر عن * حلل نشرن رياضه وجنانه وذكر له ص 56 قوله: كأن حمام الروض نشوان كلما * ترنم في أغصانه وترحجا فلاذ نسيم الجو من طول سيره * حسيرا بأطراف الغصون مطلجا ولصاحب بن عباد أبيات كتبها إلى المترجم له ذكرها المافروخي في (محاسن
إصبهان) ص 14 وهي: أبا العلاء ألا أبشر بمقدمنا * فقد وردنا على المهرية القود هذا وكان بعيدا أن أراجعكم * على التعاقب بين البيض والسود من بعد ما قربت بغداد تطلبني * واستنجزتني بالأهواز موعودي وراسلتني بأن بادر لتملكني * ويجري الماء ماء الجود في العود فقلت: لا بد من جي وساكنها * ولو رددت شبابي خير مردود فإن فيها أودائي ومعتمدي * وقربها خير مطلوب ومنشود ألست أشهد إخواني ورؤيتهم * تفي بملك سليمان بن داود ؟ ! كان المترجم يتعصب للعجم على العرب فكتب إليه ابن العميد رسالة ينكر فيها تعصبه بقوله: اقبل وصية خليلك، وامتثل شورة نصيحك، ولا تتماد في ميدان الجهل ينضك، ولا تتهافت في إلحاح يغرك، واخش يا سيدي أن يقال: التحمت حرب البسوس من دم ضرع، واشتبكت حرب غطفان من أجل بعير قرع، قتل ألف فارس برغيف
[122]
الحولاء، وصب الله على العجم سوط عذاب بمزاح أبي العلاء (1) (البيان) (حرب البسوس) البسوس بنت منقذ التميمية، زارت أختها أم جساس ابن مرة، ومع البسوس جار لها من جرم يقال له: سعد بن شمس ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لما رآها في مرعى قد حماه، فأقبلت الناقة إلى صاحبها وهي ترغو وضرعها يشخب لبنا ودما، فلما رأى ما بها انطلق إلى البسوس فأخبرها بالقصة، فقالت: واذلاه واغربتاه، وأنشأت تقول أبياتا تسميها العرب أبيات الفناء وهي: لعمري لو أصبحت في دار منقذ * لما ضيم يعد وهو جار لأبياتي ولكنني أصبحت في دار غربة * متى يعد فيها الذئب يعد على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل * فإنك في قوم عن الجار أمواتي ودونك أذوادي فخذها وآتني * بها حلة لا يغدرون ببنياتي (2) فسمعها ابن أختها جساس فقال لها: أيتها الحرة اهدئي فوالله لأقتلن بلقحة (3) جارك كليبا، ثم ركب فخرج إلى كليب فطعنه طعنة أثقلته فمات منها ووقعت الحرب بين بكر وتغلب، فدامت أربعين سنة وجرت خطوب وصار [شؤم البسوس] مثلا ونسبت الحرب إليها وهي من أشهر حروب العرب. * (رغيف الحولاء) * من أمثال العرب المشهورة: أشأم من رغيب الحولاء، كانت [الحولاء] خبازة في بني سعد بن زيد مناة، فمرت وعلى رأسها كارة خبز فتناول رجل من رأسها رغيفا فقالت: والله مالك علي حق ولا استطعمتني فلم أخذت رغيفي ؟ أما إنك ما أردت بهذا إلا فلانا - تعني رجلا كانت في جواره - فمرت إليه شاكية فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف وقومه فقتل بينهم ألف نفس، وصار رغيف الحولاء مثلا في الشيئ اليسير يجلب الخطب الكبير.
(1) ذكرها الثعالبي في (ثمار القلوب) ص 248. (2) البنيات: الطرق الصغار. تريد عجل السفر قبل أن يقطعون الطريق على. (3) اللقحة: الناقة الحامل.
[123]
* (سوط عذاب) * من استعارات الكتاب الكريم قال الله تعالى: فصب عليهم ربك سوط عذاب. وذكر له النويري في نهاية الأرب 2 ص 23: حي شيبا أتى لغير رحيل * وشبابا مضى لغير إياب أي شيئ يكون أحسن من عاج * مشيب في آبنوس شباب
[124]
القرن الرابع (31) أبو محمد العوني إمامي له يوم (الغدير) أقامه * نبي الهدى ما بين من أنكر الأمرا وقام خطيبا فيهم إذ أقامه * ومن بعد حمد الله قال لهم جهرا: ألا إن هذا المرتضى بعل فاطم * علي الرضى صهري فأكرم به صهرا ووارث علمي والخليفة فيكم * إلى الله من أعدائه كلهم أبرا سمعتم ؟ أطعتم ؟ هل وعيتم مقالتي ؟ * فقالوا جميعا: ليس نعدو له أمرا سمعنا أطعنا أيها المرتضى فكن * على ثقة منا وقد حاولوا غدرا (1) ومنها قوله مشيرا إلى حديث مر في الجزء الثاني ص 288: وفي خبر صحت روايته لهم * عن المصطفى لا شك فيه فيستبرا بأن قال: لما أن عرجت إلى السما * رأيت بها الأملاك ناظرة شزرا إلى نحو شخص حيل بيني وبينه * لعظم الذي عاينته منه لي خيرا فقلت: حبيبي جبرئيل من الذي * تلاحظه الأملاك ؟ قال: لك البشرا فقلت: وما من ذاك ؟ قال: على الرضا * وما خصه الرحمن من نعم فخرا تشوقت الأملاك إذ ذاك شخصه * فصوره الباري على صورة أخرا فمال إلى نحو ابن عم ووارث * على جذل منه بتحقيقه خبرا ومن شعره في (الغدير) كما في (المناقب) لابن شهر آشوب 1 ص 537 ط ايران قوله: أليس قام رسول الله يخطبهم * يوم (الغدير) وجمع الناس محتفل ؟ ! وقال: من كنت مولاه فذاك له * من بعد مولى فواخاه وما فعلوا
(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 ص 532 ط ايران. (*)
[125]
لو سلموها إلى الهادي أبي حسن * كفى البرايا ولم تستوحش السبل هذا يطالبه بالضعف محتقبا * وتلك يحدو بها في سعيها جمل وله من قصيدة في (المناقب) ج 1 ص 538 ط ايران قوله: فقال رسول الله: هذا لأمتي * هو اليوم مولى رب ما قلت فاسمع فقام جحود ذو شقاق منافق * ينادي رسول الله من قلب موجع: أعن ربنا هذا ؟ أم أنت اخترعته ؟ * فقال: معاذ الله لست بمبدع فقال عدو الله: لا هم إن يكن * كما قال حقا بي عذابا فأوقع فعوجل من افق السماء بكفره * بجندلة فانكب ثاو بمصرع وله من قصيدة كبيرة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام ويسمي الأئمة المعصومين: أن رسول الله مصباح الهدى * وحجة الله على كل البشر جاء بفرقان مبين ناطق * بالحق من عند مليك مقتدر فكان من أول من صدقه * وصيه وهو بسن ما ثغر (1) ولم يكن أشرك بالله ولا * دنس يوما بسجود لحجر فذاكم أول من آمن بالله * ومن جاهد فيه ونصر أول من صلى من القوم ومن * طاف ومن حج بنسك واعتمر من شارك الطاهر في يوم العبا * في نفسه ؟ من شك في ذاك كفر من جاد بالنفس ومن ضن بها * في ليلة عند الفراش المشتهر ؟ ! ؟ ! من صاحب الدار الذي انقض بها * نجم من الجو نهارا فانكدر ؟ ! من صاحب الراية لما ردها * بالأمس بالذل قبيع وزفر ؟ ! من خص بالتبليغ في برائة ؟ * فتلك للعاقل من إحدى العبر من كان في المسجد طلقا بابه * حلا وأبواب أناس لم تذر ؟ !
من حاز في (خم) بأمر الله ذاك * الفضل واستولى عليهم واقتدر ؟ ! من فاز بالدعوة يوم الطاير * المشوي من خص بذاك المفتخر ؟ ! ؟ ! من ذا الذي أسرى به حتى رأى * القدرة في حندس ليل معتكر ؟ !
(1) ثغر الصبي: نبت ثغره، والثغر: مقدم الأسنان.
[126]
من خاصف النعل ؟ ومن خبركم * عنه رسول الله أنواع الخبر ؟ ! سايل به يوم حنين عارفا * من صدق الحرب ومن ولى الدبر ؟ ! كليم شمس الله والراجعها * من بعد ما انجاب ضياها واستتر كليم أهل الكهف إذ كلمهم * في ليلة المسح فسل عنها الخبر وقصة الثعبان إذ كلمه * وهو على المنبر والقوم زمر والأسد العابس إذ كلمه * معرفا بالفضل منه وأقر بأنه مستخلف الله على الأمة * والرحمن ما شاء قدر عيبة علم الله والباب الذي * يؤتى رسول الله منه المشتهر له من قصيدة: يا أمة السوء التي ما تيقظت * لما قد خلت فيها من المثلات وقد وترت آل النبي ورهطه * على قدر الأيام أي ترات وقد غدرت بالمرتضى علم الهدى * إمام البرايا كاشف الكربات ببدر واحد والنظير وخيبر * ويوم حنين ساعة الهبوات وصاحب (خم) والفراش وفضله * ومن خص بالتبليغ عند براة وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام: والله ألبسه المهابة والحجى * وربا به أن نعبد الأصناما ما زال يغذوه بدين محمد * كهلا وطفلا ناشئا وغلاما
أمن سواه إذا أتى بقضية * طرد الشكوك وأخرس الحكاما ؟ ! فإذا رأى رأيا يخالف رأيه * قوم وإن كدوا له الأفهاما نزل الكتاب برأية فكأنما * عقد الاله برأيه الأحكاما من ذا سواه إذا تشاجرت القنا * وأبى الكماة الكر والإقداما ؟ ! وتصلصلت حلق الحديد وأظهرت * فرسانها التصجاج والأحجاما (1) ورأيت من تحت العجاج لنقعها * فوق المغافر والوجوه قتاما
(1) صلصل اللجام: صوت. التصجاج من الصج: صوت وقع الحديد على الحديد. أحجم عن الحرب: نكص هيبة.
[127]
كشف الإله بسيفه وبرأيه * يظمي الجواد ويرتوي الصمصاما ووزيره جبريل يقحمه الوغى * طوعا وميكال الوغى إقحاما أم من سواه يقول فيه أحمد * يوم (الغدير) وغيره أياما: هذا أخي مولاكم وإمامكم * وهو الخليفة إن لقيت حماما ؟ ! مني كما هارون من موسى فلا * تألوا (1) لحق إمامكم إعظاما إن كان هارون النبي لقومه * ما غاب موسى سيدا وإماما فهو الخليفة والامام وخير من * أمضى القضاء وخفف الأقلاما حتى لقد قال ابن خطاب له * لما تقوض من هناك وقاما: أصبحت مولائي ومولى كل من * صلى لرب العالمين وصاما غصن رسول الله أثبت غرسه * فعلا الغصون نضارة ونظاما حتى استوى علما كما قد شاءه * رب السماء وسيدا قمقاما ما سامه في أن يكون مؤمرا * لفتى ولا ولى عليه أساما فهو الامير حياته ومماته * أمرا من الله العلي لزاما
صلى عليه ذو الجلال كرامة * وملائك كانوا لديه كراما وله من قصيدة: يا آل أحمد لولاكم لما طلعت * شمس ولا ضحكت أرض من العشب يا آل أحمد لا زال الفؤاد بكم * صبا بوادره تبكي من الندب يا آل أحمد أنتم خير من وخدت * به المطايا فأنتم منتهى الإرب أبوكم خير من يدعى لحادثة * فيستجيب بكشف الخطب والكرب عدل القرآن وصي المصطفى وأبو * السبطين أكرم به من والد وأب بعل المطهرة الزهراء ذو الحسب * الطهر الذي ضمه شفعا إلى النسب من قال أحمد في يوم (الغدير) له *: من كنت مولى له في العجم والعرب فإن هذا له مولى ومنذره * يا حبذا هو من مولى ويا بأبي من مثله ؟ وهو مولى الخلق أجمعها * بأمر رب الورى في نص خير نبي
(2) الا ألوا وألى تألية وائتلاء في الأمر: قصرو أبطأ.
[128]
يأتي غدا ولواء الحمد في يده * والناس قد سفروا من أوجه قطب حتى إذا اصطكت الأقدام زائلة * عن الصراط فويق النار مضطرب * (الشاعر) * أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن أبي عون الغساني (1) العوني. لعل في شهرة العوني وشعره السائر وطرفه المدونة في الكتب، غنى عن تعريفه وذكر عبقريته، وتفوقه في سرد القريض، ونبوغه في نضد جواهر الكلام، كما أن فيما دون من تاريخ حياته وما يؤثر عنه من جمل الشعر ومفصلاته كفاية للباحث عن إدلاء الحجة على تشيعه وتفانيه في ولاء سادته وأئمة دينه صلوات الله عليهم. لقد سرى الركبان بشعر العوني فطارت نبذة إلى مختلف الديار، ولهج بها
الناس في أماكن قصية، وكان ينشدها المنشدون في الأندية والمجتمعات التي يتحرى فيها تشنيف الأسماع بذكر أهل البيت عليهم السلام وفضايلهم، ومنهم الشاعر [منير] والد الشاعر أحمد بن منير المترجم في شعراء القرن السادس، كان ينشد شعر العوني في أسواق طرابلس فيقرط آذان الناس بتلكم الفضايل، لكن ابن عساكر [أساء سمعا و أساء جابه] غاظه ذلك الهتاف بذكر أهل البيت عليهم السلام، فأراد أن يسم الرجل بما يشوه سمعته فقال: إنه كان يغني في أسواق طرابلس بشعر العوني. وجاء ابن خلكان بعد لأي من عمر الدهر حتى وقف على تلك الأنشودة فسائته أكثر مما سائت ابن عساكر [فزاد ضعثا على أباله] فطرح لفظة (شعر العوني) واكتفى بأن منيرا كان يغني في الأسواق، وللمحاسبة مع الرجلين موقف نؤجله إلى يوم الحساب فهنا لك يستوفي منير حقه، وإن ربك لبالمرصاد. وهذه كلها والنبذ المدونة من شعره في هذا الكتاب وفيها عد الأئمة الاثنى عشر آيات باهرة لبلوغ (العوني) الغاية القصوى من الموالات والتشيع، حتى أن القاصرين أو الحانقين عليه رموه بالغلو لما ذكره ابن شهر آشوب في (المعالم) من أنه نظم أكثر المناقب، والواقف على شعره جد عليم بأنه كان يمشي على الوسط
(1) غسان: ماء باليمن تنسب إليه قبائل. وماء بالمشلل قريب من الجحفة.
[129]
بين الإفراط والتفريط، فلا يثبت لأهل البيت عليهم السلام إلا ما حق لهم من المراتب و المناقب أو ما هو دون مقامهم، ولا ينظم إلا ما ورد في أحاديث أئمة الدين من مناقبهم، وأما التهمة بالغلو فكلمة جاهل أو معاند، وعلى أي فتشيع العوني كان مشهورا في العصور المتقدمة على عهده وبعد وفاته، حتى أنه لما وقعت الفتنة بين الشيعة و السنة في بغداد سند 443 واحتدم بينهما القتال فكانت مما جاءت به يد الجور من الفظايع أنهم نبشوا قبور جماعة من الشيعة وطرحوا النيران في ترابهم ومنهم
العوني (المترجم) والناشي علي بن وصيف الآنف ذكره، والشاعر المعروف الجذوعي (1) كان العوني يتفنن في الشعر، ويأتي بأساليبه وفنونه وبحوره، مقدرة منه على تحوير القول وصياغة الجمل كيف ما شاء وأحب. قال ابن رشيق في العمدة ج 1 ص 154: ومن الشعر نوع غريب يسمونه (القواديسي) تشبيها بالقواديس السانية، لارتفاع بعض قوافيه في جهة وانخفاضها في الجهة الأخرى، فأول من رأيته جاء به طلحة بن عبيد الله العوني في قوله وهي من قصيدة له مشهورة طويلة: كم للدمى الأبكار بالجنتين * من منازل بمهجتي للوجد من * تذكارها منازل معاهد رعيلها * مثعنجر الهواطل لما نأى ساكنها * فأدمعي هواطل وللعوني معاني فخمة في شعره استحسنها معاصروه ومن بعده فحذوا حذوه في صياغة تلك المعاني لكن الحقيقة تشهد بأن الفضل لمن سبق، قال أبو سعيد محمد بن أحمد العبيدي في [الابانة عن سرقات المتنبي] ص 22 قال العوني: مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه * جيش من الحر يرمي الأرض بالشرر كأن بالجو ما بي من جوى وهوى * ومن شحوب فلا يخلو من الكدر قال المتنبي [المقتول 354]:
(1) ذكرها ابن الأثير في الكامل ج 9 ص 199، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ج 3 ص 270.
[130]
كأن الجو قاسى ما أقاسي * فصار سواده فيه شحوبا (1) وقال في ص 64 قال العوني:
يا صاحبي بعدتما فتركتما * قلبي رهين صبابة ونصاب أبكي وفاءكما وعهدكما كما * يبكي المحب معاهد الأحباب قال المتنبي: وفاء كما كالربع أشجاه طاسمه * بأن تسعدا والدمع أثجاه ساجمه (2) وقال في ص 66 للعوني في قصيدة له في أهل البيت عليهم السلام: ألا سيد يبكي بشجوي فإنني * لمستعذب ماء البكاء ومستجلي أحب ابن بنت المصطفى وأزوره * زيارة مهجور يحن إلى الوصل وما قدمي في سعيه نحو قبره * بأفضل منه رتبة مركب العقل قال المتنبي: خير أعضائنا الرؤوس ولكن * فضلتها بقصدها الأقدام قال الأميني: وحذا حذو العوني في المعنى سيدنا الشهيد السيد نصر الله الحائري في كافية له في تربة كربلاء المشرفة وقال: أقدام من زار مغناك الشريف غدت * تفاخر الرأس منه طاب مثواك (3) وشعره في أهل البيت عليهم السلام مدحا ورثاءا مثبوت في (المناقب) لابن شهر آشوب و (روضة الواعظين) لشيخنا الفتال، و (الصراط المستقيم) لشيخنا البياضي، وقد جمعنا من شعره ما يربو على ثلاثمائة وخمسين بيتا، وجمعه ورتبه العلامة السماوي في ديوان ومما رتبه قصيدته المعروفة بالمذهبة توجد في (مناقب) ابن شهر آشوب ناقصة الأطراف.
(1) من قصيدة 42 بيتا توجد في ديوانه ج 1 ص 98 يمدح بها علي بن محمد التميمي. (2) توجد القصيدة 42 بيتا في ديوانه ج 2 ص 232 وهي أول ما أنشدت سنة 337 يمدح بها سيف الدولة. (3) ولهذا البيت قصة أدبية لطيفة تأتي في ترجمة سيدنا بحر العلوم في شعراء القرن
الثاني عشر.
[131]
وسائل عن العلي الشأن * هل نص فيه الله بالقرآن بأنه الوصي دون ثان * لأحمد المطهر العدناني ؟ ! فاذكر لنا نصا به جليا أجبت يكفي (خم) في النصوص * من آية التبليغ بالمخصوص وجملة الأخبار والنصوص * غير الذي انتاشت يد اللصوص وكتمته ترتضي أميا أما سمعت يا بعيد الذهن * ما قاله أحمد كالمهني: أنت كهارون لموسى مني * إذ قال موسى لأخيه اخلفني ؟ ! فاسألهم لم خالفوا الوصيا ؟ ! أما سمعت خبر المباهله ؟ ! * أما علمت أنها مفاضله ؟ ! بين الورى فهل رأى من عادله * في الفضل عند ربه وقابله ؟ ! ولم يكن قربه نجيا أما سمعت أنه أوصاه ؟ ! * وكان ذا فقر كما تراه 5 فخص بالدين الذي يرعاه * فإن عداه وهو ما عداه غادر دينا لم يكن مرعيا فقال: هل من آية تدل * على علي الطهر لا تعل ؟ ! بحيث فيها الطهر يستقل * تدنيه للفضل فيقصي كل ويغتدي من دونه مقصيا ؟ ! فقلت: إن الله جل قالا * إذ شرف الآباء والأنسالا وآل إبراهيم فازوا آلا * إنا وهبنا لهم إفضالا
لسان صدق منهم عليا فكان إبراهيم ربانيا * ثم رسولا منذرا رضيا ثم خليلا صفوة صفيا * ثم إماما هاديا مهديا وكان عند ربه مرضيا فعندها قال: ومن ذريتي * قال له: لا، لن ينال رحمتي
[132]
وعهدي الظالم من بريتي * أبت لملكي ذاك وحدانيتي سبحانه لا زال وحدانيا 10 فالمصطفى الآمر فينا الناهي * وعادم الأمثال والأشباه فالفعل منه والمقال الزاهي * لم يصدرا إلا بأمر الله لم يتقول أبدا فريا إن كان غير ناطق عن الهوى * إلا بأمر مبرم من ذي القوى ؟ فكيف أقصاهم وأدنى المجتوى ؟ * إذن لقد ضل ضلالا وغوى ولم يكن حاشا له غويا لكنما الأقوام في السقيفة * قد نصبوا برأيهم خليفة وكان في شغل وفي وظيفة * من غسل تلك الدرة النظيفة وحزنه الذي له تهيا حتى إذا قضى الخليفة انتخب * من عقد الأمر له بين العرب ثم قضى واختار منهم من أحب * وإن تكن شورى فللشورى سبب إن كان ذا ترتيبه مقضيا ثم قضى ثالثهم فانثالوا * له الرجال تتبع الرجال فلم تسع غير القبول الحال * فقام والرضا به محال
إذ كان كل يتمنى شيا 15 فغاضبت أولهم ذات الجمل * وقام معها الرجلان في العمل فردهم سيف القضاء وفصل * ولم يكن قد سبق السيف العذل فقد تأتي حربهم مليا وغاضب الشاني لأمر سالف * فاجتاحه بذي الفقار القاصف وأصبح الناصر كالمخالف * إذ شكت الرماح بالمصاحف وأخذ الانحدار والرقيا وكان أن يرد للتسليم * إذ رد للأحبش في الهزيم فأعمل الحيلة في التحكيم * بأمر شيطانهم الرجيم
[133]
ففي الرعاة حكم الرعيا فلم يجد للكف من مناص * وأخذ التحكيم بالنواصي فجاء أهل الشام بابن العاصي * فاحتال فيها حيلة القناص غر أبا موسى الأشعريا قام أبو موسى فويق المنبر * وقال: إني خالع بحيدر كما خلعت خاتمي من خنصر * ثم جعلتها لنجل عمر يا عمر وقم أنت اخلع الشاميا فقال عمرو: أيها الناس اشهدوا * أن خلع الذي له يعتمد 20 ثم اسمعوا قولي ولا ترددوا * به فأني لابن هند أعقد فاتخذوه مذهبا عمريا فما ترى أنت بهذي الحال * من المقال ومن الأفعال ؟ ! لا تدخل المفتاح في الأقفال * تفتح عن الأضغان والاذحال
وما يكون في الحشا مطويا إن عليا عند أهل العلم * أول من سمي بهذا الاسم قد ناله من ربه في الحكم * على يدي أخيه وابن العم وحيا قديم الفضل عد مليا وهو الذي سمي في التوراة * عند الأولى هاد من الهداة بالنص والتصريح في البراة * برغم من سيئ من العداة من كل عيب في الورى بريا وهو الذي يعرف عند الكهنه * إذ جمعوا التوراة في الممتحنه فأخذوا من كل شيئ حسنه * وهم لتوراة الكليم الخزنه ليوردوا الحق لهم بوريا وهو الذي يعرف في الانجيل * برتبة الاعظام والتبجيل 25 وميزة الغرة والتحجيل * وفوزة الرقيب للمجيل وكان يدعى عندهم أليا
[134]
وهو الذي يعرف بالزبور * زبور داود حليف النور وذي العلا والعلم المنشور * في اسم الهزبر الأسد الهصور ليث الوغا أعني به آريا وهو الذي تدعوه ما بين الورى * أكابر الهند وأشياخ القرى ذووا العلوم منهم بكنكرا * لانه كان عظيما خطرا وكنكر كان له سميا وهو الذي يعرف عند الروم * ببطرس القوة والعلوم وصاحب الستر لها المكتوم * ومالك المنطوق والمفهوم
ومن يكن ذا يدع بطرسيا وهو الذي يعرف عند الفرس * لدى التعاليم وعند الدرس بغرسنا وذاك اسم قدسي * معناه قابض بكل نفس كما دعوه عندهم باريا 30 وهو الذي يعرف عند الترك * تيرا وذاك مشبه المحك وإنه يرفع كل شك * عن كل حاك قوله ومحكي إذا عرفت المنطق التركيا وهو الذي يدعونه في الحبش * بتريك أي مدبر لا يختشي لقدرة به وبطش مدهش * وينعتونه بأقوى قرشي فاسئل به من يعرف الحبشيا وهو الذي يعرف عند الزنج * بحنبني أي مهلك ومنج وقاطع الطريق في المحج * إلا بإذن في سلوك النهج فإن أردت فاسأل الزنجيا وهو فريق بلسان الأرمن * فاروقه الحق لكل مؤمن تعرفه أعلامهم في الزمن * فاسأل به إن كنت ممن يعتني تحقيقه من كان أرمنيا وهو الذي سمته تلك الجوهره * إذ ولدت في الكعبة المطهره
[135]
وخرجت به فقال الجمهره: * من ذا ؟ فقالت: هو شبلي حيدره ولدته مطهرا قدسيا هذا وقد لقبه ظهيرا * أبوه إذ شاهده صغيرا 35 يصرع من إخوانه الكبير ا * مشمرا عن ساعد تشميرا
وكان عبلا فتلا (1) قويا ولقبته ظئره (2) ميمونا * إذ رأت السعد به مقرونا فكان درا عندها مكنونا * يحمي أخا رضاعه المنونا ثم يدر ثديها الأبيا واسم أخيه في بني هلال * معلق الميمون بالحبال يذكره في سمر الليالي * رجالهم فاسمع من الرجال موهبة خص بها صبيا والاسم عند الله في العلى علي * وهو الصحيح والصريح والجلي اشتقه من اسمه في الأزل * كمثل ما اشتق لخير الرسل ومنح النبي والوصيا واتفقت آراء أهل العلم * على اسمه من دون معنى الاسم فاختلفت في قصده والفهم * له وكل لم يطش بسهم إذ قد أصاب الغرض المرقيا فقال قوم: قد علا برازا * أقرانه وابتزها ابتزازا 40 فما رآه القرن إلا انحازا * وكان دونا سافلا فامتازا فهو علي إذ علا العديا وقال قوم: قد علا مكانا * متن النبي ورمى الأوثانا إذ لم يطق حمل نبي كانا * من ثقل الوحي حكى ثهلانا فنال منه المنزل العليا
(1) عبل: الضخم الغليظ. فتل من فتله وهي شدة عصب الذراع. (2) الظئر: المرضعة.
[136]
وقال فرقة: علي الدار * في جنة الخلد مع المختار علاه ذوالعرش على الأبرار * في روضة تزهو وفي أنهار فنال منه المرتضى العلويا وقال فرقة: علاهم علما * فكان أقضاهم لذاك حكما ومن إلى القضاء قد تسمى * يكون أعلى رفعة وأسمى فوال ذاك العالم السميا ودع تآويل الكتاب والخبر * وخذ بما بان لديك وظهر قد خاطب الله به خير البشر * ليفهموا الأحكام في بادي النظر ويعرفوا النبي والوصيا 45 فاستمسكن بالعروة الوثقى التي * لم تنفصم عنه ولم تنفلت تمش على الصراط لم تلتفت * في قدم رأس وقلب مثبت حتى تجوز سالما سويا إلى جنان الخلد في أعلى الرتب * إذ ينثني كل امرء مع من أحب موهبة ممن له الشكر وجب * فهو أبر خالق وخير رب عزوجل ملكا قويا يا رب عبدك الذي غمرته * بالفضل والإنعام مذ صيرته وقد عصى جهلا وقد أمرته * إن تاب فالذنب له غفرته قد تبت فاغفر ذنبي العديا يا رب ما لي عمل سوى الولا * لأحمد وآله أهل العلا صنو الرسول والوصي المبتلى * وفاطم والحسنين في الملا غرا تزين العرش والكرسيا ثم علي وابنه محمد * وجعفر الصدق وموسى المهتدي
ثم علي والجواد الأجود * محمد ثم علي الأمجد والحسن الذي جلا المهديا 50 فأعطني بهم جمال الدنيا * وراحة القبر زمان البقيا
[137]
والأمن والستر بحشر المحيا * والري من كوثر أهل السقيا والحشر معهم في العلى سويا يا طلح إن تختم بهذا في العمل * لم يدن منك فزع ولا وجل وأنت طلح الخير إن جاء الأجل * بالأجر من رب الورى عزوجل كفى بربي راحما كفيا وله يمدح أمير المؤمنين عليه السلام: أنا مولى لمن يقول رسول الله * فيه ما بين جم غفير: سوف تأتي يوم القيامة ركب * خمسة ما لغيرنا من ظهور أنا منهم على البراق وبعدي * بضعتي فاطم تسير مسيري تحتها يوم ذاك ناقتي العضباء * تطوي الفجاج طي المغير وأبي إبراهيم فوق ذلول * عز قدرا بنا على الجمهور 5 وأخي صالح على ناقة الله * أمامي في العالم المحشور وعلي على أغر من الجنة * ما خطب نعته باليسير في يديه من فوق رأسي لواء * الحمد للواحد الحميد الشكور وعليه تاج بديع من النور * يزاهي بإكليله المستدير قد أضاءت من نوره عرصة * الحشر فيا حسن ذاك من منظور 10 ولتاج الوصي سبعون ركنا * كل ركن كالكوكب المستنير فلربي الحمد الكثير على ما * قد حباني من حبه بالكثير
وله يرثي الإمام السبط المفد صلوات الله عليه: يا قمرا غاب حين لاحا * أورثني فقدك المناحا يا نوب الدهر لم يدع لي * صرفك من حادث صلاحا أبعد يوم الحسين ويحيى * أستعذب اللهو والمزاحا ؟ ! كربت كي تهتدي البرايا * به وتلقى به النجاحا فالدين قد لف بردتيه * والشرك ألقى لها جناحا 5 فصار ذاك الصباح ليلا * وصار ذاك الدجى صباحا
[138]
فجاء إذ كاتبوه يسعي * لكي يريها الهدى الصراحا حتى إذا جاءهم تنحوا * لا بل نحوا قتله اجتياحا وأنبتوا البيد بالعوالي * والقضب واستعجلوا الكفاحا 10 فدافعت عنه أولياه * وعانقوا البيض والرماحا سبعون في مثلهم الوفا * فأثخنوا بينهم جراحا ثم قضوا جملة فلاقوا * هناك سهم القضا المتاحا فشد فيهم أبو علي * وصافحت نفسه الصفاحا يا غيرة الله لا تغيثي * منهم صياحا ولا ضباحا 15 ثم انثنى ظامئا وحيدا * كما غدا فيهم وراحا ولم يزل يرتقي إلى أن * دعاه داعي اللقا فصاحا دونكم مهجتي فأني * دعيت أن أرتقي الضراحا فكلكلوا فوقه فهذا * يقطع رأسا وذا جناحا يا بأبي أنفسا ظماء * ماتت ولم تشرب المباحا 20 يا بأبي أوجها صباحا * باكرها حتفا صباحا
يا بأبي أجسما تعرت * ثم اكتست بالدماء وشاحا (1) يا سادتي يا بني علي * بكى الهدى فقدكم وتاحا أوحشتم الحجر والمساعي * آنستم القفر والبطاحا أوحشتم الذكر والمثاني * والسور الطوال الفصاحا 25 لا سامح الله من قلاكم * وزاد أشياعكم سماحا وله في الإمام الصادق صلوات الله عليه: عج بالمطي على بقيع الغرقد * واقرا التحية جعفر بن محمد وقل: ابن بنت محمد ووصيه * يا نور كل هداية لم تجحد يا صادقا شهد الإله بصدقه * فكفى شهادة ذي الجلال الأمجد يا بن الهدى وأبا الهدى أنت الهدى * يا نور حاضر سر كل موحد
(1) الوشاح: شبه قلادة من نسيج عريض يرصع بالجوهر.
[139]
يا بن النبي محمد أنت الذي * أوضحت قصد ولاء آل محمد يا سادس الأنوار يا علم الهدى * ضل امرؤ بولائكم لم يهتدي وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه: تخيره الله من خلقه * فحمله الذكر وهو الخبير وأنزل بالسور المحكمات * عليه كتاب مبين منير وأغشاه نورا وناداه: قم * وأنذر فأنت البشير النذير فلاح الهدى واضمحل العمى * وولى الضلال وعيف الغرور فوصى عليا فنعم الوصي * ونعم الولي ونعم النصير (1) وله من قصيدة في الأئمة الطاهرين عليهم السلام قوله: نص على ست وست بعده * كل إمام راشد برهانه
صلى عليه ذو العلى ولم يزل * يغشاه منه أبدا رضوانه وله من قصيدة أخرى: وقلت: (براثا) كان بيتا لمريم * وذاك ضعيف في الأسانيد أعوج ولكنه بيت لعيسى بن مريم * وللأنبياء الزهر مثوى ومدرج وللأوصياء الطاهرين مقامهم * على غابر الأيام والحق أبلج بسبعين موصى بعد سبعين مرسل * جباههم فيها سجود تشجج وآخرهم فيها صلاة إمامنا * علي بذا جاء الحديث المنهج وله من قصيدة كبيرة يمدح بها أهل البيت عليهم السلام: ألست ترى جبريل وهو مقرب * له في العلى من راحة القصد موقف ؟ ! يقول لهم أهل العبا: أنا منكم ! ؟ * فمن مثل أهل البيت إن كنت تنصف ؟ ! نعم آل طاها خير من وطئ الحصى * وأكرم أبصار على الأرض تطرف هم الكلمات الطيبات التي بها * يتاب على الخاطي فيحبا ويزلف هم البركات النازلات على الورى * تعم جميع المؤمنين وتكنف هم الباقيات الصالحات بذكرها * لذاكرها خير الثواب المضعف
(1) أشار بهذه الأبيات إلى حديث العشيرة المذكور في الجزء الثاني ص 278 - 287.
[140]
هم الصلوات الزاكيات عليهم * يدل المنادي بالصلاة ويعكف هم الحرم المأمون آمن أهله * وأعداؤه من حوله تتخطف هم الوجه وجه الله والجنب جنبه * وهم فلك نوح خاب عنه المخلف هم الباب باب الله والحبل حبله * وعروته الوثقى تواري وتكنف وأسمائه الحسنى التي من دعا بها * أجيب فما للناس عنها تحرف ذكر السمعاني في (الأنساب): أن العوني كان شاعر الشيعة وذكر الصحابة و
ثلبهم في قصيدة أولها: ليس الوقوف على الأطلال من شاني سمعت أن عمر بن عبد العزيز لما بلغه عنه سب الصحابة أمر به فضرب بالعمود بالمدينة فمات فيه. قال الأميني: خفي على (السمعاني) اسم العوني وعصره ومدفنه وأن القصيدة النونية المذكورة إنما هي لأبي محمد عبد الله بن عمار البرقي أحد شعراء أهل البيت وشي به إلى المتوكل وقرئت له نونيته فأمر بقطع لسانه وإحراق ديوانه ففعل به ذلك ومات بعد أيام وذلك سنة 245 ومن النونية قوله. فهو الذي امتحن الله القلوب * عما يجمجمن من كفر وإيمان وهو الذي قد قضى الله العلي له * أن لا يكون له في فضله ثان وإن قوما رجوا إبطال حقكم * أمسوا من الله في سخط وعصيان لن يدفعوا حقكم إلا بدفعهم * ما أنزل الله من آي وقرآن فقلدوها لأهل البيت أنهم * صنو النبي وأنتم غير صنوان
[141]
القرن الرابع (32) ابن حماد العبدي (1) ألا قل لسلطان الهوى: كيف أعمل * لقد جار من أهوى وأنت المؤمل ؟ ! أأبدي إليك اليوم ما أنا مضمر * من الوجد في الأحشاء أم أتحمل ؟ ! ؟ ! وما أنا إلا هالك إن كتمته * ولا شك كتمان الهوى سوف يقتل فخذ بعض ما عندي وبعض أصونه * فإن رمت صون الكل فالحال مشكل
لقد كنت خلوا من غرام وصبوة * أبيت وما لي في الهوى قط مدخل 5 إلى أن دعاني للصبابة شادن * تحير فيه الواصفون وتذهل بديع جمال لو يرى الحسن حسنه * لفر اختيارا أنه منه أجمل فسبحان من أنشاه فردا بحسنه * فلا تعجبوا فالله ما شاء يفعل دعاني فلم ألبث ولبيت عاجلا * وما كنت لولا ذلك الحسن أعجل بذلت له روحي وما أنا مالك * وفي مثله الأرواح والمال تبذل 10 وصرت له خدنا ثلثون حجة * أعانق منه الشمس والليل أليل بسمعي وقر إن لحا فيه كاشح * كذاك به عن عذل من راح يعذل إلى أن بدا شيبي ولاح بياضه * كما لاح قرن من سنا الشمس مسدل وبدل وصلي بالجفا متعمدا * وما خلته للهجر والصد يفعل فحاولته وصلا فقال لي ابتدأ * وإلا يمينا إنه ليس يقبل 15 وفر كما من (حيدر) فر قرنه * وقد ثار من نقع السنابك قسطل غداة رأته المشركون وسيفه * بكفيه منه الموت يجري ويهطل حسام كصل الريم في جنباته * دبيب كما دبت على الصخر أنمل
[142]
إذا ما انتضاه واعتزى وسط مازق * تزلزل خوفا منه رضوى ويذبل 20 به مرحب عض التراب معفرا * وعمرو بن ود راح وهو مجدل وقام به الاسلام بعد اعوجاجه * وجاء به الدين الحنيف يكمل إلى أن يقول فيها: هو الضارب الهامات والبطل الذي * بضربته قد مات في الحال نوفل وعرج جبريل الأمين مصرحا * يكبر في افق السما ويهلل أخو المصطفى يوم (الغدير) وصنوه * ومضجعه في لحده والمغسل
25 له الشمس ردت حين فاتت صلاته * وقد فاته الوقت الذي هو أفضل فصلى فعادت وهي تهوي كأنها * إلى الغرب نجم للشياطين مرسل أما قال فيه أحمد وهو قائم * على منبر الأكوار والناس نزل ؟ (1): علي أخي دون الصحابة كلهم * به جاءني جبريل إن كنت تسأل على بأمر الله بعدي خليفة * وصيي عليكم كيف ما شاء يفعل 30 ألا إن عاصيه كعاصي محمد * وعاصيه عاصي الله والحق أجمل ألا إنه نفسي ونفسي نفسه * به النص أنبا وهو وحي منزل ألا إنني للعلم فيكم مدينة * علي لها باب لمن رام يدخل ألا إنه مولاكم ووليكم * وأقضاكم بالحق يقضي ويعدل فقالوا جميعا: قد رضيناه حاكما * ويقطع فينا ما يشاء ويوصل 35 ويكفيكم فضلا غداة مسيره * إلى (يثرب) والقوم تعلوا وتسفلوا وقد عطشوا إذ لاح في الدير قائم * لهم راهب جم العلوم مكمل فناداه من بعد وأعلا بصوته * فكاد على خوف من الرعب ينزل فأشرف مذعورا فقال: فهل ترى * بقربك ماءا أيها المتبتل ؟ ! فقال: وأنى بالمياه وأرضنا * جبال وصخر لا ترام وجندل ؟ ! 40 ولكن في الانجيل إن بقربنا * على فرسخين لا محالة منهل ولم يره إلا نبي مطهر * وإلا وصي للنبي مفضل
(1) في بعض المصادر: والجمع حفل.
[143]
فسار على اسم الله للماء طالبا * وراهب ذاك الدير بالعين يأمل فأوقف والفرسان حول ركابه * ونار الظما في أنفس القوم تشعل فقال لهم: يا قوم هذا مكانكم * فمن رام شرب الماء للحفر ينزل
45 فما كان إلا ساعة ثم أشرفوا * على صخرة صماء لا تتقلقل لجينية ملسا كأن أديمها * اذيب عليها التبر أو ريف منخل فقال: اقلبوها فاعتزوا عند أمره * على ذاك كلا وهي لا تتجلجل فقالوا جميعا: يا علي فهذه * صفات بها تعي الرجال وتذهل فمد إليها ما انحنى فوق سرجه * يمينا لها إلا غدت وهي أسفل 50 وزج بها كالعود في كف لاهب * فبان لهم عذب من الماء سلسل فأوردهم حتى اكتفوا ثم عادها * على الجب لا يعي ولا يتململ فلما رآها الراهب انحط مسرعا * لكفيه ما بين الأنام يقبل وأسلم لما أن رأوا هو قائل *: أظنك آليا وما كنت أجهل [القصيدة 104 بيتا] (2) من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لعمرك يا فتى يوم (الغدير) * لأنت المرء أولى بالأمور وأنت أخ لخير الخلق طرا * ونفس في مباهلة البشير وأنت الصنو والصهر المزكى * ووالد شبر وأبو شبير وأنت المرء لم تحفل بدنيا * وليس له بذلك من نظير 5 لقد نبعت له عين فضلت * تفور كأنها عنق البعير فوافاه البشير بها مغذا * فقال علي: أبشر يا بشيري لقد صيرتها وقفا مباحا * لوجه الله ذي العز القدير وكان يقول: يا دنياي غري * سواي فلست من أهل الغرور وصابر مع حليلته الأذايا * فنالا خير عاقبة الصبور 10 وقالت أم أيمن: جئت يوما * إلى الزهراء في وقت الهجير
[144]
فلما أن دنوت سمعت صوتا * وطحنا في الرحاء بلا مدير فجئت الباب أقرعه نغورا * فما من سامع لي في نغوري فجئت المصطفى وقصصت شأني * وما أبصرت من أمر زعور فقال المصطفى: شكرا لرب * بإتمام الحباء لها جدير 15 رآها الله متعبة فألقى * عليها النوم ذو المن الكثير ووكل بالرحا ملكا مديرا * فعدت وقد ملئت من السرور تزوج في السماء بأمر ربي * بفاطمة المهذبة الطهور وصير مهرها خمس الأراضي * بما تحويه من كرم وخير فذا خير الرجال وتلك خير * النساء ومهرها خير المهور 20 وابناها الأولى فضلوا البرايا * بتنصيص اللطيف بها الخبير وصير ودهم أجرا لطاها * بتبليغ الرسالة في الأجور * (بيان) * في هذه القصيدة إيعاز إلى جملة من فضايل أمير المؤمنين عليه السلام منها حديث المؤاخاة الذي أسلفناه في ج 3 ص 112 - 125. وقصة المباهلة وإنه فيها نفس النبي الأقدس بنص من الكتاب (1). ومنها حديث نبعة العين، أخرجه الحافظ ابن السمان في الموافقة وعنه محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 228: إن عمر أقطع عليا ينبع ثم اشترى أرضا إلى جنب قطعته فحفر فيها عينا فبينما هم يعملون فيها إذا انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتي علي فبشر بذلك فقال: بشروا الوارث. ثم تصدق بها. الحديث (2). وقال ابن أبي الحديد في شرحه 2 ص 260: جاء في الأثر: إن أمير المؤمنين عليه السلام جاءه مخبر فأخبره: إن مالا له قد انفجرت فيه عين خرارة يبشره بذلك. فقال: بشر الوارث. بشر الوارث يكررها ثم وقف ذلك المال على الفقراء وكتب به
كتابا في تلك الساعة. وإلى صدقات أمير المؤمنين في ينبع أشار الحموي في (معجم البلدان) 8 ص
(1) في قوله تعالى: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (آل عمران 61) (2) وبهذا اللفظ يوجد في (الإمام على) تأليف الشيخ محمد رضا المصري ص 17.
[145]
256، والسمهودي في وفاء الوفاء 2 ص 393 وغيرهما. ومنها قوله عليه السلام: يا دنيا غري غيري. أخرجه جمع من الحفاظ كما مر في ج 2 ص 287. ومنها حديث طحن الرحا بلا مدير. أخرجه الحفاظ بلفظ أبي ذر الغفاري قال أرسله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي عليا فرأى رحى تطحن في بيته وليس معها أحد فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال: يا أبا ذر ؟ أما علمت إن لله ملائكة سياحين في الأرض قد وكلوا بمعاونة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1). ومنها حديث زواج الزهراء الصديقة ذكرناه في الجزء الثاني ص 315 - 319 و ج 3 ص 20 -. ومنها: إن ود آل محمد أجر رسالته صلى الله عليه وآله وسلم وقد مر تفصيله في الجزء الثاني ص 306 - 311. (3) من قصيدة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام أرض الآله وأسخط الشيطانا * تعط الرضا في الحشر والرضوانا وامحض ولاءك للذين ولاؤهم * فرض على من يقرأ القرآنا آل النبي محمد خير الورى * وأجلهم عند الإله مكانا قوم قوام الدين والدنيا بهم * إذ أصبحوا لهما معا أركانا
قوم إذا أصفى هواهم مؤمن * يعطى غدا مما يخاف أمانا 5 قوم يطيع الله طائع أمرهم * وإذا عصاه فقد عصى الرحمانا وهم الصراط المستقيم وحبهم * يوم المعاد يثقل الميزانا والله صيرهم لمحنة خلقه * بين الضلالة والهدى فرقانا حفظوا الشريعة قائمين بحفظها * ينفون عنها الزور والبهتانا وأتى القرآن بفرض طاعتهم على * كل البرية فاسمع القرآنا 10 وتوالت الأخبار أن محمدا * بولائهم وبحفظهم أوصانا * هامش * (1) سيرة الملا، الرياض النضرة 2 ص 223، الإصابة ص 105، إسعاف الراغبين ص 158، أعجب ما رأيت 1 ص 8، الإمام على للشيخ محمد رضا ص 18.
[146]
من سبحت في كفه بيض الحصا * ليكون ذاك لصدقه تبيانا من أنزل الله الكتاب عليه في * كل العلوم ليغتدي برهانا من بلغ الدنيا بنصب وصيه * يوم (الغدير) ليكمل الإيمانا 15 من ذاله يوم (الغدير) فضيلة * إذ لا تطيق لفضله جحدانا من آكل الطير الذي لم يستطع * خلق له جحدا ولا كتمانا من آكل القطف الجني على حرى * وإليه أهدى ربه رمانا من فيه أنزل هل أتى رب العلى * وجزاه حور العين والولدانا من نص أحمد في مزاياه التي * لم يعطها رب العلى إنسانا 20 من لا يواليه سوى ابن نجيبة * حفظت أباه وراعت الرحمانا [القصيدة 27 بيتا] (4) يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الغدير:
يا عيد يوم الغدير * عد بالهنا والسرور ففيك أضحى علي * أمير كل أمير غداة جبريل وافى * من السميع البصير وقال: يا أحمد انزل * بجنب هذا الغدير 5 بلغ وإلا فما كنت * قائما بالأمور فأنزل الجمع كلا * ثم اعتلى فوق كور وقال: قد جاء أمر * من اللطيف الخبير بأن أقيم عليا * خليفة في مسيري فبايعوه فما في الورى * له من نظير 10 إمام كل إمام * مولى لكل كبير باب إلى كل رشد * نور علا كل نور وحجة الله بعدي * على الجهود الكفور
[147]
وبعده الغر منه * فهم كعد الشهور أسماؤهم في المثاني * كثيرة للذكور في صحف موسى وعيسى * مكتوبة والزبور 15 ما زال في اللوح سطرا * يلوح بين السطور تزور أملاك ربي * منه لخير مزور وأشهد الله فيما * أبدي وكل الحضور فقام من حل خما * من بين جم غفير وبايعوه بأيد * مخالفات الضمير 20 والله يعلم ماذا * أخفوا بذات الصدور
5 وله يمدحه صلوات الله عليه: ما لعلي سوى أخيه * محمد في الورى نظير (1) فداه إذ أقبلت قريش * إليه في الفرش تستطير وكان في الطائف انتجاه * فقال أصحابه الحضور: أطلت نجواك من علي * فقال ما ليس فيه زور: ما أنا ناجيته ولكن * ناجاه ذو العزة الخبير 5 وقال في خم: إن عليا * خليفة بعده أمير وكان قد سد باب كل * سواه فاستغرت الصدور وأكثروا القول في علي * بذا ودبت له الشرور فقال: ما تبتغون منه ؟ ! * وهو سميع لهم بصير ما أنا أوصدتها ولكن * أوصدها الآمر القدير 10 يا قوم إني امتثلت أمرا * أوحاه لي الراحم الغفور
(1) أشار به إلى ما أخرجه الحافظ محب الدين الطبري في رياضه 2 ص 164 عن أنس بن مالك قال: رسول الله صلى اله عليه وآله: ما من نبي إلا وله نظير من أمته وعلي نظيري. ورواه غيره من الحفاظ.
[148]
فكان هذا له دليلا * بأنه وحده الظهير (6) وله من قصيدة كبيرة في مدحه صلوات الله عليه: وقال لأحمد بلغ قريشا * أكن لك عاصما إن تستكينا فإن لم تبلغ الأنباء عني * فما أنت المبلغ والأمينا فأنزل بالحجيج (غدير خم) * وجاء به ونادى المسلمينا
فأبرز كفه للناس حتى * تبينها جميع الحاظرينا 5 فأكرم بالذي رفعت يداه * وأكرم بالذي رفع اليمينا فقال لهم وكل القوم مصغ * لمنطقه وكل يسمعونا: ألا هذا أخي ووصي حق * وموفي العهد والقاضي الديونا ألا من كنت مولاه فهذا * له مولى فكونوا شاهدينا تولى الله من والى عليا * وعادى مبغضيه الشانئينا * * * 10 وجاء عن ابن عبد الله: إنا (1) * به كنا نمين المؤمنينا فنعرفهم بحبهم عليا * وإن ذوي النفاق ليعرفونا ببغضهم الوصي ألا فبعدا * لهم ماذا عليهم ينقمونا ومما قالت الأنصار كانت * مقالة عارفين مجربينا ببغضهم علي الهادي عرفنا * وحققنا نفاق منافقينا (7) من قصيدة له يمدحه سلام الله عليه: يوم (الغدير) لأشرف الأيام * وأجلها قدرا على الاسلام يوم أقام الله فيه إمامنا * أعني الوصي إمام كل إمام قال النبي بدوح (خم) رافعا * كف الوصي يقول للأقوام
(1) ابن عبد الله هو جابر الأنصاري أخرج الحفاظ حديثه هذا كما مر في الجزء الثالث 182
[149]
: من كنت مولاه فذا مولى له * بالوحي من ذي العزة العلام هذا وزيري في الحياة عليكم * فإذا قضيت فذا يقوم مقامي يا رب والي من أقر له الولا * وانزل بمن عاداه سوء حمام
فتهافتت أيدي الرجال لبيعة * فيها كمال الدين والأنعام (8) من قصيدة له يمدحه عليه السلام تروم فساد دليل النصوص * ونصر الإجماع ما قد جمع ألم تستمع قوله صادقا * غداة (الغدير) بما ذا صدع ؟ ! ألا إن هذا ولي لكم * أطيعوا فويل لمن لم يطع وقال له: أنت مني أخي * كهارون من صنوه فاقتنع وقال له: أنت باب إلى * مدينة علمي لمن ينتجع 5 وقال لكم: هو أقضاكم * وكل لمن قد مضى متبع ويوم برائة نص الإله * جل عليه فلا تختدع وسماه في الذكر نفس الرسول * يوم التباهل لما خشع ويوم المواخاة نادى به *: أخوك أنا اليوم بي فارتفع ويوم أتى الطير لما دعا * النبي الآله وأبدى الضرع 10 أيا رب ابعث أحب الأنام * إليك لنأكل في مجتمع فلم يستتم النبي الدعاء * إلا وقد جاء ثم ارتجع ثلاث مرار فلما انتهى * إلى الباب دافعه واقتلع فقال النبي له: ادخل فقد * أطلت احتباسك يا ذا الصلع فخبره: إنه قد أتى * ثلاثا ودافعه من دفع 15 فقطب في وجه من رده * وأنكر ما بأخيه صنع ووارثه برصا فاحشا * فظل وفي الوجه منه بقع ففيم تخيرتم غير من * تخيره ربكم واصطنع ؟ ! وكيف تعارض هذي النصوص * بإجماع ذي الحقد أو ذي الطمع ؟ !
[150]
(9) وله من قصيدة في المديح يا سائلي عن (حيدر) أعييتني * أنا لست في هذا الجواب خليقا الله سماه عليا باسمه * فسما علوا في العلا وسموقا واختاره دون الورى وأقامه * علما إلى سبل الهدى وطريقا أخذ الإله على البرية كلها * عهدا له يوم (الغدير) وثيقا وغداة واخى المصطفى أصحابه * جعل الوصي له أخا وشقيقا فرق الضلال عن الهدى فرقى إلى * أن جاوز الجوزاء والعيوقا ودعاه أملاك السماء بأمر من * أوحى إليهم حيدر الفاروقا وأجاب أحمد سابقا ومصدقا * ما جاء فيه فسمي الصديقا فإذا ادعى هذه الأسامي غيره * فليأتنا في شاهد توثيقا أشار إلى ما مر في الجزء الثاني ص 312 - 314 والجزء الثالث ص 187 من أن عليا هو صديق هذه الأمة وفاروقها بنص صحيح ثابت من النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم (10) من قصيدة له يمدحه صلوات الله عليه. يا راكبا اجدا (1) تخب وتوضع * في سرعة والشوق منها أسرع لله ما أخطأك من رجل له * عند الغري لبانة لا تمنع يجلي عليك من الهداية مشرق * ومن الإمامة والولاية مطلع جدث به نور الهدى مستودع * في ضمنه العلم البطين الأنزع 5 جدث يدل عليه طيب نسيمه * قبل الورود وضوء نور يلمع جدث ربيع المؤمنين بربعه * فقلوبهم أبدا له تتطلع جدث به الرضوان والغفران والإيمان * والفضل الذي تتوقع
جدث تحج إليه أملاك السما * إذ في جوانبه المناسك أجمع
(1) ناقة أجد: قوية.
[151]
بعض قيام خاضعون لفضله * أبدا وبعض ساجدون وركع فإذا وصلت إليه فالثم تربه * في مدمع يجري وقلب يخشع 10 وقل: السلام عليك يا مولى يرى * عملي ويشهد ما أقول ويسمع إني قصدتك زائرا ومسلما * ومواليا يا من يضر وينفع لتكون لي يوم القيامة شافعا * وهواك يقدمني إليك ويشفع عجبا لعمي عن ولاك ونوره * كالشمس طالعة تضيئ وتسطع فكأنهم لم يسمعوا ما قاله * فيك المهيمن في الكتاب ولم يعوا 15 أو ليس من يهدي إلى الحق الذي * ينجي أحق بالاتباع فيتبع ؟ ! أولم يك السور الذي أضحى له * باب وفيه للمحاول مقمع ؟ ! والباب باطنه المغيب رحمة * لكن ظاهره العذاب الأفظع تركوا سبيل الرشد بعد نبيهم * سفها وتاهوا في العمى وتسكعوا أنى ينال مفاخر فخر امرء * ساد البرية وهو طفل يرضع ؟ 20 والله ما قعد الوصي لذلة * عنهم فإنهم أذل وأوضع لكن أراد بأن يقيم عليهم * الحجج التي أسبابها لا تدفع غدروا به يوم (الغدير) ولم يفوا * ولعهده المسؤول منهم ضيعوا يا قاسم النيران أقسم صادقا * بهواك حلفة مؤمن يتشيع أنت الصراط المستقيم على لظى * وإليك منها يا علي المفزع 25 والحوض حوضك فيه ماء بارد * في البعث تسقي من تشاء وتمنع ولك المفاتح أنت تسكن ذا لظى * يصلى وهذا في الجنان يمتع
إني زرعت هواك في أرض الحشا * والمرء يحصد في غد ما يزرع (11) من قصيدة له يمدح أمير المؤمنين عليه السلام: علي علي القدر عند مليكه * وإن أكثرت فيه الغواة ملامها وعروته الوثقى التي من تمسكت * يداه بها لم يخش قط انفصامها
[152]
فكم ليلة ليلاء لله قامها * وكم ضحوة مسجورة الحر صامها وكم غمرة للموت في الله خاضها * وأركان دين للنبي أقامها 5 فواخاه من دون الأنام فيالها * غنيمة فوز ما أجل اغتنامها وولاه في يوم (الغدير) على الورى * فأصبح مولاها وكان إمامها هو المختلي في بدر أرؤس صيدها * كما تختلي شهب البزاة حمامها وصاحب يوم الفتح والراية التي * برجعتها أخزى الإله دلامها فقال: سأعطيها غدا رجلا بها * ملبا يوفي حقها وذمامها 10 وقال له: خذ رايتي وامض راشدا * فما أنا أخشى من يديك انهزامها فمر أمير المؤمنين مشمرا * برايته والنصر يسري أمامها وزج بباب الحصن عن أهل خيبر * وسقي الأعادي حتفها وحمامها وجدل فيها مرحبا وهو كبشها * وأوسع آناف اليهود ارتغامها وسل عنه في سلع وعن عظم فعله * بعمرو ونار الحرب تذكي اضطرامها 15 وأفئدة الأبطال ترجف هيبة * وقد أخفت الرعب الشديد كلامها فقام إليه من أقام بسيفه * حلائله ثكلى تطيل التدامها وقال: على تأويل ما الله منزل * تقاتل بعدي يا علي طغامها فقاتل جيش الناكثين لعهدهم * وأثكل يوم القاسطين شئامها
وأجرى بيوم المارقين دماءهم * وأخلى من الأجسام بالسيف هامها (12) من قصيدة له يمدحه صلوات الله عليه: ولاء المرتضى عددي * ليومي في الورى وغدي أمير النحل مولى الخلق * في (خم) على الأبد غداة يبايعون المرتضى * أمرا بمد يد شبيه المصطفى بالفضل لم ينقص ولم يزد 5 وجنب الله في كتب * وعين الواحد الصمد
[153]
فلن تلد النسا شبها * له كلا ولم تلد مجلي الكرب يوم الحرب * في بدر وفي أحد وخيبر والنظير كذا * وسلع خندق البلد إذ الهيجاء هاج لها * بقلب غير مرتعد ترى الأبطال باطلة * لخوف الفارس الأسد 10 فأنفسهم مودعة * لهم بتنفس الصعد وقد خفتوا لهيبته * فلست تحس من أحد فلم تسمع لغير البيض * فوق البيض والزرد (1) ولشاعرنا العبدي غديريات أخرى يأتي بعضها ونصفح عن بعضها. * (الشاعر) * أبو الحسن علي بن حماد بن عبيد الله بن حماد العدوي العبدي (2) البصري. كان حماد والد المترجم أحد شعراء أهل البيت عليهم السلام كما ذكره ولده شاعرنا في شعره بقوله من قصيدة:
وإن العبد عبدكم عليا * كذا حماد عبدكم الأديب رثاكم والدي بالشعر قبلي * وأوصاني به أن لا أغيب والمترجم له علم من أعلام الشيعة، وفذ من علمائها، ومن صدور شعرائها، ومن حفظة الحديث المعاصرين للشيخ الصدوق ونظرائه، وقد أدركه النجاشي وقال في رجاله: قد رأيته. غير أنه يروي عنه كتب أبي أحمد الجلودي البصري المتوفى سنة 332 بواسطة الشيخ أبي عبد الله بن الحسين بن عبيد الله الغضايري المتوفى سنة 411، فهو من مشايخ هذا الشيخ المعظم الواقعين في سلسلة الإجازات، والمعدودين من مشايخ الرواة، وأساتذة حملة الحديث، وحسبه ذلك دلالة على ثقته وجلالته وتضلعه في العلم والحديث.
(1) الزرد والزرد: حلق المغفر والدرع. (2) نسبة إلى عبد القيس كما يأتي في شعر المترجم.
[154]
وأما الشعر فلا يشك أحد أنه من ناشري ألويته، وعاقدي بنوده، ومنظمي صفوفه، وقائدي كتائبه، وسايقي مقانبه، وجامعي شوارده، وقد اطرد ذكره في المعاجم (1) كما تداول شعره في الكتب والمجاميع وهو من المكثرين في أهل البيت عليهم السلام مدحا ورثاءا ولقد أكثر وأطاب، وجاهر بمديحهم وأذاع حتى عده ابن شهر آشوب في المجاهرين من شعرائهم، وجمع شعره فيهم صلوات الله عليهم مدحا ورثاءا العلامة السماوي في ديوان يربو على 2200 بيتا، وجل شعره يشف عن تقدمه الظاهر في الأدب، وأشواطه البعيدة في فنون الشعر، وخطواته الواسعة في صياغة القريض، كما أنه ينم عن علمه المتدفق، وتضلعه في الحديث، وبذل كله في بث فضائل آل الله، وجمع شوارد الحقايق الراهنة في المذهب الحق، ونشر ما ورد منها في الكتاب والسنة، وإقامة الدعوة إلى سنن الهدى، فشعره بعيد عن الصور
الخيالية بل هو لسان حجاج وبرهنة، ونظم بينات ودلائل، وبيان قيم لمذهبه العلوي. قال نجم الدين العمري في [المجدي] في ذكر ولد زيد بن علي: أنشدني أبو علي بن دانيال وكان من ذي رحمي رحمه الله من قصيدة أنشدها إياه الشيخ أبو الحسن علي بن حماد بن عبيد العبدي الشاعر البصري رحمه الله لنفسه. قال ابن حماد وقال له فتى * قد حاء يسأله: جهلتك فاعذر قد كنت أصبو أن أراك فأقتدي * بصحيح رأيك في الطريق الأنوار وأريد أسأل مستفيدا قلت: سل * واسمع جوابا قاهرا لم يقهر قال: الإمامة كيف صحت عندكم * من دون زيد والأنام لجعفر ؟ ! 5 قلت: النصوص على الأئمة جائنا * حتما من الله العلي الأكبر إن الأئمة تسعة وثلاثة * نقلا عن الهادي البشير المنذر لا زايد فيهم وليس بناقص * منهم كما قد قيل عد الأشهر مثل النبوة صيرت في معشر * فكذا الإمامة صيرت في معشر
(قال نجم الدين): هذا كلام حسن، وحجة قوية، لأن حاجة الناس إلى الإمام أعني الخليفة كحاجتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه القائم بإعلاء سنته السنة في كل زمان. رجع إلى كلام أبي الحسن ابن حماد رحمه الله: قال: الإمامة لا تتم لقائم * ما لم يجر بسيفه ويشهر فلذاك زيد حازها بقيامه * من دون جعفر فادكر وتدبر 10 (قال نجم الدين): هكذا أنشدني بفتح الراء من (جعفر) وهو رأي الكوفيين
أعني منعه من الصرف. قلت: الوصي على قياسك لم ينل * حظ الخلافة بل غدت في حبتر إذ كان لم يدع الأنام بسيفه * قطعا فيالك فرية من مفتري وكذلك الحسن الشهيد بتركه * بطلت إمامته بقولك فانظري والعابد السجاد لم ير داعيا * ومشهرا للسيف إذ لم ينصر أفكان جعفر يستثير عداته ؟ ! * ويذيع دعوته ولما يؤمر ؟ ! 15 (قال نجم الدين): يريد أن المأمور كان زيدا لا جعفرا ودليل ذلك قول جعفر عندما * عزي بزيد قال كالمستعبر: لو كان عمي ظافرا لوفى بما * قد كان عاهد غير أن لم يظفر أشار ابن حماد بهذين البيتين إلى ما مر عن الحافظ المرزباني والكشي في الجزء الثاني ص 221 وفي الثالث ص 70. ولادته ووفاته لم نقف على تاريخ ولادة ابن حماد ووفاته غير أن النجاشي الذي أدركه و رآه ولم يرو عنه ولد في صفر سنة 372، وشيخه الذي يروي عنه وهو الجلودي البصري توفي 17 ذي الحجة سنة 332 فيستدعي التاريخان أن المترجم ولد في أوايل القرن الرابع وتوفي في أواخره. وقفنا لابن حماد على قصيدة في مجموعة عتيقة مخطوطة في العصور المتقادمة، و قد ذكر ابن شهر آشوب بعض أبياتها ونسبه إلى العبدي [سفيان بن مصعب] المترجم له في الجزء الثاني ص 294، وتبعه البياضي في (الصراط المستقيم) وغيره والقصيدة
[156]
للمترجم له وهي: أسايلتي عما ألاقي من الأسا * سلي الليل عني هل أجن إذا جنا ؟ !
ليخبرك أني في فنون من الجوى * إذا ما انقضا فن يوكل بي فنا وإن قلت: إن الليل ليس بناطق * قفي وانظري واستخبري الجسد المضنى وإن كنت في شك فديتك فاسئلي * دموعي التي سالت وأقرحت الجفنا 5 أحبتنا لو تعلمون بحالنا * لما كانت اللذات تشغلكم عنا تشاغلتموا عنا بصحبة غيرنا * وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا واليتموا أن لا تخونوا عهودنا * فقد وحياة الحب خنتم وما خنا غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن * وحلتم عن العهد القديم وما حلنا وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم * ونحن على صدق الحديث الذي قلنا 10 أيهنا لكم طيب الكرى وجفوننا * على الجمر ؟ ! لا تهنا ولا بعدكم نمنا أنخنا بمغناكم لتحي نفوسنا * فما زادنا إلا جوى ذلك المغنا سنرحل عنكم إن كرهتم مقامنا * ونصبر عنكم مثل ما صبركم عنا ونأخذ من نهوى بديلا سواكم * ونجعل قطع الوصل منكم ولا منا تعالوا إلى الانصاف فيما ادعيتموا * ولا تفر طوابل صححو اللفظ والمعنى 15 أليتكم ناصفتمونا فريضة * بأن لكم نصفا وأن لنا ثمنا إذا طلعت شمس النهار ذكرتكم * وإن غربت جددت ذكركم حزنا وإني لأرثي للغريب وإنني * غريب الهوى والقلب والدار والمغنى لقد كان عيشي بالأحبة صافيا * وما كنت أدري أن صحبتنا تقنا زمان نعمنا فيه حتى إذا مضى * بكينا على أيامه بدم أقنا 20 فوالله ما زال اشتياقي إليكم * ولا برح التسهيد لي بعدكم جفنا ولا ذقت طعم الماء عذبا ولا صفت * موارده حتى نعود كما كنا ولا بارحتني لوعة الفكر والجوى * ولا زلت طول الدهر مقترعا سنا وما رحلوا حتى استحلوا نفوسنا * كأنهم كانوا أحق بها منا
ترى منجدي في أرض بغداد واهنا * لزهدكم فينا وبعدكم عنا
[157]
أيزعم أن أسلو ! ؟ ويشغل خاطري * بغيركم مستبدلا ؟ ! بئس ما ظنا 25 أيا ساكني نجد سلامي عليكم * ظننا بكم ظنا فاخلفتموا الظنا أمثل مولاي الحسين وصحبه * كأنجم ليل بينها البدر أو أسنا فلما رأته أخته وبناته * وشمر عليه بالمهند قد أحنى تعلقن بالشمر اللعين وقلن: دع * حسينا فلا تقتله يا شمر واذبحنا فحز وريديه وركب رأسه * على الرمح مثل الشمس فارقت الدجنا 30 فنادت بطول الويل زينب أخته * وقد صبغت من نحره الجيب والردنا: ألا يا رسول الله يا جدنا اقتضت * أمية منا بعدك الحقد والضغنا سبينا كما تسبى الإماء بذلة * وطيف بنا عرض البلاد وشتتنا ستفنى حياتي بالبكاء عليهم * وحزني لهم باق مدى الدهر لا يفنى ألا لعن الله الذي سن ظلمهم * وأخزى الذي أملا له وبه استنا 35 سأمدحكم يا آل أحمد جاهدا * وأمنح من عاداكم السب واللعنا ومن منكم بالمدح أولى لأنكم * لأكرم من لبى ومن نحر البدنا بجدكم أسرى البراق فكان من * إله البرايا قاب قوسين أو أدنا وشخص أبيكم في السماء تزوره * ملائك لا تنفك صبحا ولا وهنا أبوكم هو الصديق آمن واتقى * وأعطى وما أكدى وصدق بالحسنى 40 وسماه في القرآن ذو العرش جنبه * وعروته والعين والوجه والأذنا وشد به أزر النبي محمد * وكن له في كل نائبة ركنا (1) وأفرده بالعلم والبأس والندى * فمن قدره يسمو ومن فعله يكنى هو البحر يعلو العنبر المحض فوقه * ما الدر والمرجان من قعره يجنى
إذا عد أقران الكريهة لم نجد * لحيدرة في القوم كفوا ولا قرنا 45 يخوض المنايا في الحروب شجاعة * وقد ملأت منه ليوث الشرى جبنا يرى الموت من يلقاه في حومة الوغا * يناديه من هنا ويدعوه من هنا إذا استعرت نار الوغى وتغشمرت * فوارسها واستخلفوا الضرب والطعنا
(1) في بعض النسخ: حصنا
[158]
وأهدت إلى الأحداق كحلا معصفرا * وألقت على الأشداق أردية دكنا 50 وخلت بها زرق الأسنة أنجما * ومن فوقها ليلا من النقع قد جنا فحين رأت وجه الوصي تمزقت * كثلة ظأن أبصرت أسدا شنا فتى كفه اليسرى حمام بحربه * كذاك حياة السلم في كفه اليمنى فكم بطل أردى وكم مرهب أودى * وكم معدم أغنى وكم سائل أقني يجود على العافين عفوا بما له * ولا يتبع المعروف من منه منا 55 ولو فض بين الناس معشار جوده * لما عرفوا في الناس بخلا ولا ضنا وكل جواد جاد بالمال إنما * قصاراه أن يستن في الجود ما سنا وكل مديح قلت أو قال قائل * فإن أمير المؤمنين به يعنى سيخسر من لم يعتصم بولائه * ويقرع يوم البعث من ندم سنا لذلك قد واليته مخلص الولا * وكنت على الأحوال عبدا له قنا 60 عليكم سلام الله يا آل أحمد * متى سجعت قمرية وعلت غصنا مودتكم أجر النبي محمد * علينا فآمنا بذاك وصدقنا وعهدكم المأخوذ في الذر لم نقل * لآخذه كلا ولا كيف أو أنا قبلنا وأوفينا به ثم خانكم * أناس وما خنا وحالوا وما حلنا طهرتم فطهرنا بفاضل طهركم * وطبتم فمن آثار طيبكم طبنا
65 فما شئتم شئنا ومهما كرهتموا * كرهنا وما قلتم رضينا وصدقنا فنحن مواليكم تحن قلوبنا * إليكم إذا إلف إلى إلفه حنا نزوركم سعيا وقل لحقكم * لو أنا على أحداقنا لكم زرنا ولو بضعت أجسادنا في هواكم * إذن لم نحل عنه بحال ولا زلنا وآبائنا منهم ورثنا ولاءكم * ونحن إذا متنا نورثه الأبنا 70 وأنتم لنا نعم التجارة لم نكن * لنحذر خسرانا عليها ولا غبنا وما لي لا اثني عليكم وربكم * عليكم بحسن الذكر في كتبه أثنى وإن أباكم يقسم الخلق في غد * فيسكن ذا نارا ويسكن ذا عدنا وأنتم لنا غوث وأمن ورحمة * فما منكم بد ولا عنكم مغني
[159]
ونعلم أن لو لم ندن بولائكم * لما قبلت أعمالنا أبدا منا وأن إليكم في المعاد إيابنا * إذ نحن من أجداثنا سرعا قمنا 75 وأن عليكم بعد ذاك حسابنا * إذا ما وفدنا يوم ذاك وحوسبنا وأن موازين الخلايق حبكم (1) * فأسعدهم من كان أثقلهم وزنا وموردنا يوم القيامة حوضكم * فيظمأ الذي يقصى ويروى الذي يدنى وأمر صراط الله ثم إليكم * فطوبا لنا إذ نحن عن أمركم جزنا وما ذنبنا عند النواصب ويلهم * سوى أننا قوم بما دنتم دنا 80 فإن كان هذا ذنبنا فتيقنوا * بأنا عليه لا انثنينا ولا نثنى ولما رفضنا رافضيكم ورهطكم * رفضنا وعودينا وبالرفض نبزنا وإنا اعتقدنا العدل في الله مذهبا * ولله نزهنا وإياه وحدنا وهم شبهوا الله العلي بخلقه * فقالوا: خلقنا للمعاصي وأجبرنا فلو شاء لم نكفر ولو شاء أكفرنا * ولو شاء لم نؤمن ولو شاء آمنا 85
وقالوا: رسول الله ما اختار بعده * إماما لنا لكن لأنفسنا اخترنا فقلنا: إذن أنتم إمام إمامكم * بفضل من الرحمن تهتم وما تهنا ولكننا اخترنا الذي اختار ربنا * لنا يوم (خم) لا ابتدعنا ولا جرنا سيجمعنا يوم القيامة ربنا * فتجزون ما قلتم ونجزى بما قلنا هدمتم بأيديكم قواعد دينكم * ودين على غير القواعد لا يبنى 90 ونحن على نور من الله واضح * فيا رب زدنا منك نورا وثبتنا ظن ابن حماد جميل بربه * وأحرى به أن لا يخيب له ظنا بنى المجد لي شن بن أقصى فحزته * تراثا جزى الرحمن خيرا أبي شنا وحسبي بعد القيس في المجد والدي * ولي حسب عبد القيس مرتبة تبنى وخالي تميم ثم مجدي بفخره * فنلت بذا مجدا ونلت بذا أمنا 95 ودونك لا ما للقلائد هذبت * مديحا فلم تترك لذي مطعن طعنا ولا ظل أو أضحى ولا راح واغتدى * تأمل لا عين تراه ولا لحنا
(1) وإن موازين القصاص ولاؤكم. كذا في بعض النسخ.
[160]
فصاحة شعري مذ بدت لذوي الحجى * تمثلت الأشعار عندهم لكنا وخير فنون الشعر ما رق لفظه * وجلت معانيه فزادت بها حسنا 100 وللشعر علم إن خلا منه حرفه * فذاك هذاء في الرؤس بلا معنى إذا ما أديب أنشد الغث خلته * من الكرب والتنغيص قد أدخل السجنا إذا ما رأوها أحسن الناس منطقا * وأثبتهم حدثا وأطيبهم لحنا تلذ بها الاسماع حتى كأنها * ألذ من أيام الشبيبة أو أهنى وفي كل بيت لذة مستجدة * إذا ما انتشاه قيل: يا ليته ثنى 105 تقبلها ربي ووفى ثوابها * وثقل ميزاني بخيراتها وزنا
وصلى على الأطهار من آل أحمد * إله السما ما عسعس الليل أو جنا وله يمدح أمير المؤمنين عليه السلام: حدثنا الشيخ الثقه * محمد عن صدقه رواية متسقه * عن أنس عن النبي رأيته على حرى * مع علي ذي النهى يقطف قطفا في الهوى * شيئا كمثل العنب فأكلا منه معا * حتى إذا ما شبعا رأيته مرتفعا * فطال منه عجبي كان طعام الجنة * أنزله ذو العزة هدية للصفوة * من الهدايا النخب أشار بهذه الأبيات إلى ما أخرجه محمد بن جرير الطبري بإسناده عن أنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركب يوما إلى جبل كداء فقال: يا أنس خذ البغلة وانطلق إلى موضع كذا تجد عليا جالسا يسبح بالحصى فاقرأه مني السلام واحمله على البغلة وائت به إلي فقال: فلما ذهبت وجدت عليا كذلك فقلت: إن رسول الله يدعوك فلما أتى رسول الله قال له: اجلس فإن هذا موضع جلس فيه سبعون نبيا مرسلا ما جلس فيه من الأنبياء أحد إلا وأنا خير منه وقد جلس مع كل نبي أخ له ما جلس من الأخوة أحد إلا وأنت خير منه. قال: فرأيت غمامة بيضاء وقد أظلتهما فجعلا يأكلان
[161]
منه عنقود عنب وقال: كل يا أخي فهذه هدية من الله إلي ثم إليك. ثم شربا ثم ارتفعت الغمامة ثم قال: يا أنس والذي خلق ما يشاء لقد أكل من الغمامة ثلثمائة وثلاثة عشر نبيا وثلثمائة وثلاثة عشر وصيا ما فيهم نبي أكرم على الله مني ولا وصي أكرم على الله من علي. ولابن حماد العبدي يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه قوله على روية نونية
العوني المذكور: ما لابن حماد سوى من حمدت * آثاره وأبهجت غرانه (1) ذاك علي المرتضى الطهر الذي * بفخره قد فخرت عدنانه صنو النبي هديه كهديه * إذ كل شي شكله عنوانه وصيه حقا وقاضي دينه * إذ اقتضى ديونه ديانه ناصحه الناصر حقا إذ غدا * سواه ضد سره إعلانه 5 وارثه علم الهدى أمينه * في أهله وزيره خلصانه ذاك الفتى النجد الذي إذا بدا * بمعرك ألقت له فتيانه ليث لو الليث الجري خاله * لطار من هيبته جنانه صقر ولكن صيده صيد الوغا * ليث ولكن فرسه فرسانه ذاك الشجاع إن بدا بمعرك * تفرقت من خوفه شجعانه 10 تبكي الطلى إن ضحكت أسيافه * وترتوي إن عطشت سنانه ترى سباع البيد تقفوا إثره * لأنها يوم الوغا ضيفانه يقرن أرواح الكماة بالردى * لذاك حاصت دونه أقرانه وكم كمي قد قراه في الوغا * فليس تخبو أبدا نيرانه يشهد في ذا بدره وأحده * وطيبة ومكة أوطانه 15 وخيبر والبصرة التي بها * النكث وصفين ونهروانه كذا الذي قد ضمن المدح له * من ربه رب العلى قرآنه فقوله: وليكم فإنما * يخص فيها هو لا فلانه
(1) غران جمع الغرير: الخلق الحسن ومنه المثل. أدبر غريره وأقبل هريره. أي أدبر حسنه وجاء سيئه.
[162]
ثلاثة: الله والرسول والذي * تزكى راكعا برهانه وقوله: الأذن فذاك (حيدر) * واعية لقوله آذانه وقد دعا له النبي أنه * يحفظ ما يملي له لسانه وقوله: الميزان بالقسط وما * غير علي في غد ميزانه فويل من خف لديه وزنه * وفوز من أسعده رجحانه ذاك أمير المومنين رتبة * من الإله الفرد جل شانه 25 ذادوه عن سلطانه وحقه * من بعد ما بان لهم سلطانه فكف مولاي الإمام كفه * إذ قل في حقوقه أعوانه ولم يقم معه سوى أربعة * وهم لعمر ربهم أركانه يتبعه المقداد وابن ياسر * عماره وسلمه سلمانه والصادق اللهجة أعني جندبا * فلم يخالف أمره إيمانه 30 ولو يشأ أهلكهم لكنه * أبقى ليبقى ناسلا إنسانه وله يرثي بها الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه: لله ما صنعت فينا يد البين * كم من حشا أقرحت منا ومن عين ؟ ! مالي وللبين ؟ ! لا أهلا بطلعته * كم فرق البين قدما بين الفين ؟ ! كانا كغصنين في أصل غذاؤهما * ماء النعيم وفي التشبيه شكلين كأن روحيهما من حسن الفهما * روح وقد قسمت ما بين جسمين 5 لا عذل بينهما في حفظ عهدهما * ولا يزيلهما لوم العذولين لا يطمع الدهر في تغيير ودهما * ولا يميلان من عهد إلى مين حتى إذا أبصرت عين النوى بهما * خلين في العيش من هم خليين رماهما حسدا منه بداهية * فأصبحا بعد جمع الشمل ضدين في الشرق هذا وذا في الغرب منتئيا * مشردين على بعد شجيين
10 والدهر أحسد شئ للقريبين * يرمي وصالهما بالبعد والبين. لا تأمن الدهر إن الدهر ذو غير * وذو لسانين في الدنيا ووجهين أخنى على عترة الهادي فشتتهم * فما ترى جامعا منهم بشخصين
[163]
كأنما الدهر آلا أن يبددهم * كعاتب ذي عناد أو كذي دين بعض بطيبة مدفون وبعضهم * بكربلاء وبعض بالغريين وأرض طوس وسامرا وقد ضمنت * بغداد بدرين حلا وسط قبرين 15 يا سادتي المن أبكي أسى ؟ ! ولمن * أبكي بجفنين من عيني قريحين ؟ ! أبكي على الحسن المسموم مضطلما * ؟ ! أم الحسين لقى بين الخميسين ؟ ! أبكي عليه خضيب الشيب من دمه * معفر الخد محزوز الوريدين وزينب في بنات الطهر لاطمة * والدمع في خدها قد خد خدين تدعوه: يا واحدا قد كنت آمله * حتى استبدت به دوني يد البين 20 لا عشت بعدك ما إن عشت لا نعمت * روحي ولا طعمت طعم الكرا عيني انظر إلى أخي قبل الفراق لقد * أذكا فراقك في قلبي حريقين انظر إلى فاطم الصغرا أخي ترها * لليتم والسبي قد خصت بذلين إذا دنت منك ظل الرجس يضربها * فتلتقي الضرب منها بالذراعين وتستغيث وتدعو: عمتا تلفت * روحي لرزئين في قلبي عظيمين 25 ضرب على الجسد البالي وفي كبدي * للثكل ضرب فما أقوى لضربين انظر عليا أسيرا لا نصير له * قد قيدوه على رغم بقيدين وارحمتا يا أخي من بعد فقدك بل * وارحمتا للأسيرين اليتيمين والسبط في غمرات الموت مشتغل * ببسط كفين أو تقبيض رجلين لا يستطيع جوابا للنداء سوى * يومي بلحظين من تكسير جفنين 30
لا زلت أبكي دما ينهل منسجما * للسيدين القتيلين الشهيدين السيدين الشريفين اللذان هما * خير الورى من أب مجد وجدين الضارعين إلى الله المنيبين * المسرعين إلى الحق الشفيعين العاملين بذي العرش الحكيمين * العادلين الحليمين الرشيدين الصابرين على البلوى الشكورين * المعرضين عن الدنيا المنيبين 35 الشاهدين على الخلق الإمامين * الصادقين عن الله الوفيين العابدين التقيين الزكيين * المؤمنين الشجاعين الجريين
[164]
الحجتين على الخلق الأميرين * الطيبين الطهورين الزكيين نورين كانا قديما في الظلال كما * قال النبي لعرش الله قرطين 40 تفاحتي أحمد الهادي وقد جعلا * لفاطم وعلي الطهر نسلين صلى الإله على روحيهما وسقا * قبريهما أبدا نوء السماكين إلى أن يقول فيها: ما لابن حماد العبدي من عمل * إلا تمسكه بالميم والعين فالميم غاية آمالي محمدها * والعين أعني عليا قرة العين صلى الإله عليهم كلما طلعت * شمس وما غربت عند العشائين [القصيدة وهي 57 بيتا] وله في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه قوله يذكر فيها حديث الغدير: حي قبرا بكربلا مستنيرا * ضم كنز التقى وعلما خطيرا وأقم مأتم الشهيد وأذرف * منك دمعا في الوجنتين غزيرا والتثم تربة الحسين بشجو * وأطل بعد لثمك التعفيرا ثم قل: يا ضريح مولاي سقيت * من الغيث هاميا حمهريرا
5 ته على ساير القبور فقد أصبحت * بالتيه والفخار جديرا فيك ريحانة النبي ومن حل * من المصطفى محلا أثيرا فيك يا قبر كل حلم وعلم * وحقيق بأن تكون فخورا فيك من هد قتله عمد الدين * وقد كان بالهدى معمورا فيك من كان جبرئيل يناغيه * وميكال بالحباء صغيرا 10 فيك من لاذ فطرس فترقى * بجناحي رضى وكان حسيرا يوم سارت إليه جيش ابن هند * لذحول أمست تحل الصدورا آه واحسرتي له وهو بالسيف * نحير أفديت ذاك النحيرا آه إذ ظل طرفه يرمق الفسطاط * خوفا على النساء غيورا آه إذ أقبل الجواد على النسوان * ينعاه بالصهيل عفيرا فتبادرن بالعويل وهتكن * الأقراط بارزات الشعورا
[165]
وتبادرن مسرعات من الخدر * ومن قبل مسبلات الستورا ولطمن الخدود من ألم الثكل * وغادرن بالنياح الخدورا وبدا صوتهن بين عداهن * وعفن الحجاب والتخفيرا بارزات الوجوه من بعد ما غودرن * صون الوجوه والتخفيرا ثم لما رأين رأس حسين * فوق رمح حكى الهلال المنيرا 20 صحن بالذل أيها الناس لم نسبي * ولم نأت في الأنام نكيرا ؟ ! ما لنا لا نرى لآل رسول الله * فيكم يا هؤلاء نصيرا ؟ ! فعلى ظالميهم سخط الله * ولعن يبقى ويفنى الدهورا قل لمن لام في ودادي بني * أحمد: لا زلت في لظى مدحورا أعلى حب معشر أنت قد كنت * عذولا ولا تكون عذيرا 25
وأبوهم أقامه الله في (خم) * إماما وهاديا وأميرا حين قد بايعوه أمرا عن * الله فسائل دوحاته والغديرا وأبوهم أفضى النبي إليه * علم ما كان أولا وأخيرا وأبوهم علا على العرش لما * قد رقى كاهل النبي ظهيرا وأماط الأصنام كلا عن الكعبة * لما هوى بها تكسيرا 30 قال: لو شئت ألمس النجم بالكف * إذن كنت عند ذاك قديرا وأبوهم قد رد للشمس بيضا * وهي كادت لوقتها أن تغورا وقضى فرضه أداء وعادت * لغروب وكورت تكويرا وأبوهم يروي على الحوض من * والاهم ويرد عنه الكفورا وأبوهم يقاسم النار والجنة * في الحشر عادلا لن يجورا 35 وأبوهم برا الإله له شبها * لأملاكه سميعا بصيرا فإذا اشتاقت الملائك زارته * فناهيك زايرا ومزورا وأبوهم أحيا لميت بصرصر * بعد ما كان في الثرى مقبورا وأبوهم قال النبي له قولا * بليغا مكررا تكريرا: أنت خدني وصاحبي ووزيري * بعد موتي أكرم بذاك وزيرا 40
[166]
أنت كمثل هرون من موسى * ولم أبتغي سواه ظهيرا وأبوهم أودى بعمرو بن ود * حين لاقاه في العجاج أسيرا وأبوهم لباب خيبر أضحى * قالعا ليس عاجزا بل جسورا حامل الراية التي ردها بالأمس * من لم يزل جبانا فرورا 45 خصه ذو العلا بفاطمة عرسا * ثم أعطاه شبرا وشبيرا وهم باب ذي الجلال على آدم * فارتد ذنبه مغفورا
وبهم قامت السماء ولولاهم * لكادت بأهلها أن تمورا وبهم باهل النبي فقل لي * ألهم في الورى عرفت نظيرا ؟ ! فيهم أنزل المهيمن قرآنا * عظيما وذاك جما خطيرا 50 في الطواسين والحواميم والرحمن آيا ما كان في الذكر زورا وخلقناه نطفة نبتليه * فجعلناه سامعا وبصيرا لبيان إذا تأمله العارف * يبدي له المقام الكبير ا ثم تفسير هل أتى فيه يا صاح * قل له إن كنت تفهم التفسيرا إن الأبرار يشربون بكأس * كان عندي مزاجها كافورا 55 فلهم أنشأ المهيمن عينا * فجروها لديهم تفجيرا وهداهم وقال: يوفون بالنذر * فمن مثلهم يوفي النذورا ؟ ! ويخافون بعد ذلك يوما * شره كان في الورى مستطيرا فوقاهم إلههم ذلك اليوم * ويلقون نضرة وسرورا وجزاهم بأنهم صبروا في السر * والجهر جنة وحريرا 60 فاتكوا من على الأرائك لا * يلقون فيها شمسا ولا زمهريرا وأوان وقد أطيفت عليهم * سلسبيل مقدر تقديرا وبأكواب فضة وقوارير * قدروها عليهم تقديرا وبكأس قد مازجت زنجبيلا * لذة الشاربين تشفي الصدورا وإذا ما رأيت ثم نعيما * دائما عندهم وملكا كبيرا 65 وعليهم فيها ثياب من السندس * خضر في الحشر تلمع نورا
[167]
ويحلون بالأساور فيها * وسقاهم ربي شرابا طهورا وروى لي عبد العزيز الجلودي (1) * وقد كان صادقا مبرورا
عن ثقاة الحديث أعني العلائي * هو أكرم بذا وذا مذكورا يسندوه عن ابن عباس يوما * قال: كنا عند النبي حضورا إذ أتته البتول فاطم تبكي (2) * وتوالي شهيقها والزفيرا 70 قال: مالي أراك تبكين يا فاطم ؟ ! * قالت وأخفت التعبيرا: اجتمعن النساء نحوي وأقبلن * يطلن التقريع والتعييرا قلن إن النبي زوجك اليوم * عليا بعلا عديما فقيرا قال: يا فاطم اسمعي واشكري الله * فقد نلت منه فضلا كبيرا لم أزوجك دون إذن من الله * وما زال يحسن التدبيرا 75 أمر الله جبرئيل فنادى * رافعا في السماء صوتا جهيرا وأتاه الأملاك حتى إذا ما * وردوا بيت ربنا المعمورا قام جبريل قائما يكثر التحميد * لله جل والتكبيرا ثم نادى: زوجت فاطم يا رب * علي الطهر الفتى المذكورا قال رب العلا: جعلت لها المهر * لها خالصا يفوق المهورا 80 خمس أرضي لها ونهري وأو - جبت على الخلق ودها المحصورا فانثرت عند ذلك طوبا * على الحور عنبرا وعبيرا (3) وروينا عن النبي حديثا * في البرايا مصححا مأثورا إنه قال: بينما الناس في الجنة * إذ عاينوا ضياء ونورا كاد أن يخطف العيون فنادوا: * أي شئ هذا ؟ وأبدوا نكورا 85
(1) أبو أحمد ابن يحيى البصري أحد مؤلفي الإمامية الثقات الاثبات له في الفقه والحديث والتاريخ تآليف قيمة توفي 17 ذي الحجة سنة 332. (2) هذه الأبيات ذكرها ابن شهر آشوب في (المناقب) للعبدي فحسبناه سفيان بن مصعب العبدي فذكرناها في ترجمته ج 2 ص 318 ثم وقفنا على تمام القصيدة فعرفنا أنها للمترجم.
(3) راجع في الأحاديث المذكورة في هذه الأبيات الجزء الثاني من كتابنا ص 318.
[168]
أو ليس الإله قال لنا: لا * شمس فيها ترى ولا زمهريرا ؟ ! وإذا بالنداء: يا ساكن الجنة * مهلا أمنتم التغييرا ذا علي الولي قد داعب الزهراء * مولاتكم فأبدت سرورا فبذا إذ تبسمت ذلك النور * فزيدوا إكرامه وحبورا 90 يا بني أحمد عليكم عمادي * واتكالي إذا أردت النشورا وبكم يسعد الموالي ويشقى * من يعاديكم ويصلى سعيرا أنتم لي غدا وللشيعة الأبرار * ذخر أكرم به مذخورا فاستمعها كالدر ليس ترى فيها * ملاهي كلا ولا تعييرا صاغ أبياتها علي بن حماد * فزانت وحبرت تحبيرا وقفنا للمترجم في طيات المجاميع العتيقة في النجف الأشرف والكاظمية على قصائد جمة وإليك فهرستها: عدد القصائد مطلع القصيدة عدد الأبيات 1 يا يوم عاشورا أطلت بكائي * وتركتني وقفا على البرحاء 46 2 هن بالعيد إن أردت سوائي * أي عيد لمستباح العزاء ؟ 37 إن في مأتمي عن العيد شغلا * فاله عني وخلني بشجائي فإذا عيد الورى بسرور * كان عيدي بزفرة وبكاء وإذا جددوا ثيابهم جددت * ثوبي من لوعتي وضنائي 5 وإذا أدمنوا الشراب فشربي * من دموع ممزوجة بدماء وإذا استشعروا الفناء فنوحي * وعويلي على الحسين غنائي وقليل لومت هما ووجدا * لمصاب الغريب في كربلاء
أيهمني بعيده من مواليه * أبادتهم يد الأعداء ؟ ! آه يا كربلاء كم فيك من * كرب لنفس شجية وبلاء ؟ ! 10 أألذ الحياة بعد قتيل الطف * ظلما ؟ ! إذن لقل حيائي كيف ألتذ شوب ماء وقد جرع * كاس لردى بكرب الظماء ؟ ! كيف لا أسلب العزاء إذا * مثلته عاريا سليب الرداء ؟ !
[169]
كيف لا تسكب الدموع عيوني * بعد تضريج شيبه بالدماء ؟ ! تطأ الخيل جسمه في ثرى الطف * وجسمي يلتذ لين الوطاء ؟ ! بأبي زينب وقد سبيت بالذل * من خدرها كسبي الإماء 15 فإذا عاينته ملقي على الترب * معرى مجدلا بالعراء أقبلت نحوه فيسمعها الشمر * فتدعو في خيفة وخفاء: أيها الشمر خلني أتزود * نظرة منه فهي أقصى منائي أفما للرسول حق فلم تنظرني * جاهرا بسوء المراء ؟ ! ثم تدعو الحسين: لم يا شقيقي * وابن أمي خلفتني بشقائي ؟ 20 يا أخي يومك العظيم برى عظمي * وأضنى جسمي وأوهى قوائي يا أخي كنت أرتجيك لموتي * وحياتي فخاب مني رجائي يا أخي لو فدى من الموت شخص * كنت أفديك بي وقل فدائي يا أخي لا حبيب بعدك بل لا * عشت إلا بمقلة عمياء آه واحسرتي لفاطمة الصغرى * وقد أبرزت بذل السباء 25 كفها فوق رأسها من جوى الثكل * وكف أخرى على الأحشاء فإذا أبصرت أباها صريعا * فاحصا باليدين في الرمضاء لم تطق نهضة إليه من الضعف * فنادته في خفي النداء
: يا أبي من ترى ليتمي وضعفي * أو تراه لمحنتي وابتلائي ؟ ! ؟ ! فإذا لم تجد جوابا لها إلا * بكسر الجفون والايماء 30 أقبلت نحو عمتيها وقالت *: ما أرى والدي من الأحياء فإذا كان لم جفاني وما كان * له قط عادة بالجفاء يا بني أحمد السلام عليكم * ما أنارت كواكب الجوزاء أنتم صفوة الإله من الخلق * ومن بعد خاتم الأنبياء ونجوم الهدى بنوركم تهدي * البرايا في حندس الظلماء 35 أنا مولاكم ابن حماد أعددتكم * في غد ليوم جزائي ورجائي أن لا أخيب لديكم * واعتقادي بكم بلوغ الرجاء
[170]
3 شجاك نوى الأحبة كيف شاءا * بداء لا تصيب له دواءا 75 4 أيفرح من له كبد يذوب * وقلب من صبابته كئيب ؟ ! 28 5 ويك يا عين سحي دمعا سكوبا * ويك يا قلب كن حزينا كئيبا 68 6 أتلعابا وقد لاح المشيب ؟ * وشيب الرأس منقصة وعيب 74 7 دعوت الدمع فانسكب انسكابا * وناديت السلو فما أجابا 67 ويقول فيها: وإن يك حب أهل البيت ذنبي * فلست بمبتغ عنه منابا أحبهم وأمنحهم مديحا * وأمنح من يسبهم سبابا ولم أمدحهم قط اكتسابا * ولكني مدحتهم ارتغابا ولن يرجو ابن حماد علي * لحسن مديحهم إلا الثوابا 8 هل لجسمي من السقام طبيب ؟ * أم لعيني من الرقاد نصيب ؟ 26 9 يا أهل بيت رسول الله إنكم * لأشرف الخلق جدا غاب أو أبا 30
10 الدهر فيه طرائف وعجائب * تترى وفيه فوائد ومصائب 60 11 أيا من لقلب دائم الحسرات ؟ * ومن لجفون تسكب العبرات ؟ 34 هي على روي تائية دعبل يقول في آخرها: إليك أمين الله نظم قصيدة * إمامية تزهو بحسن صفات علي بن حماد دعاها فأقبلت * وهمته من أعظم الهممات شبيه لما قال الخزاعي دعبل * [تضمنه الرحمن بالغرفات] [مدارس آيات خلت من تلاوة * ومهبط وحي مقفر العرصات] 12 بقاع في البقيع مقدسات * وأكناف بطيبة طيبات 95 13 دعني أنوح وأسعد النواحا * مثلي بكى يوم الحسين وناحا 28 14 أرى الصبر يفنى والهموم تزيد * وجسمي يبلى والسقام جديد 43 15 ماضر عهد الصبى لو أنه عادا * يوما يزودني من طيبة زادا 86 جارى بها السيد إسماعيل الحميري في قصيدة له أولها: طاف الخيال علينا منك عبادا
[171]
فقال العبدي في آخر قصيدته: وازنت ما قال إسماعيل مبتدءا: * [طاف الخيال علينا منك عبادا] 16 أبك ما عشت بالدموع الغزار * لذراري محمد المختار 37 17 أآمرتي بالصبر أسرفت في أمري * أيؤمر مثلي لا أبا لك بالصبر ؟ 29 18 سلامي على قبر تضمن حيدرا * سلام مشوق ما يطيق التصبرا 60 ويقول في آخرها: ولا أغل في ديني كمن كان قد غلا * وما كنت في حب الوصي مقصرا بذلك يلقى الله في يوم بعثه * علي بن حماد إذا هو انشرا
19 يا لائمي دع ملامي في الهوى وذر * فإن حب علي قام في عذري 28 20 دعى قلبه داعي الوعيد فاسمعا * وداع لبادي شيبه فتورعا 62 21 فرقت يا بين شملا كان مجتمعا * أبعدت عني حبيبي والسرور معا 77 22 خليلي عج بنا نطل الوقوفا * على من نوره شمل الطفوفا 25 23 خواطر فكري في الحشاء تجول * وحزني على آل النبي يطول 52 24 أهجرت يا ذات الجمال دلالا ؟ * وجعلت جسمي للصدود خيالا ؟ 58 25 ألا إن زين المرء في عمره العقل * ونهج هدى ما فيه زحلوقة زل 27 26 يا علي بن أبي طالب يا بن المفضل * يا حجاب الله والباب القديم الأزلي 21 27 ناجتك أعلام الهداية فاعلم * وأقمت فيها بالطريق الأقوم 51 فانظر بعين العقل في عقبى الهوى * واسأل عن الدارين إن لم تعلم 28 النوم بعدكم علي حرام * من فارق الأحباب كيف ينام ؟ 55 وهناك قصائد تعزى إلى شاعرنا ابن حماد العبدي في بعض المجاميع وهي لابن حماد محمد المتأخر عن المترجم له بقرون منها قصيدة مطلعها: لغير مصاب السبط دمعك ضايع * ولا أنت ذا سلو عن الحزن جازع وقفنا على تمام هذه القصيدة وفي آخرها: لعل ابن حماد محمد عبدكم * له في غد خير البرية شافع
[172]
القرن الرابع 33 أبو الفرج الرازي تجلى الهدى يوم (الغدير) على الشبه * وبرز إبريز البيان عن الشبه وأكمل رب العرش للناس دينهم * كما نزل القرآن فيه فأعربه وقام رسول الله في الجمع رافعا * بضبع علي ذي التعالي من الشبه
وقال: ألا من كنت مولى لنفسه * فهذا له مولى فيا لك منقبه (1) * (الشاعر) * أبو الفرج محمد بن هندو الرازي. (آل هندو) من أسر الإمامية الناهضين بنشر العلم والأدب، وفيهم جمع ممن تحلوا بفنون الفضايل، ولهم في الكتابة والقريض قدم وقدم، طفحت بذكرهم المعاجم منهم: أبو الفرج محمد بن هندو مؤسس شرف بيتهم، عده ابن شهر آشوب في (معالم العلماء) من شعراء أهل البيت عليهم السلام المتقين. ومنهم: أبو الفرج الحسين بن محمد بن هندو، ترجمه الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 362 وعده من أصحاب الوزير الصاحب بن عباد وذكر شطرا من شعره وقال: ملحه كثيرة ولا يسع هذا الباب إلا هذا الأنموذج منها. ومما ذكر له قوله: لا يوحشنك من مجد تباعده * فإن للمجد تدريجا وتدريبا إن القناة التي شاهدت رفعتها * تنمي فتصعد أنبوبا فأنبوبا وقوله: يقولون لي ما بال عينك مذ رأت * محاسن هذا الظبي أدمعها هطل ؟ ! فقلت: زنت عيني بطلعة وجهه * فكان لها من صوب أدمعها غسل
(1) مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 531، ط ايران، والصراط المستقيم للبياضي.
[173]
ومنهم: أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن هندو، توجد ترجمته في جملة من كتب التراجم (1) وفي كلها ثناء عليه بتضلعه في الحكمة والفلسفة والطب والكتابة والشعر والأدب وتبرزه في ذلك كله. له كتاب مفتاح الطب. المقالة المشوقة في المدخل إلى علم الفلك. الكلم الروحانية من الحكم اليونانية. الوساطة بين الزناة واللاطة. هزلية. ديوان شعره. توفي بجرجان سنة 420.
ومن شعر أبي الفرج علي في معاني بديعة قوله: حللت قاري في شادن * عيون الأنام به تعقد غدا وجهه كعبة للجمال * وفي قلبه الحجر الأسود وله قوله: قولوا لهذا القمر البادي * مالك إصلاحي وإفسادي زود فؤادا راحلا قبله * لا بد للراحل من زاد وله قوله: قالوا: اشتغل عنهم يوما بغيرهم * وخادع النفس إن النفس تنخدع قد صيغ قلبي على مقدار حبهم * فما لحب سواه فيه متسع وله قوله: وحقك ما أخرت كتبي عنكم * لقالة واش أو كلام محرش ولكن دمعي إن كتبت مشوش * كتابي وما نفع الكتاب الممشوش ؟ ! وله قوله: ما للمعيل وللمعالي ؟ ! إنما * يسمو إليهن الوحيد الفارد فالشمس تجتاب السماء فريدة * وأبو بنات النعش فيها راكد وله قوله: قوض خيامك من أرض تضام بها * وجانب الذل إن الذل يحتنب وارحل إذا كانت الأوطان منقصة * فصندل الهند في أوطانه حطب
لا يذهب على القارئ أن ترجمة أبي الفرج علي بن هندو تعزى في عيون الأنباء،
وفوات الوفيات، ومحبوب القلوب إلى (يتيمة الدهر) وكتاب اليتيمة خلو منها، و المترجم فيه هو والده المذكور الحسين. م - نعم: ترجمه الثعالبي في (تتمة اليتيمة) ص 134 - 143 وأثنى عليه بقوله: هو من ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفايزة، وملكه رق البراعة في البلاغة، فرد الدهر في الشعر، وأوحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد و الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، وتذكير الذين يسمعون ويروون، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون، وكنت ضمنت كتاب (اليتيمة) نبذا من شعره (1) لم أظفر بغيره وهذا مكان ما وقع إلي بعد ذلك من وسائط عقوده، وفوارد أبياته بل معجزاته. ثم ذكر صحائف من شعره وفصلا من رسالته الهزلية (الوساطة)] ومنهم: أبو الشرف بن أبي الفرج علي بن حسين بن محمد بن هندو ذكره صاحب (دمية القصر) ص 113 في ذيل ترجمة أبيه. قد تعزى الأبيات الغديرية المذكورة إلى أبي الفرج سلامة بن يحيى الموصلي (2) وهو لا يتم لأن الواقف (على مناقب) ابن شهر آشوب ومعالمه جد عليم بأنه يذكر أبا الفرج الموصلي في كتابيه باسمه والمترجم بكنيته والله أعلم.
(1) ج 3 ص 212. (2) راجع يتيمة الدهر ج 1 ص 82.
[175]
القرن الرابع (34) جعفر بن حسين قل للذي بفجوره * في شعره ظهرت علامه
ويبيع جهلا دينه * لمضلل يرجو حطامه: من أين أنت لعنت ؟ أو * من أين أسرار الإمامه ؟ ! أظننتها إرث النبي ؟ * فما أصبت ولا كرامه إن الإمامة بالنصوص * لمن يقوم بها مقامه كمقاله في يوم (خم) * لحيدر لما أقامه: من كنت مولاه فذا * مولاه يسمعهم كلامه سل عنه ذا خبر به * فلتذهبن إذا ندامه فهو الذي بحسامه * للنقع قد جلى قتامه في يوم بدر إذ شكا * سادات مالككم صدامه وأنين والدهم وقد * منع النبي به منامه إن الإمام لديننا * من شاده وبنى دعامه في كل معترك إذا * شب الوغى أطفى ضرامه فتاح خيبر بعد ما * فر الذي طلب السلامه تالله لو وزن الجميع * لما وفوا منه القلامه حكى القاضي أبو المكارم محمد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي المتوفى سنة 565 في شرح قصيدة أبي فراس الميمية المعروفة بالشافية عن مروان بن أبي حفصة أنه قال: أنشدت المتوكل شعرا ذكرت فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة وخلع علي أربع خلع في دار العامة والشعر هو هذا:
[176]
لكم تراث محمد * وبعدلكم تنفى الظلامة يرجو التراث بنو البنات * وما لهم فيه قلامه والصهر ليس بوارث * والبنت لا ترث الإمامه
ما للذين تنحلوا * ميراثكم إلا الندامه أخذ الوراثة أهلها * فعلام لومكم علامه ؟ ! لو كان حقكم لها * قامت على الناس القيامه ليس التراث لغيركم * لا والإله ولا كرامه أصبحت بين محبكم * والمبغضين لكم علامه فرد عليه رجل يقال له جعفر بن حسين بقوله: قل للذي بفجوره. إلخ (1) قال الأميني: زعما بأن الشاعر من أولاد أبي عبد الله حسين بن الحجاج البغدادي أو ممن عاصروه ذكرناه في هذا القرن ولم نقف على شئ من ترجمته. وقد وقفنا على عدة قصائد غديرية لغير واحد من شعراء القرن الرابع غير أنا لم نعرف شيئا من أحوالهم وتاريخ حياتهم فضربنا عنها صفحا.
(1) راجع أعيان الشيعة 18 ص 446.
[177]
شعراء الغدير في القرن الخامس (35) أبو النجيب الطاهر المتوفى 401 عيد في يوم (الغدير) المسلم * وأنكر العيد عليه المجرم يا جاحدي الموضع واليوم وما * فاه به المختار تبا لكم فأنزل الله تعالى جده *: اليوم أكملت لكم دينكم واليوم أتممت عليكم نعمتي * وإن من نصب الإمام النعم (1) * (الشاعر) *
أبو النجيب شداد بن إبراهيم بن حسن الملقب بالطاهر الجزري، من شعراء أهل البيت عليهم السلام نظم في فنون الشعر، وغرد على أفانينه، بنظم رقيق الحاشية، متسق الألفاظ، جزل المعاني، له ديوان شعر عده ابن شهر آشوب في (معالم العلماء) عداد المجاهرين من شعراء أهل البيت عليهم السلام، وفي (معجم الأدباء) ج 4 ص 261: شاعر من شعراء عضد الدولة ابن بويه ومدح المهلبي، كان دقيق الشعر، لطيف الأسلوب مات سنة 401 ومن شعره: إذ المرء لم يرض ما أمكنه * ولم يأت من أمره أحسنه فدعه فقد ساء تدبيره * سيضحك يوما ويبكي سنه ومنه: أيا جيل التصوف شر جيل * لقد جئتم بأمر مستحيل أفي القرآن قال لكم إلهي * كلوا مثل البهائم وارقصوا لي ؟ !
(1) مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 528
[178]
وقال: قلت للقلب: ما دهاك ؟ أبن لي * قال لي: بايع الفراني فراني ناظراه فيما جنت ناظراه * أودعاني أمت بما أودعاني وقال: بلاد الله واسعة فضاها * ورزق الله في الدنيا فسيح فقل للقاعدين على هوان: * إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا وقال: أفسدتم نظري علي فما أرى * مذ غبتم حسنا إلى أن تقدموا فدعوا غرامي ليس يمكن أن ترى * عين الرضى والسخط أحسن منكم
وقال في ج 3 ص 194: حدث أبو النجيب قال: كنت كثير الملازمة للوزير: أبي محمد المهلبي [المتوفى 352] فاتفق أن غسلت ثيابي وأنفذ إلي من يدعوني فاعتذرت بعذر فلم يقبله وألح في استدعائه فكتبت إليه: عبدك تحت الحبل عريان * كأنه لا كان شيطان يغسل أثوابا كأن البلا * فيها خليط وهي أوطان أرق من ديني إن كان لي * دين كما للناس أديان كأنها حالي من قبل أن * يصبح عندي لك إحسان يقول من يبصرني معرضا * فيها وللأقوال برهان: هذا الذي قد نسجت فوقه * عناكب الحيطان إنسان فأنفذ لي جبة وعمامة وسراويل وكيسا فيه خمسمائة درهم. وترجمه الكتبي في [فوات الوفيات] ص 167 وقال: شاعر مدح المهلبي وزير معز الدولة ومدح عضد الدولة وكانت وفاته في حدود الأربعمائة. وذكر أبياتا من شعره. ونقل في ص 132 في ترجمة الوزير المهلبي ما حكيناه عن (معجم الأدباء) من حديث غسل الثياب. وتوجد ترجمته في (دائرة المعارف) للبستاني ج 2 ص 360. وقد أصفقت المصادر الثلاثة الأخيرة على أن أبا النجيب كنية شداد بن إبراهيم المترجم الملقب بالطاهر فهو رجل واحد لا كما حسبه سيدنا الأمين في [أعيان الشيعة]
[179]
من التعدد فذكر في ج 1 ص 389 المترجم باسمه شداد وقال: إنه توفي في حدود 400. وذكر في ج 1 ص 411 أبا النجيب الطاهر الجزري وعده ممن لم يحدد عصره من الشعراء. وذكر صاحب [دمية القصر] للمترجم في ص 50 قوله: انظر إلى حظ ابن شبل في الهوى * إذ لا يزال لكل قلب شايقا
شغل النساء عن الرجال وطالما * شغل الرجال عن النساء مراهقا عشقوه أمرد والتحى فعشقته * الله أكبر ليس يعدم عاشقا وذكره الثعالبي في تتميم يتيمته ج 1 ص 46 وذكر له من قصيدة في سيف الدولة علي بن عبد الله المتوفى 356: وحاجة قيل لي: نبه لها عمرا * ونم. فقلت: علي قد تنبه لي حسبي عليان إن ناب الزمان وإن * جاء المعاد بما في القول والعمل فلي علي بن عبد الله منتجع * ولي علي أمير المؤمنين ولي وله. أليس ترى الجو مستعبرا * يضاحكه برقه الخلب ؟ ! وقد لاح من قزح قوسه * بعيدا وتحسبه يقرب كطاقي عقيق وفيروزج * وبينهما آخر مذهب م - وذكر ابن خلكان شطرا من شعره في تاريخه 2: 236 نقلا عن (دمية القصر) وأثنى عليه].
[180]
القرن الخامس (36) الشريف الرضي المولود 359 المتوفى 406 نطق اللسان عن الضمير * والبشر عنوان البشير ألان أعفيت القلوب من التقلقل والنفور وانجابت الظلماء عن * وضح الصباح المستنير إلى أن قال
غدر السرور بنا وكان * وفاؤه يوم الغدير يوم أطاف به الوصي * وقد تلقب بالأمير فتسل فيه ورد عارية * الغرام إلى المعير وابتز أعمار الهموم * بطول أعمار السرور فلغير قلبك من يعلل * همه نطف الخمور لا تقنعن عند المطالب * بالقليل من الكثير فتبرض الأطماع مثل * تبرض (1) الثمد الجرور هذا أوان تطاول الحاجات * والأمل القصير فانفح لنا من راحتيك * بلا القليل ولا النزور لا تحوجن إلى العصاب * وأنت في الضرع الدرور آثار شكرك في فمي * وسمات ودك في ضميري وقصيدة عذراء مثل * تألق الروض النضير
(1) التبرض من تبرض: إذا تبلغ بالقليل من العيش.
[181]
فرحت بمالك رقها * فرح الخميلة (1) بالغدير القصيدة (2) * (الشاعر) * الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام أبي إبراهيم موسى الكاظم عليه السلام. أمه السيدة فاطمة بنت الحسين بن أبي محمد الحسن الأطروش بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. والده أبو أحمد كان عظيم المنزلة في الدولتين العباسية والبويهية لقبه أبو
نصر بهاء الدين بالطاهر الأوحد، وولي نقابة الطالبيين خمس مرات، ومات وهو النقيب وذهب بصره، ولولا استعظام عضد الدولة أمره ما حمله على القبض عليه و حمله إلى قلعة بفارس، فلم يزل بها حتى مات عضد الدولة فأطلقه شرف الدولة ابن العضد واستصحبه حين قدم بغداد، وله في خدمة الملة والمذهب خطوات بعيدة، ومساعي مشكورة، وقدم وقدم، ولد سنة 304 وتوفي ليلة السبت 25 جمادى الأولى سنة 400 (3) ورثته الشعراء بمراث كثيرة، وممن رثاه ولداه المرتضى والرضي ومهيار الديلمي ورثاه أبو العلاء المعري بقصيدة توجد في كتابه سقط الزند. وسيدنا الشريف الرضي هو مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة، وإمام من أئمة العلم والحديث والأدب، وبطل من أبطال الدين والعلم والمذهب، هو أول في كل ما ورثه سلفه الطاهر من علم متدفق، ونفسيات زاكية، وأنظار ثاقبة. وإباء وشمم، وأدب بارع، وحسب نقي، ونسب نبوي، وشرف علوي، و مجد فاطمي، وسودد كاظمي، إلى فضائل قد تدفق سيلها الأتي، ومئانر قد التطمت أواذيها الجارفة، ومهما تشدق الكاتب فإن في البيان قصورا عن بلوغ مداه،
(1) الخميلة: الشجرة الكثير الملتف الموضع الكثير الشجر المنهبط من الأرض. (2) توجد في ديوانه 1 ص 327 يمدح بها أباه في (يوم الغدير) ويذكر رد أملاكه عليه في سنة 396. (3) صحاح الأخبار ص 60، والدرجات الرفيعة، وعدة أخرى من الكتب والمعاجم.
[182]
وللتنقيب تقاعسا عن تحديد غايته، وللوصف انحسارا عن استكناه حقيقته، وإن دون ما تحلى به من مناقبه الجمة، وضرائبه الكريمة، كل ما سردوه في المعاجم من ثناء وإطراء مثل فهرست النجاشي ص 283، يتيمة الدهر 3 ص 116، الأنساب للمجدي، تاريخ بغداد 3 ص 246، كامل ابن الأثير 9 ص 89، معالم العلماء 138،
دمية القصر ص 73، تاريخ ابن خلكان 2 ص 106، المنتظم لابن الجوزي 7 ص 279، خلاصة العلامة 81، صحاح الأخبار ص 61، الأنساب لأبي نصر البخاري، عمدة الطالب 183، تحفة الأزهار لابن شدقم، تاريخ ابن كثير 12 ص 3، مرآة الجنان 3 ص 18، الشذرات 3 ص 182، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 10، غاية الاختصار، الدرجات الرفيعة للسيد، مجالس المؤمنين 210، جامع الأقوال نسمة السحر لليمني، لسان الميزان 4 ص 223، رياض الجنة للزنوزي الروضة البهية للسيد، ملخص المقال، رجال ابن أبي جامع الإجازة للسماهيجي، الإتقان ص 121، منهج المقال 293 تأسيس الشيعة 107، سمير الحاضر للشيخ علي، تنقيح المقال ص 107 اليتيمة للعاملي ص 18، تاريخ آداب اللغة 2 ص 257 (1) أعلام الزركلي 3 ص 889 دائرة المعارف للبستاني 10 ص 458، دائرة المعارف لفريد وجدي 4 ص 251، مجلة الهدى العراقية في الجزء الثالث من السنة الأولى ص 106. معجم المطبوعات. وتجد تحليل نفسية (الشريف الرضي) الكريمة في ما ألفه العلامة الشيخ عبد الحسين الحلي النجفي كمقدمة للجزء الخامس المطبوع من تفسيره فطبع معه في 112 صحيفة 1] وما نضد عقد جمانه الكاتب الشهير زكي مبارك في مجلدين ضخمين مطبوعين أسماه (عبقرية الرضي 2) وقبلهما ما كتبه العلامة الشيخ محمد رضا بن شيخنا الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء 3] وأفرد زميلنا السيد علي أكبر البرقعي القمي كتابا في ترجمته أسماه [كاخ دلاويز 4]
(1) اشتبه في تأليف المترجم وبيئة نشأته وتاريخ وفاته.
[183]
م - قال الأميني: كان البرقعي محمود السيرة، ميمون النقيبة، من روار الفضيلة و الأدب، غير أنه تحزب في الآونة الأخيرة بفئة ضالة ساقطة، وأصيب - العياذ بالله - بمتعسة أزالته عن مكانته، وأسفته إلى هوة البوار، عصمنا الله من الزلل، وآمننا من الخطل، وحفظنا من خاتمة سوء]. وكتب الدكتور محفوظ ترجمته في 250 صحيفة سماها ب [الشريف الرضي] طبعت في بيروت بمطبعة الريحاني 5] ولولدنا محمد هادي الأميني كتاب في ترجمته 6] وهناك من كتب (2) في عبقريته من المتطفلين على موائد الكتابة من الشباب الزائف في مصر، غير أنه كشف عن سوئة نفسه وخلد لها شية العار على مر الدهور، فطفق ينحو فيما حسبه خدمة للرضي ونشرا لعبقريته النيل من سلفه الطاهر، وأخذ ينشر ما في علبة عداؤه على أهل البيت النبوي المقدس بالوقيعة في سيدهم سيد الوصيين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، هنالك أبدى ضئولة رأيه، وسخف أنظاره، وخبث عنصره، فجاء كالباحث عن حتفه بظلفه، وهب أنه من قوم حناق على آل الرسول صلوات الله عليهم لكنه لم يسلم من نعراته حتى أئمة مذهبه، فقد جاثاهم وسلقهم بلسان حديد، أنا لا أحاول نقد كلماته حرفيا فإنها أسقط من ذلك، وإن صاحبها أقل من أن ينوه به في الكتب، ولكن أسفي على مصر أن يشوه سمعتها الذنابي، أسفي على جامعتها أن لا تنفي عنها ما يدنس مطارف فضلها القشيبة، أسفي على مطابعها أن تنشر السفاسف المخزية، أسفي أسفي أسفي. أساتذته ومشايخه 1 - أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان النحوي المعروف بالسيرافي المتوفى 368 تلمذ عليه في النحو وهو طفل لم يبلغ عمره عشر سنين، ذكره ابن خلكان، واليافعي، وصاحب (الدرجات الرفيعة) نقلا عن أبي الفتح ابن جني شيخ المترجم. 2 - أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي المتوفى 377 وله منه إجازة،
يروي عنه في كتابه (المجازات النبوية). 3 - أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 384 وقيل 78.
(2) هو محمد سيد الكيلاني أفرد في المترجم كتابا في 159 صفحة وسماء ب (الشريف الرضي)
[184]
4 - أبو محمد الشيخ الأقدم هارون بن موسى التلعكبري المتوفى 385. 5 - أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي المتوفى 392 وقد أكثر النقل عنه في (المجازات النبوية). 6 - أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد المعروف بابن نباتة صاحب الخطب المتوفى 394. 7 - الشيخ الأكبر شيخنا المفيد أبو عبد الله ابن المعلم محمد بن نعمان المتوفى 413، قرأ عليه هو وأخوه علم الهدى المرتضى قال صاحب (الدرجات الرفيعة): كان المفيد رأى في منامه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها: الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين فسلمتهما إليه وقالت له: علمهما الفقه. فانتبه متعجبا من ذلك فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها ابناها: علي المرتضى ومحمد الرضي. صغيرين فقام إليها وسلم عليها فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه. فبكى الشيخ وقص عليها المنام وتولى تعليمهما وأنعم الله تعالى وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا وهو باق ما بقي الدهر. وذكرها ابن أبي الحديد في شرحه ج 1 ص 13. 8 - أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي البغدادي المتوفى 420 كما في (المجازات النبوية) ص 250، وقال المترجم في تفسير قول تعالى: رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت: قال لي شيخنا أبو الحسن علي بن عيسى النحوي صاحب أبي علي الفارسي، وهذا الشيخ كنت بدأت بقرائة النحو عليه قبل شيخنا أبي الفتح
عثمان، بن جني، فقرأت عليه مختصر الجرمي، وقطعة من كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي، ومقدمة أملاها علي كالمدخل إلى النحو، وقرأت عليه العروض لأبي إسحاق الزجاج والقوافي لأبي الحسن الأخفش. 9 - القاضي عبد الجبار أبو الحسن بن أحمد الشافعي المعتزلي، قرأ عليه كما في (المجازات النبوية). 10 - أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، قرأ عليه في الفقه كما في (المجازات) ص 92.
[185]
11 - أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد الكناني، يروي عنه الحديث كما في (المجازات) ص 155. 12 - أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح، شيخه في الحديث كما في (المجازات) ص 153. 13 - أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي الأكفاني. 14 - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي، تلمذ عليه في عنفوان شبابه كما في (المنتظم) لابن الجوزي وغيره. تلامذته والرواة عنه ويروي عنه جمع من أعيان الطايفة وأعلام العامة منهم: 1 - شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460. 2 - الشيخ جعفر بن محمد الدوريستي. 3 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الحلواني كما في الإجازات. 4 - القاضي أبو المعالي أحمد بن علي بن قدامة المتوفى 486، كما في كثير من إجازات أعلام الدين.
5 - أبو زيد السيد عبد الله بن علي كيابكي ابن عبد الله الحسيني الجرجاني، كما في إجازة الشهيد الثاني لوالد شيخنا البهائي العاملي، وإجازة مولانا المجلسي الأول لولده العلامة المجلسي. 6 - أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي، وهو من أجلاء تلمذة المترجم وأخيه الشريف المرتضى كما في (المقابيس) للعلامة الحجة التستري 7 - أبو منصور محمد بن أبي نصر محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري المعدل كما في (قصص الأنبياء) للراوندي. 8 - القاضي السيد أبو الحسن علي بن بندار بن محمد الهاشمي يروي عن المترجم وأخيه علم الهدى المرتضى كما في إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي الكبيرة للشيخ ياسين وإجازته للشيخ ناصر الجارودي سنة 1128 9 - الشيخ المفيد عبد الرحمن بن أحمد بن يحيى النيسابوري يروي عن المترجم
[186]
وأخيه علم الهدى جميع مصنفاتهما بلا واسطة كما في إجازة الشيخ عبد الله السماهيجي الكبيرة المذكورة. تآليفه وكتبه 1 * (نهج البلاغة) * كان يهتم بحفظه حملة العلم والحديث في العصور المتقادمة حتى اليوم ويتبركون بذلك كحفظ القرآن الشريف، وعد من حفظته في قرب عهد المؤلف القاضي جمال الدين محمد بن الحسين بن محمد القاساني، فإنه كان يكتب (نهج البلاغة) من حفظه كما ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته. م - ومن حفاظه في القرون المتقادمة الخطيب أبو عبد الله محمد الفارقي المتوفى 564 كما ذكره ابن كثير في تاريخه 12 ص 260، وابن الجوزي في (المنتظم) 10 ص 229]. ومن حفظة المتأخرين له العلامة الورع السيد محمد اليماني المكي الحائري
المتوفى في الحائر المقدس سنة 1280 في 28 ربيع الأول. ومنهم العالم المؤرخ الشاعر الشيخ محمد حسين مروة الحافظ العاملي، حكى سيدنا صدر الدين الكاظمي عن العلامة الشيخ موسى شرارة: إنه كان يحفظ تمام قاموس اللغة، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وأربعين ألف قصيدة. ا ه. ونقل بعض الأعلام: إنه كان حافظا لكامل ابن الأثير من أوله إلى آخره. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجم له بما يربو على السبعين شرحا وممن شرحه: 1 - السيد علي بن الناصر المعاصر لسيدنا الشريف الرضي شرحه وأسما شرحه ب (أعلام نهج البلاغة) وهو أول الشروح وأقدمها. 2 - أحمد بن محمد الوبري من أعلام القرن الخامس. 3 - ضياء الدين أبو الرضا فضل الله الراوندي علق عليه سنة 511. 4 - أبو الحسن علي بن أبي القاسم زيد بن أميرك محمد بن أبي علي الحسين ابن أبي سليمان فندق بن أيوب بن الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عمر بن الحسن بن عثمان بن أيوب بن خزيمة بن عمر بن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين
[187]
صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيهقي النيسابوري من مشايخ ابن شهر آشوب قرأ نهج البلاغة على الشيخ الحسن بن يعقوب القارئ سنة 516 وشرحه وأسماه ب (معارج نهج البلاغة) ولد يوم السبت سابع وعشرين شعبان في سبزوار ومات سنة 565 (1). 5 - أبو الحسين سعيد بن هبة الله قطب الدين الراوندي المتوفى 573 أسما شرحه ب (منهاج البراعة). 6 - الشيخ أبو الحسين محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الشهير
بقطب الدين الكيدري، له شرحه الموسوم ب (حدايق الحقايق) فرغ من تأليفه سنة 576. 7 - أفضل الدين الحسن بن علي بن أحمد الماهابادي، أحد مشايخ صاحب الفهرست الشيخ منتجب الدين المتوفى بعد سنة 585 (2). 8 - القاضي عبد الجبار المردد بين جمع (3) مقارنين بعصر شيخ الطائفة ذكره العلامة النوري في (المستدرك). 9 - الفخر الرازي محمد بن عمر الطبري الشافعي المتوفى 606 كما صرح به القفطي في (تاريخ الحكماء). 10 - أبو حامد عز الدين عبد الحميد الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي المدايني المتوفى سنة 655، له شرحه الدائر الذي اختصره المولى سلطان محمود الطبسي الآتي ذكره. 11 - السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاوس الحسيني المتوفى سنة 664.
(1) ترجمه الحموي في (معجم الأدباء) 5 ص 208 نقلا عن كتابه (مشارب التجارب) وعد شرح النهج من تأليفه، فما في (كاخ دلاويز) ص 116 من نفى صحة نسبة الشرح إليه ردا على ابن يوسف الشيرازي في غير محله، كما اشتبه عليه في قوله: إن البيهقي أول شارح الكتاب. (2) اسم الشارح أفضل الدين الحسن لا أبو الحسن كما في بعض المعاجم. (3) ألا وهم الفقهاء الأفذاذ: القاضي ركن الدين عبد الجبار بن علي الطوسي، والقاضي عبد الجبار بن فضل الله، وعبد الجبار بن منصور، والشيخ عبد الجبار بن أحمد، والشيخ عبد الجبار بن عبد الله المقري الرازي، وعبد الجبار بن محمد الطوسي، وأبو علي عبد الجبار بن الحسين.
[188]
12 - أبو طالب تاج الدين المعروف بابن الساعي علي بن أنجب بن عثمان بن
عبد الله البغدادي المتوفى 674، صاحب التآليف الكثيرة منها شرح نهج البلاغة كما في (منتخب المختار) ص 138. 13 - كمال الدين الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى 679، له شرحه الكبير والمتوسط والصغير. 14 - الشيخ أحمد بن الحسن الناوندي، من أعلام القرن السابع تلميذ الشيخ جمال الدين الوراميني، له حواش كثيرة على (نهج البلاغة) من تقريرات استاده المذكور. 15 - العلامة الحلي جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى 726. 16 - الشيخ كمال الدين ابن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم العتائقي الجلي أحد أعلام القرن الثامن له شرحه الكبير في أربع مجلدات. 17 - يحيى بن حمزة العلوي اليمني من أئمة الزيدية المتوفى 749، اقتصر في شرحه على حل عويصاته اللغوية. 18 - سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الشافعي المتوفى 791 / 2 / 3. 19 - السيد أفصح الدين محمد بن حبيب الله بن أحمد الحسيني، فرغ من شرحه شهر صفر سنة 881 (1) 20 - المولى قوام الدين يوسف بن حسن الشهير بقاضي بغداد المتوفى حدود سنة 927. 21 - أبو الحسن علي بن الحسن الزواري، من تلمذة المحقق الكركي شرحه بالفارسية وأسماه ب (روضة الأبرار) فرغ منه سنة 947. 22 - المولى جلال الدين الحسين بن خواجة شرف الدين عبد الحق الأردبيلي المعروف بالإلهي المتوفى 950، شرحه بالفارسية ويسمى ب (منهج الفصاحة).
(1) ذكر البحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمته (ما هو نهج البلاغة) شرحين أحدهما
ص 17 للسيد أفصح الدين المذكور والآخر في ص 26 للسيد أفصح الدين الآخر ولم يعرف مؤلفه، وهو اشتباه واضح وليس هناك إلا شرح واحد لرجل واحد.
[189]
23 - المولى فتح الله بن المولى شكر الله القاشاني المتوفى 988، له شرحه الفارسي المطبوع الموسوم به [تنبيه الغافلين وتذكرة العارفين] 24 - عز الدين علي بن جعفر شمس الدين الآملي من تلمذة الشيخ علي بن هلال الجزائري له شرحه بالفارسية. 25 - المولى عماد الدين علي القاري الاسترابادي أحد أعلام القرن العاشر له تعليق على الكتاب. 26 - المولى شمس بن محمد بن مراد ترجم شرح ابن أبي الحديد المعتزلي سنة 1013. 27 - شيخنا البهائي العاملي المتوفى 1031، له شرح نهج البلاغة ولم يتم، ذكره البرقعي فيما كتبه إلينا. 28 - الشيخ الرئيس أبو الحسن ميرزا القاجاري، له شرحه لم يتم، كتبه إلينا السيد البرقعي. 29 - الشيخ نور محمد بن القاضي عبد العزيز بن القاضي طاهر محمد المحلي شرحه فارسيا سنة 1028. 30 - المولى عبد الباقي الخطاط الصوفي التبريزي المتوفى 1039 شرحه بالفارسية وسماه ب [منهاج الولاية] (1) 31 - المولى نظام الدين علي بن الحسن الجيلاني يسمى شرحه ب [أنوار الفصاحة] فرغ من أول مجلداته الثلاث 4 ربيع الأول سنة 1053. 32 - الشيخ حسين بن شهاب الدين بن الحسين العاملي الكركي المتوفى 1076
عن 68 سنة. 33 - فخر الدين عبد الله بن المؤيد بالله لخص شرح ابن أبي الحديد وأسماه [العقد النضيد المستخرج من شرح ابن أبي الحديد] توجد منه نسخة مؤرخة بسنة 1080.
(1) ذكر البحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمة (ما هو نهج البلاغة) ص 19 شرحا للمولى عبد الباقي ولم يسمه. وذكر في ص 25 الشرح (منهاج الولاية) ولم يعرف مؤلفه،
[190]
34 السيد ماجد بن محمد البحراني المتوفى 1097 لم يتم شرحه. 35 - الشيخ محمد مهدي بن أبي تراب السهندي شرحه باللغة الفارسية وفرغ منه شهر رمضان سنة 1097. 36 - ميرزا علاء الدين محمد گلستانه المتوفى 1100 يسمى شرحه ب [حدائق الحقائق] وشرحه الآخر الصغير ب [بهجة الحدائق]. 37 - السيد حسن بن مطهر بن محمد اليمني الجرموزي الحسني المولود 1044 والمتوفى 1110، له شرحه ذكره له الشوكاني في (البدر الطالع) 1 ص 311. 38 - المولى تاج الدين حسن المعروف بملا تاجا والد شيخنا الفاضل الهندي المتوفى 1137 له شرح فارسي يوجد في إصبهان. 39 - المولى محمد صالح بن محمد باقر الروغني القزويني من أعلام القرن الحادي عشر شرحه فارسيا طبع بايران (1). 40 - السيد نعمة الله بن عبد الله الجزائري التستري المتوفى 1112 له شرحه في ثلاث مجلدات. 41 - المولى سلطان محمود بن غلام علي الطبسي القاضي من تلمذة العلامة المجلسي. 42 - المولى محمد رفيع بن فرج الجيلاني المتوفى بالمشهد الرضوي حدود 1160.
43 - الشيخ محمد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني الاصبهاني المتوفى في الهند 1181 له شرح بعض خطبه. 44 - السيد عبد الله بن محمد رضا الشبر الحسيني الكاظمي المتوفى 1242، له شرحان. 45 - الأمير محمد مهدي الخاتون آبادى الاصبهاني المتوفى 1263، له شرحه بالفارسية. 46 - الحاج السيد محمد تقي بن الأمير محمد مؤمن الحسيني القزويني المتوفى
(1) خفى مؤلف هذا الشرح على صاحب (وقايع الأيام) وذكره للحاج المولى صالح البرغاني القزويني، وتبعه البرقعي في (كاخ دلاويز) والبحاثة ابن يوسف الشيرازي في ترجمة (ما هو نهج البلاغة).
[191]
1270، له شرحه بالفارسية. 47 - ميرزا باقر النواب بن محمد بن محمد اللاهجي الاصبهاني، كتب له شرحا بالفارسية بأمر السلطان فتحعلي شاه القاجار وطبع بايران. 48 - الحاج نصر الله بن فتح الله الدزفولي، ترجم شرح ابن أبي الحديد بالفارسية وزاد عليه تحقيقاته بأمر السلطان ناصر الدين شاه القاجار وفرغ منه سنة 1292. 49 - السيد صدر الدين بن محمد باقر الموسوي الدزفولي، من تلمذة آقا محمد البيد آبادي. 50 - السيد مفتي عباس المتوفى 1306 (أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر) عده البرقعي فيما كتبه إلينا من شراحه. 51 - المولى أحمد بن علي أكبر المراغي نزيل تبريز والمتوفى 5 محرم سنة 1310 علق على مشكلاته.
52 - الشيخ بهاء الدين محمد (أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر) له شرحه ذكره البرقعي فيما كتبه إلينا. 53 - الأستاذ محمد حسن نائل المرصفي، شرح مشكلات لغاته طبع بمصر تعليقا عليه سنة 1328 54 - الشيخ محمد عبدة المتوفى سنة 1323. 55 - الحاج ميرزا حبيب الله الموسوي الخوئي المتوفى حدود 1326، له شرحه الكبير الموسوم ب (منهاج البراعة). 56 - الشيخ جواد الطارمي بن الحاج المولى محرم علي الزنجاني المتوفى سنة 1325، له شرحه الموسوم ب (شرح الاحتشام على نهج بلاغة الإمام). 57 - الحاج ميرزا إبراهيم الخوئي الشهيد سنة 1325، له شرحه المسمى ب (الدرة النجفية) طبع في تبريز سنة 1293. 58 - جهانگيرخان القشقائي المتوفى بإصبهان سنة 1328. 59 - السيد أولاد حسن بن محمد حسن الهندي المتوفى سنة 1338، يسمى شرحه ب [الاشاعة].
[192]
60 - الشيخ محمد حسين بن محمد خليل الشيرازي المتوفى 1340. 61 - السيد علي أطهر الكهجوي الهندي المتوفى في شعبان سنة 1352. 62 - الأستاذ محيي الدين الخياط نزيل بيروت طبع شرحه في ثلث مجلدات. 63 - السيد ذإكر حسين أختر الدهلوي المعاصر شرحه بلغة اردو. 64 - الأستاذ محمد بن عبد الحميد المصري زاد على شرح الشيخ محمد عبدة بعض إفاداته وطبع. 65 - السيد ظفر مهدي اللكهنوي له شرحه بلغة اردو.
66 - السيد هبة الدين محمد علي الشهرستاني، له شرحه الموسوم ب [بلاغ المنج] 67 - الشيخ محمد علي بن بشارة الخيقاني، له شرحه ذكره له الشيخ أحمد النحوي في قصيدة يمدحه بها فقال: ولقد كسى نهج البلاغة فكره * شرحا فأظهر كل خاف مضمر وكتب إلينا البرقعي من شراحه. 68 - ميرزا محمد تقي الألماسي حفيد العلامة المجلسي قال: له شرحه بالفارسية لم يتم. 69 - الشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم. 70 - الشيخ عبد الله بن سليمان البحراني السماهيجي. 71 - الحاج المولى علي العلياري التبريزي. 72 - الشيخ ملا حبيب الله الكاشاني صاحب التآليف القيمة. 73 - السيد عبد الحسين الحسيني آل كمونة البروجردي. 74 - ميرزا محمد علي بن محمد نصير چهاردهي الگيلاني، له شرحه في ثلاث مجلدات. 75 - ميرزا محمد علي قراجه داغي التبريزي. 76 - الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد المدرس في كلية اللغة العربية بالأزهر، زاد على شرح الشيخ محمد عبدة زيادات هامة طبعت مع الأصل والشرح بمصر في مطبعة الاستقامة. م - ووقفنا على آثار قيمة أو مآثر خالدة حول (نهج البلاغة) لجمع ممن عاصرناهم ألا وهم:
[193]
77 - الحاج ميرزا خليل الصيمري الكمرئي الطهراني، شرح النهج وأطنب في أربع وعشرين مجلدا، طبع بعض تلكم الأجزاء الضخمة الفخمة القيمة بطهران. 78 - السيد محمود الطالقاني، شرحه في عدة مجلدات طبع غير واحد منها.
79 - الحاج السيد علي النقي فيض الاسلام الاصبهاني، ترجمه في ست مجلدات، طبعت في طهران بأجود خط وأحسن ورق. 80 - الحاج ميرزا محمد علي الأنصاري القمي ترجمه نظما ونثرا بالفارسية في عدة مجلدات وقفت على ثلاث منها مطبوعة بأجمل هيئة وأبهى صورة. 81 - جواد فاضل ترجم جملة من خطبه بالفارسية بأسلوب بديع وبيان مليح]. مؤلف نهج البلاغة كل هؤلاء الأعلام لا يشكون في أن الكتاب من تآليف الشريف الرضي، و تصافقهم على ذلك معاجم الشيعة جمعاء، فلن تجد من ترجمة من أربابها إلا ناصا على صحة النسبة وجازما باستقامة النسب منذ عصر المؤلف وإلى اليوم الحاضر، انظر فهرست أبي العباس النجاشي المتوفى 450، وفهرست الشيخ منتجب الدين المتوفى 585 و و و. وتنبئ القارئ عن صحة النسبة إجازات حملة العلم والحديث لأصحابهم منها: 1 - إجازة الشيخ محمد بن علي بن أحمد بن بندار للشيخ الفقيه أبي عبد الله الحسين برواية الكتاب [نهج البلاغة] في جمادى الأخرى سنة 499. 2 - إجازة الشيخ علي بن فضل الله الحسيني لعلي بن محمد بن الحسين المتطبب برواية الكتاب في رجب سنة 589. 3 - إجازة الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى الحلي للسيد عز الدين الحسن بن علي المعروف بابن الأبرز برواية الكتاب في شعبان سنة 655. 4 - إجازة العلامة الحلي لبني زهرة في سنة 723. 5 - إجازة السيد محمد بن الحسن بن أبي الرضا العلوي لجمال الدين ابن أبي المعالي سنة 730. 6 - إجازة فخر الدين محمد بن العلامة الحلي لابن مظاهر في سنة 741.
[194]
7 - إجازة شيخنا الشهيد الأول للشيخ ابن نجدة سنة 770. 8 - إجازة الشيخ علي بن محمد بن يونس البياضي صاحب [الصراط المستقيم] للشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي الحساوي سنة 852. 9 - إجازة الشيخ علي المحقق الكركي للمولى حسين الاسترابادي في سنة 907. 10 - إجازة الشيخ المحقق الكركي للشيخ إبراهيم سنة 934. 11 - إجازة المحقق الكركي للقاضي صفي الدين عيسى سنة 937. 12 - إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي في سنة 941. 13 - إجازة الشيخ حسن بن الشهيد الثاني الكبيرة. 14 - إجازة الشيخ أحمد بن نعمة الله بن خاتون للمولى عبد الله التستري في سنة 988. 15 - إجازة الشيخ محمد بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون للسيد ظهير الدين الهمداني في سنة 1008. 16 - إجازة العلامة المجلسي الأول لتلميذه آقا حسين الخونساري سنة 1062 17 - إجازة العلامة المجلسي الأول الكبيرة لولده العلامة المجلسي المؤرخة بسنة 1068. 18 - إجازة الشيخ صالح بن عبد الكريم للمولى محمد هادي بن محمد تقي الشولستاني سنة 1080. 19 - إجازة المجلسي الثاني للسيد ميرزا إبراهيم النيسابوري سنة 1088. 20 - إجازة العلامة المجلسي للسيد نعمة الله الجزائري سنة 1096. وغيرها من الإجازات. وقبل هذه كلها نصوص الشريف الرضي نفسه في كتبه بذلك فقال في الجزء الخامس
من تفسيره ص 167: ومن أراد أن يعلم زمان ما أشرنا إليه من ذلك فليمعن النظر في كتابنا الذي ألفناه ووسمناه [بنهج البلاغة] وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع الأنحاء والأغراض والأجناس والأنواع من خطب وكتب ومواعظ وحكم وبوبناه أبوابا ثلاثة. إلخ
[195]
وقال في كتابه [المجازات النبوية] (1) ص 223: وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم، [نهج البلاغة] الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه. وقال في ص 41 من المجازات: وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم ب [نهج البلاغة] وقال في ص 161: قد ذكرنا الكلام في كتابنا الموسوم ب [نهج البلاغة]. وقال في ص 252: قد ذكرناه في جملة كلامه عليه السلام لكميل بن زياد النخعي في كتاب (نهج البلاغة). وقال في أواخر (نهج البلاغة) في شرح قوله عليه السلام: العين وكاء السنة: قال الرضي وقد تكلمنا في هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبوية. وقال في ديباجة (نهج البلاغة): فإني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص أئمة عليهم السلام يشتمل على محاسن أخبارهم و جواهر كلامهم. إلخ. وكتاب الخصايص المذكور موجود بين أيدينا ولم يختلف فيه اثنان أنه للشريف الرضي. فما تورط به بعض الكتبة من نسبة الكتاب إلى أخيه علم الهدى واتهامه بوضعه (2) أو وضع بعض ما فيه على لسان أمير المؤمنين عليه السلام والدعوى المجردة ببطلان أكثر ما فيه وعزو ذلك إلى سيدنا الشريف الرضي (3) الذي عرفت موقفه العظيم من الثقة و العلم والجلالة، أو الترديد فيمن وضعه وجمعه بينهما (4) مما لا يقام له في سوق الحقايق وزن، وليس له مناخ إلا حيث تربض فيه العصبية العمياء، ويكشف عن جهل أولئك
المؤلفين برجال الشيعة وتآليفهم، وأعجب ما رأيت كلمة الذهبي في طبقاته ج 3 ص 289 وفيها [يعني سنة 436] توفي شيخ الحنفية العلامة المحدث أبو عبد الله الحسين بن موسى الحسيني الشريف الرضي واضع كتاب [نهج البلاغة]. قال ابن أبي الحديد ج 2 ص 546 بعد ذكر خطبة ابن أبي الشحماء العسقلاني
(1) كون المجازات النبوية للشريف الرضي من المتسالم عليه لم يختلف فيه اثنان. (2) ميزان الاعتدال 2 ص 223، ودائرة المعارف للبستاني 10 ص 459، تاريخ آداب اللغة 2 ص 288. (3) كما في ميزان الاعتدال، ولسان الميزان 4 ص 223. (4) تاريخ ابن خلكان 1 ص 365، مرآة الجنان لليافعي ج 3 ص 55.
[196]
الكاتب: هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب وهي كما تراها ظاهرة التكلف بينة التوليد، تخطب على نفسها، وإنما ذكرت هذا لأن كثيرا من أرباب الهوى يقولون: إن كثيرا من (نهج البلاغة) كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن وغيره، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم فضلوا عن النهج الواضح، وركبوا بينات الطريق ضلالا، وقلة معرفة بأساليب الكلام، وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول: لا يخلو إما أن يكون كل (نهج البلاغة) مصنوعا منحولا أو بعضه، والأول باطل بالضرورة لأنا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم والمؤرخون كثيرا منه وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك، والثاني يدل علي ما قلناه لأن من قد أنس بالكلام والخطابة وشدا طرفا من علم البيان وصار له ذوق في هذا الباب لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف علي كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط
فلا بد أن يفرق بين الكلامين ويميز بين الطريقين، ألا ترى ؟ إنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام فوجدناه قد كتب في أثنائه قصايد أو قصيدة واحدة لغيره لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى ؟ أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصايد كثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة، وأنت إذا تأملت (نهج البلاغة) وجدته كله ماء واحدا ونفسا واحدا وأسلوبا واحدا كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز أوله كأوسطه وأوسطه كآخره، وكل سورة منه و كل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور، ولو كان بعض (نهج البلاغة) منحولا وبعضه صحيحا لم يكن ذلك كذلك، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به لأنا متى فتحنا
[197]
هذا الباب وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا وساغ لطاعن أن يطعن ويقول: هذا الخبر منحول، وهذا الكلام مصنوع، وكذلك ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والأدب وغير ذلك، وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الراشدين والصحابة والتابعين والشعراء والمترسلين والخطباء، فلنا صري أمير المؤمنين عليه السلام أن يستعد إلى مثله فيما يروونه عنه من (نهج البلاغة) وغيره وهذا واضح. ا ه. وقال في ج 1 ص 69 في آخر الخطبة الشقشقية: حدثني شيخي أبو الخير
مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب (المتوفى 568) هذه الخطبة (يعني الشقشقية) فلما انتهيت إلى هذا الموضع (يعني قول ابن عباس: فوالله ما أسفت. إلخ) قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد ؟ ! والله ما رجع عن الأولين ولا عن آخرين ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال مصدق: وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل قال: فقلت له: أتقول إنها منحولة ؟ ! فقال: لا والله وإني لأعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق: قال: فقلت له: إن كثيرا من الناس يقولون: إنها من كلام الرضي رحمه الله تعالى، فقال: أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب ؟ ! قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور وما يقع من هذا الكلام في خل ولا خمر. قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي، قلت: وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، ووجدت أيضا كثيرا سها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب " الانصاف " وكان أبو جعفر
[198]
هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا. ا ه. وقد أفرد العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء كتابا في 66 صحيفة حول الكتاب ودفع الشبهات عنه بعد نقلها، وقد جمع فأوعى وتبسط فأجاد (1) وألقي الشيخ محمد
عبدة حول الكتاب كلمات ضافية في شرحه، وأطال البحث عنه وعن اعتباره الأستاذ حسين بستانه أستاذ الأدب العربي في الثانوية المركزية [سابقا] تحت عنوان (أدب الإمام علي ونهج البلاغة) وتعرض الأوهام الحائمة حول النهج، نشر في العدد الرابع من أعداد السنة الخامسة من مجلة (الاعتدال) النجفية الغراء، وللعلامة السيد هبة الدين الشهرستاني تأليف حول اعتبار ما في النهج ومحله من الرفعة والبذخ عند العالمين تحت عنوان (ما هو نهج البلاغة) طبع في صيدا، وترجمه إلى الفارسية أحد فضلاء ايران في عاصمتها (طهران) وزاد عليه بعض الفوايد. ومن تآليف سيدنا الرضي 2 - خصائص الأئمة ذكره مؤلفه في صدر (نهج البلاغة) وأطراه، وعندنا منه نسخة وقد شرح فيه بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام وذكر اسمه في غير موضع واحد، والعجب عن العلامة الحلي وكلامه حوله قال: توجد في العراق نسخ باسمه تشبهه في المنهج لكن لم تصح نسبتها. 3 - مجازات الآثار النبوية طبع ببغداد سنة 1328. 4 - تلخيص البيان عن مجاز القرآن، ذكره في مواضع من كتابه المجازات النبوية ص 2، 3، 9، 145. 5 - حقايق التأويل في متشابه التنزيل، وهو تفسيره ذكره في كتابه (المجازات النبوية) يعبر عنه تارة بحقايق التأويل. وأخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن، وعبر عنه النجاشي بحقايق التنزيل، وصاحب عمدة الطالب بكتاب المتشابه في القرآن. 6 - معاني القرآن، وهو كتابه الثالث في القرآن ذكره له ابن شهر آشوب في (المعالم) ص 44 وقال يتعذر وجود مثله، وقال النسابة العمري في (المجدي) شاهدت
(1) طبع مع كتابه (مستدرك نهج البلاغة) في النجف الأشرف.
[199]
له جزؤا مجلدا من تفسير منسوب إليه في القرآن مليح حسن، يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطبري أو أكبر، وقال ابن خلكان: يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة. ولعل الممدوح هو تفسيره السابق. 7 - تعليق خلاف الفقهاء. 8 - تعليقه على إيضاح أبي علي الفارسي. 9 - الحسن من شعر الحسين انتخب فيه شعر ابن الحجاج المترجم له في شعراء القرن الرابع. 10 - الزيادات في شعر ابن الحجاج المذكور. 11 - الزيادات في شعر أبي تمام المترجم له في شعراء القرن الثالث. 12 - مختار شعر أبي إسحاق الصابي. 13 - ما دار بينه وبين أبي إسحاق من الرسائل شعرا (1). * (وذكر له في عمدة الطالب) * 14 - كتاب رسائله في ثلاث مجلدات، ولأبي إسحاق الصابي المتوفى قبل سنة 380 كتاب مراسلات الشريف الرضي كما ذكره ابن النديم في الفهرست ص 194. 15 - أخبار قضاة بغداد. 16 - سيرة والده الطاهر ألفه سنة 379 وذلك قبل وفاة والده بإحدى و عشرين سنة. * (وذكر له في تاريخ آداب اللغة) * 17 - كتاب انشراح الصدر في مختارات من الشعر. أقول: هو لبعض الأدباء اختاره من ديوان المترجم له كما في (كشف الظنون) ج 1 ص 513. 18 - طيف الخيال: مجموعة تنسب إليه. أقول: هو من تآليف أخيه الشريف المرتضى لا له.
19 - وله ديوان شعره الساير المطبوع، قال ابن خلكان: وقد عني بجمع ديوان الرضي جماعة وآخر ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخبري (1) ا ه. وأنفذ الصاحب
(1) ذكرت هذه الكتب له في فهرست النجاشي.
[200]
ابن عباد (المترجم له في شعراء القرن الرابع من كتابنا) إلى بغداد من ينسخ له ديوانه وكتب إليه بذلك سنة 385 (وهي سنة وفاته) وعندما سمع المترجم له به وأنفذه مدحه بقصيدة منها قوله: بيني وبينك حرمتان تلاقتا * نثري الذي بك يقتدي وقصيدي ووصائل الأدب التي تصل الفتى * لا باتصال قبائل وجدود إن أهد أشعاري إليك فإنها * كالسرد أعرضه علي داود وأنفذت (تقيه) بنت سيف الدولة التي توفيت سنة 399 من مصر من ينسخ ديوان الشريف الرضي لها وهي لا ترى هدية أنفس منه يوم حمل إليها، ويعرب ذلك عن عناية الشريف بشعره وجمعه في حياته ولعل جمعه كجمع أخيه الشريف المرتضى لديوان كان على ترتيب سني نظمه المتمادية. شعره وشاعريته من الواضح أن الواقف على نفسيات سيدنا الشريف (المترجم) ومواقفه العظيمة من العلم والسودد والمكانة الرفيعة يرى الشعر دون قدر الشريف، ويجد نفسه أعلا من أنفس الشعراء وأرفع، ويرى الشعر لا يمهد لشريف كيانا على كيانه، و لا يأثر في ترفعه وشممه، ولا يولد له العظمة، ولا يأخذ بضبعه إلى التطول، وقد نظم وشعر في صباه وهو لم يبلغ عمره عشر سنين، ومن شعره في صباه وله عشر سنين قوله من قصيدة:
(1) قال الأميني: قال العلامة الشيخ عبد الحسين الحلي في ترجمة الشريف الرضي في مقدمة
الجزو الخامس من (حقائق التأويل) المطبوع: لا نعرف من هو أبو الحكيم ومتى كان وما اسمه. ا ه وهذا مما يقضى منه العجب، فإن أبا حكيم أعرف من أن يخفى على أي مترجم، فهو أبو الحكيم المعلم عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن حكيم الخبري (بفتح الخاء وسكون الموحدة) أحد أساتذة العلوم العربية كن معلما ببغداد حسن الخط تفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وبرع في الفرايض والحساب: وصنف فيهما، وشرح الحماسة وديوان البحتري وعدة دواوين، وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري وجماعة، توفي يوم الثلاثا الثاني والعشرين ذي الحجة سنة 476. وكانت له بنتان محدثتان: الكبرى (رابعة) سمعت أبا محمد الجوهري شيخ والدها، والصغرى (أم الخير فاطمة) سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد المعدل وجمع آخر وقرأ عليها السمعاني صاحب الأنساب) ببغداد أكثر كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ماتت في رجب سنة 534، وسبط أبي الحكيم من كريمته الكبرى أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي السلامي الحافظ يروي عن أبي محمد الجوهري. راجع أنساب السمعاني، ومعجم الأدباء، وبغية الوعاة.
[201]
المجد يعلم أن المجد من أربي * ولو تماديت في غي وفي لعب إني لمن معشر إن جمعوا لعلى * تفرقوا عن نبي أو وصي نبي إذا هممت ففتش عن شبا هممي * تجده في مهجات الأنجم الشهب وإن عزمت فعزمي يستحيل قذى * تدمي مسالكه في أعين النوب ومعرك صافحت أيدي الحمام به * طلى الرجال على الخرصان من كثب حلت حباها المنايا في كتائبه * بالضرب فاجتثت الأجساد بالقضب تلاقت البيض في الأحشاء فاعتنقت * والسمهري من الماذي واليلب (1) بكت على الأرض دمعا من دمائهم * فاستعربت من ثغور النور والعشب ويحدثنا شعره أنه ما كان يعد الشعر لنفسه فضيلة ومأثرة بل كان يتخذه وسيلة إلى غرضه فيقول:
وما الشعر فخري ولكنما * أطول به همة الفاخر أنزهه عن لقاء الرجال * واجعله تحفة الزائر فما يتهدى إليه الملوك * إلا من المثل السائر وإني وإن كنت من إهله * لتنكر في حرفة الشاعر ويقول: وما قولي الأشعار إلا ذريعة * إلى أمل قد آن قود جنيبه وإني إذا ما بلغ الله غاية * ضمنت له هجر القريض وحوبه ويقول: ما لك ترضى أن يقال: شاعر ؟ * بعدا لها من عدد الفضايل كفاك ما أروق من أغصانه * وطال من أعلامه الأطاول فكم تكون ناظما وقائلا * وأنت غب القول غير فاعل ؟ ! وهو في شعره يرى نفسه أشعر الأمم تارة، ويرى شعره فوق شعر البحتري ومسلم بن الوليد أخرى، ويتواضع طورا ويجعل نفسه زميل الفرزدق أو جرير، ويرى نفسه ضريبا لزهير، ومرة يتفوه بالحق وينظر إلى شعره بعين الرضا ويرى كلامه
فوق كلام الرجال، وقد أجمع الأكثرون إنه أشعر قريش قال الخطيب البغدادي في تاريخه 2 ص 246: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ وكان أحد الرؤساء يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون: الرضي أشعر قريش. فقال ابن محفوظ: هذا صحيح وقد كان في قريش من يجيد القول إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي. وحمل الثناة على أدبه وشعره كبقية مآثره وفضائله وملكاته الفاضلة متواترة
في المعاجم يضيق عن جمعها المجال، فنضرب عنها صفحا روما للاختصار، ونقتصر بذكر نبذة يسيرة، منها: 1 - قال النسابة العمري في (المجدي): إنه نقيب نقباء الطالبيين ببغداد وكانت له هيبة وجلالة وفيه ورع وعفة وتقشف ومراعاة للأهل وغيرة عليهم وعسف بالجاني منهم، وكان أحد علماء الزمان قد قرأ على أجلاء الرجال وشاهدت له جزءا مجلدا من تفسير منسوب إليه في القرآن مليح حسن يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطبري أو أكبر، وشعره أشهر من أن يدل عليه، وهو أشعر قريش إلى وقتنا، وحسبك أن يكون قريش في أولها الحرث بن هشام والعبلي وعمر بن أبي ربيعة، وفي آخرها بالنسبة إلى زمانه محمد بن صالح الموسوي الحسني، وعلي بن محمد الحماني (1) وابن طباطبا الاصبهاني (2) 2 - قال الثعالبي في (اليتيمة): هو اليوم أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر، وفضل باهر وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين كالحماني وابن طباطبا وابن الناصر وغيرهم، ولو قلت: إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة، وإلي السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها، وكان أبوه يتولى نقابة نقباء
(1) أحد شعراء الغدير في القرن الثالث مرت ترجمته ج 3 ص 57 - 69. (2) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع مرت ترجمته ج ص 340 - 347.
[203]
الطالبيين ويحكم فيهم أجمعين والنظر في المظالم والحج بالناس ثم ردت هذه الأعمال كلها إلى ولده الرضي سنة 388 وأبوه حي.
3 - قال ابن الجوزي في (المنتظم) 7 ص 279 كان الرضي نقيب الطالبيين ببغداد حفظ القرآن في مدة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفا قويا وكان عالما فاضلا وشاعرا مترسلا، عفيفا عالي الهمة متدينا، اشترى في بعض الأيام جزازا من امرأة بخمسة دراهم فوجد جزءا بخط أبي علي بن مقلة فقال: للدلال أحضر المرأة فأحضرها فقال: قد وجدت في الجزاز جزءا بخط ابن مقلة فإن أردت الجزء فخذيه وإن اخترت ثمنه فهذه خمسة دراهم. فأخذتها ودعت له وانصرفت، وكان سخيا جوادا. 4 - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: حفظ الرضي القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدة يسيرة وعرف من الفقه والفرائض طرفا قويا، وكان عالما أديبا، وشاعرا مفلقا، فصيح النظم ضخم الألفاظ قادرا على القريض، متصرفا في فنونه إن قصد الرقة في النسيب أتى بالعجب العجاب، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى بما لا يشق فيه غباره، وإن قصد في المراثي جاء سابقا والشعراء منقطع أنفاسها على أثره، وكان مع هذا مترسلا ذا كتابة، وكان عفيفا شريف النفس عالي الهمة مستلزما بالدين وقوانينه، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة حتى أنه رد صلات أبيه. 5 - قال الباخرزي في (دمية القصر) ص 69: له صدر الوسادة بين الأئمة و السادة وأنا إذا مدحته كنت كمن قال لذكاء: ما أنورك، ولحضارة: ما أغررك، وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه، وعقد بالنجم نواصيه، وإذا نسب انتسب رقة الهواء إلى نسيبه، وفاز بالقدح المعلى في نصيبه، حتى إذا انشد الراوي غزلياته بين يدي الفرهاة، لقال له من العز: هات، وإذا وصف فكأنه في الأوصاف أحسن من الوصائف والوصاف، وإن مدح تحيرت فيه الأوهام بين مادح وممدوح، له بين المتراهنين في الحلبتين سبق سابق مروح، وإن نثر حمدت منه الأثر، ورأيت
هناك خرزات من العقد تنفض، وقطرات من المزن ترفض، ولعمري أن بغداد قد
[204]
أنجبت به فبوأته ظلالها، وأرضعته زلالها، وأنشقته شمالها، وورد شعره دجلتها فشرب منها حتى شرق، وانغمس فيها حتى كاد يقال: غرق، فكلما أنشدت محاسنه تنزهت بغداد في نضرة نعيمها، واستنشقت من أنفاس الهجير بمراوح نسيمها. 6 - قال الرفاعي في (صحاح الأخبار) ص 61: كان أشعر قريش وذلك لأن الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر والمكثر ليس بمجيد والرضي جمع بين فضلي الإكثار والإجادة، وكان صاحب ورع وعفة وعدل في الأقضية وهيبة في النفوس. ألقابه ومناصبه لقبه بهاء الدولة سنة 388 بالشريف الأجل، وفي سنة 392 بذي المنقبتين، وفي سنة 398 (1) بالرضي ذي الحسبين، وفي سنة 401 أمر أن تكون مخاطباته ومكاتباته بعنوان (الشريف الأجل) وهو أول من خوطب بذلك من الحضرة الملوكية. إن المناصب والولايات كانت متكثرة على عهد سيدنا الشريف من الوزارة التنفيذية والتفويضية، والإمارة على البلاد بقسميها العامة والخاصة، والعامة بضربيها: استكفاء بعقد عن اختيار، واستيلاء بعقد عن اضطرار، والإمارة على جهاد المشركين بقسميها: المقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب، والمفوض معها إلى الأمير جميع أحكامها من قسم الغنائم وعقد الصلح، والإمارة على قتال أهل الردة، وقتال أهل البغي، وقتال المحاربين، وولاية القضاء، وولاية المظالم، وولاية النقابة بقسميها: العامة والخاصة وولاية إمامة الصلوات، وإمارة الحج، وولاية الدواوين بأقسامها، وولاية الحسبة، وغيرها من الولايات. فمنها ما كان يخص بالكتاب والأدباء، وآخر بالثقات ورجال العدل و النصفة، وثالث بالأماجد والأشراف والمترفين، ورابع بأباة الضيم وأصحاب البسالة
والفروسية، وخامس بذوي الآراء والفكرة القوية والدهاة، وسادس بأعاظم العلويين وأعيان العترة النبوية، وسابع بالفقهاء وأئمة العلم والدين. وهناك ما يخص بجامع تلكم الفضايل، ومجتمع هاتيك المآثر كسيدنا الشريف ذلك المثل الأعلى في الفضايل كلها فعلى الباحث عن مواقفه ومقاماته ونفسياته
(1) في البداية والنهاية ج 11 ص 335 سنة 396.
[205]
الكريمة أن يقرأ ولو بصورة مصغرة دروس المناصب التي كان يتولاها الشريف فعندئذ يجد صورة مكبرة تجاه عينيه ممثلة من العلم والفقه والحكمة والثقة والسداد والأنفة والفتوة والهيبة والعظمة والجلال والروعة والوفاء وعزة النفس والرأي و الحزم والعزم والبسالة والعفة والسودد والكرم والإباء والغنى عن أي أحد قد حليت بالأدب والشعر ولا يراها إلا مثال الشريف الرضي. تولى الشريف بنقابة الطالبيين، وإمارة الحاج والنظر في المظالم سنة 380 وهو ابن 21 عاما على عهد الطائع، وصدرت الأوامر بذلك من بهاء الدولة وهو بالبصرة سنة 397، ثم عهد إليه في 16 محرم سنة 403 بولاية أمور الطالبيين في جميع البلاد فدعي (نقيب النقباء) ويقال: إن تلك المرتبة لم يبلغها أحد من أهل البيت إلا الإمام علي بن موسى الرضا سلام الله عليه الذي كانت له ولاية عهد المأمون، وأتيحت للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر كما في المجلد الأول من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وكان هو والولايات كما قيل: لم تشيد له الولايات مجدا * لا ولا قيل: رفعت مقداره بل كساها وقد تحزمها الدهر * جلالا وبهجة ونضاره وذكر تحليل المناصب التي تولاها سيدنا الشريف وشروطها في تآليف علماء السلف وأفردوا فيها كتبا ونحن نأخذ مختصر ما في [الأحكام السلطانية] للماوردي
المتوفى سنة 450. النقابة النقابة موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف، ليكون عليهم أحبى وأمره فيهم أمضى، وهي على ضربين: خاصة وعامة، وأما الخاصة فهو أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حد فلا يكون العلم معتبرا في شروطها ويلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقا: 1 - حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس هو منها، أو خارج عنها وهو منها، فيلزمه حفظ الخارج منها كما يلزمه حفظ الداخل فيها ليكون النسب محفوظا على صحته
[206]
معزوا إلى جهته. 2 - تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم حتى لا يخفى عليه منهم بنو أب، ولا يتداخل سب في نسب، ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم. 3 - معرفة من ولد منهم من ذكر أو أنثى فيثبته، ومعرفة من مات منهم فيذكره، حتى لا يضيع نسب المولود إن لم يثبته، ولا يدعي نسب الميت غيره إن لم يذكره: 4 - أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم لتكون حشمتهم في النفوس موقورة وحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم محفوظة. 5 - أن ينزههم عن المكاسب الدنيئة. ويمنعهم من المطالب الخبيثة: حتى لا يستقل منهم مبتذل، ولا يستضام منهم متذلل. 6 - أن يكفهم عن ارتكاب المآثم، ويمنعهم من انتهاك المحارم، ليكونوا على الدين الذي نصره أغير، وللمنكر الذي أزالوه أنكر، حتى لا ينطق بذمهم لسان،
ولا يشنأهم إنسان. 7 - أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم والتشطط عليهم لنسبهم فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض، ويبعثهم على المناكرة والبعد، ويندبهم إلى استعطاف القلوب وتأليف النفوس، ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى. 8 - أن يكون عونا لهم في استيفاء الحقوق حتى لا يضعفوا عنها، وعونا عليهم في أخذ الحقوق منهم حتى لا يمنعوا منها، ليصيروا بالمعونة لهم منتصفين، وبالمعونة عليهم منصفين. 9 - أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في الفيئ والغنيمة الذي لا يخص به أحدهم حتى يقسم بينهم بحسب ما أوجبه الله لهم. 10 - أن يمنع أياماهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء لشرفهن على ساير النساء صيانة لأنسابهن، وتعظيما لحرمتهن، أن يزوجهن غير الولاة، أو ينكحهن غير الكفاة. 11 - أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود بما لا يبلغ به حدا، ولا ينهر به دما، ويقيل ذا الهيئة منهم عثرته، ويغفر بعد الوعظ زلته.
[207]
12 - مراعاة وقوفهم بحفظ أصولها وتنمية فروعها، وإذا لم يرد إليه جبايتها راعي الجباة لها فيما أخذوه وراعى قسمتها إذا قسموه وميز المستحقين لها إذا خصت، وراعى أوصافهم فيها إذا شرطت، حتى لا يخرج منهم مستحق، ولا يدخل فيها غير محق. النقابة العامة فعمومها أن يرد إلى النقيب في النقابة عليهم مع ما قدمناه من حقوق النظر خمسة أشياء. 1 - الحكم بينهم فيما تنازعوا فيه.
2 - الولاية على أيتامهم فيما ملكوه. 3 - إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه. 4 - تزويج الأيامى اللاتي لا يتعين أوليائهن أو قد تعينوا فعضلوهن. 5 - إيقاع الحجر على من عته منهم أو سفه، وفكه إذا أفاق ورشد. فيصير بهذه الخمسة عام النقابة فيعتبر حينئذ في صحة نقابته وعقد ولايته أن يكون عالما من أهل الاجتهاد ليصح حكمه، وينفذ قضاؤه. إلى آخر ما في (الأحكام السلطانية) ص 82 - 86. وهذه النقابة هي التي كانت ولايتها لسيدنا المترجم. ولاية المظالم نظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاهد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وثبت القضاة فيحتاج إلى الجميع بين صفات الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، فإن كان ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وكان له بعموم ولايته النظر فيها، وإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر احتاج إلى تقليد وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة، وهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار لولاية العهد، أو لوزارة التفويض، أو لإمارة الأقاليم، إذا كان نظره في المظالم عاما فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاة عن
[208]
تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه حاز أن يكون دون هذه الرتبة في القدر والخطر بعد أن لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يستشفه الطمع إلى رشوة. إلى آخر ما في (الأحكام السلطانية) ص 64 - 82. الولاية على الحج
الولاية على الحج ضربان: أحدهما أن تكون على تسيير الحجيج، والثاني على إقامة الحج، فأما تسيير الحجيج فهو ولاية سياسة وزعامة وتدبير. والشروط المعتبرة في المولى أن يكون مطاعا ذا رأي وشجاعة وهيبة وهداية، والذي عليه في حقوق هذه الولاية عشرة أشياء. 1 - جمع الناس في مسيرهم ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم التوى والتغرير. 2 - ترتيبهم في المسير والنزول بإعطاه كل طائفة منهم مقادا حتى يعرف كل فريق منهم مقاده إذا سار، ويألف مكانه إذا نزل، فلا يتنازعون فيه ولا يضلون عنه. 3 - يرفق بهم في السير حتى لا يعجز عنه ضعيفهم، ولا يضل عنه منقطعهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الضعيف أمير الرفقة. يريد أن من ضعف دوابه كان على القوم أن يسيروا بسيره. 4 - أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها ويتجنب أجدبها وأوعرها. 5 - أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت والمراعي إذا قلت. 6 - أن يحرسهم إذا نزلوا ويحوطهم إذا رحلوا حتى لا يتخطفهم داعر ولا يطمع فيهم متلصص. 7 - أن يمنع عنهم من يصدهم عن المسير، ويدفع عنهم من يحصرهم عن الحج بقتال إن قدر عليه، أو ببذل مال إن أجاب الحجيج إليه، ولا يسعه أن يجبر أحدا على بذل الخفارة أن امتنع منها، حتى يكون باذلا لها عفوا ومجيبا إليها طوعا، فإن بذل المال على التمكين من الحج لا يجب. 8 - أن يصلح بين المتشاجرين ويتوسط بين المتنازعين، ولا يتعرض للحكم بينهم إجبارا إلا أن يفوض الحكم إليه، فيعتبر فيه أن يكون من أهله فيجوز له حينئذ الحكم بينهم، فإن دخلوا بلدا فيه حاكم جاز له ولحاكم البلد أن يحكم بينهم فأيهما
[209]
حكم نفذ حكمه. 9 - أن يقوم زائغهم ويؤدب خائنهم ولا يتجاوز التعزير إلى الحد إلا أن يؤذن له فيستوفيه إن كان من أهل الاجتهاد فيه. 10 - أن يراعي اتساع الوقت حتى يؤمن الفوات ولا يلجئهم ضيقه إلى الحث في السير، فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للاحرام وإقامة سننه. وأما الولاية على إقامة الحج فالوالي فيه بمنزلة الإمام في إقامة الصلوات، فمن شروط الولاية عليه مع الشروط المعتبرة في أئمة الصلوات أن يكون عالما بمناسك الحج وأحكامه، عارفا بمواقيته وأيامه، وتكون مدة ولايته مقدرة بسبعة أيام أولها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجة وآخرها يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وعلى الذي يختص بولايته خمسة أحكام متفق عليها وسادس مختلف فيه ألا وهي: 1 - إشعار الناس بوقت إحرامهم والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متبعين وبأفعاله مقتدين. 2 - ترتيبهم للمناسك على ما استقر الشرع عليه لأنه متبوع فيها فلا يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما سواء كان الترتيب مستحقا أو مستحبا. 3 - تقدير المواقف بمقامه فيها ومسيره عنها كما تقدر صلاة المأمومين بصلاة الإمام. 4 - إتباعه في الأركان المشروعة فيها، والتأمين على أدعيته بها ليتبعوه في القول كما اتبعوه في العمل. 5 - إمامتهم في الصلوات. وأما السادس المختلف فيه: حكمه بين الحجيج فيما لا يتعلق بالحج، وإقامة التعزير والحد في مثله. ا ه. تولى الشريف الرضي هذه الإمارة منذ صباه في أكثر أيام حياته ووزيرا لأبيه ونائبا عنه، ومستقلا بها من سنة 380، وله فيها مواقف عظيمة سجلها التاريخ وأبقى
له ذكرى خالدة، قال أبو القاسم بن فهد الهاشمي في (إتحاف الورى بأخبار القرى) في حوادث سنة 389: حج فيها الشريفان المرتضى والرضي فاعتقلهما في الطريق ابن الجراح الطائي فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما.
[210]
ولادته ووفاته ولد الشريف الرضي ببغداد سنة 359 بإطباق من المؤرخين ونشأ بها (1) وتوفي بها يوم الأحد 6 محرم (2) سنة 406 كما في معجم النجاشي. وتاريخ بغداد للخطيب. و عمدة الطالب. والخلاصة. وغيرها. فما في شذرات الذهب: إنه توفي بكرة الخميس. فهو من خطأ النساخ فإنه نقله عن تاريخ ابن خلكان وفي التاريخ: بكرة يوم الأحد. لا الخميس. وأما ما في (دائرة المعارف) لفريد وجدي 4 ص 253 من أنه توفي 404 فأحسبه مأخوذا من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، أو أنه خطأ من الناسخ، وقد أرخه فريد وجدي صحيحا في دائرة المعارف ج 9 ص 487 ب 6 محرم سنة 406، وقد رثى الشريف الرضي معاصره أبا الحسن أحمد بن علي البتي المتوفى سنة 405 في شعبان بقصيدة توجد في ديوانه ج 1 ص 138، وقال جامع الديوان: وبعده بشهور توفي الرضي (رض). وعند وفاته حضر إلى داره الوزير أبو غالب فخر الملك وسائر الوزراء والأعيان والأشراف والقضاة حفاة ومشاة وصلى عليه فخر الملك ودفن في داره الكائنة في محلة الكرخ بخط مسجد الأنباريين (3) ولم يشهد جنازته أخوه الشريف المرتضى ولم يصل عليه ومضى من جزعه عليه إلى الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته، ومضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره. ذكر كثير من المؤلفين نقل جثمانه إلى كربلاء المشرفة بعد دفنه في داره بالكرخ
فدفن عند أبيه أبي أحمد الحسين بن موسى، ويظهر من التاريخ أن قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر المقدس قال صاحب (عمدة الطالب): وقبره في كربلاء ظاهر معروف. وقال في ترجمة أخيه المرتضى: دفن عند أبيه وأخيه وقبورهم
(1) قال جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة 2 ص 257: وكان يقيم في سر من رأى (سامرا) وكم له لدة هذا في تاريخه مما يميط الستر عن جهله بتاريخ الشيعة ورجالهم. (2) في تاريخ ابن خلكان: وقيل: في صفر. وفي تاريخ ابن كثير: خامس المحرم. (3) ينسب إليهم لكثرة من سكنه منهم.
[211]
ظاهرة مشهورة. وقال الرفاعي المتوفى 885 في (صحاح الأخبار) ص 62: نقل المرتضى إلى مشهد الحسين بكربلا كأبيه وأخيه ودفن هناك وقبره ظاهر معروف. وهذا قريب إلى الاعتبار لأن بني إبراهيم المجاب قطنوا الحائر المقدس و جاوروا الإمام السبط سلام الله عليه فدفن فيه إبراهيم المذكور بمقربة مما يلي رأس قبر الإمام عليه السلام فاتخذ بنوه تربته مدفنا لهم، وكان من قطن منهم بغداد أو البصرة كبني موسى الأبرش ينقل بعد موته إلى تربة جده، وقد ثبت أن والد الشريف المترجم نقل إلى الحائر المقدس قبل دفنه ودفن بها، م - أو دفن في داره أولا ثم نقل إلى مشهد الحسين كما في (المنتظم) لابن الجوزي 7 ص 247] وصح أيضا نقل جثمان الشريف علم الهدى المرتضى إلى الحائر بعد دفنه في داره، وكانت تولية تلك التربة المقدسة بيدهم، وما كان يدفن هناك أي أحد إلا بإجازة منهم كما مر في ترجمة الوزير أبي العباس الضبي في هذا الجزء ص 106. وقد رثى الشريف الرضي غير واحد ممن عاصروه وفي مقدمهم أخوه علم الهدى بقوله: يا للرجال لفجعة جذمت يدي * ووددت لو ذهبت علي برأسي
ما زلت أحذر وقعها حتى أتت * فحسوتها في بعض ما أنا حاسي ومطلتها زمنا فلما صممت * لم يجدني مطلي وطول مكاسي لا تنكروا من فيض دمعي عبرة * فالدمع غير مساعد ومواسي لله عمرك من قصير طاهر * ولرب عمر طال بالأدناس وممن رثاه تلميذه في الأدب مهيار الديلمي المترجم في شعراء القرن الخامس رثاه بقصيدتين إحديهما ذات 70 بيتا توجد في ديوانه ج 3 ص 366 مستهلها. من جب غارب هاشم وسنامها ؟ ! * ولوى لويا فاستزل مقامها ؟ ! وغزا قريشا بالبطاح فلفها * بيد ؟ ! وقوض عزها وخيامها ؟ ! وأناخ في مضر بكلكل خسفه * يستام واحتملت له ما سامها ؟ ! من حل مكة فاستباح حريمها * والبيت يشهد واستحل حرامها ؟ ! ومضى بيثرب مذعجا ما شاء من * تلك القبور الطاهرات عظامها ؟ !
[212]
يبكي النبي ويستنيح لفاطم * بالطف في أبنائها أيامها الدين ممنوع الحمى، من راعه ؟ ! * والدار عالية البنا، من رامها ؟ ! أتناكرت أيدي الرجال سيوفها * فاستسلمت أم أنكرت إسلامها ؟ ! ؟ ! أم غال ذا الحسبين حامي ذودها * قدر أراح على الغدو سوامها ؟ ! وقصيدته الأخرى 40 بيتا توجد في ديوانه ج 1 ص 249 مطلعها: أقريش لا لفم أراك ولا يد * فتواكلي * غاض الندى وخلي الندي ولشهرة القصيدتين ووجودهما في غير واحد من الكتب والمعاجم فضلا عن ديوان مهيار ضربنا عنهما صفحا. ومن نماذج شعر الشريف الرضي في المذهب قوله يفتخر بأهل البيت ويذكر قبورهم ويتشوق إليها:
ألا لله بادرة الطلاب * وعزم لا يروع بالعتاب وكل مشمر البردين يهوي * هوي المصلتات إلى الرقاب أعاتبه على بعد التنائي * ويعذلني على قرب الإياب رأيت العجز يخضع لليالي * ويرضي عن نوائبها الغضاب 5 ولولا صولة الأيام دوني * هجمت على العلى من كل باب ومن شيم الفتى العربي فينا * وصال البيض والخيل العراب له كذب الوعيد من الأعادي * ومن عاداته صدق الضراب سأدرع الصوارم والعوالي * وما عريت من خلع الشباب واشتمل الدجى والركب يمضي * مضاء السيف شذ عن القراب 10 وكم ليل عبأت له المطايا * ونار الحي حائرة الشهاب لفيت الأرض شاحبة المحيا * تلاعب بالضراغم والذئاب فزعت إلى الشحوب وكنت طلقا * كما فزع المشيب إلى الخضاب ولم نر مثل مبيض النواحي * تعذبه بمسود الإهاب أبيت مضاجعا أملي وإني * أرى الآمال أشقى للركاب
* يقال: تواكل القوم: اتكل بعضهم على بعض.
[213]
إذا ما اليأس خيبنا رجونا * فشجعنا الرجاء على الطلاب 15 أقول إذا استطار من السواري * زفون القطر رقاص الحباب (1) كأن الجو غص به فأومى * ليقذفه على قمم الشعاب جدير أن تصافحه الفيافي * ويسحب فوقها عذب الرباب (2) إذا هم التلاع رأيت منه * رضابا في ثنيات الهضاب (3) سقى الله المدينة من محل * لباب الماء والنطف العذاب 20
وجاد على البقيع وساكنيه * رخي الذيل ملآن الوطاب وأعلام الغري وما استباحت * معالمها من الحسب اللباب وقبر بالطفوف يضم شلوا * قضى ظمأ إلى برد الشراب وبغداد وسامرا وطوس * هطول الودق منخرق العباب قبور تنطف العبرات فيها * كما نطف الصبير (4) على الروابي 25 فلو بخل السحاب على ثراها * لذابت فوقها قطع السراب سقاك فكم ظمئت إليك شوقا * على عدواء داري واقترابي تجافي يا جنوب الريح عني * وصوني فضل بردك عن جنابي ولا تسري إلي مع الليالي * وما استحقبت * من ذاك التراب قليل أن تقاد له الغوادي (5) * وتنحر فيه أعناق السحاب 30 أما شرق التراب بساكنيه * فيلفظهم إلى النعم الرغاب فكم غدت الضغائن وهي سكرى * تدير عليهم كأس المصاب صلاة الله تخفق كل يوم * على تلك المعالم والقباب وإني لا أزال أكر عزمي * وإن قلت مساعدة الصحاب
(1) زفون القطر: دفاع المطر. الحباب: فقاقيع الماء. (2) الرباب: السحاب الأبيض. (3) التلاع ج التلعة: ما علا الأرض. ما سفل منها. الهضاب: أعالي الجبال (4) نطف: سال. الصبير: السحاب الذي يصير بعضه فوق بعض * استحقبت: ادخرت. (5) الغوادي جمع الغادية وهي: السحابة.
[214]
35 واخترق الرياح إلى نسيم * تطلع من تراب أبي تراب
بودي أن تطاوعني الليالي * وينشب في المنى ظفري ونابي فأرمي العيس نحوكم سهاما * تغلغل بين أحشاء الروابي ترامى باللغام على طلاها * كما انحدر الغثاء عن العقاب (1) وأجنب بينها خرق المذاكي * فأملي باللغام على اللغاب (2) لعلي أن أبل بكم غليلا * تغلغل بين قلبي والحجاب 40 فما لقياكم إلا دليل * على كنز الغنيمة والثواب ولي قبران بالزوراء أشفي * بقربهما نزاعي واكتئابي أقود إليهما نفسي وأهدي * سلاما لا يحيد عن الجواب لقائهما يطهر من جناني * ويدرأ عن ردائي كل عاب قسيم النار جدي يوم يلقى (3) * به باب النجاة من العذاب 45 وساقي الخلق والمهجات حرى * وفاتحة الصراط إلى الحساب ومن سمحت بخاتمه يمين (4) * تضن بكل عالية الكعاب أما في باب خيبر معجزات * تصدق ؟ ! أو مناجاة الحباب ؟ ! أرادت كيده والله يأبى * فجاء النصر من قبل الغراب (5) أهذا البدر يكسف بالدياجي ؟ * وهذي الشمس تطمس بالضباب ؟ 50 وكان إذا استطال عليه جان * يرى ترك العقاب من العقاب أرى شعبان يذكرني اشتياقي * فمن لي أن يذكركم ثوابي بكم في الشعر فخر لا بشعري * وعنكم طال باعي في الخطاب أجل عن القبائح غير أني * لكم أرمي وأرمى بالسباب
(1) اللغام: لعاب الإبل. والطلى: العنق. الغثاء: البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل العقاب جمع عقبة: مرقى صعب من الجبال. (2) أجنب: أقود. اللغاب: السهم لم يحسن بريه.
(3) أشار إلى حديث مر بيانه في ج 3 ص 299. (4) أشار إلى تصدقه بخاتمه وقد مر حديثه ج 2 ص 47 و ج 3 ص 155 - 162. (5) أشار إلى حديث الحباب الذي أسلفناه ج 2 ص 241، 242.
[215]
فأجهر بالولاء ولا أوري * وأنطق بالبراء ولا أحابي 55 ومن أولى بكم مني وليا * وفي أيديكم طرف انتسابي ؟ ! محبكم ولو بغضت حياتي * وزائركم ولو عقرت ركابي تباعد بيننا غير الليالي * ومرجعنا إلى النسب القراب وقال يرثي الإمام السبط المفدى الحسين بن علي عليهما السلام في يوم عاشوراء سنة 391. هذي المنازل بالغميم فنادها * واسكب سخي العين بعد جمادها إن كان دين للمعالم فاقضه * أو مهجة عند الطلول ففادها يا هل تبل من الغليل إليهم * اشرافة للركب فوق نجادها ؟ ! نوئ كمنعطف الحنية دونه * سحم الخدود لهن إرث رمادها ومناط أطناب ومقعد فتية * تخبو زناد الحي غير زنادها 5 ومجر ارسان الجياد لغلمة * سجفوا البيوت بشقرها وورادها ولقد حبست على الديار عصابة * مضمومة الأيدي إلى أكبادها حسرى تجاوب بالبكاء عيونها * وتعط بالزفرات في ابرادها وقفوا بها حتى كأن مطيهم * كانت قوائمهن من أوتادها ثم انثنت والدمع ماء مزادها * ولواعج الأشجان من أزوادها 10 من كل مشتمل حمايل رنة * قطر المدامع من حلي نجادها حيتك بل حيت طلوعك ديمة * يشفي سقيم الربع نفث عهادها
وغدت عليك من الخمايل يمنة * تستام نافقة على روادها (1) هل تطلبون من النواظر بعدكم * شيئا سوى عبراتها وسهادها ؟ ! لم يبق ذخر للمدامع عنكم * كلا ولا عين جرى لرقادها 15 شغل الدموع عن الديار بكاؤنا * لبكاء فاطمة على أولادها لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى * دفع الفرات يزاد عن أورادها أترى درت أن الحسين طريدة * لقنا بني الطرداء عند ولادها ؟ !
كانت مآتم بالعراق تعدها * أموية بالشام من أعيادها 20 ما راقبت غضب النبي وقد غدا * زرع النبي مطنة لحصادها باعت بصائر دينها بضلالها * وشرت معاطب غيها برشادها جعلت رسول الله من خصمائها * فلبئس ما ذخرت ليوم معادها نسل النبي على صعاب مطيها * ودم النبي على رؤوس صعادها وا لهفتاه لعصبة علوية * تبعت أمية بعد عز قيادها 25 جعلت عران الذل في آنافها * وعلاط وسم الضيم في أجيادها (1) زعمت بأن الدين سوغ قتلها * أو ليس هذا الدين عن أجدادها ؟ ! طلبت تراث الجاهلية عندها * وشفت قديم الغل من أحقادها واستأثرت بالأمر عن غيابها * وقضت بما شاءت على شهادها الله سابقكم إلى أرواحها * وكسبتم الآثام في أجسادها 30 إن قوضت تلك القباب فإنما * خرت عماد الدين قبل عمادها إن الخلافة أصبحت مزوية * عن شعبها ببياضها وسوادها طمست منابرها علوج أمية * تنزو ذئابهم على أعوادها
هي صفوة الله التي أوحى لها * وقضى أوامره إلى أمجادها أخذت بأطراف الفخار فعاذر * أن يصبح الثقلان من حسادها 35 الزهد والأحلام في فتاكها * والفتك لولا الله في زهادها عصب يقمط بالنجاد وليدها * ومهود صبيتها ظهور جيادها تروي مناقب فضلها أعداؤها * أبدا وتسنده إلى أضدادها يا غيرة الله اغضبي لنبيه * وتزحزحي بالبيض عن أغمادها من عصبة ضاعت دماء محمد * وبنيه بين يزيدها وزيادها 40 صفدات مال الله ملء أكفها * وأكف آل الله في أصفادها (2) ضربوا بسيف محمد أبناءه * ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها
(1) العران: عود يجعل في أنف البعير العلاط: حبل يجعل في عنق البعير. (2) الصفدات من الصفد: العطاء. والأصفاد: الأغلال.
[217]
قد قلت للركب الطلاح كأنهم * ربد النسور على ذرى أطوادها (1) يحدو بعوج كالحني أطاعه * معتاصها فطغى على منقادها حتى تخيل من هباب رقابها * أعناقها في السير من أعدادها قف بي ولو لوث الأزار فإنما * هي مهجة علق الجوى بفؤادها 45 بالطف حيث غدا مراق دمائها * ومناخ اينقها ليوم جلادها الفقر من أرواقها والطير من * طراقها والوحش من عوادها تجري لها حبب الدموع وإنما * حب القلوب يكن من أمدادها يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * تترقص الأحشاء من إيقادها ما عدت إلا عاد قلبي غلة * حرى ولو بالغت في إبرادها 50 مثل السليم مضيضة آناؤه * خزر العيون تعوده بعدادها
يا جد لا زالت كتائب حسرة * تغشى الضمير بكرها وطرادها أبدا عليك وأدمع مسفوحة * إن لم يراوحها البكاء يغادها هذا الثناء وما بلغت وإنما * هي حلبة خلعوا عذار جوادها أأقول: جادكم الربيع ؟ وأنتم * في كل منزلة ربيع بلادها 55 أم استزيد لكم علا بمدائحي ؟ ! * أين الجبال من الربى ووهادها ؟ ! كيف الثناء على النجوم إذا سمت * فوق العيون إلى مدى أبعادها ؟ ! أغنى طلوع الشمس عن أوصافها * بجلالها وضيائها وبعادها وقال يرثي جده الإمام السبط الشهيد في عاشوراء سنة 377: صاحت بذودي بغداد فآنسني * تقلبي في ظهور الخيل والعير وكلما هجهجت بي عن منازلها * عارضتها بجنان غير مذعور أطغى على قاطنيها غير مكترث * وأفعل الفعل فيها غير مأمور خطب يهددني بالبعد عن وطني * وما خلقت لغير السرج والكور إني وإن سامني ما لا أقاومه * فقد نجوت وقدحي غير مقمور 5
عجلان ألبس وجهي كل داجية * والبر عريان من ظبي ويعفور ورب قايلة والهم يتحفني * بناظر من نطاف الدمع ممطور: خفض عليك فللأحزان آونة * وما المقيم على حزن بمعذور فقلت: هيهات فات السمع لائمه * لا يفهم الحزن إلا يوم عاشور 10 يوم حدى الظعن فيه بابن فاطمة * سنان مطرد الكعبين مطرور وخر للموت لا كف تقلبه * إلا بوطئ من الجرد المحاضير
ظمأن سلى نجيع الطعن غلته * عن بارد من عباب الماء مقرور (1) كأن بيض المواضي وهي تنهبه * نار تحكم في جسم من النور لله ملقى على الرمضاء عض به * فم الردى بين إقدام وتشمير 15 تحنو عليه الربى ظلا وتستره * عن النواظر أذيال الأعاصير (2) تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه * وقد أقام ثلاثا غير مقبور ومورد غمرات الضرب غرته * جرت إليه المنايا بالمصادير ومستطيل على الأزمان يقدرها * جنى الزمان عليها بالمقادير أغرى به ابن زياد لؤم عنصره * وسعيه ليزيد غير مشكور 20 وود أن يتلافى ما جنت يده * وكان ذلك كسرا غير مجبور تسبى بنات رسول الله بينهم * والدين غض المبادي عير مستور إن يظفر الموت منا بابن منجبة * فطالما عاد ريان الأظافير يلقى القنا بجبين شان صفحته * وقع القنا بين تضميخ وتعفير من بعد ما رد أطراف الرماح به * قلب فسيح ورائ غير محصور 25 والنقع يسحب من أذياله وله * على الغزالة جيب غير مزرور في فيلق شرق بالبيض تحسبه * برقا تدلى على الآكام والقور (1) بني أمية ما الأسياف نائمة * عن شاهر في أقاصي الأرض موتور
(1) مقرور من القر. البرد. (2) الأعاصير ج الإعصار. ريح ترتفع بالتراب. (3) القور جمع القارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال.
[219]
والبارقات تلوى في مغامدها * والسابقات تمطى في المضامير إني لأرقب يوما لا خفاء له * عريان يقلق منه كل مغرور
وللصوارم ما شاءت مضاربها * من الرقاب شراب غير منزور 30 أكل يوم لآل المصطفى قمر * يهوى بوقع العوالي والمباتير ! ؟ وكل يوم لهم بيضاء صافية * يشوبها الدهر من رنق وتكدير مغوار قوم يروع الموت من يده * أمسى وأصبح نهيا للمغاوير وأبيض الوجه مشهور تغطرفه * مضى بيوم من الأيام مشهور ما لي تعجبت من همي ونقرته * والحزن جرح بقلبي غير مسبور 35 بأي طرف أرى العلياء إن نضبت * عيني ؟ ولجلجت عنها بالمعاذير ألقى الزمان بكلم غير مندمل * عمر الزمان وقلب غير مسرور يا جد لا زال لي هم يحرضني * على الدموع ووجد غير مقهور والدمع يخفره عين مؤرقة * خفر الحنية عن نزع وتوتير إن السلو لمحظور على كبدي * وما السلو على قلب بمحظور 40 وقال يرثي سيدنا الإمام الشهيد في يوم عاشوراء سنة 387: راحل أنت والليالي تزول * ومضر بك البقاء الطويل لا شجاع يبقى فيعتنق البيض ولا آمل ولا مأمول غاية الناس في الزمان فناء * وكذا غاية الغصون الذبول إنما المرء للمنية مخبوء وللطعن تستجم الخيول من مقيل بين الضلوع إلى طول عناء وفي التراب مقيل (1) 5 فهو كالغيم ألفته جنوب * يوم دجن ومزقته قبول عادة للزمان في كل يوم * يتناء خل وتبكي طلول فالليالي عون عليك مع البين كما ساعد الذوابل طول ربما وافق الفتى من زمان * فرح غيره به متبول (2)
(1) من قال قيلا وقيلولة ومقيلا. نام نصف النهار.
(2) يقال: تبلهم الدهر أي أفناهم.
[220]
10 هي دنيا إن واصلت ذا جفت هذا ملالا كأنها عطبول (2) كل باك يبكى عليه وإن طال بقاء والثاكل المثكول والأماني حسرة وعناء * للذي ظن أنها تعليل ما يبالي الحمام أين ترقي * بعد ما غالت ابن فاطم غول أي يوم أدمى المدامع فيه * حادث رائع وخطب جليل 15 يوم عاشور الذي لا أعان الصحب فيه ولا أجار القبيل يا ابن بنت الرسول ضيعت العهد رجال والحافظون قليل ما أطاعوا النبي فيك وقد مالت أرواحهم إليك الذحول وأحالوا على المقادير في حربك لو أن عذرهم مقبول واستقالوا من بعد ما أجلبوا فيها أألآن أيها المستقيل ؟ ! 20 إن أمرا قنعت من دونه السيف لمن حازه لمرعى وبيل يا حساما فلت مضاربه الهام وقد فله الحسام الصقيل يا جوادا أدمى الجواد من الطعن وولى ونحوه مبلول حجل الخيل من دماء الأعادي * يوم يبدو طعن وتخفى حجول يوم طاحت أيدي السوابق في النقع وفاض الونى وعاض الصهيل 25 أتراني أعير وجهي صونا * وعلى وجهه تجول الخيول ! ؟ أتراني ألذ ماء ولما * يرو من مهجة الإمام الغليل ؟ ! قبلته الرماح وانتضلت فيه المنايا وعانقته النصول والسبايا على النجائب تستاق وقد نالت الجيوب الذيول من قلوب يدمي بها ناظر الوجد ومن أدمع مراها الهمول
30 قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل وتنقبن بالأنامل والدمع على كل ذي نقاب دليل وتشاكين والشكاة بكاء * وتنادين والنداء عويل لا يغب الحادي العنيف ولا يفتر عن رنة العديل العديل
(2) العطبول: المرأة الفتية الجميلة.
[221]
يا غريب الديار صبري غريب * وقتيل الأعداء نومي قتيل بي نزاع يطغى إليك وشوق وغرام وزفرة وعويل 35 ليت أني ضجيع قبرك أو أن ثراه بمدمعي مطلول لا أغب الطفوف في كل يوم * من طراق الأنواء غيث هطول مطر ناعم وريح شمال * ونسيم غض وظل ظليل با بني أحمد إلى كم سناني * غائب عن طعانه ممطول ؟ ! وجيادي مربوطة والمطايا ؟ ! * ومقامي يروع عنه الدخيل ؟ ! 40 كم إلى كم تعلو الطغاة ؟ ! وكم يحكم في كل فاضل مفضول ؟ ! قد أذاع الغليل قلبي ولكن * غير بدع إن استطب العليل ليت إني أبقى فأمترق الناس وفي الكف صارم مسلول. وأجر القنا لثارات يوم الطف يستلحق الرعيل الرعيل صبغ القلب حبكم صبغة الشيب وشيبي لولا الردى لا يحول 45 أنا مولاكم وإن كنت منكم * والدي (حيدر) وأمي (البتول) وإذا الناس أدركوا غاية الفخر شآهم من قال جدي الرسول يفرح الناس بي لأني فضل * والأنام الذي أراه فضول فهم بين منشد ما أقفيه سرورا وسامع ما أقول
ليت شعري من لائمي في مقال ترتضيه خواطر وعقول ؟ ! 50 أترك الشئ عاذري فيه كل الناس من أجل أن لحاني عذول هو سؤلي إن أسعد الله جدي * ومعالي الأمور للذمر سول (1)
(1) الذمر: الشجاع ج أذمار: والذمارة الشجاعة.
[222]
القرن الخامس (37) أبو محمد الصوري المولود ح 339 المتوفى 419 ولائك خير ما تحت الضمير * وأنفس ما تمكن في الصدور وها أنا بت أحسس منه نارا * أمت بحرها نار السعير أبا حسن تبين غدر قوم * لعهد الله من عهد (الغدير) وقد قام النبي بهم خطيبا * فدل المؤمنين على الأمير 5 أشار إليه فيه بكل معنى * بنوه على مخالفة المشير فكم من حاضر فيهم بقلب * يخالفه على ذاك الحضور طوى يوم (الغدير) لهم حقودا * أنال بنشرها يوم (الغدير) فيا لك منه يوما جر قوما * إلى يوم عبوس قمطرير لأمر سولته لهم نفوس * وغرتهم به دار الغرور 10 ولست من الكثير فيطمئنوا * بأن الله يعفو عن كثير وله في أهل البيت عليهم السلام: عيون منعن الرقاد العيونا * جعلن لكل فؤاد فنونا
فكن المنى لجميع الورى * وكن لمن رامهن المنونا وقلب تقلبه الحادثات * على ما تشاء شمالا يمينا يصون هواه عن العالمين * ومدمعه يستذل المصونا 5 فمالي وكتمان داء الهوى ؟ ! * وقد كان ما خفته أن يكونا وكان ابتداء الهوى بي مجونا * فلما تمكن أمسى جنونا
[223]
وكنت أظن الهوى هينا * فلاقيت منه عذابا مهينا فلو كنت شاهد يوم الوداع * رأيت جفونا تناجي جفونا فهل ترك البين من أرتجيه * من الأولين والآخرينا ؟ ! سوى حب آل نبي الهدى * فحبهم أمل والآملينا 10 هم عدتي لوفاتي هم * نجاتي هم الفوز للفائزينا هم مورد الحوض للواردين * وهم عروة الله للواثقينا هم عون من طلب الصالحات * فكن بمحبتهم مستعينا هم حجة الله في أرضه * وإن جحد الحجة الجاحدونا هم الناطقون هم الصادقون * وأنتم بتكذيبهم كاذبونا 15 هم الوارثون علوم النبي * فما بالكم لهم وارثونا ؟ ! حقدتم عليهم حقودا مضت * وأنتم بأسيافهم مسلمونا جحدتم موالاة مولاكم * ويوم (الغدير) لها مؤمنونا وأنتم بما قاله المصطفى * وما نص من فضله عارفونا وقلتم: رضينا بما قلته * وقالت نفوسكم: ما رضينا 20 فأيكم كان أولى بها ؟ ! * وأثبت أمرا من الطيبينا ؟ ! وأيكم كان بعد النبي وصيا ؟ ! ومن كان فيكم أمينا ؟ !
وأيكم نام في فرشه * وأنتم لمهجته طالبونا ؟ ! ومن شارك الطهر في طائر * وأنتم بذاك له شاهدونا ؟ ! لحا الله قوما رأوا رشدكم * مبينا فضلوا ضلالا مبينا 25 وله في أهل البيت عليهم السلام: ما طول الليل القصيرا * ونهى الكواكب أن تغورا إلا وفي يده عزيمات * يحل بها الأمورا ذو مقلة لا تستقل * ضنى وإن أضنت كثيرا ليست تفتر عن دمي * وترى بها أبدا فتورا وترى بها ضعفا يريك المستجار المستجيرا 5
[224]
فيما ينازعني عذولا * أو يسامحني عذيرا أترى بوادر فتنتي * فيما ترى إلا بدورا ؟ ! لو شاء لاختصر الغرام * بها من اختصر الحصورا ولقد لبست ثياب نفس - - ك مالكا أو مستعيرا 10 وتمثل الشيطان لي * ليغرني رشؤا غريرا فخلعتها ولبست ثوب * الفتك سحابا جرورا ما شئت فاقلع عنه * واستغفر تجد ربا غفورا ما لم يكن من معشر * غدروا وقد شهدوا الغديرا وتوامروا ما بينهم * أن ينصبوا فيها أميرا 15 من كل صدر موغر * ملأت ضغائنه الصدورا مترشح للملك قد * نصبت سريرته السريرا وتوارثوها ليس تخرج * عنهم شبرا قصيرا
هذا إلى أن قام قايم * آل أحمد مستثيرا وتسلم الاسلام أقتم مظلما فكساه نورا [القصيدة] وله في أهل البيت عليهم السلام: نكرت معرفتي لما حكم * حاكم الحب عليها لي بدم فبدت من ناظريها نظرة * أدخلتها في دمي تحت التهم وتمكنت فأضنيت صى * كان بي منها واسقمت سقم وصبت بعد اجتناب صفوة * بدلت من قولها: لا. بنعم وفقدت الوجد فيها والأسى * فتألمت لفقدان الألم ما لعيني وفؤادي كلما * كتمت باح ؟ ! وإن باحت كتم ؟ ! طال بي خلفهما فاتفقت * لي هموم في الرزايا وهمم ورزايا المصطفى في أهله * فاتحات للرزايا وختم يا بني الزهراء ماذا اكتست * فيكم الأيام من عتب وذم ؟ !
[225]
يا طوافا طاف طوفان به * وحطيما بقنا الخط حطم 10 أي عهد يرتجى الحفظ له * بعد عهد الله فيكم والذمم ؟ ! لا تسليت وأنوار لكم * غشيتها من بني حرب ظلم ركبوا بحر ضلال سلموا * فيه والاسلام فيهم ما سلم ثم صارت سنة جارية * كل من أمكنه الظلم ظلم وعجيب إن حقا بكم * قام في الناس وفيكم لم يقم 15 والولا فهو لمن كان على * قول عبد المحسن الصوري قسم وأبيكم والذي وصى به * لأبيكم جدكم في يوم خم.
لقد احتج على أمته * بالذي نالكم باقي الأمم * (الشاعر) * أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب (1) بن غلبون الصوري من حسنات القرن الرابع ونوابغ رجالاته، وقد مد له البقاء إلى أوليات القرن الخامس، جمع شعره بين جزالة اللفظ وفخامة المعنى، كما إنه لا تعدوه رقة الغزل وشدة الجدل، فهو عند الحجاج يدلي بحجته القويمة، وعند الوصف لا يأتي إلا بصورة كريمة، و ديوان شعره المحتوي على خمسة آلاف بيت تقريبا الحافل بالرقايق والحقايق يتكفل البرهنة على هذه الدعاوي، وهو نص في تشيعه كما عده ابن شهر آشوب من شعراء أهل البيت المجاهرين، وما ذكرناه من شعره يمثل روحه المذهبية، ونزعته الطائفية الحميدة، وتعصبه لآل البيت النبوي، واعترافه بحقهم الثابت، ونبذه ما وراء ذلك نبذا لا مرتجع إليه، وفي ديوانه غير ما ذكرناه شواهد وتلويحات لطيفة نحو قوله في صبي اسمه عمر: نادمني من وجهه روضة * مشرقة يمرح فيه النظر فانظر معي تنظر إلى معجز * سيف علي بين جفني عمر وقد ترجمه ابن أبي شبانة في تكملة أمل الآمل وهو لا يترجم إلا المتمسك
(1) في تتميم يتيمة الدهر ج 1 ص 35: طالب. وهو تصحيف.
[226]
بحجزة أهل البيت الطاهر، وترجمه الثعالبي في (يتيمة الدهر) ج 1 ص 257 وذكر من شعره 225 بيتا، وأثنى عليه وانتخب من ديوانه أبياتا في (تتميم يتيمته) ج 1 ص 35 وعقد ابن خلكان له ترجمة ضافية أطراه ووصف شعره في ج 1 ص 334، و قال: توفي يوم الأحد تاسع شوال سنة تسع عشرة وأربعمائة وعمره ثمانون أو أكثر، وذكره ابن كثير في تاريخه ج 12 ص 25، ومن شعره في أهل البيت صلوات الله عليهم:
توق إذا ما حرمة العدل جلت * ملامي لتقضي صبوتي ما تمنت أغرك إن لم تستفزك لوعة * بقلبي ولا استبكاك بين بمقلتي لك الخير هذا حين شئت تلومني * لجاجا فإلا لمت أيام شرتي غداة أجيب العيس إذ هي حنت * وأحدو إذا ورق الحمايم غنت 5 وأنتهب الأيام حتى كأنني * أدافع من بعد الحلول منيتي وأستصغر البلوى لمن عرف الهوى * واستكثر الشكوى وإن هي قلت أطيل وقوفي في الطلول كأنني * أحاول منها أن ترد تحيتي ليالي ألقى كل مهضومة الحشى * إذا عدلت فيما جناه تجنت أصد فيدعوني إلى الوصل طرفها * وإن أنا سارعت الاجابة صدت 10 وإن قلت سقمي وكلت سقم طرفها * بإبطال قولي أو بإدحاض حجتي وإن سمعت وانار قلبي شناعة * عليها أجابتني بوانار وجنتني وأصرف همي عن هواها بهمتي * عزوفا فتثنيني إذا ما تثنت وأنشد بين البين والهجر مهجتي * ولم أدر في أي السبيلين ضلت وما أحسب الأيام أيام هجرها * تطاولني إلا لتقصر مدتي 15 دعوا الأمة اللاتي استحلت تكن * مع الأمة اللاتي بغت فاستحلت فما يقتدي إلا بها في اغتصابها * ولا أقتدي إلا بصبر أئمتي أليس بنو الزهراء أدهى رزية * عليكم إذا فكرتم في رزيتي حماتي إذا لانت قناتي وعدتي * إذا لمن تكن لي عدة عند شدتي أقامت لحرب الله حزب أئمة * إذا هي ضلت عن سبيل أضلت 20 قلوب على الدين العتيق تألفت * لهم ومن الحق القديم استملت
[227]
بماذا ترى تحتج يا آل أحمد * على أحمد فيكم إذا ما استعدت ؟ !
وأشهر ما يروونه عنه قوله: * تركت كتاب الله فيكم وعترتي ولكن دنياهم سعت فسعوا لها * فتلك التي فلت ضميرا عن التي وله في أهل البيت سلام الله عليهم: أصبحوا يفرقون من افراقي * فاستغاثوا في نكستي بالفراق ما صبرتم لقد بخلتم على المدنف * حقا حتى بطول السياق راحة ما اعتمدتموها بقتلي * رب خير أتى بغير اتفاق سوف أمضي وتلحقون ولا علم * لكم ما يكون بعد اللحاق حيث لا يجمع القضية من يجمع * بين الخصمين ماض وباق 5 ما لهم لا خلقت فيهم فما أغفل * قومي عن الدم المهراق ؟ ! رب ظهر قلبته مثل ما يقلب * ظهر المجن للإرشاق بعد ما قادني فلم أدر حتى * صرت ما بين ملتقى الأحداق وأراني أسير عينيك منهن * فماذا تراه في إطلاقي ؟ ! مسة من هواك بي لا من الجن * فهل من مغرم أو راق ؟ ! 10 غير أن يبرد احتراقي بوصل * أو بوعد أو أن يبل اشتياقي أو يعيد الكرى علي كما كان * لا موحشي من خيالك الطراق ما لنومي كأنه كان في * أول دمعي جرى من الآماق ؟ ! غير مسترجع فيرجى وهل يرجع * للعين أدمع في سباق ؟ ! بأبي شادن توثقت بالإيمان * منه قبل شد وثاقي 15 فهو إلا يكن لحرب فحرب * علمته خيانة الميثاق نفر من أمية نفر الاسلام من بينهم نفور إباق أنفقوا في النفاق ما غصبوه * فاستقام النفاق بالانفاق وهي دار الغرور قصر باللوم * فيها تطاول العشاق
وأراها لا تستقيم لذي الزهد إذ المال مال بالأعناق 20 فلهذا أبناء أحمد أبناء علي * طرايد الآفاق
[228]
فقراء الحجاز بعد الغنى الأكبر * أسرى الشام قتلى العراق جانبتهم جوانب الأرض حتى * خلت أن السماء ذات انطباق إن اقصر يا آل أحمد أو أغرق * كان التقصير كالإغراق 25 لست في وصفكم بهذا وهذا * لا حقا غير أن تروا إلحاقي إن أهل السماء فيكم وأهل الأرض * ما دامتا لأهل افتراق عرفت فضلكم ملائكة الله * فدانت وقومكم في شقاق يستحقون حقكم زعموا ذلك * - سحقا - لهم من استحقاق وأرى بعضهم يبايع بعضا * بانتظام من ظلمكم واتساق 30 واستثاروا السيوف فيكم فقمنا * نستثير الأقلام في الأوراق أي عين ؟ لولا القيامة والمرجو * فيها من قدرة الخلاق فكأني بهم يودون لو أن الخوالي * من الليالي البواقي ليتوبوا إذا يذادون عن أكرم * حوض عليه أكرم ساق وإذا ما التقوا تقاسمت النار * عليا بالعدل يوم التلاق 35 قيل: هذا بما كفرتم فذوقوا * ما كسبتم يا بؤس ذاك المذاق وقال في يوم عاشورا يمدح الإمام الحاكم بأمر الله: خلا طرفه بالسقم دوني يلازمه * إلى أن رمى سهما فصرت أساهمه فأصبح بي ما لست أدري أمثله * بجفنيه ؟ ! أم لا يعدل السقم قاسمه ؟ ! لئن كان أخفى الصدر صدا من الجوى * ففي العين عنواناته وتراجمه ولم تخفه إن الهوى خف حمله * ولكن لأن النوم ليس يلايمه
5 ويا رب ليل قصر الذكر طوله * فما طلعت حتى تجلت غمائمه وما نمت فيه غير أن لو سألتني * عن الشغل عنه قلت ما قال نائمه ولكنه ألقى على الصبح لونه * فوالاه يوم شاحب الوجه ساهمه كما جاء يوم في المحرم واحد * خبا نوره لما استحلت محارمه طغت عبد شمس فاستقل محلقا * إلى الشمس من طغيانها متراكمه 10 فمن مبلغ عني أمية إنني * هتفت بما قد كنت عنها أكاتمه ؟ !
[229]
مضت أعصر معوجة باعوجاجكم * فلا تنكروا إن قوم الدهر قايمه وجدد عهد المصطفى بعض أهله * وحكم في الدين الحنيفي حاكمه فيا أيها الباكون مصرع جده * دعوا جده تبكي عليه صوارمه ألا أيها الثكلى التي من دموعها * إذا هي حيت من قتيل جماجمه لقد خسر الدارين من صد وجهه * فلا أنت مبقيه ولا الله راحمه 15 حريصا على نار الجحيم كأنه * يخاف على أبوابها من يزاحمه إلى من تراه فوض الأمر غيركم * إذا أنتم أركانه ودعائمه فيا لك منها دولة علوية * تبدت بسعد حاكم الدهر خاتمه [القصيدة] وله قوله: بالذي ألهم تعذيبي ثناياك العذابا * والذي ألبس خديك من الورد نقابا والذي أودع في فيك من الشهد شرابا * والذي صير حظي منك هجرا واجتنابا ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا ؟ ! والذي قالته للدمع فواراها انصبابا ؟ يا غزالا صاد باللحظ لقلبي فأصابا * عمرك الله بصب لا يرى إلا مصابا هذه الأبيات توجد في ديوان المترجم فنسبتها إلى (الصنوبري) كما في كشكول
البهائي ج 1 ص 23 في غير محله، وأخذ البهائي منها قوله: يا بدر دجا فراقه القلب أذاب * مذ ودعني فغاب صبري إذ غاب بالله عليك أي شئ قالت * عيناك لقلبي المعنا فأجاب ؟ ! وللمترجم الصوري: سفرن بدورا وانتقبن أهلة * ومسن غصونا والتفتن جواذرا وأبدين أطراف الشعور تسترا * فأغدرت الدنيا علينا غدايرا وربتما أطلعن والليل مقبل * شموس وجوه توفف الليل حايرا فهن إذا ما شئن أمسين أو إذا * تعرضن أن يسبحن كن قوادرا وقال يرثي شيخ الأمة ابن المعلم أبا عبد الله محمد بن محمد بن نعمان المفيد المتوفى 413:
[230]
تبارك من عم الأنام بفضله * وبالموت بين الخلق ساوى بعدله مضى مستقلا بالعلوم محمد * وهيهات يأتينا الزمان بمثله جاء في (بدائع البداية) (1) بإسناده عن بكار بن علي الرياحي أنه قال: لما وصل عبد المحسن الصوري إلى دمشق جاءني المجدي الشاعر فعرفني به وقال: هل لك أن نمضي إليه ونسلم عليه ؟ فأجبت وقمت معه حتى أتينا إلى منزله وكان ينزل دائما إذا قدم في سوق القمح وكان بين يديه دكان قطان وفيها رجل أعمى فوقفت به عجوز كبيرة فكلمها بشئ وهي منصتة له فقال المجدي في الحال: منصتة تسمع ما يقول فقال عبد المحسن في الحال: (2) كالخلد لما قابلته الغول فقال له المجدي: أحسنت والله يا أبا محمد أتيت بتشبيهين في نصف بيت أعيذك بالله. ا ه
ومن لطيف قول الصوري ما قاله وقد استعير منه كتاب وحبس عليه كما يوجد في ديوانه: ماذا جناه كتابي فاستحق به * سجنا طويلا وتغييبا عن الناس فاطلقه نسأله عما كان حل به * في طول سجنك من ضر ومن باس كتب الشاعر المفلق أحمد بن سلمان الفجري إلى عبد المحسن الصوري: أعبد المحسن الصوري لم قد * جثمت جثوم منهاض كسير ؟ ! فإن قلت: العبالة (3) أقعدتني * على مضض وعافت عن مسيري فهذا البحر يحمل هضب رضوي * ويستثني بركن من ثبير وأن حاولت سير البر يوما * فلست بمثقل ظهر البعير إذا استحلى أخوك قلاك يوما * فمثل أخيك موجود النظير تحرك عل أن تلقى كريما * تزول بقربه إحن الصدور فما كل البرية من تراه * ولا كل البلاد بلاد صور
(1) وذكره ابن عساكر في تاريخه ج 3 ص 281. (2) في تاريخ ابن عساكر: كالحلد. وهو كما ترى. (3) العبالة: الضخامة.
[231]
فأجابه عبد المحسن: جزاك الله عن ذا النصح خيرا * ولكن جاء في الزمن الأخير وقد حدت لي السبعون حدا * نهى عما أمرت من المسير ومذ صارت نفوس الناس حولي * قصارا عذت بالأمل القصير (1) وقال في صبي اسمه مقاتل وله فيه شعر كثير: تعلمت وجنته رقية * لعقرب الصدع فما تلسع
صمت عن العاذل في حبه * أذني فمالي مسمع يسمع ودعته والدمع في مقلتي * في عبرتي مستعجل مسرع فظن إذ أبصرتها أنها * ساير أعضائي بها تدمع وقال: هذا قبل يوم النوى * فما ترى بعد النوى تصنع ؟ ! في غير وقت الدمع ضيعته * قلت: فقلبي عندكم أضيع وقال في مقاتل أيضا: احفظ فؤادي فأنت تملكه * واستر ضميري فأنت تهتكه هجرك سهل عليك أصعبه * وهو شديد علي مسلكه بسيف عينيك يا مقاتل كم * قتلت قبلي ممن كنت تملكه ؟ ! أما عزائي فلست آمله * فيك وصبري ما لست أدركه وقال فيه وهو معذر: وقف اليل والنهار وقد كان * إذا ما أتى النهار يقر لا يرى رجعه فيكسب عارا * لا ولا ثم قوة فيفر أين سلطان مقلتيك علينا ؟ ! * قل له ما يجوز في الحب سمر أنت فرقت نار خديك حتى * كل قلب صب لها فيه جمر فبماذا يلقى عذاريك ؟ قل لي * سيما أن تدارك الشعر شعر وعزيز علي إنك بالحرب وبالسلم طول عمرك غر وخلف المترجم علي أدبه الجم وقريضه البديع ولده عبد المنعم ذكره الثعالبي
القرن الخامس (38)
مهيار الديلمي المتوفى 428 (1) هل بعد مفترق الأظعان مجتمع ؟ ! * أم هل زمان بهم قد فات يرتجع ؟ ! تحملوا تسع البيداء ركبهم * ويحمل القلب فيهم فوق ما يسع مغربين هم والشمس قد ألفوا * ألا تغيب مغيبا حيثما طلعوا ؟ ! شاكين للبين أجفانا وأفئدة * مفجعين به أمثال ما فجعوا 5 تخطو بهم فاترات في أزمتها * أعناقها تحت إكراه النوى خضع تشتاق نعمان لا ترضى بروضته * دارا ولو طاب مصطاف ومرتبع فداء وافين تمشي الوافيات بهم * دمع دم وحشا في إثرهم قطع الليل بعدهم كالفجر متصل * ما شاء والنوم مثل الوصل منقطع ليت الذين أصاخوا يوم صاح بهم * داعي النوى: ثوروا صموا كما سمعوا 10 أو ليت ما أخذ التوديع من جسدي * قضى علي فللتعذيب ما يدع وعاذل لج أعصيه ويأمرني * فيهم وأهرب منه وهو يتبع يقول: نفسك فاحفظها فإن لها * حقا وإن علاقات الهوى خدع روح حشاك ببرد اليأس تسل به * ما قيل في الحب إلا أنه طمع والدهر لونان والدنيا مقلبة * الآن يعلم قلب كيف يرتدع 15 هذي قضايا رسول الله مهملة * غدرا وشمل رسول الله منصدع والناس للعهد ما لاقوا وما قربوا * وللخيانة ما غابوا وما شسعوا وآله وهم آل الإله وهم * رعاة ذا الدين ضيموا بعده ورعوا
[233]
ميثاقه فيهم ملقى وأمته * مع من بغاهم وعاداهم له شيع
تضاع بيعته يوم (الغدير) لهم * بعد الرضا وتحاط الروم والبيع مقسمين بإيمان هم جذبوا * بيوعها وبأسياف هم ظبعوا 20 ما بين ناشر حبل أمس أبرمه * تعد مسنونة من بعده البدع وبين مقتنص بالمكر يخدعه * عن آجل عاجل حلو فينخدع وقائل لي: علي كان وارثه * بالنص منه فهل أعطوه ؟ ! أم منعوا ؟ ! فقلت: كانت هنات لست أذكرها * يجزي بها الله أقواما بما صنعوا أبلغ رجالا إذا سميتهم عرفوا * لهم وجوه من الشحناء تمتقع 25 توافقوا وقناة الدين مائلة * فحين قامت تلاحوا فيه واقترعوا أطاع أولهم في الغدر ثانيهم * وجاء ثالثهم يقفو ويتبع قفوا على نظر في الحق نفرضه * والعقل يفصل والمحجوج ينقطع بأي حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم أنكم صحب له تبع ؟ ! وكيف ضاقت على الأهلين تربته * وللأجانب من جنبيه مضطجع ؟ ! 30 وفيم صيرتم الإجماع حجتكم * والناس ما اتفقوا طوعا ولا اجتمعوا ؟ ! أمر (علي) بعيد من مشورته * مستكره فيه و (العباس) يمتنع وتدعيه قريش بالقرابة والأنصار * لا رفع فيه ولا وضع فأي خلف كخلف كان بينكم * لولا تلفق أخبار وتصطنع ؟ ! واسألهم يوم (خم) بعد ما عقدوا * له الولاية لم خانوا ولم خلعوا ! ؟ 35 قول صحيح ونيات بها نغل * لا ينفع السيف صقل تحته طبع (1) إنكارهم يا أمير المؤمنين لها * بعد اعترافهم عار به ادرعوا ونكثهم بك ميلا عن وصيتهم * شرع لعمرك ثان بعده شرعوا تركت أمرا ولو طالبته لدرت * معاطس راغمته كيف تجتدع صبرت تحفظ أمر الله ما اطرحوا * ذبا عن الدين فاستيقظت إذ هجعوا 40
ليشرقن بحلو اليوم مر غد * إذا حصدت لهم في الحشر ما زرعوا
(1) النغل: الضغن وسوء النية. الطبع: الصدأ.
[234]
جاهدت فيك بقولي يوم تختصم الأبطال * إذ فات سيفي يوم تمتصع (1) إن اللسان لوصال إلى طرق * في القلب لا تهتديها الذبل الشرع آباي في فارس والدين دينكم * حقا لقد طاب لي أس ومرتبع 45 ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم * - حتى محا حقكم شكي - وأنتجع وقد مضت فرطات إن كفلت بكم * فرقت عن صحفي البأس الذي جمعوا (سلمان) فيها شفيعي وهو منك إذا * الآباء عندك في أبنائهم شفعوا فكن بها منقذا من هول مطلعي * غدا وأنت من الأعراف مطلع سولت نفسي غرورا إن ضمنت لها * أنى بذخر سوى حبيك أنتفع * (ما يتبع الشعر) * قال الأستاذ أحمد نسيم المصري في التعليق على قول مهيار: تضاع بيعته يوم (الغدير) لهم * بعد الرضا وتحاط الروم والبيع: الغدير: هو غدير خم بين مكة والمدينة، قيل: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس عنده فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. (2) قال الأميني: ليت شعري هل خفي على الأستاذ تواتر ذلك الحديث المروي عن مائة صحابي أو أكثر ؟ ! أم حبذته نزعاته الطائفية أن يسدل عليه أغشية الزور والدجل ؟ ويموهه على القاري، ويستر الحقيقة الراهنة بذيل أمانته ؟ ! ويوعز إلى ضعفه بكلمته: قيل ؟ ! قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون، والذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. (2)
وله ديوانه في ج 3 ص 15 يرثي بها أهل البيت عليهم السلام ويذكر البركة بولائهم فيما صار إليه: في الظباء الغادين أمس غزال * قال عنه ما لا يقول الخيال طارق يزعم الفراق عتابا * ويرينا أن الملال دلال
(1) تمتصع: تقاتل بالسيف. (2) ديوان مهيار ج 2 ص 182.
[235]
لم يزل يخدع البصيرة حتى * سرنا ما يقول وهو محال لا عدمت الأعلام كم نولتني * من منيع صعب عليه النوال لم تنغص وعدا بمطل، ولم يوجب * له منة علي الوصال فلليلي الطويل شكري، ودين العشق * أن تكره الليالي الطوال 5 لمن الظعن غاصبتنا جمالا ؟ ! * حبذا ما مشت به الاجمال ! كاتفات بيضاء دل عليها * أنها الشمس أنها لا تنال جمح الشوق بالخليع فأهلا * بحليم له السلو عقال كنت منه أيام مرتع لذاتي * خصيب وماء عيشي زلال حيث ضلعي مع الشباب وسمعي * غرض لا تصيبه العذال 10 يا نديمي كنتما فافترقنا * فاسلواني، لكل شئ زوال لي في الشيب صارف ومن الحزن * على آل أحمد إشغال معشر الرشد والهدى حكم البغي * عليهم سفاهة والضلال ودعاة الله استجابت رجال * لهم ثم بدلوا فاستحالوا حملوها يوم (السقيفة) أوزارا * تخف الجبال وهي ثقال 15 ثم جاءوا من بعدها يستقيلون * وهيهات عثرة لا تقال
يا لها سوءة إذا أحمد قام * غدا بينهم فقال وقالوا ! ربع همي عليهم طلل باق * وتبلى الهموم والأطلال يا لقوم إذ يقتلون عليا * وهو للمحل (1) فيهم قتال ويسرون بغضه وهو لا تقبل * إلا بحبه الأعمال 20 وتحال الأخبار والله يدري * كيف كانت يوم (الغدير) الحال (2) ولسبطين تابعيه فمسموم * عليه ثرى البقيع يهال درسوا قبره ليخفى عن الزوار * هيهات ! كيف يخفى الهلال ؟ ! وشهيد بالطف أبكى السماوات * وكادت له تزول الجبال
(1) المحل: الجدب. (2) كذا في ديوانه المخطوط وفي المطبوع: تحال.
[236]
25 يا غليلي له وقد حرم الماء * عليه وهو الشراب الحلال قطعت وصلة النبي بأن تقطع * من آل بيته الأوصال لم تنج الكهول سن ولا الشبان زهد ولا نجا الأطفال لهف نفسي يا آل طه عليكم * لهفة كسبها جوى وخبال وقليل لكم ضلوعي تهتز * مع الوجد أو دموعي تذال 30 كان هذا كذا وودي لكم حسب * وما لي في الدين بعد اتصال وطروسي سود فكيف بي الآن * ومنكم بياضها والصقال حبكم كان فك أسري من الشرك * وفي منكبي له أغلال كم تزملت بالمذلة حتى * قمت في ثوب عزكم أختال بركات لكم محت من فؤادي * ما أمل الضلال عم وخال 35 ولقد كنت عالما أن إقبا * لي بمدحي عليكم إقبال
(3) وله من قصيدة يرثي بها أهل البيت عليهم السلام وهي 63 بيتا توجد في ديوانه ج 4 ص 198 مطلعها: لو كنت دانيت المودة قاصيا * رد الحبائب يوم بن فؤاديا إلى أن قال: وبحي آل محمد إطراؤه * مدحا وميتهم رضاه مراثيا هذا لهم والقوم لا قومي هم * جنسا وعقر ديارهم لا داريا إلا المحبة فالكريم بطبعه * يجد الكرام الأبعدين أدانيا يا طالبيين اشتفى من دائه المجد * الذي عدم الدواء الشافيا 5 بالضاربين قبابهم عرض الفلا * عقل الركائب ذاهبا أو جائيا شرعوا المحجة للرشاد وأرخصوا * ما كان من ثمن البصائر غالبا وأما وسيدهم علي قولة * تشجي العدو وتبهج المتواليا لقد ابتنى شرفا لهم لو رامه * زحل بباع كان عنه عاليا
[237]
وأفادهم رق الأنام بوقفة * في الروع بات بها عليهم واليا ما استدرك الانكار منهم ساخط * إلا وكان بها هنالك راضيا 10 أضحوا أصادقه فلما سادهم * حسدوا فأمسوا نادمين أعاديا فارحم عدوك ما أفادك ظاهرا * نصحا وعالج فيك خلا خافيا وهب (الغدير) أبوا عليه قوله * بغيا * فقل: عدوا سواه مساعيا بدرا واحدا أختها من بعدها * وحنين وقارا بهن فصاليا (1) والصخرة الصماء أخفى تحتها * ماءا وغير يديه لم يك ساقيا 5 وتدبروا خبر اليهود بخيبر * وارضوا بمرحب وهو خصم قاضيا
هل كان ذاك الحصن يرهب هادما ؟ ! * أو كان ذاك الباب يفرق داحيا ؟ ! وتفكروا في أمر عمرو (2) أولا * وتفكروا في أمر عمرو (3) ثانيا أسدان كانا من فرائس سيفه * ولقلما هابا سواه مدانيا ورجال ضبة عاقدي حجزاتهم * يوم البصيرة من معين (4) تفانيا 20 ضغموا (5) بناب واحد ولطالما * ازدردوا أراقم قبلها وأفاعيا ولخطب صفين أجل وعندك الخبر * اليقين إذا سألت معاويا * (ما يتبع الشعر) * قال الأستاذ أحمد نسيم المصري في شرح قوله: وهب الغدير أبوا عليه قبوله * نهيا فقل: عدوا سواه مساعيا: النهي: الغدير أو شبهه. وللإمام علي وقعة تسمى بوقعة (غدير خم) و
كذا في ديوانه المخطوط وفي المطبوع منه: نهيا. (1) وقارا: شادا بلجام الدابة لتسكن. يشير إلى أن أمير المؤمنين كان آخذا بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله خوفا من إجفالها. (2) يعني عمرو بن ود الذي قتله أمير المؤمنين يوم الخندق. (3) يعني عمرو بن العاص المترجم في كتابنا ج 2 ص 120 - 176. (4) معين اسم مدينة باليمن أو هو حصن بها. (5) ضغم الشئ: عضه بملاء فمه. يقال: ضغمه ضغمة الأسد.
[238]
الشاعر يشير إليها. قال الأميني: ليت الأستاذ بعد شرحه [النهي] وجعله بدلا عن [البغي] الموجود في مخطوط ديوانه يعرب عن معناه الحالي أو المفعولي، ويعرف أن مثله لا يصلح من مثل مهيار المتضلع الفحل، وكأنه يرى رأي شاكلته إبراهيم ملحم أسود في قوله: يوم الغدير واقعة حرب معروفة (1) فليته دلنا على تلك الوقعة
المسماة بوقعة (الغدير) وذكر شطرا من تاريخها، يريدون أن يبدلوا كلام الله، و ارتابت قلوبهم في ريبهم يترددون. * (الشاعر) * أبو الحسن (2) مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي نزيل درب رياح بالكرخ هو أرفع راية للأدب العربي منشورة بين المشرق والمغرب، وأنفس كنز من كنوز الفضيلة، وفي الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد، وموطدي أسسها، ورافعي علاليها، ويده الواجبة على اللغة الكريمة ومن يمت بها وينتمي إليها لا تزال مذكورة مشكورة يشكرها الشعر والأدب، تشكرها الفضيلة والحسب، تشكرها العروبة والعرب، و أكبر برهنة على هذه كلها ديوانه الضخم الفخم في أجزائه الأربعة الطافح بأفانين الشعر وفنونه وضروب التصوير وأنواعه، فهو يكاد في قريضه يلمسك حقيقة راهنة مما ينضده، ويذر المعنى المنظوم كأنه تجاه حاستك الباصرة، ولا يأتي إلا بكل اسلوب رصين، أو رأي صحيف، أو وصف بديع، أو قصد مبتكر، فكان مقدما على أهل عصره مع كثرة فحولة الأدب فيه، وكان يحضر جامع المنصور في أيام الجمعات ويقرأ على الناس ديوان شعره (3) ولم أر الباخرزي قد بالغ في الثناء عليه بقوله في (دمية القصر) ص 76: هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر، وكاتب تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الدهر المذنب عن الذنوب. أما شعره في المذهب فبرهنة وحجاج فلا تجد فيه إلا حجة دامغة، أو ثناء
(1) قد أسلفنا الكلام فيه في الجزء الثاني ص 331. (2) وفي بعض المصادر القديمة: أبو الحسين. (3) تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 276.
[239]
صادقا، أو تظلما مفجعا، ولعل هذه هي التي حدت أصحاب الإحن إلى إخفاء فضله الظاهر والتنويه بحياته الثمينة كما يحق له، فبخست حقه المعاجم، فلم تأت عند ذكره إلا بطفائف هي دون بعض ما يجب له، غير أن حقيقة فضله أبرزت نفسها، ونشرت ذكره مع مهب الصبا، فأين ما حللت لا تجد للمهيار إلا ذكرا وشكرا وتعظيما و تبجيلا، وعلى ضوء أدبه وكماله يسير السائرون. ولعمر الحق إن من المعاجز أن فارسيا في العنصر يحاول قرض الشعر العربي فيفوق أقرانه ولا يتأتى لهم قرانه، ويقتدى به عند الورد والصدر، ولا بدع أن يكون من تخرج على أئمة العربية من بيت النبوة وعاصرهم وآثر ولائهم واقتص أثرهم كالعلمين الشريفين: المرتضى والرضي وشيخهما شيخ الأمة جمعاء [المفيد] و نظرائهم أن يكون هكذا، إلا تاهت الظنون، وأكدت المخائل في الحط من كرامة الرجل بتقصير ترجمته، أو التقصير في الابانة عنه، أو التحامل عليه بمخرقة، و الوقيعة فيه برميه بما يدنس ذيل أمانته كما فعل ابن الجوزي في (المنتظم) فجدع أرنبته باختلاق قضية مكذوبة عليه، ورماه بالغلو، وحاشاه عن كل ذلك، إن يقولون إلا كذبا. فهذا مهيار بأدبه الباذخ، وفضله الشامخ، وعرفه الفائح، ونوره الواضح، و مذهبه العلوي، وقريضه الخسرواني، قد طبق العالم ثناء وإطراء ومكرمة وجلالة، وما يضره أمسه إن كان مجوسيا فارسيا فيه، وها هو في يومه مسلم في دينه، علوي في مذهبه، عربي في أدبه، وها هو يحدث شعره عن ملكاته الفاضلة، ويتضمن ديوانه آثار نفسياته الكريمة، وخلد له ذكرى مع الأبد، فهل أبقى [أبو الحسن مهيار] ذروة من الشرف لم يتسنمها ؟ ! أو صهوة من النبوغ لم يمتطها ؟ ! ولو كان يؤاخذ بشئ من ماضيه لكان من الواجب مؤاخذة الصحابة الأولين كلهم على ماضيهم التعيس غير أن الاسلام يجب ما قبله، فتراه يتبهج بسودد عائلته المالكة التي هي أشرف عائلات
فارس، ويفتخر بشرف إسلامه وحسن أدبه بقوله: أعجبت بي بين نادي قومها * أم سعد فمضت تسأل بي سرها ما علمت من خلقي * فأرادت علمها ما حسبي
[240]
لا تخالي نسبا يخفضني * أنا من يرضيك عند النسب قومي استولوا على الدهر فتى * ومشوا فوق الرؤوس الحقب عمموا بالشمس هاماتهم * وبنوا أبياتهم بالشهب وأبي كسرى (1) على إيوانه * أين في الناس أب مثل أبي ؟ ! سورة الملك القدامى وعلى * شرف الاسلام لي والأدب قد قبست المجد من خير أب * وقبست الدين من خير نبي وضممت الفخر من أطرافه * سودد الفرس ودين العرب أسلم المترجم على يد سيدنا الشريف الرضي سنة 394 (2) وتخرج عليه في الأدب والشعر وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الثانية سنة 428، ولم أقف على خلاف في تارخ وفاته في الكتب المعاجم التي توجد فيها ترجمته منها: تاريخ بغداد 13 ص 276، المنتظم ج 8 ص 94، تاريخ ابن خلكان 2 ص 277، مرآة اليافعي 3 ص 47، دمية القصر ص 76، تاريخ ابن كثير 12 ص 41، كامل ابن الأثير 9 ص 159، تاريخ أبي الفدا 2 ص 168، أمل الآمل لشيخنا الحر، روض المناظر لابن شحنة، أعلام الزركلي 3 ص 1079، شذرات الذهب 3 ص 247، تاريخ آداب اللغة 2 ص 259، نسمة السحر فيمن تشيع وشعر، دائرة المعارف لفريد وجدي 9 ص 484، سفينة البحار 2 ص 563 مجلة المرشد 2 ص 85. ومن نماذج شعر مهيار في المذهب قوله يمدح أهل البيت عليهم السلام: بكى النار سترا على الموقد * وغار يغالط في المنجد
أحب وصان فورى هوى * أضل وخاف فلم ينشد ؟ ! بعيد الإصاخة عن عاذل * غني التفرد عن مسعد حمول على القلب وهو الضعيف * صبور على الماء وهو الصدي 5 وقور وما الخرق من حازم * متى ما يرح شيبه يغتدي
(1) ولد في أيام ملكه نبي العظمة صلى الله عليه وآله ويعزى إليه (ع): ولدت في زمن الملك العادل. (2) كامل ابن الأثير 9 ص 170، المنتظم لابن الجوزي 8 ص 94.
[241]
ويا قلب إن قادك الغانيات * فكم رسن فيك لم ينقد أفق فكأني بها قد أمر * بأفواهها العذب من موردي وسود ما ابيض من ودها * بما بيض الدهر من أسودي وما الشيب أول غدر الزمان * بلى من عوائده العود لحا الله حظي كما لا يجود * بما أستحق وكم أجتدي 10 وكم أتعلل عيش السقيم * أذمم يومي وأرجو غدي لئن نام دهري دون المنى * وأصبح عن نيلها مقعدي ولم أك أحمد أفعاله * فلي أسوة ببني أحمد بخير الورى وبني خيرهم * إذا ولد الخير لم يولد وأكرم حي على الأرض قام * وميت توسد في ملحد 15 وبيت تقاصر عنه البيوت * وطال عليا على الفرقد تحوم الملائك من حوله * ويصبح للواحي دار الندي ألا سل قريشا ولم منهم * من استوجب اللوم أو فند وقل: ما لكم بعد طول الضلال * لم تشكروا نعمة المرشد ؟ !
أتاكم على فترة فاستقام * بكم جائرين عن المقصد 20 وولى حميدا إلى ربه * ومن سن ما سنه يحمد وقد جعل الأمر من بعده * لحيدر بالخبر المسند وسماه مولى بإقرار من * لو اتبع الحق لم يجحد فملتم بها - حسد الفضل - عنه * ومن يك خير الورى يحسد وقلتم: بذاك قضى الاجتماع * ألا إنما الحق للمفرد 25 يعز على هاشم والنبي * تلاعب تيم بها أو عدي وإرث علي لأولاده * إذا آية الإرث لم تفسد فمن قاعد منهم خائف * ومن ثائر قام لم يسعد تسلط بغيا أكف النفاق * منهم على سيد سيد
[242]
30 وما صرفوا عن مقام الصلاة * ولا عنفوا في بنى (1) المسجد أبوهم وأمهم من علمت * فأنقص مفاخرهم أو زد أرى الدين من بعد يوم الحسين * عليلا له الموت بالمرصد وما الشرك لله من قبله * إذا أنت قست بمستبعد وما آل حرب جنوا إنما * أعادوا الضلال على من بدي 35 سيعلم من فاطم خصمه * بأي نكال غدا يرتدي ومن ساء أحمد يا سبطه * فباء بقتلك ماذا يدي ؟ ! فداؤك نفسي ومن لي بذاك * لو أن مولى بعبد فدي وليت دمي ما سقى الأرض منك * يقوت الردى وأكون الردي وليت سبقت فكنت الشهيد * أمامك يا صاحب المشهد 40 عسى الدهر يشفي غدا من * عداك قلب مغيظ بهم مكمد
عسى سطوة الحق تعلو المحال * عسى يغلب النقص بالسودد وقد فعل الله لكنني * أرى كبدي بعد لم تبرد بسمعي لقائمكم دعوة * يلبي لها كل مستنجد أنا العبد والاكم عقده * إذا القول بالقلب لم يعقد 45 وفيكم ودادي وديني معا * وإن كان في فارس مولدي خصمت ضلالي بكم فاهتديت * ولولاكم لم أكن أهتدي وجردتموني وقد كنت في * يد الشرك كالصارم المغمد ولا زال شعري من نائح * ينقل فيكم إلى منشد وما فاتني نصركم باللسان * إذا فاتني نصركم باليد وقال يرثي أمير المؤمنين عليا وولده الحسين ويذكر مناقبهما وكان ذلك من نذائر ما من الله تعالى به من نعمة الاسلام في المحرم سنة 392 (2). يزور عن حسناء زورة خائف * تعرض طيف آخر الليل طائف
(1) بنى جمع بنية. (2) كذا في ديوانه وقد مر عن معاجم أنه أسلم سنة 394.
[243]
فأشبهها لم تغد مسكا لناشق * كما عودت ولا رحيقا لراشف قصية دار قرب النوم شخصها * ومانعة أهدى سلام مساعف ألين وتغري بالإباء كأنما * تبر بهجراني ألية حالف وبالغور للناسين عهدي منزل * حنانيك من شات لديه وصائف 5 أغالط فيه سائلا لا جهالة * فأسأل عنه وهو بادي المعارف ويعذلني في الدار صحبي كأنني * على عرصات الحب أول واقف خليلي إن حالت - ولم أرض - بيننا * طوال الفيافي أو عراض التنائف
فلا زر ذاك السجف إلا لكاشف * ولا تم ذاك البدر إلا لكاسف فإن خفتما شوقي فقد تأمنانه * بخاتلة بين القنا والمخاوف 10 بصفراء لو حلت قديما لشارب * لضنت فما حلت فتاة لقاطف يطوف بها من آل كسرى مقرطق (1) يحدث عنها من ملوك الطوائف سقى الحسن حمراء السلافة خده * فأنبع نبتا أخضرا في السوائف (2) وأحلف أني شعشعت لي بكفه * سلوت سوى هم لقلبي محالف عصيت على الأيام أن ينتزعنه * بنهي عذول أو خداع ملاطف 15 جوى كلما استخفي ليخمد هاجه * سنا بارق من أرض كوفان خاطف يذكرني مثوى علي كأنني * سمعت بذاك الرزء صيحة هاتف ركبت القوافي ردف شوقي مطية * تخب بجاري دمعي المترادف إلى غاية من مدحه إن بلغتها * هزأت بأذيال الرياح العواصف وما أنا من تلك المفازة مدرك * بنفسي ولو عرضتها للمتالف 20 ولكن تؤدي الشهد إصبع ذائق * وتعلق ريح المسك راحة دائف (3) بنفسي من كانت مع الله نفسه * إذا قل يوم الحق من لم يجازف إذا ما عزوا دينا فآخر عابد * وإن قسموا دنيا فأول عائف